تحميل رواية وجوه في العتمة بقلم منة ممدوح pdf
بقلم منة ممدوح
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
رنين هاتف متواصل قطع تركيزها في كتابتها لإحدى المقالات المهمة بالنسبالها واللي كانت هتنشرها في الجريدة اللي شغالة فيها. عقدت حاجبها بإنزعاج وخلعت نضارة القراية في حين مسكت تليفونها وبصت بتعجب للرقم الغريب. فتحت الخط وجواها فضول كبير، فجه صوت غير مألوف بيقول: _ مدام يقين عبدالرحمن؟ ازداد تعجبها وقالت: _ أيوه نعم؟ _ البقاء لله. الرائد يوسف منصور استشهد… رجعت لشقتها بعد يوم طويل قضته في الجريدة، بتتصنع كتابة المقالات ولكن في الحقيقة كان جواها هدف تاني خالص. هدف بتسعاله بقالها خمس شهور تقريبًا. فتحت...
رواية وجوه في العتمة الفصل الأول 1 - بقلم منة ممدوح
رنين هاتف متواصل قطع تركيزها في كتابتها لإحدى المقالات المهمة بالنسبالها واللي كانت هتنشرها في الجريدة اللي شغالة فيها.
عقدت حاجبها بإنزعاج وخلعت نضارة القراية في حين مسكت تليفونها وبصت بتعجب للرقم الغريب.
فتحت الخط وجواها فضول كبير، فجه صوت غير مألوف بيقول:
_ مدام يقين عبدالرحمن؟
ازداد تعجبها وقالت:
_ أيوه نعم؟
_ البقاء لله. الرائد يوسف منصور استشهد…
رجعت لشقتها بعد يوم طويل قضته في الجريدة، بتتصنع كتابة المقالات ولكن في الحقيقة كان جواها هدف تاني خالص.
هدف بتسعاله بقالها خمس شهور تقريبًا.
فتحت باب شقتها ولوهلة اتهدلت اكتافها بحزن لما لقت الشقة بلا روح على عكس قبل الحادثة اللي قلبت حياتها رأسًا على عقب.
شغلت الأنوار ودخلت على أوضتها وهي بترمي شنطتها على الكنبة وبتقعد على السرير بإنهاك واضح.
رفعت عيونها للصورة اللي محطوطة على الكومودينو في أوضتها.
كانت صورة زفافها على الراجل اللي عاشت معاه أسعد سنتين في حياتها.
الرائد يوسف منصور، اللي في غمضة عين اتاخد من بين إيديها في حركة غدر.
دمعت عيونها غصب عنها، وهي بتفتكر الذكريات السعيدة اللي جمعتهم سوا وشافت قد إيه كانت عيونها بتلمع وسعيدة في صورة فرحها على عكس حالتها دلوقتي والسواد اللي متشحة بيه.
مسحت دموعها بطرف صوابعها وقامت اتجهت لدولابها، فتحته ولوهلة ظهر قدامها صور كتير متعلقة على ضهر الدولاب من جوا، وحواليها اسهم وكلام كتير مكتوب بخطها هي.
وكل الصور الموجودة كانت لنفس الشخص المجهول.
شاب باين عليه في منتصف التلاتينات تقريبًا ببنية قوية ونظرة حادة، شعره اتغزى بالشيب شوية واللي كان متصفف بعناية، كانت صور ليه في أوضاع مختلفة، مرة ببدل رسمية، ومرة بجلاليب بيضا او داكنة ده غير الوشاح اللي لافه على راسه.
كان يشبه اهل البدو!
للحظات اتغيرت نظرة الحزن اللي في عينيها لتانية مشتعلة بنيران حقد وغضب دفين، كإنها شافت عدو ليها قدامها.
وأي عدو! ده عامر الزيات بنفسه.
عنده أكبر مزارع للزيتون والنخيل ده ظاهريًا.
أما في الباطن، أكبر مهرب أسلحة في شمال سيناء واللي لحد دلوقتي مفيش غبار عليه.
إلا لما قدر يوسف يمسك عليه دليله.
وقتها بقى مصيره الغدر.
ضمت قبضة إيديها وجزت على أسنانها بعنف وبأعصاب مشدودة قالت:
_ صدقني يا عامر، محدش هينهيك غيري!
ضربت بقبضة إيديها بعنف وبكل مشاعر الحقد اللي جواها على الصورة بتتخيله إنه هو اللي قدامها بالفعل.
بتتمنى اللحظة دي اللي تشوفه فيها ببدلة الإعدام وهي واقفة قدامه تتشفى فيه بعد ما قدرت تثبت تورطه في القذارات دي.
خدت هدومها واتحركت لحمام أوضتها وهي بيتعاد في بالها ذكريات سنة فاتت.
كانت قاعدة على أعصابها مستنياه بعد ما اتأخر بشكل يقلق في حين إنها حاولت تتصل بيه أكتر من مرة ولكن رقمه كان خارج نطاق الخدمة.
ففضلت مكانها في الصالون على أعصابها عيونها مسلطة على الباب.
وبعد وقت طويل انتفضت من نومها بعد ما غفلت وهي مكانها لما حست إن الباب بيتفتح.
وقفت بسرعة واشرقت ملامحها لما شافته بخير قدامها.
_ يـوسف!
جريت عليه وضمته بقوة وهي بتقول بصوت ضعيف من القلق:
_ كده تقلقني عليك يا حبيبي! كنت هموت من خوفي ليكون حصلك حاجة!
بعدها عنه بحنان وملس على خدها وهو بيبتسملها وبيقول:
_ متقلقيش يا حبيبي أنا كويس.
ولكنها حست إن فيه حاجة غلط. نظرة عيونه المتوترة، القلق اللي ظاهر عليه ووشه الشاحب، فتساءلت بقلق:
_ مالك يا يوسف؟
قبل ما يتكلم رفعت إيديها قدام وشه وقالت بحزم:
_ من غير كدب، أنا حاسة إن فيه حاجة.
وكمان تأخيرك ده مش طبيعي وأنت معندكش مأموريات الفترة دي!
سكت واتنهد باستسلام بعد ما عرف إنها استحالة تسيبه من غير ما تجيب قراره.
فشاورلها تقعد وبالفعل اتحركت معاه وقعدت وهو جنبها.
سكت شوية تحت نظراتها المتفحصة ولما حست بالضجر قالت:
_ هاا قول يا يوسف!
وبعد تردد كبير اتعدل في جلسته، ضم كفوفها بين إيديه وقال:
_ يقين أنا مش عايزك تقلقي.
بس الموضوع ده لازم تعرفيه عشان لو حصلي حاجة تبقى عارفة السبب.
حست بانتفاضة جوفها من الرعب واتكلمت بهلع:
_ لو حصلك حاجة؟ إيه الكلام اللي بتقوله ده يا يوسف؟!
ضغط على جفونه وبعدين بص في عيونها وهو بيقول:
_ شغلي اتنقل من السويس للعريش.
بس مش دي المشكلة.
في عيلة معروفة هناك، اسمها الزيات.
كبيرها يبقى عامر الزيات، العيلة دي مشهورة أوي بإنتاج التمور والزيتون ده المعروف، بس اللي الناس متعرفهوش إنهم بيتاجروا في السلاح من سنين طويلة جدًا ومحدش قدر يمسك عليهم حاجة.
واللي قدر يمسك دليل يدينهم بينهوه في وقتها.
شهقت بهلع ورددت وهي باسطة كفها على شفايفها:
_ يا نهار أسود. لا لابالله عليك يا يوسف خليهم ينقلوك لأي مكان تاني، أو ملكش دعوة بيهم خالص بالله عليك.
شدد على كفها وهو بيقول بضيق:
_ مقدرش يا يقين ده شغلي.
أنا ظابط شرطة مش عيل صغير، ووظيفتي هي إني اوصل لمجرمين زي دول واقضي عليهم واخلص البلد من قذارتهم.
بس مش دي المشكلة!
قربت منه بوجه شاحب:
_ مشكلة؟ هو فيه كمان مشكلة؟!
ضم شفايفه بأسف وقال:
_ وصلهم خبر إني هتنقل هناك وكلموني.
هما مقالوهاش صريحة بس من الباطن إنهم هددوني يا أبقى في صفهم لهياخدوني عدو ليهم.
شهقت بارتياع ونزلت دموعها وهي بتهز راسها برعب حقيقي برفض للي بيحصل.
رأف هو بحالها، فمد إيده وملس على خدها ومسح دموعها برقة وهو بيقول:
_ أنا مش بقولك كده عشان أخوفك.
بس عشان تاخدي بالك من نفسك كويس لو حصلي حاجة.
أنا مش مشكلة أموت أو لأ.
المهم متتئذيش أنتِ…
حطت إيديها اللي بترتجف بعنف على شفايفه تمنعه من إنه يكمل كلامه، وبدموع سايلة على وشها اتكلمت:
_ لأ لأ يا يوسف متقولش كده مش هيحصلك حاجة إن شاء الله.
متقولش كده أرجوك قول لي إنك هتبقى بخير وهتعرف تبعد عن أذاهم.
قولي بالله عليك!
حالتها كانت تدل إنها هتدخل في بدايات إنهيار، فضمها بسرعة لصدره وهو بيقول:
_ متقلقيش، مش هيقدروا يعملولي حاجة.
شددت من ضمه ودفنت وشها في صدره وهي بتبكي برعب، فطبع هو قبلة على مقدمة راسها وبص قدامه بشرود وهو بيكمل:
_ إن شاء الله…
نزلت دموعها اللي اختلطت بمياه الدش اللي كانت واقفة تحته، لحد دلوقتي مقدرتش تتعافى من اللي حصل، مش قادرة تتخيل إنه عايش مرتاح وبيكمل في اللي بيعمله في حين دمر حياتها ورملها وهي ما زالت شابة مكملتش التلاتين سنة لسة حتى!
واللي قاهرها أكتر إن واحد من رجالته هو اللي اتبنى التهمة واعترف إن هو السبب في قتل جوزها ومفيش غيرها هي الوحيدة اللي عارفة مين السبب في كل ده.
ضغطت على جفونها بقوة تحت الماية، وارتعشت شفايفها وهي بتهمس بحقد دفين:
_ عـامر!
“شمال سيناء تحديدًا العريش”
اصطف عدد كبير من العربيات الضخمة المصفحة قدام مخزن كبير بعيد عن مركز المدينة وكان يعتبر في وسط الصحراء.
نزل عدد من الرجال اللي كانوا مسلحين ولابسين كلهم جلاليب بيضاء ده غير الوشاح اللي ملفوف على راسهم.
فتح واحد من الرجالة عربية سودا چي كلاس فنزل منها شخص براس مرفوع اللي فتح أزرار بدلته الرمادي وهو نازل وبيتأمل المكان بعيونه الحادة مع ابتسامة مليانة سخرية.
شاور لرجالته بعينه يستنوا هنا فوقفوا مكانهم بالفعل من غير ما حد فيهم يجرؤ يعترض.
أما هو فاتحرك بخطوات واثقة واتجه لجوا المخزن.
استقبله واحد من رجالته اللي قال باحترام:
_ نورت يا عامر بيه.
الضيف جوارفع حاجبه وبنبرة ذات مغزى:
_ خد واجبه؟
ابتسم الشخص باتساع:
_ عطيناه واجبه وبزيادة كمان.
طبطب على كتف الشخص بقوة وهو بيقول:
_ الله ينور عليك يا سعد الله ينور عليك.
اتحرك لجوا، كان مخزن فاضي مليان كراكيب وخشب وأثاث متكسر.
وفي وسط المخزن كان فيه شاب مربوط في كرسي ومتبهدل تمامًا وكإنه كان في خناقة عنيفة طالع منها بإصابات غشيمة، عينه المقفولة من قوة الكدمة، والدم اللي سايل جنب شفايفه.
حتى هو مكانش قادر يفتح عينه ويشوف مين اللي بيقرب منه.
اتقدم عامر ناحيته ووراه سعد وهو بيقلع چاكيت بدلته وبيمده لسعد ببرود اللي خده بسرعة منه.
سحب كرسي في طريقه وجره لحد عنده وحطه بالمقلوب وقعد عليه وهو بيشمر أكمام قميصه ببطء وبيقلع ساعته الغالية.
أما الشخص المربوط فاتحامل على نفسه لحد ما قدر يفتح جزء من عينه وبمجرد ما شاف اللي قاعد قدامه ضحك بسخرية.
فابتسم عامر هو كمان وقال:
_ كنت واحشك؟
ابتدى الشخص يكح من الألم وهو ما زال بيضحك وقال:
_ عامر الزيات جايلي بنفسه!
تعبت حالك يا راجل رجالتك قاموا بالواجب وبزيادة كمان.
قام عامر وقف وقرب منه ومال عليه وهو بيقول بهسيس:
_ وأنتَ فكرك إن شوية الشخبطة اللي على خلقتك هذي كفاية؟
باغته بضربة قوية بقبضته خلت وشه ينفجر من الدماء.
حاول التاني يتحامل على نفسه ويتعدل لحد ما بصله وهو بيضحك بأسنانه اللي مليانة دم واتكلم:
_ نهايتك على ايدنا يا عامر.
صدقني آخرتك قربت، حتى لو خلصت عليا دلوقتى هيطلعلك ميت واحد زيي يجيبوا قرارك لحد ما نجيب أجلك.
في لحظات طلع عامر سلاحه من ضهره وشد صمام الأمان وحط فوهته على رقبة الشخص وبإيده التانية ثبت راسه.
وبعيون حمرة وأعصاب مشدودة قال:
_ اسمع.
صدقني هخليك تكره اليوم اللي اتولدت فيه.
هتفضل مرمي هنا كيف الكلاب لحد ما يبانلك صاحبووريني الرشايدة هيعرفوا ينجدوك كيف من بين ايدي!
بلع الشخص ريقه بإرتياب وقلق من إنه يتهور ويضغط على الزناد.
فضل ساكت تمامًا عشان ميثيرش أعصابه.
أما عامر ففضل على وضعه شوية لحد ما بعد عنه واتلفت عشان يمشي.
فاتنفس الشخص بإرتياح ولكنه اتفاجئ لما لف وضربه بضهر السلاح في وشه خلاه يصرخ بألم وهو بيقع على الأرض بالكرسي بعد ما فقد توازنه.
بصله عامر بتشفي وبصق عليه بقرف وبعدين اتلفت وسابه ومشي وهو بيرجع سلاحه مكانه وبياخد چاكيت بدلته من سعد وخرج من غير ما يتكلم وهو بيرجع يلبس ساعته من تاني.
“دار الزيات”
تلات بيوت ضخمة على الطراز الحديث للأخوات التلاتة.
سالم الزيات، وغالب الزيات، ومرزوق الزيات.
متحاوطة التلات بيوت بسور ضخم واخد مساحة شاسعة ومهولة، ومتأمن بكمية حراس كلهم مسلحين بأسلحة تفتك بأي حد يقرب منهم.
التلات بيوت مترتبين بعناية، وبيتوسطهم بيت كبير الزيات المرحوم سالم الزيات واللي توارث القيادة منه عامر واللي ماسك زمام العائلة من بعد والده.
دخلت العربيات جوا الدار الكبير، نزل عامر بقوته ودخل لبهو البيت.
استقبلته والدته السيدة فاطمة اللي كان ظاهر عليها قوة تليق على دماء الزيات اللي بتحملها في دمه.
مال طبع قبلة على مقدمة راسها وقال:
_ كيف حالك ياما؟
ربتت على كتفه وهي بتقول بحنان:
_ بخير يا ولدي ايش امورك أنتَ؟
طبطب على كفها وقال:
_ الحمدلله.
بص حواليه بتعجب وسأل:
_ وينه جواد؟
ردت وهي بتتحرك ببطء:
_ بيتغسل فوق، تعال غسل إيدك البنات حضروا العشا.
اتحرك بالفعل لمكان السفرة اللي كانت في غرفة لوحدها ولكن وقف لما سمع صوت نداء اخواته فارس وعايد.
تلفت ليهم بضيق وهو عارف إيه اللي هيتقاله كويس.
قرب منه فارس واللي كان فيه شبه كبير من عامر ولكن كان يصغره بحوالي اربع سنوات.
وقف قدامه وقال:
_ كيف ما تقوليش إنك لقيت جاسوس الرشايدة؟!
رفع عامر حاجبه وبتهديد قال:
_ بتحاسبني ولا إيش؟!
اتدخل عايد في الحوار قبل ما يحتد النقاش بين عامر وفارس وقال:
_ العفو ياخوي بس أنتَ عارف كويس إن الشحنة اللي كان مسئول عنها فارس كانت هتخرب بسببه.
تكلم عامر بحدة:
_ وأنا حليت الموضوع إيش لازمتها كُتر الكلام؟
وجه كلامه لفارس واتكلم بقوة:
_ وأنتَ عايزني اقولك على مكانه عشان تجري تفضي خزنتك في راسه وتضيع حقنا من الرشايدة؟
بتتكلم كإني مش عارفك ومش عارف إن سلاحك سابق دماغك وهتبوظ كل حاجة.
زفر فارس بضيق وقال:
_ على الأقل كنت خدنا معك.
قاطع حوارهم صراخ طفل صغير وهو بيجري من فوق وبيقول:
_ أبوي!
أشرقت ملامح عامر واتملت حنان، مال وخطف صغيره وشاله وهو بيقول:
_ قلب أبوك! كيف حالك يا بطل!
طبع قبلة على خده وهو بيقول:
_ الحمدلله يا أبوي.
جيبتلي حاجة حلوة ولا لا؟
ضحك عامر وهو بينزله على الأرض وعبث بخصلات شعر ابنه البنية الناعمة وسط انزعاجه وقال:
_ المرة الجاية حاضر.
زفر جواد بضيق ودفع إيده وهو بيتجه بقمص طفولي ناحية جدته وبيقول:
_ مش عاوز منك حاجة.
_ عيب يا جواد! هتفت بيها فاطمة بتنهر حفيدها، في حين ضحك عامر وهو بيقول:
_ سيبيه ياما براحته عيل صغير.
ولكن فاطمة قالت بحدة وقوة:
_ العيل الصغير لو متقومش من صغره هيطلع حاله مايل.
ز عامر راسه بقلة حيلة واتجهوا كلهم للسفرة، ودخلت في الوقت ده راوية زوجة عايد ونوارة زوجة فارس مع بعض البنات اللي بيساعدوهم في البيت وهما شايلين بقيت الأطباق.
تكلمت فاطمة في الوقت ده موجهة كلامها لزوجات أولادها الاتنين:
_ فين العيال؟
ردت راوية:
_ جايين ورانا يا ما.
فقالت فاطمة بقوة:
_ عودوهم بعد كده ييجوا على السفرة في معادها، لازمن يتعودوا على النظام من صغرهم.
بصوا لبعض بتعجب أما عامر فمهتمش باللي بيتقال، هو مدرك كويس إن والدته بتحاول تتحكم في كل حاجة حتى النفس اللي بيتنفسوه.
ولكن في النهاية مش بإيده حاجة، هي بتكون أمه.
بعد مدة كان مجتمع كلًا من عامر وفارس وعايد مع عمه غالب وأولاده الاتنين حسن وزايد، وعمه التاني مرزوق وابنه الوحيد خالد كعادتهم بعد اتمام شغلهم بيجتمعوا يتناقشوا كل آخر شهر لتوزيع حقوق كل واحد فيهم في الشغل المشترك بينهم.
كان قاعد عامر على مكتبه الضخم في حين الباقي واقفين منتظرينه.
طلع عامر شنطة كتف كبيرة شوية وهو بيتكلم:
_ طبعًا أنتوا عارفين إن لولا إننا مسكنا الكلب اللي تبع الرشايدة كنا روحنا كلنا في داهية.
تكلم عمه مرزوق:
_ الحمدلله إنها عدت على خير يا ابن الغالي.
هز عامر راسه ولكن اتكلم بقوة:
_ أنا عايزكم تفتحوا عينيكم كويس بعد كده.
مش المكان اللي أغيب عنه وأسيبكم فيه يتقلب زريبة وكل من هب ودب يدخله!
افتحوا عيونكم شوية!
سكتوا كلهم وهما بيتناقلوا النظرات بين بعض، لحد ما اتكلم زايد:
_ متقلقش يابن عمي.
هنخلي بالنا بعد كده.
لكز في الوقت ده أخوه حسن اللي أكد على كلام أخوه وهو بيقول:
_ طبعًا طبعًا، متشيلش هم يا عامر.
فضل باصصلهم شوية بضيق، هو عارف ومدرك إن ولاد عمامه طايشين ومبيعرفوش يتصرفوا من غير ما هو يوجههم، ودي حاجة مضايقاه، حاسس إن كل حاجة على كتفه هو من غير مساندة، هو مدرك كويس إن من غيره العيلة دي كانت اتدمرت من زمان، ويمكن أصح قرار اتاخد إنه يبقى هو كبيرهم.
ابتدى يدي لكل واحد منهم حصته في الفلوس اللي في الشنطة، وبعد ما انتهى واتراضوا كلهم قال:
_ الشحنة الجديدة هتتسلم الأسبوع الجاي، خلوا بالكم، الغلطة المرادي بفورة!
فرد خالد:
_ متقلقش يابن عمي، الشحنة المرادي بين إيدي أنا، متشيلش هم.
ابتسمله بخفة وهو بيشاورلهم يخرجوا لو عايزين، فاتكلم عمه غالب:
_ من إيد ما نعدمها يابن الغالي.
يجعلها عامرة دايمًا.
رد عليه بتحفظ:
_ تسلم يا عمي.
وبالفعل خرجوا كلهم ونزلوا لتحت، لقوا كل ستات العيلة متجمعين في بهو البيت.
اتحرك بعد ما استأذن عشان وراه شغل.
وبالفعل خرج لبرا لكن مخدش باله من العيون اللي متابعاه واللي أول ما شافته خرج جريت وراه وهي بتهتف:
_ عامر استنى يابن عمي.
قلل خطواته وهو بيضغط على جفونه وبيتنفس بضيق، اتلفت وهو بيقول بكلف:
_ نعم.
اتفضلي يا ليلى خير؟
اتقدمت منه بنت بملامح رقيقة، بشرتها البرونزية وعيونها السمرا المتكحلة بكحل داكن، وشعرها البني اللي حاطة على طرفه طرحة خفيفة، ده غير اللباس التلقيدي المحتشم اللي كانت لابساه.
اتقدمت منه وعلى وشها ابتسامة مليانة حب وقالت:
_ على وين يابن عمي؟ واخد في وشك وماشي؟
كان عارف ومتأكد من المشاعر اللي جواها من زمان، ولكن رافضها تمامًا، رافضها هي أو اي أنثى، كفاية اللي حصل آخر مرة لما فكر يدخل واحدة حياته رغم إن الوضع مكانش قايم على مشاعر، بس برضه مش عايز يظلم التانية ودي مش أي واحدة.
دي بنت عمه غالب ودلوعة العيلة.
حاول يحافظ على رسميته معاها وقال:
_ تريدي شي يا ليلى؟
اتهدلت ملامحها باحباط من جفافه وقالت:
_ سلامتك يابن عمي.
تلفت وسابها ومشي ركب عربيته مع رجالته واتحرك تحت أنظارها الحزينة اللي كانت متابعها.
حست بحد بيلكزها بحدة، اتلفتت بخضة فلقت جنبها هناء بنت عمها اللي هتفت بحدة:
_ يا بت مش كده!
اتقلي شوية.
ما هو طول ما أنتِ متدهولة عليه كده عمره ما هيبص في خلقتك.
بصتلها بغيظ شديد وسابتها ومشيت بعد ما خبطتها بقوة في كتفها، فاتألمت التانية وهي بتقول:
_ بقى كده؟! الحق عليا، يكش تولعي!
كانت قاعدة في صالون شقتها بتسمع فيلم قديم، ولكن كان عقلها في مكان تاني تمامًا.
لحظات وارتفع رنين تليفونها، انتفضت وردت بعد ما لقيتها من صديقتها وقالت:
_ ها عرفتي تعملي حاجة؟!
جه صوت صاحبتها مها اللي كانت بتضحك من لهفة صوت التانية وقالت:
_ اهدي اهدي إيه الحماس ده كله؟
وبعدين اشمعنى العريش اللي ماسكة فيها وحابة تكتبي خبر عن أهل البلد، هي اسكندرية قصرت معاكي في حاجة على الأقل اقرب؟!
زفرت بضيق وقالت:
_ اخلصي يا مها، استاذ فادي وافق ولا لا.
اتكلمت ببساطة:
_ وافق يا ستي، حتى اتحمس كمان، شاف إن العريش محدش بيتكلم عليها كتير، فقرر ينظملك رحلة مع شوية مساعدين صغيرين معاك.
بس بيقولك لازم تطلعي بحاجة تشرف وتقلب الدنيا.
ابتسمت يقين باتساع وهي شايفة خطتها ماشية زي ما هي عايزة بالضبط، وشردت في الفراغ وهي بتقول بنبرة مفيش غيرها هيفهم المتبطن فيها:
_ من ناحية هتقلب الدنيا، فهي هتقلبها فعلًا!
وفي انعكاس عيونها كانت صورته هو، عامر الزيات اللي اقسمت مش هترتاح ولا يهدالها بال غير لما تنهي مسيرته تمامًا…
رواية وجوه في العتمة الفصل الثاني 2 - بقلم منة ممدوح
كانت بتجهز شنطة هدومها لرحلة التلات أيام اللي هتقضيها هناك. كانت مدركة إنها لازم تستغل التلات أيام دول كويس، تقريبًا هي دي فرصتها الوحيدة بعد كم المعلومات اللي جمعتها طول الشهور دي عنه.
خرجت من شقتها واتوجهت لمقر الجريدة بعد ما كلمت أهلها وقالتلهم على الرحلة وسط اعتراضهم، ولكن في النهاية استسلموا بعد ما عرفوا إن بنتهم ذات الرأس المتيبس استحالة ترجع عن قرارها.
وطبعًا مكانوش يعرفوا عن السبب الرئيسي.
وصلت لمقر الجريدة فشافت مديرها بيتكلم مع المساعدين اللي هيبقوا معاها. اتوجهت ناحيته وصافحته بامتنان وهي بتقول:
"أنا بجد متشكرة لثقة حضرتك يا أستاذ فادي، وأنا متأكدة إني هرجع بحاجات كتيرة هتعجبك من هناك."
ابتسم الراجل المسن بلطف وقال:
"عارف شطارتك يا يقين، عشان كده سلمتك زمام الأمور بعد ما مها كلمتني."
فقالت بود:
"بكرر شكري لحضرتك، وإن شاء الله هبقى عند حسن ظنك."
رد بمزاح:
"رحلة سعيدة، ومتنسينيش في زيت زيتون العريش ده بيتقال عنه حكاوي وأشعار!"
ضحكت وقالت:
"عيوني طبعًا."
ودعته واتجهت مع مساعدينها للعربية اللي هيروحوا فيها، واللي كانت كبيرة شوية عشان تاخد المعدات اللي هيستخدموها في التصوير. ولكن قبل ما تركب العربية اتلفتت على صوت نداء من صديقتها مها، اللي وقفت قدامها تقول بعتاب:
"بقى كده هتمشي من غير ما تودعيني! أنا ابتديت اغير من الحماس ده كله!"
ضحكت يقين وضمتها بود وهي بتقول:
"بجد يا مها مش عارفة أقولك إيه، من غيرك مكانش أستاذ فادي وافق."
هزتها بخفة وهي بتتكلم بعتاب رقيق:
"عيب عليكي، صاحبتك في الخدمة."
ودعتها وصعدت للعربية، واتحركوا للرحلة المجهولة بالنسبة لها. ورغم القلق والخوف اللي كان متمكن منها، إلا إن إصرارها على الانتقام لجوزها هو اللي كان مديها القوة.
بعد حوالي ٥ ساعات في الطريق، وصلوا أخيرًا للفندق اللي هيقيموا فيه. كانت رحلة شاقة بالنسبة لهم لطول الطريق، ده غير الخوف اللي كان بيتسلل لقلبها كل ما يقرب اللقاء.
انتهت أمور التسجيل على خير واستقرت أخيرًا في غرفتها اللي كانت بتطل على شواطئ العريش.
وقفت في البلكونة شاردة في البحر بتستقبل نسمات الهواء الباردة اللي لعلها تطفئ النار اللي حاسة بيها.
رغم التعب اللي هي حاسة بيه من السفر، ولكن أصرت تخرج تستكشف المكان مصممة إنها تستغل كل ثانية في وجودها هنا.
جهزت شنطتها وخدت كاميرتها واتحركت لتحت. في البداية كان كل ما يقابلها مشهد خلاب بتستغل مهنتها وتصوره، علشان بس تثبت إنها بالفعل جاية لشغل.
ولكن بالها كان مشغول في مكان تاني، صرح عائلة الزيات واللي للأسف كان في جنوب المدينة بجوار مزارعهم المخصصة لهم.
ففكرت إنها تندمج وسط الناس لعلها توصل لأي معلومات تقدر تستفاد منها. ولكن من الواضح إن الكل هنا بيهاب العيلة دي، وخاصة عامر الزيات.
الظاهر قدامها إن صيتهم واصل وبقوة!
