تحميل رواية رجوع الى الهويه بقلم شيراز القاضي pdf
بقلم شيراز القاضي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في القاهرة قبل ساعات طويلة.. كانت تقف في شقتها الحبيبة وهي تنظر لكل ركن بها قبل أن تدخل غرفته. التي كانت دائما ملاذها لتفتح دولابه وهي تتحسس الثياب بحسرة قبل أن تأخذ بدلة منهم لازالت رائحة عطره عالقة بها بعد كل تلك السنوات بسبب حفظها داخل غلاف بلاستيكي. ووضعتها داخل الحقيبة مع زجاجة عطره وسبحته وسجادته وحملت مصحفه في يدها وخرجت من الشقة بعد أن أتمت غلق كل الأقفال. في إسبانيا.. جلس خافيير على الكرسي بتوتر وهو يتأمل الساعة مخاطباً للرجل الذي يجلس بهدوء يتصفح أوراق صفقة جديدة: سام؟.. ألا تعتقد أنها...
رواية رجوع الى الهويه الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم شيراز القاضي
مر شهران على اختفاء سام دون ترك أي أثر. تأثرت صحة خافيير بسبب خوفه وحزنه على سام. مهما حاولت مليكة التخفيف عنه، كانت تلمح في عينيه عتابًا صامتًا، فقد وصل صوت صراخهما لكل من كان موجودًا في المنزل. بالطبع، لم يفهم أحد سبب الشجار، لكن أدرك الجميع أن سبب اختفائه هو شجارهما ذاك.
"لقد انتهينا الآن، سيد سام! المدرسة جاهزة للعمل والمشفى تم تجديده، وهناك الكثير من الأشخاص الذين يريدون المساهمة معنا في أي شيء، لذا سنهتم بثياب الأطفال والطعام أيضًا!"
قالتها نائبة مليكة التي تدير الملجأ إلى سام بامتنان وسعادة. ليبتسم لها بهدوء، فأكملت هي بتساؤل:
"أنا حتى الآن لم أخبر مليكة بأي شيء يحدث هنا.. ألم يأن الأوان لإخبارها؟!"
قال لها سام:
"ليس الآن، أرجوكِ. أنا أعد مفاجأة لها ولا أريدها أن تعلم الآن. أخبري حادثكِ أن الأمور بخير وأنكِ تسعين لإنهاء الإجراءات مع المحامي الذي كلفته بمهام الدار، ولا تخبريها أنني هنا أو أنكِ رأيتني هنا، فهذا جزء من المفاجأة."
ابتسمت له أسماء بسعادة لتقول:
"لك هذا.. أنا سعيدة لارتباطكما، عسى الله أن يجمع بينكما في خير."
ابتسم سام بسخرية لم تلمحها أسماء، ليغادر في طريقه نحو المسجد في الحي حيث منزل عم مليكة، فقد آن أوان صلاة العصر. وما إن دخل حتى أقبل عليه شاب ملتحٍ بابتسامة واسعة يحتضنه بسعادة ليقول:
"سااام! لن تصدق.. لقد انتهينا أخيرًا من الإجراءات الخاصة بالعمرة! سنغادر بعد أسبوعين من الآن."
ابتسم سام بسعادة مضطربة قليلاً، فهو ما زال يحاول تقبل الدين بقلبه. الحق يقال، أن الخالة حسناء لم تتركه لشيطانه لحظة. فمنذ أن أتى إليها وتركته يرتاح قليلاً، خرجت معه باتجاه المسجد لتطلب من أحد الرجال أن يدخل إلى المسجد وينادي لها الشيخ محمود. ليلبي الرجل طلبها، بينما وقف سام معها منتظرًا ظهور هذا الشيخ الذي ما إن رآه حتى فغر فاه، فما كان الشيخ محمود سوى شاب صغير السن، لكن بدا ذا عقل راجح.
أقبل نحو السيدة حسناء ليقول بحفاوة:
"خالتي حسناء، لقد اشتقتِ إليك."
ابتسمت له حسناء لتقول:
"وأنت كذلك يا بني! .. دعني أعرفك على سام.. سام هذا هو إمام مسجدنا هذا واسمه محمود، وهو خير من سيرشدك إلى الصواب.. ويا محمود، هذا سام قريب مليكة، ولعلك تعرف أنه زوجها أيضًا."
أومأ الشاب بابتسامة ليقول:
"أجل، لقد حضرت عقد قرانهما حقًا.. يبدو أن هناك الكثير لنتحدث به، لذا أستأذنك خالتي، سأذهب أنا وسام إلى الداخل."
