"طمني يا دكتور، هي هتفضل كده كتير؟ تلك الجملة التي قالها يعقوب والحزن يحتل ملامحه. ابتسم الطبيب ابتسامة هادئة ثم أجاب بعملية شديدة. وقف يعقوب يستمع للطبيب وعيناه على الراقده خلفه.
"زوجته: يعقوب بيه، فقدان النطق هو حالة مرضية تسلب المريض النطق وممكن تؤثر على استيعابه كمان. يعني فيه أنواع تفقد النطق بس تقدر تعبر بالإيحاءات، لكن فيه نوع تاني متقدرش تتواصل حتى بالإشارات وبترجع لحالته بعد زوال سبب الصدمة. بس نصيحتي إذا وصلت للمرحلة الثانية، محتاجة أخصائي نفسي. وده هنقدر نحكم عليه لما تفوق. بس مش محتاج أوصيك، هي محتاجة راحة. مش محتاج أوصيك تاني."
فتحت عيناها بتثاقل. كانت هادئة في البدء، ثم انصدمت من رؤيته. وزعت نظراتها في المكان برعب جلي، تهز رأسها يمينًا ويسارًا ودموعها تغرق وجنتيها. تعالت أنفاسها. هيئتها جعلته يثب واقفًا يحاول مد يديه لتهدئتها، لكن حدقته بنظرات يملؤها الرعب والفزع. كور يده بغضب من نفسه بسبب وصولها لتلك الحالة. قبل أن يهم بالحديث معها، أجابته بنظرات مستحقرة. توسعت عيناه بذهول. "اسمعيني، اسمعيني. الزفت ياسر طلع ورا كل حاجة."
"بلاش تتعصبي عشان صحتك. أنا آسف يا دالين. الغيرة عمتني، أه، غيرتي عليكي. أنا بحبك يا دالين. بحبك من أول يوم. أنا عمري كله قلبي مدقش لواحدة، انتي وبس. عشت حياتي كلها شغل وبس، انتي خدتيني لجنتك. عايزك تعذريني. ظروف جوازنا هي اللي خلتني ثورت كده. مش بقولك أنا صح. لا، ندمان وعايز فرصة نبدأ حياتنا مع بعض. انتي القدر بعتيه ليا وحطني في طريقك. يا دالين، وحشتني ضحكتك. بجد أنا كنت جاي أجري من بره عشان أشوفها."
جلس بجوارها على الفراش ليضمها إلى صدره. فدفعته بحدة في صدره وحدقته بنظرات مشمئزة ساخطة. طالعها بألم. نهض مسرعًا مولياً ظهره صوب الباب، لا يحتمل قسوة نظراتها. *** فتح مكتبه يبتسم بألم. غامت عيناه بالدموع. منذ يومين. يومين فقط كانت تجلس أمامه تشاكسه. مسح وجهه بكفيه. احتلت نظرات عينه بها وعيد شيطاني لذلك القذر. سيذيقه جميع أنواع العذاب.
ارتمى بجسده على أريكة خلفه، شعر بيد تربت على كتفه. رفع بصره، طالع والده. هما لوقوف، لكن يد والده منعته وجلس بجواره وأخرج تنهيدة حارة.
"أنا المفروض أكون زعلان على حالك، بس أنا فرحان. أولاً إنك حبيت. أنا عمري ما قولتك هتجوز إمتى، وعايز أفرح بيك زي أي أب. كنت مستني تيجي اللي تخطف قلبك، حتى لو كان طال الوقت أكتر. ما كنتش هقولك. أهو، تفكيري كده. اليوم في قرب الحبيب بميت سنة، وانت قلبك خالي يا ابني. عشان كده فرحة إن لؤي أخوك حب. عشان كده مستنتش يخلص دراسة." "ثانياً، اللي أهم. قولتلك بلاش اندفاعك ده. كان لازم تميز بين الصدق والكذب من نظرة. طالما حبيت."
