يـــــــــونس! _في إيه؟ قلتها بخضه، وأنا ببص لإيهاب. الصوت اللي صدر من الشقة فجأة كان صوت صراخ، مش زعيق أو إنها بتنادي على يونس. قربت من إيهاب وهو بيفتح الباب بسرعة. دخل إيهاب ودخلت بعديه، وأنا بحرك نظري على الصالون. بس مكنش فيه حد. الصالون فاضي، وخالي مش أي صوت. حركت نظري على إيهاب اللي بصلي باستغراب. كنت لسه هتكلم. بس دخل سِنان فجأة، وهو بيقول بأنفاس متسارعة: _في إيه؟ إيه اللي حصل؟ رفعت كتفي بجهل، وقلت: _مش عارفه.
_ماله أبوك يا يونس؟ اتقدمت بسرعة ناحية الصوت، وجري ورايا إيهاب وسِنان. وصلت للأوضة اللي خرج منها الصوت. فتحت عيني بخضه وأنا بلمح عمو علي أبو يونس واقع على الأرض، ويونس ومامته بيحاولوا يفوقوه. نزلت بسرعة جانب يونس، وقلت: _في إيه؟ عمو ماله؟ _مش عارفه يا ونس، مرة واحدة لقيته وقع من طوله. حركت نظري على يونس اللي بيقيس لعمو النبض. _قوم يا يونس، ننقله المستشفى.
وقمت من مكاني بخفة وأنا بحط إيدي على دراع سنان ونظري على إيهاب، وقلت: _يلا يا سنان، يلا يا إيهاب ساعدوا يونس في شيل عمو. في الوقت ده سمعنا صوت عربية إسعاف تحت العمارة. فعرفت إن يونس رن عليهم. شال يونس وإيهاب وسنان عمو علي ونزلّوه لِ عربية الإسعاف. ركبت عمتو عفاف والدة يونس مع باباه. ورُكبت أنا مع يونس وركب سنان مع إيهاب واتحركنا على طول ورا عربية الإسعاف.
خطفت نظرة لِ يونس، اللي كان مثبت عينه على الطريق وكان هادي بشكل يقلق. حاولت أفتح طرف خيط للكلام، بس حسيت إن ده مش وقته ولا أنا حمل عصبيته اللي أكيد هتطلع علينا. نزلنا من العربيات كلنا في نفس الدقيقة. اتقدمت أنا مش خالتو وسندتها عشان كانت منهارة. ودخل يونس وإيهاب وسنان جري ورا الممرضين. دخلنا من باب المستشفى، كان سنان بيخلص الورق بدل إيهاب ويونس.
طلعت أنا وخالتو قدام أوضة العناية بعد ما عرفت من سنان إنهم هيدخلوه العناية نظرًا لتدهور حالته. وصلت وكان يونس واقف قدام الأوضة، وأيهاب قاعد وساند كوعه على رجله. اتقدمت وقعدت خالتو على أقرب كرسي. خطفت نظرة ليهم بتوتر، ورجعت لِ سنان تاني. _ها يا سِنان عملت إيه؟ بصيلي وهو بيسلم الورق لأحد الممرضات، وقال: _خلصت تجهيز الورق، بس الوضع مش مبشر خالص. بصتله بقلق من اللي جاي، وقلت: _في حد قالك حاجة؟ حط إيده على كتفي،
وقال بهدوء: _الممرضة اللي كانت مع عمك قالت إن وضعه مش مستقر. اتنهدت بضيق، ومشيت مع سِنان بهدوء. الأجواء متوترة والأعصاب مشدودة. والصمت هو المتحدث الوحيد في الممر. والنظرات المترقبة من الجميع. يونس اللي رايح جاي في الممر بتوتر بسبب تأخر الدكتور. و إيهاب اللي قاعد يهز رجله بتوتر وقلق كبير. وخالتو اللي قاعدة بتدعي ودموعها على خدها. جنبها ماما اللي جت بسرعة بعد ما عرفت. وبابا اللي قاعد جنب إيهاب بقلق.
وأنا وسنان قاعدين جنب بعض. الوقت كان اتأخر، والدكتور كمان طول أوي. وأنا حرفيًا هموت وأنام. سندت رأسي على كتف سنان ومسكت دراعه وأنا بتاوب. _ونس! سمعت حد بيهمس باسمي وفكرت إني بحلم، فكملت نوم. معداش ثواني وسمعت صوت صوا. فتحت عيني بفزع وأنا بتعدل في قعدتي. ملحقتش أستوعب حاجة، ولقيت سنان بيقوم من جانبي بسرعة. بصيت ناحية أوضة العمليات، كان الكل متجمع. وخالتو وماما بيعيطوا. قمت بفزع وقربت من التجمع.