رجعت للفندق بعد ما حست بالإرهاق وإن الوقت اتأخر، وقررت تأجل زيارتها لمكان الزيات بعد ما تقدر تستمد قوتها شوية.
***
صباحًا، خرجت مع المساعدين عشان يبدأوا يعملوا لقاءات مع الأهالي، ده غير تجولهم لكتير من الأماكن الخلابة اللي كانت هناك. وبعد ما انتهوا تقريبًا من معظم الأماكن وصوروا حاجات كتير يقدروا يستغلوها.
استقروا أخيرًا في أحد المطاعم اللي على البحر عشان يرتاحوا.
كان التلاتة المساعدين اللي معاها بيتفرجوا على الصور والفيديوهات اللي عملوها بحماس. في حين اتكلم واحد منهم وقال:
"مكنتش متخيل إننا هنلاقي الأماكن التحفة دي هنا، أستاذ فادي هينبهر باللي عملناه."
فرد التاني:
"المفروض نروح فين تاني؟"
اتكلمت البنت اللي كانت مستمعة:
"أعتقد مفيش حاجة تاني نقدر نعملها هنا."
"فيه."
كان رد يقين اللي كانت شاردة من أول قعدتهم ولكن فاقت على كلمتها. فبصولها بفضول شديد. اتعدلت هي وقالت برسمية عشان متظهرش مبتغاها:
"فيه مزارع للنخيل هنا والزيتون، من أكبر المزارع في سيناء ده لو مكانتش في مصر كلها، خاصة مزارع عيلة الزيات. بيقدموا أنواع تمور بجودة عالية جدًا وبيتصدر منها كتير. ده غير زيت الزيتون اللي مشهورين أوي بيها. أعتقد لو خدنا إذن منهم وقدرنا ندخل هناك نصور المزارع والعمالة وطريقة اهتمامهم بالإنتاج ده هيكون إنجاز تاني لينا هنا وهيبقى سبق صحفي شبه متعملش قبل كده."
ظهر الاعجاب على وجوههم بالفعل بعد ما قدرت تسلب انتباههم بكلامها. فاتكلم واحد فيهم:
"طب مستنيين إيه؟ يلا بينا."
بالفعل قاموا كلهم بحماس كبير. أما هي كانت بتراقبهم من بعيد وهي حاسة بقلق كبير، وأخيرًا هيتم اللقاء اللي انتظرته بقالها خمس شهور!
كانت بتراقب الطريق من شباك العربية. ابتدت زحمة المدينة تقل، وعدد المباني نفسها يقل. مزارع فقط، أشجار نخيل كتيرة، أو صحراء. ابتسمت بسخرية، بالفعل عيلة الزيات حويطة لدرجة إنهم عازلين نفسهم عن الناس.
هي الوحيدة اللي عارفة سرهم. عارفة إيه اللي وراهم. ولكن فاضل إنها تثبت إدانتهم بس.
وعلى بُعد ظهر صرحهم، المباني الصخمة اللي ساكنين فيها، بتصميمها المبهر الراقي واللي بيدل على ثرائهم الفاحش. اتسعت عيون الموجودين بإنبهار، لحد ما اتحول لقلق لما شافوا كمية الرجالة المسلحين اللي واقفين في المكان.
لوهلة انقبض قلبها هي كمان، كانت عارفة إنهم خطر، ولكن متخيلتش إنها تشوف المشاهد دي على الحقيقة.
اعترض عدد من الرجالة طريقهم. بصوا لبعض بإرتباك، في حين اتجه حارس وخبط على الزجاج عشان ينزلوه. بالفعل قام اللي سايق باللي طلبه. دخل راسه يبص لجوا العربية ولوشوشهم بتفحص وقال:
"لوين رايحين إن شاء الله؟!"
رغم الرعب اللي كانت حاسة بيه إلا إنها اتصنعت القوة ونزلت من العربية تحت أنظار الحراس اللي كانوا بيتأملوها بتفحص. وقفت قدام الحارس وطلعت الكارنيه بتاعها وهي بتقول:
"أنا الصحفية يقين عبدالرحمن تبع جريدة****. جينا هنا عشان نعمل سبق صحفي لمزارع الزيات، فلو سمحت ممكن تجيب حد منهم نتكلم معاه عشان ناخد الإذن منه؟"
"ايش فيه عندك يا حمد؟"
كان صوت زايد اللي شاف التجمع وهو خارج واتقدم ناحيتها وهو بيبصلهم بتفحص. وقبل ما يتكلم حمد اتحركت يقين ناحيته بجرأة وهي بتمد إيدها ليه وبتقول:
"يقين عبدالرحمن، صحفية لجريدة****. نقل نظراته بين إيديها وبين وشها، ولما حست بالارتباك والاحراج رجعت إيديها مكانها. أما زايد فقال بغلاظة:
"مالنا دخل بالصحافة، الله يسهل حالكم."
قالها واتلفت عشان يمشي، ولكن بالعكس ميئستش يقين أبدًا وجريت وراه جذبته من دراعه وسط دهشته ودهشة رجالته وقالت:
"اسمعني بس يا أستاذ…"
فقال بحدة:
"زايد."
"زايد الزيات."
رغم كرهها للقب ده إلا إنها ابتسمت بتكلف وقالت:
"اتشرفت بيك يا أستاذ زايد. إحنا صحفيين من القاهرة، ولكن أنا أصريت إني آجي العريش أعمل سبق صحفي فيها. وفعلاً رغم إني جيت امبارح بس إلا إني لفيتها حتة حتة وصورت كل مكان فيها والحقيقة انبهرت بالمكان. ولكن سمعت إن عندكم مزارع من أكبر المزارع في مصر وصيتكم واصل في البلد بشكل كبير."
عدل زايد من ياقة الچاكيت اللي بدون أكمام واللي كان لابسه على الجلابية بغرور، فقدرت تفهم إن التفخيم عجبه، فكملت بحماس:
"والحقيقة حسيت إني مش هقدر أمشي من هنا غير لما أشوف بنفسي الكلام اللي اتقال عن جودة مزارعكم ومحاصيلكم اللي ملهاش مثيل في مصر. أنا بطلب بس من حضرتك ساعة واحدة بالظبط جوا مزارعكم وصدقني هنكون ضيوف خفاف جدًا ومش هنضايقكم، ولكن ارجوك متكسفنيش!"
نظراتها البريئة وأسلوب كلامها اللبق عجبه مش هينكر، واتمحت الحدة اللي كانت على ملامحه، فاتكلم بغلظة:
"استنيني دقيقة يا ست البنات أما نشوف الموضوع ده."
هزت راسها مع ابتسامة رقيقة، واتجه لجوا تحت أنظارها. نزل في الوقت ده مساعدينها اللي وقفوا وراها يتابعوه وهما بيقولوا:
"وافق؟"
ردت من غير ما تتلفتلهم:
"حتى لو موافقش، مواراناش غيرهم طول اليوم."
لوهلة اتجمدت مكانها تمامًا لما شافته خارج من بيت من البيوت اللي جوا قدامها، لابس قميص رمادي ومدخله جوا بنطلونه، فاتح أول أزراره، ماسك موبايله وكل أنظاره مسلطة عليه باهتمام.
اضطربت دقات قلبها بقوة، عدوها قدامها أخيرًا مش مجرد صور!
لوهلة اتبدلت نظراتها اللي بقت مليانة كره كفيل أي حد يلاحظه، بغض ملهوش مثيل. جزت على أسنانها بغيظ، بتتمنى إنها تروح تفتك بيه. لسبب الوحيد لموت جوزها وحبيبها قدامها عايش مرتاح البال!
كان خارج في طريقه لمكتبه، ولكن وقف لما سمع نداء زايد ليه:
"عامر."
"عامر يابن عمي."
بصله بتعجب:
"خير يا زايد؟!"
شاور براسه للمكان اللي واقفة فيه يقين وقال:
"فيه صحفيين من جريدة معرفش اسمهم إيش كده، جايين وبيقولوا عاوزين يسووا سبق صحفي للمزارع ويصوروا الإنتاج عشان يحطوها على الجرايد."
رفع عامر حاجبه بتعجب وقال:
"من متى وحنا بندخل الصحافة عنا ولا في شغلنا؟! غورهم اجري."
ضم زايد شفايفه باعتراض، فاتكلم عامر بحدة:
"اسمع الكلام يا زايد، مش عاوزين لبش اليومين ذولا ولا عاوزين العيون تتفتح علينا."
هز راسه بضيق واتلفت ورجع لهم. استقبلته يقين بلهفة حسسته بالعجز أكتر، ولكنه طفى حماسها لما قال:
"حنا ملناش فاضيين ومش عاوزين قلق في شغلنا. تقدروا تروحوا تصوروا في مكان تاني."
اتصنعت يقين الحزن ومطت شفايفها بضيق:
"إحنا عارفين إن فيه مزارع تانية هنا، بس استحالة تكون في جودة مزارع الزيات. يا خسارة، كانت هتبقى إضافة كبيرة ليا إن أعمل سبق صحفي زي ده بس مليش نصيب."
تلفتت وهي ناكسة راسها بتمثل الأسى. نقل زايد نظراته بينها وبين عامر اللي وراه، وسط ارتباك وتردد كبير منه، ولكن في النهاية هتف:
"استني يا.. صحفية. هذي إيش كان اسمها!"
التفتت ليه بلهفة:
"يقين."
"يقين عبدالرحمن."
قرب منها وقال:
"اسمعي يا يقين، أنا هدخلكم بس لنص ساعة بالظبط، ماقدر أزيد عن كذا."
ابتسمت باتساع وقالت:
"وإحنا راضيين بقليله."
رغمًا عنه لقى زايد نفسه بيبادلها الابتسامة، بعد ما حس بالاعجاب ناحيتها، وهي كانت مدركة لده كويس وبتشتغل عليه.
اتحركت وراه هي والصحفيين بمعداتهم. وصلهم زايد لمدخل المزرعة، ووجه كلامه لعدد من رجالتهم بأمر:
"خليكم امعاهم، ومش عاوز أي شوشرة عشان عامر بيه ميقطعش رقابيكم."
"أمرك يا زايد بيه."
رغم إنه كان بيتكلم ببساطة وكأن القتل شئ عادي، ولكن نظرات القلق والخوف اللي اتبادلوها بين بعض كانت واضحة جدًا، بس استمدوا القوة ببعض واتحركوا ورا الرجالة. ولكن فضلت يقين مكانها تحت أنظار زايد الفضولية. ولما شافت إنهم بعدوا شوية قربت منه واتكلمت برقة:
"أنا بجد مش عارفة أقولك إيه يا أستاذ زايد. أشكرك جدًا إنك اديتني الفرصة دي."
بصلها بنظرات متفحصة ممزوجة بالاعجاب، واتكلم بنبرة رجولية:
"العفو."
هزت هي رأسها بامتنان، واتوجهت بكاميرتها لجوال. ولهلة انبهرت بالمنظر قدامها، المساحة المهولة المليانة بأشجار الزيتون اللي كان نضج والعمال اللي بيحصدوه من الأشجار. كانوا بيشتغلوا على قدم وساق، ورغم إن دي مش مهمة يقين الحقيقية، إلا بحكم مهنتها لقت نفسها بتمسك كاميرتها وبتبتدي تصور المكان.
ومن على بُعد شافت ليلى وهناء المشهد هناك، واستعجبت من اللي بيحصل، فاتوجهت بجلبابها التقليدي لهناك، واتكلمت بقوة تليق ببنت الزيات:
"مين هذولا يا حمدوش بيسووا هنا؟!"
نكس حمد راسه بسرعة تحت أنظار يقين المتفحصة. مكانش يجرؤ يرفع راسه لأي ست تنتمي لعيلة الزيات. واتكلم بتوتر:
"ست ليلى هذولا صحفيين باعتهم زايد بيه عشان يصوروا المزرعة."
كتفت إيديها وبتعالي قالت:
"ومن متى بندخل صحفيين جوا مزارعنا؟ عامر بيه عنده علم بالكلام ده؟"
تقدمت منها يقين المرة دي واتكلمت بلباقة:
"إحنا مش هناخد من وقتكوا كتير، هناخد كام صورة للمكان، ونشوف العمال بيشتغلوا إزاي وهنمشي على طول. أستاذ زايد ادانا نص ساعة وإن شاء الله قبل النص ساعة هنكون مخلصين."
بصتلها من فوق لتحت بتعالي واضح، ضحكت بسخرية ورددت:
"أستاذ زايد؟!"
وجهت نظرها المرة دي لحمد وقالت:
"خلي عينك عليهم."
"أمرك يا ست ليلى."
اتحركت ومشيت بعد ما رمتها بنظرة مستحقرة أثارت غضب يقين بشدة، ورجعت تاني لمكانها جنب هناء اللي مالت عليها بفضول:
"عرفتي مين هذولا؟"
ضحكت باستهزاء:
"مساخة بتوع مصر قال جايين يصوروا المزرعة! يلا يلا نرجع على الدار سيبك منهم."
اتحركت يقين مع مساعدينها وابتدوا يصوروا الإنتاج والعمالة اللي هناك ويعملوا لقاءات مع العمال اللي كانوا ودودين بشكل كبير.
ولكن كل اللي مضايقها رجالة الزيات اللي كانوا محاوطينها. حاولت تبعد هي عنهم وتتوغل أكتر جوا المزرعة وبالفعل استغلت انشغالهم بمراقبة مساعدينها واتحركت بين الأشجار. وعلى بُعد شافت مستودع كبير كان حواليه حراسة كبيرة واللي كان عامر الزيات وفارس أخوه واقفين بيتكلموا معاهم وكان واضح على وشوشهم الصرامة وكأنهم بيحذروهم.
حست إن فيه حاجة غريبة في المكان ده. حاولت تقرب أكتر ولكن اتجمدت مكانها لما هتف واحد من رجالة زايد:
"إيش بتسوي هنا؟! ممنوع تقربي من المكان ده!"
غمضت عينها بهلع، وبلعت ريقها بارتباك وبعدين اتلفتت ليه وهي بتقول بضحكة متوترة:
"أنا بس نسيت نفسي وأنا بتمشى وبصور وسط المزرعة فلقتني هنا ونسيت برجع ازاى."
بصلها بتفحص شوية وشك، وبعدين قال:
"تعالي. أنا هرجعك لزمايلك."
هزت راسها مع نفس الابتسامة، وبالفعل أبتدت تتحرك معاه ولكن عيونها كانت مسلطة على نفس المكان ده اللي حاسة انعزاله بالشكل ده وراه حاجة.
وبعد ما مرت النص ساعة رجعوا لطريقهم للفندق تاني، كانوا كلهم ماليهم الحماس من اللقطات اللي خدوها واللي متأكدين إنها هتكون إضافة ليهم. إلا يقين اللي كان عقلها مشغول تمامًا بالمشهد اللي شافته، وبأسلوب عامر اللي كان باين عليه التهديد وهو بيشاور حوالين المستودع ده وكأنه فيه حاجة مخبيينها فيه.
كانت عارفة إنها لازم ترجع ولكن كل أزمتها هي إزاي وبأي حجة. هما دخلوا هنا بالعافية أساسًا وباين قد إيه أنهم حويطين زيادة. ولكن رغم ده كان الإصرار مالي عينيها، مش هتيأس حتى لو إيه حصل!
***
"إزاي يعني نكون في الجريدة على بكرا يا أستاذ فادي، إحنا حتى يدوب كملنا يوم هنا!"
هتفت بيها يقين وهي بتلف حوالين نفسها في الأوضة بضيق، مكانتش متخيلة إن الوضع ممكن يتأزم بالشكل ده!
ولكن جه صوت فادي الحازم:
"فيه شوية أحداث حصلت هنا يا يقين، محتاجين كل صحفي موجود في الجريدة، وكمان أنتِ معاكِ تلاتة من أحسن المساعدين، من غيرهم مش هنطلع الأخبار بالشكل اللي إحنا محتاجينه."
شدت على خصلاتها البنية بجنون واتكلمت:
"بس يا أستاذ فادي…"
قاطعها بحدة ولهجة لا تقبل النقاش:
"مبسش يا يقين. أنا محتاجكوا بكرا في الجريدة وانتهى الموضوع."
"اتحركوا من الفجر عشان تلحقوا توصلوا."
عضت على شفايفها بغيظ، وقالت بطاعة ونبرة مليانة ضيق:
"حاضر يا أستاذ فادي، حاضر."
قفلت معاه وحدفت تليفونها بقوة على السرير وهي بتصرخ بغيظ شديد وبتشد على شعرها بجنون. فضلت تلف حوالين نفسها شوية. مش معقولة هتكون بالقرب ده وهتضيع الفرصة من بين إيديها! لا زم تتصرف، لازم!
وبعد تفكير طويل لقت نفسها بتتجه لشنطتها وبتطلع هدوم داكنة رسمية، ومعاهم وشاح أسود هتستخدمه في إنها تداري بيه ملامحها.
وقفت تبص لنفسها في المراية وهي بتعقص خصلاتها على هيئة كعكة عشان متعيقهاش، وخدت تلفونها اللي عملته صامت وكاميرتها الصغيرة. ولكن قبل ما تخرج لقت نفسها بتبص للسكينة اللي محطوطة في طبق الفاكهة، وبعد تردد كبير قربت خدت السكينة وقلبتها بين إيديها بتردد وبعدين حطتها في شنطتها الصغيرة واتحركت لبرا الفندق.
هي مدركة إن اللي بتعمله ده خطر على حياتها، ولكن لازم تستغل الفرصة، مش هتقدر تمشي من هنا من غير ما توصل لجزء من اللي هي عايزاه!
وقفت تاكسي من قدام الفندق، واتحركت بيه لأقرب نقطة من صرح الزيات عشان متلفتش النظر.
نزلت من التاكسي اللي كان سواقه بيبصلها بنظرات متعجبة من وجودها في مكان زي ده في الوقت المتأخر ده، حاسبته وبعدين اتحركت بحذر وهي بتتأمل المكان من على بُعد لحد ما اختفى السائق بالعربية عن عيونها.
طلعت الوشاح ولفته حوالين راسها بإحكام لدرجة إن مبقاش باين ليها أثر غير عينيها، وطلعت قفازات جلدية لبستها عشان بصماتها. كل دي حاجات اتعلمتها من مهنتها في كتابة الجرايم في الجريدة، ده غير شغل زوجها اللي كان بيحكيلها دايمًا عن تفاصيله.
طلعت كاميرتها والسكينة حطتها في جيب البالطو الأسود الطويل بتاعها مؤقتًا عشان لو احتاجته، واتحركت بتردد من وسط الأشجار.
كانت عارفة إنها مش هتقدر تتحرك من الطريق الرئيسي بسبب عدد الرجالة الموجودين واللي كانوا مسلحين مش هيترددوا يخلصوا عليها.
تسللت من ورا سور البيت بحذر، ولكن كانت حاسة بالرعب من الرجالة المسلحين اللي واقفين حتى على سور البيت بيراقبوا المكان، ولكن الضلمة والاشجار وكمان حجمها الصغير ساعدتها في إنها تتدارى منهم.
ولكن لوهلة شهقت بهلع واستخبت ورا الحيطة لما شافت رجل مسلح خرج قدامها.
كتمت بوقها بإيديها وثبتت مكانها وهي بتحاول تكتم أي نفس ليها ولكن الرعب كان ظاهر عليها من عيونها المتوسعة بشدة.
لحظات ومر الرجل من جنبها ولحظها محسش بيها، فاتحركت بسرعة وبحذر لحد ما لقت مدخل للمزرعة من ورا.
دخلت وهي بتتأمل المكان من حواليها بفضول، وابتدت تتخبى بين الأشجار لحد ما وصلت عند المستودع اللي شافته بالنهار واللي كانت أضواؤه شغالة.
قربت بحذر لحد ما وقفت ورا شجرة إلى حد ما مخبياها. ولكن لوهلة اتسعت عيونها بصدمة من اللي شافته.
رواية وجوه في العتمة الفصل الثالث 3 - بقلم منة ممدوح
تحرك عامر مع اخواته الاتنين وولاد عمه ناحية المستودع، كان ميعاد تسليم الشحنة الجديدة قرّب فكان لازم يتأكد إن كل الأمور ماشية بالشكل المطلوب.
كان مستنيه خالد ابن عمه مرزوق هناك، واللي كان هيبقى مسئول عن الشحنة المرة دي. نظرًا لأن كل واحد منهم بالدور بيكون مسئول عن شحنة، لو الشحنة تمت بالشكل المطلوب بياخد جزء من الأرباح أكتر، ولكن ده بيكون تحت أشراف عامر طبعًا.
دخلوا كلهم للمستودع اللي كان مليان بصناديق ضخمة المفروض إنها خاصة بالزيتون عشان يتصدر.
على بُعد كانت وقفة يقين بتتابع اللي بيحصل بفضول كبير وهي بتصور كل ده بكاميرتها.
اتحرك تلاتة من رجالة عامر بصندوق من الموجودين ناحيته وهما رافعينه بحذر، وقرّب عامر بكبرياء. فتح الصندوق باستخدام حديدة كبيرة، وابتدى يفضي الزيتون من الصندوق، لحد ما شافته بيطلع صندوق طويل من جوا صندوق الزيتون. حطه قدامه على الأرض ففتحه وظهر قدامه سلاح.
طلعه عامر ومسكه بين إيديه وهو بيتفحصه بحذر.
أما يقين فشهقت بصدمة واتوسعت عيونها من دهشتها ورددت:
"يا مهربـين يا ولاد الكلـب!"
كانت صدمتها كبيرة، مكانتش تتخيل إنهم بالذكاء ده، المفروض إن الزيتون اللي بيتصدر لبرا ما هو إلا طريقة ظاهرية عشان يهربوا بيها الأسلحة!
وطبعًا مسابتش صدمتها تغلبها بل في لحظات اتسعت ابتسامتها وهي شايفة إنها مسكت أول مسمار هيتدق في نعش عامر الزيات وآخيرًا هتقدر تجيب حق جوزها.
وابتدت تصور كل ده بكاميرتها بلقطات سريعة ورا بعض عشان متفوتش حاجة، وهو ماسك السلاح، وبيقيمه، بيشوف إذا كانت جودته كويسة ولا لأ.
وبعد ما انتهى من مراجعته شاور لواحد من رجالته اللي اتحرك ورجع السلاح مكانه. أما عامر فوجه كلامه لخالد بفخر:
"عـاش يابن عمي. هذا اللي كنت مستنيه منك."
كربت خالد على صدره وقال بامتنان:
"كله من خبرتك يا عمي."
وجه كلامه ليهم كلهم المرادي:
"خدوا بالكم كويس، العين علينا هذولا اليومين خصوصًا الرشايدة. لازمن هذي الشحنة تعدي على خير."
تكلم خالد:
"ماتقلق يابن عمي، في رقبتي."
كربت على كتفه بود، واتلفت ناحية رجالته يشاورلهم إنهم يرجعوا الصناديق مكانهم ويتأكدوا من إنهم مقفولين كويس.
ولكن لوهلة حس بطيف شخص جنب عيونه، عقد حواجبه بتعجب، واتلفت ناحية الأثر.
لوهلة اتجمدت يقين تمامًا لما شافته مسلط عيونه عليها وحست بارتجاف اطرافها، فرفع عامر حاجبه سرعان ما جز على أسنانه بغيظ، فاتلفت اللي كانوا موجودين على هيئته وبالفعل شافوا اللي كانت واقفة حاسة بخدل في كل جسمها، فاتكلم عامر بقوة من غير ما يشيح بنظره عنها:
"عـاوزه حـي!"
بالفعل اتحرك كل الرجالة وهما بيجروا ناحيتها، فشهقت بهلع وابتدت تجري وسط الاشجار وهما وراها وصوت الرصاصات اللي في الهوا بيخليها تنكمش على نفسها برعب، وفي لحظات اتملى المكان برجالة عامر بعد ما انتشر الخبر.
أما هي فاستغلت خفتها وبقت بتجري بسرعة لحد ما وصلت لمخرج من المزرعة لكن كان متغطى بسلك شائك، اتحاملت على نفسها واتحركت من تحته فاتأوهت بألم وهي بتزحف من تحت السلوك اللي سببتلها جروح في جسمها.
ولكن قدرت تتحامل على نفسها وتهرب بالفعل، وقف سعد حاسس بالعجز وهو شايفها بتهرب، فوجه كلامه لرجالته:
"لـفُّم من الناحية التانية كيف ما عامر بيه قالكمعاوز هذا الكلب حي!"
بالفعل اتحرك الرجالة بسرعة، وابتدى صوت ضرب النار يعلى وهي تنكمش على نفسها وتصرخ بهلع.
ومن وسط اشجار النخيل آخيرًا قدرت تخرج من حوالين المكان وكملت جري عشان تضمن إنها بعدت عنهم.
وعلى بُعد وقفت وهي بتنهج من المجهود واتلفتت حواليها ولكن ملقتش أثر لأي حد، اتنفست الصعداء وحست براحة شديدة، ولكن شهقت بهلع لما شافت عامر واقف وراها وهو باصصلها بنظرات مميتة بعد ما ظهر مرة واحدة من العدم.
برقت برعب واتبادلوا النظرات، ابتسم ابتسامة مهلكة واتكلم بهسيس:
"فكـرك هتدخـل بـينا وتخـرج سلـيم؟! ورحمة أبوي لخلـيك تتمنـى المـوت ومتلاقـوش!"
وقبل ما تاخد رد فعل كان قبض على رقبتها بقوة ورفعها عن الأرض، شهقت بهلع هي حاسة بأنفاسها بتضيع، سحب الكاميرا اللي في إيديها ورفعها قدام عينيها وقال:
"انطـق ميـن اللي باعتك؟!"
حاولت تتملص من بين إيديه ولكن بدون فايدة وقدام نظراته المرعبة واحساسها بالاختناق، ملقتش نفسها غير وهي بتطلع السكينة من جيبها وبتطعنه بقوة في بطنه.
شهق عامر واتوسعت عيونه من الألم، ومكانتش تقل هي صدمة عن اللي عملته، اترنج هو وسابها مرة واحدة فوقعت على الأرض وهي بتكح بعنف بعد ما رجعت أنفاسها تاني، رفعت إيديها بالسكين اللي مليان دم بصدمة، فشهقت بهلع ورمته من إيديها بعيد بذعر، ووجهت أنظارها ليه، كان بيترنج وحاطت إيده على الجرح اللي بينزف بغزارة، حست هي بالهلع من الوضع اللي اتحطت فيه، فرددت برعب:
"يا نـهار اسـود!"
عند خرج صوتها الأنثوى، حس هو بالدهشة وبصلها بصدمة ولكن كان حس بإن قوته بتخور، فوقع على الأرض وهو بيتنفس بسرعة من الألم، أما هي فبدون تردد سابته وجريت، جريت وهي بتبكي بعنف وبصدمة من الموقف اللي اتحطت فيه، حست إنها على وشك الانهيار.
اتلم الرجالة حوالين عامر بعد ما لمحوه، قعد فارس على ركبته وهو بيرفعه ليه بصدمة وبيقول:
"عـامـر أخـوي!"
من بين أحساسه بالألم وإنه على وشه يفقد الوعي تمتم:
"كانت…حُـرمـة!.."
****
رجعت لغرفتها للفندق، طول الطريق مقدرتش توقف دموعها، كانت عايشة حياة مسالمة وفلحظة كل ده انتهى، من أول ما جه زوجها هنا وهي حياتها اتقلبت رأسًا على عقب، عيلة الزيات هي سبب إنهيار حياتها الهادية السعيدة، كل ده اتدمر بسبب قذارتهم اللي بيداروا عنها باستماتة.
قفلت باب غرفتها وراها واتجهت للحمام على طول، قلعت القفازات اللي كان عليهم دم ورمتهم في الحوض، غسلت إيديها وهي حاسة بالقرف من نفسها من أثار الدماء اللي عليها وهي ما زالت بتبكي، وابتدت تغسل وشها بعنف، ولكن لوهلة اتنفضت لما شافت أثره في المراية من وراها، اتلفتت بهلع بس ملقتش حد، رجعت بصت للمراية تاني وادركت وقتها إن ده كان تهيؤات منها، فبكت بإنهيار أكتر وهي ساندة على الحوض.
صوت شهقاتها بيعلى في المكان.
لوهلة لقت نفسها بتنزل بإنهيار على الأرض وصرخت:
"يـوسـف!"
وبعد وقت طويل كانت اتحاملت على نفسها وداوت جروح جسمها من السلك الشائك.
حاولت على قد ما تقدر تقاوم انهيارها عشان محدش من اللي معاها ياخد باله.
وجهزت شنطها وغيرت ملابسها ونزلت لبهو الفندق، فشافت مساعدينها واقفين بانتظارها، اتقدمت البنت منها وقالت بتوسل:
"يعني مكانش ينفع نقعد هنا أكتر شوية. ملحقناش نتبسط بالوقت هنا!"
وعند الفكرة دي صرخت يقين في وشها بهلع:
"لأ!"
انتفضت البنت بتعجب من حالتها، وأدركت يقين وقتها رد فعلها الغريبة، فمسحت على وشها بعنف واتكلمت:
"أنا آسفة يا ريم أعصابي تعبانة بس شوية. ممكن نمشي عشان مش قادرة أقف؟"
اتحرك واحد من مساعدينها وخدوا شنطها واتحركوا بالفعل.
