كانت رهف قد انتهت من حمامها وخرجت لتجلس بالفراش لتجد أن مراد قد أعد لها مشروبًا دافئًا وقدمه لها وجلس بجوارها قائلاً بابتسامة صافية: ها.. كلي آذان صاغية يا دكتورة.. اتفضلي قول لي كل اللي انتي عاوزة تقوليه، أو تحبي تأجلي الكلام لبكرة لو محتاجة تنامي. نظرت رهف إلى يديها التي تعبث بالغطاء وتنهدت تنهيدة صغيرة واعتدلت بجلستها ونظرت لمراد قائلة:
يمكن لما سبت القاهرة وجيت على هنا ما كنتش أعتقد أبدًا ولا جه على بالي لحظة إنك ممكن تيجي ورايا. وحتى أما جيت، ما اعتقدتش برضه إنك جاي عشاني، كل تفكيري إنك جاي عشان الشغل، زي ما قلت لي قبل كده ورجعت أكدت لي من تاني كلامك.. بإن أهم حاجة في حياتك. لما رجعنا من تركيا، حسيتك اتبدلت، أو على الأصح رجعت زي ما كنت قبل سفرنا بالظبط. اللي كان معايا هناك كان إنسان تاني تمامًا، حنين ومراعي لأبعد حد لدرجة إن جه عليا وقت صدقت إنك….
وعندما صمتت قال مراد ليحثها على استكمال حديثها: سكتي ليه، صدقتي إيه.. كملي. رهف وهي تعود بعينيها إلى الأسفل: صدقت إنك بتحبني. مراد بدفاع: طب ما أنا بحبك. رهف باستياء: اللي بيحب ما يهملش أبدًا يا مراد. مراد: أنا ما قصدتش إني أهملك.. أنا بس انشغلت عنك شوية. رهف: حاولت أتكلم معاك وحاولت ما أسيبش دايرة الشغل تتوهنا عن بعض، بس أنت رفضت حتى تتكلم معايا. مراد:
صدقيني ظروفي أنا وعمي وظروف الشغل وقتها كانت مخليني بلف حوالين نفسي، وأكيد هييجي وقت وتفهمي كل ده، بس صدقيني أنا بحبك وبحبك قوي كمان. رهف بترقب: اللي يحب ما يجرحش يا مراد. مراد ببحة رجولية لذيذة: أنا آسف.. أنا معترف إني غلطان، وأوعدك إني بعد كده هاخد بالي من الحاجات اللي ممكن تضايقك أو تزعلك مني ومش هعملها تاني. رهف بحزن:
لما حسيت بأعراض الحمل، في الأول ما كنتش فاهمة، بس.. دادة هي اللي أخدت بالها وحذرتني وقالت لي إني لازم أروح أتأكد، لأنها كانت دايما تتخانق معايا عشان ما كنتش بقدر آكل كويس. ولما روحت للدكتورة واتأكدت من الحمل ما عرفتش أفرح.. اللحظة اللي كل ست بتتمناها.. لما تعرف إن في روح تانية بتتكون جواها وإنها هتبقى أم لمخلوق صغير هتحبه أكتر من روحها، بس أنا ما عرفتش. مراد بتساؤل: بسببي؟ رهف:
بسبب خوفي من إني آخد قرار يحرم ابننا من حضننا وإحنا مع بعض. مراد بذهول: إنتي اتجننتي، إنتي إزاي دماغك توديك إنك تفكري في حاجة زي كده، ومين أصلًا كان هيسمح لك إنك تبعدي عني يا مجنونة إنتي. رهف بحزن: صدقني.. كنت خايفة تفضل على طبعك لحد ما تقطع كل خيوط الود اللي بيننا، وكنت مصممة إني ما انجرحش أبدًا من تاني، استكفيت وجع وجروح وإهمال، استكفيت تهميش.
استكفيت برد يا مراد.. طول عمري بردانة حتى في عز الحر، طول عمري كأني قاعدة في صحرا خاوية من حواليا، عمري ما حسيت إن عندي جدار أتحامى فيه. يمكن قدرت تنسيني الإحساس ده وقت ما كنا في شهر العسل، بس لما الإحساس ده رجعلي من تاني كان أمر وأقسى بكتير قوي، حسيت وقتها إني خلاص.. نخيت زي الجمل.. وحسيت إني لو ما حاولت أساعد نفسي.. كل حاجة حلوة حسيتها معاك أول جوازنا هتروح ومش هترجع تاني أبدًا، وعشان كده كان لازم وقفة بيني وبينك تعرف كل واحد قيمته عند التاني إيه بالظبط.
