سارت بخطوات واسعة للداخل وهو خلفها، النيران تتأجج بداخله. قطب جبينه وملامحه ازدادت قسوة. توقفت فجأة واستدارت له. وقف يطالعها بعدم تصديق. هي منذ دقائق كان يتمنى سماع صوته، تقف الآن أمامه تعاند وتكابر. أما هي، رمقته بحنق، عاقدة ذراعيها أمام صدرها. ابتلعت ريقه من نظراته، ثم استعادت ثباتها قائلة: -أيوه، أفهم. الاعتراض على أي جزء بالضبط؟ رفع حاجبه بتحدٍ من شروطها والتوى ثغره:
-أنا محدش يحط شروط عليا يادالين، محصلتش، ومش هتحصل. لمحت التهديد في طيات كلامه، لكن منذ متى تعبأت بحديث أحد؟ نعم، تغيرت كثير من معتقداتها وعلمت بداخلها ما هو خطؤها، لكنها لن تسمح بمرور ما سار معها وأهانها لها. في هذه الأثناء، دلف لؤي. وجهت بصرها إليه تهتف: -لؤي، كويس إنك جيت عشان توديني عند بابه. أومأ رأسه بالموافقة: -تمام يا دالين، يلا. توسعت عيناه بذهول واقترب منها، يقبض على أعلى كتفه يهتف بعدم تصديق:
-دالين، أنتي اتكلمتي صح؟ صح؟ اتكلمي تاني. حمدلله على سلامتك بجد، أنا آسف على كل حاجة حصلتلك. أنتي كويسة طيب؟ جز على أسنانه ثم صدح صوته يهز الأركان: -لؤؤؤؤؤؤؤؤؤي! ابتعد عنها مسرعًا. أما هي، أرجعت خصلاتها الثائرة خلف أذنيها تهمس باستياء: -الحمدلله يالؤي، متقلقش، أنا تمام. شايف الناس اللي بتتكلم كويس وبتطمن، لكن أنت هتفضل شايفني ماليش حق في حاجة يا يعقوب؟ كور يده بغضب ثم تنفس بعمق ليسيطر على غضبه:
-أيوه يا دالين، لو حقك إنك تبعدي عني مالكيش حق. أنا مش معترض على نسرين، بس عايزني أعمل إيه؟ وأنا هتجنن على صوتك وإنك ترجعيلي، وأول ما تنطقي تقولي همشي من هنا. حاولت رسم الجمود لتسيطر على نفسها من كم المشاعر التي تنقلب بداخلها، تشعر بسعادة من اعترافه: -ده الكلام اللي عندي، أنا قولته، وكده القرار يرجع ليك.
انصرفت من أمامه مسرعة تصعد الدرج، بينما هو يتابع طيفها. رمق لؤي بنظرات حادة. رفع لؤي يده علامة الاستسلام والندم على اقترابه منها. *** ولج غرفتها بهدوء عكس ما بداخله. اقترب منها يحوط خصرها بيده في محاولة لتهدئة ثورتها. انتفضت بحدة غير طبيعية تدفعه بعيدًا عنها، ليسارع هو بفك قيوده من حولها لتهدأ. فهمست بنبرة مرتجفة: -أوعى تلمسني تاني. طالعها بذهول لثوانٍ ثم فرك جبينه بألم لمظهرها المرتجف:
-أنا آسف على كل كلمة قولتها، آسف على أي وجع سببته ليكي. بس أنا اتجننت، آه، كان لازم أمسك لساني، بس غصب عني، أنتي لازم تستوعبي الموقف كله. تطالعت لعينيه بأعين تملؤها الدموع: -أنا عارفة إن فيه حاجات كتير كانت غلط في حياتي، حاجات ماخدتش بالي منها، تفاصيل صغيرة بالنسبة لي، لكن هي ما كانتش كده بالنسبة لكل. حاجات خلتني أعيد حساباتي في حاجات كتير، بس اللي أنت قولته صعب أوي، عمري ما كنت أتوقع إني أسمع كده، عشان عشان...
