وقف يطالع نفسه أمام المرآة. أرتعش قلبه عند تذكر ليلة أمس وقبلته. لأول مرة ينساق وراء دقات قلبه. كان يوهم نفسه أن معاملته معها من تأنيب ضميره وندم على ما فعله معها. لكن عليه الاعتراف الآن بأنها أصبحت تحتل حياته ويومه بعفويتها وجمال روحها. تنهد بثقل، ثم هز رأسه يمينًا ويسارًا. "منذ متى يسمح لأحد أن يأخذ قرار عنه؟ "منذ متى يفعل المستحيل لإرضاء شخص؟
نفض رأسه من تلك الأفكار، وألتقط قنينة عطره ينثر منها على رقبته. ثم ألقى نظرة على هيئته. يرتدي قميصًا أسود يبرز عضلات صدره وسروالًا من الجينز. فاليوم تخلى عن البدلة لأجلها، فهي سوف تذهب معه للعمل. خرج من غرفته يقطع الردهة الفاصلة بينهم، ثم طرق باب غرفتها. فتحت الباب، طالعته بأنبهار من هيئته. رمشت عدت مرات بأهدابها الكثيفة، ثم همست: "صباح الخير يا يعقوب." رمقه بنظرة عاشقة تبوح بالكثير، لكن لم يأتي وقت الاعتراف بعد.
"صباح الخير. قولت هاجي ألقيكِ لسه نايمة. ده أنا حتى مرضتش أنزل بدري." هزت رأسها بخفة وهي تسحب حقيبتها من خلف الباب. "لا لا، ده أنا جاهزة من بدري ومستنياك. يلا بينا."
في الأسفل، نزلوا الدرج سويًا يتبادلون الأحاديث متجهين صوب الباب للخروج. لم ينتبهوا لعيون تراقبهم بغل وشر. لكن سمعوا صوتًا من الخلف أوقفهما. استدار يعقوب وهي معه. توسعت عيناها باستنكار. قطبت ما بين حاجبيها متسائلة في نفسها عن سبب حضوره في ذلك الوقت المبكر. أشملهم ياسر بنظرة سوداء متصنعًا الابتسامة. "صباح الخير. عاملة إيه دالين؟ أهلًا يا أبيه يعقوب."
اقترب منه يعقوب وهو يخلع نظارته وملامحه تزداد قسوة. أسرعت دالين تمسك بكف يديه. "تمام يا ياسر. معلش مش فاضيين إحنا ماشيين." احمر وجهه حرجًا وغضبًا، ثم أجابها ببرود وهو يربت على كتف لؤي. "آه اتفضلوا.. أنا جاي أقعد مع لؤي شوية. بس ماشاء الله انتوا لايقين على بعض أوي." تشنجت ملامح يعقوب وقست ملامحه أكثر. التقط أذنيه همسها: "عشان خاطري يلا بينا، بلاش اليوم يبوظ."
سحب يدها بعنف خلفه متوجهًا صوب الباب دون استئذان، بينما هو تتطالع نحو لؤي يدعي البراءة وعدم الفهم. حدجه لؤي بنظرات متفحصة، فهو لا يعلم سبب حضوره. باستمرار يدور برأسه أفكار لكنه نفضها سريعًا.
في مكتب يعقوب، جلست تأكل بشفتيها وهي تراقب تلك التي تتمايل عليه ببراعة بحجة توقيع الأوراق ومراجعة الصفقات. تتعمد الالتصاق به تحت نظرات دالين النارية. تقضم أظافرها بغيظ، تنفث نيران من أذنيها. زفرت بحدة لتنتبه بوجودها. ابتسم يعقوب بابتسامة هادئة. "تمام يا نسرين، في حاجة تاني؟ أجابته بنعومة وهي ترمقه بطرف عينيها. "لا كده تمام يابوووص. دقايق وقهوتك تبقى عندك."