مراد بدفاع: أنا اعتذرت لك وقلت لك إنك مسيرك تعرفي الظروف اللي مريت بيها أول ما رجعنا من السفر، ومش ببرر لك اللي حصل مني، أبدًا، بس عاوزك تنسي بقى كل ده وترتزي معايا، وتعرفي إني بحبك أكتر من عمري كله. رهف: أرجوك اسمعني للآخر، عشان أحس إني طلعت كل اللي جوايا. مراد: أنا آسف.. كملي. رهف بوجع وعيونها تمتلئ بالدموع:
كان نفسي بدل ما تفهمني إني مش فارقة معاك عشان تحضر لي مفاجأتك اللي عملتها لي، إني كنت أحس باهتمامك وبوجودك معايا. لما قلت لي إنك مسافر وبتسألني لو محتاجة حاجة كان نفسي أصرخ فيك وأقول لك كفاية كده، مش معقول يبقى قلبك أعمى للدرجة دي. ولما قلت لهدى إنك أكيد هترجع قبل فرح أنور وأمينة، حسستني أنا قد إيه ماليش قيمة عندك لدرجة إن أنور أهم مني بالنسبة لك عشان تبقى حريص على حضورك معاه أكتر مني. مراد بدفاع مقرون بالاعتذار:
أقسم لك إن كل الكلام ده ما جاش في بالي. أنا لما لقيتك متجاهلاني بالشكل ده، حبيت أسيبك على حريتك، وفي نفس الوقت كان لازم أسافر عشان أشحن الهدية بتاعتك وأمضي عقد الشقة. كنت متخيل إني لما هفاجئك بحضوري معاكي المناقشة إنك هتفرحي وهتغفري لي وهتنسي كل اللي قبل كده، ما كنتش فاهم إني جرحتك أوي كده، بس إنتي عندك حق، أنا كنت غبي وما حسبتهاش كويس.. أنا آسف.. حقك عليا بس حاولي تلاقي لي عذر وإنتي عارفة إني ماليش سوابق في حكاية الحب دي قبل كده. ها.. في حاجة تانية مضايقاكي أو مزعلاكي مني؟
رهف وهي تعبث بأصابعها مرة أخرى: الحقيقة مش عاوزة العتاب يطول أكتر من كده، بس عاوزاك تعرف حاجة كده. مراد: حاجة إيه يا ترى؟ رهف وهي تنظر إليه بحذر: أنا المفروض مسافرة تركيا الأسبوع اللي جاي بعد فرح أمينة بيومين تلاتة. مراد باستنكار: ده اللي هو إزاي مش فاهم؟ رهف: المفروض الديفيليه اللي هيتعمل بخط الإنتاج الجديد بتاعي بيتحضر له والمفروض أتابعه معاهم. مراد بعتاب: وكنتي ناوية تسافري برضه المرة دي من غير ما تبلغيني؟
رهف بدفاع: أبدًا والله، وبعدين أنا لسه عارفة الكلام ده النهاردة في الحفلة، أمينة هي اللي بلغتني. مراد: إنتي ناسيه إنك حامل، والمفروض الكلام ده يبقى بعد استشارة الدكتورة بتاعتك. رهف بفضول: يعني لو الدكتورة وافقت أسافر عادي؟ مراد ببعض الضيق: أما نشوف رأي الدكتورة الأول، بس هو إنتي هتسافري لوحدك؟ رهف: لولا أحمد متضايق من بعد هدى عنه، كنت طلبت منها تسافر معايا. مراد: إنتي لازم يبقى لك مساعدين ويبقوا معاكي في الأوقات دي.