لو سمحت، ده أنسب حل. تجاهل كل حديثها واقترب منها يهمس: -عشان إيه يا دالين؟ ها؟ عشان إيه؟ قولي وريحني. تنهيدة حارة صدرت من أعماقها وهي تنظر لملامحه الرجولية، ثم غيرت مسار الحديث وهي ترفع إحدى أناملها بوجهه: -السكرتيرة تمشي وييجي مكانها رجل يا يعقوب، وأنا هروح عند بابا، وأنت هتوافق، وبلاش تخليني أطلع جناني عليك. قهقه بصوت رجولي يهز رأسه بيأس منها: -هتمشي يادالين؟
وهوديكي عند والدك، مش عشان خايف من جنانك، عشان حابب تكوني مرتاحة. حاولت تستجمع رباطة جاشها أمام سطو عينيه، فهمست بخفوت: -ميرسي يا بوبي. رد عليها وهو يطالعها بعدم تصديق وهو يشير إلى صدره، يهمس باستنكار: -بوبي؟ ده ليا أنا؟ أكيد لا، وأوعى تعيديها تاني. قال بوبي قال. عضت شفتيها وهمست بدلال: -بوبي، عجبني أوي، وأنا يعتبر في فترة خطوبة، ولازم أدلعك. ابتلع لعابه يهمس: -ماشي، خلاص. بس واحنا بعضنا بس، عشان الهيبة. ***
اختنقت أنفاسها ترى أمامها ذئبًا بشريًا. كان ينتظر الفرصة لينقض على فريسته. لأول مرة ترى ملامحه القاسية، نظراته المخيفة، عيناه تشتعل بالسواد. داهمه يعقوب من الخلف بركلة قوية جعلته يتأوه بصوت عالٍ. خرجت شهقة منها وهي تخبئ وجهها بين كفيها، تهمس بذعر: -كفاية يعقوب، كفاية. سيبه بقى يمشي، أنا كويسة قدامك أه. اقترب منها يطمئنها يهمس بلطف:
-اهدى، خلاص يا حبيبتي، اهدى. بس كان لازم يتربى، وأنا حلفت ميخرجش من هنا غير وإنتي اللي بتنطقيه ببؤقك. رفعت عيناها إليه، الدموع تتساقط منها: -سيبه خلاص، الغلط مش بس غلطه لوحده، أنا اللي جرأته عليا، عشان خاطري يعقوب، سيبه. بادلها يهمس في أذنيها: -خاطرك غالي أوي يا قلبي، يعقوب. ***
رمقها بنظرات متألمة يلوم نفسه مرارًا على ما حدث لها. نعم، أعطاها الحرية لثقته بها، لكن تغافل عن أمور دينه، على حدود مجتمعه، على عادات تحكمه. فمفهوم الحرية الحقيقي هي عدم التأثير على قرارها أن تتخذ قرارها بنفسها، لكن كان يجب أن يعلمها أن تحترم الدين والمجتمع والعادات المحيطة به. تنهد بحزن عميق يهمس لها:
-سامحيني، من الأول كان الغلط غلطي، وإنتي كمان فهمتي الحرية والثقة غلط. الحرية مش هي إني طالما مش بعمل غلط محدش ليه عندي حاجة. ارتمت في أحضانه تبكي بحرقة: -سامحني أنت، أنا غلط من الأول، والحمدلله ستر ربنا هو اللي نجاني من كل ده. بعد اللي مريت بيه، حاجات كتير اتغيرت جوايا. رفعت نظره إليه تمسح دموعها بظهر كفيها، تهمس بأنفاس لاهثة: -كفايا كده عياط، أنت عارف مش بحب العياط. تنفس بعمق وتوجه نحو الذي يقف يراقبهم، يهمس بحنو:
-تعالى يابني، اتفضل. معلش، رجوع دالين وخبر إنها هتقعد معايا مخليني طاير من الفرحة. جز على أسنانه بغضب: -والله أنا مَغصوب ومش راضي، بس مش عايز أزعله. لكن لو عليا، متبعدش هي عني. كتمت ضحكاتها بصعوبة وهي تحاول أن تتحدث بجدية: -أنا مش قادرة أتجاوز اللي حصل ومحتاجة أستريح وأعيد حساباتي. رمقه والدها بنظرات ذات مغزى ثم هتف بجدية: -أروح أعملك قهوة؟ أنت مدقتش القهوة مني؟ هعملك فنجان مدقتش زيه في حياتك.
