الفصل 6 | من 12 فصل

رواية ورطة قلبي الفصل السادس 6 - بقلم سارة فتحي

المشاهدات
19
كلمة
2,060
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

ابتلعت لعابها من هيئته ومدت يديها تلتقط الجريدة. أحمر وجهها وقد عجز الهواء من المرور لرئتيه من فرط الصدمة. ترقرقت الدموع بعينيها، جاهدت السيطرة عليها، تحاول تحاشى تلك النظرات المحدق بها. بداخلها مزيج من القوة والضعف، صراع كلامهم ليلة أمس مازال يحرقها من الداخل. لم لا ينتهي كل هذا؟ هل ستعاقب باقية حياتها على خطأ ارتكبته دون قصد؟ حاولت أن تستعيد رباطة جأشها ثم رفعت عينيها إليه وهتفت بصوت متحشرج:

"طب ما أنت عارف كل حاجة لوحدك أهو وحللت كل حاجة على مزاجك، بعتلي ليه؟ قاطع المسافة بينهم ينقض عليها كالوحش الكاسر، يقبض على معصمها بيد من فولاذ. ملامحه أكثر شراسة، عيناه تبرقان ببريق الغضب. هامساً بحدة من بين أسنانه: "أنتِ هنا عشان تجاوبيني بس مش تردي وكمان تبجحي، أنتِ ليكي عين أصلاً؟ أنتي اللي زيك ميفتحش بؤه." رغمًا عنها تألم قلبها من عدم ثقته بها ومن معاملة الفظاظة.

قلبها يتمرد عليها أن تنفي التهمة عن نفسها، لكن كبرياؤها يأبى. رفعت عينيها إليه بخيبة أمل ثم قالت بوجع: "يعني أنا لو قولتك معملتش كده هتصدقني أنا وتكذب الكلام ده؟ رمقه بأعين غاضبة ثم رفع أحد حاجبيه وارتسم البرود: "أيوه، وأيه اللي يخليني أصدقك مثلا؟ هات." تسارعت أنفاسها وانفجرت ببكاء تهتف بصراخ هستيري: "عشان فعلًا مش كده.. كفاية تجريح كفاية كفاية.. أيه أنت مين عشان تحكم عليا؟

لا متعرفش أي حاجة عني، ده غير أنا مفيش حاجة تربطني بيك مفيش.. أنا أصلاً كنت ماشية، طلقني، بقولك طلقني! بدأت بتحطيم كل ما يقابلها بانفعال. وحدة صوت صراخها يهز جدران المكتب وهي تضرب بقبضتها على صدرها بكل قوة: "أنا بني آدمة.. مش كويسة وطماعة.. أنت صح طلقني، أبعد واحدة رخيصة زي عن حياتك، واحدة أبوه رماها عشان يخلص منها، تتحملني أنت ليه ها؟ تمزق نياط قلبه لمظهرها وانهيارها.

تنهمل دموعه بلا توقف، تبدو كالأعصار، لكن بكائها وشهقاتها توحي بطفلة فقدت أهلها لتو. يحاول ألجام رغبته في ضمها لصدره وإعلان أنها تنتمي لها هو فقط زوجته. بينما دخل لؤي مسرعاً من صوت صراخها. اتسعت عيناه بذهول من هيئتها والمكتب المحطم. تلفّت بتوتر وخوف حقيقي: "دالين مالك؟ دالين اهدى.. أيه اللي حصل؟ تتسارع أنفاسها، صدرها يعلو ويهبط بسرعة فائقة. شعرت بدوار عنيف يعصف بها، فجأة أصبحت قدماها هلاميتين لا يقويان على حملها.

أغمضت عينيها مستسلمة للظلام، لكن يده منعت سقوطها للأرض. هز رأسه برعب ليمد يده يبعد خصلاتها عن وجهها، يهتف بخوف: "دالين.. دالين فوقي.. لؤي اتصل بدكتور بسررررعة." وقف يطالعها والطبيب يحقنها بالوريد وملامحها المتألمة. يكاد يجن من قرب الطبيب منها. يهز رأسه مستنكرًا مشاعره المتناقضة. تستعر النيران بداخله، لا يعلم السبب أو لا يريد الاعتراف به. أنهى الطبيب عمله فأشار له يعقوب نحو الباب وولجوا سوياً خارج الغرفة.

سأله يعقوب متلهفًا: "مالها يا دكتور؟ هي كويسة؟ مصحيتش ليه؟ هز الطبيب رأسه ثم أجابه بعملية: "للأسف انهيار عصبي نتيجة لضغط على أعصابها." هتف لؤي الذي كان يقف خارج الغرفة بهلع: "انهيار عصبي ليه؟ ومن إيه؟ أجابهم الطبيب بحزم: "أنا حاليًا أدتها حقنة مهدئة، بس هي محتاجة تبعد عن أي ضغوطات وترتاح من العصبية. أستأذن أنا، حاولوا بلاش الزعل." صرف الطبيب، فتجعدت ملامح لؤي واقترب من يعقوب متسائلاً.