تمتم يعقوب بحنق. "هو أي حد مكاني كان هيفكر نظرة ولا مش نظرة. أنا محسيتش بنفسي، بس ورب الكعبة مش هسيبه. أنا هتجنن يا بابا، هي مش طايقة تبص في وشي. وفقدان النطق مخليني مش قادر أضغط عليها وأفهمها موقفي وحقيقة مشاعري ناحيته." نهض والده وهو يربت على كتفه بحنو مردفًا بدعاء يخرج من صميم قلبه. "ربنا يريح قلبك يا ابني. متقلقش، مسيرها ترجع لطبيعتها وتصرح بمشاعرك. دوام الحال محال يا يعقوب."
"الواد اللي تحت ده أنا نبهت عليهم محدش يجي جنبه، ولا حتى أنت. كفاية عليه كده. ركز مع مراتك وكفاية عليه حبسته هنا. مش عايز تهور وترجع تندم." انصرف من المكتب بهدوء وتركه ثقل الدنيا فوق أكتافه. ***
منذ أن عادت إلى بيتها، كامنة في غرفتها تضم قدميها لصدره. بداخلها مشاعر تجتاحها تكاد تقتلها من فرطها. حزن، ندم. نعم، ندم على رد فعلها المتهور. بينماهو التزام الصمت. ليته صرخ عليها، نهرها على تصرفه. لكنه لم يصدر منه أي تعبير. بقى صامتًا كجماد. زاد خفقان قلبها بشدة بداخلها. مشاعر تختبرها لأول مرة.
نهضت سريعًا من مكانها تبحث عن حقيبتها. وقعت عيناها عليها. التقطها تبحث عن هاتفها. فهو في إحدى المرات قال لها أنه يتابع حسابها على مواقع التواصل الاجتماعي. أخيرًا وجدته. مرت أناملها على الشاشة وبدأت تكتب بعض الكلمات تعبر عن حالتها. "غريبة هذه الحياة، عندما نملك السعادة لا نشعر بها، لكن عندما ترحل السعادة نصبح تعساء. نندم في وقت الندم لا يفيد." ***
جلس في غرفته لم يتمكن من تجاوز شعور الحزن والمرارة من طريقتها العدائية والهجومية غير المبررة بالنسبة له. فهو من حدثها ليكون بجوار دالين. لكن طريقتها وأسلوبها وتخليها عنه بكل سهولة. لماذا وافقت من الأساس؟ هل العبث بالمشاعر مباح بالنسبة لها؟
أغمض عينيه بوجع ممزوج بمرارة. يشعر بأن كرامته مهدرة. لكنه لن يتمكن من معاقبتها. فتح عينيه ليلتقط هاتفه. فمرر يديه على شاشة الهاتف. فجأة إشعار بتحديث حالتها. ضغط عليه بأنامله وبدأ في القراءة. زم شفتيه بضيق. بداخله نيران تكتب على صفحته. بدلاً من أن تعذره، بدأ في تدوين بعض الكلمات على صفحته. "لحظة صمت في لحظة غضب تمنع ألف لحظة ندم." علي بن أبي طالب. ***
بعد مرور أسبوع. رفع بصره لها وابتسم بهدوء تحت نظرتها المندهشة. فبدت مرتبكة تفرك أناملها بتوتر وملامحها شاحبة كالأموات. حالتها لا تفرق كثيرًا عن أخيه. عضت شفتيها بندم وأصدرت زفيرًا حادًا ثم تحدثت قائلة: "أستاذ يعقوب، أنا آسفة على الطريقة اللي كلمتك بيها." بوقفها بإشارة من يده تحثها على الصمت ثم تحدث بنبرة تحمل الرزانة.
"أنا مش زعلان يا بسمة، واتصلت أتراجيتك تيجي مع والد دالين هنا مش عشان أسمع منك آسفة. وأنا اتبسطت إن دالين عندها صاحبة زيك تخسر الدنيا عشانها. بس هي فعلاً محتاجاكي الوقت ده. أنا لما بقرب منها حالتها بتسوء وأنا خايف من المضاعفات ومش عايز أضغط عليها. حتى والدها بيجي ويقعد معاها ومفيش أي رد فعل منها. بقول يمكن أنتي تفكي معاكي." ثم استرسل حديثه بمكر.
