عندما سمعت ريم خبر وفاة والدتها بكت كثيراً، لكنها استسلمت أخيراً للأمر الواقع. على الأقل لن تكون وحيدة في هذه الدنيا. مضت بضع أيام وبدأ سليمان يشعر بدنو أجله. فقد أصيب بأكثر من جلطة في الفترة الأخيرة، لذلك قرر أن يختبر أقاربه الذين يأتون إليه لطلب المال، ومن منهم سيقف بجانبه إذا علموا بفقره، ليرى أي منهم يستحق أن يعطيه الميراث.
فقام بلعبة كبيرة وخبأ كل أمواله التي في البنوك، وكتب كل الشركات والمصانع باسم حفيدتها ريم. وطلب من المحامي أن يشهر إفلاسه لتكون الخطة محبوكة أمام الجميع، وادعى أنه أصبح فقيراً لا يملك شيئاً، وأن كل شركاته قد خسرت. لما علم أقاربه بالأمر، وبعد أن سألوا واتضح لهم أنه لم يعد يملك شيئاً كما أوهمهم، تخلى عنه جميعاً. ولم يتبق من أقاربه غير ابن أخيه ممدوح الذي ظل يتصل به ليواسيه، فقد كان خارج البلاد.
أما أخته وابنتها، فقلت زيارتهم جداً بعدما علموا بإفلاسه. ولكن ريم أخذت تهتم بالجد في كل أمور حياته من طعام ودواء، حتى بدأ جدها يتعلق بها. وقد ندم أشد الندم على ترك ابنه الوحيد في الشارع حتى مات من الفقر لأنه لا يمتلك ثمن العلاج، بينما هو يمتلك أموالاً طائلة. والآن قد هجره الجميع بعد أن أعلن إفلاسه المزيف، ولم يبق إلا حفيدته بجواره. بعد أسبوعين، جاء ممدوح من السفر وذهب لزيارة عمه. وأثناء سيره في القصر، اصطدم بريم.
قال لها: هل أنت عمياء؟ لماذا لا تنظرين أمامك؟ قالت ريم: لست عمياء، ولكني جديدة هنا. قال ممدوح: هل أنت الخادمة الجديدة؟ قالت: لا، أنا حفيدة السيد سليمان. قال: ماذا تقولين؟ عمي ليس لديه أحفاد. لقد تذكرتك أنت الفتاة العرجاء التي كنت تتسولين في الشارع. أنا أذكرك جيدا، فقد شاهدتك أكثر من مرة واشتريت منك زهرة لصديقتي. قالت: نعم، أنا بالفعل بائعة الزهور. قال: وكيف استطعت خداع عمي وإقناعه بأنك حفيدته؟
دخل سليمان البهو قائلاً: اذهبي أنتِ يا قمري الصغير، أتركينا بمفردنا أنا وابن أخي. قالت: حسناً، جد. ثم انصرفت. نظر سليمان لممدوح: لا يا ابن أخي، هي لم تخدعني وأنا جدها بالفعل، ووثيقة ميلادها تؤكد أنها حفيدتي. قال: ولكن يا عمي، ألا يجب أن تتحقق من الأمر جيداً؟ فوثيقة الميلاد ليست كافية لإثبات الشخصية، وهناك وسائل كثيرة تستطيع من خلالها التعرف على صدق الفتاة من عدمه، باختبار DNA مثلاً.
قال سليمان: لا أحتاج لأي دليل أو اختبار للبنوة. فشهادة الميلاد وصورة ابني وهو يحملها كافية لأتأكد من أنها حفيدتي، بالإضافة للون عيونها المميز الذي ورثته من أبيها. ويكفي هذا. فلن أسمع المزيد من هذا الهراء، ولا أريد أن يتكلم أي شخص في هذا الموضوع مرة أخرى، لا أنت ولا غيرك. فأنا من يتخذ القرارات هنا في بيتي، وأنت تعرف أنه لا أحب أن يناقشني أحد في قراراتي. قال ممدوح: أمرك عمي، حسناً. ما اسم الحفيدة الجديدة؟
قال سليمان: اسمها ريم، وتعني صغير الغزال. قال ممدوح: ولكنه غزال أعرج. قال سليمان: يكفي هذا، فلن أقبل أن تهين حفيدتي. قال ممدوح: آسف يا عمي، كنت أمزح فقط. دخلت ريم الغرفة فجأة،
ثم نظرت لممدوح: معك حق، أنا فعلاً عرجاء، ولكنه ليس ذنبي. فقد أصبت بالعرج بسبب المرض وضيق اليد، فلم يجد والدي المال كي يعالجني. أنا أتذكر ذلك اليوم جيداً، لقد كنت في السابعة من عمري وأصبت بالحمى، وبحث أبي عن عمل كي يكسب المال ليجلب لي الطبيب، ولكنه لم يجد. فحضر لجدي يطلب منه مالاً، ولكنه رفض لقاءه. ولكن الحارس أشفق عليه وأعطاه جزءاً من راتبه.
وعندما حضر للبيت برفقة الطبيب، كشف علي وأخبره أنني أحتاج لعلاج باهظ الثمن. ومع ذلك قرر أبي أن يشتريه لي. فأخذ المال الذي أعطاه له الحارس وهم بالخروج ليشتري الدواء، ولكن جاء صاحب العقار وطلب مال الإيجار المتأخر علينا منذ سبعة أشهر، وإلا سيلقي بنا في الشارع. فلم يكن لدى أبي خيار وأعطاه ما معه من مال، ولم يستطع شراء العلاج لي. فاشتدت الحمى علي، ثم أصيبت ساقي، ومن وقتها وأنا أعرج.
قال ممدوح: إنها قصة حزينة فعلاً، ولكنها غير مقنعة بالنسبة لي. قال سليمان: ولكنها لا تحتاج أن تقنعك بشيء، فأنا صاحب القصر وصاحب القرارات هنا. قال ممدوح: حسناً يا عمي، لن أناقشك في هذا الموضوع مرة أخرى، فالأمر يخصك ولن أجادل فيه. قالت ريم: يبدو أن الخدم أعدوا الطعام يا جدي. قال سليمان: إذاً هيا بنا. وقبل أن يجلسوا، طرق الباب ودخلت هند، الأخت الصغرى لسليمان، وابنتها نريمان.
قالت هند: أهلاً وسهلاً أخي، يبدو أن حماتي تحبني، فقد جهزتم الطعام. قال سليمان: بالطبع، تفضلي أنت ونريمان. جلس الجميع على السفرة. قالت هند: من هذه الفتاة المشردة التي تجلس معنا؟ نظر إليها سليمان بنظراته الحادة: إنها حفيدتي، وقال: ويجب أن تعاملوها باحترام، مفهوم؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!