تحميل رواية رجوع الى الهويه بقلم شيراز القاضي pdf
بقلم شيراز القاضي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في القاهرة قبل ساعات طويلة.. كانت تقف في شقتها الحبيبة وهي تنظر لكل ركن بها قبل أن تدخل غرفته. التي كانت دائما ملاذها لتفتح دولابه وهي تتحسس الثياب بحسرة قبل أن تأخذ بدلة منهم لازالت رائحة عطره عالقة بها بعد كل تلك السنوات بسبب حفظها داخل غلاف بلاستيكي. ووضعتها داخل الحقيبة مع زجاجة عطره وسبحته وسجادته وحملت مصحفه في يدها وخرجت من الشقة بعد أن أتمت غلق كل الأقفال. في إسبانيا.. جلس خافيير على الكرسي بتوتر وهو يتأمل الساعة مخاطباً للرجل الذي يجلس بهدوء يتصفح أوراق صفقة جديدة: سام؟.. ألا تعتقد أنها...
رواية رجوع الى الهويه الفصل الحادي عشر 11 - بقلم شيراز القاضي
رجوع الي الهويه
(١١)
طالعته بدهشه لتقول
: عفوا ما الذي قلته!
نظر سام الي داخل عينيها ليقول
: بعد يومين سنذهب الي مصر ونعود سويا حين تنتهي من اعمالك!..بالطبع لن نتركك وحيده! لقد تغير الوضع!
نظر سامويل الي سام بنصف عين ليقول بخفوت
: اي وضع هذا الذي تغير ياابن العمه!
رد عليه سام من بين اسنانه ان يخرس فصمت الاول وهو يحاول جاهدا كبت ضحكاته!
حاولت مليكه كثيرا ان تثنيه عن قراره لكنه رفض وبشده لذا استسلمت للامر الواقع فربما تحتاجه فعلا!
يوم السفر ..يوم مرهق منذ بدايته
كان سام متشوق لرؤية المكان الذي عاشت به خالته واتت منه مليكه ..لكنه صدم! لا بل اصابته فاجعه ما ان رأي الحي الشعبي الذي يبطن فيه عم مليكه !
في الواقع لم تكن مليكه لتتوجه الي هذا المكان لكن سام من الح عليها ليذهبا الي هناك .
كانت تعتقد انها ستبقي بشقتها وهو سيبقي في فندق ربما لكنه رفض هذا رفضا قاطعا!
ما ان توقفت السياره امام العماره حتي نظر سام بتوجس الي المكان ثم قال لمليكه
: هل انت واثقه من ان هذا هو المكان!! خالتي انا كانت تعيش هنا!!
نظرت له مليكه بجمود لتهبط من السياره دون رد فتبعها هو حاملا الحقائب ولا يزال ينظر حوله بريبه!
صعدا السلم حتي الطابق المطلوب فوجدت زوجة عمها حسناء تنتظرها امام الباب بشوق وعيناها مليئة بالدموع .
لقد حادثتها مليكه وهي في المطار لتخبرها عن امر قدومها لكي لا تتفاجئ بقدومها!
ما ان وصلت مليكه اليها حتي اخذتها حسناء بين احضانها وهي تبكي من الفرح ! لم يكن مسموح لها رؤية مليكه دوما .
فقط كانت مليكه من حين الي اخر تأتي لزيارتها سرا حين يخلو البيت من عمها وابنائه
بعد الاحضان والسلام والبكاء اخيرا انتبهت حسناء لذلك الذي يقف خلفهم يتابع الموقف بتعجب لتنظر له هي الاخري بإنبهار قبل ان تقول لمليكه دون ازاحة عيناها عنه!
: من ذلك الوسيم !
اغمضت مليكه عيناها بملل لتقول
: هذا سام ابن خالتي بيلا .
اتسعت عينا حسناء وابتسامتها كذلك لتقترب سريعا من سام الذي نظر لها مبتسما لمقابلتها الحافله تلك .فقد قالت السيده حسناء
: يالهي ! هذا انت اذا ..كانت صوفيا دائما ما تتحدث عنك ..يا الله كم انت لطييف للغايه !
قلبت مليكه عيناها بضجر حين نظر لها سام بإستفهام طالبا منها ترجمة الجمله وما ان فعلت حتي ابتسم بإتساع وهو يسلم علي حسناء بيد ويده الاخري تربت فوق يدها كتحيه !
دخلو جميعا لتقول مليكه لحسناء
: ما كان رد فعل عمي حين علم انني قادمه الي هنا ؟
امتعضت ملامح حسناء لتقول
: تعرفينه جيدا! لكن بالتأكيد حين يعلم ان هذا الرجل معك سيقبل رغم انفه! اين ستذهبين انتي وسام وحدكما..هل ستسكنا معا وحدكما!! لابد من بقائكم هنا .
اومأت مليكه وكادت ان توجه كلامها الي سام لكن قاطعها صوت فتح باب المنزل الذي دخل منه فيصل ..ابن عمها!
ما ان رآها حتي ذهب اليهم بغضب غير منتبه لوجود سام الذي كان يجلس في كرسي بعيد قليلا حيث هتف بحده
: ما الذي اتي بتلك الي هنا! كيف امكنك دخول هذا البيت بعد ما دنسته!
كانت مليكه تحاول الحفاظ علي جمودها لكن سام لاحظ ارتجافها ..
لقد اخبرته من قبل ان ابناء عمها ايضا كانو يضربونها فوجد نفسه يقف امام فيصل الذي اجفل من هذا الظهور المفاجئ وقبل ان يتكلم قال له سام بصوت جليدي وباللغة الانجليزيه
: حين تتحدث اليها تحدث بأدب حتي لا اقوم بتفريغ فمك من اسنانك !
قال فيصل بغضب
: ومن انت لتخاطبني هكذا!!
وكاد يرفع يده ليلكم سام لكن سام امسك بيده حتي كدا ان يكسرها وهو ينظر في عينيه بنظرة اجفلته
هرعت حسناء اليهم هي تحاول فض النزاع صارخة بإبنها كي يحترم الضيف واثناء هذا كله عاد عم مليكه من عمله ليقول
: ما الذي يجري هنا!
تحدثت حسناء بسرعه لتقول
: تعال وانظر الي ولدك وما يحاول فعله في الضيف ..انه سام ابن بيلا شقيقة صوفيا!
اجفل الرجل وابتلع لعابه بتوتر ليقول بخفوت
: حفيد خافيير!
كان متوترا فلا يعلم ما ان كان خافيير قد علم بأمر الاموال ام لا ولكن لما حفيده هنا مع مليكه!
رحب به احمد عم مليكه بتوتر وهي يعتذر عن وقاحة ولده .
عم مليكه يتحدث الانجليزيه ولكن لكنته ضعيفه بعض الشيء مما جعل سام يصب جام اهتمامه عليه ليفهمه
هدأ الوضع بعد اعتذار فيصل المقتضب الذي قابله سام ببرود لتقول حسناء منهية الجو المتوتر
: مليكه..لقد جهزت غرفتك والغرفه الاخري لسام لابد انكما مرهقان ..اخبريه ولتذهبا للراحه حتي اعد لكم الغداء .
قامت مليكه لترشد سام الي الغرفه وكانت تسبقه ببعض خطوات فلم تنتبه لنظرته الناريه لفيصل ليقول له من بن اسنانه وبصوت خفيض
:مليكه لم تعد وحدها! لذا انتبه لما تقوله ولتصرفاتك معها حتي لا اريك وجه اخر لن يعجبك! مليكه خط احمر!
ابتلع فيصل لعابه ليومئ له بتوتر
دخل سام الغرفه وهو يتفحصها بعينيه وقام بإغلاق الباب خلف مليكه وما ان تأكد ان لا احد سوف يدخل حتي قام بخلع تلك السماعه التي كان يخفيها داخل اذنه !
سماعه صغيره للغايه تترجم له ما يقولونه دون ان يخبر مليكه لكي يدعها تتصرف بحريه .
اشتعلت عيناه ما ان تذكر كلمات فيصل وحين تذكر رجفة جسدها لكن لا بأس ..هو هنا الان ..سوف يأخذ كل حقوقها منهم ..معنويا وماديا!
في اليوم التالي خرج كلا مليكه وسام الذي اصر علي الذهاب معها فوافقت وتوجها معا الي مبني يتكون من عدة طوابق ومحاط بسور عال وقد فهم سام من مليكه انها دار رعايه للايتام كان فادي يريد انشائه لكنه مات قبل ذلك فأكملته هي وهذا المبني هو سبب عودتها الي مصر فهناك طفل يحتاج الي عملية في القلب ولم تجد مديرة الملجأء سيولة لها فلجأت الي الاتصال بمليكه لتحاول حل هذا الامر .
هبطا من السياره وهو يتأمل المكان بتفحص لتقف عيناه فوق اللوحه المعلقه بطول السور !
كانت صورة لفادي ! وهو مبتسم بإتساع وقد كُتِب اسم الملجأ الي جانب صورته !
تصلب فك سام ولوهله شعر بالحنق من ابتسامة هذا الشاب !
دخلا الي المبني وقد رأي سام كيف التف الاطفال حول مليكه وهي الاخري تحتضنهم بحب وتبتسم لهم وتحادثهم بحماس كبير
واخيرا وبعد مده صعدا الي الاعلي .
الي الطابق الرابع وهو طابق اشبه بمشفي صغير وبسيط لكنه يفي بالغرض ايضا! في احدي الغرف كان الطفل المصاب نائما علي السرير بإرهاق فذهبت له مليكه مقبلة رأسه وهي تخبره ان كل شيء بخير فالصغير كان خائفا من فكرة الموت وكان يبكي بشده
حين رحلا بعد ان اتمت ثبات عملها هناك وهي تفكر في الصغير وكيف ستدبر مال العمليه فقطع شرودها سام قائلا
: غدا سيذهب الطفل الي المشفي الذي تختارينه .
نظرت له بتشوش لتقول
: ليس معي المبلغ كاملا ...ينقصه حوالي تسع الالف !
زفر بإحباط وملل ليقول
: ملييييكه انتي حفيدة رجل من اغني أغنياء اسبانيا ياحبيبتي وبجوارك هنا مفتاح لخزينة اشهر مصمم ازياء في معظم انحاء العالم !
طالعته بتمرد وكادت ان تتكلم ليقول بحزم
: انتهينا! المبلغ تافه بالنسبة لي من الاساس! انا سوف ادفعه ! ولن احادث جدي هل انت راضيه؟!
كتفت يديها لتقول
: لا لست راضيه! لقد وافقت علي مجيئك هنا لاني كنت احتاج دعما لن انكر ولكن دعما معنويا أمام عمي وليس ماديا!
تحدث هو بعدها بغيظ ليقول
: حسنا اذا ما رأيك ان تعملي معي بعقد رسمي كسداد للدين؟!
فكرت قليلا في الصغير ثم ابتسمت لتومئ له بالموافقه!
زفر بإرتياح بعدما اقنعها اخيرا لكنه وجدها تحاول قول شئ ما ليقول
: هات ما عندك! ما الامر !
حكت جبينها بيدها لتقول
: الحقيقه اريد الذهاب الي مكان ما الان لذا كنت اريد ان اطلب منك ان تعود حتي انتهي واعود للمنزل انا الاخري!
رفع حاجبه بتعجب ليقول
: ولم لا نذهب سويا ونعود معا!
تحمحمت لتقول
: سأذهب الي شقتي وسأكون وحيده لذا ليس من اللائق ان تأتي معي
امتعض فمه ليقول بغيظ
: ملييييكه! سنذهب سويا وسيظل الباب مفتوحا وسأبقي في الشرفه او غرفة الجلوس حتي تنتهي!
حاولت الرفض فلم يقتنع وحاولت ان تقول له ان يذهبا الي المنزل وهي ستذهب في وقت لاحق وحدها لم يقطنع كذلك!
كان لدي فضول شديد لرؤية ذاك العش الدافئ الخاص بالشاب صاحب الابتسامة التي تكاد ترديه قتيلا من الغيظ!
رواية رجوع الى الهويه الفصل الثاني عشر 12 - بقلم شيراز القاضي
توجها إلى الشقة التي تزوجت بها مليكة على مضض منها.
فتحت الباب وتركته مفتوحاً وقالت:
"اترك الباب مفتوحاً! فأنت..."
قاطعها هو بنفاذ صبر:
"حرام لأني لست أخاك أو زوجك أو أباك، فهمت؟ فهمت!"
تطلعت إليه بتعجب، لكنها ابتسمت في النهاية لتقول:
"جيد إذاً! تفضل هنا.. غرفة المعيشة.. قم بنزع القماش عن الكرسي واجلس.. سأعود حالاً."
أومأ لها ونفذ ما قاله وجلس قليلاً وهو يتأمل المكان.
غابت مليكة، فأصابه الضجر، فقام ليتفحص المكان.
شقة بسيطة، ليس بها شيء مميز إلى هذا الحد!
ظل يتجول بين الغرف حتى وقف أمام غرفة بعيدة قليلاً.
حاول فتحها لكنها مغلقة.
زفر بقنوط قبل أن يجفل حين يجد مليكة تقف خلفه قائلة:
"ماذا تفعل هنا؟"
قال لها:
"حاولت الجلوس لكني مللت، فأحببت رؤية المكان المميز جداً إلى هذا الحد بالنسبة لك! ولكن لمَ تلك الغرفة مغلقة؟"
ابتسمت مليكة لتقول بدفء:
"تلك الغرفة سميناها هوس."
ارتفع حاجبه بتعجب لتقول:
"في بداية انتقالي إلى هنا لم يكن مسموح لي بالدخول إلى تلك الغرفة، لكن شيئاً فشيئاً استدرجت فادي ليفتحا لي، وكان خائفاً من فتحها أمامي، ههه.. تعال سأريك إياها."
فتحت الباب بالمفتاح وأشعلت الضوء، ففغر سام فاه مما رأى.
أكملت مليكة:
"كان يحتفظ بكل شيء يذكره بي هنا! صوري وملابسي، حتى حقيبتي المفضلة التي عاقبني عمي بها ذات مرة وقام بتمزيقها.. جمعها هو وأصلحها ووضعها هنا! آآه، أحسست بثقل في تنفسي حين دخلتها أول مرة! أن يكون لدي شخص يحبني إلى هذا الحد لهو شيء تمنيته طوال حياتي! كان أمامي ولم أره! كان خائفاً من دخولي هنا حتى لا أخاف منه، ههه."
طغى الجمود على وجه سام الذي تمتم بعبارات لم تفهمها مليكة وهو يخرج من الغرفة مخفياً غضبه غير المبرر بالمرة.
"ساااام، انهض يا عزيزي لتتناول الطعام!"
كانت هذه حسناء، فقد علمت سام بضع كلمات عربية لتستطيع التواصل معه طوال فترة مكثه معهم. وبالطبع خرج سام ملبياً دعوتها مبتسماً وهو يحاول محو آثار النوم من عينيه.
جاءت مليكة من المطبخ حاملة بعض الأطباق لتضعها على السفرة، فقال سام:
"هل الطفل بخير الآن؟"
أومأت له لتقول بامتنان:
"لا أعلم كيف أشكرك، فقد ساعدتني كثيراً."
تحدث ممتعضاً بصوت منخفض لم يسمعه سواه:
"لا حاجة للشكر.. اشعري فقط بمن يكاد يشتعل أمامك، واللعنة!"
قطبت مليكة لتقول:
"ماذا تقول؟ لم أسمعك."
تحدث هو بابتسامة زائفة وهو يدس عود الجرجير داخل فمه بغيظ:
"كنت أقول إنني أود زيارة دار الرعاية تلك من جديد!"
أومأت له بابتسامة لتقول:
"بعد الإفطار سأذهب.. تعال معي!"
ذهب سام معها، وأثناء نزولهما السلم قال لها:
"مليكة! أريد أن أذهب إلى مكان لبيع لعب الأطفال أولاً."
أرشدته مليكة ودخلا سوياً، وقام بإحضار مجموعة هائلة من الألعاب المتنوعة، ودخل مكاناً آخر لبيع الثياب واشترى كمية لا بأس بها. وذهبا معاً إلى دار الرعاية، وقام هو بنفسه بإعطاء الأطفال الثياب والألعاب، بينما وقفت مليكة تتأمل المشهد بسعادة غامرة.