أومأت له حسناء وهي تنظر لسام بتشجيع، ليفهمها هو ويدخل المسجد بصحبة محمود.
قص سام الأمر على محمود الذي كان يسمعه بتركيز ليقول:
"خالتي حسناء لديها حق.. كما أن مليكة متزمتة للغاية، لذا عليك أن تبعدها عن تفكيرك حاليًا وفكر فقط.. هل تريد أن تكون مسلمًا بحق؟!"
تطلع له سام ليقول:
"أنا تقبلته بعقلي، فهو دين يدعو إلى اليسر وتعلمت منه العديد من الخصال الحميدة، لكن المشكلة في قلبي!"
ابتسم له محمود ليقول:
"وهذا جيد، لقد اجتزت شوطًا جيدًا... استمع إلي! في البداية، لا هواتف نقالة ولا حاسوب أو أي شيء يمكنك به الوصول إلى مليكة حتى لا تتشوش. وأيضًا، ستأتي إلى هنا لأداء كل صلاة جماعة، وبعدها سنحفظ أنا وأنت ما تيسر من كتاب الله.. بضع آيات فقط حتى لا يبقى الأمر صعبًا عليك. وعندما نتخطى تلك المرحلة وتصبح قادرًا على قراءة القرآن وحفظه وحدك وأصبحت ملمًا بأمور الدين، ننتقل إلى المرحلة الأخيرة وهي الذهاب لأداء العمرة!"
لم يفهم سام ما المقصود بالعمرة، لكنه ابتسم ليقول:
"هاتفي قد نسيته في إسبانيا على أي حال، ولقد أتيت على عجلة من أمري لذا لم أحضر حتى ثيابًا لي."
صفق محمود بحماس ليقول:
"جيد، إذاً قم بنا للصلاة الآن، ثم سنذهب لنشتري لك ثيابًا وبعض الأشياء التي ستحتاجها."
ثم قطب حاجبيه ليسأل:
"ولكن كيف تتحدث العربية بتلك الطلاقة؟!"
ابتسم سام ليقول:
"في البداية علمتني خالتي حسناء بعض الجمل والكلمات، ثم التحقت بدورة تدريبية لتعليم اللغة العربية، وكان معلمي مصريًا لذا أتقنتها بلكنتكم."
أومأ له محمود وهما ينهضان معًا للوضوء لأجل الصلاة.
توالت الأيام على سام وشيئًا فشيئًا يتعمق في الدين الإسلامي وتعاليمه، وأصبح الحزن والضيق بداخله يتلاشى بالتدريج، وبدأ يشعر أنه أصبح شخصًا آخر أفضل من ذي قبل. كما كان يتابع أعمال دار الرعاية في صمت في الآن ذاته.
عودة إلى إسبانيا حيث مليكة تجلس على الكرسي في غرفتها تحدق بالفراغ بوجوم. لم يعرفوا مكانه بعد! تشعر بالخواء الشديد وحزن أشد لما آلت له الأمور. لو أنها ظلت في مصر لما حدث كل ذلك!
تنهدت بألم لتغمض عينيها، لكنها عادت لفتحهما على إثر الطرقات على الباب. فنهضت تفتح الباب بعد التأكد من حجابها، فوجدت إحدى الخادمات تقول بأسف:
"لم يقبل السيد خافيير بتناول الطعام أو أخذ العلاج أيضًا سيدتي.. أرجوكِ تصرفي معه، فهذا خطر!"
أومأت لها بقلق لتهبط سريعًا إلى غرفة جدها، فوجدته يجلس على كرسي قرب النافذة وهو يطالع الأفق بشرود حزين.
قالت بعض النشاط في محاولة منها لتغيير حالته:
"جدي! مساؤك مسك وعنبر.. ألم تأكل بعد! جيد إذا، لنأكل معًا."
تقدمت إليه وجلست في الكرسي الذي أمامه وهي تقطع شريحة اللحم إلى قطع صغيرة قبل أن تغرس بها الشوكة لترفعها إلى فم جدها مبتسمة بدفء. ليفتح فمه بهدوء ويتقبلها منها دون كلام.
اتسعت ابتسامتها ولكنها خبت فجأة حين قال:
"سام لم يعد بعد!"
قالت له بنبرة نادمة:
"لا تقلق يا جدي... هو فقط في مكان ما طلبًا للاسترخاء، وحين يتحسن سيأتي وحده."
ابتسم خافيير بسخرية مريرة لتبتلع لعابها قائلة:
"لدي الحل يا جدي... أنا واثقة من أن لسام عينًا هنا ليخبروه ما يحدث.. هو غادر بسببي، لذا سأعود إلى مصر ليعود هو إلى هنا."
