الفصل 9 | من 16 فصل

رواية ولما قالوا دي صبيه الفصل التاسع 9 - بقلم ميمي عوالي

المشاهدات
20
كلمة
3,436
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 56%
حجم الخط: 18

في حجرة نادر ونبيل، كان نبيل يجلس وعلى وجهه علامات الحزن لما سمعه من والده وقال بخفوت: ربنا يهديك يا بابا، ده بدل ما يشجعنا إننا نبقى إيد واحدة ونفضل ملمومين حوالين بعض وما نتفرقش أبداً. نادر: الغيرة تعمل أكتر من كده. نبيل بذهول: غيرة.. غيرة إيه؟ هو في حد في الدنيا يغير من ولاده؟ نادر: هو مش غيران منها، هو غيران من مامتها وجوزها. نبيل: مش فاهم. ليتنهد نادر بمرارة

وهو يجلس أمام أخيه ويقول: أبوك حاسس بالفشل، لما قارن نفسه وقارننا بإخواتنا البنات، لقى إن كفتهم طابة بكتير عننا. يمكن ما كانش بيدقق أوي في الحكاية دي في الأول، لكن بعد ما فرح واجهته باللي عمله وإنها مصممة تعلن موته وهو لسه على وش الدنيا، وقف قدام نفسه. بس بدل ما يحاول يصلح اللي عمله، العزة والعنجهية واخدينه كالعادة. نبيل: طب والعمل؟ هنقاطع البنات فعلاً زي ما هو عاوز؟

نادر بتنهيدة: أكيد لا، بس محتاجين نلين المسائل معاه شوية، مش ناقصين جنان، وأنت عارف أبوك في العند ما يتوصاش. *** كان كامل قد اصطحب فرح للعشاء بعد انتهاء حفل الخطبة، وكان بصحبتهم محمود الذي أصرت فرح على وجوده معهم. وأثناء تناولهم العشاء قال محمود بإحراج: والله ما أنا عارف أنا بعمل إيه وسطيكم في يوم زي ده، واحد وخطيبته بيتعشوا سوا ويوم خطوبتهم، إيه اللي يحشرني أنا بينهم؟ وقبل أن تنطق فرح بأي كلمة،

وجدوا كامل يقول بهدوء: جرى إيه يا عمنا، لا هو أنت ما تعرفش حاجة في الشرع خالص كده؟ محمود: وإيه دخل الشرع بس في الحكاية دي؟ كامل بابتسامة: لأن الشرع بيقول إن طالما أختك لسه مش على ذمتي، ماينفعش أختلي بيها في أي مكان. ليشير محمود بمرح على المكان من حولهم قائلاً: تختلي مين بس يا عمنا وسط الخلق دي كلها؟ ليضحك كامل وهو يقول: وهو أنت بقى كنت عارف إني هاجي هنا منين؟ وبعدين مش يمكن كنت خطفتها مثلاً؟

محمود: لا لا لا ماتعملهاش، إحنا واثقين فيك. كامل: الشرع ما فيهوش الكلام ده يا حبيبي، ولازم تقرا وتفهم على الأقل لما إن شاء الله تيجي تخطب وتتجوز تبقى فاهم الحلال من الحرام. فرح بتأنيب: يعني أنا لو ما كنتش صممت إنك تيجي معانا، ما كنتش هتفكر أصلاً إن ده صح ولا غلط يا محمود؟ محمود وهو يحك رأسه بإحراج: الصراحة يا فرح، الكدب خيبة، ما جاش في بالي أبداً الحكاية دي، بس برضه يعني دكتور كامل ابن عمك الكل بيحلف بأخلاقه.

كامل بمرح: طب مش يمكن بُمثّل على ما أفوز بفرح؟ لتلتفت فرح إلى كامل بفضول قائلة: تفوز بيا؟ كامل: آه طبعاً، وهو أنتِ شوية يا فروحة؟ فرح باستياء: فروحة! كامل بمرح: إيه بدلعك؟ فرح: لو حطيت نقطة تحت الـ "ح" هتبقى فروجة، يعني فرخة. ليضحك كامل بشدة ثم يقول: طب ما إحنا لو سيبنا اسمك زي ما هو، وحطينا نقطة على الـ "ح" برضه هتبقى فرخة. ليقول محمود بذهول: يا دماغكم العالية! وإنتو مالكم ومال النقط؟ بتشيلوها وتحطوها بمزاجكم ليه؟

