تحميل رواية راقصة الحانة بقلم نور زيزو pdf
بقلم نور زيزو
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
مع هدوء الصباح الباكر المغمور بصوت العصافير الملونة التي أحضرها زوجها لها، يعلو صوت الشجار بينهما. صرخت به بإنفعال شديدة قائلة: - يوووووه بقى أنا زهقت من شغلك ده. هو أنا متجوزك عشان تفضل في الشغل بالأيام ولا حتى تسأل على الكلبة اللي رميها في البيت ولو بتليفون. أدار رأسه عنها بضيق من شجارها المستمر وتذمرها على عمله، وقال بهدوء محاولًا إرضاءها والغضب المكتوم بداخله: - غصب عني ياحبيبتي ظروف شغلي كدة. وعموما أخلص القضية اللي معايا وبعدها آخد أجازة. أندفعت صارخة به بأنفعال أكثر مردفة: - كل مرة تقول ك...
رواية راقصة الحانة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم نور زيزو
فتح باب الشقة وهو يمسك يدها وهي تصرخ به وصدم حين وجد الشقة في حالة فوضى وكأن لص دخل إليها. نظر بأحراج ثم أدار رأسه لها بأحراج. نظرت له بزفر وجذبت يدها من معصمه وهتفت بأنفعال:
- إيه اللي أنت عامله في الشقة دي؟ أنت صغير تبوظ كدة!
- كنت بدور على ورق مهم للشغل.
قالها بأحراج وهو يخفي عنها حقيقة فعلته حين غضب منها حين ذهبت معه لرجل آخر. دلف إلى الداخل ويعدل الكرسي المقلوب وهو يقول:
- أنا هظبطها. أدخلي أنتي.
صدم حين دلفت إلى غرفتها حقاً ولم تعر أي اهتمام له أو تساعده. ركل الكرسي بقدمه بأنفعال وبدأ يرتب الفوضى التي فعلها. خرجت من غرفتها بعد نص ساعة. رفع نظره لها وجدها غيرت ملابسها وأرتدت بيجامة بيتي زهرية اللون بنص كم وشعرها البني مسدول على الجانبين مبلل وتتساقط منه حبات الماء يبدو أنها أخذت حمامها. رأته يقف هناك بعد أن توقف عن ما يفعله يتأملها وعيناه تحتضنها بين جفينه. أشاحت نظرها عنه وبدأت ترتب المكان معه دون أن تتفوه بكلمة واحدة. تأكد بأنها بالفعل لم تصالحه ومازالت غاضبة منه. أقترب منها وهو يدعي أنشغاله بالتنظيف. أبتعدت عنه بضجر فأقترب مجدداً. صرخت به بغضب طفولية:
- ممكن تبطل تخبط فيا بقي!
هتف ببسمة هادئة قائلاً:
- لا مش ممكن.
ألقت المكنسة من يدها بغضب فوق قدمه وقالت بضيق منه تثير غضبه:
- نضف لوحدك بقي. أنا غلطانة أني بساعدك أصلاً...
تألم من قدمه وهو يمسكها. أبتسم بأستفزاز ومكر ثم تركته ودلفت المطبخ. ألقى من يده وسادة الأريكة غاضباً من تذمرها.
في شقة مصر الجديدة.
دق جرس الباب. فتحت الخادمة سيدة في منتصف الاربعينات ودلف "علي" وهو يسألها:
- بابا صاحي؟
- أيوه يابيه في اوضته.
قالتها وهي تغلق باب الشقة.
طرق الباب بهدوء ثم دخل إليه. سأله "علي" عن صحته وهو يجلس على الكرسي:
- إزي صحتك يابابا دلوقتي أحسن؟
أدار "جلال" رأسه دون أن يجيب عليها. هتف "علي" مجدداً بأستياء قائلاً:
- رد عليا يابابا. أنا عملت إيه لكل ده؟ أتصل بيك متردش واجيلك متردش. عملت إيه أنا؟
صرخ "جلال" به بأنفعال وهو ينظر له قائلاً:
- عملت إيه؟ رايح تحط ايدك في ايدك الراجل اللي كان يوديني فداهية وتقولي عملت إيه!
وقف "علي" بغضب ثم جز على أسنانه وقال مفعلاً:
- كان هيوديك في داهية وانت لما تاجرت في المخدرات وابنك في كلية الشرطة كان عادي عندك؟ انت عارف لو كان اتقبض عليك انا كان هيجرالي إيه في كليتي؟ أحمد ربنا أن متقبضش عليك وواد تاني اللي شالها وإلا كان زمانك خسرتني أنا كمان مع أختك.
أخرج تنهيدة قوية من بين صدره بزفر. ثم هتف ببرود مستفز:
- عشان كدة رايح تتجوز بنته وكمان من ورايا؟ يابجاحتك ياواد.
جلس "علي" أمامه على السرير وقال بخفوت شديد يريد موافقته عليها:
- وأثير ذنبها إيه في الموضوع ده يابابا؟ وأنا ذنبي إيه في كل ده؟ المشكلة أتحلت وأنت في السليم وسافرت وسيبت كل البلد ومضرتش في حاجة وعمي حبيب اهو طلع معاش وقعد في البيت خلاص. نحلها إحنا بجوازي من أثير وتصالح أختك.
رمقه "جلال" بنظرة غضب وقال بلا مبالاة:
- برضو مفيش جوازة. وقوم أمشي بقي من هنا.
زفر "علي" بضيق وقال بخفوت شديد مضطراً:
- يعني أبنك مش مهم عندك؟ يعني أنا أتنازل عشانك وأنت مستكتر تتنازل عشاني وعشان حبي؟ ماشي سلام.
وتركه وخرج من الشقة مستاء من رد والده ورفضه وقلبه يتألم وأمامه صورتها وهي تتركه وترحل غاضبة منه. زفر بضيق وهو يركب سيارته.
جلست "دموع" على السفرة تأكل بشراسة. خرج "إلياس" من غرفته ورأها كما هي. جلس على كرسيه وتناول بأصابعه الملعقة يستعد للطعام. قرب يده من الطبق فضربته على يده بغضب وقالت بحزم:
- متأكلش من أكلي. قوم أعمل لنفسك.
أخذ الكفتة بالشوكة يغيظها وهتف بتهكم:
- جعان.
صرخت به وهي تأخذ الشوكة قائلة:
- قولتلك مش هتأكل يعني مش هتأكل. اللي يغلط يتحمل غلطه.
وأخذت الأكل معاها ودلفت إلى غرفتها. ذهب خلفها فأغلقت الباب في وجهه. طرق الباب بقوة وهو يقول:
- أفتحي يادموع. أنا جعان. يرضيكي عمه ينام من غير أكل؟
أبتسمت بخبث عليه وقالت بلهجة حادة مصطنعة:
- اه يرضيني جدا.
أكلت الطعام وتمتمة بعناد لتغيظه أكثر:
- اممممم طعمه رائع.
سمعها من الخارج وأشتاط غضب من دلالها عليه وعنادها مع عقلها الطفولي. قال بحزن مصطنع:
- دموع أفتحي عشان خاطري.
لم تجيبه. ظلت تقف خلف الباب ولم تسمع صوت من الخارج. وضعت أذنها خلف الباب فسمعت صوت باب الشقة يغلق. فتحت الباب بسرعة ولم تجده في الشارع. قوس شفتيها للأسفل بحزن عميق أعتقدت أنها أغضبته فتجمعت دمعة في عيناها وأنهمرت على خدها وبكت ببراءة.
ظلت تنتظره ساعتين ولم يعود. فتحت شرفة الصالون وطلت منها تنظر في الشارع عليه ولم تجده. فتح باب الشقة ودخل رأها تقف في النافذة. أبتسم وذهب نحوها بخفوت على أطراف أصابعه حتى لا تشعر به. كادت دموعها تنهمر من جديد وهي تبحث عنه في الشارع. شعرت بهواء ساخن خلفها شعرت بالخوف معتقدة بأن هناك لص. أستدارت بقلق ورأته أمامها شهقت بقوة وضربته على صدره بقوة وهي تصرخ به:
- خضتني حرام عليك!
أخرج باقة ورد جميلة من خلف ظهره وأبتسم لها. رفعت حاجبها له ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بأستياء مصطنع وقلبها يرفرف من السعادة تخفيها:
- إيه ده؟
وضع قبلة على جبينها بحنان وقال بهيام وهو ينظر لعيناها بحب وشغف:
- أسف.
فرح بسعادة حين أبتسمت له ببراءة وأخذت منه الورد بدلال. أقترب خطوة منها ودهش حين رفعت نظرها له وتغيرت تعابير وجهها للغضب من جديد وقالت:
- شكرا على الورد. بس أسفك مش مقبول.
أنهت جملتها ثم بعدته عن طريقها بيدها في صدره وجلست على الأريكة تداعب الوردات بأصابعها وتستنشقهم بسعادة تغمر قلبها الصغير وتتناغم بدقاته. جلس بجوارها.
- وحياة عمه سماح المرة دي.
قالها إلياس وهو يداعب كفها بيديه ويحتضنه بدفء.
أردفت "دموع" بزفر شديد منه. وهو يظل يشاكسها ويذهب خلفها أينما ذهبت. تعانده وهي تخرج لسانها له كطفلة صغيرة قائلة:
- وحياة عمه حبيبي مش هسامحك.
أبتسم عليها وقال وهو يغلغل أصابعه بين خصلات شعرها بحنان:
- سماح المرة دي عشان خاطر عمه حبيبك.
أبعدت يده عنها بأستياء وقالت بحزن عميق وهي تنظر له:
- ده أنت مستنيتش تسمعني طردني وخليتهم يأخدوني. مستحيل أسامحك ياعمه أنت وحش وشرير.
ضحك على براءتها ثم وضع قبلة على جبينها بلطف شعر بشفتيه تلتصق بجبينها فتسارع قلبها بنبضه وأغلقت قبضتها بأرتباك منه فهي الأخرى إشتاقت له ولحديثهما ولكنها غاضبة حقاً منه.
أبتعد عنها ثم نظر لعيناها بدفء وهتف بخفوت يهمس لها في أذنها:
- صدقيني عمه مش شرير ويحبك والله ومش واجعني بجد إلا جرحي لكِ ومع أول خطر قرب منك سبت أيدك. أنا أسف حقك عليا غلطة مش هتتكرر.
أبتسمت بداخلها بمكر ورفعت حاجبها ثم وقفت بدلال تثير غضبه أكثر وأكثر وهي تتجه إلى غرفتها مستديرة له:
- برضو مخاصمك ومش هسامحك على عملتك دي ها؟
وضع يده خلف رأسه بزفر وهو لا يقوى على هذا الخصام أكثر من ذلك ودلالها المفرط وهو يعلم بأنها تعاقبه بدلالها هذا.
أستسلم لدلالها وذهب إلى غرفته بغضب شديد.
خرجت "أثير" صباحاً من غرفتها أوقفتها "جميلة" وهي تتحدث:
- أثير مش هتفطري؟
أجابها وهي ترتدي حذاءها بروح حزينة:
- مش جعانة وهتأخر. عندي محاضرة بدري.
تركتها وخرجت. أردفت "جميلة" وهي تسديرة لزوجها قائلة:
- عجبك بنتك كده؟
أجابها وهو يأكل بلا مبالاة:
- أنا اللي عملت كده ولا ابن أخوكي وأخوكي.
تنهدت بزفر رغماً عنها وقالت بهدوء تستأذنه:
- طب إيه رأيك أروح أتكلم مع جلال أنا يمكن أوصل لحل؟
نظر لها بضيق ثم قال بأستياء:
- أعملي اللي يريحك. بس يارب هو اللي مطردتكيش من بيته.
ووقف من كرسيه ثم ذهب إلى الداخل.
أستيقظت "دموع" على صوته وهو يناديها ويربت على كتفها. أردفت بصوت نائم وهي مغمضة العينين ونسيت غضبها منه:
- عمه خليني أنام شوية بليز.
أربت على كتفها بحنان وقال وهو يبعد خصلات شعرها عن وجهها:
- قومي يادموع بطلي كسل من أول يوم.
رفعت رأسها من فوق الوسادة ووضعتها على قدمه بتشبث به وهي تقول بخفوت وهي شبه نائمة وغير واعية:
- عمه عايزة أنام.
مسح على رأسها بيديه وهو يقول بأبتسامة:
- والمدرسة مين يروحها؟ ولا مش عايزة؟
فتحت عيناها بذهول ونظرت للأعلى له وقالت بعدم تصديق:
- هروح المدرسة.
أبتسم لها وهو يضع خصلات شعرها خلف أذنها ثم أشار إليها بنعم. قفزت من فوق السرير بسعادة وهي تعدل من هيئتها قائلة:
- أنا جاهزة يلا بسرعة.
أبتسم عليها وقال مشيراً على الأريكة:
- ألبسي لبس المدرسة بسرعة عشان الباص هييجي بعد نص ساعة وبسرعة عشان تفطري قبل ما تنزلي.
- عملتي فطار؟
قالتها بدلال وعفوية وهي تضع يديها على وجهها بطفولية وترمش له بعينيها مبتسمة. قرصها من خدها وخرج. أخذت حمامها ومن ثم جهزت نفسها للمدرسة خرجت ورأته يرتدي قميص وبنطلون وتجهز للعمل. قوس شفتيها وهي تتذكر غضبها منه.
- أفطري بسرعة.
قالها وهو يرتشف قهوته. حملت شنطتها وقالت بغضب:
- أنا مخاصمك إياك تنسي كدة ها...
وتركته وخرجت. أعد سندوتشات لها وأسرع خلفها رأها تركب الأتوبيس. أعطاهم لها من النافذة فأبتسمت بسعادة لذهابها للمدرسة ولوحت له بيدها الصغيرة من النافذة مبتسمة. لوح لها بيده ثم ركب سيارته.
دلف "سعيد" إلى مكتب "معتصم" سأله وهو يباشر أعماله:
- عملت إيه؟
أجابه "سعيد" وهو يقرب:
- سيد هيرحل على النيابة بعد يومين ورجالتنا هتخلص الموضوع قبل ما يوصل للنيابة.
سأله بفضول أكبر:
- ودموع؟
أزدرد لعابه بصعوبة وقال بضيق مخفض رأسه للأرض:
- رجعت لإلياس وداها المدرسة مع مامته.
أسند بظهره للخلف متكئاً على كرسيه وصمت لوهلة من التفكير ثم هتف بتهكم قائلاً:
- كويس أنه خرجها. جبهالي قبل ما تفتح بوقها.
بتر "سعيد" الحديث من فمه وقال بثقة:
- بس...
- بس إيه؟ دموع لو قالت أنك طلبت منها تقتله هيأخد رأسك قصادها.
قالها "معتصم" بأنفعال يخشي تهور "إلياس".
أجابه وهو يضم يده أمامه بهدوء مطيعاً لأمره:
- النهاردة وهي خارجة من المدرسة هنجبها حاضر.
رواية راقصة الحانة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم نور زيزو
دلفت "دموع" إلى الفصل مع "جميلة". توقفت المدرسة عن الشرح ووقفت الطالبات احترامًا للمديرة. نظرت حولها في المكان بسعادة وهي تتأمل المكان وتحمل شنطتها المدرسية على ظهرها وكتبها الدراسية على ذراعيها بعد استلامها قبل مجيئها إلى الفصل. نظرت نحوهم و"جميلة" تتحدث مع المدرسة بخفوت لا تسمعه هي. ثم ابتسمت المدرسة وأشارت لـ "دموع" متمتمة:
- ادخلي يا دموع اقعدي جنب حنين. ارفعي إيدك يا حنين.
رفعت يدها لكي تعرفها "دموع" فذهبت لكي تجلس بجوارها في الصف الثالث في المنتصف. ابتسمت "دموع" بتكلف وهي تجلس ثم وضعت كتبها الدراسية أمامها.
عادت المدرسة للشرح من جديد. أخرجت من شنطتها مستلزماتها وبدأت يومها الدراسي بنشاط وحيوية كبيرة من أجل تحقيق حلمها وتصبح طبيبة. انتهت الحصة وخرجت المدرسة. فتحت شنطتها لترتبها وتضع بها الكتب.
وقفت "حنين" مبتسمة وقالت بترحيب:
- خليني أساعدك.
ثم مسكت الشنطة لها ووضعت "دموع" الكتب بها. فأبتسمت شاكرة وهتفت متمتمة:
- ميرسي تعبتك.
مدت "حنين" يدها لها لكي تصافحها وقالت تقدم نفسها لها:
- لا تعب ولا حاجة، أنا حنين.
ابتسمت "دموع" وصافحتها بسعادة تغمرها لحصولها على صديقتها الأولى لأول مرة وقالت:
- دموع.
جلسا الاثنان يتحدثان عن حياتهما وتخفي "دموع" كونها راقصة حانة. أخبرتها أنها تعيش مع قريبها فقط ووالديها متوفين.
في مكان جديد تحديدًا في جريدة الحقيقة، كانت تجلس "كارما" على مكتبها في غرفة مستقلة تتشاركها مع صديقة لها تباشر أعمالها في كتابة مقال عن أحد الفاسدين في البلد. دلفت "فاطمة" صديقتها إلى الغرفة غاضبة ووجنتها حمراء من شدة انفعالها. ألقت بالملف على مكتبها بضيق وجلست تنزفر بعجز. فسألتها "كارما" بفضول وهي تكتب المقال دون النظر لها:
- مالك يا ستي فاطمة داخلة شايطة ليه كده؟ أكيد عملتي مصيبة والمدير اداكي كلمتين.
انفجرت "فاطمة" بعد أن وصلت لأقصى درجة من الغضب وهتفت بإنفعال:
- مصيبة عشان عايزة ينشر المقال ده ويبطل الرشاوي اللي بيأخدها دي. بسبب أمثاله هيفضل الفساد مالي البلد والناس اللي فوق مطمنين أوي إن محدش هيتكلم ويفتح بوقه.
رفعت "كارما" نظرها بتهكم وسألتها مباشرة بوضوح:
- فساد ورشاوي؟ المقال ده عن إيه؟
تنهدت "فاطمة" بهدوء تهدأ من روعها وقالت بتوضيح لتفسر الأمر لها:
- شركة أدوية كبيرة يا ستي بتاجر في المخدرات عن طريق الأدوية. بتخلطها فيها وتقلل نسبة المخدر في الدواء عشان تشتري بسعر وتنتج كمية أكبر من الكميات المحددة وتكسب أكتر. وياريت كدة وبس، لا ده كمان الأدوية دي بتحقق مفعول فعال أكبر من مفعول الدواء السليم وده بيضر المرضى وأحيانًا بيسبب وفاة.
وقفت "كارما" من كرسيها والتفت لتذهب لها وهي تقول:
- اسمها إيه الشركة دي؟ وليه المدير رفض ينشر قضية بالحجم ده فيها حياة وموت الناس؟
أجابتها "فاطمة" بغضب من رفض المدير قائلة:
- اسمها شركة الشربيني للأدوية، تبع مجموعة شركات الشربيني. وطبعًا سيادته رفض بحجة إن مفيش دليل ملموس أو مستند يثبت صحة كلامي وإنه الجريدة هي اللي هتضر من مقال زي ده مالهوش أي إثبات من الصحة.
وقع على أذنها اسم الشركة وكأنها صخرة نارية ألجمت لسانها، وكأن أحدهم ألقى عليها دلو من الثلج. فهي شركة زوجها. هل حقًا هذا ما يحدث؟ وهل هو على علم به؟ هل مكسب رزقه غير مشروع؟ هل يقتل الألف من الأبرياء بأدويته؟
آلاف الأسئلة دارت في عقلها وهي تشعر باشمئزاز أكثر مع كل كلمة تقرأها في المقال. أخذته في شنطتها وخرجت من الجريدة.
رن جرس المدرسة يعلن عن انتهاء الحصة الأخيرة واليوم الدراسي. أسرعت "دموع" في جمع أغراضها بسرعة لكي تعود له مشتاقة لمشاجرتهما معًا، وألتصق بها طالباً السماح وقبول اعتذاره. وقفت "حنين" معها وخرجوا من الفصل معًا يتحدثون وذراعيهما متشابكة.
توقف "إلياس" بسيارته أمام باب المدرسة ورأى سيارة سوداء تقف هناك. شك بالأمر بضغط على بوق السيارة وفتح له البواب البوابة الكبيرة فدلف إلى الداخل بسيارته. رأته أمه وهي تقف في الفناء مع المشرف وتنظر على الطالبات وهم يركبون الأتوبيس. اعتذرت من المشرف وذهبت نحوه وقالت باغتياظ:
- إيه اللي جابك هنا يا إلياس؟ أنت موركش شغل في القسم؟
أجابها بخشونة وهو يبحث بنظره عنها:
- وأخد إجازة النهاردة. فين دموع؟
تنهدت "جميلة" باشمئزاز من تصرفات ابنها نحو طفلة صغيرة وقالت باستخفاف:
- اللي جابك يا خليلك يا عين أمك.
نزلت "دموع" من الأعلى مع صديقتها ورسمت بسمة مشرقة على شفتيها فور رؤيته في الفناء بسيارته. وأستأذنت منها وركضت نحوه بصعوبة وبطيء من شنطتها الثقيلة التي تكاد تسقط جسدها الصغير حتى وصلت أمامه. أخذ منها الشنطة وأبتسم لها ثم قال ببرود وهو يمسك يدها:
- عن إذنك يا أمي.
وأخذها إلى سيارته وفتح لها الباب. لوحت بيدها إلى "حنين" ثم ركبت. أغلق لها الباب وذهب ليركب أمام المقود وساق بها ومر من جانب السيارة السوداء. أراد أن يتأكد من وجودها أمام المدرسة متعلق بطفلته أما لا. وبالفعل تحركت السيارة خلفه تطاردهما عن بعد. علم بذلك وحواسه كضابط شرطة لم تخيب أمله أبدًا. سألته بفضول وهي تراه يعبر طرق كثيرة غير طريق المنزل:
- إحنا رايحين فين؟
أجابها وهو يقود وينظر للأمام بنبرة جادة قائلاً:
- أمي قالتلي إنها كلمتك مدرسين يدولك دروس. هجبلك الكتب اللي طلبوها وهدوم جديدة وهنشتري كل لوازمك عشان لو مقفلتش مش هيبقى عندك حجة وأكسر دماغك.
ابتسمت كالبلهاء وقد نسيت خلافهما وقالت بخفوت:
- عمو أنت معندكش شغل خالص على طول فاضي؟ أول مرة أشوف ضابط فاضي كده.
حدق بها بوجه عابث ثم هتف متمتمًا:
- خدت إجازة النهاردة عشان أجيبلك حاجاتك ومن بكرة مش هتشوفي خلقتي غير الفجر أو كل يومين تلاتة. ارتاحتي كده؟
صرخت بذهول من حديثه منفعلة قائلة:
- لا كده وحش جدًا. سيب شغل البوليس ده.
قهقه من الضحك ثم أوقف السيارة على جانب من الطريق ونظر لها ثم مسك يدها وقال بتحذير لها:
- عشان كده عايزك تاخدي بالك من نفسك كويس جدًا ومتثقيش في أي حد خالص من اللي حواليك. والدروس تكون في البيت عند أمي. وطول ما أنا في الشغل رجلك متخرجش من البيت عند أمي. وأنا راجع هاخد معايا.
قوست شفتيها بحزن وهتفت ببراءة قائلة:
- حاضر. بس خليني في البيت عندنا بلاش بيت طنط ومش خرج ولا فتحت الباب لحد خالص. بس عند طنط لا، أنا بخاف من عمو حبيب.
أشار إليها بلا وقال بخشونة وتحذير:
- لا يعني لا. تقعدي لوحدك لا. مفهوم.
ثم قاد سيارته إلى مول كبير به كل الأغراض وجعلها تنزل وحدها وهو يرى السيارة السوداء خلفه. ونزل منها رجلان. أخرج هاتفه وأتصل بمعتصم.
كان يباشر أعماله في اجتماع مع المدينين حتى قطعه رنين هاتفه. ذهل في البدء من رقم "إلياس" ثم وقف من مكانه ودلف إلى مكتبه وأجابه:
- إلياس باشا بنفسه؟ خير.
أجابه "إلياس" بنبرة تهديد واضحة وقوية قائلاً:
- طول ما أنت حاططني في دماغك يبقى مش خير. اسمع يا محترم باشا، أنا قبلت منك كل التهديدات وقتل مراتي وسكت. لكن تلعب مع دموع يبقى عليا وعلى أعدائي. وألعن الشرطة والوظيفة اللي حاكمني. مش هبقى على حاجة. وبنتك قصاد دموع. لو دموع جرالها حاجة أو اتخدشت خدش صغير وهي بتلعب حتى في المدرسة وأنت مالكش علاقة بيها. عد بعدها ساعة واحدة وتترحم على بنتك. مش اسمها أريج؟
صرخ "معتصم" بانفعال وخوف شديد على ابنته من هذا الوحش قائلاً:
- أنت بتهددني يا حيوان؟ أنت مش عارف أنا مين وأقدر أعمل إيه؟
ضحك "إلياس" باستفزاز ثم هتف بنبرة جادة خشنة:
- رجالتك اللي ورا دموع ابعدهم أحسن بطريقتك بدل ما أبعدهم أنا. وصدقني متخافش من حد أكتر من اللي معندوش حاجة يبكي عليها. وأنا معنديش. لكن أنت عندك بنتك المحروسة. ومش صعب عليا. هي مش موجودة في النادي دلوقتي. بلاش تضطرني أدخل الشغل في العيلة. خلي الشغل شغل وأنت عدوك أنا. مش عيلتي ولا دموع معاك. عشرة دقائق لو رجالتك ممشيوش همشيهم أنا على المستشفى بمسدس ميري. سلام.
وأغلق الخط معه. قذف "معتصم" الهاتف بقوة ويزيد غضبه وهو يهدده بطفلته وصرخ بانفعال:
- سعيد.
جاء له فور صراخه. هتف "معتصم" بانكسار وهزيمة أمام ذلك الوحش:
- اتصل بالرجال وقولهم يسيبوها ويجوا. وابعت حراس لأريج وكارما بسرعة.
سأله "سعيد" بفضول شديد واستغراب:
- في حاجة؟
قطعه "معتصم" بصراخ شديد:
- نفذ وأنت ساكت بسرعة.
أشار إليه بنعم وخرج مسرعًا.
ظلت واقفة تنتظره. جاء لها ومروا الرجال بجانبه خارجين من المول. فأبتسم لها بسعادة وأخذها من يدها ودخل بها معظم المحلات وأشترى لها ملابس كثير. ثم دلف إلى مكتب دراسي وأشترى لها كتب وكشاكيل وأقلام وأغراض كثيرة. خرجت تنتظره بالخارج وهو يدفع الحساب. خرج خلفها ورآها تنظر لمحل هدايا على دبدوب باندا كبير الحجم أكبر من جسدها النحيل. ابتسم عليها وأخذها واشتراه لها. ثم ذهبوا لمحل أحذية واشترى لها أكثر من حذاء. وبعدها إلى محل الأكسسوارات واشترى لها كل شيء يعجبها من إكسسوارات شعر وإكسسوارات لها. ثم أخذها لمحل موبايلات واشترى لها هاتف محمول ليطمئن عليها وهو في عمله. وأنهت جولتهما وذهبوا إلى السيارة. نظرت بسعادة على الأريكة الخلفية التي امتلأت بالأغراض هي وشنطة السيارة. هتفت بسعادة تغمرها وتبث من عينيها كالبلهاء قائلة:
- اشترينا كل ده.