رهف بتفكير: الحقيقة أنا فكرت في الحكاية دي، بس حاليًا ما فيش وقت. مراد: وهو إنتي لو سافرتي هتقعدي قد إيه؟ رهف: يعني.. أسبوع على الأقل. مراد بانزعاج: إيه.. أسبوع بحاله؟ رهف بشرح: المفروض إني لازم أتابع الأزياء اللي اتصممت وأتأكد إنها اتنفذت زي ما أنا عاوزة بالظبط، وكمان أتأكد إنها اتنفذت بالخامات والألوان اللي أنا اخترتها، وكل الحاجات دي محتاجة وقت. مراد: ما ينفعش تلت أيام؟ رهف بتردد:
مش عارفة.. بس اشمعنى يعني تلت أيام؟ مراد: لأني ما أقدرش أسيب المجموعة في الوقت ده أكتر من تلت أيام. رهف وعلى وجهها شبح ابتسامة: إنت تقصد إنك هتيجي معايا؟ مراد وهو يحتضنها بعينيه: أكيد مش هقدر أسيبك تسافري لوحدك ولا هقدر إني أبعد عنك تاني، واعملي حسابك إني على طول هبقى معاكي، لا يمكن أسيبك تحتفلي بحاجة زي دي لوحدك أبدًا. بس حاولى تدبري حالك معاهم بعد كده بالكونفرس، لأن مش هينفع إنك تكرري السفر ده كتير. رهف:
تصدق فكرة هايلة، بس عمومًا ما تقلقش، بالنسبة للسفر هو بيبقى مرتين في السنة، مرة في الصيف ومرة في الشتا، ادعي لي بس إني أنجح. مراد: إن شاء الله هتنجحي نجاح ساحق، ها.. خلاص كده.. صافي يا لبن؟ رهف بابتسامة: حليب يا قشطة. مراد وهو يندس بجوارها تحت الغطاء: كده يبقى مسموح لي إني أنام هنا.. صح كده؟ رهف ضاحكة: هو ده كل اللي همكم؟ مراد بمرح وهو يضع رأسه على الوسادة:
الصراحة من يوم ما شفت أوضتك وعجبتني ونفسي من ساعتها أجرب السرير بتاعها. رهف: اشمعنى يعني؟ مراد وهو يتجول بعينيه على جدران الغرفة: مش عارف.. بس تحسيها كده مبهجة زي صاحبته. رهف: وإنت شايفني مبهجة؟ مراد: من يوم ما قررتي تطلعي ضوافرك اللي كنتي مخبياها دي وكل ما عيني تقع عليكِ أحسك بتنوري كده، حتى وإنتي زعلانة ومكشرة، بحس جواكي طاقة مخلياكي على طول في حالة حماس. ثم ضحك بشدة وقال:
كل ما افتكر شكلك أول مرة قعدنا فيها مع بعض وقلت لي على حكاية المشغل ولقيتك مرة واحدة اتحولتي واتنرفزتي عليا وسيبتيني ومشيتي بعد ما سمعتيني كلمتين في العضم.. ما بقدرش أمسك نفسي من الضحك. رهف بابتسامة: و اشمعنى بقى؟ ليجذبها مراد إلى أحضانه قائلاً بحب: يومها حسيت إني متلخبط وعمال أسأل نفسي.. مين دي؟ رهف: مش فاهمة. مراد:
يومها حسيتك خطفتيني، بقى نفسي ترجعي وتكملي كلامك معايا وتفهيميني وتحكي لي اللي جواكي أكتر، ومن وقتها.. كنت كل ما ألاقي عمي قال لك كلمة تضايقك، كنت أتضايق وأزعل على زعلك، لدرجة إن يوم ما قال لنا على موضوع جوازه من تالا وزعلك وطلعتي تجري على أوضتك، ما بقتش عارف أعمل إيه، ولقيتني فضلت أتحايل عليه يصالحك قبل ما ينام. رهف بعبث: ده إنت حبيتي بجد بقى يا ابن عمي. مراد بابتسامة وهو يضمها تحت جناحه: وبموت فيكي كمان يا بنت عمي.
………………… بعد مرور يومين، كان سليمان بمكتبه وبجواره تالا وهو يتحدث في الهاتف مع زيد وجاسر ومؤمن مكالمة جماعية، وكان يقول: الشحنة خلاص قدامها خمس أيام بالكتير وبتوصل الحدود. زيد: تمام أوي، ويا ترى بلغت المنظمة بميعاد التسليم والمكان؟ سليمان: لا.. أنا ببلغهم قبلها بأربعة وعشرين ساعة بس، لما بتأكد من الميعاد بالظبط. زيد: حلو أوي، وعمومًا قدامنا وقت إننا نعمل ترتيبات. سليمان: تقصد إيه ترتيبات؟ جاسر: أكيد يقصد التأمين.
