تحميل رواية راقصة الحانة بقلم نور زيزو pdf
بقلم نور زيزو
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
مع هدوء الصباح الباكر المغمور بصوت العصافير الملونة التي أحضرها زوجها لها، يعلو صوت الشجار بينهما. صرخت به بإنفعال شديدة قائلة: - يوووووه بقى أنا زهقت من شغلك ده. هو أنا متجوزك عشان تفضل في الشغل بالأيام ولا حتى تسأل على الكلبة اللي رميها في البيت ولو بتليفون. أدار رأسه عنها بضيق من شجارها المستمر وتذمرها على عمله، وقال بهدوء محاولًا إرضاءها والغضب المكتوم بداخله: - غصب عني ياحبيبتي ظروف شغلي كدة. وعموما أخلص القضية اللي معايا وبعدها آخد أجازة. أندفعت صارخة به بأنفعال أكثر مردفة: - كل مرة تقول ك...
رواية راقصة الحانة الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم نور زيزو
دق جرس الباب.
فتحت "أثير" الباب وأبتسمت بسعادة وهتفت بعفوية:
- ماما إلياس جه.
ركض الأطفال له وهم يهتفون ببراءة:
- خاله جه.. خاله جه.
دلف "إلياس" ببرود ونظر للأسفل لهم وأبتسم بتكلف وهو يرى ببراءتهم براءة طفلته التي تسكنه رغم رحيلها. هتف بهدوء:
- عاملين إيه؟
أبتسمت "أثير" وهي تغلق الباب وقالت:
- مجننيني معاهم ياسيدي. أدخل، على في الصالون.
تركهم ودلف إلى الداخل.
هتفت "جميلة" بغيظ قائلة:
- وأنا عايزة أشوف عيال لابني وأشيلهم على إيدي قبل ما أموت.
أستدار "حبيب" لها بغضب ثم هتف بأستياء قائلاً:
- أنتي مبتوقفليش الموضوع دا أبداً. دموع ماتت ياجميلة، فاهمة؟ عايزة تجوزيه غيرها؟ هو عندك، لكن دموع لأ، فاهمة؟
تنهدت بقوة وهي تدير رأسها بحزن ثم قالت وهي تضرب قدميها بيدها قائلة:
- أنا وأنت عارفين كويس أنها عايشة وكمان فين. وابنك بقاله 9 سنين منسهاش زي تيا ورافض تماماً إنه يعرف حد غيرها. خلاص نقوله إنها عايشة ويروح يجيبها ويتجوزوا، خليني أفرح بابني. الواد بيكبر وعنده 41 سنة، هفرح بعياله امتى؟
- دموع ميتة يا جميلة، وابنك معاه شهادة وفاة ليها زي ما هي معاها شهادة وفاة له. ونفرض قولناله أنها عايشة، تفتكري هيسامحك ويسامحني على كدبنا عليه كل السنين دي؟ وقتها هتخسري ابنك بدل ما تفرحي بعياله.
قالها بتحذير يمنعها من الحديث مع ابنه. فأجابته بندم:
- أنا غلطانة إني سمعت كلامك وقتها، خليتني كدبت على كل الناس. بدل غيبوبة دخلتها من الصدمة، تقول ماتت. ابنك ضابط يا سيادة اللواء، مش غبي. أنت مديله شهادة وفاة مش مسجلة. لو دور على اسم دموع في السجل، هيعرف كل حاجة عنها. ووقتها عمره ما هيسامحنا. فكر إزاي نصلح المصيبة دي.
فتح باب الغرفة ودلف "إلياس" بعد أن سمع جملتها الأخيرة وقال:
- مصيبة إيه؟ خير يا أمي؟
أزدردت ريقها بدهشة ثم هتفت بابتسامة مزيفة:
- مفيش ياحبيبي، ده الولية اللي ساكنة فوقنا مجنناني بعيالها، بقول لأبوك يكلم جوزها. تعال نتغدى، لأحسن أنت واحشني جداً. بقي ياواد يا بكاش، مش بشوفك كل الشهور دي! إيه ياواد، مبتفتكرش إن ليك أم تسأل عليها؟
وأخذته وخرجت من الغرفة. دلفت "أثير" لوالدها بصدمة بعد أن سمعت حديثهم وسألته بتلعثم:
- بابا، دموع عايشة؟ مماتتش زي ما أنت قولت؟
صرخ بها بغضب من حديثها وذكر اسم "دموع" من الجميع:
- يوووووه، بقي أنا ناقص؟
- بابا، في حاجة كدة متعرفهاش. إلياس متجوز دموع لو عايشة، دله عليها، دي مراته وفي اللي يثبت ده.
صعقت من حديثه، فهو فعل كل هذا حتى لا يتزوجها، والآن هو بالفعل زوجها. مسكها من معصمها بقوة وعيناه تشع ناراً من الغضب وقال:
- متجوزها إزاي؟
تألمت من قبضته وهتفت بخوف من والدها:
- عرفي يابابا، وهو معاه نسخة وهي كمان.
- طب اسكتي، متنطقيش بحرف، وأياكي تقولي حاجة لجوزك.
قالها "حبيب" وهو يترك يدها بزفر وخرج خلفهم.
أنتهت من الجراحة فنظرت على يدها مرتدية القفازات البيضاء ملوثة بالدماء وترتجف. لم تصدق بأنها أنهت الجراحة دون أن تؤذي هذه الطفلة. نظر "حسن" عليها ورأها في صدمة نفسية كبيرة، بالتأكيد تعيش في ماضيها الأليم الآن. كاد أن يتحدث لكنها خرجت تاركة الجميع خلفها وعيناها ثابتة على يدها. رأت يد تمسك يدها. رفعت نظرها ورأت "كارما" فهتفت بهدوء:
- أنا متشكرة جداً إنك عملتي العملية.
جذبت يدها بقوة من قبضتها وذهبت باكية. نظرت "كارما" عليها وقالت محدثة نفسها بسرية:
- عايشة وإلياس اتهمني أنا ومعتصم بموتك. في حاجة غلط.
أستدارت ورأت "حسن" يخرج من غرفة العمليات فأسرعت إليه تمسك طفلها بيدها وقالت بخفوت:
- لو سمحت.
نظر "حسن" لها وقالت مبتسماً بأستعجال:
- أيوه، بنت حضرتك طالعة حالا.
- أنت تعرف جوز دكتورة دموع؟
سألته بأستفسار. دهش من سؤالها وقال:
- إلياس، الله يرحمه. لا، عمري ما شفته. عن إذنك.
ذهب يبحث عنها. فهتفت بذهول أكبر قائلة:
- الله يرحمه، إلياس مات؟ ده امتى؟
خرجت "أريج" من غرفة العمليات مع الممرضات ثم ذهبت إلى الغرفة. أجلست "كارما" طفلها بجوار أخته وهتف بحذر:
- هعمل مكالمة تليفون. اوعي تتحرك من هنا يا مصطفى.
أبتسم لها وقال ببراءة:
- حاضر يا ماما.
خرجت من الغرفة وأخرجت هاتفها وضغطت على اسمه "إليــــــاس".
دلف "إلياس" إلى شقته مساءً فتهتف بسعادة وهو يغلق الباب قائلاً:
- دموع، أنا جيت. تعالي ياحبيبتي شوفي أنا اشتريتلك إيه.
وضع الشنط من يده على السفرة ثم أستدار متمتماً:
- بصي بقي ياحبيبتي، أنا عجبني الفستان ده فأشتريته، متأكد إنه هيعجبك أوي.
نظر لصورتها الكبيرة المعلقة على الحائط بحجمه ودمعت عيناه بوجع ثم جلس على كرسيه الهزاز بتعب وقلب منهك قتله الفراق وأغمض عيناه.
فتح "إلياس" عيناه بتعب وجد نفسه في غرفة بالمستشفى والمحلول الطبي معلق بالكانولا في يده وبداخل فمه أنبوب مثبت باللاصقات الطبية. لم يستطع الحركة أو نطق شئ. هرع "حبيب" له وقال بسعادة:
- إلياس ابني.. يا دكتور، يا دكتور.
أسرع للخارج يحضر الدكتور. فدلف معه وفحصه جيداً. خرج "حبيب" من الغرفة وأتصل بزوجته يطمئنها على ابنها وقال:
- إلياس فاق.
نظرت بذهول على "دموع" وهي بسريرها تبكي صامتة وقالت بخفوت:
- دموع كمان فاقت.
عادت الروح لجسدهما بنفس التوقيت، لكن العالم فرقهما ولا يقبل بجمعهما معاً. أغلق معها ودلف إلى "إلياس" ووجد الدكتور نزع عنه الأجهزة فسأله بتعب وهو يبحث عنها وهو يتذكر بأنه رآها هناك حين أصاب:
- دموع، كح كح، دموع فين يا بابا؟
أردف الدكتور محذراً له بشدة قائلاً:
- بلاش كلام، أنت قلبك مفتوح، أحمد ربنا إنك عايش لحد دلوقتي. إحنا عملنا اللي نقدر عليه عشان نطلعك عايش، دي معجزة إنك تاخد رصاص في القلب وتفضل عايش لحد ما توصل المستشفى...
تذمر بضيق ونرفزة وأعاد سؤاله بتعب:
- كح كح، دموع فين؟ كح يا بابا؟
نظر "حبيب" للأسفل بحزن مصطنع ثم للدكتور بحدة. فهتف الدكتور بأسف مصطنع:
- البنت اللي جت معاك من أسبوع، البقاء لله. دخلت غيبوبة من الصدمة وتوفيت من يومين.
أنقبض قلبه وأتسعت عيناه بصدمة وهو يحاول القيام من السرير ودمعت عيناه. حاول "حبيب" إيقافه فصرخ به وهو يدفعه بقوة وقلبه يعتصره الألم من صدمته قائلاً:
- أبعد عني. دموع عايشة مماتتش، أنتوا دكاترة حمير مبتفهموش.
نزع عن يده الكانولا فنزفت يده ووضع يده على صدره يؤلم الجرح مع ألم فراقها الذي لا يصدقه. ونزل من سريره وكاد أن يسقط، مسكه الدكتور فدفعه بقوة أسقطته على الأريكة. خرج من الغرفة وخلفه "حبيب" والدكتور يصرخ باسمها بتعب:
- دموع، كح كح، دمـــوع، كح كح، دمــ.....
سقط على الأرض فاقد الوعي من الصدمة وألم جسده المصاب بعد تلقي رصاصتين وغيبوبة دامت لأسبوع يصارع الموت بها من أجل البقاء معها والوفاء بوعوده الذين وعد بهم.
هتف بصوت مبحوح ودموعه تتساقط بوجع وتعب من المعاناة، وحده يحدث صورتها قائلاً:
- بيقولوا إنك متي وسيبتيني، ميعرفوش إنهم لو جابوا مئة شهادة وفاة عمري ما هصدق إنك مشيتي. أنا حاسس بيكي يا دموع قلبي، حاسس بيكي وبقلبك، لسه عايشة جوايا.
قاطعه رنين هاتفه برقم محفوظ تحت اسم "كارما"، أجابها بتهكم قائلاً:
- آلو.
- أزيك يا حضرة الضابط؟
قالتها "كارما" باستياء، فأجابها بملل:
- عايش، خير.
عقدت ذراعها أمام صدرها وهتفت بغيظ شديد قائلة:
- يعني مراتك طلعت عايشة أهي، ولا ده يكون شبحها وأنا مش واخدة بالي؟
أعتدل على كرسيها باستغراب شديد وقال:
- مراتي مالها؟ مراتي مين؟
هتفت بنرفزة شديدة صارخة به قائلة:
- مراتك دموع هانم، مكنش في لزوم للخناق قدام ولادي وتعرفهم إن أبوهم قاتل.
وقف بصدمة ألجمت لسانه بعد أن سمع جملتها، ثم هتف بتلعثم وكلمات متقطعة تكاد تخرج من صدره قائلاً:
- دموع عايشة؟ أنتي فين؟
- في إسكندرية.
قالتها بغيظ شديد منه. أخذ مفاتيحه وخرج مسرعاً من الشقة، وعاد نبض قلبه مجدداً وقال متمتماً:
- أنا جايلك، هي فين بالظبط؟ خليكي معاها، متسبهاش.
دلف "حسن" صباحاً إلى الغرفة بعد أن طرق الباب وأذنت له. رآها تقف أمام مرآة طويلة بجوار مكتبها وتلف وشاحها الصوف حول عنقها، فهتف مبتسماً:
- خلصتي؟
أجابته وهي تستدير تأخذ الطاقية الصوف من فوق المكتب قائلة:
- آه، بقالي 26 ساعة صاحية بسبب الحادثة، لا أكلت ولا نمت.
استدارت للمرآة ترتدي طاقيتها الوردي فوق رأسها وترتب شعرها الذهبي القصير على كتفها وظهرها. جلس فوق المكتب وقال بمرح:
- يبقى أعزمك على الغداء. عاجبني أوي الطاقية دي، دكتورة غنية معاكيش فلوس تجيبي طاقية؟ من يوم ما عرفتك وأنتي مبتغيرهاش كل شتاء بيها.
أخذت هاتفها من جيب البلطو الأبيض وهتفت بفخر وسعادة ممزوج بحزن:
- دي هدية مميزة من إلياس حبيبي، جابهالي أول شتاء لينا مع بعض، الكوفية دي والطاقية، ومعاهم جوندي عشان بيخاف عليا من البرد والساقعة.
وقف معها بحب وهتف مبتسماً مغموراً بحبها لهذا إلياس:
- بتحبي أوي كده؟ نفسي أعرف عملك إيه عشان تحبيه أوي كده كل السنين دي؟
خرجت معه وأغلقت باب مكتبها وهي تقول بنبرة دافئة طفولية وعيناها تبث منها حبها الحزين الذي يسكنها:
- هو الوحيد اللي بيقدر يحتويني وقت ضعفي وخوفي، بيخاف عليا من الدنيا كلها، حتى من نفسه، بيحميني من نفسه. هو الوحيد اللي ماسكة إيده لها طعم وإحساس مختلف عن كل الناس وكل الرجالة. إلياس مش بس حبيبي، لا كمان أول راجل في حياتي، وأول مرة حد يمسح لي دمعتي بإيده كان هو. لو فضلت أحكيلك مش هعرف أعبر عن لحظة واحدة بعيشها معاه وبين إيده.
خرجوا من الباب الخلفي الذي يوصل لجراج السيارات. سألها بهدوء شديد قائلاً:
- ممكن أسألك سؤال؟
أشارت إليه بنعم وهي تفتح سيارتها وتركب في كرسي السائق. فركب بجوارها وهتف بإحراج:
- أنتي عندك 26 سنة، منفسكيش تكوني أم على الأقل تلقي سبب تعيشي عشانه بدل الذكريات اللي عايشة فيها؟
أجابته وهي تضغط على زر تشغيل المحرك مبتسمة بفخر من حالها قائلة:
- أنا الراجل الوحيد اللي ممكن يكون أب لولادي هو إلياس، ومادام راح يبقى مفيش ولاد، وعمري ما هسمح لراجل غيره يلمسني.
ابتسم عليها وقال بمرح شديد:
- راحت عليك يا مدحت! معرفش الراجل الحمار ده اترفض مرة بيحاول تاني إزاي؟ معندوش دم ولا كرامة، رجولته مبتنفعش عليه.
قهقهت ضاحكة عليه وهي تقود، تأمل ضحكتها بسعادة، فهي مثل البدر لا تطل سوى مرة واحدة في الشهر، وأحياناً يعجز عن إخراجها من بين شفتيها.
وصل "إلياس" إلى المستشفى مع أذان العصر بعد أن قاد كالمجنون طوال الليل ليصل لها، لا يعلم ماذا حدث وكيف، ولكن هناك أمل بأن تكون هي وحية. صعد ركضاً إلى غرفة "إريج" ودلف، وجد "سلمى" تفحصها وبجانبها "كارما". هتف بتلعثم من الركض:
- دموع فين؟
- معرفش، هي عملت العملية.
