لا يا معلم أنا لحد كده واستوعبتلك الجملة. أردفها صديق ياسر وهو يرد عليه. جز على أسنانه بغضب واضح: أنا بقولك أيه، أنت كل ما تقعد معايا تقول لي استوب. تسمح تسكت شوية وتسبني أفكر؟ زفر صديقهم الثالث وهو يتمتم بسخرية: ما خلاص بقى يا عم ياسر، هو إحنا كل ما نقعد هتصدعنا بيها. اعترف بقى، البنت مقدرتش عليها، وشكلها وقعت في غرام ابن النعماني. استمع جيدًا لما قالوا ثم أجابهم ببسمة دنيئة:
طب إيه رأيكم بقى إني هعلم على ابن النعماني نفسه. ***
مر يومين من آخر لقاء بينهم. تقف أمام المرآة تمشط خصلاتها، تبتسم ابتسامة هادئة عندما تتذكر معاملته لها. اليومين الماضيين، يحنو عليها ويعاملها برفق لا يذكرها بالماضي بأي طريقة. حتى أنه اليوم دعاها للخروج معه. رغم أنها اكتفت من معاملته ولم تعد تطالبه بشيء، لكن عقدت ملامحها باستنكار. هي غريبة عن نفسها، فقط تريد تنفيذ أوامره، تريد أن تثبت أنها فتاة جيدة. نفضت تلك الأفكار سريعاً ثم رمقت نفسها مرة أخيرة في المرآة. كانت ترتدي بنطلون الجينز الواسع ومن فوقه تيشرت أحمر فضفاض. التقطت حقيبتها وولجت للخارج. نزلت على الدرج مسرعة. بينما هو يطالعها بطلتها الطفولية، خطفت أنفاسه. ابتسم ساخرًا على ما يحدث له. طفلة بالفعل. رفع حاجبيه متسائلاً:
أنتي رايحة فين بمنظرك ده؟ وقفت أمامه ثم رمقته بنظرة متفحصة: لا سورى، أنا اللي لازم أسأل السؤال ده. البدلة دي هي اللي هتخرج بيها معايا؟ رمق نفسه من الأعلى للأسفل ثم عقد حاجبيه: البدلة بتاعتي دي مش عاجبك؟ أنتي عارفة ماركتها؟ ثم أنا اللي بسأل، هتخرجي كده بلبس المهرجين ده؟ تنهدت ثم هزت رأسها بتفهم: يا سيدي، ماركتها على عيني ورأسي، بس إحنا مش في عشا عمل. بعدين ده مش لبس مهرجين. توسعت عينه بذهول ثم
هتف باقتضاب يشير إلى نفسه: يا سيدي!!! هزت رأسها تقول بارتباك: طبعًا، و سيد البيت كله. مالك بتتحول ولا إيه؟ ثم أكملت مصطنعة الحزن: أنت بتعمل كده عشان متخرجنيش. شكرًا، خلاص مش عايزة أخرج. *** جلست في البهو تعبث في هاتفها بتذمر وضيق. فرفعت عينيها راقبت لؤي يقترب منها بابتسامة واسعة ثم جلس بجوارها على الأريكة يهتف بتلهف: لي لي، أجمل وأجدع بنت في الكون. عاملة إيه؟ أجابته وهي ترمقه بابتسامة تحمل الخبث:
أنا زي ما أنت شايف أهو. قصر وقول عايز إيه؟ اعتدل في جلسته فأصبح مقابلها ثم قال بتوتر: أنا لما عرفت اسمها دخلت عندك على الأصدقاء ودخلت على صفحتها الشخصية. وجبت اسم باباها وكلمت بابا، وقالي هيسأل عنها. أنا عارف أخلاقها. وإنها مش بتكلم شباب وملتزمة، بس ممكن تساعديني؟ تخليها تيجي مرة هنا بس أتعرف عليها وتعرفني في السريع قبل ما نتقدم.
شحب ملامحها لا تعرف لماذا شعرت بضيق من حديثه. شعرت من كلماته بالإهانة. هي تعلم أنه يتحدث بعفوية، لكن وقوع الكلمات عليها كصخور على صدرها. مع مقارنة الوضع، أجابته بمرح مصطنع: أوبس، ده مين اللي واقع على آخره ده؟ أنت عارف إنه صعب، بس هحاول. تمام. في هذه الأثناء، دلف يعقوب يرتدي تيشرت من اللون الأحمر وسروال من خامة الجينز وحذاء رياضي. فتوسعت عينيها بذهول ثم نهضت من مكانها تدور حوله وتطلق صفيرًا عاليًا:
طب ما أنت عندك تيشرت أهو، أومال مالك ماسك في البدلة ليه؟ ضحك لؤي بخفة يشاكسه: إيه الحلوة دي كلها؟ خلاص بعد كده أنت اللي تقول لي يا أبيه بقى. جامد أوي. انفجر يعقوب ضاحكًا هتف مستنكرًا: انتوا أوفر أوي. ده على أساس إني بالبدلة ببقى جدو يعني. صفقت بيديها في حماس: كده يلا بينا بقى ننطلق. تعالى معانا يا لولو. تجعدت ملامح يعقوب متسائلاً: لولو مين؟ أوعى يكون قصدك على لؤي أخويا. هزت رأسها بالإيجاب:
آه، أنا بقوله يا لولو وهو بيقولي يا لي لي. لعن لؤي تحت أنفاسه ثم همس من بين أسنانه: أسكتي، أسكتي يا دالين. ثم أكمل مبتسمًا ببلاهة: مش على طول يا أبيه، والله. أصبحت عينه أكثر قتامة ثم هتف بحدة: بقى راجل طول بعرض وتقولك يا لولو.. أنا أعرف بس لولو دلع بنت ماشي، أو الكلب لولو. وحسابنا بعدين ياااا ياااا لولو. وأنتي اتفضلي قدامي. حرف تاني وألغي الخروج كله. *** نطق يعقوب بتحد سافر وعيناه شراسة: حرنكش؟ أيه انتي اتجننتي؟
جايبني هنا نتمشى على النيل وعايزة أركب مركب، لا وكمان حرنكش؟ طب قولي درة زي كل الناس. زم شفتيها بطفولة وتهدلت أكتافها: لا، درة بتوجع معدتي جامد. ثم أشارت بأصابعها على بائع الحرنكش. بس أنا بحبه أوي، بابا كان بيجبه ليا على طول.