خرجا بعد فترة، وقامت مليكة بالتنزه هي وسام كما كان يفعل معها في إسبانيا.
عادا إلى البيت بعد فترة فوجدا حسناء تجلس أمام التلفاز وهي تحيك كنزة صوفية بكل تركيز، فجلس سام إلى جانبها وهو ينظر بإنبهار إلى ما تفعل، وبحروف مبعثرة ولكن عربية ركيكة قال:
"ما يكون.. هذا.. خالتي؟"
لقد علمته حسناء أن يقول لها خالتي أيضاً!
ردت عليه حسناء ببطء حتى يستوعب كلماتها:
"هذا سيكون لك."
وقامت بفرده فوق صدره لتجعله يفهم أنها كنزة له.
فهمها سام وابتسم باتساع، ودون شعور منه ضمها بقوة وهو يضحك شاكراً إياها.
شهقت مليكة من موقفه وكذلك حسناء، لكن الأخيرة تداركت نفسها وأصبحت تضحك وهي تربت على ظهره.
فتركتهم مليكة وهي تتحرك نحو غرفتها وهي لا تصدق ما يحدث!
لاحقاً خرجت على صوت ضحكات آتية من الشرفة، فوجدت سام يجلس أمام حسناء وبيده كوب شاي وهي تحكي له شيئاً ما وتحاول استخدام يدها لتشرح له الكلمات حتى يفهمها، وقد نجحت.
وقفت تتأملهم بحاجب مرتفع، وما إن رآها سام حتى دعاها للجلوس معهم، ودون شعور منها أصبحت تضحك معهم بشدة!
من الجيد أن زياد وفيصل قد تزوجا، وبفضل وجود سام لم يرتاحا في المجيء كثيراً في وجوده، مما أعطى مليكة بعض الراحة، وكذلك عمها الذي يتأخر دائماً في عمله.
استيقظ في الصباح الباكر ممتعضاً، فهو لم ينم من الأساس بسبب البعوض! كيف يعيش الناس هكذا!!
تأفأف بضيق، ليقوم ويخرج بهدوء من الغرفة متجهاً إلى الحمام، وارتدى ثيابه الخاصة بالرياضة، وفتح باب المنزل وخرج!
كلما خرج إلى الشرفة كان يدرس محيط ذلك الحي الشعبي جيداً حتى حفظه، وها هو يقوم بالركض حول المكان. كان الوقت باكراً لذا لم يره أحد.
في المنزل، استيقظت السيدة حسناء لغسل الملابس حتى ينهض باقي أفراد أسرتها والضيف كذلك حتى تعد لهم الإفطار.
أخذت الملابس المبتلة لترتبها على الحبال في الشرفة حتى تجف، وأثناء انشغالها لمحت سام وهو يركض في الشارع والحي كله يشاهده بتعجب.
كان سام قد أنهى جولته وهو عائد إلى بيت عم مليكة ركضاً، أحس بالتعرق، فتقزز من قميصه، فقام بخلعه وهو أمام مدخل العمارة.
حين رأته حسناء اتسعت عيناها لتشهق ضاربة على صدرها بحركة مصرية شهيرة لتصيح قائلة: "يامصيبتي!":
"ساام، تعال إلى هنا!"
قبل أن تهرول إلى الداخل حيث غرفة مليكة.
هزتها بعنف وهي تقول بسرعة وبنبرة مفزعة:
"مليييكه!! ملييكه، انهضي وانظري ماذا فعل ابن خالتك العزيز.. انظري إلى تلك الكاارثه! انهضي!"
انتفضت مليكة لتقول بفزع:
"ماذا؟ ماذا حدث؟ مالذي فعله!"
قالت حسناء:
"كان يركض في وسط الشارع كالمجانين، ثم قام بخلع قميصه وهو في الشااارع.. أصبح عارياً الصدر أمام الحي بأكمله!"
انتفضت مليكة من مكانها وهي تحاول الوصول إلى أقرب حجاب معلق خلف الباب، وهي تركض باتجاه باب الشقة، وقد وقعت عدة مرات على وجهها أثناء رحلتها تلك!
وصلت عند الباب، وما إن فتحت وهي تمسك قدمها بألم حتى رأت سام يصعد السلم بتأنٍ وهو يغني بهدوء وقد علق قميصه على كتفه!
كل سكان العمارة خرجوا ليشاهدوه بهذا المشهد!
ما إن فتحت ورأته هكذا حتى شهقت بعنف وهي تخفي وجهها لتصرخ به بطريقة أجفلته:
"هل جننت! كيف تمشي في الشارع عارياً هكذا!! استر جسدك!"
رمش بعينيه بعدم استيعاب، وكاد أن يتحدث لكنه صمت حين لاحظ أن الجميع، نسوة ورجال، يطالعونه بدهشة!
لم يفهم ما الذي فعله، ليبتسم لهم قائلاً بصوت عالٍ وبلغة عربية ركيكة:
"أوه، مرحباً بكم. أنا أدعى سام! ما الأمر؟!"
اندفعت حسناء إلى السلم وقامت بجذب يده بسرعة وهي تقول:
"هذا خطأ سام!"
ثم نظرت لجيرانها الذين من بينهم فتيات يراقبون هذا المشهد الفريد، لتقول:
"اعذرونا، فالشاب لا يعرف أن هذا لا يصح.. وأنت هيا معي."
استسلم سام لسحبها له دون أن يفهم سبب تلك الجلبة، وما إن دخل وأغلقت الباب خلفه بعنف حتى هدرت مليكة وهي تنظر في الجهة الأخرى:
"ارتدي ثيابك بالله عليك يارجل، كيف تسير بهذا الشكل خارج غرفتك!"
أتت حسناء بقميص كان قد جف وأعطته له وهي لا تزال مصدومة مما حدث، فقام سام بارتدائه قائلاً بتذمر:
"لقد كنت أركض وأصبح جسدي مليئاً بالعرق، وأنت على علم أنني لا أحب الروائح الكريهة! ثم ما به جسدي يا فتاة."
قالها وهو يعيد فتح القميص لينظر إلى صدره بتعجب، مما جعل حسناء تصرخ في وجهه وهي تدفعه باتجاه الحمام قائلة:
"هيا.. استحم.. ملييكه، ادخلي غرفته وأحضري له ملابس نظيفة ليرتديها بعد الاستحمام!"
"من الجيد أن عمك خرج قبل أن يحدث هذا الأمر!"
أومأت مليكة وهي لا تصدق أن هذا حدث بالفعل، ثم تذكرت نسرين.. جارتهم الصغيرة، فتاة مراهقة طولها لا يتعدى متراً ونصف، كيف وقفت تطالع سام ببلاهة.
أغمضت عيناها بقنوط.. ستنحرف الصغيرة بسبب ذاك الوغد!
رواية رجوع الى الهويه الفصل الثالث عشر 13 - بقلم شيراز القاضي
"هل أنت بخير؟ لماذا وجهك شديد الشحوب؟" قالها سام وهو يحادث مليكة الجالسة بجانبه في الطائرة المتجهة إلى إسبانيا.
قالت بخفوت: "أنا بخير، لم أنم جيداً فحسب."
أومأ لها وظل صامتاً حين وجدها تغمض عيناها بإرهاق. لينظر هو إلى النافذة مبتسماً وهو يتذكر كل ما مر به في مصر. اتسعت ابتسامته الوحشية وهو يتذكر ما فعله بالأمس.
لقد خرج وهو عازم على فعل شيء. كان موعد خروج فيصل من عمله، وقد علم سام أن فيصل وزياد يسكنان في الحي ذاته، لكن في بنايات مختلفة. وقد شرحت له حسناء أماكنهم بنية طيبة، غير مدركة لما سيحدث.
انتظر سام قدوم فيصل من عمله في شارع مظلم بجوار بنايته. وما إن اقترب حتى سحبه سام في الظلام وقام بتكميم فمه. وظل يضربه بعنف حتى فقد وعيه.
نفض يديه بإشمئزاز ليتوجه إلى البناية التي يمكث بها زياد. قام بطرق الباب ففتح طفل صغير له الباب. فابتسم سام له. وفجأة، وجد زوجة زياد تطالعه بفضول من خلف ولدها.
فقال سام لها: "هل تتحدثين الإنجليزية؟"
أومأت له ليقول: "أنا أريد رؤية زياد، هل عاد من عمله؟"
أومأت له ليقول: "أخبريه أن سام يريد رؤيته."
أدخلته إلى غرفة الجلوس، وما هي إلا لحظات وقد دخل زياد متوجساً من زيارة ذاك الرجل له. تقدم سام من الباب وقام بإغلاقه بالمفتاح، ثم استدار فجأة لزياد مكمماً إياه كما قام مع أخيه. وظل يضربه بعنف قائلاً من بين لهاثه بعد انتهائه: "هذا لا يساوي نقطة في بحر ما كنت أود عمله بك أنت والحشرة الأخرى. اعتبراها تذكاراً مني على ما فعلتماه مع مليكة حين لم يكن لها أحد هنا."
وقام بركله في بطنه بعنف جعل زياد يتلوى ألماً. خرج سام من الغرفة فوجد زوجته تحمل الطفل وهي تطالعه بخوف. ليبتسم لها قائلاً: "أنا آسف، لكن زوجك يستحق ما فعلته."
ثم أتى النصيب الأكبر. عم مليكة. اجتمع سام به فوق السطوح ليقول: "سنغادر أنا ومليكة غداً بعد الظهيرة."
تنهد أحمد بارتياح لانتهاء هذا الكابوس ليقول: "أوه حقاً! بلغ سلامي للجميع، وجيد أن مليكة ستأتي معك بدلاً من بقائها منعزلة عن العالم!"
ضحك سام باستخفاف ليقول: "هل تظنني غبياً!!"
ثم تغيرت نبرته للجمود ويقول: "أين أموال مليكة؟ وشقة والدها، أين أوراق ملكيتها؟"
ابتلع أحمد لعابه وقبل أن يجيب، تحدث سام مجدداً واضعاً ساقاً فوق الأخرى: "استمع إلي جيداً! لا تحاول الكذب. الأموال التي كانت تحول إليك شهرياً... أنا من كان يحولها وليس جدي. حقاً، لا داعي لإنكارها، ولا داعي لتقول أنك كنت تعطيهم إلى مليكة، فهذا لم يحدث. مليكة لا تعرف حتى أننا كنا نحاول الوصول إليها منذ زمن. لذا، وبهدوء، سنذهب أنا وأنت غداً إلى البنك وستقوم بتحويل المال الذي ادخرته من أموال مليكة إلى حسابها. وعقود الشقة التي أجبرتها يوماً على الإمضاء عليها ستتنازل عنها. تصبح على خير."
وبالفعل تم ما أراد سام. فأحمد ليس بالغبي ليقف في وجه سام أو خافيير. تنهد سام مبتسماً ببعض الراحة حين استطاع أخذ ولو القليل من حق مليكة. لكنه استطاع فعل شيء. ذهب عقله إلى حسناء. تلك السيدة الطيبة. لا يعلم كيف تعيش بين هؤلاء الحمقى. تذكر بكاءها وهي تحتضنه بقوة ولم تهدأ إلا عندما أخبرها أنه سيعود لزيارتها. أغمض عينيه مبتسماً براحة، فتلك الرحلة كانت رائعة.
اختفت ابتسامته تدريجياً ما إن ظهرت أمامه صورة فادي المبتسم. ليفتح عينيه بانزعاج. لا يدري لما يثير ذاك فادي حنقه.
"آه يا عزيزي، لقد افتقدتكما!" هكذا هتف خافيير وهو يضم كلا من مليكة وسام بقوة.
تحدث من جديد ليقول: "أخبراني بكل ما فعلتماه... وهل أتممتما ما ذهبتما لأجله؟"
أومأت مليكة مبتسمة قبل أن تقول: "اعذرني يا جدي، فأنا مرهقة للغاية، لذا سأذهب إلى النوم قليلاً. بعدها سأخبرك بكل ما تريد معرفته."
ربت خافيير على كتفها برفق وهو يومئ لها مبتسماً. ثم عاد بوجهه وعيناه تلمعان بسعادة إلى سام الذي كانت عيناه ترافق مليكة وهي تصعد السلم ببطء.
تحدث خافيير قائلاً: "الآن وحالاً، أريد معرفة كل شيء. ماذا حدث؟"
أعاد سام نظره إلى جده وهو يتحدث بحماس جعل قلب جده يحلق بسعادة: "مذهلة يا جدي! كل شيء كان مذهلاً. أنت لا تعلم كيف استمتعت ببقائي هناك."
ابتسم خافيير بدفء، فهذه أول مرة يرى حفيده يتحدث بتلك السعادة. ليقول: "وماذا عن مليكة؟"
نظر له سام مبتسماً بشرود ليقول: "ما بها مليكة؟"
نظر له الجد بنصف عين ليقول: "ألم... تحاولا... أعني، ألم يحدث أي شيء؟ أي شيء ولو كان بسيطاً؟"
نظر سام إلى جده بطرف عينه ليقول بحنق: "هل أنت واعٍ لما تقول جدي! إنها مليكة وليست أي فتاة من إسبانيا."
أومأ الجد ليقول بسعادة: "ولكنك... تعلم ما أريد قوله... هل أعجبتك؟"
نظر له سام ليتنهد بثقل قبل أن يقول: "أنت لا تعلم شيئاً يا جدي."
قطب الجد ليقول: "أخبرني بما لا أعرفه إذا."
نظر له سام بتركيز قبل أن ينهض فجأة قائلاً: "هل أخذت دوائك أولاً؟"
أومأ له الجد متعجباً ليقول سام: "جيد، لأن ما سأقوله يحتاج إلى أن تكون في كامل صحتك!"
في المساء، وأثناء اجتماع العائلة على العشاء، هبطت مليكة لتكون آخر الواصلين كالعادة. لكن ما أجفلها وأربكها هي نظرة البؤس على وجه جدها الذي نهض مسرعاً متجهاً لها ما إن دخلت الغرفة. ليحتضنها بقوة وهو يلقي على مسامعها كلمات لم تدري لما يقولها. فسألته أن كان بخير ليجيب: "أنا بخير يا حبيبتي، فقط اشتقت لك كثيراً!"
أحاط وجهها بيديه مقبلاً رأسها بعمق ليقول: "عديني ألا تتركيني بهذا الشكل مجدداً."
أومأت له بتوجس، لكنها كانت سعيدة بإحساس الدفء الذي أغدقها به منذ قليل. حدث ذلك أمام الجميع، من بينهم سام الذي نظر إلى جده بغيظ وهو يهز رأسه بقلة حيلة. أهذا ما فهمه جده من كلمته؟ لا تجعلها تشعر أنك تشفق عليها أو أنك تعرف شيئاً عنها.
انتهى العشاء وطلب الجد من سام أن يرافقه إلى مكتبه. وحين دخلا قال سام بحنق: "أهذا ما اتفقنا عليه!"
أدمعت عينا الجد وهو يتحدث بصوت مهتز: "قلبي يؤلمني بني! ما قيمة كل هذا المال الذي عشت به طوال حياتي متنعماً إن كانت حفيدتي قد عاشت كل تلك المآسي وحدها!"
ربت سام على كتف جده ليقول: "لقد ولّت تلك الأيام وهي الآن هنا معنا! لم تعد وحيدة ولن تواجه الحياة بمفردها مجدداً. سأبقى دائماً خلفها... أعدك بذلك!"
تنهد الجد بكدر ليقول: "آه، فقط لو أستطيع جمعكما معاً! وقتها فقط سأنام قرير العين وأنا أعلم أنها معك!"
تنهد سام بثقل ليقول: "لقد أخبرتك بما في الأمر! لن تقبل بي بسهولة. هذا إن لم يكن هذا الأمر من المستحيلات! لكن لن أيأس، لا تقلق!"
في اليوم التالي، وأثناء عودة مليكة وسام معاً من العمل، دخلا سوياً من الباب وهما يضحكان بصخب غير معهود على موقف كان سام يرويه لمليكة. لكن ضحكته ماتت على شفتيه ما إن مر من أمام مكتب جده الذي وقف هو ورجل آخر يطالعانهما باهتمام.
