تحميل رواية «صفقة حب» PDF
بقلم شيماء جوهر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أحيانًا الإنسان يكون أمامه كل شيء بين يديه، ومع ذلك لم يراها ولم يشعر به، تغيّر مجرى حياته للأحسن أو الأسوأ، دائمًا الاختيار بين أيدينا ومعظمه يكون سوء اختيار نندم عليه. لكن يجب أن يصطدم في شيء أقوى لكي نشعر بقيمته، لكن عندما تتحول المشاعر مجرد اتفاق لأغراض معينة.. هنا يجب أن نتوقف سوف تعكس الحياة رأسًا على عقب لدوامة متعبة حقًا. الساعة الثانية ظهرًا، موعد رجوع محمود إلى المنزل لتناول وجبة الغداء كالمعتاد بدلًا من تناولها بالشركة بمفرده، مع زوجته تهاني. توقفت السيارة أمام فيلا الإبياري لينزل منه...
رواية صفقة حب الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم شيماء جوهر
غادر الحضور رويدًا رويدًا بعد انصراف العروسين، ولم يتبقى إلا القليل، منهم أسرة طارق التي تودع المدعويين .. وحان وقت مغادرتهم، فلاحظت تهاني وجود سارة في الحفل لتندهش برؤيتها .
لاحظ محمود تغير قسمات وجهها فمال عليها مستفسرًا:
- مالك يا تهاني؟
ردت بانفعال وصوت منخفض حتى لا يستمع إليها من حولها:
- إيه اللي جاب البنت دي هنا .. هي ليها عين تيجي بعد اللي حصل؟!
نظر محمود حوله يبحث عما تقصدها زوجته، إلى أن وجد سارة تقف بمفردها، فعبث وجهه وأردف بخيبة أمل:
- مجايب ابنك .. حسابه معايا تقل أوي .. بس لما يرجع
وقد سمع كل هذا الحوار إيهاب الذي كان يقف بالقرب منهم، فمعهم حق .. هو شخصيًا تفاجيء بوجودها ولم يتوقع مجيئها كما فعلت في المنزل صباحًا .
قرر أن يتدخل قبل أن تحدث مشكلة بسببها .
فذهب إليها مسرعًا وهمس بجانبها:
- إللي كنتِ جاية عشانه خلاص مشي .. وجودك هنا هيعمل مشاكل، أهله شافوكِ ومش قابلين وجودك
ردت سارة باستهزاء وضيق:
- ليه يعني إن شاء الله !!
انفعل إيهاب بها وكأنها لم تفعل شيء، ملاك بريئ:
- هو اللي هببتيه الصبح ده كان عادي بالنسبالك !! .. لاقوكِ في حضنه عايزة يعملوا إيه يرحبوا بيكِ مثلًا؟!
ردت باستخفاف شديد واصطنعت البراءة والبكاء:
- أنتوا مكبرين الموضوع كده ليه .. هو أنا يعني كنت أذنبت عشان جيت أشوف خطيبي قبل ما يكون لواحدة غيري .. يرضيك يعني ما أنا مليش ذنب زيهم بالظبط ولولا اللي حصل كنت زماني مكانها والفرح ده كله معمول عشاني .. خلاص يا إيهاب صاحبك نساني ومبقاش محتاجني في حياته
تأثر إيهاب بكلماتها المصطنعة الزائفة، وبدأ قلبه يتعاطف معها، ولكن رد بحزم:
- مقصدش اضايقك يا سارة .. بس أنا خايف عليكِ من كلامهم .. ما أنتِ عارفة طارق بيعمل كل ده عشانك .. لازم تمشي من هنا دلوقتي متجبيش له مشاكل أكتر من كده او بتحبيه بجد
ابتسمت بخبث وقالت:
- ماشي يا إيهاب بس خليك فاكر
رحلت بتعالي وإنتصار والبسمة لم تفارق وجهها، زفر هو ضيق شديد ولم يصدق ما وصلوا إليه جميعًا .
عاد لأسرة طارق فور تأكده بأنها اختفت عن ناظره، ليجدهم عابسي الوجه والضيق يملئ نظراتهم، أصبح في حيرة عارمة لا يعرف ماذا يفعل أو ماذا يقول، ولكن عليه أن يلطف الجو قليلًا حتى لا يزيد ثقل المتاعب على طارق حتى عودته .
نظرت له تهاني بلوم وعتاب وهي تقول:
- أظن هتقولي كمان إنك ملكش علم بوجودها هنا
رد إيهاب سريعًا مدافعًا:
- ولو قلت لحضرتك آه لازم تصدقيني .. أنا اتصدمت أكتر لما لقيتها جات الفرح، حتى طارق مكنش على بعضه خاف ألا تشوفوها وتحصل مشكلة زي الصبح وهو مش ناقص .. صدقيني طارق ملوش ذنب في وجودها .. هو آه أنا عارف إنه غلطان عشان سمحلها تفضل معاه كل ده بس ميعرفش ولا كان يتوقع وجودها أبدًا
زفر محمود بحيرة ولا يعرف هل يقوم بتصديقه أم لا، ولكنه يشعر بصدق كلماته، نظر له وقال في تردد وعلى نبرته الحزم:
- تفتكر صاحبك بالوضع إللي هو فيه ده ..
فهم إيهاب مقصده جيدًا ليصيح به معترضًا:
- لا استحالة يا أستاذ محمود .. حضرتك عارف طارق كويس .. هو صحيح بيحبها بس عمره ما تجاوز معاها ولا ضعف قدامها ولا غيرها .. طارق مش كده هو عارف حدوده معاها كويس
رد محمود بقلق وجدية:
- أتمنى ده يكون اللي حصل فعلًا .. بس دي عمله السيء وياما نصحناه قبل ما يرتبط بيها وهو مفيش فايدة .. لازم يدفع تمن غلطته
تنهد إيهاب وهو يعلم أن حديثه لن يغفر له ما حدث، نظر لمحمود قائلًا:
- نأجل الكلام ده بعدين .. الحمد لله إنه اتجوز على خير .. حضرتك مش محتاج أي حاجة ؟
رد محمود بود:
- شكرًا يا إيهاب كفاية وقوفك معاه
ابتسم وأكمل:
- متقولش كده .. طارق اخويا مش بس صاحبي .. تصبحوا على خير
ردت تهاني ومعها محمود:
- وأنت من أهله
رحل إيهاب هو الآخر، وتفكر تهاني في الحديث الذي دار بينهم وهي على يقين تام بأن طارق لم يفعل شيئ كما يظنون، قلبها لم يكذب عليها قط بشأنه .
بعد قليل مرت بجانبهم سميحة وقررت أن تلقي عليهم السلام قبل أن تودعهم .. يعلم محمود جيدًا أن سميحة على عكس شقيقها تمامًا، فقد أخبره هاشم من قبل على الخلاف بينهم منذ وفاة زوجته، وعتابه قبل وفاتها حتى، فمهما كان الخلاف بينه وبين هاشم هي لا علاقة به .
- مبروك يا أستاذ هاشم .. كان نفسي أقولها في ظروف أحسن من كده .. وياريت متاخدش على خاطرك مني بسبب هاشم
ابتسم محمود بحزن ليرد بود:
- الله يبارك فيكِ يا مدام سميحة .. الحمد لله على كل حال .. متقوليش كده ملكيش ذنب في أي حاجة حصلت
لتتدخل تهاني في الحديث مضافة:
- احنا خلاص بقينا أهل يا مدام سميحة .. وسلمى ربنا عالم زي نور وطارق .. أنا متاكدة أن ربنا هيخلق ود ما بينهم .. والحمد لله أن الموضوع خلص من غير مشاكل .. يارب بس يكون هاشم ارتاح بعد اللي عمله ده ويسيبنا في حالنا بقى
ابتسمت سميحة بحزن وخيبة أمل:
- هاشم يرتاح ؟! .. إذا كان مرتحش بعد اللي حصل في مراته وعايز يكمل على بنته الوحيدة تقولي يرتاح !! .. ربنا يهديه بجد .. حقيقي صعبان عليا باللي بيعمله في نفسه ده
رد محمود معلقًا:
- ومين سمعك .. نهاية اللي بيعمله ده مش في صالحه .. لازم يفهم ده كويس
ابتسمت بحزن وهي تستعد للرحيل:
- يا رب .. أستأذن أنا بقى وفرصة سعيدة أوي
أردفت تهاني على الفور:
- هتروحي ازاي دلوقتي .. أمير راح يوصلهم استني نوصلك طريقنا واحد
ابتسمت بحرج لتقول:
- مش عايزة اتعبكوا كفاية مجهود النهارده .. هطلب اوبر
محمود رد سريعًا بمنتهى الذوق واللطف:
- لا طبعًا ميصحش .. اتفضلي معانا
ابتسمت سميحة على ذوق محمود ورحلوا من الحفل جميعًا .
*********************
أردف ويكاد أن ينفذ صبره:
- هتفرق يعني بذمتك ؟! .. مش هعيد كلامي تاني .. أنا عارف إننا مغصوبين على بعض وبقى أمر واقع .. وده مش هيغير حاجة
نظرت له بتحدي وقالت بانفعال:
- عليك نووووووور .. وده معناه إني مش هكون ليك يا طارق وأنت مغصوب عليا .. أنا مفرقش معاك في حاجة ولا أي حد .. كل اللي بيقربلي عشان الفلوس وبس .. عارفة إنك مش طايقني ولا قابلني حتى .. بس أطمن الموضوع يهدى شوية وكل واحد يروح لحاله .. وترجع لحياتك وخطيبتك
تركته قبل أن الدمع يفر من مقلتيها ودخلت الحمام، تركته مشتت يتأمل كل كلمة تفوهت بها، حزين وفرح في الوقت ذاته ولا يعلم كيف .
فتحت صنبور الماء وجلست على طرف حوض الاستحمام تبكي بشدة، الدمع يسيل على وجنتيها بغزارة في صمت حتى لا يسمعها، قلبها يعتصر حزنًا وألمًا على حالها وحياتها التي ذهبت هباءً .. على يوم عرسها الذي تدمر بكل معنى للكلمة وعن شريك حياتها المغصوب على زواجه منها .. ماذا فعلت لتستحق كل هذا ؟ .
لا تعلم كم من الوقت مر على جلوسها وصمتها بهذا الشكل وهي لا تزال برداء زفافها الاسود، غسلت وجهها جيدًا من أثر البكاء وأغلقت المياة سريعًا .
بدلت رداءها ونظرت حولها لتكتشف بأنها لم تجلب معها ملابس، فلم تجد سوا بشكير تناولته وأحاطت به جسدها، وجعلت شعرها مرفوع بالأعلى .
فتحت الباب برفق لتجد طارق يسير في الغرفة ذهابًا وإيابًا، قلق على تأخيرها هذه المدة وهي بالداخل، أطمئن قليلًا عندما قطعت صوت المياة .
لا تعرف كيف تخرج وهي بهذا الشكل، فتظل حبيسة الحمام إلى أن تجد مخرج .. استجاب الله لدعاءها فقد سمعت رنين هاتف طارق ليخرج من الغرفة ويتحدث في الخارج .. استغلت فرصة خروجه وخرجت سريعًا وهي تضع حقيبتها على الفراش وتبحث فيها عن أي شيء ترتديه، ليدخل طارق فجأة وهي في هذا الوضع ليندهش مما رآه وهو ينظر لها بإعجاب، شعرت بوجوده لتصرخ بشدة وهي تضم جسدها الملتف بالبشكير بذراعها، ليفزع هو ويصيح بخضة
- يا مجنونة خضتيني
لتصرخ هي به :
- دور وشك .. أنا بردو!! .. مفيش أحم ولا دستور
أدار وجهه وهو يضحك بصمت على خجلها بشدة وقرر أن يلعب معها قليلًا كي يثير استفزازها كما فعلت معه قبل صعودهم:
- بس إيه الجمال ده كله
شعرت بالخجل والغضب الشديد فضربه بالوسادة على رأسه جعلته يتألم ليصيح بها:
- آاااااه ... متجوز هبلة صحيح .. اومال لو قلتلك بحبك كنتِ عملتي إيه؟
صاحت به في ضيق وهي تخفي توترها :
- حبك برص .. اختشي
لم يستطع أن يتمالك نفسه أكثر من ذلك، فضحك بشدة مما أثار استفزازها:
- هموووووت مش قادر ههههههههه طلعتي مسخرة وأنا معرفش
صاحت سلمى بغضب :
- متحترم نفسك بلعب معاك أنا!!
لا يزال يضحك لتغلق الحقيبة وتضعها على الأرض بعنف:
- نام أحسن .. عيل مستفز
أدار وجهه إليها وجدها أتممت ملابسها وراقبها وهي تأخذ وسادة وتتجه نحو الأريكة، ليرفع حاجبه مندهشًا:
- بتعملي إيه؟
ردت وهي تفرد جسدها على الأريكة:
- هنام .. عندك مانع؟ .. ماهو استحالة أنام جنبك
عاد لطبيعته وشعر بالضيق فجأة ليقول ساخرًا:
- متخافيش مبعوضش
ردت بهدوء وهي تدير ظهرها:
- تصبح على خير يا طارق
زفر بشدة واتجه الى الفراش وظل مستيقظًا ينظر إلى السقف، وهي على وعي بكل ما يفعل، فلم تذهب للنوم بعد .. قرابة عشر دقائق وغفلت تمامًا .. أما هو نام بعد فترة من التفكير .
********************
صعدت تهاني ومحمود إلى غرفتهم بعد يوم مرهق وطويل بكل تفاصيله، والمشكلات التي واجهتهم في بداية الطريق التي لم تكن في الحسبان .. ولكن حمدًا لله أن الأمور صارت على ما يرام .
بدلت ملابسها وألقت بجسدها المرهق على الفراش بألم، لتقول وهي تتنهد:
- ياااااااااه أخيرًا كل حاجة تمت على خير .. أنا مش مصدقة بجد
ليجلس محمود بجوارها مؤيدًا على حديثها:
- أنتِ بتقولي فيها يا تهاني .. الحمد لله فعلًا .. ربنا يستر من اللي جاي
اعتدلت تهاني بقلق وهي تنظر إليه باهتمام:
- متقلقنيش يا محمود .. اللي حصل؟
تنهد بعمق وقال دون أن ينظر إليها:
- مش مطمن للشركة دي أبدًا .. ومن علاقة سلمى بطارق خاصًة بعدما أتقفل عليهم باب واحد .. الولاد مش طايقين بعض
تنهدت تهاني براحة وعادت لوضعها كما كانت:
- والشركة هتعوز منكوا إيه أكتر من الشرط المكتوب في العقد! .. أي كان اللي هيحصل إياك توافق على حاجة تاني .. وبالنسبة للولاد أنا عارفة إن الوضع صعب خاصًة على سلمى .. بدعي ربنا يخلق بينهم ود ومحبة في قلوبهم .. شوية شوية وهياخدوا على بعض
نظر لها محمود ليقول بجدية:
- ده لو العلاقة دي أستمرت بينهم .. ابنك ناوي على طلاق يا تهاني
انتفضت تهاني وصاحت فجأة:
- هو إللي قالك مش كده؟ .. ولا ده كلام اللي ما تتسمى ؟
تنهد بحزن ليستئنف حديثه:
- لا هو اللي قالي إنه مجبور عليها ومش بيحبها ولا طايق يعيش معاها .. يستحمل أيام شهر العسل تكون الشركة على علم بجوازهم وساعتها هيطلقوا وكل واحد يروح لحاله
نظرت تهاني للفراغ وهي تكمل بغضب:
- سلمى تعرف حاجة عن القرار ده ؟ .. وطبعًا هيتجوز اللي خطبها
ليرد محمود بحنق يشارك تهاني بغضبه المكتوم:
- معرفش إن كانوا متفقين على كده ولا لأ .. كل حاجة هتبان .. طبيعي جدًا .. هو أنتِ مش عارفة ابنك متمسك بيها على ازاي .. ومهما تقولي أو تعيدي مش هيسمع كلامك .. ابنك خلاص مبقاش يعمل حساب لحد
تهاني ألتفت إليه لتقول بتحدي:
- على جثتي لو بقت على ذمته ليلة واحدة .. ربنا يهدي سره هو وسلمى
هدأ محمود بعدما تذكر ابنته ليقول بلهفة:
- أتصلي بنور شوفي وصلوا فين لغاية دلوقتي .. الساعة 12
تناولت هاتفها وهي تتذكر شيئًا لتقول:
- واحنا طالعين كنت بتصل بيها ..
قطعت حديثها في دهشة وهي تنظر لهاتفها بعدما أضاءت شاشته، لتجد أن نور على قيد الإتصال بها حتى الآن وقد سمعت الحديث الدائر بين والديها لتتحدث تهاني سريعًا بعدما فتحت مكبر الصوت:
- ايوة يا حبيبتي .. أنتِ كل ده معايا على الخط ؟!
ردت نور والدهشة لا تزال مرتسمة على وجهها:
- ايوة يا ماما .. فتحت عليكِ وبقول ألو كتير محدش بيرد .. لسة هقفل السكة شدني الحوار بينكوا مقدرتش أقفل بصراحة .. هو الكلام ده صحيح يا ماما؟
نظرت تهاني لمحمود بحزن ثم قالت:
- مش وقته الكلام ده يا حبيبتي .. أنتِ فين دلوقتي؟
ردت نور بنفس النبرة:
- أنا خلاص خمس دقايق وهبقى قدام البيت
أومأت بحزن لتقول بهدوء:
- ماشي يا حبيبتي تيجي بالسلامة .. سلميلي على أمير
أنهت نور المكالمة قائلة:
- حاضر يا ماما .. سلام
*********************
أغلقت نور المكالمة ودون أن تنظر لأمير قالت:
- ماما بتسلم عليك
لاحظ أمير هدوءها وتغير وجهها أثناء المكالمة بشكل كبير وملحوظ، قرر أن يحترم مشاعرها ولن يسأل، ولكن طال الوقت على حالتها بهذا الشكل وأراد الاطمئنان عليها:
- الله يسلمها .. أنتِ كويسة يا آنسة نور ؟
ردت بنفس الحالة:
- طارق وسلمى هيطلقوا
اندهش أمير قليلًا ثم قال بهدوء:
- هما لحقوا يتجوزا عشان يطلقوا !! .. كانوا متفقين على كده؟
أومأت برأسها نافية لتردف بحزن:
- معرفش .. معرفش اللي حصل بينهم .. بس ده قرار طارق اللي بلغه لبابا .. كنت متوقعة أن ممكن يسيبوا بعض بعدما الصفقة تخلص وكل واحد يشوف حياته .. إنما مش بعد الهااني مون يا أستاذ أمير
اندهش أمير كثيرًا مما سمع .. إلى هذه الدرجة لا يحبها ولا يريد الإستمرار معها في علاقة واحدة؟! .. لهذه الدرجة يبغضها ؟! .. ليرد دون أن يشعر بانفعال:
- هو اخوكِ ده إيه مش مراعي شكلها قدام الناس .. بيفكر في نفسه وبس !! .. مستعجل أوي
شعرت بالضيق من كلامه ولكن في نفس الوقت معه حق، كان لابد منه الإنتظار فترة على الأقل، لترد بضيق على الفور:
- عندك حق .. مش مستريحة للقرار ده عامًة
شعر بضيقها في نبرة صوتها، مهما كان هو أولًا أخيرًا اخيها، فلانت نبرة قليلًا:
- أنا آسف إني انفعلت وقلت عليه كده .. غصب عني صدقيني .. متعرفيش سلمى تبقى بالنسبالي إيه
ابتسمت نور على صدق كلامه وإعتذاره ونبل مشاعره لترد سريعًا:
- مش زعلانة منك .. أنت معاك حق فعلًا .. أنا مضايقة عليهم هما وعلى تصرفه .. هنزل هنا
نظر أمير حوله وجد نفسه أمام منزلها، ليهم ويقول وهي تفتح باب السيارة:
- وأنا آسف مرة تانية .. تصبحي على خير
ابتسمت وهي تغلق الباب جيدًا:
- وأنت من أهله
تنهدت وأسرعت في خطواتها للداخل، بعدما تأكد من ذلك وأطمئن عليها تحرك هو بسيارته مبتسمًا .
صعدت إلى غرفتها دون المرور بغرفة والديها، أغتسلت وبدلت ملابسها لتلقي بجسدها المرهق على فراشها بتعب كبير، وهي تفكر في الحوار الذي استلقت سمعه على الهاتف بالصدفة، حزينة حقًا ولا تريد الإنفصال بينهم بهذه السرعة، وقررت عدم مواجهة سلمى بأي شيء مما سمعت في الوقت الحالي .
******************
أطمئنت تهاني من دخول ابنتها لتعود لفراشها ويبدو على وجهها الحزن والحيرة، ليربت محمود على يدها بحنان ويقول:
- كان كده كده هتعرف بالقرار ده
زفرت تهاني بضيق وأردفت:
- مش بالسرعة دي .. أنت عارف نور متأثرة بكل اللي بيحصل والاتنين غاليين عندها ومش متحملة تشوف وضعهم بالشكل ده
رد بضيق هو الآخر:
- عارف يا تهاني .. بس هنعمل إيه مش هنقوله كمل جوازك منها بالعافية .. بركة إنهم وافقوا ببعض
ابتسمت تهاني محاولة منها تهدأته، لقد شدت أعصابه كثيرًا وجاء وقت الرخي:
- متقلقش يا حبيبي .. يا عالم بكرة في إيه .. يلا ننام بقى الصباح رباح .. من الصبح وأنت على رجليك
قبّل جبينها وقال باسمًا:
- تصبحي على خير يا قلبي
ردت بابتسامة هي الأخرى:
- وأنت من أهله
********************
في صباح اليوم التالي استيقظت سلمى بجسد مؤلم للغاية ومرهق إرهاق شديد، تنهدت بعمق وهي تحاول أن تفتح عيناها .. لتنتفض فجأة وهي تتلفت حولها لتستعب أين هي حتى أن تذكرت ما حدث ليلة أمس .
زفرت بضيق وهي تغلق عيناها وتفتحها مرة أخرى لتتأكد بأنها لم تكن تحلم وإنه واقع بكل تأكيد .
نهضت وهي تبحث بعيناها على طارق فلم تجد له صوت .
ذهبت إلى الحمام وقرعت على الباب عدة طرَقات ذهبت، فلا توجد إجابة .. توخد الحذر وهي تفتح الباب بهدوء وتُدخل رأسها ببطيء لتتفاجئ من فراغه، فتحته على مصرعيه وهي في حالة اندهاش كاملة وعقلها يفكر إلى أين ذهب يا ترى في هذا الوقت من الصباح .
ركضت ونظرت في هاتفها لتجدها الساعة الحادية عشر صباحًا .. لا تفهم أي شيء ولا تعرف أين هو، فقررت أن تستحم أولًا ثم تفكر ثانيًا .
خرجت وقامت بالإتصال به، إن الهاتف مغلق أو غير متاح .. ألقت به على الفراش بغضب شديد على هذا الموقف المزعج وزفرت بحنق، وقررت إستئناف الحرب الباردة معه، فهو من بدأ إذا .
أرتدت بنطال من الجينز تحت الركبة، على كنزة بيضاء بحمالة عريضة وصففت شعرها الطويل للأعلى، وأرتدت أخيرًا حذاء رياضي أبيض اللون، تناولت حقيبتها الصغيرة وهاتفها وخرجت من الغرفة في حالة من الضيق والغضب الشديدين .
خرجت من الفندق بعدما طلبت سيارة أوبر وقامت بتوصيلها إلى هدفها المنشود وهي تنوي على استفزازه اليوم .
********************
استيقظت نور وهي تشعر بأنها في حاجة كبيرة من النوم مجددًا، واخمة ومرهقة أثر ليلة أمس .. ابتسمت حين تذكرت شكل يوسف المنزعج من حديث أمير لها، على الرغم أنها لا تعرف سبب تلك المعاملة المتغيرة ولكن فرحة عندما شاهدت نظرة الضيق على وجهه لا تعرف لماذا .
نهضت من فراشها واغتسلت ثم صلت فرضها ونزلت تبحث عن أفراد أسرتها .. وجدت سميحة تجلس في مكانها المفضل بالحديقة، ابتسمت وجلست بجوارها
- صباحك فل يا توتو
ابتسمت تهاني :
- صباح النور يا حبيبتي .. نمتي كويس؟
ردت نور باسمة وهي تمطي ذراعها للأمام بتعب:
- آه الحمد لله .. بس حاسة إني عايزة أنام تاني مش قادرة
ولا تزال البسمة معتلة وجه تهاني لتردف:
- معلش يا نور من مجهود امبارح .. فوقي كده مفيش نوم تاني وافطري
مالك برأسها للخلف بوجه نائم في تساؤل:
- خمسة كده ونفطر سوا
وضعت تهاني فنجال الشاي أمامها وقالت بمرح:
- لا بالهنا والشفا ليكِ أنتِ .. فطرت أنا وأبوكِ
اعتدلت لتقول باهتمام:
- آه صحيح هو نزل الشركة ؟
أجابت تهاني بهدوء:
- آه .. من حوالي ساعة ونص كده ولا حاجة .. الساعة 11 يا آنسة وداخلين على الضهر
تنهدت بخيبة أمل وهي،تنهض:
- طيب .. أنا هقوم بقى أروح النادي .. محتاجة أجري شوية
نظرت لها تهاني مردفة بنبرة تحذيرية:
- مفيش خروج قبل ما تفطري
زفرت بضيق لتجلس مجددًا:
- ما حضرتك عارفة إني مبحبش أَكُل لوحدي .. ماهو لو كنتِ صحيتيني كنت فطرت معاكوا .. واللي كنت بفطر معاها اتجوزت .. هاكل أي حاجة لما أجوع هناك بقى
تنهدت وردت بصرامة :
- صعبتي علينا يا ستي من ليلة امبارح .. قلت اسيبك تنامي براحتك .. احنا اللي غلطانين
كادت أن تقوم ولكن تذكرت شيئًا ما:
- آه بالحق إيه الكلام اللي سمعته امبارح ده؟
ردت تهاني بحزن، سوف تعرف نور في أي وقت على أي حال:
- أنا اتفاجئت زيي زيك بالظبط .. ده اللي ناوي عليه اخوكِ .. ناوي يطلقها بعدما يرجعوا من السفر .. أنا مش فاهمة بيفكر ازاي ده
شردت نور وقالت بحزن:
- كلام أمير صح
اندهشت تهاني لتتسائل باهتمام:
- كلام إيه ده؟
أكملت نور بانفعال:
- طارق بيتصرف بأنانية .. مش همه شكلها هيبقى إيه لما يطلقها بعد كام يوم من الفرح .. بصراحة بقى هو معاه حق .. مستعجل على إيه مش فاهمة
نظؤت تهاني لها بخيبة أمل:
- الود ودي أقولك أتكلمي معاه وعقليه بس ..
قاطعتها نور بضيق وانفعال بسيط:
- آسفة يا ماما مقدرش .. مش قادرة أنسى كلامه ليا لحد النهارده .. قلبي مش أسود بس مكنتش متصورة أن الكلام ده يطلع من أقرب حد ليا .. اخويا!! .. عن أذنك
رحلت على الفور قبل أن الدموع الحبيسة في مقلتيها تفر هاربة منها، من الصعب أن تأتي لحظة كهذه ولا تستطع أن تكون بجواره .. ولكن حسم الأمر .
جلست تهاني مكانها تبكي على حال أولادها وتفكر كيف تربط الود بينهم مرة أخرى .
********************
دخل الشركة وأعين الموظفين والعمال منصبة عليه بدهشة وفضول من مجيئه للشركة في الوقت الحالي، المفترض منه إنه "عريس" لم يمر على زواجه إلا ليلة واحدة .
لم يعير اهتمام أو نظرات الجميع وأتجه إلى مكتبه، بمجرد أن جلس على مقعده تلقى مكالمة من الهاتف الخاص، فرفع السماعة وبدأ الرد بهدوء:
- ألو .. ايوة يا بابا
صاح به محمود بغضب:
- ايوة في عينك .. تعالى مكتبي حالًا
أغلق في وجهه المكالمة وزفر طارق بضيق وحنق شديدين، وعلم أن بداية المشاحنة بدأت للتو .
ذهب إلى غرفة مكتبه ودخل بعدما قرع على الباب وسمع الإذن بالدخول .
بمجرد أن دخل نهض محمود بغضب من مقعده ووقف قباله وصاح به في غضب:
- أنت بتعمل إيه عندك يا أستاذ .. في راجل في الدنيا يسيب عروسته يوم صباحيته ويخرج ويسيبها للشغل يا أفندي أنت ها ؟! .. أنت اتجننت مش شايف شكلك والموظفين بيبصولك ازاي؟! .. أوري وشي فين من الناس
طارق رد بلامبالاه كعادته:
- ممكن أفهم حضرتك معصب نفسك أوي كده ليه؟
كاد محمود أن ينفجر من بروده لينفعل :
- يعني كل ده ومش عارف ليه ولا حاسس بغلطتك ؟
يعلم جيدًا نهاية هذا النقاش البديع مع والده، فيردف بهدوء:
- وفيها إيه لما أنزل شغلي .. هو الجواز هيمنعني عن مستقبلي كمان؟! .. مش كفاية الفترة اللي فاتت وكل حاجة بقت في النازل
طرق محمود على مكتبه بغضب شديد ليقول بانفعال أكثر:
- أنت عايز تجيب أجلي يا ولد أنت .. مستقبل إيه يابو مستقبل اللي يخليك تسيب عروستك في يوم زي ده وتنزل !! كنت اشتكيت لك .. أتفضل دلوقتي حالًا ترجع الاوتيل وأقعد مع عروستك حتى لو كان شكل جوازكوا إيه إللي بتعمله ده ميصحش
شعر بالحنق الشديد، من الأفضل عدم الرد لأنه لن يجدي نفعًا على الإطلاق في الوقت الحالي، على الرغم من معرفته باتفاقه .
فتحت الباب على مصرعيه وخرج على الفور ليجد الموظفين متفاجئين من الشد بينهم وصوت محمود الذي بدأ بالعلو تدريجيًا، وهذه كانت المرة الأولى يحدث بينهم شد بهذا الشكل في الشركة .
********************
البسمة تزين صغره وهو يشاهد ذكرياتهما على جهاز الحاسوب الخاص به، صورة تلو الأخرى .. تلك الأيام الماضية مرت بسرعة البرق، يتذكر تلك البسمة والحيوية التي كانت تتمتع بها، حديثهم المتواصل والزيارات المتواصلة بلا أنقطاع بينهم، كل هذا تبدل إلى العكس تمامًا، لم يعد له وجود من الأساس .
لقد اشتاق لها كثيرًا، للماضي وحنينه له يزداد كلما رآها أمامه وهو يحاول إقناع نفسه بأن هذه الوردة البرية المنطفئة كانت يومًا ما متفتحة بهية، تزهو وتنقل عطرها لكل من يقترب منها .
ولكن ما شاهده أمس وفي الأيام السابقة عكس ما يتمنى تمامًا .. لن يشاهدها في البحر غريقة بمفردها بعد ذلك ولا يمد لها يد العون .. لقد عرف الحقيقة بالكامل عند عودته، وأدرك كم عانت لتصبح ما تبدو عليه الآن .
أغلق حاسوبه وخرج من الغرفة، ليمر على المكبخ ويرى والدته في الداخل تعد الفطور
- مش نازل شغلك النهارده ولا إيه؟
رد أمير وهو يستند كفع بالحائط بجانبه:
- هدخل أخد دش عقبال ما الفطار يجهز
أردفت سميحة وهي تكمل عملها ودون النظر إليه:
- طيب صحي يوسف قبل ما تدخل عشان تفطروا سوا
أستوقفته تلك الجملة كثيرًا، ليقول باندهاش:
- إيه ده هو جاه أمتى؟
ردت سميحة وهي تحضر الطعام وتخرج من المطبخ:
- بعدما رجعت بشوية كنت نمت .. شد مع خالك وساب البيت
جلس أمير على مائدة الطعام وهو يزفر بشدة وضيق:
- هو اخوكِ دي مش هيبطل بقى اللي بيعمله ده !!
وضعت الطعام وقالت بحزن:
- قصة حزينة طويلة .. وشكلها كده ملهاش نهاية .. ربنا يهديه مفيش في أيدينا حاجة إلا ندعيله
وقف أمير معترضًا:
- لا فيه يا أمي .. لازم نردعه عن اللي بيعمله .. ولاده خلاص مبقوش صغيرين على تصرفاته دي .. أنا هدخل أصحيه
تركها ودخل غرفة يوسف ليوقظه، خرج أمير وبعد عدة دقائق من استعادة يوسف وعيه أتبعه، غسل وجهه وبدأ يتناول الفطور معهم وهو يتذكر ليلة أمس .. أرتدى أمير ملابسه وانطلق إلى عمله وظل يوسف مع سميحة .
********************
تشعر بالغيظ الشديد مما حدث، فلم تجد ما تُنفس به عما بداخلها سوا الركض، أخذت ساحة الركض أكثر من عشر دورات كاملة بتحدي وعقلها يعتصر من التفكير والضيق الشديد يسيطر عليها من الداخل وتجمعت الدموع في مقلتيها .
أسوء شعور ما مرت به هذا الصباح، لهذه الدرجة يبغض منها ليتركها تستيقظ ولم تجده بجوارها ؟، مهما كانت طريقة زواجه منها يجب أن يحترم مشاعرها على الأقل أمام نفسها أكثر من الغير وهو يتركها هذا صباح ليلة عرسهم .
يجب أن تأخذ موقف جاد أثر ما فعل، ولكن التساؤل هنا إلى أين ذهب وتركها يا ترى؟ ..
أخرجت كل شيء من تفكيرها وقررت أن تصفى نفسيتها أولًا قبل أي شيء .
********************
ابتسمت عندما تذكرت لقاءهما معًا كل مرة في هذا المكان، الذي طالما شهد الكثير من الذكريات الجميلة لهما، وكلما ذهبت إليه لابد وأن تلتقي بها، وها قد جاء اليوم ولن تراها فيه .
ظلت تسير قرابة خمسة عشر دقيقة بلا هدف، فقط من أجل صفاء ذهنها وترتيب أولوياتها في الفترة القادمة التي سوف تغير من مجرى حياتها، خاصًة ما حدث في الفترة الاخيرة .
شهقت وخرجت من شرودها على صوت جاسر وهو يقول:
- صباح الخير
ألتفت بجانبها لتندهش من وجوده:
- خضيتني يا جاسر .. صباح النور
ابتسمت وبدأ بالحوار:
- أخبارك إيه؟ .. بقالي كتير مبشوفكيش في النادي الصبح
ابتسمت وردت في هدوء:
- آه .. تغير وكده .. نفسيًا مش قادرة أنزل لا الكلية ولا الشغل النهارده
ابتسم وهو يحاول أن يتمادى معها في الحوار:
- آه صحيح مبروك على جواز اخوكِ .. عقبالك
عقدت حاجبيها في دهشة لتعلق على ما سمعت:
- الله يبارك فيك .. بس أنت عرفت ازاي
ضحك جاسر ليجيب على الفور:
- إيه يا بنتي مفتحتيش نت الصبح ولا إيه .. ده الخبر منشور .. ثم اخوكِ مناسب عيلة الجوهري ومين ميعرفهاش
رفعت حاجبها في دهشة:
- هو لحق يكتب كمان!! .. لا مفر للاتنين
أردف جاسر بعدم فهم:
- قصدك إيه يا نور؟
نظرت له وقالت بشرود:
- لا متخودش في بالك
ثم قال بتلقائية والبسمة مازالت مزينة ثغره:
- على العموم مبسوط إني شوفت أوي النهارده .. وأتمنى اشوفك في المرسم قريب .. مش عارف ليه تخيلت بسلمى هنا
اندهشت نور كثير لتقول نافية:
- إيه اللي يجيبها النادي .. أكيد متهيئلك ولا حاجة
رد جاسر بكل تأكيد:
- لا بس أنا متأكد والله .. زي ما أنا شايفك قدامي كده لوقتي
********************
خرج من الشركة وأستقل سيارة أجرة وذهب إلى النادي، احتمالًا أن يلتقي بإيهاب هناك .. يشعر بأنه كاد أن ينفجر ويريد أن يطلق كل هذا من داخله .. تناول هاتفه وقام بالإتصال على إيهاب، لحظات وآتاه صوت من الناحية الأخرى :
- طروووق حبيب قلبي .. صباحية مباركة يا عريس
صاح به بضيق:
- صباحية مباركة على إيه أنت كمان هو أنا ناقصك
شعر بضيقه وتغير نبرة صوته للإنزعاج الشديد ليقول بجدية:
- اللي حصل بابني .. أنت في الاوتيل؟
رد طارق بهدوء قليلًا:
- لا لسة خارج من الشركة وطالع على النادي .. حصلني على هناك .. يلا سلام
أغلق معه طارق المكالمة إيهاب في دهشة من أمره لا يعرف ما الذي فعله هذا المجنون، نهض من فراشه وأرتدى ملابسه وذهب هو الآخر إلى النادي .
******************
وصل طارق وأتجه ليجلس في الكافتريا القريبة من ساحة الركض، مكانه المعتاد .. بعد قليل جاء إيهاب وجلس بجانبه وفي عقله ألف سؤال .. وجده صامت جالسًا في هدوء شديد :
ـ إيه يابني اللي جبك هنا الساعة دي؟ .. أوعى تكون أتخانقت مع سلمى !!
زفر طارق بشدة ثم قال بضيق:
ـ لا يا سيدي مع أبويا
اندهش إيهاب ثم قال بتساؤل:
ـ وأنت شوفت أبوك فين ؟
صاح به طارق بضيق أكثر
ـ أنت غبي يابني في الشركة يعني هيكون فين .. سايب عروستك وجايلي الشركة يوم صباحيتك والكلام اللي أنت عارفه ده
صعق إيهاب وصاح بعدم تصديق :
ـ يا نهارك أبيض .. ما الراجل عنده حق يقول ويعمل أكتر من كده .. وأنت بسلامتك رايح تهبب إيه في الشركة في يوم زي ده ؟
زفر بقوة وهو يردف:
ـ حتى أنت يا إيهاب .. نزلت أشتغل يا أخي في مانع ؟
ضحك إيهاب في ذهول مما سمع كنوع من رد فعل غير متوقع:
ـ لا بصراحة أبوك له الجنة بعد اللي حصل .. أنت أكيد بتستعبط .. حبكت يعني تشتغل في وقت زي ده وأنت مع مراتك والوقت لطيف .. ما أنت متنزلش بالشكل ده إلا لو كانت منكدة عليك يا حصل بينكوا مشكلة
ابتسم بسمة صغيرة على شفاتيه فلا يوجد من يفهمه سواه لهذه الدرجة، ليقول بنوع من الفتور:
ـ من ساعة ما عرفتها مشوفتش منها إلا ده .. فرقت يعني الليلة دي وكله كوم وابن عمتها ده كوم تاني .. من ساعة ما صحيت وأنا مش مصدق إني خلاص أتجوزتها وأنا مش طايق أقعد معاها بأسلوبها ده دقيقة واحدة فنزلت على الشركة قبل ما تصحى والموال يبتدي .. ثم فكك منها هتفرق معايا في إيه أصلًا !!
زفرإيهاب بحزن ثم قال بجدية :
ـ لا أنت غلطان يا طارق .. ملكش حق أنك تسيبها وتنزل بالشكل ده .. يا جاحد تسيبها من أول يوم!! أنت ملحقتش تعرفها بجد ولا أديتها فرصة .. أرجع لعقلك يا صاحبي وقوم أرجع لمراتك قبل ما تصحى .. وأبقى طمنّي
زفر طارق بشدة وأستمع لحديثه جيدًا وأقتنع به، وخرج من النادي ليستقل سيارة أجرة ويعود بها إلى الفندق
********************
قلقت نور من حديثه كثيرًا وتخشى أن يكون صحيح، أنهت معه الحوار وذهبت لتتجول في أنحاء المكان تبحث عنها، بعدما صدر يقين في داخلها من حديثه بأنها موجودة هنا حقًا، ولكن كيف تلك المجنونة وإن كان صحيحًا ما الذي دفعها كي تقوم بذلك؟ .
إلى أن جاء لخاطرها شيئًا ما، فأتجهت إلى ساحة الركض فهو المكان المفضل لدى سلمى تخرج به طاقتها السلبية، وبالفعل صعقت مما شاهدته لقد وجدتها هناك بالفعل، ركضت نحوها واعترضت طريقها لتصيح بها:
- ممكن افهم سيادتك بتعملي ايه هنا دلوقتي
وقفت سلمى وأدركت بداية المفاوضات بينهن لترد بلامبالاه:
ـ زي ما أنتِ شايفة .. لقيت نفسي زهقانة قلت أنزل أجري شوية
صاحت بها نوربغضب:
ـ أنتِ بتستعبطي يا سلمى !! في عروسة في الدنيا تنزل يوم صباحيتها !! .. مجنونة بجد
صاحت بها سلمى بضيق:
ـ اومال أعمل إيه يعني هقعد أكلم نفسي مثلًا !!
قضبت نور حاجبيها وقالت باهتمام:
ـ اومال طارق فين؟
أجابت سلمى باستهجان:
ـ طارق ههههههههههههههه اخوكِ سابني ونزل
اندهشت نور أكثر وأردفت:
ـ إيه !! أنتِ بتتكلمي جد !! سابك ازاي المجنون ده ؟!
ردت سلمى بنفس النبرة:
ـ وأنا من أمتى بهزر في حاجة زي دي .. زي الناس يا ستي صحيت لقيتني فجأة لوحدي والأستاذ مش موجود في الجناح كله .. أضايقت طبعًا قلت هعمل إيه لوحدي ويا علم هيرجع أمتى .. قمت لبست ونزلت سهلة أوي
قالت نوع بغير استيعاب:
ـ إيه اللي بيحصل ده .. مش مصدقة اللي يخليه ينزل المجنون ده ؟!
أومأت برأسها نافية وقالت بلامبالاه:
ـ أنا مالي أسألي أخوكِ بقى .. حسابه معايا لما يرجع
مسكت يداها وقامت بسحبها برفق :
ـ طب يلا روحي وجودك هنا مش كويس .. أفرضي يوسف شافك يا فالحة هتدخلي في تحقيق
زفرت سلمى بملل وقالت:
ـ مليش مزاج خليني شوية
سارت بها إلى أن وصلوا إلى البوابة وبدأت نور بتوديعها:
ـ ﻻ ﻻ أنسي .. ممكن طارق يرجع في أي وقت ... يلا وقفي أي تاكسي وأرجعي على طول .. وأبقي طمنيني عليكِ
سلمت أمرها وتنهجت بعمق وقالت:
ـ طيب يا نور .. سلام
أوقفت سلمى أول سيارة أخرة مرت أمامها وأستقلتها، أشارت لها نور مودعة إياها:
ـ سلام .... في نفسها "ربنا يهديكم ويهدي سركم"
*********************
غير مطمئنة على الإطلاق على ما سوف يحدث بعد قليل، نظرت في ساعة يدها لتجدها الثانية عشر ظهرًا، مبكرًا لتعود إلى منزلها وتغيرت حالتها المزاجية فلم تريد البقاء هنا حاليًا .. فكرت بأن تمر على السيدة سميحة، وبالفعل خرجت من النادي واستقلت سيارتها في اتجاهها إلى منزلها .
قرعت على الباب وأنتظرت قدوم السيدة سميحة لتتفاجئ بيوسف أمامها، صعقت لرؤيته فهي لم تتوقع أبدًا أن تراه هنا .
لقد اشتاق إليها حقًا منذ أمس، كان يفكر بها وإذ بها أمامه الآن، تلاقت أعينهم في لحظات ولا يريد الابتعاد عنها ثانية واحدة، قطع الصمت الدائر بينهم وهو يبتعد عن الباب ويشير إليها :
- أتفضلي
دخلت وهي تتعمد تجاهله، جلست وهي تتنهد في توتر وتفرك في يداها بعدما رأته يجلس بالمقعد المجاور لها ينظر إليها بترقب، توترت أكثر وشعرت بالاحراج، لتسأل سريعًا:
- اومال طنط سميحة فين .. هي مش موجودة؟
رد يوسف بهدوء:
- لا موجودة .. "ينادي" .. عمتو آنسة نور هنا
نظرت له بضيق، كما هو لم يتغير، تنهدت بضيق ونظرت أمامها تفكر وهو لاحظ تغيرها ويشعر بالأسف على ما بدر منه إلى أن جاءت سميحة، نهضت نور وترحب بها .
- لو كنتِ بدرتي شوية كنتِ فطرتي معانا .. فطرتي يا نور؟
ردت نور باسمة:
- لا .. بس متتعبيش نفسك
عاتبتها سميحة وهي في طريقها للمطبخ:
- لا ازاي يا بنتي كده هزعل منك .. لازم تاكلي أنتِ عارفة إنك في معزة سلمى ولا لأ؟
رد نور وهي تشعر بالخجل من كلماتها:
- طبعًا يا طنط بس أنا مش عايزة اتعبك شكرًا
ابتسمت سميحة وهي تنظر ليوسف بحب وتقول:
- تعبك راحة يا بنتي
تركتها سميحة عن قصد برفقة يوسف، كي تعطي لهم مجال للحديث بينهم وهي تراقبهم.
تنتفض سميحة من الفزع عندما ربت أمير على منكبها :
- بتعملي إيه .. مين برة؟
ردت سميحة بصوت منخفض وهي تشير إليه بالمثل:
- ششششش وطي صوتك .. نور برة وسيباها مع يوسف يتكلموا
ضحك أمير وقال:
- آه منك أنتِ يا سوسو .. كده تبوظيلي اللي كنت بعمله
اندهشت وقالت باهتمام:
- بتعمل إيه يا واد
ابتسم وقبًلها من وجنتيها ويقول:
- كنت بعلمه الأدب .. يا رب خطتك تنفع
ابتسمت سميحة وقالت:
- يا رب .. راقب أنت عقبال ما أعمل الساندوتشات لنور وأما نشوف ابن خالك الخايب ده هيعمل إيه
ضحك أمير بشدة وأردف:
- ههههههههههههههه حاضر ... عمالة توفقي راسين في الحلال وسايبة ابنك .. ماشي يا سوسو
شعرت نور بالتوتر الشديد ولا تعرف ماذا تفعل، نحاول بقدر الإمكان أن تسيطر على مشاعرها أمامه وألا تنظر إليه .
أما هو فيريد التحدث إليها ولا يستطيع، يتحرى شوقًا إليها وما باليد حيلة بسبب اخيها، قرر أن يحاكيها:
- أخبارك إيه؟
ردت بهدوء وبرود دون النظر إليه:
- الحمد لله بخير
تردد كثيرًا قبل أن يقوم بسؤالها، ولكن الغيرة والفضول في قلبه يعصره عصرًا:
- هو أنتِ وأمير بعدما أنا نزلت أتكلمتوا في حاجة؟
اندهشت حقًا من سؤاله وتعجبت من أمره، فرسمت الجدية على وجهها وأردفت:
- نعم!! .. ده شيء ميخصكش يا أستاذ يوسف وأرجوك متتعداش حدودك
شعر بالاحراج والضيق الشديدين
************************
عاد طارق إلى الفندق ومنها صعد إلى جناحهما ثم دخل، اندهش من فراغه وأخذ يتجول فيه وهو ينادي على سلمى دون رد، قرع على الباب كثيرًا لم يلتقي أي رد على الإطلاق فدخل القلق لقلبه بأن يكون حدث لها شيئًا ما في الداخل، فأستجمع قواه ودخل الحمام ليجده فارغًا .. فأدرك على الفور بعدم وجودها في الفندق بأكمله .. تناول هاتفه وقام بالإتصال بها وهو في قمة غضبه منها .
تلقت سلمى إتصال لتنظر في هاتفها تجده طارق، شعرت بقليل من القلق في داخلها ولكن قررت أن تتشجع وتواجهه، لتفتح المكالمة ويأتيها صوت طارق الغاضب بشدة من الجانب الآخر:
ـ ألو ايوة يا سلمى
ردت سلمى بمنتهى البرود:
ـ اممم نعم في حاجة
طارق بعصبية صاح بها :
ـ أنتِ فين ؟
تجاهلت سلمي عصبيته وردت بضيق :
ـ سؤال غريب علي فكرة أنا برة
أستكمل حديثه بنفس النبرة :
ـ برة فين !!
أجابت ببرود:
ـ أنت مالك !
أنفعل أكثر من ردها:
ـ هو اللي أنت مالك أنا جوزك ومن حقي أعرف أنتِ فين يوم الصباحية يا هانم
لم تستطع تمالك نفسها أكثر من ذلك لتصيح به بانفعال:
ـ والله أسأل نفسك يا أستاذ قبل ما تعاتبني أنت الاي سيبتني يوم الصباحية ونزلت .. ﻻ هو حلال عليك وحرام عليا
طارق بنفس النبرة :
ـ بتردهالي يا سلمي !!!
ردت سلمى ببرود وتحدي:
ـ سميها زي ما تسميها
طارق محاولا امساك أعصابه، تنهد بعمق وقال :
ـ طيب أنتِ فين دلوقتي ؟
أجابت بضيق:
ـ لسة خارجة من نادي
حاول طارق أن يتمالك ويقول :
ـ طيب أرجعي علي الاوتيل دلوقتي حالًا .. كلامنا لما ترجعي .. سلام
أغلق معها المكالمة وهي في منتهي العصبية، طلبت من السائق الأسراع قليلًا حتى وصلت الفندق ، دخلت وصعدت إلى جناحهم وهي تستعد للمواجهة العصيبة التي سوف تحدث خلال دقائق معدودة، المشاجرة التي طالما أدركت أنها سوف تحدث لا محال .
دخلت الجناح وكان طارق بأستقبالها وهو في منتهى العصبية
ـ ممكن أفهم اللي عملتيه ده !!
ردت بصرامة وبرود :
ـ عملت إيه يعني ؟
طارق يشعر بالاستفزاز من طريقة حديثها :
ـ يعني مش عارفة عملتي إيه ؟
انفعلت سلمى كثيرًا لتقترب منه وأصبحت في مواجته وجهًا لوجه:
ـ كل ده عشان خرجت !! ما أنت اللي سيبتني ونزلت ورمتي هنا بين أربع حيطان أكلم نفسي .. وأمتي في يوم صباحيتي يا سلام حلو أوي يا أستاذ
طارق سريعًا برر موقه:
ـ أنتِ بتبرري موقفك يا هانم .. أنا كنت نازل عشان الشغل وﻻ عشان أتجوزت أسيب مستقبلي
نظرت له في ذهول وقالت :
ـ شغل !! شغل إيه يا أستاذ في يوم زي ده .. وأنا اللي هعطلك على مستقبلك ؟! .. حتي لو كان جوازنا ظروفه كده المفروض تهتم بشكلي ومظهري قدام الناس اللي ميعرفوش الأتفاق اللي مابينا .. ثم أنا مش ببرر موقفي أنت اللي موقفك سليم يعني ما هو الموضوع نفسه
أمسك ذراعها بقوة وجذبها نحوه:
ـ أسمعي يا سلمي من هنا ورايح تسمعي اللي هقولك عليه
أفلتت ذراعها منه وقالت بتحدي :
ـ أنسى يا طارق ملكش دعوة بيا
تركته وهي في قمة انفعالها ودخلت الحمام تهوى دموعها على وجنتيها في صمت، قررت أن تحافظ على كبرياءها وتحافظ على موقفها .
تنهد بقوة وهو يمسح شعره بيده، شعر بالضيق مما فعل وكيف أنفعل بها بهذه الطريقة ، ومنها لأنها خرجت دون أذنه .. على الرغم أنه لم يفكرلحظة بأنه سبق وخرج دون علمها .. تفكير معظم البشرلا يرون إلا تصرفاتهم وتصرف غيرهم يتصب عليه كل الخطأ، نفس الشيء ينظر إلى نصف الكوب الفارغ، وفي نفس الوقت يحاول تجنبها بقدر الإمكان لأنه يعلم وضع زواجهم مجرد صفقة لا أكثر ولن يتطور عن ذلك لأنه لا يتحملها من الأساس .. بأنه يفكر في وضعه مع سلمى في الفترة الصغيرة التي من المفترض أن يعيشها معها، هل ستكون بهذه الصورة مليئة بالمشاكل والاضطرابات ؟ .. لن يتحمل أبدًا أسلوبها ولا طريقة تعاملها معه، يريد أن يتنهي من هذا الرابط بأي طريقة وفي أقرب وقت ممكن .
فكر كثيرًا أن يتمالك أعصابه أمامها، ولكن رد الفعل يزيد من غضبه وضيقه منها كلما كانت عنيدة بهذا الشكل .. من الأفضل في هذا الوقت أن يرحل من الغرفة حتى يهدأ كلًا منهم .
فكرت سلمى أن لا تبكي بسببه بعد الآن، هي أقوى من ذلك بكثير، لن يجعلها تزرف دمعة من مقلتيها وسوف تكون على قدر من التحدي على محاولة منه في ازعاجها، لذا قررت أن تتجاهله تمامًا وتتعامل ببرود، تلك الأداة الحربية التي تستعملها ضده منذ البداية .
سمعت صوت الباب لتندهش، فتحت بسرعة وخرجت لم تجده في الغرفة فأدركت بأنه تركها مرة أخرى وخرج، لتزداد غضبًا منه لتجلس على فراشها وهي تفكر ماذا تفعل في هذا الملل وهي تجلس بمفردها تحدث نفسها، نور فقد رأتها اليوم، فكرت أن تقوم بمهاتفة عمتها ولكن لا ليس الوقت المناسب لتفعل هذا .. إذا ماذا تفعل لتهدر هذا الوقت اللعين ؟! .
******************
جلس في كافتريا الفندق يشرب فنجال من القهوة كي يهدئ من أعصابه قليلًا، زفر بحنق لا يصدق بأن أول يوم لزواجه يبتدي بهذا الشكل، نزاع ومشاجرة وعناد هو كان في غنى عنه، ولكن ما باليد حيلة، عليه أن يتحمل هذه الفترة بأي شكل من الأشكال ويعود بعد ذلك لحياته الطبيعية التي كان عليها من قبل أن تدخل سلمى فيها .
ليسمع رنين هاتفه، يتناوله من بنطاله ليكون المتصل سارة، يدعو الله أن تدعه وشأنه الآن بأن لا تتشاجر معه هي الأخرى .
منذ أمس وهي في حالة من الغيرة والضيق الشديد بعد رحيله، وخاصًة الحوار الدائر بينها وبين إيهاب، قررت أن لا تجعل طارق يفلت من بيد يداها على أي حال من الأحوال، ولا تعرف ماذا حدث بينهم ليلة أمس على الرغم من وعده لها بذلك .
رد بهدوء:
- ايوة يا سارة .. مش وقتك خالص
ردت بضيق بعد هذه الجملة الأخيرة:
- ليه .. مشغول أوي مع الست هانم .. طبعًا ما النهارده صباحيتك يا عريس
انفعل بها في ضيق حقيقي:
- ارحميني بقى مش كده .. غيرتك مش طبيعية خالص بالمرة ..
صاحت به سارة بضيق:
- أعمل إيه يعني بحبك معرفتش أنام وأنا عارفة إنك مع واحدة تانية ..
قطع حديثها بانفعال أكثر:
- اديني سبتها ونزلت .. استريحتي؟
شعرت بالفرحة والإنتصار مما سمعت، فابتسمت ثم قالت بخبث واصطناع الدهشة:
- يا خبر .. ليه كده .. هي زعلتك اللي متتسمى دي في أول يوم .. روحت فين ؟
عاتبها بضيق:
- قولتلك قبل كده أتكلمي عليها عِدل
صاحت به في ضيق شديد:
- خايف على شعورها أوي .. أنت فين بردو؟
رد بتلقائية وهو يتأفأف:
- تحت في الكافيه ..
لم يكمل جملته لتقاطعه سريعًا:
- طيب يا حبيبي أنا جيالك سلام
لم يستطع الرد عليها، فقد أنهت المكالمة سريعًا، فنظر للشاشة في اندهاش وضيق في وقت واحد على رد الفعل المتهور الذي يخشى نتائجه مثلما حدث من قبل، فهو في حالة مزاجية غير قابلة لرؤية أحدًا ما الآن .
حاول الإتصال بها ليمنعها من المجيء هنا ولكن وجد هاتفها مغلق أو غير متاح، فوضعه على الطاولة التي أمامه في عنف وهو على يقين بأنها فعلت ذلك عن قصد .
بعد قرابة نصف ساعة حضرت سارة والبسمة معتلة شفاتها، اقتربت منه بعدما بحثت بعيناها .. تغيرت قسمات وجهه من الشرود للضيق بمجرد رؤيتها قادمة نحوه وجلست بجواره، لينظر لها بدهشة:
- بتاخديني على خوانة يعني باللي عملتيه ده
تصنعت سارة اللامبالاه لتقول:
- عملت إيه يعني يا حبيبي .. كل ده عشان لقيت صوتك مضايق وجيت أشوفك؟!
رد طارق بضيق:
- سارة أنا مش فايقلك .. عايز أعرف جيتي الفرح ليه امبارح .. وبلاش جو المباركة والغيرة والجو ده .. جيتي عشان تضايقي سلمى مش كده؟
لم تستطع الكذب والإفلات من نظرة عيناه التي توجه لها الإتهامات، لتنفعل عليه:
- ايوة .. خلاص ارتحت؟! .. أخدت كل حاجة على الجاهز .. أنا أحق ليك منها مش هي
حاول تهدأتها فأمسك يداها ويقول برفق:
- مش سبق وأتفاقنا أن ده وضع مؤقت وكل واحد هيروح لحاله .. مش عايز مشاكل مع سلمى أنا مش ناقص .. يلا قومي روحي بلاش جنان
ابتسمت وامسكت يداه وهي تقول:
- لأ خليني قاعدة معاك شوية .. هو أنا موحشتكش ؟
*******************
ملل وكلل لا يطاق، تتحدث هي والحائط سويًا ولا تفعل شيئًا، سئمت من هذا الوضع اللعين وتريد الخروج من حبسها بمفردها دون أي فائدة .
قررت أن تخرج وتتحمل عواقب الأمور، بالفعل نزلت إلى الاستقبال تستكشف المكان بعد تلقيها تلك المكالمة.. وإذ بها لترى ما كانت لا تتوقعه ولكن كانت تشعر به، يجلس طارق مع سارة ممسكة يداه وهو مستسلم لها، اقتربت منهم بهدوء لتفهم الوضع بدلًا من بدأ مشكلة دون أي أساس وتستمع لما يقولون .
لم يكن طارق يرغب بهذا الوضع وزوجته بالأعلى، فحاول إبعاد يداها عنه:
- مش وقته يا سارة .. وحشتيني وكل حاجة بس لازم تمشي ألا لو حد شافك هتحصل مشكلة، أنا بحبك ومش عايز حد يتكلم عليكِ
هذه الجملة هزت قلب سلمى كثيرًا وجمعت الدموع في مقلتيها؛ نظرت سارة بطرف عيناها وقالت بخبث عند رؤيتها:
- متحرمش منك يا حبيبي .. ثم حد زي مين مثلًا .. سلمى!! تفرق معاك بعد كل اللي حصل بسببها ؟
رد طارق سريعًا بضيق:
- ايوة سلمى .. ولا تفرق في حياتي بأي حاجة ولا وجودها مهم في حياتي من أصله .. بس أفرضي وأنا مش ناقص جنانها على الصبح كفاية اللي عملته
هنا أنطلق صوتها المنبوح بانفعال بسيط:
- لا كتر خيرك بجد
نظر أمامه ليتفاجيء بوجودها واقفة وقسمات وجهها تبدو ثابتة وطبيعية عكس ما وجده وشعر به في عيناها .. والطاولة حائل بينهما، لتبتسم سارة بخبث وإنتصار .
رحلت على الفور بعدما نظرت لهم بأستحقار، راكضة إلى المصعد .. ليصيح طارق بسارة بضيق وحنق:
- عجبك كده ..
تركها وركض خلفها فلم يستطع لحاقها، فقط عيناها وهي تنظر له بضيق وعتاب وأغلق الباب على الفور، ليسبقها هو على درجات السلم إلى أن وصل للمصعد ليجده فراغًا، فأدرك إنه وصل بعده ليتلفت حوله يبحث عنها ليجدها أمامه على بعض خطوات من جناحهما .
مد سرعته ولحقها كانت هي بالداخل، حبست نفسها في الحمام وجلست على طرف حوض الاستحمام تبكي في صمت .. زفر بحنق وضيق وهو يقترب من الباب ويقرع عليه بشدة ويطالبها بفتحه، تستمع من الداخل ويزداد بكاءها ولا تجيب ولا تعيره أي إهتمام
- أفتحي يا سلمى وكلميني .. سلمى .. بقولك أفتحي
مسحت دموعها بسرعة وردت بحدة وبصوت منبوح من البكاء:
- مش فاتحة وسيبني في حالي يا طارق .. جاي ليه روح كمل قاعدتك معاها .. آه صحيح هو أنا أفرق معاك في حاجة .. سوري لو كنت قطعت خلوتكوا
قرع على الباب بشدة أكثر وهو يحدثها ويترجاها:
- بلاش جنان يا سلمى .. محصلش أي حاجة وأنا ..
قطعته وهي تصيح به ولكن بنبرة هادئة وحادة، بمجرد أن فتحت الباب وخرجت:
- كدااااب .. متكملش .. مش عايزة أسمع منك حاجة .. أنت جرحتني أوي يا طارق .. أووي
امتلئت عيناها بالدموع وهي تنظر له بألم وعتاب شديدين .
شعر بأن عقله تخشب من آخر جملة تفوهت بها، من هذا الهدوء التي تتحدث به والذي توقع عكسه تمامًا، تناولت حقيبتها من جانب الفراش ووضعتها فوقه ووضعت بها ملابسها هذا الصباح وحملتها وهمت للخروج .. جذبها من ذراعها وصاح:
- بتعملي إيه .. واخدة الشنطة ورايحة على فين؟
أفلتت ذراعها من بين يداه بسرعة وخفة ثم دفعته للخلف برفق، لتنظر في عيناه وتردف بهدوء :
- بلاش تهدم أي حاجة رابطة بينا لحد دلوقتي .. كفاية اللي أتكسر .. سيبني وكفاية لحد كده
حملت حقيبتها وخرجت سريعًا من الجناح وهي تركض والدموع تسيل بغزارة على وجنتيها في صمت وأستقلت المصعد .
ركض خلفها كانت قد وصلت لمدخل الفندق، نظرت خلفها لتراه يأتي من بعيد لتزيد من سرعتها حتى خرجت من الفندق وأشارت إلى أحد سيارات الأجرة وقادت بها مسرعة .
خرج طارق وهو يشاهد السيارة تختفي من أمامه بسرعة كبيرة، ليمسح شعره بكفه في منتهى الغضب والضيق وهو ينادي عليها بانفعال:
- سلللللللمىىىىىى
ليجد الناس من حوله ينظرون إليه بدهشة، فحاول تهدئة نفسه قليلًا ليحد من النظرات ... يشعر بأنه في دوامة كبيرة لا يعرف أولها من آخرها، كلما يصلح شيء يفسد شيء آخر .
كان يتوعد لسارة فهي السبب الرئيسي وراء كل هذا، كانت صفقة لعينة من جعلتهم يصلون إلى هذه المرحلة، حقًا لعنة وأصابت الجميع في كل شيء، كلماتها تدوي في أُذنه ويتعجب أكثر كلما يتذكرها، كيف لها تتسم بهذا الهدوء والبرود اللامتناهي، كيف تتحمل وتسيطر على أعصابها بهذه البراعة أمامه؟ .. شيئًا ما يجعله يفكر بها وفي ملامحها الصغيرة الجامدة، الصارمة التي لم يرى في حددتها من قبل على أي فتاة .. دخل وهو يجري إتصالًا .
********************
صوت ضحكاتها يدوي السيارة، لدرجة ألتفات المارة والركاب إليها وهي تتحدث في هاتفها
- لا مش هينفع نتكلم هنا .. أنت في الشركة؟ .. طيب أنا جيالك
وصلت الشركة واستقبلها عاصم بحفاوة، جلست قباله في غرور كبير، ووضع ساق فوق الأخرى ليقول:
- ها عملتي إيه .. سبع ولا ضبع؟
ضحكت سارة بدلال:
- سبع طبعًا يا باشا ده كلام
تناول عاصم السيجار من سطح مكتبه واشعله وهو يضع بدوره ساق فوق الأخرى، وينفث الهواء بلامبالاه ويردف بانتصار:
- لا تعجبيني .. ميجيبها إلا ستاتها .. اللي حصل بالظبط ؟
اقتربت أكثر لتقول بثقة كبيرة:
- اللي اتفقنا عايه حصل بالمللي مع التاتش بتاعي ولعت الدنيا في بعضها .. وسايبة الدنيا متطربقة فوق دماغه بعدما شافتنا .. بس أنت عرفت منين إنها هتنزل؟
ضحك بشدة ليقترب منها هو الآخر وليقول:
- لا دي بسيطة جدًا متشغليش بالك بيها .. مكالمة صغيرة أد كده .. المهم عايزك تخفي شوية عليه اليومين دول لحد ما أعرف أنا اقوم بدوري
نظرت له نظرة يفهمها جيدًا لتقول بدلال مبالغ:
- طب وأنا نصيبي فين إن شاء الله
أقترب منها أكثر فأكثر ليقول بخبث:
- هستناكِ النهارده بليل في نفس الميعاد
أبتعد وفتح درج مكتبه وأعطى لها شيك وقال وهو يريح ظهره على المقعد بأريحة:
- ده تحت الحساب
تناولته وهي تنظر له باسمة بإنتصار كبير وشغف لا حدود له .
*******************
دموعها تهوي في صمت، جرح قلبها أكثر بكثير مما فعله بها هاشم، لهذه الدرجة هي خارج حساباته ؟ لهذه الدرجة لا يتهم لأمرها ولا مشاعرها، كأنها نكرة حقًا لا تعني له شيئًا على الإطلاق .. مشاعر كثيرة مترابطة كأنها تكتم أنفاسها ببطيء، تريد أن تخرجها وتفجرها وألا ماتت حسرة بسببها، تريد أن تصرخ ولا تستطع .. أشتاقت لوالدتها وكم تشتهي الذهاب لرؤيتها، وبالفعل انحرفت بالطريق وسلكت بآخر في طريقها للمقابر .
وصلت لقبر فريدة وجلست أمامه شريدة في عالم آخر، المكان الوحيد الذي يشعر قلبها فيه بالراحة وهي تتحدث مع والدتها، كأنها تسمعها وتشعر بها وتربت على يداها بحنو ورفق كما كانت تفعل .
كانت تظن إن بمجرد زواجها سوف ينتهى هذا الكابوس إلى الأبد، ولكن لا تعرف إنه بداية لكابوس جديد بإنتظارها، تعرف جيدًا ما يكنه إليها طارق ولكن أن تسمع ذلك بنفسها يا له من أمر صعب للغاية حقًا، لذلك لم تستطع تحمل كلماته التي لا تزال تدوي في أُذنيها حتى الآن، كلما أغلقت عيناها طلما تذكرت وضعه هو وسارة ونبرة صوته وهو يتحدث عنها، كأنه آتى بسكين تلم وقام بغرزها في قلبها ومزقها أربًا، لم يحترم وجودها شخصيًا، فلم تشعر بنفسها إلا وهي تحمل حقيبتها وتذهب بعيدًا عن وجه بسلام .
*******************
قطع صمتهم صوت رنين هاتف أمير، ليرى المتصل طارق، اندهش قليلًا ولكن قام بالرد على الفور:
- ألو .. ايوة يا طارق
أنتبه الجميع للمكالمة بعدما سمعوا أسم طارق، دق قلب نور بقلق غهي تخشى بأن حدث بينهم مشاجرة بعد عودتها، فما سبب إتصال اخيها بأمير؟ .. فأنتبهت جيدًا لحديثه بلهفة وقد لاحظ يوسف ذلك .
- إيه؟ .. لا وإيه اللي هيجيبها هنا دلوقتي .. أنت زعلتها .. ألو
أنهى طارق المكالمة على الفور بعدما تأكد من عدم وجود سلمى عند عمتها، ضرب الكوقد بعنف ومسح شعره بيداه وهو يزفر بقوة ويفكر إلى أين ذهبت يا ترى غي هذا الوقت .
- قفل الخط
تلك الجملة القصيرة التي تفوه بها أمير بمجرد إنهاء طارق معه المكالمة، والقلق تسرب في قلبه وعلى يقين بأن هناك خلاف بينهم وتركت الفندق ولا يعرف إلى أين ذهبت .
لتصيح به نور في لهفة وتوتر:
- في إيه يا أستاذ أمير .. يا رب ما يكون اللي في بالي صح
تنهد أمير بحيرة ولا يعرف ماذا يقول:
- طارق كان بيسأل عنها .. واضح كده إن دبت خناقة ما بينهم توصل إنها تسيب الفندق بشنطها
الفزع كان سيد الموقف في هذه اللحظة على وجوههم جميعًا، والفضول ينهش في قلبهم في نفس مستوى القلق أو أكثر، شردت نور فيما جدث هذا الصباح وتأكدت بأن خروجها كان عامل لهذا الخلاف .
قال يوسف على الفور:
- تفتكر تكون هربت تاني؟
أجاب أمير في ثقة:
- لأ طبعًا مفتكرش .. لأنها عارفة إن هروبها مبقاش حل وهتتجاب زي قبل المرة اللي فاتت .. سلمى أتعلمت من اللي حصلها، مش ممكن تعيد الغلطة للمرة التالتة .. سلمى مهربتش
لينفعل عليه يوسف دون أن يشعر:
- اومال هتكون راحت فين مادام مهربتش بشنطة هدومها .. تكونش راحت الشاليه؟
نظر له أمير وقدر خوفه على شقيقته ليقول بتأكيد كي يطمئنه:
- لا طبعًا استحالة .. لأنها عارفة إن لو اختفت أول مكان هندور عليها فيه هناك .. سلمى مش بالغباء ده
تناولت نور هاتفها وقامت بالإتصال بسلمى وهو تقول بصوت منخفض يكاد يسمعه من بجانبها:
- ربنا يستر أنا كنت حاسة .. الله يسامحك يا طارق هي كانت ناقصة
أنتبه أمير وأردف بحثه الأمني:
- تقصدي إيه بالظبط .. أنتِ مخبية حاجة يا آنسة نور؟
توترت نور عندما وجدت نظرات الجميع منصبة عليها، لا تعرف هل تقول ما حدث أم تصمت أن كان في معرفة الحقيقة مساعدتهما .
ابتلعت غصتها وقالت بحزن وقلق:
- أنا شوفت سلمى من شوية في النادي كانت بتجري في التراك .. طبعًا استغربت من وجودها في الوقت ده بعد كده عرفت إنها منزلتش إلا لما صحت من النوم وملقتش طارق موجود وحتى فونه مقفول .. اتخنقت ونزلت هي كمان .. معرفش وقتها كانت بتفكر في إيه بس قلتلها إنها لازم ترجع الفندق قبل ما طارق يرجع قبلها ويكتشف عدم وجودها وتحصل مشكلة .. لأنه كان موجود ساعتها في النادي هو كمان وستر ربنا إنه مشافهاش أنا بس اللي شوفته .. فأنا متأكدة أن سبب خلافهم بسبب الحوار ده .. بس مكنتش أتوقع إنها تسيب الاوتيل أكيد في حاجة تانية أنا معرفهاش
كانت آذن الجميع مستمعة إليها باهتمام شديد، ويحلل الموقف من وجهة نظره، لتضرب سميحة بكفها على الآخر بتعجب وهي تقول بعدم تصديق:
- لا حول ولا قوة إلا بالله .. ااواد ده اتهبل ولا إيه .. في حد في الدنيا يسيب عروسته يوم الصباحية وينزل .. زمانها كانت شايطة منه
ردت نور سريعًا:
- شايطة بس!! .. حضرتك عارفاها كويس أما تعند بتكون عاملة ازاي .. الغريب إنها كانت هادية جدًا لما قابلتها .. المهم دلوقتي لا انكل هاشم ولا بابا وماما يعرفوا حادة عن الموضوع لحد ما تظهر .. كفاية اللي هما فيه .. بقت مراته دلوقتي يعني مشاكلهم دلوقتي يحلوها من غير تدخل الأهل .
بعد قرابة نصف ساعة قطع رنين جرس الباب الصمت الذي حاصرهم جميعًا، نهضت نور لتفتح الباب لتجد أمامها سلمى حاملة حقيبتها وعلى وجهها أثار البكاء، لتجد الأخيرة علامات الصدمة والدهشة على وجهها .
يقف الجميع في دهشة من أمرهم لإستقبال سلمى، التي بمجرد دخولها ركضت نحو سميحة وأرتمت في صدرها بقوة وهي تتمسك بها وبدأت دموعها تنسدل في صمت .
ربتت عليها بحنو ثم أبتعدت عنها سلمى ومسحت عيناها سريعًا، نظرت للجميع الذين لم يبعدوا أعينهم عليها منذ دخولها، فقط منتظرين سماعها، وتعرف جيدًا ما يدور في أذهانهم الآن عن سبب وجودها في هذا الوقت والحقيبة بصحبتها .
جلست واقتربت نور وجلست هي الأخرى بجوارها لكي تفهم ما حدث، أقبلت عليها سميحة في لهفة وقلق:
- في إيه يا بنتي .. اللي حصل سيبتي ركبي
ردت سلمى دون النظر إليها بمنتهى الهدوء:
- تسمحيلي أقعد عندك لحد ميعاد السفر
ردت سميحة بعدم فهم:
- طبعًا يا بنتي أشيلك في عينيا .. اللي حصل طيب طمنيني
هدوءها شديد للغاية لدرجة غير مطمئنة بالمرة، هل هذا يسمى الهدوء قبل العاصفة؟، الشعور المسيطر على الجميع منذ دخولها وهي تبدو في حالة غير طبيعية .
ردت سلمى بهدوء دون النظر إليها:
- مش قادرة أتكلم دلوقتي .. بعد أذنكوا متضغطوش عليا
رن هاتف نور فنهضت سريعًا لترد بعيدًا عن سلمى بعدما رأت المتصل طارق بصوت منخفض
- ايوة يا طارق
رد بلهفة وضيق:
- أيوة يا نور أنتِ فين؟
ردت نور بنفس النبرة:
- أنا عند طنط سميحة
ليردف بنفس النبرة هو الآخر:
- تمام .. سلمى مجاتش ولا لسة؟ .. كنت متصل بأمير ومراحتش لعمتها .. هتكون راحت فين بس
كانت مترددة للغاية من قول الحقيقة، تخشى أن تتركله لقلقه ولهفته التي شعرت بها من صوته، وفي نفس الوقت يعتبر عدم الرد تأديبًا له، ولكن لا يجب حصر المشكلة ويعلم بها كي تنفض فقررت أن تقول له:
- ايوة يا طارق .. سلمى لسة واصلة مفيش خمس دقايق .. أرجوك يستحسن متجيش دلوقتي إلا لما أعصابها تهدى شوية .. شكلها ميطمنش
انفعل بها بشدة وعنف :
- يعني إيه ماجيش يا نور .. مراتي سابت الاوتيل بشنطة هدومها وعايزاني أفضل في مطرحي متحركش!! .. حسابها معايا
ردت بسرعة قبل أن يتسرع ويأتي إليها:
- طارق أرجوك متكبرش المشكلة .. نفهم الأول في إيه وساعتها تبقى تيجي .. لأن شكل الحالة اللي هي فيها أنت السبب فيها .. خليك على الخط وأسمع أحسن
عادت نور إليهم مرة أخرى، يجب أن تحل الخلاف الناشئ ما بينهم، لن تسمح بمشكلة بعد الآن خاصًة لو تدخل فيها هاشم .أقبلت نور عليها قائلة بلهفة:
- لا بقى ما أنا لازم أفهم .. متتكلمي يا بنتي .. طارق زعلك لما روحتي ؟
ابتسمت بتهكم وهي ترد بسخرية:
- اخوكِ بيخونني من يوم الصباحية
صوت صرصور الحقل يعلو صداه من شدة الصدمة والصمت، الكل تفاجيء مما سمعوالتقول نور بلهفة وبعدم تصديق:
- لا يا سلمى .. اللي حصل ؟.. طارق لا يمكن يخونك أبدًا
لتنفعل سلمى وتكسر كهف الهدوء التي كانت تسكن فيه مدة طويلة، وبانهيار تام يعلو صوتها وتخرج كل الألم بداخلها:
- اومال بتبلى عليه يا نور .. أصحى من النوم يوم صباحيتي ملاقيهوش .. خرج وسابني عايزاني أعمل إيه أقعد بحسرتي أستنى لما يحن عليا ويرجع!! .. لا وبيعاتبني إني خرجت بيحلل لنفسه ويحرم عليا .. تقدري تفهميني راح فين .. سابني وخرج تاني بدل ما ألاقيه سند ليا نزلت بعدما اتخنقت من القاعدة لوحدى لتاني مرة ألاقي البيه تحت في الهول مع خطيبته وماسكين أيدين بعض بيحبوا في بعض .. متتصوريش كلامه جرحني أد إيه .. دبحني من جوة .. أنا ولا أي حاجة في حياته ولا أسوى عندي جني واحد .. خايف على مشاعرها ألا حد يشوفها وهي معاه خطيبته .. وأنا يا نور مفكرش فيا .. مراته!!!! .. مفكرش في شكلي قدام الناس وهو سايبني مرتين وراح يحب في خطيبته؟!! مهما كان شكل جوازنا ازاي يراعيني ويراعي شكلي حتى قدام الناس .. خايف على مشاعرها وشكلها أوي وأنا مفيش!! .. إنه يفكر في واحدة تانية ويسيب مراته عشانها وتجيله يوم فرحه في اوضته ده تسميه إيه .. لما بيعمل كده أول يوم جواز تسميه إيه .. مش قادر على بعدها للدرجة دي؟! .. عارفة إنه ولا بيحبني ولا طايقني بس على الأقل يحترم مشاعري بدل ما أسمع الكلام السم واللي عمله ده ..
نهضت وذهبت لغرفتها وأغلقت الباب بعنف شديد، صدمة من الجميع ولم يتصور أحد أن يفعل كارق كل هذا، والصدمة الأكبر لنور التي كانت تبكي في صمت، لينهض يوسف منفعلًا:
- والله ما أنا عاتقه .. أنا يعمل في اختي كده؟! .. مش قادر يستحمل الفترة دي ويعمل ما بداله
أوقفه أمير على الفور ليهدأ من روعه قليلًا:
- في إيه يا يوسف مش كده .. كل حاجة ولها حل بلاش التصرفات دي احنا كبار يا اخي
رد يوسف منفعلًا:
- وهي دي تصرفات ناس كبيرة يا أمير .. لما أشوفه بس
صاحت بهم سميحة التي كانت على وشك البكاء ولم تحتمل أكثر من ذلك:
- بس بقى كفاية أنتوا الاتنين .. خلينا نفكر هيحصل إيه دلوقتي
ليصيح بغضب:
- كده كده هيطلقها بعدما هيرجعوا يا أستاذ يوسف .. مش فارقة كتير .. ممكن تهدى بقى شوية عشان كلنا على أعصابها؟!!
نظرت له بعتاب وجلس مكانه في صمت وهو يفكر في كلامها ومعه أمير .. لتلتفت سميحة إليها باهتمام:
- صحيح الكلام ده يا نور؟
ردت نور منفعلة :
- ايوة .. ده أتفاقه مع بابا .. والظاهر كده أن سلمى متعرفش عنه حاجة
ضربت سميحة كف على الأخرى بحزن:
- لا حول ولا قوة إلا بالله .. كان نفسي ربنا يهديهم لبعض مش يطلقوا
ردت نور بحزن:
- أهو اللي حصل .. محدش فيهم طايق التاني ولا عايز حتى يدي فرصة للتاني .. آخر حاحة ممكن أتصور إن طارق يعملها .. ليه كده يا طارق
كل هذا وطارق كان يستمع بشدة واهتمام لكل المحادثة التي جرت، ولا يصدق مع سمعه والضيق والحزن يغلب على قلبه، شعر بأن كل شيء سوف يهدم عما قريب .. يذم سارة في داخله هي السبب في كل هذا لولا وجودها، كان من الأفضل عدم الرد ولكن اشتاق لها، يعتقد بأن لا ذنب لها فيما يحدث ولها حق عليه مهما كان، تحملت معه كل هذا .. أغلق المكالمة وزفر بشدة .
جالسة على فراشها تبكي بشدة، صوتها دوى الغرفة بعدما كانت تكتمه في داخلها كي لا يسمعها أحد من الخارج، كان ينوي فراقها بهذه السرعة، لهذه الدرجة يبغضها فهي خارج دائرة حساباته على كل حال فما الغريب في ذلك إذا؟ ..
مسحت دموعها وقررت هنا المعاملة بالمثل، فلا يستحق منها أي فرصة بعد الآن، فلتمضي الأيام القليلة معه في سلام، ستعود الحرب الباردة في داخلها مرة أخرى وهذه المرة ستكون مستمرة بعد استئنافها، لا يستحق منها أي شيء لن تحن إليه مهما كان .. ستكون أقوى كما كانت ولن يهتز بها شعرة واحدة .. ستعود لحياتها وتباشر مستقبلها حتى لو أدركت بأنه عسير مثل حاضره .
*********************
بعد المكالمة التي أجراها طارق لإيهاب كي يبحث عن سلمى في النادي، فغير متوقع أن تعود إليه مرة أخرى والأدهى بحقيبتها، والمستحيل أن يبحث عنها في منزل والدها ويبدأ بالسؤال عما حدث، طالما تمنت أن تخرج منه بسلام ولن تعود إليه مرة أخرى مهما حدث ومهما كان مدى الخلاف بينهم لن تعود له بقدميها مرة أخرى، وبالتأكيد لن يسأل عنها والديه فغير ممكن أن تذهب إليهم .
لا يوجد سوا مكان واحد من الممكن أن تلجأ إليه وبالفعل وجدها هناك وأطمأن لذلك كثيرًا .. كاد أن يجن مما سمع ولن تعطيه سلمى الفرصة للدفاع عن نفسه كما قالت نور بالتأكيد، يجب أن يشرح لها كل ما حدث ويعرفها بأنه ليس بخائن ولم يفكر بخيانتها، هل حقًا ما حدث يعتبر خيانة ؟! .
وصل أخيرًا منزل سميحة، قرع على الباب لتقوم نور على الفور بفتحه لتجد أمامها اخيها، رمقته بحزن وعتاب وأبتعدت عن الباب قليلًا كي يدخل لينهض الجميع ويقترب منه يووسف مهرولًا ويمسك به من طرف قميصه بعنف وهو يصيح به ويوبخه:
ـ بقى أنت ليك عين تيجي هنا كمان .. مستعجل أوي كنت تستنى لما تربعن وتعمل مابدالك
كاد طارق أن يبدأ المشاجرة ويحاول تخليص نفسه من بين يداه حتى تدخلت نور وأمير لفض هذه المشاجرة ليصيح طارق بصوت عال:
ـ وأنت مالك أنت .. جاي أخد مراتي
صاح به يوسف هو الآخر بعدما كان أمير ونور حائل بينهم:
ـ فاكر نفسك هتاخدها بالساهل !! .. أنت بتحلم يا طارق فاهم .. قلت أنت اللي هنحافظ عليها طلعت أنت وأبوها واحد
صاح طارق به بعنف:
ـ أنا مسمحلكش تشبهني بيه مهم حصل .. أنا مش هاشم الجوهري ولا ممكن أكون زيه يا يوسف .. أنت مش فاهم حاجة .. وحسك عينك تدخل بيني وبين مراتي إلا لما تفهم الموضوع من أوله
قامت سميحة لتتدخل وتفض النزاع طالما فشل أمير ونور في ذلك:
ـ بس بقى عيب عليكوا أنتوا الاتنين .. ميصحش كده يا يوسف مهما كان جوز اختك وضيف في بيتي .. تعالى يابني أقعد
وجهت جملتها الأخيرة لطارق الذي جلس بجوارها، فهو يرى أنها الشخص الوحيد بينهم المتمتع بالعقل والحكمة في الظروف المماثلة لتقول بجدية:
ـ زي ما سمعناها نسمع منه ونصلح الأمور ما بينهم .. يا سلمى تعالي يا بنتي جوزك هنا
كانت سلمى بالخارج تستمع ما يحدث من مشاجرة منذ البداية إلى أن قامت سميحة بالنداء عليها، لتخرج وهي في قمة هدوءها وبرودها الذي أعتاد وتركها عليه من قبل:
ـ أفندم .. جاي ليه وعايز إيه يا طارق ..
رواية صفقة حب الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم شيماء جوهر
كانت سلمى بالداخل تستمع لما يحدث من مشاجرة منذ البداية، إلى أن قامت سميحة بالنداء عليها، لتخرج وهي في قمة هدوئها وبرودها الذي اعتاد وتركها عليه من قبل:
أفندم .. جاي ليه وعايز إيه يا طارق .. رجوع معاك مش راجعة عشان نبقى واضحين .. هفضل هنا لحد ميعاد الطيارة.
اقترب منها وقال وهو يحاول أن يتمالك أعصابه:
استهدي بالله وارجعي معايا .. أنتِ مش فاهمة حاجة .. لينا مكان نحل فيه مشاكلنا سوا.
عقدت ذراعها وقالت بهدوء:
مفيش مبرر للي شوفته وسمعته يا طارق .. بعد إذنك سيبني على راحتي.
ولت ظهرها متجنبة الحديث معه، ثم نظر إلى سميحة معاتبًا:
عجبك كده!! .. والله في سوء فهم في الموضوع.
ربتت سميحة على منكبها وقالت:
خلاص يا طارق سيبها براحتها.
نظر لهم جميعًا بضيق وعلى سلمى بعتاب وأردف قبل أن يغادر:
ماشي يا سلمى .. براحتك.
خرج طارق وصفع الباب خلفه لتسقط دمعة من عينيها، وتعود مرة أخرى لغرفتها وتغلق الباب بقوة.
يسود الصمت بينهم والحزن العام للجميع .. بعد قليل نهضت نور على الفور:
لازم أمشي دلوقتي يا طنط .. هاجي بليل أطمن على سلمى .. أنا عارفة إنها مش قابلة كلام من حد فينا دلوقتي .. أنا حاسة بيها وعذراها.
أومأت سميحة بحزن وقالت:
خلي بالك من نفسك يا حبيبتي .. ربنا يصلح ما بينهم الحال.
نهض أمير هو الآخر وعيناه منصبة لنور قائلًا:
وأنا يادوب ألحق الشغل .. وهوصل آنسة نور على سكتي.
تفاجأت نور من قراره ثم قالت بخجل وارتباك:
لا طبعًا شكرًا يا أستاذ أمير أنا معايا عربيتي متتعبش نفسك.
ابتسم أمير وقال بود:
يبقى ننزل سوا .. سكتنا واحدة.
نظرت ليوسف بلامبالاة وقالت:
تمام مفيش مانع.
كان يوسف الغيرة تأكل قلبه أكلًا، ودعت سميحة وخرجت على الفور بصحبة أمير.
ليلتفت يوسف إلى سميحة ويصيح بضيق شديد:
عجبك اللي بيعمله ابنك ده؟!
ردت سميحة وهي تدعي عدم الفهم:
هو عمل إيه يابني!!
تعصب وثار غيرته وهو يغادر المكان بغيظ:
يوووووووو مفيش.
تركها ودخل غرفته هو الآخر لتضحك سميحة بشدة على حاله، فخطتها تسير على ما يرام وقد تأكدت الآن بأنه بالفعل يحبها ويغار عليها.
**********************
ظلت تسير ذهابًا وإيابًا في الغرفة تفكر في الحياة ومعاملتها مع طارق في الفترة القادمة، أحسنت القرار عندما رفضت الرجوع معه بعدما فعله، لابد وأن تأخذ موقف حاسم وتجعله يعرف بأن ما حدث ليس بأمر عابر ولا عادي لتضعه جانبًا وتمر بحياتها .. يجب أن يدرك أن كل فعل له رد فعل أصعب من الفعل ذاته الذي صدر منه.
ما زالت على موقفها حتى تجعله يرى من هي سلمى الجوهري، لن تعود بأيامها كأبيها أبدًا مهما كان ومهما دفعت الثمن مقابل ذلك.
*********************
منذ وصوله إلى الفندق وهو لا يريد الصعود إلى جناحهما، كلما بقي بالأعلى تذكرها وتذكر خلافاته معها، ولا يريد أن يجلس في كافتيريا الفندق ليتذكر سارة والموقف السخيف صاحب تلك المشكلة، ولا يستطيع أن يجلس هكذا بمفرده حتى المساء، وإن علم والداه ما حدث سوف تحدث مشكلة كبيرة بالفعل ويستمع لكلمات حادة هو في غنى عنها، فلا يعرف إلى أين يذهب الآن وأصبح في حيرة، إلى أن جاء لخاطره فكرة عن مكان طالما أحب الجلوس فيه، فخرج من الفندق وبدأ في طريقه المنشود.
*******************
حاولت مرة بعد مرة ولكن دون جدوى، يبدو أن بنزين السيارة قد نفذ بالفعل، والمؤشر أصبح أحمر اللون كنوع من الإنذار في مثل هذه الحالات الطارئة .. زفرت بقوة وضيق على هذا الوضع الذي لا تُحسد عليه، فخرجت من السيارة بعدما تناولت حقيبتها كي تبدأ في انتظار سيارة أجرة.
قبل أن يشرع في القيادة لاحظ سكونها داخل السيارة مدة ليست بطويلة ولكن كانت كفيلة بأن تتحرك منذ عدة دقائق .. وتعجب أيضًا عندما رآها تخرج من السيارة وفي حالة تأهب لاستئجار سيارة.
خرج هو الآخر واقترب منها كي يطمئن عليها، لتتفاجأ هي بهطوله عليها وهو يقول باهتمام:
خير يا آنسة نور اللي حصل؟
ردت نور بإحراج شديد:
خير متقلقش .. البنزين خلص بس مش أكتر .. هوقف تاكسي دلوقتي.
أسرع أمير مردفًا بمرح:
تاكسي وأنا موجود .. عايزة سميحة هانم تاكل وشي ولا إيه.
ضحكت رغمًا عنها من أسلوبه، لأول مرة تراه يمزح بالرغم من شخصيته الجادة دومًا كضابط شرطة لترد بإحراج:
مفيش داعي يا حضرة الظابط .. مش عايزة أعطلك عن شغلك.
ابتسم أمير على الأقل استطاع رسم البسمة على وجهها الحزين، ليرد بنفس الطريقة:
لا حضرة الظابط إيه هو أنتِ جاية تعملي محضر في القسم .. مفيش بينا تكليف ثم لسة قايل من شوية أنك على سكتي يعني مفيش عطلة ولا حاجة.
بعد مناوشات طالت بينهم استقلت نور السيارة وهي في منتهى الخجل، طوال الطريق وهي صامتة، حزينة تفكر فيما حدث في هذا اليوم العجيب المليء بالمفاجآت، لا تتصور بأن أخيها التي تعرفه جيدًا يكون هكذا، لا لا بالتأكيد يوجد سوء فهم.
لاحظ أمير شرودها وهو يتفقدها بين الحين والآخر، حاول كثيرًا أن يكسر الصمت الحاجز بينهم ويتحدث إليها كي يشغلها عن التفكير قليلًا ولكن لا يعرف ماذا يقول، إلى أن خرجت نور إلى الواقع بصوت أمير:
الحمد لله احنا أحسن من الأول بكتير.
التفتت إليه نور بعدم فهم:
نعم!! .. بتتكلم على إيه؟
رد وهو يقود دون النظر إليها:
سلمى وطارق .. أنا شايف إن وضعهم حاليًا أحسن بكتير ما كانوا عليه من قبل الجواز .. أي نعم في مشاكل بعده بس على الأقل محدودة في نطاق علاقتهم ببعض خارج عن الشركات وصفقاتها .. خرجت من رحمة خالي وجبروته .. فهماني؟
أومأت نور وأردفت بحزن:
في دي معاك حق .. المشاكل خفت شوية ونقدر نسيطر عليها بس المختلف هنا أن خلافاتهم بقت أصعب لما تكون في إطار علاقة جادة زي الجواز، الخلافات ساعات بتكون حساسة شوية لدرجة أنها بتوصل للخيانة .. وده اللي مش قادرة أصدقه ولا استوعبه لغاية دلوقتي .. حاسة أن في حاجة غلط.
أيد أمير كلامها:
فعلًا .. احنا حتى ملحقناش نسمع منه .. سلمى مدتلوش فرصة .. كل حاجة هتبان.
تنهدت نور بحزن وهي تميل برأسها على زجاج النافذة بجانبها:
يا رب بقى .. ربنا يهديهم لبعض.
ابتسم أمير وقال وهو ينظر إليها:
يا رب.
خيم الصمت مرة أخرى حتى وصلت نور منزلها، ودعها أمير وذهب هو إلى عمله.
دخلت نور وألقت السلام والتحية على والدتها دون أن تقص شيء عما حدث في منزل السيدة سميحة، فقط طمأنتها على سلمى بأنها بخير بصحبة زوجها، وهي تدعو الله أن يسامحها على هذا الكذب، لتشعر تهاني من نبرة صوتها ووجهها الحزين بأنه هناك خطبًا ما ولا تريد التطفل عليها.
********************
الساعة السابعة، موعد التحرك إلى المطار الآن، فكرت سلمى كثيرًا في التراجع عن السفر ولكن قررت أن يسير كل شيء بشكل طبيعي دون أي عواقب توقفه حتى تنتهي من ذلك الكابوس للأبد.
حزمت أغراضها وأوعيتها وبدلت ملابسها في انتظار أمير .. نور طيلة الوقت وهي تهدأ من روعها قليلًا وتحاول تحسين سيرة طارق أمام عينيها، ولكن سلمى آذانها مغلقة لا تريد سمع أي شيء بعدما سمعت ورأت بعينيها.
فحملت حقيبتها وخرجت هي ونور ليجلسن مع سميحة ويوسف متجنبًا نور وجالسًا في غرفته .. بعد خمسة عشر دقيقة وصل أمير وعلى ثغره ابتسامة صغيرة وهو يقترب منها قائلًا بمزح:
الله الله ده أنتِ مجهزة شنطتك ومستعدة على الآخر ... للدرجة دي مش قادرة انتظاره.
رمقته سلمى بغضب شديد وبنبرة أشد:
أمير مش ناقصة ظُرف الله يباركلك خليني أخلص.
ضحك أمير بشدة:
ههههههههههههههه بهزر معاكِ يا بنتي ... بحاول أطلعك من اللي فيه ده.
نظرت له سلمى بضيق ولم ترد، فقط تنهدت بقوة وشردت قليلًا لتقول:
أطمن يا أمير أنا هبقى كويسة.
جلس بجوارها وقال وما زالت تلك البسمة موجودة على ثغره:
مش هطمن غير لما أشوفك سلمى بتاعة زمان .. اللي ابتسامتها مكنتش بتفارقها أبدًا.
ارتسم على شفتيها بسمة جانبية متهكمة، تصحبها خيبة أمل ولمعة طفيفة في عينيها:
قول للزمان ارجع يا زمان.
ضحك وأكمل بمزاح:
ياااااختيييي دراما كوين يا ناس .. يا بنتي فكي كده وطلعي عينيه .. عايزة يلف حوالين نفسه .. سوري يا آنسة نور.
ابتسمت نور وضحكت سلمى بالرغم عنها وقالت:
هيحصل متقلقش.
أوبخته سميحة بعتاب:
بقى كده يا أمير!! بتحرضها على إيه يابني .. ربنا يهدي سرهم.
ضحك أمير وقال:
أحسن خليها تربيه عشان يعرف إن الله حق .. أنا هتصل بيه عشان نتحرك.
تناول هاتفه وقام بمهاتفته، وسلمى كانت في حالة اللامبالاة وهو يتحدث إليه، ونور كانت تشعر بالحزن الشديد على أخيها .. ثم نهض أمير وتحدث إليها:
يلا يا سلمى .. شكله قاعد على نار مستني.
نهضت سلمى وودعت عمتها بشوق، فقط ألقت نظرة سريعة على يوسف والدموع في عينيها، وحاولت نور أن لا تنظر له على الإطلاق وهذا التصرف يثير عصبيته.
*********************
بعد أن استقل الجميع السيارة، ركبت نور بجانب أمير بناء على طلبه ليجد طارق مساحة للجلوس بجانبها والتحدث إليها.
مروا على الفندق وبمجرد أن أنهى أمير معه المكالمة خرج طارق بحقيبته، فساعده أمير بوضعها وانطلقوا جميعًا إلى المطار، حالة من الصمت الشديد بين طارق وسلمى، هي تتجاهله تمامًا ولا حتى تنظر له نظرة واحدة، وهو لا يعرف ماذا يقول وبأي حديث يمكن البدء به فصمت هو الآخر.
فلم يجدوا صوت سوى لنور وأمير تلطيفًا للجو العام إلى أن وصلوا .. دخلوا معًا في صالة الانتظار واختلى به أمير يلقيه الوصايا العشر لسلمى، ولم يروقه الحديث بكل تأكيد، كذلك في الجانب الآخر قامت نور بدورها ولكن دون استجابة من ناحية سلمى، دقائق وقاموا بوداعهم وظلوا بمفردهم هم والصمت وحده.
********************
ودعت نور أمير أمام باب الفيلا بابتسامة صغيرة ودخلت، كانت تنظر لهم من النافذة بالأعلى تهاني .. خرجت تهاني لاستقبالها لترى ابنتها في حالة نوعًا ما جيدة، اقتربت منها نور واحتضنتها وقامت بتقبيلها وطمأنتها على طارق وسلمى بأنهم حاليًا بالمطار.
دخلت نور غرفتها وبدلت ملابسها وأرخت جسدها على فراشها وهي تفكر في الثنائي المنكوب وكيف ستكون حياتهما في الخارج معًا، ولكن على يقين بأن سلمى لن تفتعل مشكلة وهما بالخارج.
دعت الله بأن يهدي كل منهما للآخر ويقرب فؤادهما لبعضهما البعض، فهي أشد من حولهما تريد استمرار هذه الزيجة حقًا.
عاد أمير هو الآخر وكانت في انتظاره يوسف على نار أحر من الجمر، جلس على أقرب مقعد وبعد قليل انضمت لهم سميحة في تساؤل واهتمام:
- طمني يا بني إيه الأخبار؟
رد أمير بهدوء:
- من ساعة ما ركبنا العربية لغاية المطار وهو كل واحد متجنب الثاني تمامًا من غير ولا كلمة .. كأنهم واكلين سد الحنك .. قعدت أنا ونور نتكلم ونعمل حس في العربية نغير الجو شوية بس الظاهر مفيش فايدة
ردت سميحة بحزن:
- والله البنت دي صعبانة عليا .. لا أب ولا أخ معاها .. ولا حتى جوازة هي عايزاها .. بس أرجع وأقول حكمة من ربنا على كل حال .. يمكن لسة ما خدوش على بعض
كان يسمع يوسف هذا الحديث بتأثر وشعر بأنه تخلى عنها في أكثر موقف كانت تحتاج إليه ولم تجده، كان يشعر به أمير كثيرًا ويعرف ما بداخله، ليربت على ساقه قائلًا:
- عارف إنك مضايق من اللي حصل .. وإنك ماقدرتش تيجي توصلها من ساعة اللي حصل بينكوا بعد ما رجعت .. ببساطة سلمى كانت حاسة بالأمان معاك كنت سندها وضهرها اللي ما لاقتهوش في أبوها وجيت فجأة ضيعت كل اللي عملته في موقف واحد .. لما طالبت برجوعها بقسوة كأنك نسخة من خالي بالظبط .. كأنها شايفة إنسان تاني هي ما تعرفوش .. ببساطة اتخليت عنها وحزينة جدًا من الحال اللي وصلتوا ليه .. أوعك تفتكر إن سلمى مبسوطة باللي حصل ولا فارق معاها .. لا يا يوسف سلمى بتتقطع من جواها وأنا حاسس بيها من نظرتها وهي بتودعك كانت مليانة بعتاب وخوف وحزن
رد يوسف بانفعال، فلم يتحمل أن يستمع لكل هذا:
- أنا عارف يا أمير كل ده أنا عارف .. أنا ذات نفسي ما عرفش إزاي اتعاملت معاها بالشكل ده .. كانت متوقعة مني حاجة وخذلتها وندمان أشد الندم إني ضيعت علاقتي بأختي وقربنا ببعض بالشكل ده .. عايز أرجع سلمى .. عايز أرجع أختي الصغيرة لحضني ومش عارف وأنا مضايق وتعبان بسبب الموضوع ده
ابتسمت سميحة وقالت بحنو:
- ما تقلقش يا يوسف .. أنت عارف سلمى قلبها طيب قد إيه وهتسامحك .. دي ما لهاش غيرك يا بني .. الحمد لله إننا اطمنا عليها ...يلا أنا هسيبكوا وأروح أريح شوية .. تصبحوا على خير
منذ وصولهم إلى المطار كانت هناك سيارة في انتظارهم لتنقلهم إلى الفندق المقيمين به بفرنسا، إلى أن وصلوا إلى الفندق المنشود ومنه إلى جناحهما وهما في حالة من الصمت التام، استكمالًا للصمت الذي حاصرهم في الطائرة.
مجرد دخولهم الغرفة نظرت سلمى حولها تتفقدها، تركت حقيبتها الشخصية جانبًا انتزعت حذاءها وقامت بحمل الحقيبة ووضعها فوق الفراش وأحضرت منها ملابس بيتية ثم دخلت الحمام، كل هذا حدث في منتهى الهدوء التام دون أدنى كلمة وعلى دهشة وغرابة من طارق على ردود أفعالها منذ ما حدث في مصر.
شرع هو الآخر في تغيير ملابسه، إلى أن خرجت سلمى وجلست على المقعد أمام المرآة وقامت بتجفيف شعرها الذي انبهر بطوله، لأول مرة يرى شعرها منسدل أسفل ظهرها بهذا الشكل، تبدو فاتنة وجميلة، مشطت شعرها.
وعلى الفور اتجهت نحو الفراش وتناولت غطاء خفيف ووسادة صغيرة واتجهت إلى الأريكة الكبيرة الموجودة على بعد من الفراش، ليعقد طارق حاجبيه في دهشة من فعلها:
- إيه ده أنتِ بتعملي إيه؟
ردت ببرود وهدوء تام دون أن تنظر إليه:
- واحدة قاعدة على الكنبة ومعاها كوفرتة ومخدة هتكون بتعمل إيه مثلًا! .. هنام فيه مشكلة؟
وقبل ما تقول حاجة ونعيد الأسطوانة بتاعة أول يوم أنا هنام هنا واتفضل سيادتك على السرير .. أنا مجهدة من السفر وعايزة أنام بعد إذنك
استشاط طارق غضبًا من أسلوبها، فقام بجذبها نحوه بشدة وهو يقول بغضب وعيناه قابلت عيناها المليئة بالغضب والتحدي:
- وبعدين معاك يا سلمى مش هتبطلي بقى اللي بتعمليه ده واتكلمي عدل
انتزعت يداها من قبضته وقالت وهي تنظر لعيناه بكل تحدي وضيق وعيناها بدأ الدمع يتكون فيها:
- اسمع يا طارق.. أنت تحمد ربنا إني وافقت أكمل وأسافر بعد اللي حصل .. كان بسيطة أوي بالنسبة لي إني أركب دماغي وما أسافرش معاك .. بس قلت خلي اليومين دول يعدوا على خير .. فيا ريت من هنا لحد ما نرجع مصر تخلي السفرية لطيفة على قد ما تقدر ويا ريت ما لكش دعوة بيا أنام في المكان اللي يريحني .. وسيبني بقى عشان عايزة أنام
تركته وتمددت على فراشها ثم استدارت بجسدها واصطنعت النوم وبدأت الدموع تنسدل بغزارة من مقلتيها، تركته يقف في مكانه يتذكر ويعيد حديثها ونظرة عيناها الثابتة .. زفر بشدة وتمدد بجسده على الفراش وحاول النوم.
في صباح اليوم التالي استيقظ طارق فلم يجد سلمى معه بالغرفة، أول شيء جاء في خاطره رد الفعل الذي فعله هو من قبل، وبعد ذلك تنافى هذه الخاطرة بأن من المستحيل أن ترد له سلمى ما حدث .. ذهب إلى الحمام فليتأكد من ظنونه وقرع عدة طرقات ليسمع صوتها آتيًا من الداخل:
- أيوه يا طارق في حاجة؟
اطمأن وزفر بشدة ثم قال:
- لا أبدًا بس بأطمن
اندهشت سلمى ولم تعلق .. خرجت بعد دقائق ثم جلست على الأريكة تتفقد هاتفها بينما هو يحاول أن يلطف الجو العام بينهما قليلًا:
- تحبي تفطري هنا ولا ننزل تحت؟
ردت وعيناها في هاتفها:
- ما بأفطرش أول ما بأصحى من النوم .. ساعة كده .. عايز تاكل أفطر أنت
لم تعره أي اهتمام فجلس على الفراش وتفقد هاتفه هو الآخر بإحدى مواقع التواصل الاجتماعي إلى أن مرت ساعة، شاهدها وهي تنهض وتقوم بفتح خزينة الملابس واختارت رداء أبيض "منفوش" قليلًا يتوسطه حزام باللون البني الفاتح وحذاء بنفس اللون ذو الكعب العالي حوالي 3سم، ثم ارتدت حقيبة صغيرة من نفس اللون وصففت شعرها للأعلى وكانت أنيقة لينظر لها بدهشة ثم يقول:
- إيه ده أنتِ رايحة على فين كده؟
دون أن تنظر إليه قالت:
- نازلة أفطر هستناك تحت .. سلام
خرجت على الفور دون أن تنتظر رده وهو يقف الغضب يملئه بشدة من تصرفاتها التي زادت عن حدها، بدل ملابسه ونزل يبحث عنها إلى أن وجدها، جلس معها وبدأوا في تناول الإفطار.
بعد ذلك أخذها إلى جولة في معالم باريس والتقطوا صورًا كثيرة، وكانت سلمى تشعر بأنها تعيش لأول مرة، حرة تركض وتتحدث مع أهل البلدة وكانت هذه أول مفاجآت سلمى لطارق، فهي تتحدث الفرنسية بطلاقة.
ركبوا معًا الدراجات وصعدوا أعلى برج إيفل، هذا البرج الحديدي الذي يبلغ ارتفاعه 327 مترًا منذ 8 مارس 2011، والذي أصبح هذا المنشأ رمز العاصمة الفرنسية والرمز السياحي الأول فيها، ويمثل تاسع موقع فرنسي الأكثر زيارة.
في منتصف اليوم وتناولوا الغداء في إحدى المطاعم الموجودة به .. كان يوم جميل للغاية وفي كل لحظة كان يرى طارق سلمى لأول مرة في حياته، سلمى التي يعرفها الجميع منذ زمن .. تلك الفتاة التي تتمتع بالنشاط والحيوية، البسمة لا تفارق شفتيها قط، تركض من هنا إلى هنا في مرح وفرحة كأنها طفلة في العاشرة من عمرها، لأول مرة يرى ابتسامتها وشغفها بالحياة، كأنها عادت إليها للتو، كأنها ولدت من جديد.
تشعر بأنها سلمى التي دفنت بداخلها وقامت بنسيانها من ذاكرتها للأبد قد عاد جزء منها، تشعر بالحرية .. تشعر بالحياة من جديد، سنوات عديدة لم تتنزه أو تسافر منذ وفاة فريدة وهي حبيسة قوقعة داخلها، اندهشت من الشعور الذي راودها للحظة، لم تر طارق مطيعًا ومبتسمًا معها مثلما شاهدته اليوم، لم يعارضها على أي شيء تقوله بل العكس كان يؤيدها ويتركها تفعل ما يحلو لها دون إزعاج منه أو حتى يشعرها بالضيق، على الرغم من هذا الشعور أسعدها كثيرًا ولكنها كانت تشعر بالقلق من هذا التغير المفاجئ الذي جد على شخصيته، ولا تعرف حقًا إن كان هذا تغيرًا أم هو جزء من شخصيته التي لا تعلم عنها شيئًا؟ .. أزاحت كل الأفكار والتساؤلات جانبًا الآن وأرادت فقط أن تعيش تلك اللحظات البديعة التي لن تتكرر بعد ذلك بنفس تفاصيلها مرة أخرى، هكذا تعتقد ..
مر اليوم بسلام وراحة غير عادية للطرفين، وكل منهم قد تناسى ما يحمله للآخر ولو بشكل مؤقت، بل كل منهم يستمتع باللحظة والفرحة بداخله مع الطرف الآخر كأنه يراه لأول مرة، يا له من شعور غريب يملكهم ويسيطر عليهم دون مبرر واحد ولا يعرف أحدهم السبب حتى الآن.
إلى أن جاء المساء كانوا يتجولون في شوارع باريس العتيقة وتناولوا الحلويات معًا، وأخيرًا جلسوا في إحدى الكافتيريات أمام منظر بديع، تموج المياه ليلًا مع انعكاس خفيف من نور القمر أعطاه صورة جمالية بديعة مع ألوان الأنوار المضاءة حولهم.
كانت سلمى جالسة في سلام تستمتع لهذا المنظر البديع وشاردة في عالم آخر إلى أن أخرجها صوت طارق قائلًا:
- مالك سرحانة في إيه؟
ابتسمت وردت بنبرة حزينة:
- المكان ده فكرني بأمي أوي .. كانت آخر مرة سافرنا وجينا هنا وما كناش عايزين نرجع مصر لولا شغل هاشم بيه
حزن من نبرة صوتها واشتياقها لوالدتها، وتلك الكلمة الأخيرة التي لم تستطع أن تقول "بابا" مثلما كانت تفعل من قبل .. قرر أن يتغاضى عن تلك الكلمة حتى لا تنزعج وتتغير حالتها المزاجية فقال بهدوء:
- عشان كده كنتِ حابة نسافر هنا؟
أومأت باسمة دون النظر إليه، ابتسم هو الآخر وقال بصدق:
- مش آخر مرة هتيجي هنا إن شاء الله
اكتفت سلمى بابتسامة صغيرة وظلت صامتة تستمتع بالمنظر فقط وأصوات آلة الكمان حولها.
عادت نور من الكلية بعدما استعادت قوتها لاستكمال ما بدأت، فقد فاتها الكثير هناك .. وجدت سميحة تجلس أمام المسبح مكانها المفضل، دون أن تشعر لها اقتربت منها وطبعت قبلة على وجنتها لتتفاجأ تهاني وتنظر جانبها لتجد نور، ابتسمت ومسكت يداها وجعلتها تجلس بجانبها:
- عاملة إيه النهارده يا حبيبتي.. أحسن؟
ابتسمت نور وهي تومئ برأسها إيجابًا، لتستكمل تهاني حديثها:
- أنا مبسوطة إنك رجعتي كليتك من تاني يا نور
ابتسمت نور وقالت:
- كان لازم أعمل كده وإلا السنة هتروح عليا .. بالي مشغول بسلمى وطارق أوي .. بأفكر أكلمهم أطمن عليهم
ردت تهاني وقالت:
- عندهم ليل يا حبيبتي .. سيبيهم براحتهم
شردت قليلًا ثم قالت مؤيدة:
- آه صح
نظرت لها تهاني وقالت وهي تحاول نبش أعماقها:
- ألا قولي لي يا نور أخبار مدام سميحة إيه؟
ابتسمت نور وردت:
- كويسة يا ماما الحمد لله .. هي بس زعلانة على اللي بيحصل مع طارق وسلمى وعلى طول بتدعي لهم
استكملت سميحة بنفس النبرة:
- طب وابنها .. أمير .. أخباره إيه؟
تلاشت البسمة فجأة من ثغرها ونظرت لوالدها وقلبها يدق ولا تعرف السبب:
- ماله يا ماما ..
كويس يعني هيكون ماله.
شعرت بتوترها فقالت برفق:
- في حاجة يا نور؟
ردت نور بجدية وهي تصطنع البسمة، وهي تشعر بمغزى سؤالها:
- لا يا ماما مفيش حاجة.. وأطمني مفيش حاجة بيني وبين أمير أبدًا.. مش ده اللي كنتِ عايزة تتأكدي منه؟.. اللي خلاكِ تقولي كده؟
شعرت بأنه الموقف الذي حدث بينها وبين أخيها لا يزال يؤثر عليها، وتعتقد بأنها تقارن بينهم:
- ماقصدش يا نور.. كل الحكاية إني شايفاه مهتم اليومين دول بيكِ فبطمن.
رفعت نور حاجبها باستنكار ولا تصدق منطقية حديثها، لترد بعدم فهم:
- نعم!!.. على التوصيلة اللي ما تعدتش مرتين خلاص عملتيه مهتم.. كل مرة ولها ظروفها اللي أدت يحصل كده.. أومال ما قولتيش على يوسف كده ليه وأنا أغلب الوقت معاه في الشركة وجاية تتكلمي على أمير!!.. في إيه يا ماما مالك يا حبيبتي؟... أنتِ غريبة أوي النهارده.. عن إذنك.
صعدت نور غرفتها مستنكرة تفكير والدتها، ما الذي دفعها كي تفكر بهذه الطريقة؟
لم تعر حديثها أي اهتمام وقررت أن تمضي فيما بدأت فيه، فأخرجت من حقيبتها بعض الأوراق وبدأت في المذاكرة لتستعيد كل ما فاتها في الفترة السابقة.
*********************
نظر لها بعد وقت ليس طويل فوجدها قد غفلت في مكانها، ابتسم ولأول مرة يتأملها وهي نائمة، وجهها صغير كالطفلة تركت على ثغرها بسمة طفيفة وذهبت في حلم جميل، لم يرد أن يوقظها ولكن تأخر الوقت فاقترب منها وربت على منكبها برفق وصوت هامس:
- سلمى.. سلمى اصحي.
فتحت عيناها في ذعر وهي تلتفت حولها:
- إيه في إيه؟
هدأ من روعها قليلًا وقال بهدوء:
- اهدي ما فيش حاجة.. غفلتِ شوية قومي يلا عشان نروح.
ردت بنبرة ناعسة للغاية وبطريقة طفولية:
- لا خلينا شوية كمان مش عايزة أروح.
ابتسم طارق من طريقتها الطفولية وقال وهو يمسك بيديها:
- أنتِ نايمة على نفسك أصلًا.. يلا قومي نبقى نيجي في يوم تاني.
استسلمت له ونهضت معه وهي ناعسة بشكل تام وغير واعية بما يحدث حولها، نظر لها في قلق وأوقف سريعة أول سيارة أجرة تسير أمامه، وبالفعل استقلوا أحدهم وبمجرد أن جلسوا عادت سلمى للنوم مرة أخرى.
وصلوا إلى الفندق وهي ناعسة تترنح وهو يسير على سيرها، يضم منكبيها بين ذراعه ومنه إلى جناحهما.. بمجرد دخولهم ابتعدت عنه بهدوء وهي غير متزنة في الحركة، إلى أن سقطت فوق الأريكة كالجثة الهامدة، حاول أن يوقظها كي تبدل ملابسها على الأقل ولكن لا حياة في من تنادي، غشيت في سبات عميق، خلع عنها حذاءها وجلس القرفصاء أمامها يتأمل هذه الطفولة الجميلة النائمة أمامه بكل سكون واستسلام، أزاح الشعر عن وجهها ويزداد تأمله لها والابتسامة على ثغره تزداد أكثر وأكثر، شيئًا ما يدفعه نحوها إلى أن اقترب أكثر وطبع قُبلة على جبهتها برفق، فابتعد وتعجب كيف فعل هذا.. وعاد إلى فراشه بعدما بدل ملابسه وهو يشعر بالغرابة من انحراف مشاعره فجأة عندما اقترب منها وهذا ما كان لا يريده.
********************
في الجانب الموازي، منذ زواج سلمى ونيل المراد قد تبدلت أحواله مئة وثمانون درجة، أصبح يتردد على الشركة أكثر من قبل ويبقى فيها لساعات متأخرة من الليل، وأحيانًا يخرج بعد إنهاء الموظفين من فترة عملهم.
تكاثرت الأقاويل بينهم وعلى الأرجح لا أحد يعرف سر تأخره لأوقات متأخرة في الشركة بهذه الطريقة..
يترنح بمقعده ذي العجلات السريعة يمينًا ويسارًا والبسمة مزينة على ثغره، في يده اليمنى هاتفه والأخرى سيجار يستنشق منها ويزفر بكل ضيق وحذر وهو يتحدث إلى الطرف الآخر.
- المهم.. بقية الشحنة هتوصل أمتى؟
- على فترات متباعدة زي ما اتفقنا.
- العين قربت تبقى علينا خد بالك.. والموظفين في الشركة بدأوا يشكوا.. ما تبعتها مرة واحدة ونخلص مش خلاص شرطك اتنفذ!!
- لا يا حبيبي ما اتفقناش على كده.. سبق وأخللت بالاتفاق وعملت اللي في دماغك.
- مش شغلك.. أنت ليك إنك تاخد فلوسك إنما أنت كده بتنقطني بيهم كأنك بتتلكك.