أجابها بثقة ومشاكسة:
- آه. ومتتعوديش على كده. أنا فلست خلاص.
ابتسمت له ببراءة وجلست معتدلة في مكانها وتمسك ذراعه بيديها وتضع رأسها على كتفه وقالت بسعادة:
- أوكي.
أكتفى بالابتسامة وهو يثني رأسه على رأسها بدفء.
ذهبوا إلى المنزل مساءً ووجدت رجال أغراب بالشقة. مسكت بيده بخوف وقالت بخفوت:
- عمو مين دول؟
ابتسم عليها واحتضن يدها ثم نظر للرجال وقال:
- الله ينور يا رجالة. قدمك كتير يا اسطي.
أجابه الرجل وهو يترك ما في يده لباقي الرجال:
- خلصنا الشبابيك كلها وباب المطبخ ركبناله الباب الحديد زي ما طلبت. فاضل باب الشقة وركبنا الكاميرات قدام باب المطبخ وباب الشقة. ممكن تجربهم قبل ما ننزل وتحاسب. الكاميرات في وضع كويس جدا بحيث إنه يظهرلك كل المكان قدام الباب. ودي مفاتيح الباب الحديد.
أجابه "إلياس" بوقار وهو يهز رأسه قائلاً:
- الله ينور تسلم إيدك. ادخلي يا دموع أعملي شاي للرجالة.
أشار الرجل بيده قائلاً بشكر:
- لالالا تسلم يا باشا. إحنا خمس دقائق هنركب الباب ونمشي.
أربت على كتف الرجال ودخل إلى الداخل معها ووضع لها الأغراض على السرير. اتسعت عيناها الخضراء على مصراعيها بذهول ووضعت يديها على فمها من دهشتها وهي ترى المكتب الخشبي يزين زاوية في غرفتها لونه وردي ومن الأعلى مكتبة معلقة أعلى المكتب لكتبها وأغراضها لونها وردي تمامًا كلون الغرفة. سألها وهو ينظر لابتسامتها الساحرة:
- عجبتك الأوضة؟
ركضت نحوه بسعادة طفولية وتشبثت بملابسه ببراءة وقالت بنبرة دافئة طفولية وعيناها تحتضن عيناه:
- حلوة جدًا يا عمو ربنا يخليك ليا.
وفور إتمام جملتها وضعت قبلة رقيقة على خده. نظر لها بدهشة ألجمته وشعر بتجمد جسده وحرارته تتزايد من لمسها. قرصها من خدها وخرج للرجال وأبقت هي تنظف الغرفة وتضع الأغراض الجديدة في مكانها وترتب مكتبها.
جهزت "جميلة" نفسها واستعدت للذهاب إلى أخيها ثم خرجت من الغرفة ووجدت "أثير" تقف أمامها وتضع يديها على خصرها بوجه عابث وقالت بحدة:
- حضرتك راحة فين يا ماما؟
أزدردت ريقها بصعوبة وقالت:
- خارجة يا أثير. هتحاسبيني؟
رمقتها بنظرة شك وقالت بحزن وانكسار:
- لا يا ماما أنا مقدرش أحاسبك. بس بلاش تروحي لخاله أو علي. لو روحتلهم هترخصيني وبعد ما أرخص لو خاله وافق أنا اللي مش هأوافق. بلاش تكسريني وتذلي بابا ونفسك عشاني. إذا كان هو مش هيحارب عشاني يبقى ميلزمنيش يا ماما وأنا مش هتجوزه.
وتركتها ودلفت إلى غرفتها باكية. زفرت "جميلة" بضيق وعجز ودلفت إلى غرفتها بغضب متراجعة عن قرارها.
وصل "معتصم" إلى الفيلا وترجل من سيارته. دلف إلى الداخل ولم يجد طفلته في انتظاره كالعادة. كاد أن يصعد إلى الأعلى أوقفته "كارما" بحديثها قائلة بجدية:
- معتصم.
أستدار لها بدهشة وقال باستغراب للهجتها:
- كارما؟ إيه اللي مصحيكي لحد دلوقتي؟
صرخت به بانفعال وهي ترمي له المقال بوجهه قائلة:
- ده اللي مصحيني كده. هو ده شغلك المشروع؟ بتكدب عليا وتخدعيني فيك؟
نظر للمقال ودهش ثم أجابها بثقة مصطنعة قائلاً:
- جبتي الكلام ده منين؟ يا حبيبتي أنتي مش روحتي الشركة وشوفتي الشغل بنفسك إزاي تصدقي كده؟
أردفت بغضب ونرفزة قائلة:
- ده شركة الأدوية. معقول أنا متجوزة راجل بيقتل آلاف الأبرياء؟
- بكرة آخدك الشركة وتشوفي بنفسك وتصدقي إن الكلام ده كذب وتعرفي إني راجل أعمال ليا أعداء نجاح ومنافسين مصلحتهم يدمروا سمعتي في السوق بأي طريقة.
قالها بثقة وهو يربت على كتفها.
هزت كتفها بغضب تبعد يده عنها ثم نظرت له بتحدي وقالت باشمئزاز:
- هجي معاك يا معتصم.
في اليوم التالي في كافيه عام، وضع النادل المشروبات على الترابيزة ورحل.
- أنت مخك طق يا إلياس ولا طارت منك خلاص؟
قالها "علي" بصدمة وهو يرمقه بالنظر باشمئزاز.
أعاد "إلياس" حديثه بهدوء:
- بقولك هتجوزها. إيه؟ بقول حاجة غريبة.
رفع "علي" حاجبه بذهول وقال بتوضيح للأمر:
- لا بتقول إنك هتعمل جريمة. أنت نفسك قبضت على سيد ورامي بيها. تتجوز قاصر يا إلياس؟ لدرجتي مش قادر تستنى؟
صرخ "إلياس" به وهو يدفع الكأس من فوق الترابيزة:
- هتجوزها عشان أحميها مش عشان اللي فدماغك. لازم أحميها. دموع لو جرالها حاجة لا يمكن أسامح نفسي. مش هستنى لما تحصل.
بتر "علي" الحديث منه وقال بتهكم:
- بس دي قاصر وأنت ضابط شرطة ورجل قانون. إزاي ترتكب جريمة زي دي؟
قال بإصرار وهو يقف:
- هتجوزها يعني هتجوزها.
وتركه ورحل من الكافيه لا يفكر بشيء سوى الزواج منها ذاهبًا إلى شقته ليتأكد بأنها عادت من مدرستها بسلام. وصدم حين لم يجدها بالشقة بالكامل وقد مر موعد عودتها بساعتين. أخرج هاتفه وأتصل بها. ردت عليه "أثير" قائلة:
- أيوة يا إلياس.
سألها بقلق واستغراب من وجود هاتفها مع أخته:
- دموع فين؟
أجابت بصوت هامس قائلة:
- دموع عندها درس. ماما جابتها وهي راجعة من المدرسة. المدرسة عندنا هتيجي تاخدها ولا هتبات عندنا؟
- هاجي. سلام.
قالها وأغلق الخط.
دلفت "دموع" إلى غرفة "أثير" وصدمت حين رأيتها على الأرض غارقة في الدماء فصرخت بخوف.
رواية راقصة الحانة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم نور زيزو
دلفت "دموع" إلى غرفة "أثير" وصُدمت حين رأيتها على الأرض غارقة في الدماء، فصرخت بخوف وهرعت نحوها وهي ترتجف، فهي تخشى الدماء وترى أنها تسيل من أنفها بكثرة حتى أغرقت وجهها بأكمله.
دَلَفَت "جميلة" و"حبيب" وصُدمت أمهما تمامًا. حاولوا إفاقتها أكثر من مرة ولم يستطيعوا، أخذوها ونزلوا للأسفل، فتحوا السيارة ووضعوها.
توقفت سيارة "إلياس" وهرع نحوهم وهو يسأل بخوف:
- فيه إيه؟
مسكت "دموع" بذراعه بخوف وهي تهتف بتلعثم باكية بخوف:
- عمة أنا لقيتها كده على الأرض.
ركبت "جميلة" بالخلف مع ابنتها و"حبيب" بالأمام. أخذها من يدها وأركبها سيارته وقاد خلفهم وهي تضم يديها لبعضها بقلق مستحوذ عليها. قاد كالمجنون بها. وصلوا للمستشفى. دلفت "جميلة" للداخل لتحضر دكتور. حملها "إلياس" على ذراعيه ودلف خلفهم بها حتى أخذوها منه. أجلس "دموع" بجوار أمه وذهب للاستقبال يسجل دخولها. رن هاتفه برقم "علي". فتح الخط ووضع الهاتف على أذنه يتمتم بسرعة:
- لحظة. اسمها أثير حبيب الهادي. أيوه يا علي.
سأله "علي" بفضول بعد ذكر اسم حبيبته:
- أنت فين؟
أجابه وهو يأخذ الوصل الدخول من السيدة قائلاً:
- في المستشفى.
انتفض "علي" وضغط على فرامل السيارة بقوة حتى اصطدم صدره بالمقودة وقال بذعر وقلق عليها:
- أثير جرالها حاجة؟
قص عليه ما حدث. أدار سيارته للاتجاه المعاكس ليذهب إلى حبيبته.
خرج الدكتور من الغرفة، أسرع الجميع له. فسأله "حبيب" بخوف سكنه منذ ساعتين حين رآها في دمائها:
- خير يا دكتور طمني بنتي مالها؟
أربت الدكتور على كتفه مراعياً له ولسنه الكبير وخوفه الشديد الواضح ثم هتف مبتسماً:
- خير يا حاج، هي كويسة الحمد لله. بس شكل فيه حاجة مزعلاها أو ضغط عليها وهي السبب في النزيف ده والحمد لله أنا أديتها دواء وهبعتلها ممرضة تديها حقنة وهتبقى كويسة زي الحصان. بس بلاش زعل أو عصيبة على الأقل في الوقت الحالي.
سألته "جميلة" بارتياح قليلاً:
- يعني هي فاقت دلوقتي وكويسة تروح معانا؟
أجابها الدكتور بهدوء قائلاً:
- هي كويسة وفاقت، تقدروا تدخلوها بس بلاش روحة النهاردة خليها للصبح نطمن عليها أكتر.
جاء "علي" يركض نحوه وقلقه واضح في ملامحه. توقف أمامهم وقال بتلعثم وهو يلتقط أنفاسه:
- أثير فين وجرالها إيه؟
نظروا جميعاً لبعضهم ثم له، فقال "إلياس" بهدوء شديد:
- ادخلها.
نظر لهم بإحراج ثم دلف إلى الغرفة بتهكم وهو يخشى من مواجهتها، لكن قلبه يكاد يقتله القلق عليها ولم يهدأ إلا برؤيتها.
كانت تجلس على السرير هادئة كعادتها، تنظر للمرضى الآخرين بشفقة وخوف من وجودها مع أشخاص أغراب. توقف أمام سريرها، اتسعت عيناها بدهشة من وجوده وأدارت رأسها للجهة الأخرى تنفر منه بغضب يحتوي قلبها منه ومن تنازله عنها، رغم تسارع قلبها له الذي يزيد كل مرة تراه بها أكثر من السابقة. تعلم بأنها تحبه وتعشق عصبيته الزائدة ورجولتها الخشنة، تعشقه بعيوبه كما هو، ولكن هذا القلب العاشق غاضب وخائب الأمل بحبيبه ولا يستطيع فعل شيء معه أو معاقبته، فحين تعاقبه بالخصام والفراق تعاقب قلبها معه. جذب الكرسي وأغلق الستارة على سريرها ليتحدث معها وحدهم بعيداً عن أنظار المرضى وأهلهم. جلس بجوارها وتأملها وهي ترتدي حجابها البسيط، يبدو أن أمها من وضعته، فنصف شعرها يظهر من المقدمة والجانب. وعيناها العسليتان يسكنهما حزن كبير ممزوج بنظرة حنين له واشتياق تخبره بما يخشى لسانها قوله. أردف بحنان وهو ينظر ليدها اليسرى والكانولا الطبية معلقة بها بالمحلول قائلاً:
- ألف سلامة عليكي.
رمقته بنظرة غضب وقالت بتمرد بوجه عابث:
- الله يسلمك، مع السلامة وريني عرض كتافك. أنت إيه اللي جابك؟ حاجة عجيبة والله.
هتف بخفوت وهو ينظر لها بحزن شديد يسكن ملامحه بوضوح قائلاً:
- جت عشان أطمن عليكي. إيه مش من حقي أطمن عليكي بعد ما عرفت إنك في المستشفى وأنا متأكد إنه بسببي.
قهقهت ضاحكة بسخرية وقالت باستهزاء من حديثه:
- تطمن؟ لا والله كتر خيرك. ومين قالك إنه بسببك؟ ده آخر حاجة ممكن أعملها إني أزعل على إنسان أنا نفسي مش فارقة معاه. قال بسببك قال.
وأدارت رأسها للجهة الأخرى وشعرت بدمعة تجمعت في جفن عينيها. وضع سبابته أسفل ذقنها وجعلها تنظر له. أشاحت نظرها بعيداً عنه وهو يمسك رأسها فسقطت دمعتها رغماً عنها.
هتف بألم يعتصر قلبه من رؤية دموعها تنهمر بسببه قائلاً:
- أنا دلوقتي اتأكدت إني مستاهلكيش فعلاً. لما دموعك تنزل بسببي وتدخلي المستشفى بسببي يبقى مستاهلكيش يا أثير ولا أستاهل قلبك وتبقي كتير عليا.
تألم قلبها من حديثه وهو يثبت لها أنه تنازل عنها مجدداً. فلعنت قلبها على عشقه لهذا القاسي وعديم الرحمة بها وبقلبها. فصرخت به بانفعال وهي تبعد يده عنها بقوة قائلة:
- أنت فعلاً متستاهلنيش. الراجل اللي يتنازل عني وميحاربش عشاني يبقى ميستاهلش ضفر مني. الراجل اللي يخاف يواجه أبوه ويقنعه إنه عايزني يبقى أنا خسارة فيه. الراجل اللي يقبل الهزيمة من قبل ما يحاول يبقى مليزمنيش. صدقني إنك حتى لو دخلت بيتي وطلبتني أنت وأبوك وكل عيلتك ولو وقفت على رأسك مش هتجوزك ولا عايزك.
كانت تتحدث ودموعها تنهمر في تزايد مستمر وكلماتها متقطعة بسبب شهقاتها التي تدل على ألمها رغم رفضها له. سقط حجابها على كتفها من شدة انتفاضة جسدها أثناء حديثها. اقترب منها بحنان ومسك حجابها ولفه لها مجدداً، يخشى أن يرى شعرها مادامت ليست حلاله ويحق له رؤيته. رفعت نظرها له باكية بشدة وترتجف بين ذراعيه بذهول من فعلته وبرود أعصابه وهي ترفضه مدى حياتها. نظر لعيناها يحتضنهما بعينيه بدفء مادام لم يستطع ضمها هي إلى صدره ليطمئنها، ثم هتف بلهجة دافئة مليئة بمشاعره الذي لم يعترف بها ويده تربت على رأسها فوق حجابها قائلاً:
- أنا متنازلتش عنك يا أثير، أنا سحبت طلبي عشان أنتي جوهرة غالية لازم تتصان، عشان أنتي ست البنات كلها وزيك زيهم وأكثر شويتين، مينفعش يبقى عندي أهل وأب وعم وخالين وأجي أطلبك لوحدي، لازم أخليك زي كل البنات، أدخل بيتك مع رجالة العيلة كلها أطلبك من أبوكي ولي أمرك ورجلُك الأول. سحبت طلبتي عشان عم حبيب هو رجلك الأول، مينفعش يبقى عايش وفي نفس الوقت أروح أطلبك من أخوكي وفي بيته عشان أبويا مش عايز أبوكي. عشان أنتي بنته الوحيدة وأكيد زي كل أب مستني اللحظة اللي يحط إيده في إيد عريسك ويكتب كتابك ويسلمك بإيده له ويوصيه عليكي، مينفعش أحرمه من كل اللحظات دي اللي مش هتتكرر عشان أرضي أبويا. سحبت طلبتي عشان غلطت لما طلبتك من عمته، كان لازم أطلبك من راجل. أنا متنازلتش عنك وعمري ما هتتنازل عنك مهما حصل. أنا بعدك عن الضغط بتاع أبويا ومعارضته لحد ما أحل مشاكلي معاه وأجيلك بيتك زي كل البنات وأقعد أنا وأبويا والرجال كلها وتتشرطي أنتِ زي كل العرايس وزيادة كمان ومأقللش من عم حبيب وكرامته كرجل ولا كأب، لأن ببساطة بنته جوهرة صعب تلاقي زيها مش رخيصة ولا بايرة ولا حتى فيها عيب عشان أدخل أطلبها لوحدي ولا حتى أجبره على الموافقة على أي حاجة بابا هيقولها عشان الخلاف اللي بينهم وعشان ميزعلش بنته ولا يزعلني يجي على نفسه. ومش عايز يجي يوم وأبويا يخيرك بيني وبين زيارة أهلك عشان الخلاف اللي بينهم، عايزك تعيشي في بيتي رأسك مرفوعة متنحنيش أبداً عشان أنا هاخدك رأسك مرفوعة من بيت أهلك. يا أثير أنا ببساطة بحل مشاكلي الأول وجايلك جايلك. أنا متنازلتش عنك عشان تدخلي المستشفى بسببي، أنا كل اللي عملته إني لقيتك نجمة في السماء مش أي حد يوصلها وعشان أوصلها لازم أكون قدها بجد وأستاهلها وعشان أستاهلها لازم أحارب عشانها من غير ما أدخلها في حربي، عمرك شفتي ملك يدخل حرب ويأخذ ملكته معاه عشان تتصاب؟ لا بتقعد في قصرها معززة مكرمة. أوعي في يوم تقولي إني اتنزلت عنك، أنا عندي 31 سنة وعمري ما عوزت حاجة قد ما أنا عايزك وعمري ما دخلت حياتي كلها ست تحت أي مسمى ولا حتى صديقة لحد ما قابلتك بعد ما كبرتي بقيت هتجنن عليكي ومش عايز غيرك واكتفيت بيكي من عالم الستات كلها، لا من العالم كله رجال وستات. أوعي تمرضي ولا تتعبي تاني، أوعي تأذي نفسك بأي طريقة لأنك بقيتي حلمي الوحيد اللي يارب أطلع قدُه وربنا يقدرني وأحققه.
كانت تستمع لحديثه بذهول، مع كل كلمة صغيرة يتفوه بها ينبض قلبها بقوة وجنون له، شعرت برغبة شديدة في عناقه وهو يتحدث عنها هكذا وعن رغبته بها وكيف جعلها ملكة في حرب ونجمة تلمع بالسماء وجوهرة لؤلؤ غالية ونادرة. توقفت عيناها عن البكاء وشعرت بأنها لم تستطع البقاء في هذا السرير أكثر ولا تريد الدواء، فهو أعطاها ما يكفي لشفائها وتلاشت جروح قلبها وبكائه بحديثه وأصبح قلبها وكأنه جديد لم يجرح يوم ولم يشوهه شيء، نقي بهذا الحديث وحبه العاذب بداخلها ومشاعره المقدسة التي تبث منه مع كل حرف يتفوه به. ابتسمت له كالبلهاء وهي ترفع رأسها للأعلى له وهو يقف ومازالت يديه على رأسها وينظر للأسفل لها بدفء وعيناه تخبرها بفيضان من العشق يسكن بداخله لها وحدها، صدق حقاً حينها قال بأنه اكتفى بها وحدها.
تمتمت له ببراءة مبتسمة له بسعادة تراقص قلبها الصغير:
- قول والله.
انحنى قليلاً حتى أصبحت رأسه مقابل رأسها وهتف بخفوت يهمس لها وحدها، يخشى أن يسمعه أحد آخر غيرها قائلاً:
- والله.
عضت شفتيها السفلى بخجل شديد من قربه هكذا منها وأنفاسهم تختلط مع بعضهم البعض بسبب قربه هكذا وتوردت خدودها بلون الأحمر من شدة خجلها. مظهرها الطفولي وهي تداعب شفتيها الصغيرتين بأسنانها خجلة منه وحده كفيل بأن يجعله يضحك عليها، فهتف بثقة يغازلها بحب قائلاً:
- أهو أنا مجبنيش للأرض ولبسني في قلبك ودبسني فيك غير الفراولة دي وكسوفك اللي عمري ما شوفته غير فيكي.
أشاحت نظرها عنه للأسفل بخجل أكثر من غزله بها وهتف بخفوت شديد وصوت مبحوح من خجلها قائلة:
- بس لو سمحت عشان بتكسف.
فزاد احمرار وجهها أكثر، فضحك بخفوت عليها وقال بهيام:
- أحلى كسوف وأطعم فراولة، وبطلي كسوف عشان لو احمرتي أكتر من كده هرتكب جريمة وأتسجن بسببك. ده لو طلعت من تحت إيد أخوكي وأبوكي فيا نفس وموتتنيش.
رفعت نظرها له بحزن شديد وقالت باندفاع خوفاً عليه:
- بعد الشر عليك.
ابتسم لها ثم ابتعد عنها وعاد لكرسيه بجوار السرير، فهتف بقلق عليها قائلاً:
- أوعي تفكري بغباء تاني وتمرضي وتدخلي المستشفى وتتعبي تاني، متقلقنيش أكتر عليكي وتزودي همي، لأن لو جرالك حاجة هقع ومش هقدر أقف تاني. أنا بستقوى بيكي يا أثير.
أشارت إليه مبتسمة بالموافقة. سألها بجدية يريد أن يطمئن قلبه عليها وهو ينحني للأمام ويضع ذراعيه على ركبتيه قائلاً:
- أنتي هتستنيني مش كده؟ مش هترفضني لما أجيلك زي ما قولتي صح؟
ابتسمت كالبلهاء ونبض قلبها بهوس له وقالت بخفوت وخجل يستحوذ عليها قائلة:
- اممم هستناك.
ابتسم لها بحب ودلفت "جميلة" إلى الغرفة مع الجميع وفتحوا الستائر. استغربوا بسمتها المرسومة على شفتيها ببهجة مشرقة وعلموا جميعاً بأنها تصالحت معه ورضاها حبيبها. جلسوا معها قليلاً واستأذنوا جميعاً وتركوا أمها معها. ذهب "حبيب" للبيت و"إلياس" مع "دموع" إلى بيته. أما "علي" ذهب بغضب مكتوم بداخله بعد دخول حبيبته إلى المستشفى بسببه إلى منزل خاله الكبير "حمدي" عمره في منتصف السبعينات ليتحدث معه في موضوع زواجه منها لكي يقنع والده ويقف في صفه من أجل حبه.
استعدت "كارما" للذهاب معه إلى الشركة وهي تشعر بشيء غريب به منذ الصباح وهو يجري العديد من الاتصالات والمكالمات بتوتر ملحوظ، وكلما اقتربت منه يتوقف عن الحديث، بالفعل هناك شيء يخفيه عنها. ذهبت للشركة وشعرت بشيء أغرب، وكأن الجميع على علم بمجيئها اليوم، جهزوا لها عصير مع قهوته وثرثرة الكثير من الموظفين من حولها عليها. نظرت له باشمئزاز وقد تأكدت من كل كلمة بالمقال، بالتأكيد أخفى كل شيء يتعلق بفساده قبل مجيئها باتصالاته الكثيرة صباحاً. تنهدت بزفر وضيق وعلمت بأنها لم تجد شيئاً اليوم ولن تصل لشيء.
وصل "إلياس" صباحاً على القسم وترجل من سيارته. رأى سيارة المساجين تقف أمام باب القسم و"سيد" يركب بها مع "رامي" يتذكر حديثها أمس معه.
وقف "إلياس" أمام المرآة يخلع قميصه بتعب بعد عمل شاق في القسم طوال اليوم ومشوار المستشفى. سمع طرقات خفيفة على باب غرفتها. ارتدى تيشرته بسرعة وفتح الباب. رآها تقف أمامه وترتدي بيجامة بيتية لونها سماوي، شورت قطن يصل لركبتها واسع وبيجامة قطن مغلقة الصدر واسعة وتستدل شعرها الكاستاني الناعم على ظهرها وكتفها الأيمن وخلف أذنها اليسرى وتمسك بيدها دمية متوسطة الحجم. سألها بهدوء وهو يتأمل بساطتها وطفولتها:
- ما نمتيش ليه؟ مش عندك مدرسة بكرة؟
أردفت بخفوت وتردد ملحوظ على ملامحها قائلة:
- عمة ممكن أقولك على حاجة؟ متستناش عشان تخلي بالك من نفسك.
عقد حاجبيه باستغراب شديد من حديثها وقال بإيجاز:
- ماشي تعالي.
وأخذها للخارج وجلسوا في الصالون معاً. قصت عليه حديث "سيد" معها وتهديده وهكذا المكالمة الهاتفية من المجهول وطلب قتله. وقالت بخوف عليه وهي تمسك يده برفق:
- عمة متخرجش لوحدك لحد ما تقبض على المجرم ده، اسأل سيد عليه وهو هيقولك عليه، هو عارفه كويس.
ابتسم لها لكي يخفي خوفها ويطمئنها ثم قال بحنان وهو يربت على يدها ليزيل الخوف من قلبها:
- متخافيش عليا، ثم أنا ضابط ورجل وأعرف أدفع عن نفسي كويس. وطالما طلب منك يبقى هو خايف يقابلني وجبان صح؟
أشارت إليه بنعم، فأبتسم لها وهو يفكر بما لا تفكر به هي وعقلها الصغير، وهو أن "سيد" على علم برجل كبير يحركه وطالما قبض عليه فهناك حلان لا ثالث لهم، إما سيحاول قتل "سيد" قبل أن ينطق بشيء يضره أو سيحاول تهريبه من الحكومة.
ركب سيارته مجدداً وهو يرى "علي" يركب في المقدمة وقاد خلف سيارة المساجين عن بعد ليراقب جيداً الطريق حتى يصل للنيابة. وحدث ما توقعه، ظهرت سيارتان، إحداهما أمام سيارة الشرطة تعيق طريقها والأخرى في الخلف وحدث تبادل طلقات نارية بين الشرطة والرجال الملثمين. أخرج "إلياس" مسدسه واستعد وأطلق طلقاته مع الشرطة من الخلف، فهرب الرجال بسيارتهم بعد قتل العديد منهم بطلقات "علي" و"إلياس" والعساكر وإصابة أحدهم وقتل الآخر. ذهب "إلياس" إليهم.
