تحميل رواية «صفقة حب» PDF
بقلم شيماء جوهر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أحيانًا الإنسان يكون أمامه كل شيء بين يديه، ومع ذلك لم يراها ولم يشعر به، تغيّر مجرى حياته للأحسن أو الأسوأ، دائمًا الاختيار بين أيدينا ومعظمه يكون سوء اختيار نندم عليه. لكن يجب أن يصطدم في شيء أقوى لكي نشعر بقيمته، لكن عندما تتحول المشاعر مجرد اتفاق لأغراض معينة.. هنا يجب أن نتوقف سوف تعكس الحياة رأسًا على عقب لدوامة متعبة حقًا. الساعة الثانية ظهرًا، موعد رجوع محمود إلى المنزل لتناول وجبة الغداء كالمعتاد بدلًا من تناولها بالشركة بمفرده، مع زوجته تهاني. توقفت السيارة أمام فيلا الإبياري لينزل منه...
رواية صفقة حب الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم شيماء جوهر
عادت نور إلى الغرفة وهي تنهي الاتصال وتفتح الغرفة وهي تتحدث إلى سلمى.
الصاعقة، وجدتها فارغة تمامًا.
اتسعت عيناها في صدمة ودهشة، كل شيء كما هو، فقط تركت كل شيء في مكانه لم يتحرك.
الفستان على فراشها، والحذاء في الصندوق الخاص به.
المنشفة التي كانت تحيط بجسدها على مقعد أمام المرآة.
حليها مرصعة على كومود المرآة الكبيرة.
خطت نور سريعًا بخطوات أشبه بالركض وأمسكت المنشفة في دهشة وتساؤلات كثيرة تدور في مخيلتها، ترفض استيعابها وتصديقها.
ألقيتها على الكرسي وركضت خارجاً تنادي عليها بصوت عال.
نادت على كل الخدم الموجودين بالمنزل وسألتهم عنها فلا أحد منهم رآها قط.
خرجت إلى الحديقة تبحث عنها في لهفة فلم تجدها أيضاً.
وقفت مكانها مخشبة، شريدة حائرة.
لا لا مستحيل، بل من رابع المستحيلات، لا تكون قد فعلت ما خطر عليها، لا تكون قط.
ركضت وصعدت درجات السلم بالخطوتين أو أكثر وهي تلتقط أنفاسها.
دخلت الغرفة وبدأت تبحث عن هاتفها.
وجدته وقامت سريعًا بالاتصال بيوسف، الذي خرج ليؤدي شيئًا ما ضروري في الخارج ثم يعود.
فزع يوسف ودهش من نبرة نور المهزوزة، شعر برعشتها وعدم تماسكها.
فصاح بها:
في إيه يا نور مالك؟
غلبتها دموعها وقالت وهي تجش في البكاء:
ألحقني يا يوسف سلمى مش موجودة في الفيلا.
انتفض يوسف بدهشة وصدمة ليقول بقلق وخوف:
يعني إيه مش موجودة؟
بكت نور وهي تحاول الحفاظ على انفعالاتها وابتعاد أي فكرة عن خاطرها.
لتقول:
مش عارفة.
بعد ما خلصت شاور طلعت أتصل بالبيوتي سنتر عشان تيجي تكون سلمى خلصت شعرها رجعت ملقتهاش.
كل حاجة زي ما هي متلمستش.
حتى البشكير لقيته مرمي على الكرسي وملهاش أي أثر لهنا ولا في الجنينة حتى.
تناول حلته ومفتاح سيارته وركض للخارج وهو يصيح بها بلهفة ورعب:
اقفلي يا نور أنا جي حالًا.
***
خرج من الشركة واستقل سيارته وهو يقود بسرعة جنونية.
وجاءت في مخيلته أفكار سوداوية لا يستطيع أن يتحملها أو يستوعبها هو الآخر.
لا يمكن سلمى أن تفكر في هذا مطلقًا وهي تعرف العواقب الوخيمة التي سوف تنتظرها إذا بدرت بفعل أي شيء مجنون بعد.
نور تبكي بخوف وقلق.
خلال مدة ليست بطويلة وجدت يوسف أمامها وهي جالسة على فراشها.
تأمل الغرفة بتفقد معين، بالفعل كل شيء كما هو.
رفعت نور رأسها وجدته، انتفضت ووقفت على الفور ومسحت دموعها على الفور وهي تحاول أن تتماسك.
فهزت رأسها بالرفض وهي تصيح به بعدم تصديق:
لا لا يا يوسف مستحيل تكون هربت مستحيل.
زفر يوسف بشدة وهو يمسح رأسه بيداه.
لا يستطيع تصديق ذلك ما فعلته شقيقته.
لماذا يا سلمى تضعي الجميع في هذا المأزق الكبير.
لماذا يا ترى؟
تصرف مجنون ويشعر بأنه في كابوس كبير.
شقيقته تهرب ليلة زفافها، تختفي فجأة دون سابق إنذار.
إلى أين ذهبت يا ترى ولما؟
نظر لها يوسف محاولة منه استيعاب ما حدث.
صاح بها وهو شريد للغاية وهو يفكر:
أنا عقلي من ساعتها عمال يقنعني بحاجات ويصورلي حاجات.
مش عارف مش قادر أفكر.
قلت لا مستحيل سلمى تعملها من رابع المستحيلات كمان.
ليه كده يا سلمى ليه؟
جلست نور ببطء ودموعها تنسدل على وجنتيها بصمت.
وتقول وهي تستعيد ذاكرتها:
من ساعة ما خرجت من الحمام وهي مكنتش مظبوطة أبدًا.
كنت حاسة أن فيها حاجة متغيرة.
معرفتش أفسر هدوءها ده إيه.
تناول هاتفه من جيب حلته وقام بالاتصال بسلمى.
وجد الهاتف مغلق أو غير متاح، حاول الاتصال مرة أخرى ولكن دون جدوى.
فعلم ما يدور في مخيلته كان صحيحاً.
طاوعت الكل وفعلت كل ما طلب منها ولكن سارت وراء ما يحث عليه عقلها فقط لا غير.
فقد تركت المشاعر جانبًا، وما كانت النتيجة في نهاية المطاف سوى استغلالها لصالحهم.
إلى أين ذهبت يا ترى وماذا فعلت؟
تشتت عقله ولا يستطيع التفكير في أي شيء بعد.
فلا مزيد من السكوت بعد الآن يجب إخبار والده ليتصرف سريعًا في هذه الكارثة قبل أن تتحطم فوق رؤوسهم.
على الفور اتصل بهاشم والقلق والخوف ينهش في ملامحه إلى أن وصله الرد.
ألو، بابا في مصيبة.
انتفض هاشم من مقعده بقلق وفزع وهو يصيح به ويقول:
مصيبة إيه؟ إللي حصل؟
صاح به يوسف بغضب وعنف وكادت الدمعة أن تفر من عيناه:
سلمى هربت.
ملهاش أي أثر وقفل تليفونها.
مش وقته الكلام ده دلوقتي لازم نتجمع حالًا عشان نشوف حل في الكارثة دي.
أنا هتصل بطارق.
سلام.
أنهى المكالمة ثم التفت إلى نور التي على الفور قامت بالاتصال بأبيها وحاولت أن تبدو طبيعية للغاية.
***
تحرك محمود من مكتبه قرابة الساعة الواحدة والنصف ظهرًا.
استقل سيارته وعاد إلى الفيلا.
بمجرد وصوله وبدأ الطاهي إنهاء الطعام كعادة كل يوم، جلس في مكتبه ليستريح قليلاً فلم يجد تهاني بانتظاره كالعادة.
نادى على أحد الخدم لإخبارها بوصوله، وبالفعل جاءت تهاني بعد دقائق تستقبله ببسمتها الحانية وجلست قباله.
فبدأ هو الحوار.
طارق فوق؟
ردت تهاني على الفور:
أيوه في الحمام بياخد شاور ونازل على طول.
زفر محمود براحة وهو يقول:
طب كويس الحمد لله.
لاحظت تهاني زفرته نوعًا من الارتياح ظهر على وجهه.
فهي تعرف زوجها جيدًا عندما يفكر في شيء أو شيئًا يصل إلى خاطره.
فتساءلت بهدوء:
اشمعنى يا محمود، حصل حاجة؟
ارتسم على ثغره بسمة صغيرة وأجاب قائلاً:
لا أبداً.
تعلم أنه يخفي عليها شيئًا ما.
تعلم ما يدور بخاطره، لا يتأكد من وجود طارق في هذا الوقت هباءً، بل يخاف من شيئًا ما.
فهذه ليست عشرة يوم أو شهور بل سنوات طوال، فهمته جيدًا نحوها.
فابتسمت وهي تقول:
خايف ألا يعمل زي ما عمل يوم حفلة هاشم.
مش كده؟
رفع رأسه ونظر إليها باسمًا.
كان يعلم إنها لن تتركه بسلام في حيرته، تفهمه جيدًا من عيناه ونبرة صوته ومن صمته.
فطمأنها وقال:
بصراحة في الأول أه.
بس ارتحت لما اتأكدت.
ربتت على يداه بلطف وهي تطمئنه بدورها هي الأخرى:
متقلقش.
طارق لا يمكن يعمل حاجة زي دي في اليوم ده.
تنهد محمود بقلق ليقول:
ربنا يستر يا تهاني.
قلبي مقبوض ومش مستريح.
ردت بهدوء:
ان شاء الله خير.
سيبها على الله.
تنهد بعمق وهو يقول بحيرة وقلق:
ونعم بالله.
يلا نادي طارق زمان الغدا جهز.
نهضا سوياً وتناول هاتفه وجد مكالمة فائتة من نور.
اتصل بها على الفور كي يطمئن عليها ويعرف ماذا كانت تريد.
بمجرد أن انتهت الرنة الثانية بدأت المكالمة وظهر صوت نور تحدثه بلهفة غير طبيعية.
ألو، ايوة يا بابا.
رد بلهفة وقلق هو الآخر:
خير يا نور أنتِ كويسة يا بنتي؟
حاولت نور التماسك وهي تقول بإرتباك:
أنا كويسة متقلقش بس في ميتنج في غاية الضرورة دلوقتي في شركة الجوهري.
أنكل هاشم مستنيك هناك في مكتبه.
نبرة صوتها غير مريحة بالمرة.
وأي اجتماع سوف يعقد في مثل هذا اليوم؟
أهي فكرة هاشم أم من يا ترى؟
صاح بها بنفس النبرة:
إللي حصل بس يا بنتي فهميني.
ده وقت ميتنج في يوم زي ده؟
تماسكت نور على قدر ما تستطيع ويجب إنهاء المكالمة قبل أن يفر لسانها وتبوح بكل شيء.
فردت في عجالة وهي تنهي المكالمة:
ياريت متتأخرش يا بابا.
هتفهم كل حاجة.
سلام.
أغلقت المكالمة وجلست على الفراش وإنهارت من البكاء بشدة وقوة.
تشعر بأنها بحلم مخيف ولا تعرف ماذا تفعل.
بجوارها يوسف محاولة تهدئة روعها قليلًا، أراد أن يربت على منكبيها لتهدئتها ولكن لا يجوز له لمسها.
وهو أيضاً يحتاج من يواسيه، فهي في الأول والآخر شقيقته الصغرى.
يحبها أكثر من نفسه أكثر من أي شئ.
لم يتوقع يومًا أن تكون هذه رد فعل سلمى على الإطلاق بأن تهرب وتترك كل شيء خلفها دون مبالاة من أي شخص كان.
إلى هذه الدرجة لم تتحمل؟
تماسك ليقول لها:
أهدي يا نور إن شاء الله خير.
رفعت نور رأسها وهي تقول بصوت متقطع:
أنت متعرفش خايفة عليها أد إيه.
يارب عترنا عليها يا رب.
تنهد بحزن وخوف ليقول هو الآخر:
ومين سمعك.
أنا هتجنن ومش قادر أفكر.
المهم قومي أغسلي وشك وروقي كده عشان نروح نشوفك حل في المشكلة دي.
مفيش وقت وأنا هتصل بطارق.
نهضت نور بإستسلام وهي تمسح دموعها وصوت ضعيف يشوبه البكاء:
حاضر.
دخلت نور الحمام تغسل وجهها وتناول يوسف هاتفه وقام بالاتصال بطارق.
***
خرج طارق من الحمام ووقف أمام المرآة يمشط شعره وهو يصفر.
كأنه تناسى الشكل العام لزواجه.
فجأة توقف عن الصفير وتجهم وجهه عندما تذكر سلمى وما حدث بينهم من مشاحنات عديدة منذ اليوم الأول لرؤيتها إلى يومنا هذا.
تنهد بعمق وهو يتمعن لنفسه في المرآة يفكر.
هل حقاً أقدامه على هذه الخطوة صحيح أم مجرد تسرع منه ليس إلا؟
هل حقًا يحب سارة ويفعل كل هذا من أجلها، أم من أجل نفسه خوفًا من دمار كل شيء؟
بداخله تساؤلات عديدة لا حصر لها، مشتت.
غير قادر على تحديد ماذا يريد.
الأبواب أمامه متشابهة ولا يعرف إلى أيهما يختار.
فلا وقت للتفكير في مثل هذه الأمور الآن، فاليوم زفافه على سلمى.
والغريب في كل هذا أنه لا يشعر بأنه غير مرغم على هذه الزيجة مثلما كان يشعر من قبل.
فلا يعرف لماذا يشعر بالرفض الشديد من زواجه منها.
شيء من الراحة بداخله ولا يعرف سببه.
إنه لشىء عجيب حقاً ولا يعرف سره بعد، ولكن المؤكد إنه لا يتعاطف معها.
مسك هاتفه ووجد مكالمات فائتة من سارة.
فكر لعدة دقائق كاد أن يتصل بها ولكنه تراجع.
شيئًا ما في داخله جعله يتراجع في قراره.
أكمل بحث في هاتفه ووجد أيضاً مكالمات فائتة من نور.
شعر بالقليل من القلق فأتصل بها على الفور.
ألو، ايوة يا نور في حاجة؟
صاحت به بغضب خفيف:
أنت فين يابني برن عليك.
رد سريعاً وقال:
لسة خارج من الحمام.
كنت باخد شاور.
عايزة إيه دلوقتي؟
أردفت نور بنفس الحالة:
ألبس وأطلع على شركة الجوهري دلوقتي حالاً.
قطب حاجبه بتعجب شديد والقلق يتسرب إلى قلبه رويداً رويداً.
فنبرتها التي تصيح بها غير مطمئنة بالمرة.
فلا تفعل ذلك إلا أن وجد مصيبة أو كارثة، خاصةً في مثل هذا اليوم.
فصاح بلهفة:
ليه إللي حصل؟
أردفت نور بنفاذ صبر وقالت:
في ميتنج مهم وضروري جدًا.
متتأخرش كلهم مستنينك هناك.
أنا ويوسف مسافة السكة وهنكون عندك.
سلام.
أنهى معها المكالمة وهو ينظر إلى الهاتف بتعجب وغرابة شديدة.
نعم، لقد حلت عليهم عاصفة كبيرة بل إعصار، هكذا يشعر.
دق قلبه بعنف شديد فقام على الفور بأرتداء ملابسه ونزل يركض على درجات السلم.
وجد تهاني في استقباله هي ومحمود ينظرون إلى بعضهم في دهشة وعدم فهم.
شعر بأن والده قد تلقى نفس الاتصال الذي تلقى به منذ دقائق معدودة.
فأردف على الفور:
في إيه مالكوا؟
رد محمود بوجه قلق وتجهم وجهه للحظة:
طالع على الجوهري دلوقتي.
يوسف لسة قافل معايا من شوية.
نظر له طارق بتعجب هو الآخر وقد تأكد من شعوره:
هو إيه الحكاية.
نور لسة قافلة معايا هي كمان وقالتلي نفس الكلام.
تنهد محمود بحيرة ورفع يديه في الهواء بإستسلام وهو يقول:
علمي علمك يابني.
تعالى نروح نشوف في إيه أنا قلبي مش مطمن للأجتماع ده.
تنهد طارق بقلق شديد وقال:
عندك حق ولا أنا.
بس لعله خير ان شاء الله.
تحركوا وكادوا أن يصلوا إلى الباب قالت لهم تهاني حتى تطمئن قلوبهم قليلًا:
طمنوني بالله عليكوا لو في حاجة.
التفت محمود وقال باسمًا:
ماشي يا تهاني.
سلام.
ذهب كل منهم بسيارته الخاصة متجهين إلى شركة الجوهري، وبداخلهم تساؤلات كثيرة وقلق كبير.
فما يستدعي عقد اجتماع اليوم بهذه السرعة واللهفة الغير مبررة لأي منهم.
مكالمات غامضة لم يستنتجوا منها أي شيء على الإطلاق سوى التفكير الكثير والقلق الشديد.
***
وصلوا أخيرا إلى الشركة متجهين إلى غرفة الإجتماعات الملحقة لمكتب هاشم.
بعد سماح لهم السكرتيرة بالدخول، فقد تلقت أمر من هاشم شخصيًا بأدخالهم فور وصولهم.
وبالفعل نهض هاشم من مقعده وأستقبلهم جيدًا.
أتفضلوا.
محمود بلهفة وقلق صاح به:
في إيه يا هاشم ده وقت إجتماعات!! إللي حصل؟
هاشم بعدم فهم أردف:
علمي علمك.
جالي مكالمة من يوسف أن في مصيبة ولازم نعقد إجتماع حالاً وأنا مش فاهم أي حاجة ولا عارف إللي حصل.
بتصل بيه من ساعتها مبيردتش.
أستر يا رب.
لم يريد هاشم صدمتهم بهذا الخبر إلا بعد وصول نور ويوسف.
صاح محمود هو الآخر ولكن بغضب:
حتى نور طول الطريق بتصل بيها تفهمني حتى إللي حصل مبتردش.
أنا مش مطمن.
حاول طارق السيطرة على الوضع ويطمئنهم وهو من يحتاج إلى أحدًا ما ليطمئنه هو الآخر.
فقال كي يصمتون قليلًا:
زمانهم على وصول يا بابا أقعد أرجوك.
جلسوا على طاولة الإجتماعات جميعًا في انتظارهم، وهم على نار أحر من الجمر وكل التساؤلات والتخيلات تمر على عقولهم دون تفسير.
وصلت نور ويوسف وركن كل منهم سيارته.
نظرت له والقلق والتوتر يملآن عينيها عندما وجدت سيارتهم مرصوفة جانباً، أي هم بالأعلى الآن.
لا تعرف كيف تواجههم وتبوح لهم بسر الاجتماع المعقد في هذا التوقيت بالتحديد.
فما يدور في عقلها تنهد بعمق واقترب منها كي يطمئنها.
متقلقيش، تماسكي على الأقل دلوقتين.
نظرت له بخوف شديد وقالت:
ربنا يستر يا يوسف.
صعدوا ودخلوا على الفور غرفة الإجتماعات دون قرع أو أي أخر.
بل بقوة كدخول شرطة مكافحة المخدرات.
كل الأعين انصبت نحوهم بدهشة وقلق وخوف وعدم فهم.
كاد هاشم أن يتحدث فقاطعه طارق بشيء من الغضب:
أهم وصلوا.
ممكن تهدوا بقى ونفهم منهم إيه سر الإجتماع المبهم ده.
فقد سأم من حديثهم عن ما يحدث وأخيرًا وصلا بسلام.
جلسوا في هدوء شديد فنظر محمود إلى ابنته وصاح بقلق ليفهم أي شيء في هذه الدوامة التي دخل بها:
ما تفهمينا يا بنتي إللي حصل وإيه سر الإجتماع المفاجئ ده؟
نظرت نور ليوسف بقلق تستنجد به فرد هو قائلًا:
مفيش فرح.
حالة من الهرج حدثت في ثوان معدودة وظلوا ينظران إلى بعضهم البعض بدهشة وعدم فهم.
فصاح بهم هاشم بغضب:
يعني إيه مفيش فرح؟
تداخل محمود هو الآخر بغضب شديد:
ده وقت هزار يا يوسف.
فرح إيه ده إللي مفيش.
طارق لم يعلق على شيء فالخبر صدمه.
ولم تستطع نور كبح انفعالاتها أكثر من ذلك بما أن الجميع في حالة ثورة وصاحت بهم بعنف شديد:
لا مبيهزرش يا بابا.
عشان مفيش عروسة أصلاً.
نظروا إلى بعضهم بعدم تصديق وفهم.
هنا انتفض طارق بشدة وهو يصيح:
يعني إيه مفيش عروسة؟
سلمى فين يا نور.
إللي حصل؟
نهض يوسف وصاح هو الآخر:
يعني سلمى هربت يا طارق.
هربت.
يتبع
الحلقة العشرون
إنهدار قوة
نعم إنها الصاعقة والصدمة الكبرى، شيء لم يكن في الحسبان على الإطلاق، ولم يتوقع أي منهم صدور مثل هذه الفعلة من سلمى قط.
جلس هاشم في ذهول للغاية، لم يتصور أن يأتي اليوم وتضعه ابنته في مثل هذا الموقف، ماذا يقول لهم وماذا يفعل، كيف يريهم وجهه بعد الآن.
لقد كانت طبيعية في الأيام الأخيرة وتصرفاتها توحي برضائها عن تلك الزيجة، على الرغم من تجنبها منه تأثراً منها لما حدث.
ولكن هل يمكن أن تكون هذه خدعة؟
ستار لما تخفيه بداخلها وتنوي عليه.
لا يصدق ما حدث لا يصدق.
ماذا يقول للمدعوين الذين سوف يحضرون مساءً، ابنتي هربت ليلة زفافها؟
لماذا وكيف؟
وتكثر الأقاويل.
فهي كارثة فضيحة أكثر من كونها كارثة وحلت عليه.
صدمة طارق لم تكن أقل من صدمة هاشم أبدًا.
بل جعلته في حالة هياج كبيرة، ولم يكن قدر على الاستيعاب بعد، كيف تترك كل شيء بهذه السهولة وترحل بعيد؟
لقد اتفقا على كل شيء معًا وإنها مسألة وقت ليس إلا، لما خانت العهد ونكست الوعد؟
لما غيرت قرارها بهذه الطريقة بمفردها دون الرجوع إليه حتى على الأقل؟
لما الصدمة بهذه الطريقة؟
أسئلة كثيرة تدور في مخيلته وليس لها أجابة.
لهذه الدرجة تكره؟
لهذه الدرجة لم تشعر نحوه بشيء من الألطاف، لهذه الدرجة لا تريد العيش معه؟
فما كان يشعر به من لطف في المعاملة أحيانًا معها أكان مجرد تمثيل أم هو جد صحيح؟
لا يعرف ماذا يفعل فصاح بشدة وعنف:
يوسف.
أنت واعي بتقول إيه؟
ازاي وليه؟
وأتفاقنا؟
احنا كنا خلاص مرتبين كل حاجة فجأة كده تتصرف من دماغها وتختفي.
إللي حصل إيه الغلط في الموضوع؟
صاح به يوسف بغضب هو الآخر، لم يستطع تحمل أكثر من ذلك.
فقد مر العديد من القرارات والمواقف احتراما لرغبة والده ولمصلحة الجميع، لكن الآن لا ففي النهاية هربت شقيقته:
في إنها مقدرتش تتحمل أكتر من كده.
مقدرتش تشوف نفسها أسيرة للمرة التانية.
اليوم إللي بتتمناه أي بنت يجي عليها بالشكل ده.
وليه ها عشان مصالح شخصية.
قالها وهو ينظر إلى هاشم ثم تابع:
ياريتها كانت جماعية قولنا ماشي.
إنما بتدفع ضريبة ملهاش فايدة منها.
أنت السبب في كل اللي بيحصل أنت السبب.
طالما حبيت توسع أكتر وأكتر جيت على حساب بنتك الوحيدة.
مش كفاية أمها!!
وهنا كانت الصاعقة.
اتسعت عيناه بشدة وصدمة كبيرة هو ومحمود، كيف يكون على علم بهذه الحكاية ومتى؟
طارق شعر بالأختناق والحزن الشديد مما سمعه للتو.
نعم فيوسف محق بالفعل تحملت مما لا شخص في نفس موقفها يمكن أن يتحمل.
ولكن النتيجة غير محسومة بالنسبة له.
ولكن تفاجئ أيضًا بسر وفاة فريدة المبهم هو ونور، طالما كانت تعلم بأن وفاتها غريبة ولا تعرف التفاصيل، حتى سلمى نفسها لا تعلم.
ترك الاجتماع بكل غضب وفتح الباب وخرج.
فارتطم الباب بشدة فأنتفضت نور وظلت تنظر لهم جميعًا في صدمة ودهشة وذهول.
نعم إنها في كابوس مخيف لا تستطيع التعبير عما بداخلها من غضب وخوف.
سال الدمع من عيناها بغزارة وهي ساكنة في مكانها دون حراك، تحاول استيعاب ما قاله يوسف منذ دقائق معدودة قبل رحيله.
كما توقعت بالفعل وفاة فريدة أمامه ستار سميك منذ سنوات ولا يوجد أي شخص حتى الآن استطاع إزالته.
لكن رويدًا رويدًا يبدأ بالإنسدال.
بوجه متجهم وبدون أبداء أي كلمة حملت حقيبتها ورحلت على الفور.
فقط رمقتهم نظرة غاضبة عنيفة مصحوبة بالأشمئزاز.
مسحت عيناها بسرعة ورحلت من الشركة على الفور، حاولت الاتصال بيوسف ولكنه غير متاح الآن فتوقعت أن يفعل شيء مثل هذا، رد فعل طبيعي.
الضغط هنا سيد الموقف وصل إلى حد الانفجار لكل منهم.
سلمى لم تتحمل القيود ففكت قبضتها وهربت ويوسف لم يتحمل السكوت أكثر من ذلك وطاح في كل الحضور بهذا الاجتماع المخيف، الذي بمثابة كشف عن صحف سوداء بما تحمله من أنانية وطمع وحب السلطة بما فيها المال والنفوذ.
***
قاد بسرعة جنونية لا يعرف إلى أين يؤل، جن جنونه بالفعل.
إلى أين ذهبت يا ترى؟
أين أنتِ يا سلمى؟
لما اختفيتي بهذه الصورة؟
حاول الاتصال بها لعدة مرات ولكن الهاتف مغلق أو غير متاح، بدأ القلق يستجمع ويتسرب إلى قلبه وهو يشعر بالرعب الشديد من المجهول.
شقيقته الصغرى ولا يعرف أين هي وماذا تفعل.
فكر أولا أن يسأل عنها عند أحدًا من أقاربهم ولكن ما يقول!!
أبحث عن شقيقتي في ليلة زفافها؟
بالتأكيد يقلقون ويدب الشك في عقولهم قبل قلوبهم ويضطر في نهاية الأمر البوح بالحقيقة.
ولكن لا فليكن ما يكون سوف يفعل ذلك فلا يوجد خيار بديل.
فلا يستطيع إبلاغ الشرطة عن فقدانها قبل أن يبحث عنها هو أولًا جيدًا.
فأقاربهم محدودين والأقرب لهم خاصة لسلمى السيدة سميحة عمته، توفى زوجها قرابة خمس سنوات وتعيش مع ابنها الوحيد، يعمل ضابط شرطة ولم يتزوج بعد.
احتمال كبير يكون قد ذهبت إليها خاصًة أن أمير يعود من عمله في وقت متأخر، فيمكنها المكوث راحة.
تردد كثيرًا قبل ذهابه إليها ولكن حسم الأمر وذهب بالفعل.
***
نعم.
بدون أي كلمة رحل طارق هو الآخر والجنون يسيطر على تفكيره بمعنى الكلمة.
حقًا شيء لم يكن في الحسبان على الإطلاق ولا يعرف كيف يفكر بطريقة سليمة حتى، لهذه الدرجة تكره إلى أن فكرت بالهروب.
بالرحيل؟
فجأة ومتى؟
ليلة زفافهم.
لا يبالي بالمدعوين أكثر من اهتمامه وانشغاله بها.
لا يفهم بعد سر المشاعر للتي يشعر بها الآن ولماذا قلبه منقبض لهذه الدرجة؟
أحقًا أنجذب نحوها وشعر بالضيق الشديد والغضب لفراقها؟
كان يجب أن يفرح بأنه تخلص من هذه الزيجة، ولكن لا بداخله شعور مغاير حقًا.
هو منزعج من ذلك، حقًا يريدها.
فهي ليست بمشاعر شفقة أو عطف كما شعر بها لأول لقاء بيهم في المشفى.
حاول الاتصال بها ولكن الهاتف مغلق أو غير متاح هو الآخر، ماذا يفعل يا ترى وأين يمكن أن يجدها؟
***
بالتأكيد الخبر انتشر ووصل إلى مسامع عاصم، الذي لم يصدق ما حدث في بادئ الأمر ولكنه كان سعيد حقًا بتلك النتيجة التي كان يرجوها بشدة منذ إن علم بالشرط العجيب الذي وضعته الشركة في الصفقة.
ولكن إلى أين قد ذهبت يا ترى؟
لا سبيل لها كي تؤل.
مهما يكن يرى إنه ببساطة شديدة يمكنه الوصول إليها مهما كانت وفي هذه الحالى سوف تكون له في النهاية، ولكن احتمال كبير أن ترفض العودة له بعد كل ما حدث.
لفترة طويلة يفكر كيف يمكنه استعادة سلمى مرة أخرى، يعلم إنه تم خسارتها بالفعل ولكن لن ييأس من استرجاعها بأي شكل وأي ثمن.
بعد أن أغلق المكالمة الواردة له جلس على مكتبه بهيبة وهو يضحك بشدة ويطلق دخان سيجاره بثقة وغرور.
نظرت له سارة بغرابة وهي ترفع إحدى حاجبيها لتقول بعدم فهم:
الله إللي يضحك للدرجادي؟
توقف عن الضحك ومال عليها ورد بإبتسامة خبيثة وبكل ثقة:
معذورة يا حبيبتي.
أصلك متعرفيش إللي حصل.
دب الشك والقلق بداخلها، وشعرت أن الحديث ور نحو طارق.
فصاح بلهفة واهتمام:
في إيه.
إللي حصل؟
ضحك وعاد لوضعيه الأول وقال:
الظاهر كده يا سارة إنها بيضالك في القفص وأمك دعيالك.
لم تفهم بعد إلى أي مدى يتحدث ولم تفهم شئ.
فصاحت به بضيق وقالت:
هو ده وقت غموض يا عاصم ما تقول في إيه أنا بدأت اتوغوش.
ابتسم عاصم وقال بثقة:
واضح كده هيخلالنا الجو.
سلمى هربت.
اتسعت عيناها في صدمة ودهشة، لم تصدق ما سمعته لتوها.
لما ومتى؟
فانتفضت وهي تقول:
نعم بتهزر؟
ضحك عاصم شدة من الحالة التي تبدو عليها، فقد كانت فقدت الأمل بالفعل من الوصول لطارق، فرد فعل طبيعي لما صدر منها.
أردف قائلًا:
للدرجادي كنت فاقدة الأمل.
صاحت به بعنف تريد أن تعرف أدق التفاصيل عما حدث، لإنه لو كان صحيح لتغير مجرى علاقتها بطارق.
بلهفة واهتمام قالت:
هربت ازاي وأمتى؟
رد عاصم بعدم تأكيد مصطنع:
امتى حوالي الضهر ازاي الله أعلم ده إللي محدش عارفه لغاية دلوقتي.
بس مصيري أعرف متقلقيش.
شردت سارة بشدة وبدأت تفكر كيف تقترب من طارق من جديد حتى لا يبحث عنها ويصبح لها وحدها.
فقامت بدون أبداء أي كلمة.
وأخذ عاصم ينادي عليها وهو يضحك بسخرية وبشدة إلى أن اختفت عن ناظره.
***
وصل يوسف إلى منزل السيدة سميحة.
رن جرس الباب بتردد فكاد أن يرحل إلا وأن فتحت له الباب.
ارتسم على وجهها ابتسامة تلقائية مجرد رؤيته.
بعد السلام والترحاب دخل يوسف وجلس معها يتلفت حوله كأنه يبحث عن شيئًا ما.
لاحظت سميحة توتره وبدأت تستفسر منه ولكنه أجاب إنه بخير.
جلسته غير منتظمة يفرك بيداه بشدة ولا يعرف من أين يبدأ:
ازيك يا عمتو.
شعرت سمحية بالقلق ولكنها تماسكت حتى تفهم ما الأمر، فردت على الفور باسمة:
الحمد الله يا حبيبي.
بابا كويس في حاجة؟
رد يوسف بقليل من التوتر:
لا لا كويس كله تمام.
اعتدلت جلستها وقالت بقلق:
اومال مالك قاعد مش على بعضك ليه؟
غضب بأنه انفعالاته بدت تظهر عليه بشدة.
فأجاب سريعا بسؤال كي يخفي ما يبدو عليه:
اها بالحق أمير فين وأخباره إيه؟
قضبت سميحة عيناها بشدة بغضب وشك وبدأت تشك في أخفائه لشيئا ما.
فردت بنبرة يعرفها جيدًا:
ما أنت عارف يا يوسف.
أمير مبيجيش غير متأخر وفين وفين لما بيرجع بدري يتغدى وينزل.
عايزة أعرف إللي بيحصل بتلف وتدور على إيه.
(كاد أن يتكلم فقاطعته)
ومتكدبش عليا.
هو يعرف عمته جيدًا فهو لا يعرف الكذب ويظهر عليه بشدة، وبهذه النظرة وتلك النبرة سوف يقر لها بكل شئ.
فتساءل بحذر:
هي سلمى مش عندك؟
قضبت جبينها بدهشة وشك وقالت:
وإيه إللي يجيب عروسة في يوم فرحها عندي الساعة دي.
ابتلع غصته بصعوبة ولا يعرف ماذا يقول.
بتحكم في انفعالاته قائلًا بتعلثم والعرق ينصب من جبينه:
أصل.
أصلها يعني.
هي.
قاطعته وهي تصيح:
أصلها إيه وهي إيه.
ما تنطق يابني.
استجمع قواه وقال سريعًا بتوتر وارتباك:
أصلها هربت.
تحولت قسمات وجهها من القلق إلى الحزن الشديد، ونوعا ما من الهدوء الغريب الغير مصاحب في هذه الحالة، الشيء الذي أثار دهشة يوسف كثيرًا.
فلم تندهش أو تصد كما فعل الآخرون.
فتساءل يوسف بحذر:
شايف يعني حضرتك مش متفاجئة.
ردت سميحة بهدوء وحزن شديد:
وأتفاجئ ليه.
ما ده المتوقع إنه يحصل.
اتسعت عيناه دهشة ليستوعب كلمات عمته:
متوقعة إنها تهرب؟
ردت سميحة بنفس الحالة:
شايف أخت سعيدة أوي في حياتها ولا في اختيارات أبوها؟
متوقع منها إيه إنها تستسلم وتخضع للأمر الواقع؟
يحاول جاهدا استيعاب حديثها ويحلل هدوءها النفسي ليقول بتعجب:
لا مش سعيدة بس مش لدرجة الهروب.
عمري ما تصورت إنها توصل لكده.
صاحت به سميحة بغضب:
لا توصل يا يوسف.
أجبارها إنها تعيش مع إنسان مبتحبوش ولا عايزاه للمرة التانية وتبقى مسلوبة الإرادة تتجوز إللي على مزاج أبوها يخليها توصل للقرار ده.
هي لعبة في إيده ولا إيه.
مكنش متصور يعني إنها هايجي في يوم وهتثور عليه من ديكتاتوريته وتتحرر زي الشعب إللي اتمرد على رئيسه؟
هي كده بالظبط خلاص فاض بيها إنها تضحي بحياتها وشبابها عشان خاطر السلطة والفلوس وبأمر الحاكم.
أبوها.
يستمع يوسف إلى حديثها باهتمام وكل أذن صاغية وقلبه يعتصر ألمًا وحزنًا على حال شقيقته وما وصلت إليه.
فالسيدة سميحة حقًا محقة في كل كلمة تفوهت بها، ولكن ما العمل إذا وأين هي حتى يصلح على الأقل ما تم إفساده.
فرد بألم وحيرة:
عندك حق يا عمتو.
بس أنا في أيدي إيه أعمله ومعملتوش.
ياما وقفت قصاده ومفيش فايدة إللي في دماغه في دماغه مهما قولتي أو عملتي.
أخرتها لما سلمى انفعلت عليه ضربها وفقدت وعيها.
أعمل إيه بس يا ربي أعمل إيه.
شعر بكسرة نفسه وضعفه فبكى.
فشعرت هي بحسرته وألمه وبكت هي الأخرى، فهي تعرف جيدًا أن محاولات يوسف مع أبيه باتت بالفشل وفعل كل ما في استطاعته.
نهضت واقتربت منه وضمته إلى صدرها فبكيا معًا وهي تربت على ظهره بعطف وحنو، تعوضه عن ضمة وحنان فريدة رحمة الله عليها.
فقد شعروا باليتم حقًا بها فهي كانت لهم كل شيء ومن بعدها فقدوا كل شيء.
حاولت هون عليه قدر المستطاع وهي تقول:
مكنتش أقصد إللي قولته بيك يابني.
أنت عارف كده كويس أنا مقهورة عليكوا أنت وأختك المسكينة قليلة الحيلة من أبوكوا.
الفلوس لحست دماغه لدرجة إنه نسي إنكوا ولادوا.
حقك عليا أنا يا حبيبي.
ابتعد عنها وهي يمسح دموعه قائلًا:
أنا مشوفتش في حنيتك بعد أمي.
كأن ربنا عوضني بيك.
بس أحساسي بالعجز مموتني حقيقي مموتني ومش عارف أعمل إيه.
مسحت دموعها هي الأخرى وارتسمت بسمة صغيرة على شفتيها لتقول:
بكرة ربنا يفرجها من عندك متقلقش.
ارمي حمولك عليه.
تنهد بعمق فقد شعر بكثير من الراحة كلما تحدث معها.
فابتسم هو الآخر وقال:
ونعم بالله.
بس متعرفيش ممكن تكون راحت فين؟
أنا توقعت إنها تكون عندك.
ردت سريعا:
ربنا يعترنا عليها إن شاء الله.
ولو في جديد هكلمك.
نهض على الفور وسميحة على نهوضه ليستعد للنهوض:
طيب متشكر أوي يا عمتو.
هستأذن أنا بقى أحاول أتصرف.
خطى بضعة خطوات وهي تتبعه عند الباب لتقول:
أبقى طمني يا يوسف.
رد قبل أن يخرج ودون الالتفات إليها:
إن شاء الله.
خرج وقفل الباب وهي تنظر أمامها بحزن شديد.
لتنظر إليها تقف ووجهها مليئ بالدموع.
رواية صفقة حب الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم شيماء جوهر
أصبحت غرفة الاجتماعات فارغة، لم يتبقَ بها سوى هاشم ومحمود. منذ بداية الاجتماع، وهو في حالة من الصدمة الشديدة ولا يعرف ماذا يقول، لا يجد الكلمات المناسبة في مثل هذا الموقف الذي يعتبر آخر شيء يمكن أن يتوقعه في هذه الصفقة.
من الواضح أنها ليست بفكرة سديدة حتى يوافق عليها هاشم منذ البداية، كان يشعر بشيء ما غير منضبط. أكان يشعر بما سوف يترتب عليه ذلك العقد أي في لحظتنا هذه؟
فما كان له أن يرفض في بادئ الأمر بعد إقناع هاشم له بأنها صفقة مربحة وما شابه، وسوف تنقل الشركتين نقلة كبيرة في عالم صناعة الأدوية والربح سوف يتضاعف بنسبة جيدة. فمضى في طريقه إلى أن انصبت عليهم اللعنة جميعًا.
اللعنة التي قضت على شابين لا ذنب لهما إلا أن أحد أبويهما لا يهمه سوى السلطة والنفوذ وجمع الأموال. أيًّا كان من سوف يدفع ثمن هذه اللعنة ولكن النتيجة المربحة سوف تؤول له.
ولكن بكل أسف، ليست هذه اللعنة الأولى في حياة هاشم الجوهري، بل حلت الكبرى والأسوأ التي بمثابة نقلة كبيرة في عائلته وبالأخص أبناءه، ليكسب المزيد من الملايين خسر أعز الناس إلى قلبه، خسر شريكة حياته، من تحملت معه كل لحظة قاسية ومريرة، من وقفت بجانبه في أعز أزماته زوجته السيدة فريدة.
تلك الحسناء التي أحبها ليس من النظرة الأولى، بل من التعامل الأول بينهم، جذبته برقتها وحسن تعاملها، فقد كانت سيدة أعمال ناجحة للغاية وذكية. جميع أصدقائه حسدوه عليها، تقدم لها الكثير ولكنها فضلته عليهم فقد أحبته بصدق وشعرت بحبه نحوها وبعد مدة ليست بطويلة تزوجا وأنجبت له أول مولود لهم، وبعد أن رزقهم الله بسلمى بسنوات تبدل حال محمود تدريجيًّا وقد لاحظت فريدة ذلك وحاولت التقرب منه لتعرف سر التغير العجيب الذي حدث، فكان يهرب منها بانشغاله في الشركة والمصنع. فلم تيأس أو تستسلم بل ظلت بجانبه حتى النهاية، تلك النهاية المؤلمة التي كانت مكافأة لها على كل ما قدمته لأجله، وكان وفاتها صدمة كبيرة على الكل.
عاتبه محمود بشدة بأنه لم يصونها ولم يحافظ عليها بل استغل طيبتها ومحبتها له وها هي كانت النتيجة، ابتعاده أكثر عن أبنائه في أكثر وقت احتياجًا له.
حزين للغاية على تلك المسكينة التي دفعت خطيئة أبيها للمرة الثانية ولا يعرف إلى أين ذهبت، ولكن لماذا فعلت ذلك فهي كانت على اتفاق مع طارق في آخر اجتماع لهم وبناء على رغبتهم حُسم الأمر، ما الذي جد في الأمر؟ رفع رأسه وصاح بهاشم بعنف وغضب:
- عجبك اللي حصل ده؟ أودي وشي فين من الناس؟
صاح هاشم هو الآخر فلم يحتمل النبرة التي يتحدث بها محمود:
- هو أنا اللي قولتلها تهرب؟ مش هي وابنك كانوا متفقين على كل حاجة واقتنعوا خلاص بجوازهم؟ يبقى أكيد عملها ولا قالها حاجة خلتها تهرب.
اتسعت عيناه دهشة لم يصدق ما يسمعه، فقط يعلق أخطاءه على غيره وهو السبب في كل ما حدث لهم بموافقته على هذا الشرط وعلى هذا العقد منذ البداية. فنهض وقال بخيبة أمل وحزن:
- للأسف مفيش فايدة فيك، عمرك ما هتتغير، فوق بقى يا أخي فوووق.
خرج سريعًا بخطوات أشبه بالركض وأغلق الباب خلفه بشدة وعنف، صوت ارتطامه أشبه بزلزال مخيف حل على الغرفة.
*****************
استقل سيارته وقاد بطريقة جنونية يفكر في حل للكارثة التي حلت عليهم فجأة دون أي مقدمات، ثم ترددت كلمات هاشم في مخيلته، أيكون طارق له يد في أمر اختفائها وهل حدث بينهم شيء؟
بسرعة تناول هاتفه واتصل بطارق كي يفهم منه ما حدث بالضبط حتى يستطيع المدافعة عن ابنه جيدًا، فهو متأكد كل التأكيد بأن طارق ليس له دخل في حادث هروبها ولكن يجب أن يتأكد بنفسه شخصيًّا كي يرد على هاشم بثقة. حاول مرارًا ولم يجد رد فقرر العودة إلى المنزل ليفكر هو وتهاني، فلم يستطع أن يهاتفها ويشرح لها ما حدث هكذا.
وصل محمود إلى الفيلا ودخل في استقبال الخادم الذي تناول منه حقيبته، أكد عليه مناداة تهاني إلى مكتبه على الفور.
دقائق وجاءت تهاني قلقة للغاية تريد وتتحرى شوقًا أن تعرف سر هذا الاجتماع المفاجئ، ولماذا عاد إلى هنا مرة أخرى. دخلت وجلست قبله في لهفة وتوتر كبير ظهر على وجهها وهي تقول:
- طمني يا محمود، من ساعتها وأنا مش قاعدة على بعضي، اجتماع إيه ده وحصل إيه؟
شابك أصابع يديه ورفع رأسه وهو يقول لها بجمود وهدوء شديد:
- سلمى هربت.
شهقت تهاني وضربت صدرها بيديها بصدمة وهي تقول بدهشة وعدم تصديق:
- هربت! أنت بتقول إيه يا محمود هربت إزاي وليه؟
صاح بها بغضب مكبوت:
- إزاي وليه ده اللي منعرفوش لحد دلوقتي ولا قادرين نفهم السبب، أنا لغاية دلوقتي مش قادرة أصدق أن سلمى تعمل كده، وليه مادام هي وطارق متفقين، ليه!!
شردت تهاني في حزن وصدمة وعدم تصديق لما حدث، تشعر بأنها في حلم غريب حل على عائلتها. فنظرت له والدموع متحجرة في عينيها:
- طب والعمل دلوقتي يا محمود؟ الناس بليل على وصول والشركة بتاعة الصفقة هتعملوا فيها إيه؟ كل حاجة متوقفة على الجوازة دي.
صاح بها بغضب وعنف شديد:
- مش عارف يا تهاني مش عارف، أنا من الأول مكنتش موافق على الجوازة دي بالشكل ده أبدًا، مفيش حد في الدنيا ممكن يقبل أنه يتجوز بمقايضة ورغم كده سلمى قبلت علشان الشركات متضعش وعشان خاطر أبوها قبل أي حاجة، والشركة التانية شكلها عرفت تضغط على هاشم بالجوازة دي، دي بنته ليه مضغطتش بابنه مثلًا؟ ليه سلمى؟
نظرت له تهاني والوجع احتل قلبها. فتركت دموعها تنسدل على وجنتيها بحرية وقالت بجدية وألم:
- عشان البنت طول عمرها محل ضغط عن الولد، عشان عارفين إنه لو ضغطوا عليه بالولد مش هيتأثر، نسيت فريدة ولا إيه يا محمود؟
نظر لها بصدمة وعدم استيعاب بشكل صحيح أم ما تم استيعابه هو الصحيح. فأردف بتأكيد:
- قصدك تقولي أنه بيحصل لسلمى زي ما حصل مع فريدة!!
أكملت بنفس النبرة:
- ويا عالم إيه السر في موت فريدة تاني إحنا منعرفوش، المفروض اللي حصلها يديه عظة ويخلي باله من بنته بس واضح إنه مش عارف يسيطر على الصفقة دي والنتيجة إنه بيغامر بيها زي أمها.
طرق على سطح مكتبه بقوة وعنف بعدما استوعب جيدًا. الآن بدأت تتضح الرؤية تدريجيًّا:
- دي مصيبة يا تهاني مصيبة وحلت على البنت المسكينة دي، أنت فاهمة معنى اللي بتقوليه ده إيه؟
صاحت به تهاني لتقول بجدية:
- أيوه فاهمة، أنا قعدت مع نفسي وفكرت بالطريقة اللي راحت فيها فريدة الاختلاف مش كبير، على الرغم إني مصدومة ولغاية دلوقتي مش مستوعبة اللي حصل، بس هروب سلمى أنقذها من أبوها.
جلس ووضع رأسه بين يديه بصدمة وعدم تصديق ليقول:
- ياااااا يا هاشم، ده إحنا صحاب من زمان أوي، عمري ما كنت أتصور أن تفكيرك يوصل لكده، ده معندوش تفكير أصلًا، والعمل يا تهاني؟
تنهدت تهاني بحزن شديد للغاية، حزينة ومتألمة على تلك المسكينة التي لا ذنب لها من تصرفات أبيها ومن زوجها والكارثة التي حلت عليه بعدما علم بأمر المكيدة التي كادت أن تنصب. فربتت على يديه وهي تقول:
- نقول أن الفرح اتأجل، اخترع أي حجة يا محمود مش لازم حد يعرف أن سلمى هربت لغاية ما نلاقيها ونشوف حل في اللي حصل، وربنا يستر.
نظر لها وكأن شرارة أمل فتحت أمام عينيه، كان لديه حق عندما قرر العودة إلى المنزل والتحدث مع زوجته، فهي تسانده في كل ما يحتمل ولا يحتمل:
- عندك حق، هي فكرة كويسة بس يا ترى حجة إيه دي تتقال تحجب الكارثة دي، المهم أنا لازم أرجع على الشركة حالًا عشان نشوف حل مكنش ينفع أشرحلك في التليفون، أشوفك بليل.
ودعته تهاني بابتسامة حزينة وهي تقول:
- ماشي يا حبيبي، ربنا يستر.
خرج محمود واستقل سيارته سريعًا وعاد إلى الشركة.
*******************
بعد ذهابه قرابة عشر دقائق وصل إيهاب الفيلا وطلب من الخادم إبلاغ السيدة تهاني بوجوده. رحل الخادم وجاءت تهاني التي يبدو عليها الحزن الشديد، شعور مغاير ومعاكس في تلك المناسبة السعيدة، زواج ابنها على الرغم من الطريقة ذاتها.
تنهد إيهاب ليقول باسمًا:
- إزيك يا طنط، طارق فوق؟
ردت تهاني ساهمة والحزن كسى وجهها:
- الحمد لله يا ابني، لا مش هنا اتصل بيه شوفه فين هو دلوقتي محتاجك.
تبدلت تلك البسمة الصغيرة التي كانت تزين محياه إلى جهوم وقلق ارتسم على وجهه، كان من المفترض عودته إلى هنا فإلى أين ذهب يا ترى؟ بالإضافة إلى نبرة صوت تهاني وهي تتلفظ تلك الجملة كرجاء له، دبت القلق في قلبه. فصاح بقلق:
- خير اللي حصل؟
زفرت تهاني بقوة وهي تقول بنفاذ صبر:
- مفياش طاقة للكلام يا إيهاب، كلم صاحبك وهتفهم منه اللي حصل، عن إذنك محتاجة أطلع أستريح شوية.
رد سريعًا:
- اتفضلي يا طنط.
*******************
لم يفهم شيئًا ولكن من الواضح بأنه قد حدث شيء كبير. خرج مسرعًا واستقل سيارته وقاد بعقل منشغل للغاية، أثناء ذلك قام بالاتصال بطارق عدة مرات ولكنه لا يجيب الهاتف مغلق أو غير متاح. حاول قرابة عشرين مرة وكانت نفس النتيجة، فزاد قلقه عليه فلم يعد مطمئنًا على الإطلاق. أخيرًا بعد محاولة سمع رنين الهاتف فهدأ خفقان قلبه قليلًا إلى أن جاءه صوت طارق فصاح به بقلق وغضب:
- أنت فين يا بني آدم أنت قافل فونك ليه؟ شوف رنيت عليك كام مرة، اللي حصل كلام مامتك مطمنيش أبدًا، ومروحتش على البيت ليه زي ما اتفقنا؟
الصدمة التي تعرض لها طارق وصموده في انفعالاته نوعًا ما جعلته يصيح به بشدة وغضب:
- إيهاب بقولك إيه مش ناقصك دلوقتي وفيا اللي مكفيني، كلمة زيادة وهتزعل بجد مني.
شعر بالقلق وحالته العصبية توحي بوجود كارثة قد حدثت بالفعل، حاول تهدئة روعه قليلًا حتى يستطيع الفهم. تنهد بعمق وأردف بلهفة وهدوء:
- خلاص خلاص اهدى، أنت فين دلوقتي؟
زفر طارق بعمق وشدة وهو يستغفر ربه، وحاول الرد بهدوء نوعًا ما:
- مش عارف، بلف بالعربية وخلاص ومخنوق.
أردف إيهاب سريعًا:
- طيب نتقابل في الكافيه بتاعنا، ربع ساعة وهكون عندك يلا سلام.
أنهى المكالمة وزاد سرعته إلى وجهته.
وصل إيهاب وبعد عشر دقائق حضر طارق. أخذ يتجول بعينيه بين الجالسين عنه حتى لمحه إيهاب ولوح له بيديه. ذهب إليه وجلس قباله في هدوء، كسر إيهاب هذا الصمت الذي دام قرابة خمس دقائق، تنهد وقال باهتمام وقلق:
- ممكن أفهم مالك؟ اللي حصل؟
شكل فيه مصيبة، اهدى كده ومن غير نرفزة وعصبية.
زفر بشدة ثم قال بمنتهى الهدوء:
- مفيش فرح يا إيهاب.
رفع إحدى حاجبيه بدهشة وقال بعدم فهم:
- نعم!! هو إيه اللي مفيش فرح؟
صاح به طارق بضيق:
- زي ما سمعت كده مفيش فرح.. سلمى هربت يا إيهاب فاهم يعني إيه هربت؟! ومن غير رغي كتير عشان أنا مش حمل حكاوي معرفش راحت فين ولا إيه اللي حصل.. فجأة نور بتعمل مكالمة دخلت ملقتهاش موجودة فص ملح وداب.. كلمتها مليون مرة قافلة فونها ومحدش عارف يوصلها.. وأنا هتجنن معرفش ليه عملت كده في يوم زي ده.
اتسعت عين إيهاب بشدة من الصدمة ولا يعرف ماذا يقول. لا يستطيع تصديق ما سمعه للتو، إنها حقًا كارثة وحلت عليهم جميعًا، ماذا يقولون للمدعوين الحاضرين مساءً.. أو ما هو رد فعل الشركة صاحبة الشرط؟
فرد بحيرة وهو عاجز عن الكلام:
- يا نهار زي بعضه أنا مش عارف أقول إيه بصراحة.. وهتعمل إيه في المصيبة دي؟
رد بهدوء وشرود:
- محتار ومش عارف أفكر.. كل اللي شاغلني هو سلمى بعيدًا عن أي حاجة ممكن تحصل.. معرفش هي فين دلوقتي ولا بتعمل إيه.. وهروبها ده لوي دراع ولا إيه بالظبط وده اللي مجنني بزيادة.. مبقتش فاهم أي حاجة خالص.
قال إيهاب بعد تفكير:
- تعرف إن ده كويس ومش كويس.
نظر له طارق بعدم فهم وهو يقول:
- إزاي يعني مش فاهم؟
أردف إيهاب قائلًا:
- يعني كويس بهروبها ده إنك كده مش هتدبس في الجوازة دي وكل حاجة اتفركشت.. ومش كويس لأن هتحصل مشاكل كتيرة على عدم جوازكوا.. والشركة دي باينها مش سهلة.
تنهد طارق وهو يفكر في حديث إيهاب، معه حق فيما يقول.. ولكنه لا يعرف لماذا لا يشعر بالفرح والسعادة من انتهاء تلك الزيجة كما قال، وفي الوقت ذاته شديد القلق على موقف الشركة بعدما حدث.
ظلوا يتحدثون كثيرًا وهم يناقشون الوضع الحالي من جميع الجهات والوصول إلى حل مناسب.. ولكن طارق كان يفكر بها بين الحين والآخر ونسى تمامًا سارة.. التي بنفس اللحظة قامت بالاتصال به، فلم يكن على استعداد لدخول مناقشة معها في هذا الوقت تحديدًا وهو بهذه الحالة، نعم اشتاق إليها قليلًا ولكن تتصل في وقت غير مناسب كالعادة.. وإن لم يرد عليها الآن سيواجه مشاحناتها وغضبها وعتابها المستمر له، فحسم القرار وقام بالرد:
- ألو.. وحشتيني.
كانت سارة على استعداد الشجار معه ولكن عندما سمعت رقة صوته وعذوبيته تراجعت سريعًا.. فردت بحزن مصطنع به نوعًا من الدلال:
- يا سلام هو أنت لسه فاكر تسأل فيا.. شوف أنا كلمتك أمتى.
ابتسم طارق وهو يقول:
- حقك عليا انشغلت جدًا وجاتلي مكالمة مهمة جدًا من نور وبعدها نسيت نفسي أنا شخصيًا.
ردت سارة متسرعة وقالت بثقة:
- أه بالحق قلبي عندك يا حبيبي.
قال بعدم فهم:
- تقصدي إيه؟
ردت بنفس التسرع:
- مش سلمى هربت؟
قضب جبينه وقال بشك وقلق:
- عرفتي إزاي ومين قالك؟
شعر بالملل ألم تستطع السيطرة على دموعها بعد ما سمعته من أخيها، كانت تود أن تخرج وتقول له أنا هنا وتركض نحوه وتحتضنه وتبكي في صدره ولكنها لم تستطع.. قدماها كانت متخشبة في الأرض ولا تستطيع الحراك، ما يصعب عليها كل هذا الأمر هو شقيقها التي تعلم بأنه يتألم مثلها ولها.. بأنه قلق عليها للغاية وسوف يعود ببحثه عنها في كل مكان، يا لو تستطع أن تمنع شقائه.. تتمنى أن ترتمي في صدره وتبكي بشدة وتطرد كل ما بداخلها من قهر وألم وعذاب.. لكن لا يجب أن لا تستسلم بعد كل ما وصلت إليه، يجب أن يدركوا جميعًا بأنها ليست سلعة تباع وتشترى وخاصة أبيها.. يجب أن يشعر بها وبمعاناتها ولكن هي تدرك مهما قالت ومهما فعلت لن يغير من قراره شيء، فهذه هي الفرصة الوحيدة لرد اعتبارها وحريتها من جديد، التي سلبت منذ سنوات.
بعد أن ودعت يوسف جلست على الأريكة تفكر في الحديث الذي دار بينهم وحال ابن أخيها.. اقتربت منها سلمى وجلست بجوارها تبكي في صمت وهي تنظر لها نظرة رجاء تستنجد بها، شعرت بها سميحة فجذبتها إليها وضمتها إلى صدرها فانهارت بالبكاء، ربتت سميحة على ظهرها بعطف وحنان فتمسكت بها سلمى بشدة وهي تحتضنها كأنها لا تريد الابتعاد عنها أبدًا.. هنا وجدت الأمان والحنان بعد وفاة فريدة.
تنهدت بعمق وحيرة وهي تقول:
- وبعدين يا سلمى يا بنتي.. هتفضلي على الحال ده كتير؟
مسحت دموعها وهي تقول بجدية:
- وأنا في أيديا إيه أعمله ومعملتوش.. (ابتعدت عنها وهي تقول) لو مضايقك وجودي هنا أنا ممكن أقعد في أوتيل لحد ما ربنا يفرجها.
حزنت سميحة وهي تقول معاتبة:
- بقى كده يا سلمى.. ده كلام يتقال؟! لو مشالتكيش الأرض تشيلك رموش عينيا.
ابتسمت سلمى وقبلت جبينها وهي تقول بحب:
- متحرمش منك يا رب.. أنت اللي بقيالي بعد ماما ويوسف.
تنهدت بحزن عندما تذكرت الحوار الدائر بينهم:
- يوسف هيموت من الخوف والقلق عليكِ يا سلمى.. قلبي وجعني على منظره.. متتخيليش شكله كان عامل إزاي.
أردفت سلمى بحزن:
- أنا كمان يا عمتو والله ومش عارفة أعمل إيه ولا عارفة أنا عملت كده إزاي.. حاجة جوايا خلتني أهرب.. حاجة بتقولي أنتِ مستنية إيه؟ تبقي أسيرة للمرة التانية.. لما رتبت أولوياتي حسيت أن أنا بضيع نفسي وعمري ومفيش تقدير للشخص اللي هعيش معاه ولا حب حتى.. مكنش عندي حل إلا كده للأسف ومش عارفة آخرة اللي أنا فيه ده إيه.
تنهدت بحزن وحيرة:
- بس أنا مش معاكِ في اللي أنتِ عملتيه ده.. تسيبي بيتك وتهربي في يوم فرحك!!
نظرت لها سلمى بغضب وصاحت:
- أومال كنت عايزاني أعمل إيه.. أتجوز واحد ولا بطيقه ولا بيطقني ومفيش تفاهم بينا.. أنا عارفة إني غلطانة ومعترفة بيه بس غصب عني.. كنت حاسّة إني متنومة مغناطيسي وحاجة بتتحكم فيا.. ثم أنا مخترتوش ده اتفرض عليا جبر عشان شرط الشركة المتخلفة اللي متعاقدين معاها.
زفرت بغضب ثم قالت بضيق شديد:
- أقول إيه بس يا ربي... ربنا يهدي أبوكِ اللي شيطان راكبه ده... مش عايز يفهم أن الفلوس مش كل حاجة.. في حاجات لما بنروح مبتتعوضش ولو بكنوز الدنيا دي كلها.. إنما العمل عمل ربنا يا بنتي مفيش في أيدينا غير إننا ندعيله بالهداية.
زفرت سلمى بحزن شديد وقلبها يعتصر من الألم:
- يا رب يا عمتو يسمع منك.. يا رب.
دقائق من حديثهم وسمعا صوت فتح الباب.. ليدخل شاب في منتصف العشرينات زادت وسامته في ذلك الزي الأبيض.. اقترب منهن دون معرفة من بالداخل مع والدته.. رفع عيناه وجدها أمامه فاندهش بشدة لرؤيتها، اتسعت عيناها بدهشة عن رؤيته هي الأخرى وقالت بدهشة وفزع:
- أمير!!
نهضت منتفضة عند رؤيته أمامها وقلبها يدق بشدة وسرعة عالية.. تنظر لعيناه البنيتان بترقب وقلق، ترتجف بداخلها وتحاول أن تتصنع الجمود والصلابة من الخارج بقدر من الإمكان، ولكن قسمات وجهها وعيناها بالتحديد تخونها بنفس سرعة دقات قلبها.. ظلت مكانها جامدة ولم تتفوه بكلمة.
لم ينكر بأنه شعر بالفرحة في قلبه عند رؤيتها بالإضافة إلى الدهشة وتساؤلات كثيرة لا يوجد لها إجابة سوى لديها.. فنظرة عيناها له تقول لا تقول رجاء لا تفعل.. بها خوف وارتباك، هل انكشف أمرها أمامه بعد وجاء لأخذها؟ بهذه السهولة أدركوا مكانها؟ قطع الصمت صوت أمير وهو يقول بهدوء وشرود:
- ازيك يا سلمى؟
ابتلعت غصتها بصعوبة وردت بتوتر ملحوظ:
- الحمد لله.. أخبارك أنت يا أمير؟
نظر لها بتركيز شديد أزاد ارتباكها ثم قال بنبرة يشوبها الشك:
- الحمد لله ماشي الحال.. أنتِ بتعملي إيه هنا؟!
اتسعت عيناها بشدة بخوف وارتباك شديد هي وسميحة التي أمسكت يدها المرتعشة لكي تطمئنها، ثم نظرت إلى أمير لتقول بعتاب:
- أنت اتجننت يا أمير!! إزاي تقول لبنت خالك كده.. بتطردها عيني عينك كده؟!
توترت سلمى ونظرت إلى سميحة ثم أمير الذي شعر بالأسف والحزن من ضيق والدته، فلم يقصد أي شيء مما خطر على بالها أو ما تفوهت به للتو.. فأردف سريعًا كي يصحح الوضع:
- لا لا أبدًا يا أمي مش اللي في دماغك خالص.. هي حصلت أطرد سلمى من البيت.. أنا بس استغربت وجودها هنا مش أكتر.
هدأ روع سلمى نوعًا ما لشيء ما بداخلها ووقفت تترقب نظرات وكلام أمير في حذر وقلبها يزداد علو وهبوط.. فردت سميحة بشدة وثبات:
- مش مسموحلها تزور عمتها ولا إيه؟
رد أمير بعدم فهم:
- لا طبعًا تنور البيت في أي وقت.. بس مش النهارده فرحها ولا إيه.. المفروض بتلبس وتجهز.. كده يعني!!
توترت سلمى وارتبكت نظرت إلى عمتها سريعًا وركضت إلى الداخل وهي تكتم أنين بكائها.
اندهش أمير من رد فعلها للغاية فلم يعد يفهم أي شيء.. نظر إلى سميحة ليقول بعدم فهم:
- هو في إيه يا أمي.. هي مالها؟ أنا مش فاهم حاجة.
توترت سميحة بشدة ولا تعرف ماذا تقول.. فردت سريعًا:
- تعالى أقعد بس الأول.
جلس أمير بجانبها وهو ينظر إليها باهتمام وهو يراقب انفعالاتها جيدًا ويشعر بوجود شيء ما خفي عنهم ليقول:
- خير يا أمي قلقتيني.. في إيه؟
فركت يدها وهي تقول بتوتر:
- هو في حد بعتك؟
قضب جبينه بدهشة ونظر لها يفكر ليقول بعدم فهم:
- نعم!! حد باعتني.. حد مين وباعتني ليه؟!
زفرت سميحة براحة وطمأنينة عندما تأكدت من الشيء الذي سبب لها القلق والارتباك.. فتبدلت حالتها وقالت بهدوء وراحة يشوبه الارتباك من نظراته المتفحصة لها التي اعتادت عليها، يفهم ما تخفيه ويشعر بها فهو ضابط شرطة:
- ولا حاجة.. ولا حاجة يا حبيبي أنا هقوم أشوف سلمى.
قالتها وهي تنهض وكادت أن تتحرك إلا أن أمير أمسك معصمها ليقول بحدة وجدية:
- مش هتمشي من هنا غير لما أفهم في إيه.. وسلمى بتعمل إيه هنا في يوم زي ده مش المفروض إنها هتتجوز النهارده!!
صمتت سميحة بقلق وهي تفرك بيدها بشدة وارتباك شديد والدموع متحجرة في عيناها.. حتى قطع الصمت وهو يصيح بها بغضب:
- ما تردي عليا يا أمي مخبية عليا إيه!!
لا تعرف من أين تبدأ.. التردد يسيطر عليها ولكن حسمت الأمر وقررت مصارحته لتقول سريعًا:
- سلمى هربت يا أمير.. مفيش فرح ولما شافتك راجع في الوقت ده افتكرت أنك عرفت وكلموك عشان تدور عليها وترجعها.. فهمت بقى سلمى ليه هنا؟
جلس والذهول يسيطر على وجهه، لا يصدق الكلام الذي تتحدث عنه والدته..
فقال باهتمام وجدية:
- ليه يا أمي اللي حصل خلاها تعمل كده؟ سلمى طول عمرها بنت عاقلة.
تنهدت سميحة بحزن شديد وقالت:
- والله يا ابني مش عارفة أقولك إيه.. على الرغم إني ضد اللي عملته ده بس تصرفات أبوها هي اللي وصلتها لكده غصب عنها.. هي رافضة الجوازة دي من البداية.
قضب جبينه وقال:
- ليه هي مش بتحب عاصم؟ دول مخطوبين بقالهم تلات سنين.
أجابت سميحة سريعًا:
- هي مش هتتجوز عاصم أساسًا.
قضب جبينه أكثر وأردف بعدم فهم:
- نعم! أومال هتتجوز مين؟
ردت بحزن:
- طارق الإبياري.
صاح أمير بتعجب وهو يرفع حاجبه مستنكرًا:
- هو أنا أخلص من عاصم يطلعلي طارق.. ومين ده كمان؟!
قصت سميحة له كل ما حدث وكيف سلمى وطارق تعرفا على بعضهما البعض والصفقة التي تمت على حسابهم.
يستمع أمير حكي أمه بعد تصديق أو استيعاب.. كيف تحملت سلمى أن تكون لرجلان دون إرادة منها أو اختيار؟ ما كان رد فعلها يا ترى عندما وضعت تحت طائلة هذه المقارنة؟ لا يصدق بأن من فعل هذا بابنته هو خاله.. لماذا وكيف طاوع قلبه على تلك الفعلة ولأجل من؟!
أمسك رأسه بألم بين يديه وهو يفكر في هذا الحكي العجيب، مقدرًا تمامًا الحالة التي تبدو عليها سلمى، ولكن ليس معها في شأن هروبها. رفع رأسه وهو ينظر لسميحة ويقول بانفعال وغضب:
- أنا مش قادر أصدق اللي بتقوليه ده.. معقولة خالي يوصل بيه الدرجة ويتاجر ببنته!! هي صفقة ولا إيه.. وفين يوسف في ده كله ما اتحركش ليه.. حسابه معايا بعدين أنا هكلمه.
نهض أمير وقام بإخراج هاتفه من بنطاله، انتفضت سميحة في ذعر وقلق سريعًا قبل أن يقوم بالاتصال بلهفة شديدة:
- سايق عليك النبي يا أمير ما تكلمه.. ده اللي كانت سلمى خايفة منه إنه يحصل.. كان هنا من شوية وبيسأل عليها.. يوسف ملوش ذنب يا حبيبي ياما اتكلم مع أبوه ووقف في وشه لكن أنت عارف خالك مادام حط حاجة في دماغه يلا السلامة ومش هيسمع لحد أبدًا.. استهدى بالله واقعد.
جلسا معًا ومسح على شعره وهو يحاول أن يزن انفعالاته ليقول بضيق ونفاذ صبر:
- أستغفر الله العظيم.. لا حول ولا قوة إلا بالله.. هو إيه اللي بيحصل ده.. كانت تقول لي يا أمي وأنا أحاول أتصرف.. وبعدين إيه العمل دلوقتي؟
تنهدت سميحة وقالت بحزن وقلة حيلة:
- العلم عند الله يا ابني.. سلمى صعبانة عليا أوي تلاقيها منين ولا منين.. زمانهم دلوقتي قالبين الدنيا عليها ومش هيسكتوا إلا لما يلاقوها وهي مستحيل ترجع.
تنهد أمير ونظر إلى سميحة ليتساءل بحذر:
- هي ما بتحبش طارق؟
ردت بضيق:
- ولا بتطيقه.. على طول في خناق ومشاكل.
شعر أمير براحة نوعًا ما ثم قال وهو ينهض:
- طيب يا أمي أنا هدخل أستريح شوية عشان نازل تاني.. حضري لي لقمة أكلها قبل ما أنزل وأفكر نشوف نعمل إيه في المشكلة دي.
نهضت سميحة وهي تربت على منكبه باسمة:
- ماشي يا حبيبي.. ربنا يسهل لك الحال إن شاء الله.
********************
أثناء ذلك الوقت كانت سلمى تجلس في إحدى الغرف تسير ذهابًا وإيابًا في خوف وتوتر شديد للغاية وهي تفرك في يداها بعصبية.. تبكي بصمت وهي تفكر بأشياء كثيرة يمكن أن تحدث وتخشى من رد فعل أمير كثيرًا ولا تعرف ماذا تفعل إذا كان قد جاء في هذا التوقيت لها أو إذا علم وقرر رجوعها.. إنها كارثة بالفعل ولا تعرف ماذا تفعل.
بين الحين والآخر كانت تذهب عند الباب لتستمع لما يقولون لعلها تفهم شيئًا أو تعرف ما ينوي عليه أمر.
في إحدى المرات سمعته ينوي بالاتصال بيوسف.. فاتسعت عيناها بخوف وقلق، تخشى بأنه لن يصمت بكل تأكيد وإن لم يتصل بيوسف فبالتأكيد سوف يذهب لأبيها وبالتالي سيخبره بمكانها.. ومرة أخرى وهو ذاهب إلى غرفته كي يستريح ثم يعود مرة أخرى لعمله ليجد حل في هذه الكارثة.. ماذا يحدث يا ترى وما الذي يفكر فيه أمير بالضبط.. إنها لكارثة حقًا إن عزم على ذلك.. يجب أن تتصرف يجب أن تجد حل.
ظلت تسير ذهابًا وإيابًا ثم وقفت بعدما خاطرت لها فكرة ونظرت للفراغ بشرود تام.
*********************
تفاجأ طارق بشدة من كلام سارة بشأن هروبها.. لم يتداول الخبر بهذه السرعة كي يأتي إلى مسامعها وتعرف بهذه السرعة الكبيرة لها، لأنها لا شأن لها بعلاقته بسلمى ولا زواجه منها.. ولا أحد يعرف سوى والده وهاشم ونور ويوسف فقط لا غير.. من أين لها المعرفة إذًا؟!
أنابه الشك وقال سريعًا:
- عرفتي إزاي ومين قال لك يا سارة؟
توترت سارة وأدركت بأنها وضعت نفسها في مأزق.. فردت بتوتر كبير:
- عادي يعني يا طارق هي دي حاجة تستخبى.. شركاتكوا كبيرة ومعروفة فحاجة زي دي هتتعرف بسهولة مثلًا يعني.
لم يقتنع طارق بمبررها على الإطلاق، لإنه بكل بساطة غير منطقي.. بالإضافة إلى نبرة صوتها المرتعشة والقلقة تبين عكس ما تحاول أن تظهره من ثقة.. فصاح بها بحدة وجدية:
- كلامك مش منطقي يا سارة الموضوع ده حصل من كام ساعة بس ومحدش يعرفه غيرنا.. لحق ينتشر ويوصل لك أنت بالتحديد.. ليه؟!
ابتلعت غصتها بصعوبة شديدة ولا تعرف ماذا تقول.. فكرت سريعًا ثم بررت قائلة وهي متلعثمة:
- إيهاب.. إيهاب هو اللي قال لي.
قضب حاجبيه بشدة وهو ينظر إلى إيهاب ليقول بغرابة:
- إيهاب!! وإيهاب هيعرف منين حاجة زي دي وهو معايا من الصبح.
شعرت سارة بأنها يمكنها اللعب من هذه الزاوية وتحاول إقناعه بهذه الفكرة.. فردت بخبث:
- شوف أنت بقى عرف منين.. يمكن هي مثلًا!!
شعر طارق بإحساس غريب من لهجتها في الحديث، فلم يسترح لها على الإطلاق فأردف بحدة وجدية:
- شوفي يا سارة ما تعمليش حاجة وتلبسيها في غيرك تمام.. لإني اللي متأكد منه إن إيهاب ملوش علاقة بسلمى وعمره ما شافها غير مرة.. ولما تبقي تقولي عرفتي منين يبقى ساعتها هرد عليك.. سلام.
نعم وبكل تأكيد سمع إيهاب تلك المكالمة التي دارت بين طارق وسارة وأدرك أن المشادة بينهم لها علاقة بها.. لم يتصور أن تتهمه سارة بأنه له علاقة بسلمى والسبب وراء هروبها، ماذا فعل كي تتهمه بالباطل بهذا الشكل؟ لهذه الدرجة كان منخدع بها؟!
تجهم وجهه للفزع والدهشة وهو يفكر في نتائج تلك المكالمة.. ما تفكير طارق فيما قالت له سارة؟ اطمأن من رده ودفاعه عنه ولكنه قلق في ذات الوقت.
بعد إنهاء المكالمة عم الصمت عليهم بشكل غريب وكل منهم يفكر بحيرة كبيرة بداخلهم.. قطع الصمت إيهاب، يجب أن يقوم بسؤاله كي يستريح من داخله:
- أنت بجد مصدق الكلام اللي قالته سارة ده؟
التفت إليه طارق فجأة وهو يرفع إحدى حاجبيه مستنكرًا لما يقول:
- أنت اتجننت يا إيهاب ولا إيه... سمعت كويس أنا قلت إيه.
رد إيهاب بضيق مبررًا:
- أيوه بس اللي خلاها تتهمني اتهام زي ده.. لا اتجننت رسمي.
طارق بتفكير أردف قائلًا:
- مش عارف.. ردها مش مريحني ولا أعرف خبر زي ده وصلها إزاي.. ما كانش موجود في المكتب غير أنا وأبويا أستاذ محمود ونور ويوسف هما اللي بلغوها الخبر.. ما أعتقدش حد منهم له علاقة معاها خاصة نور لإني عارف إنها مش بتطيقها.
إيهاب بتعجب:
- أومال تفتكر عرفت منين؟
رد طارق بتفكير:
- مش عارف وده اللي هحاول أوصله.. بس أوصل لسلمى الأول وأشوف آخرة المصيبة دي إيه.
حاول الاتصال بها هذه المرة لعلها تستجيب ولكن الهاتف ما زال مغلق أو غير متاح.. يشعر بالغيظ الشديد من ذلك الموقف السخيف الذي وضعته فيه سلمى، ليس هو فقط بل الجميع.
********************
أنهت سارة المكالمة بوجه مجهوم.. خائفة، تشعر بأن طارق شك بأمرها فهو على حق والحجة التي تم اختراعها لم تجد نفعًا ولم تخيل عليه.. فسوف يؤثر ذلك على علاقتها به ولا تعرف كيف تقول له الحقيقة.
نظرت إلى عاصم بغضب وهي تصيح به:
- عجبك كده!!
رد بتهكم وبرود:
- وأنا مالي هو أنا اللي قلت لك تنسحبي من لسانك وتتكلمي عن سلمى ولا تلبسي التهمة في صاحبه؟!
نظرت له بغضب شديد لتقول:
- بقى أنا اللي غلطانة بعد كل ده يا عاصم!! كنت عايزة أطمن عليه وأعرف اللي حصل.
ضحك وقال ساخرًا:
- لا حنينة يا أختي.. قلبك عليه أوي.
نظرت له بغيظ أشد وهي تصيح بانزعاج:
- طبعًا يا حبيبي ما إيديك في الماية الباردة لو الشركة خسرت بح.. ثم تعالى هنا مش شركتكوا بردو هتضر من اللي حصل ولا ده مش في حساباتك أصلًا.
نظر لها وقال ببرود وثقة:
- سلمى لازم تظهر وتتجوز طارق.
صاحت به بل انفجرت كالصاروخ لتقول غاضبة:
- أنت بتقول إيه أنا ما صدقت الجوازة فركشت من عندها تقول لي يتجوزوا!!
ضحك بشدة على انفعالها وقال بغرور:
- يا هبلة كل ده لمصلحتك.. أنا عايز سلمى والشركة وأنت عايزة طارق.. أنا هقول لك الخطة ماشية إزاي.. شوفي يا ستي..
******************
إلى أين يمكن أن تذهب يا ترى بعدما بحث عند عمته ولم يجدها؟ بالتأكيد شعرت بأنها من الممكن العثور عليها بكل بساطة والتفتيش عنها لديها.
لا يستطيع أن يبحث عنها عند بقية أقاربه نعم لا يستطيع، فالسيدة سميحة تعتبر أقرب ما لديهم وتزورها سلمى باستمرار حتى قبل وفاة السيدة فريدة.. فليست بالغباء أن تذهب إلى شخص آخر يصون وجودها في يوم مثل هذا.
بحث كثيرًا في كثير من المستشفيات لعل يجدها، بحث عنها في أي مكان كانت تتردد فيه، لم يوجد لديها أي صديقة يمكن الذهاب إليها في هذا الموقف سوى نور.. عقله شت فذهب إلى النادي فهو جنون يعرف ذلك.. ولكنه لم يجدها أيضًا..
وهنا أخيرًا رد على الهاتف بعد تفعيله بوضعية الصامت.
إنها نور، هي بالفعل نور الذي أضاء له الطريق لإنه لم ينس لها بعد ما فعلته وهي بالمشفى، يقدر لها ذلك كثيرًا.. أخبرها بمكانه وهي كانت على مقربة منه فلم تستغرق سوى عشر دقائق حتى وصلت إليه.. فمن القلق صاحت به أول ما رأته يجلس على إحدى الطاولات يفكر وشريد للغاية، وهي تقترب منه مندفعة لتقول:
- ممكن أفهم ما بتردش عليا ليه؟ واختفيت فجأة ليه؟ هو أنا ناقصة يا يوسف.
نظر لها بعدما تفاجأ بانفعالها وقدر رد فعلها وهو يشعر بالآسف نحوها.. فقال لها بهدوء وهو يشير لها على المقعد أمامه:
- طيب اقعدي الأول بس ارتاحي.
نظرت له بغرابة على هدوئه وبروده لتقول وهي ترفع أحد حاجبيها متعجبة:
- أقعد! أقعد إيه في اللي احنا فيه ده.. ثم إيه البرود ده!!
تنهد ثم اندفع بصدره إلى الأمام ليقول بضيق:
- عايزاني أعمل إيه يا نور أنا من ساعتها هايج ومش على بعضي وعصبي لأقصى درجة ولفيت كل المستشفيات ورحت لعمتي لعل ألاقيها هناك ومفيش فايدة بردو..
وما صدقت هديت عشان أعرف أفكر بهدوء تقومي تيجي وتقولي لي برود!
شعرت بأنها ثقلت عليه حقًا، وهو محمل بالمتاعب، فليس من الوقت عتابه وهو بهذه الحالة. تنهدت بقوة وجلست أمامه على الطاولة وأردفت بحزن وأسف:
- طيب خلاص اهدأ.
صاح بغضب وهو ينظر إليها بتعجب:
- أهدأ! ما أنا كنت هادي من شوية مش عاجب وقولتي بارد، اتعصبت بردو مش عاجب.
على الرغم مما يحدث حولهم، فلم تحتمل نور شكله وهو في هذه الحالة بعدما أثارت غضبه دون أن تقصد، فضحكت دون إرادة منها. ضحكت بشدة، تعجب يوسف كثيرًا حقًا من رد فعلها، ولكنه لأول مرة يراها جميلة هكذا وهي تضحك، لأول مرة يقرب منها بشدة ويراها بهذا الشكل، شعر بخفقان قلبه وابتسم رغمًا عنه على شكلها وروحها الطفوليين. فعقد ذراعه وانتظرها حتى تنتهي، شعرت بأنها مراقبة من قبل نظراته فسكتت على الفور بخجل وهي تنظر إلى الأرض في حياء منه.
- سوري بجد مقدرتش أمسك نفسي بصراحة، خلاص بقى.
ضحك يوسف فقال بمرح:
- طيب اقعدي ساكتة خلينا نفكر هتكون راحت فين.
ثم أردف بجدية:
- ما سيبتش حتة إلا لما دورت عليها، هتكون راحت فين يا ربي.
تنهدت بحزن وقالت:
- إن شاء الله نلاقيها قريب، خليك وراها أهم حاجة لحد ما ترد.
تنهد ثم نظر لها بهدوء:
- يلا تعالي أوصلك.
نظرت له بتعجب وقالت معترضة:
- لا يا يوسف أنا هفضل معاك لحد ما نلاقيها.
أردف بضيق:
- لا طبعًا، أنت من الصبح بتشتغلي وغير اللي حصل بوظ لك أعصابك ومحتاجة تريحي شوية. ثم هتدوري فين يا نور دلوقتي؟ روحي بس وأنا هتصرف، لو في أي جديد هكلمك.
لم يطاوعها قلبها أن تتركه وحده في هذه المحنة، ولكنه محق لا يوجد مكان تبحث فيه عنها. استسلمت وقالت:
- عندك حق، بس بالله عليك أي جديد ما تتأخرش عليا وإلا أنا أعصابي باظت.
أردف لها بطمأنينة:
- حاضر والله ما تقلقيش.
قالت نور بتوتر:
- طيب هتعمل إيه دلوقتي؟
تنهد بتفكير ثم قال:
- في حاجة في دماغي هعملها قبل ما أروح وهبقى أقولك عليها. يلا بينا.
اصطحبها يوسف إلى سيارتها واستقل هو سيارته وذهب كل منهم في سبيله والحزن والحيرة تملأ قلوبهم وتكسو وجوههم.
******************
وصلت نور إلى الفيلا، دلفت إلى الداخل بإرهاق شديد جدًا، حزينة ومنطوية والدمع متحجر في عينيها تريد البكاء. صعدت إلى غرفتها وبدلت ملابسها سريعًا ثم ألقت بجسدها على الفراش وهي تزفر بشدة، أغلقت عينيها وهي تحاول أن تقنع نفسها بأنها في حلم وسوف تستيقظ منه عما قريب.
خرجت تهاني من الحديقة إلى البهو وسألت أحد الخدم عن الطارق، فأجابها بوصول نور. تنهدت بحزن وصعدت لغرفتها، قرعت على الباب ودخلت عندما سمعت الإذن لها بالدخول.
دخلت تهاني وجلست على فراشها تنظر إليها بحزن ولا تعرف من أين تبدأ. تنهدت وهي تقول:
- حمد الله على سلامتك يا حبيبتي، إيه الأخبار، لقيتوها؟
ردت بهدوء شديد:
- لا يا ماما ما فيش أي جديد، يوسف قلب عليها الدنيا وما لقاهاش، ادعي لنا يا ماما نلاقيها كويسة.
أردفت تهاني بحزن وعتاب:
- بس يصح اللي عملته صاحبتك ده يا نور!
اعتدلت نور في جلستها وهي تقول مدافعة:
- لا طبعًا مش عاجبني اللي عملته، بس اللي حصل حصل ومحدش كان يتوقع إنها ممكن تعمل كده. بس نلاقيها الأول والعتاب يكون بعدين. أنا ضد الجوازة دي من الأول غصب، لو كان برضاهم كان أحسن وحضرتك عارفة إن طارق ما بيحبش سلمى ولا هي كمان بتحبه وعلى طول في خناق. ابنك بيحب سارة ومرتبط بيها حتى دلوقتي بيكلمها، ويمكن يكون حاسس بالراحة شوية عشان الجوازة دي هتتفشكل والله أعلم بقى. وعلى فكرة أنا مش بدافع عن سلمى وكفاية بقى اللي هي فيه.
تنهدت بحزن وضيق وهي تقول:
- ما بحبش أدعي على حد بس الله يسامحك يا هاشم من اللي بتعمله في عيالك، هما اللي بيدفعوا الثمن في الآخر.
نظرت إلى نور وأكملت:
- أخليهم يحضروا لك الغداء يا حبيبتي؟
التفتت إليها في ضيق وقالت:
- لا ما ليش نفس لأي حاجة، سيبيني أنام لو سمحتي دماغي وجعاني.
قالت تهاني معاتبة:
- يعني هتفضلي من صباحية ربنا كده من غير أكل!
صاحت بها بضيق لتقول:
- يووو بقى يا أمي ما قلت لك مش عايزة أكل، شوية كده هروق وآكل، معلش.
زفرت تهاني بضيق شديد فنهضت وقالت وهي تذهب إلى الباب:
- والله أنت غلبتيني يا نور، تصبحي على خير.
أثناء الحوار الدائر بين تهاني ونور كان طارق يستمع لكل كلمة باهتمام شديد، فبعد حديثه مع إيهاب تركه ومضى في طريقه إلى المنزل، وهو مار إلى غرفته سمع صدفة حوارهما.
اختفى سريعًا من جانب الغرفة ودخل غرفته قبل أن تراه تهاني، وهو يفكر هل هو كذلك وهل حقًا لا يحب سلمى وهي لا تحبه؟ نفى كل هذه التساؤلات التي تدور في مخيلته ويمنع قلبه من التعلق بأوهام، فهو صريح منذ البداية هو لا يحتملها بسبب جفاء أسلوبها معه وطريقتها الحادة التي لا يعرف سببها حتى الآن لما تتعامل معه هكذا، فمن المستحيل أن يرتبط بشخصية مثلها وإن كانوا خارج هذه الصفقة.
********************
ألغى هاشم كل مواعيده وعاد إلى المنزل، لا شعور لديه في الاستمرار في العمل بعد ذلك الخبر المشئوم، ابنته قد هربت وتركت كل شيء، جلبت له العار كما يقول والخبر سوف ينتشر في كل مكان على مسامع الناس وسوف تتأثر شركته بذلك.
ولا يعرف ماذا يفعل عندما تعرف الشركة المقابلة بأن العروس قد هربت ولا يوجد زواج، فتقوم بتزويج سلمى كما مبين بالشرط.
لا يعرف كيف يجبرهم على الاستمرار في هذه الزيجة بعد كل ما حدث، يجب سلمى أن تتزوج طارق بأسرع ما يمكن وإلا النتيجة لن تكون بصالحه. فجأة تذكر فريدة وما حدث لها وهي تلتقط أنفاسها الأخيرة بين يديه، لا يجب أن تكون نهاية ابنته على يديه هي الأخرى لن يتحمل هذا أبدًا.
وصل المنزل وكان يتوقع عدم وجود أي من أبنائه هناك، كان لديه شعور داخلي بأنها في المنزل، سوف يفتح باب غرفتها ويراها بداخلها تستعد للزفاف، شعور مسيطر عليه.
صعد سريعًا وفتح باب الغرفة تفاجأ بوجود يوسف يجلس على فراشها، ممسكًا بين يديه منشفتها وكان يبكي على فقدانها، رفع وجهه ونظر في وجه أبيه بغضب شديد، يوجه إليه نظرات عتاب كثيرة بها ألم وشجن.
عندما وصل إلى المنزل لم يستطع دخول غرفته فاتجه إلى غرفتها، فتحها بهدوء شديد كأنه يخشى أن يوقظها من النوم، شعر بأنها بالداخل ويقوم بإيقاظها وتدليلها كما يفعل كي تستيقظ من النوم، ولكنه وجد الغرفة فارغة، تركت كل شيء في مكانه ورحلت، جلس على فراشها وأمسك بالمنشفة ودفنها على وجهه وأجهش في البكاء، لقد اشتاق إليها حقًا أشد اشتياق، لا يعرف بأنه يحبها لهذا القدر إلى أن فقدها، نظر لجانبه وجد شيئًا لم يلاحظه من قبل، وجد الدبلة الخاصة بها، أمسكها بتعجب وهو يتساءل هل بهذه الصورة تقطع كل صلة بينها وبين طارق؟ لهذه الدرجة تكره هذه الزيجة؟ هل بسبب إجبار والدهما على ذلك أم بسبب آخر؟ قبل الدبلة واحتضنها بشدة ثم وضعها في جيب بنطاله.
نهض يوسف وكان بمواجهة هاشم الذي يتعجب من نظراته له التي تحمل العتاب واللوم والغضب ليقول:
- ها مبسوط دلوقتي يا هاشم بيه؟
صفق ساخرًا:
- برافو بجد عملت اللي أنت عايزه وأدي كانت النتيجة، بنتك هربت يوم فرحها، وليه؟ عشان مجبورة ولأسباب تانية محدش يعرفها غيرها، كده ارتحت، انبسطت؟
صاح به هاشم غاضبًا:
- وبعدين معاك يا يوسف هو أنا فايق لك! مش لما نشوف الكارثة اللي أحنا فيها دي الأول.
نظر له بتعجب ثم صاح بعنف:
- كارثة! هي فعلًا كارثة، بس تقدر تفهمني أي نوع من الكوارث تقصد؟! شركاتك وصفقاتك ولا بنتك اللي ما نعرف لهاش طريق؟ ها رد عليا.
صاح هاشم بعنف هو الآخر:
- ولد! أنت إزاي بتكلم أبوك كده؟ مش بدل ما تروح تدور على أختك وتشوف راحت فين عشان نتصرف في الكارثة والمصيبة اللي وقعتنا فيها دي، جاي بتعاتبني أنا.
اتسعت عيناه دهشة وعدم استيعاب لما يقول، ما حالة البرود التي يبدو عليها بهذا الشكل، بعد كل ما حدث ولا يفكر سوى بالشركة والصفقة ولا يهتم بما حدث لابنته، فانفجر فيه قائلًا:
- أنت إيه يا أخي؟ لولا أني مقدر تعبك وأنك ممكن تقع زي المرات اللي قبل كده كان هيبقى فيه كلام تاني، ما تدورش عليها أنت ليه مش أبوها؟! أها صحيح افتكرت أبوها هههههههه بأمارة ما بتاجر فيها صح، أنا ما سيبتش مكان إلا لما روحته حتى عند عمتي سميحة ما لهاش أثر.
رد بعنف وكأنه لم يتأثر لما قال:
- إيه!! أنت روحت عند سميحة من غير ما تقولي!! يا دي الفضايح.
أردف يوسف بنفس حالة الهياج التي يبدو عليها:
- فضايح إيه اللي بتتكلم عنها؟ أومال هدور عليها فين ولا احنا لينا مين أصلًا؟ أنا عارف أن الكلام مش هيجيب نتيجة معاك، نلاقي سلمى بس ونطمن عليها ومش قاعد لك في البيت ده دقيقة واحدة.
خرج من الغرفة مسرعًا بعدما ارتطم الباب بشدة وهاشم ينادي عليه، استقل سيارته وقاد مسرعًا.
*********************
جهزت سميحة الطعام ودخلت غرفة أمير كي تخبره بأنها انتهت من إعداده، دخلت الغرفة ووجدته ممددًا على فراشه شريدًا في السقف.
تنهدت بحزن وهي تقول:
- يلا يا حبيبي عشان تأكل لك لقمة قبل ما تنزل.
نهض وهو يقول بهدوء:
- مش هتنادي سلمى تأكل هي كمان؟!
ابتسمت من حنية أميرة على ابنة خالها، فهي تعلم بأنها لم يهون ويتركها في هذه الحالة:
- هناديها تأكل، حبة عيني من صباحية ربنا على لحم بطنها، يلا تعالى.
دخلت غرفتها وهي تناديها:
- يلا يا قلب عمتو عشان..
لجم لسانها عندما وجدت الغرفة فارغة، قلقت قليلًا ثم ذهبت إلى الحمام كي تطمئن من وجودها، قرعت أكثر من مرة لا من مجيب، حسمت أمرها وفتحت الباب لا توجد بالداخل، دب الشك في قلبها وركضت في أنحاء الشقة تبحث في كل الغرف فلم تجدها قط، أيقنت ما كانت تخشاه.
فصاحت بأعلى صوت:
- ألحقني يا أمير سلمى اختفت.
رواية صفقة حب الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم شيماء جوهر
بعد خروج تهاني، بدّلت ملابسها وعادت نور لوضعها الأول، لا تستطيع النوم من شدة تفكيرها فيما حدث اليوم من مفاجأة وصدمة كبيرة لها، ولا تحسن التفكير حتى. ما تفكر به في هذه اللحظة هو يوسف.
تمسك الهاتف كل حين تنظر له بلهفة وترقب كأنها تنتظر أن يتصل بها، ولكن لن يفعل، فلما يهاتفها وهو بهذه الحالة وكل تفكيره منصب على شقيقته المفقودة! أو حتى تقوم هي بالاتصال به كي تطمئن عليه.
تفكر بتردد شديد، تريد الاتصال عليه ولكن في كل محاولة تتراجع سريعًا عن قرارها، ولكن ماذا يفعل الآن يا ترى؟ بماذا يفكر وإلى أين ذهب؟ لم تكن تريد تركه وشأنه وهو في هذه الحالة.
ولكن يجب أن لا تزيد الثقل عليه، فيكفي ما به من هموم، لا يجب أن تبالغ باهتمامها أكثر من اللازم وكأنها منصبة عليه هكذا. فكرامتها أهم من كل شيء، لن تتصل به. إذا كان يريدها سيقوم بالاتصال بها، فلن تفعل ذلك، هكذا كان قرارها الأخير.
إلا أنها متعجبة من أمرها حقًا ولا تعرف ماذا أصابها، ولأول مرة تهتم بشخص غريب بهذا الشكل، فهي تشعر بأن هذه الفترة، بداية من دخول سلمى للمشفى باقترابها منه واقترابه منها، وكل يوم يزداد اقترابهما من بعضهما البعض. حتى الألقاب بينهم شبه منعدمة تمامًا. فهي على ثقة كبيرة وتامة بأن يوسف يشعر بما تشعر به تمامًا. حديثه ونظراته وطريقة تعامله معها اختلفت تمامًا عما كان يعاملها من قبل، وأيضًا هي كانت تخجل منه بشدة وأن تنظر في عينيه ومن كلماته الرقيقة التي تشعرها بالخجل. ولا تزال على نفس الوضع باختلاف اعتيادها على الحديث معه، فزال التوتر والإحراج في تعاملها معه قليلًا. فالأحداث الأخيرة جعلتها يقتربان من بعض كثيرًا، نظرًا أن كلاهما على نفس القارب، والحالة التي يمر بها يحتاج من يهوّن عليه قليلًا. ولكن لا، يجب أن تتوقف، يجب أن يعود كل شيء لما كان بعد المرور بسلام من هذا الكابوس.
حاولت بقدر الإمكان أن تزيله من تفكيرها فأغمضت عينيها وحاولت أن تنام.
*****************
بعد أن تركه إيهاب وهو يتسكع بسيارته بلا هدف، يفكر في الأحداث المتداخلة التي حدثت له منذ بداية معرفته بسلمى حتى الآن، أحداث غريبة متداخلة ومشاكل كانت أصعب من أن يتخذ قرارها في وقت ضيق للغاية. وأصبح مجبرًا على الزواج منها ولا يعرف إن كان يحبها أم يحب سارة، التي في الآونة الأخيرة لا تبدو كسارة خطيبته التي يعرفها منذ سنوات على الإطلاق. توجد متغيرات لا تفسير لها حتى الآن ولكن الأكيد بأن كل شيء سوف يكشف ستاره عما قريب. فقرر ألا يتحدث معها إلا عندما تفسر له عن سر معرفتها بهروب سلمى.
قرر الصعود بسرعة قبل أن تراه تهاني وتقوم باستجوابه وهو لا طاقة له للحديث في هذا الموضوع ولا يتحمل نقاشات ومجادلات، لأنه بكل بساطة لا يوجد لديه إجابة على الإطلاق، فهو بضغط نفسي وعصبي شديد ويمكن أن ينفجر في أي لحظة في أي شخص أيًا كان من هو بسبب سلمى، فهو يرى بأنها السبب فيما وصلوا إليه من تعقيدات بسبب الصفقة التي سوف تحدث لهم.
صعد إلى غرفته فخطر على باله شقيقته نور، من المؤكد أنها عادت إلى المنزل بعد هذا اليوم المشؤوم.
قرع على الباب ثم دخل بعدما سمع الإذن بالدخول. وجد نور ممددة على الفراش مغمضة العينين بسكينة تامة، واضعة ذراعها حول عينيها والذراع الآخر مفرود على الفراش بأريحية تامة مع ثني أحد ساقيها. إنه يعرف تلك الوضعية جيدًا، ما هي إلا تنم على الإرهاق الشديد. وعلى الرغم من ذلك يريد الحديث معها. فقطع الصمت وهو يجلس على طرف الفراش قائلًا بنبرة جادة نوعًا ما:
- نور، قومي عايزة أتكلم معاكي شوية.
ردت وهي على نفس الوضع بشيء من الضيق:
- بعدين يا طارق، مفيش طاقة للكلام.
صاح بها بضيق، لأول مرة يتحدث معها بهذا الأسلوب:
- لا مفيش حاجة اسمها بعدين، نتكلم دلوقتي يلا.
اعتدلت جلستها بانزعاج وغضب شديد وصاحت به بعنف:
- إيه في إيه؟ بتزعقلي كده ليه؟ هو أنا اللي هربتها مثلًا عشان تطلع عصبيتك عليا؟ قولتلك مفيش طاقة للكلام يا طارق مش قادرة أتكلم، خلاص فرهدت يا أخي. بعدين.
كأنه لم يستمع إليها فأردف:
- سلمى فين يا نور؟
اتسعت عيناها لم تصدق الحالة التي وصل إليها. فقالت بتعجب:
- نعم يا طارق! أنت بتستهبل مش كده؟! أو بتستعبط أيهما أقرب. وأنا اشعرفني راحت فين أنا زيي زيك. ثم أنا اللي اكتشفت الموضوع هخبيها يعني!!
صاح بها بانفعال ونبرة اتهام:
- لا يا نور، انتوا صحاب ومبتخبيش عليكي حاجة. مش يمكن دي لعبة بينكوا عشان الجوازة متمش؟
زفرت نور بغضب ثم قالت:
- لا حول ولا قوة إلا بالله. سلمى الفترة الأخيرة وهي متغيرة ومبتحكيليش حاجة. ولو زي ما بتقول متفقة مع سلمى بالعقل كده أكون مساعداها واجي أبلغوا واجمعوا مكنتش جيت أنا ويوسف الاجتماع، على الأقل فلتنا منه ومقولناش تعالوا شوفوا حل في المصيبة دي.
عقد ذراعيه وصاح بها بضيق واتهام:
- أيوه تعالي هنا بقى، كنت فين وبتعملي إيه مع يوسف؟ إيه اللي بينك وبينه؟!
اتسعت عيناها بشدة وصدمة لم تصدق ما تفوه به أخيها الآن. إنه يشك بها وتفكيره وصل إليه لهذه الدرجة. لم تستوعب بأنه سيأتي اليوم ويتهمها بهذا ولا يوجد شيء بينهم من الأساس. فنهضت بعنف وجلست قباله تصيح به في غضب شديد:
- نعم اللي بتقوله ده! أنت اتجننت ولا بتستعبط يا طارق؟ أنت بتشك فيا؟! بتتهمني إني على علاقة بيوسف؟!! دي آخرتها! الظاهر أنك مش طبيعي واللي حصل أثر على دماغك وعقلك يا أستاذ ولا مستوعب أنت بتقول إيه أصلًا. مش هسامحك على اللي قولته في حقي يا طارق وخليك فاكره كويس. اخص عليك بجد. آخر حاجة ممكن أتصورها منك أنك تشك في أخلاقي.
لكن قبل ما تعاتبني عاتب نفسك. شوف اللي وصلك للمرحلة دي مع سلمى عشان توصل بيها الدرجة وتهرب. يا خسارة يا طارق يا ألف خسارة.
نظرت له باشمئزاز وحزن وكسرة نفس وخيبة أمل على ما تشعر به وما تفوه من كلمات جرحت فؤادها، والدموع تجمعت في مقلتيها لازمة كاللؤلؤة. تركته وحده وغادرت الغرفة سريعًا بخطوات أشبه بالركض.
تناول هاتفه وقام بالاتصال بيوسف، عندما سمع صوتًا من الجهة الأخرى صاح به في عنف شديد:
- اسمع يا يوسف، ابعد عن نور أحسنلك وإياك تكلمها أو تقرب لها. كفاية مش هيبقى أنت وأختك المجنونة اللي منعرفلهاش طريق وسبب في المشاكل اللي وصلنا لها بعملتها السودة دي.
أغلق المكالمة على الفور دون انتظار رد منه، والتفت نحو الباب وجد تهاني واقفة والدمع في مقلتيها تنظر له بخيبة أمل وحزن وغضب شديد، عاقدة ذراعيها. فقد سمعت كل شيء بداية من مشاداته مع نور حتى المكالمة.
عندما أخبرها الخادم بوصول طارق صعدت كي تطمئن عليه وفي طريقها لغرفته سمعت صوته في غرفة نور والمشادة بينهم.
نظرات تهاني له كانت قاتلة مميتة. صاحت به بعنف:
- ممكن أفهم تفسير الهبل اللي سمعته ده؟! هي حصلت يا طارق تشك في أختك!!
رد مبررًا وهو يصيح:
- أومال كانت فين كل الفترة دي من ساعة الميتنج وهي اختفت وراها وملهاش حس. حتى قبل كده نظراتهم بتقول حاجة.
لم تستطع التصديق على كلام ابنها. هل هذا طارق حقًا؟ لا يمكن أن يكون هو. فصاحت به في غضب:
- لا أنت الظاهر زي ما قالت أختك اللي حصل لحس عقلك ومش عارف عواقب اللي بتقوله. وكلامك لحظة غضب هتتحاسب عليه يا طارق. أختك اللي كبرت معاك وعينك عليها خطوة ورا خطوة وعارف أخلاقها كويس ومش ممكن تعمل حاجة زي دي من ورانا. تبقى على علاقة بيوسف إزاي اللي بتشوفه صدفة أصلًا في شركة الجوهري وتعاملهم خفيف؟ أختك مبتخبيش عني حاجة عشان تكون عارف وحكتلي عن طبيعة علاقتها بيوسف زمايل في الشغل وبس. لما يجي أبوك ليك حساب معاه. يا خسارة تربيتي فيك يا طارق. يا ألف خسارة.
زفر بضجر شديد. فقد اختنق حقًا وكاد أن يفقد أعصابه ولكن تماسك وقال بنفاذ صبر:
- أنا آسف يا أمي، دماغي مش فيا.
صاحت به بانفعال شديد وقالت بعزم وجدية:
- مش عايزة أسمع منك ولا كلمة، ولا ليك كلام معايا. آسف دي تقولها لأختك اللي جرحتها وياريتها تداوي وترضى تسامحك. حسابك مع أبوك لما يرجع.
أصبح في غرفته في منتهى العصبية والغضب، كاد أن يخسر شقيقته في لحظة غضب ولا يعرف من أين أتى له هذا الحس. يمكن أنه كان يتمنى أن تقف بجانبه كما فعلت هي مع يوسف؟ يشعر بأنها غير متضامنة معه لا يعرف لماذا.
كاد أن يحطم كل شيء أمامه في الغرفة. جلس في ضيق وهو يفكر كيف يمكنه مصالحة نور واكتساب ودها مرة أخرى، وتلك السلمى الهاربة رغم صدمته إلا أنه يريد تهشيم رأسها غيظًا من تلك الكارثة التي سوف تحل عليهم بسببها. ألا يعرف سر هروبها؟ فكر كثيرًا في حديث نور وهو يراجع جميع تصرفاته معها ويبحث عن الخطأ.
مسك هاتفه وحاول الاتصال بها ولكنها لم ترد عليه على الإطلاق. فلا يمكنه الآن الاتصال بإيهاب وقص ما حدث بينه وبين شقيقته ولا يعرف ماذا يفعل بعد.
بعد مغادرة تهاني الغرفة مسرعة عادت إلى الحديقة والدموع تسيل على وجنتيها في ألم وغضب وحسرة على ابنها وتبديل حاله لهذا الشكل. لا تعرف ماذا حدث لعائلتها بعد خضوعهم لتلك الصفقة اللعينة التي تسببت لهم بكثير من المشاكل والعقبات هم في غنى عنها. فيجب ردعه إلى هذا الحد.
تناولت هاتفها وحاولت الاتصال بنور عدة مرات لا محال. زفرت بغضب وحزن شديد وهي تدعو الله أن تكون ابنتها سالمة وبخير.
*******************
بعد خروجه من الفيلا يقود بسيارته بلا هدف، لا يعرف إلى أين يؤول. شعوره بالاختناق الشديد زاد أكثر بعد مكالمة طارق له، لم يتوقع أبدًا أن يصدر منه هذا الفعل من طارق. هل يشعر حقًا بأن هناك شيئًا غريبًا بينه وبين نور ولماذا؟ هل هذه حقيقة هو يراها بالفعل أم هي مجرد توهم لديه؟
جُرح كثيرًا من أسلوبه ونبرة صوته، سيحرمه من الإنسانة التي وقفت سندًا له في عز محنته، من كانت تهوّن عليه وتجذبه نحو النور، من أخرجته من ظلمته وأزالت الحزن من قلبه ولو قليلًا في وقت كان وحيدًا ووالده كل ما يشغله الصفقة والمال. ضاع أمله في الحياة ولم يجد من يشكي له عما بداخله، فقد رحلت سلمى هي الأخرى ولكن بشكل مؤقت ولا يعرف أين هي الآن. شعوره بالعجز أكبر من أي شيء كأنه مكتوف اليدين، لا يوجد مكان لم يبحث فيه.
تنهد بحيرة ولا يعرف ماذا يفعل الآن حقًا، لا مكان له ليذهب إليه وهو في هذه الحالة ليشكي له ما به. شرد قليلًا ثم اتسعت عيناه عندما تذكر شيئًا هامًا.
انحرف بسيارته وغير طريق سيره وهو يقود بسرعة عالية في سبيل وجهته، وهو يعلم جيدًا إنه سيكون نوعًا ما أفضل عندما يصل ويفصح عما بداخله بكل حرية.
وإن شاء يبكي لبكى.
****************
بعد ذهاب يوسف من الفيلا، جلس هاشم مكانه يفكر في حديث ابنه الذي لم يحرك به شعرة إلا في الدقائق التي عاتبه بها. عاد مرة أخرى إلى تفكيره في تلك الصفقة اللعينة، وماذا سوف يفعل إذا تأخر في زواج ابنته. نزل إلى مكتبه وفتح الحاسوب الخاص به وأخذ يعمل عليه قليلًا إلى أن جاءته رسالة هامة للغاية.
تلك الشركة تستفسر أو تتأكد عن موعد زفاف سلمى وطارق، ولا يعرف ماذا يقول. أيقول أن ابنته هربت ولا يوجد زفاف؟! ولكن كيف فتلك الصفقة بمثابة كل شيء له؟ لا أحد يعرف حتى الآن ما تأثير تلك الصفقة على تفكيره بهذه الحالة، ولما هي بالتحديد؟ لا يستطيع أن يقول لهم الحقيقة. دقائق وتم إرسال رسالة أخرى أنه إن لم يتم الزواج اليوم وبأسرع وقت سيتم تزويج سلمى منهم، وهو يرفض هذا الأمر بشدة. لا يوجد حل إلا وأن يتحجج بمرض ابنته حتى يستطيع إيجادها في هذه الفترة. وبالفعل أرسل لهم فاكس بذلك وهو يخشى ويترقب النتيجة بفارغ الصبر. بعد ذلك تناول هاتفه واتصل بمحمود ليخبره بآخر التطورات، ولكن هاتفه مغلق من آخر مشادة بينهما.
****************
دخلت غرفتها وهي تناديها:
- يلا يا قلب عمتو عشان..
لجم لسانها عندما وجدت الغرفة فارغة. قلقت قليلًا ثم ذهبت إلى الحمام كي تطمئن من وجودها، قرعت أكثر من مرة لا من مجيب. حسمت أمرها وفتحت الباب لا توجد بالداخل، دب الشك في قلبها وركضت في أنحاء الشقة تبحث في كل الغرف فلم تجدها قط. أيقنت ما كانت تخشاه. فصاحت بأعلى صوت:
- ألحقني يا أمير، سلمى اختفت. تعالى يابني بسرعة.
انتفض أمير من فراشه بخضة وفزع وهرول على الغرفة مصدر الصوت ليصيح بها بلهفة:
- مش معقول. يا خربيت جنانك يا سلمى. اللي خلاها تهرب من هنا كمان!
نظرت له بحزن وعتاب:
- أكيد سمعتك وأنت بتقول هتكلم يوسف. صوتك كان عالي. خافت فعلًا لا تروح وتعرفهم مكانها بعد ما هربت منهم بصعوبة. فمشيت من البيت. يا ترى روحتي فين يا بنتي. يا عيني عليك يا سلمى واللي بيعمله فيك أبوك. بعد ما تلاقي الأمان هنا تخليها تخاف وتمشي.
صاح أمير بندم وضيق مبررًا:
- وأنا أعرف منين إنها سمعتني من جوه. العمل دلوقتي؟ هي مالهاش صحاب تروح لهم؟
جلست سميحة بقلة حيلة لتقول:
- مالهاش غير نور صاحبتها القريبة منها تعتبر أختها. بس استحالة تروح لها لإنه أخت خطيبها كمان ولا هتلاقيها عند حد من قرايبنا أنت عارف سلمى.
اندهش أمير كثيرًا من هذه المعلومة الجديدة. طارق خطيبها يكون شقيق أعز صديقة لها! تنهد وقال بنفاذ صبر:
- طيب يا أمي أنا هتصرف، لازم أمشي دلوقتي. ويوسف لازم يعرف.
تمسكت في ذراعه وصاحت بلهفة ورجاء:
- لا يابني عشان خاطري.
صاح بغضب مكتوم:
- يعني إيه لا يا أمي، لازم أخوها يعرف. الوضع اختلف دلوقتي، خلاص سلمى مشيت من هنا ومش عارفين هنلاقيها فين دلوقتي. لازم يعرف لازم.
تركها وأغلق الباب خلفه بعنف. جلست تبكي من هذه الصدمة التي لا يمكن أن تخطر على بالها، تشعر بكسرة نفس على تلك الصغيرة المسكينة. لا يوجد في يدها أي شيء تفعله كي تنجو من عاصفة أبيها المحتمة غرقها في أي وقت، وما مصير يوسف عندما يعرف أنها كانت عند سميحة وأخفت عليه ذلك؟!
*****************
غادر أمير ووصل إلى قسم الشرطة. جلس على مكتبه وطلب رقمًا، دقائق وسمع قرعًا على الباب فدخل طارق بعدما سمع الإذن بالدخول. دخل العسكري وضرب التحية ليقول بعدها:
- في بلاغ اتقدم من حوالي ساعتين يا فندم.
أعطى له ورق البلاغ في يده فتناولها أمير بفتور. اتسعت عيناه وهو يقرأ ثم وجه حديثه للعسكري دون أن يلتفت إليه:
- طيب روح أنت.
ألقى التحية وخرج وأغلق الباب خلفه. تناول أمير هاتفه واتصل بيوسف فوجد الهاتف مغلقًا أو غير متاح. نهض وتناول مفاتيح سيارته واستقلها وهو يقود سريعًا فالحماس والقلق يحيط به بشدة وهو في طريقه إلى وجهته، يفكر كيف يبدأ الحديث وكيف يتلقى الخبر؟
*****************
وصل أمير إلى فيلا هاشم الجوهري، خاله الذي اكتشف حقيقته مؤخرًا. لم يعرف إنه بتلك القسوة على أبنائه، خاصة سلمى فهي فتاة تحتاج إلى الحب والحنان بعد وفاة والدتها، ولكن كانت النتيجة عكسية تمامًا فقد أهملها وكسب منصبه وأمواله مقابل بعد أبنائه عنه. خطة في منتهى الغباء والأنانية. صعد على السلالم الرخامية ثم ضغط على الجرس ليفتح له الخادم، الذي تفاجأ بالزي الأبيض المريب. وقف أمامه أمير في ثبات وحزم وقال بجدية:
- أستاذ يوسف موجود؟
رد الخادم سريعًا:
- آه يا باشا اتفضل، والبيه الكبير موجود. اتفضل.
نظر أمير حوله بتعجب على الثراء الفاحش الظاهر في أثاث الفيلا واللوحات الثمينة، فلم يتعجب كثيرًا من تصرفات خاله. بعد لحظات خرج هاشم في فزع وقلق بعدما أخبره الخادم بأن هناك ضابط شرطة بانتظاره في الخارج، شك بأن الأمر متعلق بأحد من أبنائه خاصة سلمى. أحدث لها أي مكروه يا ترى؟ صدم هاشم عندما وجد أمير أمامه، ما الذي أتى به إلى هنا؟ هل عرف شيئًا ما مما حدث؟ هل أخبره يوسف بشيء؟ يا لها من مصيبة سوف ينتشر الخبر بين العائلة إذا اتضح أنه يعرف شيئًا. كان أمير يقف بثبات شديد للغاية يراقب رد فعل هاشم عندما رآه، فارتسم على شفتيه ابتسامة ساخرة. حاول هاشم أن يبدو طبيعيًا أمامه فقال:
- أهلًا يا أمير اتفضل.
رد أمير بجدية:
- لا مالوش لزوم، أنا جي في حاجة وماشي على طول عشان ورايا شغل كتير. يوسف موجود؟
تنهد بضيق ثم اصطنع الهدوء ليقول:
- لا للأسف شدينا في الكلام. مشي من ساعة كده وموبيله مقفول.
نظر له أمير واصطنع عدم المعرفة:
- ليه هو حصل حاجة؟
توتر هاشم وهو يقول:
- لا لا يابني ما فيش. خلافات في الشغل ما أنت عارف يوسف. كنت عايزه في إيه؟
التفت إليه أمير لبضعة دقائق صمت ثم قال بضيق:
- لا ما فيش. سلام.
رحل أمير وركب سيارته وهو يحاول الاتصال به ولكن غير متاح. طلب رقمًا آخر وبدأ الحديث معه بجدية. أما هاشم لم يكن يشعر بالراحة ولا الاطمئنان من زيارة أمير في هذا الوقت ومن سؤاله عن يوسف. يشك بأنه عرف شيئًا ما. فلم يطمئن أيضًا لنظراته ونبرة صوته.
******************
حل المساء ولا تزال جالسة في الحديقة، الحزن يكسي قلبها ووجهها بشدة، لا تتحدث مع أحد ولا تسمع لأحد. كرهت أن تكون مسالمة بهذا الشكل ولا تتدخل في أعمال زوجها. ولكن الوضع مختلف الآن فهو ليس عملًا عاديًا بل الأمر يخص أبنائها ولا تريد خسارتهم كما خسر أبناء الجوهري والدتهم. لذا قررت لن تظل مكتوفة اليدين بعد الآن، فقط تنتظر قدوم محمود والأهم من ذلك نور، التي لا تعرف إلى أين ذهبت وماذا تفعل الآن. انتفضت عند سماع بوق السيارة في الخارج فظنت إنها نور، نهضت وسارت بخطوات سريعة أشبه بالركض إلى الباب الداخلي للبهو. كاد الخادم أن يقوم بفتح الباب إلا أنها سبقته بلهفة وفتحت هي وقلبها يدق بسرعة عالية بقلق ولهفة. فتح الباب وفوجئت بمحمود أمامها، تحولت علامات اللهفة إلى الحزن وخيبة الأمل. قالت بوجه دون تعابير:
- حمد الله على السلامة.
ثم تركته وعادت من حيث أتت. تعجب محمود في قرار نفسه من تلك المقابلة الباردة الحزينة، فهو غير معتاد منها على ذلك. فذهب خلفها ليرى ما بها. دخل الحديقة وجلس بجوارها على الأريكة ينظر لها ويقول:
- في إيه يا تهاني؟ مش عوايدك مقابلتك دي.
لم ترد عليه، فقط التزمت الصمت. تعجب من حالها وصاح بها برفق:
- إيه الحكاية قلقتيني.
ردت دون النظر إليه:
- نور لغاية دلوقتي ما جتش.
قضب حاجبه بتعجب وقال بنوع من الغضب:
- نعم! يعني إيه ما جتش؟ أومال راحت فين؟!
تنهدت بهدوء وقالت سريعًا قبل أن يغضب:
- جات من بدري وريحت شوية. شدت في الكلام مع طارق وسابت البيت وتليفونها مقفول ولغاية دلوقتي ما جتش.
تحولت نبرة صوته إلى العلو قليلًا والضيق الشديد:
- إيه التهريج اللي بيحصل ده. قالها إيه عشان تسيب البيت وإزاي ده حصل.
رفعت رأسها والتفتت إليه بتردد شديد، تريد الإفصاح بكل ما حدث كي يردع طارق عن تفكيره وتخشى البوح لأنها تعرف جيدًا حالته عندما يغضب. فحسمت أمرها وقصت له ما حدث. يستمع لها بغضب شديد ولا يصدق أذنيه لما سمعه. صاح قائلًا:
- هو فين دلوقتي؟
ردت تهاني بجمود:
- فوق في أوضة نور ما خرجش من ساعتها.
نهض وقال وهو يتحرك مسرعًا:
- أنا هعرفه شغلي معاه.
ركضت خلفه وهي ترجي به أن لا يؤذيه، هذا ما كانت تخشاه بالفعل. صعد إلى غرفة نور وفتح الباب بقوة شديدة، تفاجأ طارق بوجود والده واقتحامه الغرفة بهذا الشكل الذي أربك تفكيره، فيبدو على قسماته الغضب الشديد. وبدون أي مقدمات صاح به في عنف:
- أنت إزاي يا أستاذ يا محترم لسانك سمح لك أنك تقول المهاترات دي لأختك. أنت اتجننت. عارف ده معناه إيه؟ إني فشلت في تربيتها وتربيتك عشان تشك فيها وفي أخلاقها وتفكر لمجرد التفكير بالشكل ده. بتطعن أختك في شرفها وأخلاقها يا طارق!
قال الجملة الأخيرة بشيء من التعجب وعدم التصديق ثم أكمل بخيبة أمل:
- أنت خيبت أملي وثقتي فيك. نعدي بس من الكارثة اللي إحنا فيها الأول وحسابك بعدين.
خرج سريعًا وذهب إلى غرفة نومه، نظرت له بعتاب ثم غادرت الغرفة هي الأخرى وذهبت خلف زوجها. أما هو يقف مكانه في شرود كبير، يشعر بالاختناق الشديد وغضب أشد، يريد أن يخنق الظروف التي وضعته في ذلك الموقف مع أبيه، ها هو كاد أن يخسره هو الآخر بسبب ذلة لسان ساعة شيطان كما يقال. يشعر بأن كل شيء من حوله قد تدمر وانهار، يخرج من حفرة يقع بأخرى ولا يوجد مسافة بينهما للراحة على الأقل ولا يوجد مخرج أو مهرب حتى.
*******************
دخلت تهاني غرفة نومها وجدت محمود يجلس على الفراش واضعًا رأسه بين طيات كفيه شاردًا في حزن وغضب شديد، يشعر بأن هناك لعنة كبيرة حلت على الجميع. الصغير قبل الكبير، لقد خرج الأمر عن سيطرته الآن ولا يوجد مخرج على الإطلاق هكذا يرى. اقتربت منه وجلست بجواره وهي تربت على منكبه في حنان وهدوء وهي تقول:
- وإيه العمل يا محمود؟
الولاد بيضيعوا مننا واحد ورا التاني وإحنا مش عارفين نعمل حاجة.
رفع رأسه وتطبع إليها وهو يصيح بغضب:
- أنا مش فاهم اللي جراله.. ده عمره ما كان كده أبدًا.. ده لا يمكن يكون طارق لابني اللي ربيته، لا يمكن.
تنهدت تهاني وقالت بحزن:
- لعنة وصابت الكل.. ما سابتش حد سليم.. كله من هاشم.
أردف محمود في ندم:
- أنا اللي غلطان إني وافقت على الصفقة دي.. قلبي ما كانش مستريحلها من الأول، بس قعد يقنعني فيها لغاية ما وافقت.. بس في حاجة غلط أنا متأكد من كده كويس أوي.
مسحت تهاني دموعها لتقول:
- والعمل دلوقتي؟
تنهد محمود بقوة ثم قال بهدوء:
- العمل عمل ربنا.. نلاقي سلمى الأول ضحية السلطة والنفوذ وهنشوف نعمل إيه..
تناول هاتفه وتابع:
- أما أشوف نور فين لغاية دلوقتي.
منذ خروجها من المنزل وهي تتسكع بسيارتها دون هدف، والدمع يسيل من مقلتيها لا تعرف ماذا تفعل الآن حتى حل المساء. من كان يحنو عليها ويستمع إليها لم تعد موجودة بعد فماذا تفعل؟! انحرفت عن طريقها وذهبت إلى المكان الذي طالما تجد الراحة فيه، أو بمثابة ورشة عمل لها ولسلمى أثناء الدراسة. فهو عبارة عن معرض صغير يعرض فيه اللوحات الفنية والتحف وبه ركن صغير كافتيريا للمكان.
جلست نور في إحدى الأركان ومنذ أن أتت وهي تجلس ترسم وعيناها لم تتوقف عن الذرف. فجاسر من كان يراقبها، يجلس بجوارها وعيناه لم تزِل عنها ويتأملها، لا يريد سؤالها ويعتبر تطفلًا منه عليها. يتركها وشأنها إن أرادت التحدث سوف تفعل.
قطعت نور الصمت وقالت بصوت جامد دون الالتفات إليه:
- هتفضل متنحلي كده كتير؟
تفاجأ جاسر وشعر بالإحراج الشديد، فلم يكن يتوقع بأنها تلاحظه وهي متمعنة في عملها. فتنحنح في حرج وهو يقول:
- لا أبدًا.. أصل من ساعة ما جيتي وأنتِ ساكتة ما بتتكلميش خالص.. فمش حابب أضغط عليكِ.
تنهدت براحة ثم قالت بهدوء غريب يشوبه بعض الجمود:
- أنا كويسة يا جاسر.. ما تقلقش.
أردف بصوت حنون:
- لا واضح إن في حاجة مضايقاكِ.. مالك يا نور؟
زفرت بضيق وهي تقول بجمود شديد:
- لو سمحت أنا مش قادرة أتكلم نهائي.. عن إذنك.
لملمت أدواتها وتناولت حقيبتها ورحلت على الفور.
وقف وهو يشعر بأنه بدلاً من التخفيف عنها قليلاً، فقد زاد الطين بلة وجعلها ترحل وهي تشعر بالضيق منه.
وصلت المنزل وهي في حالة ميؤوس منها على الإطلاق، دخلت ووجدت حالة من الصمت الشديدة تعم على المكان، حمدت الله على ذلك لأنها ليس لديها القدرة على النقاش بعد الآن.
بالطبع لم يناما تهاني ومحمود، فهم بانتظار عودة نور. إلى أن سمعوا قرعًا على الباب فقام محمود على الفور ليفتح، ليجد أمامه الخادم الذي أوصلها عند عودة نور يقوم بإخباره. فقال بهدوء:
- آنسة نور وصلت يا بيه.
رد محمود بهدوء:
- طيب روح نام أنت.
انصرف الخادم بهدوء ثم عاد إلى الداخل. نظر لتهاني وقال بهدوء:
- ادخلي لها أنتِ.
تنهدت بحزن وهي تنهض من الفراش ولا تعرف ماذا تقول لها أو بأي شكل تهون عليها.
قرعت على باب غرفتها أكثر من مرة فلم تجد ردًا على الإطلاق. حسمت أمرها وفتحت الباب، ظلت مكانها قرابة دقيقتين تنادي عليها ولم تجب نور. وضعت تهاني يدها على مكبس الضوء وكادت أن تشعله صاحت بها نور بضيق وقالت:
- ما تولعيش النور.
أدركت بأنها في حالة مزرية وبداية غضب إذا تمادت في الحوار. فقالت تلطفًا:
- حمد لله على السلامة يا حبيبتي.. أحضرلك العشا؟
ردت نور بضيق وجفاء:
- الله يسلمك.. لا مش عايزة أكل ومن فضلك يا أمي أنا ما فيّاش دماغ أتكلم دلوقتي.. ممكن؟
تنهدت بحزن وحيرة وقالت بهدوء:
- ماشي يا نور.. تصبحي على خير.
ردت نور سريعًا بنفس النبرة:
- وأنتِ من أهله.
أغلقت الباب وعادت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها، كان محمود يجلس على الفراش منتظرًا آخر الأخبار، تأكد منها عندما قرأ قسمات وجه زوجته العابسة الحزينة. جلست بجواره وهي تقول:
- مش طايقة حد أصلًا ولا طايقة تتكلم.. يا حبة عيني ما أكلتش من صباحية ربنا ورافضة تاكل أي لقمة.
ضرب ساقه بيديه بقوة وغضب وهو يتمتم:
- كله منك يا طارق ومن لسانك اللي عايز قطعه.. صبرك عليّا لما نعدي من الكوارث اللي إحنا فيها دي.
لم تشعر بالراحة قط عندما ترى عصبية زوجها بهذا الشكل. ربتت على منكبه وهي تحاول تهدئة روعه برفق:
- هدي نفسك بس يا محمود مش كده.. ضغطك هيعلى.
صاح بها بغضب وصوت عالٍ:
- يعني مش شايفة عمايل ابنك.. ماشي يا طارق.
خلد الجميع إلى النوم بعد ساعات طويلة من التفكير والقلق فيما حدث.
في صباح اليوم التالي استيقظ طارق مبكرًا واغتسل وصلى فرضه وقرر الذهاب مبكرًا قبل أن يستيقظ من في المنزل ويوبخه على ما بدر منه أمس.
فكر كثيرًا وتردد على الدخول لنور ولكن لم يستطع على الإطلاق، فليست لديه الجرأة للتحدث معها بعدما قام بجرحها بكلماته القاسية. فخرج مسرعًا.
استيقظت نور وظلت في فراشها قرابة ربع ساعة تستعيد وعيها بالكامل وتفكر فيما حدث مع جاسر. فهي تشعر بأنها تمادت قليلاً بأسلوبها معه وهو لم يخطئ، فقررت عند رؤيته ستقوم بالاعتذار منه.
فكرت في يوسف للحظة ما تريد الاطمئنان عليه وترى إن وصل لشيء أم لا، تناولت هاتفها على الكومود وكادت أن تتصل تذكرت اتهام طارق لها، فتغيرت معالم وجهها للعبوس وألقت الهاتف بجانبها وقررت عدم الاتصال به حتى لا تدخل في مشاكل لا حصر لها يكفي ما حدث بالأمس.
ولكن لا يوجد طريقة أخرى لمعرفة آخر الأخبار عن سلمى إلا عن طريقه. تنهدت بعد تفكير طويل وتناولت هاتفها وقامت بالاتصال به فوجدت الهاتف مغلق أو غير متاح فزفرت بضيق شديد واعتدلت جلستها وهي تفكر ماذا تفعل.
إلى أن جال لخاطرها فكرة، فقامت بحمل الحاسوب المحمول على ساقيها وبدأت تبحث عن الفنادق الموجودة التي يمكن لسلمى الالتجاء إليها، إلى أن وصلت لعدة فنادق. نهضت سريعًا في حماس وعلى محياها بسمة أمل ودخلت الحمام.
استيقظ أمير مبكرًا كالعادة قبل الذهاب إلى عمله، غالبًا ما يتناول الفطور مع سميحة إذا سمح له الوقت أو في المكتب. منذ ليلة الأمس وبعد إجراء اتصاله لم يصل إلى يوسف بعد، فقد كلف مخبرًا بالبحث عنه في كل مكان لاحتياجه له بشدة في أمر اختفاء سلمى.
جلست سميحة بجانبه لتقول:
- رجعت إمتى امبارح؟
رد دون الالتفات إليها:
- على واحدة كده.
تنهدت وقالت بقلق:
- ما فيش أخبار عن يوسف؟
نظر إليها وقال بحيرة:
- من امبارح بدور عليه مش لاقيه.. حتى فونه مغلق.. أنا ابتديت أقلق.
ثم أردفت بتوتر وتردد:
- طيب وخالك؟
ترك الخبز من يديه باستياء ثم رنا إليها ليقول:
- ما تجيبيش سيرته.. من ساعة اللي حكيتيه وأنا مش متخيل إنه خالي اللي أعرفه.. ما كانش طبيعي خالص ومتوتر لما سألته عن يوسف.. شكله شد معاه جامد.
تنهدت سميحة بحزن:
- الله يهديه ويرجع له عقله.
أنهى أمير طعامه ونهض وهو يردف:
- الحمد لله.. يا دوب أروح المكتب وأشوف الحكاية الغريبة اللي وقعنا فيها ولاد أخوكِ دي.
ذهب محمود إلى الشركة بعدما تناول شطيرة صغيرة رغمًا عنه بعد إلحاح شديد من تهاني. وبعد ساعة نزلت نور بعدما اغتسلت وأبدلت ملابسها استعدادًا للخروج.
ألقت التحية على تهاني وقبل أن تخرج أوقفتها متسائلة:
- رايحة فين على الصبح كده؟
اندهشت نور من تساؤلها، فالتفتت إليها وقالت:
- من إمتى بتسأليني يا ماما.. اعتبريني نازلة شغل ولا الكلية.
تنهدت تهاني بقلق وقالت:
- أصل حالتك امبارح ما كانتش تسر عدو ولا حبيب.. فاعتقدتش بعد اللي حصل إنك تنزلي النهاردة.
زفرت براحة شديدة واطمئنان ثم أردفت:
- في مشوار مهم لازم أعمله وما ينفعش يتأخر.. عن إذنك.
تحركت بضعة خطوات وكادت أن تفتح الباب أوقفها صوت تهاني مرة أخرى:
- مش هتقولي لي كنتِ فين امبارح؟
ردت دون النظر إليها بضيق:
- بعدين.. لما أرجع يا ماما.
خرجت سريعًا قبل أن تدخل في دائرة المناقشات. استقلت سيارتها وقادت بشرود بالأمس. تناولت هاتفها وقامت بالاتصال برقم إلى أن أتاها الرد:
- ألو.. صباح الخير.
الصوت من الجهة الأخرى:
- صباح النور.. أخبارك يا نور النهاردة.. يا رب تكوني بخير.
تنهدت ثم أردفت بهدوء:
- الحمد لله أحسن.. أنا بعتذر جدًا عن الطريقة البايخة اللي كلمتك بيها امبارح.. كنت مخنوقة وجات فيك.. ما حبتش تكون زعلان مني من غير قصد.
رد سريعًا حتى لا تشعر بالذنب:
- لا لا أبدًا ما فيش حاجة.. أنا كنت مقدر حالتك.. عمومًا حصل خير ثم أنا ما بزعلش منك يا نور.
ابتسمت براحة ثم قالت:
- طيب الحمد لله.. شكرًا يا جاسر على تقديرك.. مع السلامة.
أغلقت معه المكالمة وهي تشعر بالراحة الشديدة، هكذا أرضت ضميرها، لم تكن تريد أن يظل يحمل في قلبه أو عقله أي شيء منها في لحظة غضب. هكذا أفضل بقيامها بالاتصال به. تنهدت في راحة وأكملت طريقها وهي تحاول الاتصال بيوسف لإخباره بهذه الخطوة.
حل مساء اليوم وما زال البحث عن يوسف. عند عودة أمير إلى المنزل، وجد سميحة ما زالت مستيقظة، اقترب منها وجلس بجوارها وقال:
- إيه اللي مسهرك لحد دلوقتي يا أمي؟
ردت بحزن:
- ما جاليش نوم.. بالي مشغول بيوسف يا أمير أوي.. لسه تليفونه مقفول.
زفر بضيق وهو يقول:
- أيوه.. ما أعرفش غطسان فين ده كمان.. ما تعرفيش ممكن يكون فين؟
ردت بحزن وتفكير:
- لما بتضيق بيه الحال بيروح يزور أمه.
اعتدل جلسته في لهفة واهتمام شديد ثم صاح في دهشة كأن فكرة خطرت على باله:
- إيه! طنط فريدة!!.. إزاي الفكرة دي تاهت عن بالي؟
بعد خروج تهاني بدلت ملابسها وعادت نور لوضعها الأول لا تستطيع النوم من شدة تفكيرها فيما حدث اليوم من مفاجأة وصدمة كبيرة لها، ولا تحسن التفكير حتى.
ما تفكر به في هذه اللحظة هو يوسف. تمسك الهاتف كل حين تنظر له بلهفة وترقب كأنها تنتظر أن يتصل بها، ولكن لن يفعل، فلما يهاتفها وهو بهذه الحالة وكل تفكيره منصب على شقيقته المفقودة! أو حتى تقوم هي بالاتصال به كي تطمئن عليه.
تفكر بتردد شديد تريد الاتصال عليه ولكن في كل محاولة تتراجع سريعاً عن قرارها، ولكن ماذا يفعل الآن يا ترى بماذا يفكر وإلى أين ذهب؟ لم تكن تريد تركه وشأنه وهو في هذه الحالة.
ولكن يجب أن لا تزيد الثقل عليه فيكفي ما به من هموم، لا يجب أن تبالغ باهتمامها أكثر من اللازم وكأنها منصبة عليه هكذا، فكرامتها أهم من كل شيء لن تتصل به. إذا كان يريدها سيقوم بالاتصال بها، فلن تفعل ذلك، هكذا كان قرارها الأخير.
إلا أنها متعجبة من أمرها حقاً ولا تعرف ماذا أصابها، ولأول مرة تهتم بشخص غريب بهذا الشكل، فهي تشعر بأن هذه الفترة بداية من دخول سلمى للمشفى باقترابها منه واقترابه منها، وكل يوم يزداد اقترابهما من بعضهم البعض، حتى الألقاب بينهم شبه منعدمة تماماً. فهي على ثقة كبيرة وتامة بأن يوسف يشعر بما تشعر به تماماً، حديثه ونظراته وطريقة تعامله معها اختلفت تماماً عما كان يعاملها من قبل، وأيضاً هي كانت تخجل منه بشدة وأن تنظر في عينيه ومن كلماته الرقيقة التي تشعرها بالخجل. ولا تزال على نفس الوضع باعتيادها على الحديث معه، فزال التوتر والإحراج في تعاملها معه قليلاً. فالأحداث الأخيرة جعلتها يقتربا من بعض كثيراً، نظراً أن كلاهما على نفس القارب، والحالة التي يمر بها يحتاج من يهون عليه قليلاً. ولكن لا، يجب أن تتوقف يجب أن يعود كل شيء لما كان بعد المرور بسلام من هذا الكابوس.
حاولت بقدر الإمكان أن تزيله من تفكيرها فأغمضت عينيها وحاولت أن تنام.
بعد أن ترك إيهاب وهو يتسكع بسيارته بلا هدف، يفكر في الأحداث المتداخلة التي حدثت له منذ بداية معرفته بسلمى حتى الآن، أحداث غريبة متتداخلة ومشاكل كان أصعب من يتخذ قرارها في وقت ضيق للغاية، وأصبح مجبر على الزواج منها ولا يعرف إن كان يحبها أم يحب سارة، التي في الآونة الأخيرة لا تبدو كسارة خطيبته التي يعرفها منذ سنوات على الإطلاق، يوجد متغيرات لا تفسير لها حتى الآن ولكن الأكيد بأن كل شيء سوف يكشف ستاره عما قريب. فقرر لن يتحدث معها إلا عندما تفسر له عن سر معرفتها بهروب سلمى.
قرر الصعود بسرعة قبل أن تراه تهاني وتقوم باستجوابه وهو لا طاقة له للحديث في هذا الموضوع ولا تحمل نقاشات ومجادلات، لأنه بكل بساطة لا يوجد لديه إجابة على الإطلاق فهو بضغط نفسي وعصبي شديد ويمكن أن ينفجر في أي لحظة في أي شخص أي كان من هو بسبب سلمى، فهو يرى بأنها السبب فيما وصلوا إليه من تعقيدات بسبب الصفقة التي سوف تحدث لهم.
صعد إلى غرفته فخطر على باله شقيقته نور، من المؤكد أنها عادت إلى المنزل بعد هذا اليوم المشؤوم.
قرع على الباب ثم دخل بعدما سمع الإذن بالدخول. وجد نور ممددة على الفراش مغمضة العينين بسكينة تامة، واضعة ذراعها حول عينيها والذراع الآخر مفرود على الفراش بأريحية تامة مع ثني أحد ساقيها. إنه يعرف تلك الوضعية جيداً، ما هي إلا تنم على الإرهاق الشديد، وعلى رغم ذلك يريد الحديث معها. فقطع الصمت وهو يجلس على طرف الفراش قائلاً بنبرة جادة نوعاً ما:
- نور، قومي عايزة أتكلم معاكي شوية.
ردت وهي على نفس الوضع بشيء من الضيق:
- بعدين يا طارق مفيش طاقة للكلام.
صاح بها بضيق لأول مرة يتحدث معها بهذا الأسلوب:
- لا مفيش حاجة اسمها بعدين نتكلم دلوقتي يلا.
اعتدلت جلستها بانزعاج وغضب شديد وصاحت به بعنف:
- إيه في إيه، بتزعقلي كده ليه، هو أنا اللي هربتها مثلاً عشان تطلع عصبيتك عليا، قولتلك مفيش طاقة للكلام يا طارق مش قادرة أتكلم، خلاص فرهدت يا أخي، بعدين.
كأنه لم يستمع إليها فأردف:
- سلمى فين يا نور؟
اتسعت عيناها لم تصدق الحالة التي وصل إليها. فقالت بتعجب:
- نعم يا طارق! أنت بتستهبل مش كده؟! أو بتستعبط أيهما أقرب، وأنا اشعرفني راحت فين أنا زيي زيك، ثم أنا اللي أكتشفت الموضوع هخبيها يعني!!
صاح بها بانفعال ونبرة اتهام:
- لا يا نور أنتوا صحاب ومبتخبيش عليكي حاجة، مش يمكن دي لعبة بينكوا عشان الجوازة ما تتم؟
زفرت نور بغضب ثم قالت:
- لا حول ولا قوة إلا بالله، سلمى الفترة الأخيرة وهي متغيرة ومبتحكيليش حاجة، ولو زي ما بتقول متفقة مع سلمى بالعقل كده أكون مساعداها واجي أبلغ وأجمعوا مكنتش جيت أنا ويوسف الاجتماع على الأقل فلتنا منه ومقولناش تعالوا شوفوا حل في المصيبة دي.
عقد ذراعه وصاح بها بضيق واتهام:
- أيوه تعالي هنا بقى كنت فين وبتعملي إيه مع يوسف، اللي بينك وبينه؟!
اتسعت عيناها بشدة وصدمة لم تصدق ما تفوه به أخيها الآن، إنه يشك بها وتفكيره وصل إليه لهذه الدرجة، لم تستوعب بأنه سيأتي اليوم ويتهمها بهذا ولا يوجد شيء بينهم من الأساس. فنهضت بعنف وجلست قباله تصيح به في غضب شديد:
- نعم اللي بتقوله ده! أنت اتجننت ولا بتستعبط يا طارق أنت بتشك فيا؟! بتتهمني إني على علاقة بيوسف؟!! دي آخرتها! الظاهر أنك مش طبيعي واللي حصل أثر على دماغك وعقلك يا أستاذ ولا مستوعب أنت بتقول إيه أصلاً، مش هسامحك على اللي قولته في حقي يا طارق وخليك فاكره كويس، اخص عليك بجد، آخر حاجة ممكن أتصورها منك أنك تشك في أخلاقي، لكن قبل ما تعاتبني عاتب نفسك شوف اللي وصلك للمرحلة دي مع سلمى عشان توصل بها الدرجة وتهرب، يا خسارة يا طارق يا ألف خسارة.
نظرت له باشمئزاز وحزن وكسرة نفس وخيبة أمل على ما تشعر به وما تفوه من كلمات جرحت فؤادها، والدموع تجمعت في مقلتيها لازمة كاللؤلؤة. تركته وحده وغادرت الغرفة سريعاً بخطوات أشبه بالركض.
تناول هاتفه وقام بالاتصال بيوسف، عندما سمع صوت من الجهة الأخرى صاح به في عنف شديد:
- اسمع يا يوسف أبعد عن نور أحسنلك وإياك تكلمها أو تقربلها، كفاية مش هيبقى أنت واختك المجنونة اللي منعرفلهاش طريق وسبب في المشاكل اللي وصلنالها بعملتها السودة دي.
أغلق المكالمة على الفور دون انتظار رد منه، والتفت نحو الباب وجد تهاني واقفة والدمع في مقلتيها تنظر له بخيبة أمل وحزن وغضب شديد، عاقدة ذراعها، فقد سمعت كل شيء بداية من مشاداته مع نور حتى المكالمة.
عندما أخبرها الخادم بوصول طارق صعدت كي تطمئن عليه وفي طريقها لغرفته سمعت صوته في غرفة نور والمشادة بينهم.
نظرات تهاني له كانت قاتلة مميتة. صاحت به عنف:
- ممكن أفهم تفسير الهبل اللي سمعته ده؟! هي حصلت يا طارق تشك في اختك!!
رد مبرراً وهو يصيح:
- أومال كانت فين كل الفترة دي من ساعة الميتينج وهي اختفت وراه وملهاش حس، حتى قبل كده نظراتهم بتقول حاجة.
لم تستطع التصديق على كلام ابنها، هل هذا طارق حقاً، لا يمكن أن يكون هو. فصاحت به في غضب:
- لا أنت الظاهر زي ما قالت اختك اللي حصل لحس عقلك ومش عارف عواقب اللي بتقوله، وكلامك لحظة غضب هتتحاسب عليه يا طارق، اختك اللي كبرت معاك وعينك عليها خطوة ورا خطوة وعارف أخلاقها كويس ومش ممكن تعمل حاجة زي دي من ورانا، تبقى على علاقة بيوسف ازاي اللي بتشوفه صدفة أصلاً في شركة الجوهري وتعاملهم خفيف؟ اختك مبتخبيش عني حاجة عشان تكون عارف وحكتلي عن طبيعة علاقتها بيوسف زمايل في الشغل وبس، لما يجي أبوك ليك حساب معاه، يا خسارة تربيتي فيك يا طارق، يا ألف خسارة.
زفر بضجر شديد، فقد اختنق حقاً وكاد أن يفقد أعصابه ولكن تماسك وقال بنفاذ صبر:
- أنا آسف يا أمي دماغي مش فيا.
صاحت به بانفعال شديد وقالت بعزم وجدية:
- مش عايزة أسمع منك ولا كلمة، ولا ليك كلام معايا، آسف دي تقولها لاختك اللي جرحتها وياريتها تداوي وترضى تسامحك، حسابك مع أبوك لما يرجع.
أصبح في غرفته في منتهى العصبية والغضب، كاد أن يخسر شقيقته في لحظة غضب ولا يعرف من أين أتى له هذا الحس. يمكن أنه كان يتمنى أن تقف بجانبه كما فعلت هي مع يوسف؟ يشعر بأنها غير متضامنة معه لا يعرف لماذا.
كاد أن يحطم كل شيء أمامه في الغرفة. جلس في ضيق وهو يفكر كيف يمكنه مصالحة نور واكتساب ودها مرة أخرى، وتلك السلمى الهاربة رغم صدمته إلا أنه يريد تهشيم رأسها غيظاً من تلك الكارثة التي سوف تحل عليهم بسببها. ألو يعرف سر هروبها. فكر كثيراً في حديث نور وهو يراجع جميع تصرفاته معها ويبحث عن الخطأ.
مسك هاتفه وحاول الاتصال بها ولكنها لم ترد عليه على الإطلاق، فلا يمكنه الآن الاتصال بإيهاب وقص ما حدث بينه وبين شقيقته ولا يعرف ماذا يفعل بعد.
بعد مغادرة تهاني الغرفة مسرعة عادت إلى الحديقة والدموع تسيل على وجنتيها في ألم وغضب وحسرة على ابنها وتبديل حاله لهذا الشكل. لا تعرف ماذا حدث لعائلتها بعد خضوعهم لتلك الصفقة اللعينة التي تسببت لهم بكثير من المشاكل والعقبات هم في غنى عنها. فيجب ردعه إلى هذا الحد.
تناولت هاتفها وحاولت الاتصال بنور عدة مرات لا محال. زفرت بغضب وحزن شديد وهي تدعو الله أن تكون ابنتها سالمة وبخير.
بعد خروجه من الفيلا يقود بسيارته بلا هدف، لا يعرف إلى أين يؤول. شعوره بالاختناق الشديد زاد أكثر بعد مكالمة طارق له، لم يتوقع أبداً أن يصدر منه هذا الفعل من طارق، هل يشعر حقاً بأن هناك شيئاً غريباً بينه وبين نور ولما؟ هل هذه حقيقة هو يراها بالفعل أم هي مجرد توهم لديه؟
جرح كثيراً من أسلوبه ونبرة صوته، سيحرمه من الإنسانة التي وقفت سنداً له في عز محنته، من كانت تهون عليه وتجذبه نحو النور، من أخرجته من ظلمته وأزالت الحزن من قلبه ولو قليل في وقت كان وحيداً ووالده كل ما يشغله الصفقة والمال. ضاع أمله في الحياة ولم يجد من يشكي له عما بداخله، فقد رحلت سلمى هي الأخرى ولكن بشكل مؤقت ولا يعرف أين هي الآن. شعوره بالعجز أكبر من أي شيء كأنه مكتوف اليدين، لا يوجد مكان لم يبحث فيه.
تنهد بحيرة ولا يعرف ماذا يفعل الآن حقاً، لا مكان له ليذهب إليه وهو في هذه الحالة ليشكي له ما به. شرد قليلاً ثم اتسعت عيناه عندما تذكر شيء هام.
انحرف بسيارته وغير طريق سيره وهو يقود بسرعة عالية في سبيل وجهته، وهو يعلم جيداً إنه سيكون نوعاً ما أفضل عندما يصل ويفصح عما بداخله بكل حرية، وإن شاء يبكي لبكى.
بعد ذهاب يوسف من الفيلا جلس هاشم مكانه يفكر في حديث ابنه الذي لم يحرك به شعرة إلا في الدقائق التي عاتبه بها.
عاد مرة أخرى إلى تفكيره في تلك الصفقة اللعينة، وماذا سيفعل إذا تأخر في زواج ابنته.
نزل إلى مكتبه وفتح الحاسوب الخاص به، وأخذ يعمل عليه قليلًا إلى أن جاءته رسالة هامة للغاية.
تلك الشركة تستفسر أو تتأكد عن موعد زفاف سلمى وطارق، ولا يعرف ماذا يقول.
أيقول أن ابنته هربت ولا يوجد زفاف؟!
ولكن كيف، فتلك الصفقة بمثابة كل شيء له.
لا أحد يعرف حتى الآن ما تأثير تلك الصفقة على تفكيره بهذه الحالة، ولما هي بالتحديد.
لا يستطيع أن يقول لهم الحقيقة.
دقائق وتم إرسال رسالة أخرى: "إن لم يتم الزواج اليوم وبأسرع وقت سيتم تزويج سلمى منهم"، وهو يرفض هذا الأمر بشدة.
لا يوجد حل إلا وأن يتحجج بمرض ابنته حتى يستطيع إيجادها في هذه الفترة.
وبالفعل أرسل لهم فاكس بذلك، وهو يخشى ويترقب النتيجة بفارغ الصبر.
بعد ذلك تناول هاتفه واتصل بمحمود ليخبره بآخر التطورات، ولكن هاتفه مغلق من آخر مشادة بينهما.
****************
دخلت غرفتها وهي تناديها:
- يلا يا قلب عمتو عشان..
لجم لسانها عندما وجدت الغرفة فارغة.
قلقت قليلًا ثم ذهبت إلى الحمام كي تطمئن من وجودها، قرعت أكثر من مرة لا من مجيب.
حسمت أمرها وفتحت الباب، لا توجد بالداخل.
دب الشك في قلبها وركضت في أنحاء الشقة تبحث في كل الغرف فلم تجدها قط.
أيقنت ما كانت تخشاه.
فصاحت بأعلى صوت:
- ألحقني يا أمير، سلمى اختفت. تعالى يابني بسرعة.
انتفض أمير من فراشه بخضة وفزع، وهرول على الغرفة مصدر الصوت ليصيح بها بلهفة:
- مش معقول! يا خربيت جنانك يا سلمى. اللي خلاها تهرب من هنا كمان!!
نظرت له بحزن وعتاب:
- أكيد سمعتك وأنت بتقول هتكلم يوسف. صوتك كان عالي. خافت فعلًا ألا تروح وتعرفهم مكانها بعد ما هربت منهم بصعوبة، فمشيت من البيت. يا ترى روحتي فين يا بنتي؟ يا عيني عليك يا سلمى واللي بيعمله فيك أبوك. بعد ما تلاقي الأمان هنا تخليها تخاف وتمشي.
صاح أمير بندم وضيق مبررًا:
- وأنا أعرف منين إنها سمعتني من جوا؟ العمل دلوقتي؟ هي ملهاش صحاب تروحلهم؟
جلست سميحة بقلة حيلة لتقول:
- ملهاش غير نور صاحبتها القريبة منها تعتبر أختها. بس استحالة تروحلها لإنها أخت خطيبها كمان، ولا هتلاقيها عند حد من قرايبنا، أنت عارف سلمى.
اندهش أمير كثيرًا من هذه المعلومة الجديدة. طارق خطيبها يكون شقيق أعز صديقة لها!
تنهد وقال بنفاذ صبر:
- طيب يا أمي أنا هتصرف، لازم أمشي دلوقتي. ويوسف لازم يعرف.
تمسكت في ذراعه وصاحت بلهفة ورجاء:
- لا يابني عشان خاطري.
صاح بغضب مكتوم:
- يعني إيه لا يا أمي؟! لازم أخوها يعرف. الوضع اختلف دلوقتي، خلاص سلمى مشيت من هنا ومش عارفين هنلاقيها فين دلوقتي. لازم يعرف، لازم.
تركها وأغلق الباب خلفه بعنف.
جلست تبكي من هذه الصدمة التي لا يمكن أن تخطر على بالها، تشعر بكسرة نفس على تلك الصغيرة المسكينة.
لا يوجد في يداها أي شيء تفعله كي تنجو من عاصفة أبيها المحتمة غرقها في أي وقت.
وما مصير يوسف عندما يعرف أنها كانت عند سميحة وأخفت عليه ذلك؟!
*****************
غادر أمير ووصل إلى قسم الشرطة.
جلس على مكتبه وطلب رقمًا، دقائق وسمع قرعًا على الباب فدخل الطارق بعدما سمع الإذن بالدخول.
دخل العسكري وضرب التحية ليقول بعدها:
- في بلاغ أتقدم من حوالي ساعتين يا فندم.
أعطى له ورق البلاغ في يداه، فتناولها أمير بفتور.
اتسعت عيناه وهو يقرأ ثم وجه حديثه للعسكري دون أن يلتفت إليه:
- طيب روح أنت.
ألقى التحية وخرج وأغلق الباب خلفه.
تناول أمير هاتفه واتصل بيوسف فوجد الهاتف مغلقًا أو غير متاح.
نهض وتناول مفاتيح سيارته واستقلها وهو يقود سريعًا، فالحماس والقلق يحيط به بشدة وهو في طريقه إلى وجهته، يفكر كيف يبدأ الحديث وكيف يتلقى الخبر؟
*****************
وصل أمير إلى فيلا هاشم الجوهري، خاله الذي اكتشف حقيقته مؤخرًا.
لم يعرف إنه بتلك القسوة على أبنائه، خاصة سلمى فهي فتاة تحتاج إلى الحب والحنان بعد وفاة والدتها.
ولكن كانت النتيجة عكسية تمامًا فقد أهملها وكسب منصبه وأمواله مقابل بعد أبنائه عنه.
خطة في منتهى الغباء والأنانية.
صعد على السلالم الرخامية ثم ضغط على الجرس ليفتح له الخادم، الذي تفاجأ بالزي الأبيض المريب.
وقف أمامه أمير في ثبات وحزم وقال بجدية:
- أستاذ يوسف موجود؟
رد الخادم سريعًا:
- آه يا باشا اتفضل والبيه الكبير موجود. اتفضل.
نظر أمير حوله بتعجب على الثراء الفاحش الظاهر في أثاث الفيلا واللوحات الثمينة، فلم يتعجب كثيرًا من تصرفات خاله.
بعد لحظات خرج هاشم في فزع وقلق بعدما أخبره الخادم بأن هناك ضابط شرطة بانتظاره في الخارج، شك بأن الأمر متعلق بأحد من أبنائه خاصة سلمى.
أحدث لها أي مكروه يا ترى؟
صدم هاشم عندما وجد أمير أمامه، ما الذي أتى به إلى هنا؟
هل عرف شيئًا ما مما حدث؟ هل أخبره يوسف بشيء؟
يا لها من مصيبة سوف ينتشر الخبر بين العائلة إذا اتضح أنه يعرف شيئًا.
كان أمير يقف بثبات شديد للغاية يراقب رد فعل هاشم عندما رآه، فارتسم على شفتيه ابتسامة ساخرة.
حاول هاشم أن يبدو طبيعيًا أمامه فقال:
- أهلًا يا أمير، اتفضل.
رد أمير بجدية:
- لا ملوش لزوم، أنا جي في حاجة وماشي على طول عشان ورايا شغل كتير. يوسف موجود؟
تنهد بضيق ثم اصطنع الهدوء ليقول:
- لا للأسف شدينا في الكلام. مشي من ساعة كده وموبيله مقفول.
نظر له أمير واصطنع عدم المعرفة:
- ليه هو حصل حاجة؟
توتر هاشم وهو يقول:
- لا لا يابني مفيش. خلافات في الشغل ما أنت عارف يوسف. كنت عايزه في إيه؟
التفت إليه أمير لبضعة دقائق صمت ثم قال بضيق:
- لا مفيش. سلام.
رحل أمير وركب سيارته وهو يحاول الاتصال به، ولكن غير متاح.
طلب رقمًا آخر وبدأ الحديث معه بجدية.
أما هاشم لم يكن يشعر بالراحة ولا الاطمئنان من زيارة أمير في هذا الوقت ومن سؤاله عن يوسف.
يشك بأنه عرف شيئًا ما.
فلم يطمئن أيضًا لنظراته ونبرة صوته.
******************
حل المساء، ولا تزال جالسة في الحديقة، الحزن يكسو قلبها ووجهها بشدة.
لا تتحدث مع أحد ولا تسمع لأحد.
كرهت أن تكون مسالمة بهذا الشكل ولا تتدخل في أعمال زوجها.
ولكن الوضع مختلف الآن، فهو ليس عملًا عاديًا، بس الأمر يخص أبناءها ولا تريد خسارتهم كما خسر أبناء الجوهري والدتهم.
لذا قررت لن تظل مكتوفة اليدين بعد الآن، فقط تنتظر قدوم محمود والأهم من ذلك نور، التي لا تعرف إلى أين ذهبت وماذا تفعل الآن.
انتفضت عند سماع بوق السيارة في الخارج فظنت إنها نور.
نهضت وسارت بخطوات سريعة أشبه بالركض إلى الباب الداخلي للبهو.
كاد الخادم أن يقوم بفتح الباب إلا أنها سبقته بلهفة وفتحت هي وقلبها يدق بسرعة عالية بقلق ولهفة.
فتح الباب وفوجئت بمحمود أمامها، تحولت علامات اللهفة إلى الحزن وخيبة الأمل.
قالت بوجه دون تعابير:
- حمد الله على السلامة.
ثم تركته وعادت من حيث أتت.
تعجب محمود في قرارة نفسه من تلك المقابلة الباردة الحزينة، فهو غير معتاد منها على ذلك.
فذهب خلفها ليرى ما بها.
دخل الحديقة وجلس بجوارها على الأريكة ينظر لها ويقول:
- في إيه يا تهاني؟ مش عوايدك مقابلتك دي.
لم ترد عليه. فقط التزمت الصمت.
تعجب من حالها وصاح بها برفق:
- إيه الحكاية قلقتيني.
ردت دون النظر إليه:
- نور لغاية دلوقتي مجتش.
قضب حاجبه بتعجب وقال بنوع من الغضب:
- نعم!! يعني إيه مجتش؟ أومال راحت فين؟!
تنهدت بهدوء وقالت سريعًا قبل أن يغضب:
- جات من بدري وريحت شوية. شدت في الكلام مع طارق وسابت البيت وتليفونها مقفول ولغاية دلوقتي مجتش.
تحولت نبرة صوته إلى العلو قليلًا والضيق الشديد:
- إيه التهريج اللي بيحصل ده؟ قالها إيه عشان تسيب البيت وازاي ده حصل؟
رفعت رأسها والتفتت إليه بتردد شديد، تريد الإفصاح بكل ما حدث كي يردع طارق عن تفكيره وتخشى البوح لأنها تعرف جيدًا حالته عندما يغضب.
فحسمت أمرها وقصت له ما حدث.
يستمع لها بغضب شديد ولا يصدق أذنيه لما سمعه.
صاح قائلًا:
- هو فين دلوقتي؟
ردت تهاني بجمود:
- فوق في أوضة نور مخرجش من ساعتها.
نهض وقال وهو يتحرك مسرعًا:
- أنا هعرفه شغلي معاه.
ركضت خلفه وهي ترجي به أن لا يؤذيه، هذا ما كانت تخشاه بالفعل.
صعد إلى غرفة نور وفتح الباب بقوة شديدة.
تفاجأ طارق بوجود والده واقتحامه الغرفة بهذا الشكل الذي أربك تفكيره، فيبدو على قسماته الغضب الشديد.
وبدون أي مقدمات صاح به في عنف:
- أنت ازاي يا أستاذ يا محترم لسانك سمحلك أنك تقول المهاطرات دي لأختك؟ أنت اتجننت؟ عارف ده معناه إيه؟ إني فشلت في تربيتها وتربيتك عشان تشك فيها وفي أخلاقها وتفكر لمجرد التفكير بالشكل ده؟ بتطعن أختك في شرفها وأخلاقها يا طارق!!
قال الجملة الأخيرة بشيء من التعجب وعدم التصديق ثم أكمل بخيبة أمل:
- أنت خيبت أملي وثقتي فيك. نعدي بس من الكارثة اللي إحنا فيها الأول وحسابك بعدين.
خرج سريعًا وذهب إلى غرفة نومه.
نظرت له بعتاب ثم غادرت الغرفة هي الأخرى وذهبت خلف زوجها.
أما هو يقف مكانه في شرود كبير، يشعر بالاختناق الشديد وغضب أشد.
يريد أن يخنق الظروف التي وضعته في ذلك الموقف مع أبيه.
ها هو كاد أن يخسره هو الآخر بسبب ذلة لسان ساعة شيطان كما يقال.
يشعر بأن كل شيء من حوله قد تدمر وانهار، يخرج من حفرة يقع بأخرى ولا يوجد مسافة بينهما للراحة على الأقل ولا يوجد مخرج أو مهرب حتى.
*******************
دخلت تهاني غرفة نومها وجدت محمود يجلس على الفراش واضعًا رأسه بين طيات كفيه شاردًا في حزن وغضب شديد.
يشعر بأن هناك لعنة كبيرة حلت على الجميع، الصغير قبل الكبير.
لقد خرج الأمر عن سيطرته الآن ولا يوجد مخرج على الإطلاق هكذا يرى.
اقتربت منه وجلست بجواره وهي تربت على منكبه في حنان وهدوء وهي تقول:
- وإيه العمل يا محمود؟ الولاد بيضيعوا مننا واحد ورا التاني وإحنا مش عارفين نعمل حاجة.
رفع رأسه والتفت إليها وهو يصيح بغضب:
- أنا مش فاهم اللي جراله. ده عمره ما كان كده أبدًا. ده لا يمكن يكون طارق ابني اللي ربيته، لا يمكن.
تنهدت تهاني وقالت بحزن:
- لعنة وصابت الكل، مسابتش حد سليم.
كله من هاشم.
أردف محمود في ندم:
- أنا اللي غلطان إني وافقت على الصفقة دي.. قلبي ما كانش مستريحلها من الأول بس قعد يقنعني فيها لغاية ما وافقت.. بس في حاجة غلط أنا متأكد من كده كويس قوي.
مسحت تهاني دموعها لتقول:
- والعمل دلوقتي؟
تنهد محمود بقوة ثم قال بهدوء:
- العمل عمل ربنا.. نلاقي سلمى الأول ضحية السلطة والنفوذ وهنشوف نعمل إيه..
تناول هاتفه وتابع:
- أما أشوف نور فين لغاية دلوقتي.
*********************
منذ خروجها من المنزل وهي تتسكع بسيارتها دون هدف، والدمع يسيل من مقلتيها لا تعرف ماذا تفعل الآن حتى حل المساء. من كان يحنو عليها ويستمع إليها لم تعد موجودة بعد، فماذا تفعل؟! انحرفت عن طريقها وذهبت إلى المكان الذي طالما تجد الراحة فيه، أو بمثابة ورشة عمل لها ولسلمى أثناء الدراسة. فهو عبارة عن معرض صغير يعرض فيه اللوحات الفنية والتحف وبه ركن صغير كافتيريا للمكان.
جلست نور في إحدى الأركان ومنذ أن أتت وهي تجلس ترسم وعيناها لم تتوقف عن الذرف. فجاسر من كان يراقبها، يجلس بجوارها وعيناه لم تزل عنها ويتأملها، لا يريد سؤالها ويعتبر تطفلًا منه عليها. يتركها وشأنها إن أرادت التحدث سوف تفعل. قطعت نور الصمت وقالت بصوت جامد دون الالتفات إليه:
- هتفضل متنحلي كده كتير؟
تفاجأ جاسر وشعر بالإحراج الشديد، فلم يكن يتوقع بأنها تلاحظه وهي متمعنة في عملها. فتنحنح في حرج وهو يقول:
- لا أبدًا.. أصل من ساعة ما جيتي وأنتِ ساكتة ما بتتكلميش خالص.. فمش حابب أضغط عليكِ.
تنهدت براحة ثم قالت بهدوء غريب يشوبه بعض الجمود:
- أنا كويسة يا جاسر.. ما تقلقش.
أردف بصوت حنون:
- لا واضح إن في حاجة مضايقاكِ.. مالك يا نور؟
زفرت بضيق وهي تقول بجمود شديد:
- لو سمحت أنا مش قادرة أتكلم نهائي.. عن إذنك.
لملمت أدواتها وتناولت حقيبتها ورحلت على الفور.
وقف وهو يشعر بأنه بدلًا من التخفيف عنها قليلًا فقد زاد الطين بلة وجعلها ترحل وهي تشعر بالضيق منه.
****************
وصلت المنزل وهي في حالة ميؤوس منها على الإطلاق، دخلت ووجدت حالة من الصمت الشديدة تعم على المكان، حمدت الله على ذلك لأنها ليس لديها القدرة على النقاش بعد الآن.
بالطبع لم يناما تهاني ومحمود، فهم بانتظار عودة نور. إلى أن سمعوا قرعًا على الباب فقام محمود على الفور ليفتح. ليجد أمامه الخادم الذي أوصله عند عودة نور يقوم بإخباره. فقال بهدوء:
- آنسة نور وصلت يا بيه.
رد محمود بهدوء:
- طيب روح نام أنت.
انصرف الخادم بهدوء ثم عاد إلى الداخل. نظر لتهاني وقال بهدوء:
- ادخلي لها أنتِ.
تنهدت بحزن وهي تنهض من الفراش ولا تعرف ماذا تقول لها أو بأي شكل تهون عليها.
قرعت على باب غرفتها أكثر من مرة فلم تجد ردًا على الإطلاق. حسمت أمرها وفتحت الباب، ظلت مكانها قرابة دقيقتين تنادي عليها ولم تجب نور. وضعت تهاني يدها على مكبس الضوء وكادت أن تشعله، صاحت بها نور بضيق وقالت:
- ما تولعيش النور.
أدركت بأنها في حالة مزرية وبداية غضب إذا تمادت في الحوار. فقالت تلطفًا:
- حمد لله على السلامة يا حبيبتي.. أحضرلك العشا؟
ردت نور بضيق وجفاء:
- الله يسلمك.. لا مش عايزة آكل ومن فضلك يا أمي أنا ما فياش دماغ أتكلم دلوقتي.. ممكن؟
تنهدت بحزن وحيرة وقالت بهدوء:
- ماشي يا نور.. تصبحي على خير.
ردت نور سريعًا بنفس النبرة:
- وأنتِ من أهله.
أغلقت الباب وعادت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها، كان محمود يجلس على الفراش منتظرًا آخر الأخبار، تأكد منها عندما قرأ قسمات وجه زوجته العابسة الحزينة. جلست بجواره وهي تقول:
- مش طايقة حد أساسًا ولا طايقة تتكلم.. يا حبة عيني ما أكلتش من صباحية ربنا ورافضة تاكل أي لقمة.
ضرب ساقه بيديه بقوة وغضب وهو يتمتم:
- كله منك يا طارق ومن لسانك اللي عايز قطعه.. صبرك عليا لما نعدي من الكوارث اللي احنا فيها دي.
لم تشعر بالراحة قط عندما ترى عصبية زوجها بهذا الشكل. ربتت على منكبه وهي تحاول تهدئة روعه برفق:
- هدي نفسك بس يا محمود مش كده.. ضغطك هيعلى.
صاح بها بغضب وصوت عالٍ:
- يعني مش شايفة عمايل ابنك.. ماشي يا طارق.
*******************
خلد الجميع إلى النوم بعد ساعات طويلة من التفكير والقلق فيما حدث.
في صباح اليوم التالي استيقظ طارق مبكرًا واغتسل وصلى فرضه وقرر الذهاب مبكرًا قبل أن يستيقظ من في المنزل ويوبخه على ما بدر منه أمس.
فكر كثيرًا وتردد على الدخول لنور ولكن لم يستطع على الإطلاق، فليست لديه الجرأة للتحدث معها بعدما قام بجرحها بكلماته القاسية. فخرج مسرعًا.
استيقظت نور وظلت في فراشها قرابة ربع ساعة تستعيد وعيها بالكامل وتفكر فيما حدث مع جاسر. فهي تشعر بأنها تمادت قليلًا بأسلوبها معه وهو لم يخطئ، فقررت عند رؤيته ستقوم بالاعتذار منه.
فكرت في يوسف للحظة ما تريد الاطمئنان عليه وترى إن وصل لشيء أم لا، تناولت هاتفها على الكومود وكادت أن تتصل تذكرت اتهام طارق لها، فتغيرت معالم وجهها للعبوس وألقت الهاتف بجانبها وقررت عدم الاتصال به حتى لا تدخل في مشاكل لا حصر لها يكفي ما حدث بالأمس.
ولكن لا يوجد طريقة أخرى لمعرفة آخر الأخبار عن سلمى إلا عن طريقه. تنهدت بعد تفكير طويل وتناولت هاتفها وقامت بالاتصال به فوجدت الهاتف مغلقًا أو غير متاح فزفرت بضيق شديد واعتدلت جلستها وهي تفكر ماذا تفعل.
إلى أن جال لخاطرها فكرة، فقامت بحمل الحاسوب المحمول على ساقيها وبدأت تبحث عن الفنادق الموجودة التي يمكن لسلمى الالتجاء إليها. إلى أن وصلت لعدة فنادق. نهضت سريعًا في حماس وعلى محياها بسمة أمل ودخلت الحمام.
******************
استيقظ أمير مبكرًا كالعادة قبل الذهاب إلى عمله، غالبًا ما يتناول الفطور مع سميحة إذا سمح له الوقت أو في المكتب. منذ ليلة الأمس وبعد إجراء اتصاله لم يصل إلى يوسف بعد. فقد كلف مخبرًا بالبحث عنه في كل مكان لاحتياجه له بشدة في أمر اختفاء سلمى.
جلست سميحة بجانبه لتقول:
- رجعت إمتى امبارح؟
رد دون الالتفات إليها:
- على واحدة كده.
تنهدت وقالت بقلق:
- ما فيش أخبار عن يوسف؟
نظر إليها وقال بحيرة:
- من امبارح بدور عليه مش لاقيه.. حتى فونه مغلق.. أنا ابتديت أقلق.
ثم أردفت بتوتر وتردد:
- طيب وخالك؟
ترك الخبز من يديه باستياء ثم رد عليها ليقول:
- ما تجبيليش سيرته.. من ساعة اللي حكيتيه وأنا مش متخيل إنه خالي اللي أعرفه.. ما كانش طبيعي خالص ومتوتر لما سألته عن يوسف.. شكله شد معاه جامد.
تنهدت سميحة بحزن:
- الله يهديه ويرجع له عقله.
أنهى أمير طعامه ونهض وهو يردف:
- الحمد لله.. يا دوب أروح المكتب وأشوف الحكاية الغريبة اللي وقعنا فيها ولاد أخوكِ دي.
*****************
ذهب محمود إلى الشركة بعدما تناول شطيرة صغيرة رغم عنه بعد إلحاح شديد من تهاني. وبعد ساعة نزلت نور بعدما اغتسلت وأبدلت ملابسها استعدادًا للخروج.
ألقت التحية على تهاني وقبل أن تخرج أوقفتها متسائلة:
- رايحة فين على الصبح كده؟
اندهشت نور من تساؤلها. فالتفتت إليها وقالت:
- من إمتى بتسأليني يا ماما.. اعتبريني نازلة شغل ولا الكلية.
تنهدت تهاني بقلق وقالت:
- أصل حالتك امبارح ما كانتش تسر عدو ولا حبيب.. فما اعتقدتش بعد اللي حصل إنك تنزلي النهاردة.
زفرت براحة شديدة واطمئنان ثم أردفت:
- في مشوار مهم لازم أعمله وما ينفعش يتأخر.. عن إذنك.
تحركت بضعة خطوات وكادت أن تفتح الباب أوقفها صوت تهاني مرة أخرى:
- مش هتقوليلي كنت فين امبارح؟
ردت دون النظر إليها بضيق:
- بعدين.. لما أرجع يا ماما.
خرجت سريعًا قبل أن تدخل في دائرة المناقشات. استقلت سيارتها وقادت بشرود بالأمس. تناولت هاتفها وقامت بالاتصال برقم إلى أن أتاها الرد:
- ألو.. صباح الخير.
الصوت من الجهة الأخرى:
- صباح النور.. أخبارك يا نور النهاردة.. يا رب تكوني بخير.
تنهدت ثم أردفت بهدوء:
- الحمد لله أحسن.. أنا بعتذر جدًا عن الطريقة البايخة اللي كلمتك بيها امبارح.. كنت مخنوقة وجات فيك.. ما حبتش تكون زعلان مني من غير قصد.
رد سريعًا حتى لا تشعر بالذنب:
- لا لا أبدًا ما فيش حاجة.. أنا كنت مقدر حالتك.. عمومًا حصل خير ثم أنا ما بزعلش منك يا نور.
ابتسمت براحة ثم قالت:
- طيب الحمد لله.. شكرًا يا جاسر على تقديرك.. مع السلامة.
أغلقت معه المكالمة وهي تشعر بالراحة الشديدة، هكذا أرضت ضميرها، لم تكن تريد أن يظل يحمل في قلبه أو عقله أي شيء منها في لحظة غضب. هكذا أفضل بقيامها بالاتصال به. تنهدت في راحة وأكملت طريقها وهي تحاول الاتصال بيوسف لإخباره بهذه الخطوة.
*****************
حل مساء اليوم وما زال البحث عن يوسف. عند عودة أمير إلى المنزل، وجد سميحة ما زالت مستيقظة، اقترب منها وجلس بجوارها وقال:
- أنتِ اللي مسهراكِ لحد دلوقتي يا أمي؟
ردت بحزن:
- ما جاليش نوم.. بالي مشغول بيوسف يا أمير قوي.. لسه تليفونه مقفول.
زفر بضيق وهو يقول:
- أيوه.. ما اعرفش غطسان فين ده كمان.. ما تعرفيش ممكن يكون فين؟
ردت بحزن وتفكير:
- لما بتضيق بيه الحال بيروح يزور أمه.
اعتدل جلسته في لهفة واهتمام شديد ثم صاح في دهشة كأن فكرة خطرت على باله:
- إيه! طنط فريدة!!.. إزاي الفكرة دي تاهت عن بالي!
رواية صفقة حب الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم شيماء جوهر
اعتدل في جلسته في لهفة واهتمام شديد، ثم صاح في دهشة كأن فكرة خطرت على باله:
- إيه! طنط فريدة! إزاي الفكرة دي تاهت عن بالي! أكيد قضى اليوم كله في المقابر، أنا قايم أروحله.
قال الأخيرة وهو ينهض، فانتفضت سميحة لتقول بخوف:
- أجي معاك؟
صاح بها بانزعاج:
- مينفعش يا أمي تيجي فين! هروح أنا أطمن عليه، ده من إمبارح على الحال ده.
صاحت بنفس النبرة:
- خد بالك من نفسك يا ابني.
أردف مسرعًا:
- حاضر يا حبيبتي، يلا سلام دلوقتي.
خرج مسرعًا، وجلست هي على الأريكة تدعو بقلق:
- ربنا يحفظكوا يا ابني من كل سوء، وترجعولي محفوظين إن شاء الله.
استقل سيارته وقاد مسرعًا نحو المقابر، قرابة عشر دقائق كان هناك، فمقابر العائلة بالقرب منهم.
وصل إلى المقابر، مساحة كبيرة وهائلة جدًا، مكونة من ثلاث بوابات كبيرة، ركن السيارة أمام البوابة الثانية التي تؤدي إلى مقابر عائلته.
الشارع ساكن تمامًا لا صوت فيه ولا حراك، دخل البوابة مسلطًا نور كشاف هاتفه وسار به مدة خمس دقائق، سكون تام وظلمة موحشة للغاية، صوت صرصور الليل يصدر صداه من شدة السكون، الرياح تهفهف الزرع المنبت حول الشواهد بصوت يقشعر الأبدان، بالإضافة إلى شكل الشواهد ليلًا كان مرعبًا حقًا، ولا نخيب الظن فكان أمير يرتجف من داخله فهو يكره هذا المكان بشدة.
إلى أن وصل لقبر السيدة فريدة، ذُهل من المشهد الذي رآه أمامه، يوسف يجلس أمام الشاهد أو بمعنى أصح نائم عليه ووجه مخفي تمامًا.
اقترب نحوه وبدأ يوقظه بهدوء شديد:
- يوسف.. يوسف.. فوق يا ابني إيه اللي جابك هنا؟ يوسف فوق.
قام برجه وهز رأسه حتى يفيق إلى أن استيقظ ولم يكن قد اكتمل وعيه بشكل كامل، فلا يرى من أمامه إلا نور الكشاف مسلط على عينيه بقوة شديدة جعلته يغلقها بسرعة وهو يقول:
- مين.. أنت مين؟
صاح به أمير بصوت هامس:
- أنا أمير، قوم معايا.
استسلم يوسف له وبالفعل نهض معه وقام بإسناده إلى أن خرجوا تمامًا من المقابر، وضعه في الأريكة الخلفية للسيارة فتمدد بتعب شديد، فأدرك حينها أن ما مر به ليس بهين ورأى الكثير. ركب أمير مسرعًا وقاد السيارة بسرعة جنونية وبين الحين والآخر كان ينظر للخلف للاطمئنان عليه.
وصلوا أخيرًا للمنزل فنزل من مقعده وانتشل يوسف من الخلف وهو يسانده إلى أن صعدا إلى باب الشقة.
رن الجرس بسرعة كبيرة الأمر الذي أقلق سميحة بشكل مخيف فانتفضت مسرعة بفتح باب الشقة لترى المنظر المزري ليوسف أمامها، فشهقت وهي تضع يديها على صدرها:
- يا ضنايا يا ابني.. إيه اللي حصله؟!
صاح بها أمير متلهفًا وهو يدخل متجهًا إلى الغرفة:
- بسرعة يا ماما كوباية لمون.
ركضت سميحة بخوف وهي تقول:
- حاضر حاضر.. يا ستار يا رب.
جلس أمير بجواره وهو يضرب جبينه برفق، عيناه تفتح وتغلق بسرعة وتلقائية، غير واعٍ بعد ما حوله أو أين هو الآن.
قام بوضع العطر حول أنفه كي يستعيد وعيه وبالفعل بعد المحاولة أكثر من مرة بدأ يستجيب.
دخلت سميحة راكضة تحمل كوب العصير أخذه منها أمير وهو يسقي يوسف، رشف عدة رشفات ثم تنهد بألم وأنين:
- آآآآآه.
بكت على حاله التي لا يُرثى لها وهي تتمتم:
- الله يسامحك يا هاشم في كل اللي بتعمله في عيالك ده، قوم وديه للدكتور يا أمير.
قاطعها يوسف بتعب:
- لا لا مفيش داعي يا عمتو، أنا هبقى كويس.
صاحت به بخوف وقلق:
- كويس إزاي يا ابني، أنت مش حاسس بنفسك؟!
أردف بتعب شديد:
- سيبيني على راحتي يا عمتو، أنا تعبان محتاج أستريح شوية بس.
بكت سميحة فنهض أمير من جانبه وأخذ والدته للخارج كي يستريح قليلًا وهو يقول:
- سيبيه يستريح دلوقتي يا ماما، محتاج للراحة أهم حاجة يلا.
خرجت سميحة وهي كل حين تخطف نظرها له وتدمع عيناها، أغلق أمير الباب وذهبوا إلى الصالة، جلست على الأريكة تبكي فربت عليها برفق:
- كفاية عياط يا أمي، هيفوق ويبقى كويس إن شاء الله.
ردت سميحة بقلب أم:
- صعبان عليا أوي يا ابني الحالة اللي وصللها دي، الله يرحمك يا فريدة روحتي وعيالك غرقوا بإيد أبوهم.
أردف أمير سريعًا بفضول واهتمام:
- ألا صحيح يا ماما، أنا لحد دلوقتي معرفش ماتت ليه.
مسحت دموعها بهدوء وردت بحزن:
- ده موضوع طويل يا ابني، نعدي بس الفترة دي على خير وأنا هحكيلك.
شعر أمير بأن هناك شيء تخفيه عنه أمه له علاقة بسلمى، فسر موت السيدة فريدة يحوم حول تفكيره ولم يجد له إجابة بعد.
في صباح اليوم التالي، استيقظت سميحة مبكرًا للاطمئنان على يوسف، دخلت غرفته برفق وجدته في سبات عميق كأنه لم ينم منذ سنوات طوال، كسرت عليها نفسه على حالته المرهقة.
أغلقت الباب وخرجت لتجد أمير يخرج من الحمام بعدما استحم، بعد تحية الصباح تركها وذهب لغرفته يرتدي ملابسه فدخلت خلفه:
- أحضرلك الفطار يا حبيبي؟
رد دون الالتفات إليها وهو يكمل ارتداء ملابسه:
- شوية بس لما يوسف يصحى ونفطر سوا.
خرجت سميحة وعادت ليوسف، جلست على الفراش تنظر له بحزن إلى أن استيقظ بعد عدة دقائق، فتح عينيه برفق وتعب شديد يحاول أن يتذكر أين هو وكيف أتى به إلى هنا، وجد أمامه سميحة باسمة:
- حمد لله على سلامتك يا حبيبي.
رد بدهشة:
- عمتو! أنا اللي جابني هنا؟!
عقدت جبينها لتقول:
- أنت مش فاكر اللي حصل إمبارح؟
اعتدل قليلًا في جلسته وهو يقول بلهفة واهتمام:
- لا في إيه؟!
نادت على أمير الذي أتى مسرعًا، ابتسم وهو يقترب منه:
- إيه يا ابني حمد لله على السلامة.
رد يوسف سريعًا:
- الله يسلمك، أنا جيت هنا إزاي؟
ابتسم أمير وأردف:
- أنا اللي جبتك هنا إمبارح بالليل وعرفت مكانك إزاي مش وقته الكلام ده، المهم أنك كويس الحمد لله دلوقتي، ثم تعالى هنا قولي بتعمل إيه في المقابر يومين وليلة؟ ضاقت بيك الدنيا وجاي تقعدلي هناك!! إيه اللي حصل؟!
تنهد بقوة وعمق وقال وهو يتوسد بظهره إلى الخلف:
- من ناحية ضاقت بيا فهي ضاقت فعلًا، بعدما شديت مع أبويا في الكلام اتخنقت وملقتش حد أشكيله همي من بعد أمي غير سلمى، وأهي هي كمان سابتني ومشت، وحشتني أوي كنت محتاج أتكلم معاها روحتلها، عارف إنها مش هتسمعني بس متأكد إنها هتحس بيا وباللي جوايا، لقيت نفسي بلف بالعربية ورايحلها، بس تصدق ارتحت أوي لما اتكلمت معاها.
تنهدت سميحة بحزن وهي تشفق عليه، ربت أمير على منكبه وهو يقول بحب:
- الحمد لله وهو ده المطلوب، بس متكررهاش تاني.
تنهد بحزن وقال بألم:
- مكنش فيه مكان تاني أروحله، رجلي جابتني على هناك كأني عارف مصيري كويس.
نكذته سميحة باستياء على ذراعه وهي تقول باعتراض:
- اخص عليك يا يوسف والله هزعل منك، بيت عمتك مفتوح يا حبيبي تنور في أي وقت.
شعر بأن حديثه تسبب في ضيقها نوعًا ما دون أن تشعر، فبرر سريعًا:
- أبدًا والله يا عمتو، بس ده أول حاجة جات على بالي.
تدخل أمير في الحديث ليقول بجدية:
- المهم كويس إني لقيتك، لازم نبتدي ندور على سلمى وأنا متأكد أنك هتساعدني في الموضوع ده.
عقد حاجبيه وقال ساخرًا نوعًا ما:
- متهيألي أنك ظابط يا أمير مش كده؟!
زفر أمير بقوة وقال بنفاذ صبر:
- يا ابني افهم البوليس مش هيدور منه لنفسه كده قلبت الدنيا عليها مستشفيات وأقسام وحتى الأوتيلات، بس بيكون فيه مساعدة خارجية زي حضرتك، تقولي بتحب تروح فين أي معلومة عنها توصلنا بيها، فهمت.
أومأ برأسه ثم أردف بهدوء:
- أنت عارف سلمى مش اجتماعية قد كده وملهاش في الاختلاط وبقت منطوية أكتر بعد وفاة ماما، فمعتقدش إنها راحت لحد من قرايبنا حتى لما جيت وسألت عمتو توقعت إنها جت على هنا قالت مجدتش.
توترت سميحة ونظرت إلى أمير بنظرة استغاثة لا تعرف ماذا تقول له، هل الحقيقة أم كتمان ما حدث.
لاحظ يوسف نظراتهم فشعر بشيء خفي عنه تعرفه عمته، فقطع الصمت صائحًا بعدم فهم وشك:
- هو في إيه؟!
تنهدت سميحة وقالت وهي تفرك بيديها بعدما حسمت أمرها وهي تقول بتردد:
- بصراحة.. سلمى كانت هنا يا يوسف.
انتفض يوسف عند سماع تلك الجملة، اتسعت عيناه صدمة واعتدل في جلسته بصعوبة وصاح بغضب وعدم تصديق:
- إيه!!.. بتقولي إيه يا عمتو!!!.. يعني إيه كانت هنا؟!!
توترت سميحة وحزنت على إخفاء الحقيقة عليه وهي تعلم بأن ما تراه حاليًا هو رد فعله، فصاحت سريعًا مبررة والألم يكسو قسمات وجهها:
- غصب عني يا ابني.. سلمى أول ما سابت البيت أول حاجة فكرت فيها إنها تجيلي وحلفتني برحمة أمك الغالية إني مجبش سيرة لأي مخلوق وإن كان أنت حتى أمير..
قاطعها يوسف وهو ينظر بغضب شديد لأمير والشرر يطلق من عينيه سهامًا ليصرخ به:
- بقى كده يا أمير.. عارف ومخبي عليا كل ده!!
كاد أن يرد فردت سميحة بسرعة مبررة:
- أمير ملوش ذنب يا ابني.. أمير عرف مني لما شافها في البيت وكان ناوي يبلغك.. سلمى حلفتني بالغالية منجبش سيرة لأي حد عن مكانها وكان قلبي بيوجعني وأنت بتحكي كام نفسي أقولك ادخلها هتلاقيها جوه بس مقدرتش.. كانت خايفة منكم جدًا خاصة من أبوك الله يسامحه.. خافت ألا يرجعها تاني وتخليها تتجوز غصب عنها.. سامحنا يا ابني.
كان يسمع هذا الحكي وقلبه يعتصر ألمًا وحزنًا، لقد شعرت شقيقته بالخوف منه ألا يقوم بالإبلاغ عنها، كان بينه وبينها بضعة خطوات ما كان سيبلغ عنها بل كان يحتضنها بقوة في صدره ويقف لأول مرة أمام والده، لكنها خافت. بعد مدة من التفكير رفع رأسه بهدوء وقال بجمود:
- وإيه اللي خلاها تهرب وتسيب البيت تاني.
نظرت إلى أمير بعتاب، فالتفت إلى يوسف وقال:
- أنا السبب.
نظر له يوسف بغرابة وقال:
- إزاي يعني مش فاهم!
تنهد بعمق ثم استأنف حديثه:
- سمعتني وأنا بقول لماما إني لازم أبلغك بوجودها.. مسافة ما دخلت أريح شوية وأمي تحضرلي لقمة مكنش ليها أثر في البيت.. هربت في ثواني خافت ألا أبلغ عنها.. مكنتش أعرف إنها سمعاني.
نظرت سميحة إلى يوسف وهي تقول:
- والعمل يا ابني.. هتكون راحت فين دلوقتي؟! لا الفنادق موجودة فيها ولا راحت عند حد من قرايبنا.. هتكون راحت فين بس؟
تنهد يوسف بقوة كأن ثقل كبير على قلبه وهو يقول بتفكير عميق:
- والله مش عارف.. هتجنن يا عمتو..
مفيش غير الشاليه بتاعنا اللي في مطروح.
نظروا لبعضهم البعض ثم انتفض يوسف فجأة بحماس واندفاع وقال:
- أيوه صح.. إزاي مجاش في بالي حاجة زي كده.. أنا قايم رايحلها أكيد هناك.
قال هذه الجملة الأخيرة وهو يقفز من الفراش، فأمسكه أمير بلهفة وقال:
- استنى يا يوسف أنا جاي معاك.
تدخلت سميحة سريعًا وقالت:
- وأنا كمان مش هقدر أقعد على أعصابي أكتر من كده.
رد يوسف مسرعًا:
- متقلقيش يا عمتو المسافة طويلة هنجيبها ونرجع على طول.
تركهم يوسف ودخل الحمام ليغتسل وبدل ملابسه بملابس نظيفة من أمير، ثم غادرا معًا بسيارة الأخير والأمل يملأ قلوبهم من جديد وعادت الحياة في صدورهم بمجرد هذه الفكرة التي خطرت على بال يوسف، وهم في حالة من اليقين لا تقبل الشك بأنها هناك بكل تأكيد.
مما لا شك فيه لم يذهب طارق إلى الشركة، فانطلق بسيارته إلى حيث مجلسه المفضل ألا وهو النادي، وبكل تأكيد لم يتحدث إلى كل من إيهاب وسارة الليلة الماضية.
كان يحتاج بشدة إلى من يستمع إليه، فقط الاستماع لا يريد أكثر من ذلك، فلم يتبقى له أحد سوى صديقه، فالكل أصبح ضده، أمه وأباه وحتى شقيقته بعد ذلة اللسان التي قام بفعلها وبكل تأكيد يشعر بقليل من الندم عليها ولا يعرف ماذا يفعل لهم حتى تعود المياه لمجاريها، ولكن ليس بالسهل ليفعل ذلك، حتى سارة لا يريد التحدث إليها الآن فلن تشعر به وبآلامه، لم يتبقى سواه من يستمع إليه ويفكر معه للخروج من أي مشكلة.
الجميع يلومه ويقذف عليه اتهامات بأن كل ما حدث هو السبب الرئيسي فيه، جميعهم يهتمون بآلام سلمى ولا أحد يهتم بآلامه وكسرة قلبه وحزنه ووحدته، لا أحد منهم يشعر بما داخله ماذا يريد وما يتمنى... يرونه كأنه صلب، جبل من حديد لا يتأثر بما حوله، فقد اكتفى بالفعل اكتفى.
مر قرابة عشر دقائق على وصوله، لا يفعل شيئًا سوى يجلس على إحدى الطاولات شريدًا في أفكاره ووجدانه المنكسر، فكر كثيرًا بالاتصال بإيهاب ولكن سرعان ما هو قام بالاتصال به بالفعل، رد طارق سريعًا بفتور:
- ألو.. أيوه يا إيهاب.. لا أنا في النادي مش رايح الشغل النهاردة.. بقولك إيه أنا فيا اللي مكفيني كنت لسه هتصل بيك عشان أفك شوية هتقطمني بكلام ملوش لازمة يبقى تقفل أحسن.. هييييح طيب مستنيك قدام البيسين.. سلام.
نصف ساعة ووصل إيهاب باسمًا، جلس أمامه على الطاولة وقال بمرح:
- إيه يا عم مختفي فين من امبارح؟
رد بنفس الفتور:
- مليش نفس أتكلم مع حد خالص ولا أشوف حد.
تغيرت نبرة إيهاب إلى القلق:
- اللي حصل طيب.. شديت مع حد في البيت؟
قال دون الالتفات إليه:
- أيوه.. نور.. هلفطت بكلام ملوش لازمة مش عارف قولته إزاي.
تنهد بقوة وهو يربت على ظهره ليقول برفق:
- طيب روق كده.. سارة كلمتني امبارح.
رنا إليه وقال باهتمام:
- وده ليه؟!
قال:
- بتسأل عليك.. قافل فونك ومبتردش على حد.. قلقت فقامت متصلة بيا.
رد بضيق:
- مليش طاقة إني أكلمها دلوقتي.. مش ناقص عكننة وأنت مش مهتم وفينك ومش عارف إيه.. ومهما حكيت لها على اللي تاعبني مش هتحس بيا.
نظر له إيهاب ليقول بعتاب:
- بس من حقها عليك إنك تهتم بيها شوية وتسأل عليها.
اشْتعلت بشدة النار في صدره ليقول في صياح شديد:
- وأنا مين اللي يهتم ويحس بيا.. كلكوا مش شايفين غير الطرف التاني وبس.. لمجرد أن الطرف الأول مش مبين حاجة يبقى هو سليم وزي الفل.. أنا تعبت واكتفيت ومش ناقص كلمة من حد.. حتى سلمى جات وزودتها عليا وكل اللي بيحصلي بسببها.. غضب أبويا وأمي واختي.. هي السبب في كل اللي بيحصل.. هي السبب مش أنا.
أشفق عليه وعلى حالته كثيرًا، فهو متعب للغاية ولا أحد يشعر به حتى أقرب الناس إليه، حاول أن يهدئ من روعه قليلًا ليقول بصوت حانٍ:
- طيب اهدى اهدى وصلي على النبي كده.. إيه رأيك لو نسافر الساحل نغير جو ونرجع على بالليل.. فاكر آخر مرة.
غمز له في هذه الأخيرة وضحك، ليبتسم طارق وهو يتذكر ما فعله لأجل الهروب من الحفل ونظرة سلمى له عندما تقابلت عيناهما أمام السيارة، شرد بعيدًا عنه إلى عينيها واللهفة التي كان يراها في حينها بداخلها، شعر فجأة بالحنين وقلبه بدأ يخفق بالتدريج، إلى أن تلاشى كل هذا عندما لكزه إيهاب في ذراعه وهو يقول:
- إيه يابني روحت فين؟
أفاق من هذا الحلم الجميل وعادت مشاعره جامدة وباردة كما كانت، وتلاشت تلك البسمة الرقيقة التي زينت محياه ليقول بجمود:
- يلا.
قاموا وكل منهم اتجه على سيارته وقادوا سويًا على وجهتهم، لعله يستعيد ذكرياته أكثر قبل هذه المشكلات والتراكمات التي حلت عليهم فجأة.
حاولت نور الاتصال به لأكثر من مرة لا يجيب ولا تعرف ماذا تفعل لتطمئن على سلمى، بعد محاولات كثيرة قررت أن تذهب إلى الفيلا.
وصلت إليها والتردد يملأ قلبها عن هذه المحاولة بعد الاتهامات الموجهة إليها من قبل أخيها، فلا تريد ثبات ما قال بمجيئها للسؤال عنه وهذا هو الوضع الظاهر، إنما يكمن في داخل الموضوع الاطمئنان على سلمى.
لم تهتم لكل هذه الحروب التي تحدث في رأسها وقررت أن تفعل الشيء الصحيح ولا يهم ماذا يقال.
رنت جرس الباب ليفتح لها الخادم وسألت عن يوسف، فأخبرها بأنه ليس موجودًا في المنزل منذ يومين.
اندَهشت قليلًا ودب القلق في صدرها وقررت بعدها أن تذهب إلى الشركة، وصلت ودخلت إلى هاشم الذي لم يكن مرحبًا بوجودها نوعًا، هذا ما شعرت به نور ولكن تغاضت عنه في الوقت الحالي وقررت أن تكمن تركيزها في أن تجد سلمى في أسرع وقت.
جلست قباله وبدأ الحوار:
- مفيش أي أخبار عن سلمى؟
رد باقتضاب وهو ينظر إليها:
- لا مفيش.. سابت كل حاجة وراها وريحت دماغها.. مجاليش من وراها غير وقف المصالح والمشاكل والفضيحة وبس.
اتسعت عيناها دهشة لا تصدق ما سمعته لتوها، كيف لأب أن يكون بهذا الشكل ويتكلم عنها بهذا السوء، لم تستطع كبت انفعالها فقالت بضيق شديد:
- إيه اللي بتقوله ده.. أنا مش مع اللي عملته بالعكس.. بس أظن حضرتك عارف السبب الرئيسي كويس أوي.
غضبه ازداد عما قبل، فلم يستطع الرد عليها فانفعل قائلًا:
- كله منها ومن نشفان دماغها وعنادها على الحكاية من الأول.. مش عارف راحت في أي داهية هي وأخوها..
قاطعته بدهشة:
- يوسف!!
استرد قائلًا:
- من امبارح سايب البيت ومرجعش لحد دلوقتي وتليفونه مقفول... ماهي كملت بقى.. اسمعي يا نور عرفي أبوكي أن الشركة بعتت فاكس ولو عرفت أن الفرح اتكنسل هنروح كلنا في داهية.. بتصل بيه مبيردش هو كمان.
ردت نور باقتضاب وهي ساهمة:
- حاضر يا أنكل.. عن إذنك.
قامت سريعًا دون أن تنتظر رده وخرجت، حاولت أن تستوعب وهي في الردهة ما حدث، إنه ليس بأب أبدًا على ما تظن وتراه منذ معرفتها بسلمى، لما يفعل كل هذا؟ أمن أجل المال والنفوذ أم من شيء آخر لا يعلمه سواه؟ أيًا كان يجب أن تتصل بوالدها للتو وإخباره بما حدث.
على مائدة الطعام يجلس محمود يتناول فطوره، لتأتي تهاني تجلس بجواره في صمت، بعد دقائق قطعه هو ليقول:
- أخبار نور إيه النهاردة؟
ردت دون الالتفات إليه:
- معرفش.
ترك قطعة الخبز بين يديه ونظر لها بعدم فهم:
- يعني إيه متعرفيش؟
تنهدت تهاني لتسترد بهدوء:
- دخلت أصحيها ملقتهاش في أوضتها.. خرجت من بدري.. حتى طارق مش موجود هو كمان.
زفر محمود بشدة وهو يقول بضيق شديد:
- أستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم.. مش عارف اللي حصلنا ده.. لعنة وحلت علينا كلنا.. يا رب عدينا منها على خير يا رب.
تهاني رغم ما يحدث حولها تريد من يحنو عليها ويضمها إلى صدره، ولكن هي القوة في هذه العائلة من يستمدوا منها لمواجهة الصعاب، يجب أن تتحمل قليلًا حتى يسير القارب باعتدال كما كان.
فتنهدت بحزن ولكن أطلقت بسمة صغيرة حانية من بين ثغرها وهي تربت على ذراعه:
- سيبها على الله يا محمود.. ما ضاقت إلا ما فرجت عن قريب بإذن الله.. أنت قدها ولازم تتحمل عشان نطلع كلنا من اللي إحنا فيه ده.. يلا كمل فطارك وأنا هكلم الولاد أطمن عليك.
نظر لها وابتسم ثم أمسك يديها وقبل باطنها وهو يقول:
- يخليكي ليا يا شريكة عمري ودنيتي.
قطع هذه اللحظة الرومانسية رنين هاتفه، تناوله من جيب حلته السوداء ليجد المتصل نور، فأجاب بلهفة واهتمام شديدين:
- أيوه يا نور.. أنتِ كويسة يا حبيبتي؟
زفرت نور وهي تقود سيارتها وردت بهدوء:
- بخير يا بابا متقلقش عليا.. لازم تكلم أنكل هاشم ضروري بس الأفضل تروحله.. جد جديد في موضوع الصفقة وبيسألوا الجواز تم ولا لا.. ولو عرفوا اللي حصل هتحصل كارثة وإحنا مش ناقصين.
رد مستفهمًا:
- حصل امتى الكلام ده؟
ردت سريعًا:
- يعني من شوية كده.. لسه خارجة من الشركة مفيش عشر دقايق.
زفر بضيق وهو يقول:
- ماشي يا نور أنا هتصرف.
أغلق المكالمة ويبدو عليه الحيرة والشرود، هزت تهاني يداه لتقول له:
- اللي حصل يا محمود؟.. طمني.
رد بنفس الحال:
- الشركة بتسأل.. الظاهر بعتوا فاكس امبارح بالليل.
ردت بصدمة:
- طب والعمل؟
نظر لها وقال بعد تفكير ليس بطويل:
- لازم نلاقي سلمى بأي طريقة.
تتسكع بسيارتها لا تعرف إلى أين تذهب وكيف تصل إلى سلمى ويوسف، كل شيء أصبح معقدًا وكلما تحاول أن تصل إلى بر تكتشف عقدة جديدة.
فلم تستطع التفكير في أي شيء، لا عمل ولا دراسة حتى.. أين يمكن أن يذهب الآن؟.. إلى أن خطر في بالها شيئًا ما فانحرفت بسيارتها متجهة إلى مكانها المنشود.
وصلت إلى منزل سميحة، كثيرًا ما كانت تأتي مع سلمى هنا.. وقفت أمام الشقة وهي مترددة للغاية من ضرب الجرس ومقابلتها، فماذا تقول وماذا تفعل.. بالتأكيد لها علم بما حدث.
حسمت أمرها، ضربت جرس الباب، دقائق وفتحت لها سميحة فابتسمت تلقائيًا عند رؤيتها، رحبت بها ودخلت.
لاحظت نور التوتر والقلق منحوت على وجه سميحة فأقبلت عليها قائلة:
- مفيش أخبار عن سلمى أو يوسف؟
ردت سميحة بتلقائية:
- يوسف وأمير راحوا يجيبوها.
تشعر بأنها سمعت خطأ ما تقول، هل حقًا يوسف موجود وعلى ما يرام؟ هل حقًا وجد سلمى بالفعل؟ كيف ومتى؟ شعرت بخفقات قلبها يضرب بقوة شديدة وحرارة جسدها بدأت بالارتفاع.. فابتسمت تلقائيًا وهي تصيح بها بلهفة شديدة:
- إيه يوسف!! بتتكلمي جد؟! لقى سلمى؟ فين وأمتى وإزاي؟ أرجوكي ردي عليا متسبنيش على أعصابي كده.
قلقت سميحة وتفاجأت بصياح نور المفاجئ من أثر كلامها الذي وقع عليها وقالت سريعًا كي تهدأ من روعها:
- أهدي أهدي يا نور.. يوسف شك إنها ممكن تكون في شاليه مطروح وراح يشوفها هو وأمير.. مفيش مكان دوروا فيه يا رب يعتروا عليها هناك.
ردت نور سريعًا بحماس وكأنها تذكرت شيئًا ما وهي تضرب جبهتها بيداها:
- اخ.. إزاي تاهت عن بالي طول الفترة دي.. فعلًا مفيش مفيش غير المكان ده إللي ممكن نلاقيها فيه.. يسمع منك ربنا يا رب.. بس يوسف كان فين من يومين؟ بتصل بيه فونه مقفول.. حتى روحت الفيلا عرفت إنه مروحش.
تنهدت بحزن لتقول:
- يلا ربنا يسامح هاشم بقى.
عقدت حاجبها وقالت بتساؤل:
- إللي حصل وراح فين؟
قصت لها ما حدث وكيف وجده أمير.. هي تسمع بتركيز واهتمام ولا تصدق ما حدث كأنه حلم.. نعم لقد تحمل الكثير بالفعل ولم يجد مهرب غير ذلك.
تنهدت بحزن وألم على ما بدر له من أسى وما تحمل في الأيام السابقة فقالت:
- لا حول ولا قوة إلا بالله.. ربنا يصبرهم على إللي هما فيه ويفك كربهم.. عشان كده مكنش بيرد عليا.
ابتسمت فأردفت:
- كان قلبي حاسس إني هلاقي الإجابة عندك.
ابتسمت سميحة وقالت بخبث:
- وأنا مبسوطة إني شوفتك النهاردة.. لدرجة دي بتحبيها.
غمزت لها بنظرة فهمتها نور سريعًا فشعرت بالخجل الشديد من تلميحها وأخذت تفرك في يداها.. فنهضت سريعًا وهي تقول بارتباك:
- طيب أنا هستأذن أنا بقى.. كويس إني اطمنت عليهم وهحاول أتصل بيهم تاني.
نهضت سميحة هي الأخرى لتمسك بذراعها:
- لا رايحة فين أنت هتتغدي معايا.. عايزة تهربي.
غمزت لها وهي تبتسم... ابتسمت نور خجلًا وخفضت رأسها فلم تستطع بالرد السريع، ولكنها رفعته لتقول بنحنحة:
- احم لا خالص بس عشان في البيت وكده يعني.
تفهمت سميحة بأنها أحرجت من كلامها.. فقررت أن تتركها لراحتها على الأقل عرفت مشاعر نور ناحية يوسف من أول كلمة، لم يتبقى سوى يوسف سوف تكشف عن مشاعره فيما بعد.
استأذنت نور وخرجت سريعًا، استقلت سيارتها وقادت مسرعة فرحة وقلبها يرتجف من شدة سعادتها وخجلها من تلميحات سميحة.. لهذه الدرجة كانت مشاعرها فاضحة لدرجة ملاحظة سميحة لها؟.. أيًا كان ما حدث فهو شعور لا يوصف ومن الجيد أنها استطاعت الفرار في وقت قياسي.
قررت الاتصال مرة أخرى بيوسف لعله يجيب هذه المرة وهي بتلك الشعلة من الحماس والفرحة.
******************
أثناء الطريق لا يفكر يوسف بشيء سوى لقاءه بشقيقته بعد غياب عدة أيام يعتقد بأنها سنوات طوال.. لم يكن يعرف بأن فراقها سيكون بهذا الشكل الأليم لهذه الدرجة يحبها..
بعد قرابة ثلاثة ساعات وصل أمير ويوسف إلى مرسى مطروح متجهين إلى الشاليه الخاص لعائلة الجوهري.. عبارة عن بيت متوسط مكون من دورين يطل على البحر مباشرة وحوله حديقة صغيرة بها طاولة صغيرة محيطة بأربع مقاعد صغيرة خشبية.. محيطة بسور متوسط.
بمجرد ما دخلوا عبر البوابة الخشبية المؤدية للشاليه صوت غناء شجن حزين للغاية.. تتبعوا الصوت ليجدوا سلمى تجلس على أحد المقاعد رافعة قدماها على المقعد المقابل لها وهي تغني ودموعها تنساب بحرية شديدة على وجنتيها:
"لما حاجات كتير في حياتنا اتسببت في حيرتنا.. وادينا عايشين راضيين جايين ورايحين..
هتعمل إيه لو نمت يوم وصحيت ولقيت أقرب ما ليك في الدنيا مش حواليك.. هو أنت مين إللي عمل كده فيك.. مش أنت ولا في حد غمى عينيك.."
واقف يوسف مذهول مما رآه ودموعه هي الأخرى عرفت طريقها إلى وجنتيه.. فصاح بصوت عال:
- سلمممممى.
توقفت عن الغناء بمجرد سماع صوته يناديها.. تخشبت مكانها تحاول أن تقنع نفسها بأن ما قد تم سماعه ليس إلا وهم أو تهيؤ منها لا أكثر.. التفتت لمصدر الصوت كي تتأكد وجدته يوسف أمامها..
فتحت فمها أثر الصدمة ونهضت ببطئ شديد محاولة منها استيعاب ما تراه أمام عيناها.. لا تصدق أنه يقف أمامها الآن في هذه اللحظة... لم تفكر قط بأنه وجدها وسوف يعيدها لما كانت أو يبلغ عن مكانها.. لم تفكر في هذه الحالة التي تبدو عليها إلا إنه جاء لحمايتها، كأنه يشعر بها فهي تحتاج إلى ضمته أكثر من أي شيء..
ركضت بسرعة نحوه وارتمت في صدره وهي ممسكة به بشدة خوفًا من أن يتركها مرة أخرى.. تفاجأ يوسف كثيرًا من رد فعلها، ظن بأنها ستخاف عند رؤيته وتحاول الهرب لكنه تفاجأ بعكس ذلك.. وجد في ضمتها الخوف والقلق والارتجاف.. وجد بأنها كانت تبحث عن الأمان ووجدته عندما قامت بضمه.. ضمها هو الآخر بقوة أكبر فانهارت من البكاء بشدة ولم يستطع إيقافها، فلم يفعل سوى التربيت على ظهرها بحنان وعطف.
يقف أمير مذهول من هذا المشهد المؤثر الذي أمامه، فلم يشعر بالدموع التي تنسال على وجنتيه هو الآخر.. فارتسمت بسمة عريضة على ثغره بحب وتنهد فرحًا بأنها تبدو على ما يرام.
بعد قرابة ثلاثة دقائق ابتعدت سلمى عن صدره ببطئ وهي تخشى أن تنظر في عينيه، رفعت رأسها وعيناها لا تزال تدمع.. فقط تنظر في عينيه دون كلام إلى أن قطعت الصمت لتقول بعدم تصديق بعد أنه أمامها:
- أنت عرفت مكاني إزاي؟!
ابتسم يوسف وقال بنبرة عتاب:
- دورت عليكي أنا ونور في كل مكان ملكيش أي أثر.. لحد ما جه في بالي إنك هنا، آخر مكان ممكن أتصور إنك تفكري تروحيله.. ليه كده يا سلمى.. ليه تعملي فيا كده وتتعبي قلبي معاكي.. أنت مش عارفة بعدك عني اليومين إللي فاتوا عملوا فيا إيه!! أنا مليش غيرك في الدنيا دي ببساطة كده تتخلي عني وتسيبيني!!
صاحت فيه باكية:
- غصب عني يا يوسف.. صدقني غصب عني.. مكنش ينفع أفضل أكتر من كده.. مكنش ينفع أضحي أكتر من كده.. طول عمري بدي ومباخدش حاجة، عمري ضاع في سبيل أغراض شخصية لإنسان مبيفكرش غير في نفسه وبس الاسم أبويا.. هههههه أها أبويا يا يوسف.. أبويا إللي بيتاجر بيا عشان رصيده في البنوك يكبر ويعلى ويبقى صاحب أشهر شركة أدوية في مصر كلها.. وعلى حساب مين؟ بنته الوحيدة.. مش خايف يخسرني أنا كمان زي ما خسر مراته إللي راحت ضحية لنفوذه وحبه للفلوس.. مش خايف.. رد علياااا.. رد ساكت ليه.. هتقولي مش مبرر لهروبك؟.. لا يا أستاذ مبرر ومبرر قوي كمان.. لما أبقى مجرد سلعة ملهاش تمن وزيي زي أي حاجة في البيت يبقى لا.. لما أدفن نفسي مع إنسان لا بيطيقني ولا بطيقه يبقى لا.. لما تتلغي شخصيتي وتتهان كرامتي يبقى لا ومليون لا.
لجم يوسف لسانه ولم يستطع نطق أي كلمة.. فكل حرف تفوهت به لتوها صحيح مئة في المئة لا غبار عليه، يحاول وضع عذرًا لها لما فعلته.. يشعر بآلامها التي تكوي روحها قبل قلبها.. حمرة وجهها أثر الصراخ كأنها بركان ثار وانتشرت حممه على أرض زراعية أحرقت وأفسدت كل ما حولها من خضرة.. صدرها يعلو ويهبط بسرعة كبيرة لا تستطع التقاط أنفاسها.
اقترب منها وضمها إلى صدره في هدوء ثم قال بصوت حنون:
- أنا آسف.. حقك عليا يا بنت قلبي.. بتقطع نساير وأنا شايفك من غير إرادة بتموتي البطيء وأنا عاجز مش عارف أعمل أي حاجة.. مفيش حد هيغصبك على أي حاجة تانية بعد النهاردة.. سامحيني يا سلمى.
بكت سلمى بشدة إلى أن هدأت تمامًا وابتعدت عنه لتتلفت حولها ورأت أمير.. اندهشت من وجوده وأسئلة كثيرة في عقلها تحتاج إلى إجابات.
فهم يوسف ما تفكر فيه فنظر إليها قائلًا:
- أيوه.. عرفت إنك عند عمتو لما جيتلها وخبت عليا وجودك.. معرفتش بس غير امبارح.
تنهدت سلمى براحة ليقول أمير:
- أنا مفتنتش عليكي يا سلمى زي ما كنت متصورة.. أمي قالتله بعدما لاقيناه ودورنا عليكي في كل مكان.
عقدت جبينها بعدم فهم لتقول:
- لاقيتوه!! مش فاهمة حاجة.
يوسف رد سريعًا ليقول بجدية:
- مش وقته يا سلمى.. بعدين أبقى أحكيلك.. المهم لازم نرجع إسكندرية دلوقتي حالًا.. الدنيا مقلوبة عليكي وعمتك هتموت من خوفها عايزة تطمن.
تغيرت معالم وجهها إلى الغضب والخوف وهي تعود للوراء لتقول برفض:
- لا.. يستحيل أرجع معاك.. أنا مصدقت أني هربت عايز ترجعني للموت برجليا!! على جثتي.
أردف أمير بهدوء يحاول طمأنتها:
- متخافيش يا سلمى بس لازم ترجعي.. بعادك متوقف عليه حاجات كتير.. أرجوكي.
تنقلت بصرها بينهم وهي تفكر بعمق على ما يجب فعله، والحيرة ملأت قلبها وعقلها.. تخشى المستقبل وما ينتظرها عندما تعود، خاصة من والدها.. فرنت إليهم طويلًا ثم قالت:
- بس بشرط.. مفيش جواز.
نظرا يوسف وأمير بعضهم بعض في مأزق.. إنها تطلب المستحيل في الوقت الحالي، قطع الصمت يوسف ليقول:
- أنت عارفة خطورة إللي بتطلبيه ده إيه؟! أعقلي يا سلمى وعدي الفترة دي على خير.
نظرت له بشراسة لتقول بحدة:
- خدت إيه من العقل غير الدمار.. مفيش عقل بعد النهاردة.
تدخل أمير ليقول بجدية:
- الكلام ده سابق لأوانه.. دلوقتي الوضع اتأزم على الآخر.. حاولي على الأقل تعدي اليومين دول وبعد كده محدش هيجبرك على حاجة أبدًا.
صاحت به بقوة وغضب:
- يعني عايزني أدفن نفسي مع واحد ولا بيحبني ولا بيطيقني ولا بطيقه!!
عقد يوسف جبينه في تساؤل:
- الله مش أنت وطارق متفقين على كل حاجة في آخر اجتماع وقولتي أقنعك؟! إللي حصل وخلاكي تهربي وترفضي ترجعيله؟!
توترت سلمى وشعرت بعلو ضربات قلبها، لا تعرف ماذا تقول له بأن ما حدث أمامهم مجرد صفقة أخرى بينهم ليس إلا.. فقطعت الصمت لتقول بارتباك:
- أنا لما فكرت في الموضوع يوم الفرح اكتشفت أني كنت غلطانة.
نظر لها بشك كبير فلم يصدق ما تقوله، إحساس يراوده بأنه تخفي عنه الكثير... فقرر مضي النقاش في هذا الحديث إلى وقت آخر، فقال بحزم:
- الكلام ده مملوش فايدة دلوقتي لازم ترجعي معانا وهناك هنبقى نتكلم في الموضوع ده، وإلا هتحصل مجزرة وأنت عارفة كده كويس.
رنت إليه وهي تفكر فيما يحدث وما سوف يحدث، شعرت من نبرته بأنه لم يصدقها وجد في حديثه..
فما بدر منها كان خطأ منذ البداية وهي تعترف بذلك.
عادت سلمى معهم إلى الإسكندرية، وطول الطريق تفكر فيما سوف يحدث لها. وأول ما جاء على خاطرها هي نور، لقد اشتاقت إليها حقًا، وضمة صدرها إليها عندما تكون متعبة أو تشعر بالضيق. كانت تتمنى أن تخبرها بمكانها منذ البداية وتقص عليها ما يشغل خاطرها حينها، ولكنها كانت تخشى أن توقفها فيما أرادت فعله. ابتسمت تلقائيًا عندما تذكرتها، فلاحظ يوسف تلك البسمة وقال متسائلًا:
- خير؟!
ردت ولا تزال البسمة مرسومة على ثغرها:
- أبدًا، أصلي افتكرت نور، وحشتني أوي.
تغيرت معالم وجهه إلى الضيق والشرود ولم يرد، فلاحظه أمير وقطّب حاجبيه بعدم فهم لينظر إلى سلمى في المرآة. نظرت إلى يوسف لتتأكد من نظرات أمير لها، وجدته عبوس الوجه صامتًا لا يتحدث بعد تلك الجملة التي كسرت بها صمتها طول الطريق. فقالت باسمة:
- بتيجي على السيرة على الفكرة.
انتهت من هذه الجملة وبعدها مباشرة جاء ليوسف اتصال. نظر لهاتفه فوجد المتصل نور. تردد كثيرًا على الإجابة عليها وتذكر المحادثة الأخيرة مع طارق، ومنذ ذلك الوقت قرر أن يتجنبها ولا يتحدث معها، وإذا تحدث يكون بشكل سطحي ليس إلا.
كررت نور الاتصال وكل مرة تطيل النغمة ولا يرد. نظرت سلمى لأمير بغرابة وتساؤل ثم قالت:
- هي مش كده؟!
رد يوسف بضيق وبرود:
- أيوة.
صاحت به:
- مترد يابني مستني إيه؟!
لم يكن يريد الرد على الإطلاق ولا أن يحتك بها. تردد كثيرًا ثم حسم أمره وأجاب باقتضاب:
- ألو.. أيوة يا آنسة نور.
تفاجأت نور برسمية في الحديث، فقد عادت كما هي، فارتسم على وجهها الدهشة. فكانت سوف ترد عليه بلهفة، ولكن رد فعله أوقفها عن فعل ذلك، فكسرها تمامًا. فقالت بهدوء:
- أنت فين وقافل فونك من ساعة ما سيبتك ليه؟!
رد ببرود:
- كنت مخنوق شوية، راجعين على إسكندرية خلاص ساعتين كده ولا حاجة، لقيت سلمى.
ردت بإحباط وفرَّ الحماس من كلامها وروحها:
- إيه ده بجد؟! الحمد لله لقيتها فين؟!
أجاب يوسف بنفس النبرة:
- في الشاليه بتاعنا في مطروح، عايزة حاجة تاني.
شعرت بالضيق الشديد وكسرت نفسها من تلك الجملة الأخيرة التي جعلت دمعها متحجرًا في عينيها لتقول بضيق شديد ونبرة حادة:
- لا شكرًا.
وجد بدون مقدمات أنها أنهت المكالمة. زفر بشدة وقوة بارتياح نوعًا ما ممزوج بندم.
نظرت سلمى لأمير بصدمة واندهاش من طريقة حديثه إلى نور، وتعجبت كثيرًا من الأسلوب الذي لم تره في أخيها إليها من قبل. فصاحت به معاتبة:
- ممكن أفهم اللي عملته ده دلوقتي؟!
رد ببرود وضيق:
- عملت إيه يعني!!
صاحت سلمى بضيق وقالت:
- والله! مش حاسس بنفسك قلت إيه؟! ده أنت كأنك بتطردها، في إيه يا يوسف من أمتى وأنت بتعامل نور وبتكلمها بالجفاء والأسلوب البارد ده؟!
صاح بها بعنف فلم يستطع كبح ما بداخله أكثر من ذلك:
- مفيش يا سلمى، من هنا ورايح هعاملها بالأسلوب ده وملهاش معايا كلام من أصله بعد كده، خلاص؟!
شعرت بالدم يغلي في عروقها وهي تنظر إليه بضيق وشراسة على أسلوبه معها وعن نور. لا تعرف سر التحول العجيب الذي أصابه. لم يكن كذلك ليلة زفافها، فما حدث بينهم في فترة غيابها؟!
شعرت بالخوف الشديد أكثر من رجوعها، وفي أعماق قلبها تشعر بأن القادم سيكون أصعب بكثير مما تظن. فمن تعتقد الذي سوف يقف معها تحول عليها وأصبح ضدها في ثوان معدودة. صاحت في أمير الذي يستمع إليهم في صمت وما يدور حوله وما فاته من أحداث لعله يفهم وقالت:
- زود السرعة شوية يا أمير عشان نوصل بسرعة، واضح أن ابن خالك اتجنن ومش داري هو بيقول إيه ولا بيتكلم إزاي.
صمت يوسف لأنه شعر بأنه مخطئ التحدث هكذا مع سلمى، وفي نفس الوقت يرى أنه من المفترض أن لا تتعدى علاقتهم بهذا الشكل وهذه أفضل معاملة. وصمت تمامًا طوال الطريق.
****************
منذ أن أغلقت الاتصال سريعًا وهي تفرك في يديها بعنف محاولة منها أن تكبح دموعها. لم تتحمل أكثر من ذلك فنظرت لسميحة وقالت وهي تنهض:
"في الطريق معاه سلمى ساعتين وهيكونوا هنا، بعد إذنك."
سارت بخطوات سريعة أشبه بالركض إلى أن خرجت من باب الشقة، ووقفت سميحة مذهولة مما رأته أمام عينيها فلم تفهم ما حدث، حتى لم تعط لها فرصة واحدة للرد عليها أو تفهم سر تحولها أثناء المكالمة وهي تتحدث إلى يوسف للضيق الشديد. والدمع المتحجر في عينيها يلمع كاللآلئ الصغيرة، مؤكد حدوث شيء ما.
تتجول بسيارتها وهي تزرف الدمع بغزارة، لم تستطع استيعاب ما سمعته وتكذب نفسها بأنه لم يقصد، لم يتفوه بذلك، أو أنها سمعت خطأ، ولكن لا، فأي محاولة منها لتبرير ما فعله لن تشفع له، فأذناها صادقة ونبرته الباردة تتردد فيهما كثيرًا من شدة الصدمة.
والسؤال الذي يلح عليها الآن: لماذا؟ لماذا تغير نحوها بهذا الأسلوب البارد الغليظ؟ ماذا فعلت له لتكون رد فعله بهذا الشكل؟ أي يكن ما حدث فكرامتها أعلى وأغلى من كل شيء، سوف تعامله نفس المعاملة وذات الأسلوب ولن تغيره أي اهتمام بعد اليوم ولا يوجد رابط بينهم بعد الآن، فسلمى قد عادت بحمد الله ولا داعي للاحتكاك ببعضهم البعض مرة أخرى.
مسحت دموعها بعزيمة وقوة إرادة، والتزم وجهها الجدية وقادت بأعلى سرعة متوجهة إلى منزلها.
******************
وصلوا الإسكندرية وهنا شعرت سلمى بالاضطراب والقلق الشديدين، كان الأمر بسيطًا عليها نوعًا ما وهي هناك ولكن لا مجال للهروب بعد الآن، ما يشغلها لتوها كيف تواجه والدها.
فمنذ آخر مشاحنة بينها وبين يوسف ساد الصمت على الجميع، ولكن كسرتها وهي تقول بجدية وإصرار:
- أنا مش هروح البيت يا يوسف.
التفت إليها وقال بضيق:
- لازم ترجعي البيت يا سلمى، لازم تواجهي.
ردت بحسم:
- مش وقته خالص دلوقتي، لو روحت بالحالة دي هنفجر فيه وأنا مش ضامنة النتيجة اللي ممكن تحصل بيني وبينه.
زفر بقوة ليقول بنفاذ صبر:
- لازم يشوفك بعينه ويطمن أنك رجعتي عشان يسكت.
صرخت به بانفعال شديد جعله يخاف عليها هو وأمير:
- عارف لو مريحتنيش يا يوسف هنزل هنا ومش هتشوفوا وشي بعد النهارده، سامع ولا لا.
صاح أمير بقلق في يوسف، يخشى بالفعل فقدانها هذه المرة، ورغم طبيعة سلمى الهادئة إلا أنها مجنونة بالفعل في أي قرار تصدره، فيجب مسايرتها على الأقل الآن:
- خلاص بقى يا يوسف سيبها براحتها، الحمد لله إنها رضيت ترجع معانا أصلًا، ما أنت عارف سلمى لما تصمم على حاجة دماغها صرمة قديمة.
نظرت له سلمى بحدة وعيناها تطلق شررًا عليه لتقول بصرامة:
- أمييييييييير.
تنهد أمير وقال سريعًا:
- مش دي الحقيقة؟ خلاص اسمع الكلام بقى يا يوسف.
زفر بضجر ليقول:
- أومال هتروحي فين يعني؟!
نظرت له في المرآة لتقول بقوة وثبات:
- عند عمتو.
*****************
وصلت نور الفيلا والضجر والتحدي يملآن وجهها، صعدت إلى غرفتها سريعًا قبل أن تراها تهاني.
بدلت ملابسها ودخلت لتستمتع بحمام دافئ بعد طيلة هذه الأيام المجهدة، فحمدًا لله على عودتها. تذكرت عودة سلمى فأمسكت بهاتفها وحاولت الاتصال بوالدها، مغلق أو غير متاح. فنهضت من فراشها ونزلت تركض على السلم إلى أن وصلت غرفة مكتب والدها. قرعت سريعًا ثم أدلفت إلى الداخل لتتفاجأ بعدم وجوده في الغرفة. خرجت ونظرت في ساعة يديها وجدتها الثانية عشر وموعد رجوعه ساعتان من الآن.
زفرت بضيق فقد نسيت تمامًا أن تمر عليه قبل ذهابها إلى المنزل. وقفت تفكر مليًا إلى أن صعدت لغرفتها وأحضرت حقيبتها وهاتفها ونزلت سريعًا. خرجت واستقلت سيارتها وقادت مسرعة متجهة إلى شركة الجوهري مؤكد إنه هناك.
وصلت نور وصعدت إلى مكتبه ودخلت على الفور. تفاجأ محمود بها كثيرًا فرحب بها، لتجلس نور قباله وهي تقول بدون أي مقدمات ودون الالتفات لهاشم:
- بابا سلمى رجعت.
سقط القلم من بين يديه وهو ينظر لها متفاجئًا ليقول بجدية:
- بجد يا نور؟ كانت فين ومين اللي لقاها؟
ردت بهدوء:
- يوسف وأمير ابن عمتهم، أتاريها كل الفترة دي قاعدة في الشاليه بمطروح عشان كده مكناش لاقينها هنا.
زفر براحة وقوة وهو يحمد الله على عودتها، دخل هاشم في الحوار بعد صمته طيلة محادثتهم ليقول بانفعال:
- وأنتِ عرفتي منين؟ كلمتي يوسف؟
ارتسمت بسمة مصطنعة لتقول:
- عرفت من طنط سميحة، لسه جاية من عندها من شوية، كنت عايزة أطمن على سلمى وأي أخبار عنها بعد مقابلة حضرتك السمجة.
نظر لها هاشم بضيق ثم نظر محمود إليها ليقول وهو يعقد جبينه بضيق:
- عملك حاجة؟!
ردت نور سريعًا حتى لا يفهم خطأ ولكن بانفعال:
- لا بس أسلوبه معايا معجبنيش على الإطلاق، تصور بيدعي عليهم! أد كده مش طايقهم قال إيه معطلين مصالحه، ده أنا أدعي على ابني وأكره اللي يقول آمين، هو فيه كده؟!
صاح بها محمود مدافعًا:
- يعني شايفة عمايل صاحبتك دي تصح ولا متصحش لما تهرب وتسيب بيت أبوها يوم فرحها، الناس يقولوا علينا إيه؟!
صاحت نور هي الأخرى:
- لا ميعجبنيش وأنا قولت لحضرتك قبل كده، بس بردو أنت السبب الرئيسي مش هي، مش كفاية شبكتها السودة بعاصم اللي فضل يخونها ويطلع عينها سنة بحالها لما كنت في غيبوبة، تقوم عشان صفقة تجوزها لأخويا غصب.
نهض وطرق بشدة وعنف على سطح المكتب ليقول:
- مصلحة الشركات تحتم الجوازة دي تحصل.
رمقته نظرة غاضبة لتقول بجدية وصرامة:
- لا يا هاشم بيه بل مصلحتك أنت مش مصلحة الشركات، بابا عمره ما فرض علينا أي حاجة غصب عننا ومكناش نتصور في يوم أننا نتحط في موقف زي ده، الصفقة دي بوظت حياتنا وعلاقتنا ببعض كلنا وكل ده عشان إيه! شوية فلوس!
صرخ بوجهها بعصبية شديدة فلم يحتمل على مواجهتها، فما تقوله هو الحقيقة التي يتفاداها دومًا ولا يريد الاعتراف بها:
- نور أنتِ ذوتيها أوي، وأنا ساكتلك عشان أبوكِ، ما تشوف بنتك يا محمود مهماش كبير ولا صغير.
رمقها نظرة تحذيرية وهو يقول بضيق:
- ميصحش كده يا نور، متنسيش أنه زي والدك وأبو صاحبتك، عيب كده.
صاحت والدمع متحجر في عينيها:
- لا يا بابا مش زيك، حضرتك عمرك ما غصبتنا على حاجة مش عايزينها، ثم مش دي الحقيقة ها، مش قادرة أشوف أختي وصاحبتي بتتعذب أكتر من كده وأقعد ساكتة مبعملش حاجة أنا تعبتلها حرام بجد.
كفاية هنسكت لحد أمتى!!
أردف محمود مبتسمًا ليهدأ من روعها قليلًا:
- هدي أعصابك يا بنتي دي عادة هاشم ولا هيشتريها.. ربنا يهديه ويصلح حاله وربنا يستر على سلمى لما ترجعله.
تنهدت نور بحزن وقالت وهي تشرد عيناها في الفراغ:
- عندك حق يا بابا ده إللي راعبني في الموضوع كله، من طريقة كلامه عنهم حسيت إنه ممكن يستبيعهم في ثواني.
نظر إليها هاشم بضيق وعنف:
- مش هتعلميني يا بشمهندسة إزاي أحافظ على مصلحة ولادي.. يكونش أذتهم وأنا مش واخد بالي.
نظرت له باستنكار شديد وهي ترفع أحد حاجبيها.. كادت أن ترد إلا قاطعها محمود ورد باهتمام شديد وقال:
- إن شاء الله خير.. ثم أنا مش هسمحلك تأذيها ولا تيجي جنبها أصلًا.. هما فين دلوقتي؟
تنهدت وأجابت:
- زمانهم جايين في السكة.. ركبوا من زمان.
صمت قليلًا ثم قال:
- قولتي لأخوكِ؟
نظرت له بضيق شديد فهم ما تود قوله، وتذكر ما حدث بينهم.. فقالت ببرود وضيق شديد:
- لا ومش هقوله.
******************
بعد مدة من الزمن وصلوا الثلاثة إلى الإسكندرية متجهين حسب الاتفاق إلى سميحة.
هرولت سميحة على الباب بعد سماع الجرس.. فتحت ووجدت سلمى أمامها والدموع متحجرة في عيناها، تحتاج أن تضمها إلى صدرها بحب الأمومة التي حرمت منه.
شعرت بها سميحة ونزلت دمعة من مقلتيها فكسرت عليها نفسها.. جذبتها إليها بقوة إلى أن ارتمت في صدرها وبكت، أخذت تربت على ظهرها بعطف وحب وهي حزينة للغاية على الحالة التي تبدو عليها والشعور الذي يقطن فؤادها.
تأثر أمير بهذا المشهد فابتسم وقال مازحًا:
- طيب ننقل المشهد الرومانسي ده جوة عشان الجيران.
ابتسمت سلمى وخرجت من أحضانها وجلسوا جميعًا في الصالون والصمت عم على الجو بشكل كبير والعيون رنت إلى سلمى مما أدى شعورها بالتوتر والارتباك.. لا تعرف ماذا تقول، فهي معترفة منذ البداية ما قامت بفعله كان خطأ منذ البداية ولكن لم يكن لديها خيار آخر تلجأ إليه.
قطعت سميحة الصمت موجهة حديثها لسلمى قائلة:
- ناوية على إيه يا سلمى؟
تنهدت بقوة ثم قالت بحيرة كبيرة:
- مش عارفة.. خايفة من المواجهة.. خايفة من إللي جاي.. مش مطمنة خالص مش عارفة ليه.
ربتت على ظهرها لتقول بهدوء وحب:
- لازم المواجهة يا حبيبتي.. هتفضلي هربانة لحد أمتى؟ مصيرك في يوم ولازم تواجهي الواقع.. الحقيقة عمرها ما هتتنكر.
ردت بحزن وشرود:
- ما هو ده إللي أنا خايفة منه.. بس مش هقدر أرجع البيت دلوقتي.
ابتسمت سميحة وقالت:
- خلاص أنتِ كده كده قاعدة معايا مونساني ولو أبوكِ نطق بكلمة ساعتها أنا إللي هقفله.
ارتسم على محياها بسمة عريضة ودلفت إلى صدرها وقالت بحب:
- ربنا يباركلي فيكِ يا عمتو وميحرمنيش منك أبدًا.
ضحكت سميحة وقالت:
- ولا منك يا بنت الغالية.
ضحك أمير وقال مازحًا:
- مين أدك يا عم.. سوسو بنفسها في صفك أهو.
نظرت سميحة إلى يوسف الذي لاحظت منذ قدومهم بسكوته وضيقه.. فقالت متسائلة:
- مالك يا يوسف في إيه.. من ساعة ما جيت ولا حس ولا خبر.
نظر أمير إليه موجهًا الحديث لأمه بعتاب:
- قوليله يا ماما.. من واحنا في العربية وقفل مع نور السكة وهو بوزه شبرين.
التفتت إليه بغرابة لتقول:
- ليه بس يابني إللي حصل؟ أنت شديت مع نور ولا حاجة؟ حتى نزلت وشها مخطوف ومضايق أوي قولت أكيد حصل حاجة.
وجهت سلمى الحديث ليوسف وهي تنظر لسميحة بعتاب هي الأخرى:
- مهما عملتي يوسف مش هيتكلم يا عمتو.. واضح أن اليومين إللي فاتوا غيروه أوي.. كان هو ونور زي السمن على العسل.
صاح بهم بانفعال وشدة وهو ينهض:
- يوووووه وبعدين معاكوا أنتوا الاتنين هو أنا ناقص.
أمسكت ذراعه وقالت:
- اهدى بس يا يوسف.. إللي جرالك يابني.
رد بنفس الحالة والنبرة:
- مفيش بس ياريت محدش يفتح معايا الموضوع ده تاني.
ربتت على ظهره لتقول:
- ماشي يا حبيبي هدي نفسك بس.
سار بضعة خطوات ثم قال:
- أنا رايح الشركة أبلغ بابا برجوعك.
نظرت له سلمى بشك وعتاب وهي أكيدة على أنه يخفي عنها شيء، شيئًا ما حدث بينه وبين نور ولا يريد البوح به.. فلم ترد عليه فقط رنت له.. بانفعال من نظراتها خرج سريعًا وارتطم الباب بشدة أفزع الجميع.. لتقول سميحة بفزع:
- لا حول ولا قوة إلا بالله.. ماله الولا ده جراله إيه؟
ردت سلمى بثقة وجدية:
- متأكدة أن في حاجة حصلت بينه وبين نور ومش عايز يقولها.. بس أنا وهو والزمن طويل.
*****************
وصل يوسف الشركة وهو مضطر ولا يريد لقاء والده حتى ولكن يجب أن يخبره بعودة ابنته.. قرع على الباب ودخل.
تفاجأ بوجود نور التي رمقته بغضب وأدارت وجهها للناحية الأخرى في برود ولا مبالاة.
رحب بمحمود وجلس بجانبه قبال نور التي لم تعره أي اهتمام على الإطلاق والذي لاحظ توتر علاقتهما ويتابعها في صمت محمود.. فقال بهدوء وهو ينظر إلى نور:
- أظن الآنسة نور بلغت حضراتكوا بوصول سلمى؟
نظر له هاشم وقال بغضب:
- وهي فين دلوقتي؟
رد بهدوء:
- عند عمتو.. رافضة ترجع البيت دلوقتي.
قرع بشدة وعنف على سطح المكتب ليقول:
- يعني إيه رافضة.. هتستعبط دي ولا إيه؟
صاح به يوسف:
- بابا.. بركة أننا لاقيناها أصلًا.. محتاجة تريح أعصابها وبعدين نتكلم ونتفاهم.
صاح بغضب ليقول بصوت أعلى:
- نتفاهم إيه وزفت إيه والشركة لسه بعتالنا الميل الفجر بتسأل.. لو الجواز متمش في ظرف يومين هنروح في داهية وأختك هتتجوز برضاها أو غصب عنها.
صاحت بعنف:
- كفاية بقى!
لم تتحمل أكثر من ذلك، نهضت نور وغادرت الغرفة والشركة بأكملها.. اندهش يوسف من مغادرتها فجأة ثم قال:
- مفيش حاجة بالغصب بعد كده.. لازم نتفاهم وأنا مش هسمح إللي حصل ده يحصل تاني.. عن إذنك.
غادر يوسف على الفور والدم يغلي في عروقه، لا فائدة من الكلام أو الحوار على الإطلاق.
استقلت سيارتها وظلت تتسكع بها قرابة دقائق لا تعرف إلى أين تذهب في هذا الوقت.. قررت أن تعود لمنزل سميحة.
****************
تجلس سلمى في غرفتها تفكر ماذا فعل يوسف وما رد فعل والدها عندما علم بعودتها، وقرار المكوث مع سميحة هذه الفترة؟.. لا تعرف ماذا تفعل إذا أجبرها والدها على الزواج رغم عنها مرة أخرى، فلم تتوقع أبدًا أن يعثر عليها يوسف في الشاليه.
سمعت جرس الباب فانتفضت من مكانها ذعرًا، حسبت القادم يوسف يخبرها بآخر الأخبار.. لكن لم تسمع صوته بالخارج، دقائق وسمعت قرع على الباب لتدخل نور على الفور.
تفاجأت سلمى وفرحت لرؤيتها وكذلك الأمر نور فقد اشتاقت إليها كثيرًا بالرغم من المتاعب التي حصلت عليها بغيابها.. قفزت سلمى وركضت نور وتبادلا الأحضان والقبلات بشدة وقوة ونور شرعت بالبكاء.. ربتت على ظهرها وارتسمت على ثغرها بسمة صغيرة.
ابتعدت عنها وقامت بضربها بخفة على منكبيها لتصيح بها معاتبة بعنف شديد:
- عجبك إللي عملتيه ده يا سلمى؟.. بسببك دخلنا في مشاكل ملهاش أول من آخر.. إياكِ تعملي كده تاني يا حيوانة أنتِ.
جذبتها إليها مرة أخرى إلى صدرها وبكت بشدة.. ربت سلمى على ظهرها وهي تشعر باشتياقها وحبها لها:
- خلاص.. أنا هنا يا نور.
ردت ببكاء وعتاب:
- وحشتيني.. وحشتيني أوي يا سلمى.. متعرفيش اليومين دول من غيرك مروا إزاي.
ابتعدت عنها لتقول وهي تمسح وجهها:
- إللي حصل.. إللي خلاكِ تفكري بالطريقة المجنونة دي يا هطلة أنتِ.
ابتسمت سلمى بحزن ومسكت يداها لتجذبها بجوارها على الفراش وبدأت بالردف:
- عقلي مكنش مطاوعني أبدًا.. كنت حاسة أني برمي نفسي في النار.. مش قادرة أستوعب لحظة إني ممكن في مسافة شهور هبقى مطلقة وأنتِ عارفة كويس نظرة المجتمع المتخلف للمطلقات عاملة إزاي.. مش هترحم من كلام الناس ولا عيونهم.. وأنا يا نور مكنتش هقبل على نفسي أعيش مع واحد ولا بحبه ولا بيحبني ولا طايق يبص في وشي أصلًا.. زيي زيه مغصوب على الجوازة دي والسلام.. مكنش قدامي حل إلا كده وكنت عارفة العواقب إللي هتحصل بعد إللي هعمله.. بس قلت مش هاجي على نفسي أكتر من كده.
تسمعها نور ولا تدري ماذا تقول، تشعر بالشفقة على حديثها وما مرت به.. تخيلت ولو للحظة بأنها مكانها.. لم يتسنَ لها التخيل من شدة ما وقع بها.. تنهدت وقالت:
- المهم هنعمل إيه دلوقتي؟
زفرت سلمى بشدة لتقول بحيرة:
- مبقتش عارفة حاجة يا سلمى.. خلاص مبقتش فارقة.
اعتدلت جلستها وقالت بلهفة:
- يعني هتتجوزي طارق؟
رمقتها سلمى نظرة غاضبة لتقول:
- نعم.. لا طبعًا بس أكيد في حل بعيد عن أخوكِ.
تنهدت نور وقالت بحزن:
- طارق مش وحش أوي كده يا سلمى.. هطلع أتصل بماما أطمنها.
*****************
بمجرد خروجها إلى الطالة لتجري الاتصال وجدته أمامها.. تقابلت عيناهما دون إبداء أي كلمة.. فقط عيناهما من كانت تتكلم.. حزن، خيبة أمل، ضيق.. آسف، عتاب.
رواية صفقة حب الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم شيماء جوهر
بمجرد خروجها إلى الصالة لتجري الاتصال وجدته أمامها. تقابلت عيناهما دون إبداء أي كلمة، فقط عيناهما من كانت تتكلم. حزن، خيبة أمل، ضيق، آسف، عتاب، ندم. صمت، صمت كبير وعيناهما وحدها من تتكلم.
نظرت إلى سميحة وقالت:
- بعد إذنك داخلة البلكونة أعمل مكالمة.
كانت سميحة وأمير يراقبان الموقف باهتمام شديد، ونظراتهما لبعض التي توحي بالكثير. نعم حدث شيء بينهما لتبدو العلاقة بهذا الفتور والتغير الكبير، فما تشاهده اليوم عكس ما كانت تقصه عليها نور إطلاقًا وما كانت تشاهده بنفسها فيما مضى.
قطع الصمت سؤال سميحة:
- عايزة أفهم اللي حصل بينك وبين نور.
شعر بالضيق عندما فتحت سميحة هذا الموضوع، فرد بفتور:
- مفيش حاجة يا عمتو.
وقفت سميحة وأردفت بحسم:
- لا فيه حاجة، أولًا ما كنتيش نزلتِ من عندي وهي متغيرة والدموع مالية عينيها، ثانيًا دي ما كانتش معاملتك ليها.
صاح بها بغضب:
- يوووه يا عمتو قلتلك مفيش.
أقبلت سلمى عليهما بعدما سمعت الحديث الدائر بينهما لتقول وهي تنظر ليوسف:
- أنت كذاب، في حاجة حصلت خلتك تكلمها بالأسلوب السمج ده. إيه اللي حصلك يا يوسف يخليك تعاملها بقلة ذوق كده؟
حاول التهرب من السؤال بأي طريقة ممكنة فقال على الفور:
- أنا لا متغير ولا نيلة، كل الحكاية إني بعاملها عادي زي ما كنت بعاملها قبل كده.
عقدت سلمى ذراعيها وقالت بتحدي:
- عارفة إنك بتتعامل معاها برسمية لكن مش بجليطة.
رفع حاجبه وأردف بدهشة:
- أنا جلياط يا سلمى؟!
ردت بنفس النبرة:
- شوف ردك وأنت تعرف.
تدخل أمير في الحوار سريعًا قبل أن تسوء الأمور بينهما أكثر من ذلك، فيكفي ما حدث قبل المغادرة:
- خلاص يا جماعة مش وقته الكلام في الموضوع ده، خلينا الأول نشوف المشكلة اللي إحنا فيها الأول. ها إيه الأخبار؟
توجه بهذا السؤال إلى يوسف ليرد ويقول:
- مش موافق طبعًا إن سلمى تقعد هنا مع عمتو ومصر إنها ترجع البيت، واضح إنه مستحلفلها جامد.
نظرت له وقالت بعناد:
- وأنا قلتلك مش مستعدة أرجع معاك البيت دلوقتي، افرض بقى يا فالح هب فيا وهو سخن كده وأنا مش ناقصة.
تنهد أمير ليقول بعد تفكير:
- خالي مش هيسكت على فكرة، بس لازم ترجعي في أقرب فرصة لو طولتي هيقلب علينا كلنا.
نظرت له بحزن وقالت بيأس:
- للأسف، عارفة ده كويس.
******************
ممددة على فراشها تفكر في كل كلمة سمعتها، في كل نظرة وكل تعبير.
دون أن تشعر سقطت بعض الدموع من عيناها، مسحتهم بكبرياء وقررت تنفيذ ما وعدت به نفسها، لن تجني على كرامتها. لم تستطع حتى الخروج ومواجهة يوسف لما قاله في حقها، ولكنها تشعر في داخلها بأنه كاذب ويخفي شيئًا، فليكن لن تتراجع عن قرارها.
صوت طرقات على باب الغرفة، دخلت تهاني بعدما سمعت الإذن بالدخول، لتجد ابنتها مستلقية على فراشها شاردة. اقتربت منها وجلست على الفراش.
- مالك يا نور؟ حد ضايقك؟
ردت دون النظر إليها:
- مفيش يا ماما، أنا كويسة.
زفرت بحيرة لأنها تعرف لا تجدي نفعًا مع ابنتها، فغيرت الحوار قائلة:
- إيه الأخبار؟
اعتدلت جلستها وقالت بهدوء:
- سلمى هتقعد يومين عند عمتها لحد ما أنكل هاشم يهدي وبعدين ترجع، بس معتقدش إنها ممكن توافق على الجواز.
شهقت تهاني لتقول بدهشة:
- يا خبر، ده لو هاشم شم خبر بالموضوع ده هيقطع خبرها.
.. والشركات والالتزامات اللي عليهم هيعملوا فيها إيه؟
صاحت بها في ضيق شديد:
- معرفش يا ماما معرفش، الموضوع من أوله وفيه حاجة غلط، حاجة مش مظبوطة أصلًا عشان اتنين ملهومش ذنب يتعمل فيهم كده، زي ما سلمى ملهاش ذنب طارق كمان ملهوش ذنب.
زفرت بخنق وحزن شديد، لتقول بقلة حيلة:
- والله ما عارفة أقولك إيه يا بنتي، ربنا يهديك يا هاشم، أنت السبب في كل اللي وصلناله ده. المهم، عرفتي أخوكِ إن سلمى رجعت؟
نظرت لها بطرف عينيها لتقول:
- مش مكلماه، وأنا كده كده قلت لبابا.
قامت تهاني تستعد للخروج فقالت بعدما تفهمت موقف ابنتها:
- طيب أنا هكلمه، ربنا يستر من اللي جاي، أنا مش مطمنة.
تنهدت نور وقالت:
- سيبيها على الله.
***************
يجلس أمام البحر بالساعات ولا يتحدث مع أحد. إيهاب يجلس بجانبه ينظر إليه كل فترة يطمئن على حاله ثم يعاود النظر إلى هاتفه مرة أخرى.
فكر كثيرًا في طبيعة علاقاته بكل من حوله، وخاصة نور.
ندم كثيرًا على تفكيره وما قاله بلحظة غباء منه ولا يعرف كيف يمكنه أن يصلح ما بينهما ويعيد كل شيء من جديد، ولكن من الصعب حدوث ذلك في الوقت الراهن، لا يعرف لماذا قال ذلك وهو يعرفها جيدًا.
وتلك السلمى الحمقاء، لهذه الدرجة يبدو سيئًا للغاية لتتركه بهذا الشكل؟ لهذه الدرجة ترفض وجوده في حياتها ولا تريد التعاون معه على الأقل؟
ولكن لماذا يحزن لهذه الدرجة وهو في نفس حالها ويمكن أن يكون أسوأ منها، فهو لا يطيق الجلوس معها في مكان واحد من شدة عنادها وطريقة حديثها الاستفزازية التي تجعله يخرج عن شعوره ولا يحبها بالفعل، ولكن بداخله شيء يجعله يتعامل معها رغم ذلك، كل هذا ويرى إنها بالفعل سبب ما مروا به من مشاكل وصعوبات منذ اختفائها.
قطع الصمت صوت رنين هاتفه، فلم يجب، صاح به إيهاب:
- مترد يابني على الزفت ده، صوته مزعج.
رد بضجر:
- مش رادد على حد، سيبه يرن.
تنهد وقال بهدوء:
- طيب شوف مين على الأقل بدل ما أنت مضرب على الرد كده.
أردف دون النظر إليه:
- دي أمي.
صاح به بعنف:
- ما ترد يابني ليكون في حاجة مهمة.
لم يتلق أي إجابة منه، فانتشل الهاتف من يده وقام هو بالرد على الفور:
- ألو، أيوه يا طنط إزاي حضرتك؟
تهاني بهدوء:
- أيوه يا إيهاب الحمد لله، طارق فين وما ردش ليه؟
توتر ولم يعرف بماذا يجيب ليقول:
- معلش يا طنط مخنوق شوية ومش عايز يكلم حد، هو كويس ما تقلقيش، خير في حاجة حصلت؟
ردت تهاني بكل هدوء:
- أيوه أنتوا فين دلوقتي؟
ابتلع غصته وقال وهو ينظر إليه باستغاثة، ليقول بتوتر:
- في الساحل.
غضبت تهاني كثيرًا على تهور ابنها وعدم مبالاته بما يحدث حوله، فصاحت به في غضب:
- ساحل!! ساحل إيه وزفت إيه على دماغكوا في الظروف اللي إحنا فيها دي، مش بدل ما يحاول يتصرف يقوم يهرب، أنتوا تجولي دلوقتي حالًا وإلا مش هيحصل طيب.
حاول إيهاب تهدئتها وقال لإيضاح الأمر:
- ولا هروب ولا حاجة، طارق بس كان محتاج يغير جو مش أكتر ولو كان عايز يهرب كان عملها من زمان زي سلمى مش دلوقتي.
صاحت به بضيق:
- ولا كلمة عنها أنت وصاحبك، في ظرف ساعتين بالكتير وتكونوا هنا، سلمى رجعت وعايزين نفكر هنعمل إيه الخطوة الجاية والحل في إيد الأستاذ.
اتسعت عيناه دهشة وصاح بعدم تصديق جعل طارق ينظر له وينتبه جيدًا:
- بجد؟! إمتى ده حصل؟ طيب جايين على طول، سلام.
أقبل عليه باهتمام وقال:
- في إيه يابني، حد حصله حاجة؟
رد إيهاب وما زال لم يصدق ما سمعه للتو ليقول بانبهار:
- مامتك أول مرة أشوفها بتزعق وانفعالية كده، بس بصراحة معاها حق.
صاح به بقوة فلم يحتمل هذه المماطلة أكثر من ذلك:
- مترد يابني إيه اللي حصل؟
نظر له بترقب وقال ببطء نوعًا من التشويق:
- سلمى.. رجعت.
اتسعت عيناه دهشة وصدمة ليصيح به قائلًا بعدما نهض:
- بتتكلم جد؟ إمتى وكانت فين؟
نهض إيهاب هو الآخر وقال:
- النهارده الصبح، بس معرفش أكتر من كده.
******************
قاد سيارته بسرعة عالية وإيهاب يجلس بجواره مندهشًا لما يحدث، ولا يعرف سر اللهفة التي تستحوذ عليه بهذا الشكل، ولكنه غير مطمئن.
وصل طارق إلى فيلا هاشم وأخذ يضرب الجرس عدة مرات إلى أن أتى الخادم وفتح.
- سلمى فين؟
رد الخادم سريعًا خوفًا من لهجة طارق الغاضبة:
- مش موجودة يا أستاذ طارق.
صاح به بعنف:
- مش موجودة إزاي؟ جالي خبر إنها هنا.
أردف بنفس النبرة:
- لو موجودة هكدب على حضرتك ليه بس يا أستاذ؟
نظر له نظرة حارقة وقال وهو ذاهب:
- طيب.
استقل سيارته وقاد سريعًا بجنون وقام بالاتصال بوالدته. صاح بها بمنتهى العصبية والانفعال:
- أيوه يا أمي هي فين؟ روحت البيت مش موجودة فيه، بتشتغلوني ولا إيه؟
ردت تهاني بجدية وصرامة:
- اهدى يا طارق، سلمى ما رجعتش بيتها أصلًا، هتلاقيها عند عمتها سميحة.
شعر بالغرابة من حديثها فقال بعدم فهم:
- عمتها!! ما رجعتش على البيت ليه؟
ردت بنفس النبرة:
- خايفة من رد فعل هاشم، لو شافها مش بعيد يخلص عليها.
هاج طارق وعلا صوته وقال بانفعال كبير:
- ده أنا اللي هخلص عليها، تعمل العملة وتخاف في الآخر، صبرك عليا يا سلمى أما وريتك.
صاحت به تهاني بعنف وتحذير:
- اهدى يا طارق مش كده، أنت اتجننت!! الحمد لله إنها رجعت بالسلامة.
صاح بها إلى أن احمر وجهه:
- اهدى إيه، هي خلت فيا عقل، ليه عملت كده ليه؟ سلام يا أمي، سلام.
أنهى المكالمة سريعًا دون انتظار ردها وتهاني سوف تجن من رد فعله وانفعاله الكبير سوف يحدث كارثة إذا لم يتم كبحه.
ذهبت إلى غرفة نور مسرعة وقد شحب وجهها وهي تهرول للداخل، اعتدلت في جلستها قلقة على حالة والدتها لتقول بخوف:
- في إيه يا ماما مالك؟
صاحت بها بشدة وقلق:
- قومي بسرعة ألحقي أخوكِ لا يعمل في خطيبته حاجة، منفعل بطريقة مش طبيعية لو شافها هيخلص عليها.
انتفضت نور بسرعة وهي تخرج مهرولة من الغرفة بخوف ورعب شديد للغاية:
- إيه.. يا نهار أسود.. ده مجنون.
أردفت تهاني سريعًا بخوف شديد:
- طمنيني يا بنتي بالله عليكِ، استر يا رب.
استقلت نور سيارتها وقادت مسرعة بشكل جنوني، كادت أن تصطدم بسيارة أمامها من شدة توترها وسرعة انفعالها، فكرت بالحل الأمثل لإنقاذها من تهور ذاك المجنون المسمى بأخيها وقامت بالاتصال بمحمود على الفور بصوت مرعوب:
- ألو.. أيوه يا بابا ألحقني بسرعة.
نهض محمود بفزع من نبرة صوتها وقال بخوف وقلق:
- في إيه يا نور..
مالك يا بنتي؟
ابتلعت غصتها بصعوبة وهي تقول بارتباك:
- طارق عرف برجوع سلمى ورايحلها وناوي على الشر.. مستحلف لو شافها هيخلص عليها.
صاح بها بعنف وضجر وهو يقول:
- إيه الجنان إللي بتقوليه ده.. هي ناقصة!!
ركض سريعًا وهاشم ينادي عليه بلا جدوى. أخذ مفاتيح سيارته وركض خلفه.
******************
منذ رحيل نور بعد المشادة التي حدثت بين يوسف وسلمى وهما مبتعدان عن بعضهما تمامًا. لا يتحدث أحد منهما مع الآخر.
نكران يوسف بتغير معاملته مع نور وفقًا لتهديد طارق له، وشك سلمى في أمره من خفيان شيء كبير لهذا الأمر وبالتأكيد لن تهدأ قبل أن تكشف المستور.
يجلس أمير بينهما يحاول أن يصلح ما تم إفساده، ولكن ما باليد حيلة. وسميحة حزينة على مقاطعتهما لبعض، تشعر بأن هذه العائلة قد تم حسدها بالفعل، فهو كان لا يسمح للهواء مس شعرة واحدة منها والآن دب خلاف كبير بينهما ولا تعرف ماذا تفعل.
كسر الصمت الكاسح للردهة صوت جرس الباب بسرعة شديدة دون توقف، انتفض كل منهم في ذعر على ذلك الرنين المزعج الذي يوحي بكارثة ما سوف تحدث أو حدثت بالفعل.
قام أمير سريعًا ليفتح الباب، إذ يرى نور تدخل وهي تلهث وعيناها تدور في أركان المنزل بقلق ثم نظرت إلى سلمى وقالت بانفعال:
- طارق عرف برجوعك ومستحلفلك.. لو شافك مش هيعتقك وهو جاي ورايا دلوقتي.
نظروا لبعضهم البعض في دهشة وقلق وعدم استيعاب لما تقول، إلى أن صاح بها يوسف:
- إيه الهبل إللي بتقوليه ده.. أتجنن ده ولا إيه!
تدخل أمير سريعًا وقال وهو ينظر إليها:
- اهدى أنت بس يا يوسف.. إللي حصل يا نور؟
زفرت بشدة وتعب ثم أردفت:
- ماما اتصلت بطارق عشان تقوله ولما عرف هاج جدًا واتعصب ومستحلفلها.. إللي حصل مكنش سهل عليه وتقريبًا هو أكتر واحد اتصدم من إللي عملته سلمى ونفسيته كانت وحشة فلو شافها دلوقتي هتبقى سواد.
صاح يوسف بانفعال شديد:
- أما نشوف هيقدر يعملها إيه وأنا موجود.. هكسرله رجله.
تدخلت سميحة التي كانت تسمع حوارهم والدمع متحجر في عيناها لا تعرف ماذا تفعل لحل هذه الورطة الكبيرة التي جعلتهم يحاربون بعضهم بهذا الشكل بعدما كانوا في صفاء:
- ده مش حل يا يوسف.. ربنا ما يجيب مشاكل أكتر من كده.. مش كل ما نحلها بحاجة نرجع نزودها أكتر.. هو في الأول وفي الآخر معذور يابني ومش حاسس هو بيقول إيه.. دي حاجة في الأول وفي الآخر بينه وبين سلمى.. لازم هي تواجه إللي عملته مش تهرب منه.. ولا إيه يا سلمى؟!
قالت هذه الجملة الأخيرة وهي تنظر إلى سلمى، التي كانت تفكر في كل حرف وكانت سميحة محقة به تمامًا. ولكن جزءًا من عقلها يرفض الاستماع إليه ويكابر الحقيقة. ولكن إلى متى الهروب من المواجهة أكثر من ذلك، يجب أن تراه على الأقل حتى تكسر الحاجز بينهم. بعد صمت وتفكير دار في بالها أردفت:
- أنا مستعدة أقابله وإللي يحصل يحصل.. لازم نحط النقط على الحروف.. كفاية أوي لحد كده.
صمت وهدأ الجميع فجأة ونظرهم معلق بها. يفكرون في تلك المواجهة والحرب التي من الممكن أن تشعل بينهم في أي وقت.
دقائق ووصل طارق بقرعاته على الباب بعنف متواصل. فتح أمير ليدخل متجهًا ببصره وجسده إلى سلمى مثل الثور الهائج. والشرر يتطاير من عينيه كالسهام النارية الحارقة.
أما هي فمنتهى السلام النفسي من الخارج ولكن بداخلها نار مشتعلة وخوف إلى أبعد الحدود.
صاح بها بعنف وعصبية شديدة وأمير يحجب بينهم:
- والله وشرفتي يا هانم.. بقى كده يا سلمى دي عملة تعمليها.. ليه ها؟.. مش كنا خلاص متفقين ها؟.. ليه تكسريني بعملتك دي عملتلك إيه أنا عشان تهدي كل حاجة في يوم واحد وتخلي رقبتنا كلنا أد السمسمة بداية مني لحد أبوك.. ساكتة ليه ما تردي.
كانت تستمع إليه والدمع متحجر في عيناها صارخة للفرار. لم تتحمل انفعاله وكلماته، كأنها ذبحته بفعلتها بسكين بارد وهو لم يفعل شيئًا بالمقابل أبدًا. لم تتحمل أكثر من ذلك فأطلقت لدمعها العنان وانساب بغزارة على وجنتيها وهي تصيح به بعنف وقلب ممزق:
- ليه؟.. كل ده ومش عارف ليه؟.. عشان فجأة لقيت شريط حياتي مر عليا زي شريط السينما وبيوريني أد إيه كنت مضحية لدرجة الغباء.. أد إيه اتحرمت من الحب والاهتمام والحنان.. أد إيه اتحرمت من أمي في أكتر وقت كنت محتاجلها فيه ومن أب وهو عايش على وش الدنيا ومش حاسس بيا ولا يعرف عني حاجة أصلًا.. كل همه الفلوس ويكبر شركته ومصنعه وبس.. وأنا طظ ولا حاجة ولا أفرق أي شيء بالنسبة له.. يقدر يبيع ويشتري فيا زي ما يحب.. باعني مرة لإنسان خاين ما بحبوش ولا عمره حبني.. كل إللي صبره عليا الشراكة بين أبوه وأبويا.. وسيادتك يوم لما باعني ليك عشان صفقة بكام مليون وما فكرش أنا عايزة إيه ولا بحب مين.. لا بتطقني ولا بتحبني من الأساس.. إنه ضيع أمي عشان مصالحه الشخصية.. أد إيه حب أخويا واهتمامه بيا أصبح سراب.. أد إيه خسرت كل حاجة.
مش قادرة أتصور اليوم إللي بستناه إللي يعتبر الحاجة العدلة في حياتي تتحول لغصب وكابوس مقرف.. مع الشخص إللي هيعوضني عن كل يوم مر عشته بعد موت أمي يكون غير كده تمامًا.. وفي الآخر هحصل على لقب مطلقة.. الله حلو أوي نظرة الناس والمجتمع العقيم ليا.. حياتي هتدمر بسبب حماقة وجشع لأصحاب النفوذ والمصالح وسيادتك عادي بعد كده هتعيش حياتك ملك.. طبعًا ما أنت الراجل تعمل ما بدالك.. أما أنا يداس عليها بالجزمة ولا أقدر أقول آه.. كل حاجة اسودت في عيني حتى ده.. يبقى الموت أرحم من الجحيم إللي أنا عايشاه.. ما حسيتش بنفسي وأنا ببعد وبسيب كل حاجة وأمشي.. يمكن الكابوس إللي عشت فيه ده ينتهي وأصحى ألاقي أمي عايشة وكل حياتي بقت تمام.. عرفت بقى ليه؟!
صمت تااام عم على الأرجاء. سكتت سلمى وعيناها أصبحت كتلة دموية من كثرة البكاء والانهيار. تنظر في عينيه بشدة وتحدي. عيناه التي انسدل الدمع منها بغزارة هو الآخر، قلبه تمزق من كلماتها بسكين حار للغاية. كل كلمة مست وجدانه وجوارحه لدرجة كبيرة. شعر بكل حرف تفوهت به من دقائق معدودة. أمنكسرة وحزينة لهذه الدرجة؟ تشعر بالوجع وتكتم كل آلامها في صمت. في صدرها لا تبوح به. مسح دموعه بسرعة ولا يعرف بماذا يجيب عليها.
في ذلك الوقت قد وصل محمود وهاشم وقد سمعا كل كلمة وحرف منذ البداية. شعر بأن الدمع تصلب في عروقه وقليل من المشاعر قد بدت على وجهه.
لا ينكر طارق بأنه تعاطف معها كثيرًا، وصعبت عليه نفسه وكسرتها. فبكاء سميحة جعله يفكر جيدًا قبل أي تصرف.
حالة الصمت طالت أكثر مما ظنوا، لا يعرفون ماذا يقولون. أي لا يوجد أي كلام يمكن أن يكسر هذا الصمت الرهيب. اقترب منها وقال بجدية وحزن شديد:
- أنا آسف.. آسف لو كنت جرحتك أو ضايقتك بقصد أو بدون قصد.. أنت عارفة الظروف إللي مرينا بيها كانت شكلها إيه.. وضع واتفرض علينا كلنا مش بس أنا وأنت.. أنا كمان على فكرة كان نفسي تكون شريكة حياتي شريكة بمعنى الكلمة.. تحبني زي ما بحبها.. يمكن أكون معرفتش أوصل المشاعر دي صح بس يكفي أنها شاغلة بالي وهي قدام عيني على طول رغم المشاكل إللي بينا بس كفاية إن فيه ذرة مشاعر اتحركت جوايا ناحيتها في لحظة أو في يوم من الأيام.. عشان كده أنت حرة يا سلمى.
نظروا إليه الكل في دهشة من جملته الأخيرة. في هذه اللحظة صاح به هاشم ليقول:
- أنت بتقول إيه؟ شكلك اتجننت زيها.. مش بدل ما تعقلها.
صاح به طارق بنفاذ صبر:
- الموضوع من الأول أصلًا غلط وحضرتك عارف كده كويس.. عايز أفهم.. ما أثرتش فيك ولا كلمة منها؟ ما حركتش فيك أي مشاعر أبوة على الأقل؟
كابر هاشم مشاعره فرد بارتباك واضح:
- بلا كلام فارغ.. اسمعوا أنتوا الاثنين.. هتتجوزوا يعني هتتجوزوا وإلا هي عارفة كويس أنا ممكن أعمل فيها إيه.
تحركت بعنف شديد ووقفت أمامه بتحدي لتقول وهي تنظر في عينيه بكل ثقة وثبات:
- هتعمل إيه هتموتني زي ما موت أمي؟.. يكون أحسن على الأقل هرتاح من العيشة دي والدنيا كلها.. مستني إيه ما تموتني وخلصني ولا خايف إن الصفقة تروح عليك.
الدماء غلت في عروقه ولم يتحمل كلماتها فقام بكل قوة بصفعها على وجنتها بقوة شديدة جعلت شفتاها تنزف الدماء وتقع أرضًا وهو يصيح بها قائلًا:
- أخرسي.. مش عايز أسمع حسك.. نسيتي إنك بتكلمي أبوك.
صياح وهيجان بعد هذه الصفعة. الكل ركض نحوها ليطمئن عليها ولكل واحد منهم كلمة منهمرة على هاشم الذي لا يحمل في قلبه ذرة مشاعر أو إحساس تجاه أبنائه.
وقفت سلمى بمساعدتهم وهي تقول له بصوت متقطع من البكاء وبتحدي:
- بس ما تقولش أبويا.
وقف محمود حائلًا بينهم وهو يصيح به بضيق شديد:
- أنت إيه جرى في عقلك حاجة.. تاني مرة تعمل العملة السودة دي يا هاشم.. إيه مش خايف على بنتك.. الفلوس عمت عينيك وقلبك ما كفاكش إللي حصل.. ما بتشوفش غيرهم.. فوق بقى يا أخي فوق.. بنتك لو جرى لها حاجة مش هيحصلك طيب وأنا بنفسي إللي هشتكيك للنيابة.. ما فيش جواز بعد كل إللي بتعمله ده.. كل الخراب وإللي حصلنا ده بسببك وبسبب طمعك.
بينما نظرت له سميحة وقالت بعدما تفحصته من أخمص قدمه لمنبت شعره باشمئزاز:
- مش ممكن تكون أخويا أبدًا باللي بتعمله ده.. ما كنتش أتصور إنك تبقى بالجحود ده كله عشان شوية ورق.. يا خسارتك يا هاشم بجد.
وقف طارق بجانب سلمى ووجه حديثه لهاشم بضيق شديد:
- ما كفاية بقى.. حرام عليك بتعمل فيها كده ليه.. عمري ما شفت أبويا بيعمل في نور كده.. هي بنتك صحيح من لحمك ودمك ولا جايبها من ملجأ؟.. لأني ابتديت أشك في علاقتك بيها بصراحة.
صاح به هاشم بعنف وهو ينظر لمحمود:
- أنت بتقول إيه.. ما تسكت ابنك يا محمود ولا أسكته أنا بمعرفتي.
أمير لم يحتمل فصاح هو الآخر. صرخ محمود في الجميع وقال:
- كفاية بقى.. خلاص الموضوع اتقفل ما فيش جواز والصفقة دي عنها ما تمت.
نظر له هاشم بعند وغيظ وتحدي فقال بصوت عال وهو يسحب سلمى من معصمها بقوة:
- بقى كده؟.. حلوة أوي.. هي إللي اختارت.
خرج من الشقة بينما تودعهم سلمى بعيون دامعة حزينة ونظرة عتاب لطارق. واختفوا بسرعة شديدة.
وقف الجميع في حالة صدمة وذهول كبير لا يدرون ماذا سوف يفعل بها.
فقط سميحة اختل توازنها وأخذت تبكي بحرقة شديدة وهي تدعي على هاشم بالهداية وأخذ أمير ونور يواسيانها، والأخيرة تبكي بصمت.
أما يوسف ركض سريعًا خلفهما كي ينقذ شقيقته. لا يعرف ماذا سوف يفعل والده بها. إلى أن رحل طارق في صمت والوجوم يحتل معالم وجهه.
****************
يقود سيارته بشرود تام ولا يعرف إلى أين يذهب. وجد مكالمات فائتة من سارة وإيهاب ولكن لم يعاود الاتصال بهما، فهو في وقت يحتاج أن يعقد خلوة مع نفسه قليلًا دون إزعاج من أحد.
أوقف السيارة ونزل منها ليجلس على إحدى صخور الشواطئ.
ينظر للبحر في شرود تام، يحاول استيعاب ما حدث منذ قليل، وأخذ يفكر بسلمى وعن تلك النظرة الأخيرة التي رمقته بها. لا يعرف ماذا حدث له كي تتغير مجرى حياته بهذا الشكل الغريب. لا يستطيع أن ينكر بأنه تسبب أيضًا بمشاكل عديدة لها منذ بداية الصفقة وعرضها عليها، وإلا ما كانت في الحالة التي تبدو عليها الآن.
وصل هاشم الفيلا، نزل وسحب سلمى من مقعدها وسحبها بعنف إلى الداخل وهي تبكي وتتوسل إليه بأن يتركها. شعرت بالإحراج الشديد وهي ترى الخدم ينظرون إليها بغرابة وحزن وهو يعاملها بهذا الشكل.
نظر لإحدى الخادمات وقال لها بتهديد وقسوة:
- لو سلمى خرجت من البيت اعتبري نفسك مرفودة.
ابتلعت الخادمة غصتها وقالت بتوتر:
- حاضر يا بيه.
أنهى حواره معها وأكمل سحب سلمى على السلم إلى أن وصل لغرفتها. ألقى بها على الفراش بقوة فتألمت وأخذت تفرك معصمها من أثر قبضة يده وهي تنظر له بعين باكية وحسرة وغضب شديد إلى أن قام وقال:
- اسمعي يا سلمى، من هنا ورايح ولا في خروج من البيت ولا مرواح للكلية ولا فيه عربية ولا تليفون حتى، وهتقعدي هنا زيك زي الكرسي، ما اسمعش حسك خالص لحد ما تفوقي من الوهم اللي عايشة فيه.
نهضت بألم وهي تنظر له بألم وحسرة:
- وهم! أنت اللي عايش في وهم مش أنا، أنت بتعمل معايا كده ليه؟ أنا ذنبي إيه؟ فوق بقى.
صفعها صفعة قوية جعلتها تقع وتفقد وعيها.
رواية صفقة حب الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم شيماء جوهر
أكمل سحب سلمى على السلم إلى أن وصل لغرفتها. ألقى بها على الفراش بقوة فتألمت وأخذت تفرك معصمها من أثر قبضة يده وهي تنظر له بعين باكية وحسرة وغضب شديد إلى أن قام وقال:
- اسمعي يا سلمى، من هنا ورايح ولا في خروج من البيت ولا مرواح للكلية ولا فيه عربية ولا تليفون حتى. وهتقعدي هنا زيك زي الكرسي، مسمعش حسك خالص لحد ما تفوقي من الوهم إللي عايشة فيه ده.
نهضت بألم وهي تنظر له بألم وحسرة:
- وهم! أنت إللي عايش في وهم مش أنا. أنت بتعمل معايا كده ليه؟ أنا ذنبي إيه؟ فوق بقى.
صفعها صفعة قوية جعلتها تقع وتفقد وعيها.
خرج سريعًا بمجرد أن صفعها ولم يلتفت إليها حتى. أغلق الباب بعنف وخرج من المنزل.
في ذلك الوقت وصل يوسف وركض على درجات السلم متجهًا إلى غرفة سلمى، فتح الباب ووجدها ملقاة على الأرض.
ركض نحوها مهرولًا والقلق يعتصر قلبه عصرًا، فرفع رأسها وهو يهتف باسمها بخوف ولهفة:
- فوقي يا سلمى، إللي حصل... سلمى.
قام سريعًا وتناول زجاجة عطر من أعلى سطح التسريحة، وحاول إفاقتها وهو يصفعها برفق إلى أن بدأت تستعيد وعيها ببطء وفتحت عيناها.
عندما رأته هو بجانبها بكت بشدة كأنها وجدت أمانها، بكت لدرجة لم يستطع حدها عن البكاء، استطاعت أن تتحدث وسط دموعها المنهمرة وتقول:
- ضربني يا يوسف، ضربني تاني. هو بيعمل معايا كده ليه؟
اتسعت عيناه دهشة وأدرك حينها سبب إغمائها، قبض يداه وأغمض عيناه بعنف وهو يتوعد سرًا، ضمها إلى صدره وأخذ يربت على ظهرها بحنان وهو يحاول تهدئتها بكلمات مريحة إلى أن هدأت.
في لحظة نسيا المشاحنات التي كانت بينهما منذ قليل، يذوب كل شيء بلحظة إذا وجد أحدهم يتألم أو في مشكلة، يتركون الغضب والعتاب جانبًا ولا يرون شيء سوى بعضهما فقط.
ساعدها على النهوض ووضعها على فراشها لكي يتركها تستريح قليلًا، قبّل جبينها وخرج من الغرفة يتهدد بألم وحزن شديد يجب أن يوقف تلك المهزلة بأي شكل وثمن.
******************
انصرف محمود بعد رحيل الجميع وهو يستغفر ويفوض أمره لله، وسط ذهول وحزن ممن حوله.
لم يتبق مع سميحة سوى أمير ونور يواسيانها وهم بحاجة إلى من يواسيهم، خاصة نور أخيها من ناحية وصديقتها من ناحية أخرى ولا تعرف أي منهما يكون الضحية، هي أم هو أم كلاهما بالفعل.
طريقة سحب سلمى من وسطهم غير مطمئنة لقلب نور وسميحة على الإطلاق بعد تلك النظرة المودعة التي تركتها قبل ذهابها.
هاتفت تهاني ابنها للاطمئنان على الوضع ولا تعرف ماذا تقول أو ماذا تفعل، استأذنت وقامت ترد في الشرفة بأريحية:
- أيوه يا ماما.
تهاني بقلق شديد:
- طمنيني يا بنتي إللي حصل، أخوكِ عمل حاجة؟
صمتت لحظات حيث تجمعت الدموع في مقلتيها، حبيسة تحاول السيطرة عليها وعلى صوتها فقالت:
- لأ الحمد لله ما عملش حاجة، الوضع نوعًا ما قدرنا نسيطر عليه.
شكت تهاني من نبرة صوتها:
- مال صوتك؟ مش ده بس إللي حصل في إيه؟
لم تستطع نور السيطرة أكثر من ذلك، فانهمرت في البكاء:
- سلمى انفجرت وقالت كل إللي جواها لطارق قدامنا كلنا، كل إللي كانت كبتاه جواها وسنين حبساه. أنكل هاشم سحبها من وسطنا ومشي وأنا مش مرتاحة لرد فعله ده نهائي، في حاجة غلط.
تنهدت تهاني وقالت بحزن:
- لا حول ولا قوة إلا بالله، مش هيرتاح ولا يعقل إلا لما يخلص على بنته. الله يهديك يا هاشم ويرحمك يا فريدة.
تنهدت نور هي الأخرى بعدما جففت دموعها وقالت:
- ماشي يا ماما هقفل دلوقتي وهكلمك بعدين.
أنهت المكالمة وعادت للداخل تجلس بجوار سميحة، تربت وتمسح ذراعها برفق، تهون عليها حزنها على ابنة أخيها القاسي.
- ما تكلميها يا نور نطمن عليها.
قامت بالاتصال على الفور جرس دون رد لعدة مرات لا تجيب، نظر لها أمير ليقول باهتمام:
- برضه ما بتردش؟
هزت رأسها نافية بيأس ثم قطعت الصمت:
- مش مطمنة من ساعة ما سحبها بس إن شاء الله خير.
تنهد أمير ليقول:
- يسمع منك ربنا، واضح أن خالي عقله فوت على كبر.
*******************
بعد تفكير طويل اكتشف ما حدث بينه وبين سلمى كان خطأ منذ البداية، كان من الممكن أن يكونا سويًا لولا تم ارتباطهما بهذا الشكل الإجباري، دون وجود أي اختيار على الأقل لهما، ولكن لا كل شيء كان بمنتهى السرعة دون أي مبررات حتى من هذه الشركة أو من هاشم الجوهري شخصيًا، يشعر بأن هناك خطأ ما بشأن هذه الزيجة، يوجد وراء ما يحدث بهذا الشكل المتسرع شيء غامض وغير مفهوم، ولا يعتقد أن كان والده يعرف شيئًا عنها على الإطلاق.
والآن جاء الوقت لكي ينسحب، كي يرتاح قليلًا وترتاح معه سلمى، فلا ذنب لها في كل ما يحدث، يمكن ابتعاده يعيد من تفكيرهم مرة أخرى.
********************
يشعر محمود بأنه حقًا في كابوس كبير، لم تحدث كل تلك المصائب والمشاكل إلا منذ اللحظة التي وافق عليها على هذه الصفقة، أو بمعنى أصح تلك اللعنة التي حلت عليهم جميعًا بلا استثناء، سواء عائلته أو عائلة هاشم الجوهري التي تأذت بها تلك الابنة المسكينة التي كل ذنب ارتكبته إنها ابنة هاشم.
شيئًا ما في داخله جعله يعيد النظر في الملف الخاص بتلك الشركة، فطلب من السكرتيرة إحضار الملف.
وبالفعل دخلت بعد دقائق ووضعته أمامه على سطح المكتب وخرجت على الفور، مسك الملف وبدأ بفحصه جيدًا وبعد قليل من القراءة وإجراء مكالمة تجهم وجهه، وترك المكتب والملف خلفه.
عاد إلى منزله وهو يفكر بما كان يحتويه يداه من كارثة، يخشى من القادم بشكل كبير وتصور سبب كل حدث لهم جميعًا حتى الآن.
استقبلته تهاني التي اندهشت قدومه في هذا الوقت على غير عادته، استقبلته ببسمة صغيرة وهي تقترب منه وعيناها بها تساؤلات عديدة وهو شعر بها. رد باسمًا هو الآخر فاصطحبها بضم ذراعه حول منكبيها إلى غرفة مكتبه. جلسا على الأريكة المجاورة للمكتب وهو يزفر بشدة والتفكير والسهوم ينطلق من وجهه وعيناه. نظرت له تهاني في حيرة شديدة لا تعرف ماذا تقول، فلم تعتد أن ترى زوجها في هذه الحالة من قبل، ربتت على يداه بلطف وقطعت الصمت:
- مالك يا محمود في إيه؟
ارتسمت ابتسامة مصطنعة بعدما رفع رأسه ونظر إليها:
- مممممم لا مفيش.
أعادت وجهه إليها ثم قالت قلقة وهي تشعر بأنه يخفي عليها شيئًا ما:
- يا سلام!! على أساس إني مش فهماك يعني ولا إيه؟ مالك يا محمود وما تقوليش مفيش.
زفر في ضيق وتعب شديد، فهو مجهد للغاية من كثرة التفكير وحده، وهو لا يخفي شيئًا عن زوجته، بل العكس يشعر بالراحة الكبيرة وكأن ثقلًا أزيح من فوق صدره عندما يسرد عما بداخله، وفي كل الأحوال سوف تعرف في نهاية المطاف، فلا يعرف كيف يبدأ معها الحوار بشأن هذا:
- مش عارف أقولك إيه بالظبط يا تهاني، أنا عن نفسي ما كنتش مصدق ولا مستوعب، بس حاسس أن في كارثة ولكن ما كنتش عارف إنها هتبقى بالشكل ده أبدًا.
صاحت به تهاني نوعًا ما بقلق:
- كارثة إيه يا محمود قلقتني.
تنهد بتردد ثم قال بنبرة محذرة:
- إللي هقولهولك ده ما يطلعش بره، ولا الجن الأزرق يعرف بيه لحد ما نشوف حل للمصيبة دي.
خفق قلبها بشدة وطالت نظرتها له بأن يبدأ بالحديث، فأومأت برأسها إيجابًا وبالفعل بدأ يحكي لها...
*******************
في المساء ارتدت سلمى ملابسها ونزلت للردهة وهي تتلفت حولها بحذر، تخشى أحدًا من الخدم أن يراها. فاستغلت الوقت الذي تركها فيه يوسف وذهب إلى غرفته كي يستريح قليلًا منذ لحظة اختفائها، ثم استيقظ وذهب لعمله.
خرجت للحديقة ومنها بخفة ركضت مسرعة نحو البوابة لتجد سيارة والدها تدخل، تجمد الدم في عروقها وشعرت بأن قدمها تخشبت لحظة، اختبأت خلف إحدى الجدران إلى أن يدخل وعندما تأكدت من دخوله ركضت بسرعة في طريقها.
شعر هاشم بخطواتها، فالتفت خلفه وشاهدها تركض، فصاح بها مناديًا بصوته بالكامل، بغضب وعنف شديدين باسمها جعلها ترتعش وتنتفض وتقف في مكانها وقلبها يدق بسرعة شديدة من شدة الخوف، تخشى من مواجهته وأن تنظر لوجهه، دقيقتان وجذبها من ذراعها وأدارها نحوه بغضب وهو ينظر لها بأعين الشرر ينطلق منها كالسهام النارية الحارقة:
- مش قلت ما فيش خروج من البيت؟ حصل ولا ما حصلش؟ كنتِ رايحة فين الساعة دي؟ عايزة تهربي وتعريني زي ما عملتِ قبل كده؟ انطقي، إللي نزلك من أوضتك.
سلمى من داخلها قلبها يرتعش من الخوف، ولكن قررت بأن لا تظهر ذلك أمامه، يجب بأن تبقى صامدة على قدر الإمكان، نظرت له بتحدي:
- مش هتحبسني ومش هعمل حاجة بمزاجك تاني. عايز تقتلني وتريحني زي ما قتلت أمي أتفضل، على الأقل هيكون أرحم من السجن إللي أنا عايشة فيه ده.
اشتعال الدم في عروقه من شدة الاتهام الذي تقذفه أمامه ونبرة التحدي وعدم الخوف الظاهر على نبرتها، يشعر بأنه سوف يفقد السيطرة عليها تدريجيًا. حكم قبضته بشدة وهو يسحبها خلفه بقوة وهو يقول:
- واضح أن كلامي ما بيتسمعش، أنا هوريكِ السجن إللي على أصوله، إن ما كنتش أربيكِ يا سلمى من أول وجديد ما بقاش أنا هاشم الجوهري.
كانت تستغيث بالخدم وهو يسحبها للداخل ولكن لا يوجد مساعدة يقدموها إياها في هذه الحالة وإلا انقطع عملهم في هذا المنزل، فأخذ هاشم يصيح بعنف وقسوة في الخادمة:
- مش قلت سلمى ما تعتبش بره البيت؟ كنتِ نايمة على ودانك ولا كنتِ بتهببي إيه؟
توترت الخادمة وارتعشت يداها وكادت أن تتكلم فقاطعها:
- حسابك معايا بعدين بس لما أخلص منها الأول.
صعد بها السلم ومنها إلى غرفتها، فتح الباب وألقى بها بعنف وقسوة فارتطمت على الأرض وهي تبكي، تتظرت له بحسرة وألم وعتاب ليقول لها محذرًا وهو في أقصى حالات انفعاله وغضبه:
- اسمعي يا سلمى وده آخر تحذير ليكِ، لو فكرتي تعملي العملة السودة دي تاني أنا هعرفك شغلك كويس. من هنا ورايح ما فيش خروج من الأوضة دي نهائي إلا بأمر مني مش من البيت بس ولا مخلوق هيقدر يوصلك.
وحسك عينك تفتحي بؤك بكلمة واحدة لحد ما أشوف حل للمصيبة إللي أنتِ وقعتينا فيها دي بعملتك السودة.
خرج من الغرفة وارتطم الباب بشدة وأوصده من الخارج، وأخذت تبكي بشدة وحرقة على قدرها مع أبٍ لا يعرف للرحمة والحنان مكان، فكل شيء أصبح أسوأ من قبل، مشاعر وأحاسيس كثيرة بداخلها لا تستطيع التعبير عنها سوى بالبكاء. بعد مدة لم تشعر بنفسها، نامت بمكانها على الأرض من شدة التعب، ولا تزال عبراتها تسري على وجهها في صمت.
على قرابة الساعة التاسعة مساءً، عاد يوسف، وأول شيء قام به هو المرور على سلمى للاطمئنان عليها قبل أن يذهب إلى غرفته. قرع على الباب عدة مرات وهو ينادي عليها فلم ترد، أمسك بالمقبض ليفتح الباب فتفاجأ أنه موصد. دب القلق والخوف الشديد إلى قلبه وأخذ يقرع على الباب بشدة وسرعة شديدة وما زال ينادي عليها، يخشى أن يكون قد حدث لها شيئًا ما بالداخل، ولا يعلم لماذا أوصدت الباب بهذا الشكل.
تناول هاتفه وحاول الاتصال بها عدة مرات ولكن دون جدوى، فلم يسمع سوى تلك الرسالة السخيفة المسجلة "الهاتف مغلق أو غير متاح". حاول معها مرة أخرى ويقرع على الباب فلا توجد أي ردود أو صوت من الداخل، إلى أن خرج هاشم من غرفة مكتبه وصاح به من الأسفل:
- في إيه؟ الغاغة إللي أنت عاملها دي؟
كان يوسف يستشاط غضبًا من والده على ضربه لسلمى للمرة الثانية، فلم ينس بعد ما فعله صباحًا، فصاح به هو الآخر:
- في إن سلمى قافلة على نفسها من جوة ومبتفتحش ومش سامعلها صوت.
رد هاشم بكل برود وهو يعود حيثما أتى:
- متتعبش نفسك مش هتفتحلك لأني أنا إللي قافل عليها.
يوسف اتسعت عيناه دهشة وفتح فاه بعدم تصديق لما سمعه، ركض سريعًا على درجات السلم ووقف أمام هاشم قبل أن يدخل مكتبه، وأردف مستفهمًا بنبرة هادئة يحاول فهم ما قيل:
- نعم!! قلت إيه!! أنت إللي قافل عليها؟ طب ليه؟
عقد ذراعيه وقال ببرود:
- اسأل الهانم كانت ناوية تعمل إيه؟ عايزة تهرب وتدخلنا في دوامة ملهاش أول من آخر تاني. كنت عايزني أعملها إيه؟ أسيبها تجيب أجلنا كلنا؟
ابتسم باستنكار وقال ساخرًا:
- وأنت فاكر أن أجلنا كل ده لسة مجاش؟ تبقى غلطان. أحنا أجلنا بدأ من يوم ما مضيت على الصفقة الملعونة دي وحياتنا كلها اتشقلبت. مش من حقك تحبسها، هات المفتاح.
لا توجد أي كلمة هزت ولو شعرة واحدة، فقط رد بثبات:
- مفيش مفاتيح ومش هتشوفها عقابًا ليها. لازم حد يوقفها عن حدها.
كاد أن يرد ولكن هاشم لم يعطه أي فرصة على الإطلاق، صعق من رد فعله ووقف متخشبًا عاجزًا عن أي شيء، لا شيء سوى الغضب الذي يكسوه فقال لنفسه بعنف شديد: "والله مفيش حد محتاج يقف عند حده غيرك أنت".
اختفى هاشم وركض سريعًا إلى الأعلى ليقرع باب غرفتها فلا تجيب، مسح على شعره بعنف شديد وهو يشعر بالعجز ولا يعرف ماذا يفعل بأبيه، بينه وبين شقيقته فاصل خشبي لا يتعدى خمس سنتيمترات ولا يستطيع أن يراها أو يطمئن عليها. ماذا يفعل الآن يا ترى؟ يحتاج من يتحدث معه ليفضي ما بداخله ولا يوجد سوى نور، ولكن الآن بعدما حدث بينهم لم يعد يجرأ على الحديث معها مثلما سبق وهذا ما يتعبه أكثر ويشعره بالضيق أكثر وأكثر.
لم يمض الليل في سلام ليس فقط على يوسف، بل أيضًا على سميحة التي أصبح عقلها منشغلًا كثيرًا بعد رد فعل هاشم على حديث سلمى المنفعل، وزاد توترها أكثر بعدما رحلت نور إلى منزلها، كانت تهون عليها بالجلوس معها وطمأنتها ببعض الكلمات.
ملت من جلوسها في الردهة بمفردها فقامت متجهة إلى غرفة أمير، قرعت على الباب ودخلت بعدما سمح لها بالدخول. تنهدت ثم اقتربت من فراشه وجلست أمامه فقد كان يعمل على حاسوبه.
فركت في يدها لا تعرف كيف تبدأ الحوار معه وهي واثقة من رد فعله جيدًا ولكن ستحاول فلا تستطيع الانتظار أكثر من ذلك:
- مش نازل شغلك ولا إيه يا بني؟
رد عليها دون الالتفات إليها:
- كمان ساعة كده ولا حاجة وهنزل. في حاجة؟
سكتت سميحة والتوتر زاد على وجهها وزادت معه حيرتها، فأمير أيضًا لاحظ ترددها فرفع عينيه عن حاسوبه وقطع الصمت بينهم باهتمام:
- خير يا أمي. عايزة تقولي حاجة ومترددة؟
تفاجأت به سميحة واندُهشت بأنه يعرف ما يدور في مخيلتها، تنهدت وقالت بحماس جارف:
- متكلم خالك يا أمير نطمن على البنت الغلبانة إللي سحبها من وسطنا دي.
نظر إليها بغضب ليقول بجدية:
- خالي تاني! لا يا ماما لا. أنا مش طايق أكلمه بعد إللي سمعه وشوفته النهاردة ده.
تنهدت سميحة بيأس رغم كونها تعرف رد فعله ولكن كان لديها ذرة أمل أن يوافق، فقالت برجاء:
- طيب سلمى ذنبها إيه بس يابني عايزة أطمن عليها.
تنهد بحيرة واستسلام من تلك النبرة التي يعرفها جيدًا، فرد بهدوء:
- سلمى على عيني وعلى راسي يا أمي وأنتِ عارفة كده كويس أوي. أنا مستعد أطمن عليها هي بنفسها تالت وعاشر إنما خالي أنا آسف. من ساعتها بكلمها الفون مغلق أو غير متاح مش مطمن.
زاد قلق سميحة بعد هذه الجملة فصاحت على الفور:
- هنسيب البنت كده يعني؟ كلم يوسف مستنى إيه؟
ضرب أمير كفه على جبهته عندما تذكر أمر يوسف، شرد عن ذهنه أن يتصل به نهائيًا، فكل تفكيره كان منصبًا على سلمى فقط وما حدث.
فأمسك هاتفه وقام بالاتصال بيوسف، الذي كان في نفس الوقت بسيارته بعد المحاولة الفاشلة للوصول لسلمى، فلم يستطع المكوث في هذا المنزل ولا يعرف إلى أين يذهب، فوجد اتصالًا من أمير، فتناول هاتفه وقام بالرد سريعًا فهو يحتاج لمن يخفف عنه:
- أيوه يا أمير.
رد أمير بهدوء وبداخله لهفة كبيرة:
- إيه يابني فينك؟ إيه الأخبار؟
لم يتحمل يوسف فأغمض عينيه في ألم وسقطت دمعة دون إرادة منه ليقول بصوت مليء بالألم:
- تعبان أوي يا أمير. أوي.
اعتدل جلسته في اهتمام ولهفة ليقول:
- إللي حصل؟ أنت كويس؟ سلمى حصلها حاجة؟
مسح يوسف دمعته وقال بجمود:
- بابا حبس سلمى ومنع أي حد يشوفها. مفيش كلية ولا فون ولا عربية. زيها زي المساجين.
انتفض بغضب ليصيح به:
- أنت بتقول إيه؟ هي حصلت إللي حصل؟ يحبسها وياخد منها كل حاجة؟ عشان إيه كل ده؟!
سمعت سميحة ذلك فشهقت وضربت صدرها بيدها وهي في دهشة لتمسك بذراع أمير وتقول:
- هاشم اتجنن ولا إيه؟ إللي بتقوله ده...
صاح بها أمير بضيق كي يعرف يكمل المكالمة مع يوسف:
- استني بس يا ماما أفهم التهريج إللي بيحصل ده (تابع مع يوسف) ما تتكلم يابني!!
صاح يوسف بضيق:
- عشان حاولت تهرب مرة تانية يا أمير. والمرة دي كانت بلا رجعة لما هددها وضربها بالقلم لتاني مرة. مقدرتش تستحمل إجباره وقسوته عليها. خالك بقى أعمى يا أمير مبقاش شايف إلا الفلوس وبس. سلمى بقت تحت رحمته وأنا إحساسي بالعجز مموتني مش عارف أعملها حاجة أنا هتجنن.
ضرب الموقد بعنف وغضب شديدين، اتسعت عين أمير بصدمة ودهشة لا تقل عنها، حاول تهدئته قليلًا كي يعرف حل هذه الورطة:
- أهدى أهدى طيب وقولي أنت فين دلوقتي.
فك زرار قميصه العلوي وهو يشعر بالاختناق:
- مش في حتة. لسة في العربية مش عارف أروح فين ولمين وأنا هنفجر لو مكنتش اتكلمت مع حد. حتى الإنسانة الوحيدة إللي كان مسموحلي أكلمها خلاص. بفكر أروح لأمي.
انتفض أمير وصاح به بعنف شديد وتحذير:
- إياك يا يوسف تروح هنا لوحدك تاني إياك. أنت اتجننت!! تعالى يابني أنا في البيت ونفكر سوا.
زفر بشدة وقال:
- طيب مسافة السكة.
أنهى المكالمة وحرك سيارته وبدأ في طريقه.
جهوم احتل وجهه في ثوان معدودة والضيق والحزن حل عليه من جميع الاتجاهات، قطعت سميحة شروده:
- إللي حصل؟ يوسف فين؟ حصله حاجة؟
زفر بحنق:
- أخوكِ ده اتجنن رسمي بجد مش هزار. مش هيعقل إلا لما بيضيع عياله واحد ورا التاني. يوسف هيطق كان عايز يروح لطنط فريدة نفس المكان إللي جبته منه بس أنا حذرته. سلمى حاولت تهرب تاني وهاشم باشا سجنها ومانع أي حد يشوفها. أنا مش عارف أفكر الله يكون في عونك يا يوسف بجد.
بكت سميحة وصاحت بضيق:
- هاشم ده مش هيتهد إلا بمصيبة تيجي على دماغه، ربنا يهديه يا رب لعياله ويفوقه من إللي هو فيه. مش حاسس بالكوارث إللي بيعملها بقى أعمى البصر والبصيرة. أعمى القلب.
بعد تفكير نظر أمير لوالدته:
- هو إللي حصل بين يوسف ونور. عشان يقلب عليها كده؟
صوته كان مخنوق وهو بيتكلم عنها بطريقة غير مباشرة.
تنهدت بحسرة لتقول في حزن:
- والله ما أنا عارفة يابني. عين وصابتهم كلهم.
تنهد أمير بتفكير ونظر أمامه:
- أكيد في حاجة. وحاجة كبيرة كمان عشان يقلب عليها بالشكل ده.
خلال نصف ساعة وصل يوسف إلى منزل سميحة، وصعد على الفور. عندما سمعت صوت الجرس قامت بلهفة هي وأمير الذي تحرك مسرعًا وفتح الباب، ليجد أمامه شبح يوسف وليس بيوسف الذي يعرفه. أثر الدموع مطبوع على وجنتيه، شريد وبائس، فاندهش أمير لحالته وضمه لصدره بسرعة وأخذ يربت على ظهره بهدوء كي يخفف عنه.
ابتعد عنه ودخل ووجد سميحة أمامه باسمة له بحزن ودموع باسطة ذراعيها دعوة عامة له أن يرتمي في صدرها، وبمجرد أن فعل ذلك بدأ في البكاء بصوت عالٍ، أطلق ما كبته في صدره من ألم وحزن وهموم، أراد أن يخرج تلك الطاقة السلبية ليستجمع قواه ويستطيع بذلك الدفاع عن سلمى، فهي تحتاج له أكثر من أي وقت مضى.
ابتعد عنها وجلسوا جميعًا سويًا وقص لهم عما حدث منذ أن رأى سلمى تبكي على الأرض للحظة الذي ترك فيها المنزل.
ظلوا يسمعون والدهشة تكسو وجوههم أكثر فأكثر وعقل أمير مشتت فلم يستطع استيعاب الحالة التي وصل إليها هاشم من جشع وقسوة لينفجر فجأة:
- الراجل ده عقله فوت. مش طبيعي أبدًا إللي بيحصل ده. مفيش حد بيعمل كده أبدًا. فيها إيه الصفقة دي عشان يصر عليها ونتايجها من وراها تبقى بالشكل ده؟! إللي بيحصل يا يوسف.
يوسف تنهد بألم وحزن:
- أنا ذات نفسي مش عارف بجد. زيها زي أي صفقة أدوية بنتعامل معاها قبل كده. بس مش فاهم ليه دي بالذات بابا متمسك بيها أوي كده. الموضوع ده وراه سر كبير أوي.
أمير بتفكير:
- ورق الصفقة ده فين؟
رد بدون اكتراث:
- في الشركة عند سلمى. هي إللي تابعتها بعدما بابا دخل في غيبوبة. بس رجع مسكها تاني على ما أعتقد مادام رجع للشغل. فمش متأكد حاليًا إذا كان معاه ولا مع سلمى.
أمير بحيرة نظر له وقال:
- لازم نفحص الورق ده.
ممكن يدلنا على سر تمسك خالي بالصفقة الملعونة دي.
تدخلت سميحة سريعًا وقالت بضيق شديد:
بعدين اللي بتتكلموا فيه ده، هو ده وقته بالذمة؟! المهم هنعمل إيه مع الغلبانة المحبوسة هناك دي، وهنخرجها إزاي؟ ده مانع حد يشوفها ولا يفتح لها باب.
يوسف بحسرة ووجع رد قائلًا:
بالشكل ده هتفضل هربانة طول عمرها من حاجة مالهاش يد فيها، يا إما هتبقى محبوسة لحد ما توافق تتجوز طارق وترجع عن اللي في دماغها. أنا مش طايق أرجع البيت وهي محبوسة ومش في إيدي حاجة أعملها، مش قادر.
ربت أمير على ظهره بألم وحزن يشعر به:
أنا حاسس بيك يا يوسف وحاسس بوجعك. أنت تبات هنا، وبكرة الصبح نبقى نفكر هنعمل إيه.
ابتسمت سميحة بحزن وقالت:
أيوه يا ابني الصباح رباح، يا عالم بكرة مخبيلنا إيه.
******************
أشرقت الشمس نورها والجميع من في المنزل نيام، ولكن القلق لم يغفل لها عقل عن التفكير الطويل، ونظرة ملية إلى مستقبل مجهول ينتظرهم.
استيقظت سميحة باكرة، فلم تأخذ قسطًا من النوم المريح، فظلت تفكر بسلمى وأخيها، الحال الذي وصل إليه غريب ومفاجئ، لم يكن هكذا من قبل، فما حدث له ليبدله بهذا الشكل؟
مرت ساعة واستيقظ أمير وخرج ليجلس قرب سميحة.
ـ صباح الخير.
تنهدت سميحة وقالت بهدوء:
صباح النور يا حبيبي. أحضرلك تفطر قبل ما تنزل؟
رد سريعًا:
لا يا ست الكل مش دلوقتي، اعمليلي بس فنجان قهوة.
هزت رأسها نافية لتقول:
قهوة على الصبح يا أمير؟ غلط على الريق، تفطر الأول وبعدين أعملك اللي أنت عايزه.
رد بضيق وهو يمسك رأسه بكلتا يديه:
مصدع ومش قادر يا أمي.
رمقت إليه سميحة ثم قالت باستفهام:
هنعمل إيه النهاردة؟
اعتدل في جلسته ونظر لها متحدثًا بجدية:
شوفي يا أمي، خالي مش هيهداله بال ولا هيفرج عن سلمى غير لما يعمل اللي في دماغه، غير لما الجوازة دي تتم.
شهقت سميحة وردت بضيق:
دي هتبقى جنازة مش جوازة، تتجوز غصب عشان عناد أبوها! ده يرضي مين بس يا ربي.
أمير أكمل بنفس اللهجة:
مفيش حل غير كده، وسلمى لازم تفهم كده. مفيش قدامنا غير إننا نطاوعه وناخده على قد عقله.
نكزته سميحة في ذراعه وبضيق:
ده كلام يا أمير! ترميها في ناره!
تنهد بنفاذ صبر ثم أكمل بهدوء نوعًا ما:
يا أمي اسمعيني للآخر. في حاجة غريبة ورا الموضوع ده، نطاوعه عشان نعرف اللي بيحصل بالضبط. موضوع التمسك ده مريب.
سميحة شبه مقتنعة بحديثه، فكرت مليًا ثم قالت:
ولنفترض، هنقنع سلمى ويوسف إزاي؟
أمير بجدية أردف:
مقدمناش حل تاني، لو عندك غيره يا ريت.
ردت بعد تفكير:
طب وطارق، تفتكر رد فعله إيه؟
أمير تنهد ثم قال:
طارق من حال سلمى، بس كل الاختلاف ما بينهم إنه راجل.
نظر في ساعة يده ثم قال:
يا دوب الساعة داخلة على 9، أفطر وأنزل. لما يصحى يوسف أتكلمي معاه.
نهض أمير ليبدل ملابسه وخلفه سميحة تعد الفطور.
******************
استيقظت نور من نومها بتعب شديد، كأنها لم تنم منذ سنوات. تنهدت واسترخت في مكانها وقت ليس بطويل. سمعت قرعات الباب لتدخل بعدها تهاني.
اقتربت منها وهي تنظر في ساعة يدها:
كل ده نوم يا نور؟ مش نازلة الكلية ولا إيه؟
زفرت بشدة ثم قالت بضيق:
ولا طايقة أروحها بعد اللي حصل. من امبارح بتصل بسلمى مغلق، مش مطمنة.
تنهدت بحيرة وقالت:
أخوكِ من امبارح نفس الكلام، معرفش راح فين ده.
اعتدلت نور في جلستها لتنظر إلى أمها باهتمام وتقول:
طارق مباتش هنا من امبارح؟
أومأت تهاني رأسها بلا. فكرت نور لحظة ثم قالت:
طب اتصلي كده بإيهاب ممكن يكون عنده.
نظرت لها ثم خرجت من الغرفة كي تحضر هاتفها.
حاولت نور بعد خروج تهاني الاتصال بسلمى ولكن دون جدوى، ألقت الهاتف بجانبها بملل وضيق وهي تفكر كيف تصل بسلمى، من المستحيل أن تحدث يوسف بعد طريقته السخيفة معها، قررت الانتظار قليلًا ثم تفكر ماذا تفعل.
*******************
بعد أن أغلقت تهاني معه حاول الاتصال بطارق مرارًا وتكرارًا ولكنه لم يرد، يوجد جرس ومبالاة منه، قلق كثيرًا أن يكون قد حدث شيء بشأنهما مرة أخرى بعد ظهور سلمى واختفت أخبارهم.
كل هذا وسارة جالسة بجواره تتابعه منذ المكالمة بانتباه شديد، بعد مدة قطعت الصمت بينهم.
ـ دي طنط ماما طارق مش كده؟
أجابها دون النظر إليها:
أيوه هي.
زفرت من أسلوبه ثم قالت بضيق:
متعرفش أي أخبار عنه؟
أجاب دون النظر إليها:
لا للأسف، طارق مختفي من امبارح ومحدش عارف راح فين.
صاحت به سارة في ضيق شديد دون مبرر:
طبعًا، يمكن يكون مع ست سلمى المرادي وراميني خالص من حياته.
انفجر فيها ولم يعد يحتمل أي ضغوط أو اتهامات عليه حتى الآن:
حرام عليكِ بقى يا شيخة، أنتِ إيه؟
تركها ورحل على الفور يبحث عن صديقه، حاول مرارًا وتكرارًا الاتصال به دون جدوى، أغلق هاتفه ولم يعد له أثر، كاد أن يجن أو عقله ينفجر من كثرة التفكير إذا أصابه أي مكروه.
********************
قلقت كثيرًا بعدما أخبرتها والدتها عن ما قاله إيهاب، فلم يعرف عنه أو عن مكان وجوده أي شيء، أين ذهب يا ترى؟ تظهر سلمى ويختفي طارق، كلاهما في متاهة كبيرة لا يستطيعون الخلاص منها بالمرة، أمسكت بهاتفها وحاولت الاتصال به ولكن دون جدوى، ألقته بجانبها بضيق وهي تفكر إلى أين ذهب.
شعرت بالاختناق ولا تعرف إلى أين تذهب، عقلها رافض أن تذهب إلى جامعتها أو حتى عملها، لا تركيز ولا شغف وحماس، وبالإضافة عدم وجود سلمى في كلتا المكانين.
نهضت من فراشها توضأت وصلت وهي تدعي باكية أن تمر هذه الكارثة بسلام، فقلبها لم يعد يحتمل أن ترى صديقة عمرها وأخيها في هذا القارب الملعون الذي يسمى بالصفقة وقد غرق بهم ولا تستطيع إنقاذ أي منهم.
بدلت ملابسها وخرجت على الفور، صادفت تهاني أمامها التي سألتها إلى أين تذهب، فردت عليها بيأس:
رايحة لطنط سميحة. ولا طايقة أقعد في البيت ولا طايقة أروح الشغل، ولا طايقة حتى أفضل هنا. سيبيني على راحتي يا أمي خليني أشوف سلمى جرالها إيه.
كادت تمشي ولكن مسكت تهاني ذراعها كي تقف:
وأخوكِ يا نور، هنسيبه كده؟
نظرت لها بضيق وقالت:
أخويا اختفى هو كمان. بكلمه قافل تليفونه، حتى أقرب صحابه ميعرفش عنه حاجة. وأدي سلمى كمان اختفت من امبارح بكلمها مبتردش. احنا في وباء يا أمي اسمه الفلوس، ادعي ربنا يخلصنا منه. عن إذنك.
تركتها نور وخرجت، استقلت سيارتها وفي طريقها لمنزل سميحة، أثناء ذلك حاولت الاتصال بسلمى ولكنها لم ترد كالعادة، زفرت بحنق وغضب على قلة حيلتها، فزادت سرعتها إلى سرعة جنونية وهي تصرخ في انفعال وغضب.
*********************
استيقظ يوسف فلم يجد أمير، خرج من الغرفة وجلس في الردهة يحاول استيعاب كل ما حدث بالفعل أمس، يشعر بأنه كابوس بغيض وسوف يستيقظ منه ويجد كل شيء على ما يرام كما كانت تقول سلمى من قبل، ولكن وجد كل شيء كما هو.
خرجت سميحة من المطبخ ووجدت غرفة أمير مفتوحة، دلفت رأسها فلم تجد أحد فتوقعت على الفور استيقاظ يوسف، رحلت متجهة إلى الصالة وجدته جالس على الأريكة ساهِمًا في عالم آخر، جلست بجواره وربتت على منكبه، انتفض ونظر إلى مصدر الحركة ليجدها سميحة، تنهد وعاد لما كان عليه، ابتسمت وقالت:
أمير نزل من شوية، ملوش نصيب في الفطار اللي كنت هعمله. تعال ناكل سوا.
رد بفتور دون النظر إليها:
ماليش نفس لأي حاجة خالص يا عمتو.
أدارت وجهه ناحيتها وبدأت تتحدث إليه بحنان:
مفيش عندي الكلام ده. لازم تاكل عشان تصلب طولك. أومال هتجيب حق أختك وتخرجها من اللي هي فيه إزاي؟ هنشوف حل وإن شاء الله هتفرج من عنده، بس سيبها على الله.
صاح دون إرادة منه بغضب:
ونعم بالله مقولناش حاجة. بس اللي حصل أنا مش قادر أفهمه، عقلي رافض يستوعبه. بأي منطق يعمل كده أنا هتجنن.
زفرت سميحة بضيق وحزن ونظرت له بحيرة لا تعرف ماذا تفعل في هذه الأزمة الكبيرة التي حلت عليهم، ومن أخيها الذي بالكاد فقد عقله من تصرفاته التي لا تقبل التصديق هذه بدون أي مبرر واضح:
والله يا ابني مش عارفة أقولك إيه، بس كل حاجة ولها تمن.
اعتدل في جلسته وهو يقول باهتمام:
قصدك إيه؟
كادت أن ترد ولكن عم الصمت عندما سمعوا قرعات الباب، نهضت سميحة لتفتح، وبعد لحظات عادت وخلفها نور تفاجئت بوجوده ووقفت ساهِمة، يوسف الذي بدوره نهض بضيق عندما رآها، صمت رهيب عم على المكان وسميحة تسترق النظر لكلاهما ونظر عينيهما لبعضهما البعض تتحدث بألف معنى وكلمة، حاولت تلطيف الجو العام فقطعت صمتهم قائلة:
هنفضل واقفين كتير كده ولا إيه؟
شعر الاثنان الإحراج فجلسا كل منهم بعيدًا عن الآخر ولم يتفوهان بكلمة واحدة، فقط نظرات عابرة، تجاهل وجودها ليستأنف سؤاله مجددًا:
تقصدي إيه بدفع التمن؟
توترت سميحة ولا تعرف كيف تبدأ معه هذا الموضوع، فأمير محق، لا يوجد حل آخر سوى ذلك، تنهدت بقوة وحاولت أن تتحدث بجدية:
شوف يا يوسف ولازم تسمع كلامي ده للآخر. أبوك مش هيقعد على حيله ولا هيهداله بال إلا لما ينفذ اللي في دماغه، ولو وصلت إنه يسجنها بقية حياتها هيعملها.
نظرت لها نور بقلق لتصيح بها مسرعة:
طب والحل إيه يا طنط؟
نظرت لهم بحزن وردت بأسف:
الحل تمنه غالي قوي يا بنتي، واللي هيدفع تمنه الاتنين اللي مالهومش ذنب.
ابتلعت نور غصتها وهي تحاول أن تتأكد مما وصل إليها:
تقصدي ...
قاطعتها سميحة بجدية:
أيوه يا نور، مفيش حل غير كده.
صاح يوسف بغضب:
إزاي يعني؟ على أساس الاتنين موافقين!! دول ضاربين بعض بالجزم. وكفاية اللي قالته سلمى مظنش إن طارق بعد كده هيكون متقبل أي كلام في الموضوع ده بعد اللي قاله هو كمان.
سميحة نظرت إليهم في اهتمام وقالت:
أنا بعد ما فكرت في كلام أمير لقيته صح. الموضوع فيه "إنّ"، الصفقة دي وراها حاجة وحاجة كبيرة أوي كمان عشان أبوك يتمسك بجواز سلمى من طارق بالشكل ده وهيفضل حابسها لحد ما اللي في دماغه يتم.
هنا صعقت نور وفتحت فاها بدهشة لتقول كمن لدغتها حية:
نعم!! حابسها ...
حابسها إزاي مش فاهمة.. وليه؟
رد يوسف بغضب:
- قافل عليها الباب بالمفتاح ومانع أي حد يشوفها ولا يتكلم معاها.. عشان ما تهربش تاني بعد كده.. سلمى حاولت تهرب تاني والمرادي بلا رجعة.. مانع عنها كل حاجة.. من الآخر كده سجينة.
شعرت نور بقشعريرة تسري في جسدها مما سمعت، العقل يرفض استيعاب حديث يوسف، حقًّا أمير له نظرة جيدة في هذه اللعنة التي حلت عليهم، تمتمت نور بصوت عالٍ كأنها في حالة هذيان:
- يعني إيه.. كل حاجة باظت خلاص.. يا الله ترجع واحدة ويختفي التاني!!
انتبهت سميحة للجملة الأخيرة هي ويوسف لتقول بعدم فهم:
- يختفي!!.. تقصدي إيه يا نور؟
تنهدت نور ثم نظرت إليها بحزن:
- طارق ما بَتش في البيت من امبارح يا طنط.. بنتصل بيه قافل فونه.. حتى إيهاب صاحبه ما يعرفش عنه أي حاجة.
ردت سريعًا بقلق:
- يعني هيكون راح فين يا بنتي.. يا عيني عليك يا طارق ما استحملش اللي حصل هو كمان ولا كلام سلمى، طيب سألتي خطيبته؟
التفتت إليها وقالت ساخرة:
- خطيبته!! دي بنت باردة ما بتفكرش غير في نفسها وبس.. ما اعرفش ده حبها وخطبها على إيه ده.. ولا سألت فيه ولا كلمت ماما حتى تطمن منها.. المفروض تقف جنبه في الظروف دي؛ لأنها مدركة إنه مش بمزاجه ولا بمزاج أي حد فينا.
تعلم سميحة أن نور محقة ولكن الوضع الحالي يفترض عليهم ذلك، تنهدت لتقول:
- طيب كلميها شوفي كده لو تعرف عنه حاجة.
عقدت ذراعها بضيق لتقول بطفولية:
- ما اعرفش نمرتها أصلًا ولا عايزة أعرف.
تنهدت سميحة بحيرة:
- لا حول ولا قوة إلا بالله.. والعمل إيه دلوقتي؟
تنهدت نور هي الأخرى دون النظر إليها:
- العمل عمل ربنا.. ما قدمناش سوى الانتظار.. وأنا وراه وراه لحد ما يرد عليا وساعتها هنفكر هنطلع سلمى إزاي.
********************
مر ثلاث أيام ولم يظهر طارق بعد، الجميع كان على محاولة الاتصال به بصفة دورية وبدأ القلق ينهش في قلوبهم، خاصة تهاني التي كانت تجلس في غرفتها تبكي في صمت على الحالة التي وصلوا إليها وعلى فقدان ولدها ولا تعرف عنه أي شيء ولا يوجد له أي أثر على الإطلاق، ما بيديه شيء هو الآخر لينهي هذه المهزلة، حديث سلمى كنصل السيف على عنقه، شعر بكل كلمة تفوهت بها ومدى قسوة الأيام والظروف التي وضعتهم في هذه الصفقة، ولكن ما مصيرهم عندما صرح بعدم إتمام هذه الزيجة؟
يوسف حاول بكل الطرق الوصول إلى سلمى خلال اليومين ولكن دون جدوى، سجينة بين جدران غرفتها تبكي ودموعها لا تتوقف عن الانهمار، لا تعرف الذنب الذي اقترفته ليكون مصيرها مشئوم، لتمتلك أب بهذه القسوة والأنانية، نزع من قلبه الرحمة ليتاجر بابنته هكذا دون أي مبرر للجميع، فما السر يا ترى.
تجلس في غرفتها حزينة، شريدة، لا تجف الدموع من مقلتيها، أصبح وجهها شاحب أصفر اللون، امتنعت عن الطعام والشراب عندما يقدم لها في المواعيد المحددة التي وضعها هاشم، تخرج الخادمة بصينية الطعام كما هي.
وضع واحد تبدو عليه، ممددة على فراشها بوضع القرفصاء تبكي في صمت لا تستمع لهاشم ولا تتكلم ولو بحرف واحد عندما يدخل عليها ويحاول تغيير مجرى تفكيرها، ولكن دون جدوى، فقط تنظر له دامعة بنظرات غضب وعتاب وتحدي، لم تعد تهابه بعد الآن، انتشل الخوف من قلبها ناحيته، فقط يصيح بها وهي لا تكترث له ولا لكلماته، صامتة تدير وجهها لجهة أخرى بعيدة عنه حتى لا تواجهه، منع عنها حديث أي شخص من الخدم وإلا يكون حسابه عسير، تشفق الخادمات على حال هذه السيدة الصغيرة ولا يعرفن مساعدتها وإلا انقطع عيشهن في هذا المنزل، فقط سجينة إلى حين موعد الإفراج عنها في وقت غير معلوم.
هاشم يباشر عمله في الشركة كعهده السابق، وجود سلمى معه كان دعمًا كبيرًا له ولكن أين هي الآن، ترسل له الإيميلات كل يوم من الشركة المقابلة لتحديد مصير هذا الشرط المبرم في العقد، ولينهي مخاوفه للأبد.
خلال الثلاث أيام نور لم تكف عن محاولة الاتصال بطارق هي وتهاني ولكن دون جدوى، في إحدى المحاولات سمعت صوت رنين هاتفه، أخفق قلبها بشدة لسماع ذلك، حمدًا لله على إعادة تشغيل هاتفه، انتظرت بفارغ الصبر إلى أن يرد عليها وإذ بها بصوته لتصيح فيه بانفعال ولهفة وهي في قمة الغضب:
- أنت فين يا طارق كل ده.. غبت وقلت عدولي.. ما صدقت تهرب وتسيب كل ده وراك.. تسيب سلمى في الظروف دي.. ما ترد عليا.
زفر طارق بشدة، انتظر إلى أن تنهي نور صنبور الغضب الذي افتتح فجأة، ليرد ببرود لا يليق بالموقف:
- أهدي يا نور أهدي.. في إيه.. اللي حصل لكل ده؟
فتحت فاها بعدم تصديق لرد فعله لتستأنف غضبها مرة أخرى:
- ما تقوليش اتزفتي.. أنت إيه البرود اللي أنت فيه ده يا أخي.. الدنيا والعة هنا وأنت ولا على بالك.. مش خطيبتك دي برضه ولا أنا غلطانة!!
زفر بشدة ليصيح بها:
- لا مش ناسي يا ستي بس الظاهر إنها هي اللي نسيت.. من الآخر كده عايزة إيه يا نور؟
زفرت نور بشدة لتقول بانفعال:
- عايزاك ترجع يا طارق ودلوقتي حالًا..
صاح بها بغضب:
- لا والله!! ده على أساس إيه بالظبط.
لان صوتها لتقول برجاء:
- أرجوك يا طارق ارجع.. في حاجات كتير هتختلف برجوعك ده.
تأثر بنبرتها قليلًا وأغلق المكالمة ووصد عيناه بألم مما سمع، لم يتوقع أن تتطور حالة سلمى إلى هذا الشكل، مجرد سجينة في منزل والدها لتدفع ثمن خطأ لا يد لها فيه، يعلم أن نور محقة، بحق ذرة ود في قلبه من ناحيتها قرر الرجوع لينهي تلك اللعنة التي حلت عليهم جميعًا.
*******************
نظر له إيهاب الذي كان يجلس بجانبه، يشعر بمعاناته وبألمه، لا شيء يقدر عليه حاليًا سوى أن يكون معه على الأقل صامتًا محترمًا لمشاعره، قطع الصمت وهو يقول بجدية:
- أنا لازم أرجع النهارده.
فرح واطمئن من قراره في داخله ولكنه في ذات الوقت تعجب منه، ليقبل عليه بتساؤل:
- كويس إنك فكرت صح.. بس اللي جد خلاك عايز ترجع أوي كده.. واللي خلاك تكلم نور بالشكل ده.. ما لهاش ذنب على فكرة.
تذكر كلماتها جيدًا، صورة سلمى وهاشم يسحبها منهم ونظرتها الأخيرة موعدة إياه، تعامله الأخير مع نور، ليخرج من تفكيره قائلًا بجدية وحزم:
- سلمى هاشم حبسها من آخر مرة رجعت فيها وسجنها لما حاولت تهرب مرة تانية من ضربه وقسوته معاها.. مانع عنها أي حد يشوفها حتى عمتها سميحة.
فتح إيهاب فاه بتعجب، ليحاول استيعاب ما سمع:
- أنت بتقول إيه.. قصدك إيه بسجنها.
التفت إليه طارق بنظرة مليئة بالغضب والضيق المكبوت:
- زي ما سمعت.. سجينة بين أربع حيطان.. عارف حال المسجونين ولا أوضح لك أكتر من كده؟!
لم يصدق إيهاب على الإطلاق أن أب يصل إلى هذه المرحلة، فاستأنف طارق حديثه:
- أما بالنسبة لنور فأنا غلطت في حقها وهحاول أصلح الغلط ده.. بس مش عارف هتقبل تسامحني ولا لأ.
ربت على منكبه ليقول بدعم:
- نور بنت طيبة وبتحبك.. هتقدر إنك ما كنتش في وعيك ساعتها وهلفظت بأي كلام وخلاص.
ابتسم بمرارة ليقول:
- ما أظنش يا إيهاب.. أنا جرحتها أوي.. نور مش بس أختي الصغيرة دي كمان صاحبتي وأقرب ما ليا.. ما أظنش إنها ممكن تسامحني بالساهل كده.
ابتسم إيهاب بحزن وهو يشعر بضيق صدره، وكم من ضغط نفسي ولا أحد يشعر به على الإطلاق:
- ربنا يرجع الماية لمجاريها.. سيبها على الله يا صاحبي.
التفت إليه طارق سريعًا باهتمام:
- ونعم بالله اسمع.. حسك عينك حد يعرف إنك كنت تعرف مكاني.
ضحك إيهاب وهو يضربه بخفة على منكبه:
- يا شيخ اتنيل.. ده أنا لسه عارف امبارح إنك متلقح هنا.
رمقه بغضب ليقول:
- ولو برضه.. بدل ما تقع في شباك نور لو شمت خبر.. أنت عارفها كويس.
ضحك إيهاب وهو ينقض ليقول بمزاح:
- عارف يا خويا.. يلا قوم عشان نلحق ولا عجبتك القاعدة هنا.
نهض طارق وسار دون أن يبدي بأي كلمة.
******************
زفرت نور بشدة ولكن رد طارق على مكالمتها أخيرًا يبشر بالخير، تتمنى بالفعل أن يصدق ويأتي سريعًا، فوجوده في الحال يشكل فارق كبير لحياة سلمى بالأخص وحياة الجميع بعد ذلك، المهم إنقاذ تلك المسكينة، السجينة في براثن أبيها القاسية.
لملمت أدوات الرسم الخاصة بها في عجالة، ففي الأيام الأخيرة حاولت الانتظام في محاضراتها، لعل يكون أخف من عدم حضورها هي وسلمى، بعد ذلك تذهب للمعرض وتبدأ العمل في رسوماتها، بعد ذلك تمر على سميحة تأنسها قليلًا.
اقترب منها جاسر في دهشة:
- شكلك مستعجل.. ماشية بدري أوي النهارده.
ردت دون النظر إليه وهي تغلق حقيبتها:
- جدًا يا جاسر.. مضطرة أمشي حالًا عن إذنك.
رحلت على الفور وهي في قرار نفسها تشعر بالراحة نوعًا ما، تشعر بأن كل شيء سوف يكون على ما يرام، فالأهم من أي شيء هو إنقاذ سلمى قبل أي شيء.
وصلت لمنزل سميحة وهي تحاول ترتيب أفكارها من جديد، رحبت بها كثيرًا وجلسن في صمت إلى أن قطعته قائلة بتردد:
- يوسف فين؟
ظهر يوسف من لا شيء عاقدًا ذراعه ليرد بمنتهى البرود:
- يوسف موجود يا.. يا آنسة.
نظرت له في ضيق شديد من تلك الكلمة، من تلك المعاملة والأسلوب الجاف الذي بدأ يعاملها بها مؤخرًا ولا تعرف السبب بعد، كان يريد أن يتحاشاها ولكنه لم يستطع أن تكون موجودة عند سميحة ولا يراها بالفعل، فعندما سمع صوتها في الخارج نهض من فراشه مهرولًا كي يراها، شعر بأنه يفتقدها في تلك الأيام الأخيرة، لم يصدق أذناه عندما سألت عليه، فكانت إجابته بمنتهى البرود واللامبالاة ولكن من داخله يشتعل شوقًا إليها ولكنه يكابر بعد تلك المكالمة الغامضة من أخيها، اقترب وجلس قبالها وهي متعمدة أن لا تنظر إليه، ليستأنف بروده قائلًا:
- خير يا آنسة نور كنتِ عايزاني في إيه؟
قررت أن تعامله نفس المعاملة، طالما هو من ابتدأ دون أي مبرر واضح حتى الآن لتقول هي أيضًا ببرود وجدية:
- كل خير يا أستاذ يوسف.. طارق ظهر...
قاطعها يوسف ساخرًا:
- أخيرًا بسلامته راجع.
نظرت له بطرف عيناها بضيق، فلم تكترث له واستأنفت حديثها:
- لسه رادد عليا ما فيش قبل ما أجي.. وعدني إنه هيجي على طول عشان نشوف هنتصرف إزاي.
تدخلت سميحة على الفور بعدما شعرت بحدة الحديث بينهم:
- ما تعرفيش كان فين يا نور؟
ردت نور سريعًا بعدما تنهدت بقوة:
- لا ما اعرفش..
بس أعتقد طارق لما يحب يبعد بيخرج برة إسكندرية عشان محدش يقدر يوصله.
ابتسمت سميحة بحزن:
- واضح أن الاتنين فيهم نفس الطبع .. أنا هتصل بأمير يجي.
رد يوسف بجدية:
- اجتماع مغلق يعني.
ردت نور هي الأخرى بجدية:
- اجتماع أو غيره مش فارقة .. المهم نوصل لحل ونوقف المهزلة اللي احنا فيها دي.
*******************
وصل طارق إلى الإسكندرية يقود السيارة في صمت وبجانبه إيهاب يختلس نظرات له بين الحين والآخر كي يطمئن عليه، ليجده في حالة صمت شديدة وتركيز فقط في الطريق أمامه. ولكن الحالة التي يبدو عليها الآن شرود أكثر ما هو تركيز، ليقطع شروده رنين هاتفه ليجد المتصل نور. تنهد بعمق ورد بهدوء:
- أيوه يا نور.
ردت بهدوء وجدية:
- وصلت لفين دلوقتي؟
أجاب بنفس النبرة وصوت عميق:
- عشر دقايق وأكون في البيت.
صاحت به مسرعة مما أدى لفزع كل من سميحة ويوسف:
- لا .. تعالى على بيت طنط سميحة على طول .. هبعتلك اللوكيشن.
تنهد وهو يهم بإنهاء المكالمة:
- تمام يا نور .. سلام.
قام طارق بتوصيل إيهاب لأقرب مكان لنزله واتجه هو مباشرة إلى منزل سميحة بعدما أرسلت له نور الخريطة.
وصل أمام الشقة الماكثة بها سميحة ووقف بتردد على الخطوة التي أقدم عليها للتو، ما الذي حدث ولما استدعته نور بهذه السرعة بتلك النبرة الغير مطمئنة بالمرة؟ ما الذي ينتظره خلف هذا الباب يا ترى؟
حسم أمره وضغط على الجرس، لينظروا من خلف هذا الباب بترقب على مصدر الصوت. لتقوم نور بلهفة وتفتح الباب لتلقي بطارق أمامها. تخشبا أمام بعضهم البعض ولغة العيون هي فقط نقطة التواصل بينهم. عتاب وحزن، ترجي وغفران. تلك الكلمات التي نطق بها لسانه في لحظة غضب لا تزال ترن في أذنيها كأنه قالها للتو، يعلم بأنها لن تصفو إليه بهذه السرعة. أما هي تريد أن تعاتبه وعدم الحدث معه في آن واحد فاكتفت بالصمت وهي تفتح الباب على مصراعيه، ليدخل طارق ويتفاجأ بوجود يوسف الذي نهض هو الآخر ليتقابلا في نظرة كبيرة مليئة بالتحدي والغضب الشديدين. لتقوم سميحة بدورها بفض هذه النيران المشتعلة بينهم، بعدما تبادلت هي ونور نظرة تساؤل بعدم فهم:
- هتفضلوا واقفين كده كتير .. أتفضل أدخل يا طارق.
رد طارق بغضب وضيق شديد ونظره معلقًا على يوسف:
- أنا مقعدش دقيقة مع البني آدم ده في مكان واحد.
اندهشت سميحة ونور كثيرًا مما سمعا للتو لتصيح سميحة بها:
- اللي بتقوله ده بس يا طارق يابني .. اقعد بس واستهدى بالله.
نظر لنور معاتبًا إياها:
- لو كنت أعرف إنه موجود هنا مكنتش جيت.
نور تفهم جيدًا على ما يرمي حديثه إليه، لترد هي قائلة:
- سيبيه يا طنط .. شكل اللي حصل أثر على تفكيره.
تنهدت سميحة بحزن على ما وصلوا إليه من خلاف بينهم:
- اللي حصل بس يا ولاد؟
ردت نور ونظرها معلق على طارق بحزن وعتاب:
- خلينا بس في اللي احنا فيه دلوقتي.
عقد طارق ذراعه أمام صدره ليقول بجمود ونظراته ثاقبة نحوها:
- ممكن بقى أفهم جايباني على ملا وشي ليه؟
أجابت بهدوء نسبي:
- أظن مش هنتكلم واحنا واقفين يا طارق.
من هنا تخلى عن الطابع البارد الذي كان يبدو عليه، فكلماتها أثارت غضبه، لينفجر غاضبًا هو الآخر:
- مش خلاص رجعت ولقيتوها .. وأنا وسبق نهيت الموضوع ده قدامكوا كلكوا .. وهي من البداية مكنتش عايزاني ولا طايقاني لدرجة بعدما اتفقنا هربت يوم الفرح .. عايزين مني إيه تاني متسيبوني بقى .. نفذت كل اللي طلبتوه عايزين تاني إيه.
تشعر بكل كلمة تفوه بها، تشعر بحرقة قلبه ومشاعره، تشعر بغضبه وحزنه الشديد، تشعر بإنكساره .. ولكن يجب أن يفيق لينقذ ما يمكن إنقاذه الآن، لتقول رغم عنها:
- على أساس إنك مش زيها .. على أساس إنك مش مغصوب على الجوازة أنت كمان .. على أساس إنك كمان مهربتش .. بس الفرق بينك وبينها الظروف، ظروفها قبل كده هي اللي جبرتها تهرب وتسيب كل حاجة وراها، خافت من المجهول .. أنا مش بدافع عنها يا طارق، بس حق ربنا يتقال.
يحاول أن يقتنع بكلام شقيقته، هو يعلم بأن معها كل الحق، طالما هو لا ذنب له فهي كذلك.
صاحت بهم سميحة لتحد من هذا النزاع والنار المشتعلة بينهم:
- وبعدين معاكوا يا ولاد مش كده .. اقعد يا طارق عشان نتفاهم.
جلسوا جميعًا في صمت ثم نظر إليها ليقول بضيق:
- ها اديني قعدت .. في إيه بقى.
تنهدت نور وبدأت تتحدث بحزن:
- أنكل هاشم حابس سلمى في البيت من ساعة ما سحبها من وسطنا وزاد قسوته معاها لما حاولت تهرب مرة تانية بعد ما ضربها والمرادي مسجونة في أوضتها بقالها تلات أيام وقافل عليها .. حتى يوسف مرجعش البيت ومانع أي حد مننا يشوفها .. حتى طنط سميحة مانعها تشوف سلمى هي كمان.
اندهش طارق مما سمع، لم يصدق أن هاشم يمكنه أن يفعل هذا بابنته الوحيدة، ولماذا؟ من أجل هذه الصفقة اللعينة التي حلت عليهم جميعًا!! فصاح دون وعي بها بنبرة مليئة بالخوف والقلق والاهتمام الشديد بها:
- إيه الهبل اللي أنتِ بتقوليه ده .. مش ممكن.
لاحظ الجميع ذلك مندهشين من رد فعله على عكس ما توقعوا منه. كما هو لاحظ ذلك ولا يعرف كيف اندفع نحوها هكذا، فعاد بكل برود وغطرسة لم تعهدها عليه:
- والمطلوب مني إيه دلوقتي؟
زفرت نور بحنق على أسلوبه فلم تعد تفهمه، ثم قالت بحنق:
- أنقذ المسكينة دي من اللي هي فيه على الأقل .. وتبقى تعمل ما بدالك بعد كده .. بس عدي اليومين دول على خير.
التفتت سميحة لأمير الذي كان يجلس يتابع كل ما حدث بصمت تام بتركيز شديد:
- ما تقول حاجة يا أمير .. ساكت ليه من ساعة ما طارق جه.
رد أمير بعد صمت تام بكل هدوء وجدية:
- واضح جدًا أن فيه مشكلة بين طارق ونور وأظن يوسف كمان، في حاجة ما بينكوا أنتوا التلاتة مش مفهومة .. وده بشكل كبير بسبب اللي حصل بس حاجة منعرفهاش.
نظر طارق ونور لبعضهم البعض تأكيدًا لكلام أمير، ليستأنف أمير حديثه:
- وده مش موضوعنا دلوقتي .. رغم إن معرفتي بطارق بسيطة بس أنا مقدر موقفه جدًا بس ده مش معناه إني موافق على اللي عمله .. المهم لازم نلم الموضوع وننهي المهزلة دي بأي طريقة .. ومفيش غير حل واحد يا طارق وأظن أنت عارفه كويس.
صاح به بغضب ليقول:
- أنت مستوعب اللي بتقوله ده!!! .. أظن إنك كنت حاضر يومها احنا قلنا إيه لبعض ونهينا الموضوع إزاي .. جاي تقولي دلوقتي أتجوزها!!
مقدر ما يقول ولكن الواقع يتحتم عليهم غير ذلك ليرد قائلًا بهدوء وجدية:
- اسمع يا طارق الكلام اللي هقوله ده كويس .. الصفقة دي وراها مصيبة وسر كبير محدش فينا يعرف تفاصيله إلا حماك .. محدش فاهم سر تمسكه باللعنة اللي اسمها الصفقة دي إيه .. ومش هيرجع عن اللي في دماغه غير لما الجوازة دي تتم وهتفضل سلمى طول عمرها سجينة ليه ... دي محبوسة بين أربع حيطان مبتشوفش النور .. فلازم على الأقل نسايسه لحد ما نشوف آخرة الموضوع ده إيه .. وتبقى يا سيدي تعمل ما بدالك بعد كده على رأي نور لو عايز تسيبها.
اقتنع طارق بحديث أمير، ورأى بأنه نوعًا ما منطقي لتصرفات هاشم واهتمامه بهذه الصفقة ليفعل هذا بابنته. زفر بشدة ولانت نبرته قليلًا ليقول:
- أنا معاك في اللي أنت بتقوله .. بس هل يا ترى سلمى هتوافق على اقتراحك ده؟!
رد أمير سريعًا بثقة:
- لازم توافق بأي شكل من الأشكال .. كلنا مجبورين على الوضع ده .. لازم تفهم أن ده الحل الوحيد عشان تخلصوا من اللي انتوا فيه .. بس لازم تخرج ونطمن عليها ... احنا في اليومين اللي فاتوا دول ربنا عالم مرت علينا إزاي واحنا مش عارفين عنها أي حاجة.
قالت سميحة بحزن ألم:
- أنت بتقول فيها يابني .. احنا هنتجنن عليها خلاص .. قلبي مش مطمن.
نور بعد تفكير صاحت:
- طيب يا جماعة دلوقتي هنخرجها إزاي وهو قافل عليها ومانع أي حد يشوفها.
رد طارق بتحدي وصرامة:
- ما أخذ بالقوة لن يسترد إلا بالقوة .. يعني زي ما أخدها من وسطنا بالعافية احنا بقى هنخرجها بالعافية .. عمره ما هيوافق إنه يخرجها بالذوق أو بالتفاهم حتى.
ابتسمت نور على كلام وموقف أخيها ليثبت لها إنه ما زال يحمل في طياته شيئًا لها، ليؤيده أمير:
- فعلًا مفيش حل غير كده.
*********************
انطلقوا جميعًا إلى فيلا هاشم الجوهري بكل عزم وإصرار وتحدي، بعدما تأكدوا أولًا بعدم وجود هاشم في الفيلا في هذا الوقت ليسهل عليهم مهمتهم. دلفوا إلى الداخل حتى قابلتهم الخادمة تعترض عليهم الطريق بخوف وقلق:
- رايح فين يا أستاذ يوسف .. البيه الكبير منبه محدش يهوب ناحية أوضة ست سلمى أي كان مين.
صاح بها طارق بغضب وجمود:
- أنتِ اتجننتي!! .. أوعي من سكتنا ألا مش هيحصلك طيب.
دمعت عيونها لتقول بترجي:
- أبوس أيدك يا بيه لو البيه عرف إني سمحتلكوا تروحلها هيقطع عيشي وهيوديني في داهية .. أنا بنفذ الأوامر بس يا أستاذ يوسف وحضرتك فاهم.
نظر لها بنظراته الثاقبة جعلتها ترتجف من الخوف:
- ما أنتِ لو منفذتيش اللي بنقولك عليه زي ما بتقولي هتروحي في داهية وعيشك من هنا هينقطع .. فاهمة ولا أعيد تاني!!
لأول مرة ترى هذا الوجه من يوسف .. هذا الجمود والغضب، شخصية أخرى غير شخصية يوسف الحنونة والباسمة التي تعرفها من قبل. لهذه الدرجة يحب شقيقته ويخاف عليها لتخرج هذه الشخصية الخفية التي طالما كثيرًا كان يخفيها، نتجت عن كل ما مر به في حياته مع أبيه من قبل .. من إحساسه بالضعف والعجز اتجاه شقيقته كي يساعدها، ولكن لم يعد يحتمل بعد الآن فانفجر بكل ما يقف أمامه في سبيل إنقاذ شقيقته الوحيدة من يد أبيه الذي لا يعرف الشفقة ولا الرحمة اتجاه أبنائه.
فأزاحها بيديه ليمروا متجهين مباشرة إلى غرفة سلمى. صعدوا درجات السلم راكضين إلى أن وصلوا غرفتها، حاول الشباب كسر الباب بكل ما أتاهم من قوة حتى تكسر بأيديهم ليجدوا سلمى جثة هامدة على فراشها.
رواية صفقة حب الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم شيماء جوهر
صعدوا درجات السلم راكضين إلى أن وصلوا غرفتها، حاول الشباب كسر الباب بكل ما أتاهم من قوة حتى تكسر بأيديهم، ليجدوا سلمى جثة هامدة على فراشها شاحبة اللون.
ركضوا جميعًا نحوها في رعب وفزع شديدين يصيحون باسمها، وكل منهم نار تشتعل في داخله بشدة، يؤنبون أنفسهم ويحملون أنفسهم جزءًا من المسؤولية لما وصلت إليه.
يوسف بعجزه وضعفه الشديدين تجاهها منذ البداية، كان له أن يمنع والده، والآن تأزم الوضع بطارق، فلا يكفي صياحه بوالده آخر مرة. ولكن الآن لن يسمح لأي أحد، أي كان من هو، أن يتحكم بها بهذا الشكل بعد، كأنها دمية ليس لها رأي أو حرية.
وطارق يشعر بحالة غريبة من عدم الاستيعاب لما رآه ومما سمعه، وذهل عندما وجدها شبه ميتة هكذا أمامه.
فقد كان يريد الهروب بعيدًا عن أفكاره التي تراوده، لم يكن يريد منذ البداية الزواج بها بهذا الشكل، وأن نهايتها تكون هكذا لمجرد رفضها إياه.
فهو لم يتمسك بها حينها، فكر فقط بكلماتها الأليمة التي تفوهت بها بغضب وألم شديدين، كان يشعر بكل كلمة وحرف واعتصر قلبه على حالها.
لذا قرر الابتعاد عن الجميع حتى هي، وفكرة معاقبته ومعاتبته إياها تخلى عنها عندما شاهد انهيارها.
لم يتدخل لينقذها من براثن أبيها، فقط تركها ترحل أمامه بهذه الطريقة ونظرة عيناها توحي بالكثير: استغاثة، عتاب، حزن، ألم، غضب.
حملها طارق بين ذراعيه سريعًا وكاد يوسف أن ينهشه بعينيه، وضعها بالأريكة الخلفية لسيارته وجلست نور بجوارها. أما يوسف جلس بجانبه وقاد طارق بسرعة جنونية يكاد لا يرى الطريق من شدة شروده.
وصلوا إلى المشفى ليحملها طارق في سرعة وهو يركض بها دالفًا من باب المشفى وهو يصيح بصوته الجهوري الذي كاد أن يزلزل أرجاء المكان، ليُقبل عليه بعضٌ من الأطباء والممرضات بترولي يضعها عليه ويركض هو ويوسف ونور معها التي كانت تبكي بصمت ودموعها انْسَابت بحرية تامة على وجهها حتى كستهم بالكامل.
انتظروا في الخارج على نار أشد من جمر في قلق وخوف إلى أن خرج لهم الطبيب ليركضوا نحوه ليطمئنهم على حالتها، إلى أن صاح به يوسف:
- طمنا يا دكتور عليها أرجوك.
أقبل الطبيب يصيح بهم بجدية:
- اللي حصل عشان توصل للمرحلة اللي هي فيها دي، كانت هتموت لولا أنتوا لحقتوها في آخر لحظة.
صاحت نور هي الأخرى بقلق:
- اللي حصل فهمنا.
تنهد الطبيب وقال بحزم وجدية:
- واضح إنها لا بتاكل ولا بتشرب بقالها تلات أيام، جسمها ضعيف جدًا، علقتلها محاليل وإن شاء الله تكون كويسة. الحمد لله إن جسمها قوي وقدرت تتحمل إنها تعيش الفترة دي من غير أي حاجة، واحدة غيرها كان زمانها ماتت. بس خلي بالكوا منها، عن إذنكوا.
رحل عنهم الطبيب وظلوا واقفين يتبادلون النظرات في دهشة وتحدٍ وغضب. يوسف يعاتب نفسه بأنه ترك المنزل وهي وحيدة مع هاشم، لو كان موجود ما كان حدث ما حدث على الأقل.
****************
إنها الثانية ظهرًا، موعد عودة محمود إلى منزله ليتناول وجبة الغداء بصحبة زوجته تهاني، التي استقبلته كعادتها ببسمتها الحانية، فهو يحتاجها الآن أكثر من أي شيء.
جلسا معًا على المائدة يتناولان الطعام في صمت، تختلس النظر إليه بين الحين والآخر. شارد، صامت ليس كعادته، نعم فهي مقدرة حالته جيدًا في هذه الفترة، صعبة على الجميع.
قطعت الصمت لتقول بتساؤل:
- وإيه العمل دلوقتي يا محمود؟ الفترة قربت تنتهي ومعندناش أخبار عن سلمى.
رد بهدوء شديد تعجبت له تهاني:
- وابنك لسه مرجعش البيت لغاية دلوقتي، كلام سلمى آخر مرة كان صعب جدًا، يوجع الحجر. إن هاشم يحس بيها وبألمها، لأ. جرها قدامنا ومشي بيها، وطارق سبق ونهى الموضوع بس مستحيل هاشم يرجع عن اللي في دماغه. نور فين؟
تركت الملعقة من يداها لتتنهد بحيرة وتقول بحزن:
- بتخلص كلية وبتطلع على المرسم بتاعها تشتغل شوية وبعدين بتعدي على سميحة تقعد معاها شوية وبترجع البيت تقفل على نفسها وكل يوم على الحال ده.
تنهد بعمق وحزن:
- نور حساسة ومتأثرة جدًا باللي حصل لأخوها وصاحبتها. وكل ده على نفسيتها خاصة الكلام الأخير اللي سمعته من طارق، اتجنن صحيح. نفوق بس من اللي احنا فيه وحسابه معايا بعدين، اتصلي بيه.
زفرت تهاني بحزن وهي تقوم بالاتصال بطارق، وفي داخلها تدعو الله أن يرد على الهاتف إلى أن قام بالرد بالفعل لتصيح بلهفة:
- أنت فين يا طارق؟ كده تقلقنا عليك يابني.
مد محمود بجدية وحزم وهو يقول:
- اديهولي، بتهرب لتاني مرة يا طارق! أنا ربيتك على كده، أنت فين كل ده وقافل تليفونك ليه؟
نفسية طارق في الوقت الحالي لا تتحمل أي اتهامات ولا عتاب، يكفي ما به لرؤية سلمى في هذا الوضع الذي لم يتوقع يومًا ما أن يراها فيه، فقد تحمل أكثر من اللازم، ليرد عليه بصوت مختنق:
- أيوه يا بابا، من فضلك مش وقته اتهامات ولا عتاب أنا اللي فيا مكفيني. خلاصة الكلام أنا في المستشفى أنا ونور ويوسف وسلمى.
تفاجأ محمود لما سمع، اقتحم القلق والتوتر قلبه، خيوط كثيرة تشابكت أمام عينيه تحتاج إلى تفسير ليصيح بلهفة واهتمام كبيرين:
- اللي حصل وخرجتوها إزاي؟
رد طارق بنفس الأسلوب:
- مش وقته الكلام ده دلوقتي، ننقذ حياتها قبل أي حاجة وبعدين نبقى نتكلم.
تفهم محمود الوضع وحالته النفسية التي مر بها، ليقول باهتمام:
- طيب أنتوا في مستشفى إيه دلوقتي؟
رد طارق في الحال:
- مستشفى .......
نهض محمود بفزع من مقعده لتنهد تهاني هي الأخرى بقلق كبير لما سمعت من ردود محمود، ليقول لها بلهفة وهو يتناول هاتفه من سطح المائدة:
- أنا لازم أمشي دلوقتي حالًا، عرفوا يخرجوا سلمى وهي دلوقتي في المستشفى.
أقبلت عليه تهاني بلهفة:
- استنى يا محمود هاجي معاك.
أطلق جملته الأخيرة قبل أن يختفي من أمامها:
- مفيش وقت يا تهاني خليكِ، هطمن عليها وهكلمك على طول.
تنهدت بحزن وقلق شديدين ومقلتيها لمعت بالدموع:
- ربنا يطمنكوا عليها إن شاء الله، الطف بيها يا رب.
********************
وصل محمود إلى المشفى ودلف إلى الداخل سريعًا يسأل عليها، ثم سار بخطوات أشبه بالركض.
- إيه اللي حصل يا ولاد؟ طمنوني.
قامت نور هي بالرد نيابة عن الجميع:
- لسه فاقدة وعيها، ادعيلها يا بابا. تلات أيام من غير أكل ولا شرب، وطبعًا أنكل هاشم ميعرفش عنها حاجة وهو حابسها إن كانت عايشة ولا ميتة.
هناك سؤال وحيد يثير فضوله لذا قام بسؤاله سريعًا:
- أومال أنتوا خرجتوها إزاي؟
ليقوم طارق هنا بالرد عليه بهدوء وحزم:
- بالقوة، زي ما حبسها بالقوة طلعناها بالقوة. مش هسمحله يأذيها بأي حاجة بعد كده، أنا اللي هقف له.
الجميع يستمع بدهشة، لم يتوقع أحدهم أن يكون هذا رد فعله، شعروا ببداية تغيير طارق نوعًا ما، ليتنهد محمود براحة، شعر بفرحة خفية بقلبه لدفاع طارق عن سلمى بهذا الشكل الحماسي، طالما لم يكفوا عن مشاكسة بعضهما البعض وبينهم العديد من المناوشات ليقول بنبرة هادئة:
- تقوم بس بالسلامة واللي عايزه ربنا هيكون.
هالة من الصمت حلت على الجميع، الكل يقف ومشاعر وأفكار متضاربة بداخلهم، لأول مرة يشعر بالمسؤولية نحوها، بأن يهمه حقًا أمرها، حتى هي نائمة مثل الطفل الصغير بكل هدوء وبراءة على قسمات وجهها تبدو قوية ذات إرادة وتحدي، تعجب حقًا من شخصيتها التي طالما لم يرَ مثلها من قبل.
*********************
بعدما عاد إيهاب إلى منزله كان يفكر بوضع طارق الحالي، لا يعرف ما الشيء الطارئ الذي تستدعيه نور القدوم سريعًا بشأنه، لا بد من أنه لأمر هام.
تردد كثيرًا في أن يقوم بالاتصال به ليطمئن عليه ليسمع رنين هاتفه وكان المتصل سارة، زفر بشدة وضيق بعدما شعر بالاختناق فجأة بمجرد أن رأى اسمها على شاشة هاتفه، فهو يعلم ما ستقوله وهو يعرف كيف يتم الرد عليها، فهو لا يريد أن يتهور بكلماته حفاظًا على مشاعر صديقته.
فبعد محاولات عديدة فاشلة للاتصال به رد في المحاولة الأخيرة ببرود تام لم تعهده عليه سارة من قبل:
- نعم يا سارة في حاجة؟
ليجد من يصيح به بشدة وزاد غضبها بعدما لمست برودة رده:
- بدي أفهم إيه حكايتك أنت وصاحبك بقالكوا كام يوم مختفيين وقافلين فونكوا ليه ها؟
تلقائيًا أبعد الهاتف عن أذنه من شدة صياحها وعلو صوتها، ليرد بنفس النبرة الباردة التي ثارت استفزازها، فلم يعد يتحمل أسلوبها بدون وجه حق:
- مالك طايحة فيا كده زي التور الهايج كده ليه؟ ومين عطاكِ الحق في كده أصلًا؟! اسمعي يا سارة أنا استحملتك بما فيه الكفاية عشان خاطر طارق، لكن لحد هنا وكفاية بقى. عندك خطيبك تعملي معاه ما بدالك لكن لحد عندي تلزمي حدودك معايا فاهمة!!
فتحت فاها بصدمة ودهشة مما سمعت للتو، إنه لجانب آخر من إيهاب كأنها لم تعرفه من قبل، لقد تحول معها 180 درجة بشكل واضح وملحوظ، لترد عليه بغضب:
- إيهاب، أنت إزاي تكلمني كده؟ كل ده عشان عايزة أطمن على طارق؟
تنهد بنفاذ صبر ليقول:
- سيبي طارق في حاله اليومين دول يا سارة بعد إذنك، طارق بيمر بظروف وحشة ومش ناقص. سلام دلوقتي عشان مرهق ومحتاج أستريح شوية.
أغلق معها المكالمة دون أن يستمع لردها، لتنظر للهاتف بعدم فهم وضيق شديد من أسلوبه معها وهي تتوعد له.
لتقوم هي على الفور بالاتصال بطارق، ليقطع رنين هاتفه هالة الصمت، تنهد بعمق عندما شاهد اسمها على شاشة هاتفه، يعرف بأنه مصرٌ في علاقته معها في الفترة الأخيرة، خاصة أسلوبه معها بنفاذ الصبر وهذا يرجع لأسلوبها معه.
رد على الفور بهدوء:
- أيوه يا حبيبتي.
ليجد من حوله يلتفتون إليه، نظر لهم بإحراج وذهب ليتحدث بعيدًا عنهم.
- أخبارك إيه؟ وحشتيني.
كادت أن تصيح به ولكن توقفت عندما سمعت رده الحاني، نبرة صوته بها هالة من الهدوء، فقررت أن تستغل ذلك لصالحها لتقول بحزن ودلال مصطنعين:
- بقى كده تسيبني اليومين دول من غير ما تسأل عن حبيبتك.
ابتسم طارق، كان يتوقع صياحها ولكن وجدها تحدثه بدلال وحب:
- عارف إني مقصر معاكِ بس غصب عني يا حبيبتي ما أنت عارفة الورطة اللي اتحطيت فوق دماغي، قريب الكابوس ده ينتهي.
حاولت نتش ما بداخله قدر المستطاع لتقول بتلقائية مصطنعة:
- أخبارك إيه مع سلمى على كده؟
من يوم ما الهانم وصلت وأنت مختفي.
زفر بضيق وهو يحاول أن يتحكم في أعصابه:
ـ ممكن تتكلمي عنها بأسلوب أحسن من كده.
هنا شعرت بالغضب الشديد فصاحت به بضجر شديد:
ـ ومالك بتدافع عنها بالشكل ده ليه، زي ما تكون سحرالك!
زفر بشدة من طريقة تفكيرها وردها، وهذا ما يجعله ينفر منها، ليقوم بغضب مكتوم:
ـ إيه سحرالك وهبل إيه اللي بتقوليه ده؟ هو عشان بحترمها ومقبلش إهانتها تبقى سحرالي وبدافع عنها؟! أعقلي الكلام اللي بتقوليه يا سارة بدل ما تندمي على اللي بتقوليه ده بعد كده.
ترد سارة بنفس النبرة:
ـ أندم على إيه يا طارق؟ لما أشوف خطيبي بيدافع عن واحدة بالشكل ده، عايزني أقول إيه يعني؟!
صدم من ردها كثيرًا ليقول بانفعال:
ـ أنتِ مستوعبة بتقولي إيه؟! شايفاني يا بنتي بحب فيها؟! أسلوبك ده يا سارة من غير مبرر هو اللي بيخليني أبعد عنك.
شعرت سارة بأنها على وشك فقدانه بعدما استطاعت على الأقل قربها منه، لتتراجع سريعًا وتقول بدلال مصطنع:
ـ غصب عني يا حبيبي، بحبك وبغير عليك.
زفر براحة ليقول بهدوء:
ـ وأنا كمان بحبك يا سارة بس مش كده.
استأنفت حديثها بنفس الطريقة:
ـ طيب هنخرج فين النهارده؟
تنهد وقال بجدية:
ـ مش هينفع يا سارة النهارده خالص.
لترد بضيق بعد جملته:
ـ ليه بقى إن شاء الله؟
تنهد وأكمل بنفس النبرة:
ـ الدنيا مدربكة عندي على الآخر، سلمى في المستشفى مقدرش أسيبها دلوقتي.
صاحت به بضيق، يبدو أن محاولتها للقرب منه باءت بالفشل:
ـ ماشي يا طارق، لما هتخلص هتعرف تلاقيني كويس. سلام.
أغلقت معه المكالمة وهي لا تعرف سر انجذابه نحوها هكذا، لكنها لن تستسلم وسوف تجد طريقة أن تزيح سلمى من طريقها. إلى أن وجل لخاطرها فكرة شيطانية لتبتسم بخبث ومكر.
*****************
في المساء قرابة الساعة الثامنة مساءً، عاد هاشم إلى الفيلا وهو في حالة مزاجية جيدة نوعًا ما. دلف إلى غرفة مكتبه ووضع الحقيبة على أقرب مقعد ثم جلس يستريح قليلًا. بعد قليل جاءت سلمى في خاطره فخرج من مكتبه متجهًا إلى غرفتها ليرا إلى مدى وصل تفكيرها في هذا الأمر. وقف أمام الغرفة في ذهول مما رآه. باب الغرفة مفتوح، متسع على آخره وسلمى غير موجودة بالداخل، شل عقله وتفكيره، كيف خرجت وعصت أوامره؟ إلى أين ذهبت تلك الحمقاء؟ يخشى ألا تكون قد هربت للمرة الثالثة بلا رجعة، مسه الجنون ليجعله يصرخ ويصيح بالخدم وهو يركض على السلم إلى أن وصل إلى البهو.
حضر جميع من بالفيلا على صوت صياح هاشم، ليقترب هو من أحدهن وصفعها لتنظر له الخادمة بألم وعدم تصديق من تغير السيد الذي تعمل لديه ليكون بهذه الوحشية، فحمدًا لله أن سلمى تمكنوا من إخراجها من غرفتها.
جذبها من ذراعها بعنف وهي تنظر له بوجه باكٍ وعيناها ترتجفان في رعب وفزع، نظر لها وعيناه تطلق الشرار:
ـ مش أنا قلت محدش يهوب عند اوضتها؟! وألا مش هيحصلك طيب حصل ولا محصلش؟! أفهم بقى خرجت منها إزاي وأنا قافل عليها بالمفتاح. أنطقي.
بكت الخادمة بشدة وأدركت أن هذه نهايتها، حاولت تنظيم تنفسها لتقول بتعلثم وبكاء وخوف:
ـ أنا مليش دعوة يا هاشم بيه والله أنا نفذت كل أوامرك بالحرف الواحد ولا كان في نملة تقدر تهوب عند اوضتها... يوسف بيه هو اللي جاه وكان معاه اتنين شباب وآنسة نور وكسر الاوضة وخرجها وأنا والله وقفته وقلتله حضرتك هتزعل بس هو هددني... والله ده اللي حصل.
ألقى بها على الأرض بقوة إلى أن ارتطمت بها وهي تبكي، ليصرخ هاشم بمنتهى العصبية:
ـ يوسسسسسسف الكلب، أنا هعرفه مين هو هاشم الجوهري عشان يعرف يتحداه كويس... صبرك عليا بس أنتَ وكل اللي معاكَ.
خرج من الفيلا في عصبية وغضب شديدين ودلف سيارته وقاد سريعًا وهو يتوعد لهم.
********************
يجلس عاصم على مقعده المتحرك، يهتز به في جميع الجهات مفكرًا في تلك المكالمة الواردة له منذ بضع ساعات، تلك الطريقة التي كانت تتحدث بها تثير استفزازه وتجعله يركض ويهشم رأسه، ولكن انتظر إلى أن يفكر في طريقة للخلاص منه قريبًا...
بينما كان يجلس على مكتبه يفحص بعض الأوراق التي أمامه سمع رنين هاتفه ليجد المتصل سارة، ابتسم وقام بالرد:
ـ حبيبة قلبي اللي وحشاني، فينك يا وحشة مبتسأليش ليه؟
ابتسمت لتقول بدلال:
ـ على أساس إنك بتسأل أوي.
رد بنفس الأسلوب:
ـ ما أنتِ عارفة الظروف المنيلة اللي سلمى حطيتنا فيها... هربت وقالت عدولي، سلمى ليا أنا وبس.
رأت بأنها الفرصة المناسبة لتثيره لتقول بخبث:
ـ هو أنت متعرفش إنهم لاقوها ولا إيه؟
اعتدل جلسته ليصيح باهتمام:
ـ أنتِ بتقولي إيه؟! لاقوها إمتى وفين... أخلصي يا سارة.
ابتسمت بخبث وانتصار على تلك المحاولة الناجحة لتستأنف:
ـ بقالها مدة مش طويلة أوي... طارق مقليش أي تفاصيل... بس شكلك نايم على ودانك ومنتاش داري باللي بيحصل حواليك.
انتفض من مجلسه بضيق شديد ليصيح بها بشدة:
ـ مرة ألاقيها عملالي صفقة مع البيه... والتانية ماشي وراها لحد المستشفى وعلى علاقة بيه... ومرة أتفاجئ بجوازها منه... اللي حصل تاني وأنا نايم على وداني.
شعرت بالضيق الشديد على تلك الكلمات التي جعلتها تشعر بأنها مغفلة، ولا تعرف بأن كل هذا يعتبر أوهام... ولكن يكفي اللحظة التي تفوّه بها بهذه الكلمات ليشعل داخلها لذة الانتقام من سلمى لتقول بخبث:
ـ السنيورة في المستشفى... أيًا كان السبب إيه بس قاعد هناك لازق لها حتى مرضاش نتقابل النهارده... مش كان الواجب بردو تكون أنت مكانه... مهما حصل أنت خطيبها وهتبقى جوزها.
حاول أن يتماسك بالقدر المستطاع فقال بنبرة صوت رخيمة:
ـ طيب أقفلي دلوقتي يا سارة.
أغلق معها المكالمة وهو يشعر بالاختناق والغيظ الشديد من داخله... كل ما خطط له في السنوات السابقة فقد تهدم في ثوانٍ معدودة عندما تخطى ابن الإبياري قدمه حياتها وكل شيء انقلب رأسه على عقب، ولكن لن يقف مكتوف اليدين بعد الآن ولن يسمح باستكمال هذه الزيجة.
أما سارة كانت تشعر بالفرح الشديد على قوة تأثير كلماتها الشيطانية عليه، وارتسم على ثغرها ابتسامة انتصار كبيرة لهذا الفوز المؤقت لتفكيك العلاقة بين طارق وسلمى بقدر الإمكان، ولم تكن تفعل ذلك إلا بمساعدة عاصم لها بكل تأكيد... فهو له دور وتأثير من الزاوية الأخرى دون أن تظهر هي في الصورة في جميع الأحوال... لهذا لم تتشاجر مع طارق كعادتها لأنها تعرف من سينفذ خطتها بطريقة غير مباشرة وينتقم لها... يا لها من ماكرة.
**********************
وصل هاشم إلى منزل شقيقته سميحة، أول مكان خطر على باله يمكن لسلمى أن تلجأ إليه... أو بمعنى أصح من قاموا بتهريبها ليصبح منزلها مخبأً لها في نهاية الأمر... لا يرى أمامه شيء سوى أن يجدها ومن هنا سوف يعاقبها أكثر مما فعل حتى وإن وصل به الأمر بقتلها مثلما حدث مع فريدة ونالت حتفها.
رن جرس الباب بطريقة مفزعة جعلت سميحة تنتفض من فراشها في سرعة وقلق، حسبت بأن هناك خطبًا ما قد حدث لهم ولا تدري العاصفة التي سوف تهب عليها بعد دقائق معدودة... ركضت مسرعة لتفتح باب الشقة لتجد أمامها شقيقها هاشم والشرار يطلق من عيناه سهامًا لتتخشب أمامه وتقول بغرابة:
ـ هاشم!!!!
اندهشت كثيرًا لرؤيته في منزلها... فهو لم يقم بزيارتها منذ سنوات لهذا اندهشت من تلك الزيارة التي تبدو غير سعيدة بالنسبة لهاشم.
توقعت لقدومه في هذا الوقت ما هو أسوأ، هل كُشفت خطة الأولاد بالفرار بسلمى؟! نعم هو كذلك بالطبع وإلا ما كان جاء إلى هنا بعد تلك السنوات الطوال... قلبها كان يرتجف قلقًا حقًا إن كان أحدهم قد أصابه مكروه ما، تماسكت على الأقل أمامه وحاولت بقدر الإمكان أن تبدو في حالة اتزان عصبي بالرغم من ضجرها الشديد منه ومن تصرفاته في الآونة الأخيرة:
ـ أهلًا يا هاشم... أتفضل.
تجاهل ترحابها لينفعل ويثور في وجهها كالقطار السريع:
ـ هي فين... وديتوها فين؟!
ردت عليه ببرود غير متوقع منها على الإطلاق ليندهش منه هاشم:
ـ واضح إنك نسيت سجنك ليها بقالها كام يوم.
ليرد عليها بتهكم وغضب شديد:
ـ لا منستش وده عقاب ليها عشان تعرف أن الله حق... بس يصح اللي عملوه شوية عيال يتهجموا على بيتي وأنا مش موجود... وتاخدهم الجرأة ياخدوا بنتي من غير ما أعرف.
من هنا لم تستطع تحمل ما قاله للتو... يا لها من بجاحة وجرأة وتلك الثقة التي يتحدث بها لتوه وكأنه لم يفعل شيئًا على الإطلاق لتنفجر به ولأول مرة بحياتها تحدثه بهذا الأسلوب:
ـ بس متقولش بنتي... أنت نسيت يعني إيه أبوة من أصله... في راجل عاقل يعمل في بنته اللي أنت عملته ده، بتاجر في بنتك يا مفتري...
قاطعها ولم يعتريه ما قالته لتوها:
ـ أنا حر يا سميحة... أعمل اللي عايز أعمله.
لتستأنف صياحها ويعلو صوتها وتنفعل أكثر من قبل:
ـ لأ... ما أنتَ مش حر يا هاشم واضح إنك فاهم الحرية غلط... مضايق من اللي عملته بنتك؟ كل ده من عمايلك وضغطك عليها وتبيع وتشتري فيها خلاها تهرب وتغور من وشك ومن تحكماتك... اللي جرالك يا هاشم أنت مكنتش كده في إيه مالك يا ابن الجوهري... شوية العيال اللي بتتكلم عنهم دول عملوا اللي كان لازم يتعمل من زمان أوي... كنت عايزنا نسيبها ونسكت على عمايلك دي لحد ما تحصل أمها؟! فاكر فريدة يا هاشم ولا نسيتها؟!
وكأن سميحة ضغطت على زر قديم أغلقه منذ سنوات ولم يرد في يوم من الأيام أن يقوم أحدهم بفتحه، حاول أن لا يتأثر بكلامها ليرد بكل برود وتهكم:
ـ اللي حصل لفريدة قضاء وقدر... وبنتي أنا عارف مصلحتها كويس وإلا فعلًا هتحصل أمها.
قال هذه الجملة ورحل على الفور بكل برود... لم تستطع سميحة استيعاب ما قال قبل رحيله، فتحت فاها في صدمة كبيرة لا تصدق، وشعرت بقدوم خطر وارد على تلك المسكينة التي لا يوجد أخبار عنها حتى الآن... ولكن كلماته لا تبشر بالخير على الإطلاق لتقوم على الفور بالاتصال بأمير ويداها ترتجف من القلق والخوف إلى أن أتاها الصوت من الجهة الأخرى لتصيح بقلق:
ـ ألحق يا أمير.
ذُعر أمير من الطريقة التي بدأت بها الحديث والدته ليصيح بقلق هو الآخر:
ـ في إيه يا أمي... اللي حصل؟
استأنفت حديثها بنفس النبرة:
ـ خالك لسة نازل من عندي دلوقتي وشكله مش ناوي على خير أبدًا... أنتوا فين يا ابني؟
قلق أمير ليحاول أن يقول بثبات حتى لا يقلقها بزيادة:
ـ في المستشفى يا أمي سلمى كانت تعبانة... هشرحلك كل حاجة بعدين... سلام دلوقتي هكلمك تاني.
أنهى المكالمة ولأول مرة لا يشعر بالخوف من شيء، نظر له يوسف في لهفة:
ـ خالي لسة نازل م عندنا دلوقتي وعرف اللي عملنا.
نظر يوسف للفراغ وقال بجدية وتحدي:
ـ بس أنا ولا يهمني اللي ممكن يعمله...
مش هسيبه يأذيها ونقف نتفرج بعد كده.
نظر له طارق في ألم وهو يتذكر كلمات سلمى الأخيرة له:
"عندك حق.. مكنتش متصور أب يعمل في بنته الوحيدة كده أبدًا."
التفت إلى نور لتبادله نظرة عتاب وألم، والدموع كاللؤلؤ في عيناها. حزينة شريدة في الحال الذي وصلت إليه سلمى من أجل شيء فانٍ لا يستحق، على كلمات أخيها التي لا تزال تدوي في أذنيها حتى الآن، فيحترق طارق ألمًا على ما بدر منه ولا يعرف كيف يقوم بإصلاح ذلك في الوقت الحالي.
*********************
عاد هاشم إلى الفيلا، والشرار ينطلق من عيناه. كلمات سميحة زادت من غضبه وانتقامه ولم تؤثر فيه. عرف من إحدى الخادمات بأن طارق حملها وخرج بها هو ومن معه راكضين بها إلى المشفى.
استقل سيارته وأثناء القيادة قام بإجراء مكالمة هاتفية لأحدهم يخبره بالبحث في جميع المستشفيات القريبة من الفيلا، فالحالة الصحية التي بدت عليها سلمى في الفترة الأخيرة تستدعي الانتقال بها إلى أقرب مشفى من هنا. وبالطبع بعد قرابة ربع ساعة رد على الاتصال وأخبره بمكان تواجدهم. انحرف بسيارته إليهم في غضب وقاد بمنتهى العصبية إلى أن وصل إليهم.
دلف هاشم إلى الداخل متجهًا نحو قاعة الاستقبال ليسأل عن مكان تواجدهم بالتحديد، ثم صعد الطابق الخامس حيث توجد العناية المركزة. وجدهم جميعًا مجتمعين أمام العناية المركزة، وتقابلت العيون في مواجهة وتحدٍ جديدين ليس لهما مثيل من قبل، كانوا في أشد استعداد لهذا الموقف الذي سوف يحدث في جميع الأحوال سواء كان الآن أو في وقتٍ لاحق. توترت نور كثيرًا وفي داخلها تدعو الله أن يمر هذا الموقف على كل خير وسلام. ساد الصمت على الجميع منذ أن هل عليهم هاشم إلى أن قطعه بنبرة حادة للغاية مليئة بالغضب والثوار:
"والله عال.. فاكرين نفسكوا هتفلتوا بعملتكوا دي ولا هعرف أجيبكوا؟! تدخلوا بيتي وتاخدوا بنتي من غير إذني!"
رد أمير بنبرة جادة للغاية وعيناه مصوبة نحوه ولا يخشى شيئًا على الإطلاق ليقول بتحدٍ لم يشاهده هاشم من قبل:
"زي ما أخدتها من بيتي بدون أي مقدمات احنا عملنا نفس اللي عملته بالظبط.. إيه رأيك في المفاجأة دي يا هاشم بيه؟"
ابتسم هاشم بتهكم وقال بسخرية:
"والله وطلعلك صوت يا ابن سميحة."
تعصب أمير من تلك الجملة الساخرة والتي تحمل الكثير من نبرته، لم يشعر إلا وصوته بدأ في العلو:
"طول عمري عندي صوت.. طول عمري وأنا مش راضي على أفعالك بس مبرضاش أتكلم ولا أنطق حرف عشان خاطر أمي وسلمى.. لكن من النهارده أنسى.. محدش هيسمحلك أبدًا إنك تأذيها بعد كده."
رد هاشم ساخرًا ولم يعر حديثه أي اهتمام:
"وهي من أمتى وكلتك محامي عنها؟"
رد أمير في تحدي:
"من النهارده يا.. يا خالي."
كاد أن يرد هاشم إلى أن قاطعه صوت جهوري، وإذ به صوت عاصم من خلفهم وهو يصيح. تفاجأ الجميع بوجوده، وزاد توتر نور وخوفها أن يزداد الأمر سوءًا بتواجده في هذه اللحظة الساخنة أن يشتعل الصراع والنزاع بينهم أكثر من الآن:
"الله الله.. لا جميل أوي التجميعة الحلوة دي."
تشجعت نور لإنهاء الموقف قبل أن يثور أكثر من ذلك بشيء من القوة على عكس داخلها تشعر بالخوف والتوتر الشديدين ولكن حسمت أمرها وردت هي بجدية:
"عاصم!! أنت بتعمل إيه هنا؟ وعرفت مكاننا ازاي؟"
صاح بها عاصم بغضب شديد:
"جاي أشوف آخرة المهزلة اللي بتحصل من ورا ضهري دي.. مش خطيبتي بردو اللي خبيتوا ظهورها؟"
نظر له طارق في ضيق لتفوهه بتلك الكلمة وكاد أن يرد فقامت نور باستئناف حديثها بنفس النبرة:
"تقصد اللي كانت خطيبتك يا عاصم.. نسيت إنها رمت دبلتها في وشك ولا إيه.. أنت ملكش أي حق عشان تيجي تشوفها اللي بينكوا خلاص انتهى وهي دلوقتي مرتبطة بحد تاني."
التفت عاصم إلى طارق ورمقه نظرة غاضبة الذي الأخير بدوره ينظر له بتحدي وبرود شديد. ليصيح عاصم في الجميع موجهًا عيناه نحو طارق:
"أنا لا يمكن أوافق على المهزلة اللي بتحصل دي ولا على شرط الصفقة المتخلف ده.. كله منك من ساعة ما دخلت معاها الصفقة دي وحياتنا اتشقلبت."
لم يتحمل يوسف الصمت أكثر من ذلك لينفجر به وهي يمسك به من أعلى قميصه:
"على أساس حياتها معاك كانت في جنة يالا.. ده أنت موريها العذاب ألوان بنجاستك كل يوم مع واحدة شكل ومش مراعي إنك خاطب واحدة بضفرك ومتحملة قرفك وساكتة عشان أبوك وأبوها.. فاكرني مش هعرف اللي بتعمله معاها.. صحيح سلمى كتومة ومبتتكلمش بس أنا حاسس بيها من نظرة عينيها وكل ما أجي أدخل بتمنعني.. لكن ورحمة أمي لو هوبت ناحيتها تاني مش هيحصلك طيب."
تدخل هاشم لفض النزاع فصاح به:
"كفاية بقى يا يوسف بلاش فضايح.. فرجت علينا المستشفى."
التفت له وابتسم بتهكم ليرد بسخرية:
"فضايح!! ومين السبب في الفضايح دي؟ مش أنت بردو ولا حد غريب يا هاشم بيه؟"
صرخت بهم نور كي تفض هذا النزاع بغضب شديد:
"بس بقى كفاية.. مش مكان نتخانق فيه ولا وقت عتاب يا أستاذ يوسف.. نطمن عليها الأول قبل كل حاجة."
رمقها بنظرة غاضبة بعدما أطال النظر بينهم لثوانٍ معدودة، ليغادر المكان بدون إبداء أي كلمة. هل حقًا غضب مما حدث؟ أما من كلمة أستاذ التي أصبحت ملازمة كلامها كلما وجهت الحديث إليه؟
لم يرد عاصم الإمداد في الشجار أكثر من ذلك، فموقفه أصبح ضعيفًا خاصة أمام نور. التفت إليها ثم قال بغضب وتحذير:
"لما تفوق هيبقى ليا تصرف تاني معاها."
انصرف هو الآخر وحالة من الصمت هلت على المكان ولكن كان مشحونًا بالغضب والتوتر والانفعال من كل الحاضرين. لم يتبق سوى نور ووالدها وطارق وأمير. مر قرابة خمسة عشر دقيقة على هذا الحال صمت رهيب إلى أن قطعه محمود مردفًا:
"أتمنى تكون مبسوط بالنتيجة اللي وصلتها دلوقتي.. متتوقعش أن معاملة بنتك هتبقى زي الأول بعد اللي حصل ده.. ادعي بس إنها تقوم بالسلامة ويا رب تعقل وتعرف قيمة اللي معاك قبل فوات الأوان."
نظر لنور واستأنف حديثه:
"طمنيني عليها يا نور أول ما تفوق.. مش قادر أنتظر أكتر من كده."
فهمت نور ما يرمي له والدها، رمق هاشم بغضب ثم هم بالانصراف على الفور. استأذنت نور وقامت بالدخول لسلمى غرفة العناية المركزة بعدما سمح لها الطبيب ولكن لن تطيل الزيارة أكثر من عشر دقائق.
تركت الشباب سويًا، والحال أصبح حرب أو منافسة أيهما أقرب بين طارق ويوسف، بعد تبادل تلك النظرات الحارقة بها الغضب والسخرية والضيق الشديد. وعين كل منهم توحي بالكثير وأمير يشعر بالمشاحنات بينهم ويخشى رد فعل كل منهم خاصة يوسف.
ابتعد عنهم أمير قليلًا يجري مكالمة. تحدث إلى سميحة على الفور كي يطمئنها على سلمى وعلى الحال العام الذي بدى فيه الآن وقبل ذلك الحين. عندما أتاه صوتها تكلم بصوت متعب:
"أيوة يا أمي."
صاحت سميحة بلهفة وقلق:
"طمني يابني عملتوا إيه.. وهي ازاي حالها.. خرجتوا بيها ولا لسة؟"
صاح بها برفق مقدرًا لكمية المشاعر المتلهفة منها وقلقها عليها، تحدث بنبرة هادئة كي يطمئنها:
"اطمني يا أمي خرجناها وكله تمام.. احنا حاليًا في المستشفى."
شهقت سميحة في فزع وضربت صدرها بكفها لتقول:
"مستشفى!! عمل فيها إيه المفتري!"
تنهد بحزن ليقول بضيق:
"كانت قاطعة النفس.. بقالها تلات أيام من غير أكل ولا شرب.. لولا ستر ربنا جينا في الوقت المناسب وجسمها قوي قدر يتحمل كنا زمانا بنترحم عليها."
زفرت سميحة بحزن وأسى لتقول وهي تفكر في حالها:
"لا حول ولا قوة إلا بالله.. هي عاملة إيه دلوقت؟"
تنهد بإرهاق ليقول بهدوء:
"ادعيلها يا أمي ربنا يقومها بالسلامة.. حاليًا في العناية المركزة ونور دخلت تطمن عليها جوة."
تريثت دقيقة ثم قالت بتوتر وحذر:
"خالك جاه المستشفى؟ عملتوا معاه إيه؟"
زفر أمير بحنق ليقول:
"جاه وزعق فينا على اللي عملناه بس يوسف مسكتلهوش.. واللي زاد وغطى وجود عاصم والدنيا كانت هتولع لولا تدخل نور في آخر لحظة."
ابتسمت وهي تمسح دموعها من وجنتيها:
"أصيلة نور.. مش عارفة تلاقيها منين ولا منين.. الغريب هموت وأعرف خالك والزفت اللي اسمه عاصم ده عرفوا مكان المستشفى منين.. ومين قالهم إنها في مستشفى أصلًا؟"
ابتسم أمير بتهكم ليقول ساخرًا:
"حاجة زي دي بسيطة بالنسبالهم.. الحمد لله إنهم معرفوش يعثروا عليها من الأول وإلا كان زمانها في خبر كان."
زفرت براحة لتبتسم وتقول بحنان:
"خد بالك منها يا أمير.. متسيبهاش لوحدها يابني."
ابتسم أمير كي يطمئنها:
"متقلقيش يا أمي احنا معاها أهو مش سايبينها.. على العموم نور معاها ومعتقدش إنها هتروح وهي في الحالة دي وسلمى عمرها ما هتفوق الساعة دي.. مضطر أسيبك حاليًا عشان سايب طارق ويوسف لوحدهم ومفيش حد فيهم طايق التاني ألا هيمسكوا في بعض."
عاد أمير إليهم ليجدهم مازالوا على نفس الحال، واقفين في صمت تام ولكن لم يكن هذا الصمت عاديًا على الإطلاق بل كان يشبه بحرب ضارية بينهم، يصارعون مشاعرهم وكل الأحداث التي مرت عليهم وكل منهم يتهم الآخر بأنه السبب في كل ما حدث. حاول أمير بلطف قطع هذا الصمت المريب وتغيير الجو العام الذي امتلأ بالتحدي والغضب الشديد من ناحية كل منهم، وتمنى لو كانت نور موجودة معه الآن لصدت معه الموقف.
دقائق معدودة وخرجت نور من العناية ليقتربوا منها جميعًا للاطمئنان على حال سلمى. ليقبل عليها طارق بنبرة باردة وهادئة للغاية:
"هي أخبارها إيه دلوقت؟"
تعجبت نور من تغير أخيها.. أين الخوف واللهفة التي كان عليها سابقًا؟ ما كان الذي تراه بعيناها ونبرة الرعب التي كانت تسمعها بأذنها منذ قليل؟ يوجد شيء خطأ وغير مفهوم بالمرة ولكن عليها أن تعرف ماذا حل به. لترد عليه بهدوء وإرهاق شديد واضح في ملامحها ونبرة صوتها:
"الحمد لله بخير.. بس لسة حالتها غير مستقرة محتاجة تفضل في العناية لحد ما تتحسن."
أقبل عليها يوسف بلهفة حقيقية لأول مرة تراها في عيناه:
"عايز أشوفها أنا كمان وأطمن عليها."
ردت سريعًا لتقول:
"الدكتور مانع الزيارة حاليًا.. ده كويس إني دخلت من غير ما ياخد باله واطمنت عليها.. لسة مخرجني."
ليخرج الطبيب من العناية خلف نور ليقول:
"كلام الآنسة مظبوط.. الزيارة ممنوعة حاليًا ووجودكوا دلوقتي ملوش أي فايدة.. مش هتفوق النهارده بأي حال من الأحوال.. تقدروا تيجوا تشوفوها بكرة لما تفوق بإذن الله."
صاح به يوسف نافيًا:
"وأنا مش همشي من هنا من غيرها."
رد الطبيب بنفاذ صبر:
"مفيش داعي لوجودك هنا يا أستاذ.. اتفضلوا بعد إذنكوا."
تركهم الطبيب وغادر على الفور. اقترب منه أمير مربتًا على ظهره ليقول برفق:
"الدكتور عنده حق وجودنا هنا دلوقتي مملوش أي لازمة.. وكفاية واحد فينا دخل لسلمى واطمن عليها..
يلا بينا والصباح رباح.
********************
غادروا جميعًا المشفى، فعاد يوسف مع أمير إلى سميحة، واستقل كل من نور وطارق سيارته وعادوا إلى المنزل في صمت تام. وصلوا ودلفوا إلى الداخل، طارق طوال الطريق يفكر كيف يقوم بمصالحة شقيقته على ما بدر منه من كلمات بلحظة غضب عارمة، من المفترض وإن كان يشعر بها لا يقذفها بوجهها بهذا الأسلوب الذي تحدث به حينها. يريد حقًا أن تعود علاقتهما مثلما كانت من قبل، هو يدرك إنه من الصعب الآن ولكن غير مستحيل. فمهما كان نور شقيقته الوحيدة وتحبه كثيرًا، طيبة القلب يتسع قلبها للجميع وسوف تغفر له هذا الخطأ في حقها. وقد تعقدت مهمته بغضب والديه عليه هما أيضًا، على كل حال أصبح وحيدًا يشعر بالخنقة الشديدة. لا أحد يشعر به ولا بجانبه في الوقت الحالي. حبيبته التي يتبدل أحوالها بين الحين والآخر ولا يعرف لماذا، أوقات يشعر بحبها حقًا وأوقات أخرى بأنه غير مهم في حياتها ولا تكترث بشأنه، حتى شقيقته الوحيدة التي كانت تزيل عنه الكثير ومن بعدها تهاني تلك الأم الحنونة التي لم يرَ مثلها من قبل قد حرم الآن من ضمتها إليه في وقت ما يحتاج إليها بسبب تلك المجنونة الحمقاء التي تسمى "سلمى" إن كانت مطيعة في بادئ الأمر لم يكونوا قد وصلوا إلى ما هم فيه الآن. ولكن تلك العنيدة لن تستسلم بسهولة أبدًا على كل حال.
دلفوا إلى الداخل في صمت تام، حاول التحدث إليها ولكنها لم تعطه أي فرصة وصعدت مسرعة إلى غرفتها. شعر بحنق وغضب على ما وصلوا إليه. ليجد أمامه تهاني تنظر له بهدوئها المعتاد ولكن امتزج بها العتاب وهو لا يستطيع تحمل تلك النظرة منها. لتقترب نحوه عاقدة ذراعيها في صمت مهيب لتقطعه قائلة بلوم وعتاب:
- ينفع اللي عملته ده يا طارق؟ كده تسيب البيت وتختفي؟! أنت عارف أنا كنت قلقانة عليك إزاي وعقلي عمال بيودي ويجيب.
ليجيب ببرود غير معتاد وهو يحاول بقدر الإمكان أن يتماسك:
- هي جات عليا يعني؟ ما مرة والهانم عملتها قبل كده.
صاحت به تهاني فلم يروق لها تلك الطريقة التي تحدث بها:
- أنت بتجيب نفسك لسلمى يا طارق؟! سلمى غلطت ولها مبرر في اللي عملته. أنت بقى مبررك إيه عملت إيه عشان تسيب كل حاجة وراك وتمشي؟
لم يعد يحتمل أكثر من ذلك حتى الآن، يشعر ببركان يشتعل في صدره لا يستطيع إخماده وجاءت والدته تزيد ذلك الانصهار أكثر وأكثر بكلماتها. فتعالت نبرة صوته دون إدراك وصاح بمنتهى الغضب والضجر:
- في إني بشر زيها. مش قادر أتحمل كل اللي بيحصل ده أكتر من كده. أنتِ متعرفيش قالت إيه. متعرفيش كلامها وجعني إزاي وأنا شايفها بتنهار قدامي ومش قادر أعملها حاجة وأبوها بيجرها قدامنا وإحنا كلنا واقفين من الصدمة واللي بيحصل. متعرفيش إن جوازي منها بيدمرها أكتر ما هي مدمرة أصلًا. عشان كده كان لازم أبعد وأختفي لحد ما أعصابي تهدى عشان أشوف هعمل إيه في المصايب اللي عمالة ترف على دماغنا دي واحد ورا التاني.
زفر بشدة وعمق واستأنف حديثه بألم ومرار محافظة على تلك الدمعة التي تجمعت في مقلتيه من النزول:
- حتى أنتِ يا أمي بعدتي عندي في أكتر وقت محتاج فيه لحضنك أنتِ وبابا بسبب المشادة بيني وبين نور. اللي اتحرمت من كلامها وهزارها وضحكتها معايا. كل ده اتحرمت منه في لحظة غضب وانفعال من الضغط اللي اتحطيت فيه. وبقيت لوحدي أول مرة أحس بالضعف بالشكل ده وملقاش حضن أترمي فيه. أنا تعبان أوي يا أمي حسوا بيا بقى.
تركها وصعد هو الآخر إلى غرفته وتهاني لا زالت تقف مكانها في صدمة مما سمعت من ولدها والدموع تسيل بغزارة من مقلتيها التي أصبحت مثل البندورة. لهذه الدرجة يحمل كل هذا بداخله دون أن يشعر به أحد؟ وراء تلك الصلابة والقوة من الخارج جرح وألم من الداخل يحتاج لمن يداويه. لهذه الدرجة يكتم ويتحكم بمشاعره ببراعة دون أن يظهرها لأحد؟ شعرت بأنها قاست عليه في الفترة الأخيرة ولكنه في ذات الوقت مخطئ وهو معترف بذلك ولا تدري ماذا تفعل الآن. هل تذهب إليه وتضمه بحنان لصدرها أم تتركه معاتبة إياه كما فعلت من قبل؟
كل هذا ونور بالأعلى تستمع لحديثه عندما شعرت بعلو صوته خرجت من غرفتها بقلق وشاهدت بعينيها التي لم تتوقف عن ذرف الدموع لما سمعت من أخيها. شعرت بآلامه وحزنه، فهي كانت ملاذه الوحيد من يعود إليها ليتكلم ويمزح، تهون عليه الكثير وفجأة دون أي مقدمات لم يعد شيء بينهما مثلما كان من قبل. هي أيضًا حزينة للغاية على تلك العلاقة التي حظيت بها منذ نعومة أظافرها حتى اللحظة التي دب فيها الخلاف بينهما وهي تشعر بالفراغ والحزن الشديد على تلك المساحة التي كانت بمثابة جزء كبير من حياتها.
دلفت لغرفتها وجلست على فراشها تبكي بشدة على ذلك الألم الذي يقطع قلبها. تريد أن تسامح أخيها على ما بدر منه من كلمات خارجة وفي ذات الوقت قلبها تمزق عندما رأته بهذه الحالة الثائرة منذ قليل ولا تستطيع مسامحته عندما أخطأ في حقها.
*******************
في صباح اليوم التالي استيقظت نور مبكرًا، توضأت وصلت فرضها، ثم قامت بالاستحمام سريعًا قبل ارتداء ملابسها وخرجت من غرفتها على الفور.
وجدت تهاني في الحديقة ساهِمَة تنظر إلى المسبح في صمت تام ولم تشعر بنور وهي تجلس قربها، تذكرت ما حدث الليلة الماضية من أحداث لم تتوقع يومًا ما أن تمر بها ولكن الحمد لله على كل حال. تتذكر نبرة انفعال أخيها وكم من صمود يبدو عليه ليكون بهذه القوة أمامهم، ولكن لم تفهم بعد تحوله للبرودة في المشفى بعدما كانت حالة الخوف والوجل الشديد واضحة كوضوح الشمس على قسماته ولو أنكر ذلك. لا تفهم ما سر هذا الجمود الذي لاحق تلك البرودة. أيكون ذلك الخوف والقلق ما يكنه عكس ما يظهر؟ حقًا لا تعرف وقد يئست من تحليل مشاعره إن هو أو تلك المسكينة الراقدة بين الحياة والموت في المشفى.
قطعت الصمت لتربت على منكب والدتها بهدوء:
- الجميل سرحان في إيه يا ترى؟
فاقت تهاني من شرودها لتجد نور تجلس بجانبها، لا تعرف متى وهي على هذا الحال، لتجد نفسها تقوم بسؤالها:
- أنتِ هنا من إمتى؟
ابتسمت نور في وهن:
- مفيش عشر دقايق كده. إيه مالك يا ماما؟
تنهدت بقوة وألم شديدين وهي تتذكر كلمات طارق التي قطعت قلبها أشلاء من الحزن:
- قلبي وجعني على أخوكِ وعلى الحال اللي وصلناله ده. مين كان يصدق أن كل ده يحصل ولا فرحتي بابني البكري تكون كده، بالغصب. أنا مش معترضة على سلمى بالعكس. أتمنى من كل قلبي إنها تكون من نصيبه بس وهما الاتنين راضيين وموافقين ببعض. أنتِ عارفة إني مش هلاقي زوجة أحسن منها لابني بس أديكِ شايفة الحال اللي هما فيه وطريقة معرفتهم ببعض كانت إزاي.
ارتسم على ثغرها ابتسامة لم تصل لعينيها بحزن شديد، معها حق تهاني بكل ما تفوهت به للتو، هي أيضًا حزينة وتتمنى ذلك. ولكن لا هذا ليس كل شيء، لتنظر لتهاني وتقول باسمة:
- بذمتك هو ده بس سبب زعلك؟ مفيش حاجة تانية؟
ابتسمت تهاني في حزن ووهن على تلك الليلة لتقول وهي تتصنع الجدية:
- مفيش حاجة يا حبيبتي.
ضحكت نور وردت بمزاح:
- يا توتو على نور الكلام ده بردو. مفيش حد في البيت ده يقدر يهرب مني أبدًا. كلكوا مكشوفين قدامي. أنا سمعت كل حاجة.
التفتت إليها تهاني في دهشة لتقول بلهفة:
- سمعتي إيه؟
اندهشت نور لتلك اللهفة التي رأتها في قسمات والدتها لتبتسم قائلة:
- اللي قاله طارق إمبارح. على الرغم اللي حصل بينا وأنا قد إيه موجوعة من اللي قاله. بس كلامه مسني أوي يا ماما ووجع قلبي. زي ما أنا عارفة ومتأكدة إنه كمان وجع قلبك. ولقيت نفسي حيرانة أسامحه على اللي قاله ولا أكمل عتاب ولوم فيه.
أدمعت عيناها وتركت دموعها تنساب بحرية لعلها تداوي الحزن الذي تشعر به:
- نفس حالي. محستش بنفسي غير وأنا داخلة أوضته ومن غير كلام أخدته في حضني.
مسحت نور الدمعة التي كادت أن تفر من عينيها وحاوطت منكبيها بذراعها في حنان، لتسند رأسها على إحداهما:
- ربنا يعدي الأيام دي على خير بقى. أنا خلاص قربت أجيب آخري.
ربتت تهاني على يدها لتقول:
- إن شاء الله يا حبيبتي. طمنيني إيه الأخبار إمبارح؟
ابتعدت عنها قليلًا وردت بحزن:
- ادعيلها تفوق يا ماما وتبقى كويسة. واليومين دول يعدوا على خير بس أهم حاجة.
ابتسمت تهاني:
- يا رب يا حبيبتي. تعالي نقوم نفطر بقى عقبال ما أصحي بابا.
نهضت نور لتقول بعجالة:
- لا معلش أعفيني مليش نفس. هطلع على المستشفى هطمن عليها.
نهضت تهاني هي الأخرى لتقول باعتراض:
- مينفعش تنزلي على لحم بطنك يا بنتي بالشكل ده. اسدّي طولك بأي حاجة.
قبلتها على وجنتيها لتقول بمرح كالعادة:
- معلش يا أمي هاكل أي حاجة في السكة بعدين. يلا سلام بقى.
تركتها وذهبت على الفور دون أن تسمع ردها. أومأت برأسها يمينًا ويسارًا اعتراضًا ونفيًا على حالها لتقول لنفسها بقلة حيلة:
- مفيش فايدة أبدًا في العيال دي. ربنا يصلح حالكوا يا ولادي يا رب وتعدي الأيام دي على خير بقى.
********************
صفت سيارتها أمام المشفى ودلفت للداخل وهي تدعو في داخلها أن تعود سلمى لوعيها مرة أخرى. لقد اشتاقت إليها كثيرًا وتعلم بالرغم من تغيرها في الفترة الماضية إلا إنها لا تزال صديقتها المقربة وشقيقتها التي لم تلدها أمها.
جلست في الانتظار قرابة نصف ساعة لحين يبدأ موعد الزيارة للعناية المركزة، التي تبدأ في تمام الساعة الثامنة صباحًا. دخلت بعدما سمح لها الطبيب. جلست بمقعد بالقرب من فراشها ولمجرد رؤيتها في هذا الشكل أدمعت عيناها وبكت وظلت بجانبها تحدثها وتقص لها عما حدث في الأيام الماضية بدونها.
في ذلك الحين وصل يوسف وأمير وسميحة إلى المشفى، توجهوا إلى غرفة العناية وكادوا أن يدخلوا إلا أوقفهم الطبيب:
- ممنوع الزيارة دلوقتي إلا لما اللي جوه يطلع. اتنين اتنين.
تساءل أمير بجدية:
- مين اللي جوه؟
رد الطبيب برسمية:
- الآنسة اللي كانت موجودة إمبارح.
فهم كل منهم أن من بالداخل هي نور، يوسف في قرارة نفسه مشتت لا يدري هل اشتاق لها ليلة كاملة ويريد رؤيتها ولا يريد أن تغفل عن عينيه، أم سيبتعد عنها ويعاملها برسمية كما كان من قبل، ولكن في السابق كانت علاقتهما بالرغم من رسميتها إلا أن بها لين في المعاملة وليس جفاء كما يحدث الآن.
بعد مرور عشر دقائق دخل الطبيب يستأذن نور بأن وقتها قد انتهى وحان دور الآخرين، أدركت أن أخيها ومن كانوا معها قد أتوا للاطمئنان عليها، خرجت وهي لا تريد مواجهة يوسف أمامها ولا تريد أن تراه.
ولمجرد رؤيته تلاقت عيناهما في صمت تام، فأشاحت نظرها عنه والتفتت إلى سميحة باسمة، أقبلت عليها تختبئ في صدرها، لتربت عليها الأخرى بحنان:
- صباح الخير يا طنط.
ابتعدت عنها وردت باسمة:
- صباح الفل يا حبيبتي.. عاملة إيه النهارده؟
اصطنعت نور البسمة لتقول:
- الحمد لله بخير.. هبقى كويسة لما تفوق بإذن الله.
ربتت على منكبها لترد ببسمة ممزوجة بحزن:
- إن شاء الله يا حبيبتي تقوم لنا بألف سلامة.
التفتت سميحة ليوسف الذي لم يشح نظره عن نور منذ لحظة خروجها، شريد.. حزين.. مجهد، محاولًا الاتسام بالبرود أمامها بقدر المستطاع، لتقترب هي ممسكة بذراعه:
- يوسف.. مالك يا حبيبي مسهم كده ليه؟
رد مرتسمًا بسمة صغيرة على محياه، محاولًا إخفاء مشاعره ويبدو هادئًا على قدر الإمكان، وأن سميحة تفهمه من عينيه:
- مفيش يا حبيبتي.. أنا يمكن بس منمتش كويس.
سميحة على علم بأنه يخفي شيئًا، فهي ملاحظة منذ البداية نظراته لنور، فقررت ألا تضغط على أعصابه الآن، يكفي الموقف الذي وضع به لا يحسد عليه، وسوف تتحدث معه فيما بعد، لتجاريه فيما قال:
- ومين سمعك يا بني.. ولا أنا نمت كويس امبارح وعقلي عمال بيودي ويجيب.. إن شاء الله هتبقى كويسة.. هندخل إحنا بقى نطمن عليها.. لولا أمير أصر كنت جيت امبارح.
تنهد بقوة وشدة:
- يااااااا رب.. ماشي يا عمتو.
دخلت سميحة وأمير وصدروا خلفهم الثنائي الغاضب، كل منهم متجنب النظر للآخر، يتحاشاه بمعنى أدق. نور لا تعلم سبب تغيره المفاجئ معها بهذا الشكل، فلم تتوقع منه أن يعاملها تلك المعاملة يومًا من الأيام، تريد النظر إليه ولكن كبرياءها يمنعها أشد المنع، هو من أخطأ بحقها وتجنبها بدون مبرر أو سبب مقنع حتى. طالما هو من بدأ معاملته الرسمية معها سوف تستمر كما يشاء لترى ما نهايته. بينما هو كان أكثر غضبًا منها، فتلك المعاملة رغمًا عن إرادته، تألم كبرياءه بعد تلك الكلمات التي لقنها طارق له، ولهذا السبب يتمنى لو أصبح بين يديه ليهشم رأسه. قلبه يعتصر ألمًا وهو يعاملها بهذا الجفاء، كرامته يمكن أن تكون أكبر من المشاعر التي يكنها إليها، فهو يبدو من الخارج غير مبالٍ، بينما من الداخل قلبه يشتغل أشد من الجمر.
ما زال الصمت الهالة التي تحاوطهم، هو يسترق النظر إليها بين الحين والآخر.. يريد أن يبدأ معها بالحديث مثلما يفعل من قبل، ولكن لا يستطيع.. كلمات طارق لازالت تتردد في مسمعيه، لا يريد إثارة مشاكل في ظل الأوضاع التي محاوطون بها وبدلًا من مشكلة واحدة العديد منها.
بعد قرابة خمسة عشر دقيقة خرجت سميحة وأمير ويبدو عليهم الحزن الشديد خاصة سميحة.. دخل يوسف هو الآخر وترك نور خلفه تشتعل من الضيق والحزن، لا تعرف لماذا يفعل بها كل هذا، لماذا بعدما اقترب ابتعد عنها فجأة دون مقدمات؟.. الفضول ينهش في قلبها تريد معرفة السبب.
لم تستطع الانتظار بوجوده أكثر من ذلك، يتعبها ويشتت عقلها وتركيزها، قررت الابتعاد عنه إلى أن يرحل، وبالفعل ابتعدت دون أي مقدمات، حتى سميحة وأمير اندهشا من ذلك دون إبداء أي كلمة.
جلس بجانبها يتأملها في صمت، أمسك يديها وقبّلها باشتياق، وبدأت الدموع تتجمع في عينيه، لقد اشتاق إليها حقًا طيلة هذه الأيام الأربعة، يعرف أنه أخطأ بحقها بأسلوبه الأخير معها، ولكن غضبه كان يسيطر عليه فلم يجد منفذًا لخروجه إلا بها.. يشعر بالضيق والعجز الشديد لما انتابه الشعور بأنها من الممكن أن يفقدها في أي لحظة، لعدم تمكنه من منع والده عن أفعاله التي اندهش منها مؤخرًا، يشعر بأن هناك شيئًا خطأ.. لا يريد أن يفقدها مثلما فقد والدته بسبب أبيه، وهو سيكون السبب في فقدانها هي أيضًا إذا استمر الوضع على هذا الحال.
بدأ يتحدث معها لعله يشفى من آلامه.
"أنا آسف يا سلمى.. عارف إني ضايقتك بالكلام الفترة الأخيرة لما سألتيني عن نور.. بس والله والله غصب عني.. مكنتش عارف أقولك إيه عشان متكرهيش طارق بزيادة.. زي ما أنتِ اتضايقتي أنا كمان اتضايقت على فكرة إني عاملتك بالأسلوب ده.. بس سامحيني.. سامحيني على كل مرة معرفتش آخد حقك وأوقف قصاد بابا.. إني مقدرتش أحميكِ بما فيه الكفاية.. أنا حاولت معاه كتير بس للأسف معرفش إيه اللي بدله بالشكل ده.. وحشتيني أوي يا سلمى قومي بقى أنا مليش غيرك.. عايزك تكوني عارفة ومتأكدة إني بحبك أوي.. أنا آسف بجد."
طبع قبلة على جبينها ومسح دموعه جيدًا وخرج.
بحث عنها بعينيه فلم يجدها، كبرياؤه يمنعه من السؤال عنها ولكن شيئًا بداخله يحثه أن يفعل ذلك.. ودون أن يشعر التفت إلى سميحة قائلًا:
- هي نور فين؟
سمع صوتًا رخيمًا يرد عليه بدلًا من سميحة التي كادت أن ترد:
- وأنