الفصل 4 | من 16 فصل

رواية ركان الفصل الرابع 4 - بقلم حنين ابراهيم

المشاهدات
22
كلمة
1,235
وقت القراءة
7 د
التقدم في الرواية 25%
حجم الخط: 18

كان ركان يقف في عزاء والدته، جسدًا بلا روح. كان أهل البلد يقبلون عليه بكلمات المواساة والتعازي، ولكن هو كأنه في عالم آخر، ينظر لهم باستغراب. "من هؤلاء؟ ما الذي يتحدثون عنه؟ من الذي مات؟ أين أمي؟ قالت إنها ذاهبة لإنهاء موضوع وستعود."

"اليوم هو اليوم الثالث من سفر أبي، هذا موعد رجوعه. لعل أمي ذهبت للسوق لشراء اللحم، تعرف أن أبي يحبه، سيحب أن تعد معه يخنة، هو يحب أكل أمي خاصة عندما يعود متعبًا من العمل، هي لن يهون عليها أن تراه متعبًا ولا تسعده بطبق لذيذ من يديها." "كم الساعة الآن؟ ركان وقف كمن تذكر شيئًا. انتبه له عم محمد: "رايح فين يا ابني؟ ركان بضياع: "عم محمد، هي الساعة كام عندك؟ هو مش ده وقت خروج سيلا من المدرسة؟

أنا لازم أكون هناك دلوقتي، هي هتكون مستنياني." عم محمد شعر بغصة من حالة ركان. "ركان يا ابني، استهدى الله. أنا عارف إن اللي حصل مش سهل، بس أنت لازم تكون أقوى من كده. لما هتلاقوا سيلا بإذن الله، هتحتاجك أنت وأبوها عشان تهونوا عليها فقدان والدتها." ركان بغضب وهستيريا: "أنتم بتقولوا إيه؟

أنا ماما كويسة، هي راحت للسوق وراجعة عشان بابا جاي النهاردة. أنا هروح أجيب سيلا عشان نتلم كلنا على السفرة. أنت عارف سيلا بتحب تاكل من إيد بابا، مكانتش بتحب لما يغيب." كان صوته يبدأ بالاختناق تدريجيًا من أثر الدموع: "أنا هروح أجيبها النهاردة، هتفرح أوي لما تعرف إن بابا رجع من السفر." أخذه عم محمد في حضنه وهو يبكي. ركان كان ساكنًا بدون ردة فعل لفترة، ولكن فجأة بدأ بالصراخ: "مامااا! آآآه! ليه؟ لييه؟ ليه تسيبنا وتمشي؟

أنتي قولتي إنك راجعة، ليه تعملي كده؟ عم محمد حاول مواساته: "وحد الله يا ابني. إنا لله وإنا إليه راجعون. خلي إيمانك بربنا كبير." ركان لم يكن يستمع، فقد بدأت كل خلية من دماغه بالإنهيار. عقله لم يتحمل كل ما حدث: إختفاء أخته، سجن والده، موت والدته... وأي ميتة. بدأ بفقدان الوعي، ولكن ذاكرته بدأت باستعادة أحداث آخر لحظاته مع والدته.

السيارة المسرعة ومن كان بداخلها. لقد كانت ثواني معدودة، لكنه يكاد يقسم أنه رأى ابتسامة انتصار بعد اصطدامه بوالدته. الضابط الذي جلس أمامه وقاس نبض والدته، لقد ناداها باسمها لأنها كانت عنده قبلها بلحظات. التفت إلى أمناء القسم والضباط ليسألهم عن الفاعل، ليشيروا له أن أحد زملائه لحق به. ركب سيارته مسرعًا وهو يكلم زميله ليخبره بمكانه ليلحق به. كان ركان مع والدته في المستشفى، يمشي كمومياء بين أطباء وعم محمد وهم يخرجون

تصاريح الدفن. دخل بعض ضباط الشرطة مسرعين وهم يجرون النقالة مع الممرضين. خمس ثوانٍ التي مروا فيها من أمامه كانت كافية ليرى وجهه ويتعرف عليه، إنه نفس الضابط الذي اشتكت له والدته وكانت ستقدم له الأدلة. فلا حادثها كان عرضيًا، ولا الضابط قُتل على يد المجرم فقط لينفذ بجلده، هذا ما يعرفه وهو متأكد منه.

فقد ركان وعيه بين يدي عم محمد، هربًا من الواقع بشكل مؤقت، ليستيقظ على همسات من عم محمد وهو يقول بحيرة وحزن: "أبلغه إزاي بس؟ ده لسه ملحقش يفوق من الصدمات اللي قبلها." لتجيبه زوجته: "يعني هنخبي عليه؟ مهو لازم يعرف إن أبوه لما سمع باللي حصل لمراته مستحملش وقرر يحصلها. كلنا في البلد شاهدين كانوا بيحبوا بعض إزاي وكانوا شايلين بعض في الحلوة والمرة. الراجل يا عيني ما استحملش يوم من غيرها."

