تحميل رواية وجوه في العتمة بقلم منة ممدوح pdf
بقلم منة ممدوح
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
رنين هاتف متواصل قطع تركيزها في كتابتها لإحدى المقالات المهمة بالنسبالها واللي كانت هتنشرها في الجريدة اللي شغالة فيها. عقدت حاجبها بإنزعاج وخلعت نضارة القراية في حين مسكت تليفونها وبصت بتعجب للرقم الغريب. فتحت الخط وجواها فضول كبير، فجه صوت غير مألوف بيقول: _ مدام يقين عبدالرحمن؟ ازداد تعجبها وقالت: _ أيوه نعم؟ _ البقاء لله. الرائد يوسف منصور استشهد… رجعت لشقتها بعد يوم طويل قضته في الجريدة، بتتصنع كتابة المقالات ولكن في الحقيقة كان جواها هدف تاني خالص. هدف بتسعاله بقالها خمس شهور تقريبًا. فتحت...
رواية وجوه في العتمة الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم منة ممدوح
صحيت من النوم وهي بتبص حواليها في الغرفة ولكن لقت نفسها لوحدها. كان جواها تساؤل وفضول شديد عن سبب خروجه في الوقت ده، أو يمكن إنه سابها لوحدها.
حاولت تعدل من وضعية جسمها، فاتأوهت بألم بعد ما عجزت وحست بإن الجرح بيشد عليها.
كان في الوقت ده واقف شارد في بلكونة غرفتهم، بينفث دخان سيجارته بهدوء وبيراقب رجّالته من قدامه وولاد عمّه وأفراد العيلة اللي خارجين على شغلهم. ولكن نظراته الشاردة كانت محملة بشك، وصل لدرجة إحساسه بإنه محاصر من كل ناحية.
فاق من شروده على صوت أنات صادرة من جوا، فرمى السيجارة قبل ما يخلصها ودخل على طول بلهفة.
انصدمت من وجوده لما لقت إنه هنا بالفعل ومسابهاش، ولكنها لاحظت إنه حالته مزرية. ملامحه باين عليها الإرهاق والتعب وكأنه كبر تلاتين سنة على عمره. اتجه ناحيتها بهدوء وهو بيقول بحذر:
"صباح الخير. محتاجة مساعدة؟"
هزت راسها بصمت وهي بتقاوم فضولها من ناحيته وبتتحاشى بنظرها عنه. فقرب منها وابتدى يعدل من وضعية جسمها لحد ما ساعدها تقعد نص قعدة. فبتردد سألت:
"أنتَ صاحي من بدري؟ بحسبك خرجت."
فضل باصصلها شوية. لوهلة حست بغصة في صدرها من عيونه اللي كانت مليانة هم مش فاهمة سببه. كان عايز يقولها إنه منامش خالص أساسًا، وإزاي يجيله نوم وهو مش قادر يعرف مين اللي بيهدده بالشكل ده بحياته وحياتها.
وبعد ما طال الصمت ومردش، اتنحنحت وهي بتبعد بنظرها عنه. وفي الوقت ده سمعوا صوت خبطت على الباب. قام عامر ببطء واتحرك لهناك وكأنه كان عارف مين اللي جاي. فتح الباب وخد صينية الأكل من هدية بعد ما شكرها. اتجه ناحيتها وهي بتراقبه بتعجب. حط الصينية على رجليها وهو بيقول:
"قولت لهدية تعملك حاجة خفيفة عشان تاخذي العلاج."
رغم الدهشة اللي ملت عينيها من اهتمامه، إلا إنها هزت راسها برفض وهي بتقول:
"مش عايزة آكل."
بصلها بنظرات حادة وبرفعة حاجب، فزفرت بضيق بعد ما عرفت إنه هيصر عليها وابتدت تاكل فعلًا وهو قاعد قصادها بيتابعها في صمت. لحد ما قال بمكر:
"تحبي أأكلك أنا لو مش عارفة تاكلي؟"
رفعت عيونها ليه بتزجره بنظراتها وهتفت:
"عايز تتخانق صح؟ ما أنا عارفاك! يجرالك حاجة لو منكشتنيش وحرقت دمي وخرجتني عن شعوري!"
ضحك بشدة لما شاف الخجل اللي ظاهر على وشها المحمر وانفعالها الواضح. فقام وقف واتجه لدولابه وهو بيقول بمرح:
"كده اتطمنت عليك. طالما لسانك لسة بخير!"
بصتله بغيظ شديد من مقصد كلامه. فخد هدومه واتجه للحمام وقبل ما يخرج شاورلها بتحية مستفزة وبعدها قفل الباب. أما هي فرغم عنها بمجرد ما اختفى عن عيونها هزت راسها بقلة حيلة وهي مبتسمة، وبعدها كملت أكلها.
خرج بعد وقت قليل وهو مغير ملابسه لجلباب داكن تقليدي. لقت نفسها بتتأمله لوحدها. مظهره في الجلباب بجسده العريض كان مديله هالة غريبة بالنسبالها. رغم إنها شافته بيه كتير ولكن حاسة إن الفترة دي فيها حاجة غريبة. مستغربة إنها مركزة معاه للدرجة دي ومستنكرة ده ورافضاه.
نثر عطره النفاذ ولبس ساعته الفضية الغالية. وبعدين اتجه ناحيتها وهو بيرمقها بتفحص. ولما لقاها خلصت قرب منها وشال الصينية وحطها على التسريحة لحد ما هدية تيجي تاخدها.
ورجع تاني وقف قدامها وقال:
"عهود هتيجي تقعد معاكي لحد ما أرجع، عشان مسيبكيش لحالك. وكمان الممرضة من فترة للتانية هتطمن عليكي وتديكي العلاج وتغيرلك على الجرح. وأنا هتابع معاهم عشان لو صار شي."
سكتت من غير ما ترد. وبعدين سألت:
"وصلت للي عمل كده؟"
حس إن السؤال بيجرحه. يمكن عشان بيحسسه بالعجز قدامها، أو بيوريه قد إيه هو ضعيف لدرجة إنه مش عارف مين دخل بيته وحاولت يقتل مراته. نكس راسه للأرض وظهر عليه الضيق، ورد:
"متقلقيش، مسألة وقت وكل حاجة هتظهر."
"عـامر."
رفع عيونه ليها بعد ما سمع ندائها الرقيق. كانت بترميه هي بنظرات مترددة، خايفة لياخد رد فعل عنيف ضدها. فضمت شفايفها وهي بتقول بتوتر:
"هو مش ممكن اللي عمل كده تبقى... أقصد حد من البيت؟"
فهم مقصدها على طول ووصله. ففضل باصصلها بصمت. أما هي فزفرت بضيق وقالت:
"أعذرني، ماهو مامتك هددتني بالقتل بدل المرة عشرة، ورفعت السلاح في وشي قبل كده!"
بص لعيونها مباشرة وقال:
"وأنا هددتك بدل المرة ألف، ورفعت السلاح عليكي كتير. عملت فيكي حاجة يا يقين؟ بالعكس أنا اللي بقيت بدور على اللي سواها دلوقت عشان آخد حقك! لا سلاحي صابك ولا بطشي لحقك."
وبقسوة ردت برفعة حاجب:
"تفتكر؟"
بصلها بتساؤل فكملت بتوضيح:
"تفتكر مش هييجي اليوم اللي هيصيبني فيه يا عامر؟ تفتكر ده مش مجرد كلام؟"
حس بغصة في صدره من شكها فيه وتخوينه. فإداها ضهره وهو ضامم قبضته وقال:
"اتطمني، مش أمي اللي سوتها."
سكتت هي وشافته بيدور على حاجة في أدراج التسريحة ولكن كان بيدور بعصبية شديدة لاحظتها. أما هي فمردتش عليه بل وفضلت صامتة بفم مطبق وهي حاسة بتأنيب الضمير بس شايفة إنها معذورة. اللي شافته في البيت ده يخليها تشك حتى في نفسها! وظروف علاقتهم بتخليها يخرج منها كلام مش قاصداه! هتفضل مسألة الثقة بينها وبين عامر مشكلة مش عارفة ممكن تتحل امتى أو إزاي، أو يمكن هي اللي معتقدة إن فيه مشكلة ثقة بينهم!
تابعته بعيونها وهو بيلبس جزمته. عندها فضول رهيب تسأله رايح فين. لوهلة حست إنها مش عايزاه يسيبها ويمشي. يمكن عشان عارفة حاليًا إنه مش هيأذيها وإنه الوحيد اللي ممكن يحميها دلوقتي. يمكن عشان هو الشخص الوحيد اللي هنا اللي بيدافع عنها دايمًا!
زفرت بضيق وهي بتلف وشها للناحية التانية. ولكن وقعت عينيها على دبلتها اللي محطوطة جنبها على الكومودينو. رفعت إيديها ولقتها مش موجودة فعلًا، حتى ملاحظتش ده!
مدت إيديها ومسكت الدبلة وهي بتقلبها بين صوابعها، وبتنقل نظرها بينها وبين عامر وكأنها بتقارن بينهم. للحظة جه في بالها كل اللي عمله يوسف معاها. كذبه وخداعه ليها، لحظات إجهاضها لجنينها، اللحظات اللي عاشتها بعد موته والانتقام اللي كان بياكلها من جواها ومأرق حياتها. سعت بكل حاجة عشان تجيب حقه وهو الجاني أساسًا.
لوهلة سألت نفسها هي بتعاقب عامر ليه؟ كل اللي حصل ده مش بسببه! بل بسبب يوسف، وبسببها إنها صدقته. هي اللي أقحمت حياتها في حياة عامر بإرادتها. هي اللي مشيت ورا عواطفها إنها لازم تجيب حق جوزها المغدور. لو مكانش يوسف ملى دماغها بحاجات مش موجودة مكانتش شافت عامر، مكانتش حياتها اتشقلبت، مكانتش اتخطفت واتجوزت بالإجبار وخسرت أهلها وشغلها. كل اللي حصل ده يوسف سببه!
لقت نفسها بترمي الدبلة في سلة الزبالة اللي جنب السرير بدون تردد وكأنه شيء حقير عكس ما كانت متمسكة بيه!
ملاحظتش عامر اللي كان بيتابع كل انفعالاتها الظاهرة من انعكاسها في المراية. ولما لقاها بترميها اتلفت وعلى وشه علامات التعجب والدهشة. رفعت عيونها ليه اللي كانت بتلمع بدموع مكتومة، فقال بتعجب:
"هذا خاتمك!"
هزت راسها وردت:
"عارفة."
سكت ونقل نظره بين سلة الزبالة وبين وشها. فابتسمت هي بألم وقالت:
"المكان اللي يليق بيه. هو وكل الذكريات الكدابة اللي عيشتها. آن الأوان أتخلى عن الكدبة اللي كنت متمسكة بيها."
فضل باصصلها شوية بصمت. ولكن كان جواه حاسس بسعادة غريبة. كان لحد لحظات حاسس بغيرة بتغلي جواه بسبب تمسكها بيوسف. حتى لو بالنسباله بينكر المشاعر دي ولكن هو راجل شرقي برضه. كون إنها كانت بتلبس دبلة راجل غيره وهي على ذمته كان بيكويه!
وبعد نظرات طويلة طالت بينهم، كل واحد فيهم عيونه كانت بتتكلم عوضًا عنه. قطع لحظتهم دقات على الباب، فاتعدل عامر وفصل نظراتهم وهو بيتنحنح وقال:
"ادخل."
اتفتح الباب وطل منه جواد وهو بيجري على أبوه اللي رفعه وهو بيطبع قبلة على خده. وراه عهود اللي قالت بابتسامة:
"مقدرتش أمنع القرد الصغير ده. ما هواروش غير جملة عاوز أشوف ماما يقين!"
ابتسمت يقين بدورها وهي بتنقل نظرها عليهم. فوجهت عهود كلامها ليها:
"كيفك اليوم يا مرت أخوي؟"
ردت بود:
"كويسة الحمدلله."
هزت عهود راسها وربتت على كتف عامر، اللي جذب راسها بإيده التانية وطبع قبلة على شعرها بود وحنان في مظهر كانت يقين أول مرة تشوفه قدامها. عامر حنين فعلًا! أب حنين وأخ حنين! رغم القسوة اللي بيبان فيها إلا إنه حاجة تانية بالنسبة لأهل بيته!
فنزل جواد وجري على يقين ولكن منعه عامر اللي مسكه وهو بيقول:
"براحة يا بطل. ماما يقين تعبانة شوية."
عبس الطفل وبقلق قال:
"أنتِ تعبانة يا ماما يقين؟ امبارح ماما نوارة ما كانت راضية تخليني آجي أشوفك وأنا زعلت."
بصتله يقين بحنان وشاورت لعامر براسها يسيبه وبعدين رفعت إيديها ليه، فجري عليها جواد وضمها. لوهلة اتأوهت بألم فاتحرك عامر خطوة بقلق ولكنها طمنته بنظراتها فوقف مكانه تاني وهو بيتابعهم. أما يقين فطبعت قبلة على خد جواد من الناحيتين وهي بتقول:
"أنا بخير يا عيونى. كنت تعبانة وبقيت كويسة، وبعد كده أي وقت عايز تيجي فيه تيجي على طول متستناش حد يقولك آه أو لأ."
ضحك عامر ووجه كلامه لعهود وهو بيقول:
"مرت أخوكي عاوزة تشعلل البيت."
ضحكت عهود فبصتله يقين برفعة حاجب وتهديد فرفع إيديه باستسلام. أما جواد فضمها وبعدين بعد عنها ومسك كفها وهو بيقول:
"طب يلا قومي يا ماما يقين عشان تلعبي كورة معايا!"
اتدخل عامر في الوقت ده وبعد جواد عنها وقال:
"لا يا بطل. ماما يقين مش هتعرف تلعب اليوم، لازم ترتاح شوية."
ضرب جواد الأرض برجله وهو بيقول بعبوس طفولي:
"بس أنا عاوز ألعب كورة اليوم."
ملس على شعره وقال:
"خلاص. إيش رأيك تروح لـ ليلى وتخليها تلعب معاك هي؟"
عند ذكر اسمها تأهبت حواس يقين من غير إرادتها ولقت نفسها بتهتف:
"لأ.."
بصلها عامر وعهود بتعجب. ارتبكت هي ومبقتش عارفة هي نفسها رفضت ليه أو حست بالارتباك والتهديد أول ما سمعت اسمها. فبتوتر بعد ما لقت النظرات اتوجهت ليها بتساؤل حاولت تصحح الوضع وقال:
"مش لازم تلعب بالكورة، ممكن تجيب الآيباد بتاعك نلعب عليه هنا أو نلعب بالقطر بتاعك. إيه رأيك؟"
ابتسمت عهود بخبث وهي بتنقل نظرها بين يقين وعامر بعد ما استشعرت بـ حثها الأنثوي إن فيه حاجة. أما عامر فمكنش فاهم رد فعلها، ولكنه استسحسن الفكرة ووجه كلامه لابنه وهو بيسأل:
"ها؟ وش رأيك؟!"
اتصنع جواد التفكير وبعدين قال بحماس:
"ماشي، هروح أجيب التابلت وألعابي وأجي طوالي!"
خلص كلامه وجري على طول فضحكوا هما على رد فعله. أما عامر فقال لعهود:
"لو صار شي أبقي اتصلي."
هزت راسها وردت:
"ما تقلق يا خوي. يقين بأمانة."
ربت عامر على كتفها وبعدين رمى نظرة سريعة على يقين اللي كانت بتتحاشى النظر ليه بإحراج. وفي النهاية خرج من الغرفة.
نزل لتحت مقرر إنه يتحاشى التعامل مع أي حد في البيت، ولكن وقف بضيق لما سمع نداء أمه ليه. وقف وهو مديها ضهره وضامم قبضته. فوقفت هي قدامه بقصد وقالت بسخرية:
"ست الحسن والجمال كيفها؟"
رفع حاجبه وهو بيبصلها بضيق ومردش. أما هي فعلقّت على كلامها:
"بسأل وكأني مش عارفة إنها كيف القط بسبع ترواح. ذي ما بيأثر فيها شي!"
زفر بضيق:
"عاوزة شي ياما؟!"
رفعت راسها بكبرياء واتبدلت نظراتها الساخرة لتانية قوية و:
"أنا مالي ناسية كلامك ولا اتهامك امبارح يابن بطني، كيف مالي ناسية إنك شكيت فيا إني أأذيك بسبب هذي المصراوية الملعونة!"
ضغط على جفونه ومسح على وشه بضيق وقال:
"حقك علي ياما، ويقين مالها ذنب في اللي قولته."
ابتسمت بزاوية فمها بسخرية وقالت:
"ما أكيد هي اللي حرضتك علي وقالتلك أمك وأمك دي كيف الشيطان بس أنتَ اللي مالك واعيلها عشانها عاجباك!"
جز على أسنانه وقال وهو بيحاول يتمالك أعصابه:
"عن إذنك ياما ورايا شغل."
نهى كلامه وسابها وخرج تحت أنظارها اللي مليانة ضيق. اتلفتت ورفعت عيونها للسلم اللي بيوصل للدور التاني وهي حاسة بالغضب الرهيب من اللي ماكثة فوق. وبعدين سابتهم وراحت للمطبخ.
اتجه لسعد اللي كان واقف مستنيه ومال عليه وهو بيقول:
"عرفت توصل لشي عن الأرقام اللي بعتها ليك؟"
هز عامر راسه بالرفض ورد:
"لا للأسف. كل الأرقام ما باين لهم ملامح. مش متسجلين ومش معروف صاحبهم. وحتى لما حاولت أكلمهم كانوا مقفولين."
زفر عامر بضيق. فجه حمد في الوقت ده وقال:
"أنا خليت الرجالة يراقبوا كل اللي في الدار كيف ما قولتلي يا عامر بيه، وأكدت عليهم ما يخلوا حد يدري بيهم. وأذا صار شي هيقولوا."
اهتز عامر راسه، وقال:
"خلوا عيونكم مفتحة كويس، لازم نعرف وش اللي بيصير حوالينا. اللعبة على كبير والمشكلة إننا مش عارفين نوصل لأول خيط حتى!"
فقال سعد:
"ما تقلق يا عامر بيه، أكيد هيجيلهم يوم ويظهروا."
تنهد ووجه كلامه لحمد:
"قول للجماعة يستنوني في المكتب على العشية عشان نتكلم على الشحنة الجديدة. مش عاوزين شغلنا يقف."
هز حمد راسه وهو بيربت على صدره. أما عامر فسابهم وقرر يتوجه للمزرعة عشان يتابع شغل العمال نظرًا لإنه بقاله مدة مش بيتابعهم بنفسه وسايبهم على إخواته وولاد عمّه.
****
كانت قاعدة عهود على السرير قدام يقين وهما بيتفرجوا على جواد اللي بيلعب على الأرض بألعابه.
نقلت عهود عينيها بين جواد وبين يقين وبعدين سألت:
"لسة ما عرفتوا مين اللي سواها مش كذه؟"
هزت يقين راسها بالرفض وهي بتضم شفايفها بضيق. في حين قربت منها عهود وربتت على إيديها وقالت:
"ما تقلقي، أنا متأكدة إن عامر هيجيبه وهيوريه الويل وهيعرفه كيف يتعدى على حد يخصه زين!"
هزت يقين راسها وهي بتبتسم بود. ولكن عهود مكانتش على حالتها الطبيعية، بل كانت بتنقل نظراتها بفضول ناحية يقين وكأنها عايزة توصل لحاجة معينة. لحد ما اتكلمت وقالت:
"أنتِ قابلتي ليلى قبل كذه؟"
توجهت نظرات يقين ليها وظهر عليها انفعال غريب ولكنها كتمته:
"آه قابلتها كذا مرة."
فقالت بفضول:
"صار شي بينكم؟!"
هزت يقين كتفها وببساطة حاولت تمثلها قالت:
"عادي، زيها زي الباقي، كده كده محدش طايقني هنا."
ابتسمت عهود وقالت:
"لا بس ليلى غير. عاذراها برضك ما هي شايفة إني خطفتي عامر منها. فـ... شايفاكي خطفتيه منها. أصلها بتعشق عامر، من يوم ما وعيت على الدنيا وهي بتحبه، حتى بعد ما اتجوز سلمى عشان يبقى فيه نسب بينا وبين الرشايدة فضلت حابسة حالها في غرفتها شهر وما رضيت تحضر الفرح."
سكتت يقين وهي حاسة بإحساس غريب بيتملك منها في الوقت ده، إحساس هي نفسها مش قادرة تلاقيله تفسير. بلعت ريقها وبارتباك قالت:
"وعامر.. بيحبها؟"
بصتلها عهود بطرف عينها، وقالت:
"لا مقدرش أقولك أنا مش فتانة. تقدري تاخدي الرد من عامر بنفسك."
وبعد ردها ده محاولتش يقين تتكلم تاني عشان متتكشفش أكتر من كده. ولكن كان جواها شعور غريب مش لاقية تفسيره. حاسة بنار موقدة جواها. معقولة يكون بيحبها؟ وعند الفكرة دي حست بإن فيه نار بتشتعل في صدرها، غصة توسطت حلقها. إحساس بالتملك وكأن عامر يخصها ومينفعش حد يقرب منه طالما هي موجودة. ولا يمكن... غيرة!
كانت عهود قارئة انفعالاتها دي وهي باصة لشرودها بطرف عينها، وابتسمت من غير ما تاخد بالها. الظاهر إنها كده أشعلت الفتيل بينهم. الفتيل اللي هينهي الجمود بين عامر ويقين.
وبالليل في آخر اليوم سمعت صوت عالي جاي من قدام باب أوضتها. كانت باصة للباب بفضول، لحد ما اتفتح الباب وطل منه عامر وهو بيجر كنبة وبيدخلها في الأوضة لحد ما حطها في زاوية ما. وقف وعدل من ضهره بعد المجهود اللي عمله خصوصًا إنه نقلها بنفسه لإنه مكنش هينفع يطلب من حد من رجّالته في وجود يقين في الغرفة.
وجه نظره ليها وقال:
"عهود ماشية بقالها كتير؟"
هزت راسها بالرفض وردت:
"لسة من ساعة. جوزها كان عايزها."
هز راسه واتحرك في الغرفة وهو بيقلع ساعته وجزمته. أما يقين فكانت بصاله بتركيز وكلام عهود بيتردد في أذنها. لوهلة حس بنظراتها، فبصلها بتعجب وهو بيقول:
"فيه حاجة؟"
عقدت حاجبها وقالت:
"بتسأل ليه؟"
فرد:
"حاسك غريبة، أو نظرتك غريبة، كأنك عاوزة تقولي شي بس مترددة!"
هزت راسها بالرفض وقالت:
"لأ خالص أنا عادي، متهيألك بس."
فضل باصصلها شوية وهو متأكد من جواه إن فيه حاجة مش طبيعية ورا نظراتها وهدوئها. ولكن في النهاية هز كتفه وقال:
"يمكن."
اتجه لدولابه وطلع هدومه. أما هي ففضلت متابعاه وهي حاسة بفضول رهيب. لحد ما في النهاية قالت:
"هي ليلى قريبة منكم اوي؟"
اتلفت وهو عاقد حواجبه بتعجب من سؤالها وقال:
"يعني؟"
عبثت بخصلات شعرها بأرتباك وهي بتتحاشى النظر ليه وقالت:
"أقصد عشان يعني قولت لجواد يروح يلعب معاها الصبح، فعشان كده بسأل."
حس عامر إن فيه مقصد تاني من كلامها. ونسي خالص وقت ما سألته قبل كده اذا كان بيحبها ولا لأ بسبب الرسالة اللي جاتله في نفس الوقت. فساب اللي في إيده واتقدم ناحيتها بخطوات بطيئة لحد ما وقف قصادها يتطلع لملامحها بتفحص. لحد ما قال:
"قولي اللي عاوزة تقوليه طوالي من غير لف ودوران."
مطت شفايفها وهزت كتفها وبانفعال مصطنع قالت عشان تداري عن اللي في بالها:
"أنا بسأل عادي مفيش حاجة. عامةً تصبح على خير."
قالتها وهي بتتعدل بحذر ونامت على ضهرها واتصنعت إنها بتغمض عينيها وبتنام فعلًا. فضل واقف مكانه باصصلها بصمت لحد ما اتنهد وسابها وخد هدومه ودخل لحمامه. أما هي فبمجرد ما قفل الباب فتحت عيونها وبصت لأثره بشرود شديد. وجواها سؤال واحد مش لاقية اجابته: هي مهتمة ليه؟!
****
مر يومين كانت صحة يقين بتتحسن إلى حد ما وابتدت تقدر تتحرك براحة من حين لآخر. أما عامر فكان في حالة مش طبيعية طول اليومين دول نظرًا لعجزه إنه يوصل لحاجة لحد دلوقتي، حتى رجّالته مش قادرين يعرفوا مين اللي ورا اللي بيحصل.
وبعد ما خرج قررت يقين تنزل تتمشى شوية في المزرعة بصحبة عهود اللي قررت تروحلها تطلب منها، ولكن هتخلي معاهم رجالة عامر احتياطي عشان ميتكررش اللي حصل ده تاني.
وبمجرد ما اتجهت للسلالم سمعت جدال عنيف بين عامر وفاطمة اللي كان بيقول بعصبية:
"أنا مش عيل صغير معرفش أميز كلام اللي قدامي! قولتلك مش عزيز ولا حد من الرشايدة اللي سوى كذه! فيه حد تالت بيلعب بينا، عاوز يشعل نار ما تطفيش. عرف إن الصلح تم بينا بالنسب، راحوا قاتلين سلمى عشان عارفين إن الحرب هتقوم تاني. وطول المدة دي بيسووا فصولات فينا عشان عارفين إن أول شي هيصير إني هلوم الرشايدة، وهذا اللي كان بيصير فعلًا! وما كنت بصدق لما عزيز يقولي إنه ماله هو، رغم إنه كان بيعترف لما يسوي شي بنفسه وبيفتخر بهذا. ولما عرفوا إن يقين صحفية والدنيا قامت لما اختفت حاولوا يقتلوها عشان يقوموا الدنيا عليا ويقولوا أنا اللي قتلتها!"
وقفت يقين على أول السلم بتسمع اللي بيتقال بينهم بوجه جامد خالي من المشاعر. أما فاطمة فكان ظاهر عليها العصبية وبانفعال هتفت:
"وأنتَ رايح تصدق الرشايدة أوام يا عامر، مش بعيد يكونوا هما اللي قتلوا سلمى بنفسهم عشان مش عاجبهم اللي صار. الرشايدة الغدر والكذب بيجري في دمهم، كيف صدقت الملعون اللي اسمه عزيز وابوه صالح!"
مسح عامر على وشه بعصبية وقال:
"ياما بالله عليكي فيه حد هيقتل ضناه؟!"
رفعت راسها وردت:
"هذولا مش أي حد. هذولا الرشايدة، يبيعوا لحمهم عشان مصلحتهم."
زفر عامر بنفاذ صبر وقال:
"اسمعي ياما، خلاصة الكلام الرشايدة مش ورا اللي صار، وخليكي أنتِ برا الموضوع وما تتدخلي في شغلي الله يرضى عنك. سيبيني أحل أموري بمعرفتي!"
رفع عيونه في الوقت ده لما لمح يقين اللي كانت واقفة تتابع اللي بيحصل. فاتلفتت فاطمة هي كمان لما شافتها. اتحركت يقين في الوقت ده ونزلت وهي بتتسند على حواف السلم لحد ما وصلت عندهم. وجهت كلامها لعامر وهي بتتحاشى النظر لفاطمة وقالت:
"أنا كنت هروح لعهود عشان زهقت من القاعدة في الأوضة."
فضلت فاطمة ترمقها من فوق لتحت بنظرات مليانة استحقار وكره شديد أربك يقين. لحد ما اتكلمت:
"هذي بقت كيف الحصان أهي!"
بصتلها يقين برفعة حاجب فكملت فاطمة بنبرة ذات مغزى:
"ومتيهألي بكفاية كذه يا عامر، خلينا ننهى هذا الموضوع كفاية اللي صار من تحت راسها لحد دلوقت، ليصير اللي قولتلك عليه، يا تسكتها بمعرفتك وتغورها من هنا وما نشوف وشها تاني. أنا وأنتَ عارفين زين إن هذي عمرها ما هتصير مرتك ولا أم عيالك!"
بصت لها يقين بدهشة من كلامها، ونقلت نظراتها بينها وبين عامر بقلق. لوهلة حست بشيء غريب من فكرة الانفصال. معقولة ممكن يتخلى عنها بسهولة فعلًا؟ هل هي رافضة علاقتهم ولا رافضة الطريقة اللي اجتمعوا بيها؟ هل هي جاهزة لإنها ترجع تواجه الناس تاني بعد كل اللي حصل، أهلها، أهل يوسف، زمايلها في الشغل!
غمضت عيونها بإرهاق. هي فعلًا عايزة تنفصل، هي اللي صممت وهي اللي طلبت منه بدل المرة ألف تنهي المهزلة اللي حصلت دي. ليه خايفة دلوقتي؟ ليه كلام فاطمة جرحها؟ وليه مستنية رده بفارغ الصبر!
فتحت عيونها لما حست بكفه بيحتوي كفها. رفعت عيونها ليه. أما هو فوجه كلامه لأمه وبقوة قال:
"يقين مرتي ياما. وهتفضل مرتي حتى لو هي نفسها طلبت الطلاق أنا مش هوافق. طول ما فيا الروح هتفضل على ذمتي وملزومة مني وهتفضل تحت حمايتي. يعني أي حد يتعرضلها هيبقى كأنه بيتعرضلي أنا!"
لوهلة ارتجفت إيديها بين إيديه. نبرة صوته الرجولية خلت رجفة لذيذة تتسلل لجسدها. قلبها اللي بينتفض بشكل غريب. إحساس بالأمان بيساورها وهي جنبه. دي مش المرة الأولى اللي يدافع عنها باستماتة بالشكل ده ويرد كرامتها. مش المرة الأولى اللي يحميها من أمه!
عيونها اللي بتلمع بمشاعر غريبة خلته يوجه نظره ليها رغم عنه واتبادلوا النظرات في لحظة فصلتهم عن واقعهم وعن طريقة دخول كل واحد فيهم لحياة التاني وطريقة جوازهم حتى!
خدت فاطمة بالها من نظرتهم لبعض ودي حاجة معجبتهاش خالص. هي مدركة إن ابنها ميال ليقين وهي رافضة ده. شايفة إنها هتكون وسيلة ضعف ليه، شايفة إنها هتاخد ابنها منها!
فرفعت راسها وقالت:
"كلنا عارفين إن هذي ما بتصير تكون مرتك ولا واحدة مننا ومش أنا بس اللي بقول كذه! واللي المفروض تكون مكانها ليلى. ليلى اللي أنا اديتها كلمة وهنفذها يا عامر مش فاطمة الزيات اللي ترجع في وعد عطيته لحد. أنا مش عيلة صغيرة! أنتَ هتتجوز ليلى وهذا آخر كلام عندي. يا كذه يا هفضل غضبانة عليك ليوم الدين!"
اتجمّدت إيد يقين واتوسعت عيونها ووقع قلبها في الوقت ده بل حست بدوار عنيف بيلفح راسها ووجهت نظراتها لعامر وهي مستنية رده. مكانش يقل صدمة عنها وهو بيهز راسه لأمه باستنكار ولكن نظراتها المصرة خلته متجمد تمامًا. مكانتش بتهزر وهو عارف أمه وعارف شخصيتها. لو حكمت ممكن تفضل مقاطعاه فعلًا، وميقدرش يخليها زعلانة منه. دي أمانه أبوه ليه!
دخل سعد في الوقت ده بعد ما اتنحنح، ولكنه سكت لما حس إن الوضع متأزم دلوقتي. اتلفتت يقين ناحيته بنظرة عابرة لكن سرعان ما حست بتيبس جسدها عليه. فضلت بصاله وهو كذلك، وكأنه كان متحفز وقلقان. أما هي فكان كل اللي في بالها إن... العيون والنظرة دي هي عارفاها!
رواية وجوه في العتمة الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم منة ممدوح
كان عامر يرمق فاطمة بنظرات مليئة باللوم، لم تهتز هي بل كانت رافعة رأسها بكبرياء وهي تبادله نظرات قوية، وكأنها تؤكد على كلامها وتفهمه أنها غير نادمة على ما تفوهت به. أما يقين، فكانت مركزة نظرها على سعد، لون عينيه المميز ذاك، كان عسلياً ممزوجاً بلون يشبه لون ورق الشجر، لم ترَ لوناً كهذا كثيراً. حتى هي، شعرت بارتباكه، ونسيت تماماً ما تفوهت به فاطمة.
ولكنها فاقت وحادت بنظرها عنه عندما قال عامر بعتاب:
"وش اللي بتقوليه هذا ياما؟ معقولة؟ معقولة سهل عليكي للدرجة هذي إنك تقوليها في وشي؟! لهذي الدرجة أنا مش فارق معاكي؟!"
للوهلة، تألمت يقين من نبرة عامر، التي لأول مرة تشهدها. هي رأت كثيراً كيف كان يتحمل تصرفات وكلام أمه وتدخلها فيما لا يعنيها، وقسوتها وعدم اشفاقها وتحكمها في كل شيء. ولكن اليوم، رأت كسرة غريبة في عينيه، صوته المبحوح الذي مليء بالعتاب، ورغم ذلك لم يكن قادراً على رفع صوته عليها، بل اكتفى بلومها الرقيق.
فتكلمت فاطمة بقوة:
"أنا قولت اللي عندي يا عامر، وأنتَ بإيدك تختار. لو وافقت تتجوز ليلى، العيلة اللي بتعشقك من وهي بتحبك، وقتها هشيلك في نن عيوني. أما لو فضلت واخد صف المصراوية، فقلبي هيفضل غضبان عليك ليوم الدين."
حس سعد في هذا الوقت بتأزم الوضع، فانسحب من المكان بهدوء، مقرراً أنه سيرجع في وقت آخر تكون الأمور هدأت فيه. تحت تركيز يقين، التي كانت عيناها مسلطة عليه.
وقابل في طريقه ليلى، التي كانت تدخل كعادتها لتطمئن على مرات عمها. التي أول ما شافتها فاطمة مدت يدها لها وهي تقول، في حين مصوبة نظرها على عامر بتحدي:
"تعالي يا ليلى. تعالي يا زينة البنات يا غالية. جيتي في وقتك."
بصت لها ليلى بتعجب وهي تمد يدها وتضعها في كفها، وقربت وقفت بجانبها، وهي تنقل نظرها بين يقين وعامر، اللذان ملامحهما لم تكن تبشر بالخير، ففهمت أن الموضوع يخصها في هذا الوقت.
كان عامر، وشه باين عليه الانفعال، بعينيه الحمرا الجاحظة، وفكه الذي يبدو مشدوداً، هذا غير قبضته التي يضمها بقوة. هو يعرف أن فاطمة متسلطة ولديها حب السيطرة منذ زمان، ولكن معقولة تحاول أن تخليه تعيساً، ولا يفرق معها الأمر للدرجة هذه!
بصت له فاطمة وبنبرة ذات مغزى، لم تحمل أي شفقة، قالت:
"فكر، وأنا مستنية ردك. وأنتَ حر بقرارك، بس ما تلوم إلا حالك يابن بطني. أنا جايبالك الخلاصة."
فضل باصلاً لها قليلاً بعجز وغضب رهيب ممزوج بالعتاب، تحت أنظار يقين، التي كانت تشعر بالحزن على الوضع الذي هو فيه، وقسوة فاطمة عليه. وفي نفس الوقت، كانت هناك نيران تشتعل بداخلها وهي ترى ليلى أمامها، وتتخيل فكرة أنه قد يوافق ليرضي أمه، وفي الآخر سيكون لها ضرة!
ولكن، ما الذي يضايقها أساساً لو هي كانت غير معترفة بهذه الزواج؟ لماذا يفرق معها رده؟ ولماذا تشعر بالحنق تجاه ليلى؟ ولماذا تتفحصها كأنها غريمتها وستأخذ شيئاً ملكها!
وبعد أن طال الصمت، تركهم عامر وخرج بدون أن يقول أي كلمة، ولكن كان خروجه يشبه العاصفة. فرمقت يقين فاطمة بنظرات مليئة بالضيق والتأنيب، وردت عليها الأخرى باستحقار وعلى وجهها ابتسامة ساخرة. وفي النهاية، وجدت يقين نفسها تجري وراء عامر، محتاجة أن تطمئن عليه. حالته تحسسها بالقلق، وهي تعرف أنه عاجز وقليل الحيلة الآن!
حاولت أن تسرع من خطواتها وراءه، ولكنها كانت تعرج وهي تهتف:
"عامر! عامر استنى!"
ولكنه لم يكن يرد عليها، رغم أنه سمع صوتها وهي تنادي على اسمها باستمرار، وكأن نبرة صوتها تؤذيه بزيادة، وهو يشعر بقلبه ينبض ويضعف ناحيتها.
فسرعت من خطواتها أكثر وهي تتحامل على ألمها، وباسطة يديها على مكان جرحها، حتى شعرت أنه اشتد بعنف، فصرخت بألم وتأوهت وهي واقفة مكانها وحانية رأسها.
وقف هو والتفت بسرعة أول ما سمع صوتها، وبمجرد ما رآها في الوضع هذا، نسي غضبه وجرى عليها وهو يقول بلهفة:
"يقـين! أنتِ بخير؟!"
وقف أمامها وهو يشيل يديها ويتفحصها، وفي نفس الوقت يبص على ملامحها المنكمشة بألم، وشفايفها التي تضغط عليها، في حين قال:
"بيوجعك؟ أجيبلك الدكتور راضي؟ قوليلي حاسة بإيه؟!"
قصاد اهتمامه، ويده التي باسطها على كفها، والثانية التي يساندها بها، فتحت عيونها وبصت لداخل عينيه مباشرة. لوهلة، وجد نفسه انجرف داخل عينيها، وكأن العالم وقف من حولهما. فحاولت أن تطمئنه وقالت:
"متقلقش، أنا كويسة. الجرح شد بس عليا لما اتحركت بعنف."
تمالك نفسه وقال بضيق ولوم:
"إيه بس اللي جراكي ورايا وأنتِ جرحك لسه حي؟ هتفضلي متهورة كذه؟!"
"قلقت عليك."
قالتها باندفاع وهي مش حاسبة كلامها نهائي، بل خرج بتلقائية بدون ما تحس. اتجمد تماماً قصاد كلمتها التي لمسته من الداخل، وتسببت في اضطراب دقات قلبه وانتفاضة صدره، وكأنه حس بالحياة في هذا الوقت بعد أعوام قضاها ميتاً.
أدركت هي فداحة ما قالته، فاتنحنحت بارتباك وحاولت تصحح وهي تقول:
"أقصد… عشان خرجت متضايق يعني. عشان كان شكلك…"
لقت نفسها مش لاقية مبرر للي قالته، وارتكبت أكثر تحت نظراته التي كانت تلمع بشغف. لم يكن مصدقاً أنه يرى اهتماماً منها، وحاول أن ينكر نظرة عينيها من داخله. فهزت هي رأسها بتوتر:
"عامة، حصل خير. حبيت أعرف هتعمل إيه بس."
فسأل بعقدة حاجب:
"هعمل إيش؟!"
فقالت بمراوغة:
"ليلى بتحبك و…"
مال برأسه وهو يبصلها بعمق:
"و…؟"
ارتبكت أكثر، فضمت شفايفها وبصوت خافت قالت:
"أنتَ بتحبها؟"
ربع يده قصاد صدره وتكلم برفعة حاجب:
"أنتِ إيش شايفة؟"
عبست بخصلات شعرها وهي تحاول تلاقي كلام تقوله يبرر فضولها، وقالت:
"أنا بسألك."
بغموض أكثر قال:
"يهمك في أيش تعرفي أنا بحب ليلى ولا لأ؟"
رفعت عيونها إليه التي كانت مليئة بالحيرة، وصلت له، ولكنه كان يكذب نفسه. فقالت:
"هتتجوزها؟"
قرب منها خطوة وقطع الفاصل بينهم، ظهر فرق الطول بينهم في هذا الوقت، وحست أنه يحتويها بجسمه. أما هي، فكانت تبص له بنظرات بريئة تشبه القطط، سلبت أنفاسه. فاتكلم بصوت متهدل:
"هيفرق معاكي؟ متهيألي أنتِ نفسك مش معترفة بجوازنا، ونفسك تتحرري مني اليوم قبل بكرة. مش كذا ولا إيش؟"
صمتت وانعقد لسانها قدامه، لم تعد تعرف ماذا تقول. هي نفسها لا تعرف ماذا تريد. ولكن في النهاية، حادت بنظرها عنه وقالت وهي تبتعد:
"عندك حق. أنتَ صح. أنا مش معترفة بجوازنا فعلاً، ومعتبره سجن. وما يخصنيش إنك تتجوز أو لأ، ده قرارك وأنتَ حر فيه."
قالتها وسابته ومشيت وهي تعرج. ووقف هو يتابعها بنظره، ولوهلة، الجمود الذي كان ظاهر عليه تبدل لحزن. كلامها يؤلمه، وهي دائماً تؤلمه بالكلام بقصد، رغم كل ما يفعله. بس برضه، يعطيها الحق، ودي حاجة مخلياه مستغرب من نفسه.
في أثناء رجوعها، قابلت سعد. خففت من خطواتها وهو كذلك. كان يرمقها بنظرات جامدة، غير واضحة عليها أي شيء. أما هي، فكانت تبص له بشك كبير. وبعد ما تخطاها، وقفت مكانها والتفتت تبص له. لقت نفسها ترفع يديها تلقائياً وتحطها على مكان جرحها. وسؤال واحد في بالها: معقولة إحساسها ده صح؟
دخلت للبيت، لقت الهدوء يعم المكان. فقالت تروح تشرب حاجة من المطبخ، الذي كان خالياً. ملت كوبايتها من مبرد المياه، ووقفت تشرب وهي تتشرد في كل ما حصل، خاصة اهتمام عامر بها، واهتمامها به. اهتمام متبادل فعلاً!
لوهلة، عقدت حاجبها عندما سمعت صوت فاطمة من الخارج، وكأنها تتهامس وتتكلم في التليفون. سابت الكوباية وقربت بفضول شديد. وقفت على جنب من الباب، بحيث لا تسمعها. ورمت أذنها، فسمعتها تقول:
"قولتلك عاوزة الموضوع هذا يخلص اليوم، وبكرا بالكتير نسمع خبر. عزيز، كفاية لحد كذه اللي صار من ورا راسه، وكمان كل بعقل عامر لحد ما صدقه. كيف ما قولتلك، خلى الراجل حوالين داره، أول ما يخرج ما يتردد ويقتله."
اتسعت عيون يقين بذهول من ما سمعته. معقولة جبروتها وصل للشكل هذا!
فسمعتها تكمل وهي تقول:
"بلغني أول بأول. وكيف ما قولتلك، لو عامر شم خبر بالاتفاق اللي بينا، ما تلوم غير حالك!"
قالتها وهي تقفل التليفون، وتعدي جنب المطبخ. فبسرعة استخبت يقين في أحد الزوايا، عشان ما تشوفهاش وتعرف أنها سمعتها. حسّت فاطمة لوهلة أنها رأت خيالاً، فتراجعت بخطواتها ثاني، وبصت داخل المطبخ برفعة حاجب. ولما لم تجد أحداً، أكملت سيرها.
خرجت يقين تبص لأثرها بصدمة. رغم أنها سمعت الحوار الذي دار بينها وبين عامر، ولكنها لسه مصرة أنها تكون متسلطة وترمي بكلام ابنها عرض الحائط. وبدون تردد، قررت أن تدور على عامر، مكان ما تحرك. هي تعرف جيداً أنه أول واحد سيضر لو حصل ما تريده فاطمة، خصوصاً بعد ما سمعت كلامهم وفهمت كل شيء. فخرجت وهي تدور عليه، لحد ما شافت عايد مقابلها. وقف واعترض طريقها وهو يتساءل بتعجب:
"رايحة لوين يا مرت أخوي؟"
سألت بتلهف:
"عامر فين؟"
عقد حواجبه وقال بقلق:
"وش صاير؟ وشك مخطوف؟"
"عامر فين لو سمحت؟!"
شاور لها بيده وهو ما زال يرمقها باستغراب:
"أول المزرعة على إيدك اليمين، هتلاقيه في مكتبه."
هزت رأسها ولم تنتظر يكمل كلامه، واتحركت مسرعة لمكان ما وصف. مكانتش فاهمة هي متلهفة ليه عشان تقول له؟ ليه تدخل نفسها؟ يمكن عشان تعرف أنه ممكن يحصل له مشاكل بحركة زي دي؟ القيامة ستقوم هنا، وسيقولون إن عامر هو الذي قتله، ووقتها قد يقتلونه هو! معقولة تكون خايفة عليه؟!
هزت رأسها رافضة التفكير في هذا الوقت عن أي شيء. وصلت للمزرعة، والتفتت بعينيها، لحد ما شافت المبنى الخشبي الأنيق الذي يشبه الكوخ، الذي مرت عليه كذا مرة قبل كده، ولكن لم تأخذ بالها أنه مكتبه الخارجي الذي سمعت عنه قبل كده. وبدون تردد، تقدمت وفتحت الباب بسرعة، من غير ما تخبط حتى، وهي تهتف:
"عامر…"
سكتت ولم تكمل كلامها عندما وجدت العيون كلها مسلطة عليها. كان أخوه فارس، وأولاد عمامه، وكمان عمه مرزوق وغالب، الذين كان واضحاً أنهم يتكلمون في شغل، وهي قاطعتهم. رفع عامر عينيه إليها بتعجب وقال بتساؤل:
"يقيـن!"
بصت له بارتباك وهي تنقل نظرها عليهم. فقام فارس في هذا الوقت، بعد ما حس أن الموضوع خاص، عندما رأى نظرة يقين، وقال:
"طيب ياخوي، هنظبط باقي الأمور، ولو صار شي هنقولك."
بالفعل، قاموا أولاد عمّه مع فارس، مقررين أن يتركوهما، رغم التعجب الذي كان ظاهر عليهم، خاصة وأنهم يعرفون بتوتر العلاقات بينه وبين يقين. ومعهم قام مرزوق وغالب، الذين كانوا يرمون يقين بنظرات مليئة بالضيق. فهم لحد الآن يشكون أنها بلغت عن الشحنة التي تمسكت، وأنها اتفقت مع عزيز، ولكن قرروا الصمت عشان عامر.
وبعد أن تأكدت أنهم خرجوا كلهم، أغلقت الباب وراءهم بإحكام. فوقف عامر والتف حول المكتب، لحد ما بقى قدامها وسأل بتعجب:
"إيش فيه؟ جاية على ملى وشك ليش؟"
بهمس قالت:
"أمك…"
عقد حواجبه وقال بحذر:
"ضايقتك؟"
هزت رأسها بالرفض. فبص لها بتساؤل مليء بالفضول. وفي النهاية قالت هي:
"سمعتها بتتكلم مع حد في التليفون وبتتفق معاه يقتل عزيز."
تفت بصدمة:
"إيش؟!"
هزت رأسها بتأكيد:
"صدقني، قالت هيحطوا واحد حوالين البيت، ولما يخرج هيقتلوه. وأكدت عليه ميقولكش، عشان عارفة إنك هتتضايق وهتمنع اللي هيحصل."
فضل باصلاً لها بصدمة قليلاً. حس غضب رهيب يتمكن جواه. أمه مصممة تصغره وتطلعه عيل، وبعمايلها هذه ستشعل الحرب بينهم. جز على أسنانه وهو يمسح على وجهه بضيق. وفي النهاية، مسد على كتفها من غير ما يحس وقال:
"ارجعي على الدار وخليكي في غرفتك لحد ما أرجع."
قالها وهو يتركها ليخرج، ولكنها أمسكت ذراعه. فبص لها بتساؤل وقالت هي بقلق:
"هتعمل إيه؟"
طمأنها بنظراته ورد:
"ارجعي على الدار، ما تقلقي."
هزت رأسها بصمت، وفعلاً نفذت كلامه وقررت العودة للبيت وتجنب الاختلاط بهم لحد ما يرجع.
***
أخذ عامر حمد وسعد من غير ما حد ياخد باله أو يحس، وخرج بهم من غير ما يفهمهم فيه إيه. فسأل حمد، الذي كان سائقاً، بتعجب:
"لوين رايحين يا عامر بيه؟!"
رد عامر، الذي كان يهز رجله بضيق:
"دار الرشايدة."
بص حمد وسعد لبعض بتعجب. فوضح عامر:
"هنمنع قتل عزيز."
التفت سعد في هذا الوقت، وكان ظاهر على وجهه علامات الاستنكار ورد:
"اعذرني يا عامر بيه، بس ليش؟ وش دخلنا ما يتقتل ولا يتحرق؟"
بصله عامر بحدة من لهجته التي لم تعجبه، يزجره بنظراته، فنكس الثاني رأسه بسرعة بعد ما أدرك فداحة ما قاله. أما عامر، فاتكلم:
"هما عاوزين النار تشتعل بينا وبين الرشايدة، وأنا مش هنولهم اللي في بالهم، عشان كذا لازم نحمي عزيز لحد ما نكتشف مين ابن الملاعين اللي بيلعب بيا."
سكت سعد تماماً، ولم يرض أن يزيد في الكلام أكثر من ذلك. كفاية اندفاعه الذي كان سيوديه في مأزق حقيقي.
وبعد وقت قليل، كانوا واقفين على بعد من بيت الرشيدي. نزل عامر هو وحمد وسعد. طلع سلاحه من خصره ورفع صمام الأمان، ووقف يركز بعينيه التي تشبه الصقر حول البيت، وهو يدور على الذي أمه بعثته.
اتفتح الباب في هذا الوقت، وخرج عزيز، الذي يكاد يكون استعاد صحته قليلاً، ولكن وجهه كان ما زال مليئاً بالكدمات. وقف بالخارج يتكلم مع واحد من رجاله، وعيون عامر مسلطة عليه وعلى المكان من حوله. لحد ما هتف حمد بلهفة:
"عامر بيه…"
بص عامر مكان ما شاور، فشاف شخص نائم على بطنه على تلة رمال من على بُعد، وماسك قناصة في يده، عارفة وجهتها تماماً.
في حين كان عزيز يتكلم مع حارسه ويديله أوامر. وفي لحظات، سمعوا صوت طلق ناري عنيف. نزل عزيز بجسده على الأرض يختبئ ويحمي نفسه، في حين خرج الحراس بسرعة، ورفع الذي كان معه سلاحه في وضع استعداد. ولكن لوهلة، شافوا عامر، الذي كان مسلط سلاحه على مكان معين، وهو واقف بشموخ ووشه باين عليه الجمود والقوة. وقف عزيز والتعدل وبص مكان ما ضرب عامر، فشاف من على البعد الشخص الذي كان يتربص له، والذي كان لقي مصرعه.
خرج صالح في هذا الوقت وهو حاسس بالهلع، ويتساءل عن الذي يحصل. ولما رأى عامر، اشتعلت ملامحه بالغيظ، وتقدم خطوتين، ناوي يتجه نحوه، وهو يقول من بين أسنانه:
"عـامر!"
ولكن قبل ما يتوجه نحوه، منعه عزيز عندما بسط ذراعه ليحيد بينه وبين الخروج. بصله صالح بتعجب. أما عزيز، فكان نظره مسلطاً على عامر، الذي كان يتقدم نحوه وهو يضع سلاحه مكانه في خصره.
وقف أمامه وهو يرمقه من فوق لتحت. فاتكلم عزيز:
"ليش حمتني؟"
بصله عامر قليلاً وبجمود قال:
"محتاجك عايش. على الأقل حالياً."
رفع عزيز حاجبه بعدم فهم، فوضح عامر:
"كان عندك حق. فيه حد تالت بيوقع بيننا، وهو سبب العداء اللي صار بينا من زمان. في البداية، لما عرفوا إن النسب اللي بينا هيوقف الدم، قتلوا سلمى. وبعدين ابتدوا يعملوا فصولات عشان كل واحد ياخد رد فعل ضد الثاني على أساس إنه عملها."
كان عزيز باصلاً له بصمت، وكأنه ليس مندهشاً لكلامه. هو بالفعل، عندما فكر فيها، خصوصاً بعد آخر جدال بينهم، أدرك أن هناك طرف ثالث يقصده أن يوقعهم هما الاثنان. يمكن شخص بينه وبينهم عداء، أو عائلة يريدون القضاء على نفوذهم، عندما حسوا أنهم محتكرين السوق في مجالهم. المهم، أنه في كل الحالات، مقصدهم أن يوقعوهم في بعض.
مال عامر برأسه وقال:
"شكلنا للأسف مضطرين نحط إيدينا في إيد بعض لحد ما نعرف إيش اللي بيدور حوالينا."
ابتسم عزيز بسخرية، ولكنه كان يعرف أنه عنده حق، عشان يعرفوا الخطر الذي يحاوطهم، وفي نفس الوقت يرجع حق أخته. فقال:
"هدنة؟"
هز عامر رأسه وأكد:
"هدنة."
مد عزيز يده إليه، ينوي مصافحته كوافقة على الذي يقوله. فبص له عامر قليلاً، وهو ينقل نظره بين كفه وبين وجهه. وفي النهاية، قبض على يده وهو يصافحه بقوة.
***
رجع البيت ودخل لجوه بخطوات تشبه العاصفة. حاسس بحنق كبير تجاه أمه. شافها قاعدة على كرسي في بهو البيت، وكأنها تنتظر شيئاً. وهو كان يعرف هي تنتظر إيه جيداً. رفع عينيه إليها، وتقدم منها بخطوات بطيئة، وهو يحاول يتمالك نفسه قدر المستطاع.
أما يقين، فكانت قاعدة في غرفتها وهي تشعر بقلق رهيب. من وقت لآخر، تقوم تبص من البلكونة عشان تطمئن رجع ولا لأ. قلقانة عليه، مش هتنكر، خاصة بعد ما أدركت أن الموضوع سيدخل فيه دم. ولما سمعت صوت سيارته، قامت بهلفة، فشافته نازل من عربيته بغضب جحيمي ظاهر على وجهه. وبدون تردد، خرجت من غرفتها بخطوات سريعة ملهوفة، وقفت على بداية السلم تتابع ما يحصل بتوتر، وهي مترددة تنزل ولا لأ.
وقف عامر قصاد أمه، التي رفعت رأسها إليه وقالت بقوة:
"فكرت في اللي قولته؟!"
ابتسم بألم ورد:
"فكرت ياما. فكرت في حاجات كتير قوي."
تبدلت نظراتها للتعجب. فكمل هو:
"ومن كتر التفكير، حسيت إن طاقتي خلصت. تعبت، ما بقيت قادرة. بتزودي حمل فوق حملي، وأنا طاقتي نفدت. بفكر وأقول: ليش مصرة تصغريني؟ مصرة تقللي مني؟ ومصرة تنفذي اللي في دماغك وما بتراعي إني كبير هذه العيلة ومسؤليتهم مني، وأنا أدرى بمصلحة كل واحد فيهم. ولما يصير غلط، عامر بس هو اللي بيشيل الطين على دماغه. ليش بتدمريني ياما؟ ليش؟"
كانت حاسة بأن كلامه يحمل معنى آخر تماماً. فقامت وقفت وهي تبص له بتوتر، وقالت:
"وش صاير يا عامر؟ كل هذا عشان طلبت منك تتجوز ليلى؟ ليش ليلى معيوبة ولا شي؟ ليلى زينة البنات، بنت عمك ومن دمك، وبتحبك، يعني ما رايدة إلا مصلحتك وراحتك. راحتك اللي عمرك ما هتلاقيها مع هذي الملعونة اللي واخدها تحت جناحك ومعتبرها مرتك!"
غمضت يقين عينيها بألم عندما سمعت كلامها. أما عامر، فضحك وهو يهز رأسه للناحيتين بقلة حيلة. وفي النهاية، نقل نظره بين الموبايل اللي محطوط على مسند الكرسي، وبين عينيها. فسكتت وهي تلاحظ نظراته هذه، وتوترت لوهلة، وارتجف جسمها. تبدلت نظرات عامر الساخرة لأخرى قوية، وقال:
"كأنك مستنية خبر ياما؟!"
ارتبكت وقالت:
"خبر إيش؟ أنا مستنية عودتك. وبعدين بتغير الكلام ليش؟!"
بص لها بعتاب ولوم. فرّن تليفونها في هذا الوقت. بصت فاطمة للتليفون بتردد، وهي تنقل عيونها بينه وبين عامر. وبأمر لا يقبل النقاش، قال:
"ردي ياما. يمكن يجيلك الخبر اللي منتظراه."
ابتلعت ريقها بتوتر وهي تحاول تتهرب، ولكنه كان مصر، وهو يشاور برأسه للتليفون الذي لم يبطل رنيناً. فمدت يدها وفتحت التليفون بتردد، ووضعته على أذنها، فسمعت الصوت قادماً إليها يقول لها:
"ست فاطمة، الواد اللي بعته عامر بيه قتله. كان عارف بكل اللي هيصير."
نزلت يقين في هذا الوقت. فرفع عامر عينيه إليها، ولم يمنعها. وقفت بجانبه وهي حابة تسنده في وقت كهذا. اتجمدت يد فاطمة التي ماسكة التليفون، لحد ما سقطت يدها من على أذنها، ووجهت نظرها لعامر، الذي كان يراقبها بنظرات سخرية ممزوجة بالعتاب. واتكلم باستخفاف:
"ها، أعطاكِ الخبر اللي مستنياه؟!"
"عـامر…"
قالتها بسرعة. فقاطعها بقوة:
"أنا تعبت منك ياما. تعبت من قلة سمعان كلامك. لهذي الدرجة شايفاني عيل؟ أمشي عشيرة كاملة ومش قادر عليكي أنتِ؟! قولتلك خليكي برا الموضوع، قولتلك اتركيني أتصرف، قولتلك ما تسوي شي من دماغك. وفي الآخر عملتي إيش؟! عاوزاهم يقتلوا عزيز؟ مش خايفة من الدم اللي هيصير بينا؟ وهما أول شي هيقولوه: عامر الزيات اللي قتله! لهذي الدرجة أنا مش فارق معاكي؟!"
تقدمت خطوة منه وقالت بعيون مليئة بالدموع:
"يا عامر يابني، كله عشان مصلحتك و…"
قاطعها بجحود:
"لولا يقين سمعتك وأنتِ بتتكلمي وجت قالتلي عشان الحق اللي هيصير، كان زمان عامر ابنك هذا في عداد الميتين، وبسببك! كنتي هتدمريني بس عشان عنادك، كرهك للرشايدة لغى عقلك، حتى لغى خوفك على ابنك. قوليلي، لولا يقين، كان إيه اللي هيحصل؟ بحور دم ياما، وأنا في أولهم!"
نسيت كل شيء ووجهت نظرها ليقين أول ما نطق عامر بالكلام هذا. اشتعلت عيونها بنيران الغضب وهتفت:
"أنتِ! أنتِ يا ملعونة!"
قربت منها ورفعت يديها بشراسة، ناوية تصفعها، بعد ما أدركت في دماغها أن يقين هي التي وقعت بينها وبين عامر قصداً. انكمشت يقين على نفسها، مستعدة لتلقي الضربة. ولكنها صدمت عندما قبض عامر بقوة على ذراع أمه بعنف، يمنعها. بصت له فاطمة بصدمة. أول مرة عامر يقف في وشها بالشكل هذا، وكله بسببها هي. فهتفت بصدمة:
"عـامر!"
بصت له يقين بدهشة. مكانتش متوقعة أنه يحميها منها. أما عامر، فنفض يد أمه وهتف:
"إياكِ! إياكِ تفكري تمدي إيدك على مرتي ياما، فاهمة، إياكِ!"
فقالت بذهول:
"هذي اللي وقعت بينا، عملتها قصد. ضربت عصفورين بحجر، عشان تخرجك عن طوعي، وعشان تحمي عزيز. عزيز اللي أكيد عشيقها. ما عملتش كذه عشان سواد عيونك. كانت بتحمي عشيقها يا عامر، وأنتَ وقعت في فخها!"
شهقت يقين بصدمة من كلامها، الذي كان بمثابة صفعات، تطعنها في شرفها! وصل جبروتها للشكل هذا!
فهتفت يقين بعدم استيعاب:
"إيه الجنان اللي بتقوليه ده؟! أنتِ إزاي كده؟!"
أما عامر، فصرخ بغضب، وكأن الشياطين كلها تتراقص أمام عينيه:
"يـاما! حـاذري علـى كلامـك! يقين مرتي شريفة، وأنا واثق فيها. أنتِ اللي محتاجة تراجعي تصرفاتك كويس، وإلا هتخسريني ياما. لو عاوزة تخسريني، خليكي كيف ما أنتِ، بس ما ترجعي تلوميني مرة ثانية!"
قالها وجذب يقين من كفها وطلع على فوق، وساب فاطمة تتابعهم بأعين متسعة بذهول وصدمة في آن واحد. قعدت على الكرسي وراءه بإنهيار، وكأنها مش حاسة برجليها. مش متخيلة أن الذي أمامها هذا ابنها. خسرت هـي، خسرته فعلاً، وكله بسبب يقين!
دخل بها الغرفة وأغلق الباب بعنف، وهو يلف حول نفسه ويمسح على وجهه، يحاول يتمالك أعصابه التي انفلتت. فقربت منه يقين وهي خائفة ليكون صدق كلام أمه. فبعيون لامعة بالدموع هتفت:
"عامر، والله ما…"
التفت إليها ووضع يده على شفايفها قبل أن تكمل:
"شششش. عارف."
بصت له بعيون متسعة بصدمة. حتى لم ينتظرها تبرر. هو واثق فيها. عيونه تقول إنه مصدقها من غير ما تتكلم. لم ترَ أي نظرة لوم في عينيه.
ارتجفت شفايفها تحت يده، وعيونها تلمع بسعادة. فضل باصلاً لها بصمت، وهو يتأمل ملامحها بنظرات غريبة عليها. لوهلة، سكنت ملامحه، وخفتت أنفاسه، وأصبحت بطيئة. بعد يده عن شفايفها، وملس على وجهها بأطراف أصابعه بحنان غريب، لمسها وتسبب في رجفة جسدها.
تبدلت نظراته لأخرى مظلمة، مظلمة حسستها بقلق. واتسعت عيونها برهبة أكثر عندما لقيته يميل عليها، وأنفاسه الساخنة تلفح في وجهها….
رواية وجوه في العتمة الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم منة ممدوح
"عـ…عـامر!"
قالتها بنبرة مهتزة، مزيج من المشاعر بيتفاقم جواها وكلهم متناقضين. كانت شايفة عيونه المظلمة وكإنه مش مدرك لتصرفاته، شايفة أنفاسه اللي اتهدلت. اتسعت عيونها أكتر، وقبل ما يقرب منها كان تدارك نفسه. رفع عيونه اللي مليانة مشاعر لعيونها اللي كانت بتهتز حدقتيها. لوهلة اتبدلت ملامحه للصدمة، هو نفسه مش مصدق اللي كان هيقدم عليه.
فعشان يلحق نفسه وصورته متتهزش قدامها مد إيده من جنبها وخد التليفون من على السرير ورفعه قدام عينيها وكإنه بيقولها إنه مش اللي في بالها. اتصنع إنه كان بيقرب منها عشان ياخده من وراها.
إداها ضهره بسرعة وهو بيمثل إنه بيعبث في التليفون، ولكن في الحقيقة كان مغمض عينه بيضغط على جفونه ومشدد من قبضته على تليفونه وهو بيأنب نفسه. أما هي فتسارعت أنفاسها اللي لوهلة حست بإنهم انسحبوا قصاد قربه اللي كان مهلك بالنسبالها. رفعت إيديها ودلكت رقبتها، باصة لضهره بنظرات ضائعة. امتدت أناملها لخصلاتها البنية بتعدلها بارتباك وبعدين اتحركت وقعدت على السرير.
بصلها بطرف عينه، كان كل واحد فيهم حاسس بالخجل والاحراج من التاني. هي من نفسها لإنها اكتفت بنطقها لاسمه ومدفعتهوش وزجرته زي ما اعتادت. هو عشان مشاعره اتحكمت فيه بدون وعي منه.
ساب هو تليفونه ودخل البلكونة يشم هوا لعل النار اللي جواه ممكن تهدى شوية، ووقف ياخد نفس عميق وبعدين طلع سيجارة وابتدى ينفث دخانها ببطء.
لمح ليلى اللي كانت خارجة من بيتهم وراحة لاتجاه المزرعة، ولكنها شافته بطرف عينها، فقللت من خطواتها وهي رافعة عيونها ليه. كانت نظراتها مليانة حب حقيقي ولوم، كإنها بتعاتبه إنه مش مقدر مشاعرها ولا حبها ليه. عرفت اللي دار بينه وبين أمه، وعرفت بتمسكه بيقين، ولكنها برضه لسة عايزاه رغم كل ده.
أما هو فكانت نظراته جامدة، مفيهاش أي مشاعر. هو شايفها اخته الصغيرة وهيفضل شايفها كده، مش بيلومها لإن الحب مش بإيدين حد، ولكن بيلوم إنها ماشية ورا أمه على حساب كرامتها.
لاحظت يقين الصمت اللي عم المكان، حست بالوحدة. هي اعتادت على مشاكلتهم مع بعض، وكمان بعد مواجهته مع أمه قلقانة عليه، عارفة إنه مهموم ومتضايق.
فبتردد اتحركت ناحية البلكونة، وقفت بدون ما تدخل وهي ساندة على الباب ومراقبه صمته والدخان اللي طالع من سيجارته اللي لاحظت إنه بيشربها كل ما بيتضايق. وبتردد قربت منه عشان تقف جنبه. سرعان ما تداركت اللي بيحصل وشافت ليلى من تحت وهي بتبصلها.
اشتعلت الغيرة جواها، مشاعر تملك بتتفاقم، وكأنها شايفة إن عامر يخصها هي بس. حتى لو رافضاه فلازم عيونه تبقى عليها بس، اهتمامه ليها هي بس.
حس هو بوجوها فاتلفت براسه ليها يبصلها بتساؤل، فاتصنعت إنها مش واخدة بالها من ليلى وابتسمت وهي بتقرب منه ووقفت مدية ضهرها للسور وهي مربعة إيديها. رمت نظرة على ليلى وبجراءة منها مدت إيديها وخطفت السيجارة من بين شفايفه وطفتها في السور وبعدين رمتها على الأرض تحت أنظاره وإيده المتعلقة في الهوا من الصدمة.
أما هي فدارت ارتباكها وقالت بمرح: "كفاية دخان اتخنقت!"
لما شافت ليلى المشهد ده وكأن يقين بتعلن ملكيتها ليه قدامها مشيت بخطوات متعصبة وهي على مشارف إنها تنفث نيران من أذنها.
أما عامر فرفع حاجبه بتعجب وقال بفظاظة: "أنتِ اللي جيتي تقفي جنبي ما أنا سايبلك الغرفة كلها، محبكتش تشمي هوا دلوقت!"
كشرت وهي بتبصله بقرف من عصبيته، فرددت وهي بتسيبه وتدخل: "جـلنف!"
ظهرت الدهشة على وشه وعدم الاستيعاب، فبدون تردد جذبها من معصمها وأجبرها ترجع تاني تحت أنظارها الحادة. قربها منه ومال بجانب رأسه وقال: "جـ إيش معلش؟!"
"جـ إيش يا صحفية؟!"
جذبت إيديها وهي بتتعامل بعنف استغربته هي وهتفت من بين أسنانها: "متلمسنيش تاني."
"ومعلش اعذرني قاطعت خلوتك اللذيذة والڤيو الحلو اللي كنت بتتفرج عليه!"
نهت كلامها وكان قصدها ليلى بكلامها غير مدركة للي اتفوهت بيه ودخلت بمنتهى العصبية وسابته واقف بيبص لضهرها بتعجب لحد ما استوعب اللي بتقوله، فدخل وراها بسرعة وهو بيهتف: "أنتِ عاوزة إيش بالضبط؟!"
"بترمي لإيش يا مصراوية؟!"
اتلفتت ليه ووقفت قدامه وهي بتقول بسخرية: "مقصدش حاجة ومقولتش حاجة."
"واللي على راسه بطحة بقى!"
راحت وخدت هدوم من دولابها وهي متجهة للحمام بعصبية، أما هو فهتف: "لو عاوزة تتخانقي قوليلي."
"إنما مترميش كلام وتهربي كيف العيل الصغير كذه. خليكي قد تصرفاتك!"
بصتله بغضب وبعدين قفلت باب الحمام بقوة في وشه وهي قاصدة تضايقه، وبالفعل كان وصل لمرحلة شديدة من الغضب فرفع إيده في الهوا وهو عاجز عن فهم تصرفاتها. ولكن سرعان ما عقد حواجبه بتعجب لما استرجع كلامها تاني وقدر يعرف إنها تقصد ليلى.
سرعان ما اتبدلت ملامحه للدهشة ممزوجة بالاستنكار. "معقولة بتغير من ليلى؟!"
أما هي فوقفت تسند على الباب بضهرها وهي بتتنفس بعنف من العصبية. هي نفسها مستغربة اللي بتعمله، متعرفش ليه بمجرد ما شافتهم بيتبادلوا النظرات طلع منها كل الكلام والعصبية ديه. هزت راسها وهي بتنكر كل الحاجات اللي جت في بالها. وبالنسبالها عامر؟ استحالة!
خرجت من الحمام ولكن لقته مش موجود في الغرفة. اتجهت بلهفة ناحية البلكونة تاني بس لقتها فاضية. اتهدلت أكتافها بحزن لإنه سابها. كإنه مالي عليها المكان برغم رفضها واستنكارها للأمر. ولكن شافت تليفونه على التسريحة، فضلت باصة على التيلفون بتردد من على بُعد وهي بتهز رجليها وبتعض على أصابعها. وبعدين في النهاية حسمت قرارها وراحت أخدت الموبايل، وللدهشة مكانش بباسوورد وده سببلها تعجب.
فتحته وطلبت أحد الأرقام اللي حافظاها كويس، استنت ثواني من الرنين لحد ما جه صوت خلاها ترتجف وعيونها تتجمع فيها الدموع.
"ألو…"
صمت يتخلله أنفاسها المضطربة، فرجع الصوت تاني: "ألو مين؟!"
كانت شفايفها بتهتز بألم، نزلت دمعة من عيونها، وخرج همس ضعيف من بين شفايفها: "مـا…مـا…"
بمجرد ما سمعت صوت بنتها الغائبة حست بغصة عنيفة بتضرب صدرها، دمعت عيونها وهي بتبص للتليفون اللي في إيديها وبعدين حطته على أذنها تاني. أما يقين بألم ونبرة موجوعة قالت: "وحشتيني… وحشتوني أوي."
"الرقم غلط."
قالتها بقسوة مصطنعة وهي بتمسح دموعها بعنف عشان تتمالك نفسها. اتجمدت يقين وحست وكأنها صفعة نزلت على وجهها بقوة، فقالت: "ماما أنا يقين… اسمعيني…"
ولكنها قاطعت كلامها بجمود: "قولتلك الرقم غلط ومتتصليش على الرقم ده تاني. طالما لغيتي وجودنا من البداية وفضحتينا فمتحاوليش ترجعي دلوقتي…"
وقبل ما ترد عليها كان اتقفل الخط في وشها. بصت يقين للتليفون بصدمة ورؤيتها مشوشة من الدموع اللي ملت عينيها. حطت التليفون على السرير وقعدت بإنهيار وهي دافنة وشها بين كفوفها وبتنحب بألم. مكانتش متخيلة إنها هتبقى بالقسوة دي. افتكرت إن الوقت قدر ينسيهم.
متعرفش بنتها عانت قد إيه، عانت بالحقايق اللي اتضربت في وشها، عانت بالظلم والذل اللي شافته هنا، وفي الآخر اتعرضت لمحاولة قتل. ولكن عاذراها اللي حصل برضه مكانش قليل. هي اللي معرفتهمش الحقيقة ومتقدرش.
مكانتش عارفة إنه سامعها من ورا الباب بعد ما كان رجع عشان ياخد تليفونه. غمض عيونه بألم وهو سامع صوت بكائها وسند بجبينه على الباب. هو مدرك إنها الضحية في كل اللي حصل ده، ومدرك إنه ليه دور في تدمير حياتها. ألمه قلبه وحس بغصة من نحيبها. اتردد إنه يدخل يواسيها بس في الآخر اتراجع لإنه عارف إن مش من حقه. وفي النهاية قرر يمشي وهو ضامم قبضته وبيحاول يتمالك حزنه عليها وصوتها اللي بيقطع قلبه.
وبعد مدة على حالتها اتعدلت وهي بتمسح دموعها بعد ما وصلت رسالة لتليفون عامر. مسحت دموعها وجففت وشها اللي كان متغرق بعبراتها، ومسكت التليفون وفتحته بفضول ولكن كان رسالة من شركة الاتصالات. بس لوهلة عقدت حاجبها بتعجب لما شافت أرقام مختلفة باعتاله رسايل.
وبتردد فتحتهم وهي عارفة إنها بتتعدى على خصوصياته. سرعان ما اتسعت عيونها وبسطت كفها على شفتيها وهي شايفة رسايل التهديد اللي قدامها واللي كانت بتهدد بقتلها وقتل عامر. مكانتش مدركة للي بيحصل حواليها. هو قالها لما أجبرها تقعد معاه في أوضته، قالها إنه بيحميها، كان بيبعت وراها رجالته على طول عشان يحميها فعلاً عشان خايف يئذوها. وهي شافته تحكم وحب سيطرة، قالتله إنها سبق واتقتلت على إيده. رمته بكلام قاسي وهو كل اللي بيعمله عشان يحميها!
سابت التليفون وشردت قدامها في الفراغ. الظاهر إن كل مدى بتكتشف إن عامر غير اللي متوقعاه.
سمعت صوت خبط على الباب، تليه فتحه ودخل الصغير جواد اللي هتف وهو بيجري عليها: "ماما يقين!"
ابتسمت وهي بتضمه بقوة وبتسنشق ريحته وبتقبله بحنان. ولأول مرة تعامله على إنه ابن عامر مش مجرد طفل.
****
رجع بعد وقت مش قليل، كان الوقت اتأخر بالفعل. دخل الأوضة وهو صامت وبيتحاشى النظر ليها وكأنه مذنب. وبالفعل حاسس بالذنب بعد ما سمع كلامها. ولكن شافها قاعدة على السرير وهي بتملس على شعر جواد اللي رايح في النوم وكانت شاردة في الفراغ، فاتعدلت على طول أول ما دخل. اتجنب النظر ليها وبص على ابنه وهو بيقول: "نايم بقاله كتير؟"
ردت وهي متابعاه ببصرها: "لأ من نص ساعة كده."
هز راسه وقرب منه وهو بيقول: "هاخده على غرفته."
وقبل ما يشيله حطت إيدها على دراعه وهي بتقول: "لأ سيبه. أنا وعدته إنه هينام هنا النهاردة."
بص لإيدها اللي قابضة على إيديه فسحبتها بسرعة. أما هو فاتعدل وهو بيهز راسه بصمت. فضل باصصلها شوية وهو ملاحظ عيونها الوارمة من البكا، فألمه قلبه أكتر واتحرك بسرعة قبل ما تفضحه مشاعره. طلع هدومه من دولابه ودخل الحمام، خرج بعد مدة وهو مبدل هدومه فشافها واقفة مستنياه وهي بتعبث بأصابعها بتوتر.
بصلها بطرف عينه وراح ناحية الكنبة قعد عليها، فقالت بتوتر: "هتنام على الكنبة برضه؟"
"أنا أقدر أنام عليها، بقيت كويسة."
بصله باستهزاء وقال: "هتنامي عليها وأنا نايم عليها قبل كده؟ متهيألي خليكي على السرير أحسن وأهو بقى فيه ريحتك عشان تتطمني. وبعدين أكيد مش هسيبك تنامي هذي النومة وأنتِ جرحك لسة ما لم! ولا أنتِ شايفاني قاسي وجاحد لهذي الدرجة؟!"
قالها برفعة حاجب ونبرة ممزوجة بالاستهزاء، فضمت شفايفها وهي عاجزة عن الرد.
اتمدد على الكنبة وبسط زراعه على دماغه، وسكنت أنفاسه قليلًا. أما هي فبتردد قامت واتجهت ناحيته ووقفت قدامه تبصله بتردد. لمح هو خيالها وصوت أنفاسها اللي قريب منه، فهمس بصوت أجش ناعس: "واقفة مستنياني أنام عشان تقتليني وتخلصي ولا إيش؟!"
ولكنها مردتش عليه وفضلت بصاله بصمت، فقصاد صمتها رفع دراعه وبصلها بتعجب. اتعدل وقعد على الكنبة وهو بيقول: "إيش فيه؟"
عبثت بخصلات شعرها وقالت: "عـامر…"
رفع عيونه ليها بتساؤل وتأكيد إنه سامعها، فقالت: "هو أنتَ تعرف سعد من امتى؟"
عقد حاجبه بتعجب وسأل: "سعد مين؟ تقصدي سعد اللي شغال عندي؟!"
هزت راسها بصمت، حس بالاستغراب الشديد من كلامها واشمعنى خصت سعد بالذات، ولكنه رد: "سعد شغال معايا بقاله بتاع سبع سنين كذه ويمكن أكتر."
سألت بنبرة غريبة: "أنتَ بتثق فيه أوي؟"
فرد: "أكيد. سعد هذا عشرة عمر، سواء هو أو حمد، تقدري تقولي هو دراعي اليمين وحمد دراعي الشمال، ممكن أسلمهم كل أموري وأنا واثق إن ورايا رجالة يفدوني بروحهم من غير تردد. أنا اللي عاوز أسألك يا يقين، إيش اللي ببالك؟"
قالها بعد ما قام وقف وقرب المسافة بينهم، وقصاد كلامه حست يقين بالتشتت أكتر، مش عارفة اللي في بالها ده صح ولا لأ. حست هي بالحيرة وبصتله بتردد، فشجعها بصوت هادي وقال: "قولي يا يقين، ما تخافي أنا سامعك."
خدت نفس وقالت: "مش عارفة، بس اليوم اللي اتطعنت فيه وقتها الشخص اللي ضربني لفيت ليه، كان مداري وشه بس عيونه كانت ظاهرة، نظرة عينيه أنا فاكراها، ولونها المميز، اللون العسلي المخضر ده، حسيته مألوف بالذات لما شوفت…"
"سـعد؟!"
قاطعها وهو بيبصلها بدهشة وصدمة كبيرة، ولكنه هز راسه وقال: "أنتِ متأكدة من اللي بتقوليه؟! يمكن الأمور خلطت عندك!"
عبثت بخصلاتها وقالت: "مش عارفة يا عامر، بس أنا حساه مألوف، نفس لون العين ونفس النظرة. أنا مش بوجه تهمة ليه ومبقولكش تشك في رجالتك، أنا قولتلك اللي حسيت بيه بس."
نهت كلامها وسابته واقف متجمد وراحت اتمددت وهي مدياه ضهره واتدثرت تحت الغطا. كان حاسس بالصدمة من كلامها اللي غلغل الشك جواه، وكأنه ابتدى يفتح عينه. افتكر كلام سعد في العربية وكأنه كان رافض اللي بيحصل ومعصبه. افتكر نظرة الضيق اللي كانت على وشه وقت ما حط إيده في إيد عزيز. افتكر النظرات اللي كانت بينه وبين الشخص اللي لقاه جاسوس قبل كده وافتكر إنه سابله زمام الأمور وقاله يقتله ولكن ميعرفش إذا كان عمل ده ولا لا، وفي الوقت ده أدرك إن طعنة الغدر جاتله من ضهره بالفعل.
****
كان رايح في النوم في الغرفة المخصصة ليه، لوهلة وهو بيتقلب حس بخيال قدامه. مد إيده تحت مخدته عشان يطلع سلاحه وهو بيتعدل بسرعة سرعان ما اتنهد براحة لما لقاه عامر. حط إيده على صدره وبالتانية مسح على وشه وهو بيقول: "عامر بيه؟!"
كان قاعد على كرسي قصاده في قلب الضلمة وهو باصصله بصمت في حين جزء من النور منعكس على عيونه اللي بتشع بالغضب رغم الهدوء اللي ظاهر عليه. استعجب سعد من حالته ونقل نظره على السلاح اللي في إيده المتدلية من على مسند الكرسي. حس إن عامر مش في حالته الطبيعية فاتكلم بتوتر وإيده بتتسحب بهدوء تحت المخدة: "صار شي يا عامر بيه؟ قلقتني."
ولكن بمجرد ما مسك بإيده المسدس حتى صرخ بألم لما خرجت طلقة من سلاح عامر أصابت دراعه.
حط سعد إيده على دراعه اللي بقى يسيل منه الدماء بغزارة وبص لعامر بدهشة. أما التاني فقام وقف وقرب منه بهدوء، حط فوهة السلاح على راسه وقال بصوت خطر: "مين اللي وراك؟"
رفع عيونه ليه وهو بيلهث وردد: "عامر بيه…"
"انطــق!"
قاطعه وهو بيزمجر بصوت أعلى، أما سعد فكان بيتألم بشدة من الجرح والرصاصة اللي اخترقت دراعه. وعلى صوت الرصاصة اللي ظهرت من وسط هدوء الليل انتفض كل اللي في البيت بما فيهم يقين وجواد اللي انتفض وهو بيبكى بخوف. قامت يقين بفزع وجذبت جواد لحضنها وهي بتدور بعينها عليه وهتفت: "عـامـر!"
ولكن لما ملقتلوش أثر في الأوضة قامت بهلع وهي حاسة بالرعب وخايفة يكون صابه حاجة. مسدت على شعر جواد اللي كان بيبكي وقالت: "متخفش يا حبيبي مفيش حاجة. هروح أجيب بابا على طول وأجيهز."
جواد راسه وهو بيبكي، واتحركت هي عشان تخرج، ولكن ادركت إنها بهدوم خفيفة هتبرد لو خرجت بيها فجذبت بالطو عامر الطويل ولبسته وهي بتحكم غلقه وخرجت بلهفة لبرا.
فشافت البيت شبه مقلوب والكل استيقظ على اللي حصل. جريت على هدية وهي بتقول: "جواد. جواد فوق لوحده خليكي معاه."
هزت هدية راسها وطلعت على فوق بسرعة بالفعل، فنزلت يقين السلالم وهي حاطة إيديها على جرحها اللي بيشد عليها. وشافت فارس وعايد وهما خارجين بسرعة فجريت وراهم وهي بتهتف بنبرة مليانة رعب: "عامر فين؟! إيه اللي بيحصل؟!"
ولكن مكانش حد مركز معاها إلا عايد إلا قال: "خليكي هنا يا مرت أخويا. محدش يخرج برا لحد ما نشوف إيش اللي بيصير."
وقفت تبص على فاطمة اللي كان باين عليها الخوف هي وزوجة فارس وعايد. ولكن مقدرتش تفضل واقفة فخرجت جري وراهم. حاولت نوارة تمنعها وهي بتقول: "مرت أخوي!"
ولكن منعتها فاطمة لما قبضت على دراعها، بصتلها نوارة بتعجب فبجمود قالت فاطمة: "سيبيها، خليها تغور في خرارة."
بتردد وقفت نوارة وهي مش راضية عن اللي بيحصل.
شافت يقين كل الرجالة بيتجهوا لمكان معين، فجريت معاهم وهي بتدور عليه بعيونها بخوف من وسط الرجالة ولكن لما ملقتهوش معاهم حست بقلق رهيب مش عارفة مصدره.
أما داخل غرفة سعد، كانت بيبصله بارتياع وهو بيقول: "أنتَ بتغلط!"
ولكن عامر قبض على رقبته بعنف وثبت السلاح أكتر في دماغه وهو بيزمجر: "انطق احسنلك يا سعد. مين اللي وراك؟ مزقوق عليا من امتى؟!"
أدرك سعد في الوقت ده إن خلاص كل حاجة انكشفت وانكشف سره، فابتسم بسخرية وقال بغل: "المصراوية اللي قالتلك مش كذه؟!"
وعند ذكر اسمها حس بالدماء بتفور في دماغه، فشدد من قبضته وهو بيزمجر: "مـتجـيبش سيرتها يا كلــب!"
"بتخونني يا سعد؟! بتعض الإيد اللي اتمدتلك؟! هذي جزاتي إني عملت منك بني آدم وأنتَ نكرة!"
دخل حمد وبعض الرجالة في الوقت ده اللي اتجمد تمامًا من المشهد اللي قدامه وقال بصدمة: "عامر بيه!"
وجه نظره لسعد اللي الدماء بتسيل منه، فاتلفتله عامر ووجه سلاحه ناحيته وصرخ بغل: "متفق معاه أنتَ كمان ولا لأ؟! انطــق!"
كان زي الأسد الجريح، حاسس إنه مطعون في ضهره، مغدور، متوقعش إن سعد هو اللي يطلع ورا كل ده. لآخر لحظة كان عنده شك في كلام يقين رغم إنه لما ربط الخيوط لبعض لقى إن كل حاجة بتدينه. وصل لمرحلة إنه بقى يشك في كل اللي حواليه.
رفع حمد إيده باستسلام وقال بخضة: "إيش فيه يا عامر بيه. معرفش أنتَ بتتكلم عن إيش. مين بالله ما أعرف!"
لمح الصدق في كلامه ولكنه فضل مصوب سلاحه ناحيته وبدراعه التاني مثبت فيه سعد من عنقه، فصرخ حمد في سعد: "إيش سويت الله يلعن أصلك!"
دخل في الوقت ده عايد وفارس وولاد عمه اللي اتصدموا من المنظر اللي قدامهم، فهتف فارس بعيون متسعة: "وش اللي صاير يا عامر؟!"
ولكن التاني مداهمش اهتمام بل جذب سعد وقفه وحط السلاح على دماغه وزمجر: "هتنطق ولا أفضي الخزنة في نفوخك!"
رغم خوف ورعب سعد لإنه عارف كويس غضب عامر بيكون إزاي إلا إنه ابتسم بسخرية وبلهاث من الألم قال: "مش هتقدر. مفيش غيري يدلك، وحتى لو قتلتني هتلاقي ميت واحد يكملوا اللي كنت بسويه."
"هقتـلك يا كلــب!"
صرخ بيها وهو بيرميه على الأرض، فتألم سعد بقوة لما وقع على دراعه، هتف عامر: "هتتكلم ولا تودع روحك؟"
"مش هتكلم."
قالها بإصرار وهو بيتلوى على الأرض، أطلق صيحة وجع لما خرجت طلقة من سلاح عامر صابت رجل سعد.
خرجت شهقة هلع من يقين واتجمدت تمامًا لما شافت المشهد اللي قدامها أول ما وصلت. اتوسعت عينيها ووجهتهم على عامر اللي مكانش شايف حد قدامه عيونه جاحظة شديدة الاحمرار، أعصابه مشدودة والعرق متصبب على جبهته وخصلاته الممزوجة بالشيب نازلة على وشه، كان مظهره خطير، مرعب وكأنه قاتل متسلسل.
جري عليه فارس وهو بيحاول يمنعه وبيقول: "اهدى ياخوي. فهمني وش اللي بيصير بس!"
ولكن عامر كان مازال مصوب سلاحه وهتف بنبرة مفيهاش أي شفقة: "قسمًا بالله الطلقة الجاية هتبقى في نفوخك لو ما نطق."
رفع سعد عيونه الحمرا الجاحظة من الألم ليه وبصله بنظرة فيها تحدي وعناد، فضغط عامر على الزناد وهو ناوي يقتله فعلًا ولكن على آخر لحظة ظهرت يقين قدامه اللي كانت حاسة بالهلع من فكرة إنه يبقى قاتل قدامها ورفعت زراعها في الهوا وهي بتقول: "لأ… اوعـى يا عامر متعملهاش!"
اتجمدت إيده اللي على المسدس، فقربت خطوة منه وبعيونها اللي اتملت بالدموع قالت بتوسل: "عشـان خـاطـري…"
ياتوجهت نظراته ليها، وفي اللحظة دي تبادلوا النظرات، خوف ممزوج بهلع منها، وضعف مغلف بالحقد والغضب منه…
رواية وجوه في العتمة الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم منة ممدوح
تجمد للحظات لما شافها قدامه، الخوف اللي ظاهر على وشها، دموعها المحبوسة ونظرتها المتوسلة، ولكنه حد بنظره عنها وهو بيشدد من قبضته على السلاح وشاور براسه وهو بيقول بلهجة لا تقبل النقاش:
"ارجعي على الغرفة."
قربت وهي بتقول برجاء:
"عامر…"
ولكنها انتفضت بهلع لما صرخ بنبرة مرعبة حسستها بالرهبة:
"ارجعي!"
وهلة خافت منه، هيئته الإجرامية وملامحه الخطرة، رمت بنظرها على سعد اللي بيتألم في الأرض، وبعدين بصتله. في حين اتكلم عايد وهو بيحاول يحركها من غير ما يلمسها مراعاة للحرمة:
"الله يرضى عنك يا مرات أخويا، ارجعي للدار دلوقت، الموضوع مفيهوش هزار."
ولكنها أبت ونفضت جسمها عنه، وقربت من عامر، وقفت قدامها وهي رافعة عيونها ليه، وحطت إيديها على دراعه اللي ماسك بيه المسدس، وقالت:
"عامر… بلاش عشان خاطري، بالله عليك."
اهتزت إيده قصاد لمستها، ورغم إنه قاوم نظراتها بس لقى نفسه في النهاية بيبصلها، وبمجرد ما التقت عيونهم وشاف نظرة الرهبة والخوف اللي في عينيها نسي كل حاجة، وكل اللي في باله إنه عايز يطمنها، عايز يشيل نظرة الخوف منها اللي في عيونها، ولكن مكانش عارف إن دي نظرة خوف عليه مش منه، وهي نفسها لسة مش مدركة لمشاعرها.
اتردد وهو مثبت بصره عليها، وفضلت هي تتوسله بعيونها اللامعة بالدموع، لحد ما اتنهد ونزل سلاحه، وسط دهشة فارس وعايد من اللي حصل قدامهم وهما بيبصوا لبعض بصدمة، مكانوش متوقعين إن عامر قدر حد يلين دماغه.
مكانوش واخدين بالهم إنه بقى مايل ليها بالشكل ده وبقى ليها تأثير عليه!
اتنفست هي الصعداء وبعدت إيدها عنه وبسطتها على صدرها، في حين مسح هو بكفه على وشه يحاول يتمالك نفسه، وبعدين وجه كلامه لحمد ورجالته:
"خذوا هذا الكلب على المخزن إياه، روّقوه، اعتبروا كإنكم متعرفوهوش خالص لحد ما ينطق. اللي قدامكم هذا خاين، ما راعى العيش والملح اللي بينا ولا العشرة."
كان رجالة عامر بيبصوله بصدمة مش مستوعبين اللي بيتقال قدامهم، مهما كان سعد كان من أهم واحد من رجالاته ومن سنين طويلة مش من دلوقتي، متوقعوش إنه يكون أول واحد خاين بينهم.
وجه عامر نظره لفارس وقال:
"هذا الموضوع عليك تعرفلي مين اللي ورا الكلب هذا! وبعد ما تاخذ منه اللي محتاجينه سيبهولي أنا هعرف أخليه يتمنى الموت وما يطوله!"
ربت فارس على دراعه وهو بيأكدله إنه هيعمل اللي قاله، أما عامر فاتبدلت نظراته ناحية يقين ولكنها كانت نظرات غاضبة.
غضبان إنها دخلت نفسها في حاجة متعنيهاش وغضبان إنها دخلت من بين كل الرجالة دول. حاسس بالغيرة بتفتك بيه وهي وسط غرفة مليانة رجالة.
جذبها من دراعها بعنف وهو ناوي يخرج، ولكن بمجرد ما عدى من على سعد حتى باغته بركلة عنيفة في بطنه فصرخ التاني وهو بيتلوى، فبسطت يقين كفها على صدره تمنعه وهي بتقول بهلع:
"كفاية… كفاية عشان خاطري يلا بقى!"
مكانش باصصلها في الوقت ده، ولكن جذبها تاني وكمل مشي بيها لبرا وهو شبه جاررها وراه، ومن خطواته الواسعة كانت هي بتجري بتحاول تلحق وتساير خطواته.
شافت من على بُعد ستات العيلة كلهم متجمعين وظاهر عليهم الفضول، وأول ما أبصروهم بالوضع ده اتبادلوا النظرات بينهم بفضول شديد، ولكنه مداش لأي واحدة فيهم اهتمام بل نوى يدخل لجوا على طول، فاعترضت فاطمة طريقه وهي بتقول:
"صحيح اللي سمعته هذا؟!"
بصلها بنظرات مظلمة وقال:
"بعدين…"
وبس قال جملته واتخطاها وهو مازال جاذب يقين وراه، بصتلها عهود بقلق فهزت يقين راسها ليها عشان تطمنها. ولكن هي نفسها مش عارفة تطمن ذاتها، مش عارفة هيكون إيه رد فعله فوق. معقولة يضربها؟ يطلع غضبه وعصبيته فيها؟ معقولة هتشوف الجانب ده أخيرًا من عامر؟!
كانت دقات قلبها بتزيد كل ما بيقربوا للأوضة، فتح الباب بعنف ودخلها ودخل هو وراها وقفله وراه وهو بيتمشى في الأوضة بلا هوادة ومن وقت للتاني بيمسح بكفه على وشه بعنف وكإنه بيحاول يتمالك نفسه عنها.
وكانت هي واقفة تتابعه بقلق متأهبة ومتحفزة لرد فعله، وبعد صمت طويل همست بقلق:
"عامر…"
انتفضت لما شال إيده مرة واحدة من على وشه وقرب منها بملامح مرعبة وهو بيقول:
"أنـتِ إيـش اللي جابـك ورانـا؟! هـا؟! ردي إيش اللي جابك؟!"
بهتت ملامحها وهي بتستقبل عصبيته المفرطة، هي نفسها مش لاقية إجابة لسؤاله. ليه جريت عليه وليه هو أول واحد دورت عليه، ليه منعت اللي بيحصل، ليه اتدخلت أصلًا!
وقصاد صمتها كان بيغلي، فزعق بعصبية أكبر خلاها تغمض عيونها من الرهبة:
"ردي! إيه اللي دخلك وسط الرجالة بملابسك هذي وشعرك المكشوف اللي فرحانة بيه ها؟"
فتحت عيونها وهي بصاله بتعجب من كلامه، مكانتش متوقعة إن ده سبب عصبيته، ولكنه مخدش باله من نظراتها بل كمل:
"مستغنية عن روحك؟! أفرضي كانت خرجت رصاصة طايشة وجت فيكي؟! افرضي كانت فيه حركة غدر صارت؟! افرضي كانت الرصاصة اللي خرجت من سلاحي صابتك وأنتِ بتجري تقفي قدامي وعاملة فيها سبع رجالة! أنتِ مستقوية قلبك ليش؟!"
كانت عيونها مسلطة عليه وهي مستشعرة نبرة الخوف الممزوجة بالسيطرة اللي في صوته ونظرة عيونه، لوهلة لقت خوفها اتبدد قدامه، كانت حاسة برهبة منه اختفت دلوقتي لما شافت اهتمامه بيها. اهتمامه بشكلها وإنها وسط رجالة لوحدها وخوفه إن حاجة تصيبها وسط كل اللي بيحصل.
وقصاد نظراتها اللي كانت بتوجهاله، نظرات مشابهة لنظرات القطط بعيونها الواسعة اللي بتلمع بشكل غريب هي نفسها مستغرباها، لقى أنفاسه المتسارعة بتخفت وعصبيته بتقل، حس باحساس غريب بيدغدغه في الوقت ده، فقال بصوت أهدى:
"إيش اللي دخلك يا يقين؟!"
"خوفت."
قالتها بنبرة رقيقة مليانة مشاعر غريبة.
فرد:
"كان أأمن لك تفضلي في الدار."
ارتبكت فضمت شفايفها وردت:
"لما ملقتكش معايا قلقت."
"علـيا؟"
سأل بأنفاس متهدلة وهو بيتوسلها بعيونه تقول الإجابة اللي حابب يسمعها، وكإنها كانت هتروي ظمأ سنين. الحقيقة هي ظمأ سنين فعلًا، عطش سنين مشاعر مجربهاش قبل كده غير لما شافه. من أول يوم وهو حاسس إن فيها حاجة مختلفة مميزاها عن أي ست شافها عشان كده مقدرش يئذيها، ولا قدر حتى يطلق سراحها.
لوهلة جف حلقها قصاد عيونه، وفضلوا مسحورين في عيون بعض للحظات قبل ما تتدارك نفسها سريعًا وعبثت بخصلاتها وهي بتحيد بنظرها عنه وردت:
"أنا قلقت عشان لقتني لوحدي وعشان مفيش غيرك في البيت أعرفه أو بتعامل معاه، فدورت عليك عشان كده."
انطفت لمعة عيونه قصاد كلامها الفظ الغير مرتب عكس ما كان متوقع، فرفع حاجبه بعدم تصديق، هي نفسها مكانتش مصدقة كلامها، حتى لو لفت ودارت كانت هتفهم إن مقصد كلامها في النهاية إنها مش لاقية الأمان غير معاه. طول ما هو موجود هي متطمنة وعارفة إن فيه درع حامي ليها.
أما هو ففضل ساكت شوية وبعدين قال بغلظة:
"تاني مرة ما تدخلي حالك في اللي ملكيش فيه، أنا بحذرك."
سكتت وهي بصاله بغيظ كان بمقدورها ترد عليه ولكن عارفة إن الموقف اللي هو فيه مش أحسن حاجة ففضلت الصمت. أما هو فاتنهد وراح قعد على الكنبة، ودفن راسه بين كفوفه وهو بيغلغل أنامله في خصلاته، في حين بيضغط على جفونه بعنف. اللي حصل وجعه، سعد اللي كان بيآمنه على كل حاجة هو اللي طعنه. عارف عنه كل حاجة تقريبًا، تفاصيل الشغل وأماكن التسليم وحياته وحاجات كتيرة. لو استغل نقطة زي دي عامر هيروح في داهية والعيلة كلها هتتأذى. حاسس بالهم من كل اللي بيحصل. متخيلش إنه كان مأوي تحت سقف بيته اللي قتل مراته الأولى وحاول يقتل مراته التانية وكمان كان بيدبرله حوادث قتل ولكن كان بينجوا منهم بأعجوبة.
اتملت عيونه بدموع محبوسة من الحمل اللي هو حاسس بيه، فشد على خصلاته بعنف وكإنه بيعاقب نفسه، وكانت يقين واقفة من على بُعد تتابعه بنظرات حزينة، عايزة تواسيه ومش عارفة، مش قادرة تتصرف، فلقت نفسها بتقرب وقعدت جنبه على الكنبة وهي بصاله بصمت، ولكنه رفع عيونه لما حس بكفها على دراعه، انتقل بنظره على إيديها اللي بتربت بيها على زراعه وبعدين رفعه لعيونها، ضمت هي شفايفها بأسى وقالت:
"طلع هوسكت شوية وهو بيتأملها بعيونه الحمرا من الانفعال الداخلي اللي حاسس بيه، وبعدين بص قدامه في الفراغ وقال:
"طلعت مدخل حية جوا داري بقالي سنين وأنا مش داري."
كانت نبرته متألمة وعاجزة، فيها لوم للنفس، حاسس لأول مرة بإنه غبي وضعيف، فمسدت هي على دراعه وقالت:
"متشيلش نفسك الذنب، أنتَ اللي مش مدرك للي حواليك لإنك واثق فيهم، معرفتش إن ممكن حد يمثل إنه حبيبك وهو أول شخص بيغدر بيك، مش ده الكلام اللي قولتهولي قبل كده؟"
وجه عيونه ليه وبضعف قال:
"أنا مش أنتِ يا يقين، أنا مش نقي أو نضيف كيفك، أنا تاجر أسلحة وكبير عيلة من أكبر عائلات شمال سيناء، أنا ماني زيك!"
زمان كان ممكن تفتكر الكلام ده تقليل منها أو وصف ليها بإنها ساذجة، ولكن دلوقتي هي شايفة شخصية تانية من عامر قدامها عرفت تميز إنه يقصد شايف إنه مسخ وهي النضيفة، فابتسمت بخفة وقالت:
"ومين قال إنك مش نقي يا عامر، ما يمكن أنتِ اللي لقيت نفسك مجبر على وضع مش وضعك أو مكان مش مكانك، عشان بس الظروف هي اللي حطتك فيه، متلومش نفسك خالص على إنك وثقت في حد وطلع خاين، عمر ده ما هيكون ضعف منك!"
سكت وهو بيبصلها بنظرات عميقة، وكأنه بيقولها توجه الكلام ده لنفسها الأول ولكن في النهاية لقى نفسه بيبادلها الابتسامة، كانت عيونه فيها نظرة امتنان وكأنه كان مستني مواساة من زمان، أو يمكن عشان المواساة دي جت منها هي!
وتحت كانت النساء لسة متجمعين خاصة بعد ما طلع عامر وهو مشتعل بالشكل ده، ظهر فارس وعايد وعمامهم وأولادهم، فجريت عليهم فاطمة اللي كان باين عليها القلق وقالت:
"وش اللي صاير؟ معقولة الملعون سعد طلع جاسوس؟!"
هز فارس راسه وهو بيضم شفايفه بضيق من غير ما يرد، فمسكته فاطمة من دراعه بلهفة وقالت بغل:
"أخذتوه لوين، وينه هذا الملعون، طلع روحه بإيدي!"
زفر فارس بنفاذ صبر، فاتدخل عايد وقال:
"أخذناه للمخزن اللي ورا المزارع ياما، محتاجينه، هو لحاله اللي يعرف كل شي عن اللي صار لحد ما نفهم إيش الموضوع بالضبط من عامر."
ضمت فاطمة قبضتها وهي بتقول:
"هي الملعونة المصراوية، أكيد كل اللي صار بسببها عشان كذه كان جاررها وراه كيف البهيمة."
مسح فارس على وشه بقلة حيلة وهو شايف إن أمه ما بتصدق تلاقي حاجة ترميها على يقين من كرهها ليها، فضحك راغب بسخرية وقال:
"على ذكر المصراوية، مشوفتيهاش دخلت بين الرجالة كيف ومنعت عامر يقتل سعد وخدته من دراعه وخرجت، ابنك عاشق للمصراوية يا مرت أخوي!"
بصله فارس بتأنيب وهو بيقول:
"عمـي!"
رفع راغب حاجبه وقال:
"كذبت ولا إيش؟! مش هذا اللي صار قصاد كل الرجالة؟!"
اشتعلت عيون فاطمة بالغضب وكأنها حاسة بإن يقين غريمتها وهي اللي هتاخد ابنها منها، فاتلفتت من غير ما تتكلم وطلعت على فوق، فهتف عايد بتساؤل:
"لوين ياما؟!"
ردت وهي بترفع جلبابها التقيل:
"هروح افهم من اخوك وش اللي بيصير!"
رفع عايد إيده في السما فنفاذ صبر وهو بينقل بصره بينه وبين فارس اللي اتوجهوا وراها على طول. ومعاهم زوجاتهم وعهود اللي قلقت على أخوها، وسابوا الباقي تحت يتناقلوا النظرات بينهم. مالت هناء على ليلى وقالت:
"أهو سمعتي بنفسك يا بت عمي، عامر عاشق لمرته وهذا كلام الكل مش كلامي أنا."
بصتله ليلى بعيون مليانة دموع ووقفت وهي بتهز رجليها بعصبية وانفعال داخلي حاولت تداريه، ولقت نفسها رغم عنها بتبص لخالد اللي كان واقف بيتكلم مع زايد أخوها، لوهلة لقت نفسها بتتأمله. خالد مكانش وحش بالعكس كان ملامحه رجولية جذابة بعيونه السوداء الحادة وشعره القصير شديد السواد. خالد عمره ما كان وحش بل بالعكس هو وسيم. ولكنه عمره ما طلع برا دايرة إنه أخوها.
زفرت بنفاذ صبر لما لقت نفسها طولت في التأمل وبعدين سابتهم كلهم ورجعت. أما خالد فوجه نظره ليها بعد ما كان داراه بالقصد لما لاحظ إنها بتبصله، واتنهد بحزن وهو بيتابع أثرها.
اتفتح الباب بعنف ودخلت فاطمة من غير ما تخبط على الباب، عبست يقين بتعجب وجذبت إيديها بسرعة من على عامر، ولكن كانت فاطمة شافت المشهد اللي قدامها فاشتعل صدرها أكتر ورمقت يقين بنظرات مليانة غل، فقامت يقين بدورها واتوجهت لعند السرير تحت أنظار فاطمة اللي بتبصلها باستحقار وكأنها دخيلة ووقفت سندت بضهرها عليه.
قربت فاطمة بدورها فدخل وراها عايد وفارس وعهود اللي جريت على يقين وربتت على ضهرها فطمنتها يقين إن كل حاجة تمام. أما نوارة وراوية ففضلوا واقفين على الباب من برا يتفرجوا على اللي بيحصل.
وقفت فاطمة قدام عامر اللي كان بيتجنب النظر ليها وهو عابس وقالت:
"عرفت من وين إن هو الخاين؟"
سكت عامر ومردش، فوجهت بدورها نظرها ليقين وكأنها بترميها بالاتهام، فرجعت بصت لعامر وقالت:
"اتأكدت؟"
رفع عيونه ليها بضيق شديد ورد:
"فكرك هاخذ خطوة كيف هذي وأنا مالي متأكد ياما؟!"
رفعت راسها وباستفزاز ردد:
"وأنا إيش عرفني، ما يمكن حد لعب في عقلك وخلاك تشك في رجالتك!"
قام عامر اتنفض بعنف من على الكنبة بعد ما عرف مغزى كلام أمه اللي دايما رايح ليقين وكأنها مولودة فوق دماغها، ووجه كلامه لعايد بنفاذ صبر:
"عايد، خذ أمك خليها ترتاح في غرفتها."
اتوسعت عيونها بصدمة وقالت:
"بتطردني يا عامر؟!"
مسح على وشه بكفه وهو بيحاول يتمالك أعصابه وقال:
"الله يرضى عنك، أنا فيا اللي مكفيني، اتركيني أحل الكارثة هذي وبعدين أبقي ضايقيني بالكلام كيف ما تحبي وهسمعك."
فضلت واقفة مكانها وهي بتبصله بعتاب شديد، مكانتش مدركة إنها بتضغط عليه بزيادة، فقرب منها عايد واحتوى كتفها وهو بيقول:
"يلا ياما، تعالى ارتاحي دلوقت عشان خاطري وأنا هفهمك كل شي."
وبعد محاولات منه اتحركت معاه بالفعل بعد ما رمقت يقين بنظرات مليانة كره وصلتلها كويس، بص عامر لفارس وقال وهو بيلف حوالين نفسه:
"الكلب طلع هو اللي ورا كل اللي بيحصل، هو اللي طعن يقين، وهو اللي أكيد قتل سلمى."
وقف قصاد فارس وقال بجنون:
"تخيل الراجل اللي مآمنينه على كل اللي يخصنا هو عدونا يا فارس، أنا نفوخي هيضرب!"
كانت يقين وعهود بتتأمله بحزن وأسى شديد، فقرب منه فارس وربت على كتفه وهو بيقول:
"اهدى بس ياخوي، كل شي هينحل."
مسح عامر على شعره وقال:
"اسمعني كويس، أجل كل الشحنات اللي جاية، وعاوزك تفتح عينك وتشوف فيه حد مع سعد ولا لأ، هنغير أماكن كل المخازن اللي تخصنا وهنغير طريقة توصيل الشحنات. كل هذولا الاشياء دليل ضدنا هو يعرفهم وممكن هو واللي وراه يستغلوه عشان يوقعونا بعد ما كشفناه بالذات، كل شي عارفه سعد لازم هيتغير."
هز فارس راسه وقال:
"ما تقلق هنحل كل شي، هدي حالك أنتَ بس."
سابه عامر وقعد على الكنبة وهو بيشعل سيجارة وبيدخنها بعصبية، فسابه فارس وشاور لعهود اللي ودعت يقين وخرجوا من الغرفة وقفلوا الباب وراهم.
كان عامر قاعد بيهز رجله بعنف وهو بينفث دخان سيجارته بعصبية، رفع عيونه تجاه يقين اللي كانت بتراقبه بصمت، ولوهلة اتثبتت عيونه عليها بعد ما أدرك في الوقت ده إنها مرتدية البالطو الخاص بيه، واللي كان طويل وواسع عليها بشكل مضحك ولكن خلى مظهرها رقيق بيه.
لاحظت هي نظراته وارتبكت بشدة وهي مش فاهمة بيبصلها ليه، ولما تدارك نفسه سأل وهو بيحيد بنظره عنها:
"جواد وينه؟!"
رجعت خصلاتها للخلف وقالت:
"هدية أكيد خدته لأوضته لما قولتلها تطلعله."
هز راسه بصمت، وبعدين اتمدد على الأريكة على ضهره وهو باصص للسقف، في حين أدركت هي في الوقت ده إنها لابسة البالطو بتاعه، فقلعته بسرعة وهي بتدعي إنه ميكونش خد باله، وبعدين اتمددت على السرير، سرعان ما اتلفتت ليه وفضلت مخلية عينها عليه بقلق، شايفة الهم والضيق اللي على وشه وشايفه عجزه. ودي حاجة مضايقاها، هي متعودة عليه قوي وشامخ. وبعد مدة طويلة من الصمت غابت في نوم عميق.
بص عامر عليها ولما لقاها نامت قام واتجه ناحيتها، عدل من الغطا ودثرها كويس وبعدين وقف شوية يتأملها، وارتسمت ابتسامة خفيفة ودافية على وشه، وبعدين راح وقف في البلكونة وهو باصص في الفراغ قدامه. ازاي هيجيله نوم بعد كل اللي حصل؟!
****
وصلت عربية عزيز للمكان اللي بعته ليه عامر، كان عامر بالفعل واقف مع فارس وعايد عشان يستقبله، نزل عزيز من عربيته وقرب منهم، حس فارس في الوقت ده بالغيظ الشديد، شايف الابتسامة الساخرة اللي على وشه وشايف نظراته المستفزة اللي بيتحداه بيها، فكان هيتهور ويهجم عليه ولكن عامر منعه لما بسط كفه على صدره، فوقف فارس وهو بيجز على أسنانه، مش معترف بالاتفاقية دي، هو لسة شايف عزيز عدو ليه ولكن تمالك نفسه لإن الأمور حساسة الفترة دي.
وقف عزيز قدامهم وهو بيحرك سلسلة في إيده في الهواء، فشاورله عامر بإنه يدخل، وبالفعل اتحركوا كلهم لجوا.
كان سعد مربوط في كرسي وسط المخزن اللي كان فيه الشخص اللي مسكوه فيه قبل كده، حتى كان مربوط نفس الربطة، كان في حالة لا يُرثى لها ولكن جروحه بتاعة الرصاص اتداوت، بصله عزيز باستنكار ووجه نظره لعامر وقال:
"عالجته؟!"
رد عامر وهو حاطت إيده في جيوبه:
"محتاجينه عايش لحد ما نعرف مين اللي وراه."
قرب عزيز منه خطوتين، ووقف وهو بيتأمله بسخرية في حين كان سعد بيبصله بنظرات متقلش استهزاء عنه، فاتكلم عزيز بعد ما اتبدلت نظراته لتانية متوحشة ومال ناحيته بجسمه من فوق:
"أنتَ اللي قتلت سلمى اختي؟"
سكت سعد شوية، فقبض عزيز على رقبته وشهق التاني لما باغته بالشكل ده وصرخ:
"انطـق!"
ابتسم سعد باستفزاز، ورفع عيونه ليه وقال:
"آه أنا اللي قتلتهـا، تحب أحكيلك قتلتها كيف؟"
اتجمت عيون عزيز الجاحظة، أما عامر فحس بالغضب الشديد بيتملك منه، ضم قبضة إيده وهو بيحاول يتمالك نفسه. هو بالفعل عرف إنه ورا اللي حصل ولكن كل ما بيسمعها منه النيران بتشتعل في صدره واللي مصبره إنه رافض يقول مين اللي وراه. وقف جنبه فارس عشان يهديه، وبعد طول نظرات بين سعد وعزيز بعد عنه وبدون تردد طلع سلاحه من خصره ورفع صمام الأمان ووجهه على سعد وهو بيقول:
"اتشاهد على روحك!"
اتدخل عامر في الوقت ده ونزل دراع عزيز ووقف قدامه وهو بيقول:
"أنا جايبك هنا عشان تعرف باللي صار، مش عشان تقتل واحد حاطه تحت إيدي!"
من بين أسنانه قال عزيز:
"وعرفت اللي صار وهذا الكلب اللي قتل اختي، إذن هاخذ بتارها!"
جذب عامر السلاح من إيده غصب عنه وهو بيقول:
"غبي! أنا مش عارف كيف كنت واخد غبي كيفك عدو ليا!"
رفع عزيز حاجبه باعتراض على اللي بيقوله، فاتكلم عامر وهو بيشاور جهة سعد:
"هذا اللي نفذ، وإحنا محتاجين اللي خطط، ومن غير هذا الكلب مش هنعرف مين اللي خطط لكل اللي بيصير!"
سكت عزيز وهو بيوجه نظره لسعد اللي كان بيبتسم باستهزاء، وفي النهاية كان اقتنع بكلام عامر فعلًا لما فكر فيها، هز راسه لعامر فشاورله إنه يمشي، وبالفعل اتحرك معاه ولكن لوهلة باغت عامر ولف ولكم سعد في وشه لكمة عنيفة خلته يتقلب بالكرسي على ضهره ويتأوه من الألم.
اتلفت لعامر وهو بينفض إيده مكان قبضته اللي وجعته، فشافه وهو باصصله فرفعة حاجب باستنكار للي عمله، فهز عزيز راسه ببراءة وقال:
"ما قدرت بصراحة، قولت أعطيه تذكار مني لحد ما ارجعله."
مسح عامر بكفه على وشه وهو بيتنهد بقلة حيلة، أما فارس وعايد فكانوا بيبصوا لبعض بدهشة من الشخصية العجيبة اللي شايفينها قدامهم.
اتحركوا كلهم وخرجوا لبرا وودعوا عزيز لحد عربيته، اللي وقف ووجه كلامه لعامر وقال:
"هتابع معاك اللي بيصير، للأسف يا عامر من اليوم أنتَ صديقي وبينا اتفاقية وقف حرب لحد ما نوصل للي وراه، بعد كذه أنتَ عامر الزيات بالنسبة ليا."
ابتسمله عامر باستخفاف، فركب عزيز عربيته ومشي، بصله عايد بتعجب وقال:
"هذا بيتكلم بقلب جامد ولا كأنه ما بياخذ منك كل علقة والتانية!"
أومال لو ما كنت مشوه وشه! ضحك فارس فقال عامر:
"حليتوا اللي قولتلك عليه؟"
رد فارس:
"ما تقلق ياخوي، غيرنا كل شي، كلمت عمامك وولاد عمك يسبقونا على المكتب عشان نتفق على التفاصيل الجديدة."
هز عامر راسه وبالفعل اتجه معاهم عشان يرجعوا البيت.
في الوقت ده، كانت قاعدة يقين في غرفتها ومن وقت للتاني بتبص من البلكونة تتطمن عليه، خاصة وإنها من ساعة ما صحيت وهي لقت نفسها الأوضة لوحدها. رجعت تاني وقعدت على السرير وهي بتهز رجليها بقلق، خايفة لياخد أي خطوة أو يحصله حاجة، دقايق وانتفضت بهلع لما سمعت صوت عربيات الشرطة اللي اقتحمت المكان، قامت جريت على البلكونة فشافت عدد كبير من السيارات اللي وقفوا في مدخل البيت، ونزل ضابط وهو بيشاور لرجالته وبيقول:
"دورولي عليه."
اتسعت عيون يقين من الخوف، ولقت نفسها بتجري على تحت، فشافت المكان اتقلب تمامًا، جريت على نوارة وسألت بهلع:
"إيه اللي بيحصل؟!"
ظهرت فاطمة من غرفتها قبل ما ترد نوارة، وخرجت وهي بتتساءل هي كمان، ثواني ودخل رجال الشرطة البيت، اتجهت ناحيتهم فاطمة وبقوة قالت:
"إيش الدخلة هذي يا حضرة الضابط ما مراعين حرمة الدار كمان!"
اتكلم الضابط برسمية:
"عامر وين؟!"
"أنا هنا!"
اتلفتوا كلهم على الصوت من وراهم، كان واقف شامخ وهو بيرمقهم بنظرات متعجبة استنكارية، شاور الضابط لرجالته وهو بيقول:
"هاتوه."
رفع عامر حاجبه وقال:
"وهذا ليش؟"
ابتسم الضابط باستفزاز:
"هتعرف كل حاجة لما نوصل يا عامر."
عمت الجلبة المكان وهما مش فاهمين إيه اللي بيحصل، جريت فاطمة على عامر اللي خدوه رجال الشرطة بالفعل واتحركوا بيه، وفضلت تصرخ وهي بتمنعهم، فاتلفت عامر ليها وهو بيقول:
"ما تقلقي ياما، راجعلك، أكيد سوء تفاهم."
رمقه الضابط باستخفاف وقال:
"ما تتأمل يا عامر، المرادي شكلها بلا رجعة."
فرد عامر بنفس القوة وبابتسامة جانبية مستفزة:
"بلاش الثقة الزايدة، مسيري هخرج برضك يا حضرة الضابط."
شاور الضابط لرجالته اللي اتحركوا بيه، ومنع فارس وعايد فاطمة إنها تجري وراه في حين جري حمد عشان يكلم المحامي اللي هيروح معاهم يتابع اللي بيحصل.
واتقلب البيت تمامًا ما بين البكاء والهلع، أما يقين فكانت واقفة مكانها متجمدة تمامًا، مش فاهمة إيه اللي بيحصل لكن كل اللي استوعبته إن عامر بيضيع.
رواية وجوه في العتمة الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم منة ممدوح
طلعت على أوضتها بسرعة من غير ما حد ياخد باله. كان ما زال فيه جلبة تحت بسبب اللي حصل. فاطمة اللي كانت بتصرخ باسم ابنها في حالة انهيار، عهود وزوجات إخواته وولاد عمه، إخواته اللي قلبوا الدنيا عشان يفهموا إيه اللي بيحصل.
أما هي فكانت مشتتة تمامًا، جواها مشاعر متضاربة. قفلت الباب وسندت عليه بضهرها وهي بتتنفس بعنف. اتحركت وقعدت على السرير بتعب. شردت في الفراغ، صوره وهما واخدينه، نظراته الشامخة، صراخ فاطمة المستمر، انفعال إخواته، صوت عربيات الشرطة، نظراته، عامر بيضيع، نظراته، شكله وهما واخدينه، ونظراته.
حطت إيديها الاتنين على أذنها بملامح منكمشة، مش قادرة تتحمل كم الأصوات اللي في دماغها. الشتات اللي هي فيه مش متحملاه. ليه موجوعة وليه خايفة عليه؟ هي كانت مستنية ده من زمان. هي جت عشان تنتقم منه وأقسمت إنها هتدخله السجن. ليه موجوعة دلوقتي؟
اتمددت على السرير وهي منكمشة في وضع الجنين وضامة نفسها. كل اللي في بالها هي صوره. لوهلة حست بإنهم بياخدوا جزء منها وماشيين. لوهلة حست بالبرودة لما بعد عنها. وكل ما تدرك إنها بقت في البيت لوحدها بتزداد الغصة في صدرها. البيت بالنسبالها كان وجود عامر.
***
وصلوا لقسم الشرطة. نزل عامر وحواليه رجال الشرطة، ووراه إخواته وولاد عمه وكمان أعمامه اللي كانوا بيلاحقوه بعربياتهم. بالنسبالهم عامر هو عمود العيلة الرئيسي، من غيره كلهم ضايعين. دخل لجوا غير سامحين ليه بإنه يتكلم مع أي حد، وكانوا متحفظين عليه. ومنها لغرفة وكيل النيابة، ووراه محامي العيلة اللي كلمه حمد.
دخل عامر وقعد على الكرسي قدام وكيل النيابة اللي كان يعرفه، فهو نفس الشخص اللي كان بيحاول يمسك عليه حاجة طول الفترة اللي فاتت، خاصة يوم ما اتمسكت الشحنة وأنكر السائق علاقة عامر بيه. ريح ضهره على الكرسي وهو بيبصله بنظرات باردة استفزت التاني، ولكن حافظ على ابتسامته وهو بيقول:
"نورتنا يا عامر."
"أتمنى مكونش ضايقتك لما جيبتك هنا."
رفع عامر نظره ليه وهو بيقول:
"أنتَ عارف إن اللي سويته هذا غلط مش كذه؟"
زادت ابتسامة النائب وقال:
"أنتَ بالنسبالي واحد مشتبه بيه، فين الغلط في كده؟ أنا هنا بحقق القانون."
انفلتت ضحكة عامر وهو بيشيح بنظره عنه. ثقته الزيادة وغروره كانوا مستفزين. النائب عارف كويس مين عامر الزيات وعارف هو إيه، ولكن مكانش عارف يمسك عليه حاجة.
وقصاد الحرب الباردة اللي حاصلة في المكتب، اتقدم المحامي وأعطى الكارنيه بتاعه للنائب وهو بيقول:
"عبدالرحمن حافظ، حاضر هنا لموكلي عامر سالم الزيات."
شاور ليه النائب يقعد، فاتكلم المحامي:
"ممكن أعرف عامر هنا بتهمة إيش؟!"
شبك النائب إيديه في بعض، وشاور لكاتب العدل اللي كان جنبه عشان يركز في النقاش اللي هيبدأ بينهم وقال:
"وصلتلي مصادر بتقول إن عامر متهم بحيازة الأسلحة الغير مرخصة، ده غير إنه متهم بالإتجار في المواد الممنوعة، وكمان متهم في قتل شخص لقيناه مدفون في الصحراء بدون اثباتات واللي بعدين وصلنا في البلاغ إنه المفروض واحد من رجالة عامر."
ضحك عامر بسخرية وكإنه مش فارق ليه كل اللي اتقال. اتوتر المحامي من أسلوبه اللي استفز النائب وقال:
"يا سيادة النائب هذي مجرد بلاغات كيدية، حضرتك عارف إن أعداء عامر بيه كتير، وأكيد مستنيينه يقع عشان ياخذوا السوق هما فعشان كذه قدموا هذي البلاغات الكيدية."
وجه النائب نظره للي كان قاعد مرتاح اكتر وحاطت رجل على رجل وكإنها مسرحية هزلية قدامه وقال:
"إيه قولك على الكلام ده يا عامر؟"
ابتسم وقال:
"والله أنا قدامك أهو، عرفت تطلع مني بحاجة يبقى أنا محقوقلك."
ابتسم النائب على كلامه ولكن كانت ابتسامة مليانة غيظ شديد من أسلوبه المتعالي.
وابتدت التحقيقات اللي خدت وقت مش قليل، كان فيها بيتم إنكار كل المنسوب لعامر وكان المحامي بيقوم بواجبه على أكمل وجه. لحد ما انتهى التحقيق بإنه يتم حبسه أربعة أيام على ذمة التحقيق.
أدرك عامر في الوقت ده إن فيه حد مستقصده، والحد ده ليه كلمة كبيرة عشان كده الموضوع زاد عن حده. والغريب إن كل ده حصل بعد ما اكتشفوا موضوع سعد، فأكيد هيتم الضغط عليه من ناحيته.
خرج عامر من المكتب بعد ما وضعوا الأصفاد في إيديه بصحبة اتنين عساكر ومعاهم المحامي. كان برا واقف إخواته وعهود، ده غير فاطمة اللي جت ويقين اللي أصرت تعرف إيه اللي بيحصل وجت بصحبة عهود. أما باقي العيلة ففضلوا واقفين برا القسم عشان الزحمة.
تجمدوا كلهم لما شافوه مكبل بالأصفاد، فجريت عليه فاطمة وهي بتقول:
"عامر يا ولدي، إيش هيسووا فيك يا نور عيني!"
منعها العساكر إنها تقرب منه، فاتكلم المحامي في الوقت ده مع العساكر وقال بتوسل:
"استأذنكم في خمس دقايق بس يطمن عيلته، أنتو شايفين إن أمه ست كبيرة مش حمل تعب!"
بعد ما تبادلوا النظرات بين بعض بتردد، سابوه في الآخر ووقفوا قصاده. فقربت فاطمة من عامر هي وعهود وضموه وهما بيبكوا، في حين كانت يقين واقفة بتتابعه بنظرات حزينة مترددة مليانة بالحيرة.
طبع عامر قبلة على جبين أمه وعهود وهو بيقول:
"ما تقلقي ياما، شدة وتزول إن شاء الله. ووقتها الله في سماه هندم الكلب اللي جاتله الجرأة يسوي فيا هذا."
اتكلم المحامي في الوقت ده:
"هيخلوا عامر عندهم أربع تيام على ذمة التحقيق، الظاهر إن اللي صار هذا متعوبله جامد لدرجة إنهم مهتمين كذه. عامر متهم في تجارة الممنوعات وأسلحة بدون ترخيص وكمان متهم في قضية قتل."
شهقت فاطمة وعهود بهلع. أما يقين فحست بغصة توسطت صدرها في الوقت ده.
فقال فارس:
"تفتكر مين اللي ورا البلاغات؟"
رد عامر بنظرات مظلمة:
"أكيد الكلاب اللي ورا سعد."
زفر بضيق من الوضع اللي اتحط فيه ووجه كلامه لفارس وعايد:
"المهم أنتم خلوا بالكم من الدار، فتحوا عينكم كويس مش عاوز حاجة تتمسك علينا. أنا عارف أنكم قدها وقدود. عهود وأمي في أمانتكم وجواد مش هوصيكم عليه لحد ما أرجع."
بكت فاطمة اللي كانت بتحاول تتماسك. أما عهود فكانت شبه منهارة، ربت فارس على كتفه وهو بيقول بدعم:
"ما تقلق ياخوي، وإن شاء الله أنتَ اللي هتخرج وتاخذ بالك منهم ومننا كلنا، شدة وهتزول."
ضم عامر شفايفه، ووجه نظره في الوقت ده ليقين اللي كانت واقفة وهي حاسة نفسها غريبة وسطهم ولكن قلقها على عامر مقدرتش تداريه. فضل باصصلها شوية واتبادلوا النظرات. كان واخد باله من وشها الباهت وعيونها الحمراء من الانفعال اللي بتحاول تداريه. ولكن قطع لحظتهم العساكر اللي جم عشان ياخدوا عامر بعد ما انتهت المدة.
فاعترض عامر واتلفت لفارس وهو بيقول بصوت هامس:
"أخوي، يقين في أمانتكما تخلي حد يتعرضلها ولا يحزنها، سامعني؟ يقين في أمانتك أنتَ يا فارس."
إنهاء كلامه وهو بيرميها بنظرة أخيرة وكإنه بيودعها. كانت سامعة هي كلامه اللي خلى قلبها ينتفض من مشاعرها اللي بتتصارع جواها.
فهز فارس راسه وهو بيقوله:
"ما تقلق ياخوي، يقين كيف عهود، خليك بخير أنتَ وما تشيل هم."
ابتسم عامر لما اتطمن من رد فارس. وفي الوقت ده اتلفت ومشي معاهم من غير معارضة. كان عايد بيحاول يهدي فاطمة وعهود اللي كانوا منهارين. في حين اتكلم المحامي:
"ما تقلق يا فارس بيه، إن شاء الله عامر بيه هيخرج، وحتى لو طال الموضوع هنحاول نخرجه بكفالة لحد ما تكمل التحقيقات."
اتكلم فارس وهو ضامم قبضته بغيظ شديد:
"المهم نوصل للكلب اللي ورا الموضوع، ومفيش غير سعد اللي عارف."
بعد عايد فاطمة وعهود عن حضنه وهو بيقول:
"يلا يامايلا يا عهود لازم ترجعوا الدار."
مسحت فاطمة دموعها بعنف، ورفعت وشها بكبر وهي بتقول بنبرة متحشرجة:
"مالي رايحة لمكان، طول ما عامر هنا هفضل أنا كمان، وأنتوا لازم تشوفوا حل وتخرجوا أخوكم من هنا وإلا هفضل غضبانة عليكم ليوم الدين!"
اتدخل في الوقت ده فارس وحاول يهديها وهو بيقول:
"يلا بس ياما، العند ما هيفيدك بشي، صدقيني عامر هيطلع بس يلا أنتِ بس."
أشارت بإيديها ناحيته وهي بتقول بأمر مش طلب:
"عامر هيخرج."
جهز فارس راسه وقال:
"هيخرج ياما، هيخرج ما تقلق."
تأكيدها ردت:
"هيخرج يا فارس."
هز راسه بتأكيد ليها، عارف طباع أمه العنيدة ولكن مدرك كويس هي قد إيه بتحبهم وبتخاف عليهم.
وبالفعل اتحركوا عشان يمشوا، ولكن بمجرد ما لمحت فاطمة يقين حتى قربت منها وملامحها اتبدلت للشر والغضب وهي بتقول:
"أنـتِهي أنـتِ يا ملعونة مفيش غيـرك."
تراجعت يقين للخلف لحد ما اصطدمت بالحائط من وراها وهي عاقدة حواجبها بصدمة من رد فعل فاطمة اللي كملت بإنفعال وحقد:
"هو مفيش غيرك، أنتِ اللي بلغتي عنه يا شيطـانـة، أنتِ اللي قولتي هتنتقمي منه، هقتـلك يا مصرواية هقتـلك!"
وقبل ما توصل إيديها ليقين وتخنقها كان فصل بينهم فارس اللي مسك أمه وهو بيقول:
"مش وقته ياما إحنا في القسم!"
ولكن كانت فاطمة بتتحرك بعصبية عشان توصلها وهي بتقول:
"هقتلك يا يقين، أنتِ اللي ضيعتي ابني، أنتِ اللي بلغتي عنه! أنتِ اللي كنتي عاوزة هذا اللي يصير! هذي كانت غايتك من البداية، حاولتي تقتليه ولما منفعش عاوزة تخليه يموت في السجن من الحسرة!"
هزت يقين راسها بالرفض واتملت عيونها بالدموع اللي أبت إنها تنزلهم، ضمت شفايفها بعجز للاتهام اللي بترميها ليه رغم إن معظم كلامه صح ولكنه وجعها!
ولكن فارس ضم أمه وهو بيقول:
"ياما مرت أخوي مالها ذنب."
وجه كلامه ليقين وقال:
"معلش يا مرت أخوي اسبقينا لبرا."
اتحركت برفقة عايد بالفعل لبرا وهي بتبص لفاطمة المنفعلة من وراها اللي دفعت فارس عنها وهي بتقول:
"صدقني هي اللي ورا اللي صار، هي قدم الشؤم من ساعت ما خطت الدار."
احتوى فارس كتفها وقال:
"ياما يقين مالها ذنب ياما، وإلا مكانش أخوي وصاني عليها قبل ما ياخذوه. صدقيني هجيب اللي سواها وهخرج عامر بس اتجنبي مرت أخوي هذولا اليومين، مش عاوزين أخوي يتضايق في حبسه."
دمعت فاطمة وهي بتقول:
"كلت بعقل أخوك حلاوة، اتمسكنت لحد ما اتمكنت. أخوك ميعرفش وش الحية الحقيقية، هي الملعونة هذي ورا كل اللي بيصير!"
ضمها فارس وهو بيطبطت عليها وسند دقنه على مقدمة راسها وهو بيزفر بضيق وقلة حيلة. أما فاطمة فكانت متشبثة فيه وهي بتبكي على ابنها.
مشيت يقين مع عايد اللي حاول يواسيها وقال:
"ما تاخذي بكلام أمي يا مرت أخوي، هي بتقول هذا الكلام من قهرتها، أنتِ متعرفيش عامر بالنسبالها إيش!"
هزت يقين راسها بصمت، مكانتش قادرة على الكلام، مش بسبب فاطمة ولكن بسبب الموقف كله، مش قادرة تتخطى نظرات عامر ولا توصيته لاخوه إنه يخلي باله منها. حتى وهو في أزمته مش ناسيها. واللي مضايقها إنها مفرحتش دلوقتي عكس ما كانت متوقعة، هي كانت مستنية اللحظة دي من زمان، ليه متضايقة دلوقتي؟ ليه مش مبسوطة؟ ليه حاسة بغصة في صدرها والخوف ماليها؟
لاحظ عايد حالتها فوقف بتردد، بصتله هي بتعجب فقال:
"مرت أخوي…"
فضل ساكت وكإنه مكسوف من اللي هيقوله، وبعد ما استوعبت يقين نظراته ضحكت بسخرية وقالت:
"متقلقش، مش أنا اللي بلغت عن اخوك."
قالتها وسابته واقف يعض على شفايفه من الندم ومشيت. خرجت برا القسم فشافت معظم رجال العيلة هنا. اتخطت نظراتهم وراحت ركبت العربية اللي كانت جاية فيها وقفلت الزجاج اللي كان داكن مبيبينش مين اللي جواه وفضلت تبص عليهم من برا وهي بتدلك جبهتها بتعب.
شافت عهود اللي جريت على حسن وهي منهارة اللي أخدها في حضنه وفضل يهدهدها زي الأطفال. ابتسمت لنفسها بسخرية، مرت عليها أسوأ الأيام وملقتش حد جنبه. ملقتش حد يديها الحضن ده!
خرج فارس بصحبة فاطمة والمحامي اللي خلص بقيت الإجراءات، وقبل ما يتحركوا عشان يرجعوا البيت، كان ظهرت عدد من عربيات الشرطة. وقفوا كلهم يتابعوا اللي بيحصل بفضول. فنزل العساكر من العربية ومعاهم عزيز، ووقفت عربية وراهم اللي كانت تخص صالح ومراته المنهارة من اللي حصل.
وقف فارس وعايد يتابعوا اللي قدامهم بصدمة، في حين مكانتش تقل صدمة عزيز عنهم لما شافهم هما كمان هنا. وفي اللحظة دي تمتم فارس بوجه مشدوه:
"يـا ولاد الملاعــين!"
أدركوا كلهم في الوقت ده إن اللعبة كبيرة بالفعل، أكبر مما تصوروا. هما بالوضع ده عرفوا بإن عامر وعزيز اتفقوا فمكانش قدامهم غير إنهم يضيعوهم بعد ما اكتشفوا حقيقة اللي بيحصل.
***
كان مستقر عامر في الزنزانة مع عدد من المساجين التانيين واللي كانوا مسجلين خطر ووشوشهم باين عليها الإجرام. كان ساند ضهره على الحيطة وحاطت دراعه على ركبته اللي تنيها. من وقت للتاني بيبص بطرف عينه للي موجودين معاه في الزنزانة، ملاحظ نظراتهم الغريبة ناحيته وتركيزهم معاه وعارف إن فيه حاجة مقصودة هتحصل بس فضل ممثل الاستكانة.
اتفتحت الزنزانة في الوقت ده ودخل منها عزيز اللي فتح دراعه في الهوا وعلى وشه ابتسامة عريضة:
"السلام عليكم يا رجالة، متجمعين في الخير إن شاء الله."
محدش رد عليه بل كانوا بيبصوله بنظرات صامتة إجرامية. أما عامر فكان باصصله بدهشة من وجوده لحد ما ابتسم بسخرية وظهر على وشه معالم الإدراك. دخل عزيز وهو بيتفرج على المكان لحد ما وقعت عينه على عامر، فاندهش وقال:
"يا نهار أبيض، أنا وعامر الزيات في زنزانة زاحدة!"
هز عامر راسه بيأس. اتحرك عزيز وقعد جنبه وهو بيتأوه بألم. طلع عامر علبة سجايره من جيبه وأعطى عزيز سيجارة وحط التانية بين شفايفه، واتكلم وهو بيولعها:
"لوهلة قولت إن أنتَ ورا اللي صار."
جذب منه عزيز الولاعة الذهبية وولع سيجارته وقال وهو بينفث دخانها:
"عـيب! أنا لسة قايلك أنتَ صديقي لحد ما نعرف مين اللي بيوقعنا. بعد كذه هبلغ عنك."
رمقه برفعة حاجب وبعدين زفر دخان سيجارته وقال بجمود:
"اللعب على المكشوف هذي المرة."
هز عزيز راسه وقال:
"عرفوا إننا حطينا إيدنا في إيد بعض واتفقنا. كانوا بيلعبوا من تحت لتحت عشان نخلص إحنا على بعض بعيد عنهم ويفضالهم الجو، ولما انكشفوا بقى اللعب على المكشوف."
بصله عامر وقال بسخرية:
"أنتَ طلع عندك عقل وبتفكر كيفنا ولا إيش!"
جاراه عزيز في مزاحه وقال:
"مش أنتَ لوحدك اللي بتفكر يا عامر يا زيات."
"اسكتوا بقى دوشتونا بقركم هذا!"
صدع صوت اجرامي متحشرج قطع كلامه. وجه عامر نظره لصاحب الصوت اللي كان قاعد في ركن مرتدي قميص حمالات مقطع في الجو اللي كان شديد البرودة ووشه مليان أثار جروح قديمة. رفع عامر حاجبه وهو مدرك كويس إن دي بداية الحرب ولكن مهابش بل بالعكس شامخ زي ما هو. فرد بغلظة:
"مش عاجبك سد ودنك ومتصدعناش ولا شوفلك نصيبة تانية اقعد فيها."
قام وقف الراجل، بالأصح انتفض واتحرك بخطوات متعصبة ناحيتهم، وهو ماشي ضرب برجله وعاء بلاستيكي بقوة خبط في الحيطة جنب عامر فبص للوعاء بطرف عينه وبعدين وجه نظره للي وقف قدامه وقال:
"بتقول هذا الكلام لمين؟!"
رمقه عامر من فوق لتحت بسخرية، في حين كان عزيز قاعد بيتفرج على اللي بيحصل باستمتاع. فرد عامر بقوة:
"هو فيه حد نطق غيرك ولا إيش؟! بقول هذا الكلام لأبو قردان اللي قداميهات اللي عندك."
اشتعلت عيون الشخص أكتر، وبدون تردد مال وجذب عامر من تلابيبه وهو بيسبه. سحب عامر نفس من السيجارة ورماها على الأرض وهو بينفس دخانها في وش الشخص، وبدون تردد لكمه بقوة في وشه خلاه اترمى على الأرض.
وفي لحظات بعد حركته دي لقى عدد كبير من اللي موجودين في الزنزانة قاموا ومشيوا ناحيتهم وهما بيبصولهم بنظرات متوعدة. ابتسم عامر ووجه نظره لعزيز اللي طفى سيجارته وقام وقف ببرود هو كمان وردد:
"استعنى على الشقا بالله!"
وفي لحظات قامت معركة دامية بينهم، كان عزيز وعامر بيتصدوا ليهم بل وبيتسببولهم بإصابات جامدة بسبب بنيتهم القوية وخصوصًا عامر. كانوا عارفين كويس إن اللي بيحصل ده مقصود، وحتى لو محصلش اشتباك بينهم وعامر رد عليهم كانوا هيتلككوا بأي شيء بس عشان مأجورين.
وفي وسط المعركة اتقدم أول شخص ناحية عامر وفي إيده سلاح أبيض، وقبل ما يطعنه كان عزيز أخد باله وهتف:
"حـاسـب يا عـامر!"
وقبل ما عامر يتلفت كان عزيز دفعه وضرب الشخص ده بزجاجة اتهشمت فوق راسه بعنف لدرجة تناثرت شظاياها فوقع على الأرض وهو بينزف.
بص عامر للملقى أرض وهو بيتنفس بعنف والعرق متصبب على جبهته، وبعدين وجه نظره لعزيز اللي كان بيلهث من المجهود وقال:
"كده متعادلي."
ابتسم لما عرف إنه قاصد بإنه أنقذه من الاغتيال، فخدوا وضع الاستعداد وكملوا قتال مع الموجودين لحد ما اتغلبوا عليهم، ولكن بالطبع نالهم العديد من اللكمات والضرب اللي ساب أثر وجروح في وشهم. نفض عامر إيده وهو بيبصق على الأرض وبيمسح جبينه المتعرق والمكدوم، وبتعب اتجه ناحية الملقى أرضًا، جثى عليه ومسكه من تلابيبه يرفعه وقال:
"مين اللي باعتك؟!"
كان التاني شبه مغمى عليه، فـ هزه عامر بعنف خلاه يتأوه بألم ووجه قطعه زجاج على رقبته فاتوسعت عين التاني برعب، قال بنبرة مرعبة:
"انطـق."
صوت مهتز من الألم:
"مـعرفش. جـاتلنا أوامر نقتلكم أو ما توصلوا، وعطونا فلوس كتير."
استشعر عامر الصدق في كلامه فدفعه على الأرض وصرخ التاني بألم، وبعدين اتحرك وهو بيمسح وشه وبينهج من عنف المجهود اللي عمله، واترمي على الأرض جنب عزيز اللي كان قاعد بيلهث. بصله عامر وقال:
"أنتَ طلعت بتعرف تتعارك أهوأومال كنت بتتفرم مني ليش؟!"
بصله عزيز بنظرات مغتاظة ومعلقش على كلامه. وجهوا نظرهم هما الاتنين للمرميين على الأرض وهما بيتألموا.
فقال عزيز:
"الغريبة بعد المدعكة هذي مشوفتش واحد دخل علينا يفضها."
رد عامر بضيق:
"هذا كله ملعوب، من أول البلاغات لحد دخولنا هنا."
سكتوا هما الاتنين، فطلع عامر سيجارة واداها لعزيز وولعله وبعدين ولع لنفسه وفضلوا قاعدين مستنيين العساكر اللي هييجوا يكتشفوا اللي حصل.
***
فضلت طول اليومين دول بتتجنب النزول لتحت عشان متختلطش بفاطمة بعد مواجهتهم الأخيرة في القسم خاصة وأنها ما زالت شاكة فيها، خاصة وإن عامر مش موجود عشان يحميها ويدافع عنها. المرادي محدش هيلحقها من بطش فاطمة، عامر! الغايب اللي لوهلة حست بفراغ كبير بيتمكن منها بسبب عدم وجوده، غصة في قلبها بتزداد مع الوقت وخاصة لما بتتخيل إنه ممكن يفضل في السجن.
وجهت نظرها لجواد اللي نايم جمبها، الوقت كان لسة مبكر ولكن هي اللي نومها غير منتظم بقالها يومين وكإنها حاسة المكان غريب عليها من غيره. وجواد فضل متمسك بيها بسبب غياب والده، يمكن كانت هي اللي محتاجاه مش هو، أو احتياج متبادل. أو عشان شايفها مامته. وهي… علشان بيفكرها بيه مثلا!
مسدت على شعر جواد وهي بتتأمل ملامحه اللي نسخة مصغرة من عامر، مالت وطبعت قبلة عميقة على خده وهي بتستنشق ريحته بعمق. وبعدين قامت وقفت قصاد زجاج البلكونة وهي ضامة نفسها وبتبص في الفراغ.
فيه حاجة غريبة مسببالها ألم، غيابه اللي مش متعودة عليه وهو اللي كان بيلاحقها في كل مكان ومش سايبها تلحق تتنفس من غيره. لقت نفسها بتتجه ناحية البالطو بتاعه اللي خدته قبل كده، مسدت عليه بإيديها وبعدين رفعته وهي بتلبسه وبتضم نفسها جواه وهي بتستنشق ريحة عامر اللي ما زالت فيه وكإنه ضاممها.
لوهلة اتجمدت تمامًا من اللي عملته، انتفضت وهي بتقلع البالطو بسرعة ورمته على السرير وهي بتبصله بدهشة، مش مستوعبة إيه اللي بتعمله دلوقتي. مشاعرها جياشة ناحيته ليه؟!
شدت على خصلاتها وهي بتلف حوالين نفسها بتفتكر كل حاجة. بتفتكر اهتمامه بيها، نظراته، مدافعته عنها، حمايته ليها ولهفته عليها لما تعبت، الأكل اللي كان بيجيبهولها للفراش مخصوص وهي تعبانة، قربه منها أثناء تدريبه ليها بالسلاح، غيرتها عليه من ليلى، حزنها عليه لما مسك سعد، خوفها من إنه يرتكب جريمة، وأخيرًا لهفتها واشتياقها ليه.
وقفت قصاد المراية وهي ساندة بإيديها الاتنين على التسريحة وكانت باصة في الأرض. رفعت مرة واحدة عيونها اللي مليانة دموع وحمراء ككتلة من الدماء. كل اللي استوعبته دلوقتي إنها… حبَّت عامر! كل المشاعر اللي كانت بتتبني جواها دي حب من غير ما تحس! حبت جلادها!
عند استيعابها للجملة دي اتنفضت وهي بتهز راسها بالرفض، الجملة بتتردد في دماغها وكأن الاسئلة المتكررة في دماغها بقت ليهم إجابة واحدة. هي بتحب عامر!
شدت على خصلاتها وهي تلف حوالين نفسها في الأوضة وبتقول:
"لا لا لا لامش ممكن، استحالة، لأ!"
وقفت مرة واحدة وهي بتحاول تفكر نفسها، عامر مهرب أسلحة خارج عن القانون، خطفها، حاول قتلها، حبسها، هددها بأهلها، اتجوزها بالإجبار. ولكن حماها، كان حنين، متفاهم، بيخاف عليها وبيرد كرامتها، بيجيب حقها.
وكأن فيه خناقة جواها، ازداد الصراع جوا عقلها، نزلت دموعها بعنف من فرط اشمئزازها من نفسها من المشاعر اللي اتملكت منها.
بدون تردد اتجهت للدولاب غيرت ملابسها، وطلعت شنطتها القديمة، اتأكدت إن فيهم كل حاجتها وبعدين ألقت نظرة أخيرة على جواد قبل ما تخرج من الغرفة وهي بتتسلل لتحت.
شافها حمد فبصلها بتعجب وسأل:
"لوين بدري كذه يا مرت أخوي؟!"
ردت وهي بتسبقه للعربية:
"خدني لعامر."
بتردد قال:
"بس…"
قاطعته بحدة أكبر:
"خـدني لعـامر ودلوقتـي!"
اتنهد باستسلام وصعد السيارة بالفعل بعد ما شاور لاتنين من الحرس اللي استقلوا عربية تانية وراهم كضمان للحماية. كان حمد بيبصلها من لحظة للتانية من مراية العربية، كانت شاردة، ملامحها باهتة عيونها محمرة ومن لحظة للتانية بتمسح دمعة عابرة بتخونها وتنزل على خدها.
انتبهت على صوت حمد اللي قال:
"عامر بيه بيسأل عنك دايمًا."
حست بغصة عنيفة في قلبها، فبصتله بعيون لامعة بعجز، فكمل حمد:
"أول واحدة بيتطمن عليها، بيسألنا إذا كنتي بخير، حد اتعرضلك، حد أذاكي، أو حد ضايقك. بيتطمن إذا كنتي بتاخذي علاجك بانتظام عشان جرحك، بتاكلي كويس و…"
"كـفايـة."
قاطعته بحدة وهي بتشيح بنظرها عنه، مش قادرة تسمع أي حاجة زيادة، بتحاول تجمد قلبها وتنفر المشاعر اللي اتمكنت منها، اتعجب حمد من حالتها ولكن قال قبل ما يسكت خالص ويكمل في الطريق:
"أنتِ غالية عند عامر بيه أوي يا مرت أخوي، غالية أوي."
غمضت عينيها تضغط على جفونها بعنف من اللي حاسة بيه، وأشاحت بنظرها وكأنها مسمعتوش.
خرج مع الحارس لأوضة وكيل النيابة بعد ما اتنقل للحبس الانفرادي بسبب الخناقة اللي حصلت. كان بيحسب إنه حد من إخواته لما قالوله إن فيه زيارة جياله في الوقت ده، ولكنه اتجمد تمامًا وانتفض قلبه لما شافها هي اللي قاعدة قدامه.
اتلاقت نظراتهم في عناق كبير بعيونهم، عناق خدته نظرتهم بدل أجسادهم. كان مشتاق لها بشكل كبير، قلقان عليها، وحاسس بفراغ لأنه مش شايفها قدامه، مشتاق لمناقرتهم وعنادهم قصاد بعض، مشتاق لأي لحظة بتجمعهم!
كانت صامتة هي وبتراقبه بيتقدم منها، سرعان ما رمشت كذه مرة بخوف وبلعت غصة في حلقها لما شافت الكدمات اللي على وشه.
قعد قدامها على الكرسي، فكانت بتحاول تتحاشى بالنظر عنه عشان متسألهوش عن اللي حصله، وقالت:
"عامل إيه؟"
رد وهو بيتأملها:
"عايش."
ضمت شفايفها تحت نظراته اللي بتخترقها وقالت:
"عرفتوا مين اللي ورا اللي بيحصل؟"
أصدر صوت من فمه دلالة على الرفض ورد:
"مش لاقيينلهم أثر، وسعد مش راضي يعترف."
عضت على شفتيها وهي بتبصله من تحت وكأنها عندها استحياء من النظر ليه بعد ما اكتشفت فداحة مشاعرها، وبعدين قالت:
"هتفضل محبوس؟"
رفع كتفه ورد:
"الله أعلم."
هزت رجليها بعنف تحت نظراته اللي كان واخد باله من كل تصرفاتها، وبحذر قالت:
"لو قولتلك أنا اللي مبلغة عنك؟!"
كأنها مستنية رده بفارغ الصبر، تشوف إذا كان واثق فيها. بص ليها بصمت شوية وهو بيجوب تفاصيلها بعينه، وأصدر صوت دلالة على الرفض وقال بثقة وتأكيد:
"مـش أنـتِ."
سكتت تمامًا وألجمها رده وكأنه بيتكلم بثقة رغم إنها حاولت تثير شكه. اتعدل هو ومال ناحيتها، بص لعيونها مباشرة فارتكبت بشدة، حس هو إن وراها حاجة فقال بنبرة حذرة:
"قوليلي أنتِ يا يقين… جاية ليش؟"
"أنا عايزة اتطلق."
تجمدت عيونه عليها بل جحظت من المباغتة، عدلت هي من خصلاتها بإيديها اللي بترتجف، ورفعت عيونها لعيونه وبقوة قالت:
"يا تطلقني وتسيبني أمشي، يا هقول لوكيل النيابة على كل حاجة أعرفها عنك…"
رواية وجوه في العتمة الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم منة ممدوح
صمت ملأ المكان بعد ما قالته. كان يرمقها بنظرات هادية متفحصة عكس ما توقعت. توقعت يثور، توقعت يتعصب ويهددها، حتى توقعت يرفع يده عليها. ولكن العكس تمامًا، بل فضل على وضعه وكأنها لم تقل شيئًا. ارتجفت يداها المتمسكتان بالشنطة وهي تنتظر العاصفة التي بعد الهدوء هذا كله تخرج في أي لحظة.
أما هو، فبعد صمت طويل، قال بنبرة غريبة عليها:
"ليش؟"
رفعت عينيها بحدقتيها المهتزة إليه. لم تكن قادرة على النظر في وجهه، من خوفها منه من ناحية، ومن خوفها من مشاعرها منذ أن رأته من ناحية أخرى.
والذي أعصبها أكثر هدوئه الغريب الذي لم تعتد عليه فيه، فجعلها في موقف محرج. وبانفعال قالت:
"هو إيه اللي ليش؟"
"بقولك هتطلقني يا عامر، هتطلقني وتسيبني أمشي من المكان ده و ننسى كل حاجة. أنت تنسى إنك كنت تعرف واحدة اسمها يقين، تنسى كل اللي حصل طول الفترة اللي فاتت، وأنا هنسى كل اللي فات، همحي أي حاجة سمعتها أو عرفتها عنك. نبدأ من جديد يا عامر، بعيد عن يوسف وذكرياته وكدبه، وبعيد عنك…"
قالت جملتها الأخيرة وهي تتنهد بضعف. كان يسمع كلامها وعلى وجهه برود غريب وكأن كل ما قالته هذا لم يكن مؤثرًا فيه.
فسأل بحذر:
"وإلا؟"
بلهجة قوية حاولت تستمدها ردت:
"وإلا زي ما قلت لك، هحكي لوكيل النيابة كل حاجة. إزاي اتخطفت وازاي هددتني. هحكي عن تهريبك للسلاح. هحكي عن كل حاجة. وعليا وعلى أعدائي يا عامر، مبقاش فيه حاجة أخسرها أكتر من اللي خسرته!"
انتفضت بهلع عندما لقيته وقف مرة واحدة. بلعت ريقها بارتباك وهي متحفزة لأقل رد فعل ممكن يأخذه ضدها. هي تعرف أن أشعلت فتيلًا بكلامها، تعرف أن عامر لا يهدد، لا يأتي معه العند. تعرف أنه لو لم يرد أن يطلقها فلن يطلقها، وتهديدها هذا تبله وتشرب ماءه. ولكن هل هي نفسها ستقدر أن تغدر به؟
عندما رأى انتفاضها والذعر الذي ظهر على ملامحها، ابتسم وقال ببرود:
"خايفة؟"
ضمت قبضتها وبانفعال وعصبية ردت:
"أنا مش خايفة منك!"
أصدر صوت دلالة على الرفض وهو محافظ على ابتسامته ونظراته الماكرة وقال:
"مش خايفة مني أنا؟ خايفة منك أنت."
بصت له بتعجب وهي تحاول فهم كلامه. قرب منها خطوة، وبإصبعه أشار إلى صدرها تحديدًا موضع قلبها وقال بنبرة عميقة:
"خايفة من هذا…"
وكأنه ضغط على جرحها في هذا الوقت. اتصدمت من معرفته بتخبطها الذي هي تحسه. انهارت كل مقاومتها، ارتجفت أناملها، وامتلت عيناها بالدموع التي كانت تحاول منع هطولها. وحاشت بنظرها عنه وهي تقول بجمود مصطنع:
"أنا مش فاهمة أنت بتتكلم عن إيه…"
ارتجفت عندما مد يده ولمس أطراف ذقنها وأجبرها تبص له. وكأنه كان ينتظر دليلًا على كلامه. عندما رأى نظرتها التي مليئة بالمشاعر وصلت له، مليئة حب وضعف! ورأى الدموع التي تملأ عينيها وكأنه ضغط على شيء تحاول الهروب منه.
ملس بإصبعه على خديها بحنان وهو يقول:
"أنتِ خايفة من حالك يا يقين. خايفة من مشاعرك اللي بتتحرك ناحيتي."
رفعت يديها وسندتها على ذراعه لتبعد عنه، ولكنه كان متمسكًا بها. وأشاحت بنظرها وهي تقول بارتباك ونبرة مرتعشة:
"عامر…"
ولكنه لم يرحم ضعفها بل أكمل:
"خايفة من قلبك اللي بيدق أول ما أكون جنبك. خايفة من عينيك اللي بتدور عليا في كل مكان. مستنكرة كيف حبيتي المهرب الحقير الذي كنتي تقولين إنه دمر حياتك. كيف تخليتي عن مبادئك ومشاعرك خانتك وأنتِ مش قادرة تسيطري عليها!"
نزلت دموعها في هذا الوقت وارتجفت شفايفها بعنف. وتوسلته بضعف:
"كفاية."
تهدلت أنفاسه هو أيضًا وكأنه كان في صراع. هو كان في نفس صراعها، مستنكر مشاعره هذه ومش مستوعبها أيضًا. من أول يوم، وعامر الحب لم يدق بابه، أو ربما لم يكن لديه الرفاهية أن يحب، فمستغرب هذه المشاعر.
احتوى وجهها بين يديه الاثنين، فتمسكت هي بذراعه الاثنين أكثر. سند جبهته على جبهتها، فغمضت هي عينيها بضعف وأنفاسه الساخنة تخبط وجهها كأنه يصفعها. نزلت دموعها أكثر. أما هو، فكان ينهج من فرط المشاعر التي يحس بها. مشتاق لها بشدة، ولم يكن فيها غيرها في باله طول اليومين دول.
وبعد صمت، قال بصوت ضعيف:
"أنتِ بتحبيني يا يقين."
شهقت بألم عندما ضرب الحقيقة في وجهها. وبمجرد ما أنهى كلامه، وأدرك أن هما الاثنين وصلا لمرحلة غير قادرين يكبتوا جماح مشاعرهم، مال ملتقط شفتيها في قبلة جموحة تثبت المشاعر التي بينهما هما الاثنين. كانت دموعها ما زالت تنزل من فرط ما تحس به. عقلها رافض ما يحدث، لكن قلبها راضي. راضي بشكل غريب، بل واستكان وكأنه وجد ملاذه.
لم يكن يتخيل أنه ممكن يأخذ رد فعل مثل هذا. ممكن رآها أنها ستكون قبلة وداع. هو نفسه خائف عليها وخائف أن تكون بجانبه. يرى أنها ليست شبهه، يرى أنها أنقى من ذلك.
سند جبهته على جبهتها وهما يتنفسان بعنف. أما هي، فبكت وهي تقول:
"مينفعش. مينفعش يا عامر صدقني. إحنا مش شبه بعض."
كان ما زال صامتًا وهو مغمض عينيه وكأنه لا يريد هذه اللحظة أن تمر بالسرعة هذه. أما هي، فضغطت على جفونها بعنف وهي تكمل:
"عمر ما هيبقى لينا مستقبل مع بعض. عمر ما جوازتنا الغريبة دي هتكمل رغم اللي قلته. عمري ما هعتبر نفسي مراتك، بل بالعكس هحس إني بخون نفسي."
أبعدته عنها، فبصت له بنظرات عميقة مليئة بالحب والحنان أول مرة يظهرها بدون أن يخاف. فتكلمت بنبرة متهدلة مليئة بالتوسل والضعف:
"بالله عليك يا عامر، ارجمني من اللي حاسة بيه. سيبني أمشي بالله عليك."
مد يده ومسح دموعها بحنان وهو يبص لها بعجز. فتشبثت هي بيده وقالت:
"مش هستسلم للي حاسة بيه. مش هسيب مشاعري تسيطر علي."
نزلت يده ومسحت دموعها بيديها بعنف وهي تحاول تتمالك نفسها. ورفعت عينيها الحمراء إليه وبنبرة قوية قالت:
"أنا آسفة يا عامر، بس مش هتنازل عن اللي قلته. يا تطلقني يا هقول لوكيل النيابة على كل حاجة."
تراجع خطوتين للخلف وفضل باصص لها بصمت، كأنه يتحداها أن تفعل ذلك. حسّت هي بغصة عنيفة تضرب صدرها من عجزها.
فاتفتح الباب ودخل وكيل النيابة في هذا الوقت. قعد على كرسيه وراقب نظراتهم الغريبة لبعض. وفي الآخر اتنحنح وقال:
"مدام يقين. قولتيلي إن فيه حاجة مهمة تخص عامر حابة تقوليهالي."
اهتز بدنها في هذا الوقت وهي مسلطة نظرها عليه وسامعة كلام وكيل النيابة. أما عامر، فكان ساكنًا بشكل غريب، يراقبها بصمت ومستني اللي هتقوله، بل وكان يشجعها بنظراته أيضًا. ضمت قبضتها وضغطت على شفايفها. فحثها وكيل النيابة وقال:
"مدام يقين، تقدري تتكلمي براحتك. مفيش حاجة تخافي منها."
التفتت لوكيل النيابة في هذا الوقت وفضلت بصاله بصمت. جواها صراع عنيف بيدور. خناقة بين عقلها وقلبها. مش قادرة تتكلم. وفي نفس الوقت شايفة إن ده تحدي لمشاعرها له. شايفة إن دي الحاجة الوحيدة اللي هتثبت إن المشاعر دي مش حقيقية. بطرف عينها بصت لعامر. ولكن في النهاية لقت قلبها يصرخ بحبها. مش قادرة تساعد. مش أذاها. بالعكس هي عايزه يخرج. مش قادرة تشوفه بيتألم ومش قادرة تطعنه هي كمان.
رفعت عينيها المليئة بالدموع لوكيل النيابة تأهبًا لأنها تتكلم. ووكيل النيابة نفسه عرف إن الموضوع كبير بعد النظرات التي دارت بينهم. ولكن في النهاية خرج صوتها في هذا الوقت:
"معنديش حاجة أقولها."
وبس ختمت جملتها وخرجت من المكتب وهي تفتح الباب بعنف لدرجة إنه خبط في الحيطة. تابعها عامر بعينيه التي مليئة بالحزن والألم. لوهلة لم يكن عنده شك فيها. عارف إنه لن يفعل ذلك. يقين عمرها ما تكون إنسانة مؤذية.
دخل حمد في هذا الوقت وهو حاسس بالتعجب من خروج يقين الذي يشبه العاصفة. فقرب من عامر بتساؤل:
"أخوي؟"
بص له عامر وبجمود رد:
"خذها لأي مكان عاوزة تروحه وخليك معاها. هي في أمان."
هز حمد رأسه وخرج وهو يجري وراء يقين. أما وكيل النيابة، فشابك يديه ببعض وهو يقول:
"الظاهر المدام كان عندها كلام كتير هتقوله. بس خافت منك يا عامر."
بص له عامر وابتسم باستفزاز:
"لو كانت عاوزة تقول حاجة، كانت قالتها. حرم عامر الزيات ما بتهاب شي. أي فرد في الزيات من أكباره لأصغره ما بيهاب شي يا باشا."
استفز وكيل النيابة جملة عامر التي كانت مليئة بالقوة والتحدي. فضغط على زر أمامه دخل منه اثنان عساكر بسرعة. أشار لهم يأخذوا عامر. وبالفعل تحركوا معه حتى أخذوه في زنزانته التي قاعد فيها لوحده. تحرك لجوا وفضل يلف حول نفسه وهو يزفر بعجز. هو منتظر إيه؟ بعد كل اللي عاشته يقين لازم ترفض اللي حاسة بيه. هو يرى الحب في عينيها الذي يبنى يومًا ورا يوم وكان ينكر ذلك. حتى هو نفسه كان ينكر مشاعره لها.
افتكر في هذا الوقت قبلتهم التي كانت مليئة بالمشاعر الجياشة ممزوجة بدموعها. فاتجه للحائط ولكمه بقبضته وهو يزمجر بقهر. وبعدين تحرك وقعد على السرير وهو شارد أمامه. لن يترك يقين. لن يسمح أن يحدث هذا…
***
نزل حمد يجري وراء يقين التي لقاها اختفت عن عينيه. ركب السيارة وتحرك وهو يدور في الطريق حتى رأها واقفة والظاهر تنتظر تاكسي. كانت دموعها مغرقة عينيها تمسحهم من حين لآخر بعنف. لا تقبل كل ما تحسه، وترفض الفكرة التي في دماغها، ولكنها ستنفذها. لازم تمشي من هنا. لازم تبعد عن عامر وأي شيء يخصه.
وقف حمد أمامها بالسيارة ونزل الشباك وهو يقول:
"تعالي يا مرت أخوي."
أشاحت بنظرها عنه وهي تقول بحدة:
"مش عايزة، أنا مش راجعة البيت ولا هفضل في العريش أصلًا. تقدر تمشي أنتِ."
ولكن بإصرار قال حمد:
"ما أقدر أتركك يا مرت أخوي. اركبي وهاخذك لأي مكان عاوزة تروحيه ما تقلقي."
بصت له يقين بطرف عينها بتفكير. أما هو، فكان يتوسلها بنظراته. وفي النهاية زفرت بضيق وركبت في الكرسي الذي ورائه.
تحرك حمد وهو يبص لها من المرآة التي أمامه ويرى الألم الذي ظاهر على ملامحها، ولكنه فضل ألا يتدخل. وقال:
"لوين يا مرت أخوي؟"
ردت وهي شاردة في الطريق:
"اطلع على مصر الجديدة."
لاحظت صمته، فبصت له تراقب ملامحه التي يبدو عليها التردد من المرآة. فاتكرمت ملامحها وقالت ساخرة:
"إيه؟ مش قلت مش هتعترض ولا غيرت رأيك؟"
تنهد حمد بعجز ورد في النهاية:
"اللي تشوفيه يا مرت أخوي."
وبالفعل بعد مرور حوالي 5 ساعات تقريبًا كانوا وصلوا القاهرة. كانت طوال الطريق صامتة تمامًا، ساندة رأسها على الزجاج وسارحة في الفراغ. والحقيقة كانت تراجع كل ذكرياتها مع عامر. فيه غصة تتحكم في قلبها، تتألم من فكرة أنها لن تكون موجودة في حياته ثانيًا. حتى جواد، زعلانة أنها ستتركه بعد ما اتعلقت به واتعلق بها واعتبرها أمه فعلًا. هي تعرف أنها أنانية بتصرفها هذا، بس لازم تنجو. لازم تنجو بقلبها.
قدرت تميز شوارع القاهرة التي تعودت عليها واشتاقت لها. كان بقالها مدة كبيرة مبتتمشاش فيها كما كانت تحب. فتحت زجاج السيارة وطلعت رأسها برا وهي تشم الهواء بعمق. وبعدين قالت لحمد:
"خدني على شقتي."
شافت التردد الذي ظاهر عليه. مكانش عاجبه الحال الذي وصلت إليه هي وعامر، وهو مدرك كويس هي غالية عنده قد إيه. فبصت له يقين وقالت بسخرية:
"أكيد عارف هي فين، ما انتوا دخلتوها قبل كده وجبتوا صوري وورقي عشان كتب الكتاب!"
مردش عليها حمد بل غير اتجاهه لمكان شقتها فعلًا، فابتسمت يقين وأشاحت بنظرها عنه بسخرية.
وصلوا للعمارة التي فيها شقتها. نزلت من السيارة وهي تقفل الباب بعنف وكأنها تودع كل ذكرياتها في هذا الوقت. متأملة أنها لن ترجع ثانيًا. أنها لن ترى عامر ثانيًا رغم الوجع الذي تحس به. دخلت العمارة. أما حمد، ففضل واقف مكانه يتابعها. طلعت لفوق لشقتها، وقفت قدام الباب وهي تبص له بمشاعر مختلطة بعد أيام طويلة من الغياب. لأول مرة تحس أن هذا ليس مكانها. بعد الكذبة التي عاشتها مع يوسف، هذا لم يعد مكانها فعلًا.
تنهدت بقلة حيلة وطلعت مفتاحها من الشنطة. حاولت تفتح الباب ولكنه لم يكن يفتح. عقدت حاجبيها بتعجب. المفتاح لم يكن يدخل في الباب أصلًا. ولكنها كانت تعافر وهي تحاول فتح الباب ودموعها نزلت غصب عنها. كل الأماكن ترفضها، حتى شقتها.
"مدام يقين!"
انتفضت بفزع على الصوت الذي وراها، والذي اكتشفت أنه البواب. حطت يديها على صدرها وهي تتنفس براحة لتتمالك نفسها. فاتكلم البواب:
"الحمد لله على سلامتك يا مدام يقين. طولتي في الغيبة."
تكلمت بصوت حاولت يكون طبيعي:
"الله يسلمك يا عم إبراهيم. بحاول أفتح الباب مش راضي."
عقد حواجبه وقال:
"أنتِ معرفتيش؟"
قربت منه وهي تبص له بتعجب وسألت:
"عرفت إيه؟"
رد:
"مدام إكرام حماة حضرتك من فترة جابت نجار وفتحت الباب وبعتت شنطة هدوم وحاجات حضرتك لبيت أهلك وبعدين غيرت الكالون بتاع الباب."
تجمدت يقين مكانها وزاغت عيونها بالدموع. حسّت بالعجز في هذا الوقت. سابته وتحركت على تحت بدون أن ترد عليه تحت نظراته المتعجبة، خصوصًا من ملابسها التي أول مرة يراها عليها، وبالذات في نواحي القاهرة.
كانت ساندة بيديها على السلم وهي نازلة في حين تحس أنها ستفقد توازنها. نزلت دموعها بغزارة على وجهها وارتفع صدرها من أنفاسها السريعة. خرجت من البيت وهي تحس بالتوهان. مش عارفة ممكن تروح فين. لا تقدر ترجع لبيت أهلها وهي تعرف أنهم استحالة يتقبلوها. وكانت متوقعة تصرف أهل يوسف، ولكن لوهلة كان عندها أمل أن لا يحدث ذلك.
نزل حمد من السيارة بسرعة وجرى عليها وهو يقول بقلق:
"مرت أخوي، وش فيك؟"
تعمد أنه يترك مساحة بينهم ولا يلمسها، عشان يراعي حرمة رب عمله. ولكن كان ظاهر عليه القلق والخوف. ساندت يقين على السيارة ونزلت رأسها في الأرض وهي تضغط على جفونها وتقول:
"اتطردت من الشقة. أهلي اتبروا مني. خسرت شغلي. مبقاش فيه مكان أروحه!"
حس حمد بالأسى عليها، فاتنحنح وهو يقول بتردد:
"تحبي نرجع الدار؟"
رفعت جسمها مرة واحدة ومسحت دموعها وهي تقول قبل أن تدخل السيارة:
"خدني لمدينة نصر."
حس حمد بالضيق. هو كل الوقت هذا يسايرها كما قال له عامر، ولكن هو لا يريد كل ما يحدث هذا. هو يرى أن مكانها جنب عامر. هي الوحيدة التي تقدر تهون على رب عمله حاجات كثيرة ومش مدركة ذلك. وفي النهاية تحرك بالفعل للمكان الذي قالت له عليه.
دخلت أحد العمارات وطلع وراها حمد. فاتلفتت وبصت له برفعة حاجب بتساؤل. فوقف هو ونكس رأسه في الأرض وقال:
"اعذريني يا مرت أخوي. لازم أتطمن عليكي الأول."
زفرت بنفاذ صبر وهي تعرف ومدركة أنه استحالة يتركها ويمشي كالعادة. فطلعت لشقة من الشقق. دقت على جرس الباب حتى خرجت منها مها صديقتها والتي كانت شغالة معها في نفس الجريدة، وكمان ساعدتها في سفرية العريش. أول ما شافتها شهقت بصدمة وهتفت:
"يـقيـن!"
بدون تردد ضمتها يقين وفضلت تبكي بدون أن تتكلم. هي كانت محتاجة بس كتف تسند رأسها عليه. محتاجة حد يضمها ويسمعها. الوحدة قتلتها طول الفترة اللي فاتت.
كانت مها تضمها وهي تربت على ظهرها في حين تقول:
"اهدي. اهدي بس يا حبيبتي."
رفعت نظرها لحمد وملابسه الغريبة بتعجب. كانت تعرف حكاية جوازها من واحد من العريش. ولما اطمن حمد على يقين، سابها ونزل. ولكن فضل قاعد في العربية قدام البيت عشان يفضل حارسها ومتطمن عليها زي ما عامر قاله.
أما يقين، فبعدت عن مها وهي تمسح دموعها وتقول:
"محتاجة أرتاح بس يا مها. أنا كل اللي محتاجاه إني أرتاح. ومش لاقية أي مكان أروحه. كل البيبان مقفولة في وشي يا مها. مش عارفة أروح فين!"
قالتها بضعف ووجع. فربتت مها على كتفها بحنان ودفعتها بخفة عشان تدخل وهي تقول لي:
"تعالي بس. وأنا روحت فين؟"
دخلت يقين معها لجوا وقفت مها الباب بعد ما تأكدت أن حمد مشي.
***
صحى جواد من نومه وهو يدلك عينيه بقبضته الصغيرة في حين يهتف:
"ماما يقين…"
ولما لم يجد رد، بص حواليه بتعجب وتحرك ناحية الحمام وهو يخبط عليه وبيقول:
"ماما يقين أنتِ جوا؟"
مفيش أي أثر ولا صوت. ودي حاجة خلته يرتجف ودموعه تنزل على وجهه وهو يحس بالهلع والفزع. فخرج بسرعة ونزل وهو يجري حتى وصل عند غرفة المجلس التي كان فيها نساء العائلة وهما متجمعين. انتفضت عهود عندما رأته يبكي بالشكل هذا وجرت عليه. شالته وهي تضمه وبتقول:
"وش فيك يا قلب عمتك؟ بتبكي ليش؟"
من بين شهقاته:
"وين ماما يقين؟ كانت نايمة جنبي. وين راحت؟"
زفرت فاطمة بضيق عندما رأت حفيدها في الوضع هذا وخاصة عشان يقين. لم يكن يعجبها نهائي تعلقه بها وهي تعرف أنها مسيرها تمشي من هنا. فطبطت عهود عليه وهي تقول:
"ما تبكي، تلاقيها هنا ولا هنا يا عيوني."
هز جواد رأسه بالرفض وقال وهو يبكي:
"لا هي تركتني ومشيت كيف أبوي."
"يـوه ما كفاية عاد! ما بقى غير المصراوية اللي نبكي عليها! وكمان إيش ماما يقين هذي!"
هتفت فاطمة بالجملة هذه بعصبية شديدة وكأنها تطلع كرهها ليقين فيه. فبكى جواد أكثر من انفعال جدته عليه. ضمته عهود وهي تهدده وبتقول:
"وش فيك يا أمي؟ جواد بعده صغير ما يدري بشي!"
فاتكلمت فاطمة بقوة:
"الصغير بكرة يكبر ولازم يتعلم يصير راجل من دلوقت. وكمان أنا ساكتة على تعلقه بالمصراوية بس هذا كثير!"
هزت عهود رأسها بعدم استيعاب من ما تقوله. دخل عايد في هذا الوقت الذي كان ظاهر عليه علامات قلة النوم والإجهاد. فقابلته عهود بلهفة:
"وينها يقين مرت أخوي يا أخوي؟"
تنهد عايد ورد:
"حمد كلمني وقال راحت لعامر الصبح بدري، وبعدين خدها على مصر. قال عامر له ياخذها وين ما تريد."
بكى جواد أكثر وهو يقول:
"ما قلت لك، ماما يقين تركتني كيف أبوي!"
انفعلت فاطمة بعد الكلام الذي سمعته من عايد وهتفت:
"هربت! هذه الملعونة هربت لما عرفت إنها هتنكشف! أنا هعرفها كيف تسوي كذا. أنا متأكدة إنها هي اللي ورا اللي صار!"
مسح عايد على وجهه بنفاذ صبر من كلام أمه التي لم تقل غيره بقالها يومين. وشاور لعهود تأخذ جواد وتخرج من هنا. وبالفعل تحرك ولكن قامت معها ليلى وهناء عشان يلعبوا معه ويهدوه. ليلى التي كانت تحس بفرحة شديدة بعد ما عرفت أنها مشيت. كون أنها تخلت عن عامر في الوقت الحرج هذا سيجعل مكانتها تقل عنده. وبذلك ممكن يكون عندها فرصة توصله.
تكلمت بدرية زوجة عمه غالب في هذا الوقت:
"ما عرفتوا تطلعوا بشيء من سعد؟"
هز عايد رأسه بضيق وقال:
"لأ، ضامن حياته الكل. عارف إننا مش هنقدر نقتله قبل ما نعرف مين اللي وراه. ومستنيينهم يظهروا عشان يلحقوه لأنه الظاهر هو مهم قوي عندهم."
رفعت فاطمة عينيها له وقالت باستنكار:
"وعامر هيظل في الحبس لحد ما هذا الكلب ينطق!"
رد عايد:
"ما تقلقي، المحامي هيدفع كفالة ونخلي سبيل عامر لحد ما التحقيق يخلص. بس مستنيين الإجراءات تخلص. ووقتها عامر بنفسه اللي هيعرف اللي ورا الكلب هذا. هو اللي هيقدر عليه."
قالها وتحرك عشان يمشي. ولكن أوقفته فاطمة عندما قالت باستخفاف:
"ما عاجبني صالح اللي سارح وراكم هذا. هو هيظل من الرشايدة. يعني مش عشان ابنه محبوس هو كمان تاخذوه رفيق. ما تسوي كيف ما عامر سوى. هذولا كلوا بعقله حلاوة بس هيظلوا هما أساس المصايب."
هز عايد رأسه بنفاذ صبر وهو يربت على كتفها ويقول:
"ما تشيلي هم يا أمي، تشيلي هم."
قالها وسابها وخرج وهو باله مشغول في عامر الذي الدنيا كلها مقلوبة عشان يحاولوا يخرجوه.
***
مرت أيام كانت فيها يقين معتزلة الخروج. كانت نايمة دايمًا في الغرفة التي مها خلتها تبات فيها. ومن وقت لآخر كانت تحاول مها تخرجها عن اللي هي فيه، خصوصًا بعد ما يقين حكت لها على كل شيء. هي كانت محتاجة تبوح لحد باللي متراكم جواها بقاله كتير. الحمل بقى فوق كتفها لوحدها. كانت محتاجة حد يشيله عنها وهي كانت متأكدة أن مها استحالة تطلع سرها لحد.
صوت خبط على الباب خلاها تتعدل بعد ما كان ظهرها له. دخلت مها التي كانت رجعت من شغلها في الجريدة. اتعدلت يقين عندما شفتها وابتسمت بخفة. فقربت منها مها وقعدت على السرير وقالت:
"يا نهار أبيض! أنتِ لسة نايمة على السرير زي ما أنتِ!"
هزت يقين رأسها بصمت. كانت ملامحها شاحبة وعينيها مورمة من البكاء المستمر. ضمت مها شفايفها بأسى وقالت:
"يقين يا حبيبتي، حاولي تفكي كده. مش قولتلك الصبح أخرجي شمي هوا شوية؟ حبستك في البيت هتتعبك أكتر."
حبست يقين خصلاتها ورجعتهم لورا وهي تقول:
"مش قادرة يا مها والله. مش عايزة أخرج في حتة أو أشوف حد. حاسة إن الناس كلها هتعرفني ونظراتهم مش هتعجبني."
لكزتها مها وهي تقول:
"يا عبيطة مين بس هيبقى فاكرك طول المدة دي! وبعدين الأخبار اللي نزلت اتمسحت بعدها على طول من غير ما نعرف مين اللي عمل كده."
سكنت عيون يقين ورددت بصوت هادي:
"عامر اللي مسحهم."
سكتت مها وهي تراقب ملامح يقين التي اتبدلت أول ما افتكرتها. افتكرته! مفيش غيره على بالها طول الأيام دي. نفسها تعرف هو عامل إيه، خصوصًا آخر مرة كان فيه كدمات في وشه. خايفة يكون اتسجن بالفعل. بتقاوم على قد ما تقدر فضولها وقلقها عليه الذي يكويها من جوا.
بتحذر قالت مها:
"مش ناوية ترجعيله؟"
انتفضت يقين من كلامها. فكملت مها:
"أنا شايفة إنك بتحبيه يا يقين، بغض النظر عن حوار التهريب ده بس…"
نهرتها يقين وهي تقول:
"بس إيه يا مها؟ مفيش أكتر من كده. بقولك مهرب. مهرب أسلحة. حتى لو مجبر على وضع زي ده بس مش هقدر. مش أنا!"
ربتت مها على رجليها بدعم. هي شايفة إن الوضع صعب فعلًا. ده غير إنه غير قانوني وهي شغلهم إنهم يكشفوا الحقائق اللي زي دي. حسّت يقين إن المكان بيضيق بيها. فقررت تخرج تشم هوا زي ما مها قالت لها. وبالفعل كانت مها جابت لها ملابس مناسبة لها. لم تهتم حتى تشوف شكلها في المرآة. هي مدركة كويس أنها بقت تشبه الأموات.
نزلت من البيت تحت أنظار مها الحزينة على حالتها. وخرجت تتمشى في الطريق ولم تلاحظ خالص عربية حمد التي كانت قدام البيت. فضلت تتمشى لمسافة لا بأس بها، سرحانة في الطريق. كان الجو ليل شوية ولكن مش متأخر أوي. اختارت مكان هادي شوية وراحت قعدت على الكرسي، دافسة يديها الاثنين في جيب الجاكت عشان تقاوم برودة الجو الأيام دي.
لوهلة حسّت بحد قعد جنبها. انتفضت وقامت واتوسعت عيونها بصدمة عندما لقيته هو الذي جنبها. وهتفت بعدم تصديق:
"عـامر!"
رفع عيونه لها وشاور لها تقعد. ولكنها رفضت بل فضلت تحدق فيه بصدمة. مشاعر غريبة ساورتها في هذا الوقت، ولكن كان المتغلب عليها الاشتياق. كانت تتأمل ملامحه بشوق رهيب. دقنه التي طالت وخصلاته التي مش مهذبة مثل الأول، ولكن على العكس مظهره كان جذاب أكثر. ولكن نظراته كانت دافية وغريبة. قام وقف وهو يتأمل المكان حوله وهو مطاط شفتيه وقال:
"عجبتك قاعدة مصر؟"
ولكنها ردت بسؤال:
"أنتَ هنا إزاي؟"
قرب منها ووقف أمامها وهو يبص لها من فوق وقال بسخرية:
"زعلتي ولا إيش؟ كنتي متأملة إني اتسجن وأخلص منك مش كذه؟"
سكتت ولم ترد عليه. بل فضلت تبص له بعمق وهي تتأمله بعينيها التي امتلأت بالدموع. فكمل هو:
"ما تقلقي، لسه قدامك فرصة تروحي تعترفي عليا وتسجنيني. أنا خارج بكفالة بس لحد ما القضية تنتهي. يعني فيكي تكملي اللي ما عرفتي تكمليه."
غمضت عينيها بضعف وهي ترى نظرات اللوم التي في عينيه. عضت على شفتيها وقررت تسيبه وتمشي وهي تقول:
"أنا لازم أمشي…"
ولكنها بهتت عندما جذبها من ذراعها وأجبرها ترجع تبص له وقال بقوة:
"أنتِ هتمشي فعلًا، بس معايا. أنا تركتك براحتك هذولا اليومين عشان أتركك مع حالك تفكري. بس مكانك هيفضل جنبي يا يقين!"
نفضت يديها من يده بعنف وقالت:
"أنتَ هتطلقني يا عامر. قلت لك مش هينفع نفضل مع بعض. افهم بقى!"
ولكنه احتوى وجهها بين يديه وهو يبص لها بنظرات مليئة بالحنان وقال بإصرار:
"مش هطلقك يا يقين. أنتِ هتفضلي مرتي. شيلي الطلاق هذا من عقلك. واللي ما ينفع بالنسبالك هنخليه ينفع!"
دفعت يديها عنه بعنف وهي تبص له بألم. واتنهدت بغصة وهي تقول:
"أنا تعبت يا عامر. تعبت منك! مبقتش فاهماك! كأن عندك وشين، واحد دافي وحنين وقريب مني، والتاني بارد وجامد وقاسي. وش يليق بعامر الزيات!"
هزت رأسها وهي تقاوم دموعها تحت نظراته العاجزة وكملت:
"مبقتش عارفة أصدق أنهي فيهم!"
ابتسم بزاوية شفتيه بسخرية، وقال بنبرة متهمة:
"مش أنتِ كذه برضك؟"
بصت له بعدم فهم. فقرب خطوة منها وهو يميل برأسه وبيقول:
"أوقات بتبقي يقيني. يقين مراتي. وأوقات بتبقي الصحفية يقين كيف دلوقت!"
ظهر عليها الوجع من كلامه الذي لمسها. فرفعت عينيها له بكبرياء وردت:
"متلومنيش يا عامر، لو كنت زي ما بتقول، فأنتَ السبب. أنتَ اللي خلتني مبقتش عارفة أنا مين!"
قطع الفاصل بينهم عندما قرب منها أكثر واحتوى كتفها بيديه الاثنين وهو يبص في عينيها المعذبة وقال:
"أنتِ مرتي. أنتِ يقين الزيات."
هزت رأسها بالرفض ودفعته عشان تمشي. ولكن تجمدت عندما رأت عدد من المسلحين واقفين أمامهم وهم موجهين الأسلحة ناحيتهم. شهقت بفزع وظهر الهلع على ملامحها واتجمدت عيون عامر بصدمة. وبدون تردد جذب يقين من ذراعها وقفها في ظهره يحميها بجسده وهو ينقل عينه على الملثمين الذين أمامه.