استيقظ كمال من نومه على رنين المنبه الخاص به، أغلقه بهدوء واستدار للجهة الأخرى كي ينهض من فراشه، ولكنه وجد تلك المجنونة تجلس بجواره على السرير متربعة القدمين، واضعة رأسها بين يديها وشعرها منكوش بعض الشيء وتنظر له. كمال بفزع وهو يشعل نور الغرفة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، انصرفوا. حورية بحدة: بقي كده أنا جاية أقعد أبص فيك وأنت نايم عشان أعملك جو رومانسي وأنت تقول انصرفي. كمال وهو يتنهد بنفاذ صبر وغيظ منها بسبب
خوفه من هيئتها منذ قليل: يا حبيبتي فين الرومانسي إنك تقعدي القعدة دي قدامي وشعرك منكوش، ده أنا كانت هتجيلي سكتة قلبية. حورية وهي تمسك الوسادة وتضربها به بقوة: أنا غلطانة، خسارة فيك الرومانسية، وماله شعري، ما أنا كنت نايمة، عايزني أصحى يبقى إزاي؟ كمال بهدوء: زي الفل، بس متكرريهاش تاني، أنا خلاص كرهت الرومانسية. حورية بغمزة: لي كده، ده أنا كنت ناوية كل يوم بعد ما نتجوز أصحيك كده.
كمال بسرعة: لا والنبي، أنا حتى هجيب سريرين في الأوضة بعد اللي حصل دلوقتي. حورية بغيظ وهي تغادر: بقي كده، طيب أوعى. جذبها من ذراعها لتسقط بين أحضانه وأردف بمشاكسة: على فين بس، أنتِ هتاخدي الكلام جد، هو أنا أطول أصحى كل يوم على الحلاوة والجمال ده، بخلاف شعرك اللي مش بيتسرح قبل ما تنامي ده ها. حورية وهي تنظر له ببلاهة وهي في أحضانه: أنت عرفت منين إني مش بسرحه قبل ما أنام، بتحس بيا صح.
كمال بمرح: لا يا قلبي، هو باين عليه إنه بقاله سنة متسرحش. حورية وهي تحاول النهوض: أوعى طيب. كمال وهو يشد على احتضانها: رايحة فين، استني وقوليلي إيه اللي جابك عندي من الصبح كده، ومتقوليش رومانسية وبتاع عشان أنا عارف إنك قاصدة تقوميني مفزوعة من النوم. حورية بتوتر وهي تغمض عينيها وتفتحها مثل الأطفال ببراءة: اخص عليك يا كيمو، أنا أعمل كده. كمال بنصف عين: اممم، بلاش النظرة دي عشان أنا عارفك كويس، وقولي في إيه؟
حورية وهي تجلس بجواره على السرير بملامح قلقة: حلمت حلم وحش أوي. كمال باهتمام: ام، احكي. حورية بخوف: خايفة أحكي، بتفسر. كمال بهدوء: قولي اللهم اجعله خير، واحكي يلا. حورية بتنهيدة: خير، اللهم اجعله خير، حلمتك واقف في مكان حلو أوي مليان ورد أبيض والأرض فيها ميه وخضرة، مكان ولا الجنة كده. كمال بمرح: أكيد طبعاً، كان بالنسبالك وحش عشان مكونتيش معايا، هههههههه. حورية بحدة: استني واسمع. كمال بهدوء: ماشي، كملي.
