تحميل رواية «صفقة حب» PDF
بقلم شيماء جوهر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أحيانًا الإنسان يكون أمامه كل شيء بين يديه، ومع ذلك لم يراها ولم يشعر به، تغيّر مجرى حياته للأحسن أو الأسوأ، دائمًا الاختيار بين أيدينا ومعظمه يكون سوء اختيار نندم عليه. لكن يجب أن يصطدم في شيء أقوى لكي نشعر بقيمته، لكن عندما تتحول المشاعر مجرد اتفاق لأغراض معينة.. هنا يجب أن نتوقف سوف تعكس الحياة رأسًا على عقب لدوامة متعبة حقًا. الساعة الثانية ظهرًا، موعد رجوع محمود إلى المنزل لتناول وجبة الغداء كالمعتاد بدلًا من تناولها بالشركة بمفرده، مع زوجته تهاني. توقفت السيارة أمام فيلا الإبياري لينزل منه...
رواية صفقة حب الفصل الحادي عشر 11 - بقلم شيماء جوهر
حاول عاصم مجددًا استرجاع سلمى بين يديه ولكن كل محاولاته باءت بالفشل. ظل يلاحقها في جميع الأماكن المقبلة عليها، وهي تضع بينها وبينه سدًا كبيرًا وسورًا عاليًا لا يستطيع تجاوزه.
وبالفعل وصل ما حدث لسمع حامد وهاشم، اللذين على حد علمها اشتد الأمر لبركان منصهر، لذا كان تدخل عاصم وبهذا الإلحاح الشديد كان أساسه رغبة والده حتى لا تتعطل مصالح الشركة والشراكة بينهم، لأن إتمامها يشترط هذا الزواج.
آخر مرة تجنبته سلمى، وكاد منظرهما أن يكون عرضًا ساخرًا لجميع موظفي الشركة، إلى أن شعرت بالإحراج تناولت حقيبتها ورحلت على الفور.
***************
في ذلك الوقت لم يتحمل هاشم ضغط حامد عليه، فكان حوارهما ساخنًا للغاية، به نبذة تهديد لضياع مصلحة الشركة من بين أيديهم فتكلم مع سلمى مرارًا وتكرارًا، ولكن لن تنسى قط ما حدث في أول مرة وهي تقص عليه ما حدث وهي في شدة انفعالها.
فظلت تنتظره بالساعات إلى أن أتى متأخرًا، فلن تستطيع تأجيل الموضوع للصباح الباكر على الإطلاق.
استقبلته سلمى وتركته قليلًا إلى أن يستريح في غرفة مكتبه، وعند مغادرته إياها وكاد أن يصعد درجات السلم وقف على نبرتها قائلة:
- بابا حضرتك هتنام؟
التفت إليها هاشم وقال بإجهاد:
- أيوه يا سلمى عايزة حاجة؟
تنهدت وهي تقول بجدية:
- آه، عايزة حضرتك في موضوع مهم جدًا.
رد هاشم وهو يبدأ في الصعود:
- بعدين يا حبيبتي أنا راجع مجهد وتعبان، بكرة الصبح هنتكلم براحتنا زي ما تحبي.
ركضت سريعًا إلى أن أصبحت خلفه، فقالت منفعلة وحزم:
- لا مش هينفع، الموضوع ميتحملش التأخير أبدًا، لازم تعرف قراري الأخير.
أدار وجهه بفضول واهتمام شديد، فالجملة الأخيرة أثارت ريبته فقال بتركيز:
- إيه اللي حصل؟
تنهدت بقوة وهي تستجمع قواها وشجاعتها لتقول:
- بابا أنا سبت عاصم.
نظر لها هاشم بقوة ولم يصدق ما تقوله، فقال بذهول:
- أنتِ بتقولي إيه! إيه اللي حصل أنتوا كتب كتابكوا قرب وجاية تقولي سبنا بعض!
سلمى بانفعال ردت سريعًا:
- أيوه لأني خلاص مبقتش قادرة أتحمل أكتر من كده، كل إنسان وله طاقة وأنا طاقتي خلاص بح.
تنهد هاشم بحيرة وحاول تمالك أعصابه ليفهم ما حدث، فقال بنفاذ صبر:
- يا بنتي أنتوا على طول كده تتخانقوا وترجعوا لبعض هي عادتكوا ولا هتشتروها، إيه اللي جد المرادي؟
لم تحتمل مقلتيها عما بداخلها بعد، لقد فاض بها الكيل فانفجرت بالبكاء وهي تقول منفعلة:
- اللي جد إنه خاين، أيوه خانني يا بابا ومتلبس كمان شوفته بعيني وهو.. مش عارفة أقول إيه.. ودي مش أول مرة.
هاشم جن جنونه لما سمع، فقال منفعلًا:
- مستحيل عاصم يعمل كده.
انفعلت سلمى وهي تقول:
- هو أنا هتبلى عليه يعني، أسأله بنفسك مع إني عارفة إنه هينكر.
تفاجأ هاشم وسلمى من وجود يوسف، الذي كان حاضرًا في منتصف الحوار وهو يقول باندفاع:
- المرادي مش هسيبه ومحدش يمنعني.
قلقت سلمى على أخيها ألا يدخله تهوره في مشاكل بخطأ صغير، سحبت منه هاتفه الذي سحبه من جيب سترته وهي تقول بخوف وقلق:
- لا يا يوسف، متوديش نفسك في داهية عشان حيوان زي ده، كفاية الفسخ هيضيع عليه الصفقة في الشركة.
قالتها وهي تنظر إلى هاشم بتحدي، الذي نظر إليها بدهشة وغضب، ثم أكملت حديثها قائلة:
- تعالى بس معايا.. يلا.
***********
سحبته عنوة وهي تصعد به درجات السلم إلى أن وصلا غرفته، دخلا وأغلقت الباب بإحكام. التفتت إليه بانفعال:
- إيه اللي كنت هتعمله ده، بابا كان لازم يتفاجئ باللي هعمله، كده كنت هتبوظ كل حاجة.
انفعل هو أكثر وهو يقول:
- سلمى أنا استحملته بما فيه الكفاية، وكل ما أجي أتدخل تمنعيني، ليه مش عايزاني أجيبلك حقك ليه؟!!!
صاحت به بغضب:
- لأن أبويا بجلالة قدره هو اللي وقعني في المصيدة دي ولا هيفكر إنه يطلعني عشان مصلحته تهمه أكتر، أجي أورطك أنت وأسيبك تتأذي بسبب واحد ميستاهلش؟ عايزني أخسرك يا يوسف؟!! أنت اللي باقيلي.
زفر يوسف بشدة وغيظ، فهي محقة لما تقوله، وفي الوقت ذاته يشعر بالأسف والعجز اتجاهها لعدم مقدرته على مساعدتها. هدأ من روعه قليلًا ثم قال:
- ناوية على إيه دلوقتي؟
أردفت سريعًا:
- ولا أي حاجة هروح الشغل عادي وهو يخبط راسه في أقرب حيطة، إن شاء الله تولع الشركة باللي فيها، خلاص كده حلو أوي.
تنهد يوسف بشدة ثم قال وهو يهم بالخروج:
- ماشي يا سلمى بس خدي بالك من نفسك، لو الحيوان ده اتعرضلك قوليلي.
ارتسم على وجهها بسمة خفيفة وهي تقول:
- متقلقش.
ابتسم وخرج دون إبداء أي كلمة.
عادت إلى غرفتها قلقة، بالرغم من قوتها وتماسكها بالخارج إلا إنها تشعر بالتوتر وعدم الاطمئنان من داخلها.
**************
في صباح اليوم التالي ذهبت سلمى إلى الشركة بثقة عالية، وهي على يقين بأنها تفعل المراد فعله منذ زمن. نعم بداخلها غضب كبير منه ولم تتحمل ما حدث، ولكن قررت أن تكون أقوى أمامه وأمام أي شخص يعترض طريقها.
شعوره بالغيظ الشديد تجاه معاملتها الجافة معه، لقد تحولت في يوم وليلة ولا يعرف كيف يحوزها كما يفعل سابقًا.
في منتصف اليوم عاد إليها كي يجد حلًا. قرع على الباب ودخل بعدها على الفور، رفعت رأسها عن حفنة الأوراق التي أمامها بعدم اكتراث وأعادت نظرها إلى ما كانت عليه.
اقترب وجلس قبلها ولم يزل نظره عنها، وهي لم تعيره اهتمام. كسر الصمت قائلًا:
- وبعدين يا سلمى.
ردت دون النظر إليه:
- وبعدين في إيه؟
قال بضيق:
- في الوضع اللي أحنا فيه ده.
نظرت إليه وهي تصيح بشدة:
- مش أنت السبب في اللي وصلناله؟ حد قالك تخونني وتبص لواحدة تانية، خلاص يا عاصم كفاية مبقتش قادرة أتحمل أكتر من كده.
قال سريعًا باستعطاف:
- يا سلمى أنا بحبك صدقيني.
قامت سلمى وتناولت حقيبتها، نظرت له بضيق وقالت وهي تهم بالخروج:
- آسفة يا عاصم مبقتش مصدقاك، كفاية كدب بقى.
تركته وأسرعت خطواتها وهو يهتف بكل عصبية ويطرق على سطح المكتب بعنف، وهو يفكر ماذا يفعل كي يلين عقلها.
**************
هم محمود بالخروج من مكتبه بعدما كان ينتظر الغداء كالعادة، قبل عودته إلى الشركة مرة أخرى. صدم بتهاني وهي تدخل بصينية القهوة.
نظرت له بغرابة على حالته، يبدو غاضبًا وليس على ما يرام، فأقبلت عليه متسائلة بقلق:
- مالك يا محمود مسهم كده ليه في حاجة حصلت؟
رد بوجه مقتضب:
- لا مفيش حاجة.
قالت تهاني بنفس النبرة:
- مفيش إزاي قوليلي حصل إيه؟
رد بنفاذ صبر قائلًا بجدية:
- مشكلة كبيرة في الشغل، طارق فين؟
أجابت تهاني وهي لم تفهم شيئًا:
- يا في النادي أو الشركة، بتسأل عليه ليه؟
صاح بها محمود وقال بجدية وحزم:
- في حاجة مهمة لازم يجيلي الشركة حالًا بعد ساعة.
أصاب القلق قلبها أكثر من قبل، فقالت باهتمام:
- طيب إيه اللي حصل؟!
تركها محمود وهي يقول باستعجال:
- لما أرجع أبقى أفهمك سلام دلوقتي.
تركها في حيرتها تنهش في عقلها قبل قلبها ولا تعلم ماذا يحدث حولها.
صعدت غرفتها وتناولت هاتفها كي تقوم بالاتصال بطارق وتخبره عما حدث.
**************
تركت الشركة وهي تشعر بالاختناق، قادت السيارة بعنف وهي تفكر في حديثه ولا تعرف كيف تقوم بتصديقه وإعطائه فرصة أخرى. كانت بحاجة إلى التحدث لأقرب ما لديها، فتوجهت إلى الكلية لرؤية نور.
جلست في الكافتيريا منتظرة إياها حتى تنتهي من المحاضرة، اتصلت بها وأتت إليها حيث جلست.
جلست نور قبلها وهي ترى ملامحها الجامدة فقالت بحيرة:
- إيه اللي حصل المرادي؟
ردت سلمى بحنق:
- مش عايز يسيبني في حالي أعمله إيه ده، كل شوية عمال يترددلي عشان أرجعله.
ردت نور بعد برهة من التفكير:
- تصدقي اللي زي عاصم ده مش هيتلم إلا لما يشوفك مع واحد تاني ويتأكد إنك خلاص مبقتيش من نصيبه.
رفعت سلمى حاجبها باستنكار وقالت بغير اقتناع:
- نعم! ارتبط تاني!! لا أكيد بتهزري.
تنهدت نور بحزن قائلة:
- ليه بس يا بنتي.. فكي بقى وعيشي حياتك أنتِ محبتيش عاصم أصلاً عشان توقفي حياتك عليه.
رمقتها سلمى نظرة غاضبة وهي تقول بضيق:
- مين ده اللي أوقف حياتي عليه بتستهبلي يا نور.
تنهدت في حيرة ثم قالت:
- أومال إيه بقى.
ردت بثقة:
- اللي يتلسع من الشوربة ينفخ في الزبادي، لا يمكن أكرر غلطتي مرتين.
زفرت بحزن وقالت:
- كده غلط مش كل الناس وحشة ولا زي بعضها، ربنا يقدملك اللي فيه الخير.
تنهدت سلمى وردت بهيام:
- يااارب بقى.
بعد قليل تلقت سلمى رنين هاتفها، تناولته سريعًا وقامت بالرد:
- ألو أيوه يا بابا.. في الكلية شوية وهطلع على الشركة.. خير في حاجة؟.. طيب طيب مسافة السكة.
أنهت سلمى المكالمة وظهر على قسماتها الاندهاش والحيرة.
تساءلت نور باهتمام:
- في إيه يا سلمى مالك؟
ردت سلمى ساهِمة وبنبرة هادئة:
- مش عارفة والله يا نور، بابا بيكلمني وبيقولي تعالي الشركة دلوقتي حالًا.
قالت نور باهتمام:
- إيه اللي حصل؟ في حاجة؟
تنهدت سلمى وهي تفكر في سبب استدعائها وقالت:
- علمي علمك، بس حاسة إن في حاجة حصلت.
قامت نور على الفور باهتمام:
- خير يا رب، طب يلا بينا.
قامت سلمى ورحلت هي ونور في طريقهما إلى الشركة.
**************
كالعادة يستيقظ طارق، إما أن يذهب إلى كليته لحضور محاضراته أو يتوجه إلى النادي ليلتقي بسارة وإيهاب.
وكالعادة تنظر له سارة بإعجاب شديد ونظرات غاضبة في الوقت ذاته أثناء اللعب. عند الانتهاء، ذهب بخطوات سريعة لتبديل ملابسه ثم عاد إليهم.
ما زالت سارة تتابعه بنظراتها الغاضبة وهو يتصنع عدم الرؤية حتى لا يثير الجدل، وهو في حالة طارئة لا وقت لديه.
فتحولت نظراتها الغاضبة إلى قلقة وهي تقول:
- مالك يا حبيبي مستعجل كده ليه؟!
اندهش إيهاب هو الآخر من عجالته وقال:
- مالك يابني، في إيه؟
رد طارق سريعًا:
- بابا عايزني في الشركة حالًا وصوته مش مريحني، أروح أشوف في إيه.
ردت سارة بقلق:
- إن شاء الله خير، ما تقلقش.
رد إيهاب سريعًا وهو غير مطمئن لهذه المكالمة:
- سوق على مهلك يا طارق وتبقى طمني عليك.
قال طارق متذكرًا:
- تمام، تبقى وصّل سارة في سكتك معلش يا إيهاب، عربيتها في الصيانة.
نظر سارة وإيهاب سريعًا لبعضهما البعض. ارتبك قليلًا وقبل أن يعتذر، نظر طارق إليهما وسبقه بالحديث قائلًا وهو يسير باستعجال:
- طيب سلام دلوقتي، نتكلم بالليل.
تركهم طارق ورحل على الفور، فتلك النبرة لا تبشر بالخير على الإطلاق.
قاد سيارته وأثناء الطريق كان يفكر عما قد يحتاجه محمود فيه وهو في هذه الحالة.
فظلوا على هذه الحالة قرابة خمس دقائق. مروا سريعًا وقاموا بالتحرك في هدوء بدون أي كلمة، دون أن ينظر إليها حتى، أما هي فكانت تنظر له بين الحين والآخر وهما يسيران بالقرب من بعضهما وما يفرق بينهما خطوات كبيرة، تنظر له في حيرة من طريقته معها.
**************
في ذات الوقت تقود سلمى سريعًا وهي تفكر. سمعت رنين هاتفها وردت على الفور بهدوء:
- أيوه يا بابا.
رد هاشم بجدية:
- أنتِ فين دلوقتي؟
اندهشت قليلًا من نبرته ولكنها تغاضت عنها وأجابت بهدوء كي تستوعب ما يحدث:
- في العربية مسافة السكة وهوصل.
استكمل حديثه بنفس الجدية:
- تعالي على شركة الإبياري.
اندهشت سلمى كثيرًا، فتساءلت سريعًا باهتمام:
- ليه؟!
ظهر في صوته بعض الانفعال، وصارت نبرته أكثر جدية وصرامة ليقول:
- تعالي وهتعرفي. يلا ما تتأخريش، سلام.
أنهت معه المكالمة باندهاش وهي تقول بعدم فهم وشرود:
- أوك سلام.
صمت عمّ عدة دقائق، فانحرفت بسيارتها وكادت نور في الوقت ذاته أن تستفهم ما حدث، وجدتها تسير في اتجاه معاكس. فقالت سريعًا:
- رايحة على فين؟ ده مش طريق الشركة.
ردت سلمى بهدوء:
- لا إحنا طالعين على الإبياري.
رفعت نور حاجبها باندهاش لتقول:
- شركتنا؟! إيه اللي حصل؟
قوست سلمى شفاتها للأعلى ورفعت منكبيها لتقول بقلق:
- مش عارفة، قلبي مش مطمن يا رب استر.
نظرت لها نور بعدم فهم وعمّ الصمت طوال الطريق، وفي خاطر كل منهن تساؤلات عديدة.
**************
يقود طارق بتوتر ويدعو الله أن كل شيء سيكون على ما يرام. وصلت سلمى وتقابلت السيارتان أمام مدخل شركة الإبياري.
تقابلت أعين الثلاثة في دهشة، خاصة بين طارق وسلمى بما لديهم خلافات عديدة سويًا، بالإضافة إلى عدم رؤية كل منهم للآخر وقلة معاملاتهم منذ فترة.
دخلت سلمى سريعًا كأنها لا تريد الحديث معه وطارق خلفها إلى أن صعدوا وتوجهوا لغرفة الاجتماعات.
قرعت سلمى الباب ودخلوا على الفور، اندهشوا من تجمع الجميع في ذات الوقت كأن ما يحدث مرتب له سابقًا.
هاشم ومحمود وعاصم بصحبة والده وبعض الأفراد المهمين بالإدارة للشركات الثلاثة.
مرت دقائق وفاقوا على صوت هاشم قائلًا:
- هتفضلوا متنحين لبعض كده كتير؟ ادخلوا اقعدوا.
انتبهوا الثلاثة لحديثه بشرود:
- ها!!
تقدموا بضعة خطوات وجلسوا في أماكنهم على الطاولة الخاصة. قالت نور بعدم فهم:
- في إيه اللي حصل؟
لا يعرف محمود من أين يبدأ، فتنهد بقوة وعمق. نظر إلى سلمى وطارق ووجه حديثه إليهم بكل جدية قائلًا:
- شوفوا واسمعوا كلامي أنتوا الاثنين.
تقابلت أعينهم سريعًا وضربات قلوبهم بدأت في الارتفاع. وبدأ القلق والتوتر يتسرب لقلوبهم وقسمات وجوههم يترقبون ما يحدث بشغف.
رواية صفقة حب الفصل الثاني عشر 12 - بقلم شيماء جوهر
حالة من السكون ومشاعر مختلفة منتشرة في أجواء المكان، من قلق وخوف واندهاش من وقت دخولهم إلى أن مرت دقائق، فافاقوا على صوت هاشم قائلًا:
- هتفضلوا متنحين لبعض كدة كتير؟ ادخلوا اقعدوا.
انتبه الثلاثة لحديثه بشرود:
- ها!!
تقابلت أعينهم سريعًا وضربات قلوبهم بدأت في الارتفاع، وبدأ القلق والتوتر يتسرب لقلوبهم وقسمات وجوههم يترقبون ما يحدث بشغف.
تقدموا بضع خطوات وجلسوا في أماكنهم على الطاولة الخاصة.
قالت نور بعدم فهم:
- في إيه اللي حصل؟
لا يعرف محمود من أين يبدأ، فتنهد بقوة وعمق. نظر إلى سلمى وطارق ووجه حديثه إليهم بكل جدية قائلًا:
- شوفوا واسمعوا كلامي أنتوا الاثنين.
تقابلت أعينهم سريعًا وضربات قلوبهم بدأت في الارتفاع، وبدأ القلق والتوتر يتسرب لقلوبهم وقسمات وجوههم يترقبون ما يحدث بشغف.
تنهد طارق وقال بقلق:
- خير يا بابا قلقتنا.
هاشم أكمل الحديث قائلًا:
- الخبر اللي وصل لي النهاردة الصبح أنا ذات نفسي اندهشت ومعرفتش أعمل إيه ولا أتصرف إزاي، كلمت محمود وجينا أتناقشنا في الموضوع بس القرار الأول والأخير ليكوا، وشوفوا أنتوا مصلحة الشركة فين.
تمتمت نور في نفسها بقلق قائلة:
- شكل الموضوع بدايته متطمنش أبدًا، ربنا يستر.
سلمى بعدم فهم:
- في إيه يا بابا مش فاهمين حاجة، جايبني على ملا وشي، وخبر إيه ده؟
بعد دقيقتين من الصمت نظر لها هاشم مطولًا ثم قال بجدية:
- جوازك.
اندهش جميع الحضور وبالأخص سلمى، التي رفعت حاجبها دهشة وقالت بعدم فهم:
- جواز مين مش فاهمة، جوازي أنا إزاي؟!
أجاب محمود بهدوء:
- طبعًا كلكم عارفين الشركة اللي بنتعامل معاها في صفقة الأدوية الجديدة.
سلمى بترقب وقلق خفي قالت:
- آه طبعًا، ودي مالها بجوازي؟
أكمل محمود بهدوء:
- الشركة دي حطت شرط مهم وغريب جدًا في العقد كنوع من توطيد العلاقات، ولو ما تنفذش مفيش ديل.
تعجب طارق من ربط الصفقة بزواج سلمى، فتساءل بفضول واهتمام:
- شرط إيه ده؟
زفر هاشم بقوة لأنه يعلم بأنه مثل الذي يلقي قنبلة، فقال بجدية:
- إن سلمى تتجوز من الشركة دي أو مفيش صفقة من الأساس.
نهضوا جميعًا بصدمة كبرى من تلك الجملة التي أتت لمسامعهم كالصاعقة.
نظرت له سلمى بحنق شديد والشرار يتطاير من عينيها وهي تقول بانفعال وغضب:
- إيه الكلام الفارغ ده!!
انفعل عاصم هو الآخر وهو يقول:
- على أساس إيه يعني، كيس جوافة اللي معاها؟
سلمى بانفعال وعدم تصديق واستيعاب قالت:
- أنتوا أكيد بتهزروا صح؟ جواز إيه ومن مين؟ إن شاء الله ما تمت الصفقة دي، لا لا.
تنهد محمود بأسى وهو يقول:
- الصفقة دي يا سلمى يا بنتي متوقفة على الشركتين، الإبياري والجوهري مساهمين بنص الأسهم، وأي خطوة الشركتين هينهاروا بالكامل.
ثم نظر إلى طارق الذي لم يتفوه بكلمة ولم يشارك برأيه، فقد الصمت يغلب حالته.
فقال محمود بجدية:
- ساكت ليه يا طارق؟
لم يكن طارق هو الآخر على استيعاب لما يحدث لسلمى، مشاعر متداخلة ومتضاربة بداخله، فانفعل وهو يقول بحدة:
- أتكلم أقول إيه!! أنا ضد اللي بيحصل ده، أنا مش فاهم دي مش صفقة دي مساومة.
نور بدموع لم تستطع أن تتخيل بأن الأمور سوف تصل لهذه الدرجة، فصاحت قائلة:
- لا يا جماعة أنا مش قادرة أستوعب، طارق عنده حق، دي لا يمكن تكون صفقة، لازم يكون في حل.
زفر هاشم بشدة قبل أن يتحدث، لأنه يعلم ما سيقوله بمثابة إلقاء قنبلة، فقال بجدية وصرامة:
- هو مفيش غير حل واحد.
جميع الأعين تطلعت عليه سريعًا، كأنه سوف يلقي لهم حبل النجاة، وهم على أعصاب ساخنة وفي اهتمام شديد.
حسمت نور وقالت سريعًا:
- ها خير يا أنكل؟
تنهد بعمق ثم قال بهدوء:
- طارق وسلمى يتجوزوا.
اتسعت عين سلمى دهشة وصدمة كبرى وقالت بانفعال:
- إيه الكلام ده؟
عندما سمع عاصم بأن سوف يأتي هذا الطارق ليأخذها منه وتضيع كل مخططاته كاد أن يجن، فصاح وقال:
- دي خطيبتي وقريب هتبقى مراتي، والشغل اللي بينا ده لعب عيال ولا إيه!!
سمعت سلمى كلمة "خطيبتي" وشعرت بالدم يغلي في عروقها، حينها تذكرت ما فعله بها وخيانته المستمرة لها، فصاحت به منفعلة وفجرت القنبلة الحقيقية في وجه طارق عندما قالت:
- خطيبة مين إن شاء الله!! ده كان زمان يا عاصم.
نظر لها طارق بصدمة كبرى ولم يستوعب بعد ما طرأ على مسامعه، هل انفصلت عنه حقًا؟! إذا متى وكيف؟!!
قطع أفكاره صوت هاشم وهو يقول بجدية وصرامة شديدة:
- مش وقته الكلام ده دلوقتي، ده الحل الوحيد ومينفعش أقول أكتر من كده، حاطين شرط الجواز، لو اتجوزتوا هنحطهم قدام الأمر الواقع وتتم الصفقة، وبكده تكونوا مخطوبين وفرحكم قرب، ما تنساش يا طارق إن شركتك كمان هتضر لو الصفقة دي ما تمتش.
ضحكت سلمى بسخرية وهي تقول بانفعال:
- حضرتك بتهزر صح؟! لا لا لا أنا أتجوز ده!! ده من المستحيل!!
نظر لها طارق بغضب شديد. رفع حاجبه وقال بانفعال وصوت عال:
- نعم! ده أنا من رابع المستحيلات يعني أنا اللي هرضى أتجوزك، إيه الجنان ده!!
عقدت سلمى ذراعيها وقالت لتحدي وعناد كبير:
- أنا مش موافقة، وعنها الصفقة دي ما تمت.
نظر لها طارق بحنق وقال بسخرية:
- أنا لا يمكن أوافق على المهزلة دي، ما ألاقيش غير الإنسانة العجيبة دي وأتجوزها.
شعرت سلمى بالغضب الشديد، فطرقت على الطاولة بكفها الصغير بكل عنف وصاحت بصوت عال:
- نعم ما تتكلم عدل يا أستاذ، عجيبة مين دي!!
هاشم فقد السيطرة على الاجتماع وشعر بالغضب الشديد هو الآخر، فقد تطور الأمر أكثر مما كان يتخيل.
فطرق على الطاولة بعنف أشد من ابنته جعلت جسدها ينتفض وصمت كل من في القاعة بقلق وترقب وهو يصيح بهم:
- بس أنتوا الاثنين مش عاملين أي حساب لينا.
شعرت سلمى بكسرة نفسها وحالها، تشعر بالعجز والضعف، فانفعلت وهي تبكي وصاحت به:
- هو أنا إيه مش بني آدمة من لحم ودم وليا إحساس؟ أنا لعبة في إيديكوا تحركوها وقت ما تحبوا، أنا آسفة يا بابا أنا قلت اللي عندي، عن إذنكوا.
حملت حقيبتها وركضت إلى الخارج سريعًا وهي في حالة انهيار تام، وركضت خلفها نور سريعًا.
تحرك طارق هو الآخر وصاح بعنف:
- مش هستنى أسمع أكتر من كده، جواز مش هتجوز، سلام.
الموقف لا يحتمل التفسير، الكل في قمة غضبه مما حدث، اكتفى عاصم بنظرة توعد منهم قبل أن يرحل ويترك الشركة.
وضع محمود يديه بين كفيه في ألم وغضب وحزن شديد على الشابين لا ذنب لهم فيما حدث سوى أنهم أبناء الإبياري والجوهري، فهو منذ البداية يرفض طريقة الزواج بمثل هذا الشكل والأسلوب، ولم يرد أن يضع أحد أبنائه في هذا الموقف الصعب.
أما عن هاشم فكل ما يشغل تفكيره حاليًا كيف لابنته الوحيدة أن تعصي أوامره، وضياع تلك الصفقة من بين يديه يعتبر بمثابة خسارة فادحة.
عندما تأتي السلطة والنفوذ على حساب الإنسان، تكون مثل السكين الحاد على رقبته، من الواضح أن عالم الأموال لدرجة أنه أحيانًا يجبر الإنسان أن يتحمل على نفسه أكثر من اللازم، يمكن أن يدهس ما أمامه حتى وإن كانت المبادئ للوصول لأعلى درجة ونيل المطالب والرغبات، ليكون أمامه خيار واحد الاستسلام للأمر الواقع أو بلغة القانون يبقى الوضع على ما هو عليه.
وهذه تكون النهاية المصيرية لأغلب الحالات التي تتشابه في مثل هذه، بمجتمع مفترس يهاجم غيره على حساب الآخر ليصل لهدفه ومصلحته، لكن لا تصل لتقييد حرية الإنسان وكأنه بدون قيمة.
قادت سلمى سيارتها بسرعة جنونية وهي في حالة انهيار شديد وبقمة انفعالها، أطلقت لعبراتها العنان لتسيل من مقلتيها مثل الشلال، لا تتضح فيه معالم وجهها الصغير.
لا تستطيع التفكير في تلك الورطة التي وضعت بها، هل ستستطيع على هذا القرار المصيري وتواجه هاشم بقرارها؟! إحساسها بالقيد والسجن داخل وجدانها زاد شعورها بالعجز وقلة الحيلة، تشعر بأن حياتها واختيارها بدون ثمن، بداية من قرار ارتباطها بعاصم، هل ستستطيع التخلص من هذه المشكلة أن تخضع وترضى بمصيرها وتتقبل الأمر الواقع؟!
قاد طارق سيارته بسرعة جنونية، لا يعرف إلى أين يذهب ولكن لأبعد مكان كي يصفى ذهنه.
هل في النهاية سوف يتزوج بهذه الطريقة؟ وخاصة من تلك الإنسانة العجيبة كما هو يراها، أم يخترع حجة جديدة كي يفر من هذا القرار؟ طارق كاد أن يجن مما سمع، لم يكن يتوقع في يوم من الأيام أن يتزوج بهذا الشكل مطلقًا، يشعر بأنه في حلم، بل كابوس، ولكن يبدو إنه لن يستطيع الفرار بأي حجة، لأن الوضع صار أكبر من حجمه، أكبر من الحجة ذاتها.
حالة لم يختلف الكثير عن سلمى، ويمكن أن يكون وضعها هي أصعب، الشعور الذي يتمكن الإنسان منه كأنه عروسة لعبة مربوطة بخيوط، يلعب ويتحكم بها صاحبها في أي وقت وأي مكان.
يحتاج لشخص قريب منه يحكي له ما حدث ويثثر عما بداخله كي لا ينفجر من كثرة الكتمان والغضب.
وبالفعل قام بالاتصال إلى أن أتاه الرد، فقال طارق بهدوء:
- ألو أيوة يا إيهاب.
صاح به إيهاب:
- أنت فين يا ابني؟
طارق بشرود قال:
- مش عارف سايق العربية وخلاص.
اندهش إيهاب من نبرة صوته، فقال بتساؤل وترقب:
- في إيه مال صوتك!!
رد طارق وهو يفك رابطة عنقه بضيق:
- مخنوق شوية.
صاح إيهاب بقلق:
- حصل إيه؟
تنهد طارق وقال بهدوء:
- مينفعش في التليفون، قابلني في كافيه...
رد إيهاب بهدوء واهتمام:
- تمام نص ساعة وهكون عندك.
أنهى طارق المكالمة بهدوء:
- أوك سلام.
دقائق ووصل طارق الكافيه ليقص له ما حدث، يشاركه تفكيره لحل يستطيع منه الخلاص من تلك المشكلة، ودار بينهم حوار طويل.
إيهاب بقلق:
- أنت يا ابني مالك؟
أجاب طارق بحنق:
- أنا في مشكلة ومش عارف أتصرف فيها إزاي.
صاح به إيهاب بقلق:
- أتكلم قلقتني.
نظر له طارق وقال بهدوء:
- أبويا عايز يجوزني بالعافية يا سيدي.
نظر له إيهاب باستهجان وهو يرفع حاجبه بدهشة، ثم قال بعدم تصديق:
- نعم!! إزاي!!
وسارة هتعمل معاها إيه؟
طرق طارق بعنف على سطح الطاولة وهو يقول بانفعال:
- مش عارف أنا هتجنن من القرار اللي ظهر ده، مستحيل أتجوز بالطريقة دي.
رد إيهاب وتساءل باهتمام:
- وهي مين دي اللي عايزك تتجوزها؟
زفر طارق بشدة وهو يقول بحدية:
- سلمى الجوهري.
طرق إيهاب على الطاولة بصدمة كبيرة ودهشة، فلم يصدق ما سمعه للتو. صاح به بغير استيعاب:
- إيه بتتكلم جد؟! سلمى!
نظر له وابتسم بسخرية وهو يقول:
- تخيل آخرتها هتجوز الإنسانة العجيبة دي، مش ممكن.
إيهاب بشعور غريب يراوده، فتطلع إليه بغرابة وهو يقول:
- مش سلمى مخطوبة بردو؟
زفر طارق بشدة وهو يقول بحنق:
- أيوه يا سيدي والمفروض كتب كتابها كمان أسبوعين.
ما زالت الدهشة تحتل وجهه ولم يفهم بعد ما حدث، فقال بتساؤل ودهشة:
- ده اللي هو إزاي يعني؟ إيه سبب القرار المفاجئ ده؟
تنهد طارق ثم قال:
- بص يا سيدي...
قص طارق شروط الشركة وما حدث في الاجتماع.
إيهاب بعدم تصديق قال:
- يا نهار أبيض، أنا قلتها لك من أولها، شامم ريحة جوازة مصدقتنيش، طب وبعدين هتتصرف إزاي؟
صاح به طارق بغضب:
- ما تفكر معايا يا ابني أعمل إيه في الورطة اللي أنا فيها دي؟ أومال أنا جاي لك ليه؟!
رد إيهاب بتفكير:
- ما أنا بفكر أهو، بحاول أوصل لحل.
انفعل طارق بشدة وهو يقول بعنف وغضب:
- مش عارف، المشكلة أن الصفقة دي بملايين، أكبر صفقة اتحاد لثلاث شركات، شركتنا وشركة الجوهري وشركة أبو عاصم، وحاطين فيها معظم أسهم الشركات، تخيل بقى أنا هتجنن ليه؟ أنا مش عارف بجد إيه القرار الغريب اللي أخذوه ده! هو أنا يوم ما أتجوز يبقى بالطريقة دي!
تمهل إيهاب بحيرة وهو يقول:
- اهدى بس، كل مشكلة ولها حل. بتفكر تعمل إيه؟
رد طارق بتفكير وانفعال:
- مش عارف بجد، مش معنى إني كنت متعاطف معاها في الأول قبل ما أعرفها إني أتجوزها! مش شايف بتعاملني إزاي!
زفر إيهاب وقال بهدوء:
- هدي أعصابك طيب، العصبية ما بتجبش فايدة أبدًا. شوف يا طارق، أنا بعد ما فكرت في اللي حكيته لقيت جوازك من سلمى مترتب عليه حاجات كتير أوي.