خرج "جلال" من غرفته وهو يتكئ على عكازه وقال بتهكم:
- أزيك يا حمدي؟
ابتسم "حمدي" ووقف يصافحه ثم قال بهدوء ما قبل العاصفة:
- مالك يا جلال؟ مزعل على ابنك ليه؟ هو ده ابنك اللي مراتك وصيتك عليه؟ بقى البنت اللي يختارها تقوله لا وتحلف ما تجوزها له وتكسر بخاطره كده وفرحة قلبه تكسرها؟
تنهد "جلال" بضجر وقال بضيق:
- يعني هو جالك يتشكى لك مني؟ ابن الـ...
بتر حديثه "حمدي" بانفعال بحديثه:
- ما تكبر لحد يا خي، فيها إيه لما يشتكيلى منك؟ ما الخال والد برضو، وأنت كسرتله فرحته وصغرته قدام إختك وجوزها وقدام البت اللي بيحبها. هان عليك يا جلال تكسر ابنك كده وهو طول عمره رافع راسك وسط الناس والكل بيحسدك عليه وعلى أخلاقه؟ ابنك الوحيد تعمل فيه كده؟ يعني هو يخاف عليك من الزعل وعلى صحتك وأنت متخافش عليه أبداً؟ ده يصح ياراجل يا عاقل؟
زفر "جلال" بغضب وقال باستياء ورفض بإصرار شديد:
- برضو مش هجوزه بنت الراجل ده ولا هحط إيدي في إيده.
صرخ به "حمدي" منفعل يهدده بحديثه:
- ماله الراجل ده؟ لواء سابق في الداخلية وأخوها رائد قد الدنيا وأمها مديرة مدرسة، وقبل كل ده أختك يعني عيلة ترفع راسك وسط الخلق كلها، وبعدين متقولش بنت الراجل ده، دي بنت أختك والبت ما شاء الله عليها ربنا يحميها زي الفل ومحترمة وأنا سألت عليها قبل ما أجلك. رافض ليه؟ عشان الخلاف التافه اللي بينك وبين أبوها؟ خلاص هو بلغ عنك وانت شيلت القضية لواحد تاني، هي الآية معكوسة ولا إيه؟ بدل ما اللواء اللي يقول مش هناسب تاجر مخدرات أنت اللي تقول لأ؟ اسمع لما أقولك، أنا مش هلقى عروسة زي دي لابن إختي، يا توافق وترفع راس ابنك قدام الناس وتروح تخطبهاله بنفسك، يا أما هاخده أنا غصب عنك وعنه وهخطبهاله.
- طب أبقى أعملها أنت وهو وأنا يبقى ابني مات، وقبل ما ترجعوا من عندهم هكون خدت عزاءه وقطعت علاقتي بيك ومدخلكش بيت تاني طول ما أنا عايش.
قالها "جلال" بانفعال وهو يصرخ به ويقف.
وقف "حمدي" معه وقال بتفاهم وهدوء:
- يا جلال أنت مش باقيلك كتير والدكاترة كل شوية يقلقونا عليك، متقفش قصاد ابنك وتكسر قلبه، الواد بيحبها، جوزه اللي بيحبها عشان تصونه وتسعده عشان لو جرالك حاجة تبقى مطمن عليه وعلى سعادته وإن في حد ساندُه وواقف جنبه. أنا راجل كبير وكل يوم عند دكتور شكل ومعنديش عيال، وعلي هو ابني اللي مخلفتهوش ومش هاين عليه كسرت قلبه وحزنه اللي باين في عينيه وهو باقي وخايف عليك وجاي على قلبه. أنت نفسك مش نفسك تشوف عياله قبل ما تموت ويجرى حواليك ويقولولك يا جدو ويلعبوا معاك ولا إيه؟
صرخ "جلال" بانفعال شديد وهو يتجه لغرفته:
- برضو لأ، لو عياله هيكونوا من البت دي يبقى مش عايزهم. ومع السلامة عشان عايز أنام.
خرج "حمدي" من الشقة خائب الأمل واتصل بـ "علي" يخبره برفض والده الشديد وتمسكه برأيه.
خرجت "نارين" من غرفتها بسرعة وهبطت للأسفل. أوقفتها "فريدة" بحديثها قائلة:
- راح فين؟
هتفت "نارين" وهي تتجه للباب بغضب وعيناها تشع نار قائلة:
- راحة أنتقم من بنت الكلب دي اللي وديت جوزي في داهية.
تــــــــــااابــــع .. توقعاتكم 👇
• علي هيقدر يحارب عشانها؟
• نارين ناوية على إيه؟
• كارما هتقبل بالوضع ده ولا هتكشف الحقيقة؟
• جلال هيفضل معارض الجوازة لحد امتى؟
• إلياس هيوصل للرجل الكبير؟
• سيد هينطق لإلياس؟
• أثير سعادتها هتدوم بحديث علي؟
• معتصم هيخاف يقرب من دموع عشان بنته ولا هينتقم من تهديد إلياس؟
رواية راقصة الحانة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم نور زيزو
مسكتها "فريدة" من يدها وقالت بتهديد:
- خدي هنا أنتي راحة فين أنتي ناسيه أنها عايشة مع الضابط يعني قبل ما توصلي ليها هيوصلك هو للسجن أقعدي وفكري صح بتخطيط.
جلست "نارين" بتهكم واقتناع بحديثها وهي تتواعد بالكثير لها.
جهزت "دموع" العشاء بعد أن أنهت دراستها ومذاكرتها وجلست تنتظره في الصالون. مرت ساعة واثنتين ولم يعد حتى غفت في نومها على الأريكة وهي جالسة. دلف من باب شقته في تمام الساعة الثانية بعد منتصف الليل، رأى الأضواء مشتعلة وهي نائمة على الأريكة وترتدي جلابية بيتي قصيرة تصل لركبتها وشعرها حر طليق على ظهرها يزيد من جمالها الطفولي. وضع هاتفه والمفاتيح ومسدسه على الطاولة وأقترب بخفوت شديد منه تأملها بحب وشوق وجلس بجوارها وهو يداعب خصلات شعرها بحنان ويبعدها عن وجهها ليراه بوضوح ويتأمله حتى يكتفي منها فهو لم يراها منذ يومين بسبب عمله. شعرت بيديه ففتحت عيناها ببطء وفور رؤيته أمامها ابتسمت ابتسامة ساحرة له ولفت ذراعيها حول عنقه ورأسها على صدره وهتفت ببراءة وهي نائمة:
- أتاخرت ليه ياعمه.
أجابها وهو يطوقها بذراعيه ويمسح على رأسها بحنان قائلاً:
- كان عندي شغل يا دموع. أيه اللي نيمك هنا ضهرك يوجعك.
تشبثت به بقوة وقالت بخفوت شديد وهي مغمضة العيون:
- مستنياك.
حملها على ذراعيه ودلف بها إلى غرفتها. أنزلت رأسها متكئة على كتفه وهو يحملها وقالت بحب:
- عمه آنا عايزة أقعد معاك شوية بقالي كتير مشوفتكش.
أنحنى قليلاً وأنزلها على السرير برفق ثم هتف متمتماً:
- لا دلوقتي تنامي عشان مدرستك بكرة.
قوست شفتيها للأسفل بحزن عميق وقالت بضيق:
- بكرة الجمعة أجازة.
وضع الغطاء عليها ثم قال بخفوت ناظراً لعيناها:
- نامي دلوقتي وبكرة نتكلم.
وأطفأ الأضواء لها بحنان وخرج من الغرفة. تشبثت بغطائها ودبدوبها الكبير ونامت بحضنه حزينة.
في المستشفى العام كانت تجلس في الكافتيريا مع صديقها دكتور "حسن" تخصص جراحة عامة مثلها وزميلها وصديقها الوحيد في الجامعة ثم العمل.
سألها "حسن" بفضول شديد:
- وإيه اللي خليكي ترفضي عرض الجواز من دكتور مدحت مادام سبتي القاهرة كلها باللي فيها ولا في أمل ترجعي لإلياس.
نظرت للأرض بحزن وانهمرت دموعها مع ذكر اسمه وهتفت بخفوت شديد:
- عمه قصدي إلياس مات أتقتل.
صعق من جملتها وقال بصدمة ألجمته:
- مات هم اللي قتلوه أكيد صح.
أجابته وهي تمسح دموعها بيدها الصغيرة قائلة بوجع شديد وكأنها فارقته أمس وليس من 8 سنوات:
- اه معتصم قتله بعد ما عرف اتفاقه مع كارما عشان يقبض عليه.
سألها مجدداً بشفقة على حالها:
- ازاي.
أخذت قهوتها ووقفت متجاهلة سؤاله وذهبت إلى غرفتها تغير ملابسها وتستعد لبدء جراحة لأحد المرضى وعقلها شارد بالماضي يتذكره بالتفاصيل وكأنه كان أمس.
استيقظت "دموع" صباحاً ووجدت يجهز الفطار. ركضت نحوه بسعادة وسألته بسعادة:
- أنت معندكش شغل النهاردة صح.
أشار إليها بنعم ثم قال بلطف وهو يقرص خدها:
- روحي خدي دوشك على ما أخلص الفطار وبسرعة.
ابتسمت وركضت إلى الحمام بسعادة جنونية. لم يتمالك نفسه أكثر وأبتسم عليها وأكمل ما يفعل.
ظل "جلال" طول الأيام التي تمر يفكر بحديث "حمدي" معه ومحاولاته الكثيرة بإقناعه بالزواج فقد لعب على أوتار قلبه فهو مشتاق ليرى أحفاده قبل وفاته وخصوصاً بعد أن أخبره طبيبه بأن قلبه لن يصمد أكثر فقد تلف بأكمله. أخرج هاتفه واتصل بـ "حمدي" يخبره بأنه يريد مقابلته ثم أغلق الخط بدون توضيح عن السبب.
جمعت "كارما" شجاعتها وبدأت تبحث في أمر الشركة. دلفت "فاطمة" إلى المكتب ورأتها تعمل بجهد فأردفت وهي تجلس على مكتبها:
- مش قولتلك سيبلي أنا الموضوع ده. أنتي بتنعكشي وراء جوزك.
أجابتها وهي تبحث على اللاب قائلة:
- ماهو عشان جوزي أنا اللي بدور معتصم مهما غضب وأتعصب عمره ما هيأذيني كبيرة يتخانق ويحرق الورق اللي معايا وخلاص.
أردفت "فاطمة" بخوف من حديثها قائلة:
- لا دوري براحتك أنتي حرة مع جوزك ياختي.
أكملت "كارما" ما تفعله بثقة وهي رسمت خطتها بأن تعلم الجميع أمر فساده ثم تطلب الطلاق منه ولن تبقي معه يوم واحد بعدها.
خرجت من غرفتها ترتدي بنطلون جينز مقطع من الركبة وتيشرت بنص كم تدخله في البنطلون واسع وشعرها مسدول على ظهرها. وقف يتأملها وقلبه ينبض بجنون لها وعيناه تأبي البعد عنها. أقتربت منه بخجل وقالت بطفولية:
- عمه آنا خلصت.
أقترب أكثر منها فأزدردت ريقها بصعوبة وهي تنظر لعيناه مباشرة وهمس لها بخفوت قائلاً:
- أنا ينفع أعمل حاجة وأتعاقب عليها بعدين.
رفعت كتفها للأعلى بأستغراب وقالت ببراءة:
- معرفش حاجة إيه طيب.
بتر الحديث من فمها بسرعة وهو يخرج للخارج وينفي من رأسه فكرة لمسها قبل الزواج رغم رغبته الشديدة بتذوق شفتيها الصغرى وتلذذهما. خرجت خلفه بسعادة وحماس لذهابها للملاهي لأول مرة في حياتها.
أخذها وذهبوا للملاهي وهو يمسكها من يدها، يخشي أن يفقدها وسط الزحام، ولعب معها جميع الألعاب.
كتم ضحكاته حين انفجرت باكية بسبب رغبتها بأحد الألعاب ولكنها قصيرة عن الطول المحدد.
مسح لها دموعها وأخذها وذهبوا إلى رجل النشال.
ابتسمت بسعادة وهي تشير على دمية جميلة ترغب بها، وتعلم بأنه سيحضرها من أول محاولة، فهو ضابط ويعلم النشال جيدًا.
وبالفعل أصاب الهدف وأحضر لها الدمية واشترى لها آيس كريم.
توقف أمام أحد الألعاب ومسكت يده تترجاه قائلة:
- نركب دي ياعمه بليز، وحياتي.
أشار إليها بلا وقال بحزم وخوف عليها:
- لا يعني لا، خطر وممكن تقعي منها.
ثم أخذها من يدها وذهبوا إلى مطعم وطلب الطعام لهما، وهي تخاصمه.
ابتسم عليها وهي صامتة ومتكئة على كرسيها وتتحاشى النظر له.
جاء الطعام ولم تقترب لتأكل.
قطع شرائح اللحم في طبقه بالكامل، ثم وضعه أمامها وأخذ طبقها.
قال وهو يقطع طعامه دون أن ينظر لها:
- كلي عشان كده هنتاخر على السينما.
أعدلت في جلستها بسعادة وذهول تسأله بفرحة وقد نسيت خلافهما:
- بجد هنروح سينما؟
انفجر ضاحكًا على طفلته التي تغضب من أقل الأشياء وتسعد من أبسطها، وقال وهو يأكل متمتمًا:
- آه، بس تأكلي. لو مأكلتيش مش هنروح.
مسكت شوكتها وبدأت تأكل بسعادة واستعجال.
انفجر ضاحكًا عليها وهو يأكل.
أنهوا طعامهم وذهبوا إلى السينما ودخلوا فيلم رومانسي.
جلسوا متشابكين الأيدي ويده الأخرى حول أكتافها.
همست له بخفوت شديد هامسة له بدفء:
- عمه أنا بحبك.
أشاح بنظره عن الشاشة بصدمة بعد تسارع قلبه المجنون بها، ثم نظر لها وعيناها تحتضنه بقوة وتخبره بأن لا يتركها وحدها أبدًا.
فهتف بهمس لها شديد:
- وأنا بحبك وبعشقك يادموع.
غمرت له بسعادة وقالت وهي تضع يدها على فمها وتهمس له:
- طب ينفع أعمل أنا حاجة وأتعاقب عليها بعدين؟
نظر لها بصدمة وفهم قصدها، فهتف بحزم صارم قائلاً:
- أياكي تعملي حاجة، استني لما نتجوز وأعملي براحتك.
ضحك له ببراءة واستدارت له وهي في كرسيها وتثبتت بقميصه من صدره وجذبته نحوها وهتفت بهمس شديد:
- بوسة واحدة بس، واحدة بس.
أبعد يدها عنه وخرج من السينما، فخرجت خلفه.
يعلم بأنها إذا فعلت لن يستطيع منعه نفسه عنها، وكبت رغبته بها، فهو يقاومها بقدر الإمكان رغمًا عنه.
خرجت خلفه ركضًا تصرخ بصوت عالي:
- واحدة بس والله ياعمه، ياعمه واحدة بس.
نظر للخلف عليها بصدمة والجميع ينظر عليها باستغراب.
وصلت أمامه وهي تصرخ به وتترجاه قائلة:
- واحدة بس، واحدة...
وضع يده على فمها بغضب من تصرفها ونظرات الجميع عليهم، وأخذها للسيارة، أدخلها وأغلق الباب.
ركبت بجوارها وهي تمسك بساعده وتقول ببراءة وهي ترمش له بعينيها:
- واحدة بس والله.
- اسكتي يا دموع، الناس بتتفرج علينا بسببك.
قالها بجدية وقاد سيارته مسرعًا.
نزعت عن رأسها الطقية الطبية وهي تخرج من غرفة العمليات.
ثم دلفت "دموع" إلى غرفتها بالمستشفى ترتدي زي الجراحة بتهكم وإرهاق بعد أن أنهت جراحتها بنجاح.
جلست على مكتبها وتسند رأسها على ظهر كرسيها بإرهاق، ثم تتنهدت بقوة تستعد لفحص مريض جديد.
اقترب من المكتب ووقع نظرها على صورته معها حين كانت صغيرة.
فتحت درج مكتبها وأخرجت منه ورقة، فتحتها ثم تأملتها بقلب مجروح، وهي ورقة حياتها وقلبها الذي توفي حين وصل خبر وفاته منذ 8 سنوات.
عقد زواجها العرفي به، ولم تكن تعلم بأنها توقع على شهادة وفاته، فقد توفي بنفس اليوم وأصبحت أرملة له عمرها 17 عامًا.
اعتقدت بأنها تمضي على بداية حياتها الوردية معه، حياة مليئة بمئات تشابك الأيدي وآلاف الأحضان وملايين القبلات والهمسات، وطوال عمرها بحبهما المقدس بمشاعره الصادقة.
لم تكن تعلم بأن حياتها ليست سوى حلم انقلب لكابوس بموته حين تركها هو وخلف كل وعوده معها ولم يفي بأي وعد لها، ولكنه وفي بوعد لم يقطعه لها، فقد وفي بوعد رحيله وتركها وحيدة رغم علمه بأنها لا تملك سواه ولا تعشق غيره.
كبرت وكبر حبه بداخلها بعد أن حصلت على لقب أرملة له، لم تكمل السن القانوني بعد.
أما الآن كبرت أرملة له بعد أن حققت وعدها له وحلمها وأصبحت جراحة ماهرة.
انهمرت دموعها على وجنتها وهي تقرأ اسمه على عقد الزواج العرفي "إلياس".
كم اشتاقت له بجنون وتمنت أن تنطق اسمه من بين شفتيها ويسمعه، لكنها الآن تنطقه بين صدرها لا يسمعه سوى قلب أنهكه الألم ووجع الفراق حتى قتل بداخل ضلوعها.
مسحت دموعها بسرعة حين فتح الباب ودلفت ممرضة لها تقول:
- يا دكتورة المريض اللي في أوضة 330 فقد الوعي.
خرجت مسرعة وهي تجذب البالطو الأبيض بيدها، تاركة خلفها عقد الزواج مع صورته وماضيها يطاردها كشبح ظلها الأليم وبكاءها المستمر، فحتى الآن لم تنال منه تلك القبلة التي صرخت بالشارع طالبة بها وعده بأنه سيتركها تفعل ما تريد بعد زواجهما، ولكنه ذهب وتركها وحيدة هنا.
نزل "علي" من سيارته مسرعًا بعد حديث "حمدي" له وصعد إلى شقة والده وفتحت له الخادمة.
دلف كالمجنون بسعادة ويقول:
- بابا.
أردف "جلال" باشمئزاز وهو يدير رأسه قائلاً:
- شايف جه يجري إزاي أسرع ما بيجي لما بقوله تعبان.
جلس "علي" بجواره وقبل رأسه بسعادة وقال:
- أخس عليك ده أنت الأصل.
أبعده "جلال" عنه وقال بانفعال شديد:
- أصل في عينيك، يكون في علمك أنه مش موافق على الجوازة دي وهجوزك غصب عني بس عشان الحق أشوف ولادك قبل ما أموت، ومادام أنت مش عايز تجوز غيرها أشبع بيها.
كاد "علي" أن يتحدث ولكنه قطعه "حمدي" وهو ينخزه في ذراعيه لكي يصمت ويقول:
- هنروح نخطبها امتى؟
أجابهما "جلال" بغضب وهو يزفر قائلاً:
- بكرة نتنيل ونروح.
ضحك "علي" بسعادة وقبل يده ورأسه وركض خارجًا لكي يتصل بـ "حبيب" ويخبره بذهابهم لكي تفرح حبيبته وتستعد ليومهم المنتظر.
دلف إلى شقته وهي خلفه تصرخ طالبة بتلك القبلة قائلة:
- واحدة بس والله ياعمه، بوسة واحدة بس.
دلف إلى غرفته متجاهلاً وأغلق الباب في وجهها، يبدو وأنها جنت على الآخر.
وقف خلف الباب يهدي من روعه ويسيطر على قلبه وهو على وشك إطاعتها ولكنه لن يكتفي بقبلة واحدة فقط مثلها.
ضربات قلبه تتزايد وهي تصرخ به بغضب من الخارج وتدق الباب طالبة بقبلة ببساطة وكأنها تطلب منه مصروف مدرستها.
جرحت "دموع" يدها بالمقص وهي تقص الشاش الطبي وشاردة في ماضيها كعادتها التي اعتادت عليها منذ سنوات كثير وتخشى هذه العادة بجنون، فإذا شردت هكذا بغرفة العمليات ستنتهي بقتل مريض بسبب شرودها.
اقترب "حسن" منها بهلع ومسك من يدها الشاش وحاول إيقاف النزيف وطهره لها وقال بغضب وانفعال:
- ينفع كده؟ مش قلتلك بطلي تفكير في الشغل بتأذي نفسك، بس اسمعي الكلام وروحي لدكتور نفسي يعالجلك الموضوع ده قبل ما يوصل معاكي لقتل مريض وأذيت نفسك.
جذبت يدها من يده وقال بحزم وتحدي:
- أنا مش مجنونة عشان أروح لدكتور نفسي يا دكتور حسن.
صرخ بها بغضب شديد وصوت مرتفع:
- مجنونة يا دموع، مجنونة بتحبي واحد ميت.
دمعت عيناها بألم من جملته وهو ينطقها باستخفاف واستهزاء لمشاعرها.
تركته وذهبت إلى غرفتها باكية وتعتب الجميع، فلم يفهم أحد مشاعرها.
أحبته كأب وحبيب وعائلة لا تملك سواه، أبقت معه تحت سقف واحد يراعيها ويحميها.
أدخلها المدرسة وبفضله وصلت للجامعة وأصبحت جراحة ماهرة.
كيف أن تنساه هو أول شخص في حياتها وأول حبيب تعشقه وأول شخص مسك يدها وقبل جبينها وأول من أهداها وردة وهدية، هو أول كل شيء في حياتها.
كيف أن تخرجه من بالها وهو حياتها وروحها.
جهشت في البكاء وتلعن قدرها السيء الذي أبعده عنها بتلك الطريقة البشعة.
جلست في الفصل تنتظر مجيء "حنين" صديقتها الوحيدة في المدرسة ولم تأتِ مثل أمس وقبله. بدأت يومها الدراسي بملل حتى قطعها دخول "إلياس".
صُدمت بدهشة من وجوده. طلب الإذن لأخذها وخرج.
سألته بفضول:
- أنت جيت ليه؟
أجابها وهو ينزل الدرج يحمل شنطتها المدرسية:
- عشان آخدك تروحي تساعدي أثير وتجهزي قبل ما الناس تيجي.
عقدت ذراعيها بتمرد وقالت بأستياء:
- آه عشان أثير طيب.
ضربها على رأسها بخفة. فزفرت بتنهيدة قوية وهي تحدق به غاضبة.
وصل "علي" مع والده و"حمدي". يبدو الأستياء على "جلال" ولكنه "حبيب" تغاضى عن الأمر.
نكزته أبنه في ذراعه فتنّهد بقوة ونظر لـ "حبيب" وقال:
- أنا يسعدني ويشرفني أطلب أيد آنسة أثير بنتك لابني علي.
ابتسم "حبيب" بسعادة وقال بتكلف:
- الشرف ليا والله. أنا عمري ما هألاقي عريس لبنتي أحسن من علي.
أجابه "جلال" بضيق منفعل قليلا:
- طبعًا عمرك ما هتلاقي زيه.
نكزته "علي" في ذراعه وهو يقول بأحراج:
- بابا.
هتف "حمدي" بهدوء لتلطيف الجو بينهما قائلا:
- أمال عروستنا فين؟
أجابه "إلياس" وهو يكتم ضحكاته على موقف صديقه، وهو يكاد ينفجر غضبًا من حديث والده، قائلا:
- جاية حالًا.
خرجت "أثير" مع "دموع" وهي ترتدي فستان بكم سيموني اللون وتلف حجابها وتضع ميك أب خفيف جدًا.
وقف "علي" بذهول من جمالها وترك والده يقول ما يريد.
اقترب "إلياس" منها وهي تقف بعيدًا ويتأملها وهي ترتدي فستان قصير يصل لركبتها وبكم شفاف مفتوح من الصدر لونه موف وشعرها مسدول بحرية.
وقال وهو يجز على أسنانه بغضب شديد:
- إيه اللي لابسه ده يادموع؟ أجرى استري نفسك.
أردفت بخفوت وهي تتشبث به وتقول:
- ممكن واحدة بس.
نظر لها بصدمة وقال بغضب:
- واحدة إيه وزفت إيه؟ أجرى يابت الرجالة بتتفرج عليكي.
زفرت بضيق من رفضه وقالت بتحدي:
- مش داخلة ها بقي.
وذهبت تجلس بجوار "أثير". أغلق قبضته بغضب وغيرة وهي تجلس وسط الرجال هكذا وذهب خلفها.
انفعل "علي" بحديثه قائلا:
- لا نخليها شبكة وكتب كتاب مرة واحدة.
فهم "حبيب" قصده لكي يضمن إتمام زواجهما ولا يعطي فرصة لوالده يعترض فيما بعد ووافق على طلبه.
جلسوا جميعًا يقرأوا الفاتحة وعيناها تتشبث بعيناه. فقد وفى بوعده لها بأن يأتي لبيتها بعائلته ويطلبها من والدها وفي بكل وعوده لها. فتبسمت له وهو يختلس النظر لها وهو يقرأ الفاتحة وضربات قلبه تتزايد من الفرحة غير مصدق حتى الآن بأنه سيتزوجها بموافقة والده.
دلف العسكري إلى الحجز وصُعق حين رأى "سيد" على الأرض قد قطع شرايينه. خرج بهلع وأبلغ الضابط عنه ما رآه. وجاءت سيارة إسعاف ووجوده قد فارق الحياة، منتحرًا.
ذهب "إلياس" إلى النادي وجلس على الترابيزة وقال بخفوت وهو يمسك الجريدة:
- رائد إلياس كلمت حضرتك في التليفون خليكي زي ما انتي ومتبصيش وراكي.
سمعت "كارما" جملته من خلفها ولم تستدر كما طلب وسألته:
- خير حضرتك طلبت تقابلني ليه؟
رواية راقصة الحانة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم نور زيزو
ذهب "إلياس" إلى النادي وجلس على الطاولة وقال بخفوت وهو يمسك الجريدة:
- رائد إلياس، كلمت حضرتك في التليفون، خليكي زي مانتي ومتبصيش وراكي.
سمعت "كارما" جملته من خلفها ولم تستدر كما طلب وسألته:
- خير؟ حضرتك طلبت تقابلني ليه؟
أجابها وهو يقلب في الجريدة بهدوء:
- محتاج مساعدتك عشان أقبض على جوزك. أنا مش هقولك ليه ولا هفرض عليكي تساعديني، لما أقوم خدي الجرنال من على الطاولة هتلاقي جواه تقارير أنا كاتبها عن جوزك وفساده وجرايمه، بس معيش إثبات يخليني أطلع أمر اعتقاله. وبعدها قرري هتساعديني ولا لأ.
وترك الجرنال ورحل. وقفت وهي تنادي على طفلتها الصغيرة أثناء لعبها، وأخذت الجرنال بسرية ورحلت.
خرج "إلياس" من النادي و"علي" ينتظره في سيارته. فتح باب السيارة وركب بجواره.
- أنا مش موافق ولا مقتنع باللي بتعمله ده.
قالها "علي" بتذمر وهو يشعل محرك السيارة.