ده بدل ما تتفقوا معايا على معاد تقديم التنسيق بتاعي. فرح: وماله التنسيق بتاعك؟ محمود: عاوزك إنتِ ودكتور كامل معايا وأنا بعمل الرغبات بتاعتي. كامل: بسيطة، تعالى نعملها بكرة بالليل في المستشفى. محمود: واشمعنى في المستشفى؟ كامل: لأن فرح بكرة نبطشية في المستشفى، شبكة النت عندي في مكتبي قوية، هنقعد براحتنا ونظبط الدنيا. محمود وهو ينهض من مكانه: طب أنا هروح الحمام وأرجع لكم.

ليقول كامل بعتاب بعد أن تركهم سوياً: حاولي تفكيها شوية يا فرح. فرح: أفك إيه؟ كامل: النهاردة في الخطوبة كانت الابتسامة مالية وشك وبتتعاملي على إنك عروسة ومبسوطة، ليه حاسس إنك رجعتي تتعاملي برسمية تاني؟ فرحة بدفاع: أنا ما بتعاملش برسمية ولا حاجة، لو قصدك على حكاية فروحة دي، فأنا فعلاً ما بحبهاش من زمان، من وأنا صغيرة أوي ومش عارفة ليه. كامل بدعابة: بس أنا عارف ليه. فرح بفضول: ليه بقى؟

كامل ضاحكاً: عشان وإنتِ صغيرة لما كنتي في الحضانة وكانوا بيعلموكي الحروف، كنت مرة عندكم مع بابا، وإنتِ وقتها كنتي بتعملي الواجب، اللي كان عبارة عن اسمك. ولما جيتي تفرجيّني على كراستك لقيتك حاطة نقطة تحت حرف الـ "ح"، فأنا وقتها ضحكت عليكي وخلّيتك حطيتي واو كمان وكتبتي اسمك في الكراسة "فروجة"، واللي عرفت بعد كده إنك رجعتي من الحضانة تاني يوم وإنتي معيطة وزعلانة مني لأني خليتك عملتي الواجب غلط. ولما جيتلكم المرة اللي بعدها خصمتيني وما كنتيش راضية تتكلمي معايا، وقلت لك وقتها إن دلع اسمك "فروحة"، بس إنتي فضلتِ

تزعقيلي وتقوليلي: "لأ النقطة هتخليني فروجة والميس قالتلي إني كده هبقى فرخة وياكلوني". لتضحك فرح بشدة قائلة: تصدق أنا مش فاكرة ولا كلمة من الحكاية دي. كامل: هتفتكري إيه بس، ده إنتي كان عمرك وقتها حوالي أربع سنين. فرح: ورغم ذلك فضلت فاكرة إني بتضايق من الاسم ده. كامل: وده اللي نفسي إنك تحاولي تغيريه يا فرح. فرح: مش فاهمة، إيه ده اللي عاوزني أغيره؟

كامل: في حاجات كتير قافلة بابك في وشها وإنتي بتعتبري إن ده من البديهيات، من غير ما تحاولي تفهمي السبب اللي مخليكي من جواكي بتعملي ده. فرح بفضول: زي إيه بقى؟ لكن محمود قد طل عليهم مرة أخرى، فقال كامل بإيجاز: حاولي إنتي توصلي بنفسك. ***

مر على خطبة كامل وفرح قرابة شهر، كانت الأمور تسير خلاله على ما يرام، فلم يجد أي جديد سوى أن نتيجة أحمد ونادر ونبيل قد أُعلنت وحصل أحمد على تقدير جيد جداً، ونبيل كذلك، أما نادر فقد حصل على تقدير امتياز. وقد سعد الجميع وأصرت فرح على إقامة حفل على شرف نجاحهم، خاصة بعد أن استطاع نادر ونبيل تقديم أوراقهم بكلية التجارة والالتحاق بها. ولكن الغريب في الأمر أن منصور امتنع تماماً عن معاتبة أبنائه على وجودهم مع فرح أو أي من أخواتهم الإناث، وكأنه شيء طبيعي. ورغم عدم استراحة نادر ونبيل للأمر، إلا أنهما دعوا الله أن يكون أبوهما قد علم الحق من الباطل.