لقيت يونس ماسك الدكتور بغضب. وإيهاب وبابا بيحاولوا يبعدوا يونس عن الدكتور. _دكتور أمجد! دخلت في نص الخناقة، وقلت: _في إيه؟ ده مش مكان خناق، ميصحش كده يا يونس. بصيلي يونس بغضب، وفك قبضته من على الدكتور. حركت نظري على الدكتور، وقلت: _أخبار عمي إيه يا دكتور؟ بصيلي بهدوء، وقال وهو بيعدل نظارته: _عمك تعيشي إنتِ يا ونس. قال جملته ومشي بأسف.
أنا كنت زي اللي صابني ماس كهربائي، فاتحة عيني بصدمة ونظري مثبت على نفس النقطة اللي كان واقف فيها الدكتور. مرت رعشة في جسمي لما سمعت صوت الصريخ، وفقدت الإحساس في رجلي وكأنها شُلت. كنت واقفة وحاسة إن العالم بيلف بيا، ومحستش بحاجه غير لما سنان حط إيده على كتفي. حركت نظري لِ بعدم تصديق، وقلت: _الكلام ده صح يا سِنان؟ دموعي نزلت تلقائية لما لقيت سِنان بيبصلي بحزن طاغي. مسح دموعي بألم وحضني برفق وهو بيقول:
_لله ما أخد، ولله ما أعطى يا ونس. انسدلت دموعي على خدي وصوت شهقاتي بدأ يعلي، بس حاولت أكتم صوتي. لازم أبين ثابتة عشان خالتي وإيهاب وبابا و.. ويونس أكتر واحد محتاجنا دلوقتي. يونس كان قريب أوي من باباه، يمكن أقرب من إيهاب. يونس كان عايش مع باباه بره وكل وقته كان معاه، وعمي علي كان بيحب يونس جداً وكان ليه مكانة خاصة على قلبه. الفترة دي هتبقى صعبة أوي على يونس.
لما بصيلي بغضب، إلتمست نظرة الألم اللي كانت ظاهرة من عيناه، بس اتجاهلتها. وبعد ساعات دُفن عمي علي وبدأ العزاء في البيت. مكنش فيه أصوات في البيت. خالتو عارفة ربنا كويس ومنعت أي حاجة حرام. القرآن هو الحاجة الوحيدة اللي تقدري تسمعيها دلوقتي وإنت داخل شقة عمي. البيت مليان نساء لابسين أسود، وصوت الهمسات اللي ما بين الضيوف خفيف. دخلت الشقة، وأنا بفرق عيني بتعب، حاسة بصداع فظيع هيفرتك دماغي، والرؤية قدامي بقت مشوشة.
اتقدمت ببطء، وقعدت جنب خالتي اللي حطت إيدها على رجلي وقالت بصوت مبحوح من كتر العياط: _اطلعي نامي شوية يا ونس، هتقعي من طولك يا بنتي. _حاضر يا خالتي، هطلع أنام بعد ما الناس تمشي. عدت ساعة وراها التانية ومرت التالتة والبيت بقى فاضي. قُمت بهدوء من جنب خالتي بعد ما اتأكدت إنها نامت. قفلت الباب بهدوء، لقيت إيهاب داخل الشقة ومن بعديه يونس. قربت من إيهاب اللي كان جاي ناحيتي، وقلت بمرح: _أسندك ولا هتعرف توصل للأوضة.
ضحك بخفة مؤلمة، ومسكني من خدي بلطف، وقال: _يا ستي أسندي نفسك الأول، وإنتِ شبه الأموات كده. بصيتله بطرف عيني، وقلت: _مش هرد عليك عشان مش شايفة قدام، وعشان أنا العاقلة. هز رأسه بابتسامة، واتحرك ناحية أوضة بتعب. قربت من يونس اللي كان واقف شارد الذهن، حطيت إيدي على دراعه بلطف، وقلت: _إنت كويس يا يونس؟ حرك عينه عليا بآلية، ورمش ببطء شديد ووزع نظراته على البيت ورجع بص ليا تاني بنظراته الغريبة بس موجعة أوي. _شايفة إني كويس؟
نبرته خلتني أدمع تلقائية. مسحت دموعي بسرعة وقلت: _هتبقى كويس، بإذن الله هتبقى كويس. _بس أنا قلبي واجعني أوي يا ونس. رفعت نظري له بألم، وقلت: _ابتلاء وهيعدي. وحطيت إيدي على دراعه وأنا بحركها بلطف، وقلت: _إن الله إذا أحب عبدًا ابتلاه، فخلي جوابك على الابتلاء ده هو الصبر وقوة إيمانك يا يونس.