سليمان: لا ماتقلقش.. أنا الجارد بتوعي….. مؤمن ضاحكًا: جارد إيه بس يا سليمان بيه، الحاجات دي بتبقى محتاجة حراسة مسلحة تسليح عالي زي بتاعتنا كده. سليمان: طب ما أنا برضه مسلّحهم كويس. زيد: طب ما تسيبنا إحنا المرة دي نقوم بالمهمة دي عشان تعرف الفرق بين تسليحنا وتسليحك، صدقني لما تجرب الناس بتاعتنا مش هتستغنى عنهم أبدًا تاني. سليمان: تقصد إني ما آخدش الجارد بتوعي معايا؟ زيد:
مين قال الكلام ده، معاك طبعًا، بس مع رجالتنا.. لازم نبقى متطمنين وخصوصًا إنك هتستلم مبلغ مش قليل أبدًا.. ولا إيه؟ سليمان باقتناع: عندك حق، بس أنا خايف نلفت النظر لينا بالشكل ده. زيد: طب ما نلفت وإيه المشكلة؟ سليمان بقلق: إيه الكلام اللي بتقوله ده؟ جاسر ضاحكًا: بالراحة على سليمان بيه يا زيد باشا، دي أول مرة يتعامل معاك. زيد:
اسمع يا سليمان بيه، إحنا خلال الكام يوم اللي باقيين دول.. هنطلع تصريح برحلة سفاري في الصحراء الغربية للاستكشاف. سليمان بانتباه: تصريح سفاري واستكشاف؟ زيد: واللي هيقدمه الدليل بتاعنا، وهيحدد عددنا، وطبيعي إن الرحلات الاستكشافية بتبقى معداتها مش قليلة أبدًا ولازم تبقى متسلحة لأنها بتبقى معرضة لهجوم أي حيوان مفترس، أو قطاع طرق، يعني هنتحرك رسمي، وأي حد هيعترضنا أو حتى يشك فينا، لما يشوف التصاريح مش هيقدر يتكلم نص كلمة.
سليمان بقلق: أيوه.. بس الاستكشافات دي بيعملها علماء وخبراء، إحنا بقى هنعملها ليه؟ مؤمن ضاحكًا: إنت ناسي إني خبير تربة ولا إيه يا سليمان بيه، طب دي الحاجة الوحيدة اللي بستفيد بيها من شهادتي. سليمان وعينيه تلتمع إعجابًا بتخطيطهم: كل يوم بيعدي بزعل بيزيد إني ما عرفتكمش ولا اشتغلت معاكم من زمان. زيد: لا ماتزعلش ولا حاجة، وبعدين لسه اللي جاي أحلى وأحلى، وما تنساش إننا هنبقى نسايب.
سليمان وهو يغمز بعينيه لتالا التي كانت تتابع حديثهم من خلال مكبر الصوت: وأحلى نسايب كمان. مؤمن: تمام يا جماعة، أنا هخليهم يبتدوا يطلعوا التصاريح، هتاخد مني يومين بالظبط، وأول ما كل حاجة تبقى جاهزة هديكوا التمام. وبعد إنهاء المكالمة قال سليمان لتالا: فعلاً الناس دي تستاهل كل الكلام اللي سمعناه عنهم، وبرغم إني كنت فاكر إن جاسر هو اللي سايق ومؤمن ماشي في ديله، اتضح إن مؤمن دماغه ما تقلش أبدًا عن جاسر.
