جحطت عيون رابعة، وكأن الحلم يتكرر أمام عينيها البُنية من جديد؛ لتردف بحسرة، ودموع مكتومة: مش موافقة يا أبوي إلا هو؟! نظر لها أبوها بشدة على عكس ما كان عليه منذ قليل من سرور وسعادة، وردف بشك: ليه يا بت سالم؟ اشمعنا هو عاد؟ جلست رابعة تحت قدميه بوهن ودموع احتلت قهوة عينيها: يا أبوي مش عايزاه وخلاص، مفيش عذر يا اباه عندي، وغلاوتك بلاش الجدع ده بلاش. قبلت رابعة قدم والدها بتوسل: أبوس رجلك يا أبوي إلا هو، إلا.
دخلت رابعة في حالة من الهستيريا غير المعودة؛ لتفقد وعيها بالكامل، وكأن الرفض عن تلك الزيجة ليس بكافٍ، وكأن روحها وقلبها يعذبها لرفضها. حملها الحج سالم ونادى على أمها بقوة حتى أتت على صوته بسرعة البرق.
حاولوا بكل الطرق إفاقتها ولكنها لا تستجيب لأي شيء، حتى خرج الحج سالم وتوجه إلى المشفى لكي يأتي بطبيب، ولم يجد سواه، نعم إنه طيف المنشاوي، أو بالأحرى الدكتور طيف المنشاوي، الذي يمتلك نصف الأراضي الصعيد الأخرى ويعمل طبيب في المساء في المشفى الوحيدة الموجودة في الصعيد حتى يساعد أهالي الصعيد.
بمجرد أن رآه الحج سالم هرول عليه بسرعة وقص عليه ما حدث، ولم ينتظر طيف مرور ثانية أخرى بعدما عرف بما حدث لرابعة، حتى التقط معداته الطبية وخرج من المشفى ومعه الحج سالم بسرعة البرق حتى وصلوا إلى دار رابعة، إلى قدرها، ونصيبها القدري المحتوم. دخل طيف إلى غرفة رابعة بعدما أحكمت أمها الحجاب على شعرها، وبمجرد أن لمح طيف رابعة وهي بتلك الهيئة المريضة والمتعبة حتى سقطت دمعة من عينيه بوهن، مسحها بسرعة حتى لا ينتبه أحد.
جلس أمامها بوهن وأمر بإحضار بعض المياه في وعاء وقطعة قماش لأن حرارتها مرتفعة للغاية ووجهها أصفر من شدة الضعف الذي أصاب جسدها على غفلة. همت أمها بإحضار المطلوب، وخرج أبوها من الغرفة لأنه لم يطق أن يرى فلذة كبدها طريحة الفراش وحالها بذلك السوء. بمجرد أن تأكد طيف من عدم وجود أي أحد بالغرفة حتى جلس بجانبها والتقط يديها بحنان
وهمس بجانب أذنها بعشق: العوالم، فوقي يا اللي جيت لي في المنام، وياللي خدتي جلب طيف منه، من حلم يا جلبى؟! ظل يتحدث بضعف بجانب أذنها: ما تقلقيش يا حبيبتي، أنتي بس ضعيفة شوية، مقويات وهتبقى زينة. هم طيف بالجلوس على الكرسي بمقابلها حتى أتت أمها بدموع وأعطته المياه والقماشة حتى يضمّد لها على جبينها حتى تزول تلك الحرارة من عليها وتستعيد وعيها مرة أخرى.
كتب لها على بعض الأدوية وهم بالخروج، ولكن وهو في طريقه للخروج من الدوار بأكمله حتى أوقفه صوت الحج سالم: استنى يا طيف يا ابني. أدار طيف وجهه ونظر له بإحترام وهيبة: نعم يا حج سالم، عاوز حاجة مني؟ وضع الحج سالم يديه على كتف طيف وردف بصوت ملئ بالحيرة: أنا ودي أقول لك أني طلبك مرفوض يا ولدي. جحظت عيون طيف بشدة حتى اغرورقت عيناه بالدموع، ولكنه أصر على معرفة السبب كاملًا: طلب أيه يا حج سالم؟
الحج سالم: طلب جوزك من رابعة بتي. ازدادت الدموع داخل عينيه حتى لفظ بعض منها وإخراجها أمام الحج سالم، لم يستطع تخبئة عشقه لها، لم يعرف لما يعشقها هكذا.
عشقها من أول يوم رآها فيه وهي جالسة بين الزرع وتملي على الأطفال قواعد اللعبة، رآها طفلة صغيرة تفضل اللعب مع الأطفال وتعشقهم، رآها جميلة خلقة، وخُلق، وبمجرد أن رآها في ذلك النهار الموعود وهو لا يعرف أي شيء، نسى العوالم ونسى قلبه، وكله عند عينيها فقط، يستطيع أن يلفظ كل تلك الرجولة والقوة أمام قهوتها فقط، يستحيل إلى طفل صغير مازال يحبو ويستند على أمه.
ردف له طيف بوجع وضعف: أنا عايز أطلب منك طلب يا حج سالم، ويتمنى توافق لأجل جلبى يرتاح. الحج سالم: أؤمر يا ولدي. طيف بدموع ترجو العالم: خليني أتكلم معها شوية بس، لأجل غلاوتي عندك، أتكلم معها دقيقة واحدة بس، ومش عاوز حاجة من الدنيا. لم ينطق الحج سالم بأي شيء وهم للدخول إلى الدوار ليردف وهو في طريقه للداخل: تعاله بكرا بعد العشاء تكون رابعة فاقت، دقيقة واحدة بس يا ولد المنشاوي.
ليأتي النهار على أبطالنا، ولكن هل يحمل النهار لهم الفرح والسعادة، أما أنها الخيبات المتتالية المعهودة: طيف جاي يقابلك النهاردة يا رابعة، دقيقة واحدة بس، فاهمه. –حاضر يا أبوي، هقعد معه دقيقة واحدة بس، مش أكتر من أكده.
أتى الليل وحان مجيء طيف إلى الدوار، أعدت رابعة نفسها وكأنها عروس، ارتدت ثيابها كاملة، ووضعت الكحل في عينيها، وتركت شعرها لعنان الليل كعادتها، وارتدت حجاب يغطي بعض من خصل شعرها فقط، كانت ملاك بعيونها البنية وشعرها الطويل الناعم وجسدها الممشوق، وكأنها حورية جاءت من السماء لتطيح عقل طيف للفضاء. وبعد انقضاء بعضٍ من الوقت، أتى طيف، وبمجرد أن اشتمت رائحته حتى وقفت وحدقت به بخوف وعشق، كانت نظراتها مزيج من الشيء وضده.
تركهم الحج سالم وأمها على انفراد، تقرب طيف منها ببعض العشق، لتنظر له رابعة بوهن واستغراب: أنت بتعمل أيه يا طيف؟ وفعل ما لا أتوقعه أنا ولا أنت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!