أنهت كلماتها وانصرفت تحت نظرات دالين المشتعلة. ثم التفت إليه دالين سريعًا تهتف بحده مفرطة: "ما كنت تأخذها على حجرك عشان تعرف تركز. أحسن اه ولا أنا موجودة وده ميصحش بردوا." احتلت الصدمة ملامحه، ليهتف بها بنبرة أرعبت خلايا جسدها. "دالين، احسبي على كلامك. انتي إزاي تتكلمي معايا بطريقة ديه؟! ترقرقت الدموع بعينيها وأبتلعت لعابها بصعوبة، هامسة بصوت متحشرج. "أنا عايزة أروح لو سمحت. ممكن؟ أجابها بحنق.
"إحنا مش بنلعب هنا، ده شغل وليه مواعيد مش لعب. مش جايب بيبي معايا أنا." اللحظات من الصمت قاطعها طرقات على الباب. ثم فتحت الباب وولجت تتمايل بنعومة أكثر. اشتعلت نيران الغيرة بدالين أكثر، فأرادت أن تلقنها درسًا. وضعت إحدى قدميها في طريقها لتعرقل خطواتها، فسقطت أرضًا وفوقها القهوة. ضحكت دالين بخبث وأسرعت في مساعدتها تهتف.
"اسم الله عليكي. قومي قومي، ما هو مش كل ده كعب بردوا. وانتي طول اليوم داخله خارجة على البوووص كده لازم تقعي." أسرع يعقوب يمد يده لها. دفعتها دالين بحدة ثم هتفت بابتسامة خبيثة. "عنك يابوووص أساعدها أنا." هتف نسرين بغضب وهي ترمقها بنظرات ذات مغزى. "على فكرة دي أول مرة أقع كده. أما الكعب متعودة عليه." داخل يعقوب يتراقص فرحًا، لكنه ارتسم الجدية.
"حصل خير يا نسرين.. ابعتي حد ينضف هنا.. وانتي ممكن تروحي مش معقول هتفضلي كده." هزت رأسها بالإيجاب وهمت بالانصراف، إلا أن أوقفها صوت دالين. "بعد كده لما يبقى في حد في المكتب عند البووص قاعد معاه أبقى اسألي يشرب إيه من باب الذوق." قبل أن ترد عليها، قاطعها صوت يعقوب بحزم. "اتفضلي انتي يا نسرين دلوقتي."
راقب يعقوب انصرافها، ثم دس يده في جيب سرواله يقترب منها بخطوات ثابتة. فأرتدت بظهرها على الحائط خلفها فحاصرها بين ذراعيه وثبت مقلتيه عليها. هامسًا بمكر. "إيه اللي انتي عملتيه ده؟ أشارت بأناملها على صدرها تهتف ببراءة. "أنا؟!! أنا مالي؟ ده قضاء الله وقدره. هي اللي لابسة كعب قد إيه." من أذنيها يهمس وانفاسه تلفح عنقها. "أنا حاسس بغيرة في الموضوع. انتي بتغيري عليا؟
زادت سرعة انفاسها وخفق قلبها بجنون وأحمرت وجنتيها. حاولت جاهده ترسم الثبات فأجابتها بأنفاس متقطعة. "أنا مش بغير من حد أصلاً. على فكرة خالث.. بعدين أنا بتكلم في أصول زيك.. وكمان انت فاتح كل ده فتح من القميص ليه؟ فرحان بعضلاتك وبنات الشركة بتبص عليك. انت بتستعرض عضلاتك ووسامتك." قهقه يعقوب عاليًا وهو مازال محاصرها. "لا يا دالين باين إنك مش بتغيري خالص." ابتسم لها بحنو، ثم قبل جبينها بقبلة عميقة هامسًا برقة.