حورية: أنا شفتك واقف هناك، جيت وقربت منك وأنا فرحانة، لقيت المكان ده اتحول لأسود فأسود، وببص على وشك لقيت في دم كتير، كنت عايزة أتكلم وأقولك إيه ده مقدرتش، بس مديت إيدي أشيلك الدم ده، راح الدم كله اللي على وشك جه عليا أنا ووقعت على الأرض، وببص عليك ملقتكش، بس المكان رجع حلو زي الأول، ها فسر لي. كمال بمرح: أنا مش ابن سيرين عشان أفسرلك، أنتِ تروحي تفسريه من على جوجل، هيقولك إنك تكملي تجهيزات فرحك عشان قرب. حورية وهي
تضربه على كتفه بالوسادة: يا برود، بقولك صاحية خايفة وقلقانة بسببه وقلبي مقبوض. كمال وهو يحتضن يديها بيديه: قولتلك مليون مرة، وأنتِ معايا متخفيش من حاجة، مفهوم. أومأت برأسها ليجذبها الآخر لاحتضانه، وما إن احتضنها حتى تحولت ملامحه من الهدوء للقلق والعبوس، لا يعلم لماذا هذا الحلم الذي رأته هي أشعل نيران القلق بداخله. استيقظت ريهام على صوت الخادمة وهي تطرق الباب وتناديها بهدوء: ريهام هانم، يا ريهام هانم.
ريهام بنوم: تعالي يا صفية، في إيه؟ صفية وهي تفتح الباب بهدوء: نديم بيه تحت حضرتك، وطالب يشوفك. ريهام وهي تنهض بفزع وخوف: نديم هنا، طيب معاه حد؟ صفية: لا يا هانم، تحبي أجهزلك الفطار. ريهام بارتياح: لا يا صفية، روحي أنتِ، وأنا دقيقة ونازلة. نهضت من على الفراش وهي تردف لنفسها بحدة: أنتِ خايفة لي، يكون جاب مأذون يطلقنا ولا لا، ما هو كده كده هنطلق.
هبطت لأسفل بعد أن بدلت ملابسها، لتتعجب من والدها الذي يجلس بجوار نديم ويتبادلون الحديث معًا بمرح شديد. ريهام بجمود: نعم يا نديم. نظر لها نديم بحدة وصمت. محمد بهدوء: نديم جه يا ريهام عشان ياخدك وتروحي تتابعي مع دكتور حالة البيبي. ريهام ببرود: لا، ميرسي يا نديم، أنا هبقى أروح لوحدي. نديم بحدة: والله اللي في بطنك ده مجبتهوش لوحدك، ومن حقي أروح أطمن عليه، صح يا عمو محمد. محمد بتأييد: صح يا ابني.
تابع نديم بغضب: وحاجة كمان، من النهارده لحد ما تولدي مفيش طلوع من البيت غير لما أعرف أنتِ هتروحي فين وهتيجي منين، لأن بعد اللي حصل امبارح معنديش ثقة فيكي. ريهام بحدة وغيظ: شايف يا بابا، وع فكرة أنا مش هسمع كلامك ده خالص. محمد بحدة: ريهام، ده جوزك، هتطلقي ولا لا، أنتِ لازم تحترميه مدام على ذمته، واسمعي الكلام، روحي معاه، خلي الراجل يطمن على ابنه. نديم ببرود وشماتة: الأ هي أم إبراهيم فين؟
ريهام بحزن: للأسف مشيت، قالت إنها هترجع بيتها عشان شغل الحضانة اللي هترجع تفتحها بعد ما أنت سددتلها الضرايب اللي كانت عليها. نديم بعدم فهم: أنا سددت ضرايب، أنا مبعتلهاش على حسابها غير حسابها اللي كنا متفقين عليه لما جبتهالكم ولسه محوّلة قبل ما أجي. ابتسم نديم باتساع وأردف بخبث: آآآه منك يا عزيز باشاااا آآآه. أنهت أم إبراهيم صلاتها بمنزلها الصغير بأساسه البسيط. ثم ذهبت كي ترى من الذي يدق الباب منذ زمن.
فتحت الباب لتجد ذلك الرجل جارها الذي يدعى أنس. أم إبراهيم بنبرة حادة: خير يا أستاذ أنس. أنس وهو يملس على كرشه وينظر لها بتفحص: غيبتي عند قرايبك يومين، وطبعاً الشوق اللي بينا رجعك تاني ليا. أم إبراهيم بغضب وحدة: شوق مين، راجل ياعرة ده اللي بينا ورجعني ليك، أنا وأنت عمر ما كان بينا ولا هيكون في غير شوك، واسمع، إياك أشوفك تخبط على باب بيتي تاني، ورحمة أبويا وأمي، أفضحك في الشارع كله.
