في المستشفى التي تقبع فيها رابعة، دلفت من غرفتها إحدى الممرضات المشرفات على حالتها. "المريضة فاقت وطلبت تشوف دكتور طيف المنشاوي!؟ وبمجرد أن نطقت الممرضة اسمه، حتى أتى وكأن قلبه وقلبها مرشدان لبعضهما، وكأنه المشرد في الصحراء وهي البوصلة التي توصله لبر الأمان. ردف طيف من على بعد أمتار منهم بعدما سمع طلب رابعة لرؤيته: "تمام، أنا موجود وجاهز، ادخلوا." ولكن قبل أن يدخل إليها، أوقفته أمها بلهجة الأم الصعيدية
المكلومة على أبنائها: "إياك يا ولد المنشاوي تفكرها بحاجة، إياك تكون السبب في قتله مرة تانية يا طيف، أنا بحذرك وخذ مني الوعد ده، ورحمة الحج سالم وحياة رقدت بتي، ما يكفيني فيك موتك المرة اللي فاتت. الحج سالم غلط وحطك حي في تربتك لأجل تتعذب وتتذوق المرار اللي دوقته لابتي، بس المرة الجاية هموتك على الحي وأنت بتشوف كل حتة منك بتتقطع قدام عينيك، ومش هكتفي بكده، هرمي لحمك لدياب الجبل تنهش فيها زي ما عملت في بتي وضيعتها."
سقطت من عيون طيف دمعة قوية متأنية وكأنها قابعة في عينيه منذ زمن، ليمسح تلك الدمعة الخائنة وينظر لأم رابعة ويضحك بسخرية: "هنشوف مين اللي هيموت الأول، أنا ولا... ليصمت وكأنه وضع قلبها وعقلها في حيرة. هل بالفعل سيقتل رابعة؟ هل سينهي تلك القصة التي أخفوها لسنوات عنها؟ هل بالفعل سيقضي على رابعة للأبد؟ أم أنه سيحيي بداخلها شعلة الانتقام والأخذ بالثأر حتى تهدأ تلك النار التي ستُفني قلبها عندما تعرفها؟
دلف طيف إلى غرفة العناية المركزة بعد ارتدائه للملابس المعقمة بالكامل. وبمجرد أن رآها على سرير المشفى والأجهزة تتوسطها من جميع الاتجاهات، حتى دمعت عينيه بشدة. جلس أمامها على إحدى الكراسي الموضوعة بالغرفة، والتقط يديها المملوءة بالمحاليل والإبر. وردف بعشق: "كيفك دلوقتي يا عشق طيف؟ لمحت رابعة دموعًا تجمعت في عينيه أثر رؤيتها هكذا، حتى شددت من يديه بقوة وكأنها تطمئنه بتلك الفعلة التي هزت فؤاد طيف.
أخذ يتقرب منها وإلى عينيها التي تحذبه إليها بشوق كبير، وهو مغيب عن الواقع وغارق في قهوة عينيه. فإنه يقر ويعترف بأنه لا يوجد كوب قهوة أذاب فؤاده مثلما فعلت هي به. ظل يتقرب حتى أزاح ذلك الحجاب من على رأسها، وبمجرد لمح طيف لخصلات شعرها، حتى اندثر في أعماق تلك الحديقة الخاصة بشعرها. أخذ يتوه في غابة الياسمين الملقى على شعرها بحنان، وهي لا تفعل شيئًا سوى أنها تحاول أن تتملص منه. حتى أحكم قبضته على شعرها بالكامل، وظل يُقبِّل فيه بعشق جارف، حتى وصل إلى وجهها. وزال قناع الأكسجين من على فمها بخفة، وابتعد عنها بسرعة البرق. أما هي، فظلت تلتقط أنفاسها بصعوبة مبالغة، كادت أن تموت من شدة الاختناق وعدم قدرتها على التنفس.
تقرب منها بغل تلك المرة وعكس ما يضمر في قلبه الذي كاد بفضح عشقه لها: "براحة يا رابعة، ما تخافيش مش هتموتي دلوقتي، موتك لسه بدري قوي، دي قرصة ودن صغيرة بس لغاية ما تقومي وتشدي حيلك كده، عشان لسه الحساب طويل قوي يا بت سالم!؟ ظلت رابعة تأخذ أنفاسها ووجهها أصابه الاحمرار من شدة البكاء، حتى تقرب إليها بشدة ووضع القناع مرة أخرى، وردف بعيون الحسرة والقهر ونظرات خبيثة تخرج
من عينيه التي تشبه الصقور: "حمد الله على السلامة، رجعناكي من الموت يا رابعة، قومي بقى وواجهي الخراب اللي هيحل على دماغك يا قطة، صعيد كله هيولع لما يعرفوا الحقيقة يا بت سالم!؟ نفض طيف جسده من أمام عينيها التي ستوقعه بها مرة أخرى، ودلف من الغرفة، وبمجرد أن وضع يديه على مقبض الباب، سمع صوتها: "أنت لي بتعمل معايا أكده!؟ كل ده عشان اللي حصل يا طيف!؟ أنا بعشقك مهما عملت فيا، إن شاء الله ترمي جثتي في الجبل لدياب."
هل تذكرت رابعة كل شيء الآن؟ هل علمت بالحقيقة المدفونة في أعماق قلبه؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!