تنهدت "إلياس" بهدوء ثم هتفت بلهجة جدية للتوضيح:
- ليه بقى؟ كارما بتدور وراء جوزها وبتروح تقابل أهالي الضحايا، ده دليل كافي إن عندها مبادئ ومش قابلة بفساد جوزها.
أجابه "علي" باقتناع وخوف عليه قائلاً:
- كلام منطقي. بس كارما بتدور وراء جوزها وهي متأكدة إنه مش هيأذيها لأنها أم بنته، لكن أنت لو حاسس إنك رجعت تدور وراءه تاني يبقى الله يرحمك. وبعدين مش يمكن كارما عايزة توصل لدليل عشان تواجه بس بقوة مش تنشر فساده، ولا عايزة يتقبض عليه وبكده ممكن تطلع من هنا على معتصم وتقوله كل حاجة.
أردف "إلياس" بثقة وهو يخرج هاتفه من جيبه قائلاً:
- الصحفية اللي ترفض وسائط جوزها ومكانة رئيس تحرير وتقرر تبدأ من الصفر بمجهودها زي باقي زمايلها، مستحيل تكون بتدور عشان مواجهة تافهة بينها وبين جوزها. كارما هي السلاح اللي هنقضي على معتصم بيه، فهمت؟ اقفل على الموضوع ده عشان أكلم دموع.
وضع هاتفه على أذنه واتصل بها.
- رجلي بيتصل يا دموع.
قالتها "حنين" وهي تجلس في غرفتها. خرجت من المطبخ ركضاً حين سمعت جملتها، تحمل صينية الساندوتشات والعصير، وضعتها على المكتب بسرعة، والتقطت هاتفها وأجابته:
- عمو.
أتاها صوته عبر الهاتف وهو يقول بهمس حتى لا يسمعه "علي":
- واحشتيني، بتعملي إيه؟
جلست على السرير بسعادة وقلبها ينبض باسمه وحده، وتزيد ضرباته وهي تستمع لصوته وصوت أنفاسه. ثم هتفت بخفوت وخجل قائلة:
- بذاكر مع حنين، وأنت كمان واحشتني جداً يا عمو. بقالي أسبوع مش بشوفك بسبب شغلك ومدرستي.
ابتسم ببهجة وهتف بعفوية ونبرته دافئة تحتوي قلبها بها قائلاً:
- أنا جاي كمان ساعة ونص، ساعتين، جهزي نفسك. هخرجك النهاردة مكان جديد، وألبسي تقيل، الجو بدأ يسقع.
أردفت ببراءة وهي تلعب بأصابعها في ركبتها قائلة:
- حاضر، خلي بالك من نفسك.
أجابها بخفوت شديد من وجود صديقه بجواره وهمس يلعب على أوتار قلبها الصغير ويذيبه في بحر عشقه قائلاً:
- بحبك.
- وأنا مش بحبك بس، أنا بعشقك وبتنفسك.
قالتها بدلال يفرط قلبه العاشق ويذيبه حتى يكتفي بعشقها هي وحدها فقط. نبرتها الدافئة زادت من ضربات قلبه وارتباكه وأثارت رغبته أكثر بها وبضمها. في تلك اللحظة تمنى لو كانت أمامه لكان سرق عيناها بعيناه لعالم أخري لا يرى ولا يسمع به سواها هي فقط. أغلقت الخط معه وتنهدت بارتياح وهيام شاردة بصوته وصورته في مخيلتها، وصرخت حين رأت "حنين" تجلس خلفها مباشرة. رفعت حاجبها بدهشة من صديقتها وسألتها بفضول:
- رجلي ده إلياس صح؟
ابتسمت كالبلهاء وهتفت بحب ونبرة هادئة وهي تمدد جسدها على السرير وتنظر للسقف قائلة:
- رجلي وبس. ده رجلي وولي أمري وحبيبي وحياتي وروحي وكل دنيتي. ده عمري اللي جاي وسعادتي وحلمي. عمو هو كل حاجة ليا، هو أنا اللي من غيره لا أكون.
مددت "حنين" جسدها على السرير بجوارها تنظر لصديقتها وعشقها الذي يفيض من نبرتها الحنونة وعيناها العاشقة، وسألتها بفضول:
- هو الحب بيعمل كده؟
نظرت "دموع" لها وأبتسمت بفخر بحبيبها، ثم تمتمت بسعادة تسكن عالمها الصغير بسببه هو:
- وأكتر من كده، لما يكون مشغول جداً في الشغل ويتصل يطمن عليا. ولما يقعد يأكل مع أصحابه في القسم وقبل ما يحط حاجة في بوقه يتصل يسألني أكلتي ولا لأ. ولما يتصل يهزر معايا ويضحكني قبل ما يطلع أي مهمة عشان مقلقش عليه رغم إنه مبيقوليش بس بعرف. ولما يكون راجع تعبان الفجر وهيموت ويشوفني ويمنع نفسه عشان ميدخلش أوضتي ويحرم دخولها عليه لحد ما نتجوز. لما بعد كل خناقة بينا وأنا عارفة إني غلطانة وبدلع عليه، هو اللي ينزل يشتري هدية ويصالحني. لما مرتبه يقرب يخلص قبل الشهر ويحرم نفسه من أي حاجة عشان لو أنا عايزة حاجة. لما كل وقت يكون فاضي فيه يخرجني خروجة جديدة عشان مزهقهاش من قعدة البيت. لما يمسك إيدي لحظة خوفي. لما يبوس رأسي ويحضني بعد كل لحظة رومانسية. لما أخرج أنام في الصالة ويقدر يشوفني عشان عارفة إني وحشته وهو مش هيدخل هنا. لما أدخل المطبخ أبوظ أي حاجة المهم أعمله أكل يأكله بدل أكل الشغل. لما أنفذ تعليماته بالحرف مش عشان بيتحكم فيا، لا عشان بحبه وهو بيعوضني ومش رامييني، يبقى أنا عديت معه كل مراحل الحب، وصلت لعشقه بجنونه.
ابتسمت "حنين" وقالت بهيام:
- هو الحب حلو بالشكل ده؟
قامت "دموع" من مكانها باستعجال لكي تتجهز قبل وصوله، ثم هتفت ببراءة:
- الحب حلو كده عشان العلاقة مبنية على اهتمام وتقدير، ومهما يمر ومهما انشغلنا عن بعض عمرها ما بتفقد شغفها وشوقها، ودايماً عايزين أكتر عشان حامينا علاقتنا وحبنا من لحظة ملل أو ضيعنا وقتنا في الخناق وخصام. بنتخانق بس مبنديش للخصام أكتر من دقائق.
فتحت الدولاب وأخرجت ملابسها عبارة عن بنطلون جينز وتي شيرت بكم وبلطو جلدي، ثم ركضت للحمام باستعجال تريد أن تتجهز سريعا قبل وصول حبيبها، فهي مشتاقة له بهوس لم تراه منذ أسبوع، تكتفي بسمع صوته في الهاتف فقط.
دلف "معتصم" إلى غرفة نومه مساءً، بعد أن مر على غرفة طفلته الصغيرة. وجدها تجلس على السرير، تمدد قدمها بارتياح وتقرأ كتابًا. ترتدي بيجامة حرير ذات اللون الكحلي، وشعرها مسدول على كتفها الأيمن.
خلع جاكيته وهو يقترب منها، وقلبه يتسارع في نبضه من جمالها وهدوئها. جلس أمامها، ولم تخرج نظرها عن كتابها. أقترب منها ووضع قبلته المعتادة على وجنتها، فأغمضت عيناها باشمئزاز من لمسته، وهي تفكر كيف قتل العديد من الأبرياء بأدويته.
ثم نزل يضع قبلة على خدها بلطف، ويداه تحتوي ذراعيها تجذبها له أكثر. هتفت بضيق وكتابها يسقط منها مع جذبه لها قائلة:
- معتصم، مش وقته.
أجابها بخفوت شديد ونبرة دافئة مليئة بالحب والشغف، وهو يكمل ما يفعله ويقبل خدها الآخر ويستمر يجذبها حتى التصقت بصدره قائلاً:
- وحشاني جدًا يا روحي.
حاولت مقاومته وهي تحرك جسدها بضيق بين ذراعيه وتهتف بتمرد:
- معتصم، خليني أشوف البنت الأول طيب. بجد أنا تعبانة.
أبتعد عنها وتركها تخرج من بين ذراعيه وأحضانه، وهتف بلهفة وخوف شديد عليها يتفحصها بكل مكان بعينيه قائلاً:
- مالك يا حبيبتي، فيكي إيه؟ أجبلك دكتور؟
نظرت لعينيه بضعف، وكيف تحاربه وهي عاشقة له منذ أكثر من 12 عامًا. غارقة في عشقه وأسر عينيه، صراع كبير بداخلها. عقلها يراه مجرم قاتل، أما قلبها يراه عاشق فقط. هتفت بإحراج من نظرات خوفه عليها قائلة:
- سلامتك يا حبيبي، أنا كويسة.
مسك يدها بين كفيه بحنان ودفء وقال بتفاهم مبتسمًا لها:
- خلاص يا حبيبتي، بلاش مادام أنتِ مش عاوزة، وأنا مقدرش أغصبك، وأسف لو زودتها عليكي وضغطت على رغبتك. كملي كتابك وأنا هاخد حمام.
نظرات عينيه لها واعتذاره لها على لمسها دون رغبتها، وجعلتها ملكة امرأة بطريقته هذه، واهتمامه لرغبتها رغم رغبته بها، جعلتها تضعف أمامه وقلبها يخرس عقلها المتمرد في تلك اللحظة. وضع قبلة في قلب كفها بعد اعتذاره، وكاد أن يقف، لكنه أوقفها تشبثها به حين أغلقت أصابعها على قميصه من فوق صدره. نظر لها فابتسمت له ابتسامة ساحرة. أقتربت وهي تجلس على ركبتيها فوق السرير أمامه، ووضعت قبلة على خده برفق. نظر لعيناها بتساؤل، وأعطته الإجابة حينما لفت ذراعيها حول عنقه مبتسمة له. أبتسم لها وهو يحاوط خصرها بذراعيه وينزلوا فوق السرير، ويمسك ريموت الكنترول وهو يحتضن شفتيها بشفتيه بقبلة ويغلق الأضواء.
توقف "إلياس" بسيارته أمام العمارة، ثم ترجل منها. وكان على الصعود للأعلى، لكنه توقف على درج العمارة حين رآها تنزل أمامه برقة وخطوات ثابتة. ترتدي فستانًا سماويًا بكم وبه حزام سماوي من الخصر منتهي برابطة خلف ظهرها يظهر نحافتها، قصير يصل لركبتها، ومعلق الصدر والظهر. وتحمل بيدها بلطو جملي اللون جلد، وشعرها تمامًا كما يعشقه مسدول على ظهرها حر. ترتدي حذاءها الرياضي كعادتها، فضحك عليها وهي تنزل على حذائها. وصلت أمامه وأعلاه بدرجتين، فأصبحت بطوله الآن. ابتسمت له بسعادة، وأموت وجنتها من نظرات إعجابه وانبهاره بها. تزيد حمرتها من جمالها الساحر، الذي جعل "سيد" يومًا ما يجعلها راقصة بسببه. وعيناها الخضراء كانت أقل ما يقال عنها ملكة جمال العالم الصغيرة، أو حورية من جنة هبطت على الأرض.
كان ينظر لها بانبهار شديد. لأول مرة ترتدي فستانًا في خروجها معه، وتضع ملمع شفايف لأول مرة يزين شفتيها ذات اللون الكرزي. مشتاق بجنون لها بلا حدود، أسبوع بأكمله لم يراها، رغم أنها معه تحت سقف واحد. أراد أن يشبع عينيه من النظر لها ولملامحها وعينيها التي أسرته من أول لقاء لهم بالحانة. ظلت تحتضن عينيه بعينيها صامتة، تنتظر أي رد فعل أو تعقب منه عليها، تنتظر كلمة يتفوه بها تكفيها. لكنه كالمعتاد فعل غير ما تتوقعه. صعد درجة الدرج التي تفصل بينهما، واحتضن رأسها بين كفيه الكبار، ثم وضع قبلة على جبينها بلطف طويلة. تنفست باشتياق، وكأنها كانت تحت الماء منذ زمن طويل، وصعدت للتنفس الآن. رفعت يديها الآن تضعهم فوق خصره من الأمام. أرادت أن تبقى هكذا طول حياتها، وأن يتوقف الوقت بتلك اللحظة. شعرت بشفتيه الدافئة تلتصق بجبينها بقوة، وكأنه يريد التهام وجنتها بهما. أغمضت عينيها مستمتعة بتلك اللحظة، يتناغمها ضربات قلبه وكأنه يصدر موسيقى عشق تليق بلحظتهما. تمسك برأسها بقوة واشتياق، وهو يشم رائحة شعرها الفريدة. يريد الآن ضمها بصدره وحملها على ذراعيه، ثم يركض هاربًا بها بعيدًا لأرض لا يسكنها بشر، يسكنها فقط عشقهما وهما.
أبعد شفائه عن جبينها برفق. عيناه لعيناها تأملها وهي مغمضة العينين، وتفتحهما ببطء، شيء ليبث منهما نظرة حب دافئة ممزوجة ببراءتها، وكأن عيناها ألقت تعويذة عليه. فتلك اللحظة التي فتحتهما بها، فرغب بجنون في تذوق عيناها الخضراء بشفتيه، ولكنه نفر تلك الرغبة مقاوماً لها بكل قوته. مسك يدها بيده بحب ونزل بها، فتح باب السيارة لها وجعلها تركب أولاً، ثم هو وقاد بها.
سألها بهدوء وهو يربت على يدها بأصابعه المتشابكة معها:
- معلش ياحبيبتي أتاخرت عليكي، أضطرت أسلم تقرير القضية النهاردة في الحجز اللي حجزته، راح علينا. تحبي نروح فين؟
أرتبكت بخجل شديد وهي تحاول أن تبدأ جملتها بنطق اسمه لأول مرة من شفتيها، ولكنها لم تنجح. فهتف بخفوت:
- ولا يهمك، ممكن نروح أي مكان.
نظر لها وهو يقود ثم هتف بهيام وحب ونبرة دافئة قائلاً:
- أنتي نفسك تروحي مكان معين، هوديكي.
عضت شفاتها السفلى بخجل وهي تنظر له وهو يتبادل النظرات بينها وبين الطريق، ثم هتفت بسعادة طفولية:
- أنا نفسي أمسك أيدك ونمشي على الكورنيش مع هواء النيل، وتشتريلي أيس كريم ووردة حمرا، ونتصور سوا كتير، ونخلص ونروح نأكل كشري في أي محل بدل المطاعم الفخمة اللي بتوديني لها.
ضحك عليها بسعادة وهتف بجدية مبتسماً لها وهو يغير طريقه بالسيارة قائلاً:
- يبقى نروح الكورنيش ونأكل كشري.
كادت أن تقفز من مكانها بسعادة وقالت:
- قول والله.
نظر لعيناها مباشرة بشغف وهتف بنبرة ناعمة بهمس شديد قائلاً:
- والله.
أحمرت وجنتها بلون الدم من شدة خجلها بسبب همسه ونبرته.
أخذها "علي" معه في حفلة زفاف أحد أصدقائه، وذهبت مع الفتيات وأبقى هو مع أصدقائه، ونظره عليها يراقبها، يعلم بأنها متمردة ولكنها تخشى وجودها مع أشخاص لا تعرفهم. ظل يحدق بها وهي تجلس على كرسيها وترتدي فستان لونه موف بكم للمحجبات وتلف حجابها الذهبي، وجهها خالي من المكياج باستثناء عيناها تزينهما بكحل، شفتيها بأحمر شفايف لون فستانها. أدارت رأسها بملل ورأته يتحدث مع صديقه وهو يضحك بشدة، مرتدياً بنطلون جينز وقميص موف فاتح وعليه بليزر أسود اللون وشعره مرفوع للأعلى. وقفت بملل وهي تمسك شنطتها الفضية الصغيرة بيد، فستانها الذي يعوق قدمها وخطواتها وسع بيد، وذهبت نحوه. شعرت بخوف شديد حينما تغزل بها شاب آخر وهي تمر من أمامه. وصلت بجواره وشعرت بالشاب يأتي خلفها، نظرت ليد حبيبها وأدخلت يدها الصغيرة في قلب كفه بلطف.
- يا راجل، طب أعزمني أنا جاي وش.
قالها "علي" لصديقه وهو يضحك معه. شعر بشيء دافئ يلمس يده، وكأنه يختبئ بحضن كفه من العالم الخارجي. نظر ليده ورأى يدها تتشبث بيده، استأذن صديقه ورحل. ولم يهتم "علي"، رفع نظره لها وهتف بخفوت شديد يتغازل بها قائلاً:
- يخربيت جمالك، هو في كدة.
أعتقدت بأنه يتغزل بمظهرها، وأخفضت رأسها بخجل أرضاً. فقال مجدداً بحب وهو يغلق قبضته على يدها الصغيرة يحتويها:
- أول مرة بنت تمسك إيدي، وبالرقة دي.
رفعت رأسها بذهول، أهو يتغزل بلمسة يدها وليس بها؟ سألها بخفوت شديد قائلاً:
- هو مش كتب كتابنا بكرة برضو.
أشارت إليه بنعم مبتسمة، فهتف وهو يذهب بها قائلاً:
- حلو جداً، تعالي نسلم ونمشي من هنا لأحسن اتخنقت.
ابتسمت بسعادة وهو يمشي بها ماسكاً يدها. مر من أمام الشاب بها ولم تعر انتباه له، فهي بأمان الآن ومعه وحده تشعر بأمان وطمأنينة.
كانوا يمشوا معاً على الكورنيش متشابكين الأيادي كما طلبت، والهواء القوي يداعب خصلات شعرها ويجعله يتطاير معه بقوة، والبسمة تعلو شفتيها. توقف وحملها من خصرها بسهولة من صغر حجمها، وجعلها تجلس على سور الكوبري ولف ذراعيه حول خصرها، وضعهما خلف ظهرها حتى لا تسقط للخلف. رفعت يدها تلعب بخصلات شعره الأمامية وترفعها للأعلى بعد أن بعثرهم الهواء، وهو يتأملها بقلب عاشق وطامع بعشقها إلى بلا حدود. جاءت لهم سيدة تحمل ورد، ومدت يدها له بوردة وقالت:
- يارب تجوزها يارب يابيه، خد مني وردة.
ابتسم لطفلته وأسندها بذراعه الأيسر، وأخرج الأموال بيده اليمنى وأعطاها للسيدة واشترى لها وردة. ذهبت السيدة لغيره. مد يده لها بالوردة ضاحكاً لها وقال بأمل:
- يارب تتجوزها يارب آمين، ده أنا عايز مصر كلها تدعيلي أتجوزها، اللي مجنناني دي، وقبلتني لمراهق واخد البت بتاعته على الكورنيش.
ضحكت وهي تأخذ منه الورد بسعادة طفولية وتشاكسه ببراءتها:
- يارب وأمين، ويارب أتجوزه. أنا مجنناك، ماشي، بكرة تشوف الجنون على أصله.
سألها بنفاذ صبر وفقد قدرته على تحمل المزيد من الانتظار قائلاً:
- فاضل قد إيه.
نظرت ساعتها وأجابته بحزن عميق بعد أن قوست شفتيها للأسفل كارهة الانتظار أكثر قائلة:
- 10 شهور و 27 يوم و 8 ساعات و 16 دقيقة 23 ثانية.
ضحك عليها وهي تحسبها بالثواني وزفر بضيق وهو يشبك أصابعه ببعضهم خلف ظهرها قائلاً:
- لسه كل ده، يا مصبر صبرني وقويني.
ضحكت بسعادة طفولية وهي تميل بظهرها للخلف، فمسكها بقوة بخوف من أن تسقط منه في النيل، وتغيرت تعابير وجهه للهلع والرعب عليها. أردفت بخفوت شديد وهي تضع يدها فوق أكتافه تستند عليه من السقوط عليها بعد أن جذبها بخوف قائلة:
- أنا بحبك لدرجة إني نفسي متسبنيش أبداً لحظة، ولا حتى تروح الشغل، وبتوحشني على طول، وعلي بالي طول الوقت، لدرجة لما بكتب واجباتي بشيل الأسماء اللي في الكتاب وأكتب اسمك أنت. عمو متسبنيش أبداً، حتى لو مش عايز تتجوزني، أنا موافقة وراضية بوجودك جنبي.
أخرج من جيبه علبة صغيرة مربعة الشكل وفتحها. رأت خاتم زواج بها رقيق الشكل، سُلق بأصابعها النحيلة، وهتف بحب وهو ينظر لها ويده الأخرى خلف ظهرها قائلاً:
- تتجوزيني يا دموع؟
دمعت عيناها الخضراء من السعادة غير مصدقة فعلته هذه، وهزت رأسها بالموافقة. ابتسم لها ومسك الخاتم بيده ووضعه بخنصرها الأيمن وقال يتمتم وهو يحاوطها بيده:
- حطي أيدك في جيب القميص وطلعي دبلتي.
أخرجت الدبلة، فمد يده اليمنى لها، مسك يده بيد والأخرى بالدبلة ووضعتها في خنصره، وهتفت ببراءة مردفة:
- أنت دلوقتي بقيت ملكي وبتاعي، مش مسمحولك تأذي نفسك، ولا جسمك ده ملكي أنا.
- ملكك من أول لحظة شوفتك فيها، حاضر.
قالها بسعادة وهو يغمز لها بعينيه. نظرت على يدها والخاتم يزينها بسعادة تغمرها كالبلهاء، ثم نظرت له بشغف وهتفت برقة شديدة ودلال قائلة:
- عمو، أنا نفسي أحضنك، ينفع.
نظر لعيناها وبريقها الساحر له وهتف بتهكم قائلاً:
- حضن بس. عمو نفسه في حاجات كتير، بس بما إني رجل قانون وأفهم فيه، اللي نفسي فيه يعتبر جريمتين. الأولى أنك قاصر، والثاني فعل فاضح في الطريق العام.
ضحكت وهي تلف ذراعيها حول عنقه وتعانقه بقوة وتهتف في أذنه بسعادة طفولية قائلة:
- شالله يأخدوني عشر شهور سجن.
بادلها العناق وهو يضغط بيده على ظهرها ويرفعها برفق وهي تتعلق بعنقه، وأنحنى قليلاً لينزلها أرضاً حتى تصل قدمها للأرض. أبتعدت عنه ومسك يدها بجنون وركضوا معاً وهم يضحكون بقوة من قلبهما، وذهبوا إلى محل كشري وطلبوا طبقين. نظر لساعته ووجدها 12 في منتصف الليل، جاء النادل ووضع الأطباق. قلب طبقه وأعطاه لها، ثم قلب طبقها له. أكلت من طبقها وأرادت مشاكسته فقالت بطفولية وعناد:
- دوقني كده من طبقك، طعمه عامل إزاي.
ضحك علي فعلتها التي أصبحت عادة لها وهم يأكلون معاً وقال:
- بطلي رخامة يابت، عايز آكل.
ضحكت عليه وأكلت من طبقه، تشاكسه، فاعل المثل معاها، فضحكت كيف يكون رجل بسنه ويعاندها هكذا ويلعب معها. أنتهوا وخرجا معاً وهو يمسك يدها اليسرى ويقف يدفع الحساب، وتنظر هي على دبلتها بفرحة تغمرها، والآن أنتقلت من حبيبته إلى خطيبته، وتنتظر على أحر من الجمر أن تنتقل إلى زوجته. أخذها واشترى لها أيس كريم، وهكذا يكون حقق لها أمنيتها بالكامل. أوقف سيارته أمام العمارة، نظر عليها ورأها نائمة بجواره ورأسها متكئة على الباب. ترجل من سيارته وفتح الباب، كادت رأسها أن تسقط. أقترب بسرعة ووضع يده أسفل رأسها. أخذ البلطو من فوق قدمها، مسكه بيديه، ثم حملها على ذراعيه بحنان وأغلق سيارته وصعد بها بتذمر شديد ووجه عابس، أراد أن يحتفل معها بمناسبة خطبتهما، لكنها تركته ونامت. فتح باب الشقة ومنها إلى غرفتها، يضعها بفراشها وخرج مسرعاً، فهو يأبى دخول غرفتها. فتح الثلاجة ورأى التورتة التي اشتراها من أجل احتفالهما، فتذمر بوجه عابس، لا يستطيع الغضب أو التمرد عليها، فحقا تأخر الوقت، ويبدو أنها تعبت اليوم من المدرسة إلى الدرس والعودة للبيت للمذاكرة، وخروجها معه بالتأكيد أرهقت جسدها. دلف إلى غرفته لكي ينام هو الآخر.
نزلت "فريدة" إلى الأسفل تحمل شنطة ملابسها. أوقفتها "نارين" بسؤالها:
- أنتي راحة فين وإيه الشنطة دي.
صرخت "فريدة" وقد وصلت لأقصى مراحل التحمل قائلة:
- ماشية من القرف ده، أنا عملت بأصلي وفضلت معاكي الشهر ده بعد ما جوزك مات، لكن أكتر من كده لا.
صدمت حين مسكتها "نارين" من شعرها بقوة ودفعتها للداخل وهي تصرخ بها قائلة:
- امشي انجري جوا لحد ما زبون يتصل وتروحي له.
أغلقت الباب بغضب ودخلت. نظرت "فريدة" بغضب وإنفعال تتواعد بأن تقضي عليها الآن، وأخرجت هاتفها واتصلت.
رواية راقصة الحانة الفصل السادس عشر 16 - بقلم نور زيزو
أستيقظ "إلياس" صباحًا على صوت هاتفه، ألتقطه وفتح الخط دون أن يرى اسم المتصل وهتف بصوت مبحوح:
- الو.
- أستاذ إلياس.
قالتها "كارما" بهدوء شديد. اعتدل في جلسته بتعب وهو يفرك عينيه يقول:
- أيوه مين معايا؟
أجابته بثقة وهي تنظر للورق على مكتبها:
- الصحفية كارما، مرات معتصم.
فتح عينيه بقوة وهو في انتظار مكالمتها وقال برحب شديد:
- آه، أهلًا وسهلًا.
- عشان مضيعش وقتك ووقتي، أنا عايزة أقابلك النهاردة، ويا ريت يكون في مكان عام وزحمة. تعرف تيجي السينما النهاردة؟
قالتها بحزم وجدية. أجابها بسعادة من تعاونها معه قائلًا:
- أعرف، الساعة كام؟
هتفت بتحدي شديد وهي تنظر لعدد الضحايا بالمئات قائلة:
- 7 بليل، في فيلم كرتون. هبعتلك العنوان في رسالة. مع السلامة.