قالتها "كارما" باستياء منه. أعاد سؤاله لـ "سلمى".
رفعت نظرها له وقالت بدهشة:
- قصدك دكتورة دموع بتاعتنا؟ تلاقيها خلصت ورديتها من ساعة كده. أنت جوزها؟
فسألها بدهشة من سؤالها قائلاً:
- أنتي تعرفيني؟
أنهت فحصها ووقفت ثم قالت مردفة:
- طبعاً، صورك في كل مكان في مكتبها. عموماً، هي خرجت من ساعة.
خرج معها من الغرفة بسعادة بعد أن تأكد بأنها هي طفلته مادام معها صورته. فأعاد الأسئلة عليها:
- بيتها فين؟
- بيتها متحرك معاها، متعرفش توصله.
قالتها وهي تبتسم له، فأجابها بدون فهم:
- إزاي مش فاهم؟
توقفت عن المشي ونظرت له ببسمة ثم أردفت بسخرية مزاحة قائلة:
- دكتورتنا الجميلة معندهاش بيت. بيتها الوحيد عربيتها، وخدتها معاها وهي خارجة، تقدر تستناها، هي مش هتتأخر برا.
تركته ورحلت لعملها. وقف بصدمة في مكانه، أحبيبته لا تملك بيت، تعيش بسيارة، وماذا حدث آخر في حياتها؟
صرخ "حبيب" بها بغضب قائلاً:
- ابنك طلع متجوزها! متجوز رقاصة، جوز أمها تاجر مخدرات، وأمها مقتولة، وعاشت وسط الرجالة.
تمتمت بهدوء شديد مقابل غضبه قائلة:
- شوفت، عشان كده قولتلك فكر في حل للموضوع ده. أنا كمان ضميري واجعني وندمانة إني طوعتك. كان لزومها إيه ننقل البت من المستشفى وهي في غيبوبة بين الحياة والموت ونقوله ماتت؟ حبل الكذب قصير وربنا سترها سنين، نصلح غلطنا بقى قبل ما يكتشف ونخسره، ويوم لما يعرف هيروح لها هي، وإحنا اللي هنخسر.
- دلوقتي بقيت أنا اللي غلطان؟ مش كان عاجبك الحل ووافقتني عليه؟
قالها بنرفزة وهو يجلس على كرسيه. فهتفت بهدوء:
- حاول تلاقي حل، دي مراته في النهاية.
صمت بغضب مكتوم بداخله.
أنهت غداءها مع "حسن" وركبوا السيارة وقادت به وهي تكاد تفتح عيناها من التعب. ضغطت على الفرامل فجأة حين رأت أمامها حادث صدام وفرار. ترجلت من سيارتها معه، وجدت شاب في مقبل عمره بجانب موتسكيل ويرتدي خوذة على رأسه. شقت قميصه بمهارة وهي تقول:
- اتصل بالإسعاف يا حسن بسرعة.
وضعت يدها على بطنه وشعر بنزيف داخلي وبطنه تتضخم شيئاً فشيئاً.
جلس في الاستقبال ينتظرها على نار أشد من الجمر وهو يتذكر ذكرياته معها وكيف كانت بسمتها وعيناها الخضراء. هل كبرت وكيف أصبحت؟ هل ستعرفه حين تراه؟ كيف أصبحت طبيبة وكيف مظهرها بزي الطبيبة؟
قطع شروده صوت سيارة إسعاف تقف أمام الباب والجميع يركض للخارج. وبعد ثوانٍ، دلف سرير متحرك عليه مريض غارق في دمائه وهي تجلس على ركبتيه فوقه وتضغط على صدره تنعش قلبه وتتنفس بقوة.
وقف بذهول حين رآها، بالفعل هي حبيبته الصغيرة. لم تتغير كثيرًا. قصت شعرها وما زالت نحيفة وقصيرة، ضئيلة الحجم وترتدي طاقيتها ووشاحها. ذهب خلفها مسرعًا والممرضون و"حسن" يدفعون السرير بقوة متجهين لغرفة العمليات.
قفزت من فوقه بسرعة وهتفت بقلق قائلة:
- أنا هغير هدومي بسرعة، خليهم يبدأوا.
أشار إليها بنعم وركضت بسرعة وهي تخلع طاقيتها ووشاحها. رآه "حسن" وصُدم صدمة ألجمته. وكيف لم يمت "إلياس"؟ أمسكه من ذراعه فنظر "إلياس" له ببرود. هتف "حسن" بتلعثم:
- إلياس.
- أنتوا كلكم تعرفوني بقى.
قالها باستفزاز يريد الذهاب لها. أخذه "حسن" بالقوة وهو يسأله:
- دموع شافتك؟
أشار إليه بلا. فأكمل حديثه مجددًا:
- يبقى متخليهاش تشوفك. أنت متعرفش حالتها عاملة إزاي وممكن يحصلها إيه لو شافتك. في مريض بيموت في أوضة العمليات، لو شافتك هترفض العملية، ممكن تستناها بعد العملية. بالمناسبة، أنا حسن صديقها الوحيد بعدك. إيه رأيك نشرب قهوة سويًا، وأهو أحكيلك حالتها عاملة إزاي وعايشة إزاي.
نظر للممر الذي ذهبت به ثم أشار إليه بنعم وذهب معه. ارتدت زي العمليات ودلفت بعد التعقيم ولم تجده في الغرفة. بدأت جراحتها كالمعتاد، روتين يومي لها.
اشتروا القهوة من الكافتريا وذهبوا إلى غرفتها و"حسن" يحكي له ماذا حدث منذ أن فاقت من غيبوبتها وأخبره بموته حتى الآن، وكيف أصبحت دكتورة ترفض شراء بيت لها وتعود له بعد عملها ولا تجده به كما اعتادت. سأله "إلياس" بفضول:
- وإزاي أخدت الحاجات دي من بيتي؟
- والله ده تسأله للي دبر موتها ليك وموتك ليها، بس مش محتاجك تفكر، أكيد ودوهالك وأنت مش في البيت وقالولك إنهم رموا حاجاتها بسيطة.
قالها "حسن" بغضب. فكر بحديثه وغضبه يزيد بداخله من والده ووالدته وكيف خدعه طوال السنين التي مرت. كيف كذبوا عليه وحرموه من حبيبته وزوجته وعذبوا قلبه معهم. وقف من مكانه وهو يتفحص المكان وصور خطبتهما على مكتبها ودمياتها التي اشتراهم لها على سريرها الصغير.
خرج "حسن" من الغرفة وتركه. فتح أحد الأدراج وهو يجلس على كرسي مكتبها ورأى جميع الدفاتر الوردية. فتح أحدهم ووجد اسمه بها وورقة زواجهما وشهادة وفاته المزورة. قرأ المكتوب وعلم بأنها في نهاية كل يوم تكتب له ما حدث معها. قرأ جميع الدفاتر وهو ينتظرها تخرج من الجراحة.
فتح الباب ودلف "حسن" مبتسمًا:
- دموع خلصت.
ترك ما بيده وخرج مسرعًا معه. هتف "حسن" محذرًا له بخوف:
- خد بالك، دموع منامتش بقالها 30 ساعة ونص. أوضة العمليات آخر الممر، هتلاقيها طالعة دلوقتي.
ذهب "حسن" فركض مسرعًا إلى هناك فرأى الباب الزجاجي يفتح وتخرج منه وهي ترتدي تيشرت وبنطلون أزرق اللون زي العمليات وبيديها قفازاتها البيضاء وعلى رأسها طاقية طبية وفوق فمها كمامة. لم يظهر منها سوى عيناها الخضراء وبقدمها حذاء طبي. توقف مكانه ينظر عليها وهي تخلع قفازاتها بتعب وتثني رقبتها يمين ويسار بإرهاق وعيناها تكاد تفتحهما. رفعت رأسها للأعلى لكي تقوس ظهرها للخلف فوقعت عيناها عليه...
رواية راقصة الحانة الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم نور زيزو
فركض مسرعاً، آلي هناك فرأى الباب الزجاجي يفتح وتخرج منه وهي ترتدي تيشيرت وبنطلون أزرق اللون زي العمليات، وبيديها قفازاتها البيضاء، وعلى رأسها طاقية طبية، وفوق فمها كمامة. لم يظهر منها سوى عيناها الخضراء، وبقدمها حذاء طبي.
توقف مكانه ينظر عليها وهي تخلع قفازاتها بتعب، وتثني رقبتها يمين ويسار بإرهاق، وعيناها تكاد تفتحهما. رفعت رأسها للأعلى لكي تقوس ظهرها للخلف، فوقعت عيناها عليه. ازدردت ريقها بصعوبة، ونظرت حولها وهي تغلق قبضتها بقوة. اعتادت على رؤيته أمامها في الآونة الأخيرة.
تحاشت النظر له وخلعت طاقيتها والكمامة وهي تذهب، وتأبى النظر عليه. فيضحك الجميع عليها ويلقبوها بالمجنونة. لكن أوقفها صوته القوي وهو يناديها:
- دموع
توقفت قدمها بصدمة، وكأنها شلت مكانها وفقدت السيطرة على تحريكها. ثم رفعت نظرها له بصدمة، وتقابلت عيناهما معاً. بداخل كل منهما صدمة قوية وشغف بهوس للآخر. اشتاقت له حد الموت، فقد كانت على وشك الاستسلام لهوسها به ليقتل عقلها وتفقده وتجن حقاً، لتتخلص من عذابها.
نظر لها بشغف ودفء كبيرة بعد أن كان يعيش مع صورها وكونها زوجته حقاً. ومازالت تنتظره في بيته، إلى أن تجسدت أمامه حية وينبض قلبها له.
نادها مجدداً وهو ينظر لعيناها:
- دمـــوع
- عــ .. مـــ ... ــه
قالتها بتلعثم شديد وصوت مبحوح، غير مصدقة ما تراه وأنه حي وإمامها يناديها. فتح ذراعيه لها مبتسماً. دمعت عيناها بألم ومازالت غير واعية في صدمتها. فركضت نحوه مسرعة، وارتطمت بصدره الصلب وهي تلف ذراعيها حول خصره ورأسها على صدره، وتبكي بشهقات قوية عالية، وتمتمت:
- أنا كنت عارفة إنك ممشيتش. أنت قولتلي مش هسيبك. عمّه أنت واحشني أوي. أنا عـــ .....
مالت رأسها للخلف بعد أن شعر بارتخاء جسدها بين ذراعيه، فاقدة للوعي. مسكها بحذر حتى لا تسقط منه. وانحنى قليلاً، يحملها على ذراعيه برفق، وذهب إلى غرفتها. وضعها على سريرها وحاول إفاقتها بهدوء.
فتحت عيناها الخضراء ببطء شديد وتعب، فرأته أمامها. نظرت حولها ووجدت نفسها بغرفتها، هتفت بصدمة:
- أنت عايش؟ طب أزاي؟
أجابها وهو يمسح بيديه على رأسها بحنان قائلاً:
- نامي الأول، انتي صاحية بقالك 30 ساعة. ولما تصحي أحكيلك وتحكيلي كل حاجة.
وذهب ليغلق باب الغرفة من الداخل لكي لا يدخل أحد عليه. وستائر النوافذ الخشبية يغلقها.
- أنت بجد حقيقي يعني؟ أنا لما أصحي هيلاقيك هنا مش هتختفي؟
قالتها بلهفة بنبرة هادئة من التعب. فهتف بحنان وهو يصعد على سريرها الصغير بحجم الأريكة قائلاً:
- لا أنا كمان هنام معاكي عشان منمتش من امبارح.
مدد جسده بجوارها وأدخل ذراعه أسفل رأسها ويطوقها بالآخر. هتفت ببراءة وهي بين ذراعيه وداخل أحضانه:
- أنا بحبك.
نظر لعيناها مباشرة بدفء وشغف، ثم هتف بخفوت هامساً لها قائلاً:
- نامي عشان أنا دلوقتي جوزك. غير كل مرة ممكن أعمل مصايب وكوارث.
ابتسمت له وعيناها تغمض شيئاً فشيئاً. فبدأ يمسح على رأسها حتى غاصت في نومها في أقل من دقائق. ظل يتأملها لكي يطمئن قلبه بأنها هنا بجواره حقاً، وأنها زوجته وملكه الآن. فكر بوالده ووالدته، ماذا سيفعل حينما يعود؟ هل سيغفر لهم عذابه هو وحبيبته؟ بعد ما قرأه في دفاترها، وبعد ما أخبره "حسن" به عنها، وكيف ساء حالها تدريجياً، وهي تعيش في حبه وحده حتى وصلت لطلب دكتور نفسي. هل سيغفر كل هذا لهم؟ هل لأنهم والديه يحق لهم ما فعله به؟ هل سيقبل بما فعله بعد أن سلبه شبابه الذي كان سيقضيه بجوارها؟
أستيقظت "أثير" على صوت أطفالها. ففتحت عيناها بتعب ووجدت "ماليكة" تجلس على السرير بجوارها و"مالك" من الجهة الأخرى، ويوقظانها.
هتفت "ماليكة" بحزن طفولي شديد قائلة:
- ياماما قومي الباث (الباص) مشي وثابنا (سابنا) مش هنروح المدرثة (المدرسة).
- قومي ألبسي ووديني المدرسة.
قالها "مالك" وهو ينظر لها بنرفزة طفولية جميلة. فهتف بهم بصراخ قائلة:
- ألبس إيه وأوديكم فين؟ أنا قادرة أتحرك من مكاني. الباص مشي، تعالوا كملوا ناموا.
وجذبتهم لفراشها لكي يناموا بحضنها. أدخلتهما تحت الغطاء وطوقتهما وهي تقول:
- الجو برد وانتوا بتتخانقوا على المدرسة. اتغطوا كويس ياقلب ماما لأحسن تبردوا.
ووضعت قبلات على جبينهما بحنان وعادت لنومها. عاد "علي" من عمله صباحاً بعد إنهاء قضيته ودلف إلى الغرفة. ابتسم بتعب واتجه نحو سريره بسعادة وهو يضع يده على الغطاء ويقول:
- حبيبي أنا جيت ياروحي قومي.
وأبعد الغطاء عنها، وشهق بقوة حين وجد أطفاله في سريره. أقترب منهم ورآهم ثلاثتهم ناموا كالملاك الصغار. وزفر بتعب وذهب إلى الحمام باستسلام لواقعه ووجود أطفاله.
فتحت "دموع" عيناها بتعب وهي تمطي جسدها ولكنها لا تستطيع من ضيق المكان. وجدته بجوارها نائم وهي في حضنه أسفل ذراعيه. تحسست وجهه برفق لتتأكد بأنه حي. أمامها فتح عيناه من لمستها وتقابلت عيناهما تحكي كل شيء عن عشقهما واشتياقهما لبعضهما البعض طوال هذه السنوات. وتأكدت من شيء واحد أنه حي ولم يبحث عنها.
دفعته بقوة بعيدًا عنها فسقط على الأرض بدهشة من فعلتها. صرخت به وهي تقوم من سريرها:
- أنت عايش أهو، امال إيه مات دي؟
تألم من دفعتها وهو يقف يتاوه بوجع. وقفت بلهفة وخوف عليه وهرعت نحوه تتفحصه باستياء وتقول مردفة:
- أنت كويس؟ في حاجة بتوجعك؟
مسك يدها بحنان فنظرت لعينيه مباشرة بصمت. فقال بدفء ولهجة عاشقة:
- اللي كان واجعني خف من ساعة ما شوفتك.
ووضع يدها على قلبه. ارتبكت من نظراته فبدأ قلبها يسرع بضرباته بعد عودة حبيبه فعادت للحياة معه. جذبت يدها من قبضته وأشاحت نظرها عنه بخجل وتوردت وجنتها بشدة. وقالت بخفوت خجلة منه:
- ممكن تخرج برا؟ عايزة أغير هدومي.