_إنت عارف إن كل نفس ذائقة الموت وإن محدش دائم فيها إلا وجه سبحانه، وعلاجك مش عند البشر بل عند رب البشر، اشكيله وجعك يا يونس هو اللي قادر يبدل الأحوال ويصبرك على ما بلاك. ابتسم يونس بحب، وقال: _ممكن تسمحيلي؟ ضيقت عيني باستغراب، وقلت: _بِ إيه؟ _بِ كده. مستوعبتش الكلام غير ويونس بيشدني لحضنه. فتحت عيني بصدمة من حركته. وفضلت ثابتة مكاني بدون حركة. _أنا محتاجك أوي يا ونس، خليكي جانبي. حاولت أبعد وأنا بقول: _إبعد يا يونس.
سابني، وقال: _آسف، بس حاسس إني ارتحت. بلعت ريقي بتوتر، واتحركت ناحية الباب، وقلت: _تصبح على خير يا يونس. _وإنتِ من أهلي يا ونس. اتجاهلت جملته وطلعت شقتنا بالعافية. خبطت على الباب برفق وأتمنى يكون حد سمع للخبطة. فتح سِنان. ابتسمت له بخفة وتعب. بادلني الابتسامة، ومسكني من كتفي، وقال: _تعالي يا ونسي! دخلت وأنا ساندة جسمي كله عليه، وقلت: _وديني للسرير يا سينو. _تعالي يا عيون سينو.
دخلنا أوضتي، نمت على السرير وغطاني سِنان كويس ونام جنبي بهدوء. لفيت وشي له، وقلت: _مش رايحة الشغل بكرة، كفاية وجع مرارة. ضحك سنان وخدني في حضنه، وقال: _فداكِ يا ونسي، نامي إنتِ وارتاحي. غمضت عيني بتعب كبير ونمت. _عدى أسبوع على وفاة عمي والأجواء بقت أهدأ. وأنا واخدة إجازة بقالي أسبوع وعاملة حجة وفاة عمي، لحد ما دكتور أمجد قالي امبارح مش عايز أشوف وشك تاني في المستشفى. ضحكت.
آه والله ضحكت، أصل هما ميقدروش يتخلوا عني في المستشفى. نزلت مع سنان عند خالتو بعد ما طلبتنا لأمر مهم. _إيه اللي جايبك عندنا؟ قالها إيهاب بضيق مصطنع وهو واقف على الباب. _مش عشان جمال عيونك يعني يا إيهاب. _قصف جبهة رزع. قالها سِنان وهو بيضحك. _اتنين إخوات أبرد من بعض. _إيه ده إحنا حرقينك أوي كده. ضحك سنان على جملتي وبصلي إيهاب بقرف، وقال: _إنتِ يا معضمة! كنت لسه هسكه من شعرة إلا إن خالتي قالت:
_افتح يا إيهاب والباب ودخل العيال، وسيب ونس في حالها. فتح إيهاب الباب، دخلت وأنا ببصله بطرف عيني. ضحك عليا وهو بيهز رأسه بيأس. دخلت سلمت على خالتي اللي كنت لسه شيفاها الصبح. _خير يا خالتي! طلبتينا. قالها سنان بهدوء. _في موضوع عايزة أقولكم عليه. _موضوع إيه يا ماما؟ قالها يونس بهدوء واللي كان شكله أفضل من آخر مرة. _وصية أبوك! _وإحنا إيه علاقتنا يا خالتي؟ _إنتِ أهم واحدة في الوصية يا ونس! ضيقت عيني باستغراب.
سبقني يونس وقال: _هي إيه الوصية يا ماما؟ مسكت كوباية الماية من على الترابيزة، ومسك إيهاب برضو الكوباية اللي جنبها. وشربنا. _إن إيهاب يتجوز ونس! _إيــــــــــــة؟؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!