وأغلقت الخط. استعد بنشاط وخرج من الغرفة يتثاءب، وعاد خطوة للخلف بدون إرادته حين ظهرت أمامه من العدم، وقال بتلعثم:
- واقفة كده ليه؟ وما روحتِش المدرسة ليه؟
اقتربت خطوة منه وعيناها تشع نارًا قاتلة ووجنتاها حمراء من الغضب، ثم هتفت بنبرة غليظة:
- أنت كنت بتكلم واحدة؟
ابتسم على غيرتها وملامحها الطفولية معًا وقال يشاكسها لكي يغضبها أكثر ويغيظها:
- أومال هكلم واحد؟
ومر من جانبها ببرود مصطنع. استدارت تنظر عليه بصدمة، وعيناها تفتحانها على مصراعيهما، وهتفت بصدمة صارخة به تسأله:
- واحدة ست؟
أجابها وهو يدخل المطبخ ببرود مستفز ليثير غضبها أكثر، منتقمًا من نومها أمس:
- أومال راجل يا دموع؟ آه، ست فيها إيه يا حبيبتي لما أصحى من النوم وأكلم ست؟ أصبح ليها جريمة؟
عقدت ذراعيها أمام صدرها بغيرة قاتلة وتغلق قبضتها بقوة حتى لا تفقد أعصابها وتقتله في تلك اللحظة. اقتربت منه ومسكت ذراعه تديره لها وقالت بانفعال:
- طب ما تصبح عليا أنا، ولا أنا مش عاجبك؟
نظرها لها من القدم للرأس وقال باستياء مصطنع:
- هو أنتي ست؟ أنتي طفلة صغيرة على كلام الكبار ده، لما تكبري هتعرفي.
جزت على أسنانها بغضب وهي ترفع يديها أمام وجهه وتغلق قبضتيها بغيظ، قبل أن تضربه. لم يتمالك نفسه أكثر وانفجر ضاحكًا عليها. حدقت به بنظرة مخيفة وضربته بقدمها في قدمه بقوة وغيظ، والغيرة تنهش في قلبها وهو يخبرها أنه تحدث مع امرأة غيرها، وقالت بشراسة:
- أنا هوريك أنا كبيرة ولا طفلة، وست ولا راجل.
وتركته ورحلت غاضبة منه. ذهب خلفها لكنها أغلقت الباب بغضب بوجهه كالعادة. طرق الباب مرات عدة ولم تفتح أو تجيبه. دُق باب الشقة، ذهب ليفتح ووجد شابًا أمامه ويحمل في يده كشكولًا، سأله بهدوء:
- أي خدمة؟
- دموع موجودة يا عمي.
قالها الشاب وهو ينظر للداخل يبحث بنظره عنها. وقع سؤاله على "إلياس" كدلو من الماء البارد سقط عليه، ثم لمس الكهرباء فتلقى صدمة كهربائية. تفحصه بعينيه من القدم للرأس بغيرة أكثر من غيرتها بكثير، ما فعله بها بمزاح يحدث به الآن بجدية. كاد أن ينطق ولكن بتر حديثه صوتها من الداخل:
- أنا خلصت.
ابتسم الشاب لها، فاستدار "إلياس" لها وهو يعض شفتيه السفلى بغضب وقال:
- مين ده؟ تعرفيه؟
أجابته باسمة بعفوية تغيظه أكثر:
- ده شادي، زميلي في درس الإنجليزي. أعرفك يا شادي، عمته إلياس.
رد عليها بانفعال أكبر قائلًا:
- بس؟
- بس إزاي يعني؟
قالتها بذهول من سؤاله، فمسك يدها ورفعها أمام عينيها قائلًا بانفعال:
- اللي لبسها دي لعبة وخطيبك؟
أجابته بتحدي وتمرد عليه قائلة:
- لما أنت تقول لأهلك، أنا أقول لصحابي.
وتركته ورحلت مع صديقها وهو يشتعل من الغضب والغيرة، أنهكت قلبه العاشق. دلف إلى الداخل يغير ملابسه يستعد للذهاب إلى والده ليخبره بخبر خطبته.
نزلت "دموع" للأسفل وتوقفت أمام العمارة، وتغيرت تعابير وجهها إلى الغضب، وهتفت باشمئزاز وهي تحدق به بشراسة قائلة:
- أنت مين اللي سمح لك تيجي لحد بيتي؟
غمز "شادي" لها بعينيه وقال بغزل:
- عشان أثبت لك إني بحبك ومش خايف من الضابط بتاعك ده، وإن حبي ليكي حقيقي مش تسلية زي ما بتقولي.
أشاحت نظرها عنه وهي تزفر بضيق، ثم هتف بغيظ شديد:
- أنت مش خايف على نفسك؟ أنا لو قلت لعمته إنك بتضايقني، هيقتلك فيها.
أجابها بسخرية وهو يمسك ذقنها بلطف قائلًا:
- يقتلني؟ ههه. وعمه مش عمه، ده خطيبك برضه. في واحدة حلوة وجميلة زيك تتخطب لواحد قد أبوها؟ ولو بتحبيه، ما كنتيش نزلتِ معايا دلوقتي وخليته قتلني.
صرخت به بغضب وانفعال وهي تدفع يده بقوة بعيدًا عنها وتقول:
- أنت مالك يا بارد؟ أنت وإيدك تبقى جنبك وأنت بتتكلم، بدل ما أقطعهالك.
ضحك بسخرية عليها وهي تهدده، ويدير رأسه بلا مبالاة وهو يضحك، ليقع نظره على "إلياس" وهو يقف على باب العمارة وعيناه كالصقر مثبتة عليه وتشع غضبًا بعد أن رآه يلمسها بيده، ووجنتها احمرت بعد أن تدفق الدم برأسه من غضبه، كما ظهرت خطوط عرضية بجبينه وهو يعقد حاجبيه. ازدردت لعابها بخوف من ما سيفعله وهو بغضبه هذا. اقترب منهم ومسك يدها بقوة، ثم جذبها خلفه يخفيها عن نظر هذا القذر الذي لمسها، وعيناه متشابكة بعين "شادي"، وهتف بتهديد وهو يجز على أسنانه بنبرة غضب مخيفة قائلًا:
- لو مش عايزني أقتلك فعلًا، تغور من وشي.
كادت أن ينطق "شادي" مما ثار غضبه، وقبل أن ينطق بكلمة، تلقى لكمة قوية على وجهه جعلت دماءه تتدفق من أنفه وأسقطته أرضًا. فحين يتعلق الأمر بطفلته، فهو هي أكمل استعداد لخوض حروب وقتل الألف. انتفض جسدها مع لكمته ووضعت يدها على فمها بتلقائية.
صرخ "إلياس" به وهو يضع يده على جراب مسدسه وهتف بانفعال قائلًا:
- أنا مبديش غير فرصة واحدة ومش بتساير معاك، يا روح أمك.
مسكت يده قبل أن يخرج مسدسه وهتفت ببراءة وخوف قائلة:
- عمه خلاص، والنبي الناس بتتفرج علينا.
نظر حوله ثم لها، وأخذها من يدها وأدخلها سيارته بقوة وغضب، وأغلق الباب، ثم ركب وقاد بها صامتًا. ظلت تختلس النظر له بارتباك، ثم هتفت قاطعة للصمت بهدوء شديد:
- عمه، أنا...
بتر الحديث من فمها وهو يصرخ بها قائلاً:
- تقولي إيه؟ إنك نزلتِ من بيتي واحد زبالة زي ده وخليته يلمسك؟
نظرت أرضًا بخوف من صراخه وهي تعض شفاتها السفلى بإحراج من فعلتها. صرخ بها أكثر قائلًا:
- يلمسك؟ هو بتاع إيه؟
نظرت له وابتسمت كالبلهاء على غيرته عليها. أدار رأسه للأمام يكبت غضبه وهو يرى بسمتها. يعلم بأن تلك البسمة كفيلة بأن تزيل غضبه. صمت قليلًا، ونظر لها مجددًا، ورآها مازالت تبتسم. سألها غيظًا قائلًا:
- بتضحكي؟
أشارت إليه بنعم وهتفت بعفوية قائلة:
- آه بضحك، كنت هتموت الواد.
أجابها بسرعة وتلقائية دون تفكير:
- عشان أنتِ محدش يلمسك غيري. وقال بيحبك؟ من إديله الحق يحبك؟ ده انتي بتاعتي لوحدي وأنا بس اللي ليا حق أحبك، أنا بس. أنتي فاهمة؟
ابتسمت وهتفت ببراءة وهي تمسك يده وتشبك أصابعهم معًا:
- فاهمة، أنت وبس.
نزع يده من يدها ولفها حول كتفها وهو يجذبها لصدره. ابتسمت بسعادة تغمرها وقلبها ينبض باسمه.
أستيقظت "دموع" من نومها بفزع وهي تصرخ بلا، بعد أن رأته في حلمها. فنظرت حولها بهلع شديد تبحث عنه وهي تعلم بأنه غير موجود. قامت من سريرها وفتحت الستارة التي تحيط سريرها الصغيرة، وتناولت البلطو الأبيض بيدها الصغيرة هاربة من أحلامها به وتفكيرها التي لا تتوقف بسببه. ثم خرجت من مكتبها ذاهبة إلى مرضاها. رأت "حسن" أمامها ومرت من جواره دون أن تتفوه بكلمة واحدة. مسكها من ذراعها برفق وقال:
- إحنا متخاصمين ولا إيه؟
قالت ببرود شديد ولا مبالاة تعلمتهم من حبيبها دون النظر له:
- لا، هنخاصم ليه؟ عن إذنك عشان عندي شغل.
وأبعدت يده عنها ورحلت بلا مبالاة. زفر حسن بخفوت وذهب خلفها.
في غرفة "حبيب" هتف بصراخ قائلاً:
- أنت اتجننت يا إلياس؟ تجوز دموع دي عيلة؟ وكمان إيه جاي تقول لي خطبتها ولبسنا الدبلة؟ مش جاي تشاورني آو تاخد أذني؟ لا بتقولي للعلم بالشيء: عجبك عجبك، مش عجبك اتفلق؟ صح؟
أجابه "إلياس" بهدوء وهو يقف من كرسيه قائلاً:
- ممكن طيب توطي صوتك؟ دموع بره، وممكن تسمع؟ عيلة آو مش عيلة دي تخصني لوحدي بس.
صرخ "حبيب" بانفعال أكبر قائلاً:
- ما أسمع أعمل إيه؟ هتجوز قاصر يا إلياس؟ عايز تتجوز حقك، بس مش تتجوز واحدة قد عيالك.
هتف "إلياس" بضيق وهو يضع يديه في جيبه بغرور قائلاً:
- أنا حر، أتجوز اللي تعجبني. وأنا بحب دموع وهتجوزها.
رمقه "حبيب" بعينيه وهتف بجدية:
- طب هتجوزها أصغر منك ممكن، لكن هتجوز رقاصة؟ ياحضرة الضابط! ولا فاكرني مش عارف أنت اتلميت عليها فين وجبتها منين؟ واحد مقضي حياته في الكباريهات والديسكوهات هيجيب واحدة منين؟
اتسعت عيناه بذهول على مصراعيه وتنحنح بهدوء وقال بفخر:
- دموع طالبة في ثانوية عامة وهتبقى دكتورة، وأنا فخور بخطيبتي وعاجبني كده.
كاد أن يصرخ به حبيب معارضاً هذا الزواج، لكنه أوقفه طرقات باب الغرفة. ودلفت "دموع" وهتفت برفق ووجه عابث حزين بعد أن سمعت صراخهم من الخارج قائلة:
- عمه، أنا همشي عشان اتأخرت على الدرس.
أدار "حبيب" رأسه عنها بغضب. ابتسم لها وهو يعلم بأنها سمعت معارضة والده للزواج منها، وخطي نحوها خطوات ثابتة وهتف بحنان قائلاً:
- بلاش الدرس النهاردة، خليكي مع أثير.
أردفت برقة شديدة وهي تنظر له قائلة:
- ما طنط معاها ولسه على المأذون، هيجوا بالليل. هروح وأجي بسرعة.
- تعالي بس نتكلم برا.
قالها وهو يأخذها للخارج بعيداً عن والده. نظرت لوالده وهي تخرج، رأته يحدق بها باشمئزاز. أدارت رأسها هاربة من نظراته المخيفة وخرجت معه.
وقف "علي" يجهز بدلته وبدلة والده الذي يعانده ولم يستيقظ من نومه حتى الآن. دلف إلى غرفة والده وهتف مبتسماً:
- قوم يابابا، العصر أذن. قوم عشان تصلي، المغرب قرب يأذن.
صرخ به "جلال" بتعب وهو يضع الغطاء على وجهه متمردًا على زواج ابنه قائلاً:
- مش قايم، مالكش دعوة. أنت هتتحاسب بدالي، خليك في حالك.
ابتسم "علي" عليه واقترب، جلس على السرير وأزاح الغطاء عنه ثم قال بمزح مردفاً:
- وبعدين معاك يابابا؟ أنت هتفضل تدلع كده كتير؟ شكل ناوي تتجوز من ورايا وبتمهدلي الموضوع، صح؟ قوم ياراجل أنت بدل ما أطلقك وأتجوز غيرك.
زفر "جلال" بضيق ثم جلس على السرير ورمقه نظرة حادة بغيظ شديد وقال ببرود:
- قوم اخرج برا يالا، بدل ما أغير قراري وأحلف ما أروح في حتة.
ضحك "علي" وهو يقف من مكانه بخوف وهتف بخوف:
- لا، على إيه؟ الطيب أحسن.
ثم خرج من الغرفة. نظر "جلال" على صورة زوجته المعلقة على الحائط وقال محدثها:
- ابنك كبر يا وفاء وهيتجوز. هو اللي اختارها بنفسه، مش عايزك تقلقي عليه خلاص، والبت محترمة وكله بيشكر فيها. خلاص هقدر أجلك وأنا مطمئن عليه أنه مش لوحده.
تنهد تنهيدة قوية ثم وضع يده فوق قلبه بتعب وهو يتنفس بصعوبة.
سألته بفضول وهو يقود بها وتنظر على الشوارع الجديدة قائلة:
- إحنا رايحين فين؟
مسك يدها بيده بلطف ثم أجابها مبتسماً:
- هفسحك شوية على ما يجهزوا هم.
توقف بسيارته أمام السينما ونزلت معه. اشترى لها فشار ودخلوا إلى الفيلم. جلسوا معاً. تشبثت بذراعه وهي تأكل الفشار بسعادة وتشاهد الفيلم. هتفت "كارما" وهي تجلس بجانبه من الجهة الأخرى بصوت هامس قائلة:
- ممكن أعرف مطلوب مني إيه؟
أجابها بخفوت شديد وهو يضع يده على فمه يخشى أن تسمعه "دموع":
- تساعديني أقبط عليه و أوصل لدليل ملموس.
سألته باهتمام قائلة:
- وأنا هستفاد إيه لما أسجن جوزي وأبو بنتي؟
نظر لها بدهشة وقال باستغراب:
- هو مش المفروض إنك طلبتي تقابلني عشان وافقتي تشتغلي معايا؟
هزت رأسها باستنكار وهتفت بقلق قائلة:
- آه، بس عشان أساعدك لازم أنت توافق على شرطي الأول.
- شرط إيه؟
سألها بجدية وهو ينظر للأمام. فأجابته وهي تبتسم لطفلتها الجالسة بجوارها:
- أنا هساعدك وكل حاجة وهديك الدليل لما أوصله، بس قبل ما تطلع قرار القبض على معتصم، تسفرني أنا وبنتي وجدتي بره.
قال بهدوء مبتسماً لها:
- موافق.
- أنا همشي. هتلاقي ورقة في علبة الفشار فيها رقم تليفون، لو عاوزني كلمني عليه. متتصلش على رقمي عشان معتصم بيقلب في التليفون.
قالتها بهدوء محذرة له ثم وقفت وهي تمسك يد طفلتها ووضعت علبة الفشار على الكرسي وذهبت. أخذ الورقة ثم نظر لدموعها، رآها تشاهد الكرتون وهي تتحدث مع طفل صغير بجوارها. وقف ثم أخذها وعاد للبيت.
وقف "سعيد" بجوار مكتبه وتنحنح بهدوء يشير لبدء حديثه ثم قال بهدوء:
- معتصم بيه، في حاجة كده حصلت وعايز أقولك عليها.
سأله "معتصم" بلا اهتمام وهو منشغل بأعماله في الأوراق المتناثرة على سطح مكتبه:
- قول.
- مدام كارما قابلت الضابط اللي اسمه إلياس مرتين، وبصراحة أنا مش مطمن خصوصاً إنها قابلته بعد ما جت الشركة وأصرت إن في مخدرات وأدوية فاسدة.
قالها "سعيد" بهدوء شديد خوفاً من غضب هذا العاشق الولهان بحبها وقد يقتل إذا تفوه بكلمة واحدة عنها. رفع "معتصم" رأسه له وعلى وجهه علامات الدهشة من حديثه وبنفس الوقت غضب قاتل له يعلم بأن نهايته بدأت حين تفوه بحديثه عنها.
رواية راقصة الحانة الفصل السابع عشر 17 - بقلم نور زيزو
خرج "إلياس" من غرفة والده بعد شجارهما مجدداً. على طرقات باب الشقة، فتح مبتسماً ودلف "علي" فصافحه ثم أهله وجلسوا في الصالون والأغاني مشغلة وبعض الفتيات ترقص.
دلف "إلياس" للداخل متجه إلى غرفة أخته، دق الباب أولاً ففتح له أمه ودخل. رأى أخته كحورية الجنة ترتدي فستانها الأحمر بذيل طويل من الخلف واسع، وتلف جحابها الذهبي، وعلى رأسها تاج فضي، وتضع القليل من مساحيق التجميل.
ابتسم لها وهو يقترب ثم قبل جبينها وهتف بحنان:
- الف مبروك ياعروسة.
- الله يبارك فيك ياحبيبي عقبالك يارب لما أفرح بيك.
قالتها بسعادة وهي تنظر على "دموع".
وقع نظره على طفلته وهي تجلس على السرير ترتدي حذاءها منحنية للأسفل. كانت تجلس منحنية وشعرها مسدول على الجانبين يخفي وجهها عن أنظاره، وتغلق قفل حذائها. رأت يده تغلقه له.
رفعت جسدها ونظرها لتقابل عيناهما معاً. شعرت بنبضات قلبها القوية وكأنه على وشك الانفجار بداخل صدرها. تأملته وهو يرتدي بدلته السوداء وقميصه الأبيض وكرافته سيموني، لون فستانها، ويرفع شعره للأعلى.
تأملها بأنبهار شديد، مرتدية فستان سيموني اللون طويل وله ذيل بدأ من الخصر طويل مسدول على الأرض من الخلف، وبكم شفاف مغلق الصدر والظهر لا يظهر منها سوى عنقها النحيل وعظمتين الرقبة اللتان يزيدانها جمالاً على جمالها. شعرها الحرير مسدول على ظهرها وأكتافها مع تاج فضي رقيق فوق رأسها وحلق أذن طويل يصل لأكتافها، وترتدي صندل بكعب عالي لأول مرة في حياتها لتخفي قصرها به أمام الجميع، وتضع بعض مساحيق التجميل.
مسك يدها بين يديه بحنان مبتسماً بسعادة على طفلته التي نضجت في ملابسها، تخفي طفولتها وبراءتها عن الجميع. دق قلبه بجنون وهوس لها وهي تخفي أحلى ما بها ولا تظهره إلا له وحده.
سألته بخفوت شديد وخجل من وجود أمه وأخته قائلة:
- شكلي حلو؟
رفع نفسه قليلاً وهو يجثو على ركبتيه ويمسك رأسها بين يديه، ثم وضع قبلة على جبينها بحنان دون خجل من وجود أمه أو أي شيء، فهو لا يخجل من حبها ويريد أن يخبر الكون كله بأنه يعشقها هي وحدها.
تبسمت بسعادة له. فأخرج من جيبه علبة مستطيلة الشكل وفتحها. رأت بها سلسلة ذهب على شكل قلب صغير رقيق جداً. علقها بعنقها بسعادة، ثم مسكت القلب بأناملها الصغيرة وهي تبتسم له.
وقف وهو يأخذ ذراعها ويثني ذراعه ليضع به محتويها. وفعل المثل لأخته وخرج بهما الاثنين للضيوف. كان الجميع يتساءل عن تلك العروسة الطفلة التي بجواره. أعطى أخته للوالد. وراءه يرمق "دموع" بغضب. علم بأن لن يفلح الأمر مع والده إلا إذا وضعه بالأمر الواقع.
أوقف الأغاني فنظر الجميع عليه. نظر "حبيب" له بغضب وهو يعلم ماذا سيفعل.
مسك يدها بيده ثم هتف "إلياس" بصوت مرتفع يسمعه الجميع قائلاً:
- أقدملكم دموع خطيبتي.
ذهل الجميع وبدأ أقاربه يتساءلون عنها وكيف ومتى حدث. ولا تعلم أمه كيف تجيبهم. أخرج "علي" الشبكة من الشنطة ووضع دبلته في خنصرها ليعلن للجميع أنها ملكه وحده، وبعض الأساور في معصمها، وسلسلة عليها صورته.
صرخ الأطفال بسعادة طفولية:
- المأذون جه جه المأذون جه جه.
جلس "علي"، "جلال"، "حبيب" مع المأذون. ووقفت "أثير" أمامهم وهي تراه يضع يده في يد والدها ويتمتم مع المأذون.
وقف "إلياس" خلف كرسي والده ويمسك يدها. فانحنى عليها قليلاً وهتف بإثارة في أذنها قائلاً:
- عقبالنا يا حبيبتي.
أبتسمت له وهي تغلق قبضتها على يده بقوة وسعادة، ثم هتفت ببراءة:
- وهتحط أيدك في أيد مين؟
وضع يده خلف ظهرها يجذبها له بعد أن رأى شابين من العائلة يمرون من جانبها، يخشي أن يصطدم بها أحدهما، وهتف بدفء حتى لا تحزن على موت والدها:
- في إيدك ياقلبي، هو في أحلى منها عشان أمسكها.
نكزته في خصره بذراعها بخفوت وقالت بطفولية:
- يا بكاش، على فكرة ياعمه أنت بياع كلام.
- بذمتك بعد بكاش دي ينفع عمه؟ هو اسم إلياس وحش ولا مش عاجبك؟ منطقتهوش ولا مرة؟ هموت وأسمعه طالع من الشفايف الكرزية دي.
قالها وهو يغازلها ويغمز لها بعينها اليسرى.
كادت أن تعانده ويتشاجرا كعادتهما، ولكن أوقفها صوت المأذون وهو يقول:
- الشاهد التاني.
أخرج "إلياس" بطاقته وأعطاها له. وتم عقد القرآن وأصبحت زوجته شرعاً. وقف وقبل رأسها ثم أخذها إلى والده. فقبلت يده بخفة ثم قالت مبتسمة:
- خالو أنا.....
قطعه هو وهو يربت على رأسها بحنان ثم هتف بتهكم قائلاً:
- عارفة لو زعلتي هعمل فيكي إيه.
ضحكت له بسعادة وقالت تعارضه:
- المفروض حضرتك توصيه هو عليا.
أجابها "علي" وهو يقف بجوارها قائلاً:
- قام بالواجب ياختي قبل ما أجي ساعة ونص محاضرة عشانك.
ضحكت له وبارك لهم الجميع. ثم أخذها ونزل ومعه "إلياس" و"دموع".
أوقفه "علي" بتمرد وغضب وهو يمسك يدها قائلاً:
- أنت رايح فين؟ واحد خارج هو ومراته.
- مراته؟ مالكش دعوة، أنا خارج أنا وخطيبتي.
قالها بسخرية ثم بلطف وفتح باب السيارة أدخلها ورفع ذيل فستانها وأعطاه لها، ثم أغلق الباب وركب بجوارها وقاد بها.
فتح باب سيارته لها وركبت ثم هو. هتفت بخجل شديد ووجنتها حمراء من وجودها معه وحدها وتوترها في يوم كهذا:
- إحنا هنروح ف...
بتر جملتها قبل أن تكملها بقبلة على شفتيها بحنان. صدمت من فعلته وأتسعت عيناها على مصراعيها. ثم أبتعد عنها وهتف بحب وهو يمسك يدها بحنان وينظر لعيناها:
- حاجة كنت هموت وأعملها من أول مرة شوفتك فيها وأنتي بتعيطي وخايفة. مسكت نفسي بالعافية لحد ما تبقي حلالي.
تنحنحت بخجل شديد وزادت حمرة وجنتها وهي تتحاشي النظر له. ثم هتفت بأرتباك شديد:
- ماشي بس متكررهاش تاني غير بعد الفرح ممكن.
أجابها بسرعة وتلقائية وهو يشغل محرك سيارته:
- طبعًا.
قاد بها وقلبها لم يتوقف عن النبض. فهو سعد بتلك القبلة. ظلت تضع أناملها على شفتيها من تارة لأخرى بسعادة. وبريق عيناها يزيد من سحرهما وجاذبيتهما.
دخل "معتصم" غرفته بغضب مكتوم بداخله يمثله في برود شديد بعد أن سمع حديث "سعيد". ركضت نحوه بهدوء وعانقته. أبعدها عنه ببرود ودلف إلى غرفة الملابس. دلفت خلفه بهدوء وهتفت بعفوية:
- بكلمك من الصبح متردش عليا. أنت كويس؟
أجابها ببرود مستفز قائلاً:
- كنت مشغول كويس.
أقتربت منه وهمست بتوتر ملحوظ وهي تفرك أصابعها ببعضها وقالت:
- كنت عايزك في موضوع.
نزع قميصه وألقى به ثم هتف بألم يعتصر عقله بسبب خيانتها له:
- بعدين يا كارما.
صرخت به بغضب وأنفعال شديد:
- لا مش بعدين دلوقتي. ماهو مش معقول يكون في واحد يستفزني أكتر من مرة وأنت مش مهم عندك غير الشغل.
أستدار لها بدهشة وسألها بفضول:
- واحد مين وبيستفزك إزاي؟
أجابته بخوف وهي تنظر أرضًا بوجه عابث قائلة:
- ضابط اسمه إلياس. جالي مرة في النادي ولما جيت أكلمك مهتمتش ونمت. والنهاردة جالي السينما.
دهش من حديثها. فإذا خانته كما قال "سعيد" لما ستخبره بما حدث؟ أقترب منها ثم وضع سبابته أسفل ذقنها ورفعها له وسألها بغضب مكتوم وهو يري خوفها بعيناها:
- جالك ليه وقالك إيه؟
- بيقولي أبعد عن طريقه وبيعرفك إن قدر يوصل لي أنا وبنتك زي ما أنت قدرت توصل لمراته وابنه. معتصم أنا خايفة. أنت مشوفتهوش بيتكلم إزاي؟ ده عينه بتطق شر.
ضمها إلى صدره بحنان وهو يربت بيديه على ظهرها يطمئنها. عانقته بسعادة وهي تبتسم بخبث وتتذكر كيف رأت رجال "سعيد" وهم يراقبونها. وبالتأكيد أخبره برؤيتها لـ "إلياس". فهي تدري بأنها لتكمل مهمتها وتكشف فساده يجب أن تنال ثقته بها حتى لا يغضب ويحرمها من طفلتها في أي وقت.
- متخافيش ياحبيبتي. أوعدك ميظهرش في حياتك تاني خالص.
قالها "معتصم" بحنان وهو يطوقها بين ذراعيه. بكت بتمثيل وموهبة وهي تردف قائلة:
- أنا خايفة عليك وعلى أريج بنتنا ياحبيبي.