سندت براسها على زجاج نافذة العربية وشردت في الطريق، ورغمًا عنها نزلت دموعها وهي بتفتكر لما خنقها بعنف وإيده القابضة على رقبتها بلا رحمة.
ده غير نظرته وعيونه الحمرا المتوسعة بعد ما طعنته في بطنه.
والسؤال الوحيد اللي بيدور في بالها:
يا ترى عايش ولا ميت؟
****
شهقات مذعورة خرجت من نساء العيلة وهما شايفين فارس وعايد مسندين عامر اللي كان شبه غير واعي والدماء بتنزف منه، صرخت والدته فاطمة وجريت عليه وهي بتبكي بإنهيار:
"ولـدي ولـدي عـامر! مين اللي عمل فيك كذه يا ضنايا!"
حاول يتحامل على نفسه وفتح عيونه وقال بصوت ضعيف:
"ما تقلقيش ياما، أنا بخير."
بكت وهي بتقول:
"بخير كيف بس؟ أنتَ مش شايف حالك!"
اتحركوا لجوا وسط بكاء ستات العيلة اللي كانوا شايفين كبير عيلتهم في حالة زي دي، إلا بدرية زوجة غالب وعيشة زوجة مرزوق اللي كانوا واقفين يتشفوا فيه، من زمان وهما شايفينه واخد الكبارة بدون وجه حق وهما مجرد حاشية عنده، ودي حاجة مكانتش عاجباهم.
أما فاطمة فهتفت:
"لوين واخدينه! لازمن يروح على الوحدة."
اتكلم فارس في الوقت ده:
"مالو لزوم ياما، الدكتور راضي جاي دلوقت."
كانت ليلى واقفة جنب والدتها بدرية وهي منهارة في البكاء، مش متخيلة إنها شافت حبيب عمرها في الحالة دي.
ودي مكانتش حاجة عاجبة والدتها اللي لكزتها بحدة وهي بتقول:
"ما تنشفي شوية يا بت! إيش دانا مشوفتكيش بتبكي كذه على أبوكي ولا اخواتك!"
دبت ليلى على الأرض برجليها زي الأطفال وهتفت من بين دموعها:
"ياما بقى!"
دفعتها والدتها بغشامة:
"مو لما يلهفك، خشي على جوا. خشي قطع رقبتك!"
فاتذمرت ليلى باعتراض ولكن قدام لكز والدتها دخلت لجوا بيتهم ولكن عينيها كانت مسلطة على الباب اللي دخل منه عامر وهي مليانة قلق.
دخل الطبيب وداوى جرح عامر اللي كان رجع لوعيه تقريبًا، واداله شوية مسكنات تحت أنظار فارس وعايد.
وبعدين خرج برا فجريت فاطمة عليه وهي بتقول:
"كيفه ولدي يا دكتور؟"
اتكلم الدكتور بعملية:
"بخير يا حاجة. الحمدلله الطعنة مصابتش أي أعضاء حيوية، عقمتله وخيطتله الجرح واديته مسكنات، شوية وهيروق بس لازمن ميتحركش كتير عشان الغرز ماتفكش."
اتنفست فاطمة وعهود اخت عامر الصعداء واتطمنوا أخيرًا.
فـوجهت فاطمة كلامها لواحد من الرجالة:
"راضي الدكتور."
"أمرك يا حاجة."
دخلوا في الوقت ده لجناح عامر اللي كان نايم على ضهره وكاشف عن الجرح المتعقم، جريت عليه عهود ومسكت إيده وهي بتقول بدموع:
"سلامتك ياخوي، إن شاء الله عدوينك!"
كربت على إيديها بلطف، فقالت فاطمة:
"كيفك دلوقت يا ضنايا؟!"
حاول يتحرك ولكن مقدرش فقال عشان يطمنها:
"بخير ياما بخير."
وجه كلامه لفارس اللي كان بيتناقش معاه وقال:
"أنا متأكد إنها حرمة. هذي حجمها ميوحيش بإنها راجل. دانا شيلتها بإيد واحدة، وكمان لما صرخت طلع صوتها. اتصرفوا واعرفولي مين هذي اللي قلبها جابها تدخل وكر الزيات بنفسها!"
اتكلم عايد في الوقت ده:
"هذا كلام ما يدخل عقل جدع! مَرَة تقدر تدخل لجوا من بين كل هذولا الرجالة! كيف يعني؟!"
فرد فارس:
"خلاص يا عايد. عامر قال حرمة تبقى حرمة. المهم دلوقت نعرف هي مين، وإيش حكاية الكاميرا اللي في إيدها هذي!"
عقدت عهود حواجبها بتعجب وقالت:
"كاميرا؟!"
اتلفتوا كلهم ناحيتها فكملت:
"أنا سمعت البت ليلى وهي بتتمسخر على جماعة صحفيين قال دخلوا يصوروا المزرعة في القيالة."
اتوسعت عيون عامر بدهشة وقال:
"الصحفيين اللي قولت لزايد يغورهم!"
فردت عهود:
"أهو زايد اللي مدخلهم بنفسه، سمعت ليلى بتقول شكله نخ لما شاف حلاوة بنات مصر."
جز عامر على أسنانه بغيظ ووجه كلامه لعايد أخوه وقال:
"هاتلي زايد."
"حاضر يا حبيب خوك."
فاتدخلت فاطمة في الوقت ده موجهة كلامها لعهود:
"وأنتِ يلا ارجعي دار جوزك، حسن زمانه مستنيكِ."
بالفعل اتحركت بطاعة:
"حاضر يام. سلامتك ياخوي."
هز راسه من غير ما يرد، كان في عالم تاني لوحده. مش قادر يتخيل إن ست هي اللي تقدر تدخل بين كل عدد الرجالة دولوكمان تجيلها جرأة تطعنه!
أصر في نفسه إنه لازم يجيبها حتى لو من تحت سابع أرض.
****
رغم إن مكانش عندها طاقة إلا إنها مقدرتش ترجع على البيت تحت اصرار فادي على إنهم لازم يروحوا الجريدة دلوقتي، وبالفعل كانوا هناك متمركزين على طاولة اجتماعات بتجمع كل اللي بيشتغلوا في الجريدة، كانت يقين بالها في مكان تاني خالص.
كل اللي شاغل بالها هو عامر واذا كان عايش ولا لأ. لوهلة اتمنت إنه يموت.
على الأقل تثأر لزوجها.
ولكن عارفة إن عواقب ده وخيمة.
"مش كده يا يقيني؟ يقينيقـين!"
فاقت على صوت فادي اللي كان بيبصلها بتعجب، فعقد حواجبه بضيق وقال:
"لا ده أنتِ مش معانا خالص!"
حاولت تبرر بارتباك:
"أنا آسفة يا استاذ فادي، بس السفر والطريق محسسني بإجهاد ومش قادرة أركز."
فقال بلطف:
"أنا مدرك ده يا يقين، بس أوعدك نعدي النهاردة بس وهديلك يومين اجازة."
هزت راسها وهي مبتسمة بصمت فوجه كلامه لتيمها المرادي:
"الحقيقة كل الصور والفيديوهات اللي عملتوها في يوم واحد بس قضيتوه في العريش تعتبر انجاز هايل ليكم، ممكن تبتدؤا تجهزوا المقالات على رواقة، ولكن الأولوية النهاردة للأحداث اللي حصلت امبارح."
سكتوا وهما بيتبادلوا النظرات، أما يقين فكانت حاسة بضيق شديد، لوهلة فكرت لو كانت قدرت توصل الصور دي للجريدة، الأكيد كانت هتقلب الدنيا.
والعنوان اللي هيتصدر كل الصحف هو انكشاف ما وراء ثروة عائلة الزيات.
وقتها كانت الاضواء هتتسلط عليها.
البطلة اللي قدرت تكشف كل قاذوراتهم.
والاهم من ده كله إنها تنتقم لجوزها وتلف حبل المشنقة حوالين رقبة عامر.
انتهى الاجتماع ورجعت هي على مكتبها تكتب المقالات اللي اتكلفت بيها، وبعدها ابتدت هي ومساعدينها يجهزوا كل الصور والوثائق والفيديوهات اللي عملوها في العريش عشان يجهزوها لعرضها.
رجعت لشقتها اخيرًا، اترمت على سريرها بارهاق، لوهلة جه في بالها نظرته ليها، رفعت إيديها تلقائيًا وملست على رقبتها اللي كانت بتؤلمها، اتجهت للمراية اللي في أوضتها وواقفت قدامها، كان فيه أثار أصابع ملونة على رقبتها من قوة قبضة إيده، شردت لوهلة في شهور فاتت ورجعت بالذاكرة.
لورا.
كانت بتحضر السفرة مستنية رجوع يوسف من الشغل، نظرا لإن مكان شغله اتغير وبقى على بُعد خمس ساعات من هنا، فاتضطر إنه ياخد سكن هناك ويرجع كل نهاية اسبوع.
واتفتح باب الشقة واستقبلته هي بحضن دافي زي ما اتعودت وقالت بحب:
"حمدلله على سلامتك، وحشتني."
ولكن عقدت حاجبها بتعجب لما شافته بعدها عنه بنفور وراح قعد على الكنبة بإنهيار، راحت قعدت جنبه وبقلق قالت:
"مالك يا يوسف؟ حصل حاجة؟ المجرمين دول عملولك حاجة؟"
كان قاعد ودافن وشه بين كف إيديه، وبعدها شالها وهو بيدعك وشه بتعب، وبعدين قال:
"عامر هددني بالقتل."
شهقت برعب وبسطت كفها على شفايفها فكمل هو:
"لو متعاونتش معاهم ومغميتش عيني عن اللي بيحصل هيصفوا حساب. يعرفوا إني مسكت عليهم دليل."
مسكت دراعه برعب وقالت بتوسل:
"وأنتَ مستني إيه يا يوسف؟ بلغ رئيسك. عرفه اللي بيدور. اخليهم يحموك."
بصلها بعجز وبضيق قال:
"الموضوع أكبر من كده يا يقين. أكبر بكتير…"
لوهلة حست بالنيران بتشتعل في صدرها من الحقد، محستش بنفسها غير وهي بتصرخ بغل وبتضرب بقبضتها كذه مرة على الحيطة.
محستش بالعجز ده غير بسببه.
كان زمانها كل يوم بتنعم بين أحضان زوجها.
هو اللي سلبها حياتها.
وهي هتنتقم.
بينها وبين عامر الزيات تار ولازم تنهيه.
****
عدى كام يوم من غير أحداث، كانت بتخلص آخر مقالة بالصور اللي في العريش، بعد ما حست إن الموضوع عجب الناس عشان سلطت الأضواء على أماكن مش واخدة حقها بالشكل الكافي.
أضافت اللمسات الأخيرة وبعدين فتحت تليفونها وطلبت أوبر عشان ترجع البيت.
اتحركت من المكتب وخرجت قصاد الجريدة تستنى العربية، ولكن ارتفع رنين تليفونها وكانت والدتها المتصلة.
زفرت بضيق وهي عارفة هتكلمها في إيه، فردت والدتها:
"لسة مروحتيش لحد دلوقتي؟"
أجابت بضجر:
"مستنية أوبر."
هتفت والدتها بقلق وتأنيب:
"يبنتي قولتلك تقفلي شقتك بقى وتيجي تقعدي معانا، مش هينفع تفضلي قاعدة فيها لوحدك كده. ونفضل أنا وابوك قلقانين عليكي وأنتِ بعيد كده!"
اتأففت بنفاذ صبر وقالت:
"ماما. أنا قولتلك قبل كده مش هسيب شقتي. مش هتحرميني بقى من الحاجة الوحيدة اللي باقيالي من يوسف!"
فقالت والدتها:
"ما أنتِ قاعدتك وحدانية دي غلط، إيه يا يقين خلاص مبقاش ليكي كبير؟! عايزة الناس تقول علينا إيه؟! حتى أهل جوزك محدش فيهم بيعبرك من بعد موته!"
صرخت بضيق:
"يا ماما!"
جه صوت والدتها المتذمر:
"ماما إيه بس! ماهو لو مكنتيش اجهضتي حتة العيل ومشيتي ورا كلام اللي الله يرحمه بقى كان زمانه كبر دلوقتي وبقيت متطمنة عليكي، على الأقل معاكي اللي يونسك، إنما روحتي مشيتي وراه زي العامية وأول ما قالك نزلي الجنين جريتي تنزليه لا رعيتي حرمانية ولا حتى خوفتي على نفسك!"
وقبل ما تكمل والدتها كلام شافت عربية وقفت قدامها فافتكرتها تبع أوبر، فقاطعتها بسرعة:
"أنا هقفل يا ماما عشان العربية وصلتي. لا باي هكلمك بعدين."
وقبل ما تعترض والدتها قفلت على طول واتجهت للعربية فتحت الباب وهي باصة في تليفونها وركبت العربية اللي اتحركت بيها على طول، ولكن لوهلة عقدت حاجبها بتعجب لما شافت إن العربية اللي طلبتها بعتلها مسدج إن قدامه خمس دقايق ويوصل عندها.
رفعت وشها ووجهت كلامها للسواق:
"هو أنتَ…"
اتجمدت تمامًا واتوسعت عينيها بدهشة لما شافت اللي قاعد جنبها ومبتسم بسخرية، في حين بيتأملها من فوق لتحت بتفحص.
همست هي بشفايف مرتعشة:
"عــامر!"
رواية وجوه في العتمة الفصل الرابع 4 - بقلم منة ممدوح
أنتِ طلعتي عارفاني زين أهو!
قالها عامر بسخرية وهو بيرمقها بنظرات متفحصة من فوق لتحت. مش قادر يصدق إن اللي قدامه دي هي اللي قدرت تعمل اللي عيلة كاملة مليانة رجالة مقدروش يعملوه، ودي حاجة مسبباله غضب وبُغض من ناحيتها.
اتلفتت هي حواليها برعب بتبص على الطريق. كانوا بيتحركوا بسرعة كبيرة وكإنهم ما صدقوا وصلوا لمبتغاهم. أدركت في الوقت ده إنه بيتم اختطافها، وإن عامر قدر يعرف إنها هي اللي طعنته. ابتدى صوت نفسها يعلى بهلع، ودقات قلبها تكاد تصم آذانها. في حين اتوسعت عينيها برعب، وفتحت تليفونها تستنجد بيه بالشرطة ولكن اتفاجئت لما عامر خطفه منها.
وبدون تردد فتح شباك العربية وحدفه منه. شهقت بصدمة. أما هو فهز راسه كذه مرة بعتاب ساخر وهو بيصدر صوت يدل على الرفض وقال:
عــيب!
اتعدلت وحاولت تفتح الباب كذه مرة بهلع وهي بتقول:
نزلـونينزلني هنالو منزلتنيش هوديكوا في ستين داهية!
ولكن عامر كان بيتفرج عليها باستمتاع وبصمت تام. ولما مقدرتش تفتح الباب حاولت تنزل الزجاج ولكن بدون فايدة. فابتدت تضرب على الزجاج بقوة وبهيستريا وهي بتصرخ:
الحقـونيالحقـوني يا ناس دول خاطفينيالحقـوني
ولكن بالطبع العربية كانت مصفحة والصوت مبيطلعش لبرا. ولكنها موقفتش ضرب وصراخ على الزجاج بهيستريا. كل اللي في بالها إنها لازم تنجو بحياتها دلوقتي.
أما عامر فحط إيده على ودنه بإنزعاج ووجه كلامه لسعد اللي كان قاعد جنب السواق:
ياخي يخريبيت صوت الحريمبيدخل ودنك كيف السرينة!
ضحك سعد وهو بيومئ ليه بالإيجاب.
أما هي فبصت بصدمة لردود أفعالهم الباردة. رفعت صوباعها في وش عامر وهي بتقول بتهديد من بين أنفاسها الضايعة ودموعها النازلة:
قولتلك نزلني دلوقتياقسم بالله هتندم لو مسيبتنيش دلوقتي يا مجرم يا حقير!
رفع إيديه وشاور لنفسه وهو بيقول لسعد بتعجب:
أنا مجرم يا سعد؟
فرد سعد بمرواغة:
قطع لسان اللي يقول كذه يا بيه
شدت يقين على خصلات شعرها بجنون وهي بتصرخ:
أنتوا مجانينأنتوا استحالة تكونوا طبيعيينلا لا لامش ممكن!
ولكن ابتسامته الباردة خلتها تصرخ وهي بتضرب على الباب برجليها بقوة لعله يفتح أو يتكسر:
بقـولك نزلنـي!نزلوني يا مجرميننزلـونـي!
وجه عامر كلامه بضحك لسعد وقال:
مابتتهدش هذي ولا إيشفيها صحة تهد جبال!
ضحك سعد وقال:
الحريم يا خالبيطلع منهم اللي متتخيلوش
ولكنها مكانتش سامعاهم ولسة بتخبط الباب برجليها بقوة وكملت بإيديها على الزجاج وهي بتصرخ للناس لعلهم يلحقوها. ولما ملقتش فيه فايدة اتلفتت ليهم ونقلت أنظارها بينهم هما التلاتة بجنون.
أما عامر فحس بتسلية كبيرة من اللي بيحصل قدامه. جنونها وقوتها عاجبينه بشكل كبير. حب فيها إنها مبتخضع. قوية وشامخة ومش قابلة بالأمر الواقع. وده سببله انتشاء كبير لإنها من نوع أول مرة يقابله أو يعدي عليها.
فتكر إن بعد صمتها ده هتسكت ولكنه اتفاجئ منها لما لقاها هجمت على السواق تخنقه بإيديها وهي بتصرخ:
اقف هنـا!نزلنـي!
لوهلة فقد السيطرة على عجلة القيادة من مباغتتها ليه، فاترنجت العربية وابتدت يختل توازنها وسط صدمة سعد اللي حاول يفك إيديها من حوالين رقبة السواق ولكن كانت متشبثة بيه بقوة وهي بتصرخ فيهم.
حست بإن فيه حاجة محطوطة على جنبها. نزلت راسها واتوسعت عينيها بهلع لما لقت فوهة مسدس مصوبة عليها. رفع عامر صمام الأمان قدام عينيها. فبلعت ريقها وهي بتبصله برعب. أما هو فبقوة سببت قشعريرة في جسدها قال من بين أسنانه:
لعبنا واتسلينا؟ارجعي مكانك وحطي لسانك جوا بوقك يإما ييمين بالله هفضي الخزنة كلها في جوفك أخليكي كيف الغربال!
انتفض قلبها جوا صدرها من الرعب، فبالفعل لقت نفسها بترجع لورا لابعد مسافة عنه ولزقت في الباب وهي ضامة رجليها لصدرها وبتنقل نظراتها بين السلاح اللي في إيده وبين وشه برعب. قدر السواق أخيرًا يتحكم في عجلة القيادة ورجع اتزان العربية ده غير إنه رجع أنفاسه المسلوبة بعد ما حس بالاختناق.
أما سعد فاتكلم بسخرية:
أنا بقترح يا بيه إننا نضمها لرجالتناالظاهر إن الهانم ليها في الفنون القتالية!
ضحك عامر ورد:
نوقفها مع الرجالة اللي بيحرسوا المزرعة!
كانت عيونها مسلطة طول الطريق على المسدس اللي كان ساند بيه على الكنبة واللي كان مازال موجه فوهته ليها بتهديد صريح. استجمعت شجاعتها اخيرًا وقالت بصوت مبحوح من الصراخ:
أنتوا عايزين مني إيه؟!
فرد عامر بتريقة موجه كلامه لسعد:
اللههذي بتعرف تتكلم كيف البني آدمين يا سعد أهو!
اتلفت ليها مرة واحدة واتبدلت نظراته لتانية مميتة مما تسبب في انتفاضها بخوف بعد تبدل حاله بالشكل ده. واتكلم بنبرة ذات مغزى:
أنتِ عارفة زين حنا عاوزين منك إيش اللي يدخل وكر الزيات بإرادته له مصيرين مفيهمش تالت.
شاور بصوابعه بتهديد:
يا الموتيا الموت برضك.
وجه كلامه لسعد وهو بيضحك ولا كإنه بيهددها:
ترا الاتنين نفس الشي يا سعد بس لزوم الساسبينس.
كانت حاسة يقين بالتشتت من المختل اللي قدامها. ادركت وقتها إنه مجرم سايكوباتي بيتلذذ بالتعذيب. ولكنها قالت بحدة:
أنتوا فاكرين اللي عملتوه ده هيعدي بالساهلأنا اللي بقولك أهو يا عامر يا زياتأحسنلك تقتلني في أسرع وقت قبل ما تبقى نهايتك على إيدي أناخليك فاكر الكلمتين دول كويسلو سيبتني عايشة صدقني مش هعتقك.
رفع حاجبه وهو بيتأملها بإعجاب واضح. لوهلة حس بإثارة في الموضوع. نبرتها القوية ونظراتها اللي بتأكد على كلامها بتشعره بانتشاء. أما هو فقال بقوة:
فكرك إنك هتدخلي بين رجالة الزيات وهتخرجي سالمة؟لا يبقى متعرفيناشوحنا دورنا بقى نعرفك زين عيلة الزيات تبقى مينا.
ابتسمت باستهزاء رغم الخوف اللي بيتسلل جواها وهزت راسها وقالت:
تؤمش محتاج تعرفنيعارفاها كويس أويات.
اتعدلت وقربت براسها منه شوية ولكن حافظت على المسافة اللي بينهم احتياطًا وكملت:
أنتو شوية مهربين مجرمينفاكرين إنكوا ملكتوا البلد وملكوش كبيربس الصبر يا عامرمسير كل ده يتهد فوق دماغك.
سقف بحماس وهو بيهتف:
اللهالقطة بتخربش يا سعد.
رفعت حاجبها وقالت:
لو مكانتش بتخربش مكانتش علمت عليك يا ابن الزيات.
عند اللحظة دي اشتعلت عيونه بغضب مريب بعد ما فكرته بطعنتها ليه اللي بتمثله عار لحق بيه. فاتكلم بهسيس:
صدقيني لو فتحتي بوقك تاني مش هقتلك لاهخليكي مش نافعة خالصهتتمنى الموت أرحملكفلمصلحتك سكي حنكك ده ومتنطقيش بحرف تاني.
اتراجعت بخوف لورا بعد ما افتكرت إنها أنثى وحيدة بين تلات رجالة كلهم قتالين قتلة ومجرمين. وجهت نظرها للطريق اللي كان ابتدى يبقى صحراء من غير معالم للحياة. رجعت اتلفتت ليه تاني تبص لنظراته اللي بتتحداها فيها تخلف كلامه. فسكتت بالفعل ورجعت ضمت رجليها لصدرها وهي مثبتة نظرها عليه بخوف ممزوج بالكره.
طول الطريق كان الصمت مالي المكان، الا من مكالمات عامر لرجالته عشان يديهم أوامر. حاولت هي تحافظ على وعيها طول الطريق، ولكن بعد مدة غصب عنها من الارهاق وبعد المجهود الكبير اللي عملته غفيت على وضعها.
أما عامر ففضل مسلط نظره عليها شوية وهو بيتأملها وهي نايمة واتكلم:
ياخي اللي يشوفها دلوقت وهي نايمة كيف الملايكة ما يشوفهاش وهي بتسرسع من شوية لما خرمت وداني!
ضحك سعد وهو بيبصله بطرف عينه. لوهلة كان مستعجب من حالة الروقان اللي فيها رب عمله، ولكن فضل الصمت عشان ميرجعش لغضبه اللي اعتاد عليه.
قرب منها عامر وشال شنطتها من بين إيديها بحذر. ولكن لوهلة لقى نفسه بيتأملها من على بعد. تراجع بسرعة وهو بيهز راسه. وابتدى يفتح شنطتها ويشوف اللي موجود فيها.
بطاقتها الشخصية
كارنيه النقابة
فلوس وفيز بنوك
وفي النهاية صورة لزوجها المقتول الرائد يوسف منصور.
طلع الصورة من المحفظة ومسكها بين إيديه وهو بيتأملها بابتسامة وبنظرات مليانة استهزاء. وجه نظره ليها وقال:
خسارة فيه والله!
رجع بالذاكرة لساعات ورا. بعد ما قدر من كاميرات المراقبة يعرف مين الصحفيين اللي دخلوا المزرعة، واللي قدر يميزها كويس من التسجيلات قوتها وجرأتها. كان اللي اسمها يقين عبد الرحمن زي ما زايد قاله. وطبعًا بعد تحديده لحجمها ونظراتها اللي فاكرها كويس. فضل متابع صفحات الجرايد لحد ما لقى جريدة بتنزل صور للعريش ده غير المقالات اللي اتكتبت عن مزارع العيلة. وقدر يعرف الفندق اللي فضلوا فيه ولكن للأسف رجالته قالوله إنهم مشيوا يومها بالليل.
في النهاية قدروا يوصلوا لعنوان بيتها وكل التفاصيل عنها وده اللي حسسه بشكوك جواه فقرر يعرف بنفسه رغم اعتراض والدته من إنه يخرج في حالته دي ولسة جرحه ملتأمش بشكل كامل.
وصلوا تحت العمارة اللي فيها شقتها. شاور للسواق اللي نزل يراقب الطريق ويشغل البواب عنهم.
وبدوره نزلوا هو وسعد واتسللوا لحد ما قدروا يدخلوا ويطلعوا لشقتها اللي كانوا محددين من قبل هي رقم كام وفي أنهي دور. وطبعًا كانوا عارفين كويس إنها في شغلها في الوقت ده. راقبوا الدور واتأكدوا من خلو الناس. وبعدها شاور لسعد اللي اتحرك بسرعة وابتدى يحاول يفتح باب الشقة بمعدات بيستخدموها في أمور زي دي لحد ما قدر بالفعل.
دخلوا لجوا بحذر وهما لابسين قفازات وواخدين احتياطاتهم عشان البصمات. وابتدوا يستكشفوا المكان. لكن لوهلة وقف عامر قصاد الصورة اللي بتجمعها هي ويوسف وفضل باصصلها بسخرية. وجه نظره لسعد وبصله بنظرة ذات مغزى. وبعدها ابتدوا يستكشفوا باقي الشقة لحد ما وصلوا أوضة نومه.
دخلوا لجوا وابتدوا يتفحصوا كل حاجة موجودة في الادراج ولكن ملقوش حاجة تبقى دليل عليه. لحد ما لمح عامر بطرف عينه صورة واقعة تحت الدولابات. حرك بفضول ومال مسك الصورة وعدلها سرعان ما ارتفع حاجبه بتعجب لما لقاها صورة ليه.
اتعدل ووقف وفتح الدولاب. ما لبث أن ابتسم بسخرية واتبدلت ملامحه للدهشة لما لقى عدد كبير من صوره اللي متلزقة في ضهر الدولاب ده غير المعلومات اللي مكتوبة عنه في ورق وملزوقه برضه. وجه نظره لسعد واتكلم:
واه!هذي الظاهر مهووسة بيا!
قالها وهو بيضحك بشدة. فاتجه ناحيته سعد بتعجب وهو مش فاهم مقصد كلامه. سرعان ما اتجمد لما شاف اللي قدامه. اتبادلوا النظرات اللي ذات مغزى فكمل عامر بسخرية:
شكل معجبيني كتار….
وصلوا أخيرًا للعريش بعد ساعات. وقبل ما يقربوا من جنوب المدينة اللي فيه دار الزيات. حست بحد بيلكزها بعنف في دراعها. اتململت بضيق وهي فاكرة إن اللي بيحصل ده مجرد حلم. لكن بسرعة انتفضت وهي باصة للي مقرب منها برعب وهتفت:
إيه فيه إيه؟!
ابتسم بتريقة وبِعد عنها وهو بيتعدل وبيقول:
نوم العوافيمفكرة نفسك نايمة على ريش نعام في فندق خمس نجوميلا فوقي عشان وصلنا.
اتلفتت حواليها فلقتهم بالفعل على مدخل أراضي الزيات اللي كانت حفظتها تمامًا. ملست على وشها ودعكت عينيها وهي بتحاول تفوق نفسها. لازم تكون في كامل وعيها عشان المواجهة هتكون عنيفة.
وصلوا عند مدخل البيت ولكن قبل ما يدخلوا قابلهم حمد اللي جري يخبط على زجاج الباب اللي ناحية عامر وهو بيقول:
عامر بيهعامر بيه.
شاور عامر للسواق اللي فتح أقفال العربية. ونزل من العربية بدون ما يقفل الباب واتكلم بحدة:
ايش فيه؟
فقال حمد من بين انفاسه:
عزيز الرشيدي مستنيك في المكتب البراني يا بيه.
رفع عامر حاجبه وابتسم بإعجاب واضح واتبادل النظرات بينه وبين سعد. حست يقين في الوقت ده إنهم مشغولين. فاستغلت الوضع وفتحت الباب وحاولت تجري بأقصى سرعة ولكن للأسف كانت اتمسكت من رجالة عامر. حاولت تقاوم وهي بتتحرك بعشوائية وبتصرخ:
سيبـونيسيبـوني بقولكوا، ابعدوا عنــي!
اتجمهر ستات العيلة وسط صوت الصريخ ده. فاتقدمت فاطمة بقوتها واتكلمت:
ايش فيه يا عامر؟!