تالا بابتسامة واسعة: بس طبعًا زيد دماغه أعلى من كله. سليمان: عندك حق، إلا هو ما جابلكيش سيرة جوازكم تاني؟ تالا: جاب طبعًا. سليمان: قال لك إيه؟ تالا بغرور: قالي إنه لولا العدة بتاعتي كان زماننا اتجوزنا، وإن فرحنا هيبقى تاني يوم ما عدتي تخلص على طول. سليمان: وناوية تعلني إمتى عن الحكاية دي؟ تالا بتحذير: أوعى يا دادي تقول لأي حد، زيد محذرني من إني أجيب سيرة دلوقتي لأي مخلوق مهما كان هو مين. سليمان بضيق:
وليه بقى.. إيه.. ناوي يرجع في كلامه من تاني؟ تالا: لا طبعًا.. بس قالي إن مدكور عنيد، وممكن لو سمع أي طراطيش كلام عن ارتباطنا أثناء العدة يعمل لنا مشكلة أو يردني لمجرد العناد. سليمان بتفكير: وجهة نظره برضه مظبوطة، ومدكور فعلًا ردود أفعاله ما تتضمنش.
منزل زينب.. كانت رهف وهدى بصحبة أمينة وجميعهم يقومون بتجهيز حقائبها لنقلها إلى منزل الزوجية في جو من الفرحة والبهجة، وكانت هدى قد أتت بجهاز الأسطوانات الخاص بها وقامت بتشغيل الأغاني الخاصة بالأفراح، وكلما قاموا بالانتهاء من حقيبة وغلقها تقوم هدى بالرقص المصاحب بإطلاق الزغاريد والتي كانت تميمة تقلدها بمرح شديد. حتى دخلت عليهم زينب وهي تحمل صينية كبيرة وعليها العديد من الصحون الممتلئة بأشهى الأطعمة وقالت بسعادة:
ياللا يا بنات عشان ناكل لنا لقمة، إحنا من الصبح ما دققناش الزاد. نظرت رهف إلى ساعة يدها قائلة: يا خبر أبيض، دي الساعة داخلة على خمسة. زينب: حقك عليا يا بنتي جوعتك وجوعت ابنك معاكي، تعالي ياللا عشان تاكلي. رهف: أبدًا يا دادة أنا ما جوعتش، بس مراد زمانه رجع ومش عارفة هياكل ولا إيه. زينب وهي تناوله صحنًا مملوءًا بالطعام: مراد مع أنور في الشقة بيتمموا على العفش اللي وصل، وأنا بعتتلهم الغدا على هناك. أمينة باستنكار:
بعتتلهم أكل على هناك إزاي يا ماما، الشقة ريحتها هتتقلب بالأكل والريحة هتفضل فيها ومش هتخرج منها. زينب وهي تطعم تميمة: تعالي كلي وما تقلقيش، أنا نبهت عليهم ياكلوا على السطوح أو على السلم. تضحك هدى بشدة وهي تقول لرهف: دي أحلى حاجة تزلي بيها مراد، إن اليوم اللي ما بياكلش معاكي فيه، بيبقى آخره ياكل على السلم. رهف:
طب وإيه يعني لو أكلوا في الشقة يا ست أمينة، ما لسه البنات هتروح تنضفها وتفرشها، يعني برضه مش هيفضل فيها أي روايح. أمينة برفض: لا يا ستي، ماحدش ياكل في شقتي قبلي. هدى باستنكار: شفتي الطفسة، كل اللي هاممها الأكل وبس. رهف: المهم يا ست أمينة الفستان بتاعك خلص، وعاوزاكي تقيسيه.. أجيبهولك هنا ولا تيجي تقيسيه عندي؟ أمينة بعتاب: اخص عليكِ يا رهف، طب ليه ما جبتيهوش معاكي؟ رهف وهي تشير إلى المكان من حولها:
أجيبه فين إن شاء الله وسط كل الكركبة دي، عاوزاه يتبهدل. أمينة: طب ما إنتي أهو بتخيريني تجيبيه ولا أجيلك؟ رهف: ماهو الكركبة دي آخرها النهاردة إن شاء الله، أنور هييجي ياخد كل الشنط دي يوديها الشقة، فالمكان هيروق، وإنتي حرة بقى اختاري.
مضت الأيام التالية بالنسبة لرهف ما بين تحضيرات الزفاف ومتابعة سير خط الإنتاج بتركيا من خلال الكونفرس، ومدكور يتابع العمل بالمجموعة بمساعدة مراد الذي قسم وقته بين العمل ومساعدة أنور والاهتمام برهف الذي راقها التغيير الجذري الذي استشعرته في معاملة مراد لها. أما سليمان وتالا فكان انشغالهم الكلي بترتيبات سفرهم لإتمام الصفقة المتفق عليها.. حتى أتى موعد التسليم بالصحراء الغربية والذي صادف موعد زفاف أمينة وأنور بأسيوط.
