الفصل 11 | من 13 فصل

رواية رحماك الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اسما السيد

المشاهدات
16
كلمة
3,884
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 85%
حجم الخط: 18

بالمزرعة.. مزرعة العشق والعاشقين. بوليمة أشبه بولائم الأمراء. وبعدما أتم كتب الكتاب، وانطلقت الأعيرة النارية، وفاز الفارس بجائزة العشاق، جائزة باسمها هي، ساجدة. "هَدان.. ما تفرحيش أكده، إني وياك والزمن طويل يا ابن خيتي." "عدنان.. واه يا خال، ليش أكده؟ والله عاشج بتك. وتعب الجلب من الشوق والفراج." "وهدان.. اكتم يا عدنان واتحشم. وإلا ما بعطيك ياها، جوضي عمرك كله بفراج." "خلص.. يا وهدان، خلينا نفرح أومال."

فجأة استمعوا لصوتها الناعم، بحنجرتها الذهبية التي كتمتها مع مرارة أيامها وتناستها. ومن فرحتها بجمع العشاق، قررت مشاركتهم بها، تسعدهم كما أسعدوها واحتوت أوجاعها. بهم صارت أقوى، أجمل، لحياتها هدفاً، ولأيامها حلماً تعيش عليه. ومعها هم، شاركوها الغناء بابلهم، وأحصنتهم الراقصة. ليلة ساحرة تختلف عن لياليهم الغناء. ليلة شهدت على ازدياد عشاقهم اثنين.

صاحت فريدة بصوتها الفريد، واقتربت محتضنة ساجدة السعيدة بحب، فرحة هي لفرحتها لزواجها أخيراً ممن عشقه قلبها. "بأنشودة إسلامية استمعت لها صباحاً.. الله الله.. صلوا على رسول الله.. زي القمر بدر في سماه.. أنا قلبي شافهم من هنا سمي وصلي.. قولوا إن شاء الله.. باركلهم وأسعدهم أمين.. الليلة ليلة الطيبين.. تتمم عليهم نعمتك.. قولوا إن شاء الله.. لذات الدين.. عريسنا الزين.. ربه اللي هداه.. ادعوا للغالين بأحلى حياة..

ما شاء الله.. على سنة رسول الله.. هيبتدوا الليلة الحياة.. يارب ارزقهم بالفرحة.. كل الأيام.. الليلة دي كتبوا الكتاب.. أغلى ما لينا.. تصلوا على طه نبينا.. مين اللي هيعرف من الفرحة الليلة دي ينام.. لذات الدين.. عريسنا الذين.. ربه اللي هداه.. ادعوا للغالين بأحلى سنين وأحلى حياة.." في سوهاج.. ينادي على حفيده فهد بلهفة. "فهد.. يا فهد يا ولدي." اقترب فهد مسرعاً. "نعم يا جدي. في إيه؟ حاجة حصلت؟

"أيوه يا ولدي.. اتصلي على أخيك كيان.. جوله يعاود وين ما كان.. ضروري يا ولدي." اقتربت هي كالحية تتلصص على حديثهم. "سعدية.. ياترى ملهوف أجده ليه على حفيدك يا غراب البين انت.. ميتى يجي اليوم اللي أخلص منك نهائي." "نوهائي." "سحر من وراها." "مالك يا أماي؟ عم تتلصصي أجده على إيه؟ استدارت لها بحدة. "بعدي يدك عني.. جبر يلمك.. انتي وبناتك بساعة وحدة." "سحر.. ليش أجده يا أماي؟ "عشان خايبين كيف أمهم.. لازم إني اللي أمشي كل شي."

"سحر.. بشماتة.. لا ما تقلقيش يا أماي.. جريب جوي هيجيلك الحفيد اللي تستمنيه." "صوح يا بت يا سحر.. أوعي تجولي إن الخلطة اللي عطيتهالك جابت نتيجة." "سحر.. بغرور.. جابت بس.. دي جابت وجابت.. اللي بقى لنا سنين مستنينه حصل يا أماي." "وكيان.. دخل على سلوى." "سعدية.. بحدة.. وليش ما جلتلي يا غراب البين انتي؟ "جولت استنى لحد ما نتأكد ياما إن البت حبلى.. دعواتك انتي بس لاجل ما يتم المراد." "واه يا سحر لو تم.. هيبجي ناري بردت."