"لؤي هو كمان بيحاول على ما يقدر، بس هو حالتهمتفرقش عنها كتير غير أنه بيتكلم." اعتلت غصة مريرة في حلقها وألجمت مشاعرها بصعوبة من الخروج أمام يعقوب وتجاهلت حديثه. متسائلة: "أستاذ يعقوب، ممكن أسأل سؤال؟ هز رأسه بالموافقة فسألته باستحياء. "هو حضرتك حبيت دالين فعلاً؟ ولا ده إحساس بذنب بس؟ أجابها بقلب مفطور ألمًا هامسًا بنبرة ذات مغزى.
"آه حبيتها وللأسف في لحظة غباء مني ضيعت كل حاجة. بتمنى أعرف أرجع الزمن ومجرحش مشاعرها. الندم أكتر حاجة بتجلد البني آدم يا بسمة." احتلت عيناها نظرة مريرة من مغزى كلامه تحارب دموعها. فهي اعترفت بداخلها بحبه، لكنه تجاهله تمامًا. لها دون معاتبتها رغم اعترافه بحبه. يألمها. بعد مرور وقت في صراعها الداخلي خرج صوتها الضعيف. "ربنا يصلح الحال ويشفيها قريب. أنا هطلع ليها عشان سبتها في الجنينة بره. وتاني مرة آسفة."
انصرفت تحت أنظاره وهو يهز رأسه بيأس وداخله يدعو بأن تسير الأمور كما خطط لها. *** وقف على بعد أمتار يراقب حركتها ومشاكستها لدالين. أشعلت فتيل النيران بداخله. برزت عروق رقبته وكور يده بغضب. تضحك وكأنه لم يمر بحياتها. لم تجرحه أمام أخيه. حتى لم تكلف نفسها عناء الاعتذار. أتاه من الخلف صوت يعقوب وهو يسحبه معاه ليجلسوا معهم. حاول التملص منه لكنه شد يده بقوة يهتف: "ممكن نقعد معاكم؟
طالعته دالين بنظرات باردة وأشاحت بوجهها الجهة الأخرى. أما بسمة، طأطأت رأسها أرضًا بخجل مصحوب بالندم. ابتلعت لعابها تهمس بخفوت. "أتفضلوا. أنا كنت أساس ماشية. أنا اتأخرت." أجابها يعقوب وهو يربت على كتف لؤي. "خلاص وصلها يا لؤي، لأن بابا دالين روح من بدري." رمقه لؤي بنظرات نارية بينما هي تلعثمت. ابتلعت صوتها لم تعرف بماذا تجيبه. فهزت رأسها بنفي وأخيرًا وجدت أحبالها الصوتية. فهمست: "مفيش داعي حضرتك. أنا هروح لوحدي."
غمغم يعقوب بنبرة بها بعض الحدة. "لا طبعاً، إزاي لؤي يسيب خطيبته تروح لوحدها. يلا يا لؤي معاها." انصرفا الاثنين بملامح مجعدة. فسحب يعقوب كرسيًا وجلس أمامها يسحب يديها بين كفيه. حاولت تسحبها بين نظراتها المعترضة لكنه رفض أن يتركها. هامسًا:
"مش قولتلك قبل كده إنك قلبك أسود. بحبك. بحبك يا دالين. قلبي بيحبك. أنا بتعذب. أنا عمري ما كنت كده. مش مرتاح، مش بنام. أنا مصدقت لقيتك. أنا وقلبي مصدقنا لقيناكي. بقيت بتجري جوايا. صدقيني أنا مش مسامح نفسي على كل كلمة طلعت مني." *** يقود سيارته بسرعة مندفعًا. وزعت نظرتها بينه وبين الطريق وابتلعت لعابها لتهمس برعب. "لؤي، أحنا ممكن نعمل حادثة. براحة شوية." ضغط على مكابح السيارة وأوقفها بحدة أدى إلى اندفاعها للأمام.
"عايزة إيه؟ أنا مش شغال عندك وده سواقتي بتاعتي كده؟ أطرقت رأسها في خزى وانزعاج عندما لمست نبرة الغضب في صوته. همست بألم. "آسفة، آسفة إني تعبتك. أنا هنزل هنا." أسرعت تفتح الباب بجوارها. فأسرع هو بضغط على معصمها بملامح قاتمة. "لما مش عايزيني، وافقتي ليه من الأول؟ هزت رأسها بالنفى سريعًا. "لا لا، أنا لو ماكنتش عايزك ماكنتش وافقت. أنا عمري ما أوافق لو محستش براحة." ضحك ساخرًا يطرق كفًا بأخرى.