- عادي، أنا زي جوزك برضو.
قالها وهو يقرص وجنتها برفق. تألمت من يده بوجع فأبعدت يده عنها. نظر بدهشة من ألمها فهل ضعف جسدها مع قلبها. خرج من الغرفة وظل ينتظرها. خرجت من غرفتها بعد نصف ساعة مرتدية بنطلون جينز وتيشرت أسود وعليه جاكيت جلدي وحول عنقها وشاحها الصوف وطاقيتها الوردية. رأته يقف أمام باب الغرفة فتركته ورحلت. ذهب خلفها حتى سيارتها وركب معها وهي صامتة. ذهبت للبحر ثم ترجلت من السيارة وهو معها. توقفت تكاد رأسها تنفجر من التفكير. فاستدارت له بعقل يكاد يجن وسألته بغضب:
- أنت عايش إزاي بقى؟ ممكن أفهم؟
مسك يدها بحنان وهو يقول:
- تعالي نقعد وأحكيلك.
نزعت يدها بقوة من يده بغضب صدم من فعلتها. أهذه طفلته التي كانت تعانقه في الشوارع وتطلب بقبلة في الشارع منه دون توقف؟ صرخت بانفعال شديد:
- أنت عايش إزاي؟ كلهم قالوا إنك موت. أنا حتى معايا شهادة وفاتك. إزاي ده ممكن أعرف؟ وكنت فين كل ده؟
قص عليها كل شيء منذ أن فاق من غيبوبته حتى أن أخبروه بموتها وأعطوه شهادة وفاتها وكيف عاش معها في بيته مع صورتها. صرخت وهي تبكي بانهيار من حديثه أكثر قائلة:
- يعني أنتوا لعبتوا بيا وبمشاعري لدرجتي؟ سهل عندكم اللعب بالناس وقلوبهم؟
أمتلك وجهها بين كفيه بحنان ليهديها قليلا ويخفف من بكاءها. ثم هتف بحنان قائلا:
- أنا عمري ما لعبت بيكي يا دموع. أنا عشت بحبك وهموت وأنا بحبك.
دفعته بقوة بعيدًا عنها وقالت بصراخ وغيظ شديد:
- حب إيه ده؟ عذاب مش حب. أنا مش عايزة الحب ده كله كدب وخداع ومش عايزك أنت كمان. لدرجتي سيادة اللواء مش عايزني؟ جاله قلب يطلع شهادة وفاة لابنه وليه عشان يخلص مني؟ أنا مش عايزك...
- أنتي مراتي يادموع.
قالها "إلياس" بغضب شديد من حديثها ورفضها له. فأجابته بعيون باكية وصوت غليظ:
- تطلقني أو نقطع الورقتين دول ونرتاح.
أستدارت بحزن وتركته ورحلت وهي تبكي بقلب مجروح من قسوة العالم. وضعت يدها على فمها تكتم صوت بكاءها. ناداها بحزن عميق وقلب مقبوض قائلا:
- دموع... أنا مظلوم.
صمت للحظة وهو يراها ترحل بعيدًا عنه. ثم أكمل حديثه بصوت ضعيف قائلا:
- وبحبك.
عضت شفتيها السفلى بغيظ وهي تبكي بوجع. ثم أستدارت له ونظرت لعينيه بضعف. فحقا هي بدونه جسد بلا روح منتظر الموت فقط. حدقت به بحيرة ثم ابتسمت له ابتسامة مشرقة تنير حياته ودنياه وركضت نحوه بسرعة جنونية. رآها تركض له فركض مسرعًا لها فأرتطمت بجسده وحملها عن الأرض وهو يعانقها بقوة وهي تلف ذراعيها حول عنقه ورأسها على كتفه بسعادة. وهتفت ببراءة ونبرة عاشقة دافئة قائلة:
- وأنا بحبك.
دار بها بقوة حتى سقطت طاقيتها من فوق رأسها وتطاير شعرها مع دورانه يداعب وجهه. وأنزلها عن الأرض ويديه كما هما على خصرها. فأنزلت ذراعيها فوق صدره. نظر لعينيه بحنان وحب نظرات عاشق عثر على حبيبه بعد عمر طويل. بادلته نظراتها بخجل شديد ووجنتها زادت حمرتها منه. ضحك عليها وهتف مازحا من نضجها:
- بقيتي تتكسفي يادموع.
ابتسمت وهي تضربه على صدره بغيظ منه. فهتف مصطنع الألم قائلا:
- يابت براحة، راعي إن حبيبك راجل عجوز دلوقتي.
ضحكت بقوة عليه وقالت بغزل وعفوية:
- في عجوز حلو كده وشعره بني وعينه عسلية؟ لالالا أنا مقدرش على كده.
فرت هاربة منه وهي تضحك وهو ينظر عليها بسعادة ويردف بسعادة قائلا:
- متغيرتيش يا دموع، مهما تعملي وتكبري وتبقي دكتورة وبرضو عيلة زي ما أنتِ.
وقفت خلفه وركبت على ظهره بسعادة وهتفت وهي تتشبث بعنقه بذراعها الأيمن حتى لا تسقط من فوقه وتمدد ذراعها الآخر في الهواء وتقول بطفولية وسعادة تغمرها بعودته لحياتها قائلة:
- يلا أجرى.
مسك ذراعها بحذر وهتف بضجر قائلا:
- أجرى إيه؟ بقولك راجل عجوز تقولي أجرى.
قرصت وجنته برفق وهي تضع رأسها على كتفه لتنظر له. وقالت بخفوت:
- أنا عايزك تجري. أجري بقى.
نظر بجانبه لها تأمل بسمتها البهيجة وبريق عينيها الساحر وشعرها المسدول على كتفه هو. ثم هتف بتذمر شديد عليها قائلا:
- مش عايز أجري. الجري ده للأطفال.
هزت قدميها بضجر طفولي وقالت بإصرار شديد قائلة:
- أنا طفلة وعايزة ألعب. أجرى بقى.
- مش عايز.
قالها وهو يخطو بها للأمام. ثم تحولت خطواته للركض وهي تمدد ذراعها في الهواء وتضحك بسعادة وهو يفعل المثل. جذبها من ذراعها بمهارة فأنزلها من فوق ظهره وجعلها على ذراعيه أمامه. نظرت عليه بخجل وهتفت بطفولية شديدة قائلة:
- بتبصلي كده ليه؟
تأملها بصمت شديد وهي بين ذراعيه. ثم نزل بنظره على شفتيها وبدأ في الانحناء نحوها. فرفعت يدها بخجل من نظراته وهي تضع خصلات شعرها خلف أذنها بارتباك. فصرخت بهلع شديد وهي تقفز من فوق ذراعيه قائلة:
- طاقيتي!
وركضت للخلف تبحث عن طاقيتها وهاربة منه. عض شفاته بغيظ من هروبها وذهب خلفها.
أستيقظ "علي" عصرا على صوت أبنه وهو يدخل الغرفة يصرخ بهلع وبكاء:
- بابا.. بابا أصحي يا بابا.
فتح عيناه بضجر شديد وهو يجذب الغطاء على عيناه ويردف قائلا:
- اخرج ياض العب مع أختك وأطفي النور ده.
صعد "مالك" على سريره وهو يرفع الغطاء عنه يقول ببكاء وخوف:
- أصحي ماما وقعت ومش بتلد (بترد) علينا. قوم يا علي شوف ملاتك (مراتك).
فزع من سريره بخوف وقفز منه بهلع شديد. خرج ووجدها على الأرض تفتح عيناها بصعوبة وتساندها الخادمة ومعها "ماليكة". جلس على الأرض بجوارها وهو يقول:
- حصل إيه؟
أجابته بخفوت شديد وهي تقف معاهم قائلة:
- مفيش يا حبيبي، سلامتك.
- ياماما تعالي نروح لدكتور. انتي كل شوية تقعي كده.
قالتها "ماليكة" بتذمر. فنظر "علي" لها بدهشة وقال:
- كل شوية؟ هي دي مش أول مرة تحصل؟
أشارت إليه "ماليكة ومالك" بنعم. ضربتهما "أثير" على كتفهما بتذمر برفق قائلة:
- اجروا العبوا. متشغلش بالك ياحبيبي، شوية دوخة وبتروح لحالها.
- لازم تروحي للدكتور. على الأقل نطمن وخلاص.
قالها "علي" وهو يأخذها من الخادمة ويدخل لغرفتهما. أستسلمت لرغبته بعد إلحاح قوي منه.
أوقف السيارة أمام عمارة جديدة وعليها لافتة (مأذون شرعي). نظرت للافتة بصمت ثم له وهتفت بهدوء قائلة:
- إحنا هنا ليه؟ مش المفروض...
المفروض أتجوزك يادموع. أنا متجوزتكيش عرفي عشان خايف الناس تعرف أو عشان نبقى في السر. أنا اتجوزتك عرفي عشان كنتي قاصر. ودلوقتي أنتي مش قاصر، يبقى المفروض الوحيد اللي أنا اعرفه أني اتجوزك شرعي.
قالها بحزم وهو ينظر لها بجدية شديدة في ملامحه. هتفت بهدوء توضح وجه نظرها له قائلة:
- مش قصدي كدة. أنا قصدي تتكلم مع باباك الأول وتفهم منه عمل اللي عمله فينا ده ليه وليه بيكرهني أوي كدة.
زفر بضيق وهو يفتح باب السيارة ويتمتم بجدية:
- انزلي يادموع.
نظرت له وهو يترجل من السيارة بلا مبالاة ثم تنهدت بقوة. فتح لها باب السيارة ناظراً لها بجدية. فهتفت بتوتر من نظراته:
- نازلة أهو.
ترجلت من السيارة. أخذها ودخل العمارة متجهًا إلى مكتب المأذون الشرعي ليجعلها زوجته رسميًا وشرعيًا. ضربات مختلفة بقلبها لعودته وما يفعله، فهي حقًا زوجته منذ سنوات. فتح باب المصعد وخرج منه رجلين ليجذبها نحوه برفق وغيرة. فرفعت نظرها له بخجل، تتأمل ملامحه الذي لم تتغير كثير عن السابق. مازال جسده قوي كما كان وعضلاته بارزة وصدره ممشوق وشعره كثيف كالمعتاد يرفعه للأعلى. يبدو من مظهره أنه رجل في نهاية العشرينيات من عمره وليس رجل يملك من العمر 41 عام. ملامحه الجدية وحدته لم تتغير. مازال يغضب من أقل شيء ويوقف عقله عن التفكير حين يتعلق الأمر بها. شعر بنظرها المسلط عليه فأدار رأسه لها ووجدها شاردة الذهن به ولم تشعر بأنه ينظر عليها تتفحصه بدقة شديدة. انحنى قليلاً لها ليبقي بمستواها وهي واقفة وجعل رأسه مقابل رأسها. فاقت من شرودها على قربه بخجل شديد منه وأحمرت وجنتها تزيد من جمالها الساحر وملامحها الصغيرة التي يعشقها. ثم هتف بصوت خافت وأنفاسه الدافئة تداعب أنفها وعيناها قائلاً:
- أنا حلو وموز أوي كدة لدرجة إنك تسرحي فيا.
رفعت يدها بخفوت شديد وعيناها تبتسمان له ببريقهما الساحر ووضعت أناملها الصغيرة على وجنته تتحسس لحيته البسيطة البنية بحب واشتياق. ثم هتفت بخفوت شديد ومازالت يدها على وجهه قائلة:
- أنت أحلى حاجة في حياتي كلها والفرحة الوحيدة اللي عرفتها وشوفتها. من غيرك حياتي كلها دموع ووجع. مستكتر عليا أبصلك شوية وأفرح قلبي بعد الوجع اللي شافه ده كله.
وضع يده على يدها فوق وجنته بسعادة تغمرهما معاً بعد أن أعاد النبض لقلوبهما. ثم قال بحنان:
- سلامتك من الوجع والدموع ياقلبي. أوعدك مفيش وجع تاني ولا دموع هتنزل من عينيكي تاني. وعد ياحبيبتي.
توقف المصعد بهم. مسك يدها بحماس وخرج بها مبتسمة بسعادة بعد وعده بداخلها حماس كبير لتكون زوجته رسميًا رغماً عن الجميع وكل من فرقوهم. في أقل من ساعة عقد قرانه عليها وأصبحت زوجته. خرج بها من المكتب وركب السيارة وهو يقول:
- اعملي إجازة النهاردة من الشغل عشان هتقفلي التليفون.
نظرت له بدهشة وهي تغلق الباب وسألته بضجر شديد قائلة:
- هو من أولها هنقول مفيش شغل ومعنديش ستات تشتغل...
بتر الحديث من فمها بقبلة رقيقة فوق شفتيها سريعة. اتسعت عيناها الخضراء على مصراعيها بذهول من فعلته وتجمدت مكانها وهي تنظر له. هتف بخفوت هامساً لها قرب أذنها وهو يحاصرها في كرسيها قائلاً:
- أنا قولت إجازة النهاردة وبعدين في شهر عسل مش هتنازل عن يوم واحد فيه.
ازدردت ريقها بصعوبة مرتبكة من فعلته وزاد احمرار وجنتها وكأن دماءها بالكامل تدفقت إلى رأسها فقط مع بشرتها البيضاء جعلوها جميلة فاتنة بسحر خاص ونادر لها وحدها. نظر لجمالها في حمرتها وارتباكها الذي أصابها. الفواق من قبلته فوضعت يدها على فمها بإحراج. نزع يدها برفق ناظراً لعيناها وحبيبات العشق الذي يسكنه لسنوات مضت تفيض منهما. ثم انحنى نحوها يقترب منها ووضع شفتيه بدلاً من يدها. فأغمضت عيناها بإستسلام وأقصى درجات السعادة بعد أن نالت قبلة منه طالبت بها منذ زمن بعيد بطفولية وسط الشوارع.
كان يقف أمام مركز الاستقبال ينظر على تقارير المرضى. فجاءت "سلمى" له ووقفت بجواره بتعب وغيظ منه بعد أن أدخلها العمليات بدلاً له. أخذت كوب القهوة من يده وارتشفت القليل منه ووقفت تتأمله وهو يمضي بعض التقارير.
- بقولك إيه يا أبو علي ما تيجي تتجوزني وتكسب فيا ثواب وأهو تلاقي واحدة تاخد بالها منك بدل ما انت شبه المتشردين كدة.
قالتها "سلمى" بمرح وهي تقرص وجنته بتعب وإرهاق. أعطى التقارير للممرضة ثم مسكها من كتفها ويأخذها معه وهو يقول بجدية:
- هو أنا طلقت عشان أتجوز تاني. ثم انتي الحاجة الوحيدة اللي تنفعي تعمليها إنك تروحي تنامي بقالك يومين كاملين منمتيش.
صرخت به وهو يدفعها من كتفها ويأخذها إلى مكتبها رغماً عنها قائلة:
- ماهو كله بسببك كان زماني نايمة أحلى نومة وبحلم بحسونتي حبيبي.
قهقه بشدة من الضحك عليها ثم قال مازحاً:
- روحي نامي وأحلمي بحسونتك زي ما انتي عايزة.
- وهتجوزني.
قالتها "سلمى" وهي تستدير برأسها له وهو يمشي خلفها ويمسكها من كتفها. ضربها على رأسها مبتسماً ثم تركها وذهب.
دلف "إلياس" بها إلى جناح في فندق سياحي يطل على البحر مباشرة. ركضت إلى الداخل بسعادة طفولية تغمرها وفتحت الباب الجرار الكبير ورأت السرير كبير الحجم فركضت نحوه وجلست وهي تقول بأنبهار شديد:
- أنت عارف أنا منمتش على سرير بالحجم ده من إمتي؟ ياااا أكبر سرير شوفته كان بتاعك في البيت بس ده أحلى بكتير واااااووو.