تأمل ملامحها الهادئة ونسمات الهواء تتداعب خصلاتها وعينيها الخضروتين. ثم نظر نحو العربة التي تشير إليها ورمقها مرة أخرى. ثم هز رأسه على مضض وتركها ووقف أمام العربة يشتري لها. ثم توجّه إليها يحمل الكيس. تناولته منه بفرحة عارمة: شكرًا أوي يا يعقوب. أومأ لها بابتسامة هادئة، بينما هو يتلذذ باسمه من بين شفتيها. أول مرة تناديه باسمه. ضحكت عاليًا: الحرنكش معانا، يلا على مركب بقى.
هندم ملابسه ثم أخرج زفيرًا عاليًا وهو يهز رأسه. فسارت بجانبه وركبوا مركب نيلية مزينة بالمصابيح الملونة بها سماعات تصدح بالأغاني. وابتسامتها لم تفارقها، بينما هو غارق في تفاصيلها يحاول أن يستمع لصوت العقل. إنها لا تناسبه، حتى هو لا يعلم كيف وافقها على كل تلك الأمور. دائمًا يتبع عقله، لكن معها...
قاطعه شروده يدها التي تمتد لها بحبة الحرنكش نحو فمه. فكانت دعوة صريحة منها بإطعامه بيدها. فمد فمه يلتقطها بسعادة وهو ينظر إلى عينيها. *** في المساء، بعد مرور أسبوع، جلسوا جميعًا على الطاولة يتناولون العشاء سويًا في أجواء هادئة لا تخلو من مرحها ومشاكستها في الجميع. تحمحم لؤي يهمس بأدب: بابا، حضرتك عملت إيه في موضوعي؟ حرك النعماني رأسه بالإيجاب وهو يرفع بصره من صحنه: يا بني، هو كل يوم هتسألني؟
قولت لك كلمت باباها والرجل قالي ادينا وقت نفكر ويشوف ظروفه تسمح يستقبلنا إمتى. عقد يعقوب حاجبيه متسائلاً: راجل مين ده وميعاد إيه؟ أجابه لؤي مسرعًا: يعقوب، نسيت أفتكرت. دالين قالت لك إني ناوي أخطب صاحبة دالين. بس باباها مش عايز يرد عليا. ساد الصمت للحظات ثم أكمل النعماني بابتسامة خفيفة: أخوك شكله واقع لشوشته، بس البنت تستاهل وأبوه له حق مش بنته. أخوك عايز نقول لرجل جاييني نقول تعالى وماله. حرك
رأسه بالإيجاب يهتف بتلهف: انت لو شفتها يا أبيه، ملاك كده وشه منور وأسمها بسمة وهي بسمة. أنا بقالي سنة براقبها قمة الأخلاق، حتى السلام مش بتسلموا على أي شاب.
بينما هي تسمعهم وقلبها يقطر حزنًا على حالها. هي من صنعت ذلك بمحض إرادتها. اختارت حياة لا تناسبها. جعلت نفسها في موضع الشكوك. كسرت فرحتها وفرحة أبيها. أغمضت عينيها لبرهة بندم وألم. قرار واحد، تصرف خاطئ واحد أنهى حياتها. فلم يخطر ببالها يوم أن تلوم نفسها على فكرها وطريقتها وأسلوبها. كلامهم يطعنها بلا رحمة. بينما يعقوب يكمل حديثه معهم وعيناه تراقب تجعد ملامحها. أقسم بداخلها على أشياء عديدة، لكن يجب أن ترى نتيجة أفعالها. ثم نهضت من على الطاولة بهدوء مداعية الشبع متوجهة صوب غرفته. فنكس لؤي رأسه بإحراج على أنه لم يراعي شعورها بدون قصد.
*** في صباح اليوم التالي، وقف يعقوب يجوب الغرفة إيابًا وذهابًا كالوحش الثائر. عيناه موجهة صوب الباب. طرقات خفيفة على الباب ثم دلفت للداخل: صباح الخير، أنت كنت عايزني؟ صدح صوته عاليًا يهز جدران المكتب: اتفضلي يا هانم، إيه اللي المنشور في الصحف ده؟ "زوجة يعقوب النعماني تحكي ظروف زواجهم الغامض بتفاصيل في حوار صحفي قريبًا من القصر النعماني". الموضوع طلع طمع وشهرة ذي ما أنا قولت صح؟ ردددددي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!