أغلقت الباب بوجهه، ثم ذهبت للمطبخ كي تحضر إفطاراً قبل أن تذهب لعملها، وما زالت مرتدية ملابس الصلاة وحجابها الذي يزيدها جمالاً وكأنها ما زالت في عقدها الثالث. سمعت صوت الباب يطرق مجدداً، لتذهب هي للخارج وهي غاضبة بقوة وتقوم بخلع حذائها "الشبشب". وفتحت الباب وهي تضرب الطارق دون أن تنظر إليه وتردف بغضب: يا زبالة الزبالة، مش قولتلك متخبطش تاني. أمسك عزيز يدها بغضب وأردف بحدة: أنتِ اتجننتي ي أم إبراهيم.
أم إبراهيم بإحراج شديد: يا نهار أسود، عزيز باشا، متأخذنيش، فكرتك الراجل العرة أنس، قصدي يعني، مقصدش. عزيز وهو ينزل يدها الممسكة بالشبشب وأردف بإعجاب شديد: هو أنتِ أي حد بيدايقك بتضربيه بالشبشب كده. أم إبراهيم بتوتر وهي تضع الشبشب على الأرض وترديه، غير منتبهة لعزيز الذي ينظر لقدميها البيضاويتين بخبث: لا، يعني اا. لاحظت نظراته لتردف بحدة: خير حضرتك، كنت جاي لي. عزيز بجدية: مفيش، كنت جاي أطمن عليكي.
إبراهيم وهي تدفعه للخارج: فيك الخير والله، ماشي، لي بقى متخليك قاعد، عندك شغل، طيب، مع السلامة، متكررهاش تاني. أمسك عزيز يدها قبل أن تغلق الباب وأردف وهو يقترب منها بغضب: يعني بقولك جاي أطمن عليكي وتعامليني بالطريقة دي. توترت أم إبراهيم بقوة من تقربه الشديد هذا منها، فمنذ أن مات زوجها وهي كانت في العشرين من عمرها، ولن يقترب منها رجل بهذا الشكل.
أم إبراهيم وهي تسحب يدها منه بوجه أحمر خجلاً: لو سمحت ي عزيز بيه، ياريت تحترم سنك وسني وبلاش حركات العيال الصغيرة دي. عزيز بغرور وهو ما زال ممسك بيدها وباليد الأخرى يعدل ياقة بدلته بكل ثقة: سن إيه بس، ميغركيش شوية التعب اللي بييجوا ويروحوا، وبصي عليا شوية بقى، راجل رياضي ووسيم، لانا بكرش ولا شعري وقع وسناني اتكسرت، أنا راجل لو شاورت لأي بنت عندها عشرين سنة وأصغر، مهتصدق ترتبط بيا. أم إبراهيم
بغيظ وهي تسحب يدها منه: طيب يا خويا، روح عند اللي عندها عشرين سنة وسيبني أنا العجوزة اللي سناني وقعت وشعري وقع وبمشي بالعافية، يلا، هوينا. عزيز وهو يقترب منها بقوة: عجزتي إيه بس، أنتِ معندكيش مرايات جوه ولا إيه عشان تشوفي نفسك عاملة إزاي. نظرت له أم إبراهيم بخجل شديد من تغزله الواضح لها. وقبل أن تردف بأي شيء، أردف هو بجدية: تتجوزيني. أم إبراهيم وهي تغلق الباب بوجهه: امشي ي جدع أنت من هنا، طريقك أخضر.
عزيز بابتسامة واسعة وخبث: براحتك خالص يا أم إبراهيم، بس أنا لما بعوز أعمل حاجة بعملها. ابتسمت هي بالداخل بقلة حيلة من ذلك الرجل، يتعامل معها وكأنهم ما زالو مراهقين، بل جعلها تشعر بأشياء ظنت بأنها ماتت بداخلها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!