قالت جملتها الأخيرة وهي تمدد جسدها على السرير تجرب النوم عليه بفرحة كبيرة. وهو يقف على الباب متكئاً بكتفه عليه عاقداً ذراعيه أمام صدره ويضحك عليها وهي تتقلب في السرير يميناً ويساراً على شكل حلقات حتى سقطت طاقيتها الوردية عن رأسها مع لعبها. ضحك وهو لا يصدق بأن هذه الطفلة حقاً جراحة وتنقذ الناس بسذاجتها هذه. ظلت تتقلب في السرير بفرحة صانعة حلقات دائرية بجسدها يميناً ويساراً حتى اصطدمت بشيء صلب قوي. رفعت نظرها ووجدت نفسها ملتصقة بصدره الصلب وهو يثني ذراعه الأيسر أسفل رأسه وينظر لها. رفع يده اليمنى يرتب شعرها المبعثر من لهوها. فأبقت ساكنة تماماً تنظر عليه فقط وهي تشعر بأنامله تترك خصلات شعرها بحنان وتنزل لوجهها وعيناها ومنهم إلى خصرها النحيل يحاصرها بذراعه وصدره. ثم انحنى قليلاً يقبل جبينها ثم عيناها بإثارة وخفوت. فأغمضت عيناها بإستسلام مستمتعة بتلك القبلات الناعمة منه التي تذيب قلبها حتى زادت ضرباته وتكاد أن تكسر ضلوعه من قوتها بقلبها وكيانها. فرفعت يدها تتشبث بذراعه الموضوع على خصرها وهو يضع قبلته التالية على عينها الأخرى بحنان قبلة طويلة ناعمة. ثم ابتعد عنها وهمس بجوار أذنها وأنفاسه الدافئة تداعب أذنها قائلاً:
- هأجل أي حاجة لغاية ما تجيبي فستانك أعملك فرحك اللي بتحلمي بيه.
فتحت عيناها بخفوت ثم هتفت ببراءة:
- أنا مش عايزة فرح. أنا فرحي الكبير إنك رجعتلي سالم. مش هطمع أكتر.
أبعدها عنه وهو يحملها من منتصف السرير على ذراعيه وهو يقول:
- من حقك ياحبيبتي تطمعي زي كل البنات وتعملي فرح وشهر عسل.
أنزلها على السرير مجدداً برفق فوق وسادتها. مسك يدها بين كفيه بحنان ويكمل حديثه قائلاً:
- اطمعي فيا يادموع زي ما انتي عايزة لأبعد الحدود. أوعي تبطلي تطمعي فيا. أنا عايزك طماعة فيا أنا وبس.
تشبثت بيدها في كفه وجذبت نفسها للأعلى لتجلس على السرير ثم عانقته بقوة وهي تقول بحب:
- أنا عمري ما كنت طماعة في حاجة قد ما أنا طماعة في حبك. وطمعي وصلني لمرحلة الهوس والجنان. بحبك وأنا راضية. بس أوعدني إنك تبقي حقيقي. خايفة تطلع تهيؤات أو حلم أصحى ملاقكش جنبي.
أربت على ظهرها بحنان مبتسماً ثم قال:
- حقيقة ياحبيبتي. حقيقة.
ابتعدت عنه وذراعيه مازال حول عنقه فقالت بهمس وعيناها تحتضن عيناه بعشق يفيض من قلبيهما:
- قول والله.
- والله.
قالها بخفوت شديد وهو يضع خصلات شعرها خلف أذنها وبسمتها ترسم في ملامحه بالكامل.
سقطت "على" على كرسيه بصدمة ألجمته وقال بتلعثم شديد:
- ورم... أثير... مراتي...
أربت الدكتور على كتفه بأسف.
رواية راقصة الحانة الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم نور زيزو
سقطت "أثير" على كرسيها بصدمة ألجمته وقال بتلعثم شديد:
- ورم... أثير... مراتي...
أربت الدكتور علي كتفه بأسف ثم هتف بتهكم قائلاً:
- أحمد ربنا ده ورم مش خبيث ممكن نستأصله بالجراحة ومبيينتشرش.
وضع يده على وجهه بزفر ومسح على وجهه ثم قال بتهكم:
- يعني هتكون كويسة؟
- إن شاء الله.
قالها الدكتور وهو يجلس على مكتبه مبتسماً.
كان نائماً بجوارها يمدد جسده على السرير يتأملها وهي غارقة في نومها ويديها بجوار رأسها، بعد خصلات شعرها عن وجهها فشعرت بيده وحركت رأسها ونظرت للجهة الأخرى. ابتسم عليها ثم اقترب يشاكسها برفق وهو يداعب أصابع يدها بأصابعه فحركت يدها بهدوء وعادت برأسها له وشعرت بجسده بجوارها فلفت ذراعيها حول خصره تكمل نومها بين ذراعيه. ابتسم عليها وهو يطوقها بذراعيه بقوة يريد أن يخبئها بداخل صدره خلف ضلوعه لتكون درع حمايتها. شعرت به من قوته فقالت بخفوت مغمضة العينين مبتسمة:
- أنا مش ههرب منك.
- آسف يا حبيبتي صحيتك.
قالها وهو يرخي ذراعيه عليها. فأبتسمت بسعادة ورفعت رأسها للأعلى وهي تفتح عيناها الخضراء برفق. نظر لعيناها وهي تفتحهما بهدوء وكأنهما نجم الشمس الذهبي يشرق شيئاً فشئ ينير دنياه وحده بجماله في لحظة شروقه.
أردفت بخفوت وهي تترك خصره وتضع يديها على صدره قائلة:
- ياسلام أنت تصحيني زي ما أنت عايز. وبعدين أنا كده كده هصحى عشان ورايا شغل.
هز رأسه للأمام بتفاهم ثم قال بحزم:
- طب يلا عشان أوصلك وأروح ألف شوية في إسكندرية على ما تخلصي.
أخرجت نفسها من ذراعيه ثم جلست على السرير وهي تقول بغرور مصطنع:
- توصلني مرة واحدة. على فكرة إحنا جايين بعربيتي يعني المفروض تقول أنا اللي هوصلك لعربيتك.
أعتدل في جلوسه ثم قال بغيظ من إحراجها له:
- كتر خيرك ياستي.
أبعد الغطاء عنه بضجر شديد وكاد أن يذهب. مسكت يده بيدها وهتفت ببراءة وترسم بسمة مشرقة له وتميل برأسها لكتفها الأيسر وينسدل شعرها الحرير معها بعفوية قائلة:
- أنت هتزعل؟ أنا بهزر معاك خلاص. أنت اللي هتوصلني متزعلش.
ابتسم بداخله على مظهرها الطفولي الذي اشتاق له وكبت سعادته بداخله مصطنع الغضب ثم نزع يده من قبضتها بقوة بملامح غضب وذهب. صرخت بغضب منه وهي تقف على ركبتيها فوق السرير قائلاً:
- إلياس أنت اتجننت بتسبني وتمشي.
صدم بذهول من نطقها لاسمه لأول مرة ويسمعه من بين شفتيها بطريقة خاصة بها لأول مرة ينطق اسمه من أحد بهذه الطريقة المثيرة التي تجعله يرغب في سماعه باستمرار منه رغم نطقه وهي غاضبة لكن نبرتها دافئة. قفز فوق السرير فجأة ففزعت منه وهي تقول:
- خضتني حرام عليك. هقطع الخلف بسببك.
هتف بهدوء شديد هامساً لها قائلاً:
- لا متقطعيش. أنا عايز دستة عيال. أنتي قولتي إيه وأنا واقف هناك.
نظرت له بخوف من هدوئه وأزدردت ريقها بصعوبة فأرتبكت من نظراته ثم قالت:
- أنت اتجننت.
هز رأسه بالنفي وهو يقول بتذمر مشتاق لسماع اسمه منها مجدداً. وقال بتذمر:
- لا اللي قلبها على طول.
نظرت له بخجل شديد وتوردت وجنتها بلون الدم من ارتباكها بسبب قربه ونظراته ونبرته الدافئة كل شيء به يربكها. فهتفت بخفوت شديد متفادية النظر له قائلة:
- إلياس.
- تاني.
قالها وهو ينظر لعيناها بهيام وحب شديد. فهتفت مجدداً برقة شديدة تثيره:
- إلياس.
لم يتمالك نفسه أكثر من ذلك وأنقض على شفتيها بشفتيه بقوة وهو يسقط جسدها على السرير وهو فوقها يقبلهما بعد نطق اسمه بتلك النبرة التي تبدو وكأنها ستكون نقطة ضعفه أمامها ثم صعد يقبل كل أنش في وجهها.
فصرخت به بدلال تثير كيانه أكثر قائلة:
- إلياس استنى...
أسكتها بقبلته الناعمة مجدداً. ابتسمت بسعادة وسط قبلته فطوقت عنقه بذراعيها.
وصل "حسن" للمستشفى وتوقف أمام مركز الاستقبال يتابع مرضاه. هتفت الممرضة بهدوء قائلة:
- دكتور ممكن تمر على مرضى دكتورة سلمى.
فسألها وهو ينظر على بعض التحاليل قائلاً:
- ليه وهي فين؟
أجابته بهدوء وهي تبتسم له بتكلف:
- مجاتش النهاردة تعبانة. دكتورة دموع اتصلت وقالت هتروح تطمن عليها.
رفع نظره بذهول وترك القلم ثم قال:
- عيانة عندها إيه؟
- معرفش. أنا عرفت من دكتورة دموع لما اتصلت.
قالتها الممرضة وهي تجهز الأدوية للمرضى. أخرج هاتفه من جيبه واتصل بـ "دموع" ولم تجيب عليه مما زاد قلقه.
انحنى "علي" للأسفل نحو سريره ينزلها على السرير. فهتفت "أثير" بخفوت مبتسمة:
- أنا كويسة يا حبيبي.
مسح على رأسها بحنان ثم قال بهدوء يخفي خلفه عاصفة من القلق والخوف عليها:
- هو أنا هعوز إيه غير أنك تكوني كويسة وبخير. أنا هجيب حاجة تاكليها أو عصير.
كاد أن يذهب فمسكت يده برفق ثم نظر لها بهدوء وقالت باسمة:
- علي أنا عارفة أنك قلقان عليا بعد كلام الدكتور بس هو طمناك أنه مش ورم خبيث ولا حاجة يعني مش هينتشر يا حبيبي وبمجرد ما نعمل العملية خلاص مش هيظهر تاني وهبقى كويسة وكمان مفيش خطورة كبيرة متقلقش كده.
جلس بجوارها ومسك وجهها بين يديه بحنان ثم أردف بلطف ونبرة دافئة قائلاً:
- أنا بخاف عليكي أوي يا أثير لو جالك شوية كحة بحس أني هتجنن من الخوف ومبقاش على بعضي. أنت أغلى وأحلى حاجة في حياتي كلها.
جذب رأسها لـ صدره فتشبثت به بيديها وهي تبتسم بسعادة ثم قالت:
- وأنت يا حبيبي مش بس أغلى حاجة أنت كل حاجة في حياتي. ربنا ما يحرمني منك.
وضع قبلة فوق شعرها بحنان وهو يطوقها بقوة.
خرج "حبيب" من غرفته ووجدها تجلس في الصالون حزينة. سألها وهو يجلس بجوارها:
- مالك يا جميلة قاعدة كده ليه؟
- إلياس بقالي يومين بتصل بيه مبيردش عليا وفي الآخر تليفونه اتقفل. قلبي مش مطمن.
قالتها وهي تترك الهاتف من يدها بوجه عابث. أجابها "حبيب" وهو يأخذ طبق الفاكهة قائلاً:
- تلاقيه فصل شحن ولا حاجة. مانتي عارفة ابنك عقله مبقاش فيه.
نظرت له بحزن عميق وقالت غاضبة بانفعال:
- ولما أنت عارف إن عقله مبقاش فيه أرحمه وأرحم عقلي اللي هيتجنن وترجعله عقله وقلبه.
- تاني موضوع دموع ده. أنتي مبتزهقيش منه يا جميلة. نفس الكلام اللي بنقوله بنعيده.
قالها بنرفزة وهو يضع الطبق من يده. وقفت "جميلة" بوجه عابث وقالت:
- لا نعيد ولا نزيد بس اعمل حسابك ابني لو بعد عني أكتر من كده بسبب قسوتك أنا ممكن يجرالي حاجة. كفاية أني مبشوفهوش غير كل شهرين تلاتة مرة.
دخلت لغرفتها باكية بصمت نادمة على طاعتها له وبعد ابنها عن حبيبته الصغيرة.
ظل يمر على المرضى في المستشفى واحد تلو الآخر وهو يشعر بفراغ كبير بداخله لعدم وجودها. كان كلما أراد فعل شيء وتهرب من المرضى يذهب لها ركضًا. وكلما ظهرت أمامه متعبة من العمل تطلب الزواج منه، قطع شروده صوت "نارد" قائلاً:
- يا دكتور ده علاج للكبد ودي عاملة الزايدة.
نظر "حسن" له بصدمة وهز رأسه بقوة وقال:
- كمل أنت يانادر.
تركه وخرج بصدمة. أغيابها يوم يفعل به كل هذا حقًا يجعله يشرد طوال الوقت ويكتب أدوية خطأ للمرضى. غير ملابسه وذهب ولم يشعر بنفسه إلا وهو يقف أمام باب شقتها. طرق الباب بهدوء وفتحت له "دموع" وقالت:
- تعال ياحسن.
دلف خلفها ووقع نظره على "سلمى" وهي نائمة على الأريكة وفوقها غطاءان وترتجف. سألها بهدوء وهو يقترب ونظره عليها:
- هي مالها؟
- درجة حرارتها منخفضة واضح أنها كانت مخففة امبارح في الثلج اللي إحنا فيه ده وأنت عارف سلمي قد إيه جسمها حساسة من أقل حاجة.
قالتها وهي تخرج الهاتف من يدها. فسألها بفضول:
- أنتي بتعملي ايه؟
أجابته بخوف شديد وهي تعطيه الترمومتر قائلة:
- هتصل بالاسعاف درجة حرارتها 35 وأنت عارف لازم تعلي في نص ساعة وإلا هنخسرها. عملت كل المحاولات ومبتطلعش.
جثا على ركبتيه بحزن وخوف استحوذ على قلبه. ثم وضع يده على جبينها ووجدها باردة كقطعة ثلج وترتجف. رن هاتف "دموع" باسمه. فنظر "حسن" لها وقال:
- روحي له وأنا هقعد معاها.
- لا طبعًا مش هتسبها وأمشي.
قالتها بتذمر وإصرار. فهتف بأنفعال قائلاً:
- آنا قاعد يادموع. أمشي بقي مش ناقصة.
فزعت من أنفعاله فتركته وذهبت تتواعد بالكثير لـ "إلياس" بسبب اتصاله، فهي أخبرته بمرض صديقتها. ناداه "حسن" بهدوء:
- سلمى.
لم تجبه وهي بعالم آخر. فوقف بهدوء شديد وهو يرفع الغطاء ويدخل أسفله بجوارها ويدخل ذراعه أسفل رأسها ويطوقها بقوة حتى التصقت بصدره. ومسك كفيها بيده الأخرى وينفخ بهما بقوة يدفئهما.
