إنتي بتعملي إيه هنا؟ قالها وهو يرى زوجته أمام المرآب الخلفي لبيتهم. نظرت له شرزًا: أنا اللي بعمل إيه، ولا إنتو كنتوا بتهببوا إيه في الكراج؟ أسرع يضع يده على فمها حتى لا يسمعها من بالمرآب: ششش، وطي صوتك، إنتي عايزة توديني في داهية؟ لتنزع يده بعنف: الداهية دي إنت اللي هتودي نفسك ليها لو كملت اللي بتعمله. انخلع قلبه وهو يسمع الرجل يسأل من الداخل: بتكلم مين عندك؟ همس لها برجاء: امشي من هنا ونتكلم في البيت.
ثم رفع صوته وهو يجيبه: مفيش حد يا معلم، أنا قولتلك دي قطة معدية من هنا وأنا بمشيها. كانت ستعترض على كلامه، لكنها سمعت خطوات من بالمرآب تقترب منهم، لتشعر بالخوف وتنصرف من المكان وتدخل لبيتها القريب. وقف الرجل وراءه وبصوت مهيب: جرى إيه يا عدنان؟ هتفضل عندك كتير؟ عدنان بتوتر: هاه، لا، أنا مشيتها وجاي أهو. دخل معه للمراب ليتفقا معًا على ميعاد نقل البضاعة من المرآب للمدينة بسيارة النقل التي يملكها عدنان.
ندى دخلت لغرفتها وهي تتنفس بسرعة كأنها كانت تركض في سباق. بعد أن هدأ روعها، أخرجت الكاميرا التي كانت تحملها وصورت بها من في المرآب خلسة. خرج ركان من غرفته يفرك عينيه من أثر النوم بعد أن سمع صوت ضجيج في الخارج، ليجد والدته تقف عند الباب وهي تضع يدها على قلبها من الخوف: ماما، إنتي بتعملي إيه في وقت زي ده؟ نظرت له ندى ومازالت علامات التوتر على وجهها: مفيش يا حبيبي، روح كمل نومك، بكرة عندك مدرسة ولازم تصحى بدري.
لم يلقِ بالًا لما يحدث، لذلك التفت عائدًا لغرفته وهو يتثاءب: ماشي يا أمي، تصبحي على خير. بعدها بساعة، عاد عدنان إلى البيت وعلامات الغضب بادية على وجهه: ممكن أفهم إنتي إيه اللي خرجك وجابك ورايا؟ ندى بانفعال: أنا اللي عايزة أفهم، إنت إيه اللي بتهببه في الجراج؟ إنت اتجننت؟ عدنان بنبرة كلها برود: أنا قولتلك قبل كده إني هأجره للبضايع عشان أكفي مصاريف العيال وأبني بيت كبير، إيه الغلط؟
ندى بهستيريا: إنت لما قولت بضايع، كنت فاكراك بتتكلم عن لبس أو حتى تخزن تبن لأصحاب الأراضي، مش ممنوعات وتدخل على البيت بفلوس حرام! عدنان: مين اللي قالك إنها حرام؟ أنا كل اللي عملته إني أجرت الجراج بملغ، اللي ماجره بقى حر يخزن فيه لبس، علف، أو غيره، أنا مليش دعوة. بعدم تصديق من الذي يقف أمامها كأنه شخص لا تعرفه: بذمتك إنت مقتنع بكلامك ده؟ تنهد عدنان بنفاذ صبر، أمسك بيدها وسحبها
لتجلس بجانبه على السرير: بصي يا حبيبتي، أنا نفسي أعيش وأعيش ولادي أحسن عيشة، والشغل مع الراجل ده هيحققلي اللي أنا عايزه. ابتسم وهو يخرج
رزمة من الفلوس أمامها: بصي، دول دفعة مقدمة لست شهور، هجيب بيهم لبس لركان وسيلة، وهشتري غنم وبقر ويبقى لنا راس مال وفوايد تعيشنا سنين قدام. الباقي هجيب بيه مواد البنا عشان هنبني بيت كبير زي ما كنا نحلم عشان نربي أولادنا بيه ويتعلموا أحسن تعليم ويلبسوا زي أولاد العز ومش هيبقى نفسهم في حاجة، مش ده اللي نفسك فيه؟ بالحلال، كانت تنظر له بعزم مستنكرة
أفعاله لتؤكد على كلامها: كانت نفسي ولادي يلبسوا ويعيشوا أحسن عيشة بالحلال، أما اللي في إيدك ده يحرم عليا أنا وولادي نصرف مليم منه. كانت ندى تمشي في الشارع بسرعة وركان يحاول اللحاق بها يحاول أن يثنيها عما ستفعله. يا ماما اسمعيني بس. ارجع للبيت يا ركان، أنا هخلص المشوار ده و أرجع. كانت تتكلم وهي تنظر خلفها حين اصطدمت بمن أمامها لتصرخ: حاسبي!