"خلاص مش هفتح زراير القميص تاني. مبسوطة؟ طأطأت رأسها بخجل، ثم همست بخفوت. "مبسوطة." "ماتقوم تفتح وتشوف الهدايا يا اياد. أنت معندكش حب فضول ولا إيه؟ تلك الجملة أردافها لؤي بحنق لاياد الذي لم يتركه ثواني مع خطيبته. هز رأسه بنفي وأجابه بتبرم. "ميصحش. لما تمشي انت بقى هتفرجي." اتسعت عينيها من رد أخيها وحدقته بنظرات غاضبة. "اياد! إيه قلة ذوق ديه. اعتذر من لؤي بسرعة." رفعت عينيها للؤي برقة وهتفت بنبرة ناعمة.
"لؤي بليز متزعلش منه." تتلذذ لؤي بخروج حروف اسمه من بين شفتيها، فأول مرة تناديه به. "انتي قولتي إيه تاني كده؟ لسانك كان بينقط عسل. هو أنا اسمي حلو كده؟ عضت شفتيها بخجل هامسة بخفوت. "لؤي ميصحش كده. أنا بتكسف على فكرة." تبتلع لعابه بصعوبة وهو يهمس. "ارحمي شفايفك. ماكنش اسم. أحسن اتهور أنا. أنا كلمت بابا يكلم والدك عشان نكتب كتاب. مش معقول هيفضل أياد كده متكدر وسطنا عامل زي فرد الأمن علينا كده."
مر أكثر من شهر وعلاقة يعقوب ودالين في تقدم، وهو يكمل خطته مع الصحفي لكشف ذلك الشخص. وهي تزداد تعلقًا به، تجاهد لتثبت أنها جديرة به وبثقته. كانت تجلس على الأريكة وتتطالع جميع صورهم معًا على الهاتف بابتسامة واسعة. ولؤي يجلس في الأريكة في مقابلها يعمل بجد على الحاسوب. صدح صوت الجرس. همست إحدى العاملات. "لؤي بيه ده ياسر زميل حضرتك." تأفف لؤي بضجر. "وبعدين بقى في بني آدم ده.. ده هيفضل ينط كل شوية." نهضت دالين مسرعة.
"لؤي أنا هطلع أنا فوق. عيش انت بقى." هز رأسه بالإيجاب تأكيدًا على كلامها. "هروح أشوف أنا عايز إيه." توجه نحو الحديقة فطالعه بضيق. "أوعى تقول وحشتك. أنا ملحقتش." ابتلع ياسر لعابه نتيجة إحراجه، لكنه اليوم عزم أمره على تنفيذ آخر مخطط له. "إيه يا عم المعاملة ديه. مش كفاية معاملة أخوك." زفر لؤي بحدة ثم أجابه بغضب. "ياسر مالكش دعوة بيعقوب ولا دالين خالص. ويا ريت لما تشوفها بلاش تكلمها خصوصًا لو مع يعقوب."
سيطر على ضيقه وانفعالاته، ثم أجابه متصنعًا التفهم. "طبعًا. بس أنا عايز التواليت. ممكن؟ أشار له لؤي بيده نحوه وهو يصف له المكان. توجه ياسر نحوه، ولكن بداخله نوايا خبيثة. راقب انشغال لؤي بحاسوبه، وتوجه خلسة للأعلى يبحث في الغرف عنها. وأخيرًا فتح إحدى الغرف وجدها تقف في الشرفة توليها ظهرها. فاقترب منها يحتضنها من الخلف ويدفن رأسه في عنقها.
في هذه الأثناء عاد يعقوب وولج للداخل لم يجدها، فأخذ يطوي الدرجات سريعًا ليصعد إليها. أصبح ينجز عمله سريعًا ليعود إليها. تعرف على حياة جديدة معها. عشق التنزه في المركبات النيلية معها. هي فقط تحرر من قيوده لأجلها. وعلم أن الحياة لم تقتصر فقط على العمل وأن الحياة تستحق أن يعيشها. وهي أيضًا تغيرت لأجله. يسير في الردهة بخطوات واسعة فتح باب غرفتها. اشتعلت عينيها ليهتف بغاضب عارم. "داااااااااااالين."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!