- ههههههههههههه ظنك وحش أوي.. البضاعة المرادي نقاوة وحياة اللي ضحت عليا بيها.. عمومًا الشحنة الجاية هتوصل بعد نص الليل في نفس الميعاد.. حرص بس من العيون اللي معاك.. لإني لو وقعت مش هقع لوحدي..
والمستمع بالصدفة البحتة كان في هذا الوقت محمود، الذي أتى بناء على طلب من هاشم في أمر لا يستدعي الحديث فيه عبر الهاتف، مع إن لم يكن لمحمود العودة لهذا المكان ولا التعامل معه بعدما حدث، ولكن من بدأ في شيء يجب أن يستمر فيه ويقوم بإكماله حتى النهاية.
شرع محمود في قرع الباب سمع صوت محمود من الداخل وكانت نبرته عالية لدرجة من يقترب من الباب بشدة يسمع ما يقول.. جذبه الحديث وتعجب من أمره، من الذي يتحدث معه بهذه اللهجة.. فلم ينتظر أكثر من ذلك وقرع على الباب وبوادر من الشك تسربت إلى قلبه، ثم دخل ليرحب به هاشم وينهي سريعًا تلك المكالمة مع هذا المجهول بارتباك خفي ولكن لاحظه محمود وهو يقرأ تعابير وجهه المتغيرة فجأة، جلس محمود وقال بجمود:
- مسيبتِ شغلي وأكل عيشي عشان مش راضي تتكلم في التليفون.. اديني جيت أهو يا سيدي ها.
ابتسم هاشم بلامبالاة وقال:
- تشرب إيه الأول.. أنا جبت نوع بن إنما إيه معتبر لازم نجربه مع بعض.
انفعل به محمود ولم يستطع التحمل أكثر من ذلك:
- مش عايز زفت.. خلصني وقولي شحنة الصفقة هتيجي أمتى؟
حاول هاشم أن يكون طبيعيًا وقال بنوع من المرح:
- يا سيدي اللي كنا مستعجلين عشانهم خلاص اتجوزوا.. فمستعجل على إيه دلوقتي؟
رد محمود سريعًا بعدم فهم:
- يعني إيه؟
أردف هاشم بنبرة شبه جادة:
- يعني خلاص شرطهم واتنفذ البضاعة تيجي وقت ما تيجي.
لم يروق له هذا الحديث على الإطلاق ليقول بضيق:
- ده على أساس عقدين الصفقة دي جواز الولاد مش أدوية!!.. اللي أنت بتقوله ده!!.. مش فيه ميعاد بالتسليم ولا هي سايبة؟
رد هاشم وهو يخفي توتره:
- لسه باعتين لي فاكس إن الشحنة هتتأخر شوية في المينا.. الجمرك شادد عليهم شوية.
لم يقتنع محمود على الإطلاق، فقرر أن يسير معه في نفس الاتجاه لكي يحل اللغز الذي أمامه:
- ماشي يا هاشم يا ريت أول ما يحددوا ميعاد التسليم أمتى بلغني.. عايز أخلص من الشبكة السودة اللي ورطتني فيها دي.
قالها وهو ينهض ويهم بالخروج، بمجرد أن أغلق الباب الابتسامة على وجه هاشم قد هوت واحتلت مكانها بسمة خبيثة ونظرة ما يقال عنها بعثت بالشر.
*********************
لم يستطع محمود أن يعود للشركة مرة أخرى، فذهب إلى منزله وأثناء الطريق يفكر إلى أن وصل.
اندهشت تهاني من رجوعه مبكرًا، فاقتربت منه وقالت بتساؤل:
- اللي رجعك بدري يا محمود مش عوايدك يعني؟
رد باهتمام كأنه لم يسمع سؤالها:
- نور فين؟
اندهشت من حاله وردت على الفور بغرابة:
- فوق.. إيه اللي حصل؟
- تعالي وأنتِ تعرفي.
قالها وهو يتجه نحو السلم وتتبعه تهاني بقلق وعدم فهم، قرع على غرفة نور ثم دخلا، لترفع رأسها الأخيرة في اندهاش وتساؤل:
- خير يا بابا.. في حاجة؟
اقترب محمود من فراشها وجلس على طرفه وبدأ بتساؤل واهتمام ونور منصتة له جيدًا:
- أنتِ طبعًا كنتِ بتشتغلي مع سلمى في الشركة في الفترة اللي كان فيها هاشم بغيبوبة.. وطبعًا ده الوقت اللي سلمى بقت مكان أبوها في الصفقة الأخيرة.. مش كده؟
نظرت نور لوالدتها بتساؤل ما الذي يحدث ثم نقلت نظرها لأبيها وردت:
- أيوه.. أنا مش فاهمة حاجة إيه اللي حصل؟
أكمل تساؤلاته وتظهر على قسمات وجهه القلق:
- طيب متعرفيش الشحنة بتيجي للشركة أمتى؟
ردت نور ببلاهة وما زالت لا تفهم شيئًا:
- تقريبًا الشحنة بتوصل الضهر ويوم لما تتأخر بتكون العصر أو بعديها بشوية.
بدأ محمود ربط الخيوط ببعضها البعض، المكالمة الغريبة مع معلومات نور وتأخر الشحنة، شعر بأن هناك شيئًا ما مريب وغير مفهوم بعد.
بدون أي كلمة تركهن وخرج من الغرفة على الفور، نظرت نور لوالدتها بقلق شديد:
- هو إيه اللي حصل لكل ده؟
ردت تهاني بقلق هي الأخرى وتشعر بأن شيئًا ما قد حدث:
- علمي علمك أنا رايحة أشوفه.
اتبعته تهاني تاركين نور وحدها تفكر في سبب هذه التساؤلات، تنهدت وعادت لما كانت تفعله.
في غرفة نوم تهاني ومحمود يجلس الأخير على طرف الفراش متكئًا على ساقه بذراعيه يفكر.. جلست تهاني بجانبه وقالت باطمئنان:
- في إيه يا محمود قلقتنا؟
رد محمود شاردًا:
- في حاجة مش مضبوطة بتحصل في شركة الجوهري مش قادر أفهمها.
قطبت حاجبيها وقالت بتساؤل:
- حاجة إيه دي؟
أجاب على نفس الوضع:
- كنت بكلم هاشم عشان أسأله الشحنة هتوصل أمتى قالي تعالى مش هينفع كلام في التليفون.. لما روحت له سمعت بيكلم واحد طريقتهم ما كانتش مريحاني وخلاصة الكلام كان على بضاعة بتتسلم على دفعات وهتتسلم بليل.. ولما سألته الشحنة هتوصل أمتى قالي أن في عطل في الجمرك وهتتأخر شوية.. منين أن الشحنة بتوصل بالنهار والبضاعة اللي بتوصل بعد نص الليل والشحنة المرادي متأخرة.. مش قادر أربط بين كل ده.. في دايرة مفقودة.
كانت تهاني تستمع إليه باهتمام شديد، لتشعر بالغرابة لما سمعت وأخذت تفكر هي الأخرى في هذا اللغز إلى أن قالت:
- ما فيش غير أن تستنى سلمى لما ترجع وتسألها.. يمكن عندها تفسير لكل ده.
تنهد براحة قليلة لهذه الفكرة:
- فعلًا عندك حق.. بس أنا مش مطمن.
ابتسمت تهاني وربتت برفق على منكبه وقالت:
- ما تشغلش بالك بأي حاجة دلوقتي.. ركز في شغلك وبس تمام.
التفت إليها باسمًا وقال:
- ما اتحرمش منك أبدًا.
بعد قليل رحل محمود وعاد إلى الشركة مرة أخرى، وحاول بقدر الإمكان أن يترك الأمر جانبًا ولا يشغل تفكيره به حتى تعود سلمى.
*********************
في صباح اليوم التالي استيقظت سلمى وهي تشعر بالوجع الشديد في أنحاء جسدها، فتحت عيناها ببطء شديد نظرًا لقوة الضوء الصادر من الشرفة، تنهدت بعمق وهي تحاول استعادة وعيها، بعد فترة اعتدلت وجلست وجدت نفسها بملابسها، تحسست جسدها وهي تحاول أن تتذكر ما حدث ليلة أمس، لقد نامت بملابسها ولكن لماذا وكيف وأين طارق هي لا تراه؟
أيمكن تركها وذهب كما فعل من قبل؟ لا لا تظن أنه سيفعل ذلك مرة أخرى..
قطع شرودها صوت فتح باب الحمام ليخرج منه طارق وهو عاري الجذع، فقط تلك المنشفة التي يضعها حول خصره، لتصيح به وهي تضع كلتا كفيها على وجهها في خجل:
- إييييييه ده؟
فزع طارق وصاح هو الآخر:
- إيه يا بنتي هقطع الخلف بسببك .. هي دي صباح الخير!!
ردت سلمى على نفس الوضع:
- أستر نفسك الأول وبعدين أتكلم.
أردف بشيء من الجدية دون أن ينظر إليها:
- طيب قومي الأول خدي شاور وغيري هدومك.
قال هذه الجملة وهو يرتدي ملابسه، ليسمع صوتها الخجل يقول بتردد:
- خلاااص؟
بجدية قال:
- خلاص لبست .. قومي يلا.
زالت كفيها برفق وهي تنظر له بترقب حتى اطمأنت بأنه ارتدى كامل ملابسه، فتحت الخزينة وانتقطت ملابس منزلية مريحة ودخلت الحمام على الفور.
خرجت بعد فترة وجلست على الأريكة تحاول فرك جسدها المجهد، نظرت إليه ثم قالت:
- هو اللي حصل .. نمت بهدومي ازاي؟
جلس طارق قبالها على الفراش ورد دون أن ينظر إليها:
- من قبل ما نروح نمتي مكانك لحد ما روحنا .. حاولت أصحيكِ، لكن مفيش فايدة كنتِ في سابع نومة .. بسبب خروجة امبارح.
تذكرت سلمى ما حدث أمس وابتسمت، كان على قصد أن يتجاهلها، يشعر بالإنجذاب نحوها من ليلة أمس، يحاول مجاهدة هذا الشعور بكل طاقته، حتى هي لاحظت ذلك لا ينظر إليها وهو يتحدث، يتجاهلها تمامًا فقط ينظر إلى هاتفه، فقط عاد كما هو حتى تركها ودخل إلى الشرفة، هي أيضًا استمرت في تجاهله إلى أن خرج بعد خمس دقائق وقال وهو لا ينظر إليها ويتجه للخارج:
- مش هتنزلي تفطري؟
أجابت بشيء من الضيق هو لم يلاحظه:
- ما أنت عارف مبفطرش أول ما بصحى .. هطلب الأكل هنا مش قادرة أنزل تحت.
- أنتِ حرة.
قالها وهو يخرج ويتركها وحدها بالغرفة بكل برود وتهكم ليشتغل الغضب في داخلها، دون أي سبب ليفعل معها هذا .. تذكرت شيئًا وخرجت لكي تنادي عليه قبل أن يبتعد لتقف في صدمة وهي تسمعه يتحدث في هاتفه:
- وأنتِ كمان وحشتيني يا حبيبتي ..
نظر خلفه ليراها في حالة ضيق ودهشة والدموع شرعت في التجمع بعينيها ..
رواية صفقة حب الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم شيماء جوهر
عيناها لم تسقط عنه بفضول، تريد أن تعرف المزيد. منذ ليلة أمس وهو لا يدرك السبب الرئيسي لرؤيتها بشكل مختلف، كيف له أن ينسحب إليها وينجذب إليها؟
حاول بقدر الإمكان أن يختصر الكلام معها وأن يبتعد عن النظر لعيناها عندما يتحدث معها. أجابها بهدوء وهو يشعر بأنها تنظر إليه، فبمجرد أن انتهى تركها ودخل الشرفة قبل أن تقول شيئًا آخر، وهو يفكر في هذه الحيرة التي شوشت على تفكيره ليقطعه صوت رنين هاتفه ليرا المتصل سارة. زفر بحنق شديد فكل ما مر به كانت هي السبب في ذلك وقرر أن لا يقوم بالرد عليها وتجاهل اتصالها، لتعيد الكرة عدة مرات إلى أن سأم ورد عليها بضيق:
- أيوه يا سارة .. خير.
قالت سارة بتذمر:
- مالك يا طارق في إيه .. الطريقة اللي بتكلمني بيها دي؟
زفر بشدة وقال بضيق:
- سارة أنا مش فايق على الصبح ..
قاطعته وأردفت بحزن:
- في إيه يا طارق أنت مضايق مني ليه .. أوعى يكون بسبب إني جيتلك الأوتيل.
صاح بها طارق:
- ما أنت حلوة وبتفهمي أهو .. كلامنا بيجيب لنا المشاكل يا سارة.
صاحت سارة بتذمر وحقد شديدين:
- يا سلام!! تبقى خطيبي ومحرومة حتى إني أكلمك!! .. كل ده بسبب الست سلمى عفريت العلبة اللي أنت متجوزها.
انفعل عليها طارق بحنق بمجرد أن سمع إهانتها:
- قلت مية مرة تبطلي تغلطي فيها .. لاحظي إنها بقت مراتي وكرامتها من كرامتي.
حاولت اصطناع الدلال حتى لا تخسره:
- أعمل إيه يعني ما هو كل ما نتقابل معرفش بتطلع لنا منين في كل حتة .. والله حاسة إنها بتراقبنا وعاملة فيها سحرة.
صاح بها بعدم تصديق:
- تراقبنا!! إيه اللي بتقوليه ده بس .. مستحيل سلمى تعمل حاجة زي كده.
يشعر بأنه مقيد وهو يتحدث داخل الشرفة ويخشى من علو صوته تسمعه سلمى من الداخل، فخرج وقال وهو لا ينظر إليها ويتجه للخارج:
- مش هتنزل لي تفطري؟
أجابت بشيء من الضيق هو لم يلاحظه:
- ما أنت عارف مبفطرش أول ما بصحى .. هطلب الأكل هنا مش قادرة أنزل تحت.
- أنت حرة.
قالها وهو يخرج ويتركها وحدها بالغرفة بكل برود وتهكم ويعود للمكالمة مرة أخرى:
- شيلي الأفكار دي من دماغك يا سلمى.
صاحت به سارة بغضب شديد:
- سلمى!! .. أنا سارة يا أستاذ .. اللي واخد عقلك يتهنى بيه ..
من تفكيره بها مطولًا تناسى سارة للحظات، حاول أن يخرج من هذا الموقف المحرج بأي طريقة ليقول:
- ما أنت مفيش سيرة إلا هي .. مفيش مرة نتكلم إلا أما أنت تفتحي سيرتها مش أنا.
قررت أن ترخي قليلًا لتنعم نبرة صوتها وتقول بدلال:
- خلاص حقك عليا .. وحشتني أوي على فكرة.
ابتسم وحن قلبه إليها:
- وأنت كمان وحشتيني أوي يا حبيبتي ..
شعر بوجودها فنظر خلفه ليراها في حالة ضيق ودهشة والدموع شرعت في التجمع بعيناها. نظرة عتاب وألم مزقت عيناه وقطع الاتصال لينظر لها بصدمة. بدون أي كلمة دخلت الغرفة وأغلقت من الداخل بالمفتاح، مسح شعره بكفه بكل عنف وحيرة، فكلما تصلح الأمور تتعقد مرة أخرى، ليقرع على الباب مرات متتالية وينادي عليها.
بدلت ملابسها وارتدت حقيبتها وفتحت الباب مرة أخرى لتمر بجانبه ورحلت، ليسير خلفها بلهفة وينادي عليها وهي تتجاهل مناداته إلى أن دخلت المصعد وفرت الدموع من عيناها وهي تقول بجمود:
- مفيش فايدة.
عندما وصل للدور الأرضي ظل يبحث عنها ليجدها في مطعم الفندق تجلس في هدوء شديد، اقترب منها بحذر وتردد في الجلوس إلى أن حسم أمره في النهاية.
ظل ينظر لها دون أي رد فعل منها فقط عيناها مقتظة بالدموع محاولة منها بقدر الإمكان أن تتحاشى نزولها أمامه. بعد عدة دقائق حضرت وجبة إفطارها وبدأت في تناوله في صمت وهي تبتلع كل قطمة بصعوبة شديدة، تنهار من داخلها ومن الخارج تتسم بالبرود والهدوء.
تناول فطوره هو الآخر وهو يسترق النظر إليها، إلى أن انتهت وعادت إلى جناحهما مرة أخرى وذهب خلفها فضولًا منه.
ظلت تسير بها ذهابًا وإيابًا في توتر كبير، وهي تفرك بيديها في منتهى العصبية وهو يخشى أن يتحدث معها فتنفجر في وجهه وهي غاضبة وفي شدة انفعالها ليقول:
- سلمى ...
انفعلت به بشدة وأحمر وجهها وأصبح مثل البندورة:
- مش طيقاك أبعد عني .. أنا عايزة أنزل مصر دلوقتي حالًا مش قادرة أستنى معاك دقيقة واحدة.
صاح بها بغير استيعاب:
- اللي بتقوليه ده أنت اتجننتي .. مينفعش.
لترد بنفس الحالة المهيبة لتصرخ أكثر:
- أنتوا خليتوا فيا عقل .. أنت إيه يا أخي مبتحسش معندكش قلب .. إيه الأنانية اللي أنت فيها دي .. ليه ها ... ليييييييه .. كنت بحسبك غيره ولقيت فيك شوية حنية من اللي مفتقداها من ساعة موت أمي .. كل ده طلع وهم وغش وخداع .. ليه ليه .. طلقني يا طارق .. طلقنييييي.
دون سابق إنذار وقعت وفقدت وعيها تمامًا، وعلى قسمات وجهها حزن وألم شديدين، دموعها تنهمر بغزارة، حاول مرارًا إفاقتها ولكن لا تستجيب. كان مثل المجنون ينادي عليها بلهفة. حملها ووضعها على الفراش ثم تناول سماعة الهاتف من فوق الكومود واتصل بطبيب الفندق. في خلال دقائق وصل وقام بالكشف عليها وهو في غاية التوتر. علم في النهاية بأنها مصابة بانهيار عصبي وأعطاها حقنة مهدئة ولن تستيقظ إلا بعد ساعات.
خرج الطبيب وجلس بجانبها، وهو يؤنب نفسه بأنه السبب لما وصلت إليه، حاول أن يتجنب النظر إليها، يصارع نفسه ومشاعره التي غطت عليه من حيث لا يدري.
جلس على الأريكة الخاصة بها ساندًا ذراعه على ساقيه، دافنًا رأسه بين طيات كفيه.
بعد ست ساعات استعادت سلمى وعيها، كأنها لا تريد أن تستيقظ من الأساس، نظرت حولها لتجد نفسها على الفراش وطارق يجلس على الأريكة بنفس الوضع، نظرت له بألم والدموع تهوي من عيناها، لقد انفجرت به وأفضت ما كانت تحمله في داخلها منه، لم تستطع كبح مشاعرها أكثر من ذلك بعد الآن.
نظر إليها لتدير هي وجهها، عم الصمت ليقطعه هو قائلًا دون أن ينظر إليها:
- عارف إنك مش هتصدقيني مهما قلت .. هحاول مضايقكيش تاني لحد ما ننفصل .. أنا آسف.
تركها وخرج، كان يخشى مواجهتها، ليتركها تنهار من البكاء وقلبها يعتصر ألمًا.
**********************
مرت الأيام دون أي جديد، فقط تخرج سلمى بمفردها لزيارات مختلفة في أنحاء المدينة، لعل وعسى تتخلص من الشحنة السلبية في داخلها، وهو لم يعارضها في ذلك على الإطلاق بل كان يرا بأن خطوة التجاهل زادت وبدأت من ناحيتها ولا يشعر رغم ذلك بأنه أكثر راحة. ولكن يكفي أنه يتجاهلها، وعندما تغيب يجدها في نفس المكان التي كانت تحب الجلوس فيه برفقة والدتها، فيأتي ويجلس قربها في صمت وهي تشعر به ولكن تتجاهل وجوده.
منتظرة عودتهم إلى مصر لكي ينهي كل ما بينهم، فلم تستطع أن تتحمل أكثر من ذلك.
*******************
في شقة كبيرة يغلب على أثاثها التحف الثمينة، وموسيقى ميتال تشدو بألحانها الفجة في الخلفية. أمام طاولة صغيرة عليها بعضًا من الزجاجات غريبة الشكل، يجلس عاصم على مقعده الوثير ويتحدث إلى سارة ويبدو عليه الغضب الشديد. أشعل سيجاره بكل غل وهو يقول بلهجة شديدة الغضب:
- أنت بتتصرفي على كيفك يا بت أنت .. مش قلت لك تهدي اللعب ده كان ناقص تسافر له كمان.
نهضت سارة من جانبه وهي تصيح به بحنق:
- جرى إيه يا عاصم .. مش قادرة أستحمل وهي معاه .. مش خايف ألا تحن له وساعتها مش هيبص في وشي! ولا حتى هتعبرك وتبقى بت زي دي كلت عليك كل حاجة.
حاول التحكم في أعصابه ليقول بانفعال بسيط وهو ينهض ليمسك بشعرها بعنف ويجذبه نحوه:
- جرى إيه يا بت .. لو مكنتش عارف الفولة هتعمليهم عليا أنت نسيتي أنا جايبك منين ولا تحبي أفكرك؟! .. بتصرفاتك دي هتخليه يكش منك ولا أنا ولا أنت هنوصل لحاجة .. فأعقلي كده وأوزني الكلام يا حلوة عشان متزعليش ها.
أفلتت شعرها منه وعيناها ترتعش الخوف من نظراته لها، وقلبها يشتعل من الغضب نحوه. أومأت برأسها وتناولت حقيبتها وخرجت على الفور. جلس هو على الأريكة ينفث سيجاره بكل غرور وهو يحدث نفسه:
- مسيرك تجيلي يا سلمى وشوفي البرنس بتاعك هيعمل إيه.
*********************
نزلت سارة وخرجت من العقار وهي تبكي، تفكر في مصيرها مع عاصم وطارق، الذي يعتبر طوق النجاة بالنسبة لها للتخلص من قيد عاصم وتحكماته بها، فهي بجانبه كي يساعدها للوصول لطارق مقابل مساعدته ليحصل على سلمى ويكون له نصيب من شركة وأملاك أبيها.
تشعر بأنها تريد أن تتحدث إلى أحدهم، يملأ فراغها الذي تركه طارق مؤقتًا وسوف تحصل عليه بمجرد رجوعه إلى أرض الوطن. ابتسمت عندما جاء لخاطرها إيهاب، ولكنها تعرف أنه تغير نحوها فجأة في الفترة السابقة ولم يكن هكذا من قبل، سوف تتحمل غلاظته على أي حال أفضل من لا شيء.
وبالفعل قامت بالاتصال به:
- أيوه يا هوبا أنت فين؟
نظر إيهاب إلى هاتفه ببلاهة ليتأكد من الرقم الصحيح ليجدها سارة بالفعل، ليقول بعدم تصديق:
- سارة؟! ..
لترد بدلال مصطنع:
- أومال هتكون مين يعني .. بتعمل إيه دلوقتي.
رد إيهاب بغرابة ما يشعر به:
- في الكافيه مع الشلة.
ابتسمت لتردف بحماس:
- طيب بقولك إيه فكك منهم وتعالى نسهر سوا .. الشلة بتاعتي عاملة بارتي على مركب النهارده ومكنتش عايزة أروح لوحدي .. تعالى معايا.
تردد إيهاب ويندهش من التغيير المفاجئ الذي طرأ عليها دون أي مقدمات، ليحاول الإفلات منها:
- مش هينفع يا سارة خليها مرة تانية .. أنا قاعد مع صحابي.
حاولت أن تجذبه بلطف كي يأتي:
- عشان خاطري يا إيهاب أنت عارف من ساعة طارق ما اتجوز الهانم اللي بيدافع لها كل ما أجي أتكلم وهو مش طايقني.
قطب حاجبيه بتعجب ليقوم بسؤالها:
- ليه كده؟
ابتسمت وردت بخبث:
- ليه وليه عشان قفشتنا مع بعض .. مش خطيبي هو ولا نكون بنعمل جريمة وأنا معرفش.
صدم إيهاب مما سمع، وتوقع أسوأ ردود الفعل ليقول باهتمام:
- هو مفيش فايدة فيك!! .. اللي حصل وطارق فين دلوقتي.
ابتسمت بشدة وأدركت إنه وقع بشباكها لتقول بضعف مصطنع:
- مش هينفع الكلام هنا .. تعالى مستنياك في ....
زفر بضيق وقال:
- طيب يا سارة أنا جاي .. ربنا يستر.
أنهى معها المكالمة، ونهض مسرعًا في المغادرة إلى أن أوقفه أحد أصدقائه:
- اللي حصل يابني رايح فين .. السهرة لسة هتحلو.
رد في عجالة:
- معلش لازم أمشي حالًا الظاهر في مشكلة.
رد الآخر باهتمام:
- سارة خطيبة طارق.. مش كده؟ .. على فكرة البت دي بترسم على صاحبك وهتفركش له جوازته.
خد بالك ألا ترسم عليك أنت كمان.
كاد أن يتشاجر معه إلا أن أحدهم وقف حائل بينهم:
- أنت اتجننت يا ابني، أنت عارف بتقول إيه؟!
ابتسم وقال بكل ثقة:
- وأنا مالي يا عم، اديني قلت لك وأنت حر.
رمقه نظرة غاضبة، ورحل على الفور إلى طريقه المنشود لمقابلة سارة وهو يشتعل بكل غضب وحنق.
***********************
أثناء قيادته، قام بالاتصال بها:
- أيوة يا سارة... تلت ساعة بالكتير وهأكون عندك... أوصفي المكان بالظبط.
اندهشت سارة من نبرة صوته الغاضبة لترد بهدوء:
- في بحري... مستنياك قدام النادي... مالك يا إيهاب؟
صاح بها في ضيق:
- مفيش يا سارة... لما هوصل هأكلمك... سلام.
أغلق المكالمة وهي تنظر لهاتفها بغرابة، قلبها قلق ولا تعرف لماذا. مرت نصف ساعة إلى أن رأت إيهاب يترجل من سيارته ويقترب إليها وهي تخشى نظراته، ولكي تتجنب غضبه قالت على الفور:
- تعالى ندخل جوه ونتكلم أحسن... يلا.
دخل معها وصعدوا على متن المركب، لينفجر هو بها:
- ممكن أفهم اللي حصل؟... أنت شوفتي طارق بعد الفرح؟
كانت تخشى أيضًا نبرة صوته الغاضبة، لتبتلع غصتها وتقول:
- ممكن تهدى شوية عشان نعرف نتكلم... مالك ما أنت كنت كويس لما كلمتك.
حاول تماسك أعصابه حتى يستوعب ما سوف تقوله بعد قليل:
- ها يا ستي، اديني هادي أهو، إيه اللي حصل؟
ردت ببرود:
- كل الحكاية إني روحت أشوف طارق في الأوتيل الصبح... كان واحشني أوي بصراحة فجأة سلمى طبت علينا تقريبًا حصل بينهم مشكلة.
اتسعت عيناه صدمة ودهشة، فلم يتوقع أن تكرر فعلتها للمرة الثالثة، إلى أن جال في خاطره حديث صديقه فنفاه على الفور وهو يصيح بضيق:
- أنتِ أكيد جرى في عقلك حاجة يا سارة... مش مكفيكِ اللي حصل يوم الفرح رايحة تكملي عليه... روحتي ليه؟
ردت بضيق من طريقته الهجومية لها:
- هو أنا جايباك عشان تزعقي لي؟... ما عرفتش أنام طول الليل وأنا عارفة إنه مع واحدة تانية... روحت أشوفه ما جرمتش يعني... حتى لما كلمته تاني وهو مسافر شكل الهانم اتحمقت وقفل في وشي السكة، عجبك كده؟!
لا يستطيع استيعاب ما يسمعه من تلك البلهاء، التي كاد في لحظة أن يحن إلى حديثها ونبرتها الخادعة، ليصيح بها بعدم فهم لردود أفعالها:
- أنا مش قادر أستوعب بجد... أنتِ متأكدة إنك بتحبيه باللي أنت بتعمليه ده؟! بتخربي حياته ليه يا سارة، ده مش مبرر للحب على فكرة... بيعمل كل ده عشان تبقوا مع بعض تقومي تزودي المشاكل... كده كده هيطلقها مستعجلة على إيه؟ أنا بجد مش عارف أقول إيه... قربت أصدق اللي بأسمعه عنك.
صاحت به منفعلة بغضب:
- سمعت إيه يا إيهاب؟!
صاح بها وهو يحاول الابتعاد عنها:
- ولا حاجة... أنا ماشي وأما أشوف المصيبة اللي وقعتيه فيها دي.
تركها ونزل من المركب ليستقل سيارته ويرحل وهو يحاول الاتصال بطارق ولكن غير متاح.
********************
في صباح اليوم التالي، كعادة تهاني تجلس صباحًا تتناول الفطور مع زوجها في هدوء، وعقلها منشغل بطارق وسلمى، الذين منذ سفرهم لم تسمع أي أخبار عنهم، ليقطع صمتهم صوت محمود:
- نور فين؟
ردت تهاني باسمة:
- نزلت من بدري عندها محاضرة... وهتفطر هناك.
ابتسم محمود هو الآخر وقال باطمئنان:
- الحمد لله إنها رجعت تحضر تاني... كنت خايف عليها الفترة اللي فاتت دي والسنة تضيع عليها.
ما زالت محتفظة ببسمتها لتقول:
- هي من نفسها قررت تنزل عشان تشوف اللي فاتها... كلها السنة دي وتتخرج هي وسلمى اللي من ساعة اللي حصل حالها أسوأ منها.
رشف من فنجان الشاي وقال بجدية:
- أول ما هتيجي سلمى إن شاء الله هأخليها ترجع لدراستها... حرام كل اللي حصل معاها ده، مش هنيجي على آخر سنة ونضيع مستقبلها.
ردت تهاني باهتمام:
- عندك حق يا محمود، مش هيبقى جواز وتعليم.
نظر لها وقال بحزم:
- هأبعت السواق النهارده على المطار... طارق وسلمى هيوصلوا على طيارة 2 الضهر.
صاحت به تهاني بلهفة وفرحة:
- إيه ده بجد؟! طارق كلمك؟
رد بنفس النبرة:
- أيوة... حجز التذاكر وبلغني بميعاد رجوعه... أوضتهم جاهزة مش كده؟
ابتسمت تهاني وقالت:
- أيوة من قبل الفرح... وهأشيك عليها كمان شوية.
- تمام على خير الله... لو احتاجتي أي حاجة بلغيني.
قالها وهو ينهض استعدادًا للرحيل، لتكمل تهاني طعامها مودعة إياه:
- حاضر يا حبيبي... في رعاية الله.
*******************
أنهت نور محاضراتها وجلست في الكافتريا تحتسي كوبًا من القهوة سريعة الذوبان مع بعض رقائق البسكويت، يقترب منها جاسر وعلى ثغره ابتسامة رقيقة ليقول:
- بأحسبك روحتي.
رفعت نور رأسها وقالت:
- لأ للأسف... لسه عندي سيكشن الساعة 2.
- طيب يا ستي أدي كل حاجة فاتتك الفترة اللي فاتت... والمشروع اللي علينا كمان.
قالها وهو يعطي لها ملف متوسط به عدد من الأوراق، لتتناولهم في امتنان شديد لترسم بسمة كبيرة على شفاهها بفرحة:
- متشكرة بجد يا جاسر، تعبتك معايا.
ابتسم وجذب مقعد مقابلها وجلس:
- مفيش تعب ولا حاجة... أنا مدرك للظروف اللي مريتي بيها الفترة اللي فاتت واللي منعتك تروحي الكلية... في نسخة كمان لسلمى لما ترجع بالسلامة.
زادت البسمة وقالت بمرح:
- لا كده كتير بجد... سلمى هتفرح أوي مع إني كنت هأصور لها نسخة عشان تلحق تلم نفسها هي كمان... طول عمرك سباق بالخير... بجد مش عارفة أقولك إيه.
رد بامتنان:
- ولا حاجة... المهم ابدأوا اشتغلوا على المشروع ده عشان فاضل أسبوعين على التسليم... الدكتور مد "الديت لاين" لما لقى معظم الدفعة متأخرة بسبب الخامات قليلة... حظكوا حلو والله.
تنهدت براحة وقالت:
- الحمد لله... ده اللي كان ناقص درجات العملي اللي ما حلناش غيرها تروح علينا... الحمد لله على كل شيء.
نظرت في ساعة يدها وقالت:
- لسه ساعة على السيكشن... أنت قاعد في الكلية لحد دلوقتي ليه؟
رد سريعًا عندما شعر بالتوتر:
- كنت بأدور عليكِ عشان أديكِ الورق.
اكتفت نور بابتسامة صغيرة وعادت إلى ما كانت تفعله، لتختفي تلك البسمة بمجرد أن رأت يوسف ينظر لها من بعيد.
*******************
وصل طارق وسلمى إلى أرض الوطن أخيرًا، عشرة أيام بمثابة عشر سنوات لها في الخارج، سئمت من كونها وحيدة في كل شيء ولكن هذا أفضل لها من وجوده بجانبها مثل عدمه.
نقلتهم السيارة التي أرسلها محمود لهم إلى المنزل، لتستقبلهم تهاني فرحة بترحيب شديد، ابتسمت سلمى من قلبها لأنها تشعر بحب وحنانها وصدق مشاعرها، كانت تشعر من عينيها أنها ليست على ما يرام، وجهها مبتسم ولكن عينيها تحمل في طياتها عكس ذلك، لا تريد الثقل عليها وفضلت تركها تستريح من السفر وتتحدث هي مع والدها على انفراد.
صعدا إلى الغرفة المخصصة لطارق بعدما وضعت بها تهاني لمساتها الأخيرة، تفحصت سلمى الغرفة جيدًا لتجدها كبيرة نوعًا ما ذات ألوان هادئة وأثاثها مزج من الطابع الكلاسيكي والحديث الذي تفضله سلمى، فارتسم على ثغرها بسمة صغيرة، فقد راقت لها الغرفة كثيرًا التي تحتوي على فراش واسع وكبير وأريكة كلاسيكية متوسطة الحجم في الجانب الآخر من الغرفة أمامها طاولة صغيرة ذات النقوش المطبوعة على الأريكة، ومرآة كبيرة تتوسط الغرفة من الجانب الأيسر، وحمام داخلي في الجانب المقابل.
نظر إليها بعد فترة ليست بطويلة وهي تتمتع بالغرفة جيدًا والبسمة على ثغرها ليقترب منها باهتمام:
- عجبتك الأوضة؟
ردت ولا تزال على ثغرها تلك البسمة:
- ذوقها حلو أوي... زي ذوقي... بأحب الميكس ده.
رد طارق بهدوء:
- ما هو ذوقك فعلًا... أنا أعتبر ما ليش رأي فيها إلا في شكل الأثاث مش أكتر.
التفتت إليه وسألت باهتمام:
- إزاي؟
رد بنفس الهدوء:
- نور عارفة ذوقك فساعدت ماما في تغيير الأوضة زي ما أنتِ شايفة حتى في ألوانها.
اكتفت بابتسامة ثم قال:
- طيب هأسيبك تغيري وأنا هأغير في الحمام.
لم تعره اهتمام ليدخل هو ويتركها تبدل ملابسها بأريحية، وبعدما انتهت راحت لجسدها على الفراش في شرود تفكر في أيامها القادمة معه في هذا المنزل.
خرج ليجدها قد غفلت، تركها ساكنة وراح جسده هو الآخر بجانبها يتأمل ملامحها الطفولية بسلام إلى أن غفل هو الآخر وهو ينظر إليها.
**********************
بعد انتهاء السيكشن، عادت نور إلى المنزل وطارت فرحة عندما علمت بوصول شقيقها وزوجته، كانت سعيدة بأنها سوف ترى سلمى مرة أخرى بعد هذه المدة القصيرة نوعًا ما، لقد اشتاقت إليها كثيرًا.
كادت أن تصعد وترحب بها ولكن منعتها تهاني قائلة:
- من ساعة ما وصلوا وهم ما لهمش صوت... أكيد ناموا تعبانين من المشوار... سيبيهم يصحوا براحتهم يا نور.
ابتسمت وقالت:
- بابا عرف؟
لترد تهاني بنفس الابتسامة:
- ده هو اللي بعت لهم العربية عشان تأخذهم.
حزنت نور بطفولة:
- ما قلتوا لي ليش كنت روحت استقبلتهم.
ربتت على يديها لتقول:
- ما رضيناش نعطلك على كليتك... كده كده هتشوفيهم... قومي بقى غيري عشان أبوكِ زمانه جاي عنده شوية شغل هيخلص وهيجي عشان نتغدى.
*********************
صعدت نور إلى غرفتها، فكرت أن تقرع عليهم الباب ولكنها استمعت لحديث والدتها وتركتهم بحرية، بدلت ملابسها وصلت فرضها ونزلت لتجلس مع والدتها وبعد قليل وصل محمود وقامت تشرف على وجبة الغداء بنفسها لأنه اليوم الأول لسلمى، الفرد الجديد في عائلة الأبياري سوف تتناول الطعام معهم والجميع فرح وسعيد بوجودها.
استيقظت سلمى ووجدت نفسها قد غفلت بالفعل على الفراش، لتشهق بمجرد أن رأت طارق نائم بجانبها وذراعه محاوط خصرها بشدة، حاولت الإفلات منه بهدوء وهي ترتعش من داخلها، فقامت ترص أغراضها وملابسها داخل خزينة الملابس ودخلت الحمام توضأت وارتدت لباس الصلاة فقد تركت الظهر وها قد حان موعد صلاة العصر ولم تصلِ بعد.
استيقظ بعد عدة دقائق ولم يجدها بجانبه، نهض ليجدها تصلي، ابتسم بشدة وقلبه يشعر بالراحة كلما يراها تصلي، فاق من شروده بها ودخل الحمام.
انتهت هي من صلاتها لتجد الغرفة فارغة، انتبهت لصوت المياه أدركت أنه بالداخل... تريد النزول، ملت من الجلوس بمفردها في هذه الغرفة ولكن تشعر بالحرج الشديد، لم تعتد بعد على أصحاب هذا المنزل والتردد شديد، فقد طال غياب طارق بالداخل، حسمت أمرها وخرجت من الغرفة لتجد تهاني في ردهة الممر لتقترب منها باسمة:
- صباح الفل...
- شكلكوا نمتوا من التعب، مرضتش أصحيكم. قلت تصحوا مع نفسكوا.
ابتسمت سلمى وردت بخجل:
- أيوه، ما كنتش قادرة بصراحة، وما كنتش نايمة كويس قبلها.
ربتت على ظهرها وقالت:
- طيب يلا بقى عشان نتغدى سوا. من ساعتها مستنيينكم تصحوا. طارق صحي؟
عاد وجهها خالياً من البسمة لتقول:
- أيوه، في الحمام.
نزلت معها وكانت محرجة للغاية لوجودها في هذا المنزل. عندما رأتها نور ركضت نحوها بفرحة ولهفة شديدتين، ضمتها إلى صدرها بشدة وشوق كبير للغاية، فقد اشتاقت إليها كثيراً هي الأخرى، إلى صديقتها وشقيقتها.
إلى أن أتى محمود من غرفة مكتبه ورحب بها بشدة. جلسوا معاً يتناولون الغداء إلى أن حضر طارق والجميع يضعون الطعام أمامها بمحبة وهي خجلة. أصابها التوتر خاصة من نظرات طارق لها، الذي صممت تهاني أن يجلس بجانبها.
- أخبار رحلتكم إيه؟
هذا سؤال محمود الذي تسبب في تجهم وجه كل من سلمى وطارق، فردت سلمى بابتسامة صغيرة مصطنعة:
- حلوة جداً يا أنكل. زرنا أماكن كتير.
شعر بأنها تحاول أن تبدو طبيعية، فأكمل وهو يلتفت لسلمى بعدما خطف طارق بنظرة سارقة ليرى رد فعله:
- وأخبار طارق معاكِ إيه؟ أوعي يكون زعلك.
توتر طارق فتناول كوب الماء الذي أمامه، يخشى أن تجن سلمى وتقص لهم ما حدث بفرنسا. تفقدته سلمى بطرف عينيها ثم قالت وهي تتسم بالثبات والجدية:
- الحمد لله. فسحني كتير أوي وكان حنين عليا، ما خلاش في نفسي حاجة ومعملتهاش. كأنه أبويا اللي اتحرمت منه. بجد انبسطت أوي.
أنهت حديثها وأكملت طعامها فهي تخشى أن ينظروا لعينيها لتفضحها بما تخفي من دموع وكذب، ليشعر هو فجأة بقشعريرة غير طبيعية تسري في جسده.
تفاجأوا جميعاً بما سمعوا، ودب الشك في محمود ولم يصدق، كذلك نور وتهاني التي حاولت تصديق هذا التغير المفاجئ الذي طرأ على طارق.
حاولت نور تخفيف بؤرة الضوء من سلمى لتقول في مرحها المعتاد:
- أيوه بقى. روحتوا فين على كده؟
ابتسمت سلمى وهي تتذكر:
- يعتبر بعض فرنسا. بس بحب أستقر في المكان اللي كنت بروحه أنا وماما الله يرحمها.
شارك طارق الحوار وهو يتحدث بصعوبة، كأن صوته يرفض الخروج:
- مكان جميل ومريح جداً بصراحة. حقيقي حبيته.
أردف محمود في شك وهو يتنقل ببصره نحوهم:
- طب الحمد لله إنكوا غيرتوا جو. التغير مطلوب. عقبالنا أنا وأنت يا جميل.
قال هذه الجملة الأخيرة إلى تهاني وهو يغمز لها بحب، لتضحك بشدة وتقول بحب وشوق:
- يا ريت بجد يا حبيبي.
لتنزعج نور وتعقد ذراعها بطفولة وتقول:
- يا سلاااام هو أنا بنت البطة السودا يعني؟ هتسيبوني لمين؟ أنا عايزة أسافر أنا كمان.
ضحك محمود وقال بمزح:
- هتبصلنا في السفرية من أولها. أمري لله يا ستي ناخدك معانا أهو كله بثوابه. ولا إيه رأيك يا سلمى؟
تذمرت نور بطفولة وقالت بحزن مصطنع:
- بقى كده يا بابا.
ردت سلمى باسمة:
- من نفسها شوية يا أنكل. نور ما بتسافرش ومعظم وقتنا يا إما كان في الشغل أو الشركة. خليها تغير جو عشان نفسيتها.
أرسلت لها نور قبلة في الهواء بحب وهي تهتف:
- يحيا العدل. إيه الجمال ده بجد. بذمتكم عندكم صاحبة وأخت جدعة وزي العسل كده يا جدعان.
ضحك محمود وتهاني ليقول بحب وهو ينظر لسلمى:
- ربنا ما يحرمكم من بعض يا بنات. أنا بعتبرك زي نور من زمان يا سلمى. لو احتاجتي أي حاجة ما تتكسفيش اعتبريني والدك.
ابتسمت سلمى بمرارة، كان من الصعب عليها أن تستمع لمثل هذه الجملة الأخيرة، تحاشت دموعها وقالت:
- أكيد يا أنكل ما اتحرمش منك. هو أنا هرجع من بكرة الكلية. كفاية كل اللي فات مش عايزة أشيل السنة كمان.
ابتسم ورد محمود سريعاً:
- عفارم عليكِ. كنا لسه بنتكلم في الموضوع ده قبل ما ترجعوا. ربنا يوفقكم إن شاء الله وتعدوها على خير.
نور وسلمى في وقت واحد:
- اللهم آمين.
بعد الطعام انتقلوا جميعاً وجلسوا في الحديقة يحتسون الشاي والعصائر في جو عائلي حميم كانت تفتقره سلمى في أسرتها حتى قبل وفاة فريدة.
*********************
صعدت سلمى إلى غرفتها وصعد طارق خلفها، توجد تساؤلات عديدة يريد إجابة واضحة عنها، خاصة ما حدث بينهم وسؤال والده عنها، اندهش كثيراً من رد فعلها وكان لديها الفرصة بمنتهى السهولة أن تكشف أمره أمامه ولكنها لم تفعل ذلك وهذا أكثر ما وضع الحيرة داخل قلبه.
فبمجرد أن أغلق الباب خلفه وقف أمامها ونظر في عينيها مطولاً أملاً منه أن يجد إجابة مناسبة على سؤاله:
- هو أنتِ ليه كدبتي على أبويا لما سألك؟
نظرت له في هدوء وردت في منتهى الثبات:
- سبق وقلت لي في أول ليلة بينا إني مراتك ومسؤولة منك. ومعنى إني مراتك يعني مفيش أي حاجة تحصل بينا أي حد له دخل بيها سواء أهلي أو أهلك. أي كان شكل جوازنا إيه... وأنا حاسة أن علاقتك بوالدك اتغيرت جداً بسبب الفترة اللي فاتت واللي حصل فيها وميهمنيش التفاصيل قد ما يهمني تكون علاقتك بأهلك طيبة وكفاية المشاكل اللي اتحطينا فيها لحد كده.
كان يستمع إليها بكل حواسه وهو يتمعن في كل كلمة، استغبى نفسه وتصرفاته معها واندهش من طريقة تفكيرها، كبرت في نظره.
رد سريعاً وقال:
- بس...
قاطعته قائلة بنفس النبرة:
- لو قصدك على باقي الكلام فأنا ما كدبتش في كله. حقيقي كنت مبسوطة في اليوم ده.
لا يعرف ماذا يقول، اكتفى بكلمة واحدة دون غيرها.
رواية صفقة حب الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم شيماء جوهر
لا يعرف ماذا يقول، اكتفى بكلمة واحدة دون غيرها:
- أصيلة يا سلمى.
نظرت له وردت بابتسامة باهتة، أكمل في حيرة من هذا الوضع:
- طيب أنا نازل رايح لإيهاب.
ردت دون النظر إليه:
- اتفضل هو أنا مسكاك.
تنهد بضيق ثم تركها وخرج، لتستكن بجسدها على الفراش تفكر في وضعهما في الفترة الحالية، وبعد أيام سوف تحصل على لقب مطلقة، لتفر دمعة من عينيها بحزن وهي تحاول أن تتناسى هذه الكلمة والعواقب بعدها.
*********************
تقابل طارق وإيهاب في الكافتيريا المعتادين عليها، ورحب به الأخير بحفاوة.
كان مترددًا أن يقص عليه ما حدث بينه وبين سارة، وأن تصرفاتها إن دلت على شيء فهو التفرقة بينه وبين زوجته، ولا يستطيع نسيان ما قال صديقه عنها ولا يعرف ماذا يفعل حيال ذلك، قرر أن يترك هذا الأمر جانبًا الآن حتى يتأكد من صحته.
- حمد لله على السلامة يابني.. شكلك مش مبسوط خالص.
رد طارق بضيق:
- هو يتجوز سلمى ويبقى مبسوط.
أدرك بنشوب خلاف وقع بينه وبين زوجته والسبب سارة، ربطًا بما قصت عليه، فحسم أمره وقال:
- سارة كلمتك ولا إيه.
تنهد بضيق وأكمل:
- ياريتها جات على كده.. دي جاتلي الأوتيل وآخر مرة سلمى سمعتني وأنا في نص الكلام مكملتش الجملة حتى.
إيهاب بفضول:
- ليه كنت بتقولها إيه؟
أردف بحنق وسخرية وهو يمسح شعره بيده:
- وأنتِ وحشتيني أوي يا حبيبتي.. أهي جات على دماغي يا سيدي.
نظر له إيهاب وقال بجدية:
- لها حق تضايق على فكرة... في الأول وفي الآخر مراتك وكلمة زي دي تجرحها.
ابتسم طارق وهو يشرد في الحديث الدائر بينه وبين سلمى ليرد بشرود:
- بمناسبة كلمة مراتك دي وراها حاجات كتير أوي.
قطب إيهاب حاجبيه بعدم فهم:
- يعني إيه؟
ابتسم وأكمل:
- رغم كل اللي حصل بينا في السفر لما أبويا سألها قالتله كل حاجة تمام وكانت مبسوطة، وأنا كنت حنين عليها.. كلام غريب غريب منها ورد فعل مكنتش أتوقعه أبدًا.. كنت بعاملها بجفاء وتجاهل.
... كان في إيدها تقوله وتاخد حقها مني لكن هي معملتش كده.. ولما سألتها ليه كدبتي عليه كان ردها مكنتش أتوقعه منها بالمختصر اللي بينا ميطلعش برا.
ابتسم إيهاب فقد راق له وقال باهتمام:
- يا سلام.. أصيلة سلمى، واحدة غيرها كانت زمانها جرستك قدام أهلك.. حافظ عليها يا طارق.
نظر له وشرد، لا يعرف بأنه مهما فعل لن تحن إليه ولن تصدق، وهو يريد إنهاء هذا الوضع عن قريب ليبدأ حياته مع سارة، المفترض التي هو اختارها عن اقتناع.
********************
مرت الأيام والبرود واللامبالاة تزيد بينهم دون أي تغيير، في الصباح يتناولوا جميعًا الفطور وتذهب سلمى ونور إلى الكلية وطارق مع والده في الشركة.
ولم تعد سلمى تذهب إلى شركة والدها، التفتت إلى مستقبلها الدراسي أكثر من قبل، فقد فقدت سنة وأكثر من عمرها في خدمة هذه الشركة وقررت أن تستكفي ولأنها أيضًا لا تستطيع العودة لها بعدما حدث مع والدها.
وكل أسبوع تزور عمتها وأحيانًا تكون نور بصحبتها، فلاحظت سلمى عدم قبول نور على التردد كثيرًا إلى السيدة سميحة في وجود يوسف، فعندما يكون بكليته تقوم بزيارتها على الفور، فهي بمثابة عمة لها أيضًا.. تريد معرفة السبب ولكن لم تكن تتحدث مع يوسف إلا قليل وهذا الشيء يزعجه ويؤلم قلبه كثيرًا، فهو طيلة هذا الوقت ولم يذهب إلى منزله ولم يفكر هاشم السؤال على أبناءه ولو مرة واحدة، فقط يمكث مع عمته كما نوى.. بينما ينتهي من زواج شقيقته سوف يرحل عن هذا المنزل.
طارق علاقته بوالديه سطحية، وذلك نوع من العقاب لا يستطيع تحمله على الإطلاق، جميع من في المنزل يعاقبه.. والديه وشقيقته حتى زوجته ولا يجد من يحكي له ويشكي همه، فما أن وجدتها سارة ثغرة مناسبة لتستطع التقرب منه وبالفعل نجحت في ذلك، معظم الوقت يكون معها وتقرب إليها أكثر وكان إيهاب يرى ذلك ويرى إهماله لسلمى يزيد مع الوقت، فقد تجنبها تمامًا وهي تشعر بذلك.. فقد انزعجت من هذا الوضع، كرامتها وكبريائها لا يسمحون لها بالبقاء في هذا الوضع مطولًا، الزوجة العازبة التي لا هي متزوجة ولا هي حرة ولم يحاكيها بشأن وضعهم وقد سئمت من ذلك، على الرغم من تركيزها الشديد في دراستها إلا أنها نفسيًا متعبة من هذا الوضع.
في هذا الحين حاول عاصم أن يقوم بدوره هو الآخر ويتقرب لسلمى، يأخذ خطوة جدية بعدما أتيحت سارة له الفرصة لذلك، في يوم انتظر سلمى عند خروجها من الكلية وكانت وحيدة، اندهشت كثيرًا عند رؤيته وقررت تجاهله، كادت أن تستقل سيارتها فأوقفها قائلًا:
- ازيك يا سلمى؟ لسة فكراني؟
ردت بوجه خالي من المشاعر وباستنكار:
- كويسة.. هو أنا أقدر أنسى الأيام السودة اللي عشتها معاك.. خير يا عاصم عايز إيه؟
ابتسم بسخرية وقال:
- ياااااه ده أنتِ قلبك أسود أوي.
ابتسمت ساخرة وأردفت وهي تعقد ذراعها:
- عمري ما كان قلبي أسود وإلا كنت وديتك في داهية من ساعة ما خنتني.. اللي عملته فيا خلاني مش عارفة أفتكرلك حاجة عدلة.
زفر بضيق ثم قال بنفاذ صبر:
- يا سلمى ليه مش عايزة تفهمي أنها نزوة وعدت.. أنا لسة بحبك وعايزك.
حاول إمساك يديها إلا أنها بعدتها سريعًا وهي تصيح به بغضب:
- أنت اتجننت يا عاصم.. أنا واحدة متجوزة فووووووق.. فاهم يعني إيه متجوزة.
ضحك عاصم ساخرًا ثم قال:
- مش المفروض شرط الصفقة يتنفذ تطلقوا؟! .. أنتِ بتسمي حياتك اللي أنتِ عايشاها جواز.. فين جوزك اللي بتتكلمي عنه وعملاله حساب.. داير مع خطيبته.. حبيبة القلب اللي اسمها سارة وسايبك زي البيت الوقف لا أنتِ متجوزة ولا سنجل.
الدماء غلت في عروقها، شعرت بالضيق والغيرة على الرغم أنها تعرف بكل تأكيد أن علاقته بسارة لازالت مستمرة يفعل ما يشاء إلا أن تسمع من الغريب فهذا يجرحها بشدة.. وكيف له أن يتحدث معها بهذا الشأن، نظرت له بغضب لتقول:
- ده أنت بتراقبني بقى وعارف كل أخباري! .. خليك في حالك يا عاصم وحل عن سمايا.. طارق ولا غيره يفرق معايا يعمل اللي هو عايزه.
ضحك ساخرًا كي يثير استفزازها أكثر:
- بكرة أشوفك لما يتجوزها وكده كده هيسيبك ومش هتلاقي غيري في الآخر.
نظرت له بتحدٍ وحنق في نبرة حادة والدموع بدأت أن تتفاعل في عينيها:
- أنت لو آخر راجل في الدنيا أنا مش ممكن أرجعلك يا عاصم.
تركته واستقلت سيارتها ورحلت على الفور، ليضحك هو بانتصار.. لم تستطع كبح دموعها ولا انفعالاتها أكثر من ذلك، فقد تحملت الكثير ولن تستطع تحمل أكثر من ذلك بعد الآن، يكفي هذا.. ومن شدة غضبها ضربت المقود عدة ضربات مبرحة بكل غل وغضب في داخلها لتنهار من البكاء وهي لا تصدق جرح قلبها بهذا الشكل، لذلك قررت أن تنهي هذه المهزلة اليوم قبل أي شيء.
*********************
عادت إلى المنزل واستقبلتها تهاني بحب، جلست معها قليلًا وهي تلاحظ تغيرها اليوم، وعندما سألتها عن السبب أنكرت بكل تأكيد واعتذرت بضغط المحاضرات والدراسة في هذه الفترة، ولكن تهاني تعرف بأن هذا ليس السبب على كل حال، فقررت تركها إلى أن تستريح أولًا وتفهم منها ما يحزنها إلى هذه الدرجة.
صعدت إلى غرفتها، بدَّلت ملابسها على الفور ودخلت لتغتسل سريعًا ثم صلت فرضها وجلست على الفراش تفكر وهي في انتظار عودة طارق..
وبالفعل عاد طارق مع والده في الثانية ظهرًا في موعد الغداء، صعد طارق ليجد سلمى جالسة على الفراش في انتظارِه في وضع الاستعداد.
اندهش من وضعها لأنه ليس بعادة أن تنتظره بهذا الشكل منذ زواجهما، كانت عيناها تذهب معه أينما وجد في الغرفة، ككاميرا المراقبة إلى أن شعر بالريبة من تصرفاتها، وقف مكانه قبل أن يشرع في دخول الحمام:
- مالك في إيه؟
ردت سلمى بجدية وحزم:
- عايزة أتكلم معاك شوية.
تركها ورد وهو يتجه إلى الحمام:
- هاخد شاور في السريع و...
قاطعته ووقف على صوتها الصائح بلهجة آمرة:
- مش قبل ما تسمع اللي عايزة أقوله يا طارق.
تنهد بضيق ليقترب منها وهي عاقدة ذراعيها وتنظر له في تحدٍ:
- محبكتش في الكام دقيقة دول يا سلمى.. أنتِ عايزة تتخانقي وخلاص!!
لتصيح سلمى بانفعال شديد وبدأ صوتها في العلو:
- أيوه يا طارق أنا عايزة أتخانق.. أتكلم معايا زي ما بكلمك.
زفر بشدة وحاول أن يتمالك أعصابه ليقول بنفاذ صبر:
- أستغفر الله العظيم.. في إيه يا سلمى؟.. اديني سامعك أهو اللي حصل لكل الهوجة دي.
نظرت في عينيه وقالت بجدية:
- آخرة اللي احنا فيه ده إيه.. مش خلاص شرط الزفت اتنفذ وكله تمام.. أنا وأنت مكملين ليه مع بعض؟
لا يعرف الإجابة المحددة لهذا السؤال، يمكن بسبب أنه تفاجأ بالفعل من اقتراحها؟ لا يعرف.. فشعر بضربات قلبه تتزايد ببطء شديد وهو يرد بهدوء:
- مش فاهم تقصدي إيه.
جن جنونها على الرد الذي أثار استفزازها وأشعل غضبها أكثر وأكثر، لترد منفعلة:
- هو إيه اللي مش مفهوم بالظبط هي كيمياء؟! .. أنت فاهم قصدي كويس أوي.. إيه آخرة اللي احنا فيه ده ها... عايزة إجابة على سؤالي دلوقتي حالًا.
قلبه دق في عنف، لأول مرة يراها في هذه الحالة، كأن في داخلها بركان لا تخمد إلا بتنفيذ مرادها، لا يعرف لماذا يتهرب من الجواب، ابتلع غصته ليقول بصوت يكاد تسمعه:
- عايزة نطلق؟
ردت سلمى بسخرية:
- عليك نور... ما أنت حلو وبتفهم أهو.. أيوه أنا عايزة أطلق.. أظن ده كفاية أوي الفترة اللي عشناها سوا.. تلات شهور زي الفل.
رد وشعر بالسوء فجأة من داخله:
- ليه؟
استشاطت غضبًا لتقول:
- هو اللي ليه؟ إيه الأنانية اللي أنت فيها دي.. أعيش حياتي زي ما سيادتك عايشها ويا خطيبتك.. هفضل متذبذبة كده لحد أمتى تقدر تقولي ولا مني متجوزة ولا غيره وأنت ولا هنا.. رابطني جنبك ليه.
اندهش من معرفتها باستمرار علاقته بسارة، ولكن كيف لها أن تعرف؟ ليس من المفترض مراقبتهم كما كانت تظن الأخيرة، ولكن من أين أتت بأنه على رؤيتها، والحيرة الأكبر الذي وقع بها هو عدم مقدرته على الرد لا يعرف لما، فكر لثوانٍ وهي عاقدة ذراعيها تنتظر الرد بفارغ الصبر، إلا بعدما قطع الصمت ليقول بتردد:
- هطلقك بس مش دلوقتي.