"بس ليه خايفة أكده يا أماي؟ "عشان انتي بهيمة.. وما تفهميش شي واصل." "سحر.. الله.. ما تفهميني يا أماي." "بوك عم يخطط ليجوز كيان بفريدة بت نادية." "بااااه.. وهو عرف طريقها منين؟ "بغل.. ما أعرفاش.. حواليهم دايرة.. حتى الأسياد ما يعرفولهاش طريق." "سحر بخضة.. كيف ده يا أماي.. ازاي ما يعرفوش؟ "بشر.. تحويطة محاوطاها هي وأخواتها.. اللي عملهالهم ضليع.. عليم.. بس إني وراهم.. لما أعرفلهم طريق.. ساعتها هخلص عليهم بيدي."

"أيوه يا أماي.. خلصي عليهم خلينا نرتاح." انقلب فرحهم لدمار.. وليلتهم الغناء لحزن وفراق. بعد انتهائها من أنشودتها وصمتت هي.. على صوت الصياح والقتال، والسبب.. خطف الأبناء. تبكي وتبكي.. ويشاركها الجميع. يحبونها هم ويفدونها بروحهم. دخل الراوي بهيبته، صائحاً بهم. "فتونوا لحالنا." تحرك الجميع وبقيت هي وأشقائها. "ها يا جدي لقيتوهم؟ طمن قلبي يا جدي الله يخليك." "امسحي دموعك يا فريدة.. ولادك بأمان." "وين هما؟ إزاي عرفت؟

ومين خطفهم؟ "المرسال.. يا بتي.. أظاهر إن آن الأوان." "أوان إيه يا جدي؟ "تعاودي لأهلك يا بنتي." استجمعت أفكارها أخيراً ولمعت عيناها بشعلة الانتقام. "الولاد مع جدك.. شرطة.. تعاودي.. انتي وخواتك ليهم.. يتلم الشمل.. وتاخدي ولادك بحضنك." "هنعاود." نظر لها بفخر لجرأتها وقوتها. وانتقل بنظره لأشقائها ووجد بهم مازرعه بهم منذ شهور.. القوة والصلابة.

"تمام يا بنتي.. يطلع النهار.. وتكونوا حضرتوا حالكم.. هشيع لجدك المرسال.. بس الأول.. خدوا دول." "إيه دول يا جدي؟ "حصنكم الحصين من الشر والشياطين.. حجابكم الحاجب.. عن الأذى والسحر بتوع سعدية.. انتوا هتخشوا جحر الشياطين.. ولازمكم تحويطة." أمسكتها سلمى تنظر لها بيديها مستغربة. "فيه إيه الحجاب دا يا جدي؟

"دي آيات قرآنية.. بتحجب عين الشياطين والسحرة.. يأجل ما تكونوا فريسة سهلة ليهم.. وما أوصيكم الصلاة والقرآن.. واعرفوا إني في ظهركم وعيني عليكم.. أما انتي يا فريدة.. أنا واثق من جراراتك.. وإنك هتاخديها بحكمة.. مع ذلك.. إني حواليكي.. هدخل.. في الوقت المناسب.. واسمعي يا بنتي.. جدك راجل حكيم.. بيحكم بالعدل وله هيبة.. والكل بيعمله حساب.. كل اللي هيعمله من حبه وخوفه عليكم.. فهماني يا بنتي.. اسمعوا لكلام جدكم.. ومدوا يديكم وخدوا حقكم من عين التخين.. وإني في ظهركم."