نظر لها خافيير بألم وغضب ليقول:
"غبية وستظلين غبية! أتعالجين خطأ بخطأ أسوأ بمراحل! ستذهبين أنتِ الأخرى وتتركينني بمفردي مثله! أتعلمين.. كنت أظن أن أمك هي الغبية، لكن لا.. كانت محقة! حين طرق الحب الحقيقي بابها تركت كل شيء حرفيًا وتمسكت به دون أن تلتفت. أما أنتِ، فقد وهبك الرب فرصتين، أضعتِ الأولى بغبائك، وها أنتِ تضيعين الثانية! سام لم يقدم على الزواج بكِ لأجلي فقط، وأظن أنكِ لاحظت اهتمامه بكِ وحاول لفت انتباهك له أكثر من مرة، فما كان ردكِ يا حمقاء! لا شيء! تركته يرحل كما رحل الآخر دون أن تعبري له عن حبكِ حتى، أو على الأقل اتركي لنفسكِ الفرصة لحبه!"
كانت كلماته قاسية، لكنها... حقيقة! بهتت معالمها وهي تنظر إلى جدها بصدمة. أحقًا أضاعته كما أضاعت فادي من قبل!!!
عودة إلى القاهرة حيث يجلس سام على أحد الكراسي الصغيرة وحوله أطفال كثر وهو يشرح لهم بحماس قصة سيدنا يوسف. كانوا أطفال دار الرعاية، وكان يذهب لهم يوميًا يعطيهم دروسًا متنوعة في الدين والرياضيات وغيرها، وقد أحبه معظم الأطفال لأسلوبه المرح في إيصال المعلومة.
انتهى من سرد القصة ليقول:
"حسنًا يا صغاري، لقد انتهينا الآن، ولكن أريد أن أخبركم أنني ذاهب في رحلة ما وقد أغيب لبعض الوقت، ولكن أريدكم أن تذاكروا دروسكم باستمرار وعدم الإهمال، حسنًا؟!"
أومأ الأطفال ببعض القنوط ليقول صبي صغير ببعض الحزن:
"ولمَ تتركنا يا أستاذ؟ ولمن! الأستاذ صالح والأستاذة علياء صرمان جدًا ولا أفهم منهما شيئًا.. أرجوك لا تتأخر علينا."
قهقه سام على كلمات الصغير ليحتضنه وهو يعده أنه سيعود قريبًا جدًا!
"موعد الرحلة أخيرًا!"
قالها محمود بحماس وهو يجر حقيبته في ساحة المطار، بينما يسير سام إلى جانبه مبتسمًا بتوتر شديد مما هو آت!
وصلا بعد عدة ساعات إلى مطار جدة لينتقلا فورًا بسيارة أجرة نحو مكة المكرمة. ما إن وصلا حتى ذهبا إلى الفندق أولًا لوضع الحقائب، ثم توجها نحو الحرم. وأثناء سيرهما، كان سام يسير مشغولًا بالإحرام، فهو لم يعتد عليه بعد!
وقفا أمام أحد الأبواب لينظر سام حوله باستطلاع وانبهار من ضخامة المكان وأعداد الأشخاص المتواجدين!
أكملا سيرهما إلى داخل المسجد ورويدًا رويدًا ظهرت أمامهما الكعبة!
ما إن لمحها سام حتى توقف مكانه برهبة، ودقات قلبه ازدادت حدتها، ووجد نفسه بتلقائية يعود إلى الخلف بخوف شديد!
نظر له محمود بتفاجؤ ليقول:
"ما بك سام! سنذهب من هنا لنصلي صلاة الظهر ثم نقوم بأداء العمرة، فلمَ تعود إلى الخلف؟!"
صمت تمامًا ما إن رأى نظرة الرعب في عينيه، ليبتسم قائلًا بخفوت لم يصل إلى سام:
"يبدو أننا نجحنا.. لا لا، أنت من نجح سام! هذه الرهبة يستحيل أن تظهر على وجه شخص ليس مسلمًا."
وضع يده على كتف سام ليقول:
"هيا يا رجل، ما بك! .. أتعلم.. أول مرة أتيت بها إلى هنا جلست إلى جوار السلم الذي هناك وأنا أطالع الكعبة وأبكي!"