وضع قبلة على كتفها بحنان واكتفى بذلك وهو يفكر بهذا الشبح الذي يطارده.
أخذها وذهب إلى أستوديو تصوير لألتقاط بعض الصور لهما كصور خطبتهما. ثم خرج بها يتمشوا معًا. رآها تحرك يديها على ذراعيها من الطقس البارد. نزع جاكيته ووضعه عليها وهو يقول بضيق:
- مش عارفة إننا في الشتاء إزاي تلبسي خفيف كده.
أجابته باسمة وهي تتشبث بذراعه بحب قائلة:
- مكنتش أعرف إني هنزل الشارع.
- لما يجيلك برد كويس يعني.
قالها وهو ينظر لها بخوف عليها. ابتسمت له بسعادة وهتفت ببراءة:
- لا مش كويس. يلا نروح عشان أنا تعبانة وصحيت بدري وعندي مدرسة بكرة.
أشار إليها بنعم وهو ينظر لها بحب. وعادوا لبيتهما. وقف معاها أمام غرفتها وهو يمسك يدها. تركت يده وخلعت جاكيته وأعطته له وهي تقول برقة ساحرة:
- شكراً.
نظر لها بحب وأعجاب بمظهرها وفستانها. بادلته النظرات بحب. ثم شعرت بيده تلف حول خصرها النحيف بإثارة ويجذبها له وعيناه تذهب نحو شفتيها. وضعت يدها على صدره برقة ولم يصبح بينهما شيء وأنفاسها تختلط مع بعضها. وقبل أن يضع قبلته عليها ويتذوق طعم شفتيها التي طالما حلم به. يرن هاتفه. فضحكت بقوة عليه. أبتعد عنها وأخرج هاتفه. رأى أسم صديق له في العمل. أجابه. فوضعت قبلة على خده الأيمن وهو يتحدث في الهاتف ودلفت إلى غرفتها بسرعة تختبئ منه مع ضربات قلبها وتوترها. أخذ هاتفه ودلف إلى غرفته بضجر.
استيقظ "إلياس" فجرًا على صوت صرختها وصوت الأمطار قوية في الخارج مصاحبة برعد شديد. فتح باب غرفته بسرعة لكي يذهب لها ورآها تقف أمام غرفته بالفعل. يبدو أنها كانت تطرق الباب وهي تبكي وتصرخ بقوة. مرتدية بيجامة شورت وردي وتيشرت واسع بقط. وشعرها مسدول على ظهرها وتحتضن بين ذراعيها دميتها. فور فتحه للباب ألقت دميتها على الأرض وعانقته بخوف وهي ترتجف وتلف ذراعيها حول خصره ورأسها على صدره وتبكي بشهقات قوية عالية. سألها بخوف وهو يمسح على شعرها بحنان:
- حصل إيه؟
هتفت بصوت مبحوح وسط بكاءها قائلة:
- عمو ممكن أنام جنبك. أنا خائفة أنام لوحدي.
هتف بتهكم وهدوء قائلاً:
- مينفعش ياحبيبتي. أنتي خايفة من إيه؟ حلمتي بكابوس؟
هزت رأسها بلا. صدر صوت الرعد مجددًا أقوى من السابقة. فأنتفض جسدها بين ذراعيه نفضة قوية. ألجمته صدمة قوية من نفضتها وهربت من حضنه إلى سريره وأختبأت تحت الغطاء. ولا يعلم لم ترتعش بقوة هكذا. ذهب إلى السرير بهدوء وأدخل نفسها تحت الغطاء. فتشبثت به بقوة وهي تبكي وتنادي أمها:
- ماما متسبنيش. أنا خائفة ياماما.
وما هي إلا دقائق معدودة وفقدت وعيها وهي تتشبث به بقوة. علم بأن بكاءها وخوفها لهم علاقة بالماضي ووالدتها. فطوقها بحنان معتقدًا بأنها غاصت في نومها. فوضع قبلة على جبينها بحنان وأسند رأسه على رأسها ونام هو الآخر. يعلم بأنها لا تريد منه سوى احتوائها في لحظة خوفها.
نزلت "أثير" من شقتها. وفور خروجها رأته يقف أمام سيارته. هتف "علي" بمرح وهو ينظر لساعته قائلاً:
- ساعة ينفع أستنى المدام ساعة كده. ها والبنات راحة جاية تعاكس فيا. ينفع؟
قهقهت من الضحك عليه وهي تقترب منه بخطوات ثابتة وقالت بغيرة تلتهب قلبها:
- بيعاكسوك ليه؟ كل الدبلة دي مش باينة ولا لازم أكتب على دماغك إنك متجوز وبتاعي لوحدي؟
قرصها من خدها بلطف ضاحكًا عليها وقال بمزاح:
- أنتي بتغيري يابيضة. والله عرفتي الغيرة يا أثير. الله يرحم لسانك الطويل اللي عايز قصة.
ضربته على ذراعه بقوة ثم أردفت بنبرة قوية قائلة:
- عايز قصة ها؟
ضحك عليها وعلى ضربتها الرقيقة التي لا تؤلم طفل صغير حتى. ثم قال بألم مصطنع وهو يضع يده مكان ضربتها:
- أنتي بتضربي كمان؟ ده مش لسانك بس اللي عايز قصة. واضح إنك كلك على بعضك عايزة قصك.
أردفت بغرور مصطنع وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها قائلة:
- آه بضرب واخاف مني ها. متقولش دي رقيقة وبتكسف. لا ده كان زمان.
قهقه ضاحكًا وهو يقترب منها حتى ألتصق بها بكتفه. هتف بخفوت هامسًا لها قائلاً:
- بحبك.
أزدردت لعابها بصعوبة من ارتباكها لعد اعترافه بوضوح شديد بحبه لها ونطق تلك الكلمة التي تتمناها منذ أن رأته. احمرت وجنتها بلون الدم وهي ترفع نظرها له بخجل وذهول. وصدر منها صوت الفواق. فأنفجر ضاحكًا عليها وقال بحب وهو يضع سبابته أسفل ذقنها:
- ههههه كمان زغطة يابيضة ومبتتكسفيش. ههههه والله أنتي عسل ياروحي.
وضعت يدها على فمها بخجل ثم نكزته بذراعها الآخر في بطنه وقالت بخجل:
- اسكت بقى. أنت إيه اللي جابك؟ معندكش شغل؟
- أنتي شايفة إيه؟
قالها وهو يشير على نفسه. مسكته من ذراعه بخوف ولهفة شديدة حين انتبهت لزيّه الرسمي الذي ارتداه حين ذهب لإنقاذها عندما خطفت. وقالت بقلق شديد وهي تديره تتفحص ملابسه:
- أنت رايح فين؟
ابتسم وهو يأخذ يدها بين كفيه ويربت عليها بحنان يطمئنها قائلاً:
- مهمة كده في الشغل. هنقبض على تاجر مخدرات. متقلقيش دي حاجة عادية وبكرة تتعودي.
- أتعود إيه بس وزفت إيه؟ خلي بالك من نفسك ومتخليش حد يأذيك. لأن مش هسمحلك بكده ولا حتى إنك تتشلفط. فاهم؟ مش هسامحك لو أذيت نفسك. ده أمر.
قالتها بلهفة واضحة في ملامحها وهي تنظر لعيناه وتوصيه بخوف عليه وتأمره. أجابها مبتسمًا لها:
- حاضر. بس متخافيش كده. المفروض تكوني اتعودتي خلاص. ده عمي وأخويا في نفس المجال.
صرخت به بخوف قائلة:
- أنت حاجة تانية. إلياس هيروح معاك؟
أشار إليها بلا. خلعت سلسلتها من عنقها وعلقتها بعنقه بحب وهتفت بحذر وتهديد:
- عارف لو أذيت نفسك بخدش صغير هعمل فيك إيه؟
وضع قبلة على جبينها بلطف مبتسمًا لها.
دلف العسكري إلى مكتبه وصمت قليلاً، منتظراً. هتف "إلياس" بجدية ورسمية:
- ويقفل المحضر في ساعته وتاريخه. تعال أمضي يابني.
هتف العسكري برسمية شديدة قائلاً:
- في واحدة برا ياباشا عايزة تقابل حضرتك.
- مين دي؟
سأله "إلياس" باستغراب. فأجابه العسكري:
- بتقول من طرف دموع.
أجابه "إلياس" بدهشة من حديثه:
- دخّلها يابني وخد الواد دا رجعه الحجز.
أخذ المتهم وخرج. وبعد ثوانٍ دلفت "فريدة". تغيّرت تعابير وجهه للأشمئزاز وقال:
- هو أنتي خير؟ آيه اللي حدفك علينا؟
أجابته وهي تجلس دون أن يأذن لها:
- عايزك في موضوع يخص دموع. أنت مش خطيبها دلوقتي والمسؤول عنها.
جلس على كرسيه بضجر وسألها بفضول:
- خير؟ أرغي.
شغّلت له الهاتف على تسجيلات حديث "سيد ونارين" وقتلهما لوالدة "دموع". صُدم في البداية وشعر أنه ظهر في حياتها ليحميها من هذه العصابة ويسترد حق أمها. سألها بشك واستغراب:
- وأنتي جاية تقولي دلوقتي ليه؟ مش غريبة شوية؟
أجابته بهدوء وهي ترمقه بنظرة صادقة:
- عشان بحب زي ما أنت بتحب دموع. عشان من مصلحتي إنك تقبض على نارين عشان أعيش حياتي وأخرج من سجنها. عشان مش عايزة تسيبني أمشي. أنتوا قفلتوا الحانة وسيد مات، بس هي محتفظة بالبنات لحد ما الزبائن يتصلوا بيها وتبعتنا.
هز رأسه بالموافقة بلا مبالاة للأمر وقال باهتمام:
- ماشي. سيبني أنا أفكر في الموضوع ده وأكلم حد في المباحث الجنائية يساعدنا. مع السلامة.
وقفت واستأذنته. ثم توقفت أمامه وهي تمسك مقبضه الحديدي، واستدارت له، ثم هتفت بقلق وفضول قائلة:
- هي دموع كويسة؟
أجابها وهو ينظر للأوراق الموجودة أمامه:
- كويسة طول ما انتوا بعيد عنها.
- لا، أنا قصدي النهاردة صحيت كويسة. أصل امبارح كان فيه مطر ورعد وبرق وهي بتخاف منهم وبيجيلها حالة نفسية وغالباً بيمغمي عليها.
قالتها للتوضيح الأمر له. رفع نظره بدهشة. بالفعل هذا ما أصابها أمس. سألها بفضول أكبر عن طفلته:
- دا بيحصلها ليه من غير سبب؟
أجابه بحزن وشفقة على هذه الطفلة:
- بيفكرها بليلة قتل أمها لما خرجت ومرجعتش، وهي كانت بتعيط. كان كلها مطر ورعد.
أشار إليها بنعم وأن ترحل. خرجت، وجلس يفكر بها وإلى أي مدى عانت طفلته في حياتها، وفكر بأن أقل حق لها عليه أن يسترد حق أمها ويعاقب من قتلها وحرمها من حنان أمها وجعلها راقصة.
جلست في مكتبها تبحث على الإنترنت حول قضايا متعلقة بشركاته. وصُدمت حين رأت أمامها كوارث حدثت بالفعل. اتصلت "كارما" به بصدمة لكي تخبره بما وجدت.
جلست في غرفتها طول اليوم تنتظر مكالمة منه يخبرها بأنه أنهى مهمته بنجاح وعاد لها. ولم يتصل. وصلت لأقصى مراحل القلق عليه، وتمالك الخوف مستحوذاً على قلبها بأكمله. دق باب غرفتها، فتحت بانكسار وخوف ورأته أمامها يقف وعلى وجهه بعض الكدمات والجروح. ابتسم لها فور فتح الباب، فابتسمت له وعانقته بارتياح وهي تتنفس الصعداء وبدأت ضربات قلبها تهدأ. طوقها بذراعيه وهتف بحب قائلاً:
- حبيبي طلع بيحبني اهو وبيقلق عليا.
هتفت وهي تشد بيديها على عنقه بخوف عليه قائلة:
- أنا قلبي كان هيقف من الخوف والقلق وبتصل وأنت مبتردش عليا.
أجابها "علي" بمزاح وغزل قائلاً:
- لو الخوف هيخليني آخد الحضن ده بعد كل مهمة، أنا راضي.
ضربته على ظهره بقبضتها فتألم بخفة. ابتعدت عنه بهدوء وهلع تسأله بخوف:
- أنت اتعورت في حاجة بتوجعك؟
أجابها وهو يحدق بعينيها بسعادة تغمره بسبب خوفها عليه:
- آسف منفذتش أمرك. اتشلفطت غصب عني.
أردفت بحنان وهي تبعثر شعره من الغبار وترتب على صدره بقوة من الرمال قائلة:
- المهم إنك رجعتلي بالسلامة ياحبيبي.
نظر لها بدهشة من حديثها المعسول. ثم مسك يدها ورن هاتفه. فتح الخط وهو يمسك يدها بيده الأخرى. واتسعت عيناه بصدمة وترك يدها بعد أن تحولت ملامحه للغضب ممزوج بخوف شديد. نظرت له بصدمة.
رواية راقصة الحانة الفصل الثامن عشر 18 - بقلم نور زيزو
أردفت بحنان وهي تبعثر شعره من الغبار وترتب علي صدره بقوة من الرمال قائلة:
- المهم آنك رجعتلي بالسلامة ياحبيبي.
نظر لها بدهشة من حديثها المعسول، ثم مسك يدها ورن هاتفه. فتح الخط وهو يمسك يدها بيده الأخرى. وأتسعت عيناه بصدمة وترك يدها بعد أن تحولت ملامحه للغضب ممزوج بخوف شديد. نظرت له بصدمة وسألته بقلق:
- في إيه؟
صرخ وهو يركض للخارج بغضب شديد:
- أنت أتجننت يا إلياس!
ذهبت خلفه ولم تنجح في أيقافه. سألتها أمها بدهشة:
- علي راح فين؟
- معرفش ياماما، إلياس أتصل به خرج يجري.
قالتها بقلق وهي تغلق باب الشقة.
- يعني أنت هتتأخر برا؟
قالتها "دموع" بحزن عميق وهي تجلس علي كرسيها أمام مكتبها. أجابها بصوت ناعم ودفء قائلاً:
- اه ياحبيبتي، خلصي مذاكرتك ونامي وأتغطي كويس عشان البرد.
تمتمت بخفوت وهي تسند رأسها علي مكتبها غاضبة، قائلة:
- حاضر.
أغلق معاها الخط ونظر علي باب الشركة بتحدي. فتح باب سيارته الآخر وركب "علي". ثم هتف بغيظ من تصرفات صديقه:
- خلاص بقيت بلطجي وبتتهجم علي الشركات!
إجابه "إلياس" وهو يخرج مسدسه من درج السيارة قائلاً:
- عشان أجيب دليل وأخلص منه وأرجع حق تيا وأبني وأعيش مطمن على دموع لما تنزل من بيتي محدش هيأذيها.
صرخ "علي" به بشراسة وإنفعال قائلاً:
- من أمتي لما بنقبض على حد بنجيب الدليل بالطريقة دي، من أمتي ياحضرة الضابط بندخل زي الحرامية!
لم يعقب على حديثه وترجل من سيارته مسرعاً. فأسرع "علي" خلفه.
أقتربت "كارما" منه وهو يجلس على مكتبه وعانقته من الخلف وهي تلف ذراعيها حول عنقه بحنان وتهمس في أذنه بأثارة:
- حبيبي مش كفاية شغل كدة؟
أجابها وهو يدير رأسه لها مبتسماً. وقال بهيام وهو ينظر لعيناها كالمخدر بسحرهما ونبرة صوتها:
- خلاص أهو ياقلبي آخر ورقة.
أبتعدت عنه بضجر شديد ولفت كرسيه صاحب العجلات من الأسفل تجاهها ثم جلست فوق قدمه بدلال وهتفت بخفوت شديد وهو تداعب خصلات شعره بأصابعها:
- يعني الورقة دي أهم مني يامعتصم؟
وضع يده على خصرها النحيل ويعود بظهره للخلف تاركاً القلم من يده ثم هتف وهو يجذبها لتلتصق بصدره بسعادة قائلاً:
- أنتي عارفة ومتأكدة أن مفيش حاجة أهم منك ياكارما في حياتي كلها.
أجابت وهي تقف وتجذبه من يده قائلة:
- طب تعال نتأكد سويا قبل ما بنتك تصحي.
أخذته خارج المكتب وهي تنظر على هاتفه الموجود على مكتبه بانتصار، فهدهفها الحقيقي أبعده عن هاتفه أو أغلقه.
تسلل إلى الشركة هو و"علي" بحذر حتى لا يظهر في الكاميرات أو يراه الأمن. ودخل إلى الأرشيف وبدأ البحث في الملفات بسرعة بمساعدة صديقه.
دق جرس الشقة. تركت "دموع" القلم من يدها بملل ومسكت كوب النسكافيه في يدها وخرجت من غرفتها وفتحت الباب دون النظر في الكاميرا رغم تحذيره الشديد لها. إتسعت عيناها بصدمة وهي ترى رجلان يرتديان الأسود بأجسام ضخمة. سقط من يدها الكوب وكادت أن تركض للداخل أو تصرخ ولكن مسكها أحدهما بسهولة بسبب جسدها الضئيلة ووضع يده على فمها يمنعها من الصراخ وهو يرفع جسدها للأعلى بعيداً عن الأرض وظهره مقابل صدره وأغلق الآخر باب الشقة ثم أخرج مسدسه ووضع كاتم للصوت به وهي تراه وتقاوم بخوف وبدأت دموعها تنهمر وترتجف وهي تراه يستعد لقتلها دون أن يشعر أحد بها.
ظل يبحث في الملفات ووجود تحاليل للأدوية تظهر نسبة المخدرات بها. وصفقات غير مشروعة جميعها بالمخدرات والهروين ويتلعب معظمها بالأدرينالين مما يزيد قتل المزيد من البشر في تجاربه. فتح أجهزة الكمبيوتر وتسلل للملفات والبريد الإلكتروني بين شركة "معتصم" وتجار المخدرات بالخارج يتفقون على نسبة والكمية المطلوب والأسعار. جمع الأدلة التي يحتاجها وما يفوقها وخرج كما دخل دون أن يشعر به أحد.
أرسل "إلياس" رسالة لها يخبرها بإتمام المهمة. فابتسمت بسعادة ونظرت عليه وهو نائم في فراشه عاري الصدر بحزن وألم قلب خذله حبيبه وأتجهت إليه بأنكسار ووضعت قبلة على جبينه تودعه بها ثم وضعت ظرف بجانبه على وسادتها وهتف بحزن وانكسار:
- سامحني ياحبيبي، يعلم ربنا أن عمري ما حبيت حد قد ما بحبك بس كمان ربنا مرضيش باللي بتعمله وقتلك للابرياء وعمري ما هقدر أعيش معاك وأتمنك على حياتي وحياة بنتي وأنت بتأكلنا حرام من دم ناس. أنا هبعد عشان بنتنا وأبنك اللي جاي مش عايزهم يعيشوا في بلد الناس تقول على أبوهم تجار مخدرات، سامحني ي أغلي ما أملك.
وضعت يدها على بطنها بحنان تتذكر طفلها الجنين الموجود بأحشاءها ولم تخبره عن وجوده وتساقطت دموعها ثم خرجت من الغرفة إلى غرفة طفلتها وغيرت ملابسها وملابس طفلتها وهي نائمة ووضعت الباسبور في الشنطة ورأت صورة طفلتها معه أخذتها ورحلت وهي تحمل طفلتها على كتفها وأخذت جدتها العمياء متجهة إلى المطار تاركة هذه البلد خلفها مع حبيبها الذي خذلها وفقدت الثقة به لتبدأ حياة جديدة من أجل أطفالها فقط وقلبها يتلهمه الوجع حتى تحول لرماد مبعثر في صدرها.
توقف بسيارته أمام العمارة وترجل منها بتعب وصعد الدرج حتى وصل أمام شقته وفتح الباب ووجد كوب النسكافيه أسفل قدمه منكسر إلى مئات الجزئيات المتناثرة على الأرض. أخرج مسدسه من جرابه ودلف بخوف عليها. رأها على الأرض مقيدة ولاصقة على فمها تمنع صراخها. رآه يدخل فصرخت بخوف تحذره من وجودهم بالشقة ولكنه لم يفهم شيئاً من أنينها. أقترب منها بهلع ثم جثى على ركبته وينزع عنها اللاصقة فصرخت وهي ترى الرجل يأتي من خلفه قائلة:
- عمه...
بتر الحديث من فمها ركلة قوية تلقاها في ظهره من الرجل. جذبه الرجال من ملابسه بقوة بعيداً عنها وهي تصرخ. لف جسده بمهارة ولكم الرجل في وجهه بقوة. فكسر الآخر الكرسي على ظهره أسقطه أرضاً. صرخت بخوف عليه وهي تزيد في بكائها وأرتجافها. رأها تبكي وترتجف وهي على الأرض مقيدة الأيادي. فوقف بغضب من رؤية دموعها وأرعبها هكذا ولكم الرجل بقوة. وقف الآخر خلفه فضربه برأسه في أنفه فنزفت. حاولت فك قيدها بأسنانها ونجحت. ألتقط مسدسه بسرعة من الأرض وأطلق طلقة نارية في قدم الرجل أسقطه أرضاً. ثم سمع صوت صرختها القوية. أستدار ورأى الرجل الآخر يمسكها بذراعه حول عنقها ويضع مسدسه في رأسها. أقترب خطوة بهلع وأوقفه الرجل بحديثه:
- أهدي كدة ياعم الشقي لحسن الأمورة تتعور.
- سيبها.
قالها "إلياس" بهدوء يخفي خلفه خوفه ولهفته عليها من يد هذا الرجل. مسح الرجل أنفه من الدماء بزفر وتعب من العراك ثم هتف بلا مبالاة وهو يمرر مسدسه على جسدها بأغراء ليثير غضبه لكي ينحني هذا العاشق له قائلاً:
- وحياة قميص النوم والعسل اللي عمري ما شوفت في جماله غير في الأفلام لو اتشقيت لأخليك تترحم عليها.
انتبه لملابسها وهي ترتدي قميص نوم قصير يظهر أقدامها النحيفة عارية لونه أسود مفتوح الصدر وعاري الظهر بالكامل وشعرها مسدول على ظهرها وهي ترتجف بين ذراعيه وتبكي صامتة وهي تنظر لعيناه بخوف وترسل لعيناه رسالة واحدة (أنقذني). عقد حاجبيه بغضب شديد من رجل آخر يلمسها وهي هكذا غيره ويرى جسدها.
هتف بهدوء وهو يتنازل عن غروره قائلاً:
- سيبها وأنا هعملك اللي عايزه.
أجابه الرجل وهو ينظر له بتحدي قائلاً:
- أنا جاي برسالة واحدة من سيدك معتصم بيقولك ألعب بعيد عن مراته وبنته وإلا...
وأطلق رصاصة نارية من مسدسه على "إلياس" فسقط أرضًا مغميًا عليه.
صرخت بهلع وهي تراه يسقط أمام عينيها بعد إصابته.
دفعها الرجل على الأريكة بقوة ونظر لها بانتصار، وقبل أن يخطو خطوة واحدة منها تلقى رصاصة من "إلياس" في ظهره أسقطته جثة هامدة.
وقفت من مكانها بهلع شديد وهي ترتجف وأسرعت له وهي تجلس على الأرض بجواره.
هتفت بخوف باكية:
- أنت كويس؟
رفع قميصه مبتسمًا لها يريها إنه يرتدي قميصًا واقيًا من الرصاص أسفل ملابسه.
عانقته بفرحة من سلامته.
بدلها العناق بحب فشعر ببرودة ظهرها العاري أسفل يده.
ابتعد عنها وقال بغضب وغيرة:
- إيه اللي ملبسك كده وإزاي تفتحي الباب كده؟
أشارت له على روبها الفرو الموجود على الأرض ثم هتفت ببراءة:
- كنت لابسة الروب ده والله.
صرخ بها وهو يقف بغضب قائلاً:
- وإزاي تخرجي من أوضتك كده أصلًا؟ هو مش أنا راجل وعايش معاكي؟
أجابته ببراءة وهي تنظر للأرض بأسف:
- آسفة، أنا مقدرتش وكنت لابسة الروب ومكنتش هتشوف حاجة والله.
- ادخلي غيري هدومك عشان هتصل بالقسم ويجي الضابط يعاين ويعمل محضر.
قالها متجاهلاً حزنها.
دلفت إلى غرفتها باكية.
أتصل بصديق له وجاء بقوة من القسم وعاين المكان وأخذ جثة الرجل والرجل المصاب وذهبوا.
دق على باب غرفتها برفق وهو يناديها:
- دموع.
فتحت له وعيناها حمراء وأنفها منتفخة من كثرة البكاء لصراخه عليها.
رفع رأسها بسبابته لتتقابل عيناهما معًا.
فهتف بحنان قائلاً:
- متزعليش يا دموع، أنا ببقى هتجنن لما بفكر مجرد تفكير إن ممكن حد يشوفك غيري أو يلمسك، بغير عليكي حتى من نفسي، مبقصدش أزعلك بعصبيتي عليكي قد ما بكون خايف عليكي.
- عارفة وأسفة والله إني خرجت كده، بس الباب رن كتير خوفت تكون نسيت المفتاح ومتعرفش تدخل وتروح تبات عند طنط وتسبني لوحدي.
قالتها بأسف وهي تعود للبكاء.
ضمه لصدره بحنان يحتويها في لحظة خوف من تركها وحدها.
ثم قال بهدوء:
- عمري يا دموع ما هسيبك لوحدك أبدًا.
لفت ظهرها حول خصره فتألم من ظهره بتعب.
ابتعدت عنه بخوف وقالت:
- أنت اتعورت صح؟
وأخذته من ذراعه بقوة وجعلته ينام على الأريكة في الصالون ونزعت له قميصه.
رأت جرحًا في ظهره جلست تطهره برفق ثم تضغط عليه بقوة ليتألم، فهتف بغضب:
- أنا مش قولتلك الجسم ده ملكي، إزاي تأذيه كده ها؟ مش حذرتك متتخانقش عشان متأذيش نفسك وأنت ملكي.
ابتسم على امتلاكها له وهتف بخفوت وهو ينام أمامها قائلاً:
- متأسف، آخر مرة.
قوست شفتيها بحزن للأسفل وأكملت ما تفعل.
استيقظ "معتصم" صباحًا على صوت المنبه.
مد يديه يغلقه ثم استدار للجانب الآخر مغمضًا عينيه ويمد يده بجانبه يبحث عنها ليضمها له ولم يجدها.
فتح عينيه ولم يجدها جلس على السرير بتعب يفرك عينيه ثم رأى الورقة بجانبه.
استغرب وهو يلتقطها وفتحها وصدم من محتواها.
(معتصم أنا عارفة إنك مصدوم دلوقتي ومستغرب بس تأكد إن وأنت بتقرأ الورقة دي أنا هكون برا البلد دي ببنتي لأني مقدرش أعيش مع تاجر مخدرات بيقتل كل يوم وكل لحظة مئات الأبرياء.
أنا مقدرش أعيش مع إنسان معرفهوش، أنت مستحيل تكون معتصم اللي حبيته من سنين، مستحيل أكون غبية كل السنين دي ومخدوعة فيك.
مش أنت الزوج اللي بحلم به ولا حتى الأب المناسب لأولادي.
أنا سبتك وأنا عارفة إني هتعذب في غيابك بس عذابي في غيابك أرحم من عذابي في وجودك.
معتصم لو لسه بتحبني ولسه باقيلي حاجة جواك، أنا وبنتك طلقني ومتدورش علينا غير لو صلحت من نفسك وتتنازل عن كل أملاك لليتامى والجمعيات الخيرية وتبدأ بنضافة من غير طرق غير مشروعة، وقتها بس ممكن أرجعلك وأبقى معاك أنا وبنتك وابننا، صحيح أنا حامل ومش يشرفني تكون أب لوالدي طول ما أنت كده.
بحبك وهفضل طول عمري بحبك رغم وجعي منك... كارما)
صدم من حديثها ولأول مرة تتساقط دموعه على تركها وأخذ أطفاله منه وحبيبته التي طالما حلم بها وبسعادتها هي.
خرج كالمجنون من الغرفة يبحث عنها ولم يجدها في القصر بالفعل.
ذهب لمكتبه وأتصل بالمطار وتأكد من خروجها من البلد في تمام الساعة الثانية بعد منتصف الليل.
ضرب المكتب بقبضته وهو يصرخ كالمجنون بخسارته لها.
دَلفت "دموع" إلى غرفته بنشاط وحيوية دون استئذان.
استدار بدهشة يعطيها ظهره وهو يغلق أزرار قميصه ويهتف بفزع:
- مش تخبطي قبل ما تدخلي!
أقتربت منه بسعادة وهتفت بمكر طفولي قائلة:
- بتعمل إيه ها ها؟
بعدها عنه وهو يستدير وقال:
- في واحدة عندها امتحان تصحي، فايقة كده ها؟
أقترب منه وهي تزفر للأعلى بشفتيها لكي تبعد خصلات شعرها عن وجهها بإغراء، أبتعد هو بخطوات للخلف حتى التصق بالدولاب وحاصرته هي.
فهتف بارتباك من قربها ونظراتها الخبيثة:
- عايز إيه؟
عقدت حاجبيه له وهتفت بغضب:
- مخدتش مصروف، ماهو مش معقول هروح الامتحان من غير مصروف.
أخرج أمواله من جيبها وأعطاها مصروف لها.
تركتُه وأستدرت فتنـهـد بارتياح.
عادت له بسرعة فألتصق بالدولاب مجدداً بتوتر.
فهتف بحب:
- عمري ينفع آخد بوسة واحدة تشجيع للامتحان عشان أجوب صح؟
مسكها من كتفها وأدارها للباب بقوة ثم هتف بجدية قائلاً:
- لا مينفعش، مع السلامة.
فخرجت عابسة الوجه.
ابتسم عليها بسعادة وأخذ جاكيته وخرج.
خرج كالمجنون يبحث عنها في المطار وهو يعلم بأنها رحلت ولكنه يبحث على أمل أن يجدها وهو يعلم بأن هذا لن يحدث.
أتصل "سعيد" به وأخبره بصدور أمر اعتقاله والشرطة تبحث عنه ففر هاربًا بعيدًا عن أنظار الجميع وهو يتوعد بالانتقام من "إلياس" بعد أن فقد كل ما يملك حبيبته وأطفاله ولا يوجد ما يخسره.
بحث عنه في كل شركته وفيلته ومزرعته ولا يوجد أثر له.
رن هاتفه باسم "أثير" فأجابها بملل:
- أيوه يا أثير.
- إلياس دموع مرجعتش من المدرسة لحد دلوقتي وماما بتقول إنها مركبتش الباص مع البنات.
أتسعت عيناه على مصراعيها بصدمة وهو ينظر لساعته يجدها التاسعة مساءً وموعد عودتها الثانية ظهراً.
مر سبعة ساعات ولم تعود.
أنزل يده بالهاتف بصدمة وهو يتذكر هروب "معتصم" وانتشار خبر أنه مطلوب القبض عليه.
رواية راقصة الحانة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم نور زيزو
خرج من مكتبه كالمجنون بعد أن أخبرته أخته بتلك الكارثة.
أوقفه صديقه وهو يقول:
- إلياس باشا أنا جمعت الأدلة زي ما طلبت وطلعت قبض بالقبض عليها.
أجابه إلياس بأستعجال دون أهتمام وهو يسرع للخارج قائلاً:
- ماشي.
وركب سيارته وقاد بجنون لا يعلم أين يذهب للبحث عنها ولكنه لا يستطيع الأنتظار والتوقف عن البحث عنها يريد عودتها سالمة فقط.
هتفت جميلة بهدوء وهي تجلس على الأريكة قائلة:
- برضو مش هتتصل تطمن عليها وتشوف ابنك لاقاها ولا لا.
ترك فنجان الشاي الساخن من يده بزفر وهتف بضيق:
- هو ابنك كان أستأذني لما راح خطبها ولا حتى وهو بيقول للناس دي خطيبتي. رايح يخطب عيلة.
هتفت أثير بشفقة عليه قائلة:
- بس بيحبها يا بابا. لو شوفت عيناه وهي بتبص عليها مش بتقول بحب بس دي بتقول بحب وعاشق ودايب. حرام نقف قدام سعادته بعد ما رجع للحياة ومتنساش أن محدش عدله وبعده عن الخمر والسهر غير دموع.
قهقه ضاحكاً بسخرية ثم هتف وهو يرمقها بنظرة حادة قائلاً:
- اه عشان رقاصة وأخوكي أهبل مش فاهمة أن كل ده هي بترسمه عليه عشان يتجوزها بس ده بعدها.
- حرام عليك ياحبيب البت. بريئة جدا وعمرها ما أختلطت بالعالم وشاطرة في دراستها جدا بقالها سنة في المدرسة مفيش مدرس ولا طالبة أشتكي منها وكلهم بيشكروا في أدبها وهدوءها غير تفوقها.
قالتها جميلة بحزم شديد مداعبة عن هذه الطفلة في غيابها. ثم هتفت تكمل حديثها قائلة:
- وبصراحة كدة أنا موافقة أجوزها لأبني. أنا متعلمة ومتحضرة وفاهمة أن طبيعتها طيبة وقلبها أبيض وكل اللي حصلها مجرد تواجدها في ظروف نشأة زي دي. والدليل أن البنت عندها طموح أنها تبقي دكتورة وبدأت تصلي مع أثير وأن شاء الله ربنا هيهديها أكتر وتلبس الحجاب ومتأكدة بقي أنها تستاهل إلياس وكفاية عليا سعادته وفرحته بوجودها.
عقد حاجيبه بضيق وقال بضجر:
- قصدك أني أنا اللي متخلف عشان معارض الجوازة دي. أنتي مش فاهمة أن البنت لسه في سن المراهقة واحتمل تعلقها بيه كل ده بدافع حنان الاب مش شايفه كرجل.
أبتسمت أثير بسعادة وهي تعطيه فنجان الشاي مجدداً وهتفت بعفوية:
- لا يا بابا صدقني دموع حبها لإلياس حب نقي جدا وصادق المشاعر.
زفر بضيق من حديث أبنته وزوجته من تكرار طلب موافقته على زواجهما ثم دلف إلى مكتبه هارباً منهما.
ظلت تبكي وهي جالسة على الأريكة الخشبية أمام النيل وتمسك بيدها ورقة وتغلق قبضتها عليها بقوة مرتدية ملابسها التي ذهبت للأمتحان بها صباحاً بنطلون جينز وتيشرت بكم وبلطو جلدي وحول عنقها وشاح صوف وترتدي على رأسها طاقية صوف وردية اللون وشعرها مسدول على ظهرها وتتذكر كيف لم تأتي حنين إلى الأمتحان وحين ذهبت إلى بيتها بعد الأمتحان.
- حنين ماتت أمبارح يا دموع.
قالتها والدة حنين وهي تبكي على فراق أبنتها. صدمت دموع من جملتها فـ حنين صديقتها الوحيدة التي تمتلكها بعد ان جاءت إلى القاهرة.
- حنين سابتلك الورقة دي كانت بتحبك أووي يا دموع.
قالتها أخت حنين وهي تعطيها الورقة وهي مازالت في صدمتها. أخذتها وخرجت من المنزل بصدمة ألجمتها حتى أنها لا تشعر بقدمها إلى أين تأخذها.
فتحت الورقة مجدداً وهي جالسة على النيل وترى هاتفها بجوارها يرن بأسمه وهي تبكي بقوة ( دموع حبيبتي. طالما أنتي بتقرأي الورقة دي دا معناها أني مشيت وسيبتك. أنا عارفة أنك مصدومة جدا من الخبر وأتصدمتي أكتر لما عرفتي مرضي اللي خبيته عنك. أيوة فعلا. أنا كان عندي سرطان متخافيش كدة أنا دلوقتي في مكان جميل أووى وهراقبك من هناك. لازم تحققي هدفك وحلمك وتبقي دكتورة قد الدنيا وتعالجي الناس عشان أنتي بقلبك ده مينفعش تكوني غير دكتورة. أوعي تتنازلي عن حبك يادموع حتي لو باباه معارض والدنيا كلها معارضة مادام أنتوا الأتنين بتحبوا بعض وعايزين بعض أوعي تسيبيه عشان ترضي الناس ارضي قلبك ونفسك أوعي تظالمي نفسك أو تيجي عليها. أنا هكون معاكي في كل لحظة يادموع عايزة أشوفك بالأبيض في بلطو الدكتورة وفستان فرحك. متزعليش يا دموع أني مشيت من غير ما أودعك غصب عني مكنتش أعرف أن الوقت جه. خليك مع إلياس يادموع وحققي حلمك معاه دي أمنيتي الوحيدة أنا كمان أنك تحققي كل أحلامك.... حنين).
ظلت تبكي وهي تقرأ الرسالة أكثر من مرة حتى أنفجرت باكية بصوت عالي والجميع ينظر عليها بشفقة وتساؤل ماذا حدث وفضول شديد.
ظل يتصل بها مراراً وتكراراً وهي لا تجيب عليه فتح برنامج التعقب وتعقب تليفونها وقاد مسرعاً إلى مكانها.
( أوعي تتنازلي عن حبك يادموع ) ظلت تكرر تلك الكلمة على لسانها وهي تنظر للورقة. وضعت هاتفها في جيبها مع الورقة ووقفت من مكانها تركض بسرعة جنونية مع خفة جسدها تريد الذهاب له الأن وتتشبث به ولا تتركه حتى لو طلب والده والعالم بأكمله ذلك فهي لن تتركه ولن تتنازل عنه مهما حدث فهو وحده من تبقي لها لا أب ولا أخ ولا أم ولا صديقة ولا عائلة ولا أحد سواه هو. ظلت تمسح دموعها بأنامله وهي تركض.
وصل إلى مكانها ولم يجدها تتبع الهاتف ورأها قريبة منه ركض كالمجنون وهو ينظر بهاتفه عن طرق مختصر ليصل لها سريعاً. وقفت دموع على حافة الطريق تنتظر الاشارة لكي تتوقف السيارات وهي تضع يديها الأثنين على ركبتها وتتنفس بصعوبة من الركض. فتحت الإشارة للمشاة ورأته يقف على الحافة الأخري ينظر لها نظرت له وهي تخطي نحوه خطوات ثابتة محدثة نفسها بسرية:
- أنا مستحيل أسيبك همسك فيك وهفضل في حضنك مستحيل أبعد عنك أنا بحبك ومقدرش أعيش.
وصلت لمنتصف الطريق وهي تنظر عليه وتحدث نفسها. ثم ركضت فجأة بسرعة. نظر عليها وهي تركض نحوه كاد أن يتحدث وصدم حين عانقته بقوة وهي تلف ذراعيها حول خصره وتتشبث به بقوة. ظل ذراعيه مفتوحين في الهواء أمامه بذهول من فعلتها وهو ينظر حوله على الناس وهم ينظروا عليهم ويبتسموا. هتف بخفوت شديد:
- دموع...
بترت الحديث من فمه وهي تردف بترجي:
- خلينا كدة شوية بلييييز متبعدش عني.
سألها بخفوت شديد وهو يثني ذراعيه على ظهرها بحنان:
- هنا في الشارع ياحبيبتي.
هزت رأسها فوق صدره بقوة بإيجاب ثم هتفت بطفولية:
- آه. عمه متسبنيش زي حنين.
سألها بهدوء شديد وهو يربت على ظهرها برفق وهي تختبئ من الجميع في حضنه قائلاً:
- هي حنين مشيت. راحت فين.
عادت للبكاء مجدداً وبدأت ترتجف بين ذراعيه وهي تروى له ما حدث فأربت عليها بحنان يدري أنها الأن تحتاج بأن يطمئنها بأنه لم يرحل بعيداً عنها ويحتوي خوفها وحزنها ويداويهم بمؤاساتها.
نزلت نارين من البوكس مع العساكر والأصداف الحديدية في يديها تكبت غضبها بداخلها من فريدة و دموع معا.
فتحت باب الشقة ودلف وهو يحملها على ذراعيه وهي نائمة من كثرة البكاء. دلف بها إلى غرفته ووضعها في فراشه وخلع لها حذاءها من قدمها ثم نزع عن رأسها طاقيتها فيبعثر شعرها الناعم مع نزعه. هتفت بصوت مبحوح وهي تفتح عيناها قائلة:
- أنا هنام في أوضتي.
وضع يده على فمه معارضاً وهو يشير لها بأن تصمت:
- شششش نامي.
ومسح على رأسها بحنان يرتب خصلات شعرها مجدداً حتى غفوت في نومها بأرهاق شديد. جلس بجوارها ورفع جسدها برفق وهي نائمة ويده خلف رأسها ونزع لها البلطو ووشاحها ثم أنزل رأسها بحنان للوسادة وأطبق شفتيه على جبينها بحنان ثم أبتعد ووضع الغطاء عليها ذهب ليعلق البلطو وشعر بهاتفها بداخله أخرجه ورأي معه الورقة قرأها ومع كل كلمة ينظر عليها بشفقة فالجميع يتركها ويرحل حتى صديقتها تركتها ورحلت.
دق جرس الباب ففتح معتصم ودلف سعيد وهو يحمل الكثير من الأغراض والطعام. جهز الطعام وله وجلس.
سأله "معتصم" بغيظ شديد:
- عملت إيه؟
أجابه "سعيد" وهو يحضر له الماء قائلاً:
- هنفذ الخطة النهاردة.
ترك "معتصم" الطعام وهتف بغضب مكتوم قائلاً:
- أتصل بيه دلوقتي.
أشار "سعيد" له بالموافقة واتصل بـ "إلياس".
كان جالساً على الكرسي الهزاز في زاوية غرفته ينظر عليها وهي نائمة وملامحها حزينة. رن هاتفه برقم مجهول، فتح الخط وأجاب:
- آلو.
جاءه صوت "سعيد" عبر الهاتف وهو يقول بثقة وغرور:
- إلياس باشا، أنا سعيد مدير أعمال معتصم بيه.
وقف ببرود وخرج من الغرفة ثم هتف ببرود مستفز:
- خير على الصبح يا مصيبة باشا.
قهقه "سعيد" بغرور ضاحكاً ثم هتف يعقب على جملته:
- صبح إيه ده، إحنا الفجر يا باشا. عموماً، مش هضيع وقتك، أنا عندي ليك أوفر كويس جداً لمصلحتك ومصلحتي.
رفع "إلياس" حاجبه بذهول وشك في الأمر وسأله:
- أوفر ومصلحتي ومصلحتك؟ اشجيني يا شر.
- أنا مستعد أسلمك معتصم بيه حي يرزق مقابل إنك تسيبلي الشركة الرئيسية وتسجلها باسمي بعد ما تصادر كل أملاكه، قولت إيه؟
قالها "سعيد" بمكر وخبث وهو ينظر لـ "معتصم" وهو يشير له بالاستمرار.
أردف "إلياس" بشك واستهزاء قائلاً:
- موافق، تحب نتقابل أمتى وفين؟
- هبعتلك مسج بكرة بالزمان والمكان. تكون جبت الأوكيه من الإدارة عندك عشان متتضحكش عليا بعد ما تاخد اللي عايزه. آه، واعتبروا مكافأة واحد دلكم على مجرم هارب من العدالة... سلام.
وأغلق الخط بوجهه قبل أن يجيب عليه. ظل يفكر بالأمر حتى الصباح الباكر، وكل تفكيره يصل لنقطة واحدة بأنه فخ للإيقاع به فقط.
استيقظ "علي" صباحاً وأخذ حمامه وجهز فطاره هو ووالده، ودلف إلى غرفة والده بالفطار ووضعه على الترابيزة ثم فتح الستائر وهو يقول:
- صح النوم يابابا، عملت لك فطار بأيدي، إنما إيه حكاية محصلتش.
هتف "جلال" بتذمر شديد وهو يضع الغطاء على وجهه يريد النوم قائلاً:
- أنت فاكرني مراتك؟ اخرج برا ياض، عايز أنام.
هتف "علي" بمزاح وهو يجلس على السرير ويبعد الغطاء عن وجه والده قائلاً:
- أنتي تطولي يابيضة تبقي مراتي؟ طب دا أنا هدلعلك دلع مدلعوش مدلع قبل كده.
ضحك "جلال" عليه وهو يجلس بوجه عابث. جلسوا يفطروا معاً، و"علي" يقلب بهاتفه ووجد رسالة من "إلياس" جاءت له فجراً محتواها (علي، لما تصحى عدي على أثير هاتها وتعالى لي ضروري، مستناك).
هتف "علي" باستغراب محدثاً نفسه قائلاً:
- خير على الصبح.
جاءه نفس الصوت المعتاد من داخله يجيبه باستنكار:
- أكيد في مصيبة وتشوف.
هز "علي" رأسه بقوة ينفر الأفكار السلبية من رأسه. نظر "جلال" عليه باستنكار من جنون ابنه وحديثه مع نفسه كالمجانين.
فتحت "دموع" عيناها بتعب شديد وهي تشعر بصداع في رأسها من كثر البكاء ووجدت نفسها نائمة في فراشه وهو بجوارها واضعاً ذراعيه أسفل رأسه، يبدو أنه غفا وهو يتأملها. قربت يدها منه بحنان تتحسس وجهه بأنامله برفق وتذكرت ما حدث أمس وخسارتها لصديقتها. بعدت يدها عنه بوجه عابث ورفعت رأسها كادت أن تقوم، فمسكها من ذراعها وأعادها للفراش، لكن هذه المرة بين ذراعيه، ثم فتح عينيه لها. نظرت لعينيه بهدوء دون أن تتفوه بكلمة واحدة وعيناها حزينة. هتف بخفوت شديد هامساً لها قائلاً:
- حبني يا دموع.
أجابته بصوت مبحوح قائلة:
- أنا بحبك بالفعل.
- أنتي أصغر من حبة الفول عشان كده انتي في قلبي كلك. خليني في قلبك على طول.
قالها وهو يضع خصلات شعرها خلف أذنها. فهتفت بحب وهي تنظر لعينيه مباشرة:
- أنت في عقلي وقلبي على طول.
هتف بحنان وقلق من ما هو قادم إليه قائلاً:
- أوعدك أفضل أحبك طول ما أنا عايش وفيا نفس وعمري ما هسيبك أبداً. أوعدك مدخلش حد غيرك حياتي، حتى في مماتي هطلبك من ربنا تكون حوريتي في الجنة. أوعدك نتجوز ونجيب دستة عيال شبهك وأعيش بس عشان أسعدك ومنزلش دمعة واحدة منك وأفضل جنبك لحد ما تبقي دكتورة وأفتح لك عيادة بنفسي ومش عايز مقابل غير إنك تحبي.
- أنا بالفعل بحبك من غير ما تطلب.
قالتها وهي تضع يدها فوق قلبه بلطف ناظرة لعينيه. هتف بخفوت شديد مبتسماً لها قائلاً:
- تتجوزيني يا دموع؟
أشارت إليه بنعم ثم أردفت بهمس شديد قائلة:
- أنا وافقت من أول مرة وأنا خطيبتك بالفعل وموافقة.
- أنا بحبك بحبك يا دموع وبعشقك، معاكي أنتي بس بنسى نفسي وبتتحول لعيل صغير. ضحكتك بس هي اللي تقدر تزيل غضبي وتحوله لرماد. مسكت إيديكي هي علاجي الوحيد لما بحس بضعفي وبستمد قوتي منها. عينيكي هم اللي جابوني لحد عندك راكع وعاشق مجنون ليكي ومستعد عشانهم أعمل أي حاجة.
دفنت رأسها بين ذراعيه في صدره وهي تلف ذراعيها حول خصره بقوة وتقول:
- وأنا بحبك، والله مقدرش أعيش لحظة من غيرك.
وضع قبلة على جبينها بحنان وهو يتوّقها بشغف، يشعر بأن هناك شيء سيحدث، فقلبه منقبض منذ مكالمة "سعيد" له، يشعر بأن هناك شيء سيصيبه، لذلك أخبرها بكل ما بداخله. جاء "علي" له بصحبة "أثير".
سألته "أثير" بصوت خافت في أذنه:
- هو عايزنا ليه؟
رفع كتفه باستنكار وهو يقول لها:
- علمي علمك، يا خبر بفلوس كمان دقائق يكون ببلاش.
خرج "إلياس" من الغرفة وجلس أمامهما مع "دموع" وهتف بهدوء وهو يضع ورقتين أمامه:
- أنا هدخل في الموضوع بسرعة عشان خارج ومأخركوش. معايا، أنا هتجوز دموع.
أردفت "أثير" باستغراب وهي تنظر له قائلة:
- طب ما إحنا عارفين إنك هتجوزها أول ما تكمل السن القانوني، إيه الجديد؟
نظر "علي" له بفهم وهو يرى الورقتين والقلم أمامه وعلم بما يفكر به صديقه وأنه أحضرهما ليشهدوا على زواجه العرفي منها، فالتزم الصمت منتظراً إجابته على "أثير".
- أنا هتجوزها دلوقتي عرفي.
قالها وهو يمسك يد "دموع" بحنان وهي تبتسم له بفرحة تغمرها وسعادة لا توصف، وضربات قلبها تزداد باستمرار مع مرور الوقت. نظرت "أثير" له ثم لزوجها الجالس صامتاً، ولم تستطع الرد أو معارضته. كتب قسيمة الزواج نسختين ووضع يديه في يدها وعقد قرآنه عليها وهي تردد معه مبتسمة بسعادة وخجل يستحوذ عليها وتوردت وجنتها، ثم مضوا جميعاً على قسيمة الزواج النسختين ووضع قبلة على جبينها بحنان وطويلة، خائفاً من وقعه في فخ اليوم، ولكنه يأمل أن ينتصر عليهم ويقبض على "معتصم" ويسترد حقه وحق كل من أجرم بحقهم. أخذه "علي" إلى الداخل بعد أن فعل ما يريده وسأله بهدوء:
- عملت اللي أنت عايزه؟ عملت كده ليه وأنت عارف إنه جريمة؟ مش كنت هديت وقلت هستنى؟ إيه اللي طلع الفكرة في دماغك تاني؟
قصي له ما حدث. اتسعت عيناه بذهول على مصراعيه وهتف بجدية وقلق قائلاً:
- يعني أنت عملت كده عشان أنت عارف إن ممكن يجرالك حاجة؟ أنت غبي، أنت ربطت البت بيك طول عمرها.
- يمكن أكون أناني باللي عملت، بس أناني وطماع فيها هي بس. على الأقل لو جرالي حاجة هكون حققت حلمي واتجوزت حبيبتي، بعدها لو حبت تتجوز تاني هي حرة، متستكترش عليا أحقق حلم واحد.
قالها "إلياس" بحزن عميق وخوف يستحوذ عليه. صمت "علي" ولم يعقب عليه، لا يدري ماذا يجب أن يقول له. وتحدث معه عن القضية والقبض على "معتصم" ثم خرجوا من الغرفة معاً. نادها بهدوء:
- دموع.
جاءت له مبتسمة ابتسامة مشرقة وتوقفت أمامه. أربت على كتفها بحنان وهو يقول:
- أنا خارج مع علي، هوصل للقسم شوية، مش هتأخر.
أشارت إليه بنعم، صافح أخته وذهب معه. توقف أمام باب الشقة واستدار لها، فنظرت عليه مبتسمة وهي تلوح له بيدها، فابتسم لها وهو يلوح لها ثم ذهب تاركها خلفه بسعادة تغمرها بعد أن أصبحت زوجته وملكه.
ذرفت دموعها الحارة على وجنتها بغزارة وهي تغير ملابسها لكي ترحل من المستشفى، لم تعلم وقتها بأن هذا آخر لقاء لهم ولن تراه مجدداً. لم تعلم بأن سعادتها بزواجهما لم تتجاوز إلا ساعات قليلة فقط. لم تدري بأن موافقتها على زواجهما كانت في الواقع موافقتها على وفاته، فإذا علمت حينها لكانت رفضت الزواج وفرت هاربة منه. لم تصدق أن مر تسع سنوات حقاً بدونه وما زالت ذكرياته بداخلها وترآها وكأنها كانت معه أمس. ارتدت بنطلون جينز وتيشرت بنص كم وشعرها مرفوع للأعلى على شكل ذيل حصان وخرجت من الغرفة بعد انتهاء يومها من العمل ونزلت إلى جراج السيارات وركبت سيارتها، ثم نظرت لصورته المعلقة في سيارتها ودميتها الجالسة على الكرسي المجاور التي اشتراها لها. هتفت بتهتكم وإرهاق محدثة دميتها:
- هنروح فين النهاردة؟ أنا من رأي نطلع البحر، محتاجة أتكلم معه شوية. فعلاً، أنا كمان رأي كده، أكيد حبيبي مستنيني هناك صح؟ يلا نروح له، شكله وحشك أنت كمان مش أنا بس.
وضغطت على زر تشغيل المحرك في السيارة وقادت وعادت ذكرياتها مجدداً وهي تراه أمامها وتزيد من سرعتها وهي تراه أمامها يقتل بدم بارد دون رحمة أو شفقة على قلبها.
- إلياس أنت مجنون! أنا وافقت على أساس إني هروح معاك.
قالها "علي" بتذمر شديد. فصرخ "إلياس" به وهو يمسكه من لياقة جاكيته قائلاً:
- يا غبي، افهم. لو جرالي حاجة، أنت موجود، هسيب دموع في رقبتك وأمانة معاك، لكن لو حصلك حاجة معايا، أثير عمرها ما هتستحمل صدمة أخوها وجوزها في وقت واحد.
وتركه وركب سيارته ذاهبًا إلى حيث لا يعلم ماذا ينتظره.
وقفت "دموع" في المطبخ تعد كيكة بمناسبة زواجها. رن هاتفها معلنًا عن استلام رسالة (إلياس أُصيب برصاصة وموجود في ***). كان ذلك محتوى الرسالة، وقع عليها كحجر ناري مشتعل. تركت ما بيدها وخرجت تركض كالمجنونة خوفًا عليه، وبدأت في البكاء. نزلت من العمارة ورأت "علي" قادمًا. فتحت باب السيارة وركبت بجواره بسرعة وأعطته الهاتف. كان سيجن إلى أين ذهب ولم يخبره بالعنوان. أخبرها أن تنزل وسيذهب هو. رفضت بشدة خوفًا على حبيبها.
وصل "إلياس" إلى شقة علي النيل (عوامة)، وترجل من سيارته ونزل، ووجد "سعيد" بانتظاره. سأله بفضول:
- هو فين؟
أردف "سعيد" بمكر قائلاً:
- جوا قاعد في عوامة باسمي عشان متوصلوش. جبت العقد.
- جبته، بس مش غريبة إنك تكون معاه كده، ده أنت دراعه اليمين في كل البلاوي دي.
قالها "إلياس" باستفزاز. ضحك "سعيد" عليه وهو يفتح الباب، ثم قال وهو يدخل:
- معتصم بيه أصله وقع خلاص، مفيش فايدة من مساندته، يبقى أضمن حقي. اتفضل.
دلف "إلياس" وهو يضع يده سرًا على خصره فوق مسدسه وينظر حوله. خرج "معتصم" من الداخل له ومعه رجلان من الحراس وهتف بغضب شديد:
- نورت يا سيادة الرائد، أول مرة أعرف إنك بالغباء ده لدرجة إنك تصدق إن دراعي اليمين يتفق معاك عليا. تصدق ياخي، كل مدى بتثبت لي إنك أغبى إنسان وإن الداخلية بتاعتكم غبية.
- وليه متقولش إنه ثقة بالنفس وبالداخلية بتاعتنا إننا هنجيبك هنجيبك. شوف ياخي، زي ما وعدتك، محدش هيحط حبل المشنقة حوالين رقبتك غيري. أنا مراعي ظروف، يا حرام، هربان. المدام سابتك وخلعت، هههههه. تصدق ياخي، عمري ما شفت واحدة واطية مطمرش فيها العيش والملح والعشرة والولاد زي مراتك. أول ما قولتلها عايز أقبض على جوزك، قدمتك ليا على طبق من دهب. بصراحة، أنت طلعت فشل في كل حاجة، حتى في اختيار مراتك فاشل فيها.
سأله "معتصم" بصدمة من حديثه والغضب يلتهمه:
- مراتي؟
قهقه "إلياس" من الضحك ساخرًا باستفزاز أكبر، ثم هتف ببرود مستفز:
- آمال مراتي. فكر بالعمل، أنا دخلت شركتك إزاي من غير ما أكسر ولا باب؟ ماهو ببطاقة دخولك اللي مراتك سرقتها وجابتهالي. فتحت إزاي الأجهزة ودخلت على صفقات المشبوه زيك؟ ماهو بالباسورد بتاعك، وبرضو المدام اللي ادتهولي. بلاش كل ده، لا مؤاخذة يعني، تليفونك كان فين لما الأمن اتصلوا بيك يقولولك إن حد دخل الشركة وسرب المعلومات؟ مش كنت في حضن الأم، لا مؤاخذة. طب فكر بالعقل، كدة، اشمعنى سافرت في اليوم ده بالذات؟ ومين اللي سفرها من غير ما المطار يتصل بيك يقولك إن في حجز باسمها؟ أنا اللي سفرتها. طب إزاي محستش بيها وهي بتهرب من بيتك؟ أقولك، وأوفر عليك، عشان الزوجة العزيزة الأصلية حطتلك منوم في العصير اللي طفحته. شوفت بقى، إن اللي لف حبل المشنقة حوالين رقبتك هي المدام بالاتفاق معايا.
سمع حديثه وهو يكاد يجن وفقد أعصابه، وانقض عليه "معتصم" يلكمه بغضب، وبدأ العراك بينهما.
وصلت "دموع" و"علي" إلى المكان، وظلت تبحث حولها عنه بخوف وهي تبكي. رأت رجلين يلكموا بقوة ويدفعوه لبعضهما البعض. أسرعت في نزول الدرج مع "علي"، لكن أوقفها مكانها حين أطلق "معتصم" عليه النار في قلبه. كادت أن تصرخ، لكن منعها "علي" وهو يضع يده على فمها. رآها وهي تقف بعيدًا معه وهو يكتم فمها وينظر عليه. قاومت "علي" ودفعته وركضت خطوتين نحوه. أشار إليها بهدوء حتى لا يراها "معتصم" ورجاله. نظرته لها ورفضه بقدومها أوقف قدمها عن الحركة، وشعرت بشلل رهيب في جسدها، لا تستطيع الاقتراب منه، ودموعها تذرف بغزارة كالسيول دون توقف وهي تكتم صوتها. شعر بضيق تنفسه وتلقى رصاصة أخرى في صدره، أسقطت جسده في النيل، قتيلًا شهيدًا، عاش يدافع عن الحق ويسترد الفساد حتى أُلقي حتفه. مسكها "علي" قبل أن تركض وعاد بها لسيارته، وهي تصرخ به وتضربه على صدره بقوة، تقاوم تريد الذهاب لحبيبها. أدخلها السيارة وأغلقها عليها بالداخل. وصلت سيارات الشرطة، ودخل "علي" والعساكر، وقبض عليهم جميعًا. ركض "علي" وقفز في النيل ومعه بعض الغواصين يبحثون عنه. بعد ساعتين من البحث، وصل "حبيب" وأسرته بعد تلقي الخبر. فتحت "أثير" لها السيارة، وهي في حالة يرثى بها. أمام عينيها صورة وهو يتلقى رصاصة تمزق قلبه، والأخرى تقضي عليه. أسرعت إليه، وقدمها لا تستطيع الركض وتسقط في الأرض أكثر من مرة. رأتهم يصعدون بجسده، فازدادت شهقاتها، وخرجت صرخة قوية مؤلمة من أعماق قلبها الذي مات معه. وركضت نحوهم ومسكت يده بأيادي مرتعشة تناديه بصوت مبحوح يكاد يخرج منها:
- عـــ .. مــ .... ــه.
وضع سائق الإسعاف الغطاء على وجهه، معلنًا عن وفاته، ولم تعد تشعر بشيء حولها، فسقطت فاقدة الوعي في صدمة لم تتحملها.
رواية راقصة الحانة الفصل العشرون 20 - بقلم نور زيزو
سقطت "دموع" على الأرض وهي تبكي بوجع بصوت مرتفع وهي تمسك دميتها على شاطئ البحر.
صرخت باكية وهي تنظر للسماء:
- أنت فين؟ قولي إنك هتكون معايا. أنت واحشتني، هو أنا موحشتكش؟ أنت فين؟ أنا تعبت لوحدي من غيرك، مش قادرة أكمل لوحدي، محتاجك.
شعرت بيد تربت على كتفها بحنان. نظرت للأعلى خلفها ورأت "حسن". نظرت أرضاً وهي تبكي وترتجف من شدة بكاء وتقول بصوت مبحوح:
- وحشني يا حسن أوي، مش قادرة أكمل من غيره ولا عارفة أنساه، تعبت يا حسن.
جثا على ركبتيه بهدوء وهو يربت على كتفها بحنان ثم قال:
- يا دموع، أنتي اللي عاملة كدة في نفسك. معقول بتحبيه لدرجة إن تمر كل السنين دي ومتنسيهوش؟ معقول حبيته أوي كدة لدرجة إنك تطلعي بعربيتك زي المجنونة وأنتي بتفكري فيه، تتقاذفي بحياتك على الطريق عشان شايفه قدامك.
- حسن، أنا بقيت أشوفه بجد وأروح ألمسه يطلع وهم. أنا بقيت أشوفه تهيؤات، أنا حالتي بتسوى أكتر وأكتر. مبقتش أدخل العمليات عشان ما أقتلش مريض لو ظهر قدامي.
قالتها وهي تبكي وتتشبث بدميتها بخوف وحزن متراكم بداخلها حتى قضى على قلبها وعقلها. هتف "حسن" بخوف عليها من حبها المريض قائلاً:
- أنتي لازم تروحي لدكتور يا دموع، أنتي ممكن تأذي نفسك كدة أكتر ما هي مأذية.
أشارت إليه بنعم باستسلام لمرضها، فهي حقاً مريضة بحبه وتحتاج لعلاج. أربت على ظهرها بحنان وهو ينظر عليها بشفقة وخوف، فوصل به أن يراقبها يومياً في كل لحظة حتى لا تؤذي نفسها أثناء شرودها به. وقفت معه وأخذها إلى سيارته وترك سيارتها على الشاطئ وقاد بها. أغمضت عيناها باستسلام لذهابها لدكتور نفسي يعالجها من حبه، وهي تعلم بأنه لن ينجح وعلاجها الوحيد تعلمه جيداً وهو أن يتوفى جسدها كما توفي قلبها وتذهب لتلتقي به في عالم آخر.
استيقظت "دموع" بتعب ووجدت نفسها في غرفة غريبة. رأت أجهزة متصلة بجسدها وأنبوبة تنفس صناعي متصلة بأنفها، علمت بأنها بالمستشفى.
حركت عيناها بصعوبة وحاولت الجلوس. هرعت "جميلة" لها وهي ترتدي ملابس سوداء وهتفت بابتسامة حزينة:
- دموع، أخيراً فوقتي.
- إلياس فين؟
سألتها "دموع" وعيناها تبكي وقد نطقت اسمه من شفتيها أخيراً بعد أن تركها. نظرت "جميلة" للأرض بحزن ودمعت عيناها وقالت بخفوت:
- أنا هنادي للدكتور.
وخرجت من الغرفة. دلفت الممرضة لها تعلق المحلول. سألتها مجدداً بتعب وهي تزدرد لعابها الجاف:
- إلياس فين؟
- إلياس مين اللي جه معاكي من أسبوع؟
سألتها الممرضة بعدم معرفة. أجابتها بدهشة وتعب:
- أنا بقالي أسبوع هنا. هو فين؟
أغلقت الممرضة المحلول وهتفت بأسف قائلة:
- البقاء لله.
وتركتها وخرجت. أخبرتها بما كانت تأبى سمعه. فتساقطت دموعها بانهيار وهي تتنفس بصعوبة وشعرت بضربات قلبها تتسارع وتؤلمها. دخل الدكتور والممرضون على صوت إنذارات الأجهزة التي تخبرهم بسوء حالتها وحال قلبها.
فتحت عيناها بفزع وخوف وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة. نظر "حسن" لها وهو يقود سيارته بدهشة من فزعتها. مسحت دموعها بسرعة وهي تنظر للنافذة تخفي عنه دموعها. هتفت بتلعثم شديد وضربات قلب:
- ممكن توديني أوضتي؟
أشار إليها بنعم وصمت. وصل بها للمستشفى وأخذ مفتاح سيارتها وذهب ليحضرها. صعد للطابق الثاني إلى غرفة مكتبها ودلفت إلى سريرها سريعاً ووضعت الغطاء عليها هاربة من الجميع بوحدتها.
- هتسافري لوحدك يا دموع؟
قالتها "جميلة" بحزن شديد. أجابتها وهي تجمع أغراضها بحزن أسكنها وانكسار روح قائلة:
- مانا طول عمري لوحدي يا طنط. أنا هبقى أطمن عليكي وأكلمك على طول.
- طب هتروحي فين عشان أجيلك أنا وأثير؟
سألتها "جميلة" بوجع وهي تراها ترحل طالبة في الصف الثاني الثانوي وحدها. أجابتها دموع وهي تضع صورهم في شنطتها وتبكي بصمت:
- مكان ما رجلي توديني يا طنط، مش فارقة. في كل الأماكن أنا لوحدي وإلياس مش موجود.
تجمعت الدموع في عين "جميلة" على هذه الفتاة التي كسرت بموته أكثر من والده ومنها هي نفسها. أخذت شنطتها ورحلت تركتهم خلفهم وذهبت معتقدة بأنها ستجده في مكان آخر. ذهبت إلى الإسكندرية وقدمت ملفها في مدرسة داخلية ووضعت هدف واحد لها أن تصبح طبيبة وتكمل حلمها وحلمه وحلم "حنين". بهذه المدرسة تعرفت على "حسن" ومنها إلى كلية الطب معاً، ومازالت تحبه ومازال يسكنها حتى الآن.
ــــــــــــ الــواقــــع الأن ــــــــــــ
عاد "علي" من عمله ودلف إلى شقته. وجد "أثير" تجلس مع أطفالها التوأم ذات السبع سنوات "مالك" و"ماليكة" تذاكر له وتساعدهما في واجب مدرستهما. هتف وهو يقترب منها:
- مساء الخير.
- قولت 6، عدّهم تاني. مساء النور يا حبيبي.
قالتها بنرفزة على "مالك" وهو يكره الرياضيات، ثم بنبرة هادئة. وضع قبلة على جبينها ثم قرص أذن طفله بضجر وقال له:
- أنت على طول مزعل ماما كدة.
تألم "مالك" وهتف بضجر وعناد قائلاً:
- مية مرة قولتلها مبحبش الحساب ده.
نقر "علي" على جبينه بتذمر وقال:
- وأنا مية مرة قولت حرف الراء يتنطق، هتطلع ألدغ يا ولد.
وقفت "ماليكة" على الكرسي وهي تمسك كراسة الرسم وقالت بطفولية:
- بس يا بابا، أنا رسمت كل رسوماتي.
رمقها "علي" بغضب وقال بتهكم:
- يابت انطقي حرف السين، يخربيتكم ولادك هيطلعوا الاتنين لدغين.
قالها وهو يقرص "أثير" من خدها بلطف. هتفت بمزاح تغيظه:
- ليه شايفهم تعابين، قال لدغين قال، ناقص تقولي لدغتهم بالسم.
رمقها بغيظ وهو يعض شفتيه بغضب من ردها المزاح عليه تغيظه. نادى "جلال" عليهم من الداخل فركض الأطفال له. حاصرها "علي" بانتصار في السفرة وقال:
- حماكي ده تربيتي، بيجي دايماً في الأوقات الصح. كنتي بتقولي إيه يا قلبي؟
أجابته بارتباك شديد قائلة:
- بقول أحضرلك العشاء يا حبيبي.
قهقه من الضحك وهو يلف يده اليسرى حول خصرها بقوة فشهقت بقوة وخجل من فعلته، فهتف قائلاً:
- أهو كله كوم والخدود الفراولة دي كوم، هي اللي جابتني على بوظي.
نظرت لعيناه وهي تبتسم له بسعادة فأقترب منها ليضع قبلة على شفتيها، أوقفته بيدها على فمه ثم هتفت بخجل من وقفته قائلة:
- وأزاي الحال لو ولادك خرجوا دلوقتي؟
تنحنح بأحراج وقال وهو يبعد عنها:
- يادي ولادي، طلعولي في البخت طول، بابا.
دلف إلى غرفة والده وجده يجلس مع أحفاده ويقرأ لهم قصة. هتف "علي" بمرح قائلاً:
- يا سلام يا ولاد على القطط الصغيرين، يلا يالا انت وهي قوموا كملوا الواجب مع ماما. ازيك يا عم جده، أنت بتفسد العيال مش بتخليهم يعملوا الواجب الأول.
ركضوا الأطفال للخارج. هتف "جلال" بهدوء قائلاً:
- أنا بفسدهم زي ما فسدتك كدة، أطلع برا يا ولد، طلع لامك نكدي.
قهقه "علي" بسعادة وقال:
- الله يرحمك يا فوفه، تعالي شوفي بيتقال عليكي إيه.
رآه يضع يده على قلبه فسأله بقلق:
- أنت كويس ولا نروح لدكتور؟
أجابه "جلال" بعناد قائلاً:
- دكتور ده تروحله أنت، أنا زي البومب. هتعمل زي خالك، قعد يقولي هتموت هتموت ويقر عليا لحد ما اتكل هو، واديني قاعد، يلا الله يرحمه.
- يارب. هروح أغير هدومي بقى عشان نتعشى.
قالها "علي" وهو يقف من مكانه وخرج من الغرفة.
ركضت "دموع" في الممر بعد سماعها بمريض حادثة سيارة على وشك الوصول للمستشفى. خرج "حسن" من غرفة مريضة أخرى وركض خلفها وهو يقول:
- في إيه؟
- حادثة عربية دخلت في أتوبيس وهجيبه المصابين على هنا.
قالتها وهي تقف أمام المصعد ووجدته في الطابق السابع، فركضت على الدرج بسرعة. مسك "حسن" يد طبيبة زميلة (سلمى) وقال:
- خليكي معاها ومدخلهاش أوضة العمليات لو في عملية هعملها أنا.
- حاضر. لما نشوف أخرتها. على فكرة اللي بيحب بيقول بحب، مش بيقعد يراقب.
قالتها "سلمى" وركضت خلفه. ابتسم بأستهزاء وعاد لمريضته.
دلف "مصطفى" إلى غرفة أمها وقال بهدوء:
- ماما تعالي بسرعة أريج تعبانة.
تركت القلم من يدها، هرعت مسرعة خلفه. دلفت لغرفة ابنتها ووجدتها تبكي بألم وهي تمسك خصرها بوجع. سألتها بهلع شديد:
- مالك يا أريج؟
- جنبي يا ماما بيوجعني أووي.
قالتها "أريج" بألم وهي تتلوي في سريرها. لم تستطع فعل شيء سوى أخذها للمستشفى.
وقفت "دموع" في غرفة الطوارئ تفحص المريض وهي تضع يدها على بطنه، ثم هتفت بجدية قائلة:
- ده عنده فشل كبدي حاد. خديه لغرفة العمليات واطلبي أخصائي كبد بسرعة وقوليلهم إن عنده تسدد في الأوعية الدموية.
تركته وذهب. جاء "نارد" (دكتور تحت التدريب بقسم الطوارئ) لها يركض قائلاً:
- يا دكتورة في مريضة بتشتكي من جنبها، تقريبا الزايدة ملتهبة.
أخذت السماعة الطبية من حول عنقه وهي تذهب معه ثم هتفت بجدية:
- أنت دخلت كلية عشان كلمة "تقريبا" دي تتشال من تفكيرك وتتكلم بثقة.
ذهبت معه ووجدت "أريج" على السرير تبكي بألم وتقف بجوارها "كارما" في يد طفلها "مصطفى" عمره 8 سنوات. وقفت بجانبها ووضعت يدها على بطنها فتألم بقوة. سألتها "دموع" بأبتسامة ترسمها لمرضاها:
- اسمك إيه ياقمر؟
أجابتها "كارما" بخوف قائلة:
- أريج معتصم الشربيني.
أبعدت يدها عن "أريج" بصدمة وازدَرَدَت لُعابها بصعوبة وهي تراه يطلق النار على حبيبها، فهتفت قائلة:
- شوفلها دكتور مدحت يكشف عليها.
- دكتور مدحت دخل العمليات مع سواق الأتوبيس ومعه دكتورة سلمي.
قالها "نادر" بدهشة من رفضها علاج هذه الطفلة. سار الخوف بقلب "كارما" فسألتها بخوف على ابنتها قائلة:
- هي بنتي حالتها خطيرة أووي كده؟ أنتي تاني دكتور يكشف عليها ويسيبها.
نظرت "دموع" لها بأشمئزاز وغضب ثم هتفت بأستياء وغضب منها:
- شوف جراح وقوله عندها الزايدة ملتهبة ولازم عملية فوراً.
أستغرب "نادر" جملتها، فهي جراحة وتفعل الكثير من هذه الجراحة وقال:
- حضرتك أهو مش أنتي جراحة؟
صرخت به بغيظ وغضب قائلة:
- سمعت اللي قولته.
ترك "حسن" مريضه على صوت صراخها وذهب نحوها. سألتها "كارما" بغضب من رؤية طفلتها تتألم وهي ترفض علاجها:
- هو مش حضرتك جراحة؟ ما تعملي العملية ولا هتسيبها لما تموت وأنتي واقفة؟
نظرت لها بتحدي ثم هتفت بجدية وهي تنظر لعيناها بشر يتطاير منهما:
- أنا لو دخلت أوضة العمليات هقتلها بأيدي ومش هاخد فيها ساعة حبس. مريضة وماتت وفيه ألف سبب.
سمعت جملتها ودهشت من نبرة التحدي ونظراتها. سمع "حسن" جملتها وهتف بتهكم:
- اعمليها يا دموع وثقي بقدراتك.
صرخت بأنفعال به وهي تشير على "أريج" بغضب أمامها صورة والدها وهو يقتل حبيبها بقلب بارد وكيف أتصل بها ليجعلها تشاهد قتله:
- أنت اتجننت ياحسن؟ أنت بتطلب مني أنقذ بنت الراجل اللي قتل جوزي؟ أنا لو طولت اقتلها هقتلها زي ما قتله.
اتسعت عيناهم جميعاً بدهشة وصدم حسن من جملتها ونظر على "أريج". هتفت "كارما" بدهشة:
- أنتي دموع؟ مرات إلياس؟
تركتها ورحلت بزفر. هتف "حسن" بهدوء قائلاً:
- جهزوها للعملية.
وذهب خلفها يقنعها بأن تجري الجراحة لها وتنقذ طفلة ليس لها أي ذنب بأفعال والدها. ووافقت بعد معاناة.
كانت جالسة تختلس النظر لـ "حبيب" بأرتباك. لاحظ نظرها فسألها بفضول:
- عايزة تقولي إيه؟ قوليه.
تركت من يدها كرة الخيط الصوف ونظرت له تستعد لحديثها ثم قالت:
- ماهو بصراحة كدة أنا مش عاجبني موضوع دموع وقسوتك دي. منعتني أكلمها أو أسافر لها. خليني أطمن عليها قلبي واكلني عليها، حاسة أنها في مشكلة.
أجابها بحزم يمنع النقاش في هذا الأمر:
- مشكلة إيه؟ طمني قلبك عليها. وإياك يا جميلة أعرف إنك كلمتيها ومتنطقيش اسمها تاني بقى تعرفي...
- يا حبيب دي روح إلياس، إزاي أبعدها عننا؟ أنا لا يمكن أسامح نفسي إني طوعتك وبعدتها عن عيني.
قالتها بندم شديد. ترك الجريدة من يده بغضب وهو يتنهد بقوة ودلف إلى غرفته. نظرت للأرض بندم وأسف وهتفت محدثة نفسها بندم شديد:
- سامحني يابني، سامحني يا نور عيني على اللي بعمله بحبيبتك بقلبك...
ذرفت دموعها الحارة على وجنتها بغزارة وندم على موافقتها على هجرة "دموع" طفلة أحبها ابنها بجنون بلا حدود حتى أصبح لا يستطيع السيطرة على قلبه وضرباته وأبعدتها بعيداً ولم تراها وهي تكبر وتنضج ولا تعلم كيف أصبح شكلها الآن ولا كيف تشكلت شخصيتها بعد النضوج، وهل اختفت براءتها وسط قسوة العالم أم مازالت ببراءتها التي عشقها ابنها يوماً ما...
ركض "حسن" بعد أن غير ملابسه مستعداً لدخوله غرفة العمليات معها يبحث عن "سلمى" ورآها تخرج من غرفة العمليات الأخرى. أسرع نحوها ومسكها من ذراعها وهو يتنفس بصعوبة من الركض ثم هتف بتلعثم وكلمات متقطعة:
- سلمي بقولك إيه؟ ادخلي عملية زرع الكبد مع دكتور مرسي.
صرخت بتذمر بوجهه وهي تنزع ذراعها من قبضته قائلة:
- أنت بتستهبل يا أبو علي؟ أنا خارجة من جراحة 5 ساعات، هدخلني جراحة وياريتها ساعة دي 5 ساعات برضه؟ وسياتك وراك إيه عشان تكت من الجراحة؟
- عندي جراحة مع دموع، متنسيش تروحي ها، مفيش بديل غيرك.
قالها وهو يركض يضعها أمام أمر واقع مجبرة على الدخول بديلاً له.
وقفت "دموع" في غرفة التعقيم تكبت غضبها ولا تعلم كيف ستجري جراحة على ابنة قاتل زوجتها ولم تنتقم منها على ماذا بقلبها؟ عقمت يدها بالصابون ثم المطهر. دلف "حسن" إلى الغرفة وهو يلتقط أنفاسه من الركض ووقف بجانبها وهو يراها تنظر على الزجاج على مريضتها الطفلة وهي تحت يد دكتور التخدير مسطحة على السرير غائبة عن الوعي وفي عينيها نظرة واحدة وهي الانتقام من هذه الطفلة لكي تبرد نار قلبها.
هتف "حسن" بهدوء شديد يلمس بحديثه وتر قلبها الطيب قائلاً:
- هتنقذيها عشان دي أمانة في إيدينا يا دموع ومالهاش ذنب باللي حصل.
صرخت به بأنفعال وقلبها بالداخل ينزف دماء بدلاً من عيناها قائلة:
- وأنا كان ذنبي إيه أعاني لحد دلوقتي عشان حبيبه؟ ده ذنبي، وذنبها هي كمان إنها بنته.
دَلفت لغرفة العلميات بغضب وهي تنظر عليها بنار تحرق قلبها وضلوعها الهشة ولأول مرة تتمنى موت مريضها وفقده بغرفة العمليات. وقفت مكانها تستعد لقتل طفلة عمرها 16 عام كل ذنبها في الحياة أن ابنة قاتل قتل حبيبها وزوجته السابقة وطفله وأمها. كل شيء حولها يخبرها بأن تنتقم لكل شخص قتله. دخل "حسن" ووقف مقابلها في الجهة الأخرى. مد يدها للممرضة ببرود وهتفت مردفة:
- مشرط.
وضعت الممرضة المشرط الطبي في يدها فنظرت عليه ولأول مرة تشعر بأن أحدهم أعطاها سلاحاً للقتل والانتقام وليس لإنقاذ مريض. بدأت في جراحتها وكلما فتحت أكثر ورأت الدماء تأتيها صوره والدماء تخرج من صدره تلوث ملابسه و"معتصم" يطلق عليه النار. قطعت منها وريد دموي وبدأت الدماء تسيل بغزارة. هتف دكتور التخدير بهلع:
- ضغط الدم بيقل بسرعة.
نظر "حسن" لها بصدمة، فهل تسعى لقتلها حقاً لتنتقم؟ حاولت العثور على مكان النزيف بعد أن أخفاه الدماء. تركت الملقاط الطبي من يدها بهلع وأدخلت يدها في الجرح تحاول الشعور بالدماء. نظر "حسن" لها بهدوء وهو يراها تكاد تفقد السيطرة على أعصابها من الخوف، تخشى فقدها، فمهما أرادت الانتقام وقتلها لا تستطيع فعل ذلك. عثرت على مكان النزيف هتفت بجدية قائلة:
- مص.
امتص "حسن" الدماء بالأداة وأخذت الإبرة الطبية تخيط الفتح قبل أن ينزف مجدداً.
دق جرس الباب. فتحت "أثير" الباب وأبتسمت بسعادة وهتفت بعفوية:
- ماما إلياس جه...