تنحنحت مليكة ببعض الحرج ليعود الجمود يكسو ملامحها من جديد وهي تلقي التحية عليهما أثناء تحركها باتجاه السلم. وما كادت أن تصل حتى أتاها صوت سام الصارخ في وجه الرجل ومحاولة خافيير في تهدئته.
نظرت لهم بفزع لتري سام غاضباً كما لم تراه من قبل. وخافيير يضمه في محاولة يائسة منه أن يبعده عن ذاك الرجل الذي يطالعه بضعف وقد ظهرت بعض الدموع في عيناه.
هبطت مسرعة لهم لعلمها أن جدها مريض وقد يسقط الآن بينهما فاقداً الوعي أثر الضغط العصبي. وقفت بينهم لتتحدث مع سام أن يهدأ قليلاً. ثم تحدثت إليه بفزع حين وجدت يد جدها بدأت في الارتعاد: "سام، جدي ليس بخير. اصمت!"
انتبه سام إلى جده الذي أصبح يستند عليه بدلاً من محاولة دفعه بعيداً. ليمسكه بفزع وقد عاونته مليكة. لتنظر باتجاه الرجل باعتذار لتقول: "اعذرنا أيها السيد على ما حدث، لكن أنت ترى ما حدث لجدي!"
والتفتت وهي تعاون سام على جعل الجد يتقدم حتى وصل إلى حجرته وتسطح على سريره. بقي سام يدلك يديه بتوتر وهو يتحدث معه بخفوت لجذب انتباهه. بينما ذهبت مليكة لإحضار الدواء. وبعد عدة دقائق استطاع الجد أن يعود لوعيه وهو يطالعهم بأعين زائغة ليقول بابتسامة واهنة: "ما الذي أصابكما؟ لازلت بخير. كانت مجرد لحظة ضعفت بها لأني نسيت أخذ الدواء."
ثم نظر لسام بلوم دون كلام. ليقبل الأخير رأسه بحب وندم.
في المساء، وكعادة أصبحت ترافقهما، اجتمع كلا من مليكة وسام في شرفة غرفتهما المشتركة. وقد أحضر سام بعض التسالي ليتناولاها.
قالت مليكة بهدوء: "تحدث! أخرج ما بداخلك... الرجل الذي كان بالأسفل كان... أباك؟"
زفر سام بحنق ليميل برأسه إلى الخلف دون رد لبعض الوقت. ثم قال بسخرية مريرة: "حين كنت طفلاً تخلى عني هو وأمي بسهولة. أكمل حياته بشكل عادي وقد تزوج وأنجب من الأخرى. كنت أريده أن يأتي ويأخذني بين أحضانه ويقول لي أنه اشتاق إلي! لكنه لم يأت."
ضحك بصوت لا حياة فيه ليقول: "ذهبت أنا إليه لرؤيته حين كنت في الخامسة عشر من عمري. أوتعلمين ماذا شاهدت؟ شاهدته يخرج من منزله يحمل طفلاً على يديه وطفلة أخرى تسير إلى جانبه! بدا سعيداً جداً في حياته! أصابتني صدمة! لم يحاول أن يعرف عني شيئاً أو حتى يزورني لأنه أصبح مشغولاً مع أسرته الجديدة التي سافر معها لاحقاً. وها قد عاد الآن بعد أعوام طوال وبمنتهى الوقاحة يقول: "لقد أتيت لأطمئن عليك!" نفس الوضع مع والدتي، لكن على الأقل هي حاولت دمجي في حياتها الجديدة لكني لم أستطع الاتفاق مع زوجها."
توقف عن الكلام وقد لمحت مليكة تلك النظرة التي تعرفها هي جيداً. الحرمان. الحرمان من حق لك في الحياة أن يكون لك شخص يربت على كتفك. تعلم أن والدتها كانت تحتويه هي وجدها، لكن أمها أيضاً اضطرت للرحيل وظل هو وحيداً. مثلها تمام.
تنهدت لتقول بحكمة وهدوء حتى لا تثير غضبه: "سام! لديك كل الحق فيما تقول! وأنا أعرف شعورك جيداً، ولكن... عليك أن تكون شاكراً لربك أن والداك ما زالا على قيد الحياة. ربما أباك خائف من مواجهتك. ربما كان يخشى ردة فعلك حين يظهر في حياتك كما حصل اليوم. ووالدتك مخطئة حسناً، لكنها لم تيأس وهي تحاول بإستماتة أن تقابلك وأنت من تهرب منها. سام! اترك لهم فرصة على الأقل. أنت لا تعلم مرارة اليتم."
ضحك سام بغضب ليقول: "انفصلا وأنا طفل في الثامنة وأنا اليوم رجلاً بلغت عقدي الثالث. ألم تكن كل تلك السنوات فرصة! حباً بالله يا مليكة، أغلقي تلك المحادثة فأنا لا أريد التذكر."
تنهدت مليكة دون رد حتى لا تغضبه أكثر.
"لا والف لا، وأنت تعلم جيداً أنني لن أوافق على ذلك، فلا داعي لذكر هذا الأمر أمامي مجدداً جدي!" هكذا صاح سام بغضب في وجه جده الذي يحاول بيأس شديد أن يجعل سام يجلس مع والده ولو لدقائق فقط. لكنه عنيد كالثور، لا يثنيه أحد عن قراره.
حاول خافيير أن يبقى هادئاً وهو يتحدث مع سام، لكنه مع الوقت أصبح يصرخ في وجهه هو الآخر قائلاً: "كف عن عنادك هذا! استمع إلي، إن لم توافق على مقابلة بيلا وجيرارد، لا مكان لك بجانبي. لقد سئمت!"
تنفس سام بحدة ليومئ إلى جده عدة مرات قبل أن يقول بحزم: "لك هذا! سأرحل الآن! وداعاً."
شهقت مليكة بفزع وهي تراه يخرج من المكتب كالصاروخ باتجاه السلم المؤدي للطابق العلوي. دخلت إلى جدها راكضة لتراه جالساً على مكتبه وهو يستند برأسه على كفوف يديه بإنهزام. فقالت بقلق: "ما الأمر يا جدي! هل أنت بخير!"
رفع الجد عيناه الحمراء إلى مليكة ليقول بحزن: "لقد خيرته... إما أن يقابلهما أو أن يذهب من هنا!"
ربتت مليكة على كتف جدها لتقول بلوم هادئ لمعرفتها اختيار سام: "ما كان عليك فعلها يا جدي! لكن سأصلح الأمر، لا بأس. اهدأ."
ربت على يدها بإنهزام وكاد يتحدث قبل أن يسمع صوت أقدام أحد ما يسير بسرعة. لينظر لها بإستجداء، فهمته لتركض إلى الخارج خلف سام لتوقفه في الحديقة. لتقف لاهثة لتقول: "هل جننت! ستترك جدك هكذا وتذهب! لم أكن أعلم أنك طفولي إلى هذا الحد يا سام!"
قال سام بضيق: "مليكة! لا تزيدي مقتي على تلك الحياة، يكفي ما أنا به حالياً. سأذهب إلى منزلي! أنا لم أكن أعيش هنا على أي حال!"
وذهب قبل أن يترك لها فرصة الرد على كلماته.
رواية رجوع الى الهويه الفصل الرابع عشر 14 - بقلم شيراز القاضي
عادت مليكة إلى الداخل لتجد جدها يطالعها بحزن.
فقالت: "لا تقلق يا جدي، اتركه يهدأ قليلاً ثم نحدثه من جديد."
أومأ الجد بحزن والتفت قاصداً غرفته ولم يخرج منها حتى المساء.
فذهبت ثبات إليه تحثه على الخروج وتناول الطعام، فالحزن يضر بصحته.
أتى صباح جديد، لكنه حزين بعض الشيء بالنسبة لخافيير الذي يتناول طعامه ودوائه بصعوبة تحت إلحاح مليكة.
تنهدت مليكة لتقول: "جدي، حباً بالله، هذا خطر عليك! استمع إلي. سأذهب له اليوم وأقنعه بالمجيء مجدداً. أنت تعلم أن سام يحبك أكثر من نفسه، هو فقط غاضب، وله حق وأنت تعلم ذلك."
نظر جدها إليها بامتنان ليقول: "أنتِ على حق يا حبيبتي. اذهبي له الآن، أرجوكِ ألا تأتي من دونه!"
أومأت له وهي تفكر بارتباك فيما ستفعله.
وقفت أمام باب شقته بارتباك، فهو قد أغلق هاتفه ولم يفتحه بعد، ولا تعلم كيف لها أن تدخل منزله هكذا.
كانت خطتها أن تأتي إلى هنا وتنتظره بالأسفل ثم تهاتفه ليقابلها بالأسفل.
تنهدت بتعب حين تذكرت جدها، فقامت بقرع الجرس وعادت بضع خطوات إلى الخلف بأدب.
كان سام جالساً في غرفته دون إشعال الضوء، ولم يرهق نفسه بفتح النافذة ليدخل نور الصباح إليه حتى.
أغمض عينيه بأسى وهو يضع رأسه على وسادته، وما كاد أن يستسلم للنوم حتى سمع رنين جرس الباب.
كان سيتجاهله، ولكنه وقف واتجه إلى الباب بهدوء ليرى من الطارق عبر الشاشة التي تقبع خلف باب الشقة.
رمش بعينيه وأصبح يغمض عينيه بعنف ليفتحهما وهو يقرب وجهه بشدة من الشاشة، يطالع مليكة التي تقف أمام باب منزله، تضع يديها خلف ظهرها وتنظر إلى الأسفل.
هل كان سيتجاهل الطارق حقاً؟
فتح الباب بسرعة وهو يطالعها متوجساً من وجودها.
فنظرت هي إليه تتأمل ملامحه التي بدا عليها الإرهاق التام، لتقول عدة جمل متفرقة غير متناسقة بالمرة من قلقها: "ما الذي حدث سام؟ هل أنت بخير؟ وجهك مرهق للغاية. اتصلت بك البارحة ولا تجيبني، لقد خفت عليك أن يكون قد حدث لك مكروه!"
أجفله ذاك الهجوم وأسعده في الآن ذاته، ليقول بابتسامة واهنة: "هل سنتحدث في كل هذا على الباب؟ تعالي وادخلي وسنتحدث. أنا مرهق للغاية وغير قادر على الوقوف بثبات لذا..."
ترك جملته معلقة وهو يرى ترددها، ويبدو أنها كانت على وشك الرفض لولا سماعها نهاية كلماته ليستند على الباب ممثلاً الوهن هذه المرة، ليقول بخفوت أتقنه: "أنا في مجمع سكني ولا يمكنني ترك الباب مفتوحاً، لا أضمن أن لا يحاول أحدٌ أن يدخل إلى هنا عنوة. لكن سنجلس في الشرفة، لكن ارجوكِ ادخلي الآن فقد تعبت حقاً."
أطلقت صرخة فزعة ما أن وجدته يترنح في مكانه، لتقول بسرعة: "حسناً، حسناً، تعال وادخل، لكن ارجوك ابتعد عني بقدر ما يمكنك!"
أومأ لها بضعف ليدخلا، وهي تتأمل شقته. راقية كشخصيته تماماً، وكالعادة ألوانها ما بين الفضي والأسود، وصور تزين كل شبر من الحائط بطريقة جميلة حقيقة.
جلست على كرسي وجدته في الشرفة، فألقى سام نفسه على الأريكة المقابلة لها لينام مغمضاً عينيه، لكن تنفسه الحاد أعلمها أنه مستيقظ.
لتقول: "هل أنت بخير؟ ماذا بك؟"
قال لها وما زال مغمضاً عينيه: "لم أنم ليلة أمس فقط، محض إرهاق. ما الذي أتى بك إلى هنا؟"
تنهدت لتقول: "جدي! لقد عزل نفسه في غرفته منذ ذهابك أمس. لا يأكل ولا يتناول دوائه إلا تحت إصراري الشديد. لا تكن متعنتاً سام! كان بإمكانك مناقشته بهدوء لا أن تترك له المنزل وتغادر!"
تنهد سام ليقول: "لقد حاولت معه بهدوء ولم أفلح، وأنا لن أقابل أياً منهما. لم أعد طفلاً لأتعرض لكل تلك الترهات."
قطب حاجبيه بقلق ليكمل: "لكن ماذا به جدي؟ هل هو بخير؟"
ردت عليه مليكة بنبرة جاهدت لإخراجها ضعيفة وحزينة حتى تسيطر عليه: "آه، حالته سيئة للغاية منذ أمس. لقد بكى أيضاً حزناً منك وعليك! أخبرني أن أباك لم يقدر على مواجهتك خوفاً من رد فعلك، وكان يجمع الأخبار عنك من بعيد. وكل ما كان يريده منك أن تقابل والدك لتتصالحا."
نظر لها سام بتردد، لينوض جالساً ليقول: "أنا لا أريد تلك المواجهة، ولا أريد خسارة جدي."
احتد صوته وهو يشير إلى وجهها بغضب ليكمل: "لكنه هو من بدأ، وهو يعلم جيداً مدى كرهي لهذا الأمر!"
فكرت مليكة بسرعة لتقول: "لدي حل! أنت لا تريد البقاء منفرداً مع أباك أو خالتي بيلا، صحيح؟"
أومأ لها ببعض التردد متبرماً لأنها كشفت خوفه، لتقول بحماس: "إذا ما رأيك أن آتي معك لنقابلهما سوياً؟ وفرصة لتتعرف على أخوتك."
تنهدت بحزن لتقول: "آه، أنت لا تعلم كم تمنيت دائماً لو أن لي إخوة، بدلاً من تلك الوحدة الكئيبة التي أغلقت بها على نفسي. على أي حال، ما رأيك؟ بهذا الشكل ستكون نفذت أوامر جدي، وفي الآن ذاته سأكون معك، لذا ستكون الزيارة سريعة وسأحرص أنا على ذلك!"
فكر قليلاً وهو ينظر لها، مفكراً في أمر آخر تماماً غير ما تفكر هي به، ليقول: "آه، حسناً، متى نذهب؟"
اتسعت عيناها بسعادة لتقول: "هل وافقت؟ آه يا إلهي، أخيراً! انهض لترتدي ثيابك الآن، ودلني على المطبخ لأعد لك كوب قهوة تشربه ونذهب."
اتسعت عيناه ليقول: "أليس الوقت باكراً؟ واليوم أيضاً! لما لا نتركها ليوم آخر؟"
زفرت مليكة لتقوم وهي تطالع الشقة لتبحث عن المطبخ بنفسها، لتقول بسرعة: "حسناً، حسناً، نم قليلاً وأنا سأعد لك طعاماً مع القهوة ونذهب لهم بعدها."
نظر لها فاغراً فاه وهو يراها تسير في الشقة، تفتح الغرف التي تقابلها لتنظر داخلها بسرعة، ثم تغلق الباب، حتى أخيراً وصلت إلى المطبخ، فهتفت بصوت عالٍ ليسمعها: "تمتلك ذوقاً جميلاً سام! شقتك رائعة. هيا اذهب لتنام وأغلق الباب عليك، ولا تخرج من الغرفة إلا بعد أن تصدر أي صوت يعلمني باستيقاظك!"
رمش بعينيه بعدم استيعاب وهو يفكر بغيظ بباقي جملتها التي حفظها عن ظهر قلب، ليكمل: "لأنه من الأساس وجودك هنا خطأ، ومن الخطأ الأكبر أن أتجول في الشقة وأنتِ معي، لأني لست أباك أو أخاك أو زوجك. واللعنة، لقد مللت."
تلا كلماته الحانقة صوت غلق باب بعنف، أجفلها لتخرج رأسها من المطبخ تطالع الشقة بريبة، قبل أن تدخل المطبخ مجدداً وهي تضحك بخفوت لتعد له طعاماً جيداً. يبدو أنه لم يأكل أو يرتاح منذ أمس.
"آه، ألا يمكننا فقط الذهاب إلى مكان لطيف نتناول الطعام سوياً ونتحدث قليلاً ثم نرحل، ولنأجل تلك الزيارة إلى وقت آخر؟"
قالها سام بنزق وهو يخرج من شقته، وقد سبقته مليكة لتقول بضيق: "ساام، كفاك لهوا كالصغار! أباك في انتظارنا، سنذهب لنتعرف على أسرته لبضع دقائق فقط ونذهب!"