نظر له سام بتشوش ليومئ له محمود بضحكة صغيرة وهو يحثه على التقدم. شيئًا فشيئًا يقتربان من الكعبة حتى أصبحا على مقربة شديدة منها. أقاما صلاة الظهر معًا ليكمل رحلتهما باتجاه الكعبة بين باقي المعتمرين. فشرح محمود سريعًا ما عليهم فعله أثناء الطواف، وكانا يتحينان الفرصة ليقتربا من الكعبة رويدًا بين الزحام، حتى وصل سام أخيرًا إلى جدار الكعبة بجانب بابها، ليتلمسها بلهفة لم يعلم من أين أتته، ووجد نفسه يقترب منها حتى التصق بها، لتنهمر عبراته بدون توقف، ووجد نفسه من بين شهقاته يدعو الله أن يسامحه على عمر مضى وأن...
يجمع بينه وبين مليكة!
رواية رجوع الى الهويه الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم شيراز القاضي
دخلت غرفته بخطوات متثاقلة وهي تنظر لها بحزن. ظنت أنها لن تشعر به من جديد بعد كل ما مرت به.
وقفت تطالع ثيابه المتراصة داخل خزانته بألم، وبأنامل مرتعشة أغلقت باب الخزانة. لتقوم بفرد سجادة صلاتها في موضعها ووقفت تصلي وقد لمعت عيناها بالدموع.
مر الآن خمسة أشهر على غيابه الصادم، ولقد اعتادت منذ ذلك الوقت أن تؤدي بعض صلواتها في غرفته لهدف لا تعلمه.
أنهت صلاتها لتتضرع إلى الله باكية، تشكو له ما يشعرون به جميعاً وتسأله أن يحفظه بحفظه أينما كان.
ثم جلست على السرير وهي تمسك هاتفه. فهي تعرف رمز الدخول له من خلال متابعتها لسام وهو يفتحه أمامها مراراً، لترى ألبوم الصور. وظلت تتنقل بهم بحسرة وهي ترى ألبوماً كاملاً خاصاً بها، التقطها لها دون أن تدري.
تذكرت ما حدث منذ شهرين، فقد علمت بالصدفة من خلال برامج التواصل الاجتماعي أن المدرسة الملحقة بدار الرعاية قد اكتملت، وهناك العديد من رجال الأعمال الذين أصبحوا يتبرعون للدار.
فأسرعت بمهاتفة أسماء لتفهم ما حدث ولماذا لم تخبرها بتلك التطورات وهي تحادثها دائماً. فكان رد أسماء صادماً جعلها تشعر وكأنها في دوامة كبيرة للغاية لا نهاية لها، حيث قالت:
"يالهي! ألم يحادثك سام؟ لقد مر أكثر من شهرين منذ أن قال لي إنه سيخبرك."
قطبت حاجبيها حينها لتقول:
"عفواً أسماء، أنا لا أفهم!"
قالت أسماء بشرح وهي غاضبة من ضياع المفاجأة:
"آه يا إلهي... لقد أتى سام من ما يقارب الثلاثة أشهر وأشرف إشرافاً كاملاً على بناء المدرسة وقد طور باقي الدار والمشفى... كان من المفترض أنها مفاجأة لك!"
اتسعت عينا مليكة لتقول بلهفة:
"هل تعنين أنه بمصر حالياً؟ هو بذاته كان موجوداً أثناء العمل؟"
قالت أسماء بتعجب:
"أجل، هو هنا منذ ما يقارب الأربعة أشهر ولكنه سافر منذ مدة وقد أخبرنا أن سفره قد يدوم لمدة ثم سيعود من جديد."
أشرقت معالم مليكة بابتسامة ثم بهتت رويداً رويداً حين أكملت أسماء جملتها. لتغلق معها المكالمة وهي شاردة في صورته.
كيف أمكنها ألا تنجذب إليه حتى! لقد كان غاضباً منها ولكنه ذهب لينهي أعمالها! لم يذهب لقضاء عطلة كما ظنوا.
حسناً، أين ذهب الآن مجدداً؟
تنهدت بألم لتذهب بسرعة إلى جدها لتخبره بحماس:
"جدي! لقد عرفت مكان سام.. أو عرفت أين كان المدة الماضية."
نظر لها الجد بلهفة لتكمل:
"كان في القاهرة يتابع بعض الأعمال ولكنه الآن غادر إلى مكان آخر وسوف يعود إلى مصر بعدها... اسمح لي يا جدي، سأذهب أنا أيضاً علني أستطيع لقياه."
نظر الجد لها مالياً ليقول:
"عديني أن تعودي بسرعة، وألا تبقي أنتِ الأخرى بعيدة."
قبلت يده ثم رأسه لتقول:
"لا تقلق، سوف نأتي أنا وسام إن شاء الله."