توفي أسيوط.. كان حفل الزفاف مقامًا في حديقة المنزل الذي أهداه مدكور لأمينة، وكان مدكور وهدى ورهف قد عرضوا على العروسين أن يكون حفل الزفاف بقصر العزيزي، ولكن كان الرفض البات من زينب التي أصرت أن يكون زفاف ابنتها على الأرض التي كانت شاهدة على أحلى ذكرياتها حين قالت لأمينة:
الأرض دي زمان.. كان أبويا مأجرها وبيزرعها وكنا عايشين من خيرها أنا وهو وستك، وكانت مكفيانا وموفّيانا، لحد ما جدك مات الله يرحمه وهو شغال في قلبها، وأمي من حزنها عليه راحت وراه. ومن بعدهم أبوكي الله يرحمه لما لقاني متعلقة بالأرض دي، حافظ عليها وبقى هو اللي يزرع ويقلع فيها لحد ما هو كمان رجع للي خلقه، وفضلت الأرض قدامي وحسيتها هتضيع، وطبعًا أنا لا بعرف أزرع ولا أقلع، فرجعتها لمدكور بيه.
ورغم إنه عرض عليّ يشوف لي حد يهتم بيها، بس حسيت إني ما كنتش هعرف أصلًا أتابعها. وعشان عارف غلاوتها عندي اختارها هي بالذات دونًا عن أي حتة أرض تانية عشان يهاديكي بيها.. عشان فيها عرق جدك وأبوكي من بعده، ونفسي فرحك يبقى فوقها.. يمكن يحسوا بيكي ويتطمنوا عليكي يا بنتي. وبالفعل كان الزفاف في حديقة المنزل والتي كانت رغم بساطتها إلا أنها كانت تتمتع بالجمال الذي يشيع البهجة في النفوس.
ولم يفت هدى أن تضفي بلمساتها على المكان رونقًا خاصًا حولته إلى ما يشبه قاعات الأفراح الفخمة. أما مراد.. فقد تكفل بالبوفيه، حيث تم الاتفاق مع أحد الفنادق الكبرى بأسيوط على إعداد البوفيه بجميع مشتملاته وحين حاولت زينب الاعتراض قال لها مدكور بحزم: جري إيه يا زينب.. هي أمينة دي مش بنتي وأخت مراد ورهف، مش كفاية صممتي إنها ماتخرجش يوم فرحها من البيت اللي طول عمرها متربية فيه، كفاية أوي عليكي كده، وسيبيلنا إحنا بقى الباقي.
لترضخ في النهاية إلى ما تم إقراره، لتتفرغ للاحتفال بابنتها الوحيدة. أما بسيوة، فكانت قافلة من سيارات الدفع الرباعي على الطريق تستعد للاتجاه إلى الحدود الغربية. وكان سليمان بصحبة تالا وزيد بسيارة، وجاسر ومؤمن بسيارة أخرى، وحولهم ما لا يقل عن عشر سيارات أخرى تمتلئ برجال الحراسة وهم على أعلى درجة من التسليح. وكان سليمان يقول بشيء من الغل: عرفت إن مدكور عامل فرح النهاردة للولد اللي بيشتغل عنده، الراجل ده لازم يتصفى.