بينما يعقوب أوله ظهره ينهي أي حديث قبل أن يبدأ، فكيف يسرد على أخيه أن انهيارها بسبب ضغطه عليه؟ فأدرك لؤي أنه لن يحصل على إجابة من أخيه مادام لم يرغب في ذلك، فتنهد بقوة ثم قال:

"والله يا أبيه مفيش أطيب منها، بس هي بتتصرف بعفوية. بس اللي بيحصل ليها كتير فعلاً، هي متستاهلش كل ده، هي من أنضف الناس اللي ممكن تقابلهم في حياتك فعلاً. يا أبيه أنا عارف إنك مش متقبل فكرة جوازكم، بس ممكن تعتبرها ضيفة بس لحد ما نعرف مين عمل كده وبعد كده طلّقها عادي." عند هذه النقطة صاح يعقوب بصوت جهوري: "لؤي الموضوع ده ميخصكش، اتفضل من هنا دلوقتي." ولج غرفته بصمت، هي ترقد على الفراش شاحبة كالأموات.

بداخله مشاعر تجتاحه تكاد تفك به. شعور بذنب يتضاعف داخله كلما تذكر مشهد انهيارها. أغمض عينيه بألم، كيف وصلت به الأمور ذلك؟ بل من الأساس كيف انجذب إليها؟ فتفكيره وطريقته مختلفة تمامًا عنها. يجب أن يتعامل مع الموضوع بتفكير لؤي، موضوع مؤقتاً. أوهات خافتة خرجت منها، اقترب منها بأسى فهي ما زالت تحت تأثير المهدئة. جلس على الفراش بجواره يربت على خصلاتها ثم هتف بأسى: "آسف، بس أوعدك كل ده هيخلص قريب وترجعي لحياتك تاني."

ثم نهض مندفعًا صوب الباب. فك رباط عنقه بعنف واحتدت ملامحه. زادت وتيرة تنفسه، أصبحت عيناه أكثر قتامة. يضرب سطح المكتب الزجاجي أمامه بعنف ثم نهض من مكانه يجلس مقابل ذلك الشخص. بينما الآخر يرتجف بخوف ورعب. "والله يا يعقوب بيه اللي بقوله ده اللي حصل. واحد اتصل عليا من رقم برايفت وقالي إنه تبع المدام وأن المعلومات دي منها وأنشرها وبس كده.. وأنا كصحفي ده بنسبة ليا خبر جامد. متأخرتش والله، ده اللي حصل." قاطعه

بحدة وهو يهتف بشراسة: "وأنت متعرفش إن أي صحفي قبل ما ينشر أي شيء يعني بيرجع ليا الأول؟ أنا باتصال منى أخلي مفيش مكان يرضى يشغلك تاني." ازدرد الصحفي ريقه بصعوبة: "طب ليه؟ أنا كصحفي كنت بغطي شغلي، وممكن أنزل اعتذار عن المقال." رجع يعقوب رأسه للخلف بخبث:

"لا، أنا عايزك في حاجة تانية. أنت اللي هتوصلني لأبن ***** ده لأنه أكيد هيكلمك تاني، وأنت بما إنك بتجري ورا أي خبر هتفهموا إن مصلحتكم واحدة، وإنك تمسك معلومة على بيت النعماني ده سبق ليك، وتمشي على هواه. ده غير إن هديك كم خبر تنزلهم يبسطوا أوي، وبعد كده تطلب منه صور لمدام عشان تشعلل الدنيا وهو هيكون اطمن لك مش هيتأخر وتطلب تشوفه وبعض كده تبعد أنت." تطلعه بامتنان لنجاته من براثنه ثم هز رأسه بالإيجاب: "أنت تحت أمرك."

أصبحت حبيسة غرفتها، ليلها يشبه نهارها. تتحاشى التعامل مع الجميع، شعور الخذلان صعب. أصبحت مثل الوردة الذابلة، فهو لا يصدق أبدًا بأنها فتاة جيدة. يتعمد جرحها بأقسى العبارات، يظن أنها تتقن دور التمثيل لدخول عائلتهم من أجل الطمع بالمال والشهرة. كيف يصدق ذلك؟ ابتسمت بسخرية ثم نهرت نفسها بحدة، كيف تنسى سبب زواجها منه وتنجرف وراء... عند هذه النقطة ارتعد جسدها و غامت عينيها بدموع حارقة.