صعد الجبل ليلاً يطمئن عليهم بنفسه ويملي عينيه من جمالهم. ألا يقولون إن أعز الولد ولد الولد؟ هذا ما يشعر به وهم يلعبون بسعادة مع الخيول والماعز. لم يخشوه.. يبدو أنهم شعروا بحبه، كما يشعر بأنهم نور عينيه الذي عاد له بعد عمر عاشه بالظلام. إن كانوا أبنائها هكذا.. فكيف هي؟ "نده عليه.. سليم.. تعي يا ولدي." اقترب الطفل مسرعاً. "أيوه يا جدي.. مش انت كمان جدي زي جدي الراوي؟ "راشد بضحك.. جدك الراوي جوي جلبك.. جوي يا ولدي."

"سليم بفخر.. وبلهجة بدوية اعتادها منهم.. جوي جوي.. أومال.. نشج النار ومنخافش." "يعني مخافش مني يا وحش؟ "جدي الراوي.. حكالي عنيك وعن بطولاتك وعن حواديتك.. وجالي يوم ما تجابل جدك راشد.. ما تخافش منه.. وجاله الراوي.. صان الأمانة." "راشد.. بفخر.. يسلم فمك يا غالي يا ابن الغالية." اقتربت سيليا تتحسس لحيته الطويلة بدهشة. بجلبابها البدوي الصغير. فحملها على قدمه. "اسمك إيه يا جميلة؟ "سيليا.. بطفولة.. سيليا."

"راشد.. باستغراب.. واه.. سيريا." "سليم.. سيليا يا جدي." حاول نطقها مراراً وتكراراً، ويأس. "باااه.. معرفش يا ولدي. هي سيريا حلوة أكده؟ قضى نصف الليلة سعيداً معهم، وتركهم بأمانة وجده.. وهبط للبلدة.. إلى أن يحين اللقاء. انتصف الليل وهي بانتظاره.. بفستانها.. ببيته البسيط. فقير هو وبعينيها أغنى الأغنياء. زاهدة بالمال وكان هو لها زاد. تنهدت.. برعشة خفيفة.. وهي تستمع لصهيل جواده التي تعرفه أذناها، وهل تخطئ به؟

تميز خطواته ورائحته الفواحة، ولو عن بعد. فتح الباب ودخل هو. جسده المشتعل يتمنى لقياها هي. خطواته غصباً عنه أبطأت وهو يتطلع لمحياها الخجل. "عدنان.. بهمس.. يا ويلك يا عدنان." ناداها. "ساجدة." رفعت رأسها له بعيونها التي تخجله هو. عيون عابثة. عيون تتلاعب به. منذ أبصر عشقها.. وهي متلاعبه. أوقعته أسيراً لغمزاتها وضحكة محياها. "ساجدة.." "عدنان.." أجابها قلبه.. "يا عيون عدنان.. ويا ويل عدنان يا ساحرة."

اقتربت خطواته وأصبح مقابلها. يسألها.. يطمئن قلبه. "ساجدة.. ما حيلتي زاد ولا زاد.. فارس أنا رحال.. بتقبليني.. كيف ما أنا." حطت بيدها تكتم باقي حديثه.. لتريح قلبه. صرخت بوجه القبيلة كلها. "وجلت صدرك زادي وحنيتك زوادي.. ولسه عم تسأل يا عدنان." ابتسم لحديثها واطمأن قلبه. مد يده يزيح حجابها. ازدادت لمعة عينيه بفرحة كطفل أعطته أمه للتو حلوى. "شعرك كيف وهج النار.. يا ساجدة." "ساجدة.. بخجل.. عدنان."

أكمل غير عابئ بخجلها.. خاطفاً شفتيها بشفتيه برقة. رفع رأسه ناظراً لعيناها المصدومة.. مكملاً غزله بها. "وشفايفك كيف شهد الرمان." "ساجدة.. بخجل.. استحى يا عدنان." هبط لخصرها.. أزاح سترت فستانها.. وتأوه مقبلاً خصرها التي يحاوطه خلخال.. يصدر صوتاً مع ارتعاش خصرها من قبلاته. "أنت باسمه." "عدنان.. انتفض حاملاً.. إياها.. بشوق. كاتماً همساتها بشفتاه.. راجياً إياه الرحمة. هامساً بنشوة.. لها.. ارحمي عدنان.. يا جلب عدنان."