أما ليلى فعقدت حاجبها بتعجب بعد ما قدرت تميز اللي كانت قدامها دي ولكنها كانت في حالة مزرية. حس عامر إن هيحصل جلبة ومش حابب عزيز الرشيدي يشوف اللي بيحصل ويستغل ده ضده فيما بعد خاصة وهما بيدور وراه بقاله فترة. فشاور لرجالته ياخدوها لجوا. وبالفعل اتحركوا بيها ولكن كانت بتقاومهم بعنف وقوة اذهلتهم كلهم. لدرجة إنها ضربت واحد منهم أسفل بطنه بالرجل. والتاني عضت إيده بقوة ادمتها.
زفر عامر بضيق واتكلم بذهول وهو بيتقدم منهم:
رجالة كيف الجحشة مش قادرين على حرمةمشغل عيال خيخة معايا!
اتجه ناحيتهم وهو بيأمرهم يبعدوا وبالفعل بعدوا عنها. وقبل ما تنتظم أنفاسها اللاهثة صرخت بهلع لما شالها مرة واحدة زي شوال البطاطا. هتفت بصوت عالي وهي بتحاول تتملص من بين إيديه وهي بتضرب بقبضتها على ضهره وبتحرك رجليها في الهوا بعنف:
نزلنـي!سيبونـي يا شوية مجرمينسيبونـياقسم بالله لأوديكوا في داهية!
حاول يثبتها بدراعه التانية، وشاور للستات اللي كانوا سادين الطريق يبعدوا، فبالفعل بعدوا على طول وهما حاسين بالذهول من المشهد اللي قدامهم خصوصًا بعد ما شالها قصادهم. كانت بتتابعهم ليلى بغيرة ملت قلبها. فكرة إنه لامس واحدة بالشكل ده قدام عينها أشعل لهيب جواها.
اتكلمت هناء في الوقت ده وكانت قربت منها ومالت ناحيتها وقالت:
مش هذي الصحفية اللي شوفناها في المزرعة؟
جزت ليلى على أسنانها ورددت:
هي المصراوية بنفسها.
ووسط الهمزات واللمزات بين كل اللي موجودين هتفت فاطمة بحدة وبصوت عالي:
يلا التمثيلية خلصتكل واحد على دارهمش عاوزين عامر ييجي يشوفكم كذه ووقتها أنتم عارفين غضبه!كفاية لت منك ليها!
وبالفعل ابتدوا كلهم يرجعوا حاليًا. في حين رددت بدرية بعد ما مالت على عيشة سلفتها:
يا خبر بفلوس بكرا يبقى ببلاش..
لوهلة اتأمل إنها تسكت. ولكن صراخها كان بيصدع في المكان لدرجة إن ملامحه انكمشت بإنزعاج. كان مذهول من قوتها وطاقتها اللي مبتخلصش. لحد ما وصلوا للبدروم اللي تحت البيت مكانتش بطلت صويت ولا حركة. فتح باب الغرفة بصعوبة وسط تململها وبعدين دخل ورماها على السرير الحديدي المهترئ الموجود فيها بعنف. وقبل ما تتكلم كان طلع سلاحه ومال عليها وجهه لراسها وهو بيقول بجنون:
اخرسي ما بتفصليش ولا إيش!
بلعت ريقها بخوف. فبعد عنها وقال:
أنا هخرج، بس قسمًا بالله لو سمعت حسك واصل لبرا لهسيب عليكي كلابنا ينهشوا لحمك!
نهى كلامه وخرج قفل الباب من برا بالمفتاح ووجه كلامه لاتنين من رجالته بأمر وقال:
خليكم هنامش عاوز بني آدم يهوب ناحية هذي الغرفة، أي مخلوق ييجي هنا عرفني طوالي!
أمرك يا بيه.
هز راسه وهو بيرمقهم بنظرات تحذيرية، وخرج لبرا عشان يروح مكتبه. قد إيه كان مستني اللقاء ده من زمان. اللقاء اللي بيجمعه بابن الرشيدي بعد كل ده!
ولكن في طريقه قابلته والدته اللي اتكلمت بقوة وراس مرفوع:
الحرمة اللي تجرأت ورفعت يدها عليك هي هذي المصراوية اللي تحت؟
وقف قدامها وبص في عينيها واتكلم بأمر:
لا تدخلي أنتِ في الموضوع، هذا اللي صار يخصني أنا.
قربت منه واتكلمت بعناد:
اللي صار هذا يخص عيلة الزيات كلها!
حس عامر بالضيق من طباع والدته اللي بتأبى الخضوع، واتكلم من بين أسنانه:
اسمعي الكلام ياما، خليكي برا الموضوع.
مات الكلام. سابها ومشي تحت أنظارها اللي بتراقبه. هتخضع؟ لا والله ولا عمرها هتكون من طباع فاطمة الزيات. رفعت راسها بقوة، واتبدلت نظراتها للغضب واتجهت لتحت رامية بكلام ابنها عرض الحائط.
وبالأسفل كانت يقين متقلش عناد عن فاطمة. بمجرد ما خرج عامر وقفل الباب وراه، جريت وفضلت تخبط على الباب بكل قوتها وهي بتصرخ:
افتحـوا يا شوية مجرمـين!خرجونـي من هنا!خرجـونـي!
وبعد ما ملقتش استجابة نزلت دموعها بغزارة، ومعاها انهار جسدها على الأرض وهي ما زالت بتخبط على الباب بوهن. وخرج صوتها بضعف:
خرجوني من هنا!
سمعت صوت قفل الباب. فقامت وقفت بسرعة واتراجعت وهي بتمسح دموعها بعنف، وبترقب وقفت تتابع فتح الباب. لحد ما طلت منه سيدة في أواخر الخمسينات من عمرها، بزي بدوي تقليدي ووشاح على راسها. ده غير الكحل شديد السواد اللي راسمة بيه عيونها مع تجاعيد وشها بسبب السن اداها هالة مرعبة.
راقبتها يقين بحذر. أما هي فرمقتها من فوق لتحت باحتقار وبعد صمت قليل قالت:
أنتِ بقى اللي تجرأتي واتطاولتي على أسيادك؟
ضحكت يقين من بين دموعها وحالتها المزرية. وردت بكبرياء:
أسياد مين يا مهربين يا ولاد الكلب!
شهقت بصدمة لما قربت منها فاطمة وصفعتها بقوة مهولة لدرجة إنها حست بتخدل وشها في حين هتفت:
اسكتي قطع لسانك!
بسطت يقين إيديها على وشها بدهشة. ورجعت بصت بيها بكره ممزوج بالصدمة. سرعان ما شالت إيديها ورجعت قالت بنفس الكبرياء:
إيه الحقيقة بتوجع؟تنكري إنكوا شوية مجرمين ومهربين؟فاكرين إني مش عارفة حقيقتكوا الوسخة؟لا عارفاها كويس، وعارفة بتهربوا شحنتاكم وشغلكم القذر في قلب صناديق الزيتون ازاي.
قربت منها ورفعت صوباعها في وشها تهددها:
زي ما قولت لكبيركوا قبل كدههنهيكواطول ما فيا الروح مش هسيبكوا غير لما أشوف حبل المشنقة ملفوف على رقبتكم واحد واحد!
اتوسعت عينيها بهلع لما لقيتها وجهت سلاح قديم لوشها. في حين ابتسمت فاطمة وبرفعة حاجب قالت:
يبقى اترحمي على نفسك….
رواية وجوه في العتمة الفصل الخامس 5 - بقلم منة ممدوح
دخل عامر للمكان اللي فيه مكتبه الأساسي، كان منفصل عن باقي البيت عشان ضيوفه. شاف فارس ومعاه حسن مستنيينه قدام الباب. اتحرك ناحيتهم وهو بيبصلهم بتعجب من وقوفهم برا.
فاتكلم حسن وهو بيشاور براسه لفارس:
_مانا لو ممسكتوش هيطربق الدنيا جوا، أنتَ عارف خوك دراعه سابق عقله.
نهرهم فارس بغضب:
_حسـن!
رفع حسن حاجبه ورد:
_قولت حاجة غلط ولا إيش؟ مش لولا إني خرجتك كنت هتفضي خزنتك في دماغه؟!
فرد فارس موجه كلامه لعامر:
_بالله عليك سيبني اخلص عليه، مش قادر أشوفه قاعد جوا ومعملوش حاجة!
زفر عامر بقلة حيلة واتحرك وهو بيبعدهم بإيديه بنفاذ صبر قبل ما يفضي هو خزنته في راسهم. فتح الباب بقوة فانتفض الموجودين ووقف عايد وزايد وخالد باحترام ليه. إلا اللي كان قاعد على الكنبة حاطت رجل على رجل وماسك سيجارته الغالية بين إيديه وبيرمقه بنظرات متفحصة عشان يستفزه.
شبك عامر إيديه ورا ضهره واتحرك بخطوات بطيئة ناحيته ووراه حسن وفارس اللي كانوا متحفزين.
انطفى عزيز سيجارته في الوقت ده، وقام ببرود مد إيده لعامر عشان يسلم عليه وهو بيقول:
_حمدلله بالسلامة، أخيرًا شرفتنـا.
نقل عامر نظراته بين إيده وبين وشه اللي كان مستفز بالنسباله وقال:
_معلش أصلي متضايق.
قالها واتحرك ببرود وقعد على كرسي المكتب من الناحية التانية. كتم الموجودين ضحكتهم بالعافية ولكن الأمر ما خلاش من نظرات الشماتة. حس عزيز بالإهانة فرجع إيده تاني ولف وشه الناحية التانية وهو بيحاول يكتم غضبه على قد ما يقدر. وبعدين قعد وحط رجل على رجل زي ما كان بغرور لعله يرجع كرامته اللي عامر بعثرها.
طلع عامر علبة سجايره الحديدية وطلع منها سيجار، أشعلها ببرود بقداحته الذهبية اللي بتحمل اسمه وهو بيتكلم:
_خير، إيش سر تشريفك لينا؟!
اتعدل عزيز ورد:
_چاي بنفسي لدارك عشان اقولك إن مالناش دخل بالواد اللي لقيته جاسوس عندك. وبقولك أهو اعمل فيه ما بدالك.
ضحك عامر بقوة لدرجة إن صوت قهقاته ملت المكان. أخد نفس من سيجاره وزفره ببرود في وش عزيز وهو بيقول:
_يا راجل! هتظلوا دايمًا كذبة؟ فيكوش راجل يقف ورا عمايله وبتنخوا كيف النسوان يا رشايدة!
انتفض عزيز بغضب شديد واشتعلت عيونه بالحقد من الإهانة، وهتف بحدة:
_ملو لزوم شغل الكيد هذا يا عامر. وكيف ما قولتلك، ملناش دخل بالواد المزقوق عليكم. عاوز تصدق براحتك، مش عاوز عنك ما صدقت، أنا عملت بأصلي وجيت لدارك!
نهى كلامه واتلفت علشان يخرج، ولكن وقف لما سمع كلام عامر المتهكم:
_لو مكانش اتقفش واتربط كيف النسوان كان هيبقالكم كلام تاني. بس أهي عادة الرشايدة، بيبيعوا رجالتهم من أول قلم.
تلفت ليه عزيز براسه وهو بيرمقه بنظرات نارية بتشع غضب وكإنه بيهدده. فرفع عامر حاجبه بتحدي كإنه بيحذره. وبعدها اتلفت عزيز وخرج ورزع الباب وراه.
فاتنفض فارس وهو بيقول بغيظ وأعصاب مشدودة:
_يا خوي مخليتنيش ليش أفضي خزنتي في جوفه!
طفى عامر سيجارته وقال بنفاذ صبر:
_تعرف يا فارس؟ أنا فقدت الأمل فيك خلاص، رغم إن تشغيل الدماغ ببلاش إلا إنك راكنها على الرف كيف الأنتيكة.
ضحك كل الموجودين على فكاهته. وبعد ما انتهوا اتكلم عايد:
_والعمل ياخوي؟
سند عامر ضهره على الكرسي الجلد ورد باستهزاء:
_كيف ما شوفت، بينخوا كيف الحريم طوالي وميقفوش ورا أفعالهم. بس على مين! نهايتهم على إيدي!
قاطع كلامهم خبط على الباب، فأذن عامر للطارق بالدخول. لقاء واحد من رجالته اللي هتف على طول:
_عامر بيه! الحاجة هتقتل المصراوية!
انتفض عامر زي اللي لدغته أفعى، واتحرك بسرعة للأسفل تحت أنظار الموجودين. ضم قبضة إيده بضيق وسرع من خطواته وهو بيردد من بين أسنانه:
_ياماآه ياما! آهنفسي تسمعي الكلام مرة!
نزل للبدروم فسمع صوت واحد من الرجالة اللي كان سايبهم يحرسوا الغرفة بيقول بتوسل:
_يا حاجة بالله عليكي اتركي السلاح، عامر بيه مش هيعدي اللي بيصير!
ولكن نهرته فاطمة وهي مازالت مصوبة سلاحها ناحية يقين:
_اسكت أنت مالك خص!
اتراجع لورا وهو بيعض على إيده بعجز، لحد ما شاف عامر بيدخل للغرفة. اتجه ناحيته وهو بيقول بخوف:
_عامر بيه! والله ما قدرت أوقف الحاجة.
رغم إنها عرفت بوجوده إلا إنها فضلت موجهو سلاحها ليقين اللي بلعت ريقها برعب وغمضت عينها باستسلام وهي بتستشهد.
اتفاجئت فاطمة لما لقت عامر اتحرك ووقف قدامها بينها وبين يقين والسلاح بقى مصوب عليه هو. بصتله باندهاش، في حين نظر لعينيها مباشرة واتكلم بلهجة لا تقبل النقاش:
_اطلعي برا ياما.
بصت في عيونه مباشرة بتحدي وعناد تأبى القبول، ولكنه رجع قال من بين أسنانه:
_اطلعي برا.
وبعد نظرات نارية متبادلة بينهم خنعت في الأخر ونزلت سلاحها واتلفتت تخرج براس مرفوع. ولكن قبل ما تختفي عن ناظريه بصتله بنظرة معناها “اللي حصل ده مش هعديه بالساهل”.
وصلتله بسهولة وببساطة من كتر ما حفظ أمه، ولكنه اتنفس الصعداء لما خرجت. اتلفت للي كانت بتراقب الموقف بذهول، رفعت عيونها ليه لما حست إن نظره مسلط عليها. أما هي فابتسمت باستهزاء وقالت:
_الظاهر إن الاجرام بيمشي في دم من أكبر لأصغر واحد فيكوا!
اتقدم ناحيتها قطع المسافة بينهم وحذرها بهسيس:
_حظك إني ما مدش إيدي على حريم.
ابتسمت بسخرية وردت:
_بس تمد سلاحك عاد، تخطفهم عادي، ترميهم في أوضة معفنة زي المسجونين عادي، أما تمد إيدك عليهم؟ لا لا حاشا لله.
كانت بتتكلم بانفعال وهي بتشوح بإيديها. غصب عنه لقى نفسه بيبتسم قصاد كلامها ورد باستفزاز:
_أنا مخطفتكيش، أنتِ ركبتي معايا برضاك.
توسعت عيونها واتكلمت بدهشة مليانة استهزاء:
_والله؟! لا بجد والله؟!
هز راسه ببرود وهو على نفس ابتسامته الباردة مما أثار أعصابها. لفت حوالين نفسها وهي بتشد على خصلاتها بجنون وبنفاذ صبر تحت أنظاره. رجعت وقفت قدامه وهي بتقول:
_أنا عايزة أمشي.
صدر منه صوت بيوحي بالرفض، فصرخت بانفعال:
_بقولك عايزة أمشـي!
فضل باصصلها من غير ما يرد باستمتاع، فقربت منه وهتفت بعصبية شديدة:
_أنتوا عايزين تجننوني؟ ها؟ عايز توصل لإيه مش فاهمة؟ ما أنا قدامك اهو اقتلني ولا كنت سيب أمك تقتلني. عايز توصلني لإيه رد عليا؟!
رفعت صوباعها في وشه وكملت:
_عايز تخليني أخضع ليك؟
رفعت وشها بكبرياء:
_بعينك يا عامر. عمري ما هخضع ليك أو لأي واحد في عيلتك، وأنا قد كلامي. هنهيك يا عامر. أنا مش خايفة منك ولا من الحاشية اللي ماشية وراكم يا شوية مجرمين!
بصله وقال بتهديد:
_احترمي حالك!
اتكلمت بسرعة وبابتسامة مليانة سخرية من بين دموع اللي نازلة على وشها:
_وإلا إيه؟ مش عاجبك الحقيقة؟ ولا مش عاجبك اللي عايش بشرفه وبيستنكر الوساخة اللي بتعملوها؟ ولا بالنسبالك اللي عايش بشرف ليخضع ليك يا تقتله زي ما عملت في جوزي!
ابتسم باستهزاء وردد:
_يوسف منصور!
هزت راسها بتأكيد وبغل قالت:
_آه الرائد يوسف منصور اللي عاش بشرف ومات بشرف اللي قتلته لمجرد إنه رفض يخضع ليك ويغمي عينه عن حقيقتك الوسخة!
فضل باصصلها شوية بصمت تام، عيونها الحمرا اللي مليانة دموع بتمسحهم من حين للتاني بعنف، وشها اللي باين عليه الانفعال، شفايفها اللي بتترعش وهي بتتكلم رغم محاولة اثباتها لقوتها، خصلاتها الثائرة المشعثة. وبعد صمت للحظات اتكلم بتريقة:
_عارفة؟ أنا هخليكي ماشية على عماكي كذه كيف المغفلة. عشان أنتِ مغفلة يا مرات الرائد الشريف.
نهى كلامه ولف وسابها. أما هي رمشت كذه مرة من مقصد كلامه الغريب، ولكنها مشيت وراه وهي بتقول بعصبية:
_أنتَ تقصد إيه بكلامك ده ها؟ تقصد إيه؟!
ولكنه مردش عليها وخرج من الغرفة وهو بيشاور للراجل اللي واقفة اللي قفل الباب على طول ومنعها تخرج، ففضلت تحاول تفتح الباب وهي بتصرخ:
_تقصد إيه رد عليا! عايز تشككني في جوزي؟ بعينك يا عامر يا زيات، مش كل الناس قذرة زيك!
ولما ملقتش رد ضربت على الباب بقوة وبعدين قعدت على الأرض وهي ساندة ضهرها على الباب وبتشد على خصلاتها وهي بتبكي بإنهيار. طاقتها خلصت، مبقتش قادرة تتحمل كل اللي بيحصل ده!
كان عارف ومتأكد إنها مستنياه برا، عمرها ما هتعدي موقف زي ده. وبالفعل لقاها مستنياه في بهو البيت مدياله ضهرها. سمعت صوت خطواته من وراها، ولكنها متلفتتش ليه. وقف وهو بيحاول يتحكم في أعصابه. ضم قبضة إيده بضيق. في النهاية هي أمه وميقدرش يئذيها بكلمة. ولكن في النهاية قال:
_قولتلك خليكي برا الموضوع ياما. قولتلك هذا اللي صار يخصني أنا. إيش عملتي؟ سحبتي سلاحك ورايحة تقتليها!
اتلفتت ليه وهي رافعة راسها بقوة وبترمقه بنظرات مليانة غضب. اتقدم هو منها كمل:
_نفسي مرة تكبريني ياما. مرة تسمعي اللي قولتلك عليه. للدرجة دي صعب عليكي تكبريني مرة!
فردت بلهجة قوية:
_قطع لسان اللي يقول كذه. أنتَ سيد الرجالة وكبير الزيات. الكلام هذا المفروض تقوله لحالك وأنتَ تارك اللي مدت إيدها عليك متلقحة تحت!
زفر بنفاذ صبر:
_قولتلك خليكي برا الموضوع ياما وبقولهالك لتالت مرة. الموضوه هذا يخصني أنا. اتركها عايشة اتركها جثة. يخصني أنا. أنا ياما!
نهى كلامه وخرج من البيت وهو حاسس بغضب رهيب. وقفت هي تتابع أثره بملامح جامدة مش ظاهر عليها أي مشاعر. قابلته ليلى وهي في طريقها لمدخل بيت عامر. بصتله بتعجب من ملامحه المتجهمة، ولكنه خرج من غير ما يديها نظرة ترضيها حتى. فدخلت هي لجوا ووجهت كلامها لفاطمة بتساؤل قلق:
_وش بيه عامر يا مرات عمي؟!
ردت عليها:
_ولا حاجة اتشاجرنا كيف العادة.
بلعت ليلى ريقها واتكلمت بحذر:
_والمصراوية اللي هنا يا مرت عمي؟
رفعت راسها بتحدي وقالت:
_مصيرها الموت. اللي تتطاول على ابن الزيات مصيرها الموت.
شهقت ليلى بصدمة وقالت:
_يا ويلي! هذي اللي طعنت عامر؟! وكيف تاركها عايشة لحد دلوقت!
ربتت فاطمة على كتفها:
_متشغليش حالك أنتِ يا زينة البنات. بكرا ولا بعده بالكتير هنلاقيهم بيداروا جثتها.
ابتسمت ليلى بخجل لجملتها. أما فاطمة فكانت عارفة كويس مشاعر ليلى لعامر، وداعماها كمان، شايفاها هي المناسبة ليه بعد الكارثة اللي جابوها لحياتهم قبل كده. مش عايزة تكرر غلطهم تاني مهما حصل.
****
_الرشايدة مش ناويين يجيبوها لبر. قالها عايد وهو بيسحب نفس من النرجيلة اللي قدامه. كانوا قاعدين في مكان بيتجمعوا فيه دايمًا للاستجمام، عامر وإخواته وولاد عمه. فرد فارس:
_صالح باعت يسأل عن جواد.
حدف عامر النرجيلة اللي كانت في إيده بعنف وهتف:
_قوله مالهش دخل بيه، ينساه خالص. جواد ولد الزيات، ميفتكرش إنه لاوي دراعنا بيه لا!
حاول خالد يهديه، فربت على دراعه وهو بيقول:
_اهدأ يابن عمي، في النهاية جواد يبقى حفيده!
اتعصب عامر أكتر وكإنه أشعل الفتيل جواه، وزعق:
_جواد حفيد سالم الزيات. وبنته معادتش موجودة، يبقى مالهش دخل باللي شايل دم الزيات! يفكر يقرب منه وأنا قسمًا بدين الله ما هخليهم يتعرفوا على جثته!
وجه كلامه المرادي لفارس وقال:
_الكلب اللي رابطينه في المخزن. سوي فيه ما بدالك، ومتنساش تبعت جثته هدية لعزيز وصالح. عشان يعرفوا إننا مبنهزرش. وإن الزياتية مينفعش معاهم حركات الحريم.
ربت فارس على صدره وقال:
_عينيا ياخوي.
فاتكلم زايد في الوقت ده بحذر:
_والصحفية المصراوية؟
حدجه عامر بنظرات مشتعلة. انكمش زايد على طول لإنه نال من غضبه كفاية بعد ما عصى أمره ودخل الصحفيين. وآدي النتيجة. فرد حسن عنه:
_صحيح يابن عمي، البت هذي مش ناوية تجيبها لبر. شكلها مستقصدة.
انارد عامر ببرود:
_فاكرة حالها هتنتقم لجوزها.
عقد فارس جيبنه بتعجب وسأل:
_مين جوزها؟
زفر عامر أنفاسه على مراحل ورد:
_الرائد يوسف منصور.
رفع خالد حاجبه وقال بتذكر:
_مش هذا اللي…
قاطعه عامر:
_فاكرة إني قتلته عشان كنت عاوزه يشتغل لصالحنا ويغمي عينه عن تجارتنا.
بصله عايد بتعجب شديد من اللي بيتقال ورد:
_متعرفش الحقيقة؟
أصدر عامر صوت بالرفض وقال:
_فاكراه ملاك بجناحات. الظاهر إنه هو اللي حاكيلها هذا الكلام فهي صدقته طبعًا.
اتكلم فارس بلهجة مفيهاش شفقة:
_مالنا دخل بهذا الكلام. البت هذي عرفت أكتر من اللي لازم تعرفه. وجودها خطر. وإنها عايشة لسة ذاك في حد ذاته خطر ياخوي. لازم نخلص عليها في اقرب وقت عشان الشوشرة.
أيدوه كلهم في اللي قاله. ولكن عامر كان باله مشغول تمامًا، ضميره بيضربه في صميمه، شايف إنها مخدوعة بشكل كبير، بتتصرف على أساس صورة رسمها ليها جوزها. في حين عاجبه قوتها وجرأتها بشدة. مشافش النوع ده قبل كده، ومستخسر فيها الموت…
****
دخلت هي وزوجها وفادي رئيس الجريدة لغرفة الضابط اللي هياخد اقوالهم. كانت في حالة إنهيار بعد غياب بنتها غير المبرر. عاونها جوزها إنها تقعد على الكرسي. واتكلم فادي:
_يا حضرة العقيد، الصحفية يقين عبدالرحمن مختفية بقالها يومين وملهاش أثر. لما فحصنا كاميرات اللي قدام مقر الجريدة لقيناها ركبت عربية مصفحة من غير نمر ومن بعدها اختفت.
كان الظابط بيسمعهم باهتمام، فوجه كلامه لوالدتها:
_آخر مرة شوفتوها أو كلمتوها أمتى؟
من بين شهقاتها وبكائها المستمر ردت:
_قبل ما تركب العربية، كانت مكلماني وقايلالي إنها طالبة أوبر، وقفلت معايا عشان العربية وصلت. ومن بعدها تليفونها اتقفل. حاولنا نوصلها أكتر من مرة من غير فايدة. روحنا شقتها ملقيناهاش هناك ومفيش أثر ليه. ارجعلي بنتي يا حضرة الظابط بالله عليك!
نهت كلامها وهي بتنهار في البكاء. قدملها العقيد كوباية ماية وهو بيطمنها:
_متقلقيش يا مدام، إن شاء الله هنقدر نوصلها، متشيليش هم..
****
كانوا قاعدين بيتغدوا كلهم، ومن وقت للتاني بيداعب عامر ابنه الوحيد جواد. لحظات ولقى سعد داخل عليه وفي إيده موبايل. عطاهوله تحت أنظار الكل المتعجبة. ابتدى يقرأ الموجود قدامه. سرعان ما حطه قدامه وشرد في الفراغ.
فاتكلمت والدته بقلق:
_ايش فيك يا عامر؟
استنت رده ولكن فضل صامت. وجهت نظرها لسعد وسألت بحدة:
_وريته إيش يا سعد؟!
تحت أنظاره المترددة بين عامر وبين قال:
_الصحفية اللي في البدروم تحت. الكل بيدور عليها وقالبين الدنيا على النت ومطالبين قضيتها تتحول لرأي عام عشان باين إنها خطف مقصود.
حدفت فاطمة المعلقة اللي في إيديها على السفرة بغل أصدر صوت أفظع الأطفال اللي موجودين. حست راوية ونوارة إن الاجواء هتحتد بينهم، فقاموا وخدوا الاطفال بما فيهم جواد ودخلوا لجوا. أما فاطمة فوجهت كلامها لعامر بحدة:
_قولتلك اتركني أخلص عليها، كان زمانا رمينا جثتها في أي خرارة وخلاص. عاجبك كذه لما الدنيا اتقلبت!
لما شاف عايد نظرات عامر المشتعلة اتكلم:
_خلاص ياما، مش وقته هذا الكلام!
ولكن فاطمة مخضعتش وكملت بعصبية:
_أمال متى وقته؟! كان زماني مخلصة عليها لولا إنه وقف قصاد السلاح. المصراوية داخلة دماغك ولا إيش يابن بطني!
نهرها فارس بدوره:
_مايصحش هذا الكلام ياما. عامر مش صغير عشان يتقاله يعمل إيش وميعملش إيش.
دخلت في الوقت ده هدية وهي شايلة صينية صغيرة عليها أكل زي ما هو. وجهت فاطمة نظرها ليها واتكلمت بعصبية ساخرة:
_اتفضل، الهانم قرفانة من أكلنا!
حست هدية بتوتر الاجواء فقالت بسرعة:
_يمين بالله ياما الحاجة اتحايلت عليها تاكل وهي رافضة. بقالها يومين بترجع الصينية كيف ما هي!
اتنفض عامر مرة واحدة لدرجة إنه دفع الكرسي في طريقه بعصبية، طلع سلاحه من جيبه ورفع صمام الأمان وبملامح جامدة مشدودة اتحرك لتحت. وقف عايد وفارس يبصوا لبعض بقلق من اللي ناوي عليه. أما فاطمة فرفعت راسها بكبرياء ورضا بعد ما وصلت للي عايزاه أخيرًا.
وصل عامر للغرفة بتاعتها، وبمجرد ما شافوه رجالته وسعوله على طول. فتح الباب بعنف فانتفضت هي بخضة. أما هو فقرب منها بخطوات بطيئة وإيده بتشدد على سلاحه، ده غير نظراته المرعبة المصوبة عليه.
ابلعت ريقها بقلق وهو بتنقل نظراتها بينه وبين مسدسه. وقدرت تفهم كويس إيه سر زيارته…
رواية وجوه في العتمة الفصل السادس 6 - بقلم منة ممدوح
كان ظاهر عليها الوهن، خصلاتها المشعثة، السواد اللي تحت عينيها الحمراء الوارمة، وشها الشاحب، كل ده عكس هي اتعذبت قد إيه هنا.