نظرت لها ندى بأسف لتعتذر منها. كانت ترتدي نقابًا، ولكنها تعرف تلك العيون جيدًا، فهي جارتهم وصديقتها في دروس التحفيظ في المسجد: أنا آسفة يا حياة، ما أخدتش بالي عشان مستعجلة. حياة بتفهم: ولا يهمك يا حبيبتي، عذراكي. ربنا يطمنك على بنتك وتلاقيها. آمين يا حبيبتي، ونيجي نزورك لما تولدي بالسلامة إن شاء الله.
قالتها وغادرت بسرعة. توقفت حافلة كانت مارّة أمامها وتركبها. كان ركان سيرافقها، لكنها أوقفنه بحجة أنه قد يصلهم خبر من أي شخص عن أخته، لذلك عليه التواجد بالبيت والانتظار. أنا هاجي معاك. لو في أخبار جديدة عم محمد موجود. كانت سترفض، لكن الحافلة كانت على وشك المغادرة وريان ركب بسرعة وأغلق الباب. لم يكن بيدها حيلة. كانت تعلم أن ما ستقوم به خطير، ولكن قد يكون أملها الأخير لإيجاد ابنتها بعد أن تأكدت من خطفها.
وصلوا إلى قسم الشرطة. نظرت حولها، كانت تمسك بيد ركان لتنظر له: ركان، خليك هنا جنب الكشك، هروح أخلص موضوع في القسم و أرجع. حاول ركان الاعتراض، ولكنها رفضت، ليجلس بجانب المحل الذي أشارت له والدته وهي دخلت للقسم.
بعد ساعة، خرجت وعلى وجهها ابتسامة. كانت تبدو أكثر راحة وكأنها عادت بأمل جديد. ابتسم ركان بتلقائية عند رؤية ابتسامتها. كانت متوجهة نحوه وهي تقطع الطريق لتبشره بما حدث. اختفت ابتسامة ركان عندما لاحظ سيارة متقدمة نحوها بسرعة كبيرة، ليصرخ بأعلى صوته: ماما، حاسب...
لم يكمل جملته، فقد كانت تلك السيارة أسرع ورفعت والدته من الأرض، ليقع جسدها على الأرض. فرت السيارة بنفس السرعة وركان واقف بصدمة كتمثال، كأن حركته شلت ببصر شاخص. والناس بدأت في الاحتشاد وبعض عناصر الشرطة يحاولون إبعاد الناس والاتصال بالإسعاف. فاق ركان على صوت والدته وهي تناديه: ر... ركان. تقدم منها بخطوات ثقيلة وهو ما زال في صدمته. كانت تحاول النطق: ال... الكاميرا في الرف ال...
سري اللي في الدولاب. كانت تتكلم بصوت متقطع. إنت لازم تكشفهم عشان نرجع أختك. ركان بدموع: هز رأسه. حاضر. بدأت تنطق الشهادة وركان يردد برفض: لا، لا، ماما، إنتي هتعيشي، مش هتسبيني صح؟ لم ترد والدته، ليزيد صراخه: ماما! سمع صوت من خلفه ينادي: مدام ندى. جلس على ركبتيه ليقيس نبضها ويردد بعد لحظات: لا إله إلا الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!