الكلمة على الرغم من توقع نتيجة علاقتهما، ولكن أن تسمعها منه كأنه أمسك بسكين وغرسها في قلبها، تماسكت وقالت بجدية:
- ليه بقى إن شاء الله..
إيه المانع؟
زفر وجلس على الفراش، يبدو عليه الحزن والكرب، سند ذراعه على ساقه ورد وهو نظره في الأرض بصدق:
- أنتِ عارفة أن علاقتي بأهلي مش اللي هي.. من اهتمام وحب لتجاهل ومعاملة باردة.. حتى أختي كل ده راح في ثانية وبقيت لوحدي مليش حد أروحله وأترمي في حضنه وأشكيله.. ضاع مني كل حاجة كأني في كابوس ولسه مفوقتش منه.
تأثرت سلمى كثيرًا بحديثه وشعرت بصدق وجدية كلامه، ولكن اصطنعت عدم الاهتمام واللامبالاة وقالت في حنق مصطنع:
- وأنا مالي أنا بكل ده، مش فاهمة عايز توصل لإيه.
نهض ووقف أمامها وقال بجدية وضيق:
- أهلي بيحبوك جدًا.. ساعديني أرجع علاقتي بيهم زي الأول وكل ده حصل بسبب الصفقة الملعونة دي.
حاولت ألا تتعاطف معه وقالت لحزم:
- ده مكنش اتفاقنا من الأول.
زفر بشدة وقال:
- اعتبريها يا ستي صفقة جديدة... ما هو مش هينفع أطلقك والدنيا مدربكة فوق دماغي وهتتنيل أكتر لو نفذت اللي في دماغك.. ها قولتي إيه؟.. وبعدين أنتِ السبب في كل ده.
صاحت به سلمى في حنق:
- مشاكلك مع أهلك تحلها بعيد عني.. أنا مش شماعة تعلق عليها أخطائك عشان تقولي أنتِ السبب.. هو أنا كنت قلت للشركة دي والنبي تعالي حطيلنا خازوق!!
زفر بشدة ووضع كلتا يديه على خصره وهو يقول:
- طيب وإيه العمل بقى؟
ردت سلمى بنفس النبرة:
- الحل في إيدك... كل واحد منا يروح لطريقه ومشاكلك مع أهلك حلها بعدين.. ما هو مش هتفضل رابطني زي الساقية.. عايزة أشوف حياتي يا أخي.
قال بغيرة خفية ولكن بنبرة ساخرة:
- إيه ناوية تتجوزي!!
على الرغم من أنه آخر شيء يمكن أن تفكر به رغم كل ما مرت به، ولكن أجابت كي تثير غضبه واستفزازه:
- آه وليه لأ.. أنا لسه صغيرة وجميلة وألف مين يتمناني..
زادت غيرته أكثر وقال بتذمر:
- عاصم مش كده؟
ابتسمت في خبث، لقد نجحت خطتها بالفعل، حان الوقت كي تقول المزيد:
- مع أنه آخر راجل ممكن أفكر فيه ولكن ليه لأ.. ده حتى قابلني النهاردة عشان يرجعلي ومستني بس نطلق.
جن جنونه وثارت غيرته لقدر غير محتمل وهو يسمع منها هذا الحديث، كيف لها أن تفكر به بعدما فعله معها وتجرأت أن تقول ذلك في وجهه؟.. هذا مستحيل، جذبها من ذراعها بشدة وعيناه تطلق شرار وهو ينظر لعيناها الصارمة وصاح بها وهو يضغط على أسنانه بشدة:
- ده على جثتي يا سلمى ترجعي للحيوان ده تاني إن شاء الله يكون التمن إني عمري ما هطلقك أبدًا.. أنتِ فاهمة!!
تركها وخرج على الفور بعدما ارتطم الباب بشدة، لتبتسم سلمى وفرحة غريبة دبت في قلبها، ولكن اقتربت أن تصل لمبتغاها.
**********************
نزل طارق وهو ينوي قتل أحدهم من شدة ثورته، قابل والداه ينظران له بقلق ولا يعرفان ما الذي حدث بينهم يستدعي لكل هذا الغضب.
منذ ثلاثة أشهر ولم يسمعا لهما أي صوت على الإطلاق، صامتان يعيشان معًا في هدوء قاتل، وفجأة دون أي مقدمات يسمعان صياحهما وعلو صوتهما الذي يوحي بنشب مشكلة ما بينهما، كادت أن تصعد تهاني لترى ما يحدث ولكن محمود منعها من فعل ذلك، معللًا بذلك تركهم وشأنهم في حل خلافاتهم بأنفسهم، لا دخل لهم بشؤون رجل وزوجته طالما لم يطلب أي منهما بتدخلهم.. اقتنعت تهاني ووافقته الرأي بشدة.
بعد قليل عادت نور هي الأخرى من الكلية تبحث عن والديها، لتجدهم جالسين في الحديقة ويبدو عليهم الحزن.. أقبلت عليهم في قلق وجلست بجوار تهاني:
- في إيه مالكوا اللي حصل؟
ردت تهاني بحزن:
- أخوكِ ومراته من ساعة ما جم وهما بيتخانقوا فوق.. لسه نازل من حبة وهو على كف عفريت.
اعتدلت نور بلهفة وهي تصيح بقلق:
- اللي حصل يا ماما في إيه؟
تنهدت تهاني بحيرة:
- والله ما أعرف يا بنتي.. أول مرة يتخانقوا مع بعض بالشكل ده وصوتهم أد كده.
- هطلع أشوف اللي حصل.
أنهت هذه الجملة وهي تكاد أن تنهض، ولكن أوقفها محمود بصرامة:
- لا يا نور خليكِ.. سيبيهم يتفاهموا مع نفسهم.. أنتِ مرجعتيش مع سلمى ليه؟
ردت بإرهاق شديد يبدو عليها:
- خلصنا محاضرات وأنا كان عندي سيكشن النهاردة.. أنا نون وهي سين.. تقريبًا هي في مجموعة بعد بكرة... اتغديتوا ولا لسه؟
ابتسمت تهاني وقالت:
- كنا مستنينك نتغدى سوا.. اطلعي غيري بدل ما تريحي أكتر من كده وتكسلي ومتنسيش تصلي الضهر يا نور بدل ما العصر يدخل عليكِ.. وهاتي سلمى وأنتِ نازلة.
*********************
بدلت ملابسها وصلت فرضها، قرعت باب غرفة سلمى وطارق لتفتح لها الباب بوجه خالٍ من المشاعر، تعرف إنها ما زالت غاضبة من أخيها ولكن لا تريد الضغط عليها وفي ذات الوقت تريد أن تهون عليها وتشد من أزرها كصديقتها المقربة وليس كزوجة أخيها، فحاوطت رقبتها بذراعها بمزح:
- طالما ضاربة بوز كده متقوليش أنكوا اتخانقتوا.
تنهدت بسأم وقالت:
- ولا خناقة ولا حاجة مجرد مناقشة.
أدركت نور بأنها لا تريد الحكي فأكملت بنفس النبرة:
- طيب يلا يا ستي عشان الغدا.. عارفة جوعناكِ عقبال ما أجى.
ابتسمت سلمى وقالت:
- لا خالص.. كلوا أنتوا أنا مليش نفس.
ضحكت نور وقالت بمزح:
- لا معلش الكلام ده تقوليه لحماتك.. يلا يا أختي ألا أنا مش قادرة وعلى آخري.
ابتسمت سلمى، فنور بطريقتها تهون عليها الفترة التي تعيشها في كنف طارق، لن تنكر بأنها تشعر بالراحة والدفء وسط عائلته ورفضت الانتقال إلى منزلهم الخاص، حيث لا تكون بصحبة طارق وبوجوده بمفردها، هكذا أفضل بكثير لأنها كانت تعتبر فترة مؤقتة ويتم الانفصال بينهما.
جلسوا جميعًا يتناولون الطعام وتحكي كل من نور وسلمى ما حدث في يومهم من محاضرات وما يتعلق بدراستهم، بينما تتجاهل سلمى طارق ولم يتحدث محمود وتهاني بخصوص الخلاف الذي نشب بينهم منذ قليل طالما لم يتحدث أي منهم.
انتقلوا معًا بعد ذلك إلى الحديقة يحتسون الشاي في جو عائلي مرح، تناست فيه سلمى قليلًا ما يحزنها، يندهش طارق من ضحكاتها ومرحها معهم وعندما يغلق عليهم باب الغرفة تكون على العكس تمامًا، هذا الجانب المشرق الذي كان يتمنى أن يراه منها.
بعد قليل بحث عنها طارق ولم يجدها، بعدما انشغل بمكالمة مع إيهاب، فكر في نور لعل يجدها بغرفتها وكانت فكرة سديدة بالفعل.. تجلس نور بصحبة سلمى على الفراش وأمامهم أوراق ولوحات وألوان، يبدو أنهن في حالة من التركيز والمذاكرة الجيدة، تركهم وذهب هو لمقابلة إيهاب.
بمجرد أن أغلق الباب تنهدت سلمى براحة والتفتت لنور وقالت:
- عاصم جالي الكلية النهاردة يا نور.
تركت نور الفرشاة من يديها وهي تنظر لها ببلاهة:
- وكان عايز منك إيه ده إن شاء الله.
زفرت سلمى بشدة وشعرت بالضيق مجددًا عندما تذكرت حديثه:
- قال إيه عايز يرجعلي بسلامته.. طلع عارف كل أخباري كأنه ممشي ورايا حد.. عرف منين علاقتي بطارق وباللي بيعمله... تفتكري صلاح؟
قطبت حاجبها بتفكير:
- مين ده كمان؟
ردت سلمى بعقل منشغل:
- ده دراعه اليمين في كل حاجة.. من ساعة ما اتخطبنا وكل ما أروحله الشركة عشان في أوراق محتاجة فيها إمضته ألاقيه هناك.. بس لا مش معقول.
بعد تفكير هي الأخرى ولم تصل إلى إجابة:
- طيب وأنتِ ناوية على إيه.
ابتسمت سلمى وقالت وهي تكمل عملها:
- في أقرب حيطة ويخبط دماغه فيها.. قال أرجعله قال ده بيحلم.. بقولك إيه احنا بقالنا أربع ساعات بنشتغل أنا جبت آخري ما تيجي نغير جو كده ونفك.
ضحكت نور بشدة وصفقت بمرح شديد، لا تصدق ما تسمع:
- يا لوما يا جامد.. من إمتى الكلام ده يا بنتي ده أنا بتحايل عليكِ من زمان تغيري جو من قرف الكلية وملل البيت وأنتِ مفيش في دماغك إلا المذاكرة.
ابتسمت سلمى وأردفت بدلال:
- الله يا نور دي آخر سنة وعايزة أنجح يا ستي.. مش هيبقى جواز وتعليم رايحين في داهية أهو يعني عشان نقدر نكمل الامتحانات على الأبواب.. العملي كمان أسبوعين وإحنا لسه مخلصناش مشروع التخرج اللي مش عايز يخلص ده.. سيبي اللوحة يا فالحة وركزي في المشروع شوية.
نور تذمرت بطفولة وعقدت ذراعها:
- الله ما أنا من ساعة ما قعدنا وأنا شغالة فيه.. حد لطشني في عقلي وخلاني أدرس ديكور.. بس بصراحة عندك حق أنا كمان نفسي أغير جو.. بصي نخلص شوية في المشروع وبعدين نلبس ونروح أي حتة.
صفقت سلمى بحماس طفولي:
- قشطة جدًا.
عادت كل منهما إلى عملها، تركت نور اللوحة جانبًا وبدأت بالتركيز في مشروع تخرجها في حماس وهمة.. كأنهن أطفال صغار فرحين بنزهة كبيرة كمكافأة من والديهم على إنجاز فروضهم المدرسية، حقًا هن يحتجن لمثل هذه النزهة.
*********************
زرقة المياه منعكسة مع لون السماء في درجات متباينة من ألوانه الزاهية، ليأتي بصيص خفيف من الشفق، كأنها قطعة من البسكويت تغرق في كوب من اللبن الصافي.. بأمواجه الرقيقة على السطح يشرد طارق منذ صعوده على متن هذا القارب الذي على وشك التحرك بعد عدة دقائق على الأقل، شاردًا في تلك المياه أشبه بالتنويم المغناطيسي كلما يجلس أمامه يتذكر ويعيد ترتيب أولوياته، في هذا المكان الذي كلما ضاق به الحال يذهب إليه.
لا يزال طلب سلمى يشغل خاطره، كأنه لم يكن يتوقع أن تأتي في يوم وتقوم هي بطلبه، لم يتوقع أن يأتي اليوم ويتركها تمضي في حياتها كما تريد بدونها، لا يعرف لماذا شعر بالإحباط من ذلك، تعود على وجودها في حياته، ينظر في وجهها الطفولي كل صباح ويسمع صوتها عندما يوجه لها أي كلمة ولو كانت بسيطة وتقوم بالرد عليه ولو ببرود كعادتها ولامبالاة... أيمكن أن يُحرم من هذه الأشياء البسيطة ولن يراها مرة أخرى؟ ولو مجرد تفكير فقط في طلبها والنتائج المترتبة على عدم وجودها إذا طاعت ما تبغاه.
اقترب منه إيهاب الذي كان يستمتع بأجواء الموسيقى والصخب من حوله، ليربت على منكبه في شيء من المرح:
- إيه يا برو من ساعة ما جينا ومتحركتش من مكانك.. مع إني مكنتش حابب المكان.
رفع طارق حاجبه باستنكار:
- ده على أساس إنك من ساعة ما جيت مهمدتش في حتة مش كده!!
تغيرت تعبيرات وجهه إلى الضيق عندما تذكر أول مرة أتى إلى هنا بصحبة سارة ونظرة صديقه بها، ليعود لما كان ولكن بمرح مصطنع:
- عجبني الجو.. لانش كده وسط البحر والهوا تحفة والموسيقى ترقص لوحدها.. وأنت قاعدلي كده.
ضحك وقال بهدوء:
- طالما أنت مبسوط حل عن دماغي.. أنا حابب القاعدة هنا.
تنهد إيهاب وهو يتمعن المكان حوله، تغيرت ملامح وجهه للمرة الثانية تجهم عندما رأى سارة تقترب نحوهم، فربت على منكبه وقال بشيء من الجدية:
- طيب قابل يا عم..
سارة هنا
تسند رأسها على شباك السيارة وهي تشرد في السيارات المجاورة والأناس المترجلة في الشوارع في ملل كبير، ثم نظرت في ساعة يدها والتفتت إليها وهي تقطع الصمت بكدر:
- ما ترسِي في مكان بقى يا بنتي.. بقالنا ساعة عمالين نلف بالعربية من غير أي هدف وعمالة تقولي هظبطك وهبطبطك ولا شوفت ده ولا ده.
ردت نور وهي تقود السيارة بيد والأخرى ممسكة بهاتفها تتجول في إحدى مواقع التواصل الاجتماعي وتحاول الكتابة:
- استنى بس بدور في الجروبات أماكن جديدة نروحها بدل قعدة الكافيهات والنوادي اللي الواحد زهق منها.. بصي بيقولوا في مكان حلو أوي في بحري في يخوت وكده يلف لفة في البحر حسب العدد يعني ومزيكا وحاجة آخر دلع.. واحد كده عامل الموضوع ده بس شكله جامد جدًا.. ها إيه رأيك نروح؟
كادت أن ترد إلا أن سمعت صوت نغمة الرسائل، فتحتها لتجد الرسالة من رقم مجهول، اندهشت وقامت بقراءتها بفضول "جوزك مع واحدة في مركب على وسط البحر وحاجة آخر ضحك ودلع.. لو مش مصدقاني اطلعي بحري وأنتِ هتشوفي بنفسك".
شعرت بقشعريرة كبيرة تسري في جسدها ورعشة باردة جعلتها تتخشب وهي تقرأ الرسالة في صدمة وقلبها يدق بعنف شديد، تعرف بدلًا من المرة ألف مرة بأنه يكون بصحبتها ولكن من له مصلحة ليرسل لها رسالة كهذه؟ شخص يعرف طارق جيدًا ويراقبه ويعرف علاقتها به إلى أي مدى قد وصلت، وسبق وأن تحدث إليها بشأنها، هل يمكن أن يكون هو من أرسل إليها تلك الرسالة من رقم مجهول كي يفتعل مشكلة بينهم؟ لا.. عقلها أصبح مشتت ولا تعرف إن كان هو أم لا، فكل الأدلة والبراهين تنطبق عليه لا محال في ذلك.. ولكن يجب أن تتأكد من المرسل بنفسها، ولن تفتعل مشكلة معه إلا بعد أن تتأكد من ظنونها.
اندهشت نور من الصمت الذي طال بينهم، فلم تجب على حديثها ولم تنطق ببنت كلمة حتى، قطبت حاجبها ونظرت إليها قائلة:
- إيه يا بنتي بكلمك.. إيه رأيك؟
نظرت لها سلمى بوجه خالٍ من المشاعر، كأن الدماء هربت منه لتقول باهتمام:
- سوري يا نور سرحت شوية.. قولتي المكان ده فين؟
ردت نور وهي تقود دون أن تنظر إليها:
- في بحري يا قلبي.. ها إيه رأيك ندوس؟
نفس مكان وجهتهم، هل تلك صدفة أم قدر محتم أم موقف مدبر؟ لا لا تريد رؤيته بصحبتها، فصاحت بنور بغضب دون أن تشعر:
- لأ يا نور مش عايزة.
تعجبت من رد فعلها لتقول بعدم فهم:
- في إيه يا بنتي.. تعالي نشوف الجو أهو تغيير عشان خاطري.
أدركت أنها انفعلت دون أن تشعر ونور ليس لها أي ذنب بأن تطلق عليها غضبها، فلينت صوتها وقالت برفق:
- سوري.. بس أنا مش مرتاحة يا نور للمكان ده.. خلينا نروح أي مكان وخلاص على البحر مش لازم يخت... ما احنا خربناها قبل كده في شرم ومطروح لما كانت ماما عايشة فاكرة؟
ربتت نور على صدرها بطفولة وهي تحايلها:
- عشان خاطري يا لوما نفسي أجرب هنا في إسكندرية هتكون عاملة إزاي.
تنهدت بشدة وحيرة، تخشى رؤيته معها ولا تريد كسر خاطر صديقتها، فاضطرت إلى الرضوخ لطلبها:
- ماشي يا ستي أمري لله.. مش هزعلك بينا على بحري.
ضحكت نور بحماس وقالت:
- أيوه بقى... متحرمش منك يا قلبي.
عادت لنفس الوضع وهي تفكر أكثر من قبل، فزاد قلقها وهي تدعو الله أن يخفي عنها رؤيته.
********************
التفت طارق ليراها تقترب نحوه باسمة، وطبعت قُبلة على وجنته وجلست بجواره وهي تقول بدلال:
- وحشتني أوي يا حبيبي.
تفاجأ إيهاب وشعر بالضيق ثم قال:
- طيب هسيبكوا أنا بقى.
بلا مبالاة أردفت:
- ماشي يا إيهاب براحتك.
ابتسم طارق وقال وهو ممسك بيديها:
- وأنتِ كمان وحشتيني أوي..
كاد أن يتحدث قاطعته قائلة:
- مقولتش ليه إنك جاي كنا جينا سوا.
رد طارق بهدوء وهو يراقب رد فعل تعبيرات وجهها:
- ده كان اقتراح إيهاب.. عجبه المكان من آخر مرة جاه معاكِ فيها.
ظهر التوتر على وجهها وحاولت أن تتكلم بثبات:
- هو قالك إيه بالظبط؟
وضعت خصلات شعرها خلف أُذنها وهي منتظرة رده ليقول بنفس الهدوء:
- عادي يعني يا سارة مش حوار.. كلام من شهور عدت.. فكك يا حبيبتي.
دب الشك قلبها وبدأ ينبض بعنف وقررت تغيير مسار الحوار بأي شيء آخر، كانت تخشى بأن عرف ما كانت تنوي فعله من خطة للتفرقة بينه وبين زوجته، يجب أن تجد مخرجًا للكارثة التي حلت عليها وها قد وجدت المخرج في الوقت المناسب.
فلمست كفها وجهه بدلال بالغ:
- هو احنا مش هنتجوز بقى يا بيبي؟
*******************
وصلت سلمى ونور إلى مكان اليخت الذي مازال على مرساه، وكان الجو بديع وهو يقترب على وقت الغروب، اتكأت بذراعها على السور وهي تبحث بعينيها عنه وقلبها ينبض بشدة رهيبة، أرادت أن يكون المرسل كاذبًا وأنه ليس على متن هذا اليخت.
حاولت أن تزيل هذه الرسالة الموترة من عقلها وتستمتع بهذا الجو البديع والمنظر الخلاب، بينما نور تنظر للبحر وتتمايل مع أنغام الموسيقى بمنكبها وهي ثابتة في مكانها.. تلفتت بنظرها مجددًا لتكمل البحث لعلها تستريح من هذا القلق لتجده يقف بالقرب منها وتلك المسماة خطيبته في وضع غير لائق بمكان عام ومفتوح بهذا الشكل، نظرت لها باستحقار وشفقة على ما تفعل وهو مستجاب، حزنت ودبت الغيرة في قلبها لرؤية زوجها مع أخرى ولا تعرف لماذا تشعر بذلك وهي لا تكن له مشاعر، لا تعرف سبب ألمها لمجرد رؤيته.. أدمعت عيناها وأبت بالنزول، فبعد هذا الموقف أدركت أنها حقًا لا تعني له أي شيء، وجودها في حياته مثل عدمه، فكل فرصة تعطيها له تؤكد بأنها مضيعة للوقت ليس إلا.. تأكدت أن قرارها هذا سليم ولا تراجع فيه حتى تحفظ كبرياءها وكرامتها.
يا له من يوم أعتقد بأنه لن يمر بسلام على الإطلاق، إنها حقًا لكارثة وقنبلة الهيروشيما سوف تنفجر فوق رأسه الآن قبل أي شيء، لقد رآها على متن هذا اليخت ولا يعرف إن كانت قد رأته أم لا، على كل حال يجب أن ينبه قبل أن تحل به كارثة.
أشار له فلا يستجيب، تناول هاتفه وحاول الاتصال به ولكنه كان ينهي المكالمة عدة مرات وهي في غيظ شديد من تصرفه هذا، ليس بوقت مناسب وما العمل إذا؟!
وجدتها نور ساهمة لا تتحرك، فقط عيناها تلمع وتتمعن في شيءٍ ما أمامها، نظرت هي الأخرى لتصدم بالواقع، لترى أخيها مع هذه وهي تقترب منه بهذه الحميمية دون خشية أو حياء حتى، لا تصدق ما تراه وكانت تخشى من رد فعل سلمى لأنها كما يقول اتقِ شر الحليم إذا غضب، ولكنها انحرفت قليلًا عن هذه المقولة في الفترة الأخيرة، ومن يدري أن تعود إليها مرة أخرى بعدما رأت ما رأته لتوها.
وضعت كفها على منكبها برفق، تريد أن يرحلوا من هنا في أسرع وقت فقالت:
- سلمى..
قاطعتها سلمى بمنتهى البرود واللامبالاة قائلة:
- عرفتي ليه لما قولتلك إني مش مستريحة للمكان هنا؟!
اندهشت نور ونظرت لها بتوتر ونبرة حزن:
- أنتِ كنتِ عارفة مش كده؟!
أومأت سلمى برأسها دون النظر إليها، فقط عيناها منصبة عليهم في وجع.. وبدون أي كلمة وجدتها تتحرك إليهم واتبعتها نور وقلبها يدق بكل عنف وقلق من رد فعلها وهي تشعر بألمها.
ذهب إيهاب خلفهم فلن يستطيع إيقاف سلمى في هذا الوقت وأدرك إنها حلت الكارثة.
********************
اتسعت عيناه دهشة مما سمع، فلم يتوقع بأنها هي سوف من يبدأ في فتح هذا الموضوع بينهم، على الرغم من فتحه في بداية الأمر وكانت مترددة بشأن خطبتهما ولكن ماذا حدث ولما هي متسرعة في قرار زواجهم، فرد بتلقائية:
- غريبة اللي جاب الموضوع ده في دماغك دلوقتي.. أنتِ كنتِ لما بجيبلك سيرته بتغيري الموضوع.
رن هاتفه للمرة الرابعة وأنهت الاتصال وهي تنظر بطرف عينيها قائلة "ده أنت رزل يا إيهاب".
فاقتربت وتلاصق جسدها بجسده وقالت وهي تهمس في أذنيه:
- أبدًا يا حبيبي كل الحكاية إني حسيت إننا بنضيع وقت في الخطوبة دي.. واحنا عارفين بعض بقالنا سنين يبقى إيه لازمتها نطول فيها كده.
تعجب طارق من أمرها، نعم يريد الزواج بها وكان يقدم على هذه الخطوة ولكن الوقت غير مناسب من حيث علاقته بسلمى وبوالديه ليست مستقرة حتى الآن، فقال بتفكير:
- أنتِ عندك حق بس شايفة الظروف اللي احنا فيها.. ورد فعل أهلي لو عرفوا إننا خلاص هنتجوز.. أنتِ عارفة كويس يا سارة موقفهم منك آخر مرة إزاي.. ثم أطلق سلمى الأول وساعتها أكون فاضيلك تمامًا.
مجرد أن سمعت اسمها انزعجت بشدة، تشعر بالغيرة الشديدة عندما يقدر لها اعتبارًا وحسابًا كبيرًا، كأنه يخشى رد فعلها وحزنها، فعقدت ذراعيها أمام صدرها في غضب وتذمر شديدين:
- هو كل ده وسيادتك لسة مطلقتهاش!!.. مستني إيه عايزة أفهم.
زفر بشدة وقال بضيق:
- يا سارة يا حبيبتي.. سبق وقلتلك أن علاقتي بأهلي شبه بايظة أجي وأطلقها في الوقت ده مش هينفع.. هيحصل قريب متقلقيش من ده.. ثم متحطيهاش في دماغك دي بقت لا بتهش ولا بتنش.. خليني أشوف أتنيل أصلح علاقتك بأهلي إزاي.
على الرغم أنها سوف تكون في حياته ولو بشكل مؤقت إلا إنها فرحة وسعيدة من نجاح ما تسعى إليه وقريبًا سوف تكون حرم طارق الأبياري عاجلًا وليس آجلًا، ابتسمت بخبث وهي تقول بود:
- أنا مستعدة أصلح الوضع ده ولو عايزني أعتذرلهم على اللي حصل معنديش مشكلة خالص.
أمسك يديها وقال بحب وهو لا يصدق تغيرها:
- بجد يا سارة!!.. مش كنتِ معترضة إنك تتكلمي معاها وزعلتي من آخر مرة؟!
وضعت يديها على وجهه بشكل حميمي وهي تقول بدلال وحب:
- طبعًا يا عيون سارة.. مستعدة أعمل أي حاجة عشان نفضل سوا.. ثم مش المفروض بردو حماتي تكون راضية عني؟!
قبل يديها وهو ينظر في عينيها:
- بحبك أوي بجد.
في هذه اللحظة كانت سلمى ونور تقفان أمامهم، نظرت نور لأخيها بازدراء واشمئزاز وخيبة أمل وهو يحاول أن يهرب من نظراتها عندما تفاجأ بوجودهن فجأة بدون أي مقدمات أمامه، تخشب أمامهن من المفاجأة ولا يعرف ماذا يقول أو ماذا يفعل، فقط صدمة رد فعلها فاقت كل شيء.
ليجدها باسمة وتبدو طبيعية تمامًا كأن شيئًا لم يحدث، فقط أقبلت عليه مردفة بهدوء:
- إيه الصدفة الجميلة دي.. مش كنت تقول وتاخدني معاك أنا ونور..
لجم لسانه ولا يعرف ماذا يقول ولا يستوعب الذي يسمعه، نظر لسارة التي لم تتوقع أن يكون هذا رد فعلها على الإطلاق وقال بعدم استيعاب:
- آآ أنتِ بتعملي إيه هنا؟
ردت باسمة وبكل طبيعية:
- مفيش زهقنا من المذاكرة فنور اقترحت عليا إننا نخرج ونيجي هنا من باب التغيير.. فرصة سعيدة يا آنسة سارة.. مش سارة بردو!!..
فتحت نور فاها من صدمة الكلام، أومأت سارة ولا تستطع التفوه بأي كلمة، لتتركهم سلمى وتذهب من حيث أتت.
عقله شُلّ ولا يستطيع التفكير ووزن الأمور، يشعر بأن هناك خطأ ما يحدث. هذه ليست سلمى التي يعرفها، كأنها فتاة أخرى يتعرف عليها لأول مرة. مشاعر كثيرة متداخلة ليس لها تفسير من محل الموقف. ليقترب منه إيهاب وهو يمسح شعره بيده في حيرة وعدم تصديق ليثور به طارق بغضب:
- أنت يا بني آدم ما قولتليش ليه إنها على اليخت. أنا أول مرة أحس إني مشلول ومش عارف أتصرف. يكفي هذا التصرف المتناقض، يفعل شيئًا ويقول عكسه. ليصيح به بغضب:
- أنت هتستعبط يا طارق! إيش حال ما كنت برن عليك أربع مرات وبتكنسل عليا.
نظر لسارة بحنق وبيدها هاتفه، توترت وبررت فعلتها سريعًا وهي تتلعثم:
- شوفتها جاية علينا وقلت هتقطع خلوتنا وأنت يا حبيبي مش ناقص.
نظروا إليها بغضب لينفعل عليها طارق:
- لا والله! تصدقي اقتنعت! يعني كنتِ عارفة إنها موجودة. تصدقي صح أنا مش ناقص وأنتِ حقيقي بتخافي عليا. بجد مش مصدق إنك أنتِ اللي بتعملي فيا كده. وقربك مني كده عن قصد عشان تشوفنا وتحصل مشكلة. احمدي ربنا إنها ما تهورتش وجابتك من شعرك.
أصبحت في خانة اليك دون مفر، فحاولت الهروب من نظرتهم الغاضبة فبررت بتلعثم:
- يا حبيبي والله ما مقصودش حاجة أنا كنت...
قاطعها إيهاب على الرغم إنه لم يكن يريد البوح بشيء، ولكن طالما عرف طارق إنها عن قصد عدم إخباره فله الحق في معرفة كل ما هو فات:
- زي ما بالظبط كانت قاصدة إنها تجيلك الأوتيل الصبح.
نظر لها طارق بصدمة ولا يعرف ماذا يقول، فقط من فرط عصبيته جذبها من ذراعها بشدة والنيران تنطلق من عينيه بكل غضب:
- ليه يا سارة ليه. أنتِ السبب في كل المصايب اللي حصلت دي؟ وما تقوليش عشان زفت بحبك. اللي بيحب بجد ما بيأذيش اللي بيحبه. بيخاف عليه من كل حاجة بس واضح إنك ولا بتحبيني ولا بتخافي عليا.
تركها ورحل تمامًا، غادر اليخت وخلفه إيهاب بعدما نظر لها بازدراء من أخمص قدميها إلى أعلى رأسها. وقفت وهي خاسرة كل شيء ولا تعرف إن كانت هذه حقًا بالفعل النهاية أم لديها جولة أخرى يجب أن تفوز بها.
يقود بسرعة وهو في كامل غضبه وبجانبه يجلس إيهاب، الذي يخشى أن يتحدث معه وهو في هذا الوضع. ليقطع هو الصمت بعدما شعر بأنه كان يصدقها وواثق من حبه لها هي من تسببت في كل هذا مع سلمى والخلاف الكبير الذي كاد أن يؤدي لانفصالهما أول يوم زواج، وكل ما تحمله للوصول إلى هذه اللحظة سيذهب سدى.
رواية صفقة حب الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم شيماء جوهر
يقود بسرعة وهو في كامل غضبه، وبجانبه يجلس إيهاب الذي يخشى أن يتحدث معه وهو في هذا الوضع. ليقطع هو الصمت بعدما شعر بأنه كان يصدقها وواثق من حبه لها، هي من تسببت في كل هذا مع سلمى والخلاف الكبير الذي كاد أن يؤدي لانفصالهما أول يوم زواج، وكل ما تحمله للوصول إلى هذه اللحظة سيذهب سدى.
التفت لإيهاب وقال منفعلًا:
"أنت كنت عارف إنها قاصدة ومقلتليش يا إيهاب؟"
رد إيهاب مدافعًا بسرعة:
"أبدًا والله أنا عرفت لما قابلتها. روق كده بس وشوف هتعمل إيه مع سلمى."
تذكر ملامحها ونبرة صوتها المخالفة لعيناها، ليشرد ويقول بحزن:
"سلمى عايزة تطلق."
تجهم وجهه وحزن، فلم يتمنى أن يبتعد عنها، يرى بأنها تستحقه أكثر من سارة التي تحاول استغلاله، وحاول نبش أعماقه ليستنبط ما ينوي فعله:
"مش ده اللي كنت عايزه؟ اللي حصل؟"
زفر وقال بشرود ودون تركيز:
"مش عارف. من ساعة ما قالتلي وأنا متلغبط وبفكر. مكنتش متوقع في يوم إنها هي اللي هتطلبها. مش عارف بجد."
ابتسم إيهاب وسأل بجدية:
"أنت بتحبها يا طارق؟"
التفت إليه طارق في دهشة:
"لا طبعًا مش مسألة حب. يمكن تعود على وجودها مش أكتر."
ابتسم بخبث وهو يقول:
"يا راجل قول كلام غير ده. ده حب وإلا كنت زمانك أخدت القرار ده من زمان ومترددتش لحد دلوقتي."
حاول أن ينكر ما يقول، هو بنفسه لا يعرف إن كان يحبها أم لا. عندما وجده استغرق وقت في التفكير قال:
"أنت مدتش فرصة لنفسك عشان تعرف يا طارق. أديها من حقها."
كيف له أن يحبها وهي لا تحبه وتتجنبه؟ ما مصير سارة حاليًا في حياته؟ أيسامحها ويغفر لها أم يصرف نظر عنها؟ حقًا لا يعرف، وإن فعل ففرصته الوحيدة هي رفض سلمى الصفقة التي اقترحها عليها، فماذا إن وافقت بالفعل؟
*********************
تدخل الشركة والشرر في عيناها، هي على شك كبير بأنه هو من فعلها بكل تأكيد لا محال.
مرت بالسكرتيرة ولم تقف حتى لمناداة السكرتيرة لها، وتوجهت نحو مكتبه مباشرة لتفتح الباب باندفاع كبير والسكرتيرة خلفها تحاول اللحاق بها بدلًا من توبيخ مديرها.
لا ينكر إنه اندهش كثيرًا من مجيئها له هنا، حسب إنها فكرت في حديثه مليًا وعادت حساباتها وسوف تعود إليه لا محالة، ولكن لما كتلة الغضب التي هجمت عليه مرة واحدة؟
وقف باسمًا لاستقبالها:
"وأنا بقول الشركة نورت ليه. روحي أنتِ."
وجه الكلمة الأخيرة للسكرتيرة لتهم بالخروج وتتركهم سويًا بعدما أغلقت الباب خلفها.
اندفعت سلمى واقتربت من مكتبه وبكل اندفاع:
"ممكن أفهم أخرة اللي بتعمله ده إيه؟ مش عايزاك هو بالعافية."
لم يفهم ما تعنيه، فقال بهدوء:
"اللي حصل بس. أهدي كده عشان أفهم."
صاحت باندفاع وانفعال:
"أنت فاهم كويس أوي أقصد إيه."
أشار إليها نحو المقعد وهو يكمل:
"أنا مش عارف بتتكلمي على إيه. ممكن تقعدي عشان نقدر نتفاهم."
جلست في المقعد المقابل له وقالت بنبرة شبه هادئة بعدما سكنت قليلًا:
"المسدج اللي بعتهالي من رقم غريب عشان معرفش إنه أنت. جوزك مع واحدة في مركب على وسط البحر وحاجة آخر ضحك ودلع. لو مش مصدقاني أطلعي بحري وأنتِ هتشوفي بنفسك. مش كده؟!"
قاطعها سريعًا وبغضب:
"أنا مبعتش حاجة يا سلمى ولاحظي إنك بتوجهيلي اتهام مباشر في مكتبي. أنتِ عارفاني كويس مش أنا اللي استخدم الأساليب الرخيصة دي عشان اوصلك بدليل إني جيتلك بنفسي. ولو عايزك هاخدك لو إيه حصل."
صاحت به بغضب بعدما فكرت في كلامه، معه حق أولًا وأخيرًا:
"لو مش أنت هيكون مين اللي عارف تحركتنا غيرك ها!!"
دب الشك في قلبه، فنظر لها بجدية وقال وهو يمد يداه نحوها:
"هاتي موبايلك كده."
ترددت ثم أعطته إياه، تفحص الرسالة وتجهم وجهه عندما رأى الرقم، ثم أعاده إليها:
"شوفي مين إللي له مصلحة في إنه يبعتلك حاجة زي كده. واضح إنه منكاد منك وسبق وقلتلك لو عايز أعرفك حاجة هعرفك بنفسي."
شردت في كلامه والغضب يملأ رأسها، نهضت وهي تنظر له في غضب وتلك البسمة المنتصرة على شفتاه.
خرجت من المكتب وغادرت الشركة وهي سوف تجن من مرسل هذه الرسالة. بمجرد أن اختفت عن ناظره، تحولت تلك البسمة لنظرة غاضبة، تناول هاتفه وبدأ في مكالمة:
"تعالي الشقة حالًا."
*********************
وصل المنزل وصعد مباشرة إلى غرفة نومهما فلم يجدها، فذهب لغرفة نور لعل وعسى يجدها. قرع على الباب ثم دخل بعدما سمع الإذن بالدخول، وجد نور في الغرفة بمفردها ويبدو عليها الضيق، بتردد سأل:
"سلمى فين؟"
ردت نور بضيق:
"معرفش. قالتلي ارجعي أنتِ هروح مشوار في السريع وهيرجع على طول."
كان يريد أن يتحدث منها ويبرر الموقف ولكن لم يستطع والتردد يأكل رأسه فغادر الغرفة على الفور، لتتعقبه نور بعيناها بحزن وضيق في ذات الوقت.
*******************
حاول الاتصال بها مرارًا وتكرارًا ليجد الهاتف مغلق أو غير متاح، قلق عليها وفكر إلى أين ذهبت. زفر بشدة وتذمر على تصرفها، يريد أن يتحدث إلى نور مرة أخرى ولكنه لا يعرف لماذا يشعر بالخجل منها لمشاهدته في هذا الموقف السخيف، حمد لله إنها لم تكن موجودة في المنزل ليلة زفافه وأنها لا تعرف بما حدث وقتها.
حسم أمره وذهب إليها، قرع على الباب ولم ينتظر أمر الدخول، نظرت له نور وشعرت بأنه يريد التحدث إليها، فكلما تشعر بالحنين إليه تتذكر ما قاله في حقها، تعلم ما كان يتفوه به في هذه اللحظة من غضب، ولكن أحيانًا يخرج ما بداخلنا دون أن نشعر في هذه اللحظة، لذلك فهي حزينة على التفكير بها بهذا الشكل، ماذا لو كان لم يعرفها وإنه قريب منها، ماذا سيفعل؟
جلس على فراشها وتركت هي الأوراق ما بيديها وانتبهت له، تنتظر منه بدأ الحوار بدلًا من التردد المرسوم على وجهه... طال الصمت بينهم لتقطعه هي:
"خير يا طارق في إيه تاني؟"
اندهش من أسلوب حديثها، ليعقد جبينه ويتساءل:
"من أمتى واحنا سطحيين مع بعض كده يا نور؟"
ردت نور بجدية وهدوء معاتبة إياه:
"أسأل نفسك يا طارق. أنت اللي وصلتنا لكده."
زفر بشدة وهو مدرك ما تلوح إليه، يشعر بالندم من لحظة غضب وتهور، من تلك الكلمات التي لم تكن بمحلها على الإطلاق، حاول أن يصلح الأمور بينهم بأسف:
"أنا بجد آسف. مدرك إنها جات متأخر أوي. معرفش أنا قلت كده ازاي في لحظة طيش. مكنتش أتمنى أبدًا إننا نوصل للمرحلة دي يا نور أنتِ عارفة كويس أنتِ بالنسبالي إيه. صحيح مبعرفش أعبر عن اللي جوايا بس يتحس من أفعالي."
شعرت بالصدق في نبرته، تجمعت الدموع في مقلتيها لتتذكر كلماته مجددًا، استجمعت قواها وأكملت بعتاب وجدية:
"أنت ازاي شوفتني كده يا طارق؟ ازاي جاه في دماغك أن يكون فيه حاجة بيني وبين يوسف لا ومن ورا أهلي؟ أنت مدرك قلتلي إيه ولا معنى الكلام ده أصلًا إيه؟ أنت مش عبت فيا لوحدي يا طارق عشان تكون فاهم. أنا من اللحظة دي ومش قادرة أسامحك ولا اعديلك الكلمتين دول لأنهم وجعوني أوي يا طارق لأن اللي قالهم أقرب الناس ليا. أخويا الكبير. سندي وضهري بعد ربنا وأبويا. أنا زعلانة عليك أكتر ما أنا زعلانة منك."
مسح دموعه التي هربت من عيناه دون أن يشعر، تألم ودخلت كلماتها في وجدانه كالسهم المنطلق إلى هدفه بكل ثبات، شعر براحة بأنها أفضت بكل ما داخلها ناحيته، فالعتاب على قدر المحبة ولو لم تكن تحبه لن تعاتبه، فالعتاب يهدم أسوار بين روحين كاد الخلاف أن يمحي علاقتهم ومحبتهم للأبد، أكثر ما يتمنى في الفترة الماضية هي تلك اللحظة التي تصفو من ناحيته.
مسح الدمعة المتساقطة وقال بأسف وهو يملس على وجنتها:
"حقك عليا يا نور. سامحيني... مش قادر استحمل اللي بتعملوه فيا أنتِ وبابا من ناحية وسلمى من ناحية."
قاطعته بعتاب:
"سلمى أنت ظالمها يا طارق بإهمالك وعدم اهتمامك بيها. أنا مبحسش إنك متجوز خالص. سلمى أطمن مبتتكلمش ومش هتتكلم وتطلع اللي بينكوا برة. بس باين من معاملتك ليها وعينيها... مش عايزاك تقل من نظري بعد اللي شوفته النهارده ولا من سلمى حتى كفاية اللي حصل قبل كده."
انتبه لها جيدًا وشعر بالدماء جفت من عروقه ليمسك بيداها بلهفة:
"هو اللي حصل؟"
رفعت حاجبها باستنكار:
"أنت نسيت اللي سارة عملته يوم فرحكوا الصبح. أوضة النوم."
فتحت فاه بصدمة وشعر بقشعريرة تسري في جسده، لقد أكدت والدته بأنها لم تخبرها شيء، ابتلع غصته وقال:
"عرفت ازاي؟ أنتِ قلتي لها أي حاجة؟"
ردت نافية:
"هي اللي سمعتني وأنا بتكلم. حاولت أوضحلها الموضوع مرضتش تسمع أي حاجة ووشها قلب. طبيعي إنها تضايق."
مسح وجهه في غضب، هذا ما كان يخشاه وقد حدث، لهذا السبب كانت تعامله بهذه المعاملة الجافة، تتجاهله دائمًا ولا تتحدث إليه في بداية زواجهما. لقد فسر ولو جزء بسيط من حياته معها، وأدرك أنه أخطأ في حقها بعض الشيء، ما كانت نظرتها إليه إذا عندما علمت؟
التفت إليها وهو يفكر في هذه المشكلة، لا يحب أن يظهر لهن بهذه الصورة فأسرع وقال:
"على فكرة أنا مليش ذنب ومعملتش حاجة هي اللي طلعت الأوضة و..."
قاطعته نور وقالت سريعًا قبل أن يشعر بالذنب:
"ماما قالتلي على كل حاجة وعرفت كل اللي حصل. بس سلمى متعرفش ومش عايزة تعرف."
تنهد بيأس وقال بلطف:
"المهم أنتِ يا نور. ما كفاية بقى. أنا آسف بجد حقك على راسي أنا مش عارف قلت كده ازاي."
نظرت له بعتاب ومن داخلها تشعر بالراحة أن أخيها سوف يعود إليها مرة أخرى، فقالت بقليل من المرح وعلى شفاتها بسمة صغيرة:
"ماشي يا سيدي تبقى تفكر الأول قبل ما تتكلم ها. عشان خاطر سلمى بس."
عقد جبينه وهو يقول بدهشة:
"سلمى!!"
ابتسمت نور وقالت وهي تتذكر حديثهما سويًا:
"أيوة. كلمتني النهارده في علاقتنا سوا وقعدت تتكلم معايا طول الطريق قبل ما تنزل وتسيبني."
شرد وحاول ربط الموقف بالصفقة التي طرحها عليها، أيمكن أن تكون نفذت ما طلبه منها؟ كانت معترضة سابق الأمر، ابتسم ثم نظر لشقيقته:
"ماشي يا ستي."
حضن بقى بمناسبة رجوعنا لبعض.
ضحكت نور وقام طارق بضمها إلى صدره، كان فرحًا بعودة ومكسب شقيقته، اشتاق إليها ولحديثهما معًا، يشكر سلمى من داخله أن أتيحت له تلك الفرصة.
أما نور فقد اشتاقت لأخيها هي الأخرى، لكل ما هو ماضٍ، ومنتظرة لكل ما هو آتٍ، تتمنى فقط أن يترك سارة وشأنها، فلم تستطع أن تطلب منه أن ينفصل عنها، فقط سوف تتركه يحدد مصيره بنفسه حتى لا يندم بعد ذلك.
*********************
نظرت سلمى لنور والأفكار تتسلسل إلى عقلها واحدة تلو الأخرى، تحاول أن تتماسك حتى لا تندم على أي قرار مقدمة عليه مستقبلاً، فهي تعرف جيدًا ما سوف يكون مصيرها المحتوم عندما تنوي تنفيذ هذا الاتفاق المزعوم من طارق، على الرغم من اعتراضها على أن يكون مقابل للطلاق ولكن بعد ما شاهدته بعينيها وسمعته بأذنها قررت إنها على الطريق الصحيح ولا رجعة فيه، قطعت الصمت الذي دام قرابة خمسة عشر دقيقة ونور تخشى أن تتحدث إليها وهي في هذه الحالة، لتندهش من رد فعلها في الوقت الحالي:
- أنا ملاحظة أن علاقتك بطارق مبقتش زي الأول يا نور .. أوعي أكون أنا السبب باللي حصل ده كله.
ابتسمت نور بحزن وقالت:
- لا خالص يا سلمى .. أنتِ عارفة كويس أن مفيش حد له ذنب في كل اللي حصل ده لا أنا ولا أنتِ ولا حتى طارق .. كل الحكاية إني اتصدمت من تفكير أخويا اللي مكنتش أتوقع يفكر فيا بالشكل ده.
عقدت جبينها وقالت باهتمام:
- اللي حصل؟
ابتسمت بألم وهي تتذكر كلماته وتقول بضحكة ساخرة:
- تخيلي مفكر أن في حاجة بيني وبين أخوكِ من يوم الميتنج اللي عملناه لما هربتي!! .. كنت ساعتها روحت وراه كنت خايفة عليه معرفش من إيه .. بس وقتها كأن روحه ضاعت منه وتايه مش عارف يعمل إيه ..
اندهشت وهي تسمع هذا الكلام لأول مرة:
- يوسف!! .. أنا لغاية دلوقتي مش فاهمة أنتوا قلبتوا على بعض ليه .. لا هو عايز يتكلم ولا أنتِ عايزة تتكلمي .. في إيه يا نور؟
صاحت بها دون أن تشعر:
- معرفش يا سلمى معرفش .. اسألي أخوكِ اللي غيره من ناحيتي فجأة .. فجأة كان بيقرب مني واحدة واحدة فترة اختفائك ولما رجعتي قلب عليا من غير سبب .. هو فاكر إيه بالظبط يقرب زي ما هو عايز ويبعد زي ما هو عايز!! .. أنتِ عارفة كويس أن مفيش حاجة بيني وبينه بس ليه يعاملني كده من غير مبرر حتى ده اللي هيجنني يا سلمى.
ربتت على منكبها برفق وهي تشعر بكل ألمها وحزنها، مقدرة مشاعرها وأدركت أن إجابة السؤال لدى أخيها، ولكن ما أدركته في الوقت الحالي أن حدث بينهم تناغم في مشاعر كل منهم دون أن يشعر الطرف الآخر، وفجأة بدون أي مقدمات انسحب مما جعلها تدخل في دوامة لا تعرف مجراها.
أردفت والدموع تتلألأ في عينيها وصوتها تغير تدريجيًا:
- طيب أهدي عشان خاطري .. سيبك من يوسف دلوقتي خلينا في طارق .. سامحي طارق يا نور وكفاية بُعد عشان خاطري .. عارفة أن اللي قاله جارح أوي ومأثر على نفسيتك عشان جاه من أقرب الناس ليكِ .. بس البُعد بيعلم الجفا مع الوقت قلبك هيقسى وأنا عمري ما شوفتك قاسية أنا بستمد المرح والتفاؤل منك يا بنتي .. لو مكنتيش في حياتي في الفترة اللي كان بابا فيها بالمستشفى مكنتش عارفة هعمل إيه .. طارق مننكرش إنه غلط واتعاقب من تجاهلك ومن مامتك وباباكِ أنا شوفت ده بنفسي وحسيت بيه، أنتِ نفسك علاقتكوا ترجع زي الأول ومفتقداها زي ما أنا كمان مفتقدة أخويا اللي تخلى عني لما لقاني .. متعمليش زيي يا نور ومتخسريش كل حاجة .. أنا أمي وأبويا وأخويا دلوقتي .. بس لما تعاتبيه وتفهميه اللي عمله وأنه عمره ما يفكر هيعمل كده تاني لأنه أتعلم الدرس خلاص .. فكري كويس.
مسحت دموعها وتركت نور شريدة في كلامها، ويبدو عليها الميل له بشكل كبير، لا تريدها أن تعيش أو تشعر بما مرت به، يكفي هي من عاصرت كل هذا بقلب مفتور، حزينة على جُل الخسائر وأكبر خسارة لها هي أخيها.
خرجت من شرودها وهي تتذكر أول خطوة على هذا القرار القاسي على قلبها قد تمت بنجاح نوعًا ما، فهي على يقين بتفكير نور في كلامها بشكل جدي.
تنهدت بشدة ولا تريد أن تعود المنزل في الوقت الحالي منذ أن تركت شركة السيوفي وهي سوف تُجن، من له المصلحة في ذلك غير عاصم التي على الرغم من معرفتها به وبطباعه إلا أنها تصدق ما قال لأول مرة.
حسمت أمرها وانحرفت عن طريقها وقررت أن تقوم بزيارة السيدة سميحة لتنهي أول خطوة.
*********************
قامت سميحة وفتحت الباب لتجد أمامها سلمى بابتسامتها التي اشتاقت إليها، ضمتها إلى صدرها بحنان الأم التي تفتقده بشدة، وهي لا تريد ترك هذه الضمة على الإطلاق.
رحبت بها بشدة وكان في الخارج كل من يوسف وأمير يساعدان سميحة في وضع الطعام على المائدة، نظر إليها مطولاً في اشتياق أخوي ويريد ضمها إليه، عيناها تعاتبه تريد مسامحته ولكن ليس الآن، فقط عندما يتقن الدرس جيدًا.
جلسوا واطمأنت على أحوالها، ثلاثة أشهر وعلاقته بها سطحية وقد سئم، لاحظت سميحة نظراته إليها وشعرت بأنه يريد التحدث إليها منفردًا ويُصلح علاقته بها، نهضت ووجهت حديثها إلى أمير:
- يلا يا أمير تعالى ساعدني نحط باقي الأكل عشان سلمى تتعشى معانا.
ابتسم يوسف لها، على هذا الموقف البسيط فخلى المساحة ليتقرب منها، انشغلت سلمى في هاتفها كي تتجنبه ومن داخلها تتمنى أن تعود علاقتهم كما كانت، قطع الصمت قائلاً بعدما تنحنح:
- مش كفاية بقى يا سلمى ثلاث شهور وزيادة وأنتِ مش معبراني يا دوب على قد الكلام.
رفعت عينيها والتفتت إليه مردفة بهدوء:
- أنت بدل ما تحميني منه سلمتني ليه يا يوسف .. شوف عمل فيا إيه بعد كده!! .. كان هيجرى إيه لو كنت سبتني هنا ولما الموضوع يهدى شوية أرجع .. أنت كنت عطيني الأمان وفجأة أخدته منه .. أنت كنت أماني يا يوسف وهدمت كل ده في ثانية .. كنت بداري فيك .. إيه كنت خايف على رد فعله!!
كلماتها موجعة له، كان لها الأمان، فعل ماضٍ انتهى، والأمان كلمة كبيرة تعبر عن الكثير من المشاعر والأحاسيس .. عن اطمئنان ودفء لا مثيل له كأن الدنيا على ريش يمامة لا يشغل بال أو عقل بأي شيء يحدث حولك، ينفي الخوف والقلق وكل ما يريب النفس من شعور، قد حطم كل شيء بموقف ويسعى لبناءه مرة أخرى، رد والندم واضحًا في صوته:
- منكرش إني كنت خايف من رد فعله بس كنت خايف عليكِ منه أكتر ألا يأذيكِ عشان كده أصريت إنك ترجعي البيت لأني لو رجعت من غيرك مكنتش عارف كان ممكن يعمل فيكِ إيه أكتر من كده .. أنتِ وحشتيني أوي يا سلمى على الحلوة والمرة كنا سوا .. وحشتني أختي اللي كل مصايبنا كانت واحدة وياما غطيتي عليا فاكرة؟
ابتسمت سلمى وهي تتذكر أيامهم معًا ليكمل:
- وحشتني ضحكتك .. حقك عليا فكيها بقى وأنا آسف بجد لو كنت ضايقتك واتخليت عنك بس كنت خايف عليكِ بجد .. خلينا نرجع اللي فات أنا مبقاش حد ليا غيرك مش هيبقى أمي وأنتِ يا سلمى .. صافي يا لبن؟
ابتسمت سلمى وكانت تتمنى أن تسمع كل هذا مبكرًا عن هذا، ولكن يكفي عقاب طيلة هذه المدة وقد عرف إن الله حق، قدر قيمتها واعترف بخطأه، فقد اشتاقت إليه هي الأخرى ومفتقدة وجوده، ستحاول إعطائه فرصة أخرى بأنها ترى إنه يستحق:
- حليب يا قشطة .. ماشي يا يوسف عقبال ما تحن على نور.
اندهش وشعر بخفقان قلبه:
- نور!! مالها؟
أردفت بخبث وهي تحاول قراءة تعبيرات وجهه:
- بذمتك مش عارف مالها .. هتستعبط عليا يا يوسف تاني ولا إيه .. مش فاكر آخر مرة عاملتها إزاي وقبل كده كان إزاي!! .. يا أخي دي لما بتشوفوا بعض كأنكوا واكلين سد الحنك .. هو فيه إيه بالظبط يا يوسف ومن أمتى معاملتك اتغيرت معاها بالشكل ده .. ومتقوليش ده كده من زمان لأنك عارف كويس أوي إنك كنت بتعاملها برسمية بس الأسلوب ألطف من كده بكتير .. وأنا مش همشي من هنا غير لما تجاوب على سؤالي يا قاتل يا مقتول.
قاطعها وهو يصيح:
- إيه يا بنتي حيلك حيلك .. ده احنا لسة متصالحين حتى.
صاحت بجدية وبنبرة تحذيرية:
- أنجز وجاوب أنا بقولك أهو .. أنا جاية مخصوص عشان الموضوع ده .. اللي غيرك من ناحية نور فجأة قربت منها وبعدين بعدت من غير مبرر .. ما تتكلم متنحلي ليه!!
لا يريد أن يتحدث في هذا الموضوع، نور صفحة من حياته، قصة لم يبدأ فيها بعد وانطوت، شعر بالاختناق وصاح بها بغضب وهو موليًا وجهه عنها:
- مش حابب أتكلم في الموضوع ده لو سمحتي يا سلمى.
استفزها رده فأمسكت وجهه ناحيتها وبتحدي:
- لا أتكلم يا يوسف .. طالما قلت كده يبقى في حاجة وحاجة كبيرة كمان.
سكت ولم يرد، تنهدت وحاولت أن تلين معه قليلاً:
- احنا مش مجرد إخوات يا يوسف وعمرنا ما خبينا حاجة على بعض .. أنا عارفة من زمان إنك معجب بنور ومتقلش لأ .. كان واضح جدًا من نظراتك ومعاملتك ليها لما بتشوفها في الشركة .. اللي حصل يمكن أقدر أساعدك .. إنما سكوتك ده مش حل.
معها كل الحق فيما تقول، لقد سئم من نفسه ومن معاملته لها كالشخص الغريب وأكثر من ذلك، من تجاهله وهو يشتعل من داخله، نعم لن ينكر أن نور تروقه وبشدة ولكن ما حدث في هذا اليوم أوجع كرامته وقرر أن ينسحب قبل أن يبدأ، فلا يستطيع أن يتحمل أكثر ويجب أن يزيل ولو قليل ما على صدره، وحديث سلمى ومواجهتها في هذا الوقت كان بمثابة نجدة له وحبل ولو صغير ليستطيع أن يخرج إلى النور من هذا الكهف المظلم، فصاح بها وأفصح عما بداخله:
- أيوه يا ستي مش هنكر إني معجب بيها بس مينفعش .. والسبب جوزك.
اندهشت سلمى وقالت بعدم فهم:
- طارق!! وإيه دخل طارق في الموضوع؟
قص عليها مكالمة طارق يوم اختفائها وهي لا تصدق ما تسمع، شعرت بالضيق الشديد وعرفت ما يُحكى في غيابها، توعد له في غضب شديد:
- بقى أنا مجنونة يا طارق!! .. أنا بقى هوريك الجنان اللي على أصله .. عملت لي سودة مش كده!! .. حلو أوي.
تنهدت بغيظ وهي تتوعد له أكثر وقررت أن لن تغفر له بسهولة، ويوسف لا يعرف في ماذا تفكر وقلق من تفكيرها .. ثم نظرت إليه وقالت:
- بيطلع غضبه عليا فيك تقوم أنت مطلعه على نور .. هو السبب في الخلاف اللي حصل بينكوا .. أنا دلوقتي عرفت قلبت عليها ليه عشان الكلمتين اللي قالهم لحظة غضب .. بس أنت غلطان يا يوسف كان المفروض تعرفها وتفهمها لكن تصرفك مكنش سليم مفيش أي مبرر يغفرلك اللي عملته ده .. حاول تكلمها وترجع الماية لمجاريها.