لوهلة بلع ريقه وارتبك لما شاف حالتها بدون سبب.
ابتسمت هي بسخرية، فقرب هو منها وقال بصوت متحشرج حاول يكون حاد:
_ مابتاكلي ليش؟ الأكل بيرجع كيف ما كان بقاله يومين!
رفعت راسها بكبرياء رغم التعب وقالت:
_ مباكلش لقمة حرام. وبما إني عارفة أصل اللي أنتوا فين ده منين فاستحالة احط في بوقي لقمة من بيتك.
حاول يداري قلقه، واتكلم برفعة حاجب:
_ بس كذه هتموتي حالك!
اتسعت ابتسامتها الساخرة وردت:
_ أنا كده كده ميتة بقالي يومين. فكرة إني قاعدة في نفس المكان اللي أنتَ فيه وتحت سقف نفس البيت لوحدها الموت اهون بالنسبالي منها.
ابتسم هو كمان وقال:
_ للدرجة هذي بتكرهيني؟
من بين أسنانها وبعيون مشتعلة عكست مشاعرها الداخلية ردت:
_ فوق ما تتخيل. بكرهك فوق ما تتخيل يا عامر.
رغم إنه حس بشعور غريب جواه اتحرك بسبب جملتها، ولكنه اتكلم بنفس النبرة الساخرة:
_ بس طلعتي مهمة أوي يا صحفية. الدنيا مقلوبة عليكي!
بصت في عيونه مباشرة بتحدي:
_ ولسة لما يعرفوا اللي عملته هتتقلب أكتر يا عامر.
ربع إيديه قصاد صدره وقال:
_ لسة عندك أمل إنك هتخرجي من هنا؟
فجاوبت برفعة حاجب:
_ طول ما فيا نفس هيفضل عندي أمل اخرج من هنا.
وأنهى.
فضل باصصلها باعجاب مقدرش يخبيه، تحديها ليه بيثير حاجة جواه، قوتها رغم الوهن اللي ظاهر عليها بيستفزه.
ولكن لوهلة اتفصلت النظرات القائمة بينهم لما اترنجت بوهن.
قرب منها بيحاول يسندها وقبل ما يسألها عن حالتها دفعته بضعف وهي بتقول بكره:
_ ابعد. اياك تقرب من…
وقبل ما تنهي جملتها كانت فقدت الوعي.
لحقها هو بسرعة قبل ما تقع وسندها بدراعه.
لوهلة حس بالخوف، فضل يتأمل في وشها الباهت بصمت شوية قبل ما يهتف:
_ يـ.. يقين، أنتِ بخير؟!
حاول يهتف باسمها كذه مرة ولكن من غير فايدة، فشالها بين إيديه وحطها على السرير، وسابها وخرج لبرا وهو بيوجه كلامه لرجالته وبيقول:
_ هاتولي الدكتور دلوقت. ضروري.
هتف واحد منهم:
_ أمرك يا بيه.
وبالفعل اتوجهوا بسرعة لبرا.
وقف هو مكانه قصاد أوضتها، بعد ما اتلفت بوشه بس وهو باصصلها بتردد.
صراع جواه مش عاجبه.
من امتى وهو ضعيف بالشكل ده لدرجة إنه مش قادر يقتلها ويخلص منها!
يمكن عشان عجبته!
نفض الفكرة دي عنه وهو بينفض راسه بعنف، وقرر يسكت قلبه المرادي ويسيبها ويمشي لحد ما رجالته بعدين يعرّفوه حالتها.
أما اللي مرمية على السرير فتحت عين واحدة نص فتحة بهدوء بعد ما حست بإن مبقاش فيه حركة في الأوضة أو حواليها.
اتعدلت بسرعة وهي بتبص حواليها بقلق، واتنهدت براحة لما ملقتش حد وسابوا الباب مفتوح.
قامت بسرعة وهي بتنفض هدومها والحقيقة إنها كانت بتنفض مكان لمسته ليها وشعور بالاشمئزاز ماليها.
واتحركت بهدوء وهي بتراقب المكان فلقت الممر فاضي.
ابتدت تتسحب بخوف لحد ما لقت نفسها خرجت من البدروم ومنها سلم بيطلعها لجنينة البيت الأمامية، ولكن للأسفة كان فيه عدد لا بأس به من الرجالة.
حاولت تتلفت حواليها تشوف مكان تقدر تهرب منه، لحد ما استغلت إن الرجالة لفين وشهم وبيتكلموا مع بعض، وبدون تردد جريت الاتجاه المعاكس ليهم بأقصى سرعة من غير ما تفكر تبص وراها، كانت عايزة تنقذ نفسها من هنا بأي طريقة ومهما كان التمن.
دخل عامر البيت قاصد يطلع على غرفته، ولكن قاطع سيره والدته اللي وقفت في طريقه وقالت بقوة:
_ ما قتلتها ليش؟
زفر بضيق ورد:
_ اتركيني ياما الله يكرمك.
ولكنها اعترضت طريقه تاني وقالت:
_ بعت تجيبلها الدكتور لما سومت؟! بدل ما تخلص عليها وتدفنها وهي حية!
اتعصب عامر من ضغطها عليه وقال:
_ من متى واحنا بنيجي على حريم ياما؟!
ولكنها برفعة راس وبدون شفقة قالت:
_ لما الحريم تتطاول على أسيادها يبقى ميستاهلوش الرحمة!
فضل باصصلها بضيق، ولكن دخل حمد في الوقت ده ووقف بعيد عنهم بتوتر لما حس إن الاوضاع مشدودة بينهم، فأمره عامر بدون ما يحيد بنظره عن والدته:
_ قول يا حمد.
قرب منهم وقال:
_ أمها وابوها اللي مقدمين البلاغ يا بيه ومعاهم صاحب الجريدة. بس الحق يتقال الدنيا مقلوبة هناك والنت كله بيسأل هي ركبت مع مين وراحت فين وبيحققوا مع الكل، وبسبب نفوذ صاحب الجريدة البحث والإجراءات متسرعة.
رفعت والدته حاجبها وبصتله بمعنى شوفت، ولكن هو أحاد بنظره عنها وبص قدامه في الفراغ بتفكير.
كان عايد سمع كل اللي دار وهو نازل من فوق، فقرب منهم واتكلم:
_ الموضوع كبر ياخويا. دلوقتي حتى مش هنعرف نخلص عليها، ولو سيبناها هتقول كل اللي حصل واللي شافته.
فرد حمد وهو بيبلع ريقه:
_ وكمان الكل شاف المقالات اللي كانت منزلاها آخر مرة من العريش ومن مزرعتنا، واتفتحت العيون علينا وعن قريب هنلاقيهم جايين يحققوا معانا لو ملاقوها.
شافت اتكلمت فاطمة بحدة:
_ يبقى ملهاش حل غير إننا نقتلها وندفنها في المزرعة.
وجه عايد نظره ليها بصدمة من جحود امه.
آه القتل والأمور دي إلى حد ما بسيطة عندهم بس كل ده بينهم، في النطاق اللي حواليهم وميقدروش يطلعوا برا إلا في أضيق الحدود عشان ميلفتوش الأنظار، إنما بالنسبالهم دي مصراوية وكمان ست! كل المشكلة اللي قدامهم إنها ست!
ولكن في الوقت ده دخلت هناء وهي بتجري وقالت:
_ الحقي يا مرات عمي. المصراوية كانت بتجري ورا المزرعة!
رفع عامر إيده وملس على وشه وهو مغمض عينه بنفاذ صبر، فدخل واحد من رجالته في الوقت ده وهو بيقول بهلع:
_ الحق يا بيه. المصراوية مش في غرفتها!
وجهله عامر نظره وبصله بسخرية خلت التاني يبلع ريقه، ولكن في النهاية قال:
_ هاتوهالي إن شاء الله لو كانت تحت سابع أرض. واطلعوها الجناح الغربي واقفلوا عليها كويس.
هز راسه بيأس وكمل بعد ما أدرك إنها خدعتهم:
_ ست ما تساوي ربعي قدرت تضحك على رجالة بشنبات! والله يا مصراوية أنتِ بيطلع منك العجب!
بصله حمد وعايد وهند بتعجب، أما فاطمة فزعقت بعتاب:
_ أنتَ عاوز تقعدها في دارنا كمان كأنها واحدها مننا! جرا لعقلك إيش يا عامر. إن مكنتش عايز تلطخ إيدك أنتَ كنت سيبني اقتلها!
ولكن عامر مردش عليها ولا كإنه سامعها، بل وجه كلامه لحمد بأمر:
_ اعمل اللي قولتلك عليه.
هز حمد راسه وخرج على طول، أما فاطمة ففضلت بصاله بضيق شديد، عمل هو إنه مش شايفها وطلع لفوق بخطوات باردة.
أما عايد فحاول يحتوي الموقف وقرب منها وهو بيقول:
_ الموضوع مش كيف ما أنتِ فاكرة ياما، لو واحد مننا ومن وسطينا كنا خلصنا عليه من زمان. بس هذي مصراوية وصحفية كمان يعني اللعب معاها مش بالساهل. عامر عامل حساب إن العيون متتفتحش علينا.
بصتله بسخرية وردت:
_ أيوه يعني هيسوي إيش يعني. لا يكون ناوي يتجوزها!
هز عايد راسه بقلة حيلة وخرج من البيت بعد ما لقى إن مفيش فايدة في أمه.
جريت هناء لبيت غالب عشان تدور على ليلى تحكيلها اللي حصل، دخلت لجوا فشافتها وهي قاعدة بتسمع التليفزيون وبتاكل سندوتش، غفلتها هناء وجت من وراها خبطتها على راسها وهي بتقول:
_ قاعدة هنا ولا على بالك الحريقة اللي صايرة برا. خليكي كيف الجموسة كده لا ليكي في تور ولا برسيمه!
انتفضت ليلى وهي بتزق إيديها بخضة وصرخت:
_ إيش يا حلوفة أنتِ. وش صاير جاية بزعابيبك عليا ليش؟!
اتكلمت هناء بتريقة وهي بتشاور عليها:
_ كتك خيبة تاخدك. قاعدة هنا بتطفحي وسايبة المصراوية تاخد عقل حبيبك.
سابت ليلى السندوتش اللي في إيديها ولفتلها الناحية التانية من الكنبة وبنظرات مليانة حذر قالت:
_ إيش تقصدي؟!
كتفت هناء إيديها حوالين صدرها وقالت:
_ يعني يا حبة عين أمك عامر هيخلي المصراوية تقعد في الجناح الغربي مش البدروم كيف ما كان.
تبهتت ملامح ليلى من المفاجأة، واتكلمت بتهتهة:
_ كيف يعني؟ اشمعنى؟ متى الكلام هذا؟!
فضلت هناء بصالها باستفزاز ورفعة حاجب عشان تضايقها أكتر، محستش ليلى بنفسها غير وهي بتجري لبرا من غير ما تتكلم تاني، أما هناء فقالت بلوية بوز:
_ مكفية على بوزها يا قلب أمها!
وخرجت وراها بخطوات سريعة هي كمان بتحاول تلحقها، وعلى وقت خروجهم كان رجالة عامر راجعين بـ يقين اللي كانت بتصرخ وبتسبهم كالعادة وهي بتحاول تتملص من بين إيديهم ولكن من غير فايدة.
قربت منها ليلى وهي بتبصلها بنظرات نارية كإنها عدوتها، وبالفعل هي عدوتها، مجرد ما حست إنها بتمثل تهديد لعلاقتها بعامر ده سبب كفيل يخليها تحقد عليها.
اتلفتت يقين ليها بتبصلها بكره، أي فرد من عيلة الزيات بالنسبالها عدوها برضه.
وبعد نظرات سريعة مرت بينهم كملت صراخ وهي بتحاول تبعدهم عنها:
_ سيبوني بقولكوا. والله العظيم لتندموا كلكوا واحد واحد!
زقوها عشان تتحرك لجوا ومشيت معاهم بالاجبار ووراهم هناء وليلى اللي صممت تتابع اللي بيحصل عشان تعرف سر قعادها في البيت.
شافت يقين فاطمة وعايد وهما واقفين في بهو البيت ومتابعين اللي بيحصل، وعلى اثر صراخها خرجت راوية ونوارة هما كمان يتابعوا اللي بيحصل بفضول.
دخلها الرجالة لجوا وهما بيزقوها بعنف، أما هي استعجبت وصرخت:
_ واخديني على فين؟! سيبوني بقولكوا يا شوية مجرمين!
اعترضت فاطمة طريقهم لما وقفت قدامهم تمنعهم من السير لفوق، ووجهت نظرات مليانة بغض ليقين اللي مكانش يقل كرهها عنه وقالت من بين اسنانها:
_ خلي ابنك يسيبني احسنله وإلا قسمًا بالله ههد البيت باللي فيه عليكوا.
ابتسمت فاطمة بخفة وهي بتبصلها من فوق لتحت باحتقار، وقالت:
_ متقلقيش، شوية وكلنا هنحضر جنازتك.
_ يامّا!
اتلفت الموجودين على الصوت اللي ظهر فجأة من العدم، وجهت ليالي نظرها ليه، كان واقف على بداية السلم من فوق، ضامم كفوفه ورا ضهره ومثبت نظراته القوية عليهم، أما فاطمة ففضلت على وضعها ومفكرتش تتلفت ليه حتى، وبعد شوية صمت مروا على المكان بعدت عن طريقهم ببرود وهي مسلطة نظرها عليها، وبالفعل خدوها الرجالة لفوق وسط اعتراضها الواهي.
اتقابلوا في بداية السلالم ولوهلة اتقابلت نظراتهم اللي كانت مليانة بكره وشرار طالع من عيون يقين للي كان بيتأملها بنظرات باردة، حرك راسه بأمر لرجالته اللي كملوا سيرهم لحد ما دخلوها غرفة معينة في الدور التاني من البيت ودخلوها فيها وسط اعتراضها وقفلوا عليها من برا.
ضمت يقين قبضتها بغيظ وهي مثبتة نظرها على الباب المقفول، وبعدها اتحركت وراحت قعدت على السرير وهي بتشد على خصلاتها بجنون من القهرة اللي حاسة بيها، وبعد محاولات من التظاهر بالقوة نزلت دموعها غصب عنها تليها شهقات بإنهيار من الوضع اللي اتحطت فيه.
نزل عامر لتحت وعدى من جنب امه وهو بيبصلها بطرف عينه وبعدها خرج لبرا من غير ما يوجهلها أي كلام.
هو نفسه كان حاسس إن طاقته شبه خلصت ومش قادر يتخانق تاني.
وبعد تردد خرجت ليلى تجري وراه وهي بتهتف باسمه، وقف من غير ما يتلفت وضم إيده وهو بيضغط على جفونه بنفاذ صبر، اتحركت هي ووقفت قدامه وقالت:
_ هتقعد المصراوية في الدار ليش يابن عمي؟
بصلها بقوة وبنبرة حاول يخليها هادية قال:
_ مالك دخل يا ليلى، ارجعي لدارك.
نهى كلامه وتخطاها ومشي فهتفت هي:
_ إن كنت أنتَ قابل اللي سوته فيك يا عامر احنا مش قابلين. وإن كنت نسيت احنا برضك مش ناسيين.
وقف لوهلة مكانه وهو بيسمع كلامها اللي فكره بالعار اللي لحقه بعد ما قدرت يقين تعلم عليه، وقبل ما يفقد أعصابه على بنت عمه اتجه لعربيته بسرعة ركبها وخرج بيها من محيط البيت بسرعة اسفر عنها صوت احتكاك قوي بالأرض بتعكس العصبية اللي هو كان حاسس بيها.
أما ليلى ففضلت مكانها تبص لأثره بشرود والحزن باين على ملامحها مهما حاولت تداري. وفي النهاية اتنهدت بقلة حيلة ورجعت على بيتها.
فتح عزيز باب غرفة مكتب والده ودخل وهو مبتسم باتساع وبيردد:
_ وصل خبر الموسم!
رفع الرجل اللي كان في الستينات من عمره راسه لابنه وهو بيبصله بتعجب، ساب الورق اللي في إيديه وقلع نضارته وسأل بتعجب:
_ خير؟! إيش سر الانشكاح اللي على وجهك هذا!
اتحرك عزيز ناحيته بفرحة عارمة وكإن الأرض مش سايعاه، وقعد على الكرسي قدام أبوه وقال بنبرة أشعرت والده بالفضول:
_ نسيبك العزيز. عامر الزيات.
رد بضيق:
_ ماله زفت؟!
ولكنه اتعدل بسرعة وهو بيقول بلهفة:
_ هيجيب جواد؟!
هز عزيز راسه بالرفض فظهر على والده الاستياء والنفور، ولكن فجر عزيز قنبلته وقال:
_ دار الزيات بقاله يومين تلاتة مقلوبة. الكام يوم اللي عامر اختفى فيهم عرفنا إنه كان مضروب من حرمة!
اتوسعت عيون صالح بصدمة وردد بعدم استيعاب:
_ حرمة تضربه؟!
هز عزيز راسه وهو بيضحك على جفونه بفرحة شديدة وكمل:
_ كان طاعناه بسكينة. وبعدها عامر خطفها وجابها على هنا ومن وقتها الدار عندهم قالبة حريقة، كل يوم البت تحاول تهرب وتعمل مشاكل هنا.
مط صالح شفايفه بشماتة وهو عاجبه اللي بيسمعه، ولكن اتكلم عزيز بتشويق:
_ عارف مين هذي الحرمة؟
سأل بفضول:
_ مين؟
اتسعت ابتسامة عزيز وهو مميل على والده من على بُعد وقال:
_ صحفية اسمها يقين عبدالرحمن. أرملة الرائد يوسف منصور.
اتوسعت عيون صالح بصدمة ظهرت عليه جليًا وقال:
_ يوسف اياه؟!
هز عزيز راسه بتأكد:
_ يوسف اياه.
تنفض صالح مرة واحدة من على مكتبه وقام وقف وهو بيلف حوالين نفسه وبيفكر، حاسس إن الخبر ده قنبلة الموسم فعلًا، أما عزيز فاتعدل وسند بضهره على الكرسي وهو حاطت رجل على رجل ببرود.
وقف صالح مرة واحدة وسأل عزيز:
_ تكونش هذي الصحفية اللي الدنيا مقلوبة عليها؟!
ابتسم عزيز ورد:
_ هي بنفسها!
ابتهجت ملامحه بعد تأكيده ليه، فلف من المكتب وقرب منه وهو بيقول بلهفة:
_ أنتَ عارف وش معناه هذا الكلام زين؟!
هز عزيز راسه وهو مبتسم بشر في حين اتبادلوا النظرات اللي بتوحي إنهم مش ناويين على خير نهائي.
اصطفت العربيات مرة واحدة في مدخل البيت، كان باين عليهم الاستعجال، نزل عامر من العربية بسرعة ودخل لجوا ووراه فارس اللي كان بيجري معاه عشان يسانده.
أما عايد ورجالة الزيات كانوا واقفين جنب عربية ما جديدة بالنسبة للمكان مش زي المألوفة هنا.
اتحركت فاطمة واستقبلت عامر بفضول بعد ما وصلها التجمع ده، وقفت تبصله بتساؤل ولكنه فضل باصصلها بصمت غريب عليها، كانت ملامحه بتوحي بالقلق وكإن فيه كارثة هتحصل.
سابها وطلع لفوق بخطوات سريعة كإنه بيجري، ومنها لمكان غرفتها اللي سابوها فيها، فتح الباب بعنف فانتفضت هي بخضة وهي بتبصله بقلق وتساؤل.
دخل جوا الأوضة وقفل الباب وراه وهو بيتقدم منها ونظراته المبهمة مسبطة عليها بشكل مقلق، فاتوترت هي وقالت بتلعثم:
_ أنتَ. أنتَ بتقفل الباب ليه؟!
ولكنه مردش عليها وفضل يتقدم ناحيتها بصمت، حست هي بالذعر من نظراته، فشاورلتله بإيديها وهي بتحاول تتصنع القوة:
_ اطلع برا لو سمحت. اطلع بـرا!
وقف قدامها وهو بيبص لعينيها مباشرة، فبلعت هي ريقها بقلق وهي بتحاول تواجه قوة نظراته اللي مصوبة على عيونها مباشرة، ضم قبضة إيده واتكلم من بين أسنانه:
_ طلعتي مهمة يا مصراوية. البلد كلها مقلوبة عليكي. ولإن الخونة كتار، مش بعيد شوية ونلاقي الشرطة هنا!
انفرجت اساريرها وكإنها لقت خلاصها لما سمعت اللي اتقال، رفعت كفها وبسطته على صدرها واتنهدت براحة وهي بتتحرك بعشوائية في الأوضة مش مصدقة إنها اخيرا هتتخلص من العذاب ده، ولكنها اتجمدت مكانها لما قال:
_ فاكرة كذه إنك خلصتي مني؟
بصتله بتعجب على مقصد كلامه، فقرب منها بخطوات بطيئة أثارت الرعب جواها واتكلم:
_ قولتيلي وش كان اسمك؟
اتصنع انه افتكر وكمل:
_ آه صحيحيقين عبدالرحمن، ابوكي موظف في شركة عقارات، أمك مديرة مدرسة كان اسمها تحية السيد تقريبًا مش كذه؟ واختك الصغيرة كانت سندس، في آخر سنة من كلية تربية، ماشاء الله طموحها تبقى معلمة كبيرة!
قطعت الفاصل هي بينهم وبفضول مليان قلق سألت بحدة:
_ أنتَ عايز إيه بالظبط؟ مالك ومال عيلتي؟ عايز توصل لإيه؟!
بص لعيونها مباشرة وبقوة قال:
_ عارفة إيش ممكن اسوي فيهم؟ اقتل بوكي وايتم اختك الصغيرة وأرمل امك. ومش هكتفي بكذه لا. السيناريو كالآتي: واحدة غلاوية من ناحية امك في خناقة بينهم ضربتها بسكينة فرقدت في المستشفى، وشوية شباب في عودة اختك من جامعتها رشوا على وجهها ماية نار. يعني هيبقى موت وخراب ديار.
شهقت بهلع واتوسعت عينيها من كلامه، بسطت إيديها على شفايفها برعب، أما هو فرفع كتفه ببساطة وكمل:
_ إلا لو طلعتني عاقلة ونفذتي اللي هقولهولك.
بدموع محبوسة وأعصاب مشدودة سألت:
_ عايز إيه؟
مال بوشه ناحيتها ببرود لحد ما بقى على مسافة قريبة منها لدرجة إن انفاسه الساخنة كانت بتلطمها على وشها لدرجة إنها غمضت عينيها بنفور سرعان ما فتحتهم بذعر لما قال بهمس خطير:
_ اتـجـوزيـنـي.
رواية وجوه في العتمة الفصل السابع 7 - بقلم منة ممدوح
"اتجوزيني!"
كان بيمط في حروف الكلمة كإنه قاصد يستفزها، نبرته مكانتش طلب على قد ما كانت أمر صريح وكإنه مبياخدش رأيها أساسًا بل فرض أمر واقع عليها.
رمشت هي كذه مرة بعدم استيعاب، بتحاول تترجم اللي اتقالها ولكنها كانت صدمة قوية لدرجة إنها فقدت النطق. اتساع عينيها أثبتله إنها سمعته.
"فبعد عنها وقال بتجبر:
"يعني بالبلدي كذه قدامك حلين ملهمش تالت.
يا تضيعي نفسك.
يا تضيعي أهلك.
ولوني شايف يعني إن كفاية هتاخدي شرف تبقى مرات عامر الزيات بنفسه.
وهذا مش أي واحدة تنوله.
هذا شرف ليكي يا مصراوية!"
أسلوبه البسيط وكإنه مبيحكمش عليها بالموت، كان محسسها بالدهشة من شخصيته المريضة بالنسبالها. حركت شفايفها كذه مرة ولكن لقت نفسها بتضحك بهيستريا لدرجة دموعها نزلت وقالت:
"أنتَ مش طبيعي!
لا لا مش طبيعي.
مش ممكن!
ما يا أنتَ مجنون يا عايز تجنن!
قربت منه مرة واحدة وهي بتصرخ بغضب:
"أنت سامع بتقول إيه؟ ها؟!
استحالة يا عامر، اقتلني بشرف ارحم من إني اتكتب على اسم واحد *** زيك!"
غمض عينه بقوة بيحاول يتمالك أعصابه، ورجع فتحهم وهو بيبصلها بتحذير:
"متختبريش صبري يا مصراوية.
للصبر حدود."
رفعت صوباعها في وشه بتهديد ومن بين أسنانها وبأعصاب مشدودة قالت:
"أنتَ اللي متختبرش صبري وكفاية أوي المهزلة دي!
قولتلك يا عامر الموت أرحم من إني اتكتب على اسم عديم شرف زيك!"
فضل باصصلها بصمت تام بيتأمل ملامحها الثائرة بغضب، أنفاسها السريعة المتلاحقة ونظراتها النارية. ولكن في النهاية رد ببساطة:
"حل.
وردك وصل.
متلوميش غير نفسك.
بكل بساطة الحكومة هتيجي، هتعترفي عليا، مسافة ما توصلي لمصر هتلاقي نفسك يتيمة، أمك مرمية في المستشفى واختك مشوهة.
وهتعيشي طول العمر تلومي حالك.
في حين رجالتي هيكملوا مسيرتي.
وسواء أنا جوا ولا برا هفضل عامر الزيات.
وأظن أنتِ بنفسك عارفة عامر الزيات وجبروته ومش محتاج أعرفك إني أقدر أنفذ كلامي ولا لأ.
كيفك يا مصراوية."
خلص كلامه اللي كان جاد بشكل أثار الرهبة داخلها. كانت عارفة كويس زي ما قدر يخلص على جوزها هيعمل اللي قاله في أهلها. حست بالهلع بيتملك منها وهي بتتخيل مصير أهلها اللي مرتبط بيها. قدامها يا تضحي يا تعيش بذنبهم طول عمرها.
غمضت عينها تضغط جفونها بعذاب. فسابها هو واتلفت اتجه للباب. وقبل ما يلمس مقبضه، ابتسم بسخرية لما سمعها بتقول بضعف:
"استنى..."
نزل إيده تاني ببرود، واتلفت ليها وهو بيبصلها برفعة حاجب. كان شايف القهرة اللي مرسومة على وشها المشدود اعصابه من الرعب. فقرب منها بخطوات بطيئة ووقف قدامها وعلى وشه تساؤل.
مسحت هي دمعة خانتها ونزلت على وشها بسرعة، ورفعت عيونها تبصله بكره ملحوظ وقالت بلهجة كإنها بتوافق على موتها:
"موافقة اتجوزك..."
كان بيتفحصها من غير تعابير ولكن كان فيه نظرة انتصار لمعت جوا عيونه. أما هي فمقدرتش تطيق تفضل بصاله فبعدت وراحت قعدت على السرير وهي بتهز رجليها بعنف بتحاول تتمالك نفسها ودموعها اللي بتهدد بالسيلان.
أما هو فاتحرك بخطوات بطيئة وراح فتح الباب وهتف:
"هـديـة!"
ظهرت الست الشغالة في البيت وهي شايلة شنط وبتجري مهرولة. وقفت قدامه فشاورلها هو من غير ما يتكلم فهمت مقصده على طول ودخلت لجوا. ولكن قبل ما يقفل الباب سمع صوت خطوات غاضبة متقدمة نحوه وصياح والدته اللي بيقول:
"استني عندك يا هدية!"
كان وراها فارس اللي اتحرك بيأس وهو بيشاور لاخوه اللي قدر يفهم رد فعل والدته. اتقدمت منهم لحد ما وقفت قدامه ورمت نظرة سريعة على اللي قاعدة جوا بانهيار وهتفت:
"أنتَ اتجننت يا عامر!
عاوز تتجوز المصراوية اللي رفعت إيدها عليك؟!"
زفر بضيق ورد:
"مالك دخل ياما.
خلاص يقين هتصير مرتي اتعودي من دلوقت على الوضع هذا!"
صرخت فاطمة بقوة:
"استحالة!
يا تقتلها ونخلص منها، يا اقتلها أنا.
إنما المصراوية هذي تبقى مرت ابني على جثتي يا عامر!"
جز على أسنانه وبعيون مبرقة من محاولته لتمالك أعصابه قال:
"ياما!"
حاول فارس يهدي الوضع بينهم وقال:
"ياما عامر لو متجوزهاش هنروح كلنا في داهية، هذا الحل الوحيد.
اسمعي الكلام الله يرضى عنك!"
اتلفتت ناحية فارس عاقدة جبينها بتعجب وسألت:
"كيف يعني؟!"
ضم عامر قبضة إيده بضيق شديد واتكلم:
"ما أنتِ لو كنتي صبرتي وسمعتي كلام فارس كنتي عرفتي!"
"الرشايدة عرفوا اللي صار وهيبلغوا الحكومة إن المصراوية هنا."
اتوسعت عيون فاطمة بصدمة سرعان ما اتبدلت لبغض وتمتمت:
"صالح الملعون!"
فقال عامر برجاء:
"عشان كذه عدي الليلة ياما الله يرضى عنك.
إلا لو مستغنية عني!"
وبلهفة احتوت كتفه وقالت:
"لالا يا ولدي كله إلا أنتَ.
خلاص هحط النعال في بوقي وهسكت عشان خاطرك."
سكت عامر ووجه نظره لهدية اللي دخلت وقفلت الباب بعد ما رمت فاطمة يقين بنظرات مليانة حقد واضح.
أما عامر فوجه كلامه لفارس وقال:
"جهزت كل الأوراق؟"
هز فارس راسه:
"أيوه يا أخوي."
فسأل عامر تاني:
"وصورها وشهادة ميلادها؟"
رد فارس:
"اتصرفنا وجيبناهم من شقتها ياخويا."
"ربت عامر بخفة على كتف أخوه وقال:
"عفارم عليك يا فارسا."
"نزل دخل المأذون اللي واقف برا والجماعة وهات حسن يبقى شاهد معاك عشان عايد بيخلص شغل وهيتأخر."
هز راسه ونزل فعلا وسابه واقف مع فاطمة اللي رددت بحسرة:
"هتكتب على خرابك يا ولدي.
الحرمة هذي من وقت ما خطت الدار وهي جايبة الخراب معاها!"
"دعك عينيه بإرهاق وقال:
"كفاية ياما الله يرضى عنك أنا فيا اللي مكفيني لوحدي."
"نهى كلامه واتخطاها وراح لغرفته عشان يجهز هو كمان..."
نزل الخبر كالصاعقة على كل اعمامه وولاد عمامه اللي مكانوش مصدقين خصوصًا ليلى اللي بهتت وحست إن العالم كله بينهار من حواليها بعد ما خسرت عامر للمرة التانية وهي واقفة عاجزة.
اترنجت بعد ما شعرت بالدوار فسندتها عهود بسرعة اللي كانت على دراية بمشاعرها لاخوها وقالت بدعم:
"امسكي حالك يا بنت عمي مش كذه!"
"رفعت عيونها ليها اللي اتملت دموع وقالت بشهقات:
"اخوكي بيتجوز تاني يا عهود!
بيتجوز تاني قدامي عيني كإنه قاصد يقهرني!"
"طبطبت عليها عهود وهي حاسة بالحزن على اللي فنت عمرها في سبيل إن عامر يحس بيها وكل مرة بتلاقي نفسها بتحضر فرحه من ضمن المعازيم. فحاولت تواسيها وقالت:
"الموضوع وراه شي يا بنت عمي، عامر وامي مايطيقوش المصراوية هذي بعد اللي سوته مع عامر."
"بإنهيار هتفت:
"المهم إنها هتصير مرته يا عهود!
تشيل اسمه!"
"لكزة عنيفة من والدتها رجعتها لصوابها ونهرتها وهي بتقول:
"اتعدلي يا بت وقولتلك قبل كذه بلاش تبقي مدهولة عليه.
أهو سابك وهيتجوز مرة تانية خليكي رافضة خالد ابن عمك كذه عشانه!"
"اتكلمت عهود بتأنيب:
"بلاش الكلام هذا يا مرات عمي!"
"رفعت حاجبها وردت:
"قال يعني كذبت ولا كذبت، ما أخوكي هيتجوز تاني.
سبحان الله كل مرة جوازته بتبقى مهببة.
مرة من بنت الرشايدة ودخل مصايب لدارنا، والتانية المصراوية اللي منعرفلهاش اصل ولا فصل!"
"ولكن عهود هزت راسها بيأس من مرات عمها اللي عمرها ما هتتغير، وسابتهم وراحت لعند جوزها لما شافته خارج. فاتجهت ليلى ناحيته وقالت بدموع:
"هتروح تشهد فعلًا ياخويا؟!
ههون عليك؟!"
"نقل نظراته بين زوجته وبين اخته بضيق لحد ما قال:
"مقدرش أرد عامر يا ليلى، وبعدين ميصحش اللي بتقوليه هذا!"
"نهى كلامه وخرج مع عهود تحت أنظارهم. أما ليلى فاتحركت وراهم بلهفة ولكن جذبتها والدتها ونهرتها:
"راحة لوين أنتِ!"
"جذبت دراعها من بين إيديها بعنف وصرخت بألم:
"اتركيني لحالي ياما!"
"وبس سابتها وجريت لدار عمها سالم عشان تحضر كتب كتابه وتشوفه وهو عريس بعينها للمرة التانية..."
"كانت زي الماريونيت بين إيدين هدية وهي بتجهزها. طبعًا الملابس اللي كانت عليها غير مناسبة ده غير إنها اتبهدلت بسبب إنها لبساها بقالها كام يوم وبعد المناوشات الكتيرة اللي حصلت. وبعد ما خلتها تاخد شاور بالاجبار لبستها جلباب تقليدي ولكنه كان مزين كإنه مخصص للمناسبات. ورغم إصرار هدية إنها تلبسها إيشارب على شعرها إلا إن يقين رفضت باستماتة فانصاعت التانية ليها بيأس بعد ما عرفت إنها مش هتغير رأيها."
"نزلت لتحت بصحبتها بعد ما بعتولهم خبر إنهم ينزلوا، وبوجه شاحب ونظرات فاقدة للحياة اتحركت للأسفل وكإنها هتوثق موتها بنفسها."
"وفي بهو البيت كان رجالة عامر جهزوا ترابيزة طويلة بكراسي المأذون قاعد منتظر حضور العروسة. وكمان عامر كان واقف بيتكلم مع اخواته وحسن على جنب."
"سمع صوت خطوات على السلم، فرفع عيونه تلقائيًا. سرعان ما وقف مشدوه وهو شايفها نازلة قدامه وهي بتحاول ترفع الجلباب اللي كانت محدد خصرها ببراعة. خصلاتها البنية اللي سابتها على ضهرها، وعيونها الواسعة اللي اتكحلت بكحل شديد السواد أظهر رسمتهم الخلابة. وعلى عكسه كانت نظراتها مليانة بغض وكره واضح، وبتوصله بعيونها إنها هتنتقم منه مهما كلف ده."
"وقفت قدامه واتبادلوا النظرات للحظات، واللي كان قدام عيون ليلى اللي دخلت في الوقت ده ونقلت نظراتها بينهم بصدمة وكإنها لسة مش مستوعبة اللي هيحصل فعلًا."
"شاور لها عامر بإيده عشان تروح تقعد، فرمته بنظرة كارهة واتحركت بالفعل سحبت الكرسي بعنف وقعدت عليه تحت أنظار الموجودين المتفحصة واللي قدروا يعرفوا إنها مش عاشقانة عامر ولا حاجة بل بالعكس باين عليها إنها مجبرة."
"بدأت مراسم عقد القران اللي مكانتش مستوعبة هي اللي بيحصل فيهم. مش مصدقة إنها هتتكتب على اسم المجرم اللي اتسبب في موت جوزها وحبيبها. مش مصدقة إنها هتبقى مرات حد غير يوسف منصور. الراجل الوحيد اللي دخل قلبها واللي اتنازلت عن حاجات كتيرة عشان تبقى معاه بس."
"ضغطت على جفونها بقوة لما سمعت المأذون بيقول:
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير."
"نهدت بقوة محاولة تحمل قسوة الجملة اللي وقعت عليها بعد ما أدركت إنه بقى أمر واقع."
"امضي وابصمي يا عروسة."
"وبالفعل خدت القلم بأنامل مرتعشة. فضلت باصة شوية لقسيمة الجواز اللي بتحمل صورته وصورتها واللي استغربت هو قدر يوصل للصور دي امتى وازاي وكمان جهز الأوراق دي كلها امتى! يمكن ده الوقت اللي أدركت فيه إن عامر يقدر على حاجات كتيرة هي متتوقعهاش. وتحت أنظاره المراقبة لتصرفاتها وقعت بسرعة وبصمت ودفعت الدفتر باشمئزاز وهي بترمي نظرة مستحقرة عليه وبتحاول تمسح الحبر اللي على ابهامها وكإنه شيء مقرف ملتصق بيه."
"بصلها بحدة وكإنها جرحت كبرياؤه، ووقع هو كمان وبعدها الشهود واللي كانوا فارس وحسن."
"سرعان ما شاور لسعد براسه اللي رفع سلاحه هو وكل الرجالة الموجودين برا البيت وابتدوا يضربوا طلقات في الهوا احتفالًا بيه عشان يوصل خبر جواز رب عملهم لكل اللي في البلد."
"انكمشت يقين على نفسها بهلع وحطت إيديها على ودنها من صوت الطلق الناري العالي واللي كان مسببلها رعب بشكل كبير لإنها أول مرة تحضر حاجة زي دي رغم إن جوزها كان ضابط شرطة. إلا إنه دايمًا كان بيخبي سلاحه بعيد عنها عشان ميتسببلهاش بهلع."
"قام وقف عامر وسلم على المأذون اللي خرج وسابهم وتليه أخوه فارس اللي ربت على كتفه وهو بيقول:
"مبروك ياخويا."
"هز راسه من غير ما يتكلم."
"ولوهلة اتلفت لما لمح ليلى اللي كانت واقفة بتتابع اللي بيحصل بعيون مليانة دموع وبملامح شاحبة بتوحي بالحزن اللي حاسة بيه. وكانت بترميه بنظرات مليانة لوم وكإنه وعدها وخذلها. حس هو بالأسى عليها من مشاعرها اللي من واحد وفضل باصص عليها بضيق. مهما كان فهي بنت عمه ومعتبرها اخته الصغيرة ومشفق على وضعها ده."
"لاحظ حسن وزايد اللي داير بينهم فقرب من عامر ونقل نظراته بينه وبين اللي قاعدة مكانها بصة في الفراغ بصدمة وقال:
"الف مبروك يابن عمي."
"سابه وخرج وأخد ليلى في إيده اللي كانت متخشبة تمامًا ولكن في النهاية اتحركت معاه بعد ما قبض على دراعها بعنف واجبرها تمشي."
"قربت منه فاطمة وبراس مرفوع قالت:
"متستناش مني ابارك لك يا عامر.
عمري ما هعتبرك متجوز الجوازة هذى.
"وجهت نظرها ليقين اللي كانت بترمقهم بحقد وقالت لها:
"وعمري ما هعتبر هذي مرت ابني وواحدة من الدار."
"انتفضت يقين بعنف من على الكرسي بطريقة لفتت انتباه كل الموجودين واتكلمت بحدة:
"وكإني أنا اللي عمري هعتبر ابنك جوزي.
أنا لو كنت وقعت على عقد موتي اشرفلي من إني ابقى مراته."
"نهت كلامها وسابتهم وطلعت لفوق تحت أنظاره اللي بتراقبها. أما فاطمة فهتفت بغضب:
"قليلة حيا!"
"اتلفتت لعامر اللي هز راسه بيأس وخرج لباب البيت واتكلم موجه كلامه لرجالته:
"بكرة إن شاء الله اهل البلد كلهم معزومين على وليمة فرح.
عامر الزيات مش بيتجوز كل يوم.
لازمن نكرم أهل البلد كلهم ونعرفهم إحنا مين!"
"ارتفع صوت اطلاق النار مرة تانية احتفالًا وتهليلًا بكلامه، فرجع تاني دخل للبيت رمى نظرة أخيرة على أمه وأخواته وولاد عمه وخصوصًا ابنه جواد اللي كان واقف مع مرات عمه وبيتابع اللي بيحصل بنظرات طفولية متعجبة ولكن في النهاية اتنهد باستسلام بعد ما حس إنه مش قادر على المواجهة حاليًا وبعدين سابهم وطلع لفوق من غير ما يتكلم..."
"أما يقين بمجرد ما دخلت غرفتها قفلت وراها الباب بعنف وهي بتبكي بإنهيار. مكانتش متخيلة إن الأمور توصل للوضع ده. بدل ما تنتقم من قاتل جوزها راحت بقت مراته!"
"الأمر كان فوق احتمالها لدرجة إنها محستش بنفسها غير وهي بتتجه للتسريحة وبترمي كل اللي عليها وهي بتصرخ وبتبكي بقهر."
"ومكتفتش بالتسريحة، بل كل اللي إيديها طالته كسرته. فرش السرير والمخدات بقى على الأرض. الكومودينو نفسه بمحتوياته واقع على الأرض."
"وقفت مرة واحدة وبصت على انعكاسها في المراية. كانت في حالة مذرية، خصلاتها المشعثة والكحل اللي ساح من بكائه. لوهلة حست إن انعاكسها ما هو الا انعكاس لمسخ كريه. كرهت نفسها بعد ما شافت إنها خانت عهدها مع جوزها واستسلمت لتهديد شخص مريض زي ده."
"وبدون تردد مسكت انتيكة واقعة على الأرض وحدفتها على المراية بقوة وهي بتصرخ بقهر لدرجة إنها اتهشمت لقطع صغيرة وقعدت على الأرض وسط الحطام وهي ساندة بضهرها على السرير وبتشد على خصلاتها وهي مازالت بتبكي بعنف."
"كان سامع هو كل التكسير والحطام وصراخها وهو واقف في الردهة بتاعة غرفتها واللي كان فيها غرفته هو كمان ولكن على بُعد قليل منه."
"لوهلة كان هيسيبها ويمشي ولكن حس بشعور غريب جواه بيتملك منه وهو سامع بكائها وشهقاتها العالية."
"ضم قبضة إيده بقوة لدرجة إنها ابيضت، متردد بشكل كبير، جواه صراع كبير محسش بيه غير من أول ما شافها. ولكن رغم عنه مقدرش يسيبها ويمشي بعد ما خفتت الاصوات وخاف لتكون عملت في نفسها حاجة."
"فقرب بتردد وفتح الباب بعد عذاب كبير، ولوهلة اتصدم من المنظر. معالم الغرفة اتبدلت تمامًا في حالة مزرية وكإن في حرب شديدة قامت هنا. ومن بين كل الحطام اللي حواليه وقع بنظره عليها وهي قاعدة ضامة رجليها لصدرها ودافنة وشها بينهم. ومن انتفاضة جسدها كان عارف إنها بتبكي."
"قرب منها بتردد وهو بيتحرك بصعوبة من كل الشظايا والحاجات المكسورة على الأرض، وقف قدامها وهو باصصلها بحيرة، مش عارف إزاي يتصرف معاها."
"حاسس بعجز كبير بيتملك منه، وألم على حالتها بيتسلل جواه."
"حست هي بوجوده، فرفعت عيونها شديدة الاحمرار ليه، لوهلة اتجمد لما شاف حالتها المزرية، عيونها الوارمة، وشها المتلطخ بالكحل، والنظرات المقهورة اللي باينة على وشها."
"وبعد ما رمته بنظرات بتوصف كل المشاعر اللي بتحملها جواها ليه اتحاملت على نفسها وقامت وقفت، مسحت دموعها بأكمامها وبقوة قالت:
"فاكر إنك خلصت نفسك من المصايب اللي كانت هتجيلك لو متجوزتنيش؟
خليك عارف إن أنا أكبر مصيبة دخلتها في حياتك يا عامر.
هتندم على اليوم اللي فكرت تخليني فيه على اسمك.
هد بيتك فوق دماغك، وهخلي كل الناس تتحاكي لسنين قدام عن قذارتكم.
مش هسيبك يا عامر، هنتقم من كل احساس بالقهر حسيته بسببك.
هتشوفني وأنا واقفة بحتفل وقت اعدامك.
ساعتها بس هتعرف مين هي يقين عبدالرحمن."
"فضل باصصلها بملامح مشدوهة. شراستها وعيونها المشتعلة بحقد شديد خلاه أدرك إن اللي بتقوله مش مجرد تهديد."
"يقين هتنتقم. هتنتقم بالفعل ولكنه مش خايف منها بالعكس مبسوط بقوتها."
"ابتسم ابتسامة خفيفة ببرود وكإنه متهزش من كل اللي قالته بل حس بإثارة من تحديها ليه ورد:
"وأنا مستني.
هبعتلك حد يروق الغرفة."
"وبس قالها بكل بساطة وسابها واقفة مذهولة مكانها وخرج!"
"رغم إنه قادر ياخد رد فعل تاني معاها ميخليهاش تجرؤ ترفع عينها ليه. ولكن كان فيه شيء مانعه من ده. مانعه من إنه يئذيها. يمكن نظرة عينيها مثلًا؟"
رواية وجوه في العتمة الفصل الثامن 8 - بقلم منة ممدوح
كانت قاعدة في أوضتها بتبكي بإنهيار. بتمسح دموعها من حين لآخر بالمناديل اللي بهدلت الدنيا بيها حواليها. هناء قاعدة قصادها وهي بتحاول تواسيها.
"كفاياكي يا بنت عمي، البكى مش هيغير شي!"
نفضت إيديها عنها وبعصبية من بين دموعها قالت:
"بالله عليكي اتركيني لحالي يا هناء، اتركيني لخيبتي. أنا كنت هبقى مرته، صدقيني، مرت عمي هي اللي لمحتلي كذه مرة، بس من ساعة ما المصراوية هذي خطت الدار وهي قالبة حال عامرخطفته الحرباية!"
انهارت في البكاء تاني وهي بتفتكر مشهد عقد قرانهم. هناء بتبصلها بعجز ومش قادرة تتصرف.
"وفوق كل هذا عامل ليلة كبيرة وعازم كل البلد. إكه قاصد ينقطني!"
زفرت هناء بضيق وحاولت تفوقها.
"يا ليلى عامر شايفك اخته الصغيرة من زمان وعمره ما فكر يبصلك كذه ولا كذه. طول عمرك ليلى بت عمه بالنسباله."
فصاحت ليلى في وشها بعصبية.
"اسكتي يا هناء واقفلي بوقك. لو قاصدة تحرقي دمي أكتر ماهو محروق مش هتقولي كذه."
حاولت هناء تبرر.
"مش القصد يا ليلى بس عاوزة اوعيكي."
أشاحت بإيديها وهي بتكمل بكى.
"ولا توعيني ولا غيره اتركيني لحالي!"
اتفتح الباب بعنف. هما الاتنين اتنفضوا. شافت ابوها واقف يبصلها بنظرات مليانة شرر. بلعت ريقها بتوتر وهي بتنقل نظراتها بين ابوها وهناء. هناء اتنحنحت وقامت استأذنت ومشيت. غالب تقدم منها بوجه متجهم.
"لسة قاعدة بتندبي من امبارح؟ اتجننتي ولا إيش؟! رايحة هناك تبكي عليه وهو بيتجوز؟! عايزة تحني راسي بعمايلك هذي وقدام اخواتك كمان يا قليلة الحيا!"
قامت من على فراشها واتوسلته بدموع.
"يا ابوي…"
قاطعها بحدة أكتر.
"اسمعيلو ما لميتي حالك واتعدلتي قسمًا بدين الله لكون كاتب كتابك على خالد ابن عمك من بكرا. اخواتك اللي حايشيني عنك لكن والله في سماه لربطك كيف البهيمة هنا لحد ما يبنالك صاحب!"
خلص كلامه ورماها بنظرة من فوق لتحت باستحقار وبعدين سابها وخرج. قفل الباب وراه بعنف. انتفضت هي بخضة وبعدها اترمت على سريرها وهي بتبكي بإنهيار. لكن رغم ده مش هتيأس. مش هتتنازل عن عامر مرة تانية. كفاية إنها قبلت بالواقع لما اتجوز سلمى وكمان خلف منها. مش هتستنى لما ده كمان يحصل مع المصراوية. عامر هيبقالها هيهي بس.
***
خرج من غرفته. المرادي كان لابس جلباب ابيض تقليدي متفصل عليه ابرز عضلاته وفوقه چاكيت بدون أكمام عشان برودة الجو. على كتفه كان الوشاح اللي المفروض بيلفه على راسه ولكنه سابه مؤقتًا.
مر على جناحها وهو بيحاول ميبصش عليه ويبدي عدم الاهتمام عشان ينكره احساسه الداخلي. ولكن رغمًا عنه لقى نفسه بيقف مرة واحدة وهو باصص قدامه بشرود. بطرف عينه بص على الباب. رغمًا عنه رجع تاني بتردد. وقف على باب أوضتها وهو مايل عليه بيحاول يسمع صوت.
رفع قبضته بتردد وخبط على الباب وهو بيهتف.
"يقين أنتِ صاحية؟"
مش عارف ليه بيسأل عنها ولكن لوهلة حب يتطمن عليها بعد حالتها الصعبة اللي شافها فيها امبارح.
كانت هي قاعدة على السرير المترتب في غرفتها بعد ما سابها عامر وبعت بنات يرتبوا الغرفة ويشيلوا الحاجات المتكسرة. كانت ضامة ركبتها لصدرها وهي بتحرك جسمها بلا هوادة. ما زالت بهدومها اللي كانت عليها، خصلاتها المشعثة، الكحل السايح وعيونها الحمرا المورمة. سمعت صوته من برا. غمضت عينيها بكره شديد وازدادت وتيرة اهتزاز جسدها.
لكنه ميئسش بل فضل يخبط تاني وهو بيقول بإصرار.
"يقين أنتِ كويسة؟"
وبصوت مبحوح عصبي زعقت.
"امشـي مـن هنـا!"
رغم إن إيده اتجمدت للحظات إلا إنه رجع يخبط تاني.
"أنتِ كويسة ولا لأ؟ محتاجة حاجة؟!"
حطت إيديها على أذنيها تكتم بيها صوته اللي بيثير أعصابها. ضغطت على جفونها وهي بتصرخ.
"بقولك امشـى من هنـا. امشــي!"
لوهلة حس بالقلق من نبرة صوتها. المشاعر المتضاربة اللي جواه غريبة ومش قادر يسيطر عليها. فبدون تردد مسك المقبض وحاول فتح الباب. ولكنه عقد حواجبه بتعجب لما لقاه مش بيتفتح رغم إن المفتاح واخده بنفسه.
حاول يزقه بس حس إن فيه حاجة تقيلة محطوطة وراه. فهتف باستغراب.
"يقين أنتِ سادة الباب ولا إيش!"
رفعت عيونها مرة واحدة بعد ما كانت شادة على خصلات شعرها. بصت على التسريحة اللي زقتها بنفسها لحد ما ثبتتها ورا الباب وصرخت.
"بقولك امشي من هنا. أنتَ إيه مبتفهمش!"
وقف عن المحاولة في فتح الباب بعد صراخها واتنهد بقلة حيلة وبعدين قال بحزم.
"هبعتلك هدية بالفطار. افتحي الباب وخذي منها الأكل أحسنلك."
نهى كلامه والتف عشان يمشي. ولكنه سمع صوت تهشم شيء بالباب. وبالفعل بعد جملته الآمرة ملقتش غير كوباية الماية اللي جمبها تعبر بيها عن غضبها وحدفتها عليه. هشمتها. لقى نفسه غصب عنه بيبتسم وهو بيهز راسه بقلة حيلة وتمتم.
"عـصـبـيـة!"
نزل لتحت فشاف الكل متجمعين على سفرة الفطار. ألقى السلام عليهم وراح قعد على راس الطاولة. طبع قبلة على شعر جواد ابنه اللي كان جنبه. تحت انظار امه اللي كانت صامتة تمامًا وبتراقبه بنظرات جامدة. شاف هدية داخلة ببقيت الأكل. فوجهلها كلامه.
"خذي الفطار ليقين فوق."
وقبل ما ترد عليه اتكلمت فاطمة.
"مش ما عجبهاش أكلنا، نعطيها ليش؟ خسارة فيها تحط لقمة من مالنا في جوفها!"
زفر انفاسه بضيق وقال لهدية.
"اعملي اللي قولتلك عليه."
فضل واقفة بتردد بتنقل نظراته بينه وبين فاطمة. فاتعصب عامر ورماها بنظرة قاتلة وهتف.
"مستنية إيش!"
هزت راسها بسرعة وخرجت على طول. أما هو فبدأ في الأكل تحت أنظار فاطمة اللي كانت بتبصله بضيق كبير. اتكلم فارس في الوقت ده.
"الطباخ جاب عدته وجه، وخليت الرجالة يذبحوا جملين واربع خرفان في الفجرية، هيوزعوا نصهم على الناس والباقي لأهل البلد اللي هييجوا. وكمان خليتهم يعلقوا فرعين نور وجهزوا الحصر."
هز عامر راسه بامتنان. أما فاطمة فعلقت بنزق.
"مش عارفة إيش لزومه هذا كله! قال يعني جوازه بحق وحقيقي!"
فرد عامر برفعة حاجب.
"أنتِ عاوزة تخلي البلد تقول عامر الزيات بنفسيه اتجوز في الدرا ياما؟! حتى لو جواز صوري بس في النهاية اتكتبت على اسمي واتحسبت علي!"
فتمتمت بضيق.
"جوازة الندامة!"
فضل باصصلها بضيق شوية قبل ما يلتفت على لكز جواد ليه. بصله بابتسامة يحثه على الكلام فاتكلم الصغير.
"هي هذي اللي فوق مرتك يابوي؟ يعني كيف أمي؟"
صدرت ضحكة ساخرة عن فاطمة اللي تمتمت.
"زين ما شبه. الاتنين مصايب كيف بعض."
عاتبها عايد في الوقت ده بسبب اللي اتلفظته قدام الاطفال.
"ياماما يصحش كذه!"
هزت راسها بلا مبالاة. أما عامر فبعد ما رماها بنظرة نارية رد بابتسامة.
"آه يا بطل اللي فوق مرت أبوك. وكيف أمك بالضبط، عاوزك ماتضايقهاش بكلمة."
فتدخل فارس بضحك.
"الاحسن خليك بعيد عنها عشان زعابيبها متطلعش عليك!"
لكزته نوارة زوجته وهي بتهمس بضيق.
"مش قدام الواد يا فارس."
كمل فارس ضحك وقال.
"كذبت أنا؟ أومال لو مكانتش مكسرة الغرفة ميت حتة!"
كتمت راوية زوجة عايد ضحكها بالعافية لما شافت نظرة عامر لفارس اخوه اللي قال.
"والله شكلي أنا اللي هكسر الترابيزة هذي فوق دماغك واخليك تطفح اللقمة!"
وبفكاهة من بين ضحكه قال.
"العفو ياخو."
رغمًا عنه عامر لقى نفسه بيبتسم هو كمان. كل الموجودين هنا مش مصدقين تصرفاتها المباغتة بالنسبالهم ولا قوتها اللي معدتش عليهم قبل كده فعذرهم واداهم الحق على ردود افعالهم.
أما الوضع ده فمكانش عاجب فاطمة اللي كانت بتشرب الشاي وهي بتراقبهم بضيق. مش عاجبها إنهم متقبلين اللي بيحصل بل وبيضحكوا عليه. فانتفضت فجأة وهي بترزع الكوباية على السفرة وبتقول.
"شبعت."
راقبوها كلهم لحد ما خرجت وغصب عنهم لقوا نفسهم بيضحكوا كلهم من تاني.
***
"وش تقول أنتَ! كيف يعني؟!"
هتف بها عزيز وهو بيلف حوالين نفسه بجنون في حين بيسمع الأخبار من شخص ما في الموبايل. حس إن أعصابه على وشك الانفلات وهو بيسمع كلام الطرف التاني فقال.
"طيب طيب. اقفل أنتَ وتابع اللي بيصير هناك وبلغني أول بأول."
قفل الخط وفضل يلف حوالين نفسه وهو بيفكر شوية. وبدون تردد اتوجه للحيطة ولكمها بقبضته بقوة أدمتها وفضل واقف مكانه بأعصاب مشدودة.
كان صالح والده معدي بالصدفة وشافه بالحالة دي. فاتقدم ناحيته بتعجب وقال.
"وش بيك يا عزيز؟!"
اتلفت ليه وهو على وشه ابتسامة ساخرة وقال.
"نسيبك الغالي عامر الزيات. لحق نفسه كالعادة!"
باستغراب قال.
"كيف يعني؟!"
هز راسه بصدمة هو نفسه مكنش متوقع إن حركة زي دي تطلع منه، فقال.
"اتجوز الصحفية!"
اتوسعت عيون صالح بدهشة وهتف.
"كيف؟! اتجوز المصراوية؟ أنتَ متأكد من ذاك الكلام؟!"
أومأ ليه عزيز وقال باستهزاء.
"وعازم البلد كلها كمان."
اتلفتوا على حركة واحد من رجالتهم وهو جاي ناحيتهم وشايل كيس أسود في إيده. وقف قدامهم وقال.
"عامر الزيات باعت هذا مع مرسال بيقولكوا فيه كان نفسه يعزمكوا بس المكان مش هيكفي."
أخذ عزيز الكيس منه وفتحه فلقى فيه قطعة لحمة من دبيحة عامر. نقل نظراته بينه وبين أبوه بملامح بتشع غضب رهيب. لما قدروا يفهموا إنه عرف على اللي كانوا ناويينه. حاول صالح يتمالك نفسه وقال بعد تفكير.
"مش هو اتجوز الصحفية؟! أهو دخل أجله بنفسه على داره."
بصله عزيز بتعجب لما شافه بيبتسم بسخرية. فقال صالح.
"حاول توصل للصحفية بأي طريقة. وفي أقرب وقت…"
***
كان عامر واقف بيتابع التجهيزات وبيستقبل الناس اللي ابتدوا ييجوا يباركوله. ومن بين كل التبريكات ارتفع صوت ضرب النار كاحتفالًا بيه.
انتفضت يقين من مكانها بعد ما علي الصوت لدرجة حسستها بالرعب. قامت وقفت بتردد وراحت ناحية البلكونة فتحته واتقدمت وهي منكمشة على نفسها. للحظة حست بالتعجب من المنظر اللي قدامها.
الفرش المحطوط وصواني الأكل المرصوصة وحواليها الناس. ده غير أفرع النور اللي مزينة المكان. دورت عليه بعيونها لحد ما شافته واقف بيستقبل التبريكات من الناس. على وشه ابتسامة متكلفة بيجامل بيها على قد ما يقدر.
لوهلة رفعت حاجبها بذهول. بيحتفل بجوازهم! مش كفاية اجبرها إنها تتجوز قصاد حياة اهلها وكمان عامل فرح هنا!
شافت عايد وهو بيميل عليه وبيشاور براسه لفوق. وبعدها اتلفت عامر ووقعت عيونه الحادة عليها. واللي كانت نظرة متعجبة. سرعان ما ضيق عينه بغضب لما شافها واقفة في البلكونة وسط وجود كل الرجالة دي.
أما هي فكانت بتوصله نظرات كارهة وغير مبالية لغضبه الظاهر عليه.
شافته وهو بيكلم عايد، اللي اتحرك ودخل لجوا.
ثواني وسمعت خبط على الباب وصوت هدية اللي بتنادي بتكرار.
"يا ست يقين!"
بصوت عالي من غير ما تتحرك ردت.
"عايزة إيه؟!"
فهتفت هدية.
"عامر بيه بيقولك ميصحش تقفي في الفرندة كذه والرجالة ماليين الدنيا تحت!"
حست هي بالدماء بتغلي في عروقها من تحكمه فيها. ثبتت أنظارها عليه وحس هو بيها فرفع عيونه ليها واتقابلت نظراتهم.
أما هي رفعت حاجبها وربعت إيديها قدام صدرها وبتحدي هتفت من غير ما تتلفت.
"قولي للبيه بتاعك مش هو اللي هيعلمني الصح والغلط. خلي نصايحه لنفسه!"
حست هدية بالرعب من كلامها فحاولت ترجعها عن رأيها وهتفت.
"يا ست يقين…"
ولكن يقين قاطعتها بحدة.
"مش هعيد كلامي مرتين."
ضربت هدية كف على كف وهتفت بحيرة وهي بتتحرك عشان تنزل.
"يادي المصيبة، هقوله هذا الكلام كيف بس!"
من هيئتها ونظراتها المتحدية قدر يميز إنها عاندت كلامه. وبالفعل هي كانت بتعاند لمجرد العند فقط عشان تثبتله إن مهما حصل مش هتخضع ليه حتى لو أجبرها تتجوزه. أما هو حس بالنيران بتتسلل لأوردته خاصة بعد ما معظم الناس الموجودين غصب عنهم لمحوها وهي واقفة فوق كده. حتى لو مش مشاعر غيرة محب لحبيبته ولكن غيرة على اسمه اللي بتحمله. فاتحرك بدون تردد وهو بيرميها بنظرة نارية معناها أنتِ اللي جبتيه لنفسك.
كانت عارفة كويس إنه طالعلها. ولكنها فضلت مكانها باصة للباب بعند وهي متأكدة إنه مش هيقدر يدخل بسبب التسريحة اللي مثبتاها ورا الباب.
تحت أنظار كل الموجودين في البيت من سرعته والعبوس اللي باين عليه طلع لفوق ومنه لاتجاه غرفتها. وقف لوهلة لما وقعت عينيه على صينية الأكل اللي محطوطة من وقت الفطار مكانها وزفر بضيق. حاول يفتح الباب وهو بيخبط وبيقول.
"افتحي يا يقين عاوز اتكلم معاكي!"
فضلت واقفة مكانها وقالت براس مرفوعة.
"مفيش كلام بيني وبين واحد زيك!"
ولكنه اتمسك بالأوكرة وهو بيحاول يزق الباب وبيقول بإصرار وملامح على وشك الانفجار.
"افتحي الباب يا يقين وكفاية عِند!"
ولكنها اتشبثت بقرارها وزعقت بحدة.
"مش فاتحة. وأعلى ما في خيلك اركبه يا ابن الزيات."
ثبتت إيده على الأوكرة وعض على شفايفه بغيظ شديد. محدش قدها عرف يفلت أعصابه قد ما عملت. أما هي فحست بصمت عم المكان فجأة. فافتكرت إنه يئس بالفعل ومشي. فقربت بتردد ناحية الباب وهي بتميل براسها عشان تسمع إذا كان فيه خطوات برا ولا لأ.
أسرع ما صرخت بفزع لما لقت الباب بيتزق بعنف مرة واحدة.
أما عامر فكانت أعصابه انلفتت بالفعل ومبقاش متحكم في نفسه وعايز بأي طريقة يشيل الفاصل اللي بينهم ده. وبالفعل ابتدى يزق الباب ويخبطه بكتفه بقوة وسط صراخ يقين المذعور.
"أنتَ بتعمل إيه يا متخلف! قولتلك مش عايزة اتكلم معاك غور من هنا!"
طلع أهل البيت على صوت الجلبة وقبل ما يمنعه عايد وفارس شاورلهم بإيده وبعيون حمرا مرعبة هتف.
"محدش يتدخل أحسنله!"
تحت نظرات فاطمة المتشفية واللي كانت بتراقب الوضع بتسلية ووجهت كلامها لأولادها وزوجاتهم.
"كيف ما سمعتوايلا ارجعوا لمكانكم."
وبالفعل اتحركوا كلهم بيأس لتحت. أما عامر فكمل زق في الباب وسط هلع يقين اللي شافت التسريحة بتتراجع فجريت على طول وحاولت تزقها ولكن اتنفضت لورا لما دفع عامر الباب مرة واحدة لحد ما اتفتح.
دخل هو بعيون بتلمع بشرار مرعب. فاتراجعت هي لورا بخطوات مذعورة. أما هو كان بيتقدم منها وهو بيقول.
"بتعندي ها! فاكرة نفسك متحامية ورا هذا الباب. أنا أكسر التسريحة وأكسر الباب فوق نفوخ اللي خلفوكي!"
وعلى اهانته صرخت بغيظ.
"اخرس. أنتَ آخر واحد يجيب سيرة أهلي على لسانك! مش مكسوف من نفسك أنتَ؟ ها؟! مش كفاية تاجر أسلحة ومجرم قذر لا وكمان متجوز واحدة وأنتَ مهددها بأهلها و عاملي فرح تحت البيت؟! مصدق نفسك أنتَ ولا بتكدب الكدبة وتصدقها؟!"
كانت بتتنفس بعنف وبانفعال شديد. اتملكت الجرأة منها وقربت منه وهي بتبص جوا عيونه المشتعلة بجرأة وكملت.
"يا ترى الناس اللي جايين يباركولك دول عارفين بحقيقة الجوازة دي؟ عارفين إنك مهددني وابتزتني بأهلي عشان أوافق بيك؟"
ضحكت بسخرية من بين دموعها اللي خانوها وسالوا على وشها وكملت.
"وإلا غير كده عمري ما كنت اوافق اربط نفسي بواحد مجرم وحقير زيك!"
بأنفاس سريعة من العصبية، وأعصاب مشدودة هتف من بين أسنانه بتحذير.
"يـقـين!"
قربت منه وكملت باستحقار.
"عمري ما هعترف بالجوازة دي حتى لو قتلتني. عمري ما هعترف إني مراتك يا عامر. كون إن اسمي اتذكر جنب اسمك ده لواحده عار بالنسبالي هفضل عايشة بيه طول العمر!"
"يـقـين!"
صرخ بيها بقوة خلتها تنتفض وهو ضامم قبضته بانفعال وعصبية واضحة. ورغم ده مسكتتش وكملت بصدق ومشاعر مليانة بغض وحقد.
"أنا بكرهك يا عامر. بكرهك أنتَ وعيلتك من أكبر واحد فيكم لأصغر واحد فيكم!"
رفع قبضته بأنفعال واضح. فغمضت هي عينها برعب وبأعصاب مشدودة. ولكن قبل ما يتهور ويمد إيده عليها ثبتت قبضته في الهوا لما دخل عايد الغرفة فجأة وهتف.
"عامر!"
وقف فجأة وهو شايف الأجواء المشحونة بين عامر ويقين واتنقلت نظراته بين إيده اللي في الهوا والمرعوبة اللي قدامه. فقرب منه وحط إيده على دراعه واتكلم وهو بينهج من أثر الركض.
"الحكومة تحت مع أهل مرتك…"
رواية وجوه في العتمة الفصل التاسع 9 - بقلم منة ممدوح
نطقت بها بذهول، لحظات وانفرجت ملامحها بفرحة ملحوظة ونسيت الشجار القوي اللي كان بينهم دلوقتي.
وبدون تردد اتحركت بسرعة عشان تنزل، ولكن منعها لما مسكها من دراعها بعنف وجذبها ليه فجأة.
خلها شهقت بخضة وبصتله بتساؤل وضيق وهي بتحاول تجذب دراعها من بين قبضته.
ثبت نظراته القوية على عيونها وهو بيقول:
"رايحة لويـن؟!"
حركت إيديها بعنف عشان يسيبها لكن بلا فايدة وردت:
"راحة أشوف أهلي ولا البعيد مبيسمعش!"
رفع عايد حاجبه بدهشة من جرئتها وفضل متابع النظرات الحادة بينهم بفضول شديد. لأول مرة يشوف ست تتطاول بالشكل ده على عامر بدون خوف أو رهبة، واللي مستغربه صمت أخوه الغريب.
وقبل ما عامر يرد، لمح نظرات اخوه المدهوشة فلف براسه ليه وشاور بعيونه يطلع برا. فاتوتر عايد لبرهة وبعدها خرج على طول عشان يسيب شوية خصوصية بينهم.
رجع بنظره عليها وقال:
"أظن بينا اتفاق وعلى دراية بكل شيلو حصل منك أي حركة غدر صدقيني مش هعتقك ولا هعتقك أهلكمـا فـهـوم؟!"
شدد على الكلمة الأخيرة برفعة حاجب وكإنه بيتحداها متنفذش. بلعت ريقها هي بقلق سرعان ما جذبت دراعها بعنف وهي حاسة بالاشمئزاز من لمسته والتوتر في وقت واحد من قربه الكبير منها بالشكل ده.
عدلت خصلاتها وهي بترد بضيق وراس مرفوع بكبرياء:
"تمـام.."
أسلوبها وكإنها موافقة على اللي بيتقال بمزاجها عشان متبينش قدامه بس إنها خاضعة ليه خلاه يتأملها من فوق لتحت بعمق وهو مستعجب من شخصيتها. اتعدل في وقفته بعد ما كان مايل عليها وقال:
"متنزليش غير لما ابعتلك حد."
اعترضت:
"بس.."
ولكنه قاطعها وهو بيخرج وبيقفل الباب وراه:
"مش هكرر كلامي!"
رزع الباب بعنف فانتفضت وهي بتشد على خصلاتها البنية بجنون من تصرفاته وتحكمه المبالغ فيه. ولكن نسيت كل ده لما افتكرت إنها هتشوف أهلها أخيرًا وهتترمي في حضنهم، على الأقل هتحس بالأمان حتى لو للحظات قليلة مش عارفة إيه مدتهم.
نزل لتحت وهو بيعدل وشاحه اللي على راسه بهيبة، فشاف إن عدد من الضباط بالفعل دخلوا لبهو البيت حتى مستنوش برا. ومعاهم سيدة في حالة مزرية واللي كان عارف إنها والدة يقين وجنبها جوزها ووراه شخص كمان واللي كان فادي رئيس الجريدة. وطبعًا اخواته وزوجاتهم وفاطمة كانوا بيتابعوا اللي بيحصل. رمته فاطمة بنظرة مليانة ضيق فاتلفت بوشه بعيد عنها بلا مبالاة.
محسش بالرهبة نهائي، بل ابتسم بزهو وقرب سلم على الضابط وقال بشموخ:
"أهلًا وسهلًا يا باشا. نورت دار الزيات."
تبصله الضابط بتفحص، كان عنده علم بهوية اللي قدامه وعارف بمكانته خاصة في شمال سيناء وإن الكل بيعملوله احترام.
فرد وقال:
"هنشوف نستاهل الترحيب ده فعلًا ولا هتزعلنا منك يا عامر بيه."
عقد جبينه وبعبوس مصطنع استنكر:
"ليش كذه لسمح الله؟ أنتوا فوق راسنا يا باشا."
شرب الضابط على صدره وقال:
"تسلم يا عامر ده العشم."
وبعد ترحيبات متكلفة ونظرات متفحصة من تحية وعبد الرحمن والدين يقين اتكلم عامر بتساؤل وكإنه مش عارف السبب:
"خير يا باشا؟!"
فرد الضابط بعملية:
"اتمنى يكون خير يا عامر. رجالنا بلاغ إن الصحفية يقين عبدالرحمن مخطوفة ومحبوسة عندك هنا. وأكيد أنتَ عارف إن البلد كلها مقلوبة عليها، فياريت ميكونش ليك يد في خطفها فعلًا وده ما هو إلا بلاغ كاذب."
اتسعت عيونه بدهشة مصطنعة ونقل نظراته بينه وبين اخواته وهو بيقول:
"يقين؟! يقين مرتي؟! إيش هذا الكلام يا باشا! إزاي تكون مخطوفة في بيت زوجها؟!"
كانت الصدمة الكبرى من نصيب والدة ووالد يقين اللي هتف بصدمة:
"مراتك ازاي يعني؟! إيه الكلام ده يا حضرة الظابط؟!"
رفع عامر حاجبه وهو بيبصلها بتحدي ملحوظ. وجه عامر كلامه لهدية بأمر:
"اطلعي نادي ستك يقين."
"أنا هنا."
قبل ما تتحرك هدية سمعوا كلهم الصوت من وراهم. اتلفتوا ليها فلقوها واقفة على بداية السلم بتتأمل الوشوش اللي قدامها لحد ما ثبتت عيونها على أبوها وأمها وحالتها المزرية. حست بإرتجاف جسدها من نظرة عيونهم المصدومة وقاومت على قد ما تقدر إنها متبكيش قدامهم تحت نظرات عامر المحذرة ليها.
هتفت تحية بنبرة أم مكلومة:
"يقين.. بنتي!"
نزلت يقين درجات السلم ببطئ رغم اللهفة اللي حاسة بيها جواها. وبمجرد ما وقفت قدامهم جذبتها والدتها وعانقتها بقوة وهي بتبكي. ضمتها يقين ودفنت وشها في كتف والدتها وشدد من لف دراعها حواليها وكإنها بتستمد الأمان منها. وقاومت على قد ما تقدر إنها تبكي وهي حاسة بنظرات عامر اللي بتخترقها من ضهرها.
بعدتها تحية عنها وهي بتحتوي وشها بين إيديها وبتقول:
"حبيبتي يا بنتي. أنتِ كويسة؟! عملوا فيكي حاجة؟!"
هزت راسها بوجه حاولت تتصنع بيه الجمود ولكن الدموع المتجمدة في عيونها كانت بتوصف العذاب اللي حاسة بيه. ولكن في النهاية ردت بصوت مرتعش:
"أنا كويسة."
تحت نظرات عامر المتفحصة اتلفتت ليه فلقته بيبصلها بتحذير. بعدت عن أمها واتراجعت لحد ما وقفت جنبه تحت نظراتهم المتعجبة. أما عامر فاتكلم بنبرة ذات مغزى:
"أديكم شايفين أهو يقين نازلالكم بنفسها وهي ميت فل وعشرة. يعني لا مخطوفة ولا شي بالعكس إحنا كنا بنحتفل بكتب كتابنا زي ما أنتَ شايف والناس ملمومة برا على عزومة فرحنا."
ابتسمت بسخرية على طريقة تلونه. حس والدها بالخدل في كل جسمه من كلام عامر اللي كان بمثابة صفعة ليه. فوجه كلامه ليقين وهتف بعدم تصديق:
"كلام إيه ده يا يقين؟!"
بصت لعيونه بضعف وهي مش قادرة تواجه عتابه وتمتمت:
"بابا أنا…"
ولكن قاطعها عامر لما جذبها واحتوى خصرها تحت اعتراضها من قربه وريحته اللي اتسللت ليها وقال:
"كلام إيش؟ اتجوزنا يا حمايا على سنة الله ورسوله يعني ما عملنا شي غلط لا سمح الله."
وبصدمة هتف عبدالرحمن وكإنه حاسس إن اللي قدامه دي مش بنته:
"يقين.. الكلام ده صح؟!"
اتدخل الظابط في الوقت ده بعد ما حس الاجواء هتحتد وقال:
"ياريت تفهمنا الوضع بالظبط يا عامر، زي ما قولتلك اختفاء يقين كان قالب البلد والسوشيال ميديا فكونها تظهر مرة واحدة ومتجوزاك ده شيء مش طبيعي أبدًا واعذرني أنا نفسي مش هصدقه!"
هز عامر راسه وبكبرياء رد:
"حقك طبعًا يا باشا. الموضوع وما فيه إن يقين من فترة قريبة كانت هنا في العريش في رحلة تبع الجريدة اللي هي شغالة فيها، ومن حسن حظي جت في اليوم هذا لمزارعنا تعمل لقاء صحفي فيها مع عمالنا وشوفتها وقابلتها في ذاك اليوم، ومن أول مرة شوفتها فيها خطفت قلبي ولفتت انتباهي وهي مكانتش تقل عني برضه، كل واحد فينا حس إنه مشدود للتاني، خدنا ارقام بعض واتواصلنا وفي النهاية اتفقنا على الجواز. ولإنها مكانتش عارفة تفتح الموضوع لأهلها كيف وخافت ليرفضوا قولنا نكتب كتابنا وبعدها نحطهم قدام الأمر الواقع وأكيد هما هيفرحولنا. بس متوقعناش إن الأمور تكبر لهذي الدرجة!"
كانت بتراقبه بعيون متسعة من إنه قدر يحبك قصة علاقتهم بالشكل الرهيب ده، لدرجة إنها حست بخدل في جميع أنحاء جسدها خاصة وإنه شوه صورتها تمامًا قدام أهلها ومديرها اللي اتسعت عيونه بدهشة ورمقها باحتقار. اتلفتت لأبوها وأمها اللي كانوا بيبصولها بصدمة ممزوجة بلوم من الوضع اللي حطتهم فيه.
رجع الظابط يسأل بشك:
"عايز تقنعني يا عامر إنك معرفتش بخبر اختفاء يقين والقلبان اللي حصل بسببه؟"
رفع كتفه ورد ببساطة:
"يا باشا أنا راجل عملي ماليش في النت والجو هذا. ويقين تليفونها وقع منها ومش لاقيينه فمحدش كان متابع كنا مركزين في تسريع جوازنا من حماسنا وحبنا لبعض."
صدمة تانية نزلت على راسها زي دلو الماء البارد، رفعت عيونها ليه بكره شديد ممزوج بالذهول فبصلها هو بطرف عينه وغمزلها كإنه بيستفزها.
وجه الظابط كلامه ليقين وسأل:
"الكلام ده صحيح يا مدام يقين؟"
نقلت نظراتها للظابط بتردد كبير وبعدين وجهت عيونها لأمها اللي كانت في حالة صدمة وابوها اللي وشه احتقن بالدماء. وفي النهاية فاقت على نغزة من عامر في خصرها فرفعت عيونها ليه ولقته بيرمقها بنظرات تحذيرية. وفي النهاية اتكلمت بتخاذل وهي حاطة راسها في الأرض:
"صحيح.. أنا وعامر حبينا بعض وقررنا نتجوز."
حست تحية بإنها على وشك الانهيار فساندها جوزها بسرعة وهو بيبص ليقين بغضب رهيب. اتكلم الضابط في الوقت ده:
"العربية اللي مدام يقين ركبتها من قدام مقر الجريدة كانت تبعك يا عامر؟"
هز راسه بتأكيد:
"أيوه يا باشا، وأنا كنت فيها، جيت أخذها بنفسي."
رفع الضابط حاجبه وكإنه مسك حاجة عليه:
"العربية كانت من غير نمر يا عامر. تقدر تعرفني ايه اللي ممشيك بعربية بدون لوحة؟"
شاور عامر لفارس اللي اتحرك بسرعة ومد إيده بورقة للضابط وكإنه كان عامل حسابه ومجهز كل حاجة وهو بيقول:
"هذا تصريح مؤقت مطلعينه يا باشا. نمر العربية ضاعت ومطلعين التصريح هذا بقالنا عشر تيام لحد ما طلعنا لوحة جديدة."
اخده منه الضابط بالفعل واتفحصه وبالفعل لقى الورق سليم. عطاه فارس ورقة كمان وهو بيقول:
"وهذا قسيمة زواج عامر من يقين على بال ما تطلع القسيمة الأصلية."
وبعد ما أتأكد الضابط من صحة الأوراق وجه نظره لوالد ووالدة يقين اللي حسوا أنهم مخدوعين بشكل كبير في بنتهم.
اتكلم الضابط في الوقت ده:
"اعتقد الموضوع بقى عائلي دلوقتياستأذن أنا، ومبروك يا عامر بيه."
هربت عامر على صدره وبامتنان رد:
"تسلم يا باشا. ميصحش كذه تمشي بدون ما تتضايف حتى العزومة شغالة برضه."
رد الضابط بتكلف قبل ما يتحرك ويخرج:
"تسلم مرة تانية."
نقل فادي نظراته بينهم وحس بالاحراج بعد ما لقى إن المشكلة عائلية دلوقتي فاستأذن وخرج تحت أنظار يقين اللي حست إن سمعتها اتدمرت تمامًا في شغلها. نقلت نظراتها على والدتها اللي كانت بتهز راسها وبتبكي بدون صوت وهي بتلومها بنظراتها وقبل ما تتكلم يقين هزت راسها بخيبة أمل واتلفتت وخرجت هي كمان بخطوات بطيئة منحنية.
قربت في الوقت ده من والدها وهي بتبصله بدموع ورجاء وهمست بشفايف مرتعشة بنبرة متوسلة:
"بـابـا.."
شهقت بصدمة لما باغتها بصفعة قوية لدرجة إنها فقدت توازنها ووقعت على الأرض وهي باصة قدمها بصدمة. حس عامر بالذهول ولوهلة اتهز جسده من اللي حصل ولكن مقدرش يتحرك وفضل ثابت مكانه وهو بيبصلها بحزن كبير مش عارف إيه مصدره.
تعدلت ورفعت عيونها لأبوها وهي بصاله بدموع. أما هو ضم شفايفه وباشمئزاز قال:
"يا خسـارة تربيتي فيكي. يا خسـارة!"
نهى كلامه وخرج هو كمان كإنه بيرمي طوبتها من دلوقتي وبيعتبرها مش موجودة. فضلت هي تراقب أثره بصمت ودموعها بتاخد مجراها على وشها. سرعان ما اتحول صمتها لشهقات وبكائها الصامت بقى لنواح يقطع القلب.
اتحرك فارس وعايد عشان يفضوا المكان من الموجودين بعد ما حسوا إن الموضوع بقى خاص تحت نظرات فاطمة اللي كانت بتبصلها وهي مبتسمة بانتشاء وشماتة. ولكن اتوسلها فارس بنظراته إنها تمشي قبل ما يطولها غضب عامر وبالفعل اتحركت ولكن بقلب بيرقص فرحًا. فضلت مكانها على الأرض وهي بتبكي بعذاب. حسست إن كل حياتها اتدمرت، سمعتها في الجريدة كصحفية كفوءة، دورها كـ ابنة بارة، مظرها العام قصاد الناس وأهل جوزها السابق. خسرت حياتها واتدمرت تمامًا، شغلها واهلها وحتى نفسها. هي بالفعل خسرت نفسها من أول ما وقعت على عقد جوازها منه.
كان عامر واقف مكانه وهو بيبصلها بضعف، مش حابب شكلها وهي منهارة كده، غصب عنه حاسس بقبضة متملكة من صدره. قلبه بينتفض مع صوت بكائها ولكنه عاجز، عاجز ورافض الاحساس اللي حاسه ناحيتها ومش عاجبها ضعفه ده. ولكننه استنتج ده على إنه مجرد احساس والشفقة.
قرب منها ونزل على ركبته قدامها، وبعد تردد كبير رفع إيده وحطها على كتفها، ولكنها انتفضت وهي بتبصله بنظرات قتلته. كره ولوم وحقد دفين مغلف عيونها، ولكن نظرات اللوم هي اللي فضلت ثابتة في عقله وضربت صميمه.
نفضت مكان إيده بقرف قصاد عيونه، واتحاملت على نفسها ووقفت فوقف بدوره هو كمان وهو مسلط نظره عليها بأسى. ولكن في النهاية لقى نفسه بيقول بتبرير ولكنه زاد الطين بلة:
"أنتِ اللي وصلتي نفسك لهنا يا يقين. أنتِ اللي دخلتي نفسك حياتي لما اقحمتي نفسك في اللي ملكيش فيه. وأنتِ اللي أجبرتيني على كل هذا. كل اللي وصلنا ليه دلوقت أنتِ السبب فيه.."
هزت راسها من بين دموعها بعجز، مش مستوعبة إنه بيلومها دلوقتي وكإن هو اللي ملاك بجناحات. مكانتش تتصور إنه بالبجاحة دي، ولكن مكانتش قادرة تقاوح ولا تتخانق معاه زي كل مرة، حست لوهلة إنها عاجزة ومبقاش ليها حد وكل ده بسببه.
تحركت ولكن حست بدوار بيلفح راسها فقرب منها بسرعة عشان يحاول يسندها ولكنها دفعته عنها بعنف واتحركت لبرا. عقد حواجبه بتعجب ولحقها وهو بيقول:
"لوين رايحة؟!"
مردتش عليه وكملت خروج لبرا. جذبها من دراعها فنفضت إيده وبصتله بنظرة عمره ما هينساها واتكلمت من بين دموعها اللي مغرقة وشها:
"كـان عنـدي زوج بيحبني وبيحتويني وبيت دافي مليان حـب. كان عندي شغلانتي اللي بحبها واللي ببذل فيها كل اللي أقدر عليه عشان أوصل لمكانتي فيها دلوقتي. كان عندي اهل حواليا بيحبوني وبحبهم. كان عندي كل حاجة تخليني عايشة وواقفة على رجلي وأنتَ سلبت مني كل ده!"
اتلفتت وكملت خروج واتحرك هو وراها وهو حاسس بالقلق عليها، خصوصًا خروجها في حالتها دي لوجهة غير معلومة. حس إنها هتلفت النظر فشاور لرجالته إنهم يداروا عنها وبالفعل فهم سعد وحمد أمره اللي صنعوا جدار بشري على الناحيتين بالرجالة عشان محدش يلمحها. قرب منها ومسك إيديها عند مدخل البيت وهتف بنبرة لينة وهو مشفق عليها:
"يقيـن!"
بصتله وهي بتبكي بإنهيار وهتفت:
"أنتَ خدت مني حياتي يا عامر. خدت مني كل حاجة بحبها. عمرها ما هسامحك، عمري ما هغفر لك كل اللي عملته في حقي طول ما فيا الروح. عـمـري."
اتجمدت إيده فابتسمت هي بسخرية من بين دموعها وشفايفها المرتعشة ومشيت ولكنه هتف وهو واقف مكانه:
"لوين رايحة؟!"
هتفت بسخرية وهي ماشية:
"متقلقش مش ههرب منكم. مبقاش ليا مكان تاني غير هنا بعد الفضيحة اللي حصلت."
كان بإيده إنه يمنعها من إنها تمشي خاصة وسط الاحتفال هنا، ولكن حس إنه عايز يسيبها على راحتها لإنه خايف عليها من الضغط اللي وقع عليها. شافها وهي بترفع إيديها وبقهر صرخت:
"عمـري مـا هـسـامـحـك يا عـامـر!"
غمض عيونه بضيق وضم قبضة إيده بعجز رهيب، فتح عيونه ودعك جبينه بتعب، ووجه نظرة لحمد اللي جري عليه فقاله بأمر:
"خليك وراها من غير ما تاخد بالها ولو حصل حاجة ابقى قولي."
"أمرك يا بيه."
قالها وجري على برا عشان متضيعش منه. فضل واقف مكانه وهو باصص على أثرها بضيق شديد، حس بحركة جمبه فاتلفت بعينه ولقاه فارس اللي سأل بتعجب:
"ليش تركتها تروح؟!"
تنهد بضيق ورد بتأكيد وثقة:
"هتـرجع تانـي."
بصله فارس بتعجب من حالته والتعب اللي ظاهر على ملامحه، ولكن في النهاية رفع كتفه بقلة حيلة ورجع عشان يتعامل مع الضيوف اللي ابتدوا يلاحظوا إن فيه حاجة مريبة بتحصل.
أما عامر ففضل واقف مكانه ومفيش قدامه غير نظرتها اللي بتلومه بيها، والعجز اللي كانت فيه قدام أهلها. وبقى يسأل نفسه هل هي مذنبة ولا بريئة؟ هل تستاهل كل اللي بيحصلها ده ولا كل اللي عملته إنها وثقت في الراجل الغلط؟!
***
كانت ليلى قاعدة مع هناء ووالدتها وزوجة عمها مرزوق اللي مكانش عاجبهم كل اللمة اللي برا واللي بيحصل. فاتكلمت بدرية بضيق:
"اللي ما بيستحي جامعلي رجالة البلد برا ولا كإنها جوازة بحق وحقيق."