انصرف إلى المطبخ، فأقترب منها يعقوب يهمس بضعف: -أنا كمان اتغيرت فيا حاجات كتير عشانك، مش كل همي بقى الشغل. قلبي عمره ما دق غير ليكي، يهون عليكي تسبيه؟ طب عقبيني وإنتي جنبي، مش وإنتي بعيدة. قلبها يخفق بجنون. كلماته كانت سبب في تحطيم روحها، لكن صدق حديثه ونبرة صوته وأعين العاشق جعلتها تقترب منه بدلال: -يعني أنا أول حب في حياتك؟ بعدين ليه بتقول عقاب؟ أنا مش بعرف يا بوبي أعاقب حدا.
اقترب سريعًا يحوط خصرها، نظرًا في عينيها التي تجذبها لتحديق بهم: -بلاش تتكلمي كده تاني، أحسن مفيش.. مفيش أي حاجة هتوقفني. هاخدك وأرجع بيكي تاني. وقبل أن يقترب ليقبلها، شهقت تهمس باسم والدها. ابتعد عنها يطالع خلفها ولم يجد أحد. ضيق عينيه ينظر لها: -أنتي بتشتغليني يا دالين. تلاعبت بحاجبيها تهمس: -عيب يا بوبي، الكلام ده ميصحش، بابا يقفش علينا. ***
بعد مرور عدة أشهر، وقف أمام الحرم الجامعي يهز رأسه بيأس، يرمق باقة الزهور التي بيديه بملامح مجعدة. طالعها تقترب من بعيد، فبداخله أقسم كل مرة يراها يقع في حبها مجددًا. انتفض قلبه بين ضلوعه. وقفت أمامه فمد يده بباقة الزهور بملامح خاوية. وزعت نظرها بينه وبين باقة الزهور، ترمقهم الاثنين بغضب: -إيه ده يا يعقوب؟ ها؟ جايب الورد ومكشر وكمان جايب ورد أحمر؟ قلتلك بحب البنفسج. أغمض عينيه محاولًا التحكم بغضبه،
يهمس من بين أسنانه: -ملقتش، بعدين مش كفاية واقف قدام الجامعة أستنى الليدي دالين؟ ولا كأني شاب مراهق مش مراتي. بداخلها يتراقص قلبها طربًا من دلاله لها. عبست ثغرهتفت بحزن مصطنع: -خلاص يا يعقوب، مفيش داعي كان إنك تيجي وتجيب ورد وتتعصب عليا، شكراً، مش كل حاجة كده. يده يلتقط كفها يهمس بندم: -والله دورت ملقتش بنفسج وجيت بسرعة عشان الحق. بلاش البوز ده، إحنا رايحين نشوف فستان الفرح. كادت تتحدث، قاطعها قدوم
بسمة ولؤي ليتحدث الأخير: -إيه الورد ده يعقوب؟ بيجيب ورد؟ ثم أكمل حديثه: دالين قالت إنك جاي تاخدنا فساتين الفرح. رمقه بنظرات حادة وجز على أسنانه: -إنت مالك ومال الورد؟ آه، جاي أنا أوديكم، أصلي السواق أنا، مش كده يا ست دالين؟ تصنعت البراءة هتفت بخبث: -طب والله واحلى سوق في الدنيا يابووووبى. ابتسمت بسمة بخفوت على لقبه الخاص. أما لؤي، رفع حاجبه متسائلًا: -مين بووووبى ده؟ أووعى يكون اللي في بالي صح؟
ده النعماني لو عرف إن ابنه بيتقالوا بوووبى، يروح فيها. ضحك يعقوب ساخرًا: -هو نفسه النعماني لو عرف إن ابنه بيتقالوا يا لولو. ونخر ثم رمقها بنظرات غاضبة: -وإنتي حسابك بعدين. يلا اركبوا وانجزوا. ***