تهرب منها يوسف لأنه يخشى مواجهة نور بالفعل:
- لا مستحيل .. أنسى يا سلمى مش هقدر ..
أنا جرحتها قوي.
ابتسمت وسندت كفها على منكبه مردفة بلطف:
لازم تصلح غلطتك ويكون لك الشجاعة إنك تعترف بيه.
صاح بها بحنق وقال:
يووووووووووه بقى يا سلمى!
زفرت بحيرة وضيق ثم قالت بتحذير:
أنت حر يا طارق بس مترجعش تندم في الآخر.
نهضت وتناولت حقيبتها قائلة:
طيب أنا لازم أمشي دلوقتي.
نهض هو الآخر وقال في لهفة كأنها والدته ولا يود منها الرحيل:
إيه ده أنتِ رايحة على فين؟ خليكِ شوية ملحقتش أشبع منك.
ابتسمت سلمى بحب على هذه العودة المجيدة وقالت:
تتعوض الأيام جاية كتير.
في هذه اللحظة خرجت سميحة وأمير من الداخل، اللذان كانا فرحين بشدة وهما ينظران إليهم يتحدثون براحة وكل منهم يفتح قلبه للآخر. بعد أن رأوا سلمى تهم بالرحيل، أقبلت عليها سميحة بالاعتراض:
إيه ده أنتِ رايحة فين يا سلمى؟ مش هتروحي إلا لما تتعشي معانا الأول.
ابتسمت سلمى وحاولت الاعتراض:
مرة تانية يا عمتو عشان اتأخرت ومش معرفة حد إني هنا خاصة طارق. وقبل ما تسألي لأ مش متخنقين.
ضحكت تهاني وأمير ليقول بمزاح:
ما شاء الله، حافظة كمان ردودها وعارفة هتقول إيه.
ابتسمت سلمى وقالت بمزاح:
طبعًا أومال. يلا هجيلك تاني يا عمتو متقلقيش.
ابتسمت سميحة وقالت بحب:
متغيبيش عليا يا سلمى، وسلميلي على حماتك.
ابتسمت وقالت:
حاضر، يوصل إن شاء الله.
*******************
عادت من المنزل وهي في فرح وسعادة، كأنها استعادت روحها من جديد برجوع علاقتها بأخيها مرة أخرى، وبمحاولة لين عقله اتجاه نور، التي شعرت بأنه اقترب من التفكير في حديثها ويبدأ التحرك بالخطوة الأولى.
ركنت السيارة وتستعد بالنزول وهي تلملم في أشيائها. فتحت هاتفها لتجد عشر مكالمات من طارق في أوقات متباينة. دلفت للداخل وصعدت مباشرة إلى غرفتها لتجد طارق في انتظارها. أغلقت الباب ولم تنظر له بل دخلت إلى الحمام مباشرة. اندهش بعد ذلك سمع صوت المياه إذ بها تغتسل. هدوؤها وصمتها أصبحا لديه كفيلم رعب يخشى من ردود أفعالها، لا يطمئن عندما يراها بهذا الشكل.
بعد قرابة عشر دقائق خرجت سلمى وقالت بكل هدوء:
يا تدور وشك يا تطلع برة لغاية ما ألبس.
لا يريد أن يخرج ويتركها، فابتعد قليلًا موليًا ظهره، وبدأت هي في ارتداء ملابسها. عقب انتهائها جلست على الأريكة وفتحت حقيبتها وتناولت منها الهاتف وجلست تتفحص فيه دون اكتراث لوجوده. عقد جبينه في تعجب من تصرفها ولا يعرف ماذا تنوي أن تفعل بعد رؤيتها له في هذا الموقف السخيف، لا يعرف من أين يبدأ فتنحنح وقال بنوع من الثبات:
سلمى.
ردت ببرود دون النظر إليه:
يا نعم.
تنهد وأكمل بنفس النبرة:
روحتي فين؟ مش كنتِ مع نور؟
ردت بعدما فكرت مليًا بالإجابة:
كنت عند عمتي في حاجة؟
توتر وخشى أن تكون قصت لها أي شيء، شعرت بصمته ولجومه وأدركت ما يفكر فيه، لتجيب على تساؤله بسخرية:
متخافش مقولتلهاش حاجة. سبق وقلت لك أن اللي بينا مش هيطلع برة. زيارة عادية كنت عايزة أشوف عمتي وأخويا.
جلس بجانبها وقال بترقب:
مش مستريح لسكوتك ده. مكنتش عارف إنها موجودة وجات سلمت عليا و...
قاطعته قائلة بجدية وحزم:
كنت متخيلة أني هثور وأزعق لما أشوف واحدة تانية في حضنك زي ما عملت قبل كده! مفيش فايدة من العتاب اللي أنت عايزه هتعمله. مهتم تبررلي ليه وأنا بالنسبالك ولا حاجة يا طارق ولا نسيت؟! أنت حر.
لجمت لسانه ولا يعرف ماذا يقول، معها الحق في معظم ما تقوله، ولا يعرف لماذا شعر بالضيق من لامبالاتها ألا تشعر بالغيرة منها؟ فرد بازدراء:
مبقاش يهمك يعني؟
ابتسمت وقالت بتهكم:
تقدر تقول كده. أصل أنا المجنونة اللي سبب المشاكل بعملتي السودة مش كده برده؟ فالمجنونة دي مبقاش همها عشان متعملش مشاكل تانية مع أهلك وأنت مش ناقص. وعشان كده أنا موافقة على عرضك أهو بالمرة عشان تخلص من المجنونة وتركز مع خطيبتك بدل ما أنا عملالكوا قلق.
تركته وخرجت من الغرفة، ليغرق هو في تفكيره بكلامها، معنى ذلك أنها حسمت أمرها وعقدت قرارها للابتعاد عنه، وعليه أن يوفي بوعده لها بالانفصال عنها عقب إتمام هذه الصفقة.
********************
جلست أمام حمام السباحة شريدة، تبقى خطوة على الخلاص ولكن قلبها يزرف في مقابل تحملها وصبرها، سمعها ومشاهدتها لما لا تستطيع غيرها الصمت عن أي رد فعل ولو غاضب حتى، إنما هي قررت أن تكتم في داخلها حتى تنهي مهمتها.
خرجت من شرودها على لمسة تهاني لها على منكبها، انتفضت من مكانها في فزع ونظرت بجانبها لتجدها، تنهدت براحة ثم ابتسمت قائلة:
خضتيني يا طنط.
ضحكت تهاني وقالت:
اللي شاغل عقلك يتهنى بيه.
ابتسمت هذه المرة ولكن بحزن:
الامتحانات على الأبواب ولسة مخلصتش مشروع التخرج.
ربتت على يدها وقالت بحب:
ربنا يبارك في وقتك وينجحك أنتِ ونور وتتخرجوا على خير إن شاء الله.
ابتسمت بثقة في الله وأمل:
يا رب بجد. ادينا بنشتغل في المشروع أهو وربنا يسهل.
نظرت لها تهاني مطولًا ثم قالت بجس نبض:
أخبارك إيه مع طارق؟ مزعلك في حاجة؟
التفت لها وقالت بجمود:
الحمد لله يا حبيبتي كويسين مع بعض. هو يقدر؟ متقلقيش.
أمسكت يداها وقالت بنبرة حانية يشوبها الحزن، فاندهشت سلمى:
متزعليش منه يا سلمى. أنتوا لسة في بداية جوازكوا ووارد تقابلوا مشاكل في حياتكوا وأنا عارفة إنك بنت عاقلة وهتعرفي تعديها. من زمان وأنا بتمنى تكوني مرات ابني... مش هلاقي زوجة زيك لطارق. كان نفسي جوازكوا يكون في ظروف أفضل من كده بس أهو النصيب أما بيصيب مبيشوفش. والحمد لله أن جوازكوا مستقر ومبسوطين. ربنا يديني طولة العمر وأشيل عيالكوا يا حبيبتي.
شعرت بالقشعريرة تسري في جسدها، تحبس الدموع في عينيها ولا تستطيع أن تبوح أو تتكلم بأي كلمة كانت، شعرت بصدق كلامها ومشاعرها، مشاعر الأمومة الطاغية لأبنائها ولها في الوقت ذاته، لا تريد كسر خاطرها وتعترف بما ينويان فعله وإنها سوف تبتعد عنه عما قريب، وكل أحلامها التي تتمناها سوف تذهب سدى، كانت تتمنى أن تكون علاقتها بطارق كما تظن ولكن كل شيء نصيب أولًا وأخيرًا. ارتسمت بسمة مصطنعة وقالت:
إن شاء الله يا حبيبتي. كله بأوانه. آه بالحق عمتو بتسلم عليكِ كتير.
ربتت على وجنتها وقالت بمرح:
الله يسلمها وحشتني. تبقي تسلميلي عليها كتير. ربنا يهدي سركوا ويرزقكوا بالذرية الصالحة. قومي يلا عشان نتعشى سوا وأنا هطلع أنادي نور.
نهضت وتركتها تفكر في حديثها الذي يصعب عليها قرارها ويؤزمه بشدة وهي ترى هذه المشاعر وهذا القلب المحب، وضعت عشمها فيها وهي لن تستطيع أن تفي بها.
نادت تهاني على الخادم في هذا الوقت اختبأ طارق جانبًا حتى لا تراه، فقد سمع كل الحوار الذي دار بينهن، شعر بأن اختياره الداخلي يفوق على اختياره الخارجي.
تناولوا الطعام معًا في جو أسري جميل، ولم يزل عيناه عنها أبدًا، بتأمل ضحكتها وابتسامتها وحديثها المرح مع أسرته، لاحظت تهاني وابتسمت بسعادة وهي تدعو الله أن يجمع شملهم أكثر.
لم تستطع الهروب من نظراته لها ولا تعرف لماذا يتمعن معها لهذه الدرجة، تشعر بخفقان قلبها وهي تسترق النظر إليه بين الحين والآخر لتراه إن كان ما زال يراقبها أم صرف نظره عنها لتجده ينظر إليها، ليستمر في خفقان قلبها أكثر وأكثر.
عندما ذهب كل من في المنزل إلى غرفته، جلست سلمى على الأريكة وهي تهندم فراشها استعدادًا للنوم في صمت تام ولم تتحدث إلى طارق ولم تعطه فرصة لذلك وهو يشعر بالحَنَق من تصرفها ولامبالاتها كأنه غير موجود معه في الغرفة، حاولت النوم وهي الطريقة الوحيدة للهروب من عينيه، حاول هو أيضًا النوم ولكن عقله كان منشغل بكل ما حدث في هذا اليوم ويراجع حساباته.
********************
في صباح اليوم التالي استيقظت سلمى في وخم، فتحت عينيها لتنتفض من مكانها وهي تكتم صراخها وتلهث بشدة، ماذا تفعل في فراش طارق بهذا الشكل وماذا حدث بينهم؟
رواية صفقة حب الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم شيماء جوهر
في صباح اليوم التالي، استيقظت سلمى في وُخم، فتحت عيناها لتنتفض من مكانها وهي تكتم صراخها وتلهث بشدة. ماذا تفعل في فراش طارق بهذا الشكل؟ وماذا حدث بينهما؟ عقلها شُلّ تحاول تذكر أي شيء ولكن لا يوجد. دقائق ثم خرج طارق من الحمام عاري الجذع، تلتف منشفة حول خصره، ولّت وجهها في توتر وهي تصيح به:
إيه ده؟ استر نفسك!
رد وهو يخفف شعره في هدوء:
صباح الخير، كل ده نوم؟ كأنك منمتيش بقالك سنة!
نهضت من مكانها وأردفت باندفاع:
أنا اللي جابني هنا؟
استغل دهشتها واقترب منها بشدة وقال بخبث:
بجد مش فاكرة؟
توترت من قربه نحوها بهذا الشكل الحميمي لتعود هي للخلف، ردت بجمود عكس ما بداخلها:
لأ مش فاكرة حاجة، اللي حصل امبارح... ما ترد!
نظر لعينها مطولًا وقال بنفس الأسلوب:
ده أنتِ كنتِ ومحدش سمى عليكِ!
غلت الدماء في عروقها فانتفضت من مكانها كالإعصار وصاحت بغضب شديد:
أنتِ بتقول إيه؟ إيه اللي حصل بينا؟
ضحك وقرر أن يكتفي إلى هذا الحد، فقد تلفت أعصابها ليقول بنبرة هادئة كي تهدأ من روعها قليلًا:
اهدِي يا سلمى، والله العظيم ما حصلش حاجة، كنت بهزر معاكِ، كل الحكاية إنك ما كنتيش مرتاحة في نومك والكنبة صغيرة وضيقة طول التلات شهور دول، شوية وكنتِ هتقعي فصعبتي عليا شيلتك ونيمتك جنبي.
هدأت قليلًا ولكن من سمح له بذلك؟ فانزعجت قائلة:
هو أنا كنت اشتكيتلك؟ ثم ده هزار ده؟ سيبت ركبي يا مفتري!
ابتسم واقترب أكثر بخبث:
طيب افرضي حصل، إيه يعني؟ ما أنتِ مراتي على سنة الله ورسوله، هو أنا جايبك من الشارع؟ هيجرى حاجة؟
قلبها دق بعنف واحمر وجهها خجلًا لتدفعه بقوة وهي تنهض وتقول بتحدي:
أنت بتحلم، ما اتفقناش على كده!
ضحك وقالها بمرح لأول مرة:
لأ ما الحاجات دي ما فيهاش اتفاق، ثم احنا ما اتفقناش أصلًا!
دخلت الحمام سريعًا دون أن ترد عليه وقلبها ما زال ينبض بشدة في توتر، وهي تندهش من أسلوبه معها لأول مرة.
*********************
نزل طارق وهو يشعر بشيء غريب لا يجد له تفسير، يحب مناغشتها فتغضب وتصيح أمامه مثل الأطفال، يحب أن يرى خجلها وابتسامتها التي تحاول جاهدة إخفاءها.
تجمعوا على المائدة ووجهت تهاني حديثها لطارق:
أومال سلمى فين يا طارق؟
رد بهدوء:
بتاخد شاور ونازلة على طول.
ربتت على يدها وقالت بحب:
خد بالك منها يا طارق، سلمى أصيلة وما تلاقيش ضفرها.
تنهد بقوة وقال وهو يرشف فنجان القهوة:
والله قولي لها هي يا ماما وحنني قلبها عليا شوية.
ضحكت تهاني ليتدخل محمود قائلًا:
عمرها ما تحن عليك إلا لما تتعدل معاها الأول.
كاد أن يرد فسمع صوت جرس الباب، ذهب الخادم ليفتح، لحظات وظهرت أمامهم سارة، الجميع اندهش من وجودها خاصة طارق الذي نهض من مكانه وصاح غاضبًا:
أنتِ اللي جابك هنا؟
مسكت يدها برفق وقالت بتوبيخ بسيط، على الرغم من الموقف السابق بينهم:
ما يصحش كده يا طارق، دي في بيتك.
ردت بحزن مصطنع:
بقى دي مقابلة تقابلني بيها يا طارق؟ عجبك يا عمو؟
رد محمود بجدية وهو على مضض:
خير يا سارة، إيه سر الزيارة المفاجئة دي؟
ابتسمت وقد سنحت لها الفرصة للتقرب منهم، وقالت بود زائف:
طارق وحشني، قلت أجي أشوف خطيبي وبالمرة أصالحه وأشيل سوء الفهم بتاع الفرح.
ردت تهاني بغضب مكتوم، فكلمة "خطيبي" لم تبتلعها وتتمنى أن تنفض هذه الخطبة بأي شكل:
سوء فهم!! المهم إنك تكوني معترفة بغلطك، أنا ما بقولكيش إنك ما تزوريهوش بس للزيارة حدود وأنتِ تخطتيها يا سارة.
ابتسمت وقالت بود:
ما هو عشان كده أنا جاية أعتذر، يا ريت ما تكونيش زعلانة مني.
قالت تهاني بضيق:
يا ريت اللي حصل ده ما يتكررش تاني، حدودك هنا فوق أنسي.
ابتسمت وقالت بجراءة:
يبقى خلاص صافي يا لبن.
وجاءت كي تجلس بجانب طارق صاح بها وقال بصرامة:
ده مكان سلمى.
شعرت بالإحراج والضيق، فابتسمت تهاني ونور من مراعاة لشعورها في غيابها، لتردف سارة بضيق:
وهي فين دي؟
سمعت صوت قريب جدًا من خلفها يقول:
أنا هنا، في حاجة؟
التفوا جميعًا إلى مصدر الصوت، فابتسمت تهاني وتوتر طارق من وجود سارة في وجودها وتذكر ما حدث أمس، أقبلت عليها تهاني وقالت باسمة:
صباح الفل يا حبيبتي، يلا مستنينك.
جلست بجانب طارق في المقعد المخصص لها، لا تنكر إنها كانت فرحة من داخلها على موقفه من ناحيتها ولكن ليس مبررًا كي تشفع له بعد.
أما سارة فكانت تشعر بالغليان في داخلها، فذهبت وجلست بجوار نور وأصبحت مقابلة لهما والحقد بدأ يتسرب مليئًا إلى عقلها قبل قلبها.
بدأوا في تناول الطعام، ابتسمت سلمى على المشهد الذي أمامها من نظرات سارة الغاضبة لطارق الذي يبادلها نفس النظرات، إلى أن تصافت قليلًا من ناحيتها، فقد ناولته قطع الخبز وقامت بحشوه بنفسها، لترفع سلمى إحدى حاجبيها بازدراء ولم يروق لها الوضع، ونور تكتم ضحكتها على تعابير وجه صديقتها، على عكس الزوجان متعجبان من هذه التصرفات أمام سلمى ومدركان إنها تعرف لا يجب أن تتعامل معه بهذا الشكل أمام زوجته على الأقل، لذا قررت أن تعكر صفوها بكل تلقائية.
كل هذا وهي على قصد أن ترى سلمى مدى حبهما، وما يشعر سلمى بالضيق هو تجاوب طارق معها، إلى أن فجرت سارة تلك القنبلة في وجههم جميعًا، موجهة حديثها لطارق:
عايزين بقى نحدد ميعاد الفرح زي ما اتفقنا امبارح يا طارق.
نظرا والداه إليه في تعجب مما سمعوا، كل منهم لا يريد هذه الزيجة من الأساس، نور وسلمى حالة من اللامبالاة لكل ما يجرى أمامهن، وهن على علم بذاك القرار من قبل فقط منتظرين سماع إجابته، ولكن لم تنتظر نور وقالت ببلاهة وهي تتفحص ملامح أخيها:
جواز!!
ابتسمت سارة وقالت ببرود وثقة عالية:
آه طبعًا جواز يا نور، مش آخرة الخطوبة والحب اللي بينا تلات سنين هيكون إيه غير كده؟
حاول طارق الإفلات من نظرات شقيقته التي توحي بالغضب والاستنكار، لتقبل تهاني بسؤاله:
صحيح الكلام ده يا طارق؟
ليردف محمود هو الآخر ولكن بجدية وتفهم:
من أمتى وأنت بتتخذ قرارات مصيرية زي الجواز من غير ما ترجعلنا يا طارق؟
رد طارق بهدوء وهو يشعر بنظرات سلمى تلاحقه، الذي كان بمثابة سكين طُعن في قلبها:
حضرتك عمرك ما أجبرتنا أنا ونور على حاجة أبدًا خاصة الجواز، واللي حصل كان خارج إرادتي وإرادتنا كلنا لظروف معينة وأهي خلصت، إنما دلوقتي من حقي أعمل اللي أنا عايزه، جوازي من سلمى ما كانش اختياري إنما سارة قراره كان باختياري وكامل إرادتي.
قبضت سلمى يدها بقوة وهي تستمع إليه، محاولة منها جمع شتاتها والتماسك أمامهم وأن لا تظهر ضعيفة وتُريها بأنها حققت هدفها، شعرت بها نور من رعشة يدها فأمسكتها حتى لا يلاحظ أحد منهم.
أكمل محمود بنفس النبرة:
بس كنت هتحدد ميعاد الجواز قبل ما ترجعلنا يا أستاذ؟
رد طارق سريعًا كي ينقذ الموقف:
لأ طبعًا، أنا لسه ما اديتهاش كلمة، كنا بنتناقش بس.
ابتسمت سارة ووجهت حديثها إلى محمود وهي تنظر لسلمى بطرف عينيها:
ما خلاص بقى يا عمو مش الشرط اتنفذ، أنا استحملت طارق كتير عشان يمر من الورطة دي الله أعلم مين السبب فيها عشان نتجوز بقى والحمد لله إنها خلصت نستنى إيه تاني!! أصلي بحبه أوي يا نور.
وجهت الجملة الأخيرة لسارة وما زالت عيناها معلقة على سلمى، التي جمدت قبضتها أكثر من ذلك ونور استشاطت غضبًا، كادت أن ترد أوقفتها سلمى عندما ضغطت على يدها وقررت أن توقف هذه المهزلة، فابتسمت ساخرة:
تخيلي يا نور سارة من كتر حبها في طارق راحت له وهو عريس الأوتيل يوم الصباحية، ما هي دي اللي سابني عشانها يوم الصباحية تخيلي، حرام مش قادرة على بعده، ربنا يهنيكوا ببعض.
وكان هذا كالصاعقة فوق آذان تهاني ومحمود، والصدمة الكبرى لطارق وسارة الذين لم يتوقعوا أن يكون هذا رد فعلها على الإطلاق.
نظروا إلى طارق بصدمة وعدم استيعاب، وسلمى ونور يشاهدان في صمت وعلى ثغرها بسمة صغيرة.
صاح محمود بغضب:
إيه اللي سمعته ده؟ مش كنت ساعتها في الشركة؟
هنا تبادلت تهاني نظراتها بين محمود وطارق، ولأول مرة تسمع عن هذا الموضوع حتى من زوجها، توتر طارق وارتبك وهو ينظر لسلمى بغيظ وقال بتلعثم:
لأ ما هو د د د ده بعد ما جيت من الشركة اتفاجئت بيها بتقولي جاية.
أكمل صياح وهو يوجه نظره نحو سارة:
كنت بتعملي إيه عنده؟ مش جيتي الفرح وقبله!!
لم تستطع الرد، نظرت لسلمى التي تبتسم لها بانتصار وتحدي بحقد وغل، وحاولت أن تجد مبرر قوي لوجودها:
أنا ما عرفتش أنام الليل يا أنكل وأنا واثقة ومتأكدة.
إنه مع واحدة تانية حتى لو جوازه كده وكده.
عقدت تهاني جبينها وقالت بعدم فهم:
قصدك إيه بكده وكده؟
ابتسمت سارة وقالت:
يعني جواز قدام الناس وبس، على ورق يعني وأنه لحد دلوقتي ما لمسهاش.
رمقها نظرة غاضبة وحارقة للغاية، وهي حاولت أن تتفاداها، فصاح بها في غضب:
ساااااارة..
توترت سلمى كثيرًا هي وطارق، وُضعت في موقف محرج للغاية وهو شيء خاص بينها وبين زوجها، فقد صرح الأخير به لسارة دون علمها وهذا الشيء قد أثار غضبها.
كانت صدمة كبيرة على الجميع، كانوا يعتقدون أن زواجهم بات طبيعيًا ولكن تلك المفاجأة الأخرى قد أثارت ريبتهم ودهشتهم، فجميع العيون انصبت عليهم بتساؤلات كثيرة، ما كان على خفاء ظهر أمام الجميع.
نظرت لها تهاني وأردفت بعدم تصديق:
صحيح الكلام ده يا سلمى؟ ما تتكلم يا طارق، أنتوا طبيعة علاقتكوا إيه بالضبط؟
لم يرد أحد منهم، تجمعت الدموع في عيونها وكادت أن تسقط، تحملت قدر المستطاع طيلة هذه الفترة وأيقنت أن اتفاقهم مستمر ولن يعرف به أحد، فقد أفشى سرهم وجاء اليوم للإعلان به.
يجلس محمود في صمت وعدم تصديق، ينتظر أي رد فعل منهم، ينتظر إجابة تشفي ما بداخله، كذلك نور التي أدركت إنها لا تعرف أي شيء على الإطلاق عن طبيعة علاقتهم ولم تتحدث سلمى إليها بشأنهما.
صاح محمود بجمود:
ما تتكلمي يا بنتي.
رفعت رأسها وحاولت أن تتماسك، وقالت وهي تحاول الحفاظ على اتزانها بجدية:
سواء الكلام ده حقيقي ولا لأ دي حاجة تخصني أنا وجوزي، ومش من حقه إنه يطلع كلامنا بره.
لسه كلامنا مخلصش.
وجهت آخر جملتين لطارق بعتاب كبير وحزن أكبر، نهضت ثم غادرت المنزل على الفور.
نهضت نور وقبل أن تلاحقها قالت لوالديها:
- بعدين الكلام.. لما نرجع من الكلية مفيش وقت.
ذهبت الفتاتان ولم يتبق سواهم، يشعر بالندم والضيق والغيظ من تصرف سارة، ألا يكفي ما حدث على اليخت وعلاقته نوعًا ما أصبحت مستقرة معها لتأتي اليوم وتدمر كل شيء في ثوانٍ، وقبل أن يقبل عليه والده بالحديث نهض هو الآخر ورحل.
نظرت تهاني لمحمود بصدمة وعدم تصديق، لتستغل سارة لحظة تشتتهم كمن يضع السم في العسل:
- سوري يا طنط كنت فاكراكوا عارفين.. عن إذنكوا.
ابتسمت بمكر ورحلت، خفض محمود رأسه بين طيات يديه وهو يحاول استيعاب ما حدث للتو، كل هذا يجري دون علمه أو حتى الشعور به، وهما يعيشان معًا تحت سقف واحد، يشعر بأنه في حلم غريب ولا يعرف من الأساس شكل علاقتهما، ولا يعرف إلى أي مدى يمكن أن ينتهي.
ويراجعان تصرفهما في الشهور الماضية، إلى دقة متناهية للتعبير عن واقع مخادع غير الذي يعيشون فيه ليوهموا الناس أجمع بأنهم كأي زوج وزوجة.
رفع رأسه وبدأ بالحديث معها محاولًا وزن الأمور:
- ثلاث شهور غير شهر العسل وهما عايشين مع بعض زي الأخوات!! واحنا ولا عارفين حاجة، لا وكمان ده كان اتفاق ما بينهم جوازهم يبقى على ورق وبس.. عارفة ده معناه إيه؟
تنهدت تهاني وقالت بحزن:
- عارفة.. الاتنين مش طايقين بعض ولا عايزين يعيشوا مع بعض.. بس للدرجة دي يا محمود!! معقول تحت سقف واحد.. إزاي؟! كأنهم محترمين على بعض.. واضح إنهم مخططين للفراق من أول يوم.. عايشين مع بعض إزاي؟! وأنا اللي كان نفسي أشوف ولادهم وبدعي ربنا يهدي سرهم.. سلمى شايلة ومعبية.. مشوفتش من ساعة ما سارة جات وعمالة تلقح بالكلام إزاي وقاصدة تضايقها!!
بعد تفكير في كلامهما اكتشف أنها لديها الحق في كل كلمة، خاصة ما يتعلق بسارة لذلك أردف بجدية:
- زي ما هي عايزة تهز علاقتنا بيها إنها خبت علينا الاتفاق اللي ما بينهم.. بتحاول توقع ما بينا من الآخر يا تهاني.. طريقة كلامها كلها غيرة منتظرة تاخدها بالحضن مثلًا!!.. البنت دي مش سهلة أبدًا وواضح إنها لاعبة بدماغ ابنك.. حرصي منها على قد ما تقدري.
تنهدت تهاني وقالت بحزن أكبر:
- معاك حق يا محمود.. أنا كنت ماسكة نفسي بالعافية والله العظيم ومستغربة هدوء سلمى وسكوتها، واحدة تانية مكنتش سكتت عن اللي حصل ده.
نهض محمود وقال:
- يرجعوا بس ولينا كلام تاني معاهم.. لازم نفهم أصل الموضوع من جذوره.. متحاوليش تتكلمي مع أي حد فيهم.. عايز أواجههم ببعض.. أنا لازم أطلع على الشركة دلوقتي وهرجع على الغدا.
ابتسمت رغم عنها مودعة إياه:
- مع ألف سلامة.. في انتظارك.
**********************
قلبها يؤلمها بشدة، لم تتصور بأن يفعل بها هذا، ولم يبوح؟ سارة!!.
لا تعرف كيف واجهت أهله ولكن ردها كان سليم، هي حافظت على علاقتهما على عكسه، كانت تريد أن تبقى الصفقة التي عُقدت بينهم على مساحة من الحرية بينهم ولا يعرف بها أي مخلوق إلا بعد تنفيذها حتى لا يحدث مشكلة وتتعقد الأمور مثلما سوف يحدث بعد ذلك، وهذا الموقف أثبت لها بأنها كانت على حق في قرارها ولن تتنازل عنه مهما كان بعد الآن، وخير دليل ما تفوه به كلاهما، يجب أن تستمر في صفقتها الجديدة ولا تخون العهد كما خان هو.
لم تستطع حتى الحديث إلى نور، ولم تعطها الفرصة لذلك، فانطلقت مسرعة بسيارتها كالبرق حتى تهرب من تلك المواجهة، والتي سوف تنتظرها المواجهة الكبرى عند عودتها.
وصلت نور الكلية والأحداث تشغلها، وتفاصيل قد ظهرت أمامها وغيرها مخفية لم تعلم عنها شيئًا بعد، حزينة على وضعها الذي لم يكن باختيارها، على الرغم من ذلك فهي مقدرة كل التقدير السبب ويذهب العامل الأساسي في هذا الأمر، يجب أن تسمع من كلاهما.
********************
رشف إيهاب من فنجان القهوة الذي أمامه، ويسلم على المارة بجواره، فالكافيتريا تعتبر في ساحة الكلية بالقرب من مبنى المحاضرات.
نظر له وهو يفكر في الأمر كثيرًا، فقد لفت انتباهه ولم يعره، بدأ الريب يتسرب إلى قلبه ولا يثق في كلام أو تصرفات سارة بعدما حدث منذ قليل، لا تفعل ذلك إلا بهدف واضح وصريح، ولكنها لم تتعظ بعد المشادة بينهم كأنها تعرف...
رنين الهاتف لم يصمت، تأفف إيهاب وقال:
- ما ترد يابني بدل الصداع ده.
صاح به في غضب:
- بعد كل اللي حصل من تحت راسها عايزني أرد عليها!!.. مش متنيل وادي الفون أهو.
أمسك بهاتفه وأغلقه تمامًا، ثم ألقاه أمامه على الطاولة في غضب وضيق، تنهد بعمق وعاد لشروده من جديد يفكر في تلك المشكلة التي تصادف بها أمام أبويه، قطع الصمت صوت إيهاب:
- ما تتكلم يابني وطلع اللي جواك ألا يطقلك عرق.
صاح به طارق في ضجر:
صاح به منفعلًا:
- أقول إيه أكتر من اللي أنا قولته!! أنا بجد مش مصدق هي ليه بتعمل كده.. لو بررت إن ده حب مستحيل، بتصرفاتها دي بدل ما تقربني منها بتبعدني عنها.. أهلي ميعرفوش الصفقة اللي بيني وبينها غيرك أنت وسارة.. والمفروض محدش يعرف إلا بعد ما يتم كل حاجة ع الأقل وبقيت في نظرها دلوقتي خاين للأمانة متعرفش إن كل التخطيط ده حصل من قبل ما أعرضه عليها.. اللي صعبان عليا في الموضوع ده أمي اللي كل ده مفكرة إن جوازنا بجد.
نظر له مطولًا ثم أردف بجدية:
- وليه ميبقاش بجد يا طارق.. إيه اللي ناقصها؟
لم يخطر بباله هذا السؤال من قبل، ولكن على ما يبدو أن الإجابة غير متوافرة لديه الآن، صمت قليلًا ثم أجاب:
- عمري ما فكرت فيها بالشكل ده.. لأنها بالنسبالي أمر واقع واتفرض عليها.. أنا معرفهاش ولا بحبها ولا بكرهها.. بجد مش عارف.
ابتسم وهو يقترب منه بعدما شعر بالتداخل والحيرة التي وقع فيها:
- أنا بقى عارف إنك بتحبها.. في مشاعر بس مستخبية لأنك ببساطة مدتش نفسك فرصة عشان تعرفها ولا حتى تقرب منها.. سلمى من واقع كلامك عنها أنها مبتجيش أبدًا لا بالصوت ولا بالعناد صدقني بالسياسة هتكسبها.. أنا خايف لو سيبتها هتندم ومتنساش إن الزفت اللي اسمه عاصم ده بيحوم عليها ومش هيسيبها من آخر مرة راحلها الكلية.
زفر وقال بضيق:
- مستحيل يكون حب لأ.. ممكن أكون اتعودت على وجودها.. وعلى أساس إنها عطياني فرصة.. تصرفتها كلها جافة وصد مش طيقاني أفهم.. غير أنها مصممة على الطلاق.
تنهد وشعر بأنه اقترب على إقناعه:
- عشان أنت السبب في كل ده.. هي مش حاسة إنها متجوزة ولا فيه راجل في حياتها.. هي حرفيًا لوحدها ولا أنت مش حاسس بكده!! وقتك كله مع سارة ضحك وهزار هتجيبلها وقت منين عشان تحبها ولا حتى تعرفها.
أراح ظهره وقال بتهكم:
- تفتكر كل ده هيشفع عن الصورة اللي وخداها عني وطول ما سارة في حياتي!! مش كفاية اللي قالته الصبح.
إيهاب بعد تفكير ليس بطويل:
- رتب أولوياتك يا طارق وساعتها هتعرف أنت عايز إيه.
نظر له بتفكير وشعر إيهاب أنه بدأ بالميل في هذا الحديث وأخذ خطوة جدية على الأقل فيها، وأهم خطوة أن تبتعد سارة عن طريقه.
تركه طارق بعد قليل مع موعد بمشرف رسالة الماجستير الذي يقوم بتحضيرها.
*******************
مر اليوم ليس على ما يرام ولكن الجميع حاول أن يترك الأمر جانبًا حين وقته.
وبالفعل انتظر محمود عند عودته في موعد الغداء عودتهم كي يتمكن من الحديث معهم ويفهم منهم أكثر سبب إقدامهم على هذا الاتفاق.
اتصل بطارق وأخبره أنه بمكتب الدكتور يناقش معه بعض الأمور وحينما ينتهي سيعود على الفور.
وكذلك سلمى التي لم تستطع الرد فقامت نور هي بدلًا منها، وتفهم محمود السبب.
حضرت الفتيات أولًا ثم طارق بفارق عدة دقائق، استقبلتهم تهاني وأخبرتهم أنه في غرفة المكتب وهل قد جاء وقت الحساب.
دخلوا ثم جلسوا في هدوء، وسلمى تحاول جمع شتات نفسها حتى لا يثار عصبيتها بما تكتمه في داخلها دون البوح به، حاولت التحلي بالهدوء قدر المستطاع.
نهض من مقعده وجلس بالقرب منهم، نظرت له تهاني نظرة معينة بمعنى صبرًا عليهم حتى نفهم الموضوع من جميع جوانبه، تنحنح وقال بهدوء وحكمة:
- أنا بعتبرك بنتي يا سلمى اللي مخلفتهاش وأنتِ عارفة كده كويس.. مش عايزك تخافي من حاجة وتفتحيلي قلبك.. كنت متصور أن الموضوع هياخد فترة لحد ما تاخدوا على بعض وحياتكوا تبقى زي أي اتنين متجوزين.
ابتسمت بحزن وقالت بتهكم دون أن تنظر إليه:
- متحرمش منك يا أنكل.. الكلام ده لما يكون الاتنين في ما بينهم قبول لكن احنا من اللحظة الأولى مفيش.
يسمع هو وتهاني بتمعن بعد ذلك قالت الأخيرة باهتمام:
- واتفاقكوا ده تم إزاي؟
نظرت له لتنهدت هي وردت بهدوء:
- بعد الميتنج طارق كلمني وطلب يقابلني وخلاصة الكلام نسمع كلامكوا ونريحكوا ونتجوز عشان نبعد عن الشرط وفي نفس الوقت جوازنا يكون على ورق.. من الآخر اللي ما بينا مجرد صفقة حب قدام كل الناس عايشين مبسوطين وبنحب بعض لحد ما الصفقة تتم وكل واحد يشوف حياته.
كان محمود حزين بداخله وهو يسمع منها، وهو يعرف بأنه طرف فيما وصلوا إليه، فأكمل:
- وإيه اللي جد في الموضوع وخلاكوا تقلبوا على بعض كده؟
توترت سلمى بداخلها ولا تعرف ماذا تقول، لا تستطيع أن تفشي ما يحدث بينهم أمام والديه، مشاكلها معه هي قادرة على حلها دون تدخل أحدهم، قررت البوح بنصف الحقيقة:
- يوم الفرح لما قعدت مع نفسي براجع حساباتي لقيت نفسي مش قادرة أكمل واخوض التجربة دي للنهاية.. كنت خايفة من حاجات كتير أوي مترتبة بعد الجواز أنا مليش ذنب فيها.. حسيت إني مخنوقة وبرمي نفسي في التهلكة مرة تانية برجليا.. خفت من طارق ورد فعله لما نكون لوحدنا وبتقفل علينا باب.. من اللي جاي ومستقبلي اللي ملوش ملامح.. لقيت نفسي بهرب من غير ما أحس كأني بهرب من نفسي أنا شخصيًا.. أنا عارفة اللي عملته ده غلط بس صدقني كان غصب عني مكنش بإرادتي.
الجميع يستمع لها بعناية وتأثر، شعر طارق بالذنب ناحيتها، وخطر على باله في هذا الوقت حديث إيهاب له وأدرك من كلامها أنها لا تشعر بالأمان معه، تفتقده بشدة بمعنى أصح.
نظرت تهاني لطارق بعتاب وقالت:
- وليه مقولتيش على اللي حصل يوم الصباحية يا سلمى؟!
ابتسمت سلمى بتهكم:
- مكنش ينفع أزود مشاكلكوا وهمكوا بعد كل اللي حصل ده واللي أنا متهمة بالسبب فيه.. عايزاني كنت أقول إيه ابنكوا كان بيخوني في الصباحية!!..
- لا وسايبني ورايح الشركة كمان!
نظرت له بعتاب شديد للغاية وضيق، ليشعر هو بالخجل من نظراتها، ثم التفتت لمحمود معاتبة إياه:
- ليه ما قلتليش يا محمود باللي عمله؟
رد بضيق مشحون من تصرفات ابنه دون أن ينظر إليها، بل كان منصبًا على طارق بعتاب:
- أنا مصدقت إن الموضوع اتلم ولحقته بس ما كنتش عارف إنه هيكمل لما يرجع.
صاح طارق مبررًا:
- يا بابا هي اللي جات واتفاجئت بيها.. كنت بحاول أهديها وأصبرها لحد ما الوضع يعدي.. ما تنساش إنها خطيبتي بردو وأكيد بتغير عليا جدًا.
صاح ساخرًا:
- لا والله مبرر منطقي يا سي طارق.. خايف على مشاعرها ومش خايف على مشاعر مراتك.. كان في إيدك إنك توقفها لحدها مش تتجاوب معاها لحد ما مراتك تشوفك.. افرض حد كان شافك وراح قالها كان موقفك إيه ساعتها بس حظك المهبب خلاها تشوفك وأحمد ربنا إنها كملت معاك لحد اللحظة دي.
لم يستطع الرد، معه حق في كل ما يقول، نظرت له سلمى معاتبة إياه والدموع في عينيها وهو يحاول الهروب منها، لقد تناست كل هذا ولكن هذه المناقشة أو المواجهة العائلية قد فتحت الباب مرة أخرى.
نهضت سلمى وقالت:
- أنا هطلع استريح شوية.. بعد إذنكوا.
أمسكت تهاني يدها وقالت بحنو:
- استني يا سلمى نتغدى سوا.
أردفت بابتسامة باهتة:
- ماليش نفس دلوقتي.
تركتهم وصعدت إلى غرفتها، بعدما تأكدت تهاني من اختفائها التفتت لطارق وقامت بتوبيخه:
- أنا ما رضتش أحرجك قدامها كفاية أبوك.. البنت استحملت وشافت منك كتير.. مش ناوي تعقل بقى وتشوف مستقبلك؟! هتفوق إمتى وتفهم إن سارة عمرها ما كانت مناسبة ليك.
انفعل عليها طارق وقال:
- سلمى هي اللي مناسبة يعني!!
رمقته بضيق مردفة:
- اللي ما يشوفش من الغربال يبقى أعمى.. ربنا يرجعلك بصيرتك يا ابني.
نهضت هي ومحمود الذي وجه حديثه إليه:
- قوم صالح مراتك ما تبقاش قفل.. وهبعتلكوا الغدا.. اتلحلح قوم.
نهض ومر بجانبهم ليقف على صوت أمه الهامس معاتبة:
- اللي بينك وبين مراتك ما يخرجش بره مرة تانية.. فاهم؟!
أومأ برأسه وهو يشعر بالخجل منها، يعرف إنه مخطئ ولكن في داخله يبرر ذلك.
*********************
دخل غرفته ليجدها بدأت مذاكرتها، جلس أمامها ولا يعرف من أين يبدأ، تنهد ثم قال:
- ممكن تسيبي اللي في إيدك ونتكلم شوية.
ردت بهدوء دون النظر له:
- ما فيش حاجة نتكلم فيها خلاص..
قاطعها قائلًا بصياح وبدأ صوته في العلو رغم عنه:
- لا فيه يا سلمى.. لازم تفهمي إني مش خاين زي ما أنتِ شايفاني ومبرري اللي قلته أنا مقتنع بيه لو شايفة غير كده أنتِ حرة.. كنتِ عايزاني أبررلها جوازي منك بإيه وهي خطيبتي من ما تكوني مراتي وهي شايفاني هتجوز واحدة غيرها.
انفعلت به في غضب:
- لا مش مبرر تقنعها على الأقل فترة وهتعدي لكن اللي بينا ما يخرجش بره.. لا وبتقولهم بمنتهى البجاحة زي تصرفاتها علاقتنا اللي المفروض ما تتخطاش أوضتنا.
اقترب منها وقال بضيق:
- تقصدي إيه ببجاحة دي.. هي عملت إيه؟
نظرت له ببلاهة وبعدم تصديق، لتقول ساخرة:
- أديك قلتِ خطيبتك... يعني فيه حدود في العلاقة ما بينكوا اللي منها التزامكوا بالضوابط اللي هي مش موجودة أصلًا، لمس وأحضان وحاجة تقرف.. كل ده مش بجاحة وقلة أدب كمان!! ما فيش واحدة تعمل كده مع خطيبها ولو المبرر الحب.. كل شيء في الدنيا له حدود.. بس فعلًا الكلام معاك ما لوش فايدة ولا العتاب نافع.. اتفاقنا هيتم زي ما أنت عايز وبعدها مش هتشوف وشي تاني.
حملت أغراضها وأوراقها وخرجت بعدما ارتطمت الباب بقوة، دخلت غرفة نور وهي تلتقط أنفاسها وأدركت أن النهاية اقتربت، جلست على فراشها وبدأت مذاكرتها.
********************
قد سمعوا المشاجرة القائمة بينهم وهم حزانى عليهم، زوجان لم يكملا أربعة أشهر ووصلا إلى هذه المرحلة، إلى النهاية قبل أن يتخطوا البداية حتى.
أمر محمود الخادم بتقديم الطعام لغرفة طارق وزوجته، استلمها منه طارق وجلس ينظر إلى الصينية دون شهية وهو يفكر في حديثها، وشعر ما بينهم ما هو إلا باب موصد، وأصبح في حيرة بين زوجته العنيدة وخطيبته الذي لا يستطيع أن يأخذ من ناحيتها موقف.
بعد الانتهاء من الطعام صعدت نور للاطمئنان عليهم وجدت طعامهم كما هو والغرفة خالية، سمعت صوت الماء قادمة من الحمام فعلمت بأن طارق بالداخل وسلمى غير موجودة فاندهشت من ذلك، دلفت إلى غرفتها لتجدها تذاكر على فراشها اندهشت واقتربت منها وجلست أمامها وقالت بتفهم:
- صوتكوا كان أد كده.. ما أكلتيش ليه يا بنتي الأكل زي ما هو.
نظرت لها وقالت بانفعال:
- مش متزفتة يا نور سيبيني في حالي ما ليش نفس.
ضحكت نور وقالت بمرح:
- وذنب معدتك إيه بقى في الخلافات بينك وبين جوزك ها.. كليها بلاش افترى.
نظرت لها بضيق وأردفت:
- مش فايقة لهزارك ده يا نور.. اقعدي جنبي يا أختي عندها هم ما يتلم وفكك من أخوك اللي هيشيلنا السنة دي.
لم تستطع نور التماسك وضحكت بأعلى صوتها:
- إحيه لو سمعك.. بس عندك حق والله شجعتيني.
نهضت نور وأحضرت أغراضها وجلست بجانبها وذاكروا معًا.
**********************
عاد طارق مع والده إلى الشركة بعد قليل ومر اليوم بسلام وهو يفكر فيها، وقرر أن يترك الأيام تجري كما تشاء..
في المساء صعد إلى غرفته وجد سلمى نائمة على الأريكة ويبدو إنها لا تشعر بالراحة، حملها ووضعها جانبه على الفراش، وأخذ يتأمل فيها قليلًا ويبتسم دون إرادة منه حتى غلبه النوم.
استيقظت في صباح اليوم التالي لتجد نفسها في نفس الوضع وتستمر المجادلة بينهم، ليتكرر الوضع يوميًا لمدة أسبوع ولا تعرف سر ذلك إلى أن سأمت وفي إحدى المرات اعترضت على تصرفه هذا:
- اسمع بقى مش كل يوم هصحى ألاقيني جنبك.
رد بهدوء على غير عادته:
- هو حد لاقي الراحة ويقول لأ.
صاحت به بضيق:
- وأنت مالك هو أنا كنت اشتكيتك.. كل واحد ينام على الجنب اللي يريحه.
زفر بقوة وقال بنفاذ صبر:
- ماهو أنا مش هقدر أستحمل الفترة اللي هنفضل فيها مع بعض وأنتِ بالوضع ده.. ضهرك هيوجعك من النومة دي.
ردت بنبرة ساخرة:
- اللي يسمعك يقول قلبك عليا أوي.. أنا مرتاحة كده.
سئم من نبرتها الساخرة الباردة، التي لا يجدوى من تغييرها ليقول بنفاذ صبر:
- اللهم طولك يا روح.. تخيلي!! وأنا يا ستي مش مرتاح الكنبة صغيرة ومش مريحة أصلًا أنا مش عارف مستحملاها إزاي.
ردت سلمى بتهكم وسخرية:
- زي ما أنا مستحملة صاحبها بالظبط.. هتفضل تشيلني كل يوم كده!!
رفع يداه للسماء وهو يحاول أن يتغاضى عن كلامها وبرودها:
- الصبر يا رب.. طالما أنتِ مش عايزة تنامي عدل بستناكي لما تروحي في النوم وبعدها بنقلك على السرير.. ما أنتِ عنادك ده هو اللي بيضطرني أعمل كده.
اقتربت منه وعقدت ذراعها وقالت بطفولة وتحدي:
- طب إيه رأيك بقى إني مش نايمة.. هطبقلك للصبح شوف بقى هتشيلني إزاي ها.
خرجت وجلس هو على الفراش يضحك على طفولتها وعنادها.
********************
نزلت الحديقة لتجد تهاني تجلس شاردة في حوض السباحة، ابتسمت واقتربت منها إلى أن شعرت بوجودها خلفها، اعتدلت وجلست سلمى بجوارها وقالت بمرح:
- الجميل سرحان في إيه؟
ابتسمت تهاني وقالت بحب:
- هيكون في إيه غيركوا.. أخبارك إيه أنتِ وطارق؟
تنهدت سلمى بحزن ولكن ردت برضا:
- الحمد لله علاقتنا مستقرة ما تقلقيش.
تشعر تهاني إنها بالتأكيد تخفي عنها الكثير، وإنها لن تشكو لها ما يحدث بينهم، وهي تحاول رغم كل ذلك أن تلطف بينهم لعل وعسى يتراجعوا عن فكرة الانفصال قليلًا.. ربتت على يدها وقالت بتفهم:
- أتمنى فعلًا.. ربنا يهدي سركوا يا بنتي ويبعد عنكوا العين.. ادي لنفسك الفرصة يا سلمى أنا عارفة إنك فاهمة قصدي كويس.
شعرت بخفقان قلبها وهي بالفعل تدرك ما ترمي إليه، ابتسمت وقالت بود:
- مش الواجب بردو حضرتك تقومي بالخطوة دي الأول؟
عقدت جبينها بعدم فهم:
- تقصدي إيه؟
اقتربت منها وقالت بابتسامة رقيقة:
- أنا شايفة من ساعة ما اتجوزت طارق والمعاملة بينكوا ناشفة أوي.. اللي كنت بسمعه من نور غير اللي بشوفه حاليًا.
تنهدت تهاني بحزن وقالت:
- تعرفي يا سلمى أنا من ساعة اللي حصل وأنا قلبي مش مطاوعني إني أبقى بالجفاء ده من ناحيته ولا مرتاحة.. بس أعمل إيه في تصرفاته كان لازم يتاخد منه موقف عشان يعرف إن الله حق وإن اللي عمله ده مش هين ولا أنا ولا والده ولا أخته ممكن نتقبله.. لازم يتعلم الدرس ويشغل مخه شوية.
شعرت بالغرابة مما سمعت لتتساءل في اهتمام:
- اللي حصل لكل ده؟ تقصدي اللي عملته سارة يوم الفرح؟
صدمت تهاني واعتدلت في جلستها وهي لم تتصور معرفة سلمى بالأمر:
- نور قالتلك حاجة؟
ردت سريعًا حتى لا تلقي اللوم على نور:
- لا طبعًا يا طنط نور لا يمكن تقول لي حاجة زي كده عن طارق قدامي.. سمعتها وهي بتتكلم.
حزنت تهاني وسألت باهتمام:
- وأنتِ سكتي يا سلمى؟ ليه؟
ابتسمت بتهكم وقالت بحزن وقلة حيلة:
- ويفيد بإيه الكلام؟ هل هيغير الواقع ولا كنتِ عايزة الفرح يتفشكل بعد كل اللي مرينا بيه.. وتفتكري لو كنت اتكلمت بابا كان هيسكت!! مستحيل.. المهم.. أكيد ده مش السبب الوحيد مش كده؟
نظرت لها وقالت وهي تتذكر:
- أنتِ ما بقيتيش غريبة يا سلمى.. طارق غلط في نور جامد أوي.. جرحها وجرحنا كلنا بكلامه ساعة غضب بسبب اللي حصل.. لحد دلوقتي كلنا مش عارفين نتخطى اللي حصل ولا اعتذر حتى من اللي عمله.
فهمت سلمى ماذا تقصد، وجدت إنها اللحظة المناسبة فأردفت:
- طارق عرف غلطه واعتذر لها وهي سامحته.
اتسعت عيناها وصاحت بلهفة وفرحة:
- بجد!! وأنتِ عرفتي منين؟
ابتسمت عندما شاهدت الفرحة في عينيها وكل شيء بها يتحدث بفرحة:
- المرة دي بقى من نور.. حكتلي على كل حاجة.. وجيه دورك عشان تسامحيه وانكل كمان.. طارق خلاص اتعلم الدرس وحس باشتياقه لأخته وأد إيه هو كان ندمان بجد طول الفترة دي.. بقى ينفع أنا أحن وأسامح وأنتِ مصدر الحنان كله وما تسامحيهوش؟ سيبك مني دلوقتي حضرتك أهم.. حقيقي طارق متضايق من الوضع ده وأهله بعاد عنه ونفسه علاقتكوا ترجع زي الأول وأحسن كمان.. اللي حصل ده قلب حياتنا كلنا كفاية بعد وجفا.. مهما كان ابنك وقلب الأم حضرتك عارفاه كويس مصيره هينخ..
ثم يا ستي صاحبة الشأن، خلاص سامحت والماية رجعت لمجاريها.
كانت تهاني تتمعن في كل كلمة وحرف فيما تقوله، وشعرت بالصدق والمحبة في كلماتها ونبرة صوتها، ومدى محبتها لهذه العائلة ومحاولة إصلاح العلاقة بينهم على الرغم من إنها أكثر ما تحتاج إلى ذلك.
شعرت بقبولها لحديثها والميل لها، تشعر بأن أول خطوة باتت بالنجاح.
كان يستمع لحديثهم محمود.. فقد جاء في موعده مثل كل يوم وبحث عن تهاني فلم يجدها، فتوقع أن يجدها في الداخل وصدفة أن وجدهن يتحدثن فجذبه هذا الحديث وأستمع هو الآخر بعناية فائقة وكلامها دخل فؤاده مباشرة بحسن كلامها وحبها الذي لاحظه في نبرة صوتها، فدخل بعدما تنحنح:
- قلبك كبر يا سلمى.
التفت إلى مصدر الصوت وابتسمت، جلس بجوار تهاني:
- أنت عندك حق.. واحدة غيرك كان زمانها قالت وأنا مالي.
تنهدت وقالت بصدق:
- أنتوا بقيتوا عيلتي اللي ربنا عوضني بيها على حاجات كتير كنت مفتقداها.. ويهمني أن جوزي يكون علاقته حلوة بأهله.
ابتسم وقال بمحبة:
- وأنت بقيتي جزء من العيلة دي من أول يوم يا بنتي.. ربنا يبارك فيك ويهدي جوزك.. يلا قومي نتغدا وبعد الأكل عايزك في موضوع مهم.
ابتسمت وهي تشعر بمحبته وقالت بنوع من المرح:
- بس يا ريت حضرتك كمان تخف عليه شوية وتسامحه.. كفاية اللي حضرتك عملته والصلاحيات اللي أخدتها منه الفترة اللي فاتت. ده حتى السفر حضرتك مانعته ومن الصفقات اللي جات الشركة برة مصر وفيها سفر.. كفاية كده نور اتصفت الدور عليكوا بقى.
ضمتها تهاني إلى صدرها كابنة لها بكل حب وحنان، تنهدت سلمى باسمة وهي تشعر براحة ليس لها مثيل وتتمنى أن لا تخرج منه بعد الآن.
نزل طارق بعد قليل وشعر باختلاف المعاملة من والديه عما سبق، وبدأ يأكل وهو يتأملها في صمت وهي شعرت بنظراته الخاطفة اتجاهها.. لا تزال غاضبة من دفاعه عنها بهذا الشكل وكأن كل تصرفاتها عادية ومقبولة، خاصة عندما تقوم بالاتصال به ويرد عليها، ترمقه بعتاب وضيق ثم ترحل.
جلست مع محمود في مكتبه بعد ذلك وهي تستمع له بتمعن ومندهشة لما يقول، لقد مر عليها ذلك ولم تعر في خاطرها تلك المواعيد المتأخرة، لم تلاحظ وصول شحنات لوقت متأخر.. فلم تتكرر هذه الشحنات إلا كل حين وآخر ووالدها هو من يستلمها بنفسه ولا تعرف عنها شيئًا، تشعر بأمر غريب يحدث في الشركة وهي لا تعلم عنها شيئًا.. وظلت منشغلة في هذه الشحنات الليلية.
***********************
جاء المساء وهي جالسة على الأريكة كالعادة، تعمل على حاسوبها تتفحص الشحنات السابقة الواردة للشركة ومواعيد وصولها، لتجد بالفعل شحنات في مواعيد متأخرة من دول عربية وأجنبية خاصة البرازيل وبيروت، مما زادت دهشتها ولا تعرف ماهيتها بعد.
ظلت هكذا لوقت متأخر من الليل تعمل وتبحث وتتفحص في كل صفقة ولم تصل لشيء، احتارت أكثر وفضولها زاد أكثر، كيف لا تنتبه لهذا من قبل؟
يتفحص حاسوبه هو الآخر وبين الحين والآخر يسترق النظر إليها ليجدها منغمسة في عملها بتركيز شديد جدًا، قطع الصمت بينهم الذي دام أكثر من ستة ساعات وهي تجلس لا تنهض إلا للصلاة:
- مش ناوية تنامي ولا إيه؟
ردت عليه وهي تكمل عملها دون أن تنظر إليه:
- مش شايفني مش فاضية.. ورايا شغل.
ابتسم ساخرًا وقال قاصدًا استفزازها:
- ولا خايفة عينك تيجي في نوم؟
تذكرت الحوار الدائر بينهم في الصباح، وإنها من المفترض أن تأخذ حذرها منه، فقد تحدته هروبًا من مواجهته، فقررت ألا تتراجع، فقالت بهدوء وبرود كالعادة:
- وأنا أخاف منك ليه إن شاء الله.. مش نايمة.
ابتسم وقال باستفزاز:
- هنشوف.
رمقته بضيق وعادت لحاسوبها، بعد مدة لم تستطع سلمى السيطرة على نفسها، شعرت بالنعاس الشديد، فقد سهرت أكثر ما ينبغي لقد أصبحت الساعة الواحدة والنصف صباحًا وتخشى في داخلها أن يغفو جفنها دون أن تشعر، تغفل لثواني وتستعيد وعيها سريعًا مرة أخرى، وهو يراقبها في صمت ويبتسم من عنادها وتحديها وقوة تحملها حتى لا تبدو أمامه ضعيفة، أشفق عليها ليقول بهدوء:
- أنت معذبة نفسك ليه.. نامي.
ردت وهي ناعسة للغاية ولكن بنبرة ضيق:
- وأنت مالك هو أنا قاعدة فوق دماغك.
زفر بنفاذ صبر:
- مفيش فايدة في لسانك ده أبدًا! .. هتفضلي كده للصبح يعني.. ما كده كده هتغفلي وهتنامي وكده كده هشيلك جنبي على السرير تعالي برضاك أحسن.
فر النوم من عيناها واعتدلت في جلستها وصاحت بغضب:
- ده أنت غلس بجد.. نام يا طارق يا رب تنام.
ابتسم ببرود وقال:
- من بعدك إن شاء الله.. عنادك ده مش هيوصلك لحاجة وهتنامي في الآخر متأخر وعندك كلية الصبح.. فأستهدي بالله يا سلمى ارحمي ضهرك يا أمي.. هتتزنبي للصبح أنت حرة وكده كده هتصحي على نفس الوضع.
زفرت وعقدت ذراعها في غضب شديد، لا مفر من ذلك ولن تجد مكان آخر لتبيت فيه، ولا تستطع أن تنام في غرفة نور.. فما العمل إذا لا محال.
ظلت ساكنة في مكانها تفكر في هذا الوضع، معه حق بكل أسف ضياع للوقت ولديها محاضرات صباحًا والساعة أشارت إلى الثانية، وهو ينظر إليها منتظرًا ردها.. بعد مدة قطعت الصمت قائلة بجمود:
- بس بشرط.