وصلت "دموع" للغرفة في الفندق ودلفت بغيظ شديد منه. ولم تجده في الاستقبال. فألقت بحقيبتها على الأريكة. ثم فتحت الباب الجرار ووجدته على السرير نائم بدون غطاء. يبدو أنه كان ينتظرها. نزعت طاقيتها ووشاحها ثم البلطو ووضعتهن على الكرسي. ثم اقتربت منه بهدوء شديد على أطراف أصابعها حتى لا يوقظه. رفعت قدمه بخفوت شديد ووضعتهما على السرير ونزعت منهما حذاءه. ثم جلست بجواره وهو يعطيها ظهره تتأمله. فأبتسمت عليه وهو يبدو كطفل صغير في منامه. مالت برأسها للأيمن بهيام وهي تتأمل بعض خصلات شعره البيضاء التي ظهرت بالجانبين. رغم قلتهم ولكنهم ظهروا. فحقا حبيبها يكبر مثلها. فهي كبرت كثير عن الماضي ونضجت أكثر. لمست شعره بيدها الصغيرة تداعبه بأناملها برفق شديد. رن هاتفها. فوقفت وقبل أن تتحرك، مسك يدها بقوة وجذبها نحوه بسرعة البرق. لم تشعر بشيء سوى وهي بداخل ذراعيه. تذمرت عليه بغيظ شديد وهي تحاول الخروج من أسر ذراعيه قائلة:
- أنت صاحي مش نايم أهو. ااااه اووعي ياعم أنت هتفعسني في إيدك.
طوقها بشدة أكثر ليزيد من حكمها بداخل ذراعيه وهتف بخفوت قائلاً:
- عرفتي إن حبيبك راجل عجوز.
توقفت عن مقاومته ونظرت لعينيه بضعف أمامه وحب قوي يسكنها له. تحتضن عينيه بعشق يفيض من عينيها الخضراء وقالت مازحة له:
- فكرتني بفيلم العذراء والشعر الأبيض.
أقترب من رأسها أكثر وهتف بخفوت شديد يهمس لها في أذنها بأثارة قائلاً:
- طب إيه رأيك نخليها مش عذراء؟ أنا بقول كفاية عذرية لحد كدة.
- أنت قليل الأدب.
قالتها بصراخ بعد أن تورّدت وجنتها بلون الدم وكأن دماء جسدها بأكمله تدفقت إلى وجنتيها. ودفعته بقوة بعيدًا عنها وفرت هاربة منه إلى الخارج. ضحك عليها وعلى خجلها وقال بإصرار بعد رؤية خجلها وجماله بها:
- هو كفاية لحد كدة.
ذهب خلفها. وقفت بمنتصف غرفة الاستقبال وهي تشعر بحر شديد في جسدها رغم برودة الهواء والأمطار المستمرة بالخارج. وضعت يديها على وجنتيها ووجدتها دافئة وقلبها لم يتوقف عن النبض بسرعة وضرباته تزداد بسرعة البرق. صدرها يصعد ويهبط من تنفسها بأصوات مرتفعة وقوة. شعرت بيديه تلف حول خصرها ويعانقها من الخلف. اتسعت عيناها على مصراعيها بذهول وهو يزيد من ربكتها وتشعر بأنفاسه الدافئة تداعب عنقها وهو يدفن رأسه في عنقها ويشم رائحتها ورائحة شعرها. بقيت ثابتة بين ذراعيه وزادت دقات قلبها مع قربه. هتفت بخجل شديد:
- إليــ ....
بتر حديثها من فمها وهو يجذبها نحوه أكثر قائلاً:
- متكلميش. لو نطقتي اسمي دلوقتي بالذات متلومنيش على اللي هعمله بعدها.
عضت شفتيها بخجل شديد وقالت بخفوت خاجلة منه أكثر:
- طب خلاص. بس ممكن نتكلم شوية جد بقي.
- امممم ممكن.
قالها وهو يطبع قبلة على عنقها الدافئ من ارتباكها ويداعبه بأنفه. أخرجت نفسها من ذراعيه ثم استدارت له وقالت:
- إحنا هنفضل كدة. هتضيع كل فلوسك في الفندق وقاعد إجازة من شغلك. بصراحة أنا مش عاجبني الوضع.
- ماهو بصراحة أنا مقدرش أسيب مراتي هنا في بلد مالهاش حد فيها لوحدها وكمان من غير بيت وأرجع القاهرة عشان أشوف شغلي.
قالها بـزفر وهو ينظر لها بعد أن وضع يديه في جيب بنطلونه بغرور. تنهدت بقوة وقالت:
- يعني هتفضل كدة من غير شغل وعايش في فندق وعايز تتجوز وبس.
أجابها بثقة وهو ينظر لعيناها بهدوء قائلاً:
- لا طبعًا. هنرجع القاهرة سوا لبيتنا وشغلي.
رفعت حاجبها له وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها بضجر ثم قالت ببرود مستفز:
- وشغلي؟
- تسيبيه يا دموع. أنا أهم. وبكرة لما نخلف ولادنا هتحتاجيني أكتر من الشغل خصوصًا إنك عارفة ظروف شغلي.
قالها بجدية وملامح خالية من أي تعبير. ضحكت ساخرة وقالت بغيظ شديد:
- تسيبيه؟ هو ده كان تفكيرك لما جيت هنا وكتبت عليا؟ حبيت تضمن أني مش هقطع الروتين وأقولك بح. شغلي مش هسيبه وأنا كدة عاجبك زي ما أنا. كان بها مش عاجبك يبقى تطلقني.
مسكها من ذراعها بقوة وهو يجذبها نحوه حتى اصطدمت بصدره الصلب وخرجت منها شهقة قوية من فعله. وقال بغضب وملامح مخيفة:
- أياكي تنطقي كلمة طلاق دي تاني. أنتي فاهمة يا دموع؟ والصبر له حدود وأنا صبري عليكي خلص. وتجهزي نفسك عشان هنرجع بكرة القاهرة. وأنا بحذرك يا دموع حذاري صوتك يعلي عليا تاني ولا تفكري مجرد تفكير بينك وبين نفسك أنك تنطقي طلاق دي تاني. أنتي مراتي هتعيشي مراتي وهتموتي مراتي. فاهمة؟
ودفعها بقوة من يده وهي في صدمة ألجمت لسانها من حديثه وفعلته وغضبه عليها. أخذ جاكيته من فوق الكرسي وذهب خارجًا بعد أن قسى عليها بحديثه وغضبه. سقطت على الأريكة من دفعته وهي في صدمتها ولم تشعر بشيء سوى بدموعها الحارة وهي تتساقط على وجنتيها وشعرت ببرودة شديدة في جسدها بعد أن كان يدفئه الحب وعشقه.
رواية راقصة الحانة الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم نور زيزو
أستيقظت " سلمي " مساءً وشعرت بثقل على جسدها. فتحت عينيها بتعب في أنحاء جسدها بالكامل، فاتسعت عيناها على مصراعيها بذهول حينما وجدت نفسها بين ذراعيه وهو غارق في نومه ويطوقها بذراعيه، وعلى رأسها منشفة مبللة، يبدو أنه فعل لها الكثير من الكمادات الدافئة ليرفع درجة حرارتها. تفحصت ملامحه بدقة، بدأ من شعره القصير ذات اللون الأسود، ثم حاجبيه العريضين بكثافة، وعيناه الواسعتين رغم إغلاقهما. رفعت سبابها ووضعته على أنفه برفق، وترسم بسمة على شفتيها بخفة. تحولت ملامحها للصدمة، كانت تعتقد بأنه حلم جميل تعيش به كعادتها، تراه في منامها دوماً. صدمت حين لمسته بأنه حقيقي.
دفعته بقوة بعيداً عنها، فسقط أرضاً واستيقظ بألم من جسده. نظر نحوها ووجدها ترمقه بنظرة غضب، واضعة يديها فوق صدرها بخوف. فهتف بألم وهو يقف ويتلوي بجسده من الألم قائلاً:
- إيه في إيه؟
صرخت به وهي تقف من مكانها بنبرة غليظة وكاد الجيران يسمعوها من صوتها المرتفع قائلة:
- في إيه ولا حاجة ياخويا. حاجة بسيطة خالص جنابك نايم و....
شدت شعرها بغيظ وهي تكبت حديثها بداخلها. اقترب منها بهدوء يحاول أن يوضح لها الأمر، فصرخت به وهي تبتعد قائلة:
- أنت رايح فين؟ خليك مكانك لو قربت مني خطوة زيادة هصوت وألم عليك الناس، أنت فاهم؟
وضعت يديها على فمها بصدمة وهي تحدث نفسها بصوت يسمعه قائلة:
- الناس. يالهوي الناس هتقول عليا إيه وأنا نايمة في حضن راجل وعاري؟ أنا جبت العار لنفسي.....
صرخت بصدمة وانفعال. اقترب منها بهلع من تفكيرها ووضع يده على فمها يمنعها من الصراخ والحديث وهو يقول:
- عار إيه يابنت الهبلة انتي؟ انتي دكتورة وعارفة إن في حالتك دي الأفضل إنك تاخدي حرارة من جسم بشر. أنا غلطان إني أنقذتك.
دفعته بغضب بعيداً عنها ونظرت له وهي تقف خلف الأريكة وسألته بأرتباك:
- يعني أنت مستغلتش الموقف وعملت حاجة صح؟
اقترب منها ووقف على الأريكة التي تفصل بينهم وقال بغزل يغيظها أكثر:
- حطي نفسك مكاني. أنا راجل ونايم وفحضني واحدة لأول مرة تبقي حلوة كده على طول شايفها دكر في لبس الدكتور ولمه شعرها على طول وفجأة لقيتها أجمل واحدة ولابسة هدوم بناتي وشعرها مفرود. تفتكري همسك نفسي؟ أنا راجل برضو وبضعف.
كان يغازلها بحديثه قاصداً إغاظتها. صدم من رد فعلها السريع فور إنهاء حديثه بصفعة قوية على وجنته اليسرى بيدها اليمنى وهي تصرخ بانفعال وصدمة:
- يا سافل يا زبالة....
اتسعت عيناه بصدمة من صفعتها له وألجمته الدهشة منها. هتف بتلعثم وسط دهشته قائلاً:
- أنتي ضربتيني ولا أنا بحلم؟
- ضربتك بس ده أنا هقتلك بإيدي.
قالتها وهي ترمقه بنظرة نارية قاتلة وركضت إلى المطبخ. هز رأسه بذهول من صفعتها وزادت حين رأها تخرج وتمسك السكين بيدها وتأتي نحوه كعاصفة مميتة. مسك الوسادة بيده بهلع وهو يقول:
- أنتي هتعملي إيه يابت؟
- هقتلك ياسافل يازبالة بتستغل ضعفي ومرضي وتعمل عملتك السودة دي.
قالتها وهي تقترب منه. قال بهلع من جنونها وهي تريد قتله:
- أهدي يابت والله ما عملت حاجة ولا حتى بوسة.
ركضت خلفه وهي تصرخ به بغضب شديد وتقول:
- كمان بتكدب؟ فاكر إنك هتهرب بعملتك دي ياحيوان؟
ركض بظهره للخلف وهو ينظر نحوها بصدمة وقال بهلع:
- والله ما عملت حاجة دي مش أخلاقي.
- أخلاقك؟ هو أنت لو عندك أخلاق هتقعد مع بنت في شقتها لوحديكم؟
قالتها وهي تسرع نحوه. عاد خطوة للوراء بظهره بهلع من اقترابها أكثر فسقط على الأريكة. لم تتمكن من إيقاف قدمها من سرعتها وانفعالها فسقطت فوقه. اتسعت عيناه بصدمة من سقوطها فوقه وتمسك السكين بيدها. نظرت له بارتباك من عيناه، فأزدردت لعابها. بادلها النظر لها بعد أن تورّدت وجنتها بخجل، ولمعت عيناها ببريقها وشعرها الطويل منسدل على وجنتيها من الجانبين وفوق صدره. رفع ذراعيه بهدوء يضع شعرها خلف أذنها وهي تنظر بعينيها نحو يديه صامتة. هتف بهمس لها قائلاً:
- هو في حلاوة كده؟
ضربته بقبضتها على صدره يغيظ وهو يضحك عليها، فأبتعد عنه بخجل وجلست فوق الأريكة تعبث بشعرها بخجل تمسكه بقبضتها. فهتف بحب قائلاً:
- أنتي هتقطعي شعرك؟ بقولك حلو وزي القمر.
رفعت نظرها لها وهي تعض شفتيها بخجل شديد ووجنتها زادت حمرتها. فضحك عليها.
دلف " إلياس " إلى الغرفة في منتصف الليل ووجدها على الأرض متكية على الأريكة وتضع رأسها عليها غارقة في نومها كما تركها بملابسها، يبدو أنها لم تتحرك من مكانها. اقترب منها بهدوء وجثا على ركبتيه ينظر لها ورأى أثر دموعها على وجنتها وكحلها الأسود لوثهما مع انهمار دموعها. حملها على ذراعيه بحنان وندم لأبكاها وذرف دموعها بسببه. وقف بها فسقطت رأسها على كتفه الأيمن. دخل بها إلى غرفة النوم وصعد للفراش بها وهو يقف على ركبتيه وأنزلها برفق. كاد أن يذهب لكن أوقفته يدها وهي تتشبث بيده. نظر لها ورآها تفتح عينيها بهدوء وقالت بخفوت:
- إلياس أنا آسفة مقصدتش أعلى صوتي عليك أو أقلل من رجولتك. مكنش قصدي بالطلاق إنك تطلقني وتبعد عني. أنت عارف إن أنا مقدرش أعيش لحظة من غيرك.
جلس بجوارها بصمت وهو يستمع لحديثها ووضع يده الأخرى على يديهما المتشابكة وقال بندم وعيناه دامعة تكاد تذرف دمعته بعد رؤيتها نائمة بالخارج باكية بدون غطاء في هذا الطقس القارس:
- أنا اللي آسف يادموع إني اتعصبت عليكي وقسيت عليكي وبدل ما آخدك في حضني رميتك على الأرض بعيد عني. أسف ياقلبي إني نزلت دموعك ومقدرتش أحتويك في لحظة خوفك.
جلست على السرير وهي تلمس وجنته بيدها وهتفت بعفوية قائلة:
- أول مرة تعذر من حد يا إلياس. على طول بتعمل اللي فدماغك ومتعتذرش.
- أنتي مش حد يادموع أنتي نفسي وحياتي. عمرك ما هتكوني حد انتي أنا يادموع.
قالها " إلياس " وهو يضع يده على يدها فوق وجنته. ثم قال بجدية:
- أنا موافق تشتغلي بس في القاهرة. حولي ورقك في أي مستشفى أو هاتيه وأنا هقدمه في مستشفى الشرطة. ونرجع لحياتنا وبيتنا ياقلبي.
سألته باستياء وهي تجذب يدها من يده:
- وصحابي هنا هسيبهم يا إلياس؟
وقف بزفر شديد وهتف بانفعال مجدداً قائلاً:
- صحابك هعملهم إيه يادموع؟ هاخدهم معانا؟ ماهو أكيد كل واحد فيهم عنده حياته هنا. وبعدين أنا مش فاهم إنتي بتفكري إزاي؟ هتختاري صحابك عن بيتك وجوزك؟ شغل وحلتها لكن صحابك هحلها إزاي؟ أسيب أنا شغلي وحياتي وبيتي وأهلي وأعيش معاكي هنا.
نزلت من سريرها بهدوء وذهبت نحوه ومسكت يده برفق ثم هتفت ببراءة:
- أنت مش هتبطل عصبيتك دي يا إلياس؟
نظر نحوها بهدوء فرسمت له بسمة مبتهجة تزيل غضبه بها فزفر باستسلام لتعويذة عينيها العاشقة ساحرة له. فقال:
- ده على أساس إن إلياس مجنون بيتعصب لوحده.
أشارت إليه بلا وقالت ببراءة طفولية:
- لا أنا اللي بعصبه.
فضحك عليها وهي تتحدث بلهجة طفولية وأستدار لها ينظر لعيناها وسألها:
- طب وهو يعمل إيه لما تعصبه؟
- يصالحني طبعاً.
قالتها بغرور مصطنع وهي متشبتة بذراعه. فقال بذهول:
- أنتي تعصبيه وهو اللي يصالح؟ آه منكم ياستات تغلطه وعايزين تتصالحوا.
أجابته بجدية قائلة:
- آه وبعدين نتكلم جد بقى. حسن وسلمي هيجوا معايا القاهرة.