ذهبت إلى القاهرة في اليوم التالي ولم تنتظر لتذهب إلى حسناء أولاً، بل ذهبت رأساً إلى دار الرعاية التي انبهرت حين رأت كيف أصبحت. لقد جعلها سام شيئاً خيالياً!
دخلت بسرعة لتقابل أسماء التي قابلتها بحفاوة. لكنها عادت تقول بضيق:
"لقد أصابني الاستياء حين نشرت الصحافة أمر الدار قبل أن يفاجئك سام بالأمر."
قاطعتها مليكة بسرعة لتقول:
"متى كانت آخر مرة رأيته بها؟"
قطبت أسماء حاجبيها بتعجب لتقول:
"ألا تعلمين عنه شيئاً؟"
قالت مليكة ببعض التوتر والحزن:
"لقد تشاجرنا منذ مدة وقد ابتعد حتى يهدأ... أخبريني منذ متى أتى إلى هنا ومتى آخر مرة رأيته."
قالت أسماء بحزن:
"آه يا إلهي، لم أكن أعلم! حسناً، لقد أتى سام منذ حوالي ثلاثة أشهر تقريباً وقد أشرف على العمل حتى نهايته. كما أنه أصبح يدرس الأطفال أكثر من مادة ويروي لهم قصص الأنبياء. الأطفال هنا يحبونه ولكنه رحل منذ مدة قال إن لديه عمل هام وسيعود حين ينهيه. لكنه تأخر كثيراً وأظن أنه لن يعود قريباً أيضاً، فقد أرسل لي محاميه الخاص ليتابع سير العمل."
صمتت قليلاً ثم قالت بحماس فجأة:
"الخالة حسناء.. هي من ستدلك بالتأكيد أين هو!"
كانت مليكة في عالم آخر وهي تستمع إلى كل ما قالته أسماء. لتعي فجأة اسم خالتها حسناء لتقول بتعجب:
"وكيف ستعرف خالتي؟"
قالت أسماء:
"لأنه كان يقيم لديهم هو وعمك طوال مكوثه هنا. أعتقد أنها قد تعرف معلومات أكثر. ليجمع الله بينكما في خير يا حبيبتي!"
نهضت مليكة بسرعة لتذهب إلى حسناء وهي تدعو الله أن تصل له.
"جدك على حق فأنت غبية! أو تعلمين؟ خسارة شاب كسام أن يكون من نصيبك والله لن أجاملك في هذا! الرجل يكاد يحترق أمامك حباً وعشقاً بك يا متخلفة وأنت عمياء لا تنظرين له حتى!"
هكذا صاحت حسناء في وجه مليكة التي اخفضت وجهها بخجل واضطراب جديد عليها. لكن ما جعل حسناء تصمت فاغرة فاها هو اهتزاز بدن مليكة دليل على البكاء.
اقتربت منها تحاول رفع وجهها وهي تهمس باسمها. فهذه أول مرة تبكي بهذا الشكل أمامها. كانت تظنها ستتبجح وتصرخ مقابلاً لها كما هي العادة.
احتضنتها وهي تربت على ظهرها بحنو. لتقول مليكة من بين شهقاتها:
"أنتِ أكثر من يعلم بما مررت به! أشعر أنني خائنة لارتباطي بشخص غير فادي لكن لم يكن أمامي خيار! لقد حاصروني.. لكني تقبلت الوضع فسام شخص رائع. ولكن.. ولكن عدت للخوف من جديد. خشيت ألا يتقبل دين الإسلام وبعد أن أصبحت في يده يعود لما كان عليه. أنا أعلم أني أخطأت في حقه.. والله أعترف لكنني ندمت وأريده أن يعود وسأحاول معه من جديد ولن أيأس هذه المرة! لن أظلم شخصاً آخر أحبني بصدق. يكفيني ظلم شخص واحد."
زادت حسناء من ضمها لتقول بحنو:
"لم تظلمي أحداً يا مليكة! لقد توفي فادي وهذا كان قدره يا حبيبتي. تعلمين أنني كنت أعده ولداً آخر من أبنائي لكنه الآن غير موجود. وحرام أن تتركي نفسك وحيدة هكذا وهناك من يعشقك! هيا انهضي اغتسلي وصلي فرضك ولا تشغلي بالك بشيء. وسام بخير لا تقلقي، هو فقط ذهب إلى مدينة ما لا أتذكر اسمها لإنهاء عمل ما وسوف يعود لك إن شاء الله صدقيني، فهو يحبك!"
