أول ما خرجنا من الممر الضيق، كنت حاسس بجسمي كله متكسر، هدومي متقطعة والتراب مغطي وشي وجسمي كأني خرجت من مقبرة للتو. بصيت حواليا. كان المصنع بقى كتلة من المعدن، والجدران متكسرة، الشبابيك كلها محطمة، الحديد متني كأنه سكراب، المخلوقات كسرت ومزقت كل حتة فيه. أعمدة الإضاءة محنية… السقف منهار… وأرض المصنع مليانة بقايا حاجات شبه العظام، وأجزاء من معدات صدية، ودم أسود لسه بيقطر. أما الوحدة الصحية… فكانت أسوأ.
اتحولت لكومة طوب متفحم، الدخان طالع من بقاياها، ريحة الحديد المحروق … والحوائط اللي كانت موجودة مابقاش منها غير أجزاء متفحمة بتتشهد قبل ما تنهار. كنت سامع لسه صوت خشب بيتكسر في الهوا… والدنيا حواليا فاضية… مفيش ولا كائن. المخلوقة مشيت قدامي. كانت بتتألم… ماشية بترنح. وصلتنا لمنطقة مهجورة جنب المصنع، كنت دايمًا شايفها من بعيد ومفكرتش أدخلها. حطت إيدها على صفيحة حديد ضخمة في الأرض، وبدأت تزيحها. طلع تحتها ممر.
ممر مظلم… بارد… ريحته زي العفن والمعامل القديمة. بصت ليّا، وشاورت بأيدها. نزلت ووراها، الممر كان بيودي لباب حديد، فتحته بالعافية… ولقيت نفسي قدام معمل. معمل متكامل تحت الأرض. أنابيب مكسورة… محاليل لسه فيها سائل أخضر. ملفات قديمة مكتوب عليها بالألماني… "Projekt Chimäre —1942" وجنبه شعار الصليب المعقوف.
أدراج مليانة عينات محفوظة في سائل، بعضها لسه فيه أشكال كائنات مش بشرية… وأوراق باهتة مكتوب فيها عن "تجارب الطفرات الوراثية أثناء الحرب". كان معمل سري… اتبنى تحت الأرض، لما النازيين كانوا بيجروا تجارب على الأسرى… تجارب لخلق كائنات تمزج ما بين الإنسان ووحوش الصحراء. وفعلاً، لقيت خريطة على الحيط. خريطة قديمة فيها موقع اسمه "Dakhla 52". وملاحظات عن بعثة رومانية وأخرى فارسية. وفي درج مقفول… لقيت وثيقة قديمة مكتوب فيها:
"بقايا جيش قمبيز… لم تختفِ…" الجيش الفارسي اللي ضاع في الصحراء، جيش قمبيز إلى كل الدلائل كانت بتقول إن الصحراء بلعتهم، كان لسه موجود. استطاع الجنود إنهم يعيشوا تحت الأرض ويتكيفوا مع البيئة. لحد ما قامت الحرب. أسرهم معسكر الأبحاث النازي وقت الحرب العالمية الثانية… وبدأوا يجروا عليهم تجارب جينية لتحويلهم لكائنات تناسب مناخ الصحرا… ضخمة، قاتلة، تقدر تعيش وسط العواصف… كائنات فقدت ذاكرتها… وفضلت هناك… وانتشرت.
والمخلوقات اللي هاجمتنا… هي نسلهم. المخلوقة بصت ليا… بعنيها اللي كانت خلاص بتفقد بريقها… وحسيت إنها بتقول لي: "انت كده عرفت الحكاية. أنا كنت إنسانة زيك." المعمل تحت الأرض كان أشبه بقبر جماعي. الجدران من الأسمنت الرمادي المتآكل، مغطاة ببقع سوداء وزرقة عفن قديم. الهواء تقيل، ريحته زي جلود فاسدة ونحاس صدئ، وكنت بحس إن كل نفس بسحبه بيدخل جوايا سم. في وسط القاعة الرئيسية…
طاولات معدنية عليها بقايا عينات محفوظة في أوعية زجاجية متشققة. بعض الأوعية لسه فيها سوائل خضرا باهتة… جواها أشكال مش مفهومة —جمجمة شبه بشري لكن بعيون أفقية… ذراع فيها أصابع أكتر من الطبيعي… جنين مشوه بجناحات جلدية متكسرة. وفي الأركان… جثث علماء. لابسين بالطو أبيض متعفن، عضمهم باين من تحت الجلد المتيبس… ملامحهم متجمدة في لحظة رعب… فيه واحد منهم كان لسه ماسك قلم ومتجمد فوق ورقة مكتوب فيها:
"عينة 47… فقدت السيطرة. يجب إغلاق البوابة فورًا." على الأرض حوالين المعمل… أدوات تشريح ملطخة… مشرط غرس في عظمة فك مكسورة… أنابيب اختبار وقع منها سائل لازج عمل بقعة بتبرق تحت نور خافت جاي من لمبة وحيدة لسه شغالة وبتترعش. في ركن جنب الحائط… لقيت بقايا تابلوه كهرباء… والأسلاك خارجة منه زي شرايين مقطوعة… وجنبه رفوف فيها ملفات متآكلة… واحدة منهم كان مكتوب عليها: "ملف: تحويرات نسل قمبيز" ولما فتحتها…
صور قديمة بالأبيض والأسود… لرجال فارسيين مربوطين في طاولات، وجنود نازيين حواليهم، وورق ملاحظات عن معدل التحول في الأنسجة، وتحذيرات عن "تضاعف الحجم الغير متحكم فيه". أما أبشع حاجة… كان خزان زجاجي كبير في قلب المعمل… جواه سائل داكن… وبيطفو فيه جثمان مشوه، طوله أكتر من 3 متر… جلده أزرق مسود… ومكتوب على الخزان: "النموذج الأول —قائد الكتيبة المفقودة" كان لسه عينه مفتوحة… والنور بينعكس جواها كأنها بتراقب.
المخلوقة اللي معايا… وقفت قدامه، وانحنت برأسها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!