حتى أتى يوم وكان إبراهيم في زيارة للمشفى لعمل بعض الفحوصات الطبية التي أصر كامل على عملها بعد أن لاحظ حالات الإعياء التي تصيب أبيه من وقت لآخر. وبعد أن قامت فرح باصطحاب عمها لعمل تلك الفحوصات بتكليف من كامل، عادوا مرة أخرى لمكتب كامل الذي كان بغرفة العمليات لإجراء عملية ما. وما إن دلفوا من الباب، قال إبراهيم بتعب: أنا مش فاهم لازمته إيه بس اللفة اللي لففتوهالي النهاردة دي، ما أنا كويس أهو.

فرح: لا يا عمي، إنت مش كويس خالص، إنت فعلاً من فترة وأنت مش عاجبني وأنا اللي طلبت من كامل إنه يخليك تيجي تعمل الفحوصات دي. إبراهيم: يا بنتي ما أنا كويس أهو. فرح: يا حبيبي ربنا يديك الصحة وطولة العمر، بس تقدر تنكر إنك أغمى عليك من أسبوع وإنت في الشغل؟ إبراهيم بدهشة: وإنتي عرفتي منين الحكاية دي؟ ليستمعوا لصوت كامل الذي أتاهم منهكاً وهو يحمل بطياته عتاباً ممزوجاً بالغضب لفرح وهو واقفاً

بالباب: وإزاي يحصل الكلام ده وماحدش يبلغني في ساعتها؟ كان لازم تقوليلي في وقتها ماتخبيش عليا طول الوقت ده، كان بدل ما تقوليلي أنا مش عاجبني صحة عمي، كنتي تحكيلي اللي حصل على طول.

فرح بهدوء: أنا لسه عارفة الحكاية دي النهاردة، قبل ما عمي يوصل النهاردة كان نادر معايا على التليفون، وإحنا بنتكلم قلت له إني مستنية عمي عشان هيعمل فحوصات، فقال لي طب كويس، أحسن ماما قالت لي النهاردة إن عمي اغمى عليه في المكتب الأسبوع اللي فات. ولما قلت له وإزاي ماحدش يعرف طول الوقت ده، قال لي إن منصور مابيحكيش حاجة قدامهم، وإنهم لما بيعرفوا حاجة بيعرفوها بالصدفة من مامتهم. لتنهي فرح حديثها وتنهض

وهي تتحدث لعمها قائلة: أنا هروح أكمل شغلي يا عمي، وإن شاء الله نطمن عليك والفحوصات تطلع زي الفل. ليتنهد كامل قائلاً: أنا آسف يا فرح، أنا ما قصدتش إني أتنفّز عليكي، أنا بس اتخضيت من موضوع الإغماء ده. ثم التفت لأبيه مكملاً حديثه وقال: وإنت يا بابا، ليه أغمى عليك وإزاي ما عرفتنيش في وقتها؟

إبراهيم بامتعاض: يابني ماتكبرش الحكاية، أنا بس يومها ما كانليش نفس أفطر، ولما نزلت الشغل نسيت، واليوم عدى من غير ما آخد بالي، إيه المشكلة يعني؟ كامل: يعنى يبقى ابنك دكتور ومرات ابنك دكتورة وتسيب نفسك كده من غير ما تطمن على روحك. قالها كامل والتفت بعينيه اتجاه فرح فوجدها تنظر إليه وهي شاردة، فرفع إصبعيه مفرقعاً إياهما أمام عينيها قائلاً: إيه يا دكتورة؟ سيبتينا لوحدنا وروّحتي لحد فين كده؟

فقالت فرح بانتباه: أبداً، أنا بس عايزة أروح أتابع الحالات بتاعتي. إبراهيم: روّحي يا بنتي، ماتعطليش نفسك معايا أكتر من كده. فرح: أبداً يا عمي، لا عطلة ولا حاجة. إن شاء الله بكرة نتطمن كلنا عليك. بس انت ماتهملش في الأدوية بتاعتك على ما نتيجة الفحوصات كلها تطلع. بعد إذنكم. وبعد خروج فرح قال إبراهيم لكامل بعتاب: ابقى راضيها بكلمتين حلوين يا كامل.