- حسن مين؟ مفيش حسنات ولا سيئات. بت أنا لو شفتك واقفة مع راجل غيري أو بتكلمي مع دكر غيري هقتله وأبقى ارجعي قوليلي بقى عصبي.
قالها وهو يرمقها بنظرة حادة غيوراً عليها. فضحكت عليه وهي تذهب نحو الفراش وتجلس عليه ثم قالت:
- أنت بتغير يا إلياس.
- آه بتنيل بغير ومش أول مرة تعرفي.
قالها وهو يذهب نحوها وجلس بجوارها. فأبتسمت عليه وهي ترفع ذراعه وتدخل نفسها في حضنه واضعة رأسها على صدره. طوقها بدفء وقال بحنان:
- حقي أغير على مراتي مادام بحبها.
أردفت بخفوت وهي تضع ذراعيها حول خصره برقة تذيبه:
- وأنا بـحبــك....
أخذها صباحًا في سيارته وعاد بها إلى القاهرة.
فور وصولهما، ذهب إلى شقته، أدخلها وعاد للخارج وفي يده ملفها، وذهب إلى مستشفى الشرطة وأعطاه للمدير صديقه ليعينها بأقصى سرعة.
ثم عاد إلى شقته، وجدها قد جهزت الطعام لهما.
أقترب منها بحب وطوقها بذراعيه بحنان من الخلف، فهتفت بسعادة:
- أنت جيت ياحبيبي... عملت إيه؟ تعال أحكيلي وأنت بتأكل.
- واحشتيني.
قالها إلياس وهو يقبل عنقها البارد بشفتيه.
هتفت بجدية وهي تضع يديها على يده فوق خصرها:
- إلياس، أنت عارف إننا مش هنتمم الجواز غير لما تتكلم مع أهلك وتسامحهم.
أبتعد عنها بزفر وقال بصوت غليظ:
- أسامحهم؟ أسامحهم إزاي بعد اللي عملوه دول؟ بعدوا مراتي عني 9 سنين وضيعوا شبابي اللي كنت هقضيه مع حبيبتي. أنتي فاكرة صحابك والناس هيبصولنا إزاي؟ وأنتي لسه بنت ورايحة تتجوزي راجل شعره أبيض؟ الناس متهمهاش إحنا بنحب بعض ولا لأ، قد ما يهمها وإحنا ماشيين مع بعض يفكروني باباكِ. أسامحهم على وحدتي اللي عشتها؟ ولولا عملتهم كان زمان عيالي بيجروا حواليا وبيقولولي يا بابا. أسامحهم بعد ما طلعوا شهادة وفاة لابنهم؟
أقتربت منه وهي تمسك يده بلطف تهدأ من غضبه وأنفعاله وقالت بخفوت:
- ياحبيبي، اللي فات خلاص، وأهو ربنا طلع أحسن من الكل وجمعنا مع بعض. وبكرة ولادنا برضه هتجري حواليك ويقولوا بابا جه. بس لو خدت موقف وعملت اللي في دماغك وقطعت علاقتك بيهم، الزمن هيجري، لا اللي حصل حصل مش هيتغير، بس بلاش ندمر مستقبلنا ونخليه هو كمان حزين. دول أهلك، باباك ومامتك.
- ياريت قلبي زي قلبك يادموع وأسامح بسهولة اللي يجي عليا ويأذيني.
قالها ودلف إلى غرفته تاركها دون أن يتناول الطعام الذي أعدته.
- الف سلامة عليكي ياحبيبتي، ياريت أنا وانتي لأ ياقلب أمك.
قالتها جميلة وهي تربت على كتفه.
دق باب الشقة، وقف علي وهو يقول:
- أنا هفتح.
ذهب ليفتح الباب ووجد إلياس بوجه عابث يبدو عليه الغضب والاستياء.
دخل علي وهو خلفه ويقول:
- أهو إلياس جه أهو ياست أثير.
وقفت جميلة بسعادة لمجيئه وعانقته وهي تقول:
- كده ياحبيبي؟ بقالي تلات أيام مسمعتش صوتك.
أبعد يدها عنه ونظر لها بحزن شديد.
سألته بهدوء من تعابيره التعيسة:
- مالك ياروح قلبي؟
- دموع فين ياماما؟
سألها بأستياء وهو يحاول التحكم بأعصابه.
وقع سؤاله عليها كسهم مسموم غرس في صدرها، فأزدردت ريقها بخوف وقالت بتلعثم:
- دموع؟ ما دموع ماتت ياحبيبي.
ضحك ساخرًا وهو ينظر لوالده الجالس على الأريكة يلهو مع أطفال أثير متحاشيًا النظر له بعد أن سمع سؤاله.
وذهب إلياس نحوه بغيظ وقال:
- دموع فين يابابا؟
- ادخلوا العبوا جوا ياحبايب جدو. ما إحنا قولنا دموع ماتت، إحنا اللي هنعيدوا هنزيدوا، أنساها بقي.
قالها حبيب وهو يقف متجهًا نحوه.
صرخ إلياس بهم بغضب:
- أنسي مراتي ده اللي انتوا عايزينه.
ذهب نحو باب الشقة وفتحه.
صدمت جميلة وهكذا حبيب حين جذبها من ذراعها وأدخلها إلى الشقة وهو يصرخ قائلًا:
- ودي مين ياسيادة اللواء؟ عفريت ولا جوز أمي؟ مش دي دموع اللي ماتت؟ هي دي ولا لأ ياجميلة هانم؟
أقتربت خطوة منه بعد أن انهملت دموعها على وجنتها وقالت:
- إلياس، أنا.
- انتي إيه؟ هتبرري كذبك عليا كل السنين دي بإيه؟ هان عليكي ابنك هو بيضيع شبابه وقلبه مكسور؟ هونت عليك ياسيادة اللواء وأنت شايفني مكسور في المستشفى بصارع الموت وقلبي مفتوح؟ إزاي جالكم قلب تطلعوا شهادة وفاة لابنكم؟ لدرجة إيه بتتمنوا موتي؟
بتر حديثها بعصبية شديدة وهو يصرخ بهما، وهي تقف بهدوء صامتة تنظر لهم وله بعجز، لا تستطيع إخماد ناره بعينيها كما تفعل، فناره تنبع من بركان وجع بدأ بداخله.
- كنت عايز تتجوز رقاصة وجوز أمها تاجر مخدرات وعاشت وسط الرجالة والمخدرات ومعرفش هي لسه بنت ولا لأ.
قالها حبيب بغضب وهو يرمقه بنظرة حادة غاضبة.
فصرخ إلياس به بغضب دون الانتباه لكونه والده، وكل ما يراه أنه يطعن بشرف زوجته:
- بااااااس لحد هنا وكفاية أوووي. مراتي أشرف من الشرف.
أقتربت جميلة منه ومسكت وجهه بين يديها ثم قالت:
- سامحني يابني، غصب عني. ربنا يعلم. سامحني أمك غلطت وطمعانة أنك تسامحها.
مسك يدها بيده وأنزلها بعيدًا عنه ثم هتف بحزن شديد ونبرة هادئة قائلًا:
- آسف، مقدرش أسامحك. مفيش أم تعذب ابنها بأيدها وتقول غصب عني.
أخرج من جيبه ورقة ووضعها بيدها وهو يقول بنبرة غليظة قوية:
- دي شهادة وفاة ابنك، للأسف هو مات، وأنتي اللي حكمتي عليه بالموت بالورقة دي. أنا مش عايز أشوفكم تاني. أنا من دلوقتي يتيم الأب والأم.
نظرت ليدها والورقة بها بصدمة شديدة ودموعها تنهمر بغزارة.
أخذها وخرج من الشقة غاضبًا كالثور الهائج الذي لا يستطيع إخراج غضبه الموجود بداخله.
ظلت تنظر ليدها وكأنه توفي بالفعل.
نظرت أثير لزوجها وهو في صدمته من ما حدث منذ قليل.
بكت بصوت عالٍ وهي تغلق قبضتها على الورقة ولم تشعر بشيء حولها سوى سقوط جسدها أرضًا وهي تمسك قلبها من الألم، فصرخت أثير وهي تهرع لها:
- مامـــا......
رواية راقصة الحانة الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم نور زيزو
ركب سيارته بجوارها صامتًا، وهي تراقبه بنظراتها والصمت سيد المكان. قاد بها في طريق جديد فسألته بهدوء قائلة:
- إحنا رايحين فين؟
أجابها دون النظر لها ببرود شديد يخفي خلفه وجعه قائلاً:
- هوصلك المستشفى، مش ورديتك هتبدأ كمان ساعة.
مسكت يده بيدها الصغيرة برفق ثم هتفت بعفوية قائلة:
- بس أنا مش هروح النهاردة، لسه راجعين الصبح من سفر وتعبانة.
أوقف سيارته فجأة ثم نظر لها بلهفة وخوف عليها وقال:
- تعبانة؟ في حاجة بتوجعك؟
نظرت للهفته عليها وخوفه ثم قالت مردفة:
- تعبانة لتعبك، عارفة ومتأكدة إنك محتاجني دلوقتي أكتر من أي وقت تاني. مينفعش أسيبك وأروح الشغل، أنت عارف إنك عندي أغلى من الشغل ومن العمليات وكل حاجة.
صمت ولم يعقب على حديثها وقاد سيارته للبيت صامتًا.
***
وقفت سلمي أمام المرآة تتجهز لتذهب للمستشفى وترفع شعرها ذيل حصان وتذكرت حديثه (على طول شايفها دكر في لبس الدكتور ولمه شعرها على طول...).
تركت شعرها ينسدل على كتفيها وذهبت للدولاب وأحضرت جميع ملابسها ووقفت أمام المرآة تجربهم بحيرة. وبعد وقت طويل ما يقرب لساعة استقرت على طقم وفتحت درجها أخرجت منه أحمر الشفاه ووضعت منه وبعض الكحل والماسكارا وأبتسمت في المرآة على ذاتها وذهبت.
***
دلفت سلمي إلى غرفتها بالمستشفى وصُدمت حين ظهر حسن وحاصرها في الباب بذراعيه. شهقت بقوة من الدهشة ووجوده ونظرت لعيناه. تفحصها بدهشة من مظهرها وهي ترتدي تنورة قصيرة تصل لركبتها ذات اللون الأسود وعليها قميص حريمي بكم وبه أسورة من المعصم لونه أحمر، مرتدية عليهم البلطو يحميها من البرد القارس وبه فراء كثير حول رقبتها من الخلف يجعلها تشبه الأطفال به. وشعرها مسدول على الجانبين يداعب وجنتها، ماسكة بيدها حقيبة متوسطة الحجم وبقدميها هاف بوت أسود بكعب عالي وتضع بعض مساحيق التجميل. خجلت من نظراته وهو يتفحصها من القدم للرأس بدقة ثم هتف وهو يضع خصلات شعرها خلف أذنها بلطف قائلاً:
- فين سلمي؟
أرتبكت من سؤاله وكادت أن تذهب لكنه أعادها بذراعه لحصاره مجددًا وهو يهتف بجدية قائلاً:
- منكرش إنك زي القمر بس إيه رجلك العريانة دي مش سقعانة ولا مالكيش راجل يحكمك؟
أبتسمت له ببراءة مصطنعة وقالت باستفزاز قاصدة إغاظته:
- فعلاً مش لاقية راجل يحكمني، وبعدين أنت مالك ومال رجلي؟ حاجة عجيبة والله.
- نهارك أسود وأنا إيه يابت مش كل شوية أتجوزني يا حسن اتجوزني يا حسونة؟ يخربيتك وازاي تطلعي من البيت بالميكاج ده وحاطط لي روج كمان.
قالها بغضب شديد فضحكت عليه وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها ثم أردفت بكذب مصطنع لإغاظته أكثر قائلة:
- لا تتجوزني إيه؟ خلاص أنا لقيت عريس تاني. أمال أنا عاملة كل ده ليه؟ هقبله كمان ساعتين. شكلي حلو يا حسونة؟ هعجبه.
عض شفتاه السفلي بغيظ وغيرة تلتهبه ثم أخرج منديل من جيبه ومسك فكها وجهها بقوة ثم مسح لها الروج بانفعال كأنه يلتهم شفتيها بيده وهي تصرخ به. ألقى المنديل على الأرض بغضب وأقترب خطوة أكثر وهو يلمم شعرها المسدول بغيظ. صرخت به بانفعال شديد:
- أنت بتعمل إيه يا حسن؟ بوظت كل حاجة.
أبتعد عنها ودفعها بعيدًا عن الباب لكي يخرج. فتح الباب ونظر لها بغيرة وقال بتهديد محذراً لها:
- شكلك معفن ومتلبسيش كدة تاني انتي فاهمة وغيري هدومك بسرعة، اياكي تخرجي بالقرف ده قدام الناس. واياكي تجيبي سيرة العريس ولا راجل تاني على لسانك.
ذهب وهو يغلق الباب بقوة. ضحكت عليه بخجل وفتحت الدولاب أخرجت زي المستشفى بسعادة.
كان نائماً على سريره صامتاً ينظر للسقف، فدَلَفَت "دموع" للغرفة وقالت بخفوت:
- إلياس مش هتتعشى.
جلس على السرير ثم تنهد بقوة وقال:
- كلي إنتي يا دموع واخرجي وسيبني لوحدي.
أقتربت منه بهدوء حتى وصلت أمامه وأربتت على كتفه بحنان. رفع نظره لها بضعف وقالت بصوت مبحوح:
- قولتلك أخرجي.
- مقدرش أسيبك لوحدك.
قالتها بخفوت شديد وهي تملك وجهه بين كفيها الصغار. أزدرد ريقه الجاف بصمت ثم قال بتهكم:
- اخرجي أنا عايز أكون لوحدي.
فأجابته بلطف ونبرة دافئة قائلة:
- بس إنت قولت أنا إنتي يعني نفسك. مقدرش أسيبك لوحدك.
مسك يدها بيده بقوة ثم أردف بضعف أكبر في نبرته وعيناه قائلاً:
- اخرجي لأني لو فضلت ماسك الإيد دي مش هسيبها.
جلست بجواره برفقة ومسكت رأسه بيديها ثم جذبته لصدرها وهي تربت على ظهره بحنان. شعرت بيده تتشبث بخصرها بقوة وكأنه يخشى تركها فتهرب منه. ظلت بجواره تمسح على رأسه وهو نائم على قدميها هادئ كطفل صغير. هتفت بخفوت شديد قائلة:
- حبيبي إنت قسيت قوي عليهم.
أجابها وهو مغمض العينين ويضع يدها اليمنى فوق قلبه قائلاً:
- وهما يا دموع مقسوش علينا. موجعونيش لما طلعوا شهادة وفاة ليا بسهولة وإزاي قدروا يحرموني منك كل السنين دي وهم شايفني مكسور قدامهم من غيرك. حتى شغلي قربت أخسره من كتر الأخطاء. مفيش مرة صعبت عليهم فيها عشان يقولولي إنك عايشة ويرجعوكي ليا.
انهمرت دموعه على وجنته فشعر بيدها الأخرى تمسحهم له بحنان فقده من أمه منذ زمن بعيد ودفء قلب عاشق يتألم لرؤية دموع حبيبه.
هتفت ببراءة وحنان قائلة:
- بس دول أمك وأبوك يا حبيبي مهما عملوا ومهما قالوا هم أمك وأبوك وما عليك إلا طاعتهم.
أدار جسده يستلقي على ظهره ثم رفع نظره لها بعيون لوثتها الدموع والحزن قائلة:
- عشان أهلي يحق لهم اللي عملوه. مفيش أهل بيرضوا بعذاب ابنهم.