زفر طارق بضيق وقال بعنف:
- عارف مصير الثلاث شركات وخسارة كبيرة جدًا عليهم لو الموضوع ده ما تمش، هو ده اللي فكرت فيه.
أضاف إيهاب بجدية وتأكيد:
- مش بس كده كمان، في عائلات الموظفين اللي شغالين هيتشردوا هما كمان بسبب عدم تنفيذ القرار ده. عندك حل غير كده؟ مستقبل الشركات دلوقتي في قرارك، أنت وسلمى يا توافقوا يا ترفضوا.
نظر له طارق بصدمة وعدم استيعاب لمصيره المحتوم وهو يقول بعنف:
- لازم يكون فيه كده، هتظلم سارة معايا بجوازي من سلمى.
تنهد إيهاب بضيق وأكمل بجدية وتأكيد:
- وسلمى كمان هتتظلم بجوازها منك.
طارق بانفعال طرق على الطاولة بعنف:
- أنا مش عارف بيفكروا دول إزاي، ما فكروش فينا احنا حتى!
إيهاب منزعج للغاية على الحالة التي بها صديقه، ولا يعرف ماذا يفعل كي يساعده، ربت على يده بهدوء وهو يقول:
- هدي نفسك يا طارق، اقعد مع نفسك في هدوء وإن شاء الله هتلاقي مخرج للمشكلة دي.
عاد طارق يرد بتفكير:
- طب وسارة أعمل فيها إيه؟ أوصلها الخبر إزاي؟
إيهاب بعد تفكير قال بحماس:
- ما فيش غير حل واحد بس.
طارق بلهفة صاح به قائلًا:
- إيه هو؟ اتكلم.
استطرد إيهاب بجدية بالغة:
- تتجوزها...
قاطعه طارق بسرعة قبل أن يكمل حديثه، فتلك الجملة جعلته يوقف السيارة جانبًا وهو يصيح به بغضب:
- أنت اتجننت يا إيهاب! بقولك احنا الاثنين مش طايقين بعض، ويعتبر ضاربين بعض بالجزم، تقول لي أتجوزها!!!
كان إيهاب متوقع رد فعله، تمهل ثم أكمل بهدوء وجدية:
- اهدى بس يا عم، هو أنا لسه خلصت كلامي؟
زفر طارق بحنق شديد وهو يقول بغضب:
- ها يا سيدي كمل هتقول إيه.
استطرد إيهاب حديثه بنفس الطريقة:
- تتجوزها بشكل مؤقت لحد ما الصفقة تخلص، وساعتها ممكن تسيبها بعدها.
بدأ طارق أن يهدأ من روعه قليلًا، فقد نالت الفكرة إعجابه. ولكن رد بعد تفكير ليقول:
- امممم هي فكرة بس سارة هقولها الخبر ده إزاي؟ أنا بحبها وكنا هنتجوز بعد التمهيد.
تنهد إيهاب بحيرة، حاول العبث في ما يدور بداخله ليقول:
- أنت متأكد إنك بتحبها بجد يا طارق؟ أنت عارف أن الصفقة دي متوقفة عليها ثلاث شركات كبيرة وكل شركة بنص أسهمها وأنك ماسك أرواح ناس بتشتغل فيهم بقرار واحد منك أنت وسلمى مترتب عليه.
تمهل طارق بإرهاق وحيرة ليقول:
- أنا تعبت من كتر التفكير بجد، بحبها بجد ولا... والشركة فعلًا عندك حق، أرواح ناس كتير متعلقة بالموضوع ده.
إيهاب بحماس:
- يبقى خلاص، عندك حل ثاني؟
رد طارق بحنق:
- لا ما فيش، بس نفكر ثاني، أنا هتشل، هعرض الموضوع ده على سلمى، ما أعرفش رد فعلها هيكون إيه، دي مجنونة وممكن تطلع خلقها عليا.
أدار طارق محرك السيارة من جديد، وهنا بدأ يهدئ من سرعته.
طوال الطريق وهو يفكر باقتراح إيهاب، ولكن لا، لن يستطيع تحملها لحظة واحدة، ويجب أن يجد طريقة أخرى.
عادت نور مع سلمى إلى الفيلا، فلن تستطيع تركها وحيدة في مثل هذه الحالة. ولكن مع إلحاح وإصرار سلمى بالمكوث بمفردها، فهي أكثر وقت تحتاج إلى ذلك.
اضطرت نور تركها وهي غير مطمئنة على هذا القرار، ولكن حقًا لها أن تفكر بمفردها.
جلست على فراشها وهي تضم ساقيها إلى صدرها، دفنت وجهها بينهم وهي تبكي بحرقة على الحالة التي وصلت إليها. أصبحت دون أن تدري في مزاد من أجل السلطة والأموال، هل ترضى بالفعل الزواج من طارق والاستسلام للأمر الواقع؟
لم تتحمل نور الانتظار أكثر من ذلك. دخلت غرفة سلمى وجلست بجانبها وهي تربت على منكبيها بحنان، بمجرد أن ضمتها إلى صدرها شرعت سلمى في البكاء أكثر.
تعلم جيدًا بأن مهما قالت لن يفيد، لن تداوي جروحها وأحلامها، ولكن محاولة منها لتخفيف ما بها.
نور بحزن:
- كفاية كده يا سلمى، العياط مش هيفيد بحاجة.
ردت سلمى بدموع وقلة حيلة:
- أعمل إيه يا نور؟ على الأقل الدموع بتريحني.
تنهدت نور وقالت بحنق:
- كل مشكلة ولها حل، مش عارفة إيه القرار الغريب اللي أخذته الشركة دي، هو أنت ناقصة!
ابتسمت وقالت بسخرية:
- طب أعمل إيه ما فيش في يدي حاجة.
نور بتفكير:
- طب إيه رأيك ما توافقي على طارق؟
نظرت لها سلمى بحنق وانفعلت عليها قائلة:
- أنت بتهزري يا نور، هو أنا بطيقه ولا هو بيطيقني أصلًا؟ ناقصة أنا عجرفته.
ابتسمت نور وهي تقول:
- طارق مش وحش أوي كده، ده أخويا وأنا عارفاه كويس يا سلمى، أنت بس اللي طريقتك معاه خلته يتعامل معاك كده.
نظرت لها سلمى بأعين دامعة وقالت:
- أعمل إيه من اللي شوفته يا نور؟
وانتفضت في البكاء الشديد مرة أخرى، ضمتها إلى صدرها أكثر وأدمعت نور على حالها الذي لا يرثى له وهي تقول:
- إن شاء الله خير، اللي عايزه ربنا هيكون.
ظلت بجانبها حتى غفت تمامًا، قبلت جبينها وهي تنظر لها بحزن وخرجت.
في ذلك الوقت بعد ذهابهن حاول يوسف عدة مرات الاتصال على أي منهن، لن يجد سوى الرسالة المسجلة "الهاتف مغلق أو غير متاح". ظل القلق ينهش في قلبه عليهما بعدما حدث، ولا يعرف إلى أين ذهبن.
أثناء صعوده درجات السلم بشرود تفاجأ بنزول نور مقابله. شعر بضربات قلبه السريعة بمجرد رؤيتها، أما هي انتابها الارتباك لمجرد رؤياه أمامها ولكنها تماسكت.
يوسف بلهفة:
- رجعتوا امتى؟ كنتوا فين؟ قلقتوني عليكوا.
ردت نور بهدوء:
- ما رحناش في حتة، لسه راجعين من شوية.
تنهد براحة ثم قال بقلق:
- هي عاملة إيه دلوقتي؟ كويسة؟
أجابت بنفس الحالة:
- ربنا يعينها بجد، اتفلقت من العياط، ما هدتش إلا لما نامت.
رد يوسف بحنق:
- أنا مش فاهم إيه الشروط المنيلة اللي حاطينها دي، حتى حرية الإنسان بقت مكبوتة بالشكل ده.
تنهدت نور بحزن وحيرة:
- إن شاء الله كل حاجة هتبقى تمام، الله المستعان بقى، طيب أنا همشي.
يوسف بلهفة خفية:
- طيب استني أوصلك.
ابتسمت نور وقالت:
- شكرًا ما فيش داعي، الوقت مش متأخر، عن إذنك.
تركته وذهبت وهو يتنهد بعمق، ولا تزال البسمة مرسومة على شفتيه.
عاد هاشم في نهاية اليوم ليتحدث مع سلمى عما بدر منها اليوم، ولكن يوسف منعه وعاتبه كثيرًا على تلك القرارات والشروط الواردة في هذا العقد اللعين.
وإنها نائمة الآن تبحث عن الراحة.
مر يومان وطارق لم يخرج من غرفته، فقط حبيسها يفكر فيما عرض عليه من اقتراح بشأن زواجه. بداخله حرب وصراع، حيرة بين القلب والعقل، كيف يفضل أحدهما عن الآخر.
هل يختار من أحب، أم المصلحة العامة؟ لا يريد أن يكون أنانيًا في شأن اختياره.
هل حقًا يحبها بالفعل أم هي مجرد مشاعر تعود ليس إلا؟
لا يعرف لما لم يشعر بلهفته عليها، لا يعرف ماذا يفعل كي لا يتزوجها، فزواجه من سلمى بمثابة سجن ومأساة بالنسبة إليه.
كان يأبى رؤية والده أو أي شخص كان، لا يريد سماع شيء، فقط يريد أن يكون وحيدًا كي يفكر جيدًا، فحزن تهاني ورؤية ولدها الوحيد في مثل هذه الحالة يقطع قلبها قطعًا صغيرًا، دائمًا تعاتب محمود بذلك.
أما عن سلمى لم تختلف كثيرًا عن طارق، ولكن وهي مستخدمة سلاح العناد مع والدها، لم تتحدث معه ولا تريد لقاءه، وحين يحاول يوقفه يوسف.
يجلس محمود في مكتبه غارق في بحر حزنه وضيقه، يفكر في الوضع القاسي الذي وضع به ابنه الوحيد، لم يكن يريد أن يحدث مثل ما حدث لسلمى، وها هي تجرب نفس المأساة للمرة الثانية، تعذبت من القرار ولا تزال تغرق في هذه الدوامة، ولا خيرة في حياتها.
فما حدث يعتبر ضد مبادئه، ولكن ما العمل؟ فاق من أحزانه على صوت قرعات باب مكتبه لتدخل تهاني وبيدها صينية القهوة. وضعت الصينية على سطح المكتب وجلست على المقعد المقابل وتنظر له في حزن لتقول:
- كفاية يا محمود الحالة اللي وصلتها دي.
رد محمود بحزن:
- أعمل إيه بس يا تهاني، ما أنت شايفة الوضع...
إزاي أحكم على ابني الوحيد الجواز بالشكل ده
تنهدت تهاني وقالت بحزن وقلة حيلة:
- وهنعمل إيه بس، مصير الثلاث شركات في الموضوع ده.
انفعل محمود ليقول:
- أنا مش موافق بس في ناس كتير فاتحة بيوتها من الشركة ممكن تتشرد. طارق فين؟
تنهدت تهاني بعمق وحزن وقالت:
- ابنك في أوضته من ساعتها ومش عايز يكلم حد. بس قالي إنه عايزك في موضوع مهم جدًا.
نظر لها محمود في اهتمام وهو يقول:
- موضوع إيه ده؟
نظرت تهاني نحو الباب ثم قالت:
- لما ينزل هتعرف. أهو نزل أهو.
قرع طارق على الباب، دخل بعدما سمح له محمود بالدخول. نظر محمود لطارق بقلق وهو يقول:
- عامل إيه دلوقتي؟
رد طارق بهدوء شديد:
- كويس يا بابا.
استطرد محمود وقال بفضول واهتمام:
- ماما قالتلي إنك عايزني في موضوع مهم، خير؟
رد طارق بجمود:
- أنا موافق يا بابا.
محمود باندهاش نظر إلى تهاني ثم أعاد النظر إليه بعدم فهم:
- موافق على إيه؟!
طارق بجدية:
- أتجوز سلمى.
رواية صفقة حب الفصل الثالث عشر 13 - بقلم شيماء جوهر
عندما يكون الضغط فوق الاحتمال، تنفجر الأعصاب تلقائيًا دون سابق إنذار، مثل مشاعر الإنسان عند إخفائها لإرضاء من حوله في سبيل سعادته، ويعود إليه بالسوء مرة أخرى، يا لها من مقدرة تحمل البشر.
قلقت نور كثيرًا من اختفاء سلمى المفاجئ، فلم تذهب إلى الشركة ولا الكلية منذ يومين. كذلك هاتفها مغلق أو غير متاح، لا تستطيع الوصول إليها إلى أن جاءتها فكرة، ولكنها ترددت كثيرًا كي تقوم بتنفيذها، فهي حقًا تشعر بالخجل.
تناولت هاتفها وقامت بالاتصال على يوسف، فلا يوجد حل سوى هذا، يجب الاطمئنان عليها بأي طريقة.
نور بتوتر:
- ألو أستاذ يوسف.
فرح يوسف كثيرًا عندما رأى اسمها ينير شاشة جواله، فرد على الفور باسمًا:
- أهلًا آنسة نور، أخبارك إيه؟
ردت نور بنبرة هادئة:
- الحمد لله تمام، المهم سلمى فين؟ فونها مقفول ولا بتروح الشركة ولا الكلية، طمني عليها لو سمحت.
تنهد يوسف ورد بحزن:
- من ساعة اللي حصل وهي حابسة نفسها في أوضتها، لا بتشوف حد ولا بتكلم حد، وبسمع عياطها كل ما بعدي عليها، صعبانة عليا أوي بجد حاسس إني متكتف ومش عارف أعملها حاجة.
تنهدت نور بقوة وردت بحزن هي الأخرى:
- طارق كمان نفس الوضع والله أنا تعبت، ربنا يعدي الموضوع ده على خير بس، طيب أنا مضطرة أقفل عشان رايحلها.
رد يوسف بهدوء:
- تمام، مش عايزة حاجة؟
نور وهي تغلق هاتفها سريعًا:
- لا شكرًا، سلام.
أنهت معه المكالمة وهي تتناول حقيبتها وخرجت من مكتبها إلى خارج الشركة.
استقلت سيارتها وقادت مسرعة إلى أن وصلت إلى فيلا الجوهري.
فتح لها الخادم وصعدت إلى غرفتها على الفور. قرعت على الباب عدة مرات لا تستجيب، إلى أن سمعت صراخًا من الداخل يقول:
- إيه مبتفهموش؟ مش عايزة أشوف ولا أتكلم مع حد، سيبوني في حالي بقى.
سقطت بعض العبرات من نور تأثرًا بحال صديقتها وأختها. قرعت عدة رقعات متتالية وهي تقول بإصرار:
- افتحي يا سلمى أنا نور.
دقائق وسمعت صرير الباب، دخلت نور لترى حالة سلمى المزرية، سواد كبير في أسفل عينيها، التي أصبحت مثل البندورة من شدة تورمها من كثرة البكاء. تسير في الغرفة ذهابًا وإيابًا بخطوات سريعة بكل عصبية، وتعلم نور جيدًا تلك الحالة عندما تكون فقدت صبرها.
نور بحيرة صاحت بها:
- يا بنتي اقعدي بقى خيلتيني.
ردت سلمى بانفعال دون النظر إليها:
- أقعد إيه وزفت إيه دلوقتي، كفاية اللي أنا فيه.
اقتربت منها نور تربت عليها محاولة تهدئتها:
- اهدي بس عشان تعرفي تفكري كويس.
صاحت بها سلمى بعنف:
- هو بقى فيها تفكير؟ ما خلاص.
صاحت نور هي الأخرى بخوف وحب:
- يا حبيبتي أعصابك مش كده، أنت عارفة نتيجة اللي بتعمليه ده كويس.
نظرت لها سلمى وابتسمت بسخرية:
- لا ما خلاص أنا أخدت على كده، مبقتش تفرق.
مسكت نور يديها وهي تسير بها إلى أن اقتربت من فراشها:
- يعني إيه؟ لا طبعًا، طب اقعدي عشان خاطري.
جلست سلمى وهي تقول بصدمة:
- هو أنا ما صدقت أفوق من عاصم شوية، أدخل في دوامة طارق؟ أنا تعبت.
شرعت في البكاء وارتمت في أحضان نور تربت عليها بحب وحنان، التي أدمعت هي الأخرى.
***
عادت نور منزلها وهي لا ترى شيئًا أمامها، صديقتها من ناحية وأخيها من ناحية أخرى. صادفت المربية وهي تصعد درجات السلم فألقت عليها السلام بتعب:
- سلام عليكم يا دادة.
المربية بقلق:
- وعليكم السلام يا بنتي، شكلك مرهق.
التفتت لها نور بإرهاق لتقول بهدوء:
- أوي يا دادة، على آخري.
ابتسمت المربية بحنان وقالت بحب:
- ارتاحي شوية عقبال ما أحضر الغدا، البيه مستنيكي لما ترجعي.
تنهدت نور بإرهاق لتقول:
- مش قادرة بجد هموت وأنام، لما أصحى هاكل.
تنهدت المربية في حزن وقالت بشفقة:
- هو أنت وطارق كمان.
ردت نور بتساؤل وحزن:
- هو كمان لسه ماكلش؟
المربية بحزن:
- آه يا بنتي من ساعتها.
ردت نور وهي تكمل صعودها:
- طيب شوية وصحيني.
المربية بحب:
- حاضر يا بنتي، تصبحي على خير.
نور دون الالتفات إليها:
- وأنت من أهله.
رحلت المربية مكان ما أتت. نور دخلت غرفتها وألقت بحقيبتها على أقرب مقعد، وبعدها جسدها على فراشها بكل تعب وإرهاق، فما زالت يومين تعمل بالشركة وتحل مكان سلمى بالإضافة إلى دراستها بين العملي والنظري. لم تشعر بنفسها وذهبت في سبات عميق.
***
لا تزال أعين تهاني بين كل فترة وأخرى تنظر إلى الساعة، تنتظر رجوع محمود. منذ أن طلب رؤية طالب لم يعُد بعد، وهي تشعر بالقلق الشديد وأن شيئًا ما قد حدث.
لم تنتظر رجوعه أكثر من ذلك، فدخلت غرفة مكتبه ورفعت سماعة الهاتف وقامت بالاتصال بالشركة، ولكن دون جدوى فلا يوجد رد.
في هذا الوقت حالة من الحيرة تسيطر على المكان منذ يوم الاجتماع، كان العقل واقفًا عن التفكير لاتخاذ أي قرار مصيري لا يهدد حياة أشخاص اعتبارية فقط، إنما حياة أفراد طبيعيين شبه سُلبت حريتهم واختياراتهم.
يجلس محمود واضعًا رأسه بين كفيه، مسندًا على ساعديه، شارد الذهن على وجهه نوع من الحيرة والحزن.
قطع الصمت صوت هاشم الحزين:
- وبعدين يا محمود، العمل إيه دلوقتي؟
زفر محمود بشدة وهو يقول بهدوء:
- العمل عمل ربنا، القرار الأول والأخير في إيدين الولاد، هما اللي يقرروا مش إحنا.
نظر له هاشم بضيق وقال بشراسة:
- عارف معنى كلامك إيه؟ يبقى الدنيا اطربقت فوقينا كلنا.
طرق محمود بكفه على سطح المكتب بحدة وهو يقول بجدية وانفعال، فلم يتحمل الطريقة التي يعامل بها هاشم أولاده:
- أصل مش معقول يا، الموضوع ده يتم والشركات تكون تمام يا نجلب التعاسة ليهم.
رمقه هاشم نظرة لا مبالاة لما يقول ببرود:
- جوازهم مصلحة كبيرة للشركة، فيها إيه لو يستحملوا شوية، دي في الأول والآخر كل حاجة هترجعلهم.
محمود:
- بس مش بالشكل ده، شوفت عملوا إيه لما عرفوا بقرار زي ده، ثم مقدرش أجبر ابني إنه يتجوز بالأسلوب ده، مفكرتش في بنتك ذنبها إيه في كل ده، ولا سارة خطيبة طارق وعاصم لا يمكن يوافق بحاجة زي دي.
رد هاشم بلا مبالاة وبرود:
- أنا مستعد أعمل عكس اللي قولته بس أنت عارف النتيجة كويس، وبنتي أنا عارف مصلحتها كويس، ثم عاصم في الأول وفي الآخر أسهمه معانا فهيهمه مصلحة الشركة أوي ومقدر الخسارة اللي عليها إزاي.
لم يتحمل محمود السماع تلك المهاطرات أكثر من ذلك، فهو مهما قال لا يغير موقفه، سيكون البرود والقسوة جزء منه، فنهض وقال بحدة وجدية:
- أنا قولتلك اللي عندي والقرار الأول والأخير ليهم هما، عن إذنك.
خرج محمود وأغلق الباب خلفه بعنف وغضب، فضحك هاشم بشدة بكل برود.
***
عاد محمود المنزل وهو يشعر بثقل شديد فوق رأسه، لا يعرف ماذا يفعل، أصبح منحصرًا بين حدين ولا يستطيع الاختيار بينهم لأن النتيجة ستكون عكسية ومدمرة للخيار الثاني.
استقبلته تهاني بلهفة وشوق وهي تحتضنه بشدة، قبل رأسها بهدوء وصعدا معًا لغرفتهما، قص عليها ما دار بينه وبين هاشم الجوهري.
انفعلت تهاني بشدة لتقول:
- الراجل ده إيه ده؟ معندوش ريحة الدم! يا ساتر على البرود، مكنتش عارفة إنه قاسي أوي كده، يا عيني عليك يا سلمى يا بنتي وعلى اللي بيجرالك.
جلس محمود بجانبها بعدما أنهى من تبديل ملابسه وهو يقول بانفعال:
- الراجل اتجنن خلاص، كل همه الفلوس والسلطة ومفيش في دماغه أي حاجة تانية، ولا ولاده ولا مراته الله يرحمها اللي راحت بسببه.
تنهدت تهاني بحزن وهي تقول:
- الله يرحمك يا فريدة، ياما استحملته وفوتت كتير، وفي الآخر دفعت حياتها التمن.
محمود بتحذير:
- إياك تجيبي سيرة الموضوع ده قدام ولادها، خاصة سلمى، لو عرفت ممكن تنهار، ولا حتى نور تعرف، مفهوم!
تهاني بقلق:
- متقلقش يا محمود محدش هيعرف حاجة، المهم الموضوع رسى على إيه؟
تنهد بعمق وهو يقول بهدوء:
- القرار الأول والأخير في إيد سلمى وطارق، ومهما كان قرارهم أنا موافق عليه.
***
مرت الأيام دون حديث أو أي اتصال بينهم، متجنبين بعضهم البعض غير كل مرة. في هذه المرة الوضع يختلف أشد الاختلاف، ومهلة الرد والتفكير أوشكت على الانتهاء، ومن المفترض الرد في أسرع وقت بقرارهم المصيري الذي سوف يدفعون ثمنه باقي حياتهم، فهذا القرار لا يتخذ بسهولة قط، ولم يجد أحد منهم وسيلة للفرار من هذه الأزمة.
في صباح اليوم التالي، استيقظت نور وهي تشعر بألم كبير في أنحاء جسدها، كأنها لم تنم جيدًا منذ سنوات.
نهضت واغتسلت وصلت فرضها، بدلت ملابسها استعدادًا للذهاب إلى الشركة. نزلت ومرت على الحديقة كي ترى والدتها، وجدتها بالفعل تجلس وتحتسي فنجان الشاي المعتاد. جلست نور بجوارها بعدما طبعت قبلة على وجنتيها، لتقول باسمة:
- صباح الخير يا مامي.
ردت تهاني باسمة:
- صباح النور يا نور عيني، صحي النوم.
نور باطمئنان:
- طارق خرج ولا فوق؟
تهاني بحزن:
- لسه فوق، متعرفيش الموضوع رسي على إيه ما بينهم؟
نور تنهدت بحيرة وحزن لتقول:
- معرفش بجد، سلمى حالها متغير بتفكر كتير وطارق نفس الكلام على طول ساكت، معرفش آخرة الموضوع ده إيه، هي سلمى ناقصة أصلًا، لو كانت طنط فريدة عايشة مكنتش سمحت بده أبدًا.
تهاني ابتسمت بحزن عندما تذكرت فريدة، انتبهت لنور وهي تتنهد وتقول بحزن:
- عندك حق، الله يرحمها، ربنا يستر، هي علاقتها بطارق إزاي؟
نور بحماس:
- مش طايقين بعض من الأول والموضوع زاد أكتر، ربنا يستر أنا هطلعله.
تركتها نور وصعدت لأخيها، وذهبت هي للعيش مع ذكرياتها مع فريدة.
***
صعدت نور وقرعت على الباب عدة قرعات، دخلت بعدما سمعت الإذن بالدخول.
تنحت نور وقالت بابتسامة ومرح:
- يا صباح العسل.
ابتسم طارق فهي الوحيدة التي يسمح لها بدخول غرفته، شقيقته الصغرى والأقرب إلى قلبه.
فقال بحب:
- تعالي يا نور.
اقتربت منه وجلست على طرف فراشه وقالت بمرح:
- ها يا سيدي عامل إيه دلوقتي؟
تنهد طارق ورد بهدوء:
- زي ما أنا مفيش جديد.
ربتت على قدميه وقالت بحزن:
- معلش يا حبيبي أكيد لها حل وبكرة هتتعدل، وأعذر سلمى بردو مهما كانت شايفة الضغط عليها إزاي.
صاح بها طارق بعنف:
- طيب وأنا يا نور مش بني آدم بردو ولا إيه؟! لا يمكن هتجوز بالأسلوب ده أبدًا، من حقي أتجوز اللي بحبها وتحبني مش واحدة لا أنا ولا هي طايقين بعض.
قالت نور بحيرة من أمرهم:
- مش عارفة أقول لكوا إيه بس طيب.. هتعملوا إيه دلوقتي؟
رد طارق بحنق:
- اديني بفكر أنا تعبت بجد يا نور.
نور بابتسامة اقتربت منه وهي تحيط ذراعها بمنكبيه لتقول بحب:
- إن شاء الله ليها حل، يلا قوم نفطر سوا وقوم شوف حالك يا أستاذ عندك شركة وكلية.
أعاد بظهره إلى الخلف وهو يقول بشرود:
- لا مليش نفس يا نور.
ابتعدت عنه وجلست قبله وهي تقول بطفولة:
- عشان خاطري لازم تفوق لنفسك شوية يا طارق وسيب الموضوع على ربنا، يلا بقى.
ابتسم طارق على طفولتها ونهض ليغتسل وصلى فرضه ونزلوا سويًا.
فرحت تهاني لسماع صوت طارق أخيرًا، نهضت وركضت ناحية الصوت وقامت باحتضانه، وهو قام باحتضانها بشدة وعلى ثغره ارتسمت ابتسامة عريضة، لقد اشتاق بالفعل لحضن والدته كثيرًا.
قطعت نور هذه اللحظة الجميلة بمرحها كالعادة وهي تقول باسمة:
- إيه يا توتو ده غاب عنك كام يوم أومال لو شهر ولا سنة كنت عملتي إيه.
ضربها طارق بخفة على جبهتها وهو يقول بغضب:
- أطلعي منها أنتِ بس يا لمضة، أنتِ مالك أمي.
ردت نور بطفولة وغضب:
- يا سلام ما هي أمي أنا كمان.
ضحكت تهاني على طفولتهما، فما زالوا منذ صغرها وهما ناقر ونقير. احتضنتهما وهي تقول بحب:
- ربنا ما يحرمني منكوا أبدًا يا حبايب قلبي، كان لازم تطلع نور عشان تنزلك يا طارق؟
ابتسم طارق وهو ينظر لنور بحب:
- أعمل إيه رغم اللي بتعمله مقدرش أستغنى عنها.
أرسلت له نور قبلة في الهواء وقالت بحب:
- حبيبي يا طروق، على قلبك.
أدمعت تهاني عيناها فرحة على علاقة أبنائها وهي تدعو الله أن يحفظهما، ويمر تلك الأيام العصيبة عليهم على خير.
بعد انتهاء هذه اللحظة الرائعة تجمعوا وتناولوا الفطور سويًا.
******************
في مكتب أنيق بإحدى الشركات يجلس عاصم على مكتبه، يشعل سيجاره بضيق بولاعة فضية أنيقة جدًا، يقذفها أمامه بكل عصبية.
تجلس أمامه فتاة، التي كان يتحدث معها دائمًا، توترت من عصبيته لأنها تعرف ماذا من الممكن أن يفعل:
- أهدى شوية مش كده.
نظر لها عاصم وعيناه تطلق شرار وهو يقول:
- أهدى يعني إيه أنتِ كمان، مش شايفة اللي حصل يعني إيه يتجوزها.
رمقته نظرة جنونية وصاحت به بغيرة وشراسة:
- مالك بتتخلق عليا ليه يا عاصم، ما أنا زيي زيك.. ثم تعالى هنا من أمتى دي تفرق معاك زيها زي غيرها.
نظر لها عاصم بغضب وقال بشراسة:
- لا تفرق يا حبيبتي دي كنز من العيار التقيل أوي، ثم أنا ليا شغل مع أبوها ولا نسيتي الشراكة اللي بينه وبين أبويا.. وعشان أضمن كل حاجة تحت أيدي خطبتها فهمتي بقى.
ضحكت سارة عندما اطمأنت بأنه لا يكن لها مشاعر، فصاحت بمرح:
- هههههه أنت معلم ومنك نتعلم.
ضحك عاصم وقال بخبث:
- ما إحنا في الهوا سوا يا جميل ولا عايزة تفهميني إنك بتحبيه.
ردت سارة بدلال وميوعة:
- وإيه اللي يمنع منكرش إني كنت بحبه في الأول بس قبل ما أعرفك يا حبيبي.
تحولت نبرة عاصم للجدية ليقول:
- كلمتيه ولا لسة؟
أجابت سارة بقلق:
- بقاله أسبوع قافل تليفونه والكلية ما بيروحهاش، يا خوفي ألا يتجوزها فعلًا.
تحول عاصم ورد بشراسة:
- الجوازة دي لا يمكن تتم.
انفعلت هي الأخرى وقالت بغضب:
- على جثتي مش أنا اللي حد ياخد مني حاجة بتاعتي.
***************
تناولت الفتاة حقيبتها وخرجت على الفور، وعقلها يفكر إلى أن كاد ينفجر، لا يمكن أن تتصور بأنه سوف يكون لغيرها بعد آخر مرة تحدثا فيها سويًا.
ركبت سيارتها وهي تتذكر.
خرج من الشركة عقب الاجتماع، وبعد لقائه بإيهاب قرر بأن يواجهها.
كل ما يشغل تفكيره الآن هو سارة، كيف يصارحها ويخبرها بأن زواجهم محتم عليه بالدمار، فقام بالاتصال بها.
سارة بابتسامة:
- خير يا حبيبي قلقتني.
طارق بتوتر لا يعرف من أين يبدأ:
- سارة ممكن أسألك سؤال وتجاوبيني بصراحة؟
سارة بقلق:
- آه طبعًا قول في إيه.
طارق بترقب:
- سارة هل هيجي يوم وفي حاجة تأثر على علاقتنا مهما كانت؟
ابتسمت سارة وهي تقول بحب:
- لا طبعًا ليه بتقول كده.
اطمأن قلبه قليلًا، تنهد ثم قال بهدوء:
- اسمعي اللي هقولهولك ده للآخر تمام.. بصي يا ستي.....
قص عليها طارق كل ما حدث، والقرار الذي سوف يتخذه وهي تستمع إليه بصدمة، إلى أن أنهى حديثه وصاحت به بغضب:
- أنت بتقول إيه أنت بتهزر يا طارق!!
نظر لها طارق وقال بهدوء شديد:
- اسمعيني بس.
ردت سارة بنفس الحالة:
- أسمع إيه أنت مش شايف بتقول إيه، يعني إيه واحدة تانية تاخدك مني يعني إيه تتجوز ومن مين من دي.
زفر طارق بقوة لم يتحمل صياحها وصوتها العالي، فرد بصوت حازم:
- مش معقول كده أهدي شوية، كلمتك عشان تفكري معايا بعقل مش تزوديها عليا.. عشان خاطري أهدي.
قالت بانفعال وهي تقول بغضب:
- اديني هديت أهو، الموضوع مش داخل دماغي الموضوع بالساهل كده إنك تسيبها بعد كده.
شعر بالغضب وقال بصوت عال:
- الموضوع ده يخصني أنا مش كفاية هيخلوني أتجوز واحدة مش طايقها غصب عني وده شرطي للصفقة دي ما تقلقيش فكيها بقى.
نظرت سارة في الفراغ بحنق ووعيد وهي تقول:
- ماشي يا طارق أما نشوف آخرتها.
كانت تشعر حينها بأنه مجرد حديث عبثي وقت غضبه وسوف يعيد تفكيره مرة أخرى، ولكن تفاجأت باختفائه مدة كبيرة لا تعلم عنه شيئًا.
******************
نور أثناء قيادتها قامت بالاتصال بسلمى، كي تخرجها من حالتها هي الأخرى وتلتفت إلى مستقبلها، فكفى الأيام الماضية من حزن وسجن، بعد إلحاح شديد من نور وافقت سلمى على النزول للكلية، وكانت هي المرة الأولى ترى بها الشارع.
تقابلوا في الكافتريا قبل المحاضرات، طيلة مدة جلوسها وهي شريدة للغاية لا تتحدث، قطعت نور الصمت وهي تقول:
- عشان خاطري لازم تطلعي من حالتك دي أنتِ كمان.
قطبت سلمى حاجبها بغرابة، تقصد من بنفس حالتها، فقالت بعدم فهم:
- أنا كمان!
تنهدت نور وقالت بحزن:
- آه يا ستي طارق بنفس حالتك دي ولا بيروح الكلية ولا الشركة، سيبيها على ربنا.
اندهشت سلمى مما سمعت، فلم تتوقع بأنه يكون بحالها، اعتقدت بأنه يعيش حياته كأن ما حدث لم يكن، ولكن اتضح عكس ذلك.
كادت أن تتعاطف معه ولكن فاقت من مشاعرها وقالت بغضب:
- ونعم بالله بس مش ممكن أتجوز أخوكِ المجنون ده، شوفتي بيعاملني إزاي!!
ضحكت نور على طريقة حديثها وهي تقول:
- ههههه أنا معاك إنه ساعات بيرخم بس طيب أوي والله.
رمقتها نظرة وقالت بضيق:
- رخم على نفسه بقى.
ضحكت نور بشدة وقالت:
- فصلتيني بجد يلا قومي نخلص المحاضرة دي ونكمل مشروع التسليم كمان يومين وفكيها شوية.
ابتسمت سلمى، فنور القادرة على إخراجها من هذه الحالة بروحها المرحة، فقالت ضاحكة:
- هههه حاضر يلا يا لمضة.
استردت نور قائلة:
- هتعملي إيه بعد الشغل؟
تنهدت بعمق ثم قالت باسمة:
- هروح لعمتو.. محتاجة أتكلم معاها أوي.
صفقت نور بطفولية وقالت بإلحاح:
- الله.. خديني معاكِ عشان خاطري.. طنط سميحة وحشاني خالص.
ضحكت سلمى وقالت:
- حاضر يا ستي أمري لله.
******************
نفس محاولات نور مع سلمى، تتكرر بإيهاب مع طارق، الذي لم يستطع الوصول إليه، فذهب إلى الشركة لعله يجده هناك.
اقترب من السكرتارية وبعد دقائق من التساؤلات اتجه إلى مكتب طارق، قرع على الباب ودخل بعدما سمح له بالدخول.
عندما رفع طارق رأسه ووجد إيهاب أمامه ابتسم، فلقد افتقده طيلة هذه المدة، نهض وتبادل الأحضان وذهبا ليجلسا.
فقال إيهاب بعتاب:
- إيه يا ابني فينك مختفي كل ده ليه! تليفونك مقفول والكلية ما بتجيش سألت عليك في البيت مامتك قالتلي إنك نزلت الشركة ما صدقتش.
رد طارق بهدوء أشبه بالبرود:
- موجود تشرب إيه الأول؟
رد إيهاب بهدوء:
- مفيش داعي.
ابتسم طارق وقال بنفس النبرة وهو يرفع سماعة الهاتف ويطلب القهوة المعتادة:
- لا إزاي عشان نتكلم براحتنا.
ثم تنهد وهو يسترد حديثه قائلًا بهدوء شديد اندهش منه إيهاب:
- كنت محتاج أقعد مع نفسي شوية في هدوء.. ولا عايز أتكلم ولا أشوف حد.
إيهاب بغرابة من حديثه اليوم قال:
- حتى أنا!! كويس بس خد بالك من الكلية شوية وركز في مستقبلك.
ابتسم طارق عندما تذكر الحوار الذي دار بينه وبين نور صباح اليوم ليقول:
- عارف يا إيهاب، أنت اللي بعرف أتكلم معاه.. نفس كلام نور بالضبط هي اللي فضلت فوق دماغي وطلعتني من الكهف وخلتني أنزل الشركة.. إن شاء الله هنزل من بكرة.
ضحك إيهاب بإعجاب وهو يقول:
- هههههه تصدق نور بتفهم أهو.. والله جدعة عامل.. إيه مع سلمى؟
عبث وجه طارق بمجرد ذكر اسم سلمى، فرد بوجوم:
- مفيش، متجنبين بعض تمامًا حتى سارة أسبوع ما كلمتهاش مش ناقص صداع أنا عارف هتقول إيه.
إيهاب باهتمام قال:
- هو الرد أمتى؟
تنهد طارق وهو يقول بتفكير:
- كمان أسبوع كده.
رد إيهاب بمفاجأة:
- إيه ده بسرعة كده!
سمع صوت رنين هاتفه، تناوله وجد المتصل سارة.. وجم وجه نظر لإيهاب وقال وهو يرد بضيق:
- سارة يا سيدي.. ألو أيوه يا سارة.
صاحت به سارة بشراسة:
- أنت فين يا طارق..
أسبوع معرفش حاجة عنك.
لم يكن بحالة لمجادلتها فرد ببرود:
- معلش يا حبيبتي أنتِ عارفة الفترة اللي فاتت كنت مضغوط إزاي.
ردت سارة بنفس الطريقة:
- وأنا مش خطيبتك برضه متسألش فيا؟ عايزة أشوفك.
تنهد طارق بحيرة وشرود، نعم هو مضغوط ولكن ما ذنب سارة لتتحمل كل هذا؟ هدئ قليلًا ثم قال بهدوء:
- متزعليش حقك عليا، أنا كمان محتاج أشوفك، هبقى أكلمك بعد الشركة تمام.
هدأت سارة هي الأخرى قليلًا وهي تقول بحب مصطنع:
- ماشي يا حبيبي متتأخرش عليا.
رد طارق سريعًا وهو ينهي معها المكالمة بهدوء:
- ماشي متقلقيش سلام.
زفر بقوة وحيرة، أغمض عينيه بتعب وإرهاق كبير، يشعر بأنه في دوامة كبيرة لا يستطيع الخروج منها. زواجه من سلمى الذي لم يتخذ فيه قرار بعد من ناحية، وارتباطه بسارة وغيرتها من ناحية أخرى، فلا يريد ظلمها معه، والشركات من ناحية ثالثة.
عقله وقف من كثرة التفكير بلا جدوى. قلق إيهاب على حالته وهو يشعر بالضغط الذي يمر به، قطع الصمت عدة دقائق ليقول:
- ها مالك؟
طارق رفع رأسه وهو يجيب بشرود:
- مفيش بفكر هعمل إيه؟
تنهد إيهاب وتساءل باهتمام:
- هتقابلها النهاردة؟
تنهد طارق وعاد بنظره إلى الخلف وهو يفكر ليقول:
- آه لازم، ربنا يستر شكلها متعصبة على الآخر. لازم أنهي الموضوع ده بأسرع وقت.
نهض إيهاب وهو يهندم ملابسه، يشعر بالأسف على الحال الذي مر به، ليقول بهدوء:
- تمام هكلمك بعدين وأبقى طمني.
رد طارق بهدوء:
- ماشي تمام.
إيهاب وهو يتجه نحو الباب:
- يلا سلام دلوقتي كمل شغلك.
*****************
بعد الانتهاء من موعد الشركة قام طارق بالاتصال بسارة، وتم الاتفاق على أن يتقابلا في كافيه. وصل قبلها بعدة دقائق وهو يفكر ماذا يقول.
وصلت سارة ووجهها يطلق الغضب والشرار، فقال في نفسه "ربنا يستر ويعدي اليوم على خير".
قام وقال باسمًا:
- إزيك يا سارة؟
ردت سارة بغضب مصطنع وهي تجلس:
- أنت لسه فاكرني!
جلس طارق قبالتها وهو يقول بضيق:
- قدري ظروفي سارة لو مكاني هتعملي إيه؟ مضغوط من كل ناحية.
فصاحت به بغضب:
- وأنا أعمل إيه أنا كمان يا طارق ها! هتعمل إيه دلوقتي؟
طارق بضيق قال:
- بفكر يا سارة بفكر.
نظرت له سارة بتوعد وهي تقول محذرة:
- خليك فاكر الجوازة دي على جثتي.
لم تروق له النبرة التهديدية التي تتحدث بها، لا فهو طارق الإبياري لا يعتريه التهديد على الإطلاق، لينظر لها بغضب ويقول بشراسة:
- لا فوقي يا سارة مبتهددش. مش وقته خناق فيا اللي مكفيني. مش بدل ما نقعد مع بعض شوية تقلبيها خناق.
نهض على الفور فلن يتحمل الحديث معها بعد الآن. كاد أن يتحرك أمسكت بيديه في غضب وهي تصيح:
- إيه ده أنت رايح فين وسايبني!
أفلت يديه من قبضتها وقال بضيق شديد:
- لما تهدي يبقى نتكلم، سلام تعبان عايز استريح شوية نتكلم بعدين.
تركها وخرج سريعًا، جلست في مكانها تبكي على غبائها، ليس من المفترض أن تقوم بإغضابه في هذا التوقيت.
*****************
في صباح اليوم التالي، تحديدًا شركة الجوهري. يجلس هاشم على مكتبه بكل وقار ومعه مكالمة تليفونية، أنهاها وهو يتنهد بقوة وظهر عليه الحيرة. تطلع إليه محمود الذي لا يعرف سبب تجهمه، فقال بتساؤل:
- خير دول الجماعة؟
هاشم رد بتجهم دون الالتفات إليه:
- أيوه بيقولوا إن ميعاد التنفيذ قرب ومفيش أي رد.
رد محمود سريعًا وقد ظهر عليه الضيق واليأس من تنفيذ الشرط:
- معنى كده إن الولاد لازم ياخدوا قرارهم في أسرع وقت.
رد هاشم بجمود:
- بالظبط كده مفيش حل تاني. يا إما كده يا إما الـ 3 شركات هتتنصف النص.
مسح محمود وجهه بغضب وهو يحاول تهدئة أعصابه:
- يا ربي طيب فاضل قد إيه؟
هاشم بنفس الجمود:
- الأسبوع ده بالكتير، ولازم يكونوا على الأقل مكتوب كتابهم. يا إما كده يا أنت عارف الباقي.
وقف محمود ولم يستطع التحامل على أعصابه أكثر من ذلك ليقول بانفعال:
- بجد مش عارف أفكر إزاي، هقول لابني الموضوع ده ونفس القرار هيبقي صعب على سلمى.
نظر له هاشم ببرود ليقول:
- عندك حل تاني؟
طرق محمود على سطح المكتب بعنف وهو يقول بقلة حيلة:
- مفيش، بس ربنا يستر على قرارهم بقى.
رد هاشم ببرود:
- إن شاء الله خير.
******************
مر يومان في التفكير والمهلة تقترب أكثر وأكثر، ولم يتوصل أحد منهم على حل بعد.
طارق في غرفته في حيرة كبيرة، يفكر محاولة منه الوصول إلى حل بديل ولم يجد، إلى أن توصل لحل ليفاجئ الجميع.
تناول هاتفه وقام بالاتصال بسلمى على الفور ليبلغها بقراره أولًا.
تتنهد بقوة وهي تتصفح إحدى المواقع بملل شديد لإنهاء عملها. وجدت هاتفها ينير بوجود اتصال جديد، تناولت هاتفها وجدت طارق المتصل. شعرت بالغرابة والضيق في ذات الوقت، ترددت كثيرًا قبل الرد ثم حسمت أمرها وبدأت المكالمة:
- ألو.
رد طارق بهدوء:
- أيوه يا سلمى أخبارك إيه؟
تنهدت بضيق ثم قالت ببرود:
- كويسة عايز حاجة؟
تغاضى طارق عن نبرة صوتها الباردة ليقول:
- ممكن نتقابل بكرة؟
اندهشت سلمى من طلبه، فمنذ الاجتماع الأخير لم يحدثها قط، فقالت ببرود:
- بخصوص إيه؟!
تنهد طارق وقال بنفاذ صبر:
- الكلام مش هينفع في التليفون.
سلمى بعد تفكير ردت بنفس البرود:
- تمام عدي عليا في الشركة.
رد طارق سريعًا بجدية وحزم:
- أفضل مكان عام عشان ناخد راحتنا في الكلام أكتر.
سلمى بعد تفكير وهي تتغاضى هي الأخرى عن نبرته، لترى ما نهاية هذا الأمر:
- تمام ماشي فين وإمتى؟
تحدث طارق بهدوء هذه المرة وقال:
- إيه رأيك بكرة في... الساعة 2 كويس؟
سلمى بنفس النبرة:
- تمام كويس يلا سلام.
وأنهت المكالمة على الفور، ليقول طارق ببرود:
- سلام.
أنهت معه المكالمة وهي تفكر فيما يكون يريدها بشأنه، خطر على تفكيرها شروط الصفقة، ولكن قررت أن تنتظر للغد.
شعر بالغيظ من طريقتها المستفزة وقرر ترويدها، لا يعرف كيف سيتعامل معها بهذا الأسلوب يا ترى؟!
قفلت معاه وهي محتارة من المكالمة دي يا ترى عايز إيه واشمعنى التوقيت ده.
هو حسم أمره وواجه وبيدعي ربنا إن الخطة تمشي مظبوط يا ترى بكرة هيحصل إيه.
رواية صفقة حب الفصل الرابع عشر 14 - بقلم شيماء جوهر
تجلس سلمى على مكتبها وأمامها حاسوبها المحمول، تنهي به عملها المتأخر وهي في قمة الانسجام. دخل عاصم فجأة دون أن يقرع الباب حتى، ودون أن تشعر بوجوده.
جلس قبالتها ثم تنحنح، فانتبهت له ونظرت له دقيقة بلامبالاة وعادت تكمل ما بدأت، الشيء الذي استفز عاصم للغاية، فقالت بهدوء شديد وبرود دون النظر إليه:
- أيوه يا عاصم في حاجة؟
تمالك أعصابه ثم قال:
- أخبارك إيه؟
ردت سلمى بلامبالاة:
- زي كل يوم مفيش جديد.
لم يتحمل عاصم الأسلوب الذي تعامله به على الإطلاق، طرق على سطح المكتب بعنف وهو يقول بغضب:
- كلميني زي ما بكلمك!
وسريعًا أغلق شاشة الحاسوب بعنف، رمقته نظرة غاضبة للغاية ثم نظرت سريعًا تتفحص الحاسوب إن حدث له شيء. عادت تنظر إليه وبكل عصبية وانفعال قالت:
- في إيه يا عاصم على الصبح هو أنا ناقصة؟ أنت اتجننت ولا إيه! فوق!
رمقها نظرة غاضبة وهو يقول بشراسة:
- في إن المهلة قربت تخلص وأنتِ ولا على بالك!
ردت سلمى بنفس النبرة:
- والمفروض أعمل إيه يعني ها؟ هو أنا في أيدي حاجة!
قطب حاجبيه في شك ليقول بوعيد:
- يعني أنتِ ممكن تتجوزي طارق بجد؟! أنتِ عارف إني بحبك مش كده؟!
نهضت سلمى بغضب وبدأ صوتها في العلو:
- حب إيه اللي بتتكلم عنه؟ فوق يا عاصم خلاص اللي بينا انتهى!
تناولت حقيبتها وهمت بالانصراف، فجذبها من ذراعها بشدة وهو يقول بعنف:
- رايحة فين؟
نزعت ذراعها منه سريعًا وهي تنظر له بتحدي وقوة لتقول بغضب:
- وأنت مالك؟
جذبها مرة أخرى وقال بصوت عال:
- يعني إيه وأنا مالي؟ من حقي أعرف!
نزعت قبضته وقالت بتحدي:
- سيب أيدي مش من حقك تعرف يا عاصم. عن إذنك عشان متأخرش!
تركته وخرجت سريعًا بخطوات أشبه بالركض، طرق بشدة على سطح المكتب بكل قوة وعنف، وعيناه ما زالت مرتكزة على الباب منذ خروجها وهو يتوعد لها بشراسة، ليقول بوعيد:
- ماشي يا سلمى أما أشوف آخرة العند ده إيه.
***
يجلس محمود في مكتبه وهو يحتسي قهوته المعتادة بعد وجبة الغداء، وباليد الأخرى يتناول الجريدة ويقرأ ما بها بتركيز.
تدخل تهاني وتجلس على المقعد قبله. قال محمود دون النظر إليها:
- طارق فين؟
ردت تهاني بهدوء:
- فوق ونازل دلوقتي. عايزاه في حاجة؟
رد محمود على نفس الحال:
- أيوه حاجة ضرورية، أول ما ينزل خليه يجيلي.
تنهدت تهاني وهي تنهض:
- حاضر يا حبيبي.
خرجت تهاني وهي تدعو أن تمر هذه الفترة على خير، غير مطمئنة بهدوء طارق ومحمود بهذا الشكل، ولكن ما الجديد؟ فطارق أحيانًا يتسم بالهدوء والبرود الشديد، ولكن هذه المرة تختلف بكل تأكيد.
كادت أن تذهب إلى الحديقة، شاهدت نور وطارق ينزلان سريعًا على درجات السلم، متجهين إلى الباب. لحقت بهم تهاني في آخر لحظة وهي تقف أمامهم، فنظرت لطارق بجدية لتقول:
- طارق تعالى كلم أبوك في مكتبه.
نظر إلى نور في صمت وتوتر، ثم التفت إلى والدته ليقول بعجالة:
- خير في حاجة أنا مستعجل.
ردت تهاني بثبات:
- مش عارفة بس بيقول حاجة ضرورية.
تنهدت نور وهي تنظر في ساعة يدها لتقول سريعًا:
- روح يا طارق هحصلك في العربية.
رد طارق مضطرًا:
- ماشي يا نور.
تركته نور وخرجت تنتظره في السيارة. اتجه طارق مباشرة إلى غرفة مكتب محمود، قرع على الباب ثم دخل بعدما سمع الإذن بالدخول.
اقترب من مكتبه وهو يقول:
- خير يا بابا عايزني في حاجة؟
وضع محمود الجريدة جانبًا ثم نظر إليه في هدوء وهو يشير إلى المقعد قبله ثم قال:
- أيوه تعالى يا طارق عايزك في موضوع.
تنهد طارق وهو يجلس لأنه يعرف جيدًا ماذا يريد والده، اختصر عليه الحديث وهو يقول بصرامة وسرعة:
- لو بخصوص جوازي من سلمى بعدين نتكلم في الموضوع ده أنا مستعجل دلوقتي.
قطب محمود حاجبيه في تساؤل وهو يقول:
- ليه رايح فين؟!
رد طارق وهو ينهض ليقول:
- مشوار مهم لما أرجع هقولك على كل حاجة. يلا سلام.
رحل طارق سريعًا وأغلق الباب خلفه، يحمد الله أنه لم يطل الحديث مع والده أكثر من ذلك، ففكره منشغل للغاية في هذه الفترة ووجب عليه الرحيل للتو.
كان محمود مندهشًا حقًا من هدوء طارق والحزم الذي كان يغلب على أسلوب حديثه. توقع بأنه طريقة تعبيره عما حدث ولكنه غير مطمئن هو الآخر.
كانت تهاني تنتظره في الخارج للاطمئنان على آخر الأخبار، ولكن كالعادة لم تجد منه بأي منفعة.
ودعها ورحل إلى سيارته وقادها دون أي كلمة. أوصل نور إلى الشركة وانتقل هو حيث يذهب.
نور قلقة كثيرًا على حال أخيها وصمته عندما قامت بسؤاله. لم ترد الضغط عليه أكثر من ذلك، فصعدت سريعًا وهي تفكر.
***
بعد خروجه من مكتب سلمى وهو يستشيط غضبًا وانفعالًا من برود أسلوبها وعدم اكتراثها به، وما يشغل تفكيره أكثر إلى أين تذهب ولما لا تريد إخباره شيء؟ بالتأكيد تفعل شيئًا ما لا تريد معرفته بها.
عاد إلى مكتبه وهو يجلس على مكتبه يفكر، حك ذقنه بكل عصبية. رفع سماعة الهاتف وقام بطلب صلاح:
- صلاح تعالى مكتبي حالًا.
صلاح بقلق:
- في إيه؟
رد عاصم بعصبية:
- تعالى وأنت تعرف.
وضع السماعة، لم يمر خمس دقائق وكان صلاح يقرع باب مكتبه. دخل على الفور وجلس قبله وهو يصيح به في قلق:
- خير في إيه؟
عاصم بغضب:
- سلمى لسة نازلة من الشركة حالًا، عايزك تراقبها وتشوفها رايحة فين.
صلاح نظر له بقلق:
- خير في حاجة ولا إيه؟
رمقه عاصم نبرة غاضبة:
- اسمع اللي بقولك عليه ومضيعش وقت أنت سامع؟ هتفهم بعدين، يلا وإياك تطير من أيدك.
تنهد صلاح بحيرة ونهض على الفور ثم قال وهو يهم بالانصراف:
- تمام اعتبره حصل.
لم يرد عاصم واكتفى بإشاحة يداه بمعنى الخروج، وعيناه تطلق شرار، فخرج صلاح وهو غير مطمئن.
***
سلمى طيلة الطريق تفكر في علاقتها بعاصم إلى أي مدى قد وصلت، يتعامل معها كأنها ما زالت خطيبته ولم يقتنع إنها ليست له بعد الآن، وهذا الأمر يشعرها بالضيق الشديد. فهي تخشى تهوره الآن، خاصة وهي لا تعرف ماذا يريد منها طارق، ولكن لا يوجد ما يمكن أن يجمعهم الآن سوى مشكلة الزواج.
وصلت بموعدها، فهي تقدس الوقت بشدة. دقائق ووجد طارق سلمى في انتظاره.
تنهد واقترب من الطاولة وجلس قبلها وهو يقول:
- آسف اتأخرت عليك.
ردت سلمى بهدوء شديد:
- لا أبدًا جيت في ميعادك، ها خير كنت عايزني في إيه برة الشركة؟
صمت طارق دقيقة يرتب ما يقوله ثم التفت إليها وقال بجدية:
- اسمعي يا سلمى كلامي ده كويس من غير مقاطعة.
قالت سلمى بنفس الهدوء:
- خير سمعاك.
حسم أمره وقال:
- بعد تفكير كتير وصلت إيه رأيك لو نعمل مع بعض صفقة؟
اندهشت سلمى من حديثه، صفقة ماذا التي يتحدث عنها وهم في مشكلة كبيرة في هذا الوضع؟ قطبت حاجبيها وقالت بغرابة وتساؤل:
- صفقة! صفقة إيه دي؟
رد طارق بجدية:
- صفقة حب.
سلمى سيطر عليها الاندهاش أكثر وعدم الفهم، بدأ الغموض ولم تستعمل بعد، فتساءلت بجدية:
- نعم!! صفقة حب! يعني إيه وضح كلامك.
حاول طارق سد منافذها أولًا ليقول:
- اسمعيني من غير مقاطعة الأول.
نظرت له سلمى بضيق ثم قالت بنفاذ صبر:
- طيب اتفضل عايز تقول إيه؟
استرد طارق حديثه قائلًا:
- أنتِ عارفة كويس أوضاع الشركات الثلاثة الجوهري والإبياري وبخلاف شركة أبو عاصم؟
ردت بهدوء وقالت:
- آه وبعدين؟!
استرد طارق:
- لو الموضوع ده متمش في خسارة كبيرة بنص الأسهم للشركات كلها وده شغل بملايين، يعني خراب بيوت غير كمان العمال اللي هيتشردوا من الثلاث شركات، لو حالهم جاب النص زي ما أنتِ فاهمة.
اعتدلت سلمى في جلستها وهي تحاول استيعاب ما يقول، فقد تغيرت قسمات وجهها ما بين الجدية والبرود إلى الخوف والقلق مما وصل إلى فهمها، فقالت على الفور:
- امممم تقصد..
قاطعها طارق بجدية:
- أيوه بالظبط اللي وصلك ده مفيش حل إلا إننا نتجوز.
نهضت سلمى سريعًا باندفاع، فصاحت به بغضب:
- نعم نتجوز!! أتجوزك أنتِ لا طبعًا مستحيل.
توقع رد فعلها، فهو الآخر مجبر على ذلك، قرر أن يتحمل عصبيتها فقال بنفاذ صبر:
- اقعدي بس نتفاهم.
صاحت به وبدأ صوتها بالعلو:
- مفيش تفاهم اللي بتتكلم فيه ده اسمه جنان أنا أتجوزك أنت!!
لم يتحمل أكثر من ذلك، فهو به ما يكفي، فنهض وانفعلت وهو يقول:
- يعني أنا اللي كنت هأرضى على جوازي منك!
انفعلت سلمى بغضب أكثر لتقول:
- أومال إيه اللي جبرك على كده يا أستاذ؟!
طارق نظر حوله وجد من في المكان ينظرون لهم وعلى صياحهم، أمسك معصمها وجعلها تجلس عنوة، فرد بقسوة وجدية:
- زي ما قلتلك المهم دلوقتي مصلحة الشركات لأن من غيرها هنشحت.
طرقت سلمى على الطاولة بعنف وهي تصيح بجدية:
- لاااااا أنت أكيد مش في وعيك، فوق يا كابتن أنت خاطب على ما أظن.
رد طارق بنبرة قاسية وعنيفة:
- نتجوز ولا نشحت؟ وساعتها الأوضاع المالية وسمعتنا في البورصة وفي السوق هتكون في الأرض.
عقدت سلمى ذراعها بقوة وهي تقول بعناد:
- وأنا مش موافقة يا طارق.
زفر طارق بقوة وقال بنفاذ صبر:
- اعقلي يا سلمى، شوفي يا ستي هنتجوز لحد ما الموضوع يتم ويخلص وساعتها كل واحد يروح لحاله ونعمل اللي احنا عايزينه، ونمثل أننا بنحب بعض لحد ما الأوضاع تتثبت ونطمن على الشركات.
صاحت به سلمى وقالت بسخرية:
- أنا أحبك أنت ليه يعني!! مراية الحب عامية صحيح.
شعر بالغضب الشديد من حديثها، شعر بأن شيئًا ما فقد في قلبه، شعر بالألم. تغاضى عن شعوره سريعًا وقال بجدية:
- سلمى مفيش حل غير كده، ده حل ليك وليا وللشركات والعمال كلهم، تخيلي لو موافقناش هندمر أكتر من تسعة آلاف عامل بأسرهم! متخيلة أنا بقولك قراري ده مش من يوم وليلة.
أنا فكرت كتير في الموضوع ده.
فكرت سلمى في حديثه قليلًا، ثم قالت بجدية:
- امممم، عاصم مش هيسكت على فكرة.. وخطيبتك هتعمل معاها إيه إن شاء الله!!
تنهد طارق بقوة لهدوء روعها قليلًا، ولديه احتمال ولو بسيط من موافقتها على هذا الاقتراح:
- هنفهمهم طبعًا للوضع الجديد إن جوازنا مؤقت لحد ما الموضوع يتم ونسيب بعض، تمام كده؟!
نهضت سلمى وهي لم تستطع استيعاب ما يقول، فمجرد التمعن به يرفض عقلها بشدة.. فصاحت به:
- لا لا مش مصدقة اللي بتقوله ده مستحيل.
نهض طارق بعد نفاذ صبره إجمالًا.. لا يعرف ماذا يفعل أكثر من ذلك أمام عنادها.. فصاح بها بانفعال وشراسة:
- أنتِ طلعتي عيني، سلمى فكري في كلامي بعقل شوية ومعنديش حل تاني، ولو عندك أنتِ يا ستي قولي وأنتِ حرة كده كده المهلة فيها أقل من أسبوع.. هسيبك تفكري أيًا كان قرارك كلامي اللي هيمشي.. هستني تليفونك سلام.
تركها وذهب سريعًا وسط ذهول سلمى، التي طرقت على سطح الطاولة بانفعال شديد وهي تقول:
- أنت أكيد مجنون ماشي يا طارق.
لنفسها: (صبرك عليا مبقاش أنا سلمى الجوهري).
من كثرة انفعالها هذا اليوم، صباحًا مع عاصم وظهرًا لطارق.. لم تتحمل أعصابها أكثر من ذلك.. كادت أن تفقد وعيها ولكنها تماسكت، جلست بكل غيظ وهي تعيد التفكير في حديثه، ولم تستطع الاقتناع باقتراحه أبدًا.
تناولت حقيبتها وخرجت على الفور بضجر شديد، قادت السيارة بأعلى سرعة في منتهى الغضب.
في ذات الوقت كان صلاح يسير خلفها، وبالطبع تناول هاتفه ليبلغ عاصم بما حدث.
- أيوه يا عاصم.
رد عاصم بعصبية واهتمام:
- ها عملت إيه عرفت كانت مع مين؟
قال صلاح سريعًا:
- أيوه مع طارق الإبياري.
نهض عاصم وهو يطرق على سطح المكتب بغيظ.. فصاح بغضب وانفعال شديد:
- إيه طارق!! متعرفش كانوا بيتكلموا في إيه؟
توقع صلاح رد فعله، فرد بهدوء كي يمتص غضبه ليقول:
- لا معرفش بس شكلها كان متعصب جدًا.
رد عاصم بحنق:
- طيب أقفل دلوقتي.. ماشي يا سلمى صبرك عليا بس.
اتصل بسلمى ولكن وجد الهاتف غير متاح.
فقال لنفسه: وكمان قفلاه حلو أوي.
بعد أن أنهى مقابلته مع سلمى، كان يشعر بالضيق الشديد، لقد تحامل نفسه ليكون على مقدرة من الصبر لحديث سلمى، فإنه يعلم جيدًا رد فعلها.
فكفى الأيام السابقة، يريد إنهاء هذا الكابوس بأي طريقة كانت.. فذهب إلى الكلية ولكنه لم يكن بحالة نفسية وعصبية جيدة ليدرس.. فاتجه إلى الكافتريا ينتظر بها إيهاب.
رأته سارة صدفة من بعيد، تركت صحبتها التي كانت تقف تتسامر معهم وذهبت إليه.. وجدته شاردًا يفكر، في عالم آخر، جلست بجواره ولم يشعر بوجودها:
- مالك يا حبيبي قاعد مسهم كده ليه؟
انتبه لها ثم قال بجدية:
- كويس إنك جيتي.. عايزك في موضوع مهم جدًا.
دب القلق في قلبها.. شعرت بأنه يريدها بشأن الصفقة، فأعتدلت بجلستها وهي تقول بقلق:
- خير في إيه؟!
تنهد طارق ثم قال بجدية:
- أوعديني في الأول إنك هتفهمي الموضوع بعقل قبل أي حاجة.
لم تتحمل سارة النبرة الغامضة التي يتحدث بها، فانفعلت به:
- طيب في إيه يا طارق؟
طارق بتردد:
- أنا هتجوز.
سارة بصدمة فتحت فاها لتقول منفعلة:
- نعم! أنت بتقول إيه!! أنت بتهزر!
طارق رد في ثبات وجدية:
- لا بتكلم جد أنا هتجوز سلمى.
طرقت سارة على الطاولة بعنف، فقالت بغضب:
- لا يبقى أنت أكيد اتجننت.. يعني إيه تتجوزها! وأنا فين من كل ده.. أوام نسيتني؟!
لم يتحملها طارق هي الأخرى فانفعل بشراسة وهو يقول:
- اسمعي بس اللي حصل وقرري أنتِ في النهاية.
بالفعل قص عليها اتفاقه مع سلمى.. وهي تنظر له بحنق، نظرة المخدوع والمصدوم.. تنهد طارق بضيق ليقول:
- بس يا ستي أدي الحكاية كلها.
رفعت سارة إحدى حاجبيها سريعًا وهي تقول بعدم تصديق:
- لا والله عيلة أنا عشان أصدق اللي قولته ده.
تنهد طارق بضيق شديد، فزاد حنقه ليقول وهو يرمقها بغضب شديد:
- أنتِ أمرك غريب أعمل إيه أكتر من كده!!.. لو معملتش كده مش هنتجوز والشركة هتبوظ وناس هتتشرد وكده كده كل واحد هيروح لحاله لما الموضوع ينتهي.
وجدت سارة بأن جميع المنافذ قد سدت، ولا مجال لكي تنقذ مفادها بعد الآن.. فقالت بحنق وقلة حيلة خفية:
- والمفروض أعمل إيه أنا دلوقتي؟
تنهد طارق وقال بنبرة هادئة نوعًا ما:
- لو بتحبيني صحيح هتستحمليني.. أنا بعمل كل ده عشانا كلنا.
سارة: .....
تفهم طارق من سكوتها، وعلامات الضجر تملأ وجهها.. ولكن على الأقل هدأت قليلًا.. فتنهد ليقول بهدوء:
- ماشي يا سارة هسيبك تفكري براحتك.. بس مش كتير لأن المهلة قربت تخلص.. وأيًا كان قرارك أنا موافق عليه.
نهض وتركها تفكر في ضيق شديد.. وعاد هو إلى أدراجه.
عادت سلمى إلى الشركة مرة أخرى وهي تفكر في عرض طارق، وما يحدث حقًا إذا لم تقبل، فمصير الشركات وعمالها أصبحوا بين يداها الآن.. أصبحت في حيرة كبيرة الآن بين اختيار حريتها وبين إنقاذ الآلاف.
يا إلهي كم من حيرة.. دخلت مكتبها ثم ألقت بحقيبتها على الأريكة بالقرب من المكتبة.. كادت أن تخطو ولكن تفاجأت بصوت رطم الباب بشدة، فزعت والتفتت خلفها لترى عاصم والشرار يطلق من عينيه كالسهام الملتهبة.
ارتعش قلبها من نظراته لها.. فأخفت خوفها وصاحت به بقوة:
- مالك يا عاصم في إيه خضتني.. افتح الباب.
يقترب منها عاصم وهو يصيح بغضب:
- مش قبل ما تقولي كنت فين!
زفرت سلمى بقوة لتقول بضيق وتحدي:
- ما أنا قولتلك كنت في مشوار مهم.. ملكش دعوة.
تحركت متجهة إلى المكتب، مسكها من معصمها بعمق وجذبها نحوه وهو يقول بشراسة والغيرة تنهش في قلبه:
- كنت مع طارق مش كده؟! .. ردي عليا.
أفلتت سلمى معصمها سريعًا بألم، ثم نظرت لعينيه بقوة وتحدي وهي تصيح بانفعال شديد:
- إيه ده أنت بتراقبني كمان! هي حصلت!
صاح عاصم منفعلاً هو الآخر:
- ردي على قد السؤال.
ردت سلمى بتحدي:
- أيوه كنت مع طارق وأنت مالك بنتكلم في شغل.
عاصم بنفس النبرة:
- وشغل إيه ده كمان بره الشركة؟!
سلمى بعد لحظات من التفكير، ردت بصرامة:
- بعدين هتفهم كل حاجة.
لم تتحمل الانتظار في الشركة لحظة واحدة بعد الآن.. تركته وذهبت، دفعها من ذراعها وهي تفتح الباب وهو يقول بخشونة وعنف:
- استني هنا.
نزعت معصمها بقوة لتقول بصرامة:
- أوعى كده قولتلك بعدين هتعرف كل حاجة.. تعبانة دلوقتي ومحتاجة أستريح.. عن إذنك.
خرجت سريعًا بخطوات أشبه بالركض، بينما عاصم يصيح بنبرة عالية:
- ماشي يا سلمى أما أشوف آخرتك معايا إيه.
قادت سيارتها سريعًا والدمع يسيل من مقلتيها دون كلمة، بمجرد أن وصلت إلى المنزل صعدت سريعًا وارتمت على فراشها، وانهارت من البكاء الشديد.
تشعر بأنها بين نارين لا تستطيع التخلص من عاصم وتحكماته على الرغم من انفصالها عنه، لا يزال هو مرتبط بها ويتحكم بها أكثر من قبل.. لا تعرف ماذا تفعل، إذا كان يعاملها هكذا الآن فما يكون رد فعله عندما يعلم صفقتها مع طارق وموافقتها عليه إن فعلت؟! .. لدمر الدنيا وبما فيها تعتقد، غير شكه بها غير المفهوم.
أغلقت هاتفها فهي لا تريد التحدث مع أحد ولا تريد رؤية أي شخصًا كان.. إلى أن هجم عليها النوم لعله الراحة الوحيدة التي تسكن إليها بعد يوم عصيب.
يجلس محمود في حديقة المنزل ومساءًا، يحتسي فنجال القهوة المعتاد بعد يوم طويل وشاق في الشركة، ينظر إلى ساعة يده ليلاحظ وصول نور، فاقتربت منه وتجلس بجواره لتقول باسمة:
- مساء الخير يا بابا.
رد محمود باسمًا هو الآخر:
- أهلًا مساء الفل يا حبيبتي أخبارك إيه؟
تنهدت نور وهي تنظر لأبيها بتساؤل واهتمام:
- الحمد لله تمام.. مالك في إيه؟
رد محمود بقلق:
- أخوكي لحد دلوقتي ولسه مجاش.
ابتسمت نور وهي تربت على يده، فقالت لتطمئنته:
- متقلقش يا حبيبي أكيد مع حد من صحابه يعني.
صاح محمود بضيق بنفاذ صبر:
- أنا مأكد عليه في التليفون إنه ميتأخرش.. مفيش فايدة فيه.
زفرت نور بشدة ورجعت بظهرها للخلف.. فقد احتارت لأمرهما كثيرًا ولا تعرف ماذا تفعل، فالمهلة على وشك الانتهاء ولم يحرك أيًا منهم قدمًا واحدة، فردت بكآبة:
- الغايب حجته معاه، شوية وهتلاقيه جاي.. حتى سلمى نفس الكلام.
محمود بقلق:
- ليه مالها سلمى؟
تنهدت نور بحزن لتقول:
- استأذنت من الشركة، كلمتني وكان صوتها تعبان.. راحت مشوار من ساعة ما جات نايمة الله أعلم وقافلة الفون بتاعها ومش عارفة أوصلها.
تنهد محمود هو الآخر بقلق وحزن وحيرة، على الدوامة التي حاصرت الكل برد فعلها الغريب، فقال بقلة حيلة مسلمًا أمره لله:
- والله يا بنتي مش عارف أقولك إيه ربنا يصلح الحال.
نهضت نور تحاول التخفيف عن والدها قليلًا، وقامت باحتضانه وقالت:
- حبيبي يا بابا إن شاء الله خير.
تركته نور بعد قليل من مواساتها له، وصعدت لغرفتها كي تستريح قليلًا، وهي تعرف جيدًا أن لا يغمض لها جفن بسهولة بعدما حدث.
مازال محمود يجلس في الحديقة بانتظار طارق، بعد مرور نصف ساعة وصل طارق المنزل، سمع صوت محمود ينادي عليه من الداخل.
توقع ما الذي يحدث، تنهد بعمق وهو يبدو عليه التعب واتجه إلى الحديقة.
مساء الخير يا جماعة.
رد محمود بنبرة صارمة:
- أخيرًا شرفت يا أستاذ!! .. كنت فين لغاية دلوقتي.
لا كفى هذا يكفي، لن تتحمل أكثر من هذا.
كفى تذمر كفى غضب.. يكفي ما حدث اليوم على كل حال، ظهرت عليه علامات الضجر الشديد فتمالك نفسه قليلًا ورد بنبرة هادئة نوعًا ما:
- مفيش خلصت الشركة وطلعت على الكلية كان عندي كذا مشوار كده.
قال محمود بهدوء:
- طيب تعالى عايزك مش عارف أتلم عليك من الصبح.
أغلق طارق عينيه بضعة دقائق، حقًا يشعر بالتعب والإرهاق الشديد، فلا طاقة له كي يتحمل ويواصل النقاش والجدال من جديد..
فرد بنفاذ صبر:
- معلش أجلها وقت تاني أنا تعبان ومحتاج أنام
التفت إليه محمود وقال بغضب:
- وبعدين معاك يابني هو أنا هاخد منك ميعاد كمان!!
تنهد طارق بضيق ولكن رد بنفاذ صبر:
- بابا لو هتكلمني في موضوع الصبح هتعرف قراري اجتماع مجلس الإدارة الجاي تمام كده.. تصبح على خير
تركه طارق ولم يعطه فرصة للرد عليه، فإذا لم يرحل الآن سيكون رد فعله غير محبوب بالمرة.
في وقت عودة طارق، سمعت نور محركات سيارته تقترب، فعلمت بوصوله أخيرًا إلى المنزل، فنزلت للاطمئنان عليه، وخاصة إذا وردت مشاحنات بينه وبين محمود كي تطمئن.
وبالفعل قد سمعت المحادثة كاملة وتشعر بالأسف الشديد تجاه أخيها، فهي تشعر به وتقدر كثيرًا الأزمة التي انحصر بينها.
بعد أن رحل اقتربت نور من والدها وربت على منكبيه بحنان لتقول تهوينًا:
- معلش يا بابا اعذره متعرفش الضغط عليه والموضوع مأثر فيه إزاي
رد محمود بحزن:
- عارف يا بنتي أنا زعلان عليه أنا كمان ربنا يستر
تنهدت نور بحيرة ثم قالت باسمة:
- خير والله يلا قوم استريح بقى شوية تصبح على خير
نهض محمود معها وقال بعدما قبل جبينها:
- وأنت من أهله يا حبيبتي
صعدت نور إلى الأعلى، وفي طريقها لغرفتها مرت على غرفة طارق، توقفت أمامها مليًا وهي تفكر، هل تدخل للاطمئنان عليه أم تتركه يستريح الآن؟ حسمت أمرها بتركه والتحدث معه في وقت لاحق أفضل.
****************
مر يومان وسلمى تحاول تصفية ذهنها للرد على طارق. استيقظت وهي تشعر بوجع في كامل جسدها، كأنه منكسر من الإجهاد والتعب.
لا يوجد ما يشغل تفكيرها سوى اقتراح طارق لها، فهو مستقبلها ولا تستطيع في شيء سواه، ترى بأن حديثه منطقي نوعًا ما ولكن عقلها لا يريد الاستيعاب، أو بمعنى أصح ترفض قراره.
سمعت رنين هاتفها وجدت المتصل طارق.. أغمضت عيناها ثوان لتتمالك أعصابها ثم ردت بهدوء:
- أيوه يا طارق
طارق رد بنفس النبرة الهادئة:
- صباح الخير
قالت سريعًا بنفاذ صبر:
- صباح النور أنجز عايز إيه؟
ارتسم على محياه بسمة صغيرة وهو محاولة العبث بداخلها:
- أنجز! في واحدة تقول لزوجها المستقبلي أنجز!!
شعرت بالغضب الشديد من تلك النبرة التي يتحدث بها، فاعتدلت في جلستها وهي تقول بتذمر:
- نعم! أنت صدقت يا أستاذ أنا موافقتش أصلًا
تنهد طارق بحيرة:
- هو مفيش فايدة في عندك ده!!.. ده آخر كلام عندي يا سلمى ها
سلمى بعند أكثر:
- اممم آسفة يا طارق مش هقدر أنفذ قرارك
طارق بغضب ونفاذ صبر، انفعل وقال بشراسة:
- اسمعي يا سلمى مفيش وقت نضيعه، لازم نتقابل النهاردة الساعة 2 في نفس المكان عشان نتفق هنقول إيه ولا هنتصرف إزاي.. سلام
أنهى معها المكالمة وهي في قمة الغيظ والحيرة. تنهدت بقوة وهي تشتعل من الداخل بشدة ولا تعرف ماذا هي بفاعلة بحيرتها هذه.
صرخت بغيظ شديد.. لقد انتهى الوقت وجاء وقت الاجتماع لإخبار الجميع بقرارهم الأخير، والكل في تشويق وانتظار كبير على أحر من الجمر، وخاصة عاصم.
لا تعرف ماذا تفعل.. مسحت كفيها بشعرها في غضب شديد.
اغتسلت وصلت فرضها، ثم اتجهت إلى الشركة.. أنهت عملها مع تجنبها التعامل مع عاصم بشكل نهائي، وكلما أراد التقرب منها تبتعد وتتحجج بالعمل الكثير، وعند اقتراب الساعة من الثانية ظهرًا كانت على تردد شديد في ذهابها أم عدم الاكتراث له.
حسمت أمرها وقررت الذهاب كي تنهي كل هذا بأسرع وقت ممكن.
*****************
مر يوم وجاء يوم الحسم.. اجتماع مجلس الإدارة الذي ينتظره الجميع بفارغ الصبر.. سوف يتم تحديد مصير الجميع.. منهم من ينتظر القبول ومنهم الرفض.
نور في الكلية وها قد قاربت الساعة الواحدة ظهرًا، محاولة منها إنهاء ما يجب عليها إنهاؤه هنا كي لا تتأخر عن موعد الاجتماع. اتصل بها يوسف وقرر ضرورة مقابلتهم حتى يروا ما العمل في أخويهما في يوم الحسم هذا.
جالسان في الكافتيريا يفكران عن الحل الذي توصل إليه الثنائي الكتوم.. منذ ما حدث ولم تحكِ معها سلمى بأي شيء.. ولا أحد كان يعلم الاقتراح بينها وبين طارق إلا إيهاب فقط لا غير.
نظر يوسف لها وجدها شريدة تمامًا في عالم آخر، قطع الصمت بينهما ليقول:
- آنسة نور مالك سرحانة في إيه؟
انتبهت نور له وقال بشرود:
- في الاجتماع اللي جاي أعصابي مش على بعضها
تنهد يوسف وقال بحيرة:
- ومين سمعك تفتكري ممكن يوافقوا؟
نظرت له نور وقالت بجدية وقلق:
- واحتمال كبير يرفضوا بجد مش عارفة أنا احتارت.. الساعة معاك كام؟
نظر إلى ساعة يده ثم إليها ليقول وهو ينهض:
- 3.. يلا بينا دلوقتي
نهضت هي الأخرى وكل منهم استقل سيارته متجهين إلى الشركة مقر الاجتماع.
*****************
في هذا الوقت حاول طارق مرات وتكرارًا الاتصال بسلمى ولكن لا يوجد رد.. خاف كثيرًا ألا تكون نوت الهروب ولكن لا، شخصية سلمى تواجه لا تهرب.
حسم أمره وقرر الذهاب إلى شركة الجوهري، على يقين بأنه سوف يجدها هناك.
وصل أمام الشركة وعيناه مصوبة على غرفة مكتبها.. قرع على الباب بسرعة ودخل على الفور دون انتظار إذن له بالدخول.. وبالفعل وجدها على مكتبها تجلس بوقار ولا مبالاة.
زفر بقوة وهو ينظم أنفاسه.. اقترب من مكتبها وجلس قبالتها، كانت تنظر له ببرود شديد وبسمة صغيرة رسمت على محياها.. شعر بالغيظ الشديد من رد فعلها، فقال بعصبية:
- كنت متأكد إني ألاقيكي هنا.. ولا على بالك
سلمى ردت بنفس البرود:
- اممم أهلًا عايز إيه يا طارق؟
تماسك طارق ثم قال بصرامة:
- نعم! يلا قومي مش في اجتماع النهاردة ولا نسيتي؟
سلمى ابتسمت باستفزاز وهي تقول بهدوء:
- لا سوري يا طارق مش هقدر بجد
فتح فاه بشدة.. من الواضح أن حديثه معها في آخر مرة لم يجدِ نفعًا معها.. كفى لن يتحمل سخافتها وعنادها أكثر من ذلك.. فجأة وبدون أي مقدمات ارتفعت نبرة صوته وقرع على سطح المكتب.. فانتفضت فزعة بشدة وقلبها يدوي بشدة.. وقال بشراسة وعنف:
- سلمى لآخر مرة أنا كل ده وماسك نفسي وبتعامل معاكِ بلطف للآخر.. أنا مش ناقص عنادك ده وأنتِ فاهمة!!.. اتفضلي معايا زمانهم مستنينا كلهم على نار دلوقتي.. عندك ده في النهاية مش هيجيب نتيجة..
ردت سلمى وهي تجز على أسنانها بغضب شديد:
- أنت اتجننت! أعمل اللي تعمله لا يعني لا
طرق بشدة وعنف على المكتب، وتحول إلى فك مفترس.. أمسكها من معصمها وجذبها خارج المكتب بعنف.. وهي تبكي بشدة من شدة الألم وتصرخ لتقول:
- صبرك عليا يا طارق لأوريلك النجوم في عز الضهر من اللي بتعمله ده مبقاش أنا
أجبرها على ركوب سيارته ولكن أبت، دون كلام استقلت سيارتها وقادت بسرعة جنونية وهو خلفها يحاول اللحاق بها.. كان يخطف نظرات لها بين الحين والآخر.. وهي نظرات غل وغضب بدموعها التي تسيل بغزارة على وجنتيها.
وقفت السيارتان بعنف أمام الشركة.. نظر إليها وجدها ما زالت تبكي.. في لحظة كاد أن يتعاطف معها ولكن عاد لرشده.. أخرج منديلًا وأعطاه إياها وهو يقول:
- امسحي دموعك قبل ما تطلعي ألا يقولوا ضربك ولا حاجة
سلمى رمقته نظرة غاضبة ثم صاحت به بغضب:
- مش عايزة منك حاجة خليهولك
أمسكها من معصمها بشدة فتألمت:
- ما تعليش صوتك أنتِ سامعة
تركته وسارت بخطوات أشبه بالركض، سار خلفها وأسرع خطواته حتى وصل إليها، أمسكها من معصمها واتجه بها نحو الحمام فقال ببرود وهدوء:
- ادخلي اغسلي وشك.. مينفعش يبان عليكِ آثار العياط بالشكل ده وإلا بيقولوا هتجوزك غصب.. مش عايزين نبان إننا كنا مع بعض.
انتظرها حتى خرجت ثم قال بهدوء:
- اسبقيني أنتِ هعمل مكالمة وجاي على طول
ذهبت وهي تحاول أن تتماسك حتى لا يظهر عليها آثار البكاء مرة أخرى... يجب أن تكون متماسكة أكثر من ذلك.. فهي سلمى الجوهري أقوى من أن يكسرها رجل.
****************
دخلت غرفة الاجتماعات.. وجدت بالفعل الجميع بانتظارها وكل الأعين مصوبة نحوها بشدة، كأن كلاشينكوف مصوبة نقطة الليزر نحو هدفه.
فقد فر منهم الشعور بهروبهم على تأخرهم الشديد.
أغلقت سلمى الباب وهي تقول:
- سلام عليكم
الكل:
- وعليكم السلام
جلست بجوار نور في هدوء شديد، هدوء قاتل لم تتفوه بكلمة واحدة، الجميع في حيرة وقلق من أمرها، خاصة نور، فقد أخبرها طارق بأنه سوف يمر على سلمى ويحضران الاجتماع سويًا، ولكن سلمى جاءت بمفردها، أين هو وماذا حدث بينهما يا ترى؟!
قطع الصمت صوت هاشم ليقول:
- اتأخرتي ليه يا سلمى كل ده؟
ابتسمت سلمى وقالت ببرود:
- سوري يا بابا المرور واقف
نور ردت بتساؤل:
- أومال فين طارق يا سلمى هو ما جاش معاك؟
سلمى بنفس النبرة:
- طارق زمانه في السكة
نظر لها عاصم وقال بغيرة وغضب:
- هو أنتِ كلمتيه؟؟
نظرت له سلمى بتحدي وقالت:
- اممم كلمني في السكة
لحظات وسمعوا صوت قرعات على الباب ليدخل طارق.. جلس أمامها دون كلام.. وكل منهم يتحاشى النظر إلى الآخر.. الجميع ينظرون لهما بغرابة شديدة وعدم اطمئنان لهدوئهما الشديد وعدم النظر للآخر.. قطع الصمت مجددًا صوت طارق بجدية بالغة:
- ها نبدأ الاجتماع
تنهد محمود وقال بحسم:
- احنا من ساعتها مستنيينكم نعرف قررتوا إيه
التفت طارق لسلمى باسمًا وهو يفجر القنبلة الكبرى في وجوههم:
- قررنا إننا نتجوز
كلمة نزلت كالصاعقة على الجميع وبالأخص عاصم بالطبع.. نظروا جميعًا بعضهم بعض بصدمة ودهشة كبيرة.. على غير استيعاب لمسامعهم للتو.
محمود صاح بدهشة:
- إيه؟!!
أكمل طارق بنفس النبرة الهادئة:
- مش هلاقي أحسن من سلمى زوجة ليا.. والفترة اللي فاتت أصبحنا فاهمين بعض كويس
نهض عاصم وصاح بانفعال شديد وتعالت نبرة صوته:
- أنت اتجننت تتجوز مين؟ دي مراتي
رد طارق بتحدي وبرود:
- لا أحب أصححلك معلوماتك دي كانت خطيبتك ومش هتبقى مراتك..
ثم هتبقى مراتي أنا.
عاصم بنفس النبرة:
- على جثتي إللي يقرب منها.
ردت سلمى بهدوء شديد:
- متنساش يا عاصم إن القرار ده في مصلحة الكل وأولهم أنت، وأنا عارفة إنك ممكن تعمل أي حاجة عشان مصلحتك.
نور بغير استيعاب لم تصدق ما تقوله ولا حالة الهدوء التي تبدو عليها، فقالت بدهشة:
- سلمى أنت إيه إللي غير رأيك بالشكل ده؟
ابتسمت وهي تنظر لطارق وعيناها تنزف ألمًا لتقول:
- البركة في طارق بقى تقولي إيه.. دكتوراه في الإقناع.
أختصر طارق الحديث عندما شعر بأن حديث سلمى به لذعة من الألم أصابت قلبه، فقال بحزم وجدية:
- أظن إننا لازم نحدد ميعاد كتب الكتاب عشان نحط الشركة المقابلة قدام الأمر الواقع.
هاشم بتأييد:
- أنا شايف كده بردو.
لم يكن محمود على وفاق وراحة من هذا القرار، يشعر بأن خلفه شيء صادم لا يعلمه، فنظر لهم بشك وقال:
- متأكدين من قراركوا ده يا ولاد؟!
ابتسمت سلمى وردت على الفور:
- طبعًا يا أنكل.. ولا إيه يا طارق؟
نظر لها وابتسم هو الآخر وقال:
- ده أكيد.. أفضل كتب الكتاب على كمان يومين بالكتير.
ابتسم هاشم وكأنه جاءت له الفرصة من ذهب، في داخله كان سعيد للغاية، فرد بحماس:
- على خير الله مبروك يا ولاد.. نقرا الفاتحة.
قرأوا الفاتحة وسلمى وطارق ينظران إلى بعض بغل وغيظ وغضب بينهم، ثم نظرت إلى هاشم وفرت دمعة من عيناها كأنه تخلص منها وشعر بالراحة من ذلك، من تلك البسمة التي فرت من محياه دون أن يدري. أما عاصم كان أن يشتعل غيظًا وغضبًا مما يحدث، ويوسف ونور ينظران إلى بعضهما بغرابة وعدم تصديق.
انتهت القراءة، أراد طارق أن ينهي هذا الاجتماع بأي طريقة ويرحل من هنا، نظر لسلمى وقال بحب:
- مش يلا يا سلمى عشان نشوف هنعمل إيه.
ابتسمت سلمى وقالت بحب هي الأخرى:
- عندك حق يلا بينا.
نهض طارق وهو يقول ومعه سلمى:
- سلام يا جماعة.
لا تزال نظرات الحب والابتسامات متواجدة، ولكن عقب خروجهم وإغلاق الباب خلفهم، عادت قسمات وجوههم إلى الأصل، عادت لطبيعتها تمامًا.
وقفت أمام سيارتها وهي نظرت له بضيق وقالت بحنق شديد:
- ها تمام كدة ارتحت!
نظر لها طارق بغرابة، وقال بهدوء محاولًا استدراجها:
- تمام أوي، بس مكنتش مصدق النبرة إللي كنت بتتكلمي بيها.
ابتسمت سلمى ببرود لتقول بألم:
- كله حسب الاتفاق إللي بينا وكفاية إني عملت حاجة غصب عني عن إذنك.
كادت أن تخطو وتذهب، أوقفها بإمساكها من معصمها وصاح بها:
- رايحة فين؟
أفلتت يداه بقوة ونظرت له وقالت بتحدي:
- وأنت مالك رايحة فين مش نفذت إللي عايزه سيبني بقى.
طارق بغضب:
- سلمى اعقلي احنا في الشارع.
ردت سلمى بانفعال شديد:
- طارق أنا استحملت فوق بما فيه الكفاية أرجوك كفاية كده.
انفعل طارق بتلقائية وغضب ليقول:
- لما جوزك يجي يكلمك اتكلمي كويس.
اندهشت سلمى من تلك الكلمة، فرفعت إحدى حاجبيها وقالت ساخرة:
- جوزي! جوزي مين يا أستاذ.
أدرك طارق ما تفوه به لتوه دون أن يشعر، فغير الحوار محاولة منه إخفاء ارتباكه وهو يقول:
- باعتبار ما سوف يكون.. اتعدلي يا سلمى أحسنلك.. حسابك معايا بعدين.
نظرت له بقوة وقالت بتحدي:
- ملكش دعوة بيا وتبقي قابلني.. سلام.
كل منهم استقل سيارته ورحل على الفور، وما زالت سلمى تفكر في رد فعل عاصم، فهي تخشى تصرفاته، فهل ما فعلته هو الصواب؟ فقد أرادت أن تتخلص من هذه الزيجة ومن عاصم بأي ثمن، بسبب سلوكه وتصرفاته معها، زادت من سرعتها بضيق وغضب شديد.
والغضب كذلك كان مسيطرًا على طارق، لم يكن على استيعاب إنه تجرأ وقام بتنفيذ تلك الخطوة، بالنسبة له كانت حلم غريب، كيف سيستمر حياته معها بعد الآن والخلافات بينهم كبيرة بهذا الشكل، فهي ستصبح زوجته، كيف سيتحمل عنادها؟ ما موقفه مع سارة بعدما وضعها أمام الأمر الواقع هكذا؟
*****************
في ذات الوقت تشتعل النيران في الشركة، والمحترق هو عاصم، لم يصدق بأن سلمى فضلت طارق عنه، أصبحت لغيره ولن تكون له بعد الآن.
تخطيط السنوات الماضية رحل هباءً، وسوف يكون لطارق حصص أكثر بنصيب سلمى بالشركة باعتباره زوجها يتصرف بأموالها كيفما يشاء، تفكيره فقط في المال ومصلحته الشخصية فقط لا غير، حتى ولو أشعلت الدنيا من حوله، يتصور بأن جميع البشر من حوله يفكرون بتلك القذارة والجشع والطمع الذي يفكر بها، وامتلاً قلبه بهما.
عاصم يفكر الوجوم يسيطر على قسمات وجهه، طرق على مائدة الاجتماعات بعنف وصاح بهم في انفعال شديد:
- إيه التهريج إللي بيحصل ده! مش مصدق إن سلمى تعمل كده.. مستحيل!!
رد هاشم بوجوم هو الآخر مع مبالاة:
- مش ده قرارها إللي كنا مستنينه؟ هي إللي عايزة كده.. كنت هتنبسط لما شركتكوا تنزل الأرض لو قرارها كان العكس؟
نور انفعلت في عاصم، جاء الوقت كي تفجر ما في قلبها له من سنين، فقالت:
- أومال كنت عايزها تعمل إيه ها! ضغط منك ومن طارق ومن مستقبل الشركات بعمالهم.. كلمة منها تنزلنا الأرض ومكنتش هتبقى قاعد كده وسطينا كنت هتجري زي الملهوف تلحق شركتك.. أنت للأسف يا عاصم مبتفكرش غير في نفسك وبس إنما سلمى عمرك ما اهتميت بيها ولا كانت تفرق معاك أصلًا.. ثم منكرش إني اتفاجئت زيي زيك بالقرار المصيري ده!
تهرب عاصم من مواجهة نور، لن يستطيع مهاجمتها أمام الجميع سيكون هو المذنب، علق فقط على مصلحته لا غير، فقال بانفعال:
- أنا المفروض أوجهلك سؤال ده.. مش أنت صاحبتها بردو؟!
ردت نور بنفس حالتها الاندفاعية:
- أيوه لكن الفترة الأخيرة مكنتش بتحكيلي أي حاجة.. قدرت إللي هي فيه ومرضتش أضغط عليها.
قطع محمود مداولاتهم وقال بحسم وجدية:
- مادام هما مقتنعين بقرارهم ومتفقين على كل حاجة يبقى كفاية لحد كده ومحدش يدخل وننهي الموضوع.
أيد هاشم رأيه، فهو أكثر منهم يريد إنهاء هذا الحوار للربح بالصفقة:
- أنا بقول كده بردو الحكاية خلصت نتفق مع الشركة التانية ونكمل الموضوع.
يرى عاصم كل شيء تهدم أمام عيناه وأصبح كل شيء أمر واقع، والجميع على اتفاق وإجماع لقرار سلمى، نهض وسحب المقعد بعنف وهو يقول بغضب:
- وأنا مش هسكت على التهريج ده وحسابي مع سلمى.
خرج سريعًا وأغلق الباب خلفه بعنف، لم تتحمل نور ويوسف أكثر من ذلك فهموا بالرحيل.
******************
لم يتحمل يوسف أن يرى نور تستقل سيارتها بهذه الحالة، فعرض عليها أن يذهبا سويًا لأي مكان هادئ تستجم فيه قليلًا وترخي أعصابها، أبت بالطبع وبعد محاولات منه ذهبت معه على اتفاق منه بإرسال سيارتها إلى منزلها، بواسطة سائق والده. وبالفعل ذهبوا إلى إحدى الكافتيريات على شاطئ البحر، وكانت نور في عالم بعيد تفكر فيما حدث، إلى أن قطعت الصمت قائلة:
- أنا مش مرتاحة للي حصل ده أبدًا على فكرة.
تنهد يوسف وقال بتفكير:
- عندك حق.. سلمى مش شخصية بتستسلم بسرعة.. ولا تعمل حاجة ضد رغبتها.. في حاجة غلط.
نور بنفس الحالة ردت قائلة:
- حتى طارق مش مظبوط هو كمان اليومين إللي فاتوا دول.. هادي جدًا على غير العادة، لكن لما حد يكلمه انفعاله كله بيطلع، ولا يمكن حد يفرض عليه حاجة.
يوسف بعد تفكير:
- ربنا يهديهم ويسترها بجد على إللي جاي.
*******************
بعد عودتها من المنزل دخلت في نوبة بكاء شديدة، لا تعرف ماذا يخبئ لها القدر أكثر من ذلك، مسحت دموعها ووعدت نفسها بأنها ستكون قوية.
بعد قليل قامت وبدأت تعمل على حاسوبها المحمول، عند عودة يوسف وهاشم من الخارج حاولا التحدث معها ولكنها أبت بشدة.
ظلت تعمل إلى منتصف الليل، قامت بفتح هاتفها وبعد عشرة دقائق سمعت رنين هاتفها، وجدت المتصل طارق فقامت بإغفال المكالمة، تكرر الاتصال وتغفل المكالمة عدة مرات، وهذه الحركة تزيد من عصبية طارق كثيرًا.
لم يستسلم وكرر الاتصال حتى شعرت بالملل والضيق الشديد، فهي لا تريد التحدث إليه، حسمت أمرها وقامت بالرد عليه وهي في قمة انفعالها وغضبها:
- ألو أيوه يا طارق عايز إيه.. رن رن رن.
رد هو الآخر بغضب وانفعال ليقول:
- بقالي ساعتين برن عليك مبترديش ليه يا هانم.
زفرت بقوة ثم ردت بنفاذ صبر:
- وبتتصل ليه هو أنا فاضيالك.. ورايا شغل.
قال طارق بخبث مع انفعال:
- حد يكلم خطيبه كده.
تفهمت النبرة التي يتحدث بها، فقالت بحسم وجدية:
- طيب من هنا ورايح مفيش كلام إلا لما يكون في حاجة رسمي ما بينا وتيجي تتقدملي.. تمام كده.
رفع طارق إحدى حاجبيه ورد بسخرية:
- نعم!! أتقدملك!! كمان يعني إيه؟!
ابتسمت سلمى وقالت ببرود:
- زي ما سمعت يا كده يا مفيش جواز أحسن وتبوظ كل حاجة.
طارق بنفاذ صبر:
- ماشي يا ست سلمى أما نشوف آخرتها إيه.
ردت سلمى بهدوء شديد وعلى محياها بسمة خبيثة:
- خير إن شاء الله.
ثم لنفسها: (آخرتها تركواز عليك يا طارق.. لسه شوفت حاجة).
رواية صفقة حب الفصل الخامس عشر 15 - بقلم شيماء جوهر
أدرك منذ اللحظة الأولى لتأكده من تنفيذ قراره، بأنه على وشك دخول دوامة ليس لها آخر. سيرهق حقًا من علاقته بسلمى، تلك الفتاة الجادة التي تتسم بالعناد والكبرياء. فشل في ترويضها، وكلما يقوم بذلك يزداد عنادها أكثر من ذي قبل، فماذا هو بفاعل مع تلك القطة الشرسة التي كلما تراه تشتد بينهم الخلافات وتحوم عليه بغضبها وانفعالها.
فمنذ أن تركها وهو يفكر في حياته معها فيما بعد. لم يشعر بالوقت وهو يفكر ويتحدث مع إيهاب، فهو قام بالاتصال به عقب رحيلها كي يستنشق هواءً نقيًا، إلى أن تجاوزت الساعة الثانية عشرة بعد منتصف الليل، على إحدى صخور شواطئ البحر.
إيهاب بضحكة عالية وهو يحتسي رشفة من مشروبه الغازي:
- مش قلتلك من الأول أن الحكاية دي آخرتها جوازة مصدقتنيش. عشان تسمع كلامي بس.
رشف طارق هو الآخر ليقول بضيق:
- كنت فاكرها صفقة زي أي صفقة. متوقعتش إنها ممكن تقلب بالشكل ده أبدًا.
نظر له إيهاب بهدوء وهو يقول:
- بس سلمى مش وحشة أوي زي ما كلمتني عنها يا طارق.
نظر له طارق باندفاع ورد بتذمر:
- أنا مقولتش إنها وحشة بالعكس. هي بس اللي جد أوي وعصبية ومبتقبلش كلمة. مش عارف هعيش ولا هتعامل معاها إزاي بس.
نظر له إيهاب بعد تفكير ليقول:
- هي كده فعلًا ولا معاك بس؟!
تنهد طارق وقال دون أن يلتفت إليه بلامبالاة:
- هي تفرق يعني؟!
رد إيهاب بثقة وتأكيد:
- طبعًا تفرق... خد بالك وراجع ده كويس.
*******************
عاد محمود من الشركة ويبدو عليه الغضب، لاحظته نور التي كانت تجلس في الحديقة بصحبة تهاني، شاهدته وهو قادم. نظرت تهاني لنور بتساؤل:
- هو بابا ماله يا نور؟
تذكرت نور ما حدث في الاجتماع، ثم قالت بحزن:
- حالنا كلنا متلخبط يا ماما اليومين دول، دعواتك. قومي خففي عنه شوية دلوقتي محتاجك.
دق قلب تهاني بشدة ثم قالت بقلق:
- هو اللي حصل صحيح في الاجتماع؟ رسيتوا على إيه؟
ابتسمت نور بحيرة وقالت:
- من الأفضل تسمعي منه لأني مبقاش فيا طاقة عشان أحكي.
*****************
نهضت وذهبت إليه تتفقد حالته، وعادت تهاني تضع سماعة الأذن من جديد لتذهب إلى عالمها من جديد. تستعيد الوقت قبل مجيئها إلى المنزل مع يوسف.
يوسف باسمًا:
- تعرفي أنت ساعات بتصعبي عليا.
قضبت نور حاجبيها بغرابة ثم قالت بتساؤل:
- بصعب عليك ليه يعني؟
استرد يوسف حديثه بنفس البسمة:
- بتحاولي توفقي مع الكل. تقفي جنب سلمى وتساندي طارق، وتخففي عن باباكي شوية. وفوق ده كله شايفة شغلك مع سلمى ودراستك. وناسية نفسك خالص يا نور.
اندهشت نور كثيرًا من حديثه، شعرت بفرحة داخلية. ولأول مرة تشعر باهتمام أحدهم بها والتمعن بحياتها بهذه الدقة.
ملامحها أوحت ليوسف بأنه أخطأ في اختيار كلماته، أو أنها شعرت بالضيق. فقال سريعًا بارتباك وقلق:
- أنا آسف... نور كده من غير آنسة.
شعرت بالخجل ثم قالت سريعًا كي لا تشعره بالذنب:
- لا أبدًا مفيش داعي للأسف. مقدرة تلقائيتك.
ارتسمت على محياه ابتسامة عريضة، شعر بسعادة تدف إلى قلبه من بسمتها ورقة تعبيرها. تطال النظر إليها فشعرت بالخجل والارتباك. فقالت على الفور:
- ممممم مش يلا بقى... أنا بقيت كويسة.
لاحظ خجلها فابتسم وقدر حالها. فقال وهو ينهض:
- تمام زي ما تحبي.
نهضت هي الأخرى واستقلا السيارة، طوال الطريق وهما صامتان تمامًا. أغمضت عيناها وغاصت في أحلامها.
******************
دخلت تهاني لغرفة المكتب، وجدت محمود يقف أمام النافذة مصدرًا إياها ظهره. قطعت الصمت الذي يحوم حوله قائلة:
- حمد لله على السلامة.
رد محمود بهدوء وجدية:
- الله يسلمك... ابنك فين؟
لم تطمئن تهاني من نبرته، فأجابت بقلق وترقب:
- لسه مجاش لحد دلوقتي... مالك حصل إيه؟
أدار إليها وطرق على سطح المكتب بغضب:
- والله عال الدنيا مقلوبة والبه ولا على باله. فين نور هاتيلي نور حالًا.
تهاني بقلق:
- طيب أهدى بس يا محمود.
فقامت بمناداة الخادم وطالبت منه أن يخبر نور بالحضور إلى غرفة المكتب على الفور.
ذهب الخادم إلى الحديقة واقترب من نور وظل ينادي عليها وهي لا تسمعه. إلى أن نادى عليها لآخر مرة إلى أن شعر بصوت خارجي ينادي عليها.
رفعت رأسها بعدما تم نزعها جبرًا من أحلامها وقالت بجدية:
- في إيه؟
الخادم:
- محمود بيه عايزك حالًا في مكتبه.
نور بجدية قالت:
- تمام جاية.
******************
نهضت نور وذهبت إلى الغرفة، وجدت حالة غضب محمود. اقتربت منه وهي تحاول تهدئته بعدم فهم:
- حصل إيه بس يا بابي أهدى طيب.
رد محمود بانفعال وغضب:
- اطلبي أخوكي حالًا، بقالي ساعتين وشوية مبيردش عليا.
قالت نور بتوتر وهي لم تفهم بعد ماذا حدث:
- حاضر طيب طيب.
خرجت نور وقامت مسرعة بالاتصال بطارق، وتنتظر الرد بتوتر شديد. سمعت صوته فصاحت به في قلق ولهفة:
- ألو أيوة يا طارق أنت فين؟
قلق طارق من نبرتها، فرد بهدوء كي يفهم ما يحدث:
- خلصت الشركة وطلعت مع إيهاب شوية.
صاحت به بانفعال وهي تحاول ألا يعلو صوتها حتى لا يسمعها محمود لتقول:
- يا نهار مش فايت... بابا جاه متعصب وقالب عليك الدنيا.
قلق طارق ورد بقلق ولهفة:
- يا خبر إيه اللي حصل؟
ردت نور بنفس الحالة القلقة:
- معرفش تعالي قوام يلا بسرعة.
طارق بقلق:
- ماشي جاي يلا سلام.
نور سريعًا:
- سلام.
تنهدت بقوة وهي تقول في سرها: (سترك يا رب الليلة دي).
عادت نور إلى الداخل في توتر شديد، تريد معرفة ما حدث لوالدها وسر تحوله بهذا الشكل. قال محمود بخشونة وصرامة:
- ها هو فين؟
ردت نور بتوتر:
- جاي في الطريق مسافة السكة.
جلس محمود على مقعده وهو يعود بظهره إلى الخلف، وهو يقول بغضب:
- أما نشوف آخرتها إيه.
جلست تهاني وهي تقول بقلق محاولة تهدئته:
- أهدى بس شوية كله خير.
نظرت نور لتهاني بقلق، ففهمت نظراتها. ساد الصمت ومرت خمس عشرة دقيقة إلى أن وصل طارق.
دخل إلى غرفة المكتب بعدما أخبره الخادم بذلك، بناءً على أمر محمود له بوصول طارق.
وجد صمت شديد يحوم في المكان، فقطع الصمت وقال:
- السلام عليكوا خير يا بابا.
محمود رفع رأسه وقال بضيق:
- وعليكم السلام آخر ما شرفت!!
أغلق طارق الباب وهو ينظر إلى تهاني ونور بتساؤل عما حدث، ولكن لم يحصل منهن على إجابة. فهن الأخريات لا يعرفن ما حدث.
جلس قبله ورد بقلق:
- حصل إيه؟
قال محمود بانفعال:
- حصل إن لو مفيش حاجة اتنفذت في ظرف يومين من اللي اتفقتوا عليها أنت وسلمى هيحطونا احنا قدام الأمر الواقع.
قالت نور مسرعة باهتمام:
- وضح أكتر يا بابي إيه اللي جد في الموضوع؟
محمود حاول أن يتماسك قليلًا ثم قال بهدوء نسبي:
- بعد الاجتماع الشركة بعتت فاكس بتطالب فيه بتنفيذ الشرط على الرغم إني قولتلهم إنكوا مخطوبين وجوازكوا على وشك... والأساتذة لسه مفيش أي خطوة بينهم، يبقى من حقهم الشرط يتنفذ... اتصل بيه غير متاح هاشم مع سلمى مفيش فايدة برضه مش عارفين نوصلهم.
شعر طارق بالضيق الشديد من هذه التطورات المفاجئة له، ولا يعرف ما السبب. تغاضى عن شعوره ورد بهدوء:
- ما أنا كنت عايز أكلمك في الموضوع ده امبارح بس مكنش فيه وقت.
رد محمود بنفس الحالة، فهو مضغوط مثله تمامًا ولكن من ناحية أخرى:
- ومستني إيه يا أستاذ! خلينا نشوف شغلنا المتعطل بسببكوا ده.
تنهد طارق ثم قال وهو ينظر إليه بجدية:
- سلمى اشترطت إني لازم أروح وأتقدملها رسمي يا كده يا مفيش جواز.
قال محمود بجدية مؤيدًا ما يقول:
- وإيه المشكلة ما ده الصح ومن حقها.
رفع طارق إحدى حاجبيه، لم يتوقع بأنه والده يكون في صفها، اعتبارًا أن تلك الشكليات مضيعة للوقت. فقال بغرابة وسخرية:
- نعم! حقها!!
اندفعت نور بشدة مدافعة عن موقف صديقتها كنوع من الدعم:
- آه طبعًا حقها مش زيها زي أي بنت... ولا عشان الشغل يعني تمشي الأمور بالشكل ده.
تنهد محمود براحة وقال بهدوء:
- طيب خلاص هكلم هاشم دلوقتي ونحدد ميعاد على بكرة.
ابتسمت تهاني وقالت بهدوء هي الأخرى:
- كويس على خيرة الله.
نظرت نور لطارق بمرح حتى تغير من حالته المزاجية. نظرة يفهمها جيدًا إلى أن قال بتهكم:
- عارف أنك فرحانة فيا.
لم تتحمل نور وتهاني فضحكن بشدة.
تركهم وصعد إلى غرفته ومن ثم صعدت نور إلى غرفتها هي الأخرى.
كان القلق الشديد يستحوذ على تفكير نور للغاية، وماذا يمكن أن يحدث في هذا اليوم بين الثنائي العجيب.
تركت الأمور تسير كما كتب الله لها وكل شيء سوف يكون على ما يرام.
***************
في صباح اليوم التالي أول شيء قامت به نور هو الاتصال بسلمى، لتقص لها عما حدث. فهي بالفعل حتى أشرقت الشمس ولم تفتح هاتفها.
صاحت نور بمرح:
- أنتِ نايمة والدنيا مقلوبة عليكِ من امبارح يا ست هانم!!
فزعت سلمى وقامت على الفور تعتدل جلستها وهي ترد في قلق شديد:
- في إيه يا بنتي خضتيني... اللي حصل؟
ضحكت نور بشدة على حالتها وحاولت تخفيف الجو العام الذي أثارته:
- أهدي يا بنتي إيه مش ملاحظة نبرة صوتي منعنشة كده هون.
زفرت سلمى بقوة وراحة، حمدت الله بأن كل شيء على ما يرام، ثم صاحت بنور قائلة:
- كده هون!! بقى توقعي قلبي وتصحيني من النوم مفزوعة وتقوليلي كده هون!!...
- لا بجد اللي حصل، ما أنتِ متفزعنيش كده من فراغ.
ردت نور بمرح:
- شكل شرطك لطارق هيتنفذ اليوم يا جميل.
سلمى بغير استيعاب قالت على الفور:
- إيه ده بالسرعة دي؟!
ردت نور بنفس الحالة:
- طبعًا يا بنتي احنا في عصر السرعة.
ردت سلمى مسرعة بلهفة:
- لا بجد يا نور، هو كلامي أثر فيه للدرجة دي؟
ضحكت نور بشدة ثم قالت بمرح:
- مين!! طارق؟! هههههههه شكلك لسه متعرفهوش كويس.. لا مش كلامك يا بيبي، ده الفاكس اللي وصل امبارح بعد ما خلعتوا لو متجوزتوش في أقرب وقت هتدبسي مع الشركة إياها.
تفاجأت سلمى بشدة وشعرت بالسوء عندما تخيلت ذلك ولا تعرف ما السبب.. حاولت تلاشي تلك الفكرة وابتسمت وقالت بلامبالاة لتخفي ما شعرت به:
- وإيه يعني، كده تدبيسة وكده تدبيسة.
اعترضت نور بمرح خفيف ممزوج بجدية:
- لا بس تدبيسة عن تدبيسة تفرق.. على الأقل أنتِ عارفة طارق نوعًا ما دلوقتي.
تمهلت سلمى وقالت بشرود:
- عندك حق.
تنهدت نور بقوة وقالت بجدية بالغة:
- بس إن جيتي للحق.. طارق كان راجع البيت وكان ناوي فعلًا يفاتح بابا في الموضوع.
ارتسمت بسمة صغيرة على محياها دون أن تدري، شعرت بسعادة داخلية لسماعها تلك الجملة ولا تعرف تفسيرها.. تنهدت وقالت بهدوء:
- طب كويس.
بعد حوار طويل دار بينها وبين نور.. قامت سلمى واغتسلت وصلت فرضها وهي تفكر ماذا تفعل في هذا اليوم المليء بالتوتر.. تنهدت وقررت أن تجس نبض والدها عن ما حدث، بالتأكيد وصل إليه الخبر قبلها.
****************
نزلت سلمى كي ترى والدها قبل أن يذهب إلى الشركة.. وجدته يجلس على مائدة الطعام يتناول فطوره، فقررت الجلوس بجواره واستجوابه كأنها لم تعرف شيئًا بعد.. على الرغم بأن علاقتها بهاشم أصبحت مضطربة من يوم الاجتماع، فما جعلها تفعل ذلك هو وجود يوسف يتناول الفطور معه.
سلمى بوجوم:
- صباح الخير.
يوسف وهاشم في وقت واحد:
- صباح النور.
ثم أردف هاشم قائلًا وهو ينظر إليها:
- نمتي كويس؟
تنهدت سلمى وردت بكلمات مقصودة وذات معنى دون النظر إليه:
- ما بقتش تفرق كويس ولا مش كويس.. كلها نومة وخلاص.
رفع رأسه ورمقها نظرة غاضبة وهو يقول بحدة:
- تقصدي إيه باللي قلتيه يا أستاذة سلمى؟
نظرت له سلمى بحدة:
- ولا حاجة يا بابا، أهي نومة والسلام.. كل واحد ينام على الجنب اللي يريحه.
عقد هاشم أصابع يده وهو يرمقها بنظراته الغاضبة، بعدما فهمت سر الكلمات التي كانت تقذفها عليه.. فصاح بضجر:
- والله عال يا ست سلمى، وبقيتي فيلسوفة وبتتكلمي بألغاز.
ردت بحدة لتقول:
- ولا ألغاز ولا حاجة، كل واحد بيفسر الكلام على حسب اللي بيعمله.
طرق على سطح الطاولة بعنف وهو يصيح بها بشراسة:
- قصدك إيه باللي عملته؟ ها!!.. بترمي كلامك على إيه.. أوعي تكوني متصورة إني مش فاهمك.. لا فوقي أنا واصل لي أوي بترمي الكلام على إيه.. أنتِ إزاي تتكلمي مع أبوكِ كده.. اعقلي يا بنت الجوهري وبلاش جنان.
نهضت سلمى بعنف شديد وقد بدأ صوتها في العلو وهي تقول:
- أعقل!! هو أنا بقى فيا عقل؟! .. كويس إنك فاهم قصدي كويس أوي.. لكن تعرف أنت عمرك ما فهمتني ولا عرفت أنا عايزة إيه ولا بفكر إزاي.. كل همك الشركة والفلوس وبس، إنما أنا مجرد بيعة وشروة للي يدفع أكتر.. مش كده برضه يا هاشم بيه!!
بكل عصبية لم يفكر في تصرفاته، صفعها بشدة.. نهض يوسف الذي كان يتابع الأحداث بينهم في صمت ليرى إلى أي مدى تجري الأمور، فلا يتصور أن يقوم والده بضرب سلمى، لم يفعلها قط وهي صغيرة.
وضعت كفها على وجنتيها التي تلونت بحمرة شدة الصفعة، لم تستوعب ما حدث.. صدمة كبيرة بالنسبة إليها أن يقوم هاشم بصفعها بهذا الشكل.. ولما لمجرد تنفست عما كانت تكبته في طيات نفسها.. لم تتصور ما يحدث حقيقي أم كابوس بشع.. فقط تنظر إليه في صدمة وعيناها كجمرة اللهب.. تزرف الدمع الحار من مقلتيها بغزارة وهي لا تتحدث مطلقًا.. ركضت سريعًا إلى غرفتها.
لم يستوعب يوسف ما حدث هو الآخر.. نظر لوالده بألم وحسرة وهو يركض خلفها.
ارتمت سلمى على فراشها وانهارت من البكاء بشدة إلى أن فقدت وعيها من هول الصدمة.. ويوسف يقرع على الباب بشدة وعنف كي تفتح له الباب ولكن لا حياة لمن تنادي.. قد ذهبت إلى عالم آخر بلا شقاء أو عناء.. حاول فتح الباب عنوة إلى أن تم فتحه.. وجدها ساكنة في فراشها لا تتحرك وأنفاسها شبه منقطعة.. ظل ينادي عليها كالمجنون والملهوف.. يحتضن رأسها بين كفيه ويبكي بشدة على ما حدث لها:
- سلمى فوقي يا سلمى..... سلمىىىىىىىىىىى فوقي عشان خاطري.
حملها يوسف بين ذراعيه ونزل على درجات السلم في غضب وسرعة ولهفة.. نظر إلى هاشم نظرة مزرية تحمل الكثير من المعاني وهو يقول:
- لو حصل لها حاجة أنا عمري ما هسامحك أبدًا.. كفاية بقى كفاية.
خرج ووضعها في الأريكة الخلفية للسيارة وجلس على المقود وانطلق سريعًا على أقرب مشفى وهو يقود بسرعة جنونية وارتباك شديد.
وصل إلى المشفى وتم نقلها في الحال إلى قسم الطوارئ.. فاقدة للوعي تمامًا ولا تريد الاستيقاظ قط، كأنها تهرب من واقعها المشين الذي تعيشه.. لثاني مرة يبكي يوسف بعد وفاة والدته.. فسلمى ليست مجرد شقيقته الصغرى، بل صديقته وحبيبته، الأقرب لديه.. يشعر بعطفها وحمايتها غيابًا عن والدته رحمها الله.. التي لا تزال طريقة وفاتها تشكل لغزًا لديه.
****************
أثناء تجمعهم على مائدة الطعام، يتناولون الفطور.. قطعت الصمت صوت نور بمرح كالعادة:
- بأقولك إيه يا بابي صحيح أنتوا هتروحوا لأنكل هاشم أمتى؟! .. ما اتفقتوش على ميعاد؟!
رد محمود بهدوء وقال:
- النهارده على الساعة سبعة.
ثم رفع رأسه ونظر لطارق مستردًا لحديثه:
- ما تنساش تخلص شغلك بدري وتظبط حالك قبل الميعاد مفهوم؟! .. شغل السهر واللف مع صحابك ده انساه تمامًا.. خلي النهارده يعدي على خير.
زفر بضيق شديد وهو يقول بحنق:
- أنا رايح أخطب مش هقدم كشف هيئة.
صاح به محمود بضيق:
- أنت تسمع الكلام وأنت ساكت مفهوم.
ردت نور بمرح كنوع من تغيير حالة المكان القلق:
- على كده بقى أقول لسلمى تخلص شغلها بدري عشان تجهز.
تناولت هاتفها وقامت بالاتصال بها وانتظرت الرد، ولكن تفاجأت بصوت آخر تمامًا:
- أستاذ يوسف.. أهلًا.. سلمى فين؟
يوسف بصوت باكٍ غير واعٍ بما حوله:
- سلمى هتضيع مني يا نور.
نهضت نور فجأة بفزع من كلماته ونبرة صوته الباكي.. نهض طارق هو الآخر بعدما شاهد رد فعل شقيقته، دس الخوف والقلق في قلبه ألا يكون أصابها شيئًا ما.. هربت الدماء من وجنتيها وصاحت به بانفعال وخوف شديد:
- مالها سلمى يا يوسف.. اتكلم.
يوسف رد بنفس الحالة:
- فاقدة الوعي تمامًا.. اتعرضت لصدمة عصبية شديدة، بابا.. أرجوك تعالى.
فتحت فاها بدهشة والعبرات تسيل على وجنتيها بقلق حتى قالت:
- أنت في مستشفى إيه دلوقتي؟
يوسف بارتباك:
- مستشفى....
تناولت نور حقيبتها بلهفة وسرعة وهي تركض للخارج:
- طيب مسافة السكة وأكون عندك.
صاح بها طارق وهو يركض خلفها وينادي عليها:
- استني يا نور، إيه اللي حصل؟!
كانت نور قد استقلت سيارتها وقادت بسرعة جنونية والتفكير يسيطر عليها بخوف وقلق.. قاد طارق هو الآخر خلفها كي يلحق بها إلى أن وصلا المشفى.
دخلا سريعًا إلى قسم الطوارئ وسألوا عنها، رآهم يوسف بحالته المزرية فوقع قلبهما وتوقعا حدوث كارثة.. اقترب منهم وقام طارق بضمه إلى أن يهدأ من روعه قليلًا.. ونور القلق والخوف يلتهم معالم وجهها.. فصاحت به في خوف وفزع:
- في إيه يا يوسف.. سلمى فين.. إيه اللي حصل ما تنطق.
ابتعد يوسف عنه ثم نظر إلى نور وبدأ بالقص عما حدث.. لم يستوعب طارق ونور ما فعله هاشم بابنته الوحيدة، أكثر ما تشعر بها هي نور، فهي تشاركها كل فرح وحزن، كل سعادة وتعاسة مرت بها.
يشعر طارق بأنه غريق في بحر عميق من الأفكار، كلما يسر لهم الحال ويكونوا على ما يرام.. تظهر معضلة وتهدم كل شيء، لم يتصور شخصية كنجيب يمكنه أن يقوم بضرب ابنته لمجرد إنها أفصحت ما بداخلها.
****************
لا يعرف هاشم كيف فعل ذلك، لقد كان عقله مغشيًا تمامًا ولم يشعر بيديه وهي ترتفع إلى أعلى ثم هوت على وجنتيها بعنف شديد.
منذ رحيلهما وهو يلعن الساعة التي تجرأ وقام.. مازال يجلس في مكانه والغضب والضيق يملأ قلبه، كلما حاول التقرب لابنته بعد خطبتها لعاصم، يأتي بأفعال تجعلها تنسحب من جانبه بهدوء.. والمشكلة لم يشعر بذلك على الإطلاق، فصدقت سلمى عندما قالت لا يفكر سوى بالشركة والمال فقط لا غير.
على صعيد آخر يجلس محمود وتهاني في قلق وحيرة مما حدث منذ قليل، دب القلق في قلبه ألا يكون حدث لهاشم مضاعفات ولكن لا، فالأمر متعلق بسلمى وهم الآن في مفترق طرق، لا وقت من ناحية العملية لتأجيل أي شيء، ولا من ناحية أخرى قلق على تلك الفتاة كثيرًا ألا يكون قد أصابها مكروه، فقد عانت الكثير.
نهض وذهب إلى غرفة مكتبه يبحث عن هاتفه إلى أن وجده، حاول الاتصال بنور وطارق ولكن هاتفهما غير متاح، دب القلق في قلبه أكثر، لا يعرف ماذا حدث وهو يريد الاطمئنان عليها.
فكر على الفور بهاشم، لابد وإنه يعلم ما حدث بكل تأكيد.. فقام بالاتصال به على الفور.. ولكنه سمع صوتًا منكسرًا وحزينًا لأول مرة.. فصاح به في قلق:
- في إيه يا هاشم مال صوتك؟
رد هاشم بهدوء شديد:
- مخنوق شوية يا محمود ومش طايق نفسي.
محمود صاح به بقلق:
- بدي أفهم اللي حصل، الولاد ومحدش فيهم بيرد على تليفونه وأنت صوتك ما يطمنش، وسلمى قلقان عليها ونور قامت جري تشوفها.. في إيه.
هاشم وهو يحاول أن يزيل ربطة عنقه بصعوبة وتعب، ورد وهو يلتقط أنفاسه متقطعة:
- تعالى بسرعة يا محمود.
شعر بالسوء بداخله من نبرة صوته المتقطعة هذه:
- طيب خليك مكانك أنا جايلك.
أقبلت عليه تهاني بلهفة وقلق:
- إيه اللي حصل يا محمود؟!
رد محمود وهو يلتقط سترته بسرعة ولهفة وهو خارج:
- هاشم رجعت له الأزمة من تاني.
تركض تهاني خلفه وهي تقول بقلق:
- استر يا رب.. أبقى طمني بالله عليك يا محمود.
*****************
قاد سيارته مسرعًا وذهب إلى فيلا الجوهري..
وجد الباب مفتوحًا، قلق كثيرًا، يبدو أن شيئًا ما كبيرًا قد حدث. نادى هاشم فلم يرد، دخل وهو يبحث عنه فوجده نائمًا على سطح المائدة بطريقة عشوائية ويبدو عليه التعب الشديد، ركض نحوه وهو يتفحصه بلهفة:
- هاشم.. إيه اللي حصل؟ مالك يا هاشم؟ هاشم!
تناول الهاتف من جيب بنطاله وطلب الإسعاف:
- ألو، إسعاف بسرعة.. العنوان..
بعد مرور خمسة عشر دقيقة، جاءت سيارة الإسعاف لتحمل هاشم، رحلت على الفور وهي تدوي سرينتها في مكان يملؤه الألم والأحزان.
وصلت سيارة الإسعاف إلى المشفى ودخل معه محمود إلى غرفة الكشف، بعد الفحص استلزم الطبيب نقل هاشم إلى غرفة العناية المركزة، فألم قلبه اشتد عليه بسبب ضغط نفسي شديد.
جلس على إحدى المقاعد وهو ينظر إلى هاشم بحزن، ما يفكر به سوى حالة سلمى، التي لا يعرف ماذا حل بها الآن وما سوف يحدث بعد ذلك إذا حدث شيء لهاشم، سوف تدمر حياتها أكثر من قبل.
بعد مرور ساعتين، كان طارق ويوسف ونور جالسون حول فراش سلمى، التي تسكن في فراشها بسكينة تامة وعلى قسمات وجهها يبدو الحزن الشديد وآثار الدمع مطبوعة على وجنتيها. ملست نور على شعرها بحنو وقلبها حزين على ما مرت به.
استيقظت سلمى وهي تفتح عينيها ببطء شديد، إضاءة المصباح تتوهج بشدة في عينيها لا تستطيع فتحها بسهولة. أزاحت عينيها حول المكان تتفقد أين هي ومن حولها، أصابتها الدهشة عندما شاهدت طارق بجوارها ويبدو عليه الحزن والهدوء الشديد.
تذكرت ما حدث فنزلت دمعة من مقلتيها دون إرادة، وأغلقت عينيها بألم على الفور وهي تتنهد بقوة وما زالت العبرات تنساب بحرية. بدون تفكير وإرادة مسح طارق دموعها برفق وحنان، اندهشت نور ويوسف شديدًا من رد فعله المفاجئ، حتى شعرت بالإحراج والخجل.
بعد ساعة تحسنت سلمى قليلًا ولكنها كانت ساهمة، شريدة لم تتفوه بأي كلمة، فضل يوسف أن يعودا للمنزل من الأفضل كي تستريح. قامت سلمى وساعدتها نور في هندمة ملابسها.
رن هاتف طارق وجد المتصل محمود، فتح المكالمة على الفور:
- ألو أيوه يا بابا.
صاح به محمود بقلق:
- أنتوا فين يابني؟ إيه اللي حصل؟
رد طارق بهدوء وجدية:
- في المستشفى.. مش وقته يا بابا.
محمود بحزم:
- اسمع خلي بالك من سلمى دلوقتي.. هاشم جاتله الأزمة وهو في العناية دلوقتي.
طارق بصدمة ودهشة وهو ينظر ليوسف:
- أستاذ هاشم في العناية!
سمعت سلمى هذه الجملة ولم تحتمل، دون أي مقدمات فقدت وعيها.
صرخت نور بشدة وصدمة:
- سلمى!
رواية صفقة حب الفصل السادس عشر 16 - بقلم شيماء جوهر
طارق بصدمة ودهشة وهو ينظر ليوسف، أفكار كثيرة دارت في مخيلته ليست لها إجابة، فالتاريخ يعيد نفسه، فقال:
- أستاذ هاشم في العناية!
سمعت سلمى هذه الجملة ولم تحتمل، دون أي مقدمات فقدت وعيها.
صرخت نور بشدة وصدمة:
- سلمىىىىىىىىىىى!
التقطها طارق قبل أن ترتطم على الأرض، حملها سريعًا بين ذراعيه ووضعها على الفراش.
حاولت نور وطارق إفاقتها بقلق وخوف شديد، حقًا لقد انتزع قلبه من مكانه هذه المرة بقوة عندما رآها تسقط أمامه وأصبحت بين أحضانه، فقط يحتويها ذراعه المتين.
بينما يوسف ركض بسرعة لاستدعاء الطبيب، وأخبره بما حدث. بعد الكشف والفحوصات أخبرهم بأن انهيارها العصبي قد زاد أكثر من قبل، فقط تحتاج إلى راحة وسكينة تامة، ولا تتعرض لأي ضغوطات.
ماذا حل بعائلة الجوهري منذ سنوات لتصل إلى هذه المرحلة؟ بلا جدوى، فقط يشوبها حزن وألم ودمار، لم تحظ بالفرح قط منذ وفاة فريدة رحمة الله عليها، كان فراقها بمثابة سكين في ظهر سلمى ويوسف، وبرودة على عنق هاشم، فلن يستطع حتى الآن نسيان طريقة موتها وهي تلتقط أنفاسها الأخيرة.
يجلس يوسف أمام فراش شقيقته الأليمة، السكينة في جراح لا تداويه السنين، لم ترَ يوم راحة بعد وفاة والدتهما، كأنها كانت لها حصن أمين من كل شر أو حزن، حماية وغطاء لهما.
واضعًا رأسه بين كفيه في ألم ويأس، والده الذي جرحها وظلمها كثيرًا من ناحية، وشقيقته التي لم يستطع الزمن مداواة جروحها بعد.
فمهما حدث فهو والده بين يدي الله، يمكن أن يودعه في أي لحظة. لا يدري ماذا يفعل؟ أيظل بجانبها أم يذهب ليطمئن عليه؟
من كانت تشعر به وبآلامه، بالحيرة التي تقفز بين طيات عينيه، ربتت على منكبه بحزن وألم لتقول بهدوء:
- روحله يا يوسف، مهما كان والدك وهو بين إيدين ربنا، أنا هفضل معاها ومش هسيبها. روح متقلقش ولو في أي حاجة أنا هبقى أكلمك.
رفع رأسه وهو ينظر إليها بغرابة ودهشة، كيف علمت ما يدور في ذهنه؟ ما يشغل قلبه؟ إلى هذه الدرجة تشعر به وبآلامه؟ أدرك الآن سر تمسك سلمى بها وأكثر.
بدون أدنى كلمة، ارتسم على محياه بسمة ضعيفة باهتة، ثم قام ورحل بهدوء.
تنهدت نور بألم وحزن شديد، جلست مكان يوسف وبدأت تربت على شعرها الكستنائي المنساب على الوسادة بحرية وعشوائية، وهي تدعو الله أن تمر هذه الفترة على خير.
*****************
وصل يوسف أخيرًا أمام المشفى التي يمكث فيها والده، ترجل من السيارة ودلف للداخل على الفور متجهًا لغرفة العناية المركزة.
لم يجد الطبيب المعالج هناك، فقط محمود يجلس بجانبه بحزن شديد. وقف لاستقباله ثم قام باحتضانه بشدة.
أغمض يوسف عيناه وهو يتنهد بقوة، مستسلمًا لتلك الضمة طالما اشتاق لمسها من والده الذي انشغل عنه وعن شقيقته ووالدته عنهما. فاق من شعوره فابتعد عنه على الفور وهو يجفف الدمعة المنسدلة من عينيه دون أن يلاحظ محمود ذلك.
نظر يوسف إلى هذا الجسد الممدد على الفراش بسكينة تامة، بكل ألم وحزن وحسرة. ثم رفع رأسه لينظر إلى محمود وهو يقول بهدوء:
- وهو عامل إيه دلوقتي؟
تنهد محمود بحزن وقال:
- زي ما أنت شايف مفيش جديد، من ساعتها مقامش، بس الدكتور طمني مفيش خطورة عليه، الأزمة موصلتش لغيبوبة الحمد لله، ساعات وهيفوق.
رد يوسف وهو ينظر السكين بشرود وهدوء قاتل بوجه شاحب:
- الحمد لله.
تأمل محمود قسمات وجهه، ليتضح بها آثار الدمع والكآبة والشرود، وهو الآن في المشفى ولا يزال يفهم شيئًا مما حدث.
فقال محمود على الفور بقلق:
- طمني يا بني سلمى أخبارها إيه، وإيه اللي وصل أبوك للشكل ده مرة واحدة كده؟
نظر له يوسف بحزن ولا يعرف من أين يبدأ، فقص عليه ما حدث. جلس محمود بصدمة، لم يتصور أن يجري به الزمن ويقوم بضرب ابنته! ومتى؟ عندما كبرت وأصبحت عروس جميلة.
ومن الواضح كلمات سلمى كانت بالنسبة له كالصفعة الحارة ولكن في قلبه، لقد أباحت بالحقيقة التي كان ينكرها أو يتغاضى عنها منذ سنوات، حتى لا تكون غشاوة أمام سلطته وإدارته. لم يتحمل الحقيقة فحدث ما حدث، وسلمى ها هي تدفع ثمن تلك السنوات مرة أخرى من جديد.
زفر بضيق وحزن وألم، ثم رفع رأسه ونظر إليه وهو يقول بأسى:
- وسلمى عاملة إيه دلوقتي؟
أخفض رأسه في ألم ليقول:
- بعد ما أخيرًا فاقت بالعافية بعد ساعتين، كأنها رافضة الحياة بشكل تام. القلم ده بالنسبالها زي طعنة السكينة في قلبها من أقرب الناس ليها، لكن للأسف مكملتش عشر دقايق وسمعت الخبر وقعت على طول ولسه مفاقتش. نور اللي أصرت إني لازم أجي وأشوفه، على كل حال هو أبويا وراقد، كأنها قرت اللي حاسس بيه.
ابتسم محمود بألم على قلب وتصرفات ابنته، فقال بجدية:
- لا حول ولا قوة إلا بالله، مسكينة يا سلمى، متقلقش يا يوسف مدام نور معاها مش ممكن هتسيبها أبدًا وهي في الحالة دي، هي نور كده تحس باللي حواليها وبجروحهم، وعلى قد ما تقدر بتحاول تداوي.
ابتسم يوسف وقال بحب:
- فعلًا عندك حق، شايلة الكل ربنا يسعدها ويفرحك بيها.
رد محمود ببسمة صغيرة وقال بألم وحيرة:
- يا رب هي وأخوها.
ابتسم يوسف وشرد في نور وخجلها منه، بابتسامتها الرقيقة وحنانها، تمنحه الأمل ولمسة يديها الدافئة وهي تربت على منكبه لكي تهون عليه قليلًا. ابتسم أكثر عندما تذكر بأنهما تعديا حدود الأسماء، فمن شدة القلق والخوف نسيا تمامًا الرسمية في الحديث التي أصبحت عادة متلازمة بينهم، ولكن كان سعيدًا حقًا بتلك المرحلة، يشعر بأنه على مقربة منها.
*****************
بعد مدة ليست بطويلة، استعادت سلمى وعيها وتأملت ما حولها بتعب وإرهاق شديد، محاولة منها استيعاب أين تكون.
دقائق وتذكرت ما حدث، دون أي مقدمات بكت بشدة. انتبه لها طارق ونور الذين كانوا في حالة شرود تامة ولم يلاحظوا استعادة وعيها بعد.
اقتربوا منها بخوف وقلق على صوت نحيبها وهم يحاولون تهدئة روعها قليلًا، تحاول أن تتحدث ولا تستطيع؛ صدمة أفقدتها النطق لتأتي بأخرى تعيد إليها ما كان. فما كانت تقول بانهيار وسرعة دون وعي:
- أنا السبب، أنا السبب، نسيت إنه عيان، مكنش المفروض أقوله كده أبدًا، أنا السبب.
ربت طارق بحنو على منكبها وهو يقول بقلق:
- ده قدر ربنا يا سلمى متقلقيش هيكون كويس بإذن الله.
أردفت سلمى سريعًا وهي تحاول النهوض من فراشها بلهفة:
- أنا لازم أشوفه، لازم أروحله.
نور دفعتها بحنو وصاحت بها بخوف وجدية:
- يا حبيبتي مينفعش أنتِ لسه تعبانة، مينفعش تتحركي بالشكل ده.
تنهد طارق بقوة وهو يقول:
- مفيش فايدة متتعبيش نفسك، سلمى عنادية ومش هتسمع الكلام.
تناولت نور هاتفها من حقيبتها في لهفة وسرعة واتصلت بيوسف.
******************
يجلس يوسف بالقرب من والده بشرود تام، وهو يفكر فيما حدث وفيما هو آت. يربت على منكبيه محمود بحزن، إلى أن يلتفت إليه يوسف بابتسامة باهتة. دقائق وسمع رنين هاتفه، توقع المتصل نور، تناول الهاتف من جيب بنطاله وابتسم بالفعل هي، قال وهو يرد على الهاتف:
- دي نور.
نظر إليه محمود باهتمام وهو يرد عليها قائلًا:
- نور إيه الأخبار، سلمى كويسة؟ فاقت؟
ردت نور بصياح ولهفة:
- سلمى فاقت وهي منهارة، شكلها افتكرت اللي حصل، مصممة ورأسها ألف سيف إنها لازم تشوف أنكل هاشم في المستشفى، مش هتقدر تمشي قبل ما تكون كويسة وضغطها يتظبط.
نهض يوسف بلهفة وهو يقول بصياح وقلق:
- أنتِ بتقولي إيه؟ مش ممكن تسيب المستشفى وهي بالحالة دي، لو شافته وهو راقد كده مش كويس، أوعك يا نور تسيبيها تخرج، أختي دماغها ناشفة وأنا عارفها كويس، عنادية.
ردت نور بلهفة وخوف:
- فعلًا نفس كلام طارق.
يوسف قال بلهفة وانفعال خفيف:
- اديهولي بسرعة.
وهنا أعطت نور الهاتف لطارق سريعًا، ليسترد يوسف حديثه قائلًا:
- طارق، خد بالك من أختي، أنا مسافة السكة وجاي حالًا.
أغلق المكالمة على الفور دون أن ينتظر الرد، لينهض محمود بخضة وقلق هو الآخر ليصيح بقلق وجدية:
- إيه اللي حصل يابني طمني؟!
رد وهو يهم بالرحيل:
- جالها انهيار عصبي ومصممة تيجي، عن إذن حضرتك لازم أمشي.
رد محمود بجدية وقلق:
- خد بالك من نفسك يابني وطمني لما توصل.
***************
عاد إلى المشفى الماكثة فيها سلمى مرة أخرى، حمدًا لله اطمأن عليه، وشعر بسلام داخلي لإقباله على هذه الخطوة، سوف يكون بخير عما قريب، فلما تذكر نور ارتسم على وجهه ابتسامة عريضة.
كل ما يشغل خاطره الآن حالة سلمى، التي لم تجد منفذًا ولو قليلًا بعد استعادتها لوعيها، تلقت الطامة الكبرى على الفور بدون أدنى مقدمات.
دخل غرفة الطوارئ وهو يلهث من ضربات قلبه السريعة وخطوات سيره التي تشبه الركض، ليجدها مستكنة في فراشها ويبدو على قسمات وجهها الحزن الشديد، آثار الدمع مطبوعة على وجنتيها. اقترب منها ومسح على وجهها برفق وهو يحاول أن يتماسك حتى لا تفر دمعة سجينة من مقلتيه.
طبع قبلة رقيقة على جبهتها ومسح على شعرها ثم جلس بجوارها في صمت تام.
تنظر له نور فقد سقطت دون إرادة منها بعض العبرات، لقد تأثرت بالمشهد الذي رأته لتوها.
قطع الصمت رنين هاتف طارق، تناوله من جيب بنطاله بكلل ليجد المتصل سارة، تجهم وجهه فجأة فهو يعرف رد فعلها في الآونة الأخيرة من أخبارها بزواجه.
نظرت له نور وتساءلت بهدوء:
- مين يا طارق؟
رد طارق بتجهم دون النظر إليها:
- دي سارة.
نظرت نور ليوسف بغرابة وحيرة، فلا تزال سارة خطيبته، ولا يعرفان أي شيء عن رد فعلها بما حدث ولا بشكل علاقته بها الآن، فألزما الصمت، فالوضع الحالي لا يحتمل أي نقاش على الإطلاق.
خرج طارق كي يتحدث بحرية وبدأ المحادثة:
- ألو أيوة يا سارة.
صاحت سارة بضيق شديد:
- فينك يا طارق كل ده عشان ترد!
أعصابه لم تكن في موضعها بعد، بسبب ما حدث وتطور حالة سلمى وأزمة هاشم في الوضع الحاسم من الصفقة، فتعتبر حياتهم جميعًا على المحك.
دون أن يشعر صاح بها بعنف:
- سارة أنا فيا إللي مكفيني دلوقتي .. مش طالبة خناق خالص مفهوم!!
زادت في صياحها عندما وجدت غضبه وانفعاله لتقول بمنتهى البرود:
- حصل إيه يعني لكل ده!! .. مش كفاية قابلة الوضع ده وساكتة .. ما أنت هتتجوز ولا على بالك وأنا قاعدة كده على ناري.
شعر بالدماء تغلي في عروقه، فابتعد أكثر بخطوات سريعة إلى أن أصبح خارج المشفى، لأنه بالفعل بدأ في علو صوته ولا يصح ذلك بالداخل ليقول بغضب:
- جواز إيه وزفت إيه .. الدنيا مقلوبة عندي هنا وربنا يستر ولو الموضوع متمش .. سلمى ربنا عالم بحالها الغلبانة دي فاقدة وعيها وهاشم في غيبوبة بالمستشفى وأنت تقوليلي مش على بالك!!