فايدتها عيشة وقالت:
"والله هذي البت هي اللي هتجيب الخراب فوق راسنا. من وقت ما جت هنا وهي مصايبها ما بتتعد وأديكي شوفتي الأخبار اللي نازلة عنها على النت."
تعلق ليلى اللي كان وشها محتقن بالدماء وقاعدة بتهز رجليها بعصبية وهي باصة على شاشة الكاميرات اللي جايبة كل حاجة:
"أنا متأكدة إن كل هذا تمثيلية، عامر استحالة يقبل إن هذي المصراوية تبقى مرته."
بصت لها بدرية بضيق وهي مدركة سبب كلامها كويس ونهرتها:
"اتلهي على عينك، إيش حال خلف من بنت الرشايدة وجاب منها جواد وهو مكانش بيطيقهامش هيخلف من المصراوية؟!"
كلام والدتها كان بمثابة صفعة قوية ليها لدرجة إنها حست نفسها على مشارف الجنون لمجرد الفكرة. ولكنها عقدت حاجبها واتعدلت لما شافت لمة برا والشرطة اللي خرجت وبعدها عامر اللي خارج ورا يقين. فسألت بطريقة لفتت انتباه الموجودين:
"يا ويلي! إيش بيصير هنا. الظاهر فايتنا حاجات كتير أوي!"
دخل حسن في الوقت ده اللي كان باين عليه التعب، فجريت عليه وهي بتقول:
"إيش اللي صاير برا يا أخوي؟!"
نقل نظراته بينها وبين اللي قاعدين بفضول ورد:
"كان أهل مرت عامر هنا مع الحكومة والدنيا قامت وقعدت جوا الدار بس في الآخر مشيوا بعد ما عرفوا إن عامر اتجوز بنتهم."
قامت بدرية وقفت وقربت من حسن وهي بتفكر وبعدين قالت:
"الظاهر إن عامر كان عارف إنهم هييجوا مع الحكومة عشان كذه عجل بالجواز."
انفرجت أسارير ليلى عند جملتها ولقت إنها معاها حق بالفعل لما ربطت الخيوط ببعضها. نقلت نظرها على شاشة كاميرات المراقبة فشافته واقف لوحده، وبدون تردد اتحركت بحماس وهي بتقول:
"أنا رايحة أشوف مراتي عم."
نقلت بدرية نظرها بين عيشة اللي بصتلها بضيق وبين ليلى، عيشة نفسها كانت عايزة ليلى لخالد ومازال عرضها ساري ودي حاجة عاجبة بدرية ومأيداها على عكس جوازها من عامر اللي كانت رافضاه تمامًا. ولما لاحظت نظرات عيشة جذبت ليلى بعنف من دراعها وهي بتنهرها:
"اتلقحي هنا مفيش خروج!"
اعترضت ليلى:
"بس يا ام.."
زعقت في وشها بعنف:
"قولت اتلقحي!"
قصاد نظرات أمها العنيفة ضربت برجليها على الأرض وسابتهم وطلعت على فوق بوجه عابس. أما بدرية فمن تحت لتحت قالت لحسن:
"شد على اختك شوية، الحال المايل هذا مش نافع معاه."
هز راسه بصمت وهو باصص على أثرها بضيق. وبعدها سابهم واتجه لغرفته بعد ما كان جاي عشان يجيب حاجة من جوا…
***
رغم المسافة الكبيرة من جنوب المدينة لشمالها ولكنها محستش بالتعب، كان ألمها النفسي أكبر بكتير. فضلت ماشية لمسافة كبيرة جدًا وهي بتبكي، ووراها حمد اللي كان بيراقبها من على بُعد عشان يتطمن إنها بخير.
حالتها المزرية كانت ملفتة بشكل كبير، عيونها المورمة والدموع اللي على وشها، ده غير أصابع الإيد اللي على خدها مكان صفعة ابوه. مش بتلومه، بالعكس ده أقل رد فعل ممكن ياخده. مش قادرة تنسى نظراته اللي مليانة خيبة واستحقار ليها وعجزه عن إنه يتصرف بعد ما قيدته بالشكل ده. مش قادرة تنسى حالة والدتها اللي مكانتش قادرة تقف على رجلها من خوفها عليها. مش بتلومهم، هي نفسها مكانتش قادرة تبرر اللي حصل!
ابتدت نسمات الهوا الممزوجة بريحة البحر تداعب خصلاتها. رغم برودة الجو إلا إن برودته مقدرش يطفي اشتعال جسدها اللي ميجيش جنبه حاجة.
وفي مكان خالي من الناس مشيت بخطوات بطيئة لحد ما بقت الرمال تعوق حركتها، فبدون تردد خلعت حذائها وسابته ومشيت على الرمال اللي كانت بتداعب بشرتها، مع الهواء الشديد. لقت نفسها بتفتح إيديها وهي بتاخد نفس عميق لعله يهدئ من نارها الموقدة.
على قد ما كان المكان خلاب بأشجار النخيل اللي على الشط والموج العنيف المتلاطم إلا إنها كانت فاقدة الإحساس. وقفت قصاد البحر وهي بتبكي وخصلاتها بتطير من الهواء ودموعها يدوب بتنشف بسرعة بمجرد ما تنزل على وشها.
رفعت قبضتها وفضلت تضرب على صدرها بعنف من الضغط والألم اللي حاسة بيه، صوت شهقاتها المنهارة كانت بتتحدى عنف صوت الأمواج المتلاطمة.
أما حمد كان بيراقبها من على بُعد وهو واقف ورا شجرة، ولوهلة هز راسه بأسى وشعر بالشفقة عليها. ولكن في لحظة افتكر اللي عملته في رب عمله فمحى مشاعره في وقتها.
لقت نفسها بتتمدد على الرمل على ضهرها وهي باصة للسما ودموعها متوقفتش، احساسها بالكره ليه بيزيد، مش هترتاح ولا يهدالها بال غير لما تدمر عامر اللي بينهم بقى تار دلوقتي!
"معقولة عيلة الزيات اللي وصلتك لهذي الحالة؟!"
انتفضت بهلع بعد وقت مش قليل وهي على وضعها لما سمعت صوت شخص غريب جنبها، اتعدلت بسرعة ونفضت شعرها من الرمل وهي بتبص للشاب اللي قدامها بتعجب. أما هو فابتسم باتساع وقال:
"الظاهر إن عدونا واحد يا يقين. وعشان كذه هنعرف نتفق زين."
عقدت جبينها باستغراب من كلامه الغريب، فمد هو إيده ليها وبود غريب عرف عن نفسه:
"عزيز الرشيدي…"
رواية وجوه في العتمة الفصل العاشر 10 - بقلم منة ممدوح
فضلت بصالة بملامح متعجبة وهي بتنقل نظرها بين الغريب اللي قدامها وابتسامته المريبة وبين إيده الممدودة.
وبعد ما قدر يميز هو إنها مش هتسلم عليه، رجع إيده مكانها وقال بثقل دم:
_مش مشكلة، كده كده متأكد إننا هنبقى صحاب يا يقين.
أخيرًا اتكلمت بصوت ضعيف ولكنه حاد:
_أنتَ عارف اسمي منين؟!
ضحك وهو بيقول:
_ومين دلوقت ميعرفكيش يا يقين.
ده أنتِ مرات عامر الزيات بنفسه.
مال ناحيتها وهو بيتصنع الهمس:
_ده قدام الناس.
رجع اتعدل وكمل:
_أما أنا بقى فعارف الحقيقة، وعارف إن عامر خطفك بعد ما طعنتيه، وعارف بل ومتأكد إنه هددك بشي عشان توافقي تتجوزيه وأنتِ المفروض عدوته.
تعدلت وهي بصاله بدهشة واتوسعت عيونها أكتر لما سأل بخبث:
_مش أنتِ أرملة يوسف منصور برضك؟!
حست إن اللي قدامها شخصية مختارها كويس وأكيد مش من فراغ. هو جايلها مخصوص وعارف بوجودها هنا ومش صدفة، فبشك سألت:
_أنتَ عايز إيه؟!
ابتسم ورد:
_نفس اللي أنتِ عاوزاه.
عدونا واحد.
ومقصدنا واحدة.
هو عامر الزيات.
وعلى بُعد شاف حمد اللي بيحصل، طلع تليفونه على طول وطلب رقم عامر اللي كان بيسلم على الناس.
ركن على جنب لما لقى حمد اللي بيتصل بيه وحس بالقلق لتكون يقين عملت في نفسها حاجة. ورد:
_خير يا حمد؟!
اتكلم حمد بقلق وهو مركز على عزيز ويقين:
_الحق يا عامر بيه.
اتعدل عامر وبحذر قال:
_انطق يا حمد.
اخلص:
_مش عارف اجيبهالك ازاي بس مرتك قاعدة مع عزيز الرشيدي دلوقت.
اتجمدت إيد عامر اللي ماسكة الموبايل وبص قدامه بصدمة. مكانش متخيل إن عزيز يكون بالجراءة دي ويستغل أي فرصة عشان يدمره حتى لو عن طريق مراته.
استعاد نفسه على طول وهتف بأمر بعد ما اتبدلت ملامحه لتانية اجرامية:
_خلي بالك منهم وابعده عنها على قد ما تقدر وأنا مسافة السكة وجايلك.
سامعني حاول تبعده عنها على قد ما تقدر متسيبهوش يطول في الكلام معاه.
رد حمد:
_حاضر يا عامر بيه.
قفل عامر معاه واتحرك بسرعة ناحية عربيته تحت أنظار فارس اللي لاحظ وجري عليه وهو بيسأل:
_إيش صار ياخوي؟
بصله عامر ورد من بين أسنانه:
_عزيز مع يقين.
اتوسعت عيون فارس بصدمة وهتف:
_الملعون! أنا جاي معاك خليني اطفي ناري منه!
مكانش عامر عنده وقت للاعتراض والخلافات مع أخوه، فسكت وركب العربية بسرعة ومعاه فارس اللي صعد جنبه واتحركوا بسرعة مهولة تحت أنظار الموجودين واللي كانوا متعجبين من خروجهم.
فضلت يقين بصاله بتفحص شوية. هيئته مش مريحة ليها وخاصة إنه عارف عنها كل حاجة، ولكن أهم حاجة إنه بيكره عامر زيها وممكن يساعدها. ولكنها حست بالقلق منه فسألت بحذر:
_إيه اللي يخليني أثق فيك وأنا معرفش أنتَ مين أصلًا ولا إيه مشكلتك مع عامر؟!
كان عزيز متوقع سؤالها فما اندهش ولكنه رد بجمود واتبدلت ملامحه للحقد بشكل ملحوظ:
_قتل اختي.
شهقت بصدمة وحطت إيديها على شفايفها وبصتله بعيون متوسعة. أما هو فكمل:
_كان متجوز اختي وقتلها.
قتلها وهي في بيته!
بيني أنا وعامر تار ولازم يخلص.
وأنتِ هتساعديني أجيب حقي وحقك منه.
وقبل ما ترد كان اتدخل حمد في الوقت ده ووجه كلامه لعزيز بتهديد:
_احسنلك تمشي من هنا يا عزيز، وجودك جنب مرت عامر الزيات مش في صالحك إلا لو عايز تقرب نهايتك!
رفعت يقين عيونها ليه بصدمة سرعان ما اتنفضت وهتفت بحدة:
_أنتَ بتراقبني؟!
اتكلم حمد وهو منزل عيونه للأرض:
_العفو يا مرات أخوي بس كان لازم أخلي بالي من.
تكلمت بعدم تصديق:
_يعني بتراقبوني!
وجهت نظرها لعزيز اللي كان بيراقب الوضع وعلى وشه ابتسامة ساخرة، ورد:
_الظاهر إنهم خايفين منك أوي يا يقين.
رفع حمد حاجبه وحط إيده على خصره بيهدده بإنه هيرفع سلاحه وقال:
_لم الدور يا عزيز.
أنتَ مش قدنا، أحسنلك روح من هنا قبل ما عامر بيه ييجي.
فضل باصصله عزيز بنظرات مستفزة أثارت حفيظة حمد، ولكن في النهاية اتلفت ليقين وغمزلها بنظرة ذات مغزى وكإنه عارف إنها هي بنفسها اللي هتدور عليه. وبعديها اتحرك ومشي وهو بيصفر باستمتاع رهيب.
وصلت في الوقت ده عربية عامر اللي قابلته وهو ماشي ولكنه موقفش جنبه وكان شغله الشاغل يقين ولكنه رماه بنظرة قاتلة قصاد التاني المستفزة.
كان بإيده إنه ينزل يتخانق معاه، يضربه، حتى يضربه بالنار. ولكن لما وقعت عيونه عليها منع نفسه، كإنه خايف على مشاعرها.
خايف صورته تسوء قدامها أكتر.
كإنه خايف إنها تشهد حاجة زي دي بعيونها!
والغريب إنه أدرك إنها فارقة معاه!
رفعت يقين إيديها في الهوا باستسلام وهي حاسة بالجنون لما لقته قدامها. هو مقيدها فعلًا وكإنها سجينة تحت المراقبة!
متوقعتش إنه باعت حد وراها ينقله كل تحركاتها.
نزل من العربية واتجه ناحيتها. أما فارس فمشي خطوتين ناحية عزيز وهو بيبصله بتحذير. أما التاني فشاورله بـ باي وكمل مشي.
كانت يقين في أشد ذروة انفعالها، فصرخت فيه:
_هي حصلت تبعت واحد يراقب تحركاتي؟
عايز إيه مني تاني؟!
مش كفاية اللي عملته، مش عايزني أخد نفسي حتى؟!
عايزني اموت نفسي عشان ترتاح.
و ده اللي عايز توصله؟!
لقى نفسه بيبررلها وبيقول:
_بعته عشان اتطمن عليك.
رفعت حاجبها باستهزاء وردت بسخرية:
_لا والله.
لا فعلًا شكرًا لكرم أخلاقك، مش عارفة اقولك إيه بجد من اخلاقك العالية!
اتغاضى عن تريقتها وسأل:
_كان عاوز إيش منك؟
حطت إيديها في وسطها وردت براس مرفوع:
_وأنتَ مالك؟!
جز على أسنانه ورماها بنظرة قاتلة وهو بيقول:
_اقفي عدل وأنتِ بتردي.
كان عاوز إيش منك؟
رغم نظرته إلا إنها عاندت وقالت:
_مش بتراقبني عشان تعرف أخبارياعرف دي كمان أظن مش صعبة على عامر بيه الزيات!
_يـقـيـن!
صرخ بيها بعنف خلاها اتنفضت واتعدلت بخضة وهي بترمش كذه مرة من شدة نبرته المرعبة، ولكنها صرخت فيه هي كمان بقهر:
_إيه؟!
لو مردتش هتعمل إيه؟!
هتقتلني زي ما قتلت اخته؟!
ما أنتَ ملكش كبير بقى ماشي تقتل في اللي مش على هواك!
بص حمد وفارس لبعض بتعجب من كلامها. أما عامر فـ بفاه مشدوه ردد:
_قتلت اخته؟!
ضحكت بسخرية وقالت:
_مصدوم ليه؟
ما هو مش جديدة عليك، زي ما قتلت جوزي قتلت اخته.
بس الفرق إنها كانت مراتك.
قذارتك وصلت إنك تقتل مراتك بنفسك.
عشان تعرف قد إيه أنتَ عديم شرف ولا ليك حبيب ولا…..
قاطعها لما صرخ في وشها بعصبية:
_ما قـتلـتهاش!
سكتت مرة واحدة وبهتت بخضة لما شافت العصبية اللي على وشه وأعصابه المشدودة كإن فيه ذكرى عايز يمحيها. فقرب منه فارس وهو بيقول:
_اخوي…
ولكنه قاطعه لما صرخ مرة تانية:
_ما قـتلـتهاش!
اتقتـلت وهـي نـايمـة جمبـي!
أنا ما قتلـتهاش، أنا مش وحش لدرجة إني أقتل أم ابنـي!
غدروا بيا وبيها، خلوها نايمة جمبي على نفس السرير ونفس المخدة وقتلــوها.
قتلوها ومعرفتش لحد دلوقتي مين عملها.
إنما أنا ماقتـلتهـاش!
شحبت ملامحها لما سمعت منه اللي حصل لدرجة إنها مستوعبتش. متخيلتش إن الاجرام هنا وصل للدرجة دي، يقتلوها وهي نايمة جنبه على السرير!
معقولة!
ولكن ارتعاش شفايفه وعيونه شديدة الاحمرار اثبتولها صدق كلامه. ولكن رغم ده رفضت شعورها بالشفقة ورفعت راسها وقالت:
_متلومنيش.
أنا اتوقع منك أي حاجة يا عامر.
بالنسبالي أنتَ أسوأ شخصية قابلتها في حياتي.
يعني أصدق عنك أي حاجة قذرة.
زعق بعصبية:
_قـولـتـلك ما قتـلتـهاش.
جذبها من دراعها بعنف وسط صراخها وتأوهها بألم وقال:
_ودلوقتي هتقوليلي كان عاوز منك إيش وإلا ورحمة أبويا ادفنك هنا!
حاولت تجذب إيديها منه وهي بتعترض ولكن كان الجنون اتملك منه فشدها بعنف وصرخ:
_انطقـي!
رغم رفضها بس احساسها بالألم اتمكن منها فردت:
_ملحقش.
ملحقش يقولي حاجة غير إنك قتلت مراته وبعدها الراجل بتاعك جه..
سيب إيدي يا همجي يا متخلف!
فضل باصصلها شوية يتأكد من صدق كلامها لحد ما شاف دموعها اللي نزلت على وشها ودي كانت بمثابة الصفعة اللي فاقته. فساب إيديها وبعد عنها وهو بيمسح بكفه على وشه وشعره وهو بيلف حوالين نفسه عشان يتمالك أعصابه. أما هي ففضلت تدلك دراعها مكان قبضته وهي بتبصله بكره مرير وبتمسح دموعها من لحظة للتانية.
وقف مرة واحدة وحذرها بلهجة لا تقبل النقاش:
_إيـاكـي أشـوفك واقـفة معـاه مـرة تانيـة.
خليـكي بعيـدة عن عزيز الرشيدي أو أي واحد من عيلة الرشايدة.
لمصلحتك يا يقين لو مش عاوزاني اقلب عليكي وتشوفي وش مش هيعجبك اسمعي الكلام!
بصتله من فوق لتحت بسخرية وردت:
_هو لسة فيه وش أوسخ من اللي شوفته؟!
ابتسم نفس ابتسامته وبنظرات مرعبة رد:
_اللي شوفتيه اقل حاجة عندي.
خليني طيب معاكي احسنلك.
يلا امشي قدامي هنرجع الدار.
رغم اعتراضها إلا إن نظراته كانت تحذيرية، فبدورها مشيت قدامه وهي بتدلك دراعها بألم. ركبت ورا جنبه وحمد وفارس قدام، وفضلت طول الطريق حايشة نظرها عنه من خوفها، ولكنه كان من للتاني بينقل نظراته عليها.
وصلوا عند البيت فشاور لحمد بإشارة فهمها على طول ولف بالعربية من المدخل الخلفي للبيت عشان الضيوف مياخدوش بالهم نظرًا لإن الاحتفال كان لسه شغال. نزل هو من العربية تحت أنظارها. كانت مربعة إيديها قدام صدرها وهي باصة قدامها بضيق شافه طفولي بالنسباله. لف وفتحلها الباب وشاورلها براسه عشان تنزل فبصتله بطرف عينها وبعدين زفرت بضيق ونزلت واتحركت لجوا البيت وهي رافعة راسها بكبرياء.
اتحرك وراها بعد ما شاور لفارس وحمد يفضلوا هنا وقدروا يعرفوا إنه ناوي على حاجة. ولكنه حس إنه عايز يتطمن عليها إنها استقرت في غرفتها ومحدش من البيت خصوصًا أمه اتعرضلها.
حست بخطواته وراها فوقفت وهي بتقول بنزق:
_أنا عارفة الطريق لوحدي متقلقش مش ههرب ولا حاجة!
فضل باصصلها بصمت ومردش فزفرت هي واتحركت بعصبية زادت لما لقته ماشي وراها برضه تحت أنظار أمه اللي ظهرت في الوقت ده ووقفت تتابعهم بنظراتها بعدم رضا.
وصلت لغرفتها اللي حفظت طريقها كويس، دخلت لجوا ورمقته بنظرة أخيرة قبل ما تقفل الباب في وشه بعنف. فضل واقف مكانه شوية وهو باصص للباب بصمت ولكن عيونه كانت بتتكلم عن احساس الغيظ اللي جواه. ضم قبضة إيده بقوة وبعدين اتلفت ونزل. شاف والدته واقفة في بهو البيت وهي بتبصله بنظرات جامدة. زفر بضيق وهو عارف إن فيه كلمتين هيحرقوا دمه ورا النظرة دي. وقف قدامه فاتكلمت هي بعصبية:
_إيش آخرة هذا اللي بيصير يا عامر؟
مشيت وراك وكتبنا على المشئومة هذي وخليناها حاملة اسمك واسم الزيات، وعملت عزومة كبيرة وقولت عشان أهل البلد ميتكلموش في حقك نص كلمة، اللي فاضل إننا نترك مشاغلنا ونجري وراها وين ما تروح مش كذه؟!
مسح على وشه بنفاذ صبر وقال من بين أسنانه:
_بعدين يام.
قالها وسابها واتحرك عشان يخرج، ولكنه وقف مكانه لما قالت:
_إن معرفتش تخلصنا من النصيبة هذي أنا هعرف يا عامر، هسوي اللي قلبك مش مطاوعك تسويه!
ضغط على جفونه وهو ضامم قبضة إيده بقوة وبعدين خرج لبرا فلقى فارس وحمد مستنيينه. اتكلم وهو بيصعد العربية:
_حد من المعازيم حس بشي.
رد فارس:
_ما تقلق ياخوي، عايد وولاد عمك قايمين بالواجب.
هز راسه وصعد عربيته وشاور لحمد اللي ابتسم باتساع هو وفارس لما عرفوا وجهتهم لفين.
فضلت واقفة ورا الباب وهي بتهز رجليها بعنف، وبمجرد ما اتعادت المشاهد اللي حصلت مع أهلها حست إنها على وشك الإنهيار. اتحركت وراحت قعدت على السرير وهي بتتنفس بعنف. رفعت عيونها لفوق بتحاول تقاوم دموعها. سرعان ما مسحتهم بسرعة لما سمعت صوت خبط على الباب، وبصوت متحشرج عصبي زعقت:
_ميـن؟!
اتفتح الباب وطلت منه هدية وعلى إيديها صينية فيها أكل. قربت وحطتها علي التسريحة اللي كانت مازالت ورا الباب واتكلمت بقلق من رد فعلها:
_عامر بيه قالي اطلعلك هذولا عشان متهبطيش.
فضلت بصالها بصمت من غير ما تتكلم، فابتسمت هدية بتوتر وبعدين خرجت وقفلت الباب وراها.
مستغربة أصراره؟ جدًا.
ولكن بتستنج ده إنه مجرد عِند بس، ولكن آن الأوان إنها تتنازل المرادي، مش هتقدر تقعد يوم كمان من غير غذاء، لازم تبقى بكامل قوتها وقت المواجهة.
****
صوت فرامل عنيف قصاد بيت صالح الرشيدي نبه رجالته اللي أشهروا سلاحهم في وش العربية. نزل عامر وفارس وحمد سرعان ما تبادل الحراس النظرات المتعجبة. قرب عامر من واحد منهم وقال بنبرة اجرامية:
_قول لصالح إني برام.
راعي فرق السن ولا رعى إنه كان حماه ولازال جد ابنه، اللي بينهم عداوة أكبر من كده بكتير!
وبالفعل اتكلم الحارس في سماعته، وبعدها اتفتح الباب ودخل عامر ورجالته ولكن قاطعهم رجالة صالح اللي قالوا بأمر:
_من غير أسلحة.
ابتسم عامر بسخرية وطلع سلاحه هو وفارس وحمد وسلموهم لرجالة صالح، وبعدين دخل لجوا، فشاف صالح واقف وفاتح إيديه بترحاب مزيف وهو بيقول:
_العريس بنفسه عندي، يا أهلًا وسهلًا!
اتحرك عامر براس مرفوع وبهيبة معتادة منه وقال:
_فاكر إني لو عوزت اقتلك السلاح هو اللي هيمنعني؟
شكلك لسة متعرفنيش زين يا صالح!
ولكنه بسماجة واستفزاز رد:
_يا راجل، اوعى تقول إنك زعلت من الرجالة عشان خذوا سلاحك، هذي كلها شكليات بيحبوا يسووها مع أي ضيف.
متخدش الموضوع على أعصابك.
ولكن عامر مردش ووقف قدامه وهو بيقول:
_ابنك وينه يا صالح؟
عقد حواجبه وسأل:
_إيش فيه؟!
رفع عامر إيده بتهديد وهو بيقول من بين أسنانه:
_ابنك اتعدى على شرفي النهاردة وضايق مرتي، قسمًا بدين الله لو اتكررت تاني هبعتهولك بكفنه جاهز!
رفع صالح راسه وبكبر قال:
_كإنك بتهددني يا عامر؟!
قرب بوشه منه وبابتسامة مرعبة رد:
_آه.
بهددك.
وأعلى ما في خيلك أنتَ وأكبر واحد في عيلتك اركبه!
خليه يبعد عن مرتي أحسنله ويتركه من الاسطوانة الحمضانة بتاعة إني قتلت اخته هذي.
ولا هتحلموا الحلم وتصدقوه؟!
ولكن صالح متهزش بل قال وهو باصص لعيونه مباشرة:
_مش هذا اللي صار برضك يا عامر؟
بعد عنه ومسح على وشه وهو بيحاول يتمالك أعصابه، ورجع قال بعصبية:
_قولتلك قتلوها وهي جنبي.
يقتلوها وهي نايمة على دراعي ولا أنتَ عاوز تكسب عداوتي وخلاص!
ابتسم صالح بخفة وقال:
_مسكت اللي قتلوها يا عامر؟
عرفت مين؟
جيبت حقها؟
بقالك تلات سنين محلك سر ومعرفتش مين اللي سوى كذه.
تبقى أنتَ اللي قاتلها يا عامر، يا عشانك راجل خايب ومش عارف تحافظ على أهل بيتك تبقى أكبر خايب.
ده أنتَ تركت الحرمة تعلم عليك وتطعنك، وفوق هذا روحت اتجوزتها!
كانت ملامحه بتزداد شراسة وكإنه بيدوس على جرح بيحاول ينساه، جز على أسنانه واحمرت عينيه من الغضب وضم قبضة إيده وهو بيبصله بنظرات اجرامية. فاتدخل فارس في الوقت ده وقال بتحذير:
_لم لسانك ومتسوقش فيها يا صالح، متفتكرش إنك متحامى في رجالتك ومش هنعرف نسويلك شي عشانا في دارك!
ولكن التاني كان عاجبه الحالة اللي وصل عامر ليها وخلته منتشي، فكمل:
_الحقيقة بتزعل ولا إيش؟
فكرك إني هسيب جواد معاك يتربى وسط دارك؟!
إذا كان معرفتش تحمي مرتك وهي في حضنك هتعرف تحمي ابنك؟!
_صـالـح.
زعق بيها عامر بشراسة وهو بيتقدم ناحيته ناوي يفتك بيه، ولكن حال بينهم فارس وهتف عشان يرجعوا لصوابه:
_اخوي.
امتوصلوش للي عاوزه ياخوي امسك حالك!
أي حد كان في مكان صالح كان اترعب، ولكن ده كان منتشي بشكل كبير من إنه قدر يخلي اعصابه تفلت. كان عامر بيرميه بنظرات نارية في حين فارس كان ماسكه وضمه عشان ميحصلش اللي صالح مستنيه من زمن. ولكن عامر أشهر إيده في وشه وقال بتهديد:
_خلي ابنك يبعد عن مراتي احسنله.
هذي آخر مرة هقولهالك يا صالح!
نهى كلامه ودفع فارس بعيد عنه واتلفت عشان يمشي ولكن وقف مكانه لما شاف عزيز داخل البيت وهو بيصفر باستمتاع. سرعان ما رفع حاجبه وهتفت بصدمة ساخرة:
_يا خبر!
ده احنا زارنا النبي!
نقل عامر نظراته بين وبين صالح، وبعدين اتحرك عشان يمشي، ولكن بمجرد ما عدى من جنب عزيز باغته بكلمة قوية من قبضته خلته فقد توازنه وارتطم بالأرض بعنف. جري فارس عليه وهو بيبعده وبيقول:
_يلا ياخوي كفاية.
يلا.
وبالفعل بقى يستجيب لأخوه وهو بيدفعه عشان يخرج ولكن مازالت نظراته مسلطة على اللي كان بيمسح الدماء اللي نازلة من زاوية شفتيه وهو بيبصله بوعيد.
النيران اللي بين عيلة الزيات والرشايدة مش هتهدي.
بل بتزيد اشتعالًا كل مدى.
وكل مدى بتقرب المواجهة أكتر.
ولكن هل خصم زي عامر يُستهان بيه؟….