لم يصدق موافقتها فابتسم ورد باهتمام:
- شرط إيه ده كمان.
نهضت واقتربت منه وأكملت بجدية وجمود:
- تنام باحترامك ماشي.. لو قليت أدبك هسيبلك الأوضة كلها واللي يحصل يحصل.
رفع حاجبه باستنكار وقال ساخرًا:
- حاضر يا أبلة هربع أيدي وأنا نايم ولما أتقلب هرفعها وأخد الإذن.
عقدت حاجبيها بغضب وصاحت به:
- أنت بتهزر!!
قال متهكمًا:
- والله أنت اللي بتهزري.
تنهدت وابتسمت ببرود وقالت بلامبالاة وهي تعقد ذراعها أمام صدرها:
- والله ده شرطي عجبك أهلًا وسهلًا.. وأنجز بقى عشان محاضراتي الصبح.
تنهد وقال بنفاذ صبر، بعدما قرر أن يجاريها وينفذ رغبتها، تعتبر خطوة أولى في إصلاح علاقتهما.. ولكن تعجب من تصرفها، أخذت وسادة ووضعتها في نهاية الفراش ومددت جسدها عكس وضعيته ليقف باندهاش:
- إيه ده معلش!!
ردت ببرود كالعادة:
- إيه هنام.. عكس عكاس أومال أنت مفكر إني هوافق كده مثلًا!!
زفر وتنهد بقوة ونام عكسها ثم قال ساخرًا:
- أومال لو مكنتيش قايلة نام باحترامك.
ابتسمت وقالت ساخرة هي الأخرى:
- يا اللي مآمن للرجال يا مآمن للماية في الغربال.
سكت بغيظ ولم يرد حتى لا يفتعل مشكلة معها لتبتسم هي.. ظلا على هذا الوضع قرابة عشر دقائق لا يستطع كل منهم النوم في هذا الوضع الغريب خاصة سلمى التي كانت تختلس النظر إليه تراه إن كان ذهب للنوم أم لا حتى أن تستطيع النوم هي الأخرى، وكل منهم يقوم بمراجعة يومه والأحداث التي مروا بها سويًا، قطع الصمت صوته:
- شكرًا يا سلمى.
صمتت ولم ترد.. انتظرت إلى أن يكمل حديثه:
- حسيت بتغيير معاملة أبويا وأمي ليا النهارده.. لأول مرة بعد تلات شهور أحس بحنية أمي عليا بعد جفا.. وأبويا صبره طال والتغيير اللي حصل في الشركة بعدها.. نور وعلاقتنا رجعت زي الأول ويمكن أحسن كمان.. حسيت بقيمة كل حاجة حوليا.
نظر لها بتمعن في عيناها دقائق معدودة، نظرة لها معنى لتشعر بتوتر وقشعريرة تسري في جسدها.
ابتلعت غصتها في حزن لتقول بجمود:
- تصبح على خير يا طارق.
أغمضت عيناها كنوع من الهروب من الإجابة عليه، فلم تجد جواب مناسب ولم تستطع أن تقول شيئًا حيال ذلك، قلبها مازال موجوع ولم تنسى بعد ما تحملته بسبب تصرفاته التي لا ترعى وجودها في حياته من قبل، ولا تفهم ما يرمي عليه هذه الجملة.
*********************
في صباح اليوم التالي استيقظت سلمى على صوت منبه هاتفها، لولاه ما كانت استطاعت أن تستيقظ في هذا الوقت بكل أسف.. وجدت نفسها بنفس وضعها فتنهدت براحة وابتسمت على الرغم أنها لم تشعر بالراحة كثيرًا بسبب نومها وهي بكامل وعيها ولم تتفاجأ باليوم التالي.
ولكن الغريب أنها وجدته مازال نائمًا.. الساعة السابعة ولم يستيقظ بعد على غير عادته، نهضت وفي طريقها إلى الحمام فكرت أن توقظه بعدما ترددت قليلًا ثم حسمت أمرها واقتربت منه بهدوء:
- طارق.. طارق قوم الساعة سابعة.
فتح عيناه ليجدها أمامه هي من توقظه بنفسها، ابتسم وقال:
- صباح الخير.
ردت بهدوء:
- صباح النور.. يلا قوم.
تركته ودخلت الحمام، غسلت وجهها وتوضأت ثم خرجت صلت فرضها وهو مازال نائمًا فأيقظته مرة أخرى.
نزلت هي بينما هو نهض ودخل الحمام، جلست على مائدة الطعام وهي ناعسة إلى أن لمحت الخادم وهو قادم ليضع باقي الأطباق وأوقفته:
- لو سمحت عايزة قهوة مظبوطة بس بسرعة.
رد باحترام:
- حاضر يا هانم.
ذهب وغفلت هي على سطح المائدة إلى أن تجمع جميع أفراد الأسرة وأحضر الخادم القهوة، يبدو عليها عدم التركيز والشرود بوجهها الناعس.
تعرف نور أن سلمى ليست من هواة احتساء القهوة، خاصة في الصباح بوقت مبكر.. بعد قليل نزل طارق وطلب القهوة هو الآخر ومحمود اعتاد إنه يحتسي قهوته في منتصف اليوم.. فتساءل باهتمام:
- مالكوا أنتوا الاتنين.. مش عادتكوا تشربوا قهوة على الريق والصبح بدري أوي كده.
نظرا طارق وسلمى بعضهم البعض ولم يجدا رد.. فقال طارق على الفور:
- نمنا متأخر أوي.. كنا سهرانين سوا ومحسيناش بالوقت.
اندهشوا جميعًا ولم يعقبوا على رده، ولكن محمود وهاني فرحوا قليلًا إن كان ما يقول حقيقة، إذا تحدثوا سويًا أي يوجد ولو أمل بينهم.. بعد ذلك كل منهم ذهب إلى وجهته وتبقى تهاني وحيدة بالمنزل.
**********************
رن جرس الباب لعدة مرات، ليفتح عاصم باب شقة وهو عاري الجذع وفي يده سيجار، نظر للفتاة ساخرًا ثم أشار لها بالدخول خلفه.
دخلت الفتاة بعدما أغلقت الباب واقتربت منه بتوتر وهي تقول:
- مش عادتك يعني تجيبني بدري هنا يا عاصم.
جلس على أريكة وثيرة وقال وهو يطلق الدخان بكثافة، وكأنه يحدث نفسه:
- عشان تكوني فاهمة كويس اللي ممكن يحصل النهارده.. يعتبر القرار النهائي لكل القرف اللي وصلتله بسبب شرط تافه ملوش أي ستين لازمة في صفقة.. موضوع سلمى لازم أنتهي منه النهارده قبل بكرة.
ثم نظر إليها وقال بتحذير:
- تصرفاتك بقت أوفر أوي يا سارة.. مش نبهت آخر مرة بعملتك السودة اللي أنت عملتيها.. اتجننتي عشان تبعتيلها مسدج وتعرفيها إنك مع جوزها!! .. إيه كانت النتيجة أن أول واحد شكت فيه يكون عملها هو أنا..
وبدل ما أقرب بتبعديها عشان يخلالك الجو مع البيه ابن الأبياري.
انفعلت به وقالت:
- أومال عايزني أعمل إيه؟ أتفرج لحد ما يقربلها هي أكتر؟ مش كفاية البلوة اللي اتحطيت فيها بسببك!
نهض والشرر ينطلق من عينيه كالسهام الحارقة، أمسك ذراعها بقوة وجذبها إليه بعنف:
- كله بمزاجك يا حلوة محدش ضربك على إيدك.. أنتِ هتنفذي اللي بقولك عليه من سكات.. فاهمة؟!
نظرت له بخوف وأومأت بالموافقة، أخذت حقيبتها وخرجت من الشقة والدموع في عينيها.
في ذلك الوقت كان إيهاب مارًّا بجوار إحدى العقارات القريبة من منزله، ليتفاجأ بسارة تخرج منه باكية. ماذا تفعل هنا وليس هذا مكان سكنها؟ فهو يعرفه جيدًا. ترجل من السيارة واقترب من الحارس متسائلًا:
- صباح الخير يا ريس.
رد الحارس وهو رجل بسيط بجلباب طويل:
- صباح النور يا أستاذ، خير.
ابتسم إيهاب وقال بتودد:
- متعرفش مين الآنسة اللي لسة نازلة دلوقتي دي؟
رد الحارس بتلقائية:
- دي واحدة كده بتتردد على شقة هنا في العمارة كل فترة زيها زي غيرها.
لم يفهم بعد فحاول استدراجه أكثر:
- قصدك إيه بتيجي لمين يعني؟ هي مش ساكنة هنا؟
رد سريعًا:
- لا يا أستاذ دي بتيجي لواحد عازب ساكن في الدور الرابع.. بتيجي بالليل ساعات وبتمشي الصبح.. الله يستر على ولايانا يا ابني.
صدم إيهاب وشعر بأن عقله شُلّ تمامًا وغير مستوعب لأي شيء، رد على الحارس بشرود وهو في عالم آخر:
- شكرًا يا حج.
تركه واستقل سيارته وهو يحاول استيعاب هذا الحوار وهذا المشهد، مستحيل ما توصل إليه أن يكون حقيقة، لا يستطيع أن يخبر طارق بأي شيء حدث حتى يعرف ماذا يفعل.
قاد وذهب إلى مقر عمله وعقله يحاول رفض هذه الحقيقة، التي لو حقًّا كما سمع وتبين مدى صحتها ستكون كارثة وصدمة لطارق.
********************
طيلة المحاضرة وهي لا زال موضوع الشحنة يشغل تفكيرها، تريد التأكد بنفسها ولكن لا تريد الذهاب إلى الشركة وهو موجود، ولا تستطيع مسامحته فكيف لها أن تدخل الشركة دون أن يعرف؟ لو أنها تعرف أن يوسف لا يذهب إليها منذ فترة طويلة لكلفته للقيام بهذه المهمة، إلى أن جاء في بالها فكرة وقررت تنفيذها بعد المحاضرات وما تبقى لها في الكلية.
في كافتيريا الكلية تجلس هي ونور في شرود، لتخرجها منه بتساؤل:
- مالك يا سلمى من الصبح وأنتِ مش هنا خالص.. المحاضرات مفيش تركيز من أصله.
التفتت إليها وقالت بتفكير:
- في موضوع شاغلني جدًّا يا نور.. تصوري أول مرة آخد بالي منه، كنت بكبّر دماغي أو من كتر الشغل بعدي.
عقدت جبينها وقالت باهتمام:
- موضوع إيه ده؟
نظرت لها وقالت باهتمام هي الأخرى:
- في شحنات بتيجي للشركة في وقت متأخر.. كنت بأستغرب بس بقول عادي.. كلام باباكي حسسني أن الموضوع فيه إنّ.
أومأت نور وردت بجدية:
- سألني في الموضوع ده وقت الهاني مون... هو فيه إيه؟
تنهدت وقالت بتفكير:
- أفهم أنا بس الأول.
*********************
رن الهاتف الخاص به، نظر له بتوتر ولم يرد، رن مرة أخرى ورد الفعل واحد.. بعد دقائق أُرسل إليه رسالة، تناول هاتفه بقلب غير مطمئن ليظهر عليه الغضب بعد قراءتها، ليقذف الهاتف بعيدًا في غضب وبدأ يظهر عليه شيء من الخوف.. ارتدى حلته المعلقة وغادر الشركة على الفور.
بعد قليل أتت سلمى إلى الشركة وهي تدعو الله في داخلها أن يكون غير متواجد الآن، وإن حدث ما لا تتمنى تستطيع مواجهته وتبرير وجودها.
اقتربت من السكرتارية، التي بمجرد رؤيتها ابتسمت السكرتيرة ترحيبًا بها:
- أهلًا بيكي يا باشمهندسة نورتي الشركة.. ومبروك على الجواز.
ابتسمت وحاولت ألا تظهر توترها أمامها فقالت بثبات:
- شكرًا يا عبير الله يبارك فيكي.. بابا هنا؟
ردت سريعًا:
- لا ده لسة نازل مفيش ربع ساعة بس كان شكله متضايق جدًّا.
أردفت سلمى باهتمام:
- طيب متعرفيش ليه؟
قالت بتفكير:
- تقريبًا بعد المكالمة اللي جاتله من شوية.. وفي فاكس جاه وملحقتش أديهوله.
مدت يدها في الأوراق الموضوعة جانبًا على سطح المكتب وأعطت لها رسالة الفاكس.
أكملت لها لتتناولها هي باهتمام وتقول وهي تنصرف:
- أنا في مكتب بابا يا عبير.. ابعتيلي النسكافيه بتاعي.
دخلت المكتب وجلست على المقعد وبدأت تقرأ الرسالة بلهفة واهتمام، لعل وعسى أن تجد أي شيء لحل هذا اللغز.
فتحت فاها بشدة وصدمة كبيرتين مما قرأته، شعرت بقشعريرة كبيرة تسري في جسدها، وأخذ عقلها يعيد لها أحداثًا من الماضي وهي تحاول استيعاب وربط الخيوط في بعضها البعض، ضربات قلبها ازدادت بشدة وتعرق جبينها ووجهها سريعًا من شدة توترها وانفعالاتها الداخلية وهي لا تصدق ما تقرأه بين يديها.
تركت الرسالة جانبًا وأخذت تبحث في الملفات الموجودة على سطح المكتب وفي الأدراج عن الملف الخاص بهذه الصفقة، وأي ملف ميعاد تسليمه مغاير عما هو فيه.
لتجد الملف أخيرًا وبدأت تدرسه بعناية فائقة، كأنها تطلع على الصفقة لأول مرة، وبسبب ما حدث لوالدها من تعرضه لأزمة قلبية أدت إلى دخوله في غيبوبة لم تتمعمق في الملف جيدًا.
وجدت تسليم الشحنات على ثلاث دفعات بالفعل، ولكن الدفعة الأخيرة في وقت متأخر من الليل.. بحثت جيدًا في باقي الملف لم تجد تفسير لهذا إلا ورقة واحدة بداخل ظرف أسود اللون، فتحت وأخرجت ما بداخله.. شهقت واتسعت بؤرة عينيها أكثر وبدأت اللآلئ تتجمع في عينيها البنية، واليد الأخرى أناملها على فاها في غير استيعاب.
أخذت الظرف ووضعته في حقيبتها.. ثم بحثت في باقي الملفات لتجد ما لا يسره العين وما لا يصدقه العقل، سريعًا التقطت عدة صور بيد مرتعشة من الصدمة، وأعادت كل شيء بمكانه.. ثم التقطت صورة من الرسالة وتركتها على السطح وخرجت من المكتب على الفور وجسدها يرتعش.
مرت على السكرتارية وقالت بنبرة جامدة:
- سكي على النسكافيه يا عبير.. بابا ميعرفش إني جيت هنا ولا أي حد.. سامعة!!
توترت من نبرتها لتومأ برأسها قائلة:
- حاضر يا باشمهندسة.. أنتِ كويسة؟
أومأت وقالت بتوتر نوعًا ما:
- أيوه.. أنا لازم أمشي دلوقتي.. سلام.
*******************
خرجت من الشركة واستقلت سيارتها، تركت الدموع المنحبسة داخل مقلتيها تفر وتهرب، لا تستطيع كبتها لوقت طويل أكثر من هذا.
لا تصدق أي حرف مكتوب فيما كانت تقرأه، ولا تعرف متى حدث ذلك وهي لا تعلم عنه شيئًا، كيف كانت غافلة طيلة هذه المدة؟.. سوف تُجن بكل تأكيد ولا تريد استيعاب أي شيء، لم تتصور أن الحال قد يصل به إلى هذا الحد مهما كان.
تسير في طرقات مزدحمة، وسيارات كثيرة من خلفها وجانبها، لا تعرف إلى أين ذهبت وهي في عالم آخر، تركيزها منصب في شيء واحد فقط لا غير، فجأة وبدون أي مقدمات صرخت بعدما كانت ستصطدم بسيارة أحدهم.
رواية صفقة حب الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم شيماء جوهر
يبدو أنها سعيدة لغرض ما. قررت تقريب الود والعلاقات فيما بينهم، خاصة أن سلمى بين الحين والآخر تزور السيدة سميحة هي ونور.
على نفس موقعها المفضل من المنزل، قامت تهاني بمهاتفة زوجها. انتظرت حتى أتاها الرد من الجهة الأخرى:
- خير يا تهاني؟
ضحكت تهاني على قلقه ثم قالت:
- خير يا حبيبي، متقلقش. هو أنا أول مرة أتصل بيك ولا إيه؟ بقولك أنا بفكر أعزم مدام سميحة النهارده على الغدا.
محمود مستفسرًا:
- وماله يا حبيبتي، بس إيه المناسبة؟
ابتسمت وقالت:
- نوع من التقارب يا حبيبي. إحنا بقينا نسايب وعيلة واحدة. والبنات فين لفين عندها وبقالها فترة مشافتش عمتها.
ابتسم ورد:
- والله فكرة حلوة. معنديش مانع.
ضحكت وقالت بمرح:
- لا ما أنا عارفة. هتيجي أمتى؟
رد بهدوء وهو ينظر في ساعة يده:
- كمان عشر دقايق كده.
بعدما طالت المكالمة بينهم لعدة دقائق، أنهت تهاني المكالمة وهي سعيدة. أما محمود، فهو يشعر بأن هناك سبب خفي لهذه الدعوة.
***
لا تشعر بالراحة مطلقًا. لا تعرف السبب، ولكن يمكن بسبب الحديث الدائر بينها وبين سلمى منذ قليل؟ أو لم تكن سلمى بحالتها الطبيعية اليوم طيلة المحاضرات وهي منشغلة التفكير. وضع الشركة أعطى لها نوعًا من الريبة في شأن الشحنات الواردة من الخارج، خارج القاعدة التي يسير عليها التسليم منذ عملهم معًا في شركة الجوهري. هذا أيضًا بمعرفة الوضع في شركة أبيها.
وصلت لمنزل السيدة سميحة وفتحت لها. رحبت بها بشدة ثم دخلت تتجول بعيناها. ابتسمت سميحة وأدركت علام تبحث، لتربت عليها قائلة:
- لسة مجاش من شغله.
نـدهشت نور وابتلعت غصتها بتوتر:
- هو مين؟
بنفس البسمة قالت بعدما غمزت لها:
- اللي بتدوري عليه.
ابتسمت نور بخجل ثم جلست، لتقول بارتباك:
- عادي يعني يا طنط. كنت بشوف سلمى هنا ولا لأ.
جلست بجانبها باسمة وقالت بخبث:
- امممممم سلمى بردو. ماشي يا ستي.
ردت سريعة محاولة التبرير:
- لا يا طنط متفهميش غلط. هي مشت بعد المحاضرة ومرجعتش على البيت. قلت أكيد جات هنا. جيت أشوفك وبالمرة نروح سوا.
ضحكت سميحة وقررت أن تمر هذا الموقف حتى لا تشعر بالإحراج وأوراقها منكشفة أمامها بهذا الشكل:
- ماشي يا ستي، تنوري في أي وقت.
نظرت لها ببسمة وخجل، لتبادلها سميحة نفس البسمة.
***
قد شارف على إنهاء رسالته، وكان مشجعه الأول في هذه الخطوة هو طارق منذ تخرجهم من الجامعة. وعلى الرغم من ذلك، هم يحبون التواجد فيها باستمرار أكثر من أي مكان آخر، من النادي ذاته. لدرجة أن بعض الطلاب يعتقدون أنهم طلاب ليسانس وليسوا هنا من أجل الدراسات العليا.
لن ينكر أنه منذ ما حدث هذا الصباح، عقله مشتت، ولم يستطع التركيز مع مشرف الرسالة جيدًا. وقد لاحظ الأخير ذلك، ليعتذر إيهاب عما حدث ووعده بعدم تكراره ثانيًا.
بعدما انتهى من موعده، جلس في الكافتريا كعادته ومازال عقله منشغل. رغم عنه، فما رآه وما سمعه لم يكن بهين على كل حال. ولا يستطيع بكل تأكيد أن يقول لطارق شيء الآن. وفي نفس الوقت، يشعر إنها أمانة عليه أن ينبه صديقه بما هو مقدم عليه إذا تقدم خطوة للأمام في علاقتهما وتزوجها. هنا لا يستطيع أن يخفى عليه ويجب البوح بكل شيء.
بعد قليل، أتى أحد أصدقائه وجلس معه، ولم يكن بحالة مزاجية كفيلة للتحدث أو المزاح مع أي شخص كان. معكرًا بما فيه الكفاية ليقطع صمته:
- إيه يا عم مالك؟ اومال فين طارق؟
رد إيهاب بفتور:
- طالما مش هنا هتلاقيه في شغله. خير.
أردف مستفسرًا:
- هو أنت بتشوف سارة؟
شعر بتسارع ضربات قلبه عندما سمعه يسأل عنها. لا يعرف لماذا. تذكر سابقًا عندما تحدث عنها. زاغت نظراته ثم قال سريعًا:
- لا. بتسأل ليه؟
سكت قليلًا، لا يعرف أن كان يجب أن يتحدث أو لا. حسم أمره وقال:
- هو أنا مش عارف لازم أقول الكلام ده ولا لأ. بس طارق صاحبي وميرضنيش أذيته.
أعتدل إيهاب في جلسته بعدما شعر بالقشعريرة تسري في جميع أنحاء جسده ليقول بلهفة واهتمام:
- ما تتكلم في إيه؟
تردد كثيرًا ثم قال:
- سارة. شوف يا إيهاب، سارة إنسانة مش كويسة. ولما قلتلك كده قبل كده مصدقتنيش. بس المرة دي أنا شوفتها بنفسي وهي نازلة من عربية واحد غريب وطالعين شقة. أنا في الأول قلت لا مش هي، يمكن واحدة شبهها. بس نزلت وأتأكدت إنها هي، مش هتوه عنها يعني. سألت البواب قالي كلام صعب بصراحة. ومن ساعتها وأنا محتار ومش عارف أعمل إيه.
تسارعت ضربات قلبه وزاد قلقه ليقول بعقل مشوش وضيق:
- أنت فاهم بتقول إيه؟ دي خطيبة صاحبك وقريب تبقى مراته. دي مصيبة. فين العمارة دي؟
رد بقلق:
- عارف. عشان كده قلتلك يا أخي، لأني لوحدي مش عارف أتصرف. عمومًا العمارة في الجامعة من جوة بعد سان مارك بشوية. خالتي ساكنة هناك وكنت بودلها شوية حاجات أمي بعتاهم في نفس المنطقة. شوفتها بالصدفة.
خشخش في مكانين بنفس عنوان البناية التي مر عليها. إذا لم يخطأ بها هو الآخر. لقد شاهدها غيره وتعرف عليها بالفعل. ويا لها من كارثة.
نظر إليه إيهاب وقال بصرامة وجدية:
- أسمع. مش عايز أي مخلوق يعرف حاجة عن الموضوع ده لحد ما أتأكد منه. طارق نفسه متجبلوش سيرة. ربنا يستر.
تركه وخرج من الكلية وهو يشعر بأنه في كابوس كبير للغاية ولا يعرف كيف يتصرف. طارق ليس بوضع جيد حتى يكثر عليه مشاكله. وعلاقته الغير مستقرة بوالديه وزوجته من ناحية، وإرضاء سارة من ناحية أخرى. ويا ليتها تقدر ما يفعله من أجلها وظلمه لزوجته لها. يجب التأكد من ذلك مرة أخرى لكي عندما يبوح لا يكون ظالمًا لها على أي حال.
***
تنهدت بقوة وهي تنظر إلى ساعة يدها. إلى أين ذهبت كل هذا؟ أيمكن أن تكون عادت إلى المنزل؟ لا. كانت اتصلت بها على الأقل، فلما كل هذا التأخير إذا؟
رن جرس الباب لتتسارع ضربات قلبها وهي تشعر أن الطارق هو يوسف. وبالفعل، سمعت صوت سميحة من الداخل تطلب منها فتح الباب. قامت وفتحت لتتفاجئ بيوسف أمامها. دق قلبها بسرعة ونظرت له دون إبداء أي كلمة، وهو كذلك. أبتعدت عن الباب قليلًا ليدخل وعادت إلى الأريكة وهي تتكلم بصوت عال نوعًا ما:
- أستاذ يوسف جاه يا طنط.
شعر بالضيق من كلمة أستاذ. ما زلت على نفس الوضع ونفس الموقف منه. ولكن ما حدث والنتيجة التي يراها أمامه الآن هو سببها. هو ابتعد عنها وكسر قلبها دون أن يدري. هو من بدأ بالبرود. كان أستاذًا وهي تلميذته النجيبة التي تعلمت الدرس جيدًا. يجب أن يتحمل نتيجة فعله. وبالفعل، كما قالت له سلمى، وإنه لم يعطِ لها أي فرصة على الإطلاق، فقام بمعاقبتها على شيء لا ذنب لها فيه. يريد أن يعطي فرصة جديدة لنفسه هو قبلها، ويريد أن يصلح ما اقترفه في حقها ولا يعرف من أين يبدأ.
كانت منشغلة في هاتفها وعلى قصد تجاهله بهذا الشكل. حسم أمره وقطع الصمت بينهم:
- عاملة إيه يا نور؟
اندهشت نور من مناداتها باسمها بدون ألقاب أكثر من ثلاثة أشهر. مناداته باسمها ورؤيتها، وأكثر من نبرة صوته الهادئة المحبة، كما كان يناديها من قبل. مندهشة من سبب تغيره، وفي ذات الوقت تشعر بالضيق منه ولا تستطيع أن تصفو من ناحيته بسهولة. فليس له الحق الابتعاد متى يحب والاقتراب متى يحب. يجب أن يفهم هذا جيدًا. يجب أن تفهم أولًا لما فعل ذلك.
فردت بجمود:
- كويسة يا أستاذ يوسف.
انفعل عليها دون أن يشعل. لم يحتمل بعد الآن تلك المعاملة أو هذا الأسلوب الغليظ الذي تعامله به:
- قصدك أنتِ عارفاه كويس يا نور. هو فيه إيه؟ كفاااااااية.
انفعلت وغضبت بشدة من أسلوبه:
- أنا مسمحلكش تتكلم معايا بالأسلوب ده. أنا عملتلك إيه؟ هو أنا اللي كنت بقرب وفجأة ببعد وبقلب؟ ولا وقت ما تحب تقرب ولا تبعد يبقى بمزاجك واللي قدامك ملوش حق؟ عرفت بقى في إيه؟ سلام يا يوسف.
حملت حقيبتها وخرجت على الفور وهي في حالة لا يرثى لها. ارتطمت الباب بشدة التي خرجت على أثره. فكانت سعيدة بأنه بدأ الكلام معها، وفجأة تحول كل هذا إلى مشاجرة عارمة بينهم. فقد سمعت كل شيء وحزنت من أجلهم. أقتربت منه وقالت معاتبة إياه:
- مش معقول كده يابني. هي ذنبها إيه؟ هو أنت بتصلح الغلط بغلط؟ يا بني أنت كده هتخسر نور. البنت شرياك مش هتبقى أنت وأختك. وأنت عارف أن وضعها مختلف. هي غصب عنها وأنت باختيارك يا يوسف.
فتح أمير الباب بالمفتاح ودخل على نفس الوضع مندهشًا ليقول:
- في إيه يا جماعة؟ صوتكوا جايب برة.
نظرت ليوسف بعتاب ثم قالت بضيق:
- اسأل ابن خالك وهو يقول.
تركتهم ودخلت غرفتها. أقترب منه وقال برفق:
- تعال أقعد وفهمني اللي حصل.
جلس سويًا ومسح يوسف شعره بضيق وندم على ما فعل، وحاول أن يبدأ الحديث بهدوء نوعًا ما:
- نور كانت هنا من شوية وحاولت أتكلم معاها بس شخطت فيها جامد ونزلت مضايقة.
تغيرت ملامح وجهه إلى الضيق ليقول معاتبًا هو الآخر:
- يادي النيلة. ليه يا فقري كده؟ نفسي أفهم ليه كل ده. ليه بتعمل في نفسك كده؟ الندم صدقني مش هيفيد يا يوسف.
انفعل به لأنه يعلم كل هذا جيدًا وشعوره بالندم قوي:
- أهو اللي حصل بقى يا أمير. هي اللي استفزتني وهي لسة مصممة على أسلوبها ده. من الآخر كانت حاسة بكل حاجة حصلت. قربي منها من غير ما أحس وبٌعدي عنها فجأة بدون سبب مبرر لها ومعاملتي الجافة لها. قالت لي كل حاجة يا أمير في لحظة انفعال، طلعت اللي جواها. أد إيه أنا جيت عليها وظلمتها وهي ساكتة ومستحملة. قالت باسمي من غير رسمية يا أمير زي زمان.
جلس ودفن رأسه بين طيات كفيه في حزن ويأس. شعر به أمير وربت عليه وأردف بنبرة هانية وهادئة:
- أنا حاسس بيك على فكرة وعارف اللي بتمر بيه. بس ليه يا يوسف؟ اديني مبرر واحد. أنا عارف إنك معجب بيها وفي مشاعر ليك من ناحيتها. متصارحها يا أخي بدل العذاب اللي أنت فيه ده.
نظر له بحزن ويأس:
- ياريته كان ينفع. يا ريت. لعنة ونتائجها مش راحمة حد.
لم يفهم ماذا يقصد بالتحديد، ولكن تركه الآن يراجع أفعاله لعل وعسى يجد مرشدًا في اتخاذ قراره النهائي.
***
عادت إلى المنزل وهي في قمة غضبها. صعدت مباشرةً على غرفتها وهي تحدث نفسها بضيق شديد. ألقت حقيبتها على الفراش بلامبالاة وضجر وجلست تفكر وتسترجع الموقف وهي تحدث نفسها: "بقى أنا يشخط ويزعق فيها بالشكل ده!! بتاع إيه ده إن شاء الله؟ هو فاكر نفسه إيه؟ كفاية قال مش كان أولى يقول الكلام ده لنفسه من الأول. لكل فعل رد فعل. ماشي يا يوسف."
- أنتِ كويسة يا نور؟
قالتها تهاني وهي تقف بالقرب منها. تفاجئت نور بوجودها لتصيح بدهشة:
- ماما! خضتيني. هنا من أمتى؟
تهاني ردت بقلق على حالتها:
- مفيش خمس دقايق. خبطت ملقتش رد لقيتك بتكلمي نفسك بعصبية. حصل إيه ومال يوسف؟
ابتلعت غصتها وقالت بارتباك:
- أنا قلت يوسف؟
جلست أمامها باهتمام لتفهم ما حدث:
- أيوه. اللي معصبك أوي كده. أنتِ بتشوفيه؟
أدركت علو صوتها وهي تحدث نفسها. نظرت لها وردت سريعًا بضيق:
- أيوه. ساعات عند طنط سميحة. ومن فضلك يا ماما متجبليش سيرة البني آدم ده تاني.
أمسكت يداها وقالت بقلق:
- اللي حصل. عملك حاجة؟ أتكلمي.
صاحت بها بضيق وهي تتحدث بسرعة:
- بني آدم غريب بجد. طول عمره كلامه معايا بحدود وبلطف زي ما حضرتك عارفة. لكن من ساعة هروب سلمى وهو قلب عليا وبقى دمه يلطش وبيكلمني من طرف مناخيره. يشرب من البحر بقى بلا قرف.
بعد تفكير واستماعها بتمعن، سألتها بجدية:
- أنتِ ضايقتيه في حاجة يا نور من غير ما تقصدي؟ في حاجة؟
انفعلت عليها نور في ضيق وقالت:
- والله ما عملت حاجة ولا قلت حاجة. حضرتك عارفة علاقتي بيه عاملة إزاي. بس ليه بعد هروبها عمل معايا كده؟ أنا مالي؟ هو أنا اللي هربتها؟
زفرت نور بشدة وتفهمت موقفها. فهي تعرف ابنتها جيدًا. ابتسمت ثم ربتت على يدها قائلة:
- خلاص يا نور. ولا يهمك يا حبيبتي. ما يمكن اللي حصل لأخته مش سهل عليه زي ما هو مكنش سهل علينا كده.
نظرت نور لوالدتها بعدم تصديق:
- بتبرريله يا ماما؟ الكلام ده عدى عليه تلات شهور وشوية ولسة زي ماهو. كل ما بيشوفني كأني عملاله عمل. بس يا ماما الله يرضى عليكِ وقفلي على السيرة دي.
تنهدت تهاني بحيرة ثم نهضت وقالت بنفس البسمة:
- ربنا يريح بالك يا بنتي. طيب غيري هدومك عقبال ما سلمى ترجع. وبابا جاه من بدري وفي مكتبه و..
قاطعتها نور باهتمام:
- نعم!! هي سلمى لسة مجتش؟ لسة جاية من عند سميحة ومراحتلهاش؟
ردت بهدوء وقد تسرب القلق إليها قليلًا:
- اومال هتكون راحت فين يعني؟
فكرت نور مليًا وهي تسترجع حالة سلمى في الكلية والحديث الدائر بينهم، فقالت وهي تحدث نفسها: "معتقدش إنها تكون في الشركة."
- يمكن بتجيب أدوات ولا حاجة يا ماما. عمومًا هتصل بيها أشوفها.
ردت وشعرت بعدم الراحة على أي حال، ثم فاقت على صوت تهاني وهي تخرج:
- عمومًا، إحنا عازمين مدام سميحة على الغدا النهارده. لو كنت أعرف أنك هتعدي عليها كنت خليتكوا تيجوا سوا.
خرجت وأغلقت الباب خلفها. عادت لنفس الوضع وتفكر. إذا مادامت السيدة سميحة آتية، لابد وأن يحضر معها ابن أخيها. فلن تتركه بمفرده. لا تريد رؤيته ولا الحديث معه على أي حال.
***
جلست في مكانها المفضل وقامت بالاتصال بسميحة، التي كانت في هذا الوقت تجلس مع يوسف وتتحدث إليه. محاولة منها معرفة سبب ابتعاده عن نور ومعاملته لها بهذا الجفاء. ولكن دون جدوى ولا تعرف لماذا، سواء هي أو أمير.
تناولت هاتفها وقالت:
- دي مدام تهاني.
انتبه لها يوسف بقلق لاحظته، ثم ردت:
- ألو. السلام عليكم. الحمد لله بخير. أخبارك أنتِ يا مدام تهاني؟ ... إيه ده بجد؟ لا طبعًا معنديش مانع. خلاص هشوف أمير. ماشي يا حبيبتي مع السلامة.
أقبل عليها يوسف باهتمام:
- في إيه يا عمتو؟
وتشعر بلهفته إن كانت المكالمة تخص نور. فابتسمت وقالت:
- معزومين على الغدا النهارده. طبعًا أنت جاي معايا يا أمير.
رفع رأسه من هاتفه وقال بهدوء وهو يراقب قسمات وجه يوسف:
- أه. معاك إن شاء الله. فاضي النهارده.
شرد يوسف بضيق ليبتسم أمير لتأكده من اهتمامه الكبير بها. لتربت تهاني على منكبه قائلة:
- متنساش تجهز نفسك كمان ساعة يا يوسف.
تنهد بقوة وقال بجمود:
- لا معلش يا عمتو أعفيني أنا. مش هقدر أجي.
ابتسم أمير وقال بجدية:
- بلاش هروب يا بني بقى. هتفضل مش عارف تواجهها كده لحد إمتى؟ خليك كده لحد ما تروح منك. فكك منه يا ماما هتستأذنييه ولا إيه؟
انفعل يوسف ونهض ذاهبًا لغرفته:
- وأنا قلت مش جاي يا أمير. هو بالعافية يا أخي.
صاح به أمير بعتاب وخوف أخوي:
- جاي غصب عنك يا يوسف. مش هشوفك بتدمر نفسك بإيدك وأقف أتفرج عليك. هتيجي يا يوسف.
جلس بجوار والدته بضيق. لتربت عليه بحزن مقدرة مشاعره:
- أنت بتعمل اللي عليك يا حبيبي. ما أنت عارف يوسف لما بيقفل على نفسه بيبقى عامل إزاي. ربنا يهديه ويصلح حاله يا رب.
أردف بضيق وحزن:
- الندم وحش أوي يا أمي، خاصًة لو حاجة مصيرية زي دي. أنا مش عايزه يندم زي ما أنا ندمت وأنتِ عارفة اللي حصل كويس. نور بنت كويسة جدًا. كفاية إنها صاحبة سلمى من سنين ومتأكد من أنها فعلًا حبته زي ما هو بيحبها. بس مش عارف ماله ده. مش عايز يتحرك ليه. غبي صحيح.
مالت عليه وربتت بحزن وتفهم. تشعر ما بداخله وكأن ما حدث في السنوات السابقة يمر أمام عيناها كشريط سينما.
أراح ظهره لتسقط دمعة من عيناه. فرت دون إرادته. يتمناها من صميم قلبه ولكن لن يستطيع أن يكرر تلك المأساة مرة أخرى. سيكون الحاضر عقبة لهم وما هو آتٍ. لا يستطيع أن يؤلم قلبها أكثر من ذلك. لا يعرف متى اقترب منها بهذا الحد في يوم وليلة واعتاد على وجودها. ومن مكالمة واحدة وأسلوب طارق المنفر له، قرر أن يبتعد عنها للأبد. رغم ذلك، لا يستطيع مقاومة مشاعره. لعله يستطيع فعل ذلك.
***
الساعة الرابعة عصرًا. وصلت أخيرًا سميحة وأمير لفيلا الإبياري ليكون في استقبالهم محمود وتهاني. سمعت نور أصواتهم من الأعلى. دق قلبها بعنف وهي تشعر بالضيق والتوتر في الوقت ذاته. نزلت لتتأكد من مجيئه لتجده غير موجود. وضعت يدها على صدرها براحة على عدم مجيئه.
بعد قليل، صعد الخادم ليخبرها الجميع في انتظارها. نزلت بعدما تأكدت من عدم وجوده. رحبت بالجميع وبدأوا في تناول الطعام. نظرت سميحة لتهاني وقالت:
- اللمة الحلوة دي ناقصها سلمى. هي فين؟
ردت نور سريعًا:
- اتصلت بيها بيديني جرس ومبتردش. حاولت كتير مفيش فايدة.
قلقت تهاني وسميحة لتقول الأولى:
- أول مرة تغيب بالشكل ده من غير ما تكلم حد فينا. حتى طارق لسة مجاش لحد دلوقتي.
أردف محمود قائلاً:
- طارق راح الكلية وقال إنه احتمال يتأخر شوية.
شردت نور في قلق ولا تشعر بالاطمئنان على الإطلاق. قلبها يدق مسرعًا ولكن تدعو الله أن يردها سالمة. لاحظ أمير شرودها وشعر كأنها تخفي شيئًا. لم تكن على طبيعتها على الإطلاق.
***
دبت مشاجرة بين طارق وإيهاب وأحد أصدقائهم. لا يصدق ما يقولون على الإطلاق. لا يصدق أن تكون هذه سارة التي أحبها حقًا، لا تكون بهذه الدناءة وتلك الصورة المقززة العفنة التي يلعن كل فتاة يراها بتلك الهيئة ويدعو لهن بالهداية. لن تكون خطيبته واحدة منهم بأي شكل يكون.
حاول إيهاب تهدئة روعه قليلًا وهو مراعٍ لحالته وللموقف بشكل عام:
- أهدى يابني عشان نعرف نتكلم.
صاح به بعنف دون دراية:
- أهدى إيه وزفت إيه؟ يعني أنت مش سامع أنتوا بتقولوا إيه؟ عايزني أتحزم وأرقص لما تقولوا كده على اللي هتبقى مراتي؟
الوضع أصبح لا يحتمل. يجب أن ينقذ صديقه من الوحل الذي يعيش فيه بسببها. أعمى القلب والبصيرة، وبسبب ذلك سوف يفقد حياته وأقرب الناس إليه. سيخسر زوجته قبل نفسه إذا علمت بأمر زواجه الفعلي وليس مجرد كلمات عابرة لتثير غضبها. لن يتحمل أن يتركه يغرق هو القاتل والمقتول في ذات الوقت. ما دام الأمر تطور إلى زواج بشكل فعلي ولا يصدق حتى أنه يريد أن يتزوجها بعد كل ما حدث. وهذا بالفعل ما صرح به إيهاب. فصاح به خوفًا عليه:
- متفوق بقى يابني فيه إيه؟ كل ده وربنا بيحط لك رسايل عشان تفهم وأنت مستسلم لأوهامك. فأنت فعلًا محتاج حد يوقفك. عايز تتجوزها بعد كل ده! بعدما تأكدت إنها اللي بتبوظ علاقتك بمراتك وإنها جات على قصد يوم الصباحية عشان تشوفكوا سوا والدنيا تبوظ أكتر من مرة. أنا قلته لك زمان يا طارق وأنت مسمعتش كلامي وأهلك بدل المرة مية مرة. سارة متنفعش مش ليك. أفهم بقى. مش من تفكيرك ولا شبهك. أقولك إيه أكتر من إنها بتطلع شقة مع واحد بالساعات والبواب بنفسه عارف اللي داخل واللي خارج ويختم بكلامه الله يستر على ولايانا. ده معناه إيه؟ ما تتكلم.
كان يستمع بتمعن وعقله مقتنع تمامًا بكل كلمة، لكن قلبه كان يعارضه بشدة. هدأ قليلًا ثم قال بجمود وجدية:
- أشوف وأتأكد بنفسي. ساعتها هتكون هي اللي جنت على نفسها.
ذهبوا جميعًا إلى تلك البناية وأخذ طارق يتمعن بها. خرجوا من السيارة متجهين نحو حارس العقار، الذي يجلس على دكة مستطيلة بجلبابه الرمادي ويحتسي كوبًا من الشاي، ليشاهد بثلاث شباب آتين نحوه فأعتدل جلسته. أقبل عليه إيهاب قائلاً:
- السلام عليكم يا حج.
رحب به الحارس بعدما تذكره صباحًا:
- أهلًا يا بيه. أومر.
ابتسم إيهاب بود وقال وهو ينظر لطارق:
- قلي بقى يا راجل يا طيب هي البنت اللي كلمتك عنها الصبح لسة موجودة؟
أجاب الحارس بتلقائية:
- من ساعة ما طلعت من الصبح منزلتش. بس البيه اللي معاها نزل من كام ساعة كده.
إيهاب بنفس الأسلوب مردفًا:
- متعرفش هي في الدور الكام على كده؟
رد الحارس:
- اومال يا أستاذ. في الدور الخامس على أيدك اليمين. عدم المؤاخذة، أنا اللي كنت بطلعلهم البيرة إذا كان هي ولا غيرها. بتسأل ليه؟
نظر لطارق معاتبًا:
- بيرة ها. أبدًا أصل خطيبها عايز يشوفها. اللي هيتقدملها زي ما قلت لك قبل كده.
رد الحارس ويبدو عليه الانزعاج:
- روح لحالك يا أستاذ الله يرضى عليك. هي دي بنات تنفع للجواز ولا تفتح بيت. أحمد ربك أنك لسة على البر.
نظر إليه إيهاب مجددًا بعتاب وطارق يبدو عليه الصدمة الشديدة لا يستطيع التفوه بكلمة فقط يسمع ما لم تصدقه أذناه. ليتكلم أخيرًا ولكن بصعوبة:
- معلش أنا عايز أشوفها. أتأكد هي ولا مش هي.
تركوه وصعدوا إلى الطابق الخامس بواسطة المصعد. وطارق تفكيره مغلق وعقله مشلول بكل المقاييس. وصلوا مقتربين من الشقة وطارق لا يريد الطرق على الباب أو رن الجرس حتى. مشاعر متداخلة لا يستطيع أن يسيطر عليها. لا يصدق ما قاله حارس العقار، فقط يريد أن يرى بأم عيناه.
لاحظ إيهاب إنه لا يستطيع أن يقوم بأي فعل. يداه ترتعش ويبدو عليه الصدمة، فبدأ هو بقرع الباب.
تفتح سارة الباب لتتفاجئ بطارق أمام عيناها لتشهق بخضة وصدمة. لجم لسانها ولا تعرف ماذا تقول. لم تتصور أن يأتي اليوم وتكون في موقف مخزي أمام طارق بهذا الشكل. لقد فعلت كل شيء كي تبقى معه، وحاربت كي تصل لمرحلة الاحتفاظ به ولا يذهب لغيرها، ولكن كل شيء الآن ذهب سدى. لا تعرف كيف وصل إلى هنا وكيف وجدها. لا تعرف كيف تبرر موقفها هذا. عيناها منصبة عليه وفاها مفتوح بشدة، كأن الزمن توقف عند هذه اللحظة. تجمعت الدموع في عيناها ولا تعرف ماذا تقول.
كيف لها أن تكون بهذه الهيئة المقززة؟ لقد حاول جاهدًا أن ينفي الحديث عنها بأي سوء، أي شكل يمكن أن يتخيله بها، ولكن لم يتصور أنه سوف يراها بنفسه. ينظر لها بصدمة ونظرات مقرفة لا يستطيع التعبير عنها بكلمات. لا يعرف كم هو منخدع فيها طيلة هذه الفترة وهي معه. لقد حذرها منه الجميع وهو لم يستمع إليهم البتة. لهذه الدرجة كان يعيش في وهم كبير، بل مستنقع من الأوهام وقد فاض به بعد الآن.
شعرها الغير منهدم ومبعثر بعشوائية على وجهها، وذلك الرداء القصير الذي يكشف أكثر ما يستر. دخل من باب الشقة ترجع بالخلف هي في رعب من رد فعله لينقض عليها ويجذبها من شعرها بكل عنف أتى به وهي تصرخ وتتألم تحت يديه. إيهاب والآخر يحاولان جذبها من تحت يديه وهو يسب بها بانفعال شديد بداخله:
- بقى أنا تعملي فيا كده يا زبالة؟ ليه عملتلك إيه؟ عديت أهلي بسببك وياما نصحوني أبعد عنك بس أنا اللي تمسكت بيكِ وقلت لا كفاية إنها بتحبني. تكسري قلبي ليه؟ ليييييييييييييييييييه؟ هقتلك.
هجم عليها مرة أخرى جذبها إيهاب بعيدًا عنه، ليصيح به بانفعال هو الآخر:
- سيبها يا طارق متستهلش إنك تضيع نفسك عشان واحدة زي دي متستاهلش. كويس إنك شوفت بنفسك.
تكلمت سارة وهي ترتجف من شدة البكاء والعياط محاولة استعطافه:
- والله العظيم بحبك يا طارق. متفهمش غلط عشان خاطري. سلمى هي السبب في اللي احنا فيه.
انفعل أكثر وجذبها من شعرها:
- أخرسي متجيبيش سيرة ربنا على لسانك. حب إيه؟ كفاية كدب بقى. أنتِ إيه يا شيخة مبتزهقيش؟ ده أنا جايبك من شقة واحد ولابسة مفيش. مش عارف إزاي كنت هأمنك على اسمي وعرضي. سلمى دي بضفرك. إياكِ تجيبي سيرتها على لسانك القذر ده تاني أنتِ سامعة؟
بصق عليها ونظر لها بقرف وازدراء شديد وهي لازالت تحاول استعطافه ثم خرج في كامل غضبه وانفعاله وخلفه صديقه. ألقى عليها إيهاب نظرة أخيرة وهو بكامل حزنه وآسفه عليها. كان يتذكر بأنه يومًا ما يحبها ويحمد الله بأنه نزع هذا الحب من قلبه إلى الأبد. تركها بجملة أخيرة قبل أن يذهب ويتركها بمفردها:
- يا خسارة يا سارة. كنت فاكرك بني آدمة نضيفة. بس طلعتي أحقر مما أتصور.
خرجت وارتطمت الباب بعنف لتقع هي على الأرض منهارة في البكاء بهستيرية. لقد خسرت كل شيء في لحظة واحدة بسبب طمعها وأنانيتها، وخيانتها من المفترض أقرب الناس لديها. كل الخطط التي وضعتها مع عاصم لم تكن في صالحها في النهاية، هي الخاسرة الوحيدة.
قبل أن يخرج من البناية رأى الحارس آتي إليه عندما سمع صوت الصراخ يصل إلى الأسفل. صاح به طارق وقال بغضب:
- الشقة اللي فوق دي بتاعة مين؟
رد الحارس بخوف منه:
- بتاعة واحد اسمه عاصم السيوفي يا بيه. بيتردد عليها كل فترة ومعاه بنات.
صدم طارق للمرة الثانية ونظر لإيهاب الذي لم يتوقع أن يكون قريب منه لهذه الدرجة. ولكن من أين بدأت تلك المعرفة بينهم، هذا ما سوف يعرفه من سارة ولكن ليس الآن.
***
يضرب الموقد بعنف شديد وانفعال أشد. يشعر بأنه في كابوس كبير جدًا. وأن زواجه من سلمى، رغم أنه كان بغير إرادته، ولكنه أخف ورحمة كبيرة من هذه الحقيقة الشنعاء من اختياره بنفسه. كاد أن يخسر زوجته أو بالفعل هو اقترب من خسارتها. فعلاقته بوالديه الآن أصبحت على ما يرام. حتى شقيقته حمدًا لله أفضل مما سبق بفضلها بعد الله. سيتركها مقابل مكسبه من الجميع. سيخسر الشيء الوحيد الجيد في حياته.
كان إيهاب معه كامل الحق في أنه لم يعطِ لنفسه فرصة ليحبها، ليراها على حقيقتها. يجب أن يعطي لنفسه الفرصة الحقيقية ليعيش حياة حقيقية بدون زيف أو وهم كما كان يعيشها غافلًا. يجب أن يبصر من جديد، ليس فقط بعينيه ولكن بقلبه وعقله.
إيهاب لا يعرف ماذا يقول ولا يجد الكلمات المناسبة، فيكفي أنه علم الحقيقة قبل فوات الأوان. فتركه لحاله إلى أن يهدأ من روعه تمامًا، فهو في حالة يحتاج إلى تصفية الذهن وإعادة الحسابات والأولويات من جديد.
***
تجمع عائلي جميل. كانت تنظر له نور بابتسامة إلى أن اختفت تلك البسمة عندما تذكرت ما كان يفعله معها يوسف، وتأخر سلمى طيلة هذا الوقت دون أي اتصال تطمئنهم عليها حتى. بعد قليل حضر طارق، ولم يدخل إلا لما ضبط انفعاله جيدًا حتى لا يلاحظ أحدهم أي شيء. وفي داخله يتمنى رؤية سلمى.
الجميع سعد بوجوده وجلس معهم وهو يتناول الطعام، ولكن بين الحين والآخر كان يشرد وقد لاحظته نور ولم تعلق. وبالطبع، سؤاله الأول عند دخوله: أين سلمى؟ والجواب: ليست هنا. وبررت نور تأخيرها لحين تظهر أو ترد على اتصالاتها.
وبدون أي مقدمات، دخل هاشم الذي تفاجأ الجميع بوجوده هنا. فلم يظهر ولم يعرفوا عنه أي شيء بعد زواج ابنته، ولم يسأل عنها حتى. فما سبب زيارته هكذا دون ميعاد أو أي كلمة مسبقة على الأقل.
وعلى ما يبدو، الحالة التي أتى بها ليست على ما يرام، ولا تبشر بالخير على الإطلاق. بل قسمات وجهه إن دلت فهي تدل على خوف وقلق شديدين. ولأول مرة يراه محمود بهذا الشكل، حتى عند موت زوجته فريدة.
أقبل عليهم في لهفة وهو يصيح:
- فين سلمى؟ بنتي فين؟
اندهش الجميع حقًا. فما هذا وماذا يحدث. لينهض محمود ويقول بجدية:
- في إيه يا هاشم؟ أنت لسة فاكر إنها بنتك ولا إيه؟
بنفس النبرة صاح هاشم:
- مش وقت عتاب أو لوم. فين بنتي يا محمود؟ سلمى في خطر.
قلق محمود من نبرته وكذلك الجميع، فنهضوا لأن يبدو أن هناك كارثة حلت عليه، وخاصة على سلمى. اهتزت قلوب الجميع من تلك الأخيرة التي تفوه بها وقال أمير على الفور بدون وعي:
- في إيه؟ عملت فيها إيه المرة دي يا هاشم بيه؟
قاطعته سمية بقلق:
- استنى بس يا ابني نفهم اللي حصل.
قال هاشم بلهفة:
- جالي رسالة تهديد بقتلها لو البضاعة متسلمتش في ميعادها. مع إني مسلم أول دفعة زي ما اتفقنا.
اقترب منه طارق وأمسكه من أعلى قميصه بانفعال شديد وخوف أشد:
- أنت اتجننت!! مش كفاية كل اللي حصلنا ده من تحت راسك وبوظت حياتنا. عايز إيه تاني؟ لو مراتي جرالها حاجة أنا مش هرحمك فاهم؟
فك النزاع بينهم محمود وهو يصيح به:
- أهدى يا طارق مش كده. أنا مقدر حالتك بس نفهم الأول اللي حصل. مال الدفعة ومال سلمى يا هاشم؟ مش خلاص نفذنا اللي عايزينه؟ فيه إيه تاني؟
صاح به في خوف وقلق:
- مش عارف اللي حصل. ميعاد الشحنة بتاع الصفقة تم. الدفعة الأولى والتانية كانت المفروض امبارح بس اتأخرت بعدما بعتوا فاكس. السفينة طلعت من المينا متأخر ليه؟ وليه يبعتولي رسالة لو الشحنة متسلمتش في ميعادها هتحصل أمها؟
صاح به محمود بغضب شديد:
- إيه الهبل والتخريف اللي أنت بتقوله ده؟ ده شغل عصابة وبلطجة مش شركات محترمة بتعامل معاها. دي صفقة أدوية يهددوا بيها بالشكل ده؟
قررت نور أن تتحدث لعل كلمة منها تنقذ الموقف:
- من ساعة ما الصفقة دي تمت واحنا كلنا بلا استثناء مشوفناش يوم عدل. أنا كلمت يا بابا سلمى في الموضوع اللي كنت عايز تفاتحها فيه، وفعلًا سلمى مكدبتش خبر لما قلتلها وقعدت تفتش ورا الموضوع. اتضح أن في صفقات شحناتها بتجي في وقت متأخر من الليل. سلمى كانت مشغولة ومبتعرفش تركز فيها بس النهارده الصبح كانت مشغولة جدا ولا حتى المحاضرات عرفت تركز فيها زي الأول. وشاكة أن الموضوع ده وراه حاجة.
ربط طارق الخيوط ببعضها البعض وقال:
- عشان كده كانت ماسكة اللاب من بعد الأكل وقاعدة تشتغل.
قاطعته نور بجدية وثقة:
- بالظبط. كانت بتدور عن سبب وصول الشحنات لوقت زي ده مع إنها عمرها ما استلمت شحنة بليل والموضوع ده بيحصل كل فين وفين. من الآخر كده الشحنات بتاعة الصفقة دي بتيجي بليل. ومادام كده يبقى دي مش مجرد أدوية عشان تتهرب زي الحرامية بالشكل ده يا أنكل. ولا بالعقل كده شركة تحط شرط زي ده في صفقة أدوية؟ الصفقة دي فيها حاجة وهي سبب لكل ده.
الجميع كان يسمع نور باهتمام شديد جدًا وتمعن. معها حق في كل ما قالت. استطاعت ربط الخيوط جميعًا وأوضحت عدم منطقية الأمور التي كانت تحدث مسبقًا. الكل ينظر لهاشم منتظرين منه رد مناسب أو مبرر مقنع على الاتهام الموجع له من قبل نور. وجد هاشم أنه لا مفر من إنكار الحقيقة كثر من ذلك، فأنه غير مستعد أن يخسر ابنته كما خسر زوجته من قبل. صحيح أنه كان لا يبالي وجودها أو رأيها، ولكن عندما وجد الأمور تتحول إلى الجدية لم يستطع خسارة كل شيء. فقال في أسى:
- أيوه. مش مجرد صفقة أدوية. تهريب. مخدرات.
انصدم الجميع مما سمعوا. لم تصدق سميحة أن حال أخيها يصل به إلى هذا الحد ولا حتى أمير الذي عجز عن الرد. نظر محمود لطارق بعدم تصديق على الإطلاق ليقول بصدمة:
- لا لا مستحيل. أنت أكيد بتهزر صح؟ معنى كده أنا متورط معاك في صفقة مخدرات؟ ده أنا هوديك في ستين داهية. يبقى المعلومات اللي عرفتها من الملف صح؟
رد هاشم سريعًا:
- مش هروح لوحدي يا محمود. العقود بأسمنا كلنا. بس وديني لو حاولوا يمسوا شعرة من بنتي أنا مش هرحمهم. بس أجيب الظرف الأسود الأول.
عقد طارق جبينه وهو يحاول أن يتمالك أعصابه من هول ما يسمع، وتلك الكارثة الجديدة التي حلت عليهم دون أي مقدمات:
- بتاع إيه ده الظرف الأسود؟
رد سريعًا:
- ده اللي فيه البضاعة المتهربة وبأسماؤهم. واللي كانت صفقة الأدوية ستارة ليهم. الورقة دي لو وقعت في إيديهم كلنا هنروح في ستين داهية. والأهم من كده، لازم نتصل بسلمى قبل ما يوصلوا لها.
رواية صفقة حب الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم شيماء جوهر
عقد طارق جبينه وهو يحاول أن يتمالك أعصابه من هول ما يسمع، وتلك الكارثة الجديدة التي حلت عليهم دون أي مقدمات.
"إيه ده الظرف الأسود؟"
رد سريعًا: "ده اللي فيه البضاعة المتهربة وبأسمائهم.. واللي كانت صفقة الأدوية ستارة ليهم.. الورقة دي لو وقعت في إيديهم كلنا هنروح في ستين داهية.. والأهم من كده لازم نتصل بسلمى قبل ما يوصلوا لها.. وده اللي ذكروه في المسدج عايزين الظرف الأسود."
تناول هاتفه وحاول الإتصال بسلمى، يسمع الجرس دون إجابة، ليحاول أكثر من مرة ولا تستجيب بالرد عليه.
يزفر طارق بغضب: "مفيش فايدة جرس.. يمكن في الشنطة ومش سمعاه.. هتكون فين دلوقتي في المرسم؟"
رد نور سريعًا: "تصدق فكرة.. أستنى كده."
تناولت هاتفها وضغطت على بعض الأرقام وقامت بالإتصال، انتظرت سماع صوت الطرف الآخر بلهفة إلى أن صاحت فجأة: "ألو.. أيوه يا جاسر.. بقولك أنت فين دلوقتي؟.. بجد!! طب مشوفتش سلمى عندك؟.. بص كويس الله يكرمك لاتكون في أي ركن بتشتغل.. طيب ماشي يا جاسر شكرًا.. سلام."
نظر لها طارق باهتمام وفضول: "مين جاسر ده؟"
ردت نور بهدوء وثقة: "ده جاسر زميلنا في الكلية.. وأكتر حد بيكون موجود في المرسم معايا أنا وسلمى.. للأسف مش موجودة هناك."