تفاجئت سارة وصدمت مما سمعت، شعرت بالفرحة والضيق في نفس الوقت من الطريقة التي يتحدث بها إلى سلمى، وفرحة بأن ما حدث يمكن أن يعرقل تنفيذ الصفقة وبالتالي الزيجة بأكملها. فقالت بقلق وخوف مصطنع:
- يا خبر سلامتها .. إللي حصل لكل ده؟
شعر بالغرابة قليلًا من النبرة المفاجأة التي تحدثت بها، ولكن تغاضى قليلًا ليرد بحسم وجدية:
- الله يسلمك .. ملكيش فيه أمور عائلية ما بينهم .. ثم بذمتك ده وقت شرح لأي حاجة.
ردت سارة برقة مصطنعة:
- ماشي يا حبيبي أسيبك تروق شوية وهبقى أكلمك بليل.
تنهد طارق بهدوء ليقول:
- ماشي يا سارة .. سلام.
أنهى معها المكالمة ولم يستطع تحديد نوعها في المدة الأخيرة، بماذا كانت تنوي ترى!
********************
بجانب سلمى .. نظرت له نور بحزن ولا تريد أن تزيد عليه حمله. نظر لها فابتسم وهو يقول:
- شكرًا يا نور.
التفتت إليه في دهشة، كادت أن ترد ولكن استرد حديثه بهدوء شديد ونظره منصب على سلمى:
- وقوفك جنبي وحماسك إني أروح أشوف بابا بعد إللي عمله .. جوايا كان عايز يروحله بس أنت قويتيه.
كانت تنصت إليه باهتمام وبداخلها شعور بالفرحة. ابتسمت لتقول بهدوء:
- مكنش لازم أسيبك في حيرتك بين قلبك وعقلك .. لإني عارفة إن مهما حصل قلبك هينتصر .. ده باباك يا يوسف.
ابتسم وهو يرد عليها بإعجاب:
- بجد مش عارف أقولك إيه.
ردت نور ولا تزال تلك البسمة على محياها:
- متقولش حاجة أهم حاجة تفوق سلمى ونتطمن عليها.
تبادلا الابتسامة وظلوا هكذا في صمت شديد .. إلى أن عاد طارق للداخل مرة أخرى بهدوء، نظرت له نور ولم تعلق على تلك المكالمة.
عادوا إلى صمتهم من جديد، طارق متمعن في ملامح سلمى جيدًا وهي مستكينة بهدوء، يوسف ونور يتبادلان النظرات بين اللحظة والأخرى.
بعد ساعات أصرت نور على البقاء معها في المشفى، ولكن بعد إصرار يوسف وطارق بوجوب رحيلها كي تستريح هي الأخرى، أو بالأحرى يمكنها الذهاب إلى الشركة لكي تتابع عملها بدلًا من غياب سلمى، ويوسف سوف يظل معها.
رحلت نور ونهض معها طارق ليقوم بتوصيلها ويعود هو إلى شركته ليتابعها بدلًا عن والده الذي يجلس مع هاشم الاطمئنان عليه، بعدما قام بالاتصال به.
*****************
وصل طارق إلى الشركة، دخل سريعًا متجهًا لغرفة مكتبه. جلس وبعد عدة دقائق سمع رنين هاتفه، تناوله من جيب حلته ليجد المتصل إيهاب، رد على الفور بهدوء شديد وتعب:
- ألو أيوة يا إيهاب.
رد إيهاب بتساؤل وقلق:
- مال صوتك يابني؟
تنهد طارق وهو يقول:
- مفيش مجهد شوية بس .. أنت إيه الأخبار؟
أردف إيهاب وهو مازال يشعر بأن هناك خطب ما حدث له وهو لم يتحدث عنه بعد:
- الحمد لله تمام .. لا بجد إللي حصل .. حاجة جديدة جدت في موضوع جوازك؟
ابتسم ليقول طارق بسخرية:
- جوازي؟! .. ههههه شكلها كده لا فيها جوازة ولا جنازة حتى!
قضب إيهاب حاجبيه ليقول بعدم فهم:
- يعني إيه .. ما تنطق وقعت قلبي.
قص له طارق ما حدث هذا الصباح، ضرب إيهاب كفه على جبهته بعدم تصديق ليقول بصدمة:
- يا نهار مش فايت .. لا حول ولا قوة إلا بالله، والعمل إيه دلوقتي المهلة بتفوت!!
تنهد طارق بحنق وهو يقول بحيرة وتعب:
- والله مش عارف الموضوع هيرسي على إيه .. لو الموضوع هيطول هتبقى كلنا في مأزق كبير جدًا .. المشكلة سلمى مش عارفين هتفوق أمتى.
أردف إيهاب بحزن شديد:
- تصدق سلمى صعبانة عليا أووي في كل إللي بيحصل ده .. كل حاجة على دماغها هي.
رد طارق بشرود:
- فعلًا .. وعلى أساس أنا حالي مش متعطل زيها.
تنهد إيهاب وهو يحاول تهدئته:
- مش قصدي يا عم منا عارف إللي فيها .. سلمى في الأول وفي الآخر بنت.
أردف طارق بغضب:
- أدعي بس إنها تفوق هي وهاشم عشان نخلص من الموال إللي احنا فيه ده.
ابتسم إيهاب وقال بحب:
- يا رب يا طارق .. والله بدعيلك ربنا يصلح حالك وحالها .. بكرة تفوق وتطلعوا عليك هههههههههه.
اعتدل طارق جلسته وهو يصيح به بضجر:
- أنت بتقول فيها يا خويا .. ما ينوبنيش منها غير عنادها ودماغها الناشفة ولسانها المستفز .. هي إللي بتخليني أتهور وأتعصب عليها.
ضحك إيهاب بشدة من انفعاله، فهو الهدف الأساسي من استفزازه هو خروجه من حاجة الكآبة الواسطة على أن يدخلها. فقال سريعًا كي يهدأ من روعه قليلًا:
- خلاص يا عم أنا كنت بنغشك بس .. يلا أبدأ أشتغل وشوف هتعمل إيه النهارده.
أنهى معه المكالمة وهو يدور بالمقعد في جميع الجهات، يفكر في سلمى بكل حالاتها إلى أن تأتي له صورة مكوثها في المشفى يصعب عليه حالها.
حاول إخراجها من تفكيره أكثر من ذلك، فهي عندما تفيق مثلما قال من قبل سوف تعود سلمى تلك الفتاة الشرسة العنيدة .. ذات الأسلوب الاستفزازي من الدرجة الأولى لتعانده من جديد، لا تكن لطيفة ومستكنة إلا في نومها فقط لا غير، هكذا يراها حتى الآن!.
مرت قرابة ساعة ونصف من عمل طارق ليجد صوت ارتطام باب مكتبه وهو ينفتح على مصراعيه .. يدخل عاصم بكل عنف والسكرتيرة تركض خلفه وهي تصيح:
- يا فندم ميصحش كده .. أنا آسفة يا أستاذ طارق قرر يدخل من غير ما ياخد ميعاد ولا إذن حتى.
وقف طارق على الفور بمجرد دخوله، وصاح بكل غضب:
- أنت اتجننت .. إزاي تدخل عليا بالشكل ده؟
التفت للسكرتيرة مستردًا بغضب:
- اطلعي أنت دلوقتي.
هرولت للخارج سريعًا وأغلقت الباب خلفها.
ينظر عاصم لطارق والشرر يتطاير من عينيه، ثم ابتعد طارق عن مكتبه واقترب منه وهو في قمة غضبه ليصيح بانفعال شديد:
- أنت إيه إللي جابك هنا ومين سمحلك إنك تدخل أصلًا بالشكل ده؟! .. آه صحيح ما الهمجية دي متجيش غير من واحد زيك.
تشبث به عاصم بحلته بكل عنف وهو يقول بشراسة بالغة:
- إن قربت من سلمى تاني هفرمك أنت فاهم .. وإياك إياك مجرد محاولة إنك تفكر تلمس منها شعرة .. مفيش حد يتجرأ وياخد حاجة من عاصم السيوفي.
اصطنع طارق البرود وخطى بضعة خطوات ليصبح في مواجهته ليقول بتهكم:
- ده على أساس إن لسه فيه بينكوا حاجة .. مش خلاص سابتك ورمت الدبلة في وشك .. آجلًا أم عاجلًا هتبقى خطيبتي متنساش تباركلنا بقى.
انفجر به عاصم بغضب شديد إلى أن برزت عروق رقبته:
- موتك هيكون على أيدي يا ابن الأبياري لو فكرت بس تهوب ناحيتها .. صبرك عليا والجوازة دي على جثتي.
رد طارق بنفس الأسلوب وذات النبرة التهكمية:
- يبقى الله يرحمك مقدمًا.
خرج عاصم والشرر يتطاير من عينيه أكثر وأكثر، متوعدًا بالأذى مسبقًا. عاد طارق وجلس على مكتبه، طرق بعنف سطح المكتب وهو بكامل غضبه، كيف يتجرأ هذا على المجيء إلى هنا وتهديده، وكيف علم بما حدث.
****************
مرت ساعات واستعاد هاشم وعيه، ضغط محمود على الجرس بجانب الفراش لتدخل الممرضة ويخبرها بحالته، بعد عدة دقائق يأتي الطبيب ويطمئن على حالته.
كان محمود فرحًا بأنه حمدًا لله لم يطل في هذه الغيبوبة وقام سريعًا .. ولكن عندما استيقظ بدأ عليه الحزن والضيق، تذكرًا لما بدر منه.
قطع الصمت محمود وهو يربت على يده:
- حمد لله على السلامة.
رد هاشم بصوت هامس ومتقطع:
- الله يسلمك .. سلمى!
كاد أن ينهض أوقفه محمود على الفور كي يستريح وهو يصيح به:
- أنت رايح فين خليك مكانك.
ثم استرد بعتاب:
- ليه كده يا هاشم؟ مش كفاية إللي هي فيه؟
أرمقه نظرة غاضبة وهو يقول بحدة وصوت مجهد:
- يعني أنت عاجبك إللي قالته؟!
صاح به ولكن بنبرة هادئة ليقول بعتاب:
- البنت خلاص جابت آخرها بتنفس عن إللي جواها .. ضغط نفسي وعصبي إللي اتحطينا فيه كلنا الفترة دي .. وبصراحة عندها حق بقى أنت مشاغلك مش مخلياك تشوف بنتك كويس يا هاشم.
رد هاشم بحدة:
- أومال أنا بعمل ده كله عشان مين .. ما عشانها هي وأخوها.
صاح به بعتاب وبدأ صوته في العلو ليقول بألم:
- قولت نفس الكلام أما كانت فريدة عايشة .. إيه النتيجة دلوقتي خسرتها للأبد.
تجهم وجه هاشم وهربت الدماء من وجهه ليسترد محمود عتابه:
- فوق يا هاشم بدل ما تخسر بنتك هي كمان.
تنهد هاشم وشرد قليلًا يفكر والجهوم مسيطر على قسماته .. وليقول بحدة وجدية:
- عايزني أعمل إيه ألغي الصفقة يعني؟
زفر محمود بضيق وقال بنفاذ صبر:
- حد قالك تلغيها دلوقتي .. ثم مبقاش ينفع احنا مضينا العقود خلاص .. وكان زمان التلات شركات بتخسر نص أسهمها وعمال مشردين في الشوارع .. إللي حصل حصل وسلمى وطارق أنقذوا الموقف بموافقتهم .. مع إني مش مستريح للقرار ده.
هاشم رد سريعًا بجدية ولا مبالاة:
- بس أهم حاجة إن الصفقة هتم في ميعادها وكله هيبقى تمام.
نظر له محمود بحزن وضيق على تفكيره، فلا يزال يفكر بنفسه فقط، بمصالحه الشخصية .. فرد محمود بعد أن تنهد طويلًا ليقول بحيرة من أمره وحزن على حاله:
- مفيش فايدة.
ظلوا هكذا في صمت تام قرابة نصف ساعة، إلى أن اطمأن عليه وإنه بصحة جيدة، علمًا بأنه لا يحتاج إلى مجهود كبير ويفضل الابتعاد عن كل شيء يمكن أن يتسبب في حدوث تلك الأزمة مجددًا.
ذهب محمود إلى شركته وقام بالاتصال بطارق، فرح واطمأن إنه في الشركة بعدما أخبره وطمئنه على سلمى .. فأخبره هو الآخر باستعادة هاشم وعيه وهو بصحة جيدة.
فقام بالاتصال بيوسف يطمئنه على والده، فلم تكون لديه القدرة بعد على مواجهته، فلم ينسى ما تفوه به قبل خروجه بسلمى من المنزل وهو في قمة عصبية، فماذا يقول الآن .. أن شقيقته في حالة شبه غيبوبة وفاقدة للوعي تمامًا؟!
وعدم مسامحته إن حدث لها شيء، فقد كان قويًا بمنح نور قوتها إليه ومساندته، فهو يحتاج هذه الخطوة منها الآن أكثر من قبل.
فقد تعهد بأنه لن يتحرك من هنا قبل أن تستعيد هي أيضًا وعيها، لن يجد ما يقوله لوالده في الوقت الحالي سوى العتاب.
في المساء صمم هاشم العودة إلى المنزل، فلم يتحدث معه يوسف على الإطلاق سوى بكلمة "حمد الله على السلامة" فقط لا غير.
وبالفعل عاد إلى المنزل بأمر من الطبيب بإحضار معه ممرضة تسهر على رعايته إذا حدث شيء هذه الليلة.
في اليوم التالي عزم هاشم بأن يذهب إلى المشفى لرؤية ابنته، فأجابه يوسف عندما قام بسؤاله عنها بأنها فاقدة للوعي تمامًا ولم تستعيده بعد، يائسة من حياتها. كان لديه ذرة من الندم على ما بدر منه، لأول مرة يقوم بمد يداه على ابنته ويصفعها بتلك القوة والعنف.
قد انتقلت سلمى من غرفة الطوارئ إلى غرفة عادية خاصة بها، يجلس أمامها دون إصدار أي صوت، بينما يجلس يوسف قباله من الناحية الأخرى من الفراش ولم ينظر له مطلقًا، أو بمعنى آخر يتجاهل نظراته.
التفت هاشم إلى يوسف ليقول بحدة:
- هتفضل على الوضع ده كتير؟
رد ببرود دون النظر إليه:
- وضع إيه؟
أردف هاشم بنفس النبرة:
- التجاهل اللي أنت بتعمله ده.
رفع رأسه نحوه وهو يقول بعتاب وجدية:
- مش ندمان؟ مش ندمان من اللي عملته؟ بنتك راقدة بسببك، بسبب إنها قالت الحقيقة اللي مش عايز تاخد بالك منها، كانت هتطق لو متكلمتش.
تنهد هاشم وقال بحزن:
- حتى أنت كمان بتعاتبني يا يوسف!!
رد يوسف مبررًا:
- لو ما كنتش أبويا اللي بحبه ما كنتش عاتبتك، وأنا لسه عند كلامي اللي قولته قبل كده، مش هزود أكتر عشان عارف إن صحتك دلوقتي ما ينفعش فيها أي انفعال.
نظر له هاشم بغرابة ودهشة على التحول الكبير الذي لاحظه على ولده، أهو بسبب ما حدث في الماضي وجاء الوقت لكي ينفث عما بداخله من عتاب، أم دفاعًا عن ما حدث لشقيقته؟
على مائدة الإفطار تجلس عائلة الإبياري تتناول الطعام سويًا، محمود وتهاني يحتسيان فنجان الشاي، نور رحلت مبكرًا إلى سلمى، وطارق في هدوء تام.
قطعت الصمت تهاني وهي تنظر لمحمود وتقول:
- وصلتوا لفين في موضوع الصفقة يا محمود؟
ترك الفنجان من يداه ونظر لها ليقول لها بهدوء:
- المفروض كنا نتقدم رسمي لسلمى، لكن زي ما أنتِ شايفة حصل اللي حصل والوقت بيفوت ولسه في تجهيزات كتير.
تكلم طارق أخيرًا ليقول بجدية:
- دلوقتي مش عارفين سلمى هتفوق أمتى وأي تأخير مش من مصلحتنا خاصةً سلمى، لأن العبء كله عليها، فأنا شايف إني أروح أتقدملها النهارده.
قطبت تهاني حاجبها في غرابة وعدم فهم لتقول:
- إزاي يعني يا طارق مش فاهمة؟ دي في دنيا تانية يا ابني.
نظر لها طارق مستردًا بجدية:
- يعني هروح المستشفى بالتأكيد هلاقي يوسف ناخده، وهكلم سلمى وأتقدملها رسمي من أنكل هاشم ونقرا الفاتحة.
نظر له محمود وقال بجدية بالغة:
- أنت بتتكلم جد؟
رد يوسف بنفس الجدية:
- امممم بالظبط كده، المهلة فاضلها أيام وتنتهي ولو استنينا سلمى تفوق عشان أتقدملها وأتجوزها الشركة التانية هتنفذ شرطها وده مستحيل يحصل، ثم هتفق على كل حاجة مع يوسف.
ينظر محمود وتهاني بعضهم البعض في بداية الحديث بدهشة وعدم فهم من حديثه ولكن تبسما لبعض بجدية ونظرات لا يفهمها سواهم على ذلك التصرف الصادر من طارق، نظر إلى طارق ورد بجدية:
- وفيها إيه على بركة الله، فكرة منطقية لكسب الوقت.
ولكن تفاجأت تهاني بردها مردفة وهي تتماسك في ضحكتها كي لا تظهر، وقالت بجدية:
- أنا موافقة فكرة كويسة.
قال محمود بجدية:
- طيب روح شوف يا طارق أنت سلمى وفاتح يوسف في الموضوع.
طارق لم يكن يستوعب هو الآخر موافقة محمود وتهاني لتلك الفكرة، توقع اعتراضهم ولكن تفاجأ عكس ذلك تمامًا، فشعر بشيء غريب، تفادى هذا الشعور وشعر بالحماس وهو ينهض ويقول:
- تمام عن إذنكوا.
ألقى السلام وخرج، ثم نظرت تهاني لمحمود وتعالت ضحكاتهما، فلم يتمكنا من كبتها أكثر من ذلك، فهما على إدراك تام ما يحدث حتى وإن كان ولدهما ليس على دراية كافية بها.
خرج واستقل سيارته وقاد بسرعة إلى أن وصل إلى المشفى، اتجه إلى غرفة سلمى ليتفاجأ بوجود هاشم.
نظرت نور لطارق الذي اتضح عليه الدهشة من وجوده هنا، أقبل عليه وقال:
- حمد الله على سلامتك يا أستاذ هاشم عامل إيه دلوقتي؟
رد هاشم بوجوم:
- الله يسلمك، الحمد لله يا ابني.
تساءل طارق سريعًا:
- اللي جاب حضرتك هنا دلوقتي؟
رفع رأسه ونظر إليه ببلاهة وهو يقول بدهشة:
- مش عايزني أشوف بنتي يا طارق وأطمن عليها!
رد طارق سريعًا مدافعًا بهدوء وابتسامة:
- لا طبعًا ما قصدتش فهمتني غلط، قصدي حضرتك لسه تعبان وخارج من المستشفى، من الأفضل أنك تستريح.
تنهد هاشم وقال بهدوء:
- لا الحمد لله بقيت أحسن.
نظر طارق لنور وتساؤلات عديدة في عيناها، استأذن طارق وخرج ليجري اتصالًا، وبالفعل اتصل بمحمود وأخبره بوجود هاشم بالمشفى في الوقت الحالي، وأفضل حل أن يأتي هو ووالدته للتقدم لها رسميًا هناك.
دخل طارق ونظر لنور بمعنى سوف تفهم سبب مجيئه هنا بعد قليل، كان من يراقبهما يوسف ولم يفهم تلك اللغة التي يتكلمون بها بأعينهم، فلم تزاح عيناه عنها طوال الوقت، وليتقرب منها، فبدأ بالحديث عن الكلية وعن أحوال الشركة وبعد قليل شاركهم طارق الحديث.
مر الوقت سريعًا حتى جاء محمود وتهاني إلى المشفى، اطمئنوا أولًا على حالة سلمى، فأخبرهما الطبيب بعدم علمه متى تفيق، لأن الخبر الذي جاء إلى مسامعها كان يعتبر صدمة لم تتحملها.
بعد السلامات والاطمئنان على صحة هاشم، نظر محمود إلى هاشم وبدأ بالحديث الجاد:
- بصراحة أنا مش عارف أبدأ الكلام وأقول إيه، احنا المفروض إمبارح نيجي ونطلب سلمى بس اللي حصل بقى، نظرًا أن ما فيش وقت ويا عالم سلمى هتفوق أمتى، فأنا بطلب إيد سلمى لطارق.
قال طارق هو الآخر:
- يستحسن نقرا الفاتحة دلوقتي.
اندهش هاشم، بينما تلاقت نظرات نور ويوسف في صدمة وعدم استيعاب مما سمعوه لتوهم.
رواية صفقة حب الفصل السابع عشر 17 - بقلم شيماء جوهر
لا يزال نظر يوسف ونور متعلقًا ببعضهما البعض، فكل منهم غير قادر على استيعاب فكرة طارق بعد. أيعقل حدوث ارتباط رسمي دون وجود الطرف الآخر؟!
حاول هاشم استيعاب حديث محمود وطارق في ذات الوقت، وفهم الموقف للوقت الراهن الذي يتحتم عليه قبول اقتراحه بالفعل، فتجهم وجهه بدهشة وغرابة لبضعة دقائق فعم الصمت، قطعه طارق مستطردًا لحديثه:
- ها إيه رأيك يا عمي؟
رد هاشم وهو يحاول تجميع شتات أمره ليقول بحيرة:
- عايز ترتبط بيها وهي فاقدة الوعي بالشكل ده؟!
رد طارق ببرود ولامبالاة:
- وفيها إيه أنا مقولتش أتجوزها دلوقتي. طالما أنا وسلمى متفقين على كل حاجة وكنت فعليًا جاي أتقدملها، نظرًا للظروف اللي حصلت متمش. ثم أي تأخير مش في صالحنا خالص. وإلا سلمى هيتنفذ عليها الشرط وده لا يمكن يحصل. فنستغل الوقت اللي هي فيه ونجهز كل الترتيبات لحد ما تفوق. وساعتها نتجوز في أسرع وقت.
رد هاشم بعد تفكير وقال:
- والله من الناحية العملية أنت معاك حق فعلًا مفيش وقت. بس غريبة الطريقة اللي بتطلب إيد سلمى منها.
أردف طارق بجدية:
- المضطر يركب الصعب. ثم ده لينا كلنا. لما الشركة تلاقينا مرتبطين وبنبدأ في التجهيزات هنبعد نظرها علينا شوية. فأنا شايف إننا منضيعش وقت أكتر من كده. طالما كان الموضوع أصلًا جبر من ناحيتكم لينا.
نظرت له نور ببلاهة وردت بعدما أنهى حديثه بغرابة:
- يا خربيت جنانك يا أخي. البنت تفوق تلاقي نفسها مخطوبة. يا خوفي على كده تصبح تلاقي نفسها مفيش على كتب الكتاب أيام.
ابتسم طارق وهو يقول بجدية وبرود:
- ما هو ده اللي هيحصل فعلًا.
تداخل هاشم وهو يقول سريعًا:
- طيب نقرا الفاتحة يا جماعة.
قرأوا الفاتحة جميعًا وكل منهم بداخله تساؤلات وسيناريوهات عديدة لما يحدث وما يحدث مستقبلًا فيما بعد.
مر يومان وطارق بين عمله في الشركة ودراسته بالكلية، يدرس بجد. ونور تتابع الشركة مع يوسف بجانب دراستها.
كان محمود فرحًا بالخطوة التي أقدم عليها بعمل ولده وجده بدراسته بهذا الشكل، أدرك جيدًا عندما يقع في مأزق أو ضغط كبير يأتي بأفضل ما عنده من طاقة وحماس، كي يخفف من توتره عما يدور حوله، أو كما يعتبر نوع من الهروب بواسطة العمل.
يتم كل شيء على ما يرام، لم يتبق سوى انتظار استعادة سلمى لوعيها من جديد. فكانت فيلا طارق على وشك التجهيز، ولكن يدرك تمامًا إنه لن يستطيع إتمامها بهذه السرعة، فقد مر يومان على فقدان وعيها. والاستعدادات شبه مكتملة.
تمت قراءة الفاتحة كخطبة صغيرة في المشفى.
حاولت سارة التواصل مع طارق فلم تستطع، سد منافذها تمامًا، فلم يعد يرد على مكالماتها ويذهب مباشرة فور انتهاء محاضراته كي لا تراه، فلم يصبح متفرغًا لها بعد الآن ليستمع إلى وصلة من العتاب والمشاحنات هو في غنى عنها، على الرغم من حبه لها كما يرى ولكن غيرتها تقتله.
فقررت أن تواجهه وتقتحم عليه محل عمله، لا هروب من هناك لا محال.
وصلت الشركة ودخلت مكتبه دون إذن منه أو من السكرتيرة، التي بدورها كانت تركض خلفها وهي تصيح اعتراضًا على طريقة دخولها.
تفاجأ طارق بها في مكتبه، وهو منشغل بإحدى الأوراق التي أمامه، أشار للسكرتيرة ففهمت وهمت بالخروج على الفور. قام من مكانه بمجرد إغلاق الباب واقترب منها وهو في حالة ضيق، نظر إليها في حدة وهو يقول:
- أنتِ إيه اللي جابك هنا؟ وإيه اللي دخلك كده من غير إذن؟ نسيتي إنه مكان شغل؟!
كادت سارة أن تنفعل، ولكن تصرفت بذكاء، فقالت مبررة بنعومة بالغة:
- على أساس إنك بتسأل عليا أوي. أنت فين ومبتردش على مكالماتي ليه؟
تنهد بعمق وهو يحاول أن يكون حازم معها، ولكن رقتها معه تجعله يتراجع أحيانًا. قال بهدوء:
- يا سارة يا حبيبتي مش شايفة أن كل حاجة على دماغي. من تجهيزات كتب الكتاب للفيلا والشركة مع الكلية.
وضعت كلتا يديها على خصرها فصاحت به باندفاع فجأة:
- فيلا مين إن شاء الله. فيلتنا؟! لا بقى كل إلا ده مش كفاية أخدتك مني عايزة الفيلا كمان!!
ابتسم طارق بابتسامة صغيرة، تلك الكلمة أشبعت غروره بأنه مرغوب، فاقترب منها وقال بحب وهدوء:
- أومال هنعيش فين يعني. ثم مش هعيش فيها على طول دي كلها شهور ونطلق وتبقى لوحدك أنتِ وبس.
اقتربت منه وربطت ذراعها حول عنقه وقالت بدلال:
- بس بشرط. العفش كله هيتغير. لا يمكن أعيش في عفش كانت فيه واحدة قبل مني.
وضع يديه على خصرها وقال باسمًا وبحب:
- زي ما تحبي يا روحي. روحي بقى ده مكان شغل ميصحش كده.
ابتسمت ثم قالت بذات النبرة:
- ماشي يا حبيبي هيبقى أكلمك بعدين.
ابتعدت عنه وما زالت الابتسامة تعلو ثغرها إلى أن خرجت، وهو نظره معلق حيالها ويشعر بالسعادة على حبها وغيرتها له، عاد إلى مكتبه وأكمل ما كان يفعله وهو في منتهى السعادة.
خرجت ساعة وأبدلت بسمتها إلى بسمة انتصار كبير على ما وصلت إليه، لكن سرعان ما تبدلت تلك البسمة إلى وجوم، عندما قابلت في طريقها محمود، الذي ينظر لها بضيق وشك.
ابتلعت غصتها بصعوبة ثم ابتسمت في تصنع وحاولت أن تتماسك وهي تقول:
- هاي ازيك يا عمو؟
رد محمود بجدية:
- أهلًا يا سارة. كنت بتعملي إيه عندك؟
توترت من سؤاله وشعرت بالإحراج:
- احم أبدًا كنت جاية أطمن على طارق أصله بقاله فترة مبيكلمنيش.
محمود قائلًا بذات النبرة:
- أمممم أصله مشغول اليومين دول بيحضر حاله مع عروسته. عقبالك.
تجهم وجهها وظهر عليه علامات الغضب والضيق الشديد، لا تعرف ماذا تقول، فاكتفت بابتسامة صفراء ثم قالت:
- أممممم إن شاء الله. عن إذنك.
رحلت بخطوات سريعة وهي تشتعل بداخلها من تلك النظرات الباردة التي كانت تخترقها، ومن تلك النبرة الصارمة التي كانت تجردها من كل شيء تمنته ولم تحصل عليه بعد، ما معنى كلامه؟ أيعقل بأنه يبعدها عن طارق بطريقة غير مباشرة بفسخ خطبتهما؟ لا هذا مستحيل لن تقبل بهذا الوضع على الإطلاق.
قرع على الباب ثم دخل، حاول أن يظهر ابتسامته على محياه لم يستطع، فلم يكن يرغب برؤية سارة بعد كل هذا. تعجب طارق قليلًا من وجوم والده، كاد أن يبدأ بالحديث سبقه محمود بعد أن جلس مباشرة، وفاجأه بما قال:
- إيه اللي جاب سارة هنا؟
تجهم وجه طارق ولم يجد ردًا مناسبًا ليقول، بلل شفتاه في توتر ثم قال:
- معرفش يا بابا أنا اتفاجئت بوجودها في الشركة زيي زيك.
رد محمود على الفور بصرامة:
- أنا مش منبه عليك تقطع علاقتك بالبنت دي نهائي، أنت خلاص كلها يوم ولا اتنين وهتبقى متجوز، ولا سيادتك ناسي إنك خاطب يا أستاذ!!
لم يضع في الحسبان بأن خطته التي وضعها هو وسارة يمكن أن تفشل يومًا ما، ولكن ليس بهذه السرعة على الإطلاق، وليس من حق أي شخص التحكم بحياته الشخصية أكثر من ذلك، فيكفي زواجه من سلمى ماذا يريدون منه بعد ذلك. يحرمونه ممن أحب؟!
تنهد وهو يفكر في تلك الورطة التي وجد نفسه بداخلها للتو واللحظة، إلى قطع الصمت ليقول بجدية:
- أظن احنا عملنا اللي يريحكم ويرضيكم. من حقنا بقى نعمل اللي يرضيها ويريحنا احنا كمان.
رد محمود بصرامة وتساؤل:
- يعني إيه تعملوا اللي يريحكم. كان إيه لازمتها ارتباطكم من الأول؟
هذه الجملة أشعلت النار التي حاول أيام لإخمادها ولكن جاء هو بكل سهولة وأشعلها مرة أخرى، فانفعل طارق وهو يقول:
- ارتباطنا ده أنتوا اللي قررتوه مش احنا. مش معنى التزامنا بكلامكم وحاضر ونعم يبقى خلاص أقيم علينا الحد. مش معنى كده أنهي علاقتي بسارة يا بابا.
طرق محمود بشدة على سطح المكتب بغضب وهو ينهض ليقول بغضب:
- أنت اتجننت يا طارق إيه اللي بتقوله ده!!
نهض طارق هو الآخر ولأول مرة يعصي أبيه، ولكن ليس الأمر متعلق باعتقاله مدى الحياة بهذا الشكل. فقال:
- لا متجننتش أنا عملت اللي أنتوا عايزينه. سيبوني أنا بقى أعمل اللي أنا عايزه. عن إذنك عندي دورية في المصنع.
خرج من المكتب ومحمود ينادي عليه بدون رجعة أو أمل. لم يصدق ما تفوه به طارق لتوه، لقد جن جنونه حقًا.
أما طارق فشعر بأنه تسرع حقًا وأخبره ولو تلميح ما كان ينوي عليه. ولكن لا فائدة من الندم على اللبن المسكوب.
لا تعرف إلى أين تذهب، فقدمها قادها إلى النادي. جالسة شريدة تفكر في الوضع التي تحاملت عليه ووافقت به، هي نفسها لا تعرف ماذا تريد وما نهاية السبيل الذي تسير فيه، أهو له نهاية؟ أم مثل الشعاع له بداية وليس له نهاية؟
رآها إيهاب صدفة وهو على وشك الخروج من النادي، فكر في الذهاب إليها ولكن تردد كثيرًا، خوفًا من صده ومعاملته بجفاف كما تفعل كل مرة.
ولكنه لا يتعلم من خطأه بعد، فحسم أمره وذهب إليها، وجدها شريدة لم تشعر بجلوسه قربها حتى. تنحنح حتى تشعر به، إلى أن فاقت من شرودها وهي تطالعه بدهشة لتقول:
- أنت هنا من أمتى؟
تنهد إيهاب وقال على الفور:
- مفيش 5 دقايق. إيه مالك؟
ردت دون النظر إليه:
- مفيش.
صمت لحظة ثم قال بشك:
- متأكدة؟
التفتت له وهذا ما كان يريد أن يصل إليه. صمتت ولم تجب، فاسترد حديثه ليقول:
- شكلك سرحانة ومضايقة. كأن حد سمعك كلام مش حابة تسمعيه.
رفعت رأسها ونظرت له بدهشة غير متوقعة، كيف علم ما تشعر به. ولكن ردت بجفاء كالعادة:
- وأنت إيش عرفك. مكتوب على وشي وأنا معرفش؟!
شعر بالحزن من معاملتها له، ولكن تغاضى حاليًا إلى حين يعرف ما بها، فقال:
- لا بس باين على وشك. أصلك متبقيش كده إلا لما بتتكلمي مع طارق وتشدوا في الكلام مع بعض. أنتوا اتخانقتوا تاني ولا إيه؟
تنهدت بشرود وهي تقول:
- ولا تاني ولا تالت. مش طارق خالص. أبوه.
قطب عينيه بدهشة وهو يقول يتساءل:
- أستاذ محمود!!
قالت سارة بذات الحالة:
- أيوة. قابلته صدفة وأنا خارجة من عند طارق. طريقته كأنه بيقولي بطريقة غير مباشرة أبعدي عن طارق، ملكيش دعوة بيه. ده بيقولي عقبالك تخيل!
أدمعت عيناها وتأثر إيهاب لكسرتها، لا يعرف أن يتعاطف معها أم ماذا يفعل. ولكن تعجب من رد فعل محمود. تنهد إيهاب ليقول:
- ولا يهمك يا سارة. أكيد ما يقصدش. أنتِ شايفة الكل متوتر وقلقان الفترة دي إزاي، وأرواح آلافات متعلقة في رقبتهم. ثم عايزك تتقبلي الأمر الواقع. بكرة هيبقى متجوز وأي كانت طريقة جوازهم بس اسمه متجوز ومسؤول قدام الناس. أنا خايف عليكِ يا سارة.
نظرت له في غرابة وهي تفكر بكل حرف يقوله، لقد أفاق بداخلها الكثير ولكن أخمدته في ثوانٍ معدودة. لا تستطيع أن تصدق أو بمعنى آخر لا تريد. لا تريد أن تستوعب شيئًا ما يبعدها عن طارق، فاكتفت بالابتسام له.
*****************
أنهى عمله في المصنع وهو في طريقه. تفكيره منشغل حتى أثناء عمله ولا يعرف ماذا يفعل، ولكن قراره لن يتغير في استمرار علاقته بسارة، فإنه يحبها فاستمرت علاقتهما على مدار ثلاث سنوات. ولكن ماذا يفعل حيال والده؟
طالما تأكد إيهاب من ذهاب سارة، بمرور فترة من الزمن، جالسين في صمت تام، هي شريدة وهو يختلس النظر إليها بين الحين والآخر ويختلق مواضيع. اتصل بطارق ليفهم ما حدث، مؤكد إنه لم يعرف ما بدر من والده.