كامل: طب ما أنا اعتذرتلها وقدامك كمان. انت عارف إني عمري ما انكسفت إني أعتذر طالما مقتنع إني غلطان. إبراهيم: عارف يا ابني. بس الستات بيحتاجوا الحنية والمسايسة. خدها بالهداوة يا ابني. كامل باستسلام: حاضر يا بابا، ماتقلقش. المهم قوم انت يالا عشان أنزل أوصلك وأرجع تاني. إبراهيم وهو ينهض من مكانه: لا توصلني ولا أوصلك. أنا همشي لوحدي وبعدين أنا مش راجع على البيت.

كامل باعتراض: يا بابا ارتاح شوية. ثم أنا عايز أفهم. حسن وحسين إزاي ماعرفوش إنك اغمى عليك في الشغل؟ ولا عرفوا وداروا عليا؟ إبراهيم بنفي: أبداً يا ابني، ماحدش عرف. وبعدين ماتكبروش الحكاية. إيه يعني لما هبطت شوية عشان مافطرتش. ما كل الناس كده. كامل برفض: مش كل الناس عندها الضغط والسكر يا عم إبراهيم. والله أعلم اللي حصل معاك ده من أنهي فيهم. إبراهيم

وهو يتجه باتجاه الباب: ما أنا عشان كده ماقلتلكش عشان ماتعملليش من الحبة قبة وتعمل دكتور عليا. كامل بدهشة: أعمل دكتور! أومال أنا إيه؟ إبراهيم بابتسامة بعد أن فتح الباب: باشا الدكاترة كلهم. يالا سلام. كامل بتنهيدة: طب طمنّي عليك لما توصل. ...

كانت فرح انتهت من المرور على مرضاها واتجهت إلى مكتبها لتنهي التقارير الخاصة بالحالات التابعة لها. وما إن دلفت من الباب حتى وجدت كامل جالساً بالداخل وأمامه بعض الأطعمة المغلفة. وكان يجلس باسترخاء وهو يستند برأسه إلى الخلف مغمضاً عينيه بهدوء جعلها تعتقد أنه غارق في سبات عميق. فجلست على مكتبها دون إحداث أي صوت ووضعت الأوراق من يدها وبدأت في إعداد التقارير لتسمع صوت كامل قائلاً بهدوء: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

لتنظر إليه فرح بدهشة وتقول: أنا فكرتك نايم. كامل بسخرية: وافرضى؟ إيه؟ كنتي هتسبيني نايم من غير حتى ماتحاولي تقوليلي أعدل رقبتك؟ فرح بخجل: ما اتعودتش أصحّي حد نايم وخصوصاً لو... كامل وهو يعتدل بجلسته: خصوصاً لو إيه؟ لتحمحم فرح بصوتها وتقول: بس انت ليه قاعد كده؟ كامل: ماشي، مش هرخم عليكي. المهم... أنا بعتت جبتلنا غدا عشان ناكل سوا. فرح: وليه تعبت نفسك؟

كامل بمرح: كنت أما أشوف حد من زمايلي بيشتغل في نفس المكان مع خطيبته، كنت ألاقيها مظبطاها، ايشي فطار وايشي سندوتشات وايشي دوّق ده وايشي إيه رأيك في ده. وإحنا من ساعة ما اتخطبنا ماشفتش منك غير الشاش والقطن. فرح: انت عايزني أجيبلك معايا أكل؟ كامل: ماينفعش. فرح: هو إيه اللي ماينفعش؟ ما انت لسه كنت بتقول اهو. كامل: أولاً...

أنا كنت بهزر معاكي. ثانيًا الحاجات دي مابتنطلبش يا فرح. الحاجات دي بتتعمل بحب واهتمام تلقائي. وأوعي تعملي حاجة انتي مش حاسة بيها. فرح: انت ليه بتقول كده؟ كامل: بقول الحقيقة من غير تذويق. فرح: أفهم من كده إنك لما جيبت الأكل وجيتلي دلوقتي إنك عملت كده باهتمام؟ كامل: ويمكن بحب. فرح: إمتى؟ كامل وهو يرفع