اكتفى سام بالصمت غيظاً وكمداً.
"قادمة!"
كلمة خرجت بصوت أنثوي رقيق حين قرع سام جرس منزل والده، لينفتح الباب وتظهر سيدة أربعينية أنيقة، طالعت كلا من سام ومليكة بابتسامة مرحبة وهي تفسح لهما المجال للدخول قائلة: "أهلاً وسهلاً بكما! تفضلا... جيرارد لم يأتِ من عمله بعد، لكنه في الطريق."
أومأت لها مليكة بابتسامة متحفظة، وهي تلكز سام الصامت في يده ليرد للسيدة تحيتها ببعض الضيق.
جلسا على كرسيين متقاربين، وفجأة سمعوا صوت خطوات سريعة قادمة باتجاههم، فنظروا باتجاه الصوت، ليعيد سام وجهه إلى الأمام ببعض الضيق الذي لم يلحظه ذاك القادم مبتسماً باتساع، ليقول بسعادة بدت واضحة تماماً: "مرحباً بكما... سام! أنا سعيد جداً لرؤيتك!"
تقدم من سام وما زالت ابتسامته الواسعة مرتسمة على وجهه، ليمد يده لسام قائلاً: "أنا راكان! أخاك الأصغر."
وقف ليصافحه، لكنه أجفل حين جذبه راكان وهو يحتضنه بقوة، ليبتعد بعد فترة مخاطباً مليكة بلباقة: "لابد أنكِ مليكة! تشرفت برؤيتك! لقد سمعت عنكِ الكثير مؤخراً وكنت أرغب حقاً في لقائك!"
ابتسمت له مليكة بحنو وهي تشكره بخفوت.
لاحظت نظراته المعجبة وعيناه اللامعة التي ينظر بها إلى سام، لتبتسم. يبدو أن الصغير معجب بأخيه الذي يجلس ببرود ولا يتحدث إلا بشق الأنفس دون النظر إليه.
بعد قليل، أتت السيدة مارثا حاملة أكواباً من العصير الطازج وقدمتها لهم، وهي تحاول التحدث مع سام الذي لم يدخل معهم في أي من المحادثات القائمة، تاركاً مهمة الرد لمليكة التي كادت تقتله بنظراتها.
بعد قليل، سمعوا صوت إغلاق باب المنزل، وكان جيرارد وابنته أمايا عائدين من العمل.
دخل الأب بسرعة وتوتر وهو ينظر لسام مبتسماً بارتباك.
وقف سام ليصافحه ببعض البرود، ثم التفت لأمايا التي طالعته بحب لتضمه وهي تمطره بالكلمات اللطيفة.
كان جواً أسرياً هادئاً، لكن سام لم يندمج به، وهذا ما لاحظته مليكة.
أثناء جلوسهم، انتبهت مليكة على مراقبة راكان الدقيقة لأخيه الأكبر. كان يراقبه وعيناه تلمعان فخراً وحباً.
وقف سام فجأة ليقول: "حسناً، علينا الذهاب الآن. سررت بلقائكم."
وقف جيرارد معترضاً ليقول: "ابقوا قليلاً! مارثا انتهت للتو من إعداد الطعام، لنأكل سوياً."
كاد سام أن يعترض ليجد أخاه يصفق بيديه بحماس، قبل أن يسحب سام من يده في اتجاه طاولة الطعام وهو يقول بحماس: "أجل، لابد أن تبقى وقت أطول. لا يزال هناك الكثير من الأشياء التي أود أن أحادثك بها وأرويها إليك! تفضلي مليكة!"
ضحكت مليكة بخفوت وهي تلاحظ إجفال سام الذي تفاجأ بتصرف أخاه المتحمس لوجوده.
لم يستطع سام أن يرفض لأن راكان لم يترك له الفرصة من الأساس.
حاول الأب تلطيف الجو، فتحدث إلى مليكة ليقول: "إمم، إذا مليكة، ما هو تخصص عملك أو دراستك؟"
قالت مليكة: "لقد درست القانون، وكان لدي مكتبي الخاص قبل قدومي إلى هنا."
أومأ جيرارد برأسه وكاد يتحدث حتى قاطعه راكان بحماس مجدداً: "وأنا أدرس الموضة والأزياء مثل سام!"
ارتفع حاجب سام دون تعقيب، لتمزح مليكة قائلة: "يبدو أن هناك من سيكون منافساً لسام قريباً."
أسرع الصغير ليقول: "لا لا! لا أريد العمل وحدي، لقد اجتهدت في دراستي في هذا المجال لأجل أن أعمل مع أخي!"
طالعه سام بدهشة أكبر من ذي قبل، فنهض راكان من مكانه مسرعاً، وبنفس تهوره وحماسه قام بسحب سام مجدداً من يده ليقول بسرعة وسط اعتراض أبيه ووالدته: "لقد شبعت أنا وهو! سآخذه إلى غرفتي لأريه بعضاً من تصميماتي ليخبرني رأيه! هيا سام، لن تندم، أعدك!"
"هذا كان تصميم لبدلة نسائية تناسب العمل، أنيقة وغير متكلفة ومريحة كذلك!"
قالها راكان وهو يرى أخاه مندمجاً بين رسماته بإعجاب لم يتمكن من إخفائه.
قال سام بهدوء: "أنت بارع للغاية! يبدو أن الموهبة تسري في دمك."
تحدث راكان بفخر ليقول: "هذه ليست موهبة، إنه تدريب مكثف. كنت أحياناً أظل ساهراً عدة ليالٍ وأنا أتدرب على الرسم، فأنا لم أكن أستطيع أن أرسم."
تعجب سام وكاد أن يتحدث ليقاطعه راكان كعادته، ليقول وعيناه تشعان فخراً وحماساً: "فعلت ذلك فقط لتفتخر بي، اتخذتك قدوة، ولم ولن أندم أبداً!"
ظل سام يطالعه بذهول دون أن يتمكن من إيجاد كلمات يعبر بها، لكنه في النهاية ابتسم بدفء وهو يقترب هذه المرة من أخيه بنفسه، يضمه بحب وهو يقول: "من الغد ستتدرب في شركتي مع المصممين لكي تكون ذا مكانة بينهم حين تتخرج! أريدك أن تكون مميزاً بمجهودك وليس بصلة القرابة بيننا!"
صفق راكان بيديه ضاحكاً بحماس وهو يركض نحو الخارج صارخاً بابتهاج، لكنه أفزع الحاضرين، لكنه اقترب من أبيه ليقول بسعادة: "لقد أعجبته تصميماتي! سأكون أحد المتدربين لديه من الغد، أبيييي!"
قهقه الأب بتفاجئ من هذا التقدم الملحوظ ليهنئ ولده الصغير، بينما اتجه إلى سام وهو يرمقه بأسف وامتنان في الآن ذاته، قابله سام ببعض الجمود، لكنه ابتسم له أيضاً.
رواية رجوع الى الهويه الفصل الخامس عشر 15 - بقلم شيراز القاضي
وقف جيراد أمام سام وهو ينظر له بدفء قبل أن يقول بخفوت وندم:
"أنا آسف! كنت خائفًا من ردة فعلك! لطالما ذهبت إلى منزل جدك لأراك.. وكنت أراك من بعيد طيلة مكوثي في إسبانيا! أنت ولدي الأكبر سام! أول فرحة لي، فكيف لي أن أتركك خلفي هكذا وكأنك لم تكن! أعلم أنني كنت جبانًا وأنا السبب فيما وصلنا إليه، لكن ارجوك يا بني.. سامحني واترك لي الفرصة للاقتراب منك!"
ظل سام يطالعه بشرود، وبتلقائية شديدة ذهبت عيناه إلى مليكة التي كانت تراقبهما وهي تبتسم لسام بهدوء. ظل ينظر لوجهها قليلاً قبل أن يبتسم لأبيه الذي احتضنه ضاحكًا وهو يشكره بخفوت.
انتهت الزيارة. لم تتوقع مليكة أن الأمر سيكون بتلك البساطة، ولكن إخوة سام هم من ساعدوا على ضبط الأجواء. رفعت رأسها للسماء تشكر ربها على ما حدث وهي تسير بجانب سام الذي أصر على أن يتمشيا قليلًا قبل أن يعودا إلى مكان السيارة.
"هل سنظل صامتين إلى الأبد؟"
قالها سام بملل وهو يقود السيارة ملاحظًا شرود مليكة وهي تستند على زجاج السيارة.
أجابته هي بعد برهة:
"فقط كنت أفكر ببعض الأشياء!"
أومأ لها ليقول:
"أجل، أعلم هذا! ما الذي يشغل بالك إذا؟!"
ابتسمت بحزن لتقول:
"أنا سعيدة لأجلك.. ما زال أمامك والدتك وزوجها.. الرجل يبدو لطيفًا، لذا حاول تفهمهما أيضًا.. لا تفعل مثلي وتبتعد عن من يحبونك! سيأتي يوم ستود لو أنك قد أصلحت علاقتك بهم منذ الأزل.. العمر قصير سام!"
أوقف السيارة على جانب الطريق لينظر لها قائلًا بدفء:
"مليكة! انسي الماضي، لقد ذهب!"
أكمل بعدما تنهد، فهو يعلم أن فادي هي من تقصده بكلماتها:
"فادي على ما يبدو كان شابًا ناضجًا ولا يحكم بسطحية، لذا أنا واثق من أنه ليس غاضبًا منك لتأخرك في إدراك مشاعرك وبأنك لا تحبينه!"
نظرت له باسمة بحزن:
"أجل، كان كذلك.. رحمه الله عليه."
مسحت عيناها بسرعة قبل أن تهبط دموعها لتقول:
"يجب أن نذهب إلى جدي حالًا.. سيفرح كثيرًا بما حدث!"
أومأ لها مبتسمًا بمرارة لم تلحظها هي، وعاد إلى القيادة من جديد.
"ألم أخبرك أنك ستكون الخاسر إن لم تقابل جيرارد؟"
قالها خافيير بعتاب بسيط حين جلس هو وسام وحدهما وقد غادرت مليكة لتؤدي صلاتها ثم النوم.
نظر له سام ليقول:
"ليس جيرارد هو سبب تحولي، وإنما... راكان! لقد أصابتني صدمة قوية من تصرفاته الرعناء معي التي تدل على حماسه الزائد لرؤيتي! لكن أنت على حق.. الأمر لم يكن سيئًا، لكن ما زلت أشعر بتلك الغصة المسننة في حلقي!"
ابتسم خافيير مربتًا على يد سام ليقول:
"مع الوقت يا بني ستزول تلك الغصة!"
ثم أضاف بنظرة خبيثة ميزها سام بسهولة:
"لكن سام! أنا أحاول إقناعك بمقابلة والديك منذ كنت صغيرًا.. والآن وبعد محاولة واحدة من مليكة التي لم تكمل العام معنا هنا أطعتها وذهبت!"
قلب سام عينيه بضجر ليستقيم من مكانه مقبلًا رأس جده قائلًا:
"آآه ليس مجددًا ارجوك جدي! أنا سوف أصعد لأنام الآن، تصبح على خير!"
قهقه الجد بخفة على حفيده وهو يفكر جديًا فيما يتوجب عليه فعله ليقرب مليكة من سام. ها هو سام قد اختصر عليه المسافة وأصبح ملتفتًا إلى مليكة بكل جوارحه. لكن الكارثة هي... مليكة!
أغمض عينيه مفكرًا في الأمر لعلّه يصل إلى حل.
"هذا مستحيل سيد أكرم! أنت بالتأكيد تمزح!"
هذا ما سمعه سام من مليكة التي تتحدث عبر الهاتف في غرفتها، فأسارع بارتداء السماعة التي تمكّنه من ترجمة كلماتها. لقد فهم من كلماتها أن هناك مشكلة.
"سيد أكرم! حبًا بالله هذه الأراضي ليست ضمن أملاك عائلة الراوي من الأساس! هذه من مالي أنا وفادي! لقد قدمت لك الوثائق التي تثبت هذا قبلًا."
سكتت هنيه لتقول بصوت أعلى:
"أجل، الجزء الذي عليه دار الرعاية كانت من مال فادي وحده، وقبل وفاته قد كتبها لي وأنا من قمت بشراء الأراضي المحيطة للتوسيع! ليس لهم بها شيء عن أي ميراث تتحدث ياسيد!"
تأففت بقنوط لتقول بهدوء عكس النيران التي اشتعلت داخل روحها:
"ارجوك! ليس لدي ما أقوله لك حقًا! هل من كل عقولكم تطالبونني بأرض كان الهدف منها فعل خير كما هو واضح للعيان وهي من الأساس ليست ميراثًا اتخذه فادي من عائلته! لقد اشتراها من حر ماله! لدي وصية كتبت بخط فادي تحت توقيعه وبصمته تؤكد أن الأرض قام بشرائها لتأسيس دار للرعاية وأنني أنا من يحق له التصرف بها في حال وفاته، وقد عُرضت الوصية على الطب الشرعي وهو أثبت صحتها!"
مسحت وجهها بتعب لتقول:
"في أقرب فرصة سوف آتي إلى مصر لأرى هذا الأمر.. وعليكم السلام!"
أغلقت الهاتف لتتنفس بعنف قبل أن تصرخ بقوة وقهر أجفل سام الذي ذهب مندفعًا نحو غرفتها بقلق يدق الباب ليقول:
"مليكة! عزيزتي ماذا بك! افتحي الباب رجاءً!"
كانت كمن في عالم آخر لا تستمع لشيء سوى كلمات محامي عائلة الراوي! عائلة فادي المبجلة التي تريد ضم أرض دار الرعاية والأراضي المحيطة إلى أملاكها حتى لو بالإجبار.. الأرض حين اشتراها فادي كانت بلا قيمة لبعدها عن العمران، لذا استطاع فادي شراءها بسعر منخفض، ومع الوقت تقدم العمران إليها فأصبحت الأرض ذات واجهة مهمة في البلاد ولا تقدر بمال!
اندفع سام نحو الشرفة عازمًا على دخول غرفتها منها. وجدها تجلس أرضًا وهي ترتدي ثوب الصلاة كاملًا وهي تمسك رأسها بكفيها بقوة كمن يخشى على رأسه من الانفجار!
تحدث بقلق واندفاع جاثيًا أرضًا أمامها ليعيد سؤاله، فرفعت وجهها ببطء.
هبط قلب سام ما إن وجد وجهها محتقنًا بالدماء وكذلك عيناها التي كانت زائغة وشارده في اللا شيء وهي تحاول الرد عليه، لكنها فقط تفتح فمها ثم تعاود غلقه بضعف جعله يفزع. ودون شعور منه أمسكها من كتفيها يهزها برفق حتى تفيق، لكنها حتى لم تغضب أو تحاول دفع يده عنها! كانت كالدمية لا تعي لشيء. كان يناديها بصوت عال مفزع وقد هوى قلبه من مكانه وهو لا يعلم ماذا يفعل.
تجمع على إثر صوته معظم المتواجدين في القصر، أولهم خافيير الذي اندفع نحوهما بفزع وهو يرى محاولاتها للتنفس أو الكلام، لكن الواضح أنها لا تستطيع!
صرخ خافيير باسمها بهلع وهو يضمها إليه وهو يخبرها أن تحاول التنفس، لكن بلا فائدة!
تحرك سام بسرعة حاملًا إياها وتبعه خافيير حين قال سام:
"ستلفظ آخر أنفاسها بهذا الشكل! سأذهب بها إلى المشفى!"
ركض سام وتبعه خافيير الذي جلس في الخلف وهو يضم مليكة إلى صدره بيد مرتعشة من الفزع، وقاد سام بسرعة نحو المشفى.
قاموا بإدخالها إلى الطوارئ في محاولة لإسعافها. قام أحد الأطباء بمحاولة فك حجاب الصلاة من على رأسها، فصرخ سام فجأة أجفل جده وأثار سخطه حيث قال:
"لا تفعل! حاول إسعافها دون كشف أيًا من جسدها!"
ثم أشار إلى إحدى الممرضات قائلًا بسرعة:
"أسرعي إليها أنتِ.. ولتذهب أنت لتحضر طبيبة فورًا وكل الرجال بالغرفة إلى الخارج معي، هيا!"