سمع طارق رنين هاتفه فأدرك على الفور إنه إيهاب، تناوله من جيب حلته وقام بالرد عليه. بعد عدة دقائق أغلق المكالمة وغير اتجاه سيره على الفور.
وصل إلى النادي وأخذ يبحث بعينيه عنه في كل مكان إلى أن وجده أخيرًا، ذهب إليه وجلس بجواره على نفس الطاولة، فهو لم يغير مكانه منذ رحيل سارة.
تنهد طارق وهو ينظر إليه وبدأ في الحوار:
- ها إيه الأخبار؟
رد بهدوء:
- الحمد لله تمام. الأمور معاك وصلت لفين؟
تنهد وأردف قائلًا:
- أهو أبويا بيسكتهم عقبال ما سلمى تشوف ونتجوز، ومحدش عارف هتفوق أمتى. والشغل ماشي تمام والفيلا لسة شوية عشان تجهز.
صمت إيهاب لحظات ثم قال:
- طيب كويس على خير إن شاء الله. وإزاي سارة؟
تنهد بضيق ولا يعرف ماذا يقول، بدأ ما قاله محمود يتكرر في عقله مرارًا وتكرارًا. ولا يستطيع أن يفكر، فصاح منفعلًا:
- أبويا يا سيدي عايزني أسيب سارة. مش كفاية! مش كفاية هتجوز سلمى عشان خاطرهم وضحيت بخطيبتي عشان صفقة. عايزين مني إيه تاني؟
قلق إيهاب على انفعاله، فلقد سمع ما سمعته سارة. أخبر الطرفين دون معرفة الطرف الآخر، فكان من الأفضل أن يخبره بما حدث، فقال:
- مش أنت لوحدك اللي اتعرضت لضغط.
نظر له طارق بعدم فهم وقال:
- تقصد إيه؟
أردف إيهاب قائلًا بتردد:
- وسارة كمان.
فقص عليه ما دار بين محمود وسارة وشعر بقلبه يحترق من فعل أبيه. لأول مرة بحياته يشعر بتحكمه في حياته بهذه الدرجة، لم يكن كذلك من قبل.
قام سريعًا وعلى الفور ليرحل، ليعرف إلى أي مدى يفكر والده في هذا الأمر.
***************
كالعادة في موعد الغداء، عاد محمود إلى المنزل ليتناوله مع تهاني.
وليس كعادته أن يكون ساهيًا بهذا الشكل أثناء تناول الطعام، يبدو شريدًا يفكر في شيء، تعجبت تهاني وتهيأ لها إنه بسبب تلك الضغوطات التي حولهم وما يمرون بها في الوقت الراهن. ولكن لا هناك شيئًا آخر.
فربتت على يده وهي تقول بقلق:
- مالك يا محمود النهاردة. مش عوايدك تبقى مبلم كده. إيه اللي حصل؟
ترك الملعقة بعنف وعقد أصابع يداه وصاح بضيق، كأنه قد جاءت الفرصة المناسبة ليفرج عما بداخله ليقول:
- ابنك يا ستي مش ناوي يجيبها لبر أبدًا.
تركت الملعقة هي الأخرى وشعرت بالقلق يجيش في قلبها، ماذا فعلت يا طارق هذه المرة؟ صاحت بقلق لتقول:
- إيه اللي حصل؟
أردف محمود بنفس النبرة:
- لسة ماشي مع ست سارة بتاعته ومتمسك بيها. على إيه أنا مش عارف بجد. مش خلاص كلها أيام ويكتب كتابه. لسة على علاقة بالبنت دي. بصراحة بيني وبينك رغم إني معترض على الجواز بالشكل ده بس أحسن عشان يبعد عنها. بس يبعد عن مين ده جبلة.
ربتت على يداه سريعًا وهي قلقة بشأنه وخائفة من شدة انفعاله هذا، فتقول:
- اهدى بس يا محمود عشان خاطري. عشان خاطر صحتك إحنا مالناش غيرك.
هدأ من روعه قليلًا وهو يتنفس الصعداء. ثم قال بضيق:
- اسمعي يا تهاني خلي ابنك يلم الموضوع ده شوية وإلا هتصرف تصرف مش هيعجبه أبدًا.
***************
يقود بسرعة عالية، محاولة منه اللحاق بوالده قبل أن يعود إلى المكتب. وهو يفكر كيف سوف يواجهه وماذا يقول. فجأة سمع رنين هاتفه، تناوله وقام بالرد على الفور في قلق.
بعد دقائق أغلق المكالمة وغير مصير اتجاهه بسرعة جنونية غير طريق المنزل.
رواية صفقة حب الفصل الثامن عشر 18 - بقلم شيماء جوهر
عقب انتهاء محمود من تناول الطعام، وبعد أن هدأ من روعه قليلًا، دخل غرفة مكتبه ليفكر مليًا في الخطوة القادمة، وكيف يبعد تلك الفتاة عن طريق ابنه، من الواضح أنها لن تتركه وشأنه.
أوصت تهاني بإحضار فنجان من القهوة وتقديمها لمحمود في مكتبه، أما هي فخرجت للحديقة تحاول أن تفهم ما وصل إليه طارق من تفكير، لم تتوقع أنه ما زال على علاقة بسارة طوال هذه الفترة، يجب أن توقف الشجار والحدة التي بينه وبين محمود، وأن توقفه هو شخصيًا.
فتناولت هاتفها وقامت بالاتصال به، رد بعد وقت، فقالت بحزم:
- أنت فين يا طارق؟
رد طارق بلهفة:
- أنا في العربية، خير يا ماما، في حاجة؟ صوتك مش مريحني.
أردفت تهاني بنفس اللهجة:
- لما تيجي هتعرف، ما تتأخرش.
أردف طارق بلهفة أكبر وهو يزيد من سرعته:
- مش وقته يا ماما، أنا في طريقي للمستشفى، سلمى فاقت.
صاحت به تهاني بفرحة حقيقية:
- أنت بتتكلم جد؟!
ابتسم طارق تلقائيًا على فرحة والدته، ليقول بحب:
- أيوه بجد، لسه الدكتور قافل معايا ما فيش دقايق.
تهاني بفرحة قالت:
- ماشي يا حبيبي، تبقى تكلمني لما توصل وتطمني عليها.
ابتسم طارق وقال:
- حاضر إن شاء الله.
نهضت تهاني سريعًا لتخبر محمود بهذه البشرى السارة، ونسيت تمامًا ما كانت تجري المكالمة بشأنه، وفي ذات الوقت كي تزيح عنه أي هم أو ضيق، لعله يسعد لسماع هذا الخبر.
***************
وصل طارق إلى المشفى وركن سيارته جانبًا، أخذ يهرول ركضًا إلى غرفة سلمى، فتح الباب بسرعة ولهفة ودخل على الفور يلتقط أنفاسه وعيناه تعلقت بعينيها، فرحته الداخلية بإفاقتها لم يلاحظ وجود الطبيب معه بالغرفة.
ظل ثابتًا في مكانه ينظر إليها فقط دون أي رد فعل آخر، أما سلمى تنظر إليه بتعب وعدم تركيز، تشعر بأن رأسها تؤلمها بشدة، ولكن كانت متعجبة حقًا من تلك اللمعة التي تراها في عينيه من شوق، من قوة تطلعه إليها، حاولت أن تتلاشى تلك الأفكار التي أتت إليها وأبعدت عينيها عنه.
انتبه طارق إلى صوت الطبيب وهو يقول له:
- محتاجة راحة وتبعد عن أي توتر، وإن شاء الله هتكون كويسة.
رد طارق بهدوء:
- تمام.
بمجرد أن خرج الطبيب وأغلق الباب خلفه، اقترب طارق منها وجلس بجوارها على أحد المقاعد يتطلع إليها في هدوء.
منذ أن استعادت وعيها وهي صامتة، تجيب على قدر السؤال المطلوب، مشاعر متداخلة ومضطربة، تحاول أن تتماسك وتكون أقوى من قبل خاصة أمامه، ولكن لاحظت أن منذ جلوسه بجوارها لم يزح عيناه عليها، توترت وشعرت بالضيق من نظراته.
قطعت الصمت الدائر بينهم لتقول بجمود دون النظر إليه:
- هتفضل متنحلي كده كتير؟!
فاق على صوتها فابتعد عن النظر إليها، وقال مغيرًا لمجرى الحديث بعدما شعر بالإحراج:
- حمد لله على السلامة.
ردت دون النظر إليه:
- الله يسلمك، شكرًا.
اندهش، فنظر لها وقال يتساءل:
- على إيه؟
أردفت وهي على نفس الوضع:
- الدكتور قال لي إنك فضلت جنبي.
تنهد طارق وقال بلامبالاة:
- حاجة بسيطة، مش خطيبتي بردو؟!
قاطعته سريعًا وهي تحاول استيعاب تلك الكلمة لتصيح بعدم فهم:
- إيه حكاية خطيبتك دي!
رد ببسمة متهكمة:
- يا ستي مش المفروض كنت هاجي أتقدملك بس حصل اللي حصل.
رفعت إحدى حاجبيها لتقول بعدم فهم أكثر:
- نعم!! اللي هو إزاي يعني؟
رد بهدوء وابتسامة لم تصل لعينيه:
- أتقدمتلك من أبوك، وقرينا الفاتحة وأنت نايمة.
رفعت حاجبها بدهشة بعدم تصديق ليتجاهل هذه النظرة ويستأنف حديثه بهدوء مقاطعًا إياها قبل أن تتحدث:
- واضح إنك قوية وهتعدي المرحلة دي بسرعة وهترجعي لنرفزتك تاني.
نظرت له بحدة شديدة وصاحت بغضب:
- أنا نرفوزة!! ما تلم نفسك يا أستاذ أنت مسمحلكش.
صاح بها بسخرية:
- أهو شوفتي ما جبتش حاجة من عندي.
صاحت غاضبة أكثر وهي تعقد ذراعها اعتراضًا على حديثه:
- بقولك إيه يا طارق حل عن دماغي ها، أنا فيا اللي مكفيني ومش ناقصة وجع قلب، يا تقول كلمة عدلة يا تتكل على الله.
فتح فاه بتعجب من ردها، ولما الغرابة فهذا المتوقع منها، عصبيتها وضيق خلقها، فصاح بها:
- هو ما فيش فايدة فيك حتى وأنت تعبانة، أقولك كلمة تردي بتقرير.
نظرت له وأردفت بغضب عارم:
- أعملك إيه ما أنت اللي جاي تحدف دبش وعايزني أسكتلك.
صاح بها بحنق:
- خلاص خلاص حقك عليا، يا خربيت اللي يزعلك يا شيخة بكابورت واتفتح في وشي.
شعرت بالدم يغلي في عروقها تحركت بألم وكادت أن تقذفه بالوسادة لتقول بحدة:
- أمشي من هنا يا طارق أحسنلك.
ضحك بسخرية ليقول باستفزاز:
- همشي بس قبل ما أمشي أحب أقولك أن أستاذ هاشم بخير وخرج من المستشفى.
شعرت باطمئنان وسلام داخلي لمجرد سماع سلامة والدها، ولكن أخفت مشاعرها لتقول بجمود وبرود:
- هو حد سألك!! شكرًا يا سيدي، أتفضل مع السلامة.
كتم ضحكته على هيئتها، فنهض وهو يقول متجهًا إلى الباب:
- كويس إني اطمنت عليك، سلام يا عروسة.
أشارت له بسبابتها ناحية الباب بقوة وغضب بمعنى اخرج، بمجرد أن خرج وأغلق الباب خلفه ولم يستطع كبت ضحكاته بعد، فضحك بقوة شديدة وتزداد عندما يتذكر وجهها وهو يتحول إلى ثمرة البندورة.
استقل سيارته وغادر سريعًا، يبتسم ما بين الحين والآخر عندما يتذكر تعابير وجهها الغاضبة، فتبدو مضحكة للغاية وهي منفعلة، تناول هاتفه وأجرى مكالمة قبل أن يتجه إلى المنزل.
*********************
قرر قبل أن يذهب إلى المشفى لرؤية شقيقته أن يمر على الشركة أولًا، وفي نفس الوقت يرى نور، أو بمعنى أصح تعتبر السبب الرئيسي لمجيئه إلى الشركة.
شاهد إحدى الموظفات بيدها ملف متجهة إلى المكتب، أسرع في خطواته إلى ما وصل إليها، أخذ منها الملف واقترب من المكتب، أقرع على الباب ثم دخل بعدما سمع الإذن بالدخول.
ابتسم وهو يقترب منها بهدوء، وجلس قبلها وهو يتأملها وهي تعمل، مد يداه بالملف وما زال محتفظًا بابتسامته، مدت يداها هي الأخرى لتأخذه دون أن ترفع وجهها عن تلك الأوراق التي أمامها، تطلعت فيه ثم قطعت الصمت وهي ترفع رأسها وتقول:
- فين الـ...
قطعت حديثها بمجرد أن رأته جالس أمامها، اندهشت من وجوده في هذا الوقت، استردت حديثها لتقول:
- حضرتك هنا من أمتى؟
أجاب يوسف باسمًا:
- يعني ما فيش خمس دقايق كده، وأنت مش واخدة بالك خالص.
تنهدت نور وأردفت وهي تعيد ظهرها للخلف بإجهاد:
- آه سوري قدامي شغل أد كده ومش مركزة في غيره.
يوسف باسمًا:
- الله يعينك، آه أنا كنت جاي أطمن عليك، (تراجع بارتباك بعدما نظرت إليه) قصدي على الشغل وعليك كده يعني.
ابتسمت نور من توتره واهتمامه بها، وقررت ألا تعلق على حديثه حتى لا يزيد من ارتباكه، فقالت على الفور:
- الشغل تمام، شوية حسابات بتخلص بس وبعدين هعدي على سلمى أشوف فاقت ولا لسه.
تنهد يوسف بحزن وهو يقول:
- والله مش عارف أقولك إيه، ربنا يستر من رد فعلها لما تفوق، أنا قلقان، اللي حصل ما كانش شوية.
ردت نور بحزن:
- فعلًا، أنا عارفة، بس إن شاء الله سلمى هتكون قدها، ولازم تستحمل الوضع ده سواء بإرادتها أو غصب عنها.
قطع حديثها صوت رنين هاتفها، تناولته من سطح المكتب وجدت المتصل أخاها، فردت باهتمام على الفور ويوسف يتابعها في صمت:
- ألو، أيوه يا طارق، بتتكلم جد! أمتى ده حصل؟ طيب طيب الحمد لله، لا أنا مسافة السكة وهكون هناك، سلام.
نهض على الفور بقلق واهتمام بمجرد نهوضها، تناولت حقيبتها وهاتفها وهي تنظر إليه لتقول متعجلة:
- بسرعة سلمى فاقت.
يوسف بلهفة:
- يا منتا كريم يا رب، يلا.
خرجا معًا من الشركة سريعًا وكل منهم استقل سيارته ويقودان سويًا، حتى وصلا إلى المشفى ومنها إلى غرفة سلمى، بمجرد فتح الباب دون إنذار ركضوا إليها وقاموا باحتضانها بقوة، أغلقت عيناها وارتسم على محياها واستسلمت لضماتهم وهي تشعر بالراحة.
ابتعدوا عنها وتنهدت بقوة ولا تزال البسمة مرتسمة على محياها، ربت يوسف على وجهها بخفة وهو يقول:
- حمد الله على سلامتك يا حبيبتي.
تنهدت لتقول:
- الحمد لله، الله يسلمك أنا بخير ما تقلقش.
نظر يوسف لنور بقلق لا يعرف من أين يبدأ الحديث، ولكنه حاول إخبارها بأسلوب مزاحي قليلًا فقال:
- الحمد لله بابا فاق وبقى كويس.
ابتسمت بحزن وهي تحاول أن تتماسك لتقول:
- اممممم عرفت، طارق قال لي.
نظر لنور باطمئنان ثم التفت إلى سلمى قائلًا:
- طب كويس والله، الحمد لله الأزمة ما طولتش معاها في اليومين دول.
نظرت له بدهشة كبيرة، تحاول التأكد مما سمعت لتقول بعدم فهم:
- يومين إيه؟
نظر لنور ثم أكمل حديثه:
- هو طارق ما قالكيش ولا إيه؟! أنت بقالك يومين فاقدة الوعي وشبه غيبوبة.
فتحت فاها بدهشة وهي تحاول استيعاب ما يقول:
- إيه ده بجد! لا ما قال لي حاجة.
تنهد يوسف وقال باسمًا:
- المهم إنك بقيتي كويسة دلوقتي، عايزك كده تشدي حيلك عشان اللي جاي متوقف عليك.
شعرت بشيء غريب دار بينهم ولم تعد تفهم شيئًا، فقالت مستفسرة:
- عايزة أفهم اللي حصل في اليومين اللي فاتوا دول.
ابتسمت نور وأردفت هي قائلة:
- مبروك يا عروسة كلها أيام وهتكتبوا الكتاب، الفيلا بتجهز والشغل عال، مش ناقص غير إنك تفوقي، عايزين نسد بوق الشركة دي ونخلص، كلموا بابا كتير على فكرة.
شعرت بقبضة في قلبها من سماع تلك الأخبار، هي تعلم جيدًا بشأن زواجها من طارق، ولكن عندما أيقنت بأنه على وشك الاقتراب لا مفر منه، ما هذه السرعة التي حدثت وهي غير موجودة، شعرت بالخوف والقلق، ها قد أصبح أمر واقع.
*******************
على نهاية اليوم أصرت سلمى من مغادرة المشفى والعودة إلى المنزل، لم يكن لديها خيار آخر ولا مكان تذهب إليه، ولكنها بقدر الإمكان تحاول تجاهل هاشم وعدم الحديث معه في الوقت الحالي.
نظرًا لحالته الصحية التي لا يزال بها بعد، وعدم مشادتها بالحديث معه حتى لا تنفعل بكلمات تلوم نفسها عليها بعد، فالْتزام الصمت أفضل شيء يمكن فعله في الوقت الحالي.
مر يومان على خروجها من المشفى، كانت تستعد وتهيئ نفسها لليوم الموعود، أكثر يوم تشعر فيه بالقلق والتوتر، ولا تعرف ماذا تفعل ولا توقف هذا الشعور بداخلها.
نور هي التي تحمل الشركة على مناكبها بكل حب طيلة هذه الفترة ولم تكل أو تعترض، وبعد العمل تذهب إليها.
في صباح الساعة الحادية عشر ظهر، ما زالت سلمى نائمة في سبات عميق، كأنها لم تنم منذ سنين، نست تمامًا بأن اليوم هو يوم زفافها ولم تشعر بالوقت مطلقًا.
والهاتف بجانبها على الكومود يضيء تنبيهًا لوجود اتصال عدة مرات، ولكن لا حياة لمن تنادي.
نور في مكتب سلمى بالشركة، ويجلس يوسف في المقعد المقابل لها، ينظر لها بلهفة واهتمام وهي تنظر في ساعة يدها تارة وتجري مكالمة تارة أخرى. زفرت بشدة وضيق ولا تعرف ماذا تفعل الآن. نظر لها يوسف قائلًا باهتمام:
- ها لسه مردتش؟
أجابت نور دون الالتفات إليه:
- أيوه لسه، مش معقول كل ده تكون نايمة يعني، الساعة داخلة على 11 ونص.
يوسف بحيرة رد قائلًا:
- أنا متأكد إني صحيتها قبل ما أنزل، بس للأسف مردتش عليها، كانت على الساعة 8.
رفعت رأسها ونظرت إليه لتقول:
- وأنا كان ورايا شغل كتير جدًا مينفعش يتأجل، كفاية الشركة اللي بتمر بيه حاليًا، ولما أخلص أطلع على سلمى على طول تكون بدأت تجهز نفسها، لكن بالوضع ده أشك.
رد يوسف سريعًا تأكيدًا لما بدر بذهنه:
- ممكن تكون راحت عليها نومة!
نور اتسعت عيناها لهذه الكلمة وبدأت تتخيل الوضع. تحركت من مكانها في صدمة تفاجأ بها يوسف نفسه وهي تصيح:
- يا نهار أبيض راحت عليها نومة!!! لا بتهزر زمانها صحيت، عن إذنك.
قالتها وهي تأخذ حقيبتها وحقيبة من الورق المتين في اليد الأخرى، وخرجت مسرعة من المكتب وخلفها يوسف.
كل منهم استقل سيارته وقادا بسرعة إلى فيلا هاشم. نزلت من السيارة وركضت للداخل ومنها صعدت على أدراج السلم ركضًا وخلفها يوسف.
أخذت تلتقط أنفاسها ثم قرعت سريعًا على الباب، لم ترد. فتحت ودخلا وتفاجأوا بالمشهد الذي أمامهم، سلمى تنام على فراشها بأريحية تامة كأنها قتيلة وضامة الوسادة بين طياتها.
نظر يوسف ونور لبعضهما البعض في دهشة، ثم ضحك يوسف على هذا المشهد وهو ينظر لنور ليقول:
- لا واضح إنها بتجهز، مش قولتلك راحت عليها نومة.
أرمقته نظرة غاضبة ثم ذهبت نحو فراشها وجلست بالقرب من سلمى تحاول أن توقظها بصياح:
- أنت لسه نايمة!! يا برودك يا شيخة، قومي يا بنتي الساعة 12، بت يا سلمى.
فتحت سلمى عيناها بصعوبة شديدة من قوة ضوء الشمس المنسدل من النافذة، التي قام يوسف بفتحها بمجرد دخوله الغرفة، تحاول أن تستوعب ما يحدث حولها ومن الذي يحدثها في هذا الوقت المبكر من الصباح من وجهة نظرها.
ارتسم على محياها نصف ابتسامة وهي تقول:
- حد يصحي حد على الصبح كده سيبيني شوية، أنت مين أصلًا.
نظرت لها نور بضيق وهي تعقد ذراعها أمامها:
- أنا مين؟! أنا اللي هجيب أجلك النهارده لو مقومتيش، نموسيتك كحلي يا عروسة، فزي يا بت وقومي.
فتحت سلمى عيناها بتعب وإرهاق شديد وقالت بصوت نائم:
- هو أنتِ! في إيه يا ست نور مش عارفة أنام ساعتين على بعض.
ضحك يوسف على هذا المشهد والحوار الطريف الذي يجري بينهن. فتحرك بضعة خطوات حتى وصل إلى فراشها وجلس على أطرافه وهو يقول ضاحكًا:
- هههههههه تبقي تنامي بليل في بيتك زي ما أنتِ عايزة، قومي يا سلمى النهارده فرحك يا بنتي ياخربيت الكسل.
فتحت سلمى عيناها سريعًا وهي تتذكر مكالمة مساء أمس، بالفعل سوف تتزوج اليوم، شعرت ببرودة تسري في أنحاء جسدها وشعرت بالضيق لتقوم على الفور معتدلة جلستها، لتتنهد وهي تقول بضيق:
- صباح النكد، بتفكرني ليه بس.
تنهد يوسف وقال بجدية:
- ده على أساس إنك نسيتي.
نظرت له سلمى وقالت بوجع وجدية:
- معنديش فرصة للنسيان يا يوسف، بس على الأقل بحاول أتناسى.
حاولت نور التدخل وتغير مجرى الحديث، حتى لا يتعكر صفو الكل في بداية اليوم:
- كله هيعدي يا سلمى متقلقيش، كفاية إنك وطارق متفقين.
نظرت لها سلمى مطولًا بألم فهي لا تعلم ما في صدورهم، يكفي لهم ما يظهر أمامهم، فأصطنعت ابتسامة على محياها لتقول بألم:
- على رأيك كله هيعدي، أقوم أنا بقى آخد شاور، عن إذنكوا.
قامت سلمى واتجهت إلى الحمام الداخلي لغرفتها وتركتهم يندبون حيرة على هدوئها، خاصة نور.
طارق يجلس على مكتبه وأمامه حاسوبه المحمول يكتب عليه باهتمام. يجلس أمامه إيهاب بعدم تصديق لما يراه من برود ولا مبالاة، لم يستطع كبت ضحكاته بعد الآن فانفجر وأطلقها على الفور.
رفع طارق عيناه عن الحاسوب ينظر له بغرابة وضيق وانتظر حتى ينتهي ليقول بضحك:
- لا والله ده من إيه ده على الصبح، بتضحك على إيه يلا.
نظر له إيهاب وقال شبه ضاحكًا:
- عليك أنت يا فالح.
عقد طارق حاجبيه ليقول:
- ليه بقى؟
إيهاب بضحك ومزاح:
- بقى يا راجل حد يوم فرحه يفضل في الشغل لحد دلوقتي! مش المفروض واخد أجازة يابني! أبوك لو شافك هنا في الشركة يومك مش هيعدي وهيطلع عليك القديم والجديد.
رد عليه طارق بسخرية:
- ده على أساس إنه جواز بجد، إش حال أنت عارف اللي فيها سيبت للغريب إيه.
سند إيهاب ذراعه على سطح المكتب واقترب بجسده نحوه قليلًا ليقول بجدية:
- ما عشان أنا عارف اللي فيها بقولك أن وجودك في الشركة دلوقتي غلط، على الأقل للناس والموظفين اللي مش عارفين حاجة.
زفر طارق بضيق وهو يفكر ثم نظر له وقال:
- كلام الناس لا بيودي ولا بيجيب.
رفع إيهاب حاجبه بدهشة على عدم اهتمامه ليصيح به:
- يا عم ماهي معروفة بس على الأقل عشان سمعتكوا أنتوا الاتنين، من الأفضل إنك تمشي وأنا هاخد نص يوم وهحصلك، متنحليش كده يلا قوم.
تنهد طارق ثم نهض بصمت وخرج. ظل يتابعه إيهاب وهو يحتار في أمره ولم يعد يفهمه بعد وما يدور في عقله.
عاد إلى المنزل فلم يجد به إلا تهاني التي تفاجأت بوجوده في هذا الوقت هنا، تحاول بقدر الإمكان ألا تصدق بأنه كان في الشركة، فلم يسمح لها ببدأ الحديث وصعد سريعًا إلى غرفته.
ودخل الحمام المرفق بالغرفة ليستحم، في هذه الأثناء كان هاتفه يرن كثيرًا لعدة دقائق، رنات متصلة ويبدو أنه لم يسمعه من الداخل، مع العلم أن المتصل كان على نار أحر من الجمر، تهتز ساقها بشدة في غيظ وضيق وتأقلم أظافرها بأسنانها بشيء من العصبية والانفعال.
قطع الصمت الذي دام مدة خمسة عشر دقيقة صوت ذلك الشخص الذي يجلس بجوارها وهو يملس بشعرها:
- بردو مبيردش.
نظرت له وقالت منفعلة:
- مش فاهمة بجد بيعمل إيه كل ده، مش معقول كمان يكون في الشركة النهارده.
شرد هذا الشخص بعيدًا وهو يفكر، فتحولت قسمات وجهه إلى الوعيد ليقول بسخرية تامة:
- أكيد بيتكلم مع سلمى هانم ومش فاضيلك.
التفتت له بنظرات نارية:
- هي نقصاك أنت كمان، مش ناقصة تسخين.
ضحك وقال بسخرية:
- سارة يا حبيبتي أنت مش محتاجة أصلًا، والعة جاهزة.
نظرت له بشرر كبير وقالت:
- بقولك إيه أنا مش ناقصة، كل ما بفتكر إنه خلاص هيتجوزها النهارده بولع وأقيد نار من جوايا، دي آخر حاجة ممكن أتصورها، طارق بيحبني أنا عارفة بس كنت فكراه ممكن يرفض عشاني.
ضحك ساخرًا بشدة ليقول:
- يعني عايزة تفهميني إنه هيسيب الملايين دي كلها ويختارك أنت! فوقي يا ماما.
نظرت له سارة بحنق، يجب أن ترد له ذات الغضب التي تشعر به، أهي بشدة الرخص كي لا يبيع كل شيء من أجلها ولا يختارها؟ أحبه لها بهذه الدرجة؟ لا إنه يحبها هي فقط لا غير ولولا مصير أمواله كان معها الآن، فمصير تلك الأموال في نهاية المطاف سوف تؤول لها في يوم ما.
- زي ما سلمى سابتك بالظبط وراحت تتجوز طارق، لو كانت بتحبك بصحيح كانت حاربت الدنيا عشانك.
لا يدعها تنتصر في يوم من الأيام عليه، ولا تجعله مهزوم أمامها، فهو معروف بسطوته ومركزه ولا يوجد شيء يريده إلا حصل عليه، فنظر لها بحنق شديد ليقول بتحذير:
- مش عاصم السيوفي يا حلوة اللي حاجة عايزها تروح منه، سلمى وضعها مختلف ولولا شرط الشركة المتخلف ده وأرباح أبويا مكنتش عتقتها، مش هسيب تعبي كله يروح هدر، مش أنا!!
أثناء عمل محمود بالشركة ترك كل شيء بيداه عندما خطر على باله فكرة ما يستحيل أن تحدث، ولكن بالنسبة لطارق ابنه فالمستحيل يمكن أن يحدث.
ولكن لا، لن يخذله في هذا اليوم خاصة مثلما فعل من قبل، لن يكون مجنون وغير مبالي لهذه الدرجة، فيقوم بتجربة بسيطة ليتأكد من شكوكه.
فرفع السماعة وضرب بعض الأرقام فلم يجد رد، حاول مرة أخرى والثانية فلم يجد رد، لم يستسلم يجب أن يطمئن ويشعر بالراحة من شكوكه، ضرب أرقام أخرى ليتصل بسكرتارية مكتبه إلى أن ردت أخيرًا:
- أيوه يا محمود بيه.
تردد وهو يتكلم ويخشى من ظنونه:
- طارق موجود؟
ردت السكرتيرة بجدية:
- لا يا فندم أستاذ طارق مش موجود في أجازة النهارده، مبروك يا محمود بيه.
أغمض عيناه سريعًا وتنهد بعمق وراحة تامة بأنه كان مخطئ في شأنه، ارتسمت على محياه ابتسامة صغيرة ليقول:
- الله يبارك فيك، ماشي شكرًا.
أنهى المكالمة وهو سعيد بداخله بأنه لم يذهب إلى العمل اليوم، وتواجده في المنزل حتى يجهز ويقترب موعد الزفاف، أو على الأقل يستعد بترتيباته.
خرجت سلمى بعد مدة ليست بطويلة، قرابة ساعة أو أكثر بقليل، نائمة براحة في حوض الاستحمام، حيث المياه الدافئة ورغوة الصابون الكثيفة، الورود تمتلئ الحوض بلونها الجذاب ورائحتها العطرة المميزة، عطر اللافندر المرخي لأعصابها.
أغمضت عيناها وأرخت جسدها بحرية تامة وشردت في عالمها تفكر، تعيد حسابتها وترتب أولوياتها مرارًا وتكرارًا، كانت تحتاج مثل هذه المدة والمياه تغمرها حتى وجهها. فلولا قرع نور عليها مرارًا ما كانت خرجت الآن.
دخلت نور للاستحمام بعدها هي الأخرى، وبعد خروجها وأثناء التجهيز تركتها نور وخرجت للاتصال بمركز التجميل، إلى حين ترتدي سلمى فستان زفافها.
وتركتها وحدها بالغرفة.
خطر على بال سلمى دون سابق إنذار فكرة خطيرة للغاية، تكاد أن تُدمر كل شيء في لحظات. فهي لم تبدُ طبيعية منذ خروجها من الحمام، كانت ساهِمة تفكر، ترد على قدر السؤال، هدوء غريب على غير العادة. تتصارع دقات قلبها وأصبحت في حيرة كبيرة أو مأزق أكبر كما تراه. كيف يمكن أن تضحي بنفسها للمرة الثانية، وهذه المرة بلا رجعة فهي محتومة على فعل ذلك؟ لأجل من يا تُرى؟ لأجل المال، لأجل النفوذ والشركات، لأجل العمل وليس من أجلها هي. وما كانت نتيجة هذه التضحية سوى خسارة نفسها ليس إلا، خسارة ما تبقى منها منذ أن استسلمت وخطبت لعاصم. لكن هذه المرة لا، لن تستسلم بسهولة، لن تكون ذليلة للمال وتحت طاعته. فما العمل يا تُرى؟!
عادت نور إلى الغرفة وهي تُنهي الاتصال وتفتح الغرفة وهي تتحدث إلى سلمى. الصاعقة، وجدتها فارغة تمامًا. اتسعت عيناها في صدمة ودهشة. كل شيء كما هو، فقط تركت كل شيء.
رواية صفقة حب الفصل التاسع عشر 19 - بقلم شيماء جوهر
عادت نور إلى الغرفة وهي تنهي الاتصال وتفتح الغرفة وهي تتحدث إلى سلمى.
الصاعقة.. وجدتها فارغة تمامًا.
أتسعت عيناها في صدمة ودهشة.
كل شيء كما هو، فقط تركت كل شيء في مكانه لم يتحرك.
الفستان على فراشها، والحذاء في الصندوق الخاص به.
المنشفة التي كانت تحيط بجسدها على مقعد أمام المرآة.
حليها مرصعة على كومود المرآة الكبيرة.
خطت نور سريعاً بخطوات أشبه بالركض وأمسكت المنشفة في دهشة وتساؤلات كثيرة تدور في مخيلتها، ترفض استيعابها وتصديقها.
ألقتها على الكرسي وركضت خارجاً تنادي عليها بصوت عال.
نادت على كل الخدم الموجودين بالمنزل وسألتهم عنها فلا أحد منهم رآها قط.
خرجت إلى الحديقة تبحث عنها في لهفة فلم تجدها أيضاً.
وقفت مكانها مخشبة، شريدة حائرة.
لا لا مستحيل بل من رابع المستحيلات، لا تكون قد فعلت ما خطر عليها لا تكون قط.
ركضت وصعدت درجات السلم بالخطوتين أو أكثر وهي تلتقط أنفاسها.
دخلت الغرفة وبدأت تبحث عن هاتفها.
وجدته وقامت سريعًا بالاتصال بيوسف، الذي خرج ليؤدي شيئًا ما ضروري في الخارج ثم يعود.
فزع يوسف ودهش من نبرة نور المهزوزة، شعر برعشتها وعدم تماسكها.
فصاح بها:
- في إيه يا نور مالك؟
غلبتها دموعها وقالت وهي تجش في البكاء:
- ألحقني يا يوسف سلمى مش موجودة في الفيلا.
أنتفض يوسف بدهشة وصدمة ليقول بقلق وخوف:
- يعني إيه مش موجودة؟
بكت نور وهي تحاول الحفاظ على انفعالاتها وابتعاد أي فكرة عن خاطرها لتقول:
- مش عارفة.. بعد ما خلصت شاور طلعت أتصل بالبيوتي سنتر عشان تيجي تكون سلمى خلصت شعرها.
رجعت ملقتهاش.. كل حاجة زي ما هي متلمستش.. حتى البشكير لقيته مرمي على الكرسي وملهاش أي أثر لهنا ولا في الجنينة حتى.
تناول حلته ومفتاح سيارته وركض للخارج وهو يصيح بها بلهفة ورعب:
- أقفلي يا نور أنا جي حالًا.
***
خرج من الشركة وأستقل سيارته وهو يقود بسرعة جنونية.
