قعدت فوق الأرض وسط الغرفة، ضهري للحائط وبندقيتي في حضني، والمخلوقة مربوطة في الركن. جسمها كله خدوش وجروح، وعينيها الواسعة بتلمع في الضلمة من الدموع. فضلت أراقبها. كان فيه صوت صفير خافت في الهوا… نفس الذبذبات بتاعتها… خيوط صوتية بتتسلل لدماغي زي خناجر. صرخت فيها: "اسكتي! متعملش الصوت ده تاني هقتلك." سكتت. دموعها نزلت بهدوء.
مكنش عندي رحمة، ومكنتش عايز يكون عندي رحمة. كل حاجة جوايا كانت بتتحول لحاجة تانية… شيء مش أنا. شيء قبيح كل همه الانتقام. يمكن البنت الميتة اللي شفتها، يمكن الجحيم اللي أنا فيه، أو يمكن لأني كنت لوحدي والجنون بيقرب مني.
بصيت ع الأرض، لقيت شنطة ضحى لسه محطوطة في الركن. فتحتها، جواها حاجات بسيطة… كتاب صغير، صورة مش واضح فيها غير ملامح نص وشها… ضحى كانت جميلة. ساعتها حسيت بحرارة في قلبي، حاجة مرة، حاجة بتوجع ومش قادر أطلعها. بصيت للمخلوقة… "انتي السبب… انتي لعنة…" قربت منها ووشي قدام وشها. "لو كنتي بني آدم كنت موتك بإيدي." عينيها، كانت فيها حاجة. مش خوف، ولا دموع… حاجة تانية. حاجة زي… ندم ممزوج بالرعب. سألتها: "انتي قتلتيها؟ صح؟
هزت راسها بالنفي، دموعها بتغرق خدودها الزرقا. ذبذبات خفيفة خرجت منها… ما فهمتش معناها. فجأة مشيت لحد المنضدة، مسكت الكشاف، ووجهته على ضهرها. كان فيه نقش محفور على جلدها… رمز دائري، جواه حرفين. "M. R" "دكتور مرتضى." صرخت: "عايزة تقولي إيه؟ "مرتضى كان بيعمل معاكي إيه؟ قربت منها… سحبت السلاسل. المخلوقة وقعت على الأرض، إيدها بتترعش.
سحبت السوط وبكل قوتي جلدتها، جلدتها بلا رحمة، جلدتها لحد ما إيدي وجعتني ومأثرش فيا صراخها أو دموعها. رميت السوط على الأرض وقعدت من التعب. لقيتها زحفت ناحيتي وقعدت تبوس في رجلي بطاعة عمياء. "ابعدي عني! " صرخت وأنا بركلها بقدمي، "هتفضلي محبوسة هنا، مش عايز أشوفك تاني." مكنتش عارف إني هشوفها أسرع مما تخيلت. ***
فضلت طول النهار مرابط جوه الوحدة الصحية. عرفت إنها بقت الحصن الوحيد اللي أقدر أحتمي فيه، بعد ما قلبت الشارع جحيم والمخلوقات سابت جثثها وراها. كنت متأكد إنهم مش هيسيبوا اللي حصل يعدي… وفعلاً، الليلة جت وهي شايلة ريحة انتقام. قبل المغرب بساعة، حسيت بالهوا بيتقل. الشمس بقت كأنها بتختنق في الغروب.
لون السما قلب بنفسجي، وأصوات غريبة بتهز الصحرا… أصوات أعمق من العادي… مش الذبذبات اللي عرفتها، لا، دي كانت زئير… حاجة بتجري في الرمل بقوة. جهزت القنابل، سحبت البندقية، وقعدت ورا الشباك وأنا قلبي بيدق في صدري. كنت مستعد، أو على الأقل كنت فاكر نفسي مستعد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!