كتفيه بمعنى عدم المعرفة: ما أعرفش. بس المفروض إنك دلوقتي خطيبتي. يعني ليكي حقوق عليا حتى لو ما طلبتيهاش. لكن أنا لازم أديها. فرح: وإيه الحقوق دي؟ كامل ببساطة: الاهتمام. فرح: وإيه تاني؟ كامل: لأ مفيش تاني. هو كده وبس. فرح: إزاي بقى؟ كامل: الاهتمام بيندرج تحته كل الحاجات التانية. ومن غير أسئلة كتير. يالا تعالى اقعدي قدامي وافتحي الأكل عشان جعان جدا. لتنهض فرح لتلتف للجلوس أمامه

لتدخل عليهم فتاة ما قائلة: فرح انتي هنا ولا إيه؟ لتلتفت فرح قائلة: أهلاً يا دكتورة بشرى. بشرى: لما شفت بابك مفتوح استغربت. ثم نظرت لكامل وقالت: أنا آسفة يا دكتور لو كنت قطعت حديثكم. كامل: أبداً يا دكتورة. إحنا كنا هنتغدى. اتفضلي معانا. بشرى: وفاتحين الباب وأنتم بتاكلوا. مش خايفين من الجوعى اللي زيي وماليين المستشفى يتلموا عليكم. تصدقوا أنا هموت من الجوع. بس ما فضيتش آكل طول اليوم.

كامل: وأنا إمتى قعدت مع أي دكتورة والباب مقفول يا دكتورة؟ بشرى: أيوه يا دكتور. بس فرح خطيبتك يعني. كامل: اديكي قلتيها. يعني لسه مابقتش مراتي. تعالي خدي لك سندوتش بقى. الأكل كتير أهو. بشرى: ميرسي يا دكتور. بس الظاهر إني أنا اللي هاكل معاك مكان فرح. فرح بتساؤل: في حاجة ولا إيه؟ بشرى: في حالة في ريسبشن الطوارئ ومحتاجينك تبصي عليها. كامل: هو مافيش حد في قسم الباطنة موجود ولا إيه؟

بشرى: الحقيقة الدكتور محسن راح للحالة. بس هي طلبت فرح بالاسم. لتنهض فرح بقلق وتتجه للخارج على الفور قائلة: يا ترى مين. خير يا رب. ليلحق بها كامل هو الآخر ببعض القلق حتى وصلوا إلى المكان المخصص لاستقبال الطوارئ. لتجد فرح سيدة لم ترها من قبل. في منتصف العقد الثالث من عمرها وهي تجلس محتضنة فتاة صغيرة تبلغ من العمر سبع سنوات ووجهها غارق بالدموع. وما إن وصلت إليها وقبل أن تتحدث معها وجدت كامل

يقول بخفوت مصحوب بالدهشة: ليلة. لتلتفت فرح إلى كامل بفضول فوجدته ينظر للسيدة بشرود وكأنه يخترق وجهها إلى سنوات عدة مضت من عمره. فعادت ببصرها مرة أخرى إلى السيدة وقالت بمودة: حضرتك طلبتي تشوفيني. أنا دكتورة فرح. أؤمري. لتنهض ليلة على الفور وتنحني على يد فرح في محاولة لتقبيلها قبل أن تسحبها فرح وهي تقول باستغراب: العفو يا ستي. استغفر الله العظيم. قوليلى بس إيه الحكاية. ليلة وهي تنظر لفرح

وتهرب بعينيها من كامل: بنتي بتروح مني وصاحب الشغل بتاع جوزي الله يرحمه لما عرف قال لي على اسمك وإني انتي اللي هتقدري تعرفي هي مالها وتطمني قلبي عليها. ليمُد كامل يده ليحمل الطفلة من أحضانها ويتجه بها إلى غرفة الكشف وفرح وليلة من خلفه. وبعد أن وضع الطفلة على الفراش. تقدمت فرح من الفتاة وسألتها بابتسامة: اسمك إيه يا قمر؟ الفتاة: اسمي مي. فرح: الله. اسمك حلو زيك. مالك بقى يا مي. إيه اللي بيوجعك يا حبيبتي؟

لتشير مي إلى صدرها وتقول: هنا بيوجعني ومش بعرف ألعب مع أصحابي. كل ما أجي ألعب معاهم هنا يوجعني أوي ومش بقدر آخد نفسي. لتتبادل فرح النظرات مع كامل الذي نظر إلى ليلة قائلاً: الحالة دي عندها من إمتى؟ ليلة بخفوت: من زمان. بس الحكاية كل ما دا وبتزيد وأنا ما كنتش عارفة أعمل إيه. لتبدأ فرح بالكشف على مي وبعد الانتهاء قالت: إحنا هنحتاج نعمل لها أشعات وفحوصات كتير عشان نقدر نفهم بالظبط إيه الحكاية ونمشي صح.