تالا بفضول: تقصد يموت؟ سليمان: طبعًا.. وخصوصًا بعد ما عرف سري، وكمان تاريخ زيد وكان ابتدى يشك في جاسر ومؤمن كمان.. مش لازم يفضل عايش أبدًا.. ده خطر علينا كلنا. تالا بتردد: ممكن نشوف أي حل تاني يا دادي، بلاش القتل. لينظر زيد لساعته فوجدها الثامنة مساءً، فأخرج البوصلة من جيب بنطاله قائلاً: نبقى نشوف الموضوع ده على رواقة، إحنا كده قربنا على نقطة التسليم، قدامنا عشر دقايق بالظبط. سليمان: أكلمهم ولا أستنى أما نوصل؟ زيد:
متهيألي تكلمهم، عشان على الأقل نتطمن إن كله تمام. ليقوم سليمان بالاتصال بمسؤول المنظمة الذي أخبره أنه هو الآخر على وشك الوصول إلى نقطة التسليم، وليس أمامه سوى دقيقتين ليس أكثر. فقال سليمان بعد أن أغلق الخط: كله تمام.. لما هنوصل هنلاقيهم وصلوا قبلنا. تالا: إحنا طبعًا هناخد الفلوس ونرجع وهم يحملوا الشحنة براحتهم.. مش كده؟ زيد:
آه طبعًا، بس لازم الراجل يتأكد إن الشحنة كلها موجودة وكله تمام، ما ينفعش ناخد الفلوس ونجري.. كده ممكن يقلقوا مننا. وبالفعل ما هي إلا دقائق معدودة، حتى وصل سليمان وجميع من بصحبته إلى المكان المحدد، ليجد عشر عربات مياه ضخمة تصطف وراء بعضها البعض وأيضًا سيارتين دفع رباعي بداخلها عدد من الأشخاص ليقول زيد: هي دي الطريقة اللي بتدخلوا بيها السلاح دايمًا، عربيات الماية. سليمان ضاحكًا:
أهو على حسب التساهيل، مرة تنكات مياه ومرة تنكات سولار.. المهم تتقضى. زيد بإعجاب وهو ينظر حوله: فكرة جديدة برضه، بس هي الجمال ما وصلتش ولا إيه؟ سليمان وهو يشير إلى أحد الكثبان الرملية:
المفروض إنهم وصلوا وموجودين هناك. ثم أشار إلى أحد رجاله الذي ما إن تواصلت أعينهم حتى أطلق صوتًا عاليًا شبيهًا بالعواء ولكن منغم، وما هي إلا ثوانٍ معدودة حتى سمعوا صوتًا مشابهًا يتردد بين جنبات الصحراء، ورأوا تحت ضياء القمر قافلة تضم عددًا كبيرًا من الجمال قد بدأت في الظهور والاتجاه إليهم.
فتقدم منهم مدكور وقام بتحية قائد القافلة ثم أشار إلى السيارة التابعة للمنظمة ليهبط منها شخصان ويتجها إلى سليمان الذي انضم إليه زيد وجاسر ومؤمن وأيضًا تالا، ليقول عضو المنظمة ناطقًا بالإنجليزية: أريد أن أتفحص بعض الذخائر. زيد: هذا من حقك، فلتتفضل. العضو الأول: نعم، ولكن أؤكد عليك مرة أخرى أني بحاجة ماسة لبعض المعدات الثقيلة أيضًا. سليمان:
أعدك أن تصل إليك خلال شهر واحد من الآن، ولكن سيكون هناك حديث آخر بشأن التكلفة والسعر. العضو الأول: إذا.. دعنا الآن نختصر الوقت ونبدأ بفحص الشحنة الحالية والتأكد منها………….
في أسيوط كان الزفاف قائمًا وسط سعادة الجميع وكان مراد ورهف وهدى يقومون بدورهم كأشقاء للعروسين، ومن آن لآخر تذهب رهف للوقوف بجوار أمينة التي كانت ترتسم عليها علامات السعادة الشديدة، وكان مراد يجاريها ويذهب هو الآخر للوقوف بجانب أنور الذي كانت سعادته أضعافًا مضاعفة، وكان الجميع يتبادلون الأحاديث المرحة وكانت زينب تجلس بجانبهم وبجوارها والدة أنور وتدعوان لهما بالسعادة والهناء حتى انتهى الزفاف، وصعدت أمينة بصحبة زوجها إلى منزل الزوجية، وقام مدكور ومراد بتوديع جميع المدعوين……………..
أما بالصحراء.. فأثناء معاينة أفراد المنظمة للشحنة، وجدوا أحد الحرس الخاص بسليمان يهرول إليه قائلًا باضطراب: في عربيات داخلة ظهرت فجأة على الطريق وداخلة علينا. ليضطرب الجميع وهم يحاولون الفرار لولا أن سمعوا صوتًا عاليًا من بين أفراد الحراسة يقول بنبرة تحذيرية: محدش يحاول يتحرك من مكانه.. المكان كله محاصر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!