نفذ الجميع ما قاله سام. وقف هو خلف الباب يستند برأسه عليه. كاد جده أن يصرخ في وجهه، لكنه لاحظ يده المرتعشة التي يضعها على الباب، فقال محاولًا التحدث بهدوء:
"هل أصابتك العدوى منها!! أهذا وقته حبًا بالله!"
تحدث سام بصوت مرتجف ظهر به خوفه بل فزعه عليها:
"تذكرتها جدي! لم يكن ليعجبها ما سيحدث.."
ابتسم بصعوبة حتى يخفف من التوتر المحيط مكملًا:
"عندما تستفيق ستأكلني كوجبة لها إذا سمحت لهم بذلك."
تنهد الجد بيأس منهما وهو يجلس بقلق منتظرًا خروج الطبيبة.
كان الأمر بسيطًا وقد طمأنتهم الطبيبة أنها بخير وتستطيع الذهاب معهم إلى المنزل.
دخل الجد وتبعه سام إليها، وجداها تجلس على السرير بجمود كعادتها، وقد نظرت إلى سام بشراسة أجفلته! توقعها، لكن وللحقيقة أخافته!
تحدثت مليكة قائلة بجمود:
"من الذي قام بفك حجابي؟! وكيف لك أن تسمح بفعل كهذا! أين كنت حين قاموا بفك حجابي!"
تنهد خافيير بيأس وهو يطالعهما بتعجب.. كلمات سام تحققت!
قال سام بابتسامة متفاخرة وهو يحرك حاجبيه:
"آه لقد حاول طبيب أرعن فعلها، فقمت بجذبه إلى الخارج وطلبت لكِ طبيبة، ومن قامت بفك حجابك كانت الممرضة ولم يكن هناك أي رجل بالغرفة.. حتى أنا وجدي كنا خارجًا."
نظرت له مضيقة عينيها، تحاول أن تعرف إن كان صادقًا أم لا، لكنه بدا واثقًا، كما أن نظرة الفخر التي في عينيه وكأنه قام بعمل بطولي جعلتها تبتسم بهدوء لمعرفتها أنه أخيرًا.. احترم دينها دون أن ينهرها قبل وقوع الكارثة مثل كل مرة.
رواية رجوع الى الهويه الفصل السادس عشر 16 - بقلم شيراز القاضي
فحصتها الطبيبة مجددا قبل خروجها وهي تقول لهم بهدوء:
"ما حدث كان صدمة مع ارتفاع ضغط الدم بسبب أنها كانت غاضبة للغاية، ولكن عليها توخي الحذر بعد الآن!"
في مساء اليوم التالي، جلس سام ومليكة في الشرفة كالعادة.
قال سام: "هل لي أن أسألك في شيء بما أننا أصبحنا وحدنا؟"
أومأت له.
قال وهو ينظر لها بتركيز: "ماذا حدث لكِ بالأمس؟ لقد سمعت صوتكِ الصارخ وتبين لي أنكِ كنتِ تهاتفين أحدهم!"
زفرت ببعض الثقل وقالت: "سأخبرك!"
"الوضع باختصار، أن فادي رحمه الله، بعد وفاة والدته، ادخر بعض المال. وكانت هناك قطعة أرض متطرفة معروضة للبيع بثمن بخس. اشتراها بسرعة لأنه كان يريد أن يبني عليها دار رعاية، وأن استطاع أن يرفق به مدرسة خيرية لتعليم الحرف اليدوية كصدقة على روح والديه."
"لكنه مات قبل ذلك."
ابتلعت غصتها وهي تمسح دمعة خائنة انحدرت على وجنتها من ألم الذكرى، لتكمل:
"قبل موته وأنا معه في المشفى، أخبرني أن هناك أوراق مهمة في خزنته الخاصة في المنزل، على أن أراها. رأيتها بعد وفاته، وكانت عبارة عن عقد الأرض وملكية البيت وما إلى ذلك، مرفق بظرف مغلق عليه ختم ما كانت وصيته."
"عرفت فيما بعد أنه كتب كل شيء لي: البيت، سيارته، والأرض التي اشتراها أيضًا. وأنا إكمالا لمسيرته، أكملت بناء الدار."
"مع تقدم الأعوام، زحف العمران إلى جانب دار الرعاية وأصبحت الأرض بخسة الثمن، تقدر بملايين. وأنا خلال تلك السنوات كنت أشتري القطع المحيطة. لقد قمت ببيع الشقة الثانية واشتريت قطعة. أخذت سلفة من الشركة وقمت ببيع الذهب الخاص بي واشتريت الأخرى."
"عائلة فادي، أعمامه وما إلى ذلك، عرفوا بالأمر وبعد كل تلك السنوات عادوا يطالبون بالميراث! فقط حين عرفوا قيمة الأرض ويريدون تحويل العمل الخيري إلى مشروع استثماري!"
جحظت عينا سام وهتف بغضب: "وأي قانون يسمح بشيء كهذا؟ وأنتِ ماذا فعلتِ؟"
تنهدت بحزن وقالت: "لم أفعل شيئاً بعد. لقد قدمت كل الوثائق التي تثبت عدم أحقيتهم في الميراث وأن تلك الأراضي هي ملك لي وحدي، لكنهم لم ييأسوا حتى الآن!"
"سيبقون دار الرعاية كدعاية لمشروعهم الذي ينوون إقامته على باقي الأرض. آآآه، سأجن! علي الذهاب إلى مصر مجددًا! لن أقدر على البقاء هنا دائمًا. لدي العديد من المشاكل هناك ومسؤولياتي أيضًا. سأعود وربما آتي إلى هنا بعض الزيارات من حين لآخر."
خفق قلب سام بقوة وهو يستمع إلى كلماتها وعيناه تكادان تخرجان من محجريهما. "ترحل! هكذا ببساطة.. وتتركه!"
رد بسرعة عليها قائلاً: "لا داعي لذهابك! فقط ابقي وأنا سوف أحل باقي الأمور بطريقتي. صدقيني سأمحو كل مشاكلك في مصر ومسؤولياتك تقدرين على إنهائها من هنا. أتعلمين أيضاً، سأتکفل أنا ببناء المدرسة التي تريدينها وسأعمل على تطوير المشفى كذلك!"
نظرت له متسعة العينين وقالت: "هذا سيكلفك الكثير وأنا لا أملك سوى بضع آلاف لن تكفي حتى لشراء خمسين حجراً للبناء!"
تحدث بإصرار تعجبت له قائلاً: "أرجوكِ يا مليكة، فقط اتركِ الأمر لي! سأحل كل شيء دون الحاجة لذهابك. أرجوكِ، وعن الأموال لا تقلقِ أبدًا! أستطيع التكفل به كاملاً دون أن يهتز اسمي في سوق الأعمال!"
نظرت له بدهشة ثم ابتسمت له بامتنان وقالت: "لا أدري ما الذي علي قوله! أنا أشكرك جداً سام! لكن هذا كثير!"
تنهد بملل وقال: "فقط وافقي ولن تندمي. فكري في أن تدخلي سيفيد الأطفال في أسرع وقت ممكن. واعتبريه ثواب لي كما تقولين."
نظرت له مبتسمة لتومئ برأسها له.
فقال ببعض القلق: "هذا يعني أنكِ لن تذهبي إلى مصر! ستبقين هنا صحيح؟"
أومأت له لتقول بتحذير: "لكن ما إن تتعقد الأمور، لا تشغل بالك وأنا سأذهب لحلها."
أومأ برأسه بسرعة وهو يتنهد براحة. كاد يلفظ أنفاسه هلعاً حين قالت أنها سترحل.
دام الصمت قليلاً بينهما. فقد انشغل سام بهاتفه وأخرجت مليكة كتاباً تقرأه.
فانتبه لها سام ليقول: "أراكِ مهتمة بهذا الكتاب منذ مدة!"
قالت له بابتسامة شارده: "هذا الكتاب كان جزءاً من آخر هدية تركها لي فادي."
امتعض وجه سام ما إن أتت سيرته، لكنه تصنع الهدوء وهو يسمع مليكة تكمل قائلة:
"هذه الهدية كانت مجموعة من مؤلفات كاتب مصري كان محبوباً في عصره للغاية. لديه طريقة بديعة لجذبك كي تقرأ دون ملل أبداً أبداً! أتمنى فقط لو أنني كنت أعيش في ذاك العصر الذي كان به. كما أنه الكاتب المفضل لدى فادي أيضاً."
قال سام مقطباً حاجبيه: "تتحدثين عن الرجل كما لو كان من كوكب آخر! عصر غير العصر! معجبان بكاتب مؤلفاته كانت من عصر غير عصرنا. كيف تعرفتم عليه من الأساس؟"
قالت مليكة: "سأخبرك. فادي كان مولعاً بقراءة الكتب القديمة. وبين بحثه، قد عثر على كتاب غريب لكاتب مصري قيل إنه كان ذا صيت واسع في عصره اسمه 'د. أحمد خالد توفيق'. ظل يقرأ بإستمتاع حتى أنه قرأه لي مرة أخرى، فإنتقلت لي عدوى حب أسلوب هذا الكاتب. فبحثنا سوياً عن باقي مؤلفاته وحمداً لله وجدناها في مكتبة متخصصة في بيع نسخ لكتب انتشرت قديماً. كانت غالية الثمن لكننا استطعنا جلبها."
أومأ سام ليقول: "ومتى توفي هذا الرجل؟"
قالت مليكة جملة غريبة جعلته استقام في جلسته يتابع حديثها بإهتمام بالغ، حيث قالت: "تقريباً عام السابع عشر بعد الألفين، لست متأكدة."
اتسعت عينا سام وفغر فاه. لتكمل مليكة بابتسامة واسعة: "أجل، من حوالي ألفي عام تقريباً، توفي هذا العبقري في الزمن الموازي لزماننا هذا!"
قال سام: "ما معنى الزمن الموازي لزمننا؟"
ابتسمت مليكة لتقول: "لقد أخبرني فادي من قبل أنه قرأه ذات مرة أن الحياة على وجه الأرض تمثل دائرة، أي أن الإنسان سيطور من نفسه حتى يبلغ ذروة التطور ثم يعود مجدداً بالتدريج إلى نقطة الصفر."
"سأخبرك مثالاً بسيطاً. في زمان الدكتور أحمد خالد، كان المسلمون كُثر عن الآن. كان منهم العاصي والمؤمن، لكنهم كانوا بالمليارات. لكن، وبحسب علامات قيام الساعة، أن عدد المسلمين سيتضاءل، وهذا ما حدث بالفعل الآن. أنا كنت مسلمة بالاسم فقط قبل أن يعلمني فادي أمور ديني. وعدد المسلمين أصبح أقل بكثير من الماضي."
"وبالنسبة لكلمة الزمن الموازي لنا، أن الحياة كانت تدور في هذه الألفي سنة حتى عدنا إلى النقطة التي كان بها الناس في الألفينات من حيث التكنولوجيا والهيئة وما إلى ذلك."
تحدث سام بصدمة قائلاً: "يا إلهي! لم أسمع شيئاً كهذا من قبل! وكيف عرفتما هذا الكاتب وهو قد مات من آلاف السنين!"
ابتسمت مليكة بحزن لتقول: "فادي رحمه الله كان مثقفاً وقرأ العديد من الكتب في جميع المجالات ولأزمنة مختلفة. كان عبقرياً متفائلاً، رحيماً!"
التوى فم سام فيما يشبه الابتسامة حتى لا ينفجر في وجهها ليقول: "أوه، سأنهض الآن للنوم. تصبحين على خير. ولا داعي لإرهاق ذاتك بالتفكير في أمر دار الرعاية، سأتولى الأمر من الصباح!"
ابتسمت له بإمتنان ليذهب هو باتجاه غرفته وقد تجهمت ملامحه كمن يريد خنق أحدهم حتى يزهق روحه!
"جدي! سأجن! هل من الطبيعي أن يغار المرء من شخص ميت؟ أنقذني بدلاً من صمتك هذا! أشعر أنني سأنفجر من الغيظ!"
قالها سام وهو يلتهم أرضية غرفة جده بأقدامه ذهاباً وإياباً وهو يضع يده فوق رأسه، بينما ينظر له خافيير بصدمة وهو نصف جالس على فراشه. دخل عليه سام منذ نصف ساعة كالقذيفة وهو يتحدث بسرعة وغضب عن طريقة كلام مليكة عن فادي وكيف أنها لا ترى غيره أمامها، وكيف أن ذاك فادي كان بارعاً بكل شيء! لم ينتظر للصباح بل أتى إليه فجراً لينفجر بهذه الطريقة.
تحدث خافيير وهو يجاهد لكبت ضحكاته: "ما بك يا سام! اصبر قليلاً.. أنت لم تحاول لفت نظرها لك من الأساس! لكن أعدك أن أجد حلاً."
أجفل خافيير حين وجد سام أمامه في جزء من الثانية يمسكه من كتفيه وهو يهزه قائلاً: "جدي! لن أصبر أكثر من هذا! في الصباح جد لي حلاً. أريدها لي في ظرف ساعات!"
فغر خافيير فاه بصدمة ليقول: "لقد جننت حقاً يا ولد! كيف ستوافق عليك في بضع ساعات من الآن؟!"
قال سام بتصميم وهو ينظر إلى خافيير بتفحص أجفل الأخير وأثار قلقه: "ستكون مريضاً جداً غداً وعليك إتقان ادعاء المرض جيداً، ثم أخبرها بالقنبلة وكأنها وصية!"
قال خافيير صارخاً بحنق: "لقد فقدت عقلك بالتأكيد! هكذا ستتركنا وتذهب دون النظر خلفها أبداً!"
شد سام على شعره بيأس ليقول صائحاً: "حسناً جد لي حلاً! أنا أموت قهراً كلما تحدثت عن ذاك الرجل!"
تنهد خافيير بتعب وهو يرى كم البؤس البادي على وجه سام ليفكر ملياً ليربت على كف سام قائلاً بدفء أخيراً: "سأجمعك بها يا صغيري لا تقلق. لكن اترك لي الأمر، ولأجلك، سأتحدث معها غداً، لكن لنمهد لها الأمر."
في صباح اليوم التالي، طلب خافيير من مليكة أن تلحقه إلى غرفته بعد الإفطار، فوافقت. وما إن دخلت حتى أشار لها أن تجلس إلى جانبه ضاماً إياها إليه، فتقبلت الأمر سعيدة مستكينة.
فقال بدفء: "أنا سعيد جداً يا ابنتي أنكِ هنا بجانبي، وحزين كل الحزن على كل السنوات التي لم أركِ بها!"
ابتسمت له ببعض المرارة الخفية وقالت: "قدر الله يا جدي، لا بأس، ها أنا هنا الآن."
أومأ لها ليقول بحذر وحزن: "أخاف يا صغيرتي أن يأتي اليوم الذي أجدكِ تخرجين من هنا قائلة بأنكِ ستعودين إلى بلدك، وحين تذهبين ستنسين ذاك العجوز الذي تعلق بكِ."
قالت مليكة بابتسامة: "لا تقلق يا جدي، إن ذهبت، سأذهب لبعض الوقت وأعود."
تحدث مجدداً ليقول: "أصدقيني القول يا حبيبتي... أهناك أحداً.. قد.. احمم.. أعني أهناك أحد قد تنوين العودة إلى بلدكِ لأجله؟"
أجفلت مليكة لتقول بضيق بعدما فهمت تلميحه: "جدي! أنا لا أفكر في أمر الزواج أبداً! كما أنني لست ممن يواعد رجلاً دون ارتباط رسمي!"
لمعت عيناه ليكمل بحذر شديد ولين أشد: "أنا أعلم يا حبيبتي. حسناً، لو أنني طلبت منكِ أن تفكري بأمر ما لأجلي يا مليكة، هل ستوافقين؟"
قالت مليكة ببعض القلق: "ما هذا الطلب يا جدي؟"
قال وهو ينظر إلى عينيها بتركيز محاولاً معرفة ردة فعلها: "أريد لكِ أنتِ وسام أن تتزوجا، فما رأيك؟"
رواية رجوع الى الهويه الفصل السابع عشر 17 - بقلم شيراز القاضي
الجمت الصدمة لسانها وهي تطالع جدها بصدمة لتقول بخفوت: أنا! وسام! جدي أنا مسلمة وسام مسيحي! هذا حرام لا يجوز. كما أنني لا أريد الزواج من جديد!