صاحت بهم تهاني في قلق: "اومال هتكون راحت فين.. لا في الكلية ولا راحت لعمتها.. حتى المرسم مش موجودة فيه."
القلق وإعادة التفكير والتساؤل رجع لها مرة أخرى، عدم الأمان الذي كانت تشعر به كان حقًا وبلا شك صحيح، كانت تحاول استبعاد وجودها في الشركة ووضعت جميع الاحتمالات الأخرى أمامها، ولكن بدأت تتساقط واحدة تلو الأخرى، لا يوجد أمامها إلا هذه الفرضية التي تؤمن نفاذها بالفعل.
لاحظ طارق شرودها وارتباك قسمات وجهها ليقول بجدية: "شكلك مخبية حاجة يا نور.. أتكلم."
تدخل أمير وقام بسرالها بنبرة حانية: "لو عندك أي معلومة حتى ولو كانت صغيرة ممكن تساعدنا إننا نوصلها قبلهم قوليها."
حسمت أمرها، بالفعل لا يوجد مكان آخر تذهب إليه فقالت موجهة حديثها لوالدها: "الشركة.. زي ما قلت لحضرتك يا بابا كانت بتدور في الموضوع ده وشكلها شكت في حاجات كتير.. فاحتمال إنها تكون راحت هناك بس أنا استبعدته."
تدخل أمير بتساؤل: "اشمعنى؟"
نظرت لهاشم بعتاب وحزن: "لأنها لا يمكن تروح الشركة وانكل هاشم هناك.. من يوم الفرح وهو يعتبر كأنه تخلص منها.. مكنتش تعرف هتبررله إيه بوجودها."
كان حزينًا وهو يسمع هذا الرد، كأنه في غفلة ولتوه خرج منها عندما شعر بأنه يمكن فقدها.
اقترب منهم طارق وقال بلهفة: "إحنا مستنيين إيه!! بينا على الشركة."
***
تحركوا جميعًا إلى مقر الشركة ومنها إلى السكرتيرة، التي شعرت بالريبة من هلّتهم عليها الخمس بعد رحيل سلمى بفترة ليست بطويلة.
وقفت بتوتر مستعدة لتساؤلاتهم، أقبل عليها هاشم بتساؤل: "سلمى ماجتش الشركة؟"
توترت ونظرت لهم بلمحات خاطفة ولا تعرف ماذا تقول، شعر بتوترها أمير الذي حسم الموقف ليطمئنها: "ردي على أد السؤال وخليكِ صريحة.. جات هنا ولا مجاتش."
ردت بتوتر ملحوظ وبنظرات زائغة: "بصراحة ايوة.. هي اللي قاللي متقوليش لأي حد إني كنت هنا وبذات أستاذ هاشم."
نظروا له جميعًا لتقول نور بثقة: "كما توقعت."
أكمل أمير أستجوابه معها: "شوفتيها أمتى وبتعمل إيه.. قولي كل اللي تعرفيه."
شعرت بالخوف من طريقة الأسئلة التي يعرضها عليها، يبدو أن هناك خطبًا ما، فقالت بعدما طمأنها أمير بالحديث: "من حوالي ساعة جات باركتلها على الجواز بعدين سألت أستاذ هاشم موجود ولا لأ.. بعدين دخلت على مكتبه حوالي تلت ساعة ولا حاجة ماغبتش جوة.. بس طلعت مستعجلة حتى قالتلي سكي على النسكافيه اللي كانت طلباه.. حتى شكلها مرتبك جدًا ومخضوض ونبهتني مجبش سيرة لحد ومشيت على طول."
تركوها ودخلوا غرفة المكتب ليجد كل شيء كما هو، دلف إلى مكتبه وبحث في الملفات وجدها كما هي ولكن ليست بنفس النظام التي كانت عليه من قبل، رفع رأسه وقال: "سلمى كانت بتفتش في الملفات.. صحيح كل حاجة رجعتها مكانها بس مش بنفس الترتيب.. حتى ملف الصفقة ورقه مش مترتب كانت بتبص فيه بعشوائية."
قال الأخيرة وهو يتفحص ملف الصفقة ثم لفت نظره شيئًا ما لم يلاحظه أثناء دخوله على سطح المكتب، ألتقط الورقة التي كانت على سطحه وقرأها بتمعن لفتح فاه في صدمة ودهشة لدرجة أدهش من معه ليقطع صمته محمود: "إيه في إيه؟.. لقيت حاجة؟"
أكيل له الورقة ليتفحصها محمود ومن معه في صدمة، فأدركوا بأنها قرأتها وعرفت ما يدور حولها وما هو مقدمة عليه.. صاح محمود مناديًا على السكرتيرة في غضب، لتأتي مسرعة في خوف، رفع الورقة إلى الأعلى وقال بنبرة جعلتها تتوتر زيادة: "إيه ده يا عبير؟"
نظرت للورقة ثم تذكرت لترد في لهفة: "ايوة نسيت أقول لحضرتك أن الفاكس ده وصل لحضرتك قبل ما تنزل مفيش دقيقة وكنت لسة هديهولك بس مشيت بسرعة.. لما آنسة سلمى جات أدتهولها."
"طيب روحي أنتِ دلوقتي."
قالها محمود بعدما وجد هاشم لا يستطيع الرد من هول الأحداث التي تجري أمامه وهو لا يصدق، خرجت السكرتيرة وهي تحمد الله أن خروجها كان بسلام وتدعو الله أن يمر هذه الأزمة التي تشعر ببوادرها.
جلس محمود وقال بعدما ربط كل الأحداث ببعضها البعض: "كده سلمى عرفت كل حاجة وكانت بتتعامل في إيه.. صدمتها فيك أكتر ما تتوقع."
تمتم هاشم بصدمة وفزع: "يادي المصيبة.. روحنا في داهية."
قاطعه محمود ساخرًا: "مضايق من شكلك قدام بنتك.. كنت متوقع أن الموضوع هيكون مخفي عنها أكتر من كده."
نظر له وقرأت محمود الخوف في عيناه: "الظرف الأسود مش موجود.. كان موجود في ملف الصفقة.. مفيش غيرها.. لو وصلولها هنروح كلنا في ستين داهية.. راحت فين أنا أبتديت أقلق."
نور تحاول الإتصال بها ولكن تسمع رنين دون رد.
زفرت بقوة وحاولت عدة مرات دون جدوى: "اللي مطمني شوية إن الفون مش مقفول.. ربنا يجيب العواقب سليمة."
صاح أمير موجهًا حديثه لنور: "أتصلي بيوسف خليه يجي بسرعة.. مبيردش عليا."
حاول أن يبرر لها كي تنفذ ما يقول، لتتصل به بالرغم عنها.
يتفاجيء يوسف بإتصال من نور، رد رغم دهشته بغير رسمية: "خير يا نور؟"
قالت نور بتلقائية ودون رسمية هي الأخرى ولكن بلهفة: "يوسف تعالى شركتكوا حالًا.. سلمى في خطر.. سلام."
أغلقت سريعًا فنظر لها الجميع في دهشة ولكن لم يعلقوا على ذلك، فليس الوقت المناسب لأستجوابها.
لقد تحدث معه بدون رسمية بالفعل، ولكن ما هذا؟.. شقيقته في خطر لم تمكنه من الأستفسار حتى ودب القلق والخوف في قلبه، عكس أتجاه سيارته وذهب إلى حيث هي.
حاولت نور أن تتفادى نظراتهم، لا تعرف كيف فعلت ذلك للمرة الثانية دون أن تشعر، من الواضع أن مشاعرها تتحكم فيها هنا.
عشر دقائق ووصل يوسف الشركة وبلهفة صاح بهم، قصت له نور بأختصار ما حدث ليكون في الصورة كاملة ويستطيع أن يتصرف معهم بسرعة أو يجد طريقة لإيجادها قبلهم.
الصدمة أحتلت مشاعره وعقله وملامحه التي لا تصدق بنت كلمة على الإطلاق، تأثرت نور وحزنت على حاله.
دون أي مقدمات كاد يشبك في عراك به لولا تدخل طارق وأمير بينهم ليصيح محمود به: "ميصحش كده يا يوسف.. خلينا نشوف هنعمل إيه دلوقت."
انفعل يوسف وهو يقول بنبرة تحمل الكثير ما في قلبه وما يشعر به: "يعني مش سامع اللي قالته!!.. أنا مش قادر استوعب اللي بيحصل.. يعني أبويا كده يعني إيه؟.. يعني كل فلوسنا وعيشيتنا حرام في حرام؟.. أمي ماتت بسبب الحرام؟.. حد يرد عليا.. لو جرالها حاجة أنا عمري ما هسامحك في حياتي مهم قلت أو عملت.. مش مكفيك اللي حصلها عايزها تحصل أمي كمان.. أنا مليش غيرها ليه عايز تحرمني من كل اللي بحبهم.. لييييه.. هي فين دلوقتي؟"
وجه تلك الأخيرة إلى نور.
لتقول بلهفة: "محدش عارف هي فين.. مبتردش والفون مش مقفول وده اللي هيجنني.. حتى المرسم مش موجودة فيه ولا عند طنط سميحة.. هحاول تاني أن شاء الله خير."
***
استيقظت من غفلتها لتجد نفسها في مكان مظلم، فيه بصيص من شعاع الضوء لا تدري من أي مصدر يكون، رؤيتها معدومة بسبب الغمامة المعصبة على عيناه، لا تعرف أين هي حاولت النهوض لكن لم تسطع كأن شيئًا ما قابض على قدميها ويداها هي الأخرى، لا تسمع سوى صوت الهدوء الرهيب وخطوات خفيفة تقترب منها، إنها تعرف هذه الرائحة جيدًا كلما اقتربت تلك الخطوات الركيزة منها كلما أستطاعت الاستنشاق أكثر والتعرف على مصدرها، إلى أن دق قلبها سريعًا عندما أدركت صاحبها ولكن التساؤل هنا كيف وأين هي؟ أصبحت مشتتة وعقلها به تساؤلات عديدة، تريد أي شيء ينتشلها من هذه الدوامة.
كأنه يستمتع بكونها مقيدة أمامه، أسيرة بين يداه لا حول لها ولا قوة، عرف أنها استعادت وعيها من حركات يداها وقدميها محاولة منها فك قيدها.
لاحظ توترها على قسمات وجهها، أصبح الآن في مواجهتها إلى أن شعرت بأنفاسه تقتحم وجهها لتدرك حينها إنه بمقربة تامة بها لتنتفض وتشعر بالقشعريرة تسري في جسدها، وضع يده على ذراعها لتبتعد هي بجسدها مذعورة تزوم رافضة الأقتراب منها، تريد أن تصرخ ولكن لا تستطيع أيضًا بسبب الشريط الاصق حول فمها.
لمس على شعرها وهي تحاول الأبتعاد عنه ليقول بتشفي: "مش قلتلك قبل كده مصيرك ليا يا سلمى مصدقتنيش!!.. ايدكِ معايا وبين أيديا أهو شوفي بقى البيه اللي فضلتيه عليا وأتجوزتيه هيعمل إيه لما يعرف إنك معايا دلوقتي وشوية هتبقى في حضني.. متتصوريش كنت مستني اللحظة دي بقالي كتير ازاي."
صوت أنفاسها عالية، رافضة كل حرف تفوه به، أدركت بأنها مخطوفة وأدركت أيضًا الخاطف، تشعر بالغضب والخوف الشديد من اقترابه منها، زاد كرهها له، تشعر بأنه مريض نفسي كي يكون رد فعله على رفضها له هكذا.
زال الغمامة والشريط اللاصق، فتحت عيناها ببطء شديد، المكان مظلم للغاية تكاد أن تراه بصعوبة، نظرت له بأذدراء وغضب: "أنت اتجننت يا عاصم!! اللي هببته ده."
ضحك وقال ساخرًا: "بعتذر جدًا على الطريقة اللي جبتك بيها هنا.. بس كليشيه حركة عربية تدخل عليكِ مش كده؟.. أنتِ اللي اضطرتيني أعمل كده.. كل ده عشان بحبك.. يمكن لو ضغطت على أبوكِ بالطريقة دي تطلقي من طارق وترجعيلي تاني.. أنتِ ليا أنا لوحدي.. فاهمة."
انفعلت ولا تصدق بأنها في هذا الوضع الغريب مع هذا المريض: "أنت مجنووون يا عاصم.. بجد مش طبيعي أبدًا.. لو كنت بتحب بجد فهو نفسك لكن أنت عمرك ما حبيتني.. أنت إنسان خاين مبيحبش إلا مصلحته وبس.. ياما فوتّ وعديت يمكن تحس لكن أنت والحيطة واحد.. هاشم بيه لو يطول يبيعني في مزاد عام مش هيتأخر.. كارتك محروق."
جذبها من ذراعها بعنف ونظر لعيناها والشرر يتطاير منهما وقال: "ورحمة أمك لو ملميتي لسانك أنا هلمهولك يا بنت الجوهري وهخليكِ تحصليها.. ولا تحبي تعرفي الوالدة ماتت أزاي؟.. لا تكوني فاكرة إنها ماتت في حادثة عربية بسبب شغل أبوكِ!!.. لا يا حلوة هو صحيح بسبب شغله بس في حادثة."
بدهأخرج من جانب بنطاله مسدس وحركه أمام وجهها.
***
محاولات الإتصال بسلمى كانت مستمرة من نور، والجميع بإنتظار ردها على نار أحر من الجمر، ولكن لا ترد.
فإذا تم الأمساك بها كما توقعوا فيكون النتيجة سحب الهاتف منها وغلقه على الأقل، ولكن ما معنى رنين دون رد؟
عاد صوت الرنين مرة أخرى وقد انزعج من سماعه طيلة هذا الوقت، نظرت له بعدم تصديق، تعرف جيدًا بأنها خدعت فيه ولكن ليس لهذه الدرجة، ولا تعتقد أنه سوف يدعها ترحل بكل بساطة، لقد سقطت في عرينه وما من منقذ.
لا تعرف أين حقيبتها فقط تسمع رنين الهاتف المتوالي في إتصالاته، تتمنى أن تحين لها الفرصة وتجيب، لتتفاجيء أن الهاتف بحوذته طيلة الوقت ومازال يرن، ليصيح بها بعد أن بدأ المكالمة بالخطأ: "وبعدين في تليفونك اللي مبطلش رن من أول ما جيتي.. تعرفي كان سهل عليا أوي أقفله بس قلت لا.. سيبه مفتوح وخلي الحيرة تاكل في قلوبهم أكتر يا ترى راحت فين ومبتردش على التليفون ليه."
لتصيح نور بلهفة عندما سمعت صوت.
ليأخذ طارق الهاتف من يداها وفتح السماعات الخارجية ليطمئن الجميع عليها وهو يصيح: "ألو سلمى.. أنتِ فين؟.. ألو ردي علي."
ليسمع صراخها وهي تصيح في ضيق لتنصب الصاعقة على وجوههم جميعًا وهم يستمعون بعدم فهم، ولكن من الواضع إنها بداية عير مبشرة على الإطلاق: "حرام عليك يا أخي وهما ذنبهم إيه."
قاطعها ليقول بغل وهو يصوب المسدس عليها: "مش أهل النبي حرصه مش كده؟!"
حاولت أن تتحرر لم تستطع، فنظرت إليه وردت: "مش مبرر.. هما مالهم في كل ده؟.. عايز تنتقم يبقى صفي حسابك مع هاشم بيه هو السبب في كل اللي وصلناله ده."
اقترب منها والمسدس كلما تحرك يعرف طريق جبينها جيدًا لينفعل عليها أكثر: "وأنا ذنبي إييييييه كل ده يروح في ثواني عشان شرط أهبل محدش توقعه من بهايم زي دول.. ما بقالنا كتير بنتعامل معاهم أشمعنى بعد وفاة فريدة هانم والموضوع حلى في عينه."
عقدت جبينها لتقول بشك مما فهمت للتو وتريد أن تتأكد: "تقصد إيه بالظبط.. مال أمي ومال الشرط."
ضحك بسخرية وقال وهو واضع كلتا يداه داخل جيوب بنطاله: "لا هي ملهاش أوي يعني.. بس الصفقات الأخيرة هي السبب في موته."
توقعت بأن وفاة والدتها له علاقة بتلك الصفقات المشبوهة، فلن تنسى أبدًا أنها ألتقطت أنفاسها الأخيرة أمام عيناها، وكل ما تعرفه جيدًا أن والدها سبب موتها ولكن لم تكن تعرف إلى أي مدى، أدمعت عيناها في ألم.
تماسكت بس سألت بفضول: "أنت عرفت كل ده أزاي؟"
ضحك عاصم ساخرًا: "أنتِ طيبة بجد يا سلمى.. صحيح بابا مقلكيش إن أبويا شريك في الصفقات هو كمان مش في الصفقة دي وبس."
دق قلبها بعنف وتتمنى أن تكون مخطئة في فهمها، أبتلعت غصتها وحاولت أن تستجمع شجاعتها وتسأل مرة أخرى مصطنعة عدم الفهم لتجمع معلومات أكثر وتربط خيوتها بطريقة صحيحة: "وإيه يعني ما أنا عارفة أن شركتكوا مش أول مرة تتعامل معانا.. اللي دخل ده في اللي بنتكلم فيه."
هنا ضحك عاصم أكثر وأقترب منها حتى وصل لنفس قطرها وبنفس النبرة: "هو أنتِ متعرفيش أن سواء الصفقة دي أو اللي قبلها تهريب مخدرات؟!"
مع كل كلمة يتفوه بها تتوقع الكلمة التالية ويضرب قلبها بعنف، يرتجف من التوتر والصدمة ولكن وجهها وأنفعالاتها الخارجية باردة ثابتة للغاية، حتى أنه اندهش من عدم تأثرها أو تفاجأها، ولكن تفاجئت لشيئًا آخر: "أنتوا كنتوا عارفين.. أنتوا فيها؟!"
استغرب من منطقها ولكن أكمل حديثه: "أومال أنا أضايقت أن أبويا خبى عليا الصفقة الجديدة قبل ما يسافر ليه وأنك بتعملي بيزنيس كبير من غير ما أعرف لا ومن اللي قلبك يحبها.. أومال كنتِ مفكرة صفقة ربحها 90 في المية وأكتر من أدوية بس!! ههههههههههههههههه لا طيبة بجد وعلى نياتك كمان.. لا عندك حق لو أبوكِ طال يبيعك في مزاد عام يعمله."
نظرت له بقرف وأذدراء من أخمص قدمه لشعر رأسه وهي تستلقى هذه الصدمة التي كانت مغيبة عنها.
تحملت هذه الكلمات التي كانت بمثابة ماء نار وأنصب على وجهها وقالت بجمود كأن ما قال لا يعني شيء بالنسبة لها: "أنت عايز مني إيه دلوقتي.. ليه خاطفني."
جعل المسدس على وضع الأستعداد ورد بلامبالاه: "مش عارف أقولك إيه يا روحي بس مش أنا بس اللي خاطفك.. أصل أنا نسيت أقولك إني خطفك بالإتفاق مع الشركة إياها بحجة إن أبوكِ مدفعش فلوس الدفعة الأولى من الشحنة اللي هتدخل مصر النهارده الفجر.. في الدرا ده سبب... السبب التاني بقى إنك مش بعد كل ده تبقى لسي طارق بتاعك ده.. أنتِ المفروض اللي تبقى مراتي مش مراته."
هوردت ساخرة غيرمبالية بكلماته: "لا حقيقي هو أنت مبتزهقش!!.. هو أنا كام مرة أقولك إني متجوزة."
ضحك بشدة ليقول بنفس نبرة السخرية التي أبحت ملازمة لحديثه: "أنتِ لسة بتدافعي عنه رغم اللي قولته.. بيحب خطيبته وهيتجوزها وأنتِ لسة بتقولي جوزك وأنتِ مش في دايرة اهتمامته أصلًا.. بأمارة إيه يا آنسة مش لسة آنسة بردو؟.. بسيطة يطلقك زي ما كان مخطط مش عارف ليه ساكت طول المدة دي وهو مش طايقك والود وده يطلقك النهارده قبل بكره.. يكونش حبك ولا أنتِ حبتيه يا.. يا بنت الجوهري."
شعرت بوجع قلبها من كلماته، يذكرها بأشياء تحاول جاهدة تناسيه ولم تستطع، حاولت أن تتماسك وأن لا تسقط دموعها الآن، يجب أن يراها لا تهزم أمامه مهما حدث، لا يستحق لهذا المريض أن يرى ضعفها لترد بتحدي: "ايوة بحبه يا عاصم.. بحب جوزي وعلاقتنا هقولهالك لأول وآخر مرة خط أحمر.. إياك تهوب ناحيتها وملكش دخل بيها من أساسه."
قلبه أرتجف بشدة لسماعه تلك الجمل التي خطفت قلبه، لا يصدق أعترافها بمشاعرها ولا أحد من الحضور.
ولكن كانوا فرحين للغاية من سماع ذلك، هذا الأعتراف قلب موازين الأمور بشكل كبير أمامهم.
لينظر الجميع له بلوم كبير وعتاب وقد شعر بأنه فقد عمره بتلك المكالمة.
غضب عاصم من كلماتها، والغيرة تدب في قلبه وعقله بدأ يفقد رزانته بشكل كبير، ليجذبها من ذراعها بعنف: "وهو مبيحبكيش.. مش عايزك.. أحسن مني في إيه عشان تحبيه.. ها ردي عليا.. أنا بقى مش ههنيكِ عليه ولا هو كمان هيتهنى بيوم بيكِ.. أنتِ اللي أخترتي يا سلمى هدفعك التمن غالي أوووووووي."
ألقى الهاتف بعنف وصوت طلق النار يداوي في أرجاء الفضاء الواسع.
صرخ طارق بانفعال شديد: "سلمىىىىىىىىىىىىى.. عمل فيها إيه الحيوان."
هوت دموعها سريعًا وهي لا تصدق ما سمعت، تشبثت بذراع اخيها وقالت: "شوفت يا طارق شووووفت.. مش ذنب انكل هاشم لوحده عشان تكون عارف أنت أهملتها.. سلمى اتخطفت ووجودنا هنا مبقاش له لازمة."
صاح أمير وقال قبل أن يهم بالرحيل بلهفة: "آنسة نور معاها حق.. هقلب عليه الدنيا لحد ما أوصل لأقرب واحد يوصلنا ليه.. سلام دلوقتي ولو في أي جديد بلغوني."
يرد محمود سريعًا: "ربنا معاك يابني.. يا رب رجعها سليمة ياااااا رب.. وأنت ياكش تفوق بقى من ماشيك اللي ودانا في داهية من تحت راسك.. مش عارفين عمل في البنت إيه أنا هتجنن."
وجه الأخيرة إلى هاشم الذي شعر بالذنب الشديد لأول مرة وهو لم يفكر بأنهم يتسرعون بهذه الطريقة وقد مضى على تسليم المبلغ أسبوع واحد، كيف لحامد أن يفعل ينكث بالأتفاق بينهم لمجرد تأخر بسيط؟
لا.. لا يشعر بالاطمئنان حيال ذلك ليصيح بجنون: "مش بعد كل اللي عملته يعملوا معايا كده.. ده مكنش أتفاقنا.. رايح أشوف المهزلة اللي حصلت دي سببها إيه."
صاح به محمود قائلًا بغضب: "رجلي على رجلك.. أنا مش هرحمك لو سلمى جرالها حاجة.. محدش يجيب سيرة لمدام سميحة ولا تهاني أنتوا سامعين لحد ما نلاقيه."
رحلوا وتبقى الثلاث شباب يفكرون في مخرج ليصلوا إلى عاصم ومنهم إلى سلمى، لتقطع حبل أفكارهم صوت نور وهي تصيح بهم بأنهيار وبكاء: "أنا عايزة سلمى.. هنفضل باصين لبعض كده!!.. الكلب اللي اسمه عاصم ده طول عمره واطي ومبينزلنيش من زور يا رب ما يكون عمل فيها حاجة.. ده أكيد مريض مش طبيعي أبدًا.. مش هنسيب أمير يدور لوحده.. منك لله يا بعيد."
تكلم أخيرًا بعدما تذكر ما حدث قبل هذه الكارثة التي سترت على أثاره من تفكيره، هي الحل الوحيد الذي أمامه وعلى معرفة به في الفترة الأخيرة: "مفيش ألا هي.. سارة."
مسحت نور دموعها وقالت بعدم فهم بعدما عقدت حبينها بتساؤل: "ومال سارة بعاصم دلوقتي.. احنا في إيه ولا إيه يا طارق."
صاح بها طارق بنفاذ صبر: "ده اللي ملحقتش أفهمه.. تعالوا هفهمكوا كل حاجة في السكة لازم نكسب وقت.. بس لازم أعمل مكالمة ضرورية في الأول."
خرجوا من المكتب ومنها إلى الشركة ليقول طارق سريعًا وهو يدلف لسيارته: "كلنا نبقى في عربية واحدة أحسن.. يلا."
وبالفعل تركت نور ويوسف سيارتهم وأصبحوا بصحبة طارق، ويوسف يحاول أن يطمئنها بقدر الإمكان والتوتر يقتل قلبها قبل الخوف، تهتز قدمها بعنف ودموعها تسيل في صمت، ينظر لها طارق في المرآه وقلبه ينفلت منه وضميره يؤنبه بشده على ما بدر منه في حقها، ولن يسامح نفسه إن حدث لها شيء.
تناول هاتفه وقام الإتصال بإيهاب بانفعال شديد: "ألو ايوة يا إيهاب أنت فين؟.. خمس دقايق وألاقيك قدام البيت.. في مصيبة.. كارثة سلمى أتخطفت.. يلا عشر دقايق بالكتير وهكون عندك."
أنهى المكالمة سريعًا ليقول يوسف باهتمام وهو يحاول أن يتماسك من أجل نور: "ممكن نفهم إيه الحكاية.. مش سارة دي خطيبتك؟"
رد طارق وهو يقود بجنون وانفعال إلى أن هوت دموعه دون أن يشعر: "اللي كانت خطيبتي.. متجبش أسمها على لسانك أنت وهي.. دي واحدة خاينة غدرت بيا بعد الحب اللي حبيتهولها.. على علاقة بعاصم بتخني مع الحيوان ده."
قاطعته نور بفاه منفرغ لا تصدق ما تسمع: "يا نهار أسود أنت عرفت ازاي؟"
أكمل طارق بوجع وألم شديدين شعروا بهم نور ويوسف: "صحابي شافوها أكتر من مرة وهي طالعو ونازلة من شقة في عمارة وبعدما سألنا وشوفت بعيني وسمعت بوداني الحقيرة بتروحله الشقة.. شوفتها وهي لابسة."
صمت ولم يستطع الرد، ضرب الموقد ضربًا مبرحًا لتبكي نور في صمت على حاله ليكمل: "ليه تعمل كده ليه؟.. أنا كنت بحبها ليه تخونني يا نور؟!.. الزبالة اللي مرفقاه لو شوفته قدامي لهطلع روحه وهيبقى التار تارين.. لولا حاشوها عني كنت قتلتها بأيدي وأرتحت من النار اللي جوايا.. عايز أفهم عرفته أزاي دي ومن أمتى وهي بستغفلني."
أمسكت ذراعه ومسحت دموعها محاولة منها الأرفاق به والهون عليه قليلًا: "خلاص يا طارق الحمد لله إن ربنا كشفها قدامك وأنت لسة على البر قبل ما تتجوزها.. ياما حذرناك منها وأنت مصمم عليها.. كل واحد يتحمل غلطه وأنت بتدفع غلطتك في مراتك بس قادر ربنا ينجيها.. مش أنت لوحدك يا طارق دي غلطة والكل بيدفع تمنها غالي أوي.. لأول مرة أعرف إنك بتحبها بجد.. المواقف هي اللي بتبين معادن وقلوب الناس."
نظر لها بصدق وأومأ برأسه تأيدًا لكلامها، لتهوي دمعة صادقة من عيناه وهو لأول مرة يشعر بقيمة وجودها في حياته، لا يعرف بأنه يكن لها كمية هذه المشاعر في قلبه وهو لا بالي لها وينكرها.
دقائق وتوقفت السيارة أمام منزل إيهاب الذي صعد على الفور وقلبه يرتجف من التوتر الذي أصابه من تلك المكالمة ليصيح بطارق بنفاذ صبر: "اللي قولته ده!!.. مين اللي عمل كده؟"
رد طارق دون النظر إليه: "الكلب اللي أسمه عاصم.. هفهمك كل حاجة بعدين المهم لازم نجيب سارة من تحت الأرض هي اللي هدلنا على مكانه.. أوصفلي الطريق اللي حصل مدربكلي دماغي مش قادر أفكروصف له العنوان بالتتفصيل وطارق يسير على هداه إلى أن وصلوا للعقار المنشود ليقول طارق منفعلًا وهو يهم بالخروج: "أنا طالع أشوفها لسة فوق ولا راحت في أي داهية.. خليكوا هناترجل من السيارة وإيهاب خلفه ليلتفت وراءه طارق ويقول بعصبية: "مش قلت خليكوا هنا اللي جابكرد وهو يحاول تهدئته: "مينفعش أسيبك تطلع لها وأنت بالحالة دي تتهور عليها واحنا عايزينها حيةأقتنع طارق ودخلوا العقار ومنها إلى الشقه والحارس يشعر بالغرابة من الموضوع منذ البداية.. باب الشقة مفتوح دخلوا ليبحثوا عنها لم يجدوا لها أثر.. زفروا بشدة ومسح شعره بكفيه بعنف: "هربت أكيد.. بينا على بيتها يا خوفي لايكون ده كدبة كمانعادوا إليهم مرة أخرى والفضول ينهش فيهم وقبل أن تسأل نور أجابها طارق لأنه يعرف رد فعلها: "مفيش أي أثر لها فوق.. بس هتروح مني فيه أنا وهي والزمن طويلقاد السيارة متوجهًا إلى منزل سارة والشرر ينطلق من عيناه كالصواريخ الحربية أثناء معركة جوية شرسة أمام العدو، أصبحت منذ لحظة رؤيتها عدوة له ولم يشعر بالراحة إلا إذا أنتقم منها.
***
كان النقاش حاد بينهم لدرجة لم يتحمل هاشم وكاد ينقض على حامد السيوفي وينهال عليه بالضرب، إلا أن تدخل محمود لفض النزاع بينهم وهو يصيح بينهم، فأعصابه لم تعد تحتمل أكثر من ذلك: "بس بقى أنت وهو خلونا نشوف حل في المصيبة اللي أحنا وقعنا فيها دي.. الظرف ده لو وقع في أيديهم خلاص روحنا في داهية مش أقل من 15 سنة سجن ولا أكتر.. دي مخدرات مش لعب عيال كلنا في مركب واحدة."
ليصيح حامد بغضب: "أنت هترمي بلاك عليا يا حامد.. ما أنا زيي زيك معرفش المتخلف ده عمل كده ليه."
ليصيح هاشم بعدم تصديق لكلامه: "يعني عايز تفهمني أنك أنت وابنك في نفس العملية ومتعرفش دماغوا فيها إيه.. بنتي لا يا حامد بنتي لا شكلكوا طابخينا سوا طمعانين في نسبة زيادة ده بعدكوا."
طرق حامد على سطح المكتب بغضب: "أنت ناسي إني بستلم معاك البضاعة ونصها في المخازن عندي عشان لو أتعكشت البوليس ميصادرهاش كلها ولو حد فينا أتمسك كلنا هنروح في أبو نكلة.. لا تعايرني وأعيرك الهم طايلني وطايلك.. الغبي قلتله يقرب منها عشان يرجع الماة لمجاريها بعد تنفيذ الشرط ونستلم البضاعة مش يخطفها."
صاح محمود بلهجة جامدة وصارمة: "ياريته كان خطفها لوحده يا حامد بيه.. ده متفق معاهم على خطفها.. ابنك بيساومنا بجاوزه منها.. عارف لو حصلها حاجة أنا مش هيكفيني فيك يوم أنت ولا أبنك.. الظرف أختفى واللي حصل حصل وأبنك معاهم لو سلمهم الظروف يبقى القضية لبسانا كلنا والدليل بقى في أيديهم."
قاطعه هاشم بنبرة تهديدية: "بنتي لو مرجعتش هروح أبلغ عننا كلنا وعليا وعلى أعدائي بنسخة الظرف اللي معايا.. عقل أبنك من الجنان اللي في دماغه ألا سجن الحضرة هيمسي علينا كلنا بلا أستثنار."
حل هاشم ومحمود، وبمجرد خروجهم من المكتب تناول هاتفه وحاول الإتصال بعاصم هاتفه مغلق أو غير متاح.
أزاح كل ما هو موجود على سطح المكتب في غضب وعصبية شديدة وهو يحاول فك زرار قميصه العلوي من شدة اختناقه، تدخل السكرتيرة بعد خروجهم لتجده يجلس على الكرسي بعشوائية ولا يستطيع أن يلتقي أنفاسه لتصرخ به: "حامد بيه.. يا نهار أسود حامد بيه.. حد يلحقني."
***
وقع الفأر في المصيدة أخيرًا، سمع الحوار الدائر بينه وبينهم.
وأدرك أن نهاية هذه الصفقة قد ولت، ومادام وقع حامد السيوفي تحت براثنهم فبلتالي وقع عاصم هو الأخر ولن يفلت من العقوبة لأنه شريك ومساعد، أو بمعنى آخر ذراعه الأيمن في كل شر ينوي إليه، فهو من ساعده لأختطاف سلمى وحان الوقت للهروب قبل أن يدخل في براثن الشرطة.
بمجرد أن خرج من المدخل الرئيسي من الشركة وجد ضابط ومجموعة من أمناء الشرطة بأنتظاره، لم يستطع الهرب حتى أو الإفلات فقد تم القبض عليه على الفور: "لسة بدري يا أستاذ صلاح.. مطلوب القبض عليك.. خدوه."
ركب سيارة الترحيلات ومنها على قسم الشرطة لبداية التحقيق معه.
بعد تحريات عن شركة السيوفي توصل أمير لمساعده، فهو الخيط الاول للوصول إليه.
طرق أمير على سطح المكتب في غضب شديد لينتفض صلاح من مكانه: "ما تنطق يلا عاصم فين؟"
يحاول صلاح الأنكاروالرد بتوتر ملحوظ على قسمات وجهه: "والله ماعرف مكانه فين ولا أعرف أنا هنا بعمل إيه.. هو فيه إيه يا باشا أنا موظف محترم."
رد ساخرًا بنبرة تعنيفية: "ماشي يا موظف يا محترم أنا هقولك أنت هنا ليه.. عاصم السيوفي متهم بخطف أنثى وسيادتك لو متكلمتش وأعترفت بمكانه هعتبرك شريك في الجريمة.. ها عرفت بقى أنت هنا ليه ولا أقول كمان."
أبتلع غصته بصعوبه وأصطنع عدم المعرفة: "لا لا أنت بتقول إيه يا باشا ولا أعرف بتتكلم عليه.. أنا حتة موظف في شركة ولا ليا في الطور ولا في الطحين.. خطف مين عدم اللامؤاخذة."
طرق المكتب بعنف ليقول بنفاذ صبر: "أنت هتستعبط يا روووووح أمك.. اومال لو مكنتش دراعه اليمين زي ضله مين هيعرف.. قوم يلااا أنا هعرف ازاي أخليك تتكلم وكده كده القضية لبساك طالما مش عايز تساعد نفسكرن الجرس بجوار مكتبه ليدخل عسكري ويقول بلهجة آمرة: "خد الواد ده وديه الحجز لحد ما يبانله صاحبجلس على مكتبه وزفر بشدة وهو يحاول أن يتمالك أعصابه من أجل أتيان الحقيقة ومعرفة مكانه من المدعو عاصم، لن يعترف على مكانه بسهولة والوقت ليس بصالحه على الإطلاق.
***
وصلوا إلى منزل سارة وعلى الفور قام طارق بالإتصال بها، والكل منتظر رد بفارغ الصبر.
وجدت أسمه على شاشة هاتفها، كل مكالمة تفرح بها ولأول مرة تخشى هذه المكالمة وتتمنى لو أستطاعت لعدم الرد، لو أستطاعت أن تجعله يغفر لها وأنها تحبه هو وأن تشرح له موقفها بالتفصيل لعل وعسى يصدقها ولكنها تعرف إن هذا يعتبر مستحيل، لن يصدق بحرف واحد بعدما شاهدها في شقة رجل غريب وهي شبه مرتدية ملابس ولكن ستحاول للمرة الأخيرة، فلن تخسر شيء أكثر مما خسلرت.
ردت بصوت مرتجف: "ااالو.. ايوة يا ط طارق."
صاح بها بنبرة تعنيفية لم تسمعها منه من قبل حتى وإن كان غاضبًا منها: "أسمى ميتنطقش على لسانك القذر ده تاني أنتِ سامعة."
كتمت بكاءها وأومأت بالموافقة لتشهق بشدة من أثر البكاء: "حاضر.. والله أنا.."
قاطعها بنفس النبرة: "متحلفيش بربنا لو سمحتي.. أنا تحت بيتك في ظرف خمس دقايق تكوني عندي وإلا هطلع أجيبك أنا من وسط أهلك وأقولهم أنا لقيتك فين تمام؟"
بكت بشدة وهي تشعر بالحسرة والذل على حالها: "لا أبوس أيدك أهلي لا أنا نازلة حالًا."
انهارت من البكاء ونزلت على الفور بعدما تحججت لأسرتها لأي سبب كي تنزل، وبالفعل وجدت سيارة طارق أمام منزلها فقامت بالركوب في الخلف، لتشعر بالأشمئزاز والأذدراء من أعين الجميع.
لحظات صمت مرت عليها كسنوات تتمنى ولو تستيقظ منها للتو.
حاول طارق أن يتمالك أعصابك كي يستطيع أن يصل لزوجته فقال بهدوء شديد يشوبه بعض الحزم: "أنتِ عارفة إني مش قادر ابص في خلقتك بعد اللي عملتيه مش كده؟!.. مش عايز أسمع منك ولا مبرر لأن مفيش حاجة هتغفرلك عندي مهما قلتي.. كل اللي عايز أعرفه تعرفي الزبالة اللي أسمه عاصم السيوفي ده منين ومن أمتى ومكانه فين.. ألا مش عايز أحلف بالله لو مراتي جرالها حاجة من تحت راسك يا وش المصايب أنتِ ما هرحمك.. أنطقي وبطلي عياط."
شهقت وبدأت في السرد وهي تبكي: "حاا حاضر.. عاصم أعرفه بقالي سنة ونص شوفته على يخت زي اللي احنا كنا فيه.. كلمة مني على كلمة منه عرفت إنه صاحب شركة ومبسوط جدًا قلت دي فرصتي أطلع منه بأي مصلحة.. علقني بكلامه ورقته خلتني أسلم بكل سهولة.. يوم ورا يوم لما بيقولي نتقابل مكنتش بعرف أقوله لأ."
قاطعها طارق بقلب ممزق وهو يسمع منها أعترافها بخيانتها له بنفسها، نظر لها بأحتقار وقال: "طبعًا كل ده وأنتِ كنتِ معايا مش كده؟ ليه؟"
ردت سارة وأكملت بخوف من شدة هدوئه: "اايوة.. كنت كل ما بتلمحلي بسيرة الجواز هو يقوم يزغلل عيني أكتر وأشوف في الأخر اللي كفته أكتر.. لحد ما حصل اللي حصل ومبقتش أقدر أسكتله أكتر من كده وإلا هتفضح."
فهم ما ترمي إليه، لم يحتمل فقاطعها طارق للمرة الثانية وهو يحاول أن يتمالك أعصابه ليقول بغضب شديد وكاد أن يجذبها من شعرها لولا تدخل نور بينهم: "كنتِ عايزة تلبسيلي عملتك القذرة.. أنا مشوفتش كده في حياتي وأنا اللي كنت هأمنك على أسمي وشرفي وأنتِ متستحقيهوش.. كملي اللي حصل."
انهمرت دموعها أكثر وأكثر وقالت بندم: "عشان كده فتحت معاك سيرة الجواز وأستغربت لأني كنت على طول بتحجج بأي حاجة.. من ساعة الصفقة وعاصم بيخطط ازاي يفرق بينك وبين سلمى.. كل واحد له مصلحة عند التاني من الآخر هو ازاي يكوش على شركتها قبل منها ويجوزها بعدما تطلقها وأنا يخلالي الجو معاك ونتجوز.. هو اللي خطط لكل حاجة معايا وأمتى أبعد أو أقرب منك.. ماعدا الرسالة بتاعة المركب واللي عملته في الاوتيل كنت بكرهها وغيرانة منها.. كنت عايزة أخلص منها بأي طريقة."
كان يحترق دمه بشدة وهي تعترف وتقول بكل بجاحة وصراحة متناهية، لفت نظره رسالة المركب ولم يفهم ماذا تقصد ليقول بجمود: "تقصدي إيه بالظبط؟"
أبتلعت غصتها بصعوبة وهي تقول: "لما سلمى شافتنا على المركب مع بعض مكنتش صدفة ولا حاجة.. أنا اللي بعتتلها رسالة عشان تيجي وتشوفنا مع بعض فتعمل بينكوا مشكلة كبيرة فتطلب الطلاق.. حبي ليك كان عماني وأنا شايفاها بتاخد كل حاجة على الجاهز وأنا كنت بحس إنك بتبعد عني يوم ورا يوم ومكنتش عارفة أعمل إيه إلا إني أطيرها من حياتك بأي تمن."
ألتفت لها وصفعها بشدة على وجهها، لم يتحمل أبدًا أن يسمع أكثر من ذلك.
لا يستطع أن يتخيل للحظة أنه كان مغقلًا لهذه الدرجة وأنه في وهم وخداع كبير، عقله لا يستطيع أستيعاب أي شيء في المطلع.
إنه في كابوس مفزع أقوى وأكبر مما مر به عللى الإطلاق.
الصدمة ليست فقط لطارق وحده وأيضًا لإيهاب الذي كان في يومًا ما أحبها قبل معرفة صديقه بذلك وحاول الإبتعاد عنها عندما علم بمشاعر صديقه لها وأهتمامه بها الذي تحول فيما بعد لأرتباط بينهم.
لم يتحمل طارق استجوابها أكثر من ذلك، لم يتحمل بأن يستمع لهذه القذارة مرة أخرى.
فتدخل إيهاب سريعًا وقال باستهجان وجدية: "أنا لو سبته عليكِ ثانية كمان هيخلص عليكِ.. أنطقي عاصم فين؟ له مكان تاني غير الشقة اللي بتتقابله فيهابكت وقالت: "معرفش عنه أي حاجة غير اللي قلته.. كان حويط جدًا وماسك عليا حاجات لو فتحت بؤي مش هيرحمني."
أمسك بها من شعرها وفضت نور بينهم وهي تصيح: "أمسك نفسك شوية يا طارق لحد ما نعرف اللي احنا عايزينه.. أنا مقدرة جدًا اللي أنت فيه بس فكر في سلمى دلوقتي خلينا نخلصصاح بها إيهاب بعنف وانفعال شديد: "ما تخلصي ألا طارق نفسه مش هيرحمك لو متكلمتيش.. حياة مراته بين أيدك عاصم فين وسمعتي إيه أخلصي.. كده كده هيتسجن ومش هيقدر يعمل حاجة."
بكت بشدة وقالت بعدما شعرت بالطمأنينة قليلًا: "كان بيقول إنه لازم يخلص منها النهارده ينفذ العملية.. وسمعته بيتكلم على صفقات مشبوهة مع واحد أسمه صلاح وده دراعه اليمين وعارف عنه كل بلاويه.. عنده شالية مهجور في آخر العجمي كلمني عنه كتير قبل كده.. وبما أننا داخلين خلاص على الشتا مش هيلاقي أنسب من المكان ده لأن المصيفين مشيوا خلاص والشاليهات معظمها مقفولة والمنطقة دي بتبقى هص في الشتا روحت معاه مرة السنة اللي فاتت.. والله العظيم معرفش حاجة إلا ده."
صرخ بها طارق وقال بنبرة تحذيرية مرعبة: "حسك عينك لو أتكلمتي أو فتحتي بؤك بكلمة واحدة كل حرف قلتيه متسجل وهيطلع على النيابة وكده كده هيطلع متقلقيش.. فخليكِ كويسة لحد الآخر وقوليلي الشاليه مكانه فين."
رواية صفقة حب الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم شيماء جوهر
صرخت بشدة وقلبها انتفض رعبًا، صوت طلقات الرصاص يدوي في كل مكان مش شدة الفراغ، شديد وعالِ للغاية .
تشعر بالعجز وهي مقيدة لا تستطيع الفرار، حاولت بقدر المستطاع التحرر دون أي جدوى نافعة، حاولت مرة أخرى ومن فرط الحركة وقعت مولية ظهرها للأرض ليسمع أنينها .
لا ترى سوى حذاءه يقترب نحوها حتى جثى على ركبتيه ورفع ذقنها بأطراف أنامله ليقول بنبرة مرعبة:
- متحاوليش .. أصل أنا رابطك بذمة
نظرت له بكل الكره الذي تحمله في قلبها له:
- أنت فاكر بكل اللي بتعمله ده هبقى ليك؟ .. أنت كده بتكرهني فيك بزيادة يا عاصم .. أنا عمري ما عرفت الكره إلا بيك
ضغط على فكها بقوة لتشعر هي بالألم وتتأوى من شدة القبضة، ليقول بغضب:
- صح عندك حق .. قليل أوي اللي بعمله .. أنا هعرفك تحبيني ازاي
فك قيدها بسرعة ثم جذبها نحوه لتعتدل وسحبها خارج هذا المكان المظلم ليصعدا على درجات سلم ليس بطويل، لتدرك أنها كانت في قبو لتخرج إلى منزل بمساحة متوسطة، قليل الأثاث إلى الدور العلوي له، ليفتح إحدى الغرف ويلقي بها إلى الداخل بعنف شديد .
رجعت للخلف وهي تتأمل هذه الغرفة شديدة الكآبة كأن أشعة الشمس فقدت عنوانه، بها فراش وثير وأريكة صغيرة وفي الجانب الآخر حمام داخلي، وعلى الأرضية سجادة صغيرة .
قلبها يرتجف رعبًا وعيناها تصرخ قبل حلقها، لا تعرف ماذا ينوي أن يفعل بها كل ما تعرفه بأنها لا تتوقع أن تخرج من هنا سالمة على الإطلاق، فقد تم حبسها مع مريض نفسي معتوه في مكان ناءِ .. كلما تعود للخلف يقترب منها أكثر والشرر في عيناه، قسمات وجهه جافة شرسة لا تبشر بأي خير .. خلع حلته وألقى بها على الأريكة لتنظر هي على هذه اللقطة السريعة ليرتجف قلبها وتصيح بارتباك:
- أنت هتعمل إيه يا مجنون
ابتسم بخبث وقال:
- هعرفك أنا هعمل إيه دلوقتي ..
********************
تسيران في أرجاء المكان ذهابًا وأيابًا في توتر كبير، حاولن الإتصال بهم أكثر من مرة ولا يوجد رد، حتى هم لم يتصل أحدهم حتى يطمئن قلوبهن حتى، إن اقترحت سميحة جلوسهم هكذا دون أي نفع أو جدوى يجب أن يلحقن بهم إلى الشركة .. إلى أن صاحت بها تهاني:
- وبعدين يا سميحة .. ولا حد أتصل ولا بيردوا حتى .. نور وطارق محدش فيهم بيرد على تليفونه .. حتى محمود
جلست سميحة وقالت:
- حتى أمير كمان مبيردش .. تفتكري وصلوا لحاجة؟
ردت تهاني وهي تجلس قبالها:
- كان زمانه أتصل لو فيه حاجة .. أو مرضاش عشان ميقلقناش .. كان مستخبيلنا كل ده فين يا ربي
شردت سميحة كأنها تحدث نفسها:
- مخدرات يا هاشم!! هي حصلت لكده .. مخدرات!! .. يا عيني عليكِ يا فريدة ضيعتي عمرك هدر مع راجل ملوش أمان زي ده .. مش هو أخويا بس فعلًا ملوش أمان .. الدور جاي على بنته يا تهاني .. وردة في عز شبابها عايز يقصف عمرها زي أمها .. لا حول ولا قوة إلا بالله
بكت فقامت تهاني تجلس بجانبها وتربت عليها برفق، لقد أدمعت هي الأخرى وبحزن:
- سلمى بنتي أنا كمان يا سميحة .. مرار وحل علينا كلنا .. ومحمود ذنبه إيه عشان يربطه في المصيبة دي .. طول عمرنا واكلينها بالحلال وكفيين غيرنا شرنا يقوم يلبسه مخدرات!! منك لله يا هاشم يا جوهري على المرمطة اللي مايعلم بيها إلا ربنا دي .. دي فيها سجن يا سميحة والولاد هيعملوا إيه وأنا أروح لمين .. ده حياتي كلها وعشرة سنين عمري
نهضت سميحة وصاحت بها:
- أنا مش هقدر أستنى أكتر من كده .. روحي أنتِ على شركة هاشم وأنا هشوف أمير فين
نهضت تهاني وقالت بدهشة:
- عايزة تروحي القسم لأبنك يا سميحة؟!
ردت بضيق:
- طالما مبيردش وحارق قلبي يبقى يحصل اللي يحصل .. يلا مش هنقعد حاطين أدينا على خدنا لحد ما البنت يجرالها حاجة
مسكت ذراعها كي تلحق بها:
- يا ستي استني بلاش صربعة .. نتصل بيهم تاني نشوفهم فين وبعدين نعمل اللي عايزاه
أقتنعت سميحة وقامت بالإتصال بأمير، جرس دون إجابة .. نفس الوضع لدى تهاني لم يرد محمود وطارق، لتصيح بها سميحة مؤنبة:
- مش قلتلك .. مفيش فايدة من الإنتظار
استسلمت للأمر الواقع، هي أيضًا أعصابها لم تتحمل أكثر من ذلك:
- طيب يلا أنا جاية معاكِ
استقلت تهاني وسميحة سيارة أجرة متجهة إلى قسم الشرطة الذي يعمل به أمير .
**********************
في مكتب محمود، بعدما عادوا من شركة حامد السيوفي والمحادثة التي لم تجدي نفع لمعرفة مكانها، ولكن على الأقل تهديد هاشم له بتسليم نفسه للعدالة يمكن أن يتراجع فيما فعل، خاصًة أن كان له يد في الاختطاف مع ابنه سيؤثر عليه بكل تأكيد، وهذا هو أملهم الوحيد من هذه الزيارة .
صاح محمود بغضب
- أنا وقعت في عصابة ومكنتش داري .. أنا وبنتك كنا على عمانا أنتوا كلكوا كنتوا مدورينها لحسابكوا في أعمال مشبوهة .. عامل الأدوية ستار يا هاشم!!
صاح به هاشم بغضب مصاحب بلامبالاه فيما يقوم بأتهامه مبررًا
- اومال أنت كنت مفكر صفقة ربحها 90% من أدوية بس !! كانت الطريقة الوحيدة اللي أقدر أكبر بيها الشركة هي دي ولا من شاف ولا من دري .. الحاجة تتحط وسط الأدوية وتعدي من سكات
طرق على سطح المكتب بغضب:
- أنت غشيتني يا هاشم .. لما قريت الملف وقعدت تزن على دماغي إني أدخل شريك فيها بنص أسهم الشركة على أساس أن كمية الأدوية كويسة جدًا والدوا مش موجود منه في مصر لأنه علاج للكانسر وقلت ماشي هنكسب منه أضعافه لأن في مستشفيات كتير مش لاقية علاج والطلب هيزيد مكنتش مستريح من الأول للموضوع ده .. لكن إنك تحطني طعم معاكوا ولما حد يغرق فيكوا أروح أنا في الرجلين !!
ضحك هاشم ثم قال بنفس الأسلوب:
- معلش بقى يا صاحبي العملية كانت كبيرة ومحتاجة فلوس أكتر .. ملقتش غيرك اللي أدخله شريك معايا بس حقك محفوظ متقلقش
لم يصدق محمود ما سمعه للتو، كأنه في حلم غريب لا يستطيع الاستيقاظ منه، لقد خدع بالكامل في صديقه ولم يطن يعلم بأنه سيقوم بتوريطه في نشاط فاسد فقط من أجل ربحه!! .. رمقه بغضب وأزدراء:
- حد الله بيني وبين الحرام يا هاشم .. أنا نصيبي في الصفقة دي الجانب الحلال اللي فيها .. الأدوية لمرضى الكانسر .. إنما أنا مش عايز من خلقتك حاجة .. بقى بتبيع صاحبك عشان شوية فلوس!! مش غريب عليك ما أنت بعت مراتك قبل كده وهي اللي دفعت التمن غالي أوي وبنتك هتحصلها .. مفيش فايدة بجد منك وخسارة فيك العتاب
نظر له بأزدراء وتهكم وغادر الغرفة على الفور ومنها متجهًا إلى شركته .
حاول كثيرًا الإتصال بطارق ولكنه غير متاح، ذات المحاولة مع نور النتيجة واحدة .
********************
وصلت سميحة وتهاني إلى قسم الشرطة، ومنه سألت الأولى عن الرائد أمير، أنتظرن في الخارج قليلًا إلى أن دخلن بعد عدة دقائق .
تفاجيء أمير بوجود والدته بصحبة السيدة تهاني، أشار إليهن بالجلوس حتى ينتهي من التحقيق مع صلاح الذي يجلس في المقعد المقابل له .. حاول بقدر الإمكان أن يتمالك أعصابه ليقول:
- أسمع .. أنا لحد دلوقتي بتكلم معاك براحة عشان متقولوش الشرطة مفترية .. كده كده عاصم هيتجاب لو مقولتش على مكانه يبقى كده هعتبرك شريكه .. ها قلت إيه؟
فكر صلاح مليًا في حديث أمير إلى أن غلبته الحيرة، فأصر على موقفه:
- قلت اللي عندي يا باشا قبل كده .. كل علاقتي بيه في حدود الشركة وبس
لم يصدق أمير أقواله، وهو على أكيد أنه يعرف طريقه ويخشى الحديث فيتم عقابه بواسطة آمره:
- ماشي يا صلاح .. بس متبقاش تندم من اللي هيحصل بعد كده
ضغط على الجرس بجانبه ليدخل الحارس، يأمره قائلًا:
- رجعه الحجز
سحبه الحارس إلى الخارج، فعند سماع أسم عاصم دق قلبها وشعرت بالقلق على ابنة اخيها، وأن هناك خطبًا ما لا تعلمان عنه شيئًا بعد .
نهض من مكانه وذهب إليهن في قلق، جلس قبالهن وقال:
- في إيه يا أمي حد حصله حاجة ؟ جالك أخبار عن سلمى؟
نظرت سميحة لتهاني بدهشة ثم ألتفت إليه قائلة بتهكم:
- اومال أنا جاية هنا بعمل إيه! .. مفيش حد فيكوا فكر يكلمنا يطمنا حتى ولا حد بيرد .. كان لازم اجيلك وأفهم وصلتوا لإيه ..
تدخلت تهاني بقلق:
- مفيش أي أخبار؟ .. فين الباقي ؟
استكملت سميحة في انفعالها:
- اللي جبت سيرته ده كان عاصم خطيب سلمى !! .. اللي حصل ومين الراجل ده وشريكه في إيه
لقد وقع في الفخ، بين نظرات والدته والسيدة تهاني التي لاحقتها بعد ذلك وأدركت الحوار الذي كان يدور بينهم، لتندهش وهي على نفس حال ووضع سميحة لا تفهم شيء، بينما هو لا يستطيع أن يقول لهن شيء قبل إيجادها على الأقل حتى لا يصيبهن بالخوف والقلق عليها أكثر من ذلك .
يتمنى لو كان طارق أو يوسف هنا لأسعفوه من هذا الموقف ولكن سوف يجد مخرجًا منه بقدر المستطاع، تنهد أمير وقال بهدوء:
- ايوة هو بس متشغليش بالك .. الشباب راحوا يدوروا عليها وهيلاقوها إن شاء الله .. احنا مطمنين أن خطها لسة شغال ومتقفلش لغاية دلوقتي .. دي علامة كويسة متقلقوش .. ثم وجودكوا هنا ملوش داعي أنا مش فاهم بس اللي جابكوا القسم ما كنت كلمتكوا لو ورد أي جديد
لم تقتنع سميحة بكلامه ولا حتى تهاني، فردت عليه معترضة:
- كنت هتخاف تقولي لو حصل حاجة عشان مقلقش .. أنا عارفة .. عشان كده أنا جيت هنا عشان أفهم مالكوا كلكوا مختفين فين .. حاسة أن سيرة عاصم ده وراه حاجة .. فاكر زمان أيام ما بنت خالك كانت مخطوباله مبيجيش من قفاه إلا المشاكل ووجع الدماغ
تهاني على نفس منوالها، وتشعر بأن هناك علاقة وهو يخفيها:
- طيب ما تريحنا يا ابني .. عمل إيه عاصم السيوفي .. له علاقة باختفاء سلمى؟ .. أنا متأكدة إنك عارف حاجة ومخبي
أصبح الآن محاصر كليًا ولا يعرف ماذا يفعل، الحل الوحيد أن يتصل بالبقية ليعرف المستجدات لتلك الواقعة كي يطمئن ويطمئنهن أيضًا، ومنها حجة بسيطة للهروب منهن مؤقتًا:
- أنا هتصل بيهم هشوف وصلوا لإيه .. عن إذنكوا
خرج سريعًا وهو يتنفس الصعداء، ألتفت تهاني إليها قائلة:
- على فكرة ابنك عارف حاجة ولو عصرتيه مش ممكن يقولها
ردت سميحة بتفكير:
أنتِ هتقوليلي .. ابني وأنا عارفاه .. ربنا يستر
يوسف غير متاح، كذلك الأمر نور .. لا يوجد سواه يجب أن يصل إلى أحدهم، فلا يستطيع أن يصمد أمامهن أكثر من ذلك، خاصًة والدته فهي تفهم أسلوب حديثه جيدًا عندما يحاول اخفاء عنها شيء .