تنهدت بقوة من أعماق صدرها ثم قالت بحزن عميق:
- عارف يا إلياس أنا ليه بأجل فرحنا ودخلتنا عشان مش هلاقي أب ولا أم ولا حتى أخ ولا خال يديني ليك ويوصيك عليا زي كل البنات. عشان لما أصحى تاني يوم مش هلاقي ماما جاية تزورني وتقولي صباحية مباركة زي كل العرايس ولا حتى أخت أو خالة. عشان نفسي ماما تكون معايا في يوم زي ده وخايفة ييجي عشان عارفة ومتأكدة إني هكون لوحدي فيه. مينفعش لما ييجي كمان تكون لوحدك زي وأهلك موجودين.
جلس على السرير بعد أن رأى دموعها تنهمر وهي تحدثه عن فقدها لأمها. وهتف بخفوت حنون وهو يمسح دموعها بأنامله قائلاً:
- خلاص متعيطيش يا قلبي أنا معاكي أهو وعمري ما هسيبك أبداً وماما موجودة هتيجي وتقولك صباحية مباركة وهتوصيني عليكي متقلقيش وهجيب حسن كمان. بس وحياتي متنزليش دموعك دي بحس إني مش راجل ومستاهلكيش لما بشوفهم.
هتفت ببراءة وسعادة تغمرها قائلة:
- يعني هتصالح طنط وعمه بكرة صح؟
أشار إليها بنعم وهو يضع يديه على عنقها من الجانبين ثم وضع قبلة على جبينها بلطف فأبتسمت له وهي تتشبث بذراعيه فنظر لعيناها بدفء وضربات قلبه لم تتوقف هلة واحدة عن قوتها مادامت صغيرته أمامه ثم نزل بنظره لشفتيها وفعلت المثل هي الأخرى. أقترب منها وهو يجذب رأسها نحوه بهدوء وهي متمسكة بذراعيه وتلامست أنفهما معا وقبل أن يضع قبلته أوقفه رنين هاتفها فأشاحت نظرها بخجل عنه وأبعدت يده عنها وهي تلتقط الهاتف بيدها ورأت اسم "أثير".
- عندها نزيف داخلي لازم تدخل جراحي فوراً.
قالها الطبيب لـ "حبيب" وابنته فسأله "علي" بهدوء وهو يحاوط أكتاف زوجته المريضة بيديه:
- مفيش خطورة عليها؟
أجابه الطبيب بهدوء شديد قائلاً:
- لحد ما نفتح مفيش أي خطورة لأن إحنا مش قادرين نحدد السبب. كل الإشاعات مش هنقدر نستخدمها بسبب النزيف.
- ماشي نعمل العملية المهم هي تكون بخير وتقوم بالسلامة.
قالها "حبيب" بتهكم وتعب وهي يتكئ على عكازه. نظر الطبيب أرضاً بأسف وقال:
- هنضطر نستنى للصبح لأن مفيش جراح في المستشفى حالياً.
- أنا هعملها.
أتهم صوتها من الخلف. أستداروا جميعاً ورأوها تقف بجواره وهو يمسك يدها وعلى ملامحه الصدمة من حديث الطبيب. أقتربوا منهم فنظر "حبيب" لها بغيظ ثم للطبيب وقال:
- الجراح هييجي أمتى الصبح؟
- 9 الصبح بيكون هنا.
قالها الطبيب وهو ينظر لـ "دموع" تلك الشابة التي لا يعرفها. أعطته دموع كارنيهها الخاص بالمستشفى بمعني أن لها الحق في إجراء الجراحة وقال برسمية:
- ياريت تجهزوا غرفة العمليات وهتعب حضرتك حد يوريني مكتبي.
مرت من أمامه فمسك ذراعها بقوة وهو يقول:
- أنا مسمحتلكيش تعملي العملية ولا تلمسي مراتي.
- بس دموع هتعمل العملية وأنا سمحت بده.
قالها "إلياس" بغضب شديد وهو يرى أمه تصارع الموت وهو يرفض لكرهه لها.
نظرت "دموع" له بتحدي وثقة وقالت بلهجة حادة جدية:
- آسفة بس أنا دكتورة وقبضت تمن العملية ومادام قبضت يبقي لازم أعملها.
نزعت ذراعها من قبضته ورحلت مع الطبيب. دلف "إلياس" إلى أمه ورأها على سرير المرض وعلى أنفها أنبوب التنفس الصناعي تجمعت دموعه في عيناه وهو يعلم بأنه السبب في مرضها. لم تمر دقائق معدودة ودلف الممرضين وخلفهم "دموع" بعد أن غيرت ملابسها لزي العمليات كما رآها لأول مرة بعد 9 سنوات تيشرت وبنطلون أزرق اللون وفي قدمها حذاء طبي. مسكت يده بحنان تطمئنه بأنها ستعتني بأمه حتى لو تكلف الأمر حياتها. نظر لها بضعف فأشارت للممرضين بأخذها فحركوا سريرها والأجهزة وخرجوا. كادت أن تذهب خلفهم لكنه أغلق قبضته على يدها فنظرت له.
هتف "إلياس" بضعف شديد وهو ينظر لعيناها قائلاً:
- أنا مدفعتش تمن العملية.
- ثقتك فيا هي أغلى تمن ممكن تدفعه.
قالتها بحب وهي تمسح دموعه بأناملها ثم أكملت حديثها بهدوء شديد:
- متخافش يا إلياس أنا هخلي بالي منها وهرجعها لك عشان في كلام كتير أنت لسه عايز تقوله ليها.
جذبت يدها من قبضته وخرجت ركضاً خلفهم وهي تربط كمامتها وطاقيتها فوق شعرها. دلفت إلى غرفة التعقيم أولاً وعقمت يديها ومنها إلى غرفة العمليات تستعد لجراحتها.
وقفوا جميعاً في الخارج أمام الباب العمومي لغرف العمليات ينتظرونه أي خبر يطمئنهم. جاء له مدير المستشفى على معرفة سحطية به وهتف بحزن:
- قلبي عندك يا سيادة اللواء. أطمن خير بإذن الله.
- الجراح لسه مجاش. أنا مش هطمن على مراتي إلا مع جراح خبير.
قالها "حبيب" وهو يجلس على الكرسي الحديدي متكئاً على عكازه ناظراً أرضاً. فهتف المدير بطمأنينة قائلاً:
- دكتورة دموع شاطرة برضو السي في بتاعها جاي من إسكندرية مفيهوش ملاحظة واحدة ولا حتى وفاة أي مريض عملتله عملية غير أنها حصلت على ماجستير في الجراحة العامة وعلى حد علمي أنها بتحضر دكتوراه دلوقتي يعني متقلقش من صغر سنها.
صمت "حبيب" ولم يعقب على حديثه. كان واقفاً أمام الباب مباشرة يرفض الجلوس وهو يضع كل ثقته بحبيبته الصغيرة ومهارتها لكنه يشعر بانقباض في قلبه شديد لا يدري سببه.
أنهت "سلمى" يومها الروتيني في المستشفى ونزلت تقف في الطريق تنتظر سيارة تاكسي. فتوقف "حسن" أمامها بسيارته وفتح النافذة وأشار إليها بالركوب. ركبت بجواره فقاد بها وهو ينظر من تارة لأخرى على قدميها العارية فلاحظت نظرته ثم هتفت بخجل وهي تغلق البنطلون وتخفي قدميها قائلة:
- ممكن لو سمحت تبص قدامك.
ضغط على الفرامل فجأة وصرخ بها بغيرة شديدة عليها من أنظار الجميع قائلاً:
- أبص قدامك؟ إنتي إزاي تخرجي من البيت كدة أصلاً؟ عجبك شكلك والناس في المستشفى بتتفرج عليكي معجبين بسيادتك.
أزدردت ريقها بخوف من غضبه وصراخه ثم هتفت بتلعثم شديد:
- مش إنت اللي قولت عليا دكر؟ يعني هو أنا راجل؟
وجهشت في البكاء. صرخ بغضب وهو يمسك ذراعها بقوة قائلاً:
- أنا أقول زي ما أنا عايز. أنا يا ستي عجبني شكلك وإنتي دكر حد اشتكالك؟ أنا جيت اشتكت لك من حاجة.
لم تتوقف عن البكاء وهو يستمر بصراخه. فهتف برفق:
- خلاص متعيطيش أنا بس مش عاوز حد يبص عليكي. إنتي فكرتي أنا النهاردة كنت عامل إزاي؟ كان ناقص أسيب الشغل والمرضى وأجي أراقبك أشوف مين بص لك ومين ضحك معاكي.
تنحنحت بخجل شديد وهي تتوقف عن البكاء وقالت بعفوية:
- يعني هتتجوزني وتكسب فيا ثواب؟
ضحك عليها وهو ينظر من النافذة ثم لها وتوقف عن الضحك أثناء اقترابه منها بشدة. أزدردت ريقها مرتبكة من قربه فقال بخفوت وهو يضع خصلات شعرها خلف أذنها بلطف:
- هتجوزك بس الأول أجرب.
ونظر لشفتيها فأبتسمت له بخبث أعتقد بأنها توافق على أن ينال قبلة منها. أقترب أكثر وهو ينزع حزام الأمان له فرأها تضع يدها بين شفتيهما توقفه وهي تمسك بيدها المشرط. فأزدرد ريقه بخوف من جنونها وتذكر حين ركضت خلفه بالسكين تريد قتله. أبتعد عنها وعاد لمقعده وهو يقول:
- مفيش مانع نجرب بعد الجواز لأحسن بدل ما أدخل دنيا أدخل آخرة.
فضحكت عليه وعاد هو للقيادة.
كانت تجري الجراحة بمهارة وتركيز لأول مرة دون الشرود بماضيها أو بعده عنها. هتفت برسمية وهي تصل لمركز النزيف وتسيطر عليه قائلة:
- أمسكه كويس.
فأخذ الجراح المساعد المقص من الممرضة ومسك أحد الأعضاء بمهارة. مدت يدها للممرضة وهي تنظر بالحقل بدقة وقالت:
- ملقاط.
أعطته لها الممرضة وحاولت مسك أحد الأوعية الدموية فأنفجرت الدماء مرة أخرى لكن تلك المرة بغزارة حتى لوثت ملابسها مع قفازاتها وعيناها. أشاحت نظرها بدون إرادة حين لوثتهما الدماء وعادت له، وضعت يدها في الحقل وشعرت بشيء. أخرجت يدها فرأت سائل أبيض لازج بقفازاتها فسألت بخفوت شديد:
- هي عانت من إيه لما جت؟ ظهر عليها أعراض أي ورم؟
أجابها الجراح المساعد برسمية موضحًا الأمر لها:
- صعوبة في التنفس، سعال، نزيف حاد في الجدار المخاطي للجهاز الهضمي.
جمعت الأعراض في ذهنها وهي تقول بتركيز شديد ناظرًا للسائل في قفازاتها:
- وتضخم في العقد اللمفاوية، ضغط دم منخفض.
بترت حديثها بصدمة ألجمتها ثم رفعت رأسها لهم جميعًا وصرخت بهم بلهجة أمرية:
- كل يسيب اللي في إيده وأبعدوا عن طاولة العمليات بسرعة.
أبتعدوا جميعًا بخوف من لهجتها تاركين ما يفعله. فهتفت بجدية تحاول السيطرة على أعصابها التي تلفت منها قائلة:
- اللي انفجر مش وعاء دموي ده ورم في العقد اللمفاوية حسب الأعراض اللي ظهرت على المريضة دي حمى فيروسية من فيروس نادر ما يصيب به أحد هنا. انتشر مؤخرًا في البلاد المجاورة. ولغاية ما نتأكد بالتحاليل غرفة العمليات هتأخد وضع وقائي في عزلة تامة.
- والجراحة؟
سألتها إحدى الممرضات. فأزدردت لعابها بصعوبة من صدمتها ثم أجابت بتلعثم شديد وخوف:
- أعتقد أني هقدر أكملها لوحدي بما إني بالفعل اتعرضت للعدوى والفيروس.
نظروا جميعًا لها بصدمة وقطرات الدماء على جبينها وعيناها. وخرجوا جميعًا.
كانوا ينتظرون أي شخص يخرج من الداخل يطمئنهم بعد مرور هذا الوقت الكبير. ذهل الجميع حين رأوا مجموعة من الممرضين والأطباء يأتون لغرفة العمليات مرتديين ملابس وقائية تمامًا وخلفهم المدير ومعه بعض الأمن. وقف "حبيب" بخوف على زوجته. ورأوا الجميع يخرج من الخارج، فهتف المدير بحدة شديدة:
- خدواهم حللهم واعملوا الفحص اللازم.
سأل "إلياس" بتوتر بعد رؤية الجميع يخرج من الداخل فيما عدا زوجته وأمه:
- خير يادكتور طمني.
قص عليه الجراح المساعد ما حدث وإصابة زوجته بالفيروس عن طريق العدوى وأنها حاليًا في عزلة تامة عن الجميع. وقع الخبر عليه كصدمة كهربائية صدمت قلبه حين توقف عن النبض. ولم تقل صدمة الجميع من مرض "جميلة". فسأل "علي" بعدم فهم قائلاً:
- هو إيه الفيروس ده؟
- ده فيروس خبيث انتشر مؤخرًا في البلاد المجاورة قتل العديد من الناس. المصاب به لو هرموناته ومناعته ضعيفة مبيكملش أيام. لو قوي زي المريضة بتاعتنا بيستمر معه ويبدأ ينتشر في الجسم كله حتى يصل للمخ ويتوفى المريض.
أجابه الجراح المساعد بهدوء يفسر لهم الوضع عن الأم التي يجب أن تنتظر وصله للمخ حتى تتوفى والزوجة التي يعلم جيدًا بأن جسدها ضعيف لا يتحمل المرض ومناعتها أضعف والتي يبدو أنها ستتوفى قبل أمه.
- يعني ماما هتموت؟
قالتها "أثير" بصدمة ألجمتها من حديثه. وسقط "حبيب" على مقعده لا يقوى على تلك الصدمة.
رواية راقصة الحانة الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم نور زيزو
لم يشعر بشيء سوى وهو يركض للداخل. حاول رجال الأمن منعه، فتعارك معهم. أشار إليهم المدير بتركه.
دلف من الباب العمومي للغرف العمليات، يبحث بنظره في الغرف الزجاجية عنها وعن صغيرته. وجد رجلين من الأمن يقفان أمام باب زجاجي مكتوب عليه: { منطقة محظورة < غرفة عمليات 2 > }.
أقترب منه بهلع، ومنعه الأمن من الدخول. نظر بالداخل ورأها تجري الجراحة وحدها بتركيز شديد، فصرخ بها بقوة:
- دموع أبعدي عنها.
سمعت صراخه بخفوت شديد من الزجاج، فرفعت نظرها ودهشت حين رأته يقف هناك والأمن يمنعوه من الدخول لها. فذهبت نحو الباب وأغلقت بالرقم السري الخاص بها، وعادت لجراحتها.
تركه الأمن وهم يعلمون بأنه لن يستطيع الدخول لها بعد أن أغلقت الباب. أخرجت كتلة من الورم زرقاء اللون ووضعتها في إناء، وأنهت جراحتها. وهو يقف بضعف خلف الباب، يضع يده على الزجاج يريد لمسها وضمها له بشدة ليأخذ منها العدوى ويذهب معها لعالم آخر.
ضبطت الأجهزة ووضعت التنفس الصناعي لـ "جميلة". وأقتربت من الباب تقف قربه. لم يفصل بينهما سوى الباب فقط. رسمت بسمة مشرقة له وهي تقول:
- أنا عملت العملية، وطنط هتخف.
- أنتي غبية.
قالها بصراخ بعد أن رأى خوفها في نظراتها تخفيه عنها. فدمعت عيناه، فسألها بخوف عليها:
- في حاجة بتوجعك؟
ضحكت ساخرة منه وقالت:
- هو أنا هحس بالمرض من دلوقتي.
- أعمل إيه؟ قوليلي أقدر أعمل إيه وأنا أعمله، بس متسبنيش.
قالها بضعف ودموعه تنهمر بغزارة. رفعت يدها بحنان ووضعتها على الزجاج أمام وجهه، ثم قالت:
- متنزليش دموعك، وتروح تجبلي العلاج عشان مسيبكش.