نظرت لها مليكة بتمني ل تنهض بتخاذل نحو المرحاض لتغتسل وتتوضأ. وما إن انتهت ودخلت غرفتها حتى نظرت إلى إصبعها الذي يحمل خاتم فادي بحزن وألم وهي تتذكر نظرة سام المتألمة كلما لمحه في يدها وخاصة يوم خطبتهما.
لتتعالى شهقاتها من جديد وبأنامل مرتعشة قامت بخلعه من إصبعها وهي تنفجر باكية وهي تضمه إلى قلبها وهي تتأسف لفادي وتدعو الله له بالرحمة والمغفرة.
عادت مليكة إلى إسبانيا خالية الوفاض. فقد اضطرت للرحيل لكي تهتم بشركة سام للأزياء. فهناك عرض أزياء قريب وسام أحد المشاركين فيه. لذا تولت هي هذه المهمة عاقدة العزم على أن تجعل دار الأزياء الخاصة به تفوز في هذا العرض.
"يالهي! أهذا أنت! أنا لا أصدق."
قالتها حسناء وهي تلتهم سام بنظراتها المصدومة والفخورة في آن واحد. تتأمل ذاك التغير الذي طرأ عليه. شعره القصير دلالة على أنه قد حلقه كاملاً بعد كل عمرة قام بأدائها. وعيناه الرمادية التي لم تعد عاصفة كما من قبل. وابتسامته الصافية التي لا تحتوي ضيقاً أو حزناً. بدا أفضل حالاً. بدا شخصاً آخر.
قال لها بثقة وهو يعدل من هندامه بطريقة مضحكة:
"أرأيت كيف أصبحت؟ ما رأيك في مظهري هذا؟"
ضحكت حسناء بخفوت وهي تربت على كتفه بحب لتقول:
"أنت دائماً شخص رائع يا سام."
ثم أضافت بمكر لاحظه على الفور:
"خمن من كان هنا وسأل عنك؟"
قطب حاجبيه وصورة واحدة تأتي في باله وهو يمني نفسه أن تكون هي. لتقول حسناء:
"إنها هي.. معتوهتنا الصغيرة! لقد أتت ومكثت هنا لفترة علها تصل إليك لكنها اضطرت بالمغادرة بسبب تراكم الأعمال في إسبانيا."
نظر لها بصدمة وسعادة ليقول:
"تمزحين!! م مليكة كانت تبحث عني!"
قطب حاجبيه ليقول ببعض الضيق:
"قد تكون أتت بسبب جدي خوفاً على صحته وليس لي. هي لا ترى سوى فادي!"
رمقته حسناء باستنكار لتقول:
"لمَ أنت سلبي إلى تلك الدرجة يا بني! لقد أخبرتك أنها أتت مسرعة حين علمت من أسماء أنك موجود في مصر وقد كان واضحاً عليها السعادة لأنها وصلت إليك."
ظل سام شارداً في كلماتها بلا رد. هو لن يحتمل أن يبني آمالاً من محض وهم مجدداً.
قالت حسناء بحدة أجفلته:
"استمع إلي! إن كانت هي متخلفة فأنت معتوووه. اذهب إلى إسبانيا واقتحم المنزل ثم غرفتها وضمها بقوة تحطم عظامها وأنت تصرخ بحبك لها وأنك لن تتركها مهما حدث ومهما حاولت وتمسك بحقك! هيا اذهب!"
نظر لها سام فاغراً فاه مما قالته. لكنها لم تمهله وقتاً للرد وهي تقوم بدفعه في اتجاه الباب لتقول:
"الآن وحالاً ستذهب إلى المطار وفي أول طائرة متجهة إلى إسبانيا ستكون على متنها. انتظركما أن تأتيا إلى هنا سوياً المرة المقبلة وأنت تمسك يدها وهي تهيم بك عشقاً وإلا قتلتك!"
تم ما أرادت حسناء وقد اتصل سام لحجز تذكرة السفر إلى إسبانيا. وها هو في بلده ينظر حوله ببعض التوتر والقلق الشديد مما هو آت.
"رباه! حبيبي لقد اشتقت لك. أين كنت!"
هكذا قالتها بيلا باكية وهي تحتضن سام بلهفة. أحبها سام كثيراً. لم تأته الجرأة ليذهب رأساً إلى منزل جده. لذا قد مر على والدته أولاً لعدم وجود أبيه وعائلته في البلاد حالياً.
رحبت به بيلا بسخاء وظلت تحتضنه طوال مكوثه في المنزل. قضى معها بعض الوقت ليخبرها أن عليه الذهاب لرؤية جده. فضحكت بخفوت وهي تحرك رأسها بيأس. فهي تعلم أنه ذاهب لأبي مليكة وليس إلى جده.
كانت الساعة العاشرة مساءً حين وطأت قدماه حديقة منزل جده. ابتلع لعابه بتوتر يلخطو نحو الداخل. وقد فتح الباب بمفتاحه الخاص. فوجد الضوء ينبعث من غرفة جده فتوجه له أولاً حتى يهدأ قليلاً.
فتح الباب بعد ما طرقه ليرى جده جالساً على الكرسي كما اعتاد في حزنه. يطالع الحديقة بشرود حزين جعله يبتسم بدفئ ليقول:
"لمَ كل تلك الكآبة يا رجل؟ هل مات أحد دون علمي!"
اتسعت عينا الجد وهو يخطو نحو سام بلهفة ليحتضنه باكياً وهو يتأمل وجهه بابتسامة من بين دموعه ليقول:
"أين كنت أيها الوغد وتركتني وحيداً! كدت أموت رعباً عليك! إياك وفعلها مجدداً!"
أومأ له سام ليقول:
"أعدك أن هذا الأمر لن يتكرر من جديد! ولكن كنت أحتاج للابتعاد قليلاً حتى أعرف ماذا أفعل... أحم بذكر الأفعال.. آآ مممم.. أحم، هل هي مستيقظة؟"
ضحك الجد ليقول:
"لا أعلم، فهي أصبحت تختلي بنفسها كثيراً هذه الأيام... اصعد ل تراها."
ثم قال بتحذير:
"ولا أريد أن أسمع صوتكما تتشاجران من جديد."
ابتسم سام بارتباك ليذهب متجهاً إلى غرفة مليكة. وقبل أن يطرق الباب سحب يده بسرعة وهو يبتلع لعابه حين تذكر نظراتها الغاضبة له حين يدخل غرفتها في وقت متأخر. لذا تراجع وذهب إلى غرفته وقد قرر رؤيتها صباحاً. هذا أفضل صحيح؟!
دخل غرفته ليتنهد بثقل. وكاد أن يتحرك نحو مفتاح النور حتى أجفل وفغر فاه وهو ينظر إلى سريره بصدمة!
حرك عينيه في الغرفة متوجساً حين وجد سجادة الصلاة بجانب السرير ليقول بخفوت:
"ه هل دخلت غرفة أخرى من ارتباكي أم ماذا!"
اقترب ببطء من السرير ليتأكد أن هذا فراشه هو! ولكن المشهد أمامه يجزم له أنها ليست غرفته!
مليكة ترتدي زي الصلاة بلا حجاب تنام على سريره وهي تمسك هاتفه وباليد الأخرى ضمت سترته إلى صدرها. وهناك أثر للدموع في عينيها.
جلس على طرف الفراش بتوجس وفرحة. ليمد يده إلى وجهها مربتاً عليه بخفة وهو يناديها بخفوت. فتحت هي عيناها على أثره وهي تنظر نحو من يوقظها. وما إن أدركت أنه سام حتى قفزت جالسة وهي تضمه بلهفة وهي تنفجر باكية وهي تعتذر له وتحمد ربها على عودته سالماً.
أجفل وأصابته صاعقة من فعلتها تلك. لكنه ضمها بسعادة وهو يحاول جعلها تهدأ.
أبعدت وجهها أخيراً لتقول وهي تنظر له:
"أنا آسفة! أعلم أنني غبية لأنني كنت أضع الحواجز بيننا وأنني كنت أفكر بفادي وليس بك بينما أنت لم تترك شيئاً يسعدني إلا وفعلته. أنت لا تعلم كم أحبك الآن والله أحبك وسوف نبدأ من جديد وهذه المرة لن أيأس من المحاولة معك حتى تصبح مسلماً قولاً وفعلاً ولن أصرخ في وجهك مجدداً. والزفاف حدد موعده كما شئت وبعدها سنصلي سوياً وسوف نعين بعضنا البعض على طاعة الله."
كان يستمع لها بدهشة وهو يبتسم. ليقول وهو يمسح وجهها من أثر الدموع:
"حبيبتي اهدئي قليلاً.. تنفسي فقط.. أغمضي عينيك وخذي نفساً عميقاً ثم انظري إلي."
فعلت ما قاله. ليقوم سام بفتح الضوء لكي يتيح لها الفرصة للنظر إليه. ليرى ما إن كانت ستلاحظ تغيره.
ظلت هي تطالع وجهه بشوق. لكن فجأة قطبت حاجبيها وهي ترفع يدها إلى خصلاته القصيرة ثم لحيته النامية والمهذبة بطريقة جميلة. وعيناه اللامعتان اللتان تنظران لها بنظرة أول مرة تراها!
تشوشت قليلاً لتقول بخفوت:
"أين كنت يا سام! أصبحت.. مختلفاً! مختلفاً للغاية وهناك.. هناك شيء في عيناك قد تغير! أشعر أنك بحال أفضل!"
اتسعت ابتسامته ليقول مازحاً:
"كنت أعلم أن حبيبتي الجميلة ذكية ولماحة! كنت بحاجة للبقاء بعيداً عن أي ضغط وذهبت إلى القاهرة وهناك قابلت شاباً تقياً اسمه محمود عرفتني عليه الخالة حسناء ولقد ساعدني حيث التزمت بالصلاة أولاً ثم أصبحت أقرأ القرآن ثم حفظته وحدي ثم كانت محطتي الأخيرة هي... مكة."
قالها وهو يمرر يده بين خصلات شعره وهو يبتسم. لكن ابتسامته بهتت وحل محلها الخوف حين وجدها تخفي وجهها بين كفيها لتبكي بعنف. أجفله ليضمها سائلاً:
"ما الذي حدث؟ ظننتك ستكونين سعيدة.. أوليس هذا ما كنت تريدينه!"
تحدثت من بين شهقاتها قائلة:
"أنا لا أستحقك كما قال لي جدي وخالتي حسناء! أنت كنت تفكر بي وأنا كنت أجلس للمشاهدة فحسب. لم أقدم لك شيئاً.. أنا حقاً غبية.. أنا آسفة جداً."
ضحك بخفوت وهو يضمها بقوة أكبر ليقول:
"بلى فعلتِ الكثير.. لقد كنت أتابع العمل من خلال راكان وهو أخبرني أنك توليت زمام الأمور وقد نجحتِ.. أنا فخور بك حبيبتي.. هيا كفي بكاء لقد بكينا كثيراً.. أما آن الأوان ل نسعد قليلاً؟!"
رفعت وجهها له لتبتسم من بين دموعها. ليقول هو بتوجس وترقب:
"ما رأيك أن يكون حفل الزفاف الأسبوع المقبل؟"
اتسعت ابتسامتها لتؤميء له بحماس. لينهض فجأة وهو يحملها على كتفه فجأة ليدور بها في الغرفة. فصرخت ضاحكة من المفاجأة. ولكن الناتج من صراخها ذاك هو تجمع من بالقصر واقتحامهم الغرفة بهلع على رأسهم خافيير الذي فتح الباب بفزع.
نظر سام لهم بدهشة وما زالت مليكة على كتفه تنظر إلى الباب بصدمة وخجل وهي تحاول التملص من يده.
ضحكت الخادمات ليذهبن من حيث أتين. وبقي الجد ينظر لهم باستنكار ليقول:
"لقد أفزعتما البيت بأكمله.. افعلا ما تريدان لكن بهدوء!"
قفزت مليكة من على يد سام بارتباك. ليقول سام لجده باستنكار:
"عيب عليك يا رجل! أنا فقط حملتها تعبيراً عن فرحتي كونها وافقت أخيراً على أن يكون الزفاف الأسبوع المقبل."
ابتسم الجد بسعادة وهو يحتضنهما متمنياً لهما السعادة.
مر الوقت سريعاً وأتى موعد زفافهما الذي كان هادئاً ورائعاً.
تغيرت مليكة كثيراً وأصبحت كثيرة الابتسام والضحك. ولم يعد يعكر صفو حياتها شيء. وأصبحت هي وسام يراجعان ما حفظاه من القرآن سوياً. وتعجبت وغمر قلبها الفرحة حين وجدت متفوقاً عليها في الحفظ وتصحيح أخطائها.
تحقق حلم خافيير حين أنجبت مليكة فتاة رقيقة شديدة الشبه بجدتها صوفيا. وقد أصبح اسمها صوفيا كذلك تيمناً بجدتها. فلم يكن يتركها من يده لحظة.
بعد أعوام رزقهم الله بطفل آخر. ما إن فتح عينيه حتى نظر له سام مبتسماً. قبل أن يجلس بجوار مليكة يضمها إليه بيده الأخرى مقبلاً وجنتها بحب. فقالت له:
"ماذا نسميه؟!"
طالعه سام بشرود حتى أغمض الصغير عيناه وهو يبتسم بخفة. ليبتسم هو الآخر ليقول وهو ينظر نحو عينيها:
"اسم كان السبب في بسمتنا حالياً.. اسم مرتبط بالابتسامة الصافية من الأساس.. سأسميه "فادي"."