منتصف الليل.. بين ذراعيها.. هي.. تحتضنه كطفلها. تغيرت الأحوال. أصبحت نكبتها.. نكبته هو. يديها تعبث بشعره الحريري الذي ينسدل على وجهه. تدهدهه كطفلها هي. صباحاً احتضن آلامها.. والآن حان دورها. دموعه تنزل في خزي. همس بها. "ياسمين." قبلت رأسه.. وهمست. "نعم يا عابد. أنا تعبان أوي يا ياسمين." "حاسس إني ضهري انكسر. أنا مش مصدق.. أختي.. أنا تعمل كدا."

أغمضت عينيها بحزن عليه. منذ وصلته تلك الرسائل على هاتفه وهو بتلك الحالة. حزيناً.. ساهداً. هي تعلم من أرسله له انتقاماً.. ولكنها لن تخبره.. لن تزيد الأمر عليه. لقد منعته من الخروج وملاقاة أخته بصعوبة.. بعدما كان يقسم أنه سيقتلها. فتوسلته.. واستجاب لها كطفل صغير. ارتمي بأحضانها.. يحكي لها وتسمعه.

"ياسمين.. عابد.. اسمع ليها.. هي غلطت.. وللأسف ملقتش حد يوجهها. أنا واثقة فيك يا عابد.. عابد اللي قدر يحتويني ويفهم وجعي.. مش قاتل قاتله. عابد.. أختك محتاجالك.. تقف جنبها.. متقساش عليها." رفع رأسه.. شارداً بها. "هي.." ابتسمت له وسألته. "بتبصلي ليه كدا..؟ تنهد وأجابها. "بعد دا كله.. واللي عملوه في فريدة.. انتي اللي بتقولي كده." ابتسمت بسخرية. "اومال عايزني أقولك اقتلها؟

عارف فريدة.. كانت دايماً تقولي إن أمل صعبانة عليها أوي.. عارف ليه؟ عشان ملقتش حد يوجهها للصح والغلط.. يمكن لو فريدة مكنتش زاهدة في الحياة عندكم.. كانت قدرت تحتوي أمل وتنصحها.. بس في المجمل.. أمل ضحية يا عابد.. متختلفش عني وعن فريدة."

أغمض عينيه مستمتعاً بنبرة صوتها.. ببحتها المثيرة.. تلك المرأة تؤثر به.. وبجسده تعبث به فساداً.. مسيطرة هي عليه منذ التقاها. استطاعت امتصاص غضبه بهمسها وابتسامتها.. ويدها التي تعبث به فساداً. تنهد مغمضاً عينيه.. لأول مرة يذكر اسمها أمامه ولم يؤثر به. لم تكن حباً إذن.. أيسميها ماذا؟ بالدوار. "مساء.. يا كبير.. يا كبير.." "الحج يا كبير.. ست سلمي وسي محمد رجعوا.. ومعاهم واحدة كيف الجمر."

ارتعشت يد الجالس بجانبه وأسقط الكوب من يديه. فلمحه الجد بطرف عينه.. وابتسم.. بسعادة.. وثقة. "افتحوا البوابة ليهم." "ده بجد يا جدي؟ رجعوا لوحدهم؟ "جد الجد كومان." "سلمى رجعت." دخلت الدوار لأول مرة بحياتها. دارت بعينيها المكان.. وهي مازالت بسيارتها التي اشتراها لها الراوي من مالهم الخاص التي تركتها والدتهم لهم. ودار معها صراعها الداخلي. هنا رائحة والدها ووالدتها. تنهدت وقلبها يتأكلها على أبنائها.

لمحته قادماً بهيبة تشبه هيبة الراوي وأكثر. وبجانبه شاباً بجلباب صعيدي. همست سلمى بجانبها. "فهد.. فريدة.. هو دا فهد." أومأت سلمى بتوتر وهو يرمقها بنظرة مشتاقة. لم تخف عليها.. ولكنها استغربتها. "انزلي يا فريدة." نزل محمد وتبعته سلمى. واقتربا بلهفة. "جدي." "لا سلام بينا.. ولا كلام." رفع يده مشيراً بيده لمن خلفه.. فأتو مهرولين. آمراً إياهم. "اقفلوا البوابة.. وهاتوهُم." انصدمت سلمى ومحمد، وصرخت فريدة به.