مسح دموعه بسرعة وهو يقول:
- هو فين العلاج وأنا هجيبه لو نجمة من السما. أنا هجبها عشانك. اسمه إيه؟
ابتسمت على خوفه عليها وقالت بهمس لم يسمعه، ولكن علمه من طريق شفتيها قائلة:
- إلياس.
فأجابها بخوف شديد وهو يضع يده مقابل يدها على الزجاج وقال:
- طب ماهو موجود أهو، افتحيله.
أبعدت عنه ذاهبة للداخل، تجلس على إحدى طاولة العمليات بتعب، وصرخت به قائلة:
- حسن عارف العلاج، أجرى هاتلي العلاج عشان نتجوز.
أشار إليها بنعم وهو ينظر على سرير أمه في زاوية أخرى بعيدًا عنها، وقال محذرًا لها:
- حاضر، ومتقربيش منها. هجبلكم العلاج، مش هتأخر عليكم.
ابتسمت عليه وهو يركض للخارج. ومددت جسدها على الطاولة بخوف أخفته بمهارة عنه، لكنه حتماً رآه في عينيها. وانهمرت دموعها باكية بصمت وخوف.
اتصل بـ "حسن"، وفي خلال ساعة من معرفة الأمر كان في مطار القاهرة ومعه "سلمى". أخذهم في سيارته وقال:
- يعني في علاج؟
- الموضوع ده هو موضوع الدكتوراة بتاعت دموع، وهي أكيد بحثت كتير. حسب اللي سمعته منها أن أمريكا قدرت توصل للحقنة تنهي على الفيروس ده من خلال حقن المريض بها يومياً لمدة أسبوعين، وبعدها أسبوعين فترة ملاحظة في غرفة معزولة.
قالها "حسن" بهدوء. فسأله مجدداً بخوف:
- والحقنة دي موجودة هنا في مصر؟
أشار إليه "حسن" بنعم وهو يهتف بثقة:
- آه، في مختبر معامل كيميائية أمريكي هنا موجود فيه الأدوية، بس للأسف تعاملهم كله بالدولار والتكلفة عالية جداً.
- كام يعني؟
سأله "إلياس" وهو يخرج هاتفه من جيبه. فأجابه "حسن" بهدوء:
- 5000 دولار للحقنة.
اتسعت عيناه بصدمة من حديثه، ونظر له قائلاً:
- 150000 ج للحقنة؟
أشار إليه بنعم. ذهبوا للبنك، ورفض المسؤول إعطاه المال بالدولار. جلس في مكتبه بالقسم يفكر، وتذكر شيئاً. فخرج مسرعاً. سأله "علي" بذهول من سرعته:
- أنت رايح فين؟
لم يجبه. نزلت للقبو متجهة للحجز، وأشار للعسكري بأن يفتح الأقفال ودلف للداخل. فوقوا جميعاً بخوف من شرارته. فمسك أحدهم من قميصه وقال بغضب:
- بتجيب الدولارات منين؟
- ياباشا، مانا قولتلك إني معرفش حاجة عن اللي في الشنطة وسيادتك مش عايز تصدقني.
قالها المجرم بتوتر وخوف من غضب هذا الوحش.
فتلقى لكمة قوية على وجهه من "إلياس" وقال بغضب:
- أنت فاكرني جاي أتسير معاك ياروح أمك؟ انطق يالا بتجيب الدولارات منين؟
- ياباشا، قولت معرفش حاجة عن اللي بتقوله.
قالها المجرم وهو يمسح الدماء التي سالت من أنفه. فهتف "إلياس" بانفعال شديد وقد فقد أعصابه وحبيبته تصارع الموت هناك:
- أنا بقي هخليك تعرف ياروح أمك.
أخذه للخارج معه وصعد به. رآه "علي" وذهب خلفه. وضعه في صندوق سيارته وذهب به و"علي" خلفه. أخذه للطريق الصحراوي وسط الصحراء وأخرجه من السيارة. صعق الرجل حين رأى نفسه في هذا المكان، و"إلياس" يخرج مسدسه من جرابه ويصوبه عليه، ثم يقول:
- عايز دولارات؟ أجيبها منين؟
أزدردت الرجل لعابه بخوف وقال:
- عايز تغير كام؟ أقل من 100000 ج مينفعش.
- 500000 ج نص مليون ج وفوري.
قالها "إلياس" بجدية. فهتف الرجل بسعادة:
- كام؟ طب بص، أنا هبعتك لواحد حبيبي وهو يخلص لك المصلحة، بس متنسيش في الحلاوة.
- أوصله إزاي؟
سأله "إلياس" بهدوء. فاخبره الرجل عن العنوان ورقم التليفون. توقف "علي" بسيارته ولم ينتظر "إلياس" مشاجرته على خروج متهم من الحجز. وذهب أخذ "علي" المجرم إلى سيارته بعد أن وضع الأصداف بها. ذهب ليلاً للمكان المحدد ومعه المبلغ و"حسن"، ووجدوا شاباً في انتظارهم. وذهبوا معاً إلى مخبئه ووجدوا رجلاً كبيراً في السن. أعطاه المال وأخذ الدولارات، ثم ذهب. وقبل أن يمر نصف ساعة، جاءت الشرطة وقبضت عليهم جميعاً. ذهب للمختبر وأحضر العلاج لها ولأمه...
كانت نائمة على طاولة العمليات خائفة وتشعر بالمرض في جسدها منذ أن ظهرت نتيجة التحاليل وكانت إيجابية. فتح باب الغرفة، فجلست على الطاولة وصدمت حين رأته يقترب منها مسرعاً وعانقها بشدة. صرخت به بصدمة وهي تحاول إبعاده عنها قائلة:
- إلياس أنت مجنونة! أنا مريضة ومعزولة. أبعد عني.
- والله لو عزلوكِ في عالم لوحدك وكون غير الكون، لهيجي معاكي ومش هسيبك.
قالها وهو يشد عليها بذراعيه. طوقته بيدها بخوف شديد من المرض وقالت:
- أنا خايفة قوي يا عمة.
تعمدت عدم ذكر اسمه الآن حتى لا يثيره كالمعتاد ويطالب بقبلة منها ويمرض مثلها. وضع يده خلف رأسها، ضمها أكثر لصدره ويقول:
- متخافيش ياحبيبتي، أنا جبت العلاج وهتاخديه وتخفي.
دلف مجموعة من الأطباء وأخذوا أمه بسريرها، ونزعوها من صدره بقوة وأخذوها. لأول مرة يتنزعها شخص من بين ذراعيه دون أن يفعل شيئاً أو يلكمه. ذهب خلفها وهو يراها خائفة وتنظر للخلف عليه. ووضعوها مع أمه بغرفة مستقلة معزولة، وغيرت زي العمليات إلى زي المستشفى للمرضى، بعد أن تحولت من جراحة لمريضة.
أخذوه هو الآخر بعد أن عانقها، وأجرى له الفحص وظهر سلبياً. ذهب إلى غرفتها يراقبها وهي تتلقى العلاج. شعر بيد تربت على كتفه، فنظر ووجد والده، فعاد بنظره عليها وهتف بعجز:
- واضح إن مش أنت بس اللي مش عايزها معايا.
- البنت اللي تخلي ابني يجري زي المجنون عشان يجبلها العلاج، ويخرج مهتم من الحجز، ويشارك في عملية غسيل أموال عشان يجبلها الدواء، تستاهل أنها تكون مراته. ربنا يشفيهالك يا بني.
وتركه ورحل. ظل واقف مكانه ينظر عليها بحب ممزوج بخوف وقال:
- واضح عشان نكون مع بعض لازم نحارب لحد ما نوصل. جه دورك يادموع تحاربي عشاني. استحملي يا قلبي..
مر شهر عليهم ببطء شديد، وهي تصارع المرض وتتحمل الألم من أجله. أجرت "أثير" جراحتها أثناء فترة علاجهم.
داخل قاعة بنادي الشرطة، وقف في نهاية القاعة يرتدي بدلته السوداء ويقف ينتظرها. بدأت أغنية (طلي بالابيض طلي).
رفع نظره عن الأرض فرأى باب القاعة يفتح، وهي تطل بفستانها الأبيض كحورية من الجنة هبطت على أرضه. يمسك "حسن" يدها ويقفان هناك. فوقف الجميع يصفقون لها.
تفحصها وهي تقف هناك بفستانها واسع من الخصر للأسفل بذيل طويل من الخلف، بكم يخفي ذراعيها عن الجميع. وزاد جمالها حجابها الذي يزينها، وعلى رأسها تاج مثبت به طرحة فستانها الطويلة من الخلف وقصيرة من الأمام تخفي ملامحها عن الجميع وراء شفافها.
تقدم "حسن" خطوة بها، فتقدمت معه بتوتر وهي تمسك بيده، وبيدها الأخرى تمسك باقة وردها البيضاء، وتنظر عليه وهو يقف هناك بعيدًا على الحافة الأخرى للسجادة الحمراء. وينظر عليها نظرة ذهول بحجابها الذي لم تخبره عنه، وإعجاب شديد يبث من عينيه وكأنه لم يصدق بأنها أصبحت عروسًا له.
أوقفهم "حبيب" في المنتصف ووقف يتحدث مع "حسن"، وهي تضحك معه بخجل، وكأنهم أرادوا قتله من الانتظار لكي يأخذها منهم. كبت غضبه منهم الاثنين وهم يؤخرون وصلها له، وهو يكاد ينفجر من نار الانتظار ويريد أخذها الآن منهم.
أخذها "حبيب" من "حسن" وذهب هو لـ "سلمى"، وأكمل "حبيب" بها الطريق له.
تنهدت براحة وقوة حين وصلت أمامه مع والده.
هتف "حبيب" وهو يمد يدها له قائلًا:
- خلي بالك منها، وحطها في عينك.
لم يستطع إبعاد نظره عنها، فأجابه وهو يأخذ يدها منه قائلًا:
- في عيني بس، دي في قلبي.
أربت "حبيب" على كتفه وعاد لمقعده. مسك يديها الاثنتين ووضع عليهما قبلاته تحت أنظار الجميع، فتوردت وجنتها بقوة من فعله الذي زاد من توترها.
أقترب خطوة منها ثم رفع طرحتها عن وجهها وصمت، تاركًا عينيه تتحدث عن إعجابه بها بحجابها، فلم يخطئ وهلة واحدة حين قال عنها حورية من الجنة. كانت تتحاشى النظر له بخجل شديد وتوتر.
وضع سبابته أسفل ذقنها ورفعها للأعلى لتتقابل عيناهما معًا، يخبرها عن عشقها الذي احتله من أول لقاء لهم منذ زمن بعيد. أقترب أكثر ووضع قبلة على جبينها بلطف وهتف هامسًا لها:
- أخيرًا يا حوريتي.
نظرت له بخجل وذهول من لقبها الجديد منه. بدأت أغنية "بتحلوي" لـ "غفران"، فوضع يده على خصرها وأخذ الورد وأعطاه لـ "ماليكة"، ووضعت يديها حول عنقه ورقصا معًا سلو وهو يدندن في أذنها متمتمًا:
- في حضنك ببقى أنا ابنك، في حضني بتقلبي بنتي. كأنك بيت، كأنك حتة من السكر ودابت فيا فحلوت... في عز الضيقة بتساعي، في الضعف بتقوي بدون أسباب بتحلوي...
هتفت بخجل منه وهي تنظر على الجميع هاربة من عينيه، تشاكسه كعادتها لم تقتلع عنها حتى وهي عروس:
- بحلو، أنا طول عمري حلوة على فكرة.
قهقه من الضحك عليها وهو يضمها له ويدفن رأسه في عنقها قائلًا:
- مش هتتغيري يا دموع ولا هتكبري.
خجلت أكثر من فعلته، فأنزلت يديها وأبقتهما فوق صدره بخجل من أنظار الجميع التي تطاردهم. فأكمل دندنة مع الأغنية متمتمًا:
- وطول الوقت تتشافي بكل براءة الأطفال، وكل بساطة الفساتين يا أول طفلة في الدنيا بتكسر حاجز العشاقين وتفضل وردة طول الوقت لا بتكبر ولا بتصغر هتتغري وإيه يعني ما من حق الجميل يتغري... يا أول بنت في الدنيا توصل مركبي للبر وتاخد أيدي وتعدي يا أول حضن في الدنيا بحس بأنه على قدي ومتفصل لي بالملي غريب حبك غريبة أنتي... بتحلوي وبتحلي.
همست في أذنه تكمل مناقرته بدلال وعفوية قائلة:
- متأكد بأنه على قدك.
ابتسم عليها وأخرج نفسه من حضنها وقال بخفوت مبتسمًا لها وهو يغمز بعينيه لها:
- تيجي نشوف عشان أتأكد.
هتفت بسرعة جنونية من ته
خرجت تركض خلف أطفالها الصغار بتذمر وتعب من انتفاخ بطنها قليلاً بسبب طفلتها الموجودة في أحشائها وتصرخ بهم قائلة:
- طب لما بابي يجي أنا هقوله عمر وعمرو مبيسمعوش الكلام ومجنني مامي.
فهتف عمر ببراءة قائلاً:
- يامامي عمرو هو اللي بيتثاق مش أنا صدقيني.
فصرخ عمرو بطفولية وهو يقف فوق الأريكة ويرقص يعانده قائلاً:
- هو اللي بيكسر لعبي ومسدساتي مش عاوزني أبقى ظابط زي بابي.
فصرخت دموع بهم بغيظ شديد من مناقرة توأمها الصغار الذي لم يكملوا من العمر الأربع سنوات وكل مربية تحضرها لهم يجعلوها تفر هاربة من شقاوتهم ومناقرتها:
- بس باااااس بس كفاية خناق ومامي واقفة.
فتح باب الشقة ودلف إلياس وهو يحمل بيده شنطة فركض الأطفال له وهم يقولون بسعادة وقد نسوا خصامهم لبعضهم:
- بابي جه بابي جه.
جثو على ركبتيه ليكون بمستواهم وقال بهدوء:
- حبايب بابي مزعلين مامي ليه.
هتف عمرو بغيظ طفولي قائلاً:
- مراتك بتدلع هي وبنتها السوسة اللي قاعدة جوه صدقني بتدلع.
ضربه إلياس على رأسه بخفة وقال:
- عيب كده أجروا العبوا جوا وكلوا الشيكولاتة دي على ما أشوف مامي.
أخذوا الشيكولاتات منه وركضوا للداخل. ذهب نحوها ووجدها تقوس شفتيها بغيظ وغضب وقبل أن يتحدث قالت:
- وأنا فين شيكولاتاتي.
ضحك عليها وهو يقول:
- دول أطفال ياحبيبتي هتعملي عقلك بعقلهم.
صرخت بنرفزة منه وهي تضع يدها على بطنها المنتفخة بألم قائلة:
- وأنا طفلة زيهم وفي طفلة جوا هنا وعايزة تأكل شيكولاتة زيهم.
تركته ودلفت للداخل غاضبة. فهتف بتذمر قائلاً:
- دي طفلة دي قنبلة على وشك الانفجار في وشنا بغضبها ده.
صعد عمر وعمرو من خلف الأريكة وقالوا بتقليد له في أن واحد:
- عيب دي مامي.
ضربهم بفزع من وجودهم خلفه وذهب خلفها قائلاً:
- ياحبيبتي أنا جبتلك أكبر شيكولاتة تعالى شوفيها. أجروا صالحوا مامي.
فركض الأطفال أمامه وفتح عمرو باب الغرفة وصرخ بذهول قائلاً:
- بابي الحق القنبلة انفجرت. يوووه قصدي مامي بتولد السوسة. يوووه قصدي بنتك الحق الحق يا إلياس مراتك.
فركض للداخل بهلع شديد وصدمة.
وانجبت دموع طفلتها الصغيرة ترنيم.