أخيرًا بعد عدة دقائق رد طارق، وكانت نبرة صوته لا تبشر بالخير على الإطلاق:
- ايوة يا طارق وصلتوا لإيه؟
رد طارق بنبرة انفعالية قليلًا:
- عرفنا ممكن يكون فين .. يا رب بس نلاقيه هناك وإلا مش هنعرف نوصلها والحيوان ده يكون عمل فيها حاجة
أطمئن قليلًا ثم قال بلهفة:
- فين يا طارق وازاي؟
رد طارق بذات الأسلوب:
- من الزفتة اللي كنت خاطبها بعدين هشرحلك .. احنا في طريقتنا دلوقتي للعجمي .. موصلتش لحاجة ؟
رد بضيق وهو يفكر في طريقة تجعله يقر بالإعتراف:
- قبضت على اللي أسمه صلاح .. ده يعتبر دراعه يمين وعارف عنه كل بلاويه .. مش هينطق بالساهل ورافض يقول ولا كلمة .. الظاهر أن عاصم ماسك بلاوي عليه عشان كده خايف يقر .. أنا وراه .. ابعتلي اللوكيشن بسرعة وشوف هعمل إيه مع أمي وأمك ألا أنا اتزنقت زنقة ما يعلم بيها إلا ربنا
صاح به في لهفة:
- اللي حصل حد عرف حاجة؟
رد أمير بجدية:
- لا بس شاكين .. جم القسم يا سيدي تصور!!
صاح في دهشة وعدم تصديق:
- إيه!! أمك راحت القسم!!
نظروا له بدهشة ليصيح يوسف:
- عمتي مالها يا طارق
أشار له بمعنى الإنتظار قليلًا ثم استكمل حديثه مع أمير:
- ايوة يابني اللي حصل طمنّي
أردف مسرعًا:
- محدش بيرد عليهم وقلقكوا خالص وأمي عارفها مبتعرفش تقعد كده .. أيام تعب سلمى واللي حصل ثبتها بالعافية إنما أكتر من كده مش هتتحمل .. ليقتهم طبين عليا زي القدر المستعجل وعينك متشوفش إلا النور
تداخل الأمور في بعضها البعض ولم يعد تركيزه في محله، فأستوقفه قائلًا:
- ثانية واحدة .. أنت بتتكلم بصيغة الجمع هو مين مع مدام سميحة
ضحك أمير رغم عنه:
- مدام تهاني يا حبيبي .. والدتك .. الظاهر أن الأمومة عندهم مقدرتش تتحمل أكتر من كده
اندهش طارق ورد صائحًا:
- إيييه أمي معاها !!
أمسكت به نور بلهفة وقلق وصاحت:
- ماما مالها يا طارق؟!
أشار إليها هي الأخرى وأكمل أمير:
- ايوة .. جم هما الاتنين وشاكين إني مخبي حاجة عليهم .. خاصًة ولو عرفوا اللي حصل هبقى في مشكلة
صاح به طارق في لهفة:
- لا لا لا مش لازم يعرفوا دلوقتي أي حاجة .. أفرض لقدر الله معرفناش نوصل .. أتصرف يا أمير وقولهم أي حاجة
تنهد بحيرة ثم قال:
- طيب أنا هحاول .. أول ما توصل لأي حاجة كلمني على طول .. سلام
عاد إليهم لينظرن إليه بفضول ليشعر هو إنه محاصر بين نظراتهم التي تكاد أن تقتلعه من مكانه، تنهد وحاول التحكم في ثباته الانفعالي قائلًا:
- في طريقهم لسلمى أن شاء الله .. طارق المنطقة اللي هو فيها مفهاش شبكة عشان كده مكنوش بيردوا .. أول ما يوصلوا لأي حاجة هيكلمني على طول .. وجودكوا هنا ملهوش لازمة .. ماما خدي مدام تهاني وروحوا عشان خاطري اديني كلمتهم وكل حاجة تمام
اضطرت سميحة تصديقه، ليطمئن قلبها قليلًا نظرت لتهاني التي فهمت نظراتها .. نهضت كل منها مستعدة للمغادرة قائلة:
- ماشي يا أمير .. لو وصلت لأي حاجة أبقى طمنّا .. خد بالك من نفسك
خرجن وهو عاد إلى مكتبه يفكر، حامدًا لله أن الموقف مر بسلام، وهو يعلم جيدًا بأنها مازالت على موقفها منه.
***********************
قاد سياراه مسرعًا إلى مكتبه، فكر اطمئنان زوجته ولكن لا يعرف ماذا يقول لها، هو لا يصدق بأن سلمى قد خُطِفت من ابن شريكه، وهو الآن متورط في تهريب مواد مخدرة وسط شحنات الأدوية، كيف لم يفكر في التأني من دراسة الموضوع بشكل جدي ؟ .. اقناع هاشم له وعن مدى الربح الذي سوف يحصلون عليه نظرًا لشُح وجوده في مصر شجعه على ذلك، وفي ذات الوقت كان غير مطمئن من نفاذها بسرعة لم يتوقعها مثل الصفقات السابقة .
استغرق بعض الوقت كي يحسم أمره ويقوم بالإتصال بزوجته ليطمئنها:
- ايوة يا محمود إيه الأخبار؟
قرر أن يقول لها نصف الحقيقة:
- احنا في مصيبة .. الظرف مش موجود في مكانه .. سلمى كانت في المكتب أخدته واختفت .. الكارثة لو لقوه معاها مش بعيد يموتوها
شهقت تهاني بخضة وخوف لتصيح به:
- أنت بتقول إيه .. طيب حد وصلها منهم؟
رد محمود بحيرة وقلق:
ـ مش عارفين لسة أي حاجة ولا عارفين طريقها
اندهشت تهاني لتقول بتلقائية:
ـ الولاد عرفوا مكانها وراحوا يجيبوها .. إن شاء الله ترجع سالمة غانمة .. أنا أعصابي باظت من التوتر خلاص
اندهش هو الآخر من المعلومات المستجدة التي طرأت عليه ليتسائل باهتمام شديد:
ـ أنتِ قولتي لاقوها ؟ عرفتي منين وازاي؟
ردت تهاني بتلقائية:
ـ سميحة صممت إننا نروح لأمير القسم .. ما هو محدش فيكوا بيرد علينا ولا حتى أتصل طمنّا على الأقل .. وهو أتصل بيهم وعرفنا .. بس حاسين إنه عارف حاجة ومخبي علينا من ساعة ما شوفنا اللي أسمه صلاح وهو بيحقق معاه وجاب سيرة عاصم في الموضوع ربط محمود الأحداث في بعضها البعض وأدرك بأنه توصل على طرف الخيط، عليه هو أيضًا التحرك معهم، الأهم الآن أن ينهي المكالمة مع تهاني ليستعد ولا يجعلها تشعر بأي شيء:
ـ طيب كويس جدًا .. أنا مضطر أقفل معاكِ دلوقتي عشان أكلم الولاد وأحصلهم
أكدت عليه بقلق قبل أن ينهى المكالمة:
ـ تبقى تطمني يا محمود ها
أبتسم قائلًا:
ـ متقلقيش
بمجرد أن أغلقت الخط أتصل مسرعًا بطارق منتظر الإجابة بلهفة:
ـ ايوة يا طارق أنا لسة قافل مع والدتك دلوقتي .. لقيتوها؟
رد طارق بهدوء بقدر المستطاع:
ـ ايوة .. في شاليه تبع الزفت اللي أسمه عاصم .. هبعتلك اللوكيشن
أقبل عليه بلهفة قائلًا:
ـ أنا جاي حالًا مسافة السكة
**********************
نزع حزام بنطاله، ربط جزء منه بين يداه واقترب منها .. أتسعت حدقة عيناها بشدة وهي تصرخ وتجري حول الغرفة بعشوائية تحاول تفاديه، وهو يركض وراءها مسوطًا إياه في الهواء، صوته كان يقشعر بدنها بشدة وقلبها يرتجف رعبًا، تفادت ضرباته أكثر من مرة وهي تصيح به وتنعته بالجنون وهو يزيد من ضرباته إلى أن أصابتها إحداها على ظهرها وهي تركض ، تألمت وأوت بشدة، وقفت مكانها وجثت على ركبتها تتوجع، أستغل ذلك لجذبها من شعرها ويلقى بها على الفراش وينهال عليها بالضربات المتتالية وهي تستغيث بزوجها واخيها، تنهار من البكاء ومن شدة الوجع لا تستطيع الكلام حتى، لقد جن جنونه بكل ما أُتى معنى للكلمة، لا تصدق قسوة ما تمر به على الإطلاق ..
ألقى بالحزام جانبًا لينظر لها بتشفى تام وارتسم على ثغره ابتسامة خبيثة، وجسدها يزرف الدماء لا تستطيع الحراك، فقط تنظر له في وجع وكره ليس له أول من آخر وهي تصيح به بانفعال:
ـ أنا بكرهك .. بكرهك من كل قلبي .. لا يمكن تكون طبيعي أنت مجنون ومش في وعيك .. منك لله عمري ما هسامحك على اللي عملته فيا وتشويهك ليا .. عمري ما هكون ليك يا عاصم .. لو قطعتني نساير نساير عمري ما هرجعلك ولا هسمحلك تلمس شعرة واحدة مني شعر بالضيق والغضب الشديد، رغم ما فعله بها إلا نظرة التحدي والغضب في عيناها، لا تخشاه ولكن ما سيفعله بها الآن سيجعلها تخضع له مستسلمة، ليرى نظرة القهر والذل في عيناها، نزع قميصه واقترب منها حاول الاعتداء عليها وهي تقاوم وتتستغيث وهو لا يبالي بكلماتها:
ـ أبعد عني يا حيوان .. هوديك في ستين داهية .. أبعد عني يا سافل منك لله يا مجرم
يضحك ساخرًا محاولة منه كبح حركاتها الاندفاعية:
ـ أصرخي من هنا لبكرة محدش هيسمعك ولا هيحس بيكِ .. اللي مكنش عايز ياخده منك سي طارق أنا معنديش مانع فيه
قامت بضربه ضربات متتالية بقدمها وهي تعافر من أجل الخلاص من تحت يداه:
ـ ولا هتقدر يابن السيوفي .. القذارة اللي متعود عليها مع اللي بتشقطهم دول مش معايا أنا .. ورحمة أمي اللي عمري ما حلفت بيها كذب ما هسيب نفسي لواحد زيك وهوريك هاخد حقي منك ازاي .. جوزي اللي بتتكلم عنه ده هتشوف هيعمل فيك إيه .. أنت فاكر اللي عملته فيه يوم المستشفى !! ومرضاش يبلغ البوليس باللي حصل عشان خاطري .. ببساطة أوي ممكن يتهمك من جديد ويفتح القضية وألبس بقى يا معلم
قيد يداها بقبضته جيدًا وقام بصفعها بشدة وهو يصيح بها بعنف:
ـ أنتِ إيه عايز أفهم .. كل ده ومش همك أي حاجة أبدً!! ولا حاجة محوقة فيكِ !! أتعلمتي كل ده فين ها .. كنتِ قطة مغمضة فتحتي وبقيتي بتخربشي كمان .. أنا هخليه يندم ندم عمره لما يشوفك بقيتي ليا يا بنت الجوهري وشوفي أبوكِ هيعمل إيه لما الصفقة تتقلب عليه والظرف الأسود مش معاه .. تحبي تعرفي جواه إيه ؟ .. الصفقة الأصلية ورا الصفقة دي اللي أبويا وأبوكِ شركاء فيها .. ساعتها هيشرف في سجن الحضرة زي الباشا
تألمت من شدة الصفعة ولكن قاومت من أجل الأفلات من قبضته وتفر من أسفله بأي طريقة ممكنة، لا يمكن الاستسلام مهما يكون قدر الوجع والألم النفسي والجسدي الذي تشعر به الآن، يجب أن تتحمل كي تنجو بحياتها، فقامت بضربه بشده أسفل بطنه ليبتعد عنها قليلًا من شدة الألم لتنهض هي وهي تحاول ألتقاط أنفاسها بصعوبة وتقول بتحدي وهي تضحك بشدة وتمسك جسدها بألم:
ـ ههههههههههههههه ده على أساس أنكوا ملايكة نازلين من السما مثلًا يعني .. كلكوا هتروحوا ورا الشمس سواء هاشم بيه ولا أنت وأبوك .. فوق يا عاصم الصفقة شاملة التلات شركات .. واتورطت شركة الابياري معاكوا في عملية قذرة زي اللي عملتوها .. وعلى الظرف الأسود تبقى قابلني لو لقيتوه
قام وهو يحاول يوازن نفسه من شدة الضربة لينفعل بها بدون فهم:
ـ تقصدي إيه؟ .. تعرفي عنه إيه؟
ردت ساخرة ةهي تبتعد عنه للخلف وهي تمسك خسرها بوجع:
ـ كل حاجة ممكن تتخيلها .. من بداية التعاقد لحد تسليم الشحنات في أنصاص الليالي .. ده أنتوا طلعتوا عصابة ومحدش داري .. أنا متصدمتش فيك لأن اللي بيخون توقع منه أي حاجة .. صدمة عمري كانت من أبويا والصدمة الأكبر لما عرفت السبب الحقيقي لموت أمي .. مكنتش أتوقع أنكوا تبقوا بالحقارة دي
اقترب منها لترجع هي للخلف ويقول والشرر يتطاير من عيناه، على أستعداد فعل أي شيء ليحصل على الظرف الأسود وما يحتويه من أوراق في غاية الخطورة:
ـ أنتِ معاكِ الظرف مش كده؟ .. هاتيه وأنا هسيبك تخرجي من هنا
عادت إلى الخلف بحذر وهي تبتسم بتهكم وردت بنبرة ساخرة:
ـ على أساس إني هصدقك وإنك هتسيبني بجد عايشة بعد كل ده؟! .. تكنش فاكرني ساذجة للدرجة دي يا عاصم !! .. لا فوق .. أيوة الظرف معايا ومتقلقش في الحفظ والصون .. مش هسلمه إلا للنيابة عشان كلنا نرتاح ونستريح بقى .. مش فكرة جديدة وظريفة بردو !!
صرخ بها وركض خلفها، حاول خنقها وهي تبعد يداه عنه بكل ما أتاها من قوة، مش شدة القبضة أرخت جسدها وشعرت بدماء وجهها تنسحب من رأسها ودقائق وتفقد وعيها ولكن حاولت الصراخ بقدر المستطاع ..
**********************
وصلت السيارة أمام منزل صغير الحجم عبارة عن طابقان، أوقف المحرك وعم الصمت على الجميع، ألتفت للخلف ووجه حديثه إلى سارة:
ـ هو ده الشاليه؟
نظرت له بهدوء وهي تؤمأ ثم قالت:
ـ ايوة هو
أقبل عليه يوسف بجدية قائلًا:
- الخطة إيه؟
أجاب مليًا:
- هننزل نعاين الشاليه .. نشوف أي مدخل أو شباك حتى ونور هتفضل هنا مع سارة
صاحت نور معترضة:
- لا بقى معلش أنا رجلي على رجلكوا
زفر طارق ورد عليها بضيق:
- اومال هنسيبها لوحدها في العربية يعني ؟!
تدخلت سارة سريعًا وقالت:
- أنا عارفة مدخل من ورا الشالية .. بيودي على البدروم ومنه تطلع على جوة
نظروا الثلاثة إلى بعضهم البعض وفهموا ما تنوي عليه سارة، قطع الصمت طارق وهو يهم بفتح الباب:
- طيب يلا
ترجلوا جميعًا وذهبوا خلف المنزل ليجدوا بالفعل باب صغير، تناول هاتفه وأتصل بأمير:
- ايوة يا أمير أنت فين ؟
رد سريعًا:
- أنا وصلت .. قريب منك متقلقش
رد طارق باطمئنان وقال:
- طيب كويس أوي .. احنا هندخل الشاليه من ورا في باب .. لو حصل أي حاجة هنكلمك على طول
رد أمير بثقة:
- وأنا مستعد .. ربنا معاكوا
فتح يوسف الباب ودخلوا جميعًا بحرص وهدوء شديدين، ليجدوا حبال ومقابض حديدية والقليل من الأسلحة البيضاء متناثرة في الأرجاء، ومقعد في المنتصف عليه حبل طويل، نظر طارق لسارة مستفسرًا:
- إيه ده كله؟
ردت سارة بخجل وحزن:
- ساعات البنات اللي بيجيبهم بيستدرجهم هنا .. نسيت أقولك إنه سادي
توسعت أعينهم صدمة لا يصدقون ما سمعوا لتوهم، حمدًا لله أن سلمى لم تستمر بعلاقتها معه، ولكن الآن ما يدور في خاطرهم مصير سلمى مع إنسان سادي لا يعرف الرحمة مثله، يستلذ بألم الآخر أمامه، دب الرعب في قلوبهم وأكملوا السير حتى وصلوا لدرجات السلم ومنها وصلوا إلى المدخل الرئيسي .
صعدوا السلم بهدوء حتى لا يثيروا ريبته ويستطيعوا الانقضاض عليه بسهولة إلى أن سمعوا صرخات متقطعة، انتفضت قلوبهم ذعرًا وظنوا بسوء حدث لسلمى، وبالفعل ركضوا جميعًا إلى الغرفة مصدر الصوت، ليجدوا سلمى على الأرض وفوقها عاصم يصفعها ويحاول خنقها، انقضوا عليه جميعًا وقام طارق بسد ضربات متتالية لعاصم وهو يصرخ به بعنف شديد:
- أبعد عنها يا حيوان
الذي قام بعد ذلك ودبت مشاجرة عنفيفة بينهم الثلاثة وبدأوا في تحطيم أثاث وكل ما يقابلهم أثر المشاجرة .
ركضت نور لسلمى في لهفة وخوف وهي تصرخ بخوف تتفحصها وتحاول استعادة وعيها:
- سلمى .. سلمى ردي عليا أنتِ كويسة .. سلمى
شهقت سلمى ومازالت بمكانها لا تستطيع الحراك، لا تصدق أن نور أخيرًا أمامها لتقول بصوت ضعيف:
- نور .. نور
شهقت نور عندما شاهدت العلامات الحمراء والزرقاء المنتشرة في أماكن متفرقة من جسدها، ووجهها المصبوغ باللون الأحمر من شدة الصفعات، ضمتها إلى صدرها وأخذت تبكي وبلهفة:
- سلمى .. منك لله يا عاصم .. حسبي الله ونعم الوكيل فيك .. اللي عمله فيكِ الحيوان ده!! .. خدي نفسك يا حبيبتي
سارة تقف في ركن بالقرب من الباب لا تصدق ما تراه، تبكي من الخوف وعلى حال سلمى، صاحت بها نور في غضب شديد
- أنتِ واقفة تتفرجي عليا أجري هاتي كوباية ماية بسرعة
ركضت سارة وأسرعت بأحضار كوب من الماء وحاولت نور سقيها على قدر المستطاع، تدريجيًا بدأت سلمى استعادة وعيها من جديد ولكن تشعر بالألم الشديد في أنحاء جسدها ووجهها، حاولت استيعاب ما يدور حولها لتجد مشاجرة كبيرة بين عاصم وزوجها واخيها، صرخت وهي تنادي بأسمه، ساعدتها نور على النهوض وهي تشعر بالرعب والخوف الشديد لأول مرة على طارق ومنه اخيها .. لوهلة تناول عاصم مسدسه من جانب خصره وأطلق رصاصة في الهواء لتصرخ الفتيات من أثرها، ثم يركض ويجذب سلمى نحوه ويجعلها رهينة تحت سلاحه، نور تصرخ وتستنجد باخيها وطارق ويوسف يحاولان السيطرة على مدى تهوره:
- اللي هيقرب هفرغ المسدس ده فيها .. سامعين
قالها عاصم في حالة من الهياج والعنف الشديد، يبدو أنه غير طبيعي بالمرة، كأن أصابه الجنون .
تنظر سلمى لطارق وتقابلت عيناهم بتمعن شديد، لأول مرة يفهم لغة عيناها ولكن للآسف متأخرًا، كانت تحدثه .. تستنجد به .. تشتاق إليه .. لم يجد عتاب أو حزن أو بغض كما كان يرى من قبل، بل وجد خوف شديد ورجاء بأن لا يتركها، كأنها تودعه لآخر مرة في حياتها، كأنها لن تراه بعد ذلك، شعر بضربات قلبه تتزايد ومشاعره اتجاهها باتت حقيقية وصادقة، فقد أجمل شعور وأحساس يمكن أن يحظى بها في حياته ويوم لقاءه بها كان متأخرًا، أدمعت عيناه في خوفي حقيقي لأول مرة في حياته، بل رعب بمعنى الكلمة من فقدانها بأي حركة متهورة من هذا السادي اللعين ..
دام الصمت عدة دقائق والجميع ينظر لطارق وسلمى بدون فهم، شعرت نور بخوف أخيها وتوتره ونظراته لزوجته التي أثارت خوفها بشدة عليهم، طمئنها يوسف بأن لا تتحرك من مكانها وتظل ثابتة ليصيح به يوسف:
- آخرة اللي بتعمله ده مش كويس .. سيبها وخلي كلامك معانا
ثبت السلاح جيدًا على جبهتها وقال وهو ينظر لها بخبث:
- أنا حسابي معاها هي ... والدور جاي عليك يا طارق متقلقش ..
صاح به طارق بغضب وكاد يذهب ويتشابك معه ، فمنعه يوسف حتلى لا يقوم بأذيتها :
ـ أنت عايز إيه بالظبط
قال بتعنت وثقة بالغة:
- عايزها .. طلقها
صدم الجميع ليصيح طارق بغضب شديد جدًا:
- أنت أتجننت ولا جرى في مخك حاجة؟ .. عايز تتجوز مراتي !!
ضحك ساخرًا وقال بتهكم:
- لا ما أنت هتطلقها .. تقدر تقولي متمسك بيها كل ده ليه .. مش بتحب خطيبتك ولا أنت عايز تكوش على كل حاجة
نظرت له سلمى منتظرة الإجابة، لا يجب أن يخذلها .. لا يجب أن تكون المشاعر التي ضربت قلبها وشعر بها فؤادها تكون كاذبة، إلى أن نطق أخيرًا ما كانت تود أن تسمع :
ـ بحبها وعمري ما حبيت غيرها ومش هطلقها .. كانت خطيبتي وأكتشفت إني عمري ما حبيبتها .. كل حاجة في حياتي كانت كذب وغش وخداع .. لكن أنا ميشرفنيش تكون مراتي واحدة لامؤاخذة .. كانت لغيري
قلبها كان يرقص فرحًا، تشعر بصدق كلماته ومشاعره، لا تصدق بأنه أخيرًا أعترف بما يكنه إليها أمامها، كانت تتمنى لو آتت مبكرة عن ذلك .. تحاول استيعاب كلماته لتظل محفورة في قلبها قبل عقلها ..
تبكي سارة بصمت وتهوي دموعها على وجنتيها دون أن تشعر، فقدت ما كانت تتمنى من أجل الصراع على من لديه سلطة ومال أكثر من الآخر، وفي نهاية المطاف لم تحصل على شيء، بل وجدت حالها خاسرة من جميع الجوانب، الإنسان الذي كان يحبها وشرفها وحياتها من أجل أوراق بنكنوت لا قيمة لها ولن تعيد لها ما فقدته .. صاحت وكأنها تهذي أمام الجميع:
ـ أنا آسفة يا طارق .. أنا كنت أنانية مفكرتش غير في نفسي وبس .. مش هنكر إني عرفتك عشان الفلوس وبس .. منه لله غواني وماسك عليا ذلة عشان أفضل معاه .. بس صدقني أنا لما عرفتك بجد حبيتك ومكنتش عايزة أسيبك .. مش بعد اللي وصلتلوا تسيبيني بسهولة كده .. أيوة أنا السبب في كل اللي حصلك وأنا اللي كنت قاصدة أجيلك يوم فرحك وبعده .. وأنا اللي بعت لسلمى رسالة عشان تشوفني معاك على المركب وتفكر إن علاقتنا أتطورت وتطلب الطلاق وترجعلي .. وكله من تخطيته .. عارف ليه كل ده عشان لقيتك متغير من ناحيتي وبقيت مشدود لها أكتر من الأول .. كل ما أجيب سيرتها تدافع عنها وتمنعني أقول كلمة وحشة في حقها .. ليه كل ده وهي مش طايقاك ولا بتحبك .. النار كانت بتاكل فيا ازاي واحدة زي دي تقش كل حاجة بالساهل وتتجوزها .. فيها إيه زيادة عني تحبها وتقربلها وأنا مبقتش معايا زي الأول .. ليييييييه
ألتفت إليها بوجع بعدما علم بحقيقة كبيرة كان غافلًا عنها، لا يريد حتى أن يتذكرها، ليقول بتهكم ومرارة في نبرته:
ـ جاية دلوقتي بتسألي ليه؟ .. أنا عطيتك كل حاجة .. مشاعري ووقتي وحياتي وكل ده بتجري على مين اللي يدفع أكتر !! الله الله .. والمفروض أصدق الحب اللي بتتكلمي عنه .. كفاية إني شوفتك على حقيقتك يا سارة أنا مش عايز أعرفك تاني .. صحيح الطيور على أشكلها تقع .. أنا بحب مراتي وعمري في يوم ما هخسرها عشان حب وهمي .. كداب مفهوش ريحة المشاعر الصادقة حتى .. أبعدي عني يا سارة وشوفي طريقك
ابتسمت سلمى بسمة كبيرة قد زينت ثغرها وقلبها يرفرف فرحًا، تشعر بأنها مازالت في حلم جميل .. لا تصدق أن هذه الكلمات والمشاعر التي دخلت لقلبها مقتحمة دون أذن منه، فاقت على صوت عاصم وهو يقول بتهكم:
ـ وأنا مش هسيبك تتهنى بيها ولا هي تتهنى بيك .. وهطلقها غصب عنك يا طارق والظرف يطلع دلوقتي حالًا
كاد طارق يرد ولكن نظرت لعاصم وتشعجت وصاحت به بغضب واعتراض كأنه أعطى لها قوة ودفعة لتحاربه:
- نجوم السما أقربلك .. قلتلك مية مرة إني بكرهك مبحبكش وعمري ما هكون غير إلا لإنسان أختاره قلبي وعقلي .. أنما أنت غلطة عمري اللي هفضل ندمانة عليها ودفعت تمن غلطتي بالقوي كمان .. ولو آخر نفس في حياتي هيبقى عايشاه بكرامتي مع شخص عرفت أد إيه بيحبني وبيخاف عليا ومستعد يضحي بحياته في سبيل إني أكون معاه وليه .. والظرف على جثتي يا عاصم .. كلكوا لازم تدفعوا التمن غالي أوي وأولهم دم أمي اللي راح هدر
استدارت بسرعة وحاولت شباك يده التي تحمل المسدس ليتشابك معهم طارق وتدخل يوسف على الفور لتخرج رصاصة في صدرها .. الصراخ يدوي الغرفة بأكملها وفي لحظة جاء أمير ومعه قوات الشرطة، تم القبض على عاصم ووضع الأصداف بين يداه .. حضر محمود متأخرًا مع أمير الذي لم يتحرك إلا بعدما سمع طلقات الرصاص وركض نحو سلمى في رب وهو يصيح:
ـ حد يطلب الأسعاااااااااف .. حد يتحرك
نور تصرخ وتبكي بشدة وطارق سلمى بين أحضانه في حالة من الذهول وعدم الاستيعاب لما حدث .. نظر لها ووضع وجهها بين كفيه وهو يصيحح بها بهستريا وبكاء شديد:
- لا سلمى بالله عليكِ متعمليش فيا كده .. هتعيشي وهنصلح كل يوم ضاع مننا .. مش بعد ما ألاقيكِ عايزة تضيعي مني .. أنا آسف سامحيني يا غالية .. ياااااااااااااااا رب لو عملت أي حاجة متعاقبنيش بيها .. سيبهالي ياااااااااااا رب .. متغمضيش عينك خليكِ بصالي
يوسف يجلس بجوارها يمسك يداها ودموعه تهوي في صمت، عقله مشلول بمعنى الكلمة، لا يصدق بأنه للتو فقد شقيقته الوحيدة، كل من يحبهم يفقدهم بمنتهى السهولة .. لا يستطيع أن يصدق بأنها سوف ترحل وتتركه كما فعلت والدته .. فقط ينظر إليها في ألم وحسرة كبيرتين ولا يستطيع التفوه بكلمة من أثر الصدمة .
رفعت يداها ببطئ وتدريجيًا إلى أن لامست وجهه، ارتسم على وجهها بسمة صغيرة ودموعها تهوى من عيناها وهي تنظر له في شوق كبير وتقول بأنفاس متقطعة:
- أااننا كنت عارفة إنك بتحبني وبتتكابر .. زي ما أنا كنت بحبك وبكابر وبنكر مشاعري من ناحيتك بسبب حبك لواحدة تانية وقسوتك معايا .. معرفش حبيتك ازاي وأمتى بس كل اللي عارفاه إني مبسوطة إنك آخر حاجة هشوفها في حياتي .. أخيرًا هقابل أمي وأحكيلها أد إيه حبيتني وخوفك عليا وكلامك خلاني كأني ملكة مالكة الدنيا وما فيها .. أمي وحشتني أوي يا طارق مش مصدقة إني هروحلها .. أنا مسمحاك ياريت أنت كمان تسامحني .. اللي شوفته في حياتي خلا قلبى يتقفل بالضبة والمفتاح .. كان نفسي أعيش معاك حياة طبيعية من غير جبر ولا خوف وقلق .. أنا آسفة بجد .. هفتقدك أوي
أبتسمت ودموعها هوت بألم إلى أن سقطت ياها لتستكن بجانبها .. صرخت نور ليدوي نداء وصياح طارق المنزل بأكمله وهي يحرك جسدها بكل ما أُتى به من قوة ببكاء هستيري ولا تستجيب:
- لا لا .. فوقي أبوس أيدك متعمليش فيا كده .. أنتِ عايشة قومي يا سلمى ... ياااااااااااااااااا رب لااااااااااااااااااااااااا
لقد فقدت أخر نبضة في قلبها بالفعل ونفذت أنفاسها الأخيرة لتعود إلى بارئها .
رواية صفقة حب الفصل الأربعون 40 - بقلم شيماء جوهر
تجلس كعادتها في مكانها المفضل تحتسي كوب العصير، تبتسم وهي تغوص في ذكرياتها الجميلة وأسعد أيام عمرها في هذا المنزل، تقلب صفحات ألبوم الصور بين يديها وتضحك بشدة، فكل صورة لها موقف وكل موقف له حكاية، إذا تمنت أن يعود بها الزمان لاختارت نفس الشيء وأكثر.
خرجت من شرودها على قُبلة في وجنتيها بحب بالغ وشوق يزداد يومًا عن يوم آخر، لتبتسم هي والتفت بجانبها لتجده جالسًا ويطوق منكبيها بذراعه وأخذ يقلب صفحاتها معًا ليسمعها تقول:
ـ كانت أيام جميلة أوي.. فاكر؟.. دي أيام الكلية ودي لما كنا في مطروح.. ياااا قول الزمان ارجع يا زمان.
ليبتسم ويقول بجدية:
ـ طيب ما إحنا فيها وبأيدينا نرجع أيام زمان.
صاحت به بطفولية:
ـ إيه ده بجد!! قشطة جدًا.. أحضر الشنط أمتى؟
ضحك على حماسها وأمسك يديها برفق ليردف مسرعًا:
ـ حيلك حيلك.. هظبط بس الشغل وهكلمك على طول.. بس زني على أخوكِ عشان ده يومه بسنة.
ضحكت وقالت بمرح:
ـ أنت هتقولي عادته ولا هيشتريه يعني.. متقلقيش بس أنجزي كده وظبطي بس المهم نسافر ونغير جو.. الواحد جاب آخره من الشغل من ساعة ما اتخرجت وأنا مفحوتة.
ضحك وقال ساخرًا:
ـ مش أنتِ اللي عملتي فيها سترونج وومان وأنا قدها ومعرفش إيه وقلبتي عليا بتوع حقوق المرأة!! اشربي بقى.
اصطنعت الحزن وقالت وهي تعقد ذراعيها:
ـ أخص عليك يا وحش.. مش بدل ما تقولي الله يكون في عونك يا حبيبتي.. أنا معاكِ على طول يا روحي.
ضحك وقال بمرح:
ـ أنتِ تعرفي عني كده؟ ده أنا من أول الداعمين ليكِ ولا نسيتي.
ابتسمت وقالت بدلال:
ـ لا طبعًا مش ناسية.. أعملي حسابك إننا معزومين على الغدا النهارده متتأخريش ها.
قبل جبينها وقال وهو يهم بالنهوض:
ـ حاضر متقلقيش.. هخلع أنا بقى.. هتعملي إيه النهارده؟
ردت باسمة وهي تفكر:
ـ هاخد شاور في السريع كده وأشوف اللي ورايا الأول.. مش هروح الشركة النهارده طبعًا.
فتح باب الشقة وأردف:
ـ قشطة بس مين هيغطي مكانك؟
ابتسمت وقالت بثقة:
ـ هيكون مين غيره يا حبيبي... لا تقلق أنا مسيطرة جدًا وأنا في مكاني.
ضحك بشدة وقال:
ـ حلوتك يا مسيطرة أنتِ.. وأنا هكلم أمير وأكدت عليه سلام.
أومأت برأسها باسمة ليرد إليها البسمة وخرج، تنهدت وقامت دخلت الحمام وشرعت في الاستحمام.
*****************
وقور وهو جالس على مكتبه، فقد زادت أرباح الشركة في فترة قصيرة بعدما بدأ طارق العمل معه بشكل رسمي ومستمر، خاصة بعد حصوله على درجة الماجستير ومنها بعد ذلك الدكتوراه، وأصبح يدًا في يد.. تلك الصفقة كانت كوجه الخير عليهم جميعًا وعلى الشركات الثلاثة.
بعد قليل سمع قرعًا على الباب، دخل طارق بعدما سمع الإذن بالدخول.
تقدم إيهاب ومعه عدة مستندات، جلس قباله ووضع الأخيرة أمامه.. ابتسم محمود وقال:
ـ أنا عارف الداخلة دي لما بتدخلها أنت وصاحبك بيبقى وراها إيه.
ابتسم إيهاب في خجل وقال:
ـ يعني نقول للشغل لا يا أستاذ محمود!! ربنا يزيد ويبارك.
ضحك محمود ثم قال وهو يوقع على الأوراق والمستندات التي أمامه:
ـ منساش مجهودك برضه في الشركة لما نويت تشتغل هنا مع صاحبك.. أخبار مراتك وولادك إيه صحيح.
ابتسم ثم قال بمرح:
ـ الحمد لله بخير.. مطلعين عينينا والله.. أومال طارق فين مش لاقيه على مكتبه.
نظر إلى ساعة يده ليقول بدهشة:
ـ هو لسه بسلامته مشرفش!!.. طبعًا هيقولي النهارده السبت وامبارح كان الجمعة وفي تجمع عائلي ويجيلي الشركة ساعتين ويرجع الساعة 2 على الغدا.
رد إيهاب بمرح:
ـ بس متنساش إنه بيرجع للشركة تاني ويكمل يومه عادي.. فوت يا عمي ده يوم في الأسبوع.
رد محمود ساخرًا:
ـ فالح أنت كمان ما هو صاحبك لازم تدافع له.. أعمل حسابك وتبقى تفكر الأستاذ لما يرجع إن بكرة في صفقة جديدة مع شركة المرشدي ويوسف هيكون موجود.
هم إيهاب بلملمة الملفات ورد وهو يغادر:
ـ خلاص تمام ما يكونش عندك فكرة.. عن إذنك.
خرج إيهاب وأمسك محمود هاتفه وبدأ يشرع في مكالمة هاتفية.
****************
وقفت على باب الغرفة وهي تشاهده يضع لمساته الأخيرة، وعبيره يتطاير في أنحاء الغرفة، تستنشقه بحب وهيام.
اقتربت منه وقالت وهي تساعده في ارتداء حلته السوداء، ثم مالت رأسها على منكبه وعقدت ذراعها في ذراعيه:
ـ مين كان يصدق إني أتجوز ظابط.. ده أنا كنت بترعب منهم.
ضحك أمير والتفت إليها مازحًا:
ـ ليه إن شاء الله عفاريت ولا إحنا منعرفش.. تكونيش مسجلة خطر وأنا مش داري؟!.. لا لا أول حاجة هعملها أول ما أروح المكتب هكشف عنك.
ضحكت وضربت صدره بخفة واصطنعت الحزن:
ـ بقى كده!!.. لا بجد هيبة كده وأنتوا ماشيين ويا حلاوتكم بالميري.. ما هي بدلتك دي هي اللي جابتني الأرض.
ضحك أمير بشدة ليُقبل جبينها بحب ويقول:
ـ تصدقي أول مرة أعرف إن الهيبة بتخوف.. بس حسب سلطة اللي بيستعملها.. أحب أشكر طارق إنه عرفني عليكِ.
ابتسمت وقالت وهي تتذكر:
ـ ده حقيقي.. لولاه ما كناش اتقابلنا.. بس ربنا بيدبر كل حاجة بحكمته يا أمير.. ما تاخدنيش في دوكة تحب نتغدى إيه النهارده؟
نظر لها في دهشة وقال بجدية:
ـ أنتِ نسيتي يا بنتي إن النهارده السبت.
خبطت جبينها بكفها وهي تتذكر:
ـ آه صح.. أنا ناسية خالص.. كويس إنك فكرتني ما تتخيلش اليوم ده بستناه من الأسبوع للتاني إزاي.. بحس إني وسط عيلتي.
نظر لها وهو يحكم رابطة عنقه:
ـ ما أنتِ في وسط عيلتك فعلًا.. مش عايزة حاجة؟ هاجي إن شاء الله على الساعة 2 أخدك.. تلبسي من قبلها أنا بقولك أهو.
ابتسمت مردفة:
ـ حاضر عايزة سلامتك.. ما تتأخرش بس.
خرج ودارت في أنحاء الغرفة بحب وفرح، إلى أن سقطت على الفراش ضاحكة بسعادة.
******************
ضحكاتهن كانت تصل إلى غرفة مكتبه، كان يبتسم بين الحين والآخر.. عادة بينهن هذا التجمع العائلي منذ زواج طارق وسلمى لزيادة الترابط والود بين العائلتين، وزاد الود والعلاقات مع الوقت، وهذا كل يوم سبت من كل أسبوع، ولا تكتفي أي واحدة منهن عن الحديث والوقت المثمر مع بعضهن البعض.
جاء الخادم ووضع صينية العصائر على الطاولة أمامهن، ثم قالت سميحة وهي تحاول الاتصال برقمٍ ما:
ـ نور أخبارها إيه يا تهاني.. وحشتني جدًا.
ابتسمت تهاني وقالت:
ـ كويسة جدًا الحمد لله.. وحشاني هي كمان لما بتلاقي وقت فاضي وجوزها في الشغل بتيجي تقعد معايا شوية.. شوية وهتلاقيها جاية.
أردفت سميحة باسمة:
ـ زمان ولادها مطلعين عينك.
ردت إليها البسمة وقالت برضا:
ـ بالعكس.. أحلى حاجة لما بتسيب الولاد عندي يوم الجمعة بالليل.. ما تتخيليش بيونسوني أنا ومحمود إزاي.. أصلها بتحب تخرج هي وجوزها في اليوم ده بالليل بما إنه يوم إجازتهم اليتيم.
تنهدت سميحة قائلة:
ـ والله عندك حق.. الشغل متعب جدًا حتى أمير يوم الجمعة بينزل شغل.. ياما اتحايلت عليه إنه ياخد إجازة يقولي الإجازات واقفة اليومين دول يا ماما مش نافع.. بس مراته بتيجي هي والولاد بيقضوا معايا اليوم طالعين أشقية زي أبوهم ههههههه.
ابتسمت تهاني وقالت:
ـ ربنا يباركللك فيهم يا رب.
********************
مكالمات متتالية على الشركة الصغيرة، المنشأة بين جاسر وزملائه في الكلية، بما أنهم كانوا في ذات القسم فاتفقوا على تأسيس شركة صغيرة تضم مجالهم.
وبالفعل سنة بعد سنة تعالت سمعتها بين مكاتب الديكور وأصبح لها اسم وشأن، كل منهم يعمل بجد ويحب ما يعمل ويفني به، لذلك توصلوا لمكانة لا بأس بها في فترة صغيرة.
الساعة الثانية ظهرًا، ابتسم جاسر وهو يتمطى بتعب، نظر لساعة يده أدرك إنه موعد الراحة، ارتدى حلته وخرج من مكتبه ليتوجه إلى مكتب آخر ليطمئن على الوضع قبل ذهابه، قرع على الباب ليدخل بعدما سمع الإذن بالدخول.
ابتسم عندما وجدها منهمكة في العمل، ترسم على لوح ورقي كبير في تركيز شديد، ليقطعه بسؤاله:
ـ إيه يا باشمهندسة لسه مخلصتيش؟.. وقت الراحة.
ردت دون النظر إليه:
ـ فاضل حاجة بسيطة وهخلص على طول.
ما زالت البسمة تزين شفتاه قائلًا:
ـ أنا عارف إنه مفيش فايدة.. بس ما تنسيش والوقت يسرقك.
رفعت رأسها وضحكت، تعلم بأنه كشف أمرها لتردف:
ـ خلاص والله.. لازم أفنش قبل الأكل وإلا هكسل.. هنسلم بكرة إن شاء الله ولازم كل حاجة تخلص في ميعادها.. روحي أنتِ.
ودعها وخرج من الشركة مستقلًا سيارته.
********************
في حيرة كبيرة أمام خزانة ملابسها لا تعرف أي قطعة سوف ترتدي، تنظر إلى الساعة المعلقة في غرفة النوم لتجدها قد قاربت على الثانية والربع ولم تختار بعد وزوجها قادم بكل تأكيد وتبدأ المشادة الظريفة بينهم حول تأخيرها في مواعيدها، وهي قبل أن يرحل أكدت على عدم تأخيره، فماذا تفعل الآن؟
سمعت صوت المفتاح فأدركت وجوده، توترت وخرجت إلى الصالة لاستقباله باسمة:
ـ حمد لله على السلامة يا حبيبي.. جيت بدري لا برافو.
نظر لها بضيق خفي ثم قال ساخرًا:
ـ أه ما أنا كنت منتظر مقابل للمجي بدري بس للأسف مفيش فايدة فيكِ.. يا بنتي إش حال أنتِ اللي مأكدة عليا قبل ما أنزل.. قلت هاجي وألاقيكِ لابسة وجاهزة.
تذمرت وقالت:
ـ يووووو يا أمير ما أنا معرفش هلبس إيه.. مش كنت بدور!!
ضحك وهو يحاول تماسك أعصابه:
ـ من صباحية ربنا قاعدة ما دورتيش ليه.
قالت مبررة بتلقائية:
ـ كنت باخد شاوري ومسكاتي عشان أبقى كيكة.
ضحك أكثر مما أثار استفزازها:
ـ كيكة!!.. يا شيخة اتقي الله.. نفسي في مرة تختاري هدومك بسرعة زي ما بتختاريها لعيالك.
صاحت به بغضب:
ـ ماشي يا أمير.. ادخل خد شاور والبس عقبال ما هشوف ألبس إيه.
دخل أمير وهو يرفع يديه للسماء ويقول بمرح:
ـ شكلي أنا اللي لبست.. الله يسامحك يا طارق.. صبرني ياااا رب.
صاحت به بانزعاج ليضحك هو ويركض إلى الحمام مسرعًا.
بعد قليل كانوا على استعداد للنزول، وكان أمير مختنقًا من عادتها التي لا تنوي من تغييرها.
*********************
على قرابة الساعة الثالثة إلا ربع كان الجميع مجتمعًا في جو عائلي جميل للغاية، اندماج بين الكبير والصغير معًا بشكل لطيف.
والأطفال تلعب بالقرب منهم ببراءة وخفة، والأجمل كل من هن تجلس بجانب زوجها وأطفالها حولها لا تحتاج شيئًا أكثر من هذه الراحة التي تحظى بها، نعمة السعادة والرضا والسلام الداخلي الذي يعم على قلوبهم جميعًا.
نظرت تهاني في ساعة يدها قائلة:
- مش معقول كل ده تأخير من أمير؟ .. ما حد يا جماعة يتصل بيه يشوفه فين.
رد يوسف قائلًا:
- والله يا طنط أنا مأكد عليه وهو في القسم وقالي هيعدي على البيت ياخد مراته وزمانه جاي.
تنهدت سميحة بحيرة وهي تقول:
- أنا عارفة أن التأخير منها .. يومها بسنة.
بعد عدة دقائق سمعوا صوت جرس الباب، ذهب الخادم ليفتح بعد لحظات دخل أمير وزوجته والجميع يرحب بهم ليقول بمرحه المعتاد:
- لو حلفت من هنا للسنة الجاية أن التأخير مش من عندي محدش هيصدقني .. كله من الهانم.
تذمرت وهي تعقد ذراعها بضيق:
- ما خلاص بقى يا أمير عمال تقطمني طول السكة .. عجبك كده يا طنط؟
ردت سميحة لتقول بهدوء:
- كفاية عتاب يا أمير خلاص نبهتها مرة واتنين .. وأنتِ يا حبيبتي حاولي تظبطي مواعيدك شوية وتلتزمي بالوقت أكتر من كده .. أحنا من ساعتها مستنينكوا.
جلسوا معهم ثم قال أمير بتساؤل وهو يبحث بعينيه:
- ألا صحيح طارق فين؟
ردت نور بصوت منخفض كأنها لا تريد شخصًا ما سماعها:
- أسكت ده مأنتخ ومش راضي يصحى .. وبابا مستحلفله عشان مرحش الشركة .. أول مرة يعملها وينام كل ده.
ضحك يوسف وهو يقول:
- ألبس يا معلم هههههههههه هيتنفخ.
رمقته نظرة غاضبة وهي تقول:
- أنت فرحان في أخويا يا يوسف!!
رد يوسف مازحًا:
- متأسفين يا أنسة نور.
عقدت حاجبها بضيق لتردف بحنق موجهة حديثها لتهاني:
- شايفة يا ماما .. آنسة!!
ضحكت تهاني وقالت:
- يا ستي ما أنتِ عارفة أن يوسف بيحب ينكشك بالكلمة دي من زمان.
تذمرت بطفولة وقالت وهي عاقدة ذراعها:
- رخم صحيح .. أتعلم من ابن خالك حتى.
ضحك أمير وقال مازحًا:
- ههههههههههههه بوووووووووم .. ميرسي يا نور ده بس من ذوقك .. سامعة يا هانم.
وجه تلك الأخيرة لزوجته ليضحك الجميع، ثم نادت بعد ذلك قائلة:
- سلمىىىىىى .. سلمى تعالي يا حبيبتي.
أقبلت الطفلة عليها بحب وتقول:
- نعم يا تيتة.
أكملت تهاني:
- أطلعي صحي خالو طارق يلا عشان الغدا.
صعدت الصغيرة سلمى إلى غرفة طارق ولم يستيقظ بعد، وكان جبينه ينصب عرقًا بشدة ومصاب بهلوسة شديدة وهو يتمتم سلمى عدة مرات بصوت مرتجف .. ربتت عليه بخفة وهي تقول بتلقائية:
- أنا هنا يا خالو سامعني؟ .. خالو قوم.
لم تجد استجابة فخافت من حالته وركضت إلى الأسفل تخبرهم بما حدث وهي في حالة خوف وتوتر، في هذا الوقت رن جرس الباب وعاد الخادم لفتحه مرة أخرى، تلقى السلام وتدخل عليهم باسمة:
- السلام عليكم يا جماعة .. إيه الأخبار؟
ردت عليها نور قائلة:
- أهلًاااااااا حبيبة قلبي .. إيه يا بنتي فونك غير متاح ليه.
ابتسمت وردت باسمة:
- فصل شحن .. أومال سلمى فين؟
ردت نور باسمة:
- بتصحى طارق .. بابا مش طايقه أصلًا.
شهقت وقالت بعدم تصديق وهي تنظر لساعة يدها:
- يا نهار أبيض وسايبينه ينام كل ده يا جماعة!!
وصلت سلمى راكضة وهي تلهث لتلتقطها بلهفة وقلق:
- خالو طارق عرقان أوي وشكله تعبان .. بينادي على سلمى بقوله أنا هنا يا خالو مبيردش عليا.
شعروا بالقلق الشديد خاصة هي، لتصعد هي بلهفة إلى غرفته.
رفعت يدها ببطء وتدريجيًا إلى أن لامست وجهه، ارتسم على وجهها بسمة صغيرة ودموعها تهوي من عينها وهي تنظر له في شوق كبير وتقول بأنفاس متقطعة:
- أنا كنت عارفة إنك بتحبني وبتتكابر .. زي ما أنا كنت بحبك وبكابر وبنكر مشاعري من ناحيتك بسبب حبك لواحدة تانية وقسوتك معايا .. معرفش حبيتك ازاي وأمتى بس كل اللي عارفاه إني مبسوطة إنك آخر حاجة هشوفها في حياتي .. أخيرًا هقابل أمي وأحكيلها قد إيه حبيتني وخوفك عليا وكلامك خلاني كأني ملكة مالكة الدنيا وما فيها .. أمي وحشتني أوي يا طارق مش مصدقة إني هروحلها .. أنا مسمحاك يا ريت أنت كمان تسامحني .. اللي شوفته في حياتي خلى قلبي يتقفل بالضبة والمفتاح .. كان نفسي أعيش معاك حياة طبيعية من غير جبر ولا خوف وقلق .. أنا آسفة بجد .. هفتقدك أوي.
ابتسمت ودموعها هوت بألم إلى أن سقطت يدها لتستكن بجانبها .. صرخت نور ليدوي نداء وصياح طارق المنزل بأكمله وهو يحرك جسدها بكل ما أوتي به من قوة ببكاء هستيري ولا تستجيب:
- لا لا .. فوقي أبوس أيدك متعمليش فيا كده .. أنتِ عايشة قومي يا سلمى ... ياااااااااااااااااا رب لااااااااااااااااااااااااا سلمى سلمىىىىىىىىىىىىىىى.
صاحت به بلهفة وخوف شديد وهي تحاول إيقاظه:
- طارق أصحى .. طارق فوووووووووووق ... قوم يا حبيبي .. طارق.
ربتت برفق على وجنتيه حتى استيقظ أخيرًا من نومه وهو ينهج ويلهث بشدة، والعرق يسيل من جبينه بشدة، عندما رآها أمامه اعتدل في جلسته وأخذ يتفحصها بلهفة ورعب:
- أنتِ كويسة صح .. فيكِ حاجة؟ عاصم أذاكِ في حاجة .. أنتِ عايشة مش كده .. ردي عليا.
تخشبت أمامه وهي لا تفهم شيئًا، لأول مرة تراه في هذه الحالة الهستيرية، زاد خوفها وقلقها بشدة فربتت على يده وهي تحاول تهدئة روعه قليلًا:
- أهدى يا طارق في إيه يا حبيبي .. ما أنا قدامك كويسة زي الفل أهو .. مفيش حاجة واللي فكرك بعاصم دلوقتي .. أنا جنبك متقلقش.
ضمته إلى صدرها كي يطمئن ويشعر بوجودها إلى أن شعرت بانتظام ضربات قلبه وهدأ بالفعل .. ابتعدت عنه قليلًا ثم ربتت على وجهه بحب:
- ده حلم يا حبيبي .. موت إيه بس ههههههههههههه .. عايز تترمل ولا إيه.
نظر لها ببلاهة ليقول بعدم تصديق:
- حلم أزاي أنتِ أكيد بتكدبي عليا صح .. أنتِ صحيتي ازاي أنا شوفتك ميتة بين أيديا لما عاصم خطفك وضربك بالنار.
اتسعت عيناها بصدمة مما يقول ثم انفجرت من الضحك:
- اتخطفت واتقتلت كمان! ومن مين عاصم! هههههههههههههه لا بجد وإيه كمان.
رمقها بغضب ثم قال:
- أنتِ بتضحكي بقولك اتقتلتي وموتي .. عاصم اتسجن صح هو وصلاح .. عرفتي أن سارة خانتني وإني عمري ما خنتك؟ أنا بحبك والله وعمري ما خنتك.
اقتربت من افتقاد استيعابها لتقول بعدم فهم:
- أهدى يا طارق مش كده والله العظيم حلم .. مفيش حاجة حصلت من اللي بتقوله ده .. سارة مين اللي تخونك وعاصم متسجنش ولا حاجة .. بص قوم كده خدلك شاور وأنت هتفوق وهتبقى زي الفل .. يلا مستنينك تحت عشان نتغدى سوا .. متتأخرش.
تركته سلمى وأغلقت الباب خلفها، ليجلس مكانه وهو يحاول تذكر كل ما رآه ويقسم من داخله أنه حقيقة.
عادت إليهم مرة أخرى وجلست بينهم والجميع يريد الاطمئنان على طارق، هتفت تهاني بخوف:
- طمنيني يا بنتي طارق ماله.
ابتسمت وقالت بهدوء:
- الحمد لله يا قلبي متقلقيش .. ده كان كابوس وراح لحاله .. بس الظاهر كده أنه مكنش طبيعي بالمرة .. بيقول كلام غريب جدًا .. تصوروا أنا اتخطفت ومت كمان .. لا والأدهى سارة خانته هههههههههههههههه.
صاحت سارة بصدمة لتقول:
- يا نهار أسود ومنيل!! هتلبسني مصيبة يا طارق.
ضحكت نور لتقول:
- إحيييه على ده حلم .. بس إيه الرعب ده .. هو فين؟
ضحكت سلمى وقالت:
- بياخد شاور ونازل على طول .. هي فين ماما؟
ردت سميحة قائلة:
- في المطبخ .. ما أنتِ عارفة يوم السبت بتحب تشرف على الأكل بنفسها .. أهي جات أهي.
أقبلت عليهم فريدة وقالت:
- الأكل جاهز يا جماعة .. لو ما صحيتي جوزك يا حبيبتي؟
أجابت سلمى قائلة:
- أيوه يا ماما بياخد شاور ونازل على طول.
أردفت بحزن وقالت:
- متنسوش يا ولاد بكرة سنوية أبوكوا .. الله يرحمك يا هاشم.
أدمعت سلمى عيناها وقالت بحزن:
- الله يرحمك يا بابا وحشتني أوي.
الجميع ترحم على هاشم وبعد دقائق حضر طارق، الجميع كان في استقباله وهو مندهش من هذا التجمع الغريب، عندما رأى سارة ثار عليها بغضب:
- أنتِ إيه اللي جابك هنا بعد اللي عملتيه؟
الجميع اندهش في صدمة، فمسكت سلمى ذراعه وقالت معتذرة:
- معلش يا سارة متزعليش .. سوري يا جماعة طارق كان بيحلم بكابوس والظاهر إنه مش لطيف بالمرة ولسه مخرجش منه ولا مستوعب هو بيقول إيه .. أهدى بس وفوق يا حبيبي .. للدرجة دي مأثر عليك؟
رد بضيق:
- أومال بتعمل إيه هنا؟
ضحكت سلمى وقالت:
- من الواضح كده أن الكابوس ده مأثر على دماغك بشكل مش طبيعي .. شوف يا سيدي باختصار سارة مرات أمير وأنت اللي معرفهم على بعض وهي زميلتك في الكلية مجرد زمايل فشافها أمير وبعد كلام كتير ارتبط بيها .. نور ويوسف متجوزين ومعاهم سلمى .. أحم أحم من حبهم ليا سموا بنتهم على اسمي اتجوزوا بعدينا بسنة وشوية .. وأنا ونور وجاسر فاتحين شركة ديكور محترمة ولنا اسم كويس دلوقتي ..
قاطعها طارق:
- جاسر مين؟
جاء صوت من الخلف يقول بمرح:
- أنا .. مرحب بالجميع .. سلمى ما شاء الله جيتي أمتى كنت لسه سايبك في الشركة من حبة.
ابتسمت سلمى وقالت:
- ده أنت اللي ماشي قبلي متأخر كنت فين؟ .. جيت من حبة.
جلس وهو يضع كيسًا على الطاولة:
- أبدًا لقيت محل حلويات نفسي راحت عليه دخلت أشتري.
أكملت سلمى:
- جاسر ابن عمتي يا طارق وأخو أمير .. معانا في الكلية بس الحمد لله متخرجين أخيرًا واشتغلنا سوا .. أعمل حسابك هتيجي معانا نزور بابا بكرة.
اندهش أكثر وأصابته الصدمة الكبرى ليقول:
- إيه ده هو أستاذ هاشم مات؟!
تعجبت سلمى من أمره فقالت بهدوء:
- أيوه يا طارق مالك مستغرب ليه؟ .. مات من قبل ما نتجوز حتى أنت ناسي إنه كان في غيبوبة لمدة سنة وبعد شهر ربنا رحمه كان عنده مشكلة في القلب .. وعاصم يا سيدي اللي قارفني بيه بعد وفاته فسخنا الخطوبة وأنا وأنت قربنا من بعض واتجوزنا .. وكان فرحنا يهبل يتحاكى عنه إسكندرية كلها .. ومن ساعتها مشوفتهوش.
نظر إلى فريدة وهو يحاول استيعاب ما قالته سلمى لتوها وهو يشعر بأنه في عالم آخر:
- طنط فريدة موجودة بجد .. ولا أنا بحلم؟
ضحكت فريدة وقالت:
- لا بجد يا حبيبي .. فوق كده يا طارق اللي يشوفك يقول إنك كنت فاقد الذاكرة .. للدرجة دي الحلم واقعي.
رد طارق وهو لا يصدق ما يحدث حوله:
- الحلم واقعي لدرجة إني مش قادر استوعب وأصدق الواقع .. يعني أنتِ عايشة؟ .. متجوزين من أمتى؟
ردت سلمى:
- حوالي خمس سنين ..
يا خوفي ألا تكون ناسي عيالك كمان.
رد ببلاهة:
ـ هو احنا خلفنا كمان؟!
ضحك الجميع ثم صرخت به سلمى بمرح:
ـ يا ختييييييييييييييييييييييييي ايوة يا حبيبي معانا ندى وهشام.
تدخلت فريدة قائلة:
ـ هتبقى كويس يا حبيبي متقلقش .. وهترجع لطبيعتك تاني .. اللمة الحلوة دي مبتتكررش إلا كل أسبوع مرة .. ها يا جاسر فين الصورة؟ يلا يا ولاد .. ندى وهشام وسلمى .. يلا يا حازم.
قام جاسر في مرح وثبت الكاميرا في العصا المخصصة لها، وحدد وقت التقاط الصورة ثم ركض بجانبهم والتقطوا جميعًا صورة جميلة للغاية للذكرى. يحاول طارق الاندماج معهم لينظر لسلمى بحب شديد لتلاحظ هي وتلتفت إليه بحب وبسمة كبيرة ليقول:
ـ حلم ولا حقيقة .. هفضل أحبك طول عمري .. كفاية أنك الواقع بجد بالنسبالي.
ردت بهيام لتقول:
ـ وده كفاية عليا .. بشكر الصفقة اللي جمعتنا سوا.
صوت جاسر:
ـ واااحد .. اتنيين .. تلاتة.
التقطت الصورة على نظرتهم سويًا في جو عائلي تملؤه الحب والهدوء بينهم. ظل ينظر إليها بحب ليركض أطفالهم بينهم ويضموهم إلى أحضانهم في صورة منفصلة باتت المودة والرحمة فيها خالدة.