تصنع الدهشة ليقول: سأتجاهل الشق الأول من حديثك مؤقتاً، لكن ما معنى مجدداً! هل كنتِ متزوجة يا مليكة! متى!
ابتلعت لعابها بتوتر وبعض الغضب، لكنها قالت: منذ سنوات طويلة! زوجي قد توفي منذ خمس سنوات!
تحدث الجد مجدداً وهو ممسك بيد مليكة ليقول: وما المشكلة حبيبتي! لقد رحل زوجك وأنتِ لن تبقي وحيدة إلى الأبد! كما أن لكل مشكلة حل، لا بد وأن للأمر حل. والدك ووالدتك تزوجا أيضاً ولم تكن والدتك مسلمة في هذا الوقت!
اشتعلت عينا مليكة بغضب أقلقه قليلاً، لتقول ببعض الحدة: هناك فرق بين ما حدث سابقاً وما تقوله الآن جدي! أنا لا أريد الارتباط بعد موت فادي وهذا أولاً! ثانياً أنا لن أتزوج بشخص غير مسلم. لقد وعدتك بالبقاء وانتهينا.
ابتلع الجد لعابه ليقول بضعف لاحظته مليكة: سأفعل لكِ كل ما تريدين! سنعقد قرانكما بالطريقة الإسلامية! لو أردتِ أن يبقى الزواج قانونياً فقط دون أن تصبحا زوجين حقاً أنا موافق! أرجوك يا ابنتي! اطلبي أي شيء سأنفذه لك.
غضبت أكثر مما كانت وكادت تصيح في وجهه، لكن ملامحه الشاحبة جعلتها تتراجع وتتحدث بهدوء: جدي! فلنترك أمر رفضي للزواج مجدداً.. كيف لعقد القران أن يكون إسلامياً وزوجي مسيحي! هذا أولاً وثانياً كيف تظلم سام بهذا الشكل! زواج على ورق ليضمن بقائي! وماذا عنه وعن حياته! وكيف له الزواج من أخرى وأنا زوجته!
سارع الجد ليقول: سام ليس معارضاً للفكرة أبداً! لقد سبق وتحدثت معه وهو موافق تماماً دون أي اعتراض! لكِ مكانة عليا في قلبه وأظن أنكِ تعرفين ذلك!
تنهدت مليكة بتوتر وغضب وهي تدلك جبهتها حتى وصلت إلى فكرة هي واثقة من نجاحها. أي شخص لن يقبل بها أبداً، فقالت: جدي هناك طريقة واحدة فقط أستطيع بها الزواج أنا وسام!
لمعت عينا الجد لتكمل بجملة جعلته يبهت قليلاً وقد شحبت ملامحه بصدمة، حيث قالت: أن يصبح سام مسلماً ويعلن إسلامه!
توتر فمه! حسناً لم يعد هناك الكثير من الأشخاص المتدينين وسام ليس متديناً بكل تأكيد، لكن الأمر صعب!
اخفض وجهه قليلاً وعاد ليرفعه لها بتصميم ليقول: إن وافق سام على تغيير دينه إلى الإسلام فهل تقبلين به زوجاً! زواجاً حقيقياً!
أجفلت بخوف وانقبض قلبها، فهي لاحظت أن عائلة جدها غير متدينين، حالهم كحال معظم أبناء هذا العصر بمختلف دياناتهم! لكن لم تضع بحسبانها أن ينطق جدها بتلك الكلمات. قالت بخفوت لتعلقها بأمل صغير، وهو أن يرفض سام الأمر المتعلق بتغيير الديانة أو أن يكون هناك أخرى يحبها مثلاً: أجل يا جدي!
احتضنها الجد بسعادة غامرة غافلاً على شرود عيناها.
"يجب أن نتحدث"
كانت تلك رسالة قصيرة أرسلتها مليكة إلى هاتف سام الذي انتفض واقفاً بسرعة متوتراً مما قد يحدث! توجه إلى الحديقة وهو خائف حد الهلع من رد فعلها والذي ستخبره به! وجدها تجلس وهي تطالع النباتات أمامها بشرود واجم.. مفزع واللعنة هي مفزعة بكل ما يخصها، وللحظة شعر أنه تسرع في طلبه من جده!
رسم قناع الثقة على وجهه ليجلس أمامها قائلاً: صباح الخير مليكة! ما الأمر!
نقلت عيناها إليه ببطء أصابه بالدوار والارتباك لتقول: منذ متى وأنت تعلم ما يخطط له جدي!
قطب حاجبيه مدعي التفكير ليقول: امممم منذ أمس بعدما تركتك وذهبت للنوم.. وجدت بيادق على باب غرفتي يخبرني أن جدي يريدني وحين ذهبت وجدته متعباً من ثم أخبرني أنه يريد لنا أن نرتبط!
أطلقت عيناها شراً لتقول ببعض الغضب: وما كان ردك!
ابتلع لعابه بهلع.. لو أنه أخبرها الآن أنه يحبها ستتعقد الأمور وربما تصر على الرحيل، ليقول متصنعاً الهدوء مجدداً: ااه حسنا.. جدي يمر بحالة صحية سيئة كما لاحظت فلم أجادله بالأمر.. كما أن الأمر ليس سيئاً لأرفضه!
رفعت حاجبها لتقول: حقاً! وماذا عن ما أخبرتك به عن فادي! ماذا عن كوني مسلمة وأنت مسيحي.. ولا تتفوه بتلك الحماقة التي تخص زواج أبي من أمي لأن الأمر مختلف! وماذا إن كان لديك تخطيط آخر لحياتك ومن ستشاركك بها!
قال لها: أولاً فادي قد مات يا مليكة! لا أقول لك احذفيه من عقلك لكن لا توقفي حياتك عليه! وأمر زواج والداك لا أفهمه من الأساس ولمَ هو مختلف عن وضعنا حالياً! كما أنني ليس لدي أي خطط لمستقبلي! وأيضاً قال جدي لي أننا سنقوم بعقد القران بطريقة إسلامية حتى يطمئن قلبك.
قالت له بحنق: كف عن قول التفاهات حباً بالله! كيف زواج إسلامي وزوجي غير مسلم! الطريقة الوحيدة للزواج بيننا هو أن تصبح مسلماً مثلي! فهل أنت مستعد لهذا!
أجاب على الفور بطريقة أثارت تعجبها: بالطبع لمَ لا.. الرب واحد مهما اختلف الدين لذا لا بأس!
أصابتها الصدمة وهي تطالعه بذهول لتقول بصوت خافت: وفادي! أتظن الأمر بسيطاً! أن أكون لآخر غيره!
أغمض عينيه بيأس ليقول: لقد رحل يا مليكة فقط حاولي أن تدخلي تلك المعلومة في عقلك.. لقد ذهب وأنتِ لن تبقي وحيدة طوال العمر وها أنا ذا أقول لك سأغير ديانتي وأنهي الأمر.
طالعته بغضب لتقول بحِدة وصوت عال: هل أصابك الجنون أنت الآخر! الأمر ليس بسيطاً! أنت فقط ستعلن إسلامك لإتمام الزواج وهذا لا يجوز شرعاً لأنك لم تقبل دين الإسلام بقلبك ولا حتى بعقلك! أنا لن أوافق على تلك المهزلة وليحدث ما يحدث!
"مليكة!!"
أجفلت ما أن سمعت ذاك النداء الضعيف من خلفها، وكذلك انتفض سام من مكانه بخوف وهو ينظر إلى جده الذي شحب وجهه وهو ينظر بصدمة لهما قبل أن يفقد وعيه ليركضا نحوه بفزع!
"أرجوكم أبعدوه عن الانفعالات الزائدة.. صحته لم تعد تحتمل"
قالها الطبيب إلى سام ومليكة لينظرا إلى بعضهما البعض قبل أن يدخلا إلى جدهما.
جلست مليكة على يمين جدها وجلس سام على يساره، ففتح الجد عينيه بإرهاق لتمسك مليكة يده تقبلها بحب وهي تقول بقلق: حمداً لله على سلامتك جدي! هل أنت بخير الآن.
نظر لها بلوم ليومئ برأسه دون كلام وهو يدير وجهه إلى الجانب الآخر.
ابتلعت لعابها بتوتر ليقول سام وهو يمسح على رأس جده: جدي لقد فهمت الأمر بطريقة خاطئة! أنا ومليكة كنا نتناقش حول الأمر وكدنا ننتهي من بعض النقاط التي طلبتها أنا من مليكة وبعض شروطها بالطبع... وهي أحم. موافقة!
نظر سام بتوجس إلى مليكة فوجدها تعض على شفتيها بغيظ، لكنها قالت: أجل يا جدي ما يقوله سام صحيح!
نظر لهما بتوجس ليقول: إذا متى ستنفذان!
تطلعت مليكة إلى سام الذي قال بسرعة: سنفكر في الأمر يا جدي أولاً كما أن الأمر ليس سهلاً وهناك العديد من الأشياء نود أن نحضرها أولاً.
أومأ لهما لتقول مليكة بابتسامة: هل أنت سعيد الآن جدي؟ راضٍ عني؟
نظر لها بعتاب لكنه قال وهو يمسد على وجنتها: تعلمين أنني دائماً راضٍ عنك يا حبيبتي.
ابتلعت لعابها مبتسمة بتوتر لما هي مقدمة عليه!
رواية رجوع الى الهويه الفصل الثامن عشر 18 - بقلم شيراز القاضي
"صلاة الفجر؟!"
سألت مليكة بصوت جاد ليجيبها سام ببعض الملل: "ركعتي سنة وبعدها أُخريان فرض! لقد قلتها ألف مرة وقد حفظتها أقسم!"
منذ موافقة مليكة على هذه الزيجة وهي تتولى تعليم سام أصول الدين الإسلامي كما سبق وعلمتها فادي قبلاً.
لم يعرف أحد من أفراد العائلة بعد كون سام سيصبح مسلماً عدا مليكة وجدها، وكان هذا اقتراح الجد لأنه يعلم أن الجميع سيرفض لذا قرر وضعهم أمام الأمر الواقع.
نظرت مليكة بضيق إلى سام لتقول: "لمَ تجاوب بهذا الملل! لقد أخبرتك قبلاً أن عليك تقبل دين الإسلام من قلبك قبل عقلك لتصبح مسلماً! وأسلوبك هذا لا يوحي بأنك متحمس لتكون مسلماً!"
تأفأف سام ليخفض وجهه لثوانٍ قبل أن يرفعه قائلاً: "لأن هذا شيء طبيعي مليكة! لازلت أتعرف على هذا الدين فكيف لي أن أكون شغوفاً به مثلك! لكنني وافقت على دخولي إليه وهذه نقطة جيدة... كما أن بداية الغيث قطرة لذا الصبر حباً بالله الصبر!"
حركت رأسها بأسى لتقول: "منذ شهر كامل وأنا أعلمك أصول الدين والصلاة وبعض الأحكام وبعض سور القرآن الكريم لتصلي بها! ... هل صليت اليوم؟!"
قال لها بكذب مدعياً الثقة: "أجل جميع الفروض بالطبع!"
نظرت له بعمق لتقول من بين أسنانها: "لا أصدقك ولكن لا بأس.. ليس هناك شيء يجعلنا في عجلة من أمرنا."
نظر لها بغيظ فهو يعلم ما تقصد! لقد أصرت على تأجيل عقد قرانهما إلى حين شعورها أنه أصبح مسلماً قولاً وعملاً، ويبدو أنها تهدده أنها تنوي التأجيل أكثر وأنه هو المذنب.
قال بعض التذمر: "حسناً، لقد صليت ثلاثة فروض فقط.. كان لدي عملاء مهمون وبما أننا نعمل معاً فقد لاحظتِ ذلك بالطبع!"
نظرت له برجاء لتقول: "أتتعلم ما أحلم به!"
نظر لها لتكمل: "أن يأتي اليوم الذي تصبح فيه إماماً لي في الصلاة! أن تصلي معي!"
ظل يطالعها وقد ارتجف قلبه فجأة لسبب لا يعلمه ليقول بدفء وابتسامة دافئة: "أنا أبذل قصارى جهدي لأكون عند حسن ظنك بي صدقيني.. أعدك أن هذا اليوم الذي تنتظرينه قريب جداً."
ابتسمت له بقلق فهي لا ترى بعينيه حب للدين الإسلامي أبداً.. ترى بوضوح محاولاته المستميتة ليضع كلماتها في عقله عنوة ليتمم الزواج فقط! لكنها لن تيأس.. فلتأخذ بيده كما فعل فادي معها.
مرت أيام أخرى وقد عرف جميع أفراد العائلة بأمر ارتباط سام ومليكة.. وأمر إسلامه كذلك! بالطبع كانت حرباً طاحنة خاضها كلا من سام وجده مع الجميع.
في يوم تجمعت العائلة لتقول بيلا والدة سام بعنف: "كيف لك أن توافقه على هذا الجنون يا أبي! كان بإمكانه الزواج منها والبقاء على دينه!"
تحدث سام نيابة عن جده بملل ليقول: "مليكة لن توافق! تريد الزواج برجل مسلم مثلها كما أنه حرام شرعاً في الإسلام زواج المسلمة من غير المسلم!"
نظرت له بغضب لتصيح قائلة: "دعها إذاً تتزوج بمسلم مثلها لمَ عليك أنت التخلي عن دينك للزواج بها.. جيرارد تكلم!!"
تحدث جيرارد بهدوء وبعقلانية: "حسناً في البداية استنكرت الأمر لكن حين فكرت بهدوء أرى أن الأمر ليس سيئاً.. في النهاية الرب واحد لا بأس أن قام بتغيير مسمى الدين!"
نظر إلى ولده الذي يطالعه باهتمام قبل أن ينظر إلى بيلا المشتعلة من الغضب ليقول بابتسامة: "كما أنني أرى أن الأمر ليس محض زواج من ابنة خالته! أنا أرى حباً.. جميلاً في الحقيقة ومليكة خير شريكة لسام في حياته! لذا أنا لا أرى أي مانع!"
ابتسم سام عقب كلمات أبيه وقبل أن يتحدث قاطعهم ليو حيث قال بحنق: "جيرارد لا تجعلني أخرج عن شعوري! هل تهذي الآن! أي حب وأي شريكة وحقاً يعجبك أمر تغيير دينه!"
تحدث جيرارد مجدداً بهدوء: "ليو! لكل منا طريقة في التعامل مع أبنائه! أنا أرى ولدي راشداً كفاية. ليرسم لنفسه خط سيره في الحياة.. وما الخطب في مليكة! أنا أراها فتاة عظيمة بدون مبالغة! مختلفة وهادئة.. مناسبة لسام بكل المقاييس!"
قال ليو بتبرم: "ولمَ قد أقول إن مليكة ينقصها شيء إنها ابنة شقيقتي على أي حال.. كل ما في الأمر أنها مسلمة.. إنها غيرنا.. هل تسمح لي يا سام بأن تخبرني.. هل ستقلع عن شرب الخمر والنبيذ!! خيرت لم يكن يضع أي مشروب منها في فمه متشدقاً أن هذا حرام في دينه فما رأيك."
قال سام بثقة كاذبة: "بالطبع توقفت عنها منذ زمن! وأعرف هذا جيداً خالي! وأجل أنا أحب مليكة لذا لأجلها سأفعل أي شيء."
بعد العديد من النقاشات والضجيج نهض معظم الحاضرين غاضبين من موقف سام وبقي فقط خافيير الذي كان يتابع ما يحدث بصمت وجيرارد الذي يدعم سام بقوة وبالطبع بيلا الغاضبة من قرار ولدها!
تحدث جيرارد مبتسماً: "إذا متى الزفاف؟!"
ابتسم خافيير ليقول: "أريده أن يكون في أسرع وقت ممكن... ربما خلال هذا الأسبوع."
نهضت بيلا بعنف لتقول بغضب وهي تتوجه للخارج: "ستصيبونني بالجنون واللعنة!"
تنهد سام بسأم وكاد يذهب خلفها.
لكن أباه أوقفه قائلاً: "ابق أنت وسأتحدث أنا إليها!"
أومأ له سام وتحرك جيرارد مسرعاً خلف بيلا وأوقفها أخيراً أمام سيارتها ليقول ببعض الحدة: "توقفي يا طائشة!"
نظرت له بغضب أعمى لتقول: "أنت ذاتاً عن كل البشر ابتعد عن طريقي حتى لا أقتلك! أي هراء هذا الذي قلته في الداخل!"
حرك رأسه بيأس ليقول بلوم: "سام يحبها وهذا واضح لنا جميعاً.. ثانياً هي من أعادته لنا! هي من جعلته يأتي إلى منزلي ومنزلك ويتقبلنا بعد كل تلك السنوات! ثالثاً سام سيتزوجها حتى وإن وقفنا أمامه رافضين ألف عام لكن الفرق أنه سيبتعد عنك إن رفضتِ زيجته.. أما لو قبلتِ بها فسوف يكون قريباً منك أكثر فأكثر ومليكة هي من ستدفعه! لذا عليك تقبل الأمر! ... لا تخسريه بتسرعك المعتاد كما حدث وخسرتي قبلاً!"
ذهب وتركها شارده في كلماته مبتلعة لعابها بمرارة.. لديه حق للأسف! دائماً تسرعها يجعلها تخسر كل شيء حتى ولدها.. لكن الأمر فوق تحمل أي بشر! سيترك دينه للزواج!!
تنهدت لتعود مجدداً إلى الداخل فوجدت سام في طريقه إلى الأعلى فأوقفته بندائها فتوجه لها بصمت وما إن وقف أمامها حتى ظلت تطالعه بألم لتتساقط الدموع من عينيها قبل أن تحتضنه وهي تشهق باكية لتقول بصوت متقطع: "آآ أنا لا أكرهك! ولا أكره لك السعادة.. أنت ولدي! أنت قلبي وعقلي وروحي! آسفة إنني لا أستطيع فهم منطقك لكن.. إن كان هذا ما سيجعلك سعيداً فافعله! أنا كل أملي في هذه الحياة أن أراك سعيداً.. ولا تبتعد عني مجدداً."
ضمها سام ما إن بكت بهذا الشكل وابتسم بدفء ما إن قالت كلماتها ليرفع وجهها له ليقول: "أجل هذا ما يسعدني.. أنا أحبها أمي! لا أريد غيرها... وأنا.. أنا لن أبتعد عنكِ مجدداً مهما حدث! أعدك!"
"أظن أن هذا وقت كافٍ.. وأيضاً لقد عرف الجميع بأمر خطبتكما.. أفكر في جعل الزفاف نهاية هذا الأسبوع ما رأيكم!"
قالها خافيير متحمساً وهو يجتمع مع سام ومليكة التي أحست بانسحاب الهواء من حولها لكنها تماسكت وهي تسمع موافقة سام ليلتفت لها الجد متلهفاً لسماع إجابتها فلم تقدر على النطق لذا أومأت برأسها بمعنى.."نعم!"
تنهد سام براحة ليقول: "حسناً إذا ما رأيك.. أنا وأنت وجدي سنذهب إلى مصر لنعقد القران هناك ثم نقيم حفل زفاف هنا!"
فكرت قليلاً لتقول: "أجل هذه فكرة جيدة لكن أن يحدث كل هذا في أسبوع واحد لهو أمر مرهق!"
تحدث الجد هذه المرة ليقول: "سام! ستحادث عم مليكة الليلة لتخبره الأمر وسنسافر بعد الغد إلى القاهرة وحفل الزفاف يكون الأسبوع المقبل حسناً؟!"
أومأ كلا من سام ومليكة باختلاف شعور كل منهما.. كاد سام يطير فرحاً وكادت مليكة أن تموت كمداً!
وتم الأمر! سافروا إلى مصر وبقوا هناك بضعة أيام وتم كتب كتابهما.
وبمرور الأيام عرف سام أن مليكة ستظل تعامله برسمية وحدود كثيرة توقع أن تزول! من داخله يعلم الأسباب للأسف أهمها هو فادي بالطبع والثاني أنها تعرف أنه ما زال لم يتقبل دين الإسلام بعد!
تنهد بإرهاق وهو يفكر بقنوط.. هو يحاول! يحاول جاهداً أن يتقبل هذا التغير الذي هو مقبل عليه لكنه لا يستطيع بين ليلة وضحاها أن يكون مثلها! نظر شارداً للتصميم الذي أوشك على إنهائه.. فستان زفاف مليكة.
ابتسم بمرارة فهو لا يعلم ما سيحدث معهما بعد ذلك!
هناك احتفال الليلة بمناسبة خطبتهما وقد جهز سام فستان مليكة باللون البرونزي على غير العادة لكنه يعلم أنه يليق بها! وقف أمام دولابه وهو يتناول الفستان منه يتأمله بدقة وابتسامة شبه باهتة تلوح على شفتيه!
"سيد سام! السيد خافيير يطلبك أنت والآنسة مليكة في الأسفل"
ترك الفستان على السرير ليقول: "حسناً أخبره أنني سأناديها ونأتي حالاً."
أخذ الفستان وقام بطيه بحرص ووضعه في علبة رقيقة ومعها اكسسواراته وكل ما يلزمه وذهب باتجاه غرفتها.
وقفت ترتب ثيابها في الرفوف أمامها بحرص ثم وقع بصرها على الجانب الآخر من الخزانة التي تحتوي على ملابس الخروج معلقة بانتظام وخاصة ذاك الفستان الكارثي الذي قدمه لها سام.
تنهدت بضيق ما إن تذكرت ما حدث يومها وكيف ارتدت أسفله فستاناً آخر ضيقاً ترتديه عادة أسفل ثيابها لإخفاء قوامها!
أخذت الفستان بعنف من مكانه وهي تتأمله جيداً بإعجاب لم تتمكن من كبحه!
وقفت أمام المرآة وهي تضعه عليها ثم وفي لحظة جنونية قامت بتغيير ثيابها وارتدت الفستان.. دون الآخر الذي استخدمته لستر المكشوف منه!
تأملت هيأتها بتأنٍ. الفستان ذو رقبة عالية من الأمام وأكمامه طويلة لا يظهر منها شيء ولكن هذا الشق الطولي في الأسفل أظهر كامل ساقها إلى الفخذ! التفتت لترى ظهر الفستان العاري في المرآة والسلاسل فقط ما تغطيه.
حركت فمها باستنكار لتقول: "رائع لكن ليس للخروج! هذا قد ينفع في مناسبة خاصة ما بين رجل وزوجته إن قررا إقامة حفل وهما وحيدان به!"
ظلت تنظر إلى نفسها بتمعن بعدما قامت بفرد شعرها الأسود الغزير على ظهرها ثم عادت لرفعه بكفة يدها لتختبر هيأتها مع تلك التسريحة البسيطة المسماة بذيل الحصان.
قاطع ما كانت تفعله هو طرق متسرع على الباب تلاه دخول شخص مندفع إلى غرفتها وما كان إلا.. سام الذي قال قبل أن يدرك أين هي بالضبط: "أوه مليكة لقد حضرت لك مفا......."
صمت! وهو ينظر لها مبهوتاً بما يراه وقد فغر فاه من الصدمة والارتباك.
أما مليكة فقد جمدتها الصدمة لتترك خصلات شعرها دون شعور منها ليسقط مغطياً كتفها وجزءاً من وجهها.
فأغمض سام عينيه قائلاً بخفوت: "وها قد اكتملت اللوحة!"
تحمحم بصوت عالٍ ليقول بارتباك وهو ينظر لكل شيء عداها: "جـ جدي طلب آآ أو أنا كـ كنت أريد أن أقول... آه أنا آسف لدخولي!"
وقام بجذب الباب بعنف وهو يقف في الخارج لا يعلم ما الذي عليه فعله وما زالت ملامحه مصدومة وقلبه ينبض بعنف.
"من تلك التي بالداخل؟!"
رواية رجوع الى الهويه الفصل التاسع عشر 19 - بقلم شيراز القاضي
وقفت مكانها وهي تطالع الباب الذي خرج منه بصدمة.
قبل أن تضع كفيها على وجنتيها بهلع وارتباك، لتذهب مسرعة إلى الحمام بغية تغيير هذا الفستان الكارثي.
"أخيراً أتيتما؟!"
قالها خافيير ممتعضاً من تأخر سام ومليكة.
ثم دقق النظر إلى وجهيهما فوجد أن كلاهما يبدو عليه الارتباك وبعض الصدمة.
وأيضاً لا يتحدثان أو ينظران إلى بعضهما.
فقال متوجساً: "هل حدث شيء بينكم؟"
تحدثا في آن واحد ليقولا بإندفاع زاد ريبة: "لم يحدث شيء!"
نظرا إلى بعضهما بإرتباك ليبعد كلا منهما عيناه بسرعة.
تحدثا مع خافيير لمدة وشكه ينقلب يقيناً رويداً رويداً.
ثم صعد كل منهما ليتحضرا لحفل إعلان خطوبتهما.
مساءً اكتظ المكان بالحضور.
وكان سام في غرفته يرتدي ثيابه ويتجهز للنزول مع مليكة.
زوجته شرعاً.
امرأته وحدها.
ابتلع لعابه بتوتر وهو يتذكر هيئتها بالفستان الذي صممه.
شعرها حين انساب كالشلال على كتفيها وكل شيء بها.
يا الله ما أجملها!
سام لم يكن رجالاً يميل للعلاقات المتعددة.
لكن مجال عمله كمصمم بالطبع مكنه من رؤية إناث فاتنات.
أشد فتنة من مليكة بمراحل.
لكنه لم يقف أمام إحداهن مرتبكاً مهزوزاً أبداً كما حدث أمام مليكة.
تنهد بإرتباك وهو ينظر إلى نفسه في المرآة.
قبل أن يبتسم راضياً عن شكله ليخرج من الغرفة.
ليقف أمام غرفتها بإرتباك وهو يستمع إلى صوت ريزا الضاحكة من الداخل وهي تمدح مظهر مليكة.
تحمحم بالمزيد من التوتر.
فهو لم يتحدث إليها منذ... منذ رؤيتها بهيئتها المهلكة تلك.
اعترف داخل نفسه أنه أكثر من راضٍ بإحتشامها.
وأنه هو وحده من يحق له أن يراها بهذا الشكل.
سار مبتعداً عن غرفتها مبتسماً براحة.
أخيراً صارت له.
ليس كلياً لكن لا بأس.
هناك تقدم لا بأس به.
كان يقف إلى جانب بعض الرجال يتحدثون معاً.
ووقف أباه معه كذلك.
ليقول جيرارد بخفوت: "لقد حان الوقت. استعد."
دق قلبه بسعادة.
ليلفت إلى السلم ما أن تغيرت الموسيقى إلى أخرى أكثر هدوءً.
وقد خفت الإضاءة إلى حد ما.
ليرى جده يقف أعلى السلم ممسكاً يد مليكة مبتسماً.
وهو يهبط بها السلم وسط تصفيق الحاضرين.
وقف هو أمام السلم يطالعها بشغف.
لم تنتبه له.
فهي كانت مشغولة بإرتباكها وسط كل هذه الأعين.
وبين فستانها الضخم قليلاً كي لا تقع فتصبح أضحوكة في يوم كهذا.
ليزداد بؤسها أكثر وأكثر.
أخيراً وصل الجد أمام سام وهو يمسك يده.
ليضع يد مليكة بها.
ارتجف قلبه وابتسم ثم ضحك بخفوت مسروراً.
هذه أول مرة يمسك يدها وهي غير قادرة الآن على زجره أو دفعه بعيداً عنها.
أصبح هو الوحيد الذي من حقه لمسها.
نظرت له بتعجب لكنها لم تعلق.
ثم أجفلت حين شعرت بيده تضغط على يدها بلطف.
وهو يرفعها قليلاً مقبلاً إياها.
ثم استدار وما زالت يده ممسكة بيدها.
ليسير بها بين الحضور مستمعين إلى عبارات التهاني والمدح من الجميع.
في هذه الليلة كان سام مختلفاً للغاية معها.
مما جعلها تتعجب.
وهناك شعور بالخطر يدق داخل رأسها من معاملته تلك.
ولكنها عادت لتفكر.
ربما أفعاله تلك فقط للحفاظ على المظاهر العامة أمام الجميع.
البسها خاتماً ماسياً راقياً ضخماً عكس خاتم فادي الرقيق.
الذي رفضت خلعه وهي تنظر له بتحذير.
فهمه وتقبله بحزن فائق.
حاول التغلب عليه.
بعد مدة جلس كلاهما في الشرفة بعيداً عن ضوضاء الحفل.
وهما يطالعان السماء.
وكلا منهما شارد في مكان آخر.
مليكة كان فكرها مع فادي.
وهي تمسك خاتمه وهو في إصبعها بقوة.
وكأنها تطلب العون أو الصفح منه.
كل هذا تحت أنظار سام الشارد بها.
وهو يراقبها بطرف عينه وهي ممسكة بخاتم فادي.
تنهد بثقل.
حقاً.
هذا الخاتم الذي يكاد يكون في سُمك الشعرة.
أكبر أهمية بالنسبة لها من خاتمه الذي اختاره بعناية فائقة لأجلها.
حسناً لذاك فادي مكانة كبيرة في قلبها.
لكن ماذا عنه.
قاطع شرودهما صوت مليكة وهي تسأل بهدوء: "ما أخبار قضية الميراث سام؟ لم تخبرني."
قال لها بإبتسامة فاترة: "كل شيء يسير حسب الخطة. لا تقلقي."
"وبعد شهرين من الآن سنباشر في بناء باقي الأبنية الباقية."
أومأت له مبتسمة براحة.
لتقول بإمتنان: "شكراً لك سام. أنت لا تعلم مدى أهمية هذا الأمر لي."
"آه لو كان فادي معنا الآن يشهد ما سيحدث."
غمض عينيه بغضب وغيظ.
وهو يبعد وجهه عنها دون رد.
حتى لا تلمح غضبه الجَم.
انتهى الاحتفال أخيراً وغادر الجميع إلى غرفهم.
وها هو سام يسير على مهل بجانب مليكة في الرواق نحو غرفهم كذلك.
وقفت مليكة أمام غرفتها لتنظر إلى سام مبتسمة.
لتقول: "تصبح على خير سام. الحفل كان رائعاً وهذا الفستان جميل جداً أيضاً!"
وقف أمامها مبتسماً بسخرية من هذا الحال.
ليقول: "وبالنسبة لخاتم خطوبتنا أليس له أي أهمية لتتحدثي عنه!"
نظرت له بتعجب وهي تحاول أن تفهم معنى كلماته تلك.
لكنها قالت بإحراج: "بالتأكيد هذا أروعهم سام. ذوقه راقٍ للغاية. أنا فقط متعبة ولم أستطع التركيز على كلماتي. ما بك تبدو وكأن هناك ما يضايقك!"
تنهد بحزن لاحظته ولم تفهمه.
لكنها أجفلت وصعقت تماماً حين اقترب منها يحتضنها مقبلاً رأسها.
ليقول: "تصبحين على خير. لا تشغلي بالك. سأكون بخير!"
ودخل غرفته دون أن يترك لها فرصة للرد.
فهو لمح غضبها ورفضها لما فعل.
لكنه لم يشأ أن يترك لها فرصة الاعتراض.
صباحاً جلس الجميع على الإفطار.
وكانت مليكة تتميز من الغيظ بسبب فعلة سام أمس.
يتوجب عليه أن يعرف أن هذا ليس من حقه.
"صباح الخير."
قالها سام بنشاط وابتسامة مشرقة جميلة زادت من حنق مليكة.
لكن ما جعلها تكاد تفجر له رأسه هو حين ذهب بإتجاهها مقبلاً رأسها.
ثم جلس في مكانه مقابلاً لها.
كادت أن تمطره بسباب لازع لا نهاية له.
لكن جدها تحدث أولاً بإبتسامة فرحة بعد رؤيته لهذا المشهد.
قائلاً: "صباح النور يا عزيزي! تبدو نشيطاً اليوم!"
تنهد سام ليقول وهو يرتشف قهوته بتلذذ: "أنا بخير حال يا جدي. وحقاً لا أدري من أين لي بكل هذا النشاط!"
نظرت له مليكة بنزق.
لتقول ببعض الحدة: "هل صليت الفجر والضحى؟!"
أجفل من حدتها تلك.
ليقول بإرتباك: "آه أجل. لقد صليتهما. أقسم. ما بك تطالعينني هكذا!"
كانت تنظر له والشرر ينطلق من عينيها.
ليقول الجد لها بتعجب: "ماذا بك مليكة! تبدين غاضبة!"
تحمحت مليكة لتقول: "لا شيء يا جدي. أنا فقط أخشى عليه من أن ينسى."
أومأ لها الجد وهو يطالعها بريبة.
ترى ما الذي جرى بينهما.
"كيف تجرؤ على هذا الفعل؟!"
قالتها مليكة بحدة.
بعدما سحبها سام خلفه إلى مكتبه في دار الأزياء خاصته.
وقد أغلق الباب لكي لا يصل صوتهما لأحد.
ليقول ببعض الغضب: "أي فعل! هل أصابك الجنون! أنتِ شرعاً زوجتي! لم أعلن إسلامي لذاك السبب! ما الذي حدث إن قبلت جبهتك أو أمسكت يدك أو احتضنتك؟!"
قالت بصراخ وغضب عارم: "ليس من حقك! أنت مسلم على الأوراق فقط لا غير! أنت لا تصلي وأنا أعلم هذا. لم تترك شرب الخمر والنبيذ ولا تحاول الإنكار. حينما احتضنتني أمس كانت رائحتك كالخمر. لا حق لك بي طالما أنت كاذب بهذا الشكل. شرطي كان واضحاً سام! كن مسلماً سأكون زوجتك. غير ذلك لا حق لك حتى في لمس يدي!"
تحدث سام بيأس صارخ: "أنا أحاول! أحاول بشتى الطرق تقبل هذا الدين. أصلي. صدقاً أصلي لكن قد يفوتني أغلب الفروض. أنا معترف لكنني أحاول. وأيضاً أنا لم أشرب أي كحول بالأمس أو نبيذ أو أياً من هذه الأشياء. أقسم لك! لكن اتركِ لي فرصة للاقتراب منك. أنا بين يديك وقد أوضحت هذا سابقاً. علمني ولكن كوني صبورة عليّ!"
تنهدت بحنق.
وهي تجلس بتعب.
لتصمت قليلاً قبل أن تقول بحزم: "حسناً أنا موافقة. سأصبر لكن لا حق لك بي إلا أن تصبح مسلماً قولاً وفعلاً. غير ذلك. لن يتم هذا الزواج."
في الأيام التي تلت حاول سام بجهد شديد الالتزام بدين الإسلام.
لكن للأسف كان يقوم بكل شيء دون الشعور به.
ولكن احتفظ بتلك المعلومة لنفسه.
وهو يحاول جاهداً الوصول إلى قلب مليكة.
حتى أنه أصبح يلمح لها عن حبه لها.
وهو على يقين أنها تفهمه.
ولكنها تتجاهل ذلك.
كان شارداً في مكتبه في تصميم جديد بين يديه.
وهو مشغول به تماماً.
فلم ينتبه للطرقات على الباب.
ففتح الطارق الباب.
وما كانت سوى مارلين.
قالت بصوت رقيق وهي تقف خلفه واضعة يديها على كتفيه: "لقد طرقت الباب كثيراً لكنك لم تسمع. فيمَ أنت شارد؟!"
تنهد سام.
وقد نسي أمر نهي دين الإسلام عن ملامسته امرأة غريبة عنه.
ليقول: "كنت أنهي التصميم الأخير في المجموعة الجديدة. كيف حالك. لقد عرفت أنك تغيبت عن العرض الماضي."
نظرت له بلوم.
لتقول: "لو أنك مهتم لعرفت أنني أصبت في حادث."
تفاجأ ليقول بصدمة: "رباه! متى! هل أنتِ بخير الآن!"
قالت مبتسمة وهي تجلس أمامه على المكتب: "بضع خدوش في الوجه والتواء في يدي. لكن الآن أنا بخير. أووه لقد كدت أن أنسى. هناك حفل في منزلي بعد الغد أريدك أن تحضره. جميع الرفاق سيكونون هناك. ما رأيك؟"
أخفض سام وجهه مفكراً.
ليومئ لها بهدوء قائلاً: "سأرى إن كنت متفرغاً ثم أحادثك."
ابتسمت له مجدداً.
لتنهض من مكانها.
وما كادت تخرج من الباب حتى وجدا مليكة تقف على الباب تنظر لهما بجمود يعرفه سام جيداً.
رواية رجوع الى الهويه الفصل العشرون 20 - بقلم شيراز القاضي
طالعتها مارلين ببعض التوتر من جمود نظراتها لتعود وتنظر إلى سام فوجدته يطالع مليكه بذات الجمود.
استأذنت ورحلت، بينما بقي سام ومليكه يطالعان بعضهما بصمت.
كان سام يخفي خلف جموده رعبًا حيًا من ما قد تقوله مليكه الآن.
تحدث بهدوء مبتسمًا بصعوبة ليقول:
"لمَ تقفين هكذا؟ تعالي!"
تقدمت لتقف أمام المكتب تطالعه ببرود هادئ لتقول وهي تنحني لتستند إلى المكتب:
"كم مرة تناقشنا حول الفرق بين الرجل والمرأة في الإسلام! كم مرة علي تذكيرك بكونك الآن مسلمًا وكم مرة علي أن ألفت انتباهك إلى اقترابك غير المقبول والحرام شرعًا من نساء أخريات!"
أغمض عينيه بضيق ليقول:
"لقد نسيت. آسف. سأعتاد مع الوقت!"
رفعت مليكه حاجبها بتهكم لتقول:
"نسيت! نسيت حدود الله حقًا!"
انتفض ناهضًا بغضب ليقول بصوت حاد وهو يهم بالمغادرة:
"كم مرة علي أن أقول إنني لست مثلك! ما زلت حديثًا في هذا الدين لذا من الطبيعي أن أنسى! لقد سئمت هذا الأسلوب."
خرج والغضب يتطاير من عينيه. مهما فعل هي لن تراه. هي تحاول أن تجعله نسخة من فادي ليس إلا دون وضع أي اعتبار له أو لظروفه المختلفة.
قاد سيارته بعيدًا وهو يحاول تصفية ذهنه، فهو مقدم على عرض أزياء جديد وهو لم يكمل تصميماته بعد.
ذهب إلى المطعم الذي عمل به سابقًا. كان بحاجة للبقاء هناك بين من يعرفونه لينسي كل الضغوطات حتى ولو مؤقتًا.
بالفعل حاز على ترحيب حار من الجميع وجلس معهم على طاولة مشتركة كبيرة وهم يتناولون الطعام والشراب. لكن سام رفض وهو يخبر النادل أن يحضر له مشروبًا غازيًا بدلاً من الكحول.
أصبح الشباب المتواجدون يلتقطون الصور مع سام بفخر وسعادة لوجوده معهم. وفي لحظات انتشرت الصور عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
مساءً حين عاد كان قد هدأ قليلًا وقد أحضر باقة ورد إلى مليكه لمصالحتها. أيًا كان ما حدث هو لا يمكنه الغضب منها أو إغضابها أبدًا.
ابتسم بتوتر وهو يطرق باب شرفتها قائلًا:
"مليكه! هل أنتِ مستيقظة؟!"
أتاه ردها بعد برهة وهي تفتح الباب وقد ارتدت العباءة والحجاب مما أثار امتعاضه، لكن لابأس. ما يعنيه الآن هي نظرة التجهم التي زادت حدتها منذ الصباح.
ابتسم لها باعتذار وهو يمد يده بالزهور لها قائلًا:
"اعذريني على صياحي في وجهك صباحًا. كنت مضغوطًا بسبب العمل."
تجاهلت يده لتقول بتجهم زاد من ظلمة عينيها:
"أين كنت سام!"
ابتلع لعابه بتوتر ليقول بضحك وهو يتعداها ليدخل غرفتها باتجاه الفاز الموجود على الطاولة ليقول وهو يضع الزهور بترتيب داخل الفاز:
"آه، تقبلِ الزهور أولًا ثم قولي شكرًا ثم اسألي وسأجيبك!"
التفت لها وما زال مبتسمًا ليقول:
"كنت أشعر ببعض الغضب والحزن والتوتر لذا ذهبت إلى مطعم هانزو الذي عملت به قبلًا للتخلص من الضغط."
كتفت ساعديها لتقول:
"وهل يتضمن التخلص من الضغط الجلوس بين النساء وتناول الخمر!"
اتسعت عيناه ليقول بصدمة:
"كنا مجموعة كبيرة من رواد المطعم! أنا لم أجلس بجانب النساء. من كانوا بجانبي كانا شابين! ولم أتناول الكحول. لقد طلبت كوب مشروب غازي أقسم!"
ضحكت باستخفاف لترفع الهاتف في وجهه ليرى الصور التي التقطها الشباب. وكاد أن يصيح مدافعًا عن نفسه لكنها قاطعته قائلة:
"الكوب الذي أمامك يحوي خمرًا ليس مشروبًا غازيًا! ثم من تلك التي وقفت خلف ظهرك وتضع يدها على كتفك! أنت كاذب ياسام! أنت لم تنفذ حرفًا من تعاليم دين الإسلام! كنت أرى في عينيك رفضك التام للدين لكن أخبرت نفسي لما لا أترك له بعض الوقت عله يستجيب لكن لا فائدة.. لن تتغير أبدًا."
تحدث بصوت بدا باهتًا ليقول:
"أقسم لك لم أشعر بها! وأنا لم أشرب الكحول. أجل، كنت أشربه منذ مدة ولكن لي أكثر من شهر لم أضعه بفمي. أنا أحاول أن أقوم بكل ما يتوجب علي فعله يا مليكه صدقًا! فقط طلبت منك وقتًا كافيًا!"
صرخت به:
"كم وقتًا تريد بعد هذا!! هل تعرف منذ متى تقول تلك الجملة! ما تقوم به يسمى خيانة! حين أجدك تجلس بارتياح مع مارلين بتلك الطريقة فهي خيانة. حين تشرب الخمر ثم تقسم أنك لم تشربه خيانة.. الكوب كان أمامك! أنت لست مسلمًا.. أنت لن تكون مثل فادي أبدًا."
اتقدت عيناه بالنيران ما إن استمع إلى آخر جملة، فجذبها من كتفها ليصيح بغضب جم أجفلها:
"فادي! كل شيء فادي فادي فادي! أتتهمينني أنا بالخيانة! أجل، هي مرة واحدة شربت بها الخمر وكذبت ولم أفعل بعدها! مارلين وحقًا قد كان سهوًا مني لكن خيانتك أنت ما مبررها!! أن تكوني على ذمة رجل بينما تهيمين عشقًا بآخر وبكل تبجح تفتخرين بهذا الأمر أمامي! حبي لفادي.. فادي فعل.. فادي أصلحني! ألم أفعل أنا كل شيء أستطيع فعله لأجلك! لقد تركت ديني لأجلك! ذهبت لعائلتي لأجلك ابتعدت عن كل ما يغضبك.. لم أتقبل الدين بقلبي بعد لكنه بعقلي وأحاول جاهدًا لأجلك! أنا لم أولد مسلمًا لأكون مثلك ومثله! كل الوقت لا كلمة في فمك سوى فادي كان أفضل! فادي كان محاطًا بالمسلمين! ولد مسلمًا وأباه كان شيخًا! لو لم يكن هذه طبيعة حياته لوجدته مثل باقي الشباب في عمره.. أتعلمين لقد سئمت.. سئمتك وسئمت حالي على تمسكي بك بينما أنت تتصيدين الفرص لتركي.. ابقي معه في خيالاتك إذا.. آه صحيح كوب الخمر كان أمامي أجل لأنني تبادلت المقاعد مع أحد الرجال لنلتقط الصور."
دفعها بعنف على السرير ليغادر الغرفة مغلقًا الباب بعنف.
بقيت مكانه كما ألقاها تطالع السقف بأعين متسعة رعبًا وصدمة مما قاله. أكل هذا بداخله. أهي حقًا خائنة! هل ظلمه!
ما إن فاقت من صدمتها حتى نهضت مسرعة لتذهب إلى غرفته لكنها استمعت إلى صوت سيارة تعبر البوابة بسرعة لتنظر من النافذة بفزع لتري سيارة سام تختفي من أمامها رويدًا رويدًا.
أمسكت هاتفها بسرعة تحاول الاتصال به لكنها وجدت صوت هاتفه في غرفتها. يبدو أنه سقط منه دون أن ينتبه.
تنهدت بألم وجلست على الكرسي في الشرفة بتعب وبقيت مكانها تنظر إلى البوابة كمن تناجيها أن تفتح من جديد ليعود سالمًا.
ظلت مكانها تنتظره حتى أصابها الإرهاق ونامت مكانها حتى الصباح.
نهضت بألم جراء نومها هكذا. اتجهت إلى غرفته تطرق بابها بارتباك لكنها لم تحصل على رد. أغمضت عينيها بتوتر لتقرر فتح الباب وتبحث عنه ولكنها وجدت الغرفة كما هي بالأمس.
"حسنًا قادمة."
قالتها حسناء وهي تعدل من وضع حجابها لتفتح الباب وما إن فعلت حتى اتسعت عيناها بفزع ثم قامت بجذبه إلى الداخل فكان في حالة يرثى لها لتقول بفزع:
"ماذا حدث معك ولمَ أنت هنا وحدك!"
أجابها سام بنبرة متألمة:
"لم أعرف أحدًا لألجأ له سواكِ خالتي!"
أخذت تربت على ظهره بحنو وهي تقول بقلق:
"ما بك بني! هل الجميع بخير!"
أومأ لها دون كلام لتسأله مجددًا ما به ليخبرها ما حدث بإيجاز واعقب قائلًا:
"لم أعرف لمن أذهب. ليس هناك أحد في إسبانيا قادر على فهم ما رويته لك الآن!"
ربتت على كتفه بتعاطف لتقول:
"مليكه كانت وحيدة! كانت تعاني دائمًا وأنا لم أقدر على مساعدتها. لم أستطع الوقوف بوجه أحمد! لم يكن بجانبنا أنا وهي سوى فادي! لذا اعذرها بني! أت تعلم فادي كان يعطيني جزءًا من مرتبه لأعطيه لمليكه دون أن تعلم أن المال منه! لم تعرف سوى بعد موته لذا من الصعب عليها تقبل شخص آخر مكانه! هي مخطئة وإن كانت هنا لصفعت رأسها في الجدار فأنت مختلف وهي على ذمتك أنت الآن! لكن صدقني معها عذرها يابني!"
تنهد ليقول بشرود:
"لقد حاولت وما زلت أحاول التقرب لها لكنها لا تتحرك من مكانها!.. إنها فقط تبتعد وتختلق الأعذار لابتعادها. أقسم لك يا خالتي أنني أقرأ عن دين الإسلام وأخذت الأمر على محمل الجد وأحاول تطبيقه في حياتي لكن لم أعتد عليه بعد."
قالت له حسناء بحماس:
"أت تعلم! لقد وجدتها.. أنت لا تشعر به بقلبك لأنه كان أمرًا واقعًا عليك! أما أن تصبح مسلمًا أو تخسر مليكه! لكن... ماذا لو وضعت مليكه جانبًا الآن وكأنها غير موجودة وحاولت أن تتعرف على دين الإسلام بلا ضغوطات محيطة!"
عقد حاجبيه بتفكير ليرفع وجهه إلى حسناء التي اتسعت ابتسامتها بتشجيع جعلته يبتسم بخفوت ليومئ لها قائلًا:
"إذا من أين أبدأ؟!"
"شهر كامل ولا أحد يعرف أين هو! هل انشقت الأرض وابتلعته يا أحمق!"
قالها خافيير بغضب وهو يحدث مع الحراس الذين أمرهم بالبحث عن سام ولم يجدوه ولم يعرف أحدًا أين ذهب.
بينما جلست مليكه على كرسي بعيد شارده في اللاشيء وهي تمسك هاتفه بقوة وكأنها تناجيه أن يظهر.