تهز رأسها وتكتم شهقاتها، لكن طرقات على الباب قطعت شرودها. مسحت دموعها بظهر كفيها وسمحت بدخول. فطالعها وجه لؤي بابتسامة هادئة: "طب كل ما حد يطلع تقول لي تعبانة.. لازم أجي لسندريلا.. أنا ماشي يا أميرة." جلس أمامها، طالع ملامحها التي ارتسم الحزن عليها ثم هتف بخفوت: "أنا آسف يا دالين، أنا مأخدتش بالي من كلامي. أنا ممكن أكون قولت كلمة مقصدتهاش، بس أنت أجدع بنت في الدنيا كلها." هزت رأسها يمينًا ويسارًا تحاول

منع عبراتها من النزول: "أنا مش زعلانة من حد، بس عايزة أروح بيتنا يا لؤي." رمقها بنظرات حانية، حاول تهدئتها: "اسمع يا دالين، هو واضح إن في حد بيحاول يعمل مشاكل ودي إلا إحنا اللي مقصودين أو أنتِ... وده اللي يعقوب بيحاول يعرفه. بمناسبة يعقوب هو أطيب مما تتخيل، بس هو عصبي جدًا بس مش وحش." همس بخفوت بنبرة طفولية: "لأ وحش أوي كمان." قهقه لؤي عاليًا:

"والله لو ده يبسطك يبقى وحش وعايز الضرب كمان ده، بس يا رب ما يسمعني. بصي جبت لك إيه.. تيشرت تشيلسي وجبت لنفسي تيشرت ليفربول. في ماتش النهاردة وهنتفرج مع بعض، أوعى تقولي لأ." ابتسمت بهدوء ثم همست: "لأ، اتفرج أنت وأنا أتفرج لوحدي هنا، مش هنزل." ضيق لؤي عينيه ثم تابع بمكر، هو يعلم مفاتيحها: "آه.. أنتِ خايفة تخسروا وأحفل عليكي." نهضت من على الفراش تعقد يديها أمام صدرها تهتف بحماس كروي:

"مفيش الكلام ده، إحنا اللي هنغلب يا لؤي." ضحك عاليًا، فهي طفلة بجميع أحوالها. استمر في لعبه: "قدامك نص ساعة تلبسي التيشرت وتكوني تحت عشان التحفيل." بينما هي تغيرت ملامحها ودب الحماس في روحها: "هو قال تحفيل صح؟ ده أنتوا هتقطعوا." جلست دالين تقضم أظافرها بغضب، بينما لؤي يقفز للأعلى فوق الأريكة بجوارها. رمقته بنظرات نارية ثم هتفت تثير أعصابه: "أنت بتعمل كده ليه؟ وهو حالتهم كانت ميؤوسة منه أوي كده؟ جلس على الأريكة

بجوارها يلاعب حاجبيه: "أصله كان جووووول عالمي عالمي وخلاص.. اعتبري الماتش خلص وفزنا." في ثانية كانت تصرخ عاليًا وتقفز فوق الأريكة وتهتف بصوت عالٍ: "قولتلي إيه عالمي؟ أومال ده يبقى إيه؟ أسطوري.. وإحنا اللي فزنا." خرج يعقوب من مكتبه بغضب على الصوت العالي. طالعها وهي تقفز للأعلى، فبرغم ما حدث معها ما زالت كما هي روحها الطفولية العفوية وكأن لا شيء يؤثر بها.

فهو كان يراقبها الأيام الماضية وهي تقف في شرفتها ليلاً تضم نفسها. اشتاق لرؤية وجهها عن قرب، لكن لمعان عينيها انطفئ، لذلك قرر أن ينهي ما هو سبب حزنها. أخذ يمرر نظراته عليها من رأسها لأخمص قدميها، يراقبها مسلوب الإدراك. فهي حورية حتى اصطدمت عينيها بعينيه، نظرة طويلة بينهم تحمل العتاب والألم. بينما هي صدمت من وقفته، دقات قلبها صمت أذنيه. نظرات عينيه لها تقول شيئًا وتصرفاته شيئًا آخر.

تداركت تنفسها فنزلت بهدوء وسارت بخطوات متثاقلة ومرت من جانبه ثم صعدت الدرج. لوى فمه على تجاهلها، لكن في الأخير عزم على تنفيذ أمره. ثم رمق لؤي بنظرات نارية تحمل الوعيد، ابتلع لؤي لعابه ومد يده بجهاز التحكم يغلق التلفاز ويهرول من أمامه. في المساء في أحد الأحياء الشعبية، نزل يعقوب من سيارته يقف أمام محلات الفاكهة. يتطلع حوله على اللافتات حتى وقعت عينه على اسم والدها (رزق العزبى)

اقترب بخطوات بطيئة فوجدا والدها يجلس مع نفس الأشخاص (أعمامهم) وقعت عينهم عليه، وقوف جميعًا وعينيهم أكثر شراسة. حمحم يعقوب: "أنا جاي عشان نشوف حل لموضوع ده."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...