بعد مرور عدة أيام، وقف يعقوب أمام باب غرفتها ينتظرها على جمر، يتوق لرؤيتها بثوب الأبيض. فهو عانى في إقناعها بتقديم موعد الزفاف. كان يرتدي حلته السوداء، فأظهرت وسامته وجاذبيته. وبجانبه يقف لؤي بحلته السوداء شبيهة حلته أخيه، ينتظر بسمة. القلب انفتح الباب وولج يعقوب وخلفه لؤي. توسعت عين يعقوب بانبهار من مظهرها. كانت ترتدي فستانًا أبيض واسعًا من الخصر وترتدي على رأسها حجابًا فوقه تاج مرصع بالماس. -ده حجاب يادالين؟
إنتي لبستي حجاب؟ أومأت له بخجل: -حاجات كتير فيا اتغيرت وأنا لبسته عن اقتناع، وحبيت يكون في يوم مميز وميتنسيش. اقترب يقبل جبينها بحنو: -كنت عارف إن الخطوة دي قربت بعد تغيير ده كله، بس متوقعتش النهارده. أنا أسعد رجل في الدنيا النهارده. بحببببببك يادالينا. احمرت وجنتاها خجلًا، وازدادها الحجاب جمالًا. همس باستيحاء: -وأنا كمان بحبك يا يعقوب من أول يوم، حبيت شهمتك وإنك متخليتش عني.
في جهة أخرى، وقف لؤي ينظر لبسمة بسعادة وهي مطأطأة رأسها بخجل من عباراته الوقحة: -نص ساعة والمأذون بيكتب الكتاب ومش هتقولي ميصحش تاني، لأني هعمل النهارده كل اللي ميصحش وإنتي بتحمري كده. رفعت عيناها تهمس بخفوت: -إنت وقح أوي... وبتخوفني منك كده. ***
في حديقة قصر النعماني، انتهت مراسم كتب كتاب لؤي وسط أجواء الفرح العائلية ووجود بعض الصحافة، وسعادة النعماني بأبنائه. نهض يعقوب ومع دالين، وخلفه لؤي وبسمة إلى غرفهم. وقبل أن تصعد دالين الدرج، مال عليها يعقوب يحملها بين يديه. ولج بها إلى غرفته المزينة بالزهور والشموع. دار بفرح بها ويهمس في أذنيها:
صاحبة الدقة الأولى، اللي هزت حصوني، واقتحمت قلاع قلبي. معاكي عرفت الدنيا ومن غيرك مش عايز حياة. إنتي روح لروحي، ونبض في شراييني. نوري دنيتي بضحكتك. أنزلها أرضًا وزادت سرعة أنفاسها. مد يده يزيل حجابها ليتدفق شلال ذهبها خاصتها. دفن رأسه بعناقها ويده تعبث بسحاب فستانها. دقائق، فتح السحاب ويده تعبث بظهرها. همست بخفوت: -يعقوب، يعقوب، إنت بتعمل إيه؟
مرر أنامله على ثغرها ثم مال يلتهم شفتيها بقبلة ناعمة ثم تحولت لقبله متشوقه متعمقه يبث بها مد شوقه إليها. ابتعد عنها لحاجتهم للهواء، يهمس بأنفاس متهدجة وهو يحملها متوجهًا للفراش. -بتعمل إيه ده؟ أنا لسه هعمل، بس بلاش تقطعي لساني. وضعها على الفراش بكل هدوء كأنها ماس يخشى عليها من الخدش، واقترب منها يوزع قبلاته على عنقها لتصبح زوجته قولًا وفعلًا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!