وجاءت في مخيلته أفكار سوداوية لا يستطيع أن يتحملها أو يستعبها هو الآخر.
لا يمكن سلمى أن تفكر في هذا مطلقًا وهي تعرف العواقب الوخيمة التي سوف تنتظرها إذا بدرت بفعل أي شيء مجنون بعد.
نور تبكي بخوف وقلق.
خلال مدة ليست بطويلة وجدت يوسف أمامها وهي جالسة على فراشها.
تأمل الغرفة بتفقد معين، بالفعل كل شيء كما هو.
رفعت نور رأسها وجدته.
أنتفضت ووقفت على الفور ومسحت دموعها على الفور وهي تحاول أن تتماسك.
فهزت رأسها بالرفض وهي تصيح به بعدم تصديق:
- لا لا يا يوسف مستحيل تكون هربت مستحيل.
زفر يوسف بشدة وهو يمسح رأسه بيداه.
لا يستطيع تصديق ذلك ما فعلته شقيقته.
لماذا يا سلمى تضعي الجميع في هذا المأزق الكبير.. لماذا يا ترى؟
تصرف مجنون ويشعر بأنه في كابوس كبير.
شقيقته تهرب ليلة زفافها، تختفي فجأة دون سابق إنذار.
إلى أين ذهبت يا ترى ولما؟
نظر لها يوسف محاولة منه استيعاب ما حدث.
صاح بها وهو شريد للغاية وهو يفكر:
- أنا عقلي من ساعتها عمال يقنعني بحاجات ويصورلي حاجات.. مش عارف مش قادر أفكر.. قلت لا مستحيل سلمى تعملها من رابع المستحيلات كمان.. ليه كده يا سلمى ليه؟
جلست نور ببطء ودموعها تنسدل على وجنتيها بصمت وتقول وهي تستعيد ذاكرتها:
- من ساعة ما خرجت من الحمام وهي مكنتش مظبوطة أبدًا.. كنت حاسة أن فيها حاجة متغيرة.. معرفتش أفسر هدوءها ده إيه.
تناول هاتفه من جيب حلته وقام بالاتصال بسلمى.
وجد الهاتف مغلق أو غير متاح، حاول الاتصال مرة أخرى ولكن دون جدوى.
فعلم ما يدور في مخيلته كان صحيحاً.
طاوعت الكل وفعلت كل ما طلب منها ولكن سارت وراء ما يحث عليه عقلها فقط لا غير.
فقد تركت المشاعر جانبًا، وما كانت النتيجة في نهاية المطاف سوى استغلالها لصالحهم.
إلى أين ذهبت يا ترى وماذا فعلت؟
تشتت عقله ولا يستطيع التفكير في أي شيء بعد.
فلا مزيد من السكوت بعد الآن يجب إخبار والده ليتصرف سريعًا في هذه الكارثة قبل أن تتحطم فوق رؤوسهم.
على الفور اتصل بهاشم والقلق والخوف ينهش في ملامحه إلى أن وصله الرد:
- ألو.. بابا في مصيبة.
أنتفض هاشم من مقعده بقلق وفزع وهو يصيح به ويقول:
- مصيبة إيه؟ إللي حصل؟
صاح به يوسف بغضب وعنف وكادت الدمعة أن تفر من عيناه:
- سلمى هربت.. ملهاش أي أثر وقفلت تليفونها.
مش وقته الكلام ده دلوقتي لازم نتجمع حالًا عشان نشوف حل في الكارثة دي.. أنا هتصل بطارق.. سلام.
أنهى المكالمة ثم التفت إلى نور التي على الفور قامت بالاتصال بأبيها وحاولت أن تبدو طبيعية للغاية.
***
تحرك محمود من مكتبه قرابة الساعة الواحدة والنصف ظهرًا، أستقل سيارته وعاد إلى الفيلا.
بمجرد وصوله وبدأ الطاهي إنهاء الطعام كعادة كل يوم، جلس في مكتبه ليستريح قليلاً فلم يجد تهاني بإنتظاره كالعادة.
نادى على أحد الخدم لإخبارها بوصوله، وبالفعل جاءت تهاني بعد دقائق تستقبله ببسمتها الحانية وجلست قباله.
فبدأ هو الحوار.
- طارق فوق؟
ردت تهاني على الفور:
- أيوه في الحمام بياخد شاور ونازل على طول.
زفر محمود براحة وهو يقول:
- طب كويس الحمد لله.
لاحظت تهاني زفرته نوعًا من الارتياح ظهر على وجهه.
فهي تعرف زوجها جيدًا عندما يفكر في شيء أو شيئًا يصل إلى خاطره.
فتساءلت بهدوء:
- اشمعنى يا محمود.. حصل حاجة؟
ارتسم على ثغره بسمة صغيرة وأجاب قائلاً:
- لا أبداً.
تعلم أنه يخفي عليها شيئًا ما.
تعلم ما يدور بخاطره، لا يتأكد من وجود طارق في هذا الوقت هباءً، بل يخاف من شيئاً ما.
فهذه ليست عشرة يوم أو شهور بل سنوات طوال، فهمته جيدًا نحوها.
فابتسمت وهي تقول:
- خايف ألا يعمل زي ما عمل يوم حفلة هاشم.. مش كده؟
رفع رأسه ونظر إليها باسمًا، كان يعلم إنها لن تتركه بسلام في حيرته.
تتفهمه جيدًا من عيناه ونبرة صوته ومن صمته.
فطمئنها وقال:
- بصراحة في الأول أه.. بس ارتحت لما اتأكدت.
ربت على يديه بلطف وهي تطمئنه بدورها هي الأخرى:
- متقلقش.. طارق لا يمكن يعمل حاجة زي دي في اليوم ده.
تنهد محمود بقلق ليقول:
- ربنا يستر يا تهاني.. قلبي مقبوض ومش مستريح.
ردت بهدوء:
- إن شاء الله خير.
تنهد بعمق وهو يقول بحيرة وقلق:
- ونعم بالله.. يلا نادي طارق زمان الغدا جهز.
نهضا سوياً وتناول هاتفه وجد مكالمة فائتة من نور.
اتصل بها على الفور كي يطمئن عليها ويعرف ماذا كانت تريد.
بمجرد أن انتهت الرنة الثانية بدأت المكالمة وظهر صوت نور تحدثه بلهفة غير طبيعية.
- ألو ايوة يا بابا.
رد بلهفة وقلق هو الآخر:
- خير يا نور أنتِ كويسة يا بنتي؟
حاولت نور التماسك وهي تقول بإرتباك:
- أنا كويسة متقلقش بس في ميتنج في غاية الضرورة دلوقتي في شركة الجوهري.. أنكل هاشم مستنيك هناك في مكتبك.
نبرة صوتها غير مريحة بالمرة.
وأي اجتماع سوف يعقد في مثل هذا اليوم؟
أهي فكرة هاشم أم من يا ترى؟
صاح بها بنفس النبرة:
- إللي حصل بس يا بنتي فهميني.. ده وقت ميتنج في يوم زي ده؟
تماسكت نور على قدر ما تستطيع ويجب إنهاء المكالمة قبل أن يفر لسانها وتبوح بكل شيء.
فردت في عجالة وهي تنهي المكالمة:
- ياريت متتأخرش يا بابا.. هتفهم كل حاجة.. سلام.
أغلقت المكالمة وجلست على الفراش وإنهارت من البكاء بشدة وقوة.
تشعر بأنها بحلم مخيف ولا تعرف ماذا تفعل.
بجوارها يوسف محاولة تهدئة روعها قليلاً.
أراد أن يربت على منكبيها لتهدئتها ولكن لا يجوز له لمسها.
وهو أيضاً يحتاج من يواسيه، فهي في الأول والآخر شقيقته الصغرى، يحبها أكثر من نفسه أكثر من أي شئ.
لم يتوقع يومًا أن تكون هذه رد فعل سلمى على الإطلاق بأن تهرب وتترك كل شيء خلفها دون مبالاة من أي شخص كان.
إلى هذه الدرجة لم تتحمل؟
تماسك ليقول لها:
- أهدي يا نور إن شاء الله خير.
رفعت نور رأسها وهي تقول بصوت متقطع:
- أنت متعرفش خايفة عليها أد إيه.. يارب عترنا عليها يا رب.
تنهد بحزن وخوف ليقول هو الآخر:
- ومين سمعك.. أنا هتجنن ومش قادر أفكر.. المهم قومي أغسلي وشك وروقي كده عشان نروح نشوفك حل في المشكلة دي.. مفيش وقت وأنا هتصل بطارق.
نهضت نور بإستسلام وهي تمسح دموعها وصوت ضعيف يشوبه البكاء:
- حاضر.
دخلت نور الحمام تغسل وجهها وتناول يوسف هاتفه وقام بالاتصال بطارق.
***
خرج طارق من الحمام ووقف أمام المرآة يمشط شعره وهو يصفر، كأنه تناسى الشكل العام لزواجه.
فجأة توقف عن الصفير وتجهم وجهه عندما تذكر سلمى وما حدث بينهم من مشاحنات عديدة منذ اليوم الأول لرؤيتها إلى يومنا هذا.
تنهد بعمق وهو يتمعن لنفسه في المرآة يفكر، هل حقاً أقدامه على هذه الخطوة صحيح أم مجرد تسرع منه ليس إلا؟
هل حقًا يحب سارة ويفعل كل هذا من أجلها، أم من أجل نفسه خوفًا من دمار كل شيء؟
بداخله تساؤلات عديدة لا حصر لها، مشتت.. غير قادر على تحديد ماذا يريد.
الأبواب أمامه متشابهة ولا يعرف إلى أيهما يختار.
فلا وقت للتفكير في مثل هذه الأمور الآن، فاليوم زفافه على سلمى.
والغريب في كل هذا أنه لا يشعر بأنه غير مرغم على هذه الزيجة مثلما كان يشعر من قبل، فلا يعرف لماذا يشعر بالرفض الشديد من زواجه منها.
شيء من الراحة بداخله ولا يعرف سببه.
إنه لشئ عجيب حقاً ولا يعرف سره بعد، ولكن المؤكد إنه لا يتعاطف معها.
مسك هاتفه ووجد مكالمات فائتة من سارة.
فكر لعدة دقائق كاد أن يتصل بها ولكنه تراجع.
شيئًا ما في داخله جعله يتراجع في قراره.
أكمل بحث في هاتفه ووجد أيضًا مكالمات فائتة من نور.
شعر بالقليل من القلق فأتصل بها على الفور.
- ألو ايوة يا نور في حاجة؟
صاحت به بغضب خفيف:
- أنت فين يابني برن عليك.
رد سريعاً وقال:
- لسة خارج من الحمام.. كنت باخد شاور.. عايزة إيه دلوقتي؟
أردفت نور بنفس الحالة:
- ألبس وأطلع على شركة الجوهري دلوقتي حالًا.
قطب حاجبه بتعجب شديد والقلق يتسرب إلى قلبه رويداً رويداً.
فنهبرتها التي تصيح بها غير مطمئنة بالمرة.
فلا تفعل ذلك إلا أن وجد مصيبة أو كارثة، خاصةً في مثل هذا اليوم.
فصاح بلهفة:
- ليه إللي حصل؟
أردفت نور بنفاذ صبر وقالت:
- في ميتنج مهم وضروري جدًا.. متتأخرش كلهم مستنينك هناك.. أنا ويوسف مسافة السكة وهنكون عندك.. سلام.
أنهى معها المكالمة وهو ينظر إلى الهاتف بتعجب وغرابة شديدة.
نعم لقد حلت عليهم عاصفة كبيرة بل إعصار، هكذا يشعر.
دق قلبه بعنف شديد فقام على الفور بأرتداء ملابسه ونزل يركض على درجات السلم.
وجد تهاني في استقباله هي ومحمود ينظرون إلى بعضهم في دهشة وعدم فهم.
شعر بأن والده قد تلقى نفس الاتصال الذي تلقى به منذ دقائق معدودة.
فأردف على الفور:
- في إيه مالكوا؟
رد محمود بوجه قلق وتجهم وجهه للحظة:
- طالع على الجوهري دلوقتي.. يوسف لسة قافل معايا من شوية.
نظر له طارق بتعجب هو الآخر وقد تأكد من شعوره:
- هو إيه الحكاية.. نور لسة قافلة معايا هي كمان وقالتلي نفس الكلام.
تنهد محمود بحيرة ورفع يديه في الهواء بإستسلام وهو يقول:
- علمي علمك يابني.. تعالى نروح نشوف في إيه أنا قلبي مش مطمن للأجتماع ده.
تنهد طارق بقلق شديد وقال:
- عندك حق ولا أنا.. بس لعله خير إن شاء الله.
تحركوا وكادوا أن يصلوا إلى الباب قالت لهم تهاني حتى تطمئن قلوبهم قليلاً:
- طمنوني بالله عليكوا لو في حاجة.
ألتفت محمود وقال باسمًا:
- ماشي يا تهاني.. سلام.
ذهب كل منهم بسيارته الخاصة متجهين إلى شركة الجوهري، وبداخلهم تساؤلات كثيرة وقلق كبير.
فما يستدعي عقد اجتماع اليوم بهذه السرعة واللهفة الغير مبررة لأي منهم.
مكالمات غامضة لم يستنتجوا منها أي شيء على الإطلاق سوى التفكير الكثير والقلق الشديد.
***
وصلوا أخيرا إلى الشركة متجهين إلى غرفة الاجتماعات الملحقة بمكتب هاشم.
بعد سماح لهم السكرتيرة بالدخول، فقد تلقت أمر من هاشم شخصيًا بأدخالهم فور وصولهم.
وبالفعل نهض هاشم من مقعده وأستقبلهم جيدًا.
ـ أتفضلوا.
محمود بلهفة وقلق صاح به:
- في إيه يا هاشم ده وقت اجتماعات!! إللي حصل؟
هاشم بعدم فهم أردف:
- علمي علمك.. جالي مكالمة من يوسف أن في مصيبة ولازم نعقد اجتماع حالاً وأنا مش فاهم أي حاجة ولا عارف إللي حصل.. بتصل بيه من ساعتها مبيردتش.. أستر يا رب.
لم يريد هاشم صدمتهم بهذا الخبر إلا بعد وصول نور ويوسف.
صاح محمود هو الآخر ولكن بغضب:
- حتى نور طول الطريق بتصل بيها تفهمني حتى إللي حصل مبتردش.. أنا مش مطمن.
حاول طارق السيطرة على الوضع ويطمئنهم وهو من يحتاج إلى أحدًا ما ليطمئنه هو الآخر.
فقال كي يصمتون قليلاً:
- زمانهم على وصول يا بابا أقعد أرجوك.
جلسوا على طاولة الاجتماعات جميعًا في انتظارهم، وهم على نار أحر من الجمر وكل التساؤلات والتخيلات تمر على عقولهم دون تفسير.
وصلت نور ويوسف وركن كل منهم سيارته.
نظرت له والقلق والتوتر يملآن عينيها عندما وجدت سيارتهم مرصوفة جانباً، أي هم بالأعلى الآن.
لا تعرف كيف تواجههم وتبوح لهم بسر الاجتماع المعقد في هذا التوقيت بالتحديد، فهم ما يدور في عقلها.
تنهد بعمق وإقترب منها كي يطمئنها.
- متقلقيش.. تماسكي على الأقل دلوقتي.
نظرت له بخوف شديد وقالت:
- ربنا يستر يا يوسف.
صعدوا ودخلوا على الفور غرفة الاجتماعات دون قرع أو أي أخر.
بل بقوة كدخول شرطة مكافحة المخدرات.
كل الأعين أنصبت نحوهم بدهشة وقلق وخوف وعدم فهم.
كاد هاشم أن يتحدث فقاطعه طارق بشيء من الغضب:
- أهم وصلوا.. ممكن تهدوا بقى ونفهم منهم إيه سر الاجتماع المبهم ده.
فقد سأم من حديثهم عن ما يحدث وأخيرًا وصلا بسلام.
جلسوا في هدوء شديد فنظر محمود إلى ابنته وصاح بقلق ليفهم أي شيء في هذه الدوامة التي دخل بها:
- ما تفهمينا يا بنتي إللي حصل وإيه سر الاجتماع المفاجئ ده؟
نظرت نور ليوسف بقلق تستنجد به فرد هو قائلًا:
- مفيش فرح.
حالة من الهرج حدثت في ثوان معدودة وظلوا ينظران إلى بعضهم البعض بدهشة وعدم فهم.
فصاح بهم هاشم بغضب:
- يعني إيه مفيش فرح؟
تداخل محمود هو الآخر بغضب شديد:
- ده وقت هزار يا يوسف.. فرح إيه ده إللي مفيش.
طارق لم يعلق على شيء فالخبر صدمه.
ولم تستطع نور كبح انفعالاتها أكثر من ذلك بما أن الجميع في حالة ثورة وصاحت بهم بعنف شديد:
- لا مبيهزرش يا بابا.. عشان مفيش عروسة أصلًا.
نظروا إلى بعضهم بعدم تصديق وفهم.
هنا أنتفض طارق بشدة وهو يصيح:
- يعني إيه مفيش عروسة.. سلمى فين يا نور.. إللي حصل؟
نهض يوسف وصاح هو الآخر:
- يعني سلمى هربت يا طارق.. هربت.
رواية صفقة حب الفصل العشرون 20 - بقلم شيماء جوهر
جلس هاشم في ذهولٍ شديد، لم يتصور أن يأتي اليوم وتضعه ابنته في مثل هذا الموقف. ماذا يقول لهم وماذا يفعل؟ كيف يريهم وجهه بعد الآن؟ لقد كانت طبيعية في الأيام الأخيرة وتصرفاتها توحي برضاها عن تلك الزيجة، على الرغم من تجنبها منه تأثراً بما حدث. ولكن هل يمكن أن تكون هذه خدعة؟ ستار لما تخفيه بداخلها وتنوي عليه؟ لا يصدق ما حدث، لا يصدق. ماذا يقول للمدعوين الذين سيحضرون مساءً؟ "ابنتي هربت ليلة زفافها؟!" لماذا وكيف؟ وتكثر الأقاويل. فهي كارثة فضيحة أكثر من كونها كارثة حلت عليه.
صدمة طارق لم تكن أقل من صدمة هاشم أبداً، بل جعلته في حالة هياجٍ كبيرة، ولم يكن قادراً على الاستيعاب بعد. كيف تترك كل شيء بهذه السهولة وترحل بعيداً؟ لقد اتفقا على كل شيء معاً، وإنها مسألة وقت ليس إلا. لما خانت العهد ونكست الوعد؟ لما غيرت قرارها بهذه الطريقة بمفردها دون الرجوع إليه حتى على الأقل؟ لما الصدمة بهذه الطريقة؟ أسئلة كثيرة تدور في مخيلته وليس لها إجابة. لهذه الدرجة تكرهه؟ لهذه الدرجة لم تشعر نحوه بشيء من الألطاف؟ لهذه الدرجة لا تريد العيش معه؟ فما كان يشعر به من لطفٍ في المعاملة أحياناً معها، أكان مجرد تمثيل أم هو جد صحيح؟ لا يعرف ماذا يفعل، فصاح بشدة وعنف:
"يوسف.. أنت واعي بتقول إيه؟ إزاي وليه؟ واتفاقنا؟ إحنا كنا خلاص مرتبين كل حاجة، فجأة كده تتصرف من دماغها وتختفي. إللي حصل إيه الغلط في الموضوع؟"
صاح به يوسف بغضبٍ هو الآخر، لم يستطع التحمل أكثر من ذلك. فقد مر بالعديد من القرارات والمواقف احتراماً لرغبة والده ولمصلحة الجميع. لكن الآن لا، ففي النهاية هربت شقيقته.
"في إنها مقدرتش تتحمل أكتر من كده.. مقدرتش تشوف نفسها أسيرة للمرة التانية. اليوم إللي بتتمناه أي بنت ييجي عليها بالشكل ده.. وليه ها؟ عشان مصالح شخصية؟"
قالها وهو ينظر إلى هاشم، ثم تابع:
"ياريتها كانت جماعية قولنا ماشي.. إنما بتدفع ضريبة ملهاش فايدة منها.. أنت السبب في كل اللي بيحصل، أنت السبب.. طالما حبيت توسع أكتر وأكتر جيت على حساب بنتك الوحيدة.. مش كفاية أمها!!"
وهنا كانت الصاعقة. اتسعت عيناه بشدة وصدمة كبيرة هو ومحمود، كيف يكون على علمٍ بهذه الحكاية ومتى؟
طارق شعر بالاختناق والحزن الشديد مما سمعه للتو. نعم، فيوسف محقٌ بالفعل، تحملت مما لا شخص في نفس موقفها يمكن أن يتحمل. ولكن النتيجة غير محسومة بالنسبة له. ولكن تفاجأ أيضاً بسر وفاة فريدة المبهم هو ونور. طالما كانت تعلم بأن وفاتها غريبة ولا تعرف التفاصيل. حتى سلمى نفسها لا تعلم.
ترك الاجتماع بكل غضبٍ وفتح الباب وخرج. فارتطم الباب بشدة، فانتفضت نور وظلت تنظر لهم جميعاً في صدمة ودهشة وذهول. نعم، إنها في كابوسٍ مخيف لا تستطيع التعبير عما بداخلها من غضبٍ وخوف. سال الدمع من عينيها بغزارة وهي ساكنة في مكانها دون حراك، تحاول استيعاب ما قاله يوسف منذ دقائق معدودة قبل رحيله.
كما توقعت بالفعل، وفاة فريدة أمامه ستارٌ سميكٌ منذ سنوات ولا يوجد أي شخص حتى الآن استطاع إزالته. لكن رويداً رويداً يبدأ بالانسدال.
بوجهٍ متجهمٍ وبدون إبداء أي كلمة، حملت حقيبتها ورحلت على الفور. فقط رمقتهم نظرة غاضبة عنيفة مصحوبة بالاشمئزاز. مسحت عينيها بسرعة ورحلت من الشركة على الفور. حاولت الاتصال بيوسف ولكنه غير متاح الآن، فتوقعت أن يفعل شيئاً مثل هذا، رد فعل طبيعي. الضغط هنا سيد الموقف وصل إلى حد الانفجار لكل منهم. سلمى لم تتحمل القيود ففكت قبضتها وهربت، ويوسف لم يتحمل السكوت أكثر من ذلك وطاح في كل الحضور بهذا الاجتماع المخيف، الذي بمثابة كشف عن صحفٍ سوداء بما تحمله من أنانية وطمع وحب السلطة بما فيها المال والنفوذ.
قاد بسرعة جنونية لا يعرف إلى أين يؤل، جن جنونه بالفعل. إلى أين ذهبت يا ترى؟ أين أنتِ يا سلمى؟ لما اختفيتي بهذه الصورة؟
حاول الاتصال بها لعدة مرات ولكن الهاتف مغلق أو غير متاح. بدأ القلق يستجمع ويتسرب إلى قلبه وهو يشعر بالرعب الشديد من المجهول. شقيقته الصغرى ولا يعرف أين هي وماذا تفعل.
فكر أولاً أن يسأل عنها عند أحدٍ من أقاربه، ولكن ما يقول؟ "أبحث عن شقيقتي في ليلة زفافها؟" بالتأكيد يقلقون ويدب الشك في عقولهم قبل قلوبهم ويضطر في نهاية الأمر للبوح بالحقيقة. ولكن لا، فليكن ما يكون، سوف يفعل ذلك فلا يوجد خيار بديل. فلا يستطيع إبلاغ الشرطة عن فقدانها قبل أن يبحث عنها هو أولاً جيداً.
فأقرباؤهم محدودون والأقرب لهم خاصة لسلمى السيدة سميحة عمته. توفى زوجها قرابة خمس سنوات وتعيش مع ابنها الوحيد، يعمل ضابط شرطة ولم يتزوج بعد. احتمال كبير يكون قد ذهبت إليها، خاصة أن أمير يعود من عمله في وقت متأخر، فيمكنها المكوث راحة. تردد كثيراً قبل ذهابه إليها ولكن حسم الأمر وذهب بالفعل.
بدون أي كلمة رحل طارق هو الآخر والجنون يسيطر على تفكيره بمعنى الكلمة. حقاً شيء لم يكن في الحسبان على الإطلاق ولا يعرف كيف يفكر بطريقة سليمة حتى. لهذه الدرجة تكرهه إلى أن فكرت بالهروب؟ بالرحيل؟ فجأة ومتى؟ ليلة زفافهم. لا يبالي بالمدعوين أكثر من اهتمامه وانشغاله بها. لا يفهم بعد سر المشاعر التي يشعر بها الآن ولماذا قلبه منقبض لهذه الدرجة؟ أحقاً أنه انجذب نحوها وشعر بالضيق الشديد والغضب لفراقها؟ كان يجب أن يفرح بأنه تخلص من هذه الزيجة، ولكن لا، بداخله شعورٌ مغايرٌ حقاً. هو منزعجٌ من ذلك، حقاً يريدها. فهي ليست بمشاعر شفقة أو عطف كما شعر بها لأول لقاءٍ بهما في المشفى.
حاول الاتصال بها ولكن الهاتف مغلق أو غير متاح هو الآخر. ماذا يفعل يا ترى وأين يمكن أن يجدها؟
بالتأكيد الخبر انتشر ووصل إلى مسامع عاصم، الذي لم يصدق ما حدث في بادئ الأمر ولكنه كان سعيداً حقاً بتلك النتيجة التي كان يرجوها بشدة منذ أن علم بالشرط العجيب الذي وضعته الشركة في الصفقة.
ولكن إلى أين قد ذهبت يا ترى؟ لا سبيل لها كي تؤول. مهما يكن، يرى أنه ببساطة شديدة يمكنه الوصول إليها مهما كانت، وفي هذه الحالة سوف تكون له في النهاية. ولكن احتمال كبير أن ترفض العودة له بعد كل ما حدث. لفترة طويلة يفكر كيف يمكنه استعادة سلمى مرة أخرى. يعلم أنه تم خسارتها بالفعل، ولكن لن ييأس من استرجاعها بأي شكل وأي ثمن.
بعد أن أغلق المكالمة الواردة له، جلس على مكتبه بهيبة وهو يضحك بشدة ويطلق دخان سيجاره بثقة وغرور.
نظرت له سارة بغرابة وهي ترفع إحدى حاجبيها لتقول بعدم فهم:
"الله إللي يضحك للدرجادي؟"
توقف عن الضحك ومال عليها ورد بابتسامة خبيثة وبكل ثقة:
"معذورة يا حبيبتي.. أصلك متعرفيش إللي حصل."
دب الشك والقلق بداخلها، وشعرت أن الحديث يدور نحو طارق. فصاح بلهفة واهتمام:
"في إيه.. إللي حصل؟"
ضحك وعاد لوضعيته الأولى وقال:
"الظاهر كده يا سارة إنها بتهربلك في القفص وأمك دعيالك."
لم تفهم بعد إلى أي مدى يتحدث ولم تفهم شيئاً. فصاحت به بضيق وقالت:
"هو ده وقت غموض يا عاصم؟ ما تقول في إيه؟ أنا بدأت أتوه."
ابتسم عاصم وقال بثقة:
"واضح كده هيخلالنا الجو.. سلمى هربت."
اتسعت عيناها في صدمة ودهشة، لم تصدق ما سمعته للتو. لما ومتى؟ فانتفضت وهي تقول:
"نعم؟ بتهزر؟"
ضحك عاصم شدة من الحالة التي تبدو عليها، فقد كانت فقدت الأمل بالفعل من الوصول لطارق، فرد فعل طبيعي لما صدر منها. أردف قائلاً:
"للدرجادي كنت فاقدة الأمل؟"
صاحت به بعنف تريد أن تعرف أدق التفاصيل عما حدث، لأنه لو كان صحيحاً لتغير مجرى علاقتها بطارق. بلهفة واهتمام قالت:
"هربت إزاي وأمتى؟"
رد عاصم بعدم تأكيد مصطنع:
"امتى حوالي الضهر.. ازاي الله أعلم ده إللي محدش عارفه لغاية دلوقتي.. بس مصيري أعرف متقلقيش."
شرُدت سارة بشدة وبدأت تفكر كيف تقترب من طارق من جديد حتى لا يبحث عنها ويصبح لها وحدها. فقامت بدون إبداء أي كلمة. وأخذ عاصم ينادي عليها وهو يضحك بسخرية وبشدة إلى أن اختفت عن ناظره.
وصل يوسف إلى منزل السيدة سميحة. رن جرس الباب بتردد فكاد أن يرحل إلا وأن فتحت له الباب. ارتسم على وجهها ابتسامة تلقائية مجرد رؤيته. بعد السلام والترحيب دخل يوسف وجلس معها يتلفت حوله كأنه يبحث عن شيئاً ما. لاحظت سميحة توتره وبدأت تستفسر منه ولكنه أجاب إنه بخير.
جلسته غير منتظمة، يفرك بيديه بشدة ولا يعرف من أين يبدأ:
"إزيك يا عمتو؟"
شعرت سميحة بالقلق ولكنها تماسكت حتى تفهم ما الأمر. فردت على الفور باسمة:
"الحمد لله يا حبيبي.. بابا كويس؟ في حاجة؟"
رد يوسف بقليل من التوتر:
"لا لا كويس، كله تمام."
اعتدلت جلستها وقالت بقلق:
"أومال مالك قاعد مش على بعضك ليه؟"
غضب بأنه انفعالاته بدت تظهر عليه بشدة. فأجاب سريعاً بسؤال كي يخفي ما يبدو عليه:
"اها بالحق أمير فين وأخباره إيه؟"
قبضت سميحة عينيها بشدة بغضب وشك وبدأت تشك في إخفائه لشيء ما. فردت بنبرة يعرفها جيداً:
"ما أنت عارف يا يوسف.. أمير مبيجيش غير متأخر وفين وفين لما بيرجع بدري يتغدى وينزل.. عايزة أعرف إللي بيحصل؟ بتلف وتدور على إيه؟" (كاد أن يتكلم فقاطعته) "ومتكدبش عليا."
هو يعرف عمته جيداً، فهو لا يعرف الكذب ويظهر عليه بشدة. وبهذه النظرة وتلك النبرة سوف يقر لها بكل شيء. فتسائل بحذر:
"هي سلمى مش عندك؟"
قبضت جبينها بدهشة وشك وقالت:
"وإيه إللي يجيب عروسة في يوم فرحها عندي الساعة دي؟"
ابتلع غصته بصعوبة ولا يعرف ماذا يقول. بتحكم في انفعالاته قائلاً بتعلثم والعرق ينصب من جبينه:
"أصل.. أصلها يعني.. هي.."
قاطعته وهي تصيح:
"أصلها إيه وهي إيه؟ ما تنطق يابني."
استجمع قواه وقال سريعاً بتوتر وارتباك:
"أصلها هربت."
تحولت قسمات وجهها من القلق إلى الحزن الشديد، ونوعاً ما من الهدوء الغريب المصاحب في هذه الحالة. الشيء الذي أثار دهشة يوسف كثيراً، فلم تندهش أو تصد كما فعل الآخرون. فتسائل يوسف بحذر:
"شايف يعني حضرتك مش متفاجئة؟"
ردت سميحة بهدوء وحزن شديد:
"وأتفاجئ ليه.. ما ده المتوقع إنه يحصل."
اتسعت عيناه دهشة ليستوعب كلمات عمته:
"متوقعة إنها تهرب؟!!!!"
ردت سميحة بنفس الحالة:
"شايف أخت سعيدة أوي في حياتها ولا في اختيارات أبوها؟!! متوقع منها إيه إنها تستسلم وتخضع للأمر الواقع؟!"
يحاول جاهداً استيعاب حديثها ويحلل هدوءها النفسي ليقول بتعجب:
"لا مش سعيدة بس مش لدرجة الهروب.. عمري ما تصورت إنها توصل لكده."
صاحت به سميحة بغضب:
"لا توصل يا يوسف.. أجبارها إنها تعيش مع إنسان مبتحبوش ولا عايزاه للمرة التانية وتبقى مسلوبة الإرادة تتجوز إللي على مزاج أبوها يخليها توصل للقرار ده. هي لعبة في إيده ولا إيه؟ مكنش متصور يعني إنها هايجي في يوم وهتثور عليه من ديكتاتوريته وتتحرر زي الشعب إللي اتمرد على رئيسه؟ هي كده بالظبط خلاص فاض بيها إنها تضحي بحياتها وشبابها عشان خاطر السلطة والفلوس وبأمر الحاكم.. أبويا."
يستمع يوسف إلى حديثها باهتمام وكل أذن صاغية وقلبه يعتصر ألماً وحزناً على حال شقيقته وما وصلت إليه. فالسيدة سميحة حقاً محقة في كل كلمة تفوهت بها، ولكن ما العمل إذا وأين هي حتى يصلح على الأقل ما تم إفساده. فرد بألم وحيرة:
"عندك حق يا عمتو.. بس أنا في إيدي إيه أعمله ومعملتوش.. ياما وقفت قصاده ومفيش فايدة إللي في دماغه في دماغه مهما قولتي أو عملتي.. أخرتها لما سلمى انفعلت عليه ضربها وفقدت وعيها.. أعمل إيه بس يا ربي أعمل إيه."
شعر بكسرة نفسه وضعفه، فبكى. فشعرت هي بحسرته وألمه وبكت هي الأخرى. فهي تعرف جيداً أن محاولات يوسف مع أبيه باتت بالفشل وفعل كل ما في استطاعته. نهضت واقتربت منه وضمته إلى صدرها فبكيا معاً وهي تربت على ظهره بعطف وحنان، تعوضه عن ضمة وحنان فريدة رحمة الله عليها. فقد شعروا باليتم حقاً بها، فهي كانت لهم كل شيء ومن بعدها فقدوا كل شيء.
حاولت تهوين عليه قدر المستطاع وهي تقول:
"مكنتش أقصد إللي قولته بيك يابني.. أنت عارف كده كويس أنا مقهورة عليكوا أنت وأختك المسكينة قليلة الحيلة من أبوكوا.. الفلوس لحست دماغه لدرجة إنه نسي إنكم ولادوا.. حقك عليا أنا يا حبيبي."
ابتعد عنها وهي يمسح دموعه قائلاً:
"أنا مشوفتش في حنيتك بعد أمي.. كأن ربنا عوضني بيك.. بس إحساسي بالعجز مموتني حقيقي مموتني ومش عارف أعمل إيه."
مسحت دموعها هي الأخرى وارتسمت بسمة صغيرة على شفتيها لتقول:
"بكرة ربنا يفرجها من عندك متقلقش.. ارمي حمولك عليه."
تنهد بعمق فقد شعر بكثير من الراحة كلما تحدث معها. فابتسم هو الآخر وقال:
"ونعم بالله.. بس متعرفيش ممكن تكون راحت فين؟ أنا توقعت إنها تكون عندك."
ردت سريعاً:
"ربنا يعثرنا عليها إن شاء الله.. ولو في جديد هكلمك."
نهض على الفور وسميحة على نهوضه ليستعد للنهوض:
"طيب متشكر أوي يا عمتو.. هستأذن أنا بقى أحاول أتصرف."
خطى بضعة خطوات وهي تتبعه عند الباب لتقول:
"ابقى طمني يا يوسف."
رد قبل أن يخرج ودون الالتفات إليها:
"إن شاء الله."
خرج وقفل الباب وهي تنظر أمامها بحزن شديد. لتنظر إليها تقف ووجهها مليء بالدموع.