"راحة بس راحة. أيوه صح، أنتي عندك حق وكان أكبر دليل اللي حصل عند دالين." زمت شفتيها تهمس بخفوت. "أنا آسفة على اللي حصل عند دالين. كنت عايزة أكلمك أعتذر بس لما لقيتك ساكت خالص حتى مش عاتبتني قولت ما صدقت بقى. بس على فكرة الراحة دي كانت في الأول بس بعد كده الوضع اختلف." اختلج قلبه أثر جملتها. فهي تقصد معنى بين ثنايا كلامها. هل هو اعترف بالحب غير صريح؟ مرر بصره على ملامحها البريئة. "مش فاهم. وضحي أكتر."
"بسمة، قولي عايزة تقولي إيه على طول." التوت ثغره بابتسامة هادئة وهي تنظر إلى عيناه. "اللي فهمته صح، الأول حاجة ودلوقتي حاجة. لما بعدت عني أنا عرفت إني... صمتت واحمرت وجنتها خجلًا. فعل كل ما بوسعه ليحفزها على اعتراف بحبه. "إنك إيه يا بسمة؟ ريحيني. التفكير هيموتني. إني بنسبلك مجرد عريس مناسب. إنك إيه؟ أجابته وعلى مبسمها ابتسامة هادئة.
"أنا عمري ما كنت هوافق لو حتى العريس أغنى حد في الدنيا. فأنت مش بنسبة ليا مش فرصة. لأني مش للتجارة يا لؤي. أنا زي ما فهمت وممكن. يلا عشان أنا اتأخرت." ***
مر أسبوعان. أسبوعان يجلسون في الحديقة معًا. تقبلت فيهم وجوده بقربها فقط. وجوده دون حتى أن تنظر إليه. واكتفى هو بتلك الخطوة عازمًا على أن يجعلها ترجع كعادتها. فأصبح يتابع عمله من البيت. لكن هناك أوراق كانت تتطلب إمضاءه. فأتت مساعدته الشخصية ليقوم بتوقيعها. لكن لا يخلو الجو من دلالها المفرط والتصاقها بيعقوب تحت نظرات دالين المحتقنة. انتهت من التوقيع وارتسمت ابتسامة سامجة على ثغرها تهمس بصوت أنثوي بخبث.
"انت وحشتني أوي يا بووص، أقصد وحشتنا كلنا يا بووص. المكتب من غيرك وحشة." هز يعقوب رأسه وأجابها بعملية شديدة. "لؤي موجود يسد وأي حاجة محتاجة توقيعي أنا بخلصها هنا. محتاج الإجازة دي." هزت رأسها بغيظ تتصنع الابتسامة. همت للانصراف. فوضعت دالين قدمها أمامها فتعثرت ووقعت أرضًا. فهمست بصعوبة وتلعثم. "غبيييييييه." فلحظة كان يجثو على ركبتيها أمامها دون الاهتمام لتلك الواقعة أرضًا يهمس بصدمة مصحوبة بحنو. "دالين! أنتي نطقتي!
صح! اتكلمتي صح! أنا سمعت صوتك يا حبيبتي. صوتك وحشني أوي يا مراتي ويا حبيبتي ويا صاحبة الدقة الأولى اللي هتسامحني." نهضت نسرين تجز على أسنانها منصرفة. نفضت دالين يديه عنها لتهتف. "أسامحك كده بعد اللي عملته؟ وهانتني قدام لؤي. انت شايفني إيه! معنديش كرامة؟ ما زال على وضعه أخذ وجهها بين راحتيه ليهتف بنبرة عاشق. "أنا هعمل المستحيل وتسمحيني يا دالين. قوليلي اللي يرضيكي." أجابته بحزم ونبرة قاطعة.
"أولاً، أنا هرجع بيت بابا مش هقعد هنا. ثانياً، مفيش جواز ولا فرح غير لما أخلص كلية. ثالثاً، المكتب بقى السكرتيرة دي تمشي وييجي راجل." أجابها بحدة وانفعال. "نعم!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!