"أسكتي شوية يا ولية أحسن يفوق في أي لحظة ويسمعك. أنا هدخل أطمن عليه وأنتي حضريله حاجة ياكلها." "حاضر يا خويا." قالتها العجوز ودخلت للمطبخ تطلب من أحد بناتها إعداد الأكل للضيف. بينما محمد دخل للغرفة ليجد ركان ينظر للسقف بملامح جامدة، حتى عيونه لم ترمش للحظة. أخافه محمد منظره، فقد ظن أن قلبه قد توقف من هول ما أصابه. فأي طفل سيتحمل ما يمر به ركان؟ اقترب منه بخوف: "ركان؟

التفت له ركان ببطء، ملامحه مازالت جامدة، عيونه لم يعد فيها أي حياة. محمد بصوت حنون: "قوم يا ابني تاكل معانا." ركان دون أن يلتفت: "مليش نفس." "حرام عليك يا ابني اللي بتعمله ده، مش هيرجع اللي راح." استمر محمد في الحديث وركان على وضعه لم يتحرك ولا يستمع. بعد أن فقد الأمل، تركه وغادر بعد أن وضع صينية الأكل التي أدخلتها زوجته، لعله يجوع ويأكل منها.

بعد أيام، استيقظ ركان من سباته المعتاد الذي يهرب به من واقعه، وسمع محمد وزوجته يتناقشان حول وضعه. "وبعدين يا سي محمد، هتعمل إيه مع الولد؟ هتشوف حد من أهله ياخده؟ محمد بامتعاض: "أهل مين يا ولية؟ انتي ناسيه إن أبو وأم عدنان متوفين وندى نفس الوضع، وماكنش عندهم إخوات. حتى أخو عدنان متوفي من سنين." سنية: "طب معندوش ولاد أخ أي حد من قرايبه يتكفل بيه؟ محمد: "معرفش حد، لأن محدش كان بيزورهم." سنية بعدم رضا: "طب والعمل؟

محمد بنفاذ صبر: "العمل في إيه؟ انتي إيه اللي مضايقك في وجوده؟ هو قاعد فوق كتافك؟ ما تسيبي الولد في حاله لحد ما ربنا يفرجها." سنية بنفاذ صبر: "وأمتى هيفرجها؟ وبعدين انت ناسي إن عندك بنت دلوقتي في سن مينفعش تتكشف على رجالة." محمد بطيبة: "بس ركان زي أخوها، وهما متربيين مع بعض."

سنية: "اديك قلتها زي. هو مش أخوها، لا آباءهم مشتركين ولا راضعين على بعض. وبعدين هي من ساعة ما جه وهي مش عارفة تدخل حتى الحمام براحتها غير لما تتأكد إنه في الأوضة، وتفضل لابسة الطرحة طول ماهي ماشية في البيت كأنها عايشة في بيت مش بيتها." محمد: "بطلو مبالغة، الولد لسه صغير." سنية: "صغير إيه ده؟ داخل الـ 13 سنة، يعني بالغ. واللي يمشي على الرجالة اللي مش محارم بنتك بيمشي عليه." محمد بعدم رضا: "يعني المطلوب مني إيه دلوقتي؟

أرمي الولد وهو في الوضع ده؟ سنية: "معرفش بقى، اللي تشوفوه مناسب إعملوه. أنا قلت أنبهك إن عندك بنت على وش جواز، ولو إحنا سكتنا واعتبرناه من العيلة، الناس مش هتسكت وهيطلعوا عليها كلام يوقفوا حالها." ركان تحامل على نفسه وسار نحو الباب الخلفي وخرج بهدوء دون أي كلمة. ضل يمشي في الطريق دون هوادة، عندما سمع صوت من خلفه ينادي باسمه. التفت لها ليعرف هويتها: "مدام حياة؟ حياة

ببعض التعب بسبب حملها: "أنا كنت عايزة أجلك من بدري بس واجهتني ظروف. البقاء لله، شد حيلك. هما في مكان أحسن دلوقتي. أنا عارفة إن الإبتلاء اللي بتمر بيه ده صعب، بس خليك متمسك بإيمانك بربنا وتصبر على ابتلاءاته." "نفس الحديث كل مرة. كل مرة نواجه أشياء صعبة، سيأتي شخص بوجه بشوش يقول لك ابتلاء، وإن الله يحبك وعليك أن تحمده." قاطع ركان كلامها، فهو ليس وقته ولن يغير من واقعه شيء. "عاملة إيه مع جوزك؟

طيبتك وصبرك خلاه يعاملك كويس زي ما ماما قالتلك؟ تفاجأت حياة من سؤاله ولم ترد. ركان نظر لها بابتسامة ساخرة بعد أن أوصل لها المعنى وراء سؤاله: "بالظبط. كلنا نعرف ننصح ونقول كلام موزون طالما مش إحنا اللي عايشين في المشاكل دي، وإحنا بنقبل النصيحة ونقعد نصبر نفسنا بالكلام ده."

غادر وترك حياة لصدمتها، ليس لأن معه حق أو لأن كلامه جرحها، بل لأن ابن أعز صديقاتها التي كانت ترشدها لطريق الصواب والحق، بدأ أول خطوة في الطريق المعاكس بعد موتها، ومن يدري إلى ما قد يرشده ذلك الطريق.

دخل ركان إلى بيتهم، كان المكان موحشًا بالنسبة له، فلا والدته هنا لتستقبله بابتسامتها المعهودة، ولا سيلا تركض وتغني في الأرجاء، ولا والده موجود يحتويهم في حضنه. بعد كل سفرة يخرج من جيوبهم كل ما اشتهوه، وأول من يتذكر بالهدايا والدته. ساقته قدماه إلى غرفة والدته وتوجه نحو الخزانة ليفتحها، بحث بين الملابس عن مفتاح ليأخذه ويفتح درج سري خلف الملابس مثلما أخبرته والدته، ليخرج آلة التصوير. شرد في شيء ما للحظات، عندما سمع صوت ضجيج في الخارج و...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...