"فين ولادي.. أنا عايزة ولادي." التفت لها.. بحسم. "انتي جيتي هنا بمزاجك.. يبقى تنفذي اللي أقوله.. وإلا مالكيش ولد عندنا." "يعني إيه؟ هتحبسنا هنا؟ متقدرش." "زي ما جبتك هنا.. أقدر.. يا بت الغالية.. خدوهُم." يومان مرا عليهما محتجزين إياهم. أملى شروطه عليهم.. وتركهم. أخرج محمد وحبسهم هم. "هنعمل إيه يا فريدة؟ هنفضل محبوسين كدا؟ "اشتاقت لهم.. قلبها يغلي عليهم.. لا يا سلمى هنوافق.. نادي على حد ينادي على جدك."

"موافقة تتجوزي حد متعرفيهوش؟ "اومال يعني أسيب ولادي؟ أشوف ولادي بس وبعدين يحلها الحلال." "بس أنا استحالة أتچوز فهد.. أنا بكرهه." "عشان خاطري يا سلمى.. وافقي دلوقت وبعدين يحلها الحلال." "أنا خايفة.. ده فهد بيكرهني أوي." "نخرج بس من هنا.. وأخد ولادي وبعدين يحلها الحلال يا سلمى." وافقتها سلمى وندهت عليهم تخبرهم بقرارهم. "إيه اللي بتقوله ده يا جدي؟ انت عايزني أتچوز بالطريقة دي؟ انت نسيت أصلاً إني متجوز."

"هتعصاني يا كيان؟ بنت عمتك انت أولى بيها.. ولو مربطتش بيك هتعود للراوي.. إني تعبت من الفراج يا ولدي.. طاوعني الله لا يسيئك." تلمعت عيناه بحزن. لثاني مرة سيخونها ويرتبط اسمه بأخرى.. سيصبح زوجاً لاثنتين وليست هي واحدة منهم. تلمعت عيناه بالدموع ومسحها مسرعاً بكف يده.. بعصبية. مغلوب هو على أمره.. كتب المحتجزة.. ليتزوجا.. وبعدها يحلها معها هي.. اهتدى تفكيره لذلك.. وأطاعه بصمت. لن يقدر على عصيانه. "أمرك يا جدي."

التفت الجد.. للجالس بسعادة.. لم يستطع مداراتها فضحك عليه. "واااه يا فهد.. كأنك سعيد مش مغصوب ياااك." "هااا.. لا.. يا جدي ولا حاجة.. أمرك." "طب يلا.. عايز ليلة من ألف ليلة وليلة.. اليوم فرح أحفاد راشد.. الليلة عيد." "أمرك يا جدي." تدور بالغرفة ذهاباً وإياباً، يتأكلها الغيظ. إلى أن دخل هو عليها. اندفعت عليه. "كيان.. انت فعلاً هتعمل.. زي ما جدي بيقول.. هتجوز بنت نادية دي.. طب وأنا؟ هتجوز عليا."

نفض يدها.. بحدة.. متذكراً فعلتها وما حدث بينهم. تذكره بدناءته. وببرود أجابها. "آه.. عندك مانع.. وبعدين مالك زعلانة ليه.. تكونيش بتحبيني ولا حاجة." "انت عارف إن الحب مش في قاموسي.. بس أنا مبحبش حد يشاركني حاجة بتاعتي." التف بغيظ منها.. ويده حطت على وجهها بحدة.. صارخاً بها. "أنا مش بتاع حد.. فاهمه.. وأوعي تفكري إني بدخولي عليكي.. هيتغير حاجة."

"أاتجوز.. بس بردو هيفضل قلبك محروق عليها هي.. وبغل أكتر.. عارف أنا ببقى مبسوطة.. وأنا شايفة كدا حزين ومحروق قلبك.. وانت لا طايل سما ولا أرض.. ولو رجع بيا الزمن تاني كنت قتلتها قدامك وشفيت غليلي.. سنين عايش على ذكراها.. كأنها محور الكون.. وانت شهريار.. اتجوز غيرها.. المهم مش هيااا.. المهم أشوفك متعذب كدا." دفعها بيده.. صارخاً بها. "غوري.. انتي إيه شيطان.. شيطان.. أنا إزاي كنت معمي على عيني وعملتك اختي وحكيتلك.. غوري."