ليلة بخجل: والحاجات دي يعني هتتكلف كتير يا دكتورة؟ لتنظر فرح إلى ملابس ليلة التي تكاد أن تكون بالية لتفهم على الفور الحالة المادية الصعبة التي تعاني منها فقالت: لأ خالص ماتقلقيش. ليلة: يعني هتتكلف في حدود كام كده عشان بس أبقى عارفة. ليلتفت كامل إلى ليلة وقال بتنهيدة: مش هتتكلف حاجة خالص يا ليلة. ليلة بخجل: انت عرفتني. ده أنا قلت الدنيا والزمن مش هيخلوك تفتكرني. كامل: أنا أول مرة أعرف إن جوزك اتوفى دلوقتي.

ليلة وعيونها تمتلئ بالعبَرات: مات من سنتين دلوقتي. وقع عليه باب كونتينر ومات في ساعتها. كامل: عندك ولاد تانيين؟ ليلة بدموع وهي تشير إلى طفل هزيل كان يقف على بعد وهو يراقب الموقف بقلق: أيوه. عندي أخوها أحمد. عنده تسع سنين. بيشتغل مع عمك في المكتب. كامل بفضول: وطفل في السن ده بيشتغل إيه؟ ليلة: بيقضي له المشاوير الصغيرة. أو يبعته يشتري له حاجة. وينضف مكاني لو أنا مش موجودة. كامل: وإنتي كمان بتشتغلي عنده؟

ليلة بانكسار: لقمة العيش يا سي كامل. وطلبات العيال. كامل: وهو مادفعلكيش تعويض عن حادثة جوزك؟ ليلة بسخرية: تعويض إيه بس يا سي كامل. ده قالي احمدي ربنا إني مش هحملك التعويض اللي كان جوزك هيدفعه بسبب إهماله. فرح بغل: ما يبقاش منصور لو ما عملش كده. ليلة بتردد ووجل: بس هو اللي دلني عليكي. لما لقاني دايخة بيها من سنة دلوقتي من مستشفى لمستشفى ومن حكيم لحكيم. وقال لي إن إيدك فيها الشفا.

كامل: إنتي واحدة جامعية ومتعلمة يا ليلة. ليه مادورتيش على شغل كويس؟ ليلة بحزن: أنا ماكملتش الكلية. كامل بقلة حيلة: عموماً شدي حيلك وماتقلقيش على مي. إحنا هنعمل لها كل اللازم. ولو تحبي أنا ممكن أشوف لك شغل بمرتب كويس هنا في المستشفى. على الأقل تقدري تاخدي بالك من ولادك وتعليمهم. وبلاش تطلعي منهم ليلة وسيد تانيين. ليلة وهي تمسح دموعها: أنا كل اللي يهمني دلوقتي إني أطمن على مي. وأي حاجة تانية تهون.

فرح: البنت هتفضل هنا على ما نعمل لها كل اللازم وإنتي ممكن لو تحبي تفضلي معاها. ليلة بتردد: هو أنا ممكن أخلي أخوها معانا. أنا ماليش حد. لتنظر فرح لكامل وكأنها تنتظر مشورته. فوجدته يقول: ماتقلقيش يا ليلة. خليه معاكي. ثم نظر لفرح وقال: شوفي اللازم يا دكتورة واعمليه. وابقي بلغيني لما تخلصي.

ثم تركهم وانصرف إلى مكتبه. لتبدأ فرح في توجيه الجميع لما عليهم عمله ولم يمضِ سوى القليل من الوقت حتى كانت مي قد بدأت الفحوصات المطلوبة منها ولم تدخل الغرفة المخصصة لها إلا بعد أن انتهت من عمل كل الفحوصات المطلوبة. وعندما انتهت فرح اتجهت إلى مكتب كامل وما إن دقت على الباب حتى وجدت إحدى فتيات التمريض تقول: دكتور كامل مستني حضرتك في مكتبك يا دكتورة فرح.

لتعود فرح إلى مكتبها مرة أخرى لتجد كامل جالسًا كالمرة السابقة. ولكنّه تلك المرة كان شاردًا وبشدة. فحمحمت بصوتها وقالت: روحت لك مكتبك قالوا لي إنك هنا. لينتبه كامل إليها ليعتدل قائلاً: إحنا لسه ما أكلناش. لتجلس كما كانت أمامه في المرة السابقة وتمد يدها لتفتح

أغلفة الطعام وهي تقول: لولا إن حالة البنت فعلاً تعبانة أنا ما كنتش اتكلمت معاها من أصله. أنا مش فاهمة هو باعتهالي بأنهي عين ويا ترى قال لها عليا إيه ولا مين. بس أنا لاحظت إنك تعرفها ومن زمان كمان. هي مين دي يا كامل؟ كامل: دي اللي منصور جوزها لواحد من اللي بيشتغلوا معاه عشان يبعدها عني. لتتوقف يدا فرح عن ما كانت تفعله وهي في منتصف الطريق ونظرت لكامل بفضول دون تعليق. ليمد كامل يده ليكمل ما توقفت فرح عن عمله

وهو يقول بمنتهى الهدوء: إحنا لازم نتجوز في أسرع وقت. فرح باستنكار: إيه. خايف تضعف قدام حبك القديم؟ ليتوقف كامل هو الآخر عن ما كان يفعله. واتكأ بيديه على قدميه وهو ينظر إلى فرح ثم قال: لو كنتي من البنات الخفيفة ولا مثلاً فيه مشاعر ليا جواكي كنت قلت إنك غيرانة.

فرح برفض: مش حكاية غيرانة. بس مهما إن كان. أنا بقالي سنين رافضة فكرة الجواز والارتباط من الأساس. يبقى ما يجيش في الآخر يوم ما أرتبط تحت الضغط النفسي والعصبي ده كله أقوم أتجوز واحد… وعندما صمتت قال كامل بفضول: واحد إيه يا فرح. سكتتي ليه. ماتكملي. فرح بتردد: سامحني يا كامل. أنا ما أقصدش أقلل منك. بس مهما إن كان أنا إنسانة وعندي كرامة ولا يمكن أبدًا أهينها أو أقلل منها. كامل: وإيه اللي هيقلل كرامتك أو يمسها من الأساس؟

فرح: يعني. زمان منصور خلاها سابتك وجوزها. لكن النهاردة. خلاص جوزها مات وبقى ممكن إنك…. ليقاطعها كامل قائلاً: كنت فاكرك أذكى من كده. فرح بعدم استيعاب: تقصد إيه؟ كامل بابتسامة سخرية: ليلة بنتها المرض ما مسكهاش فجأة كده. دي مريضة من زمان. فجأة كده عمي قلبه حن وساب كل دكاترة البلد وباعتها لك أنتِ مخصوص هنا في المستشفى. ده على أساس إن الدكاترة خلصت من البلد. ثم القلب مش تخصصك أصلاً….

أنتِ آه، ممكن تعرفي وتفهمي. بس في الآخر فيه دكتور متخصص هو اللي هيتابع الحالة، مش أنتِ. فرح: برضه مش فاهمة. كامل بتنهيدة: الحكاية بكل بساطة إنه بيحاول يصحّي جوايا أحاسيس ماتت من سنين ومالهاش وجود في حياتي. لمجرد إنه يدق مسمار في علاقتي بيكي. بعتها لكِ وهو طبعًا عارف ومتأكد إني هشوفها ولو بالصدفة. ومش بعيد كمان يكون هو اللي أجبرها تيجي هنا. فرح: أيوه بس البنت فعلًا تعبانة.

كامل: عارف. بس أصلها لما اتكلمت، ما قالتش الراجل اللي بشتغل عنده. لكن قالت الراجل اللي كان جوزي الله يرحمه بيشتغل عنده. يعني بتوصل لي معلومة إنها بقت أرملة بطريقة غير مباشرة. فرح: ولما أنت عارف كده، هتساعدها ليه؟ كامل: أنتِ لسه قايلة، البنت فعلًا مريضة. وكمان بمعرفتي بـ "ليلة"، فأنا متأكد إنه ضاغط عليها بحاجة عشان تعمل كده. لكن على ما نعرف كل الكلام ده، لازم نتجوز وبسرعة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...