تقف بتلك الغرفة المظلمة.. تحاول وتحاول.. لا تستطيع. خارت قواها وارتعش جسدها.. وفشلت في إلقاء تعويذاتها عليهم. "هقتلكم يا أولاد نادية.. هقتل نسلكم وسلسالكم." استمعت للطبل والزمر.. معلناً بدء الاحتفال.. وضرب النار.. آتٍ من الخارج. وضعت يدها على أذنيها صارخة بشيطنة. "أحضروا.. أحضروا." ارتعش جسدها من فرط المحاولة.. وغابت عن الوعي.

مساء.. بعدما رفضت فريدة النزول للاحتفال.. وأجبرت سلمى على النزول.. تم كتب الكتاب.. ووقعت هي ولم تلحظ على ماذا وقعت. قلبها يؤلمها على أبنائها.. دموع عينيها غلبت عليها.. ستقتلهم جميعاً.. إن حدث لهم شيء.. حتى حينما أخذهم والدهم منها.. هناك لم يطول فراقهم هكذا لثلاثة أيام. بكت وبكت.. وسالت زينة عينيها.. التي وضعوها لها جبراً. لم تلحظ أن صوت المزمار الآتي من الأسفل أغلق منذ فترة. أفكارها الشاردة.. البعيدة.. بأبنائها فصلتها عمن حولها. هي هنا بغرفة أخرى.. يدعي زوجها.. وأين هم؟

لم تلحظ باب الغرفة الذي فتح وطل هو منه باحثاً بعينيها عمن أصبحت زوجته.. ابنة عمته التي أوصته عليها مراراً وتكراراً.

وجدها تجلس بجانب الفراش أرضاً ترتدي الأسود وشعرها الأسود.. كملابسها يغطيها.. تخفي رأسها بين قدميها. تنحنح.. فرفعت رأسها.. وياليتها ما رفعت. جحظت عيناها.. وكذلك فعل. ارتد بصدمة للخلف.. مبتلعاً حروف اسمها بجوفه. مرت دقائق ومعها اشتعلت حرب النظرات. أحدهما مشتاق.. وأخرى حاقدة كارهة. اقترب منها لا يصدق عينيه التي تبصرها.. هي.. هنا.. أمامه. دار بعينيه بجوانب الغرفة بصدمة. هي هنا بالفعل.. عيناها الجاحظة الغارقة بدموعها.. عيناها.. واه من عيناها.. هل يخطئها يوماً؟

هي.. فريدة.. فريدته هو.. ابتلع ريقه.. بصعوبة.. بفرحة يملؤها الغصة.. بعد تلك السنوات.. وذلك الفراق.. الطويل.. عمراً طويلاً.. طويلاً جدا. تيبست قدماه وصدمته هي.. باندفاعها إليه.. تهزه.. بحدة.. تضربه بكل قوتها.. تستقوي على قلبه وتغرز به سبابتيه.. تصرخ به بأناتها وعذابها. "فين ولادي.. ولادي يا كيان.. هقتلك يا كيان لو مرجعتليش ولادي."

جحظت عيناه بصدمة بعدما ربط الخيوط أخيراً ببعضها. هي.. فريدة تلك.. كفريدة هذه.. تلك التي التقطت سلاحها ببراعة من بين ثنايا ثيابها.. تهدده به.. حبيبته.. الغائبة.. وزوجته.. رفعت يديها وأصابت هدفها.. بمهارة.. مهارة شديدة. يا غائبة.. يا عائدة.. يا عمراً راحلاً وعمراً آتياً.. يا وهج من نار عاد لاهباً. أقسى.. افتعلي بقلبي جرحاً دامياً.. إن كان قتلي.. بيديك يرضيك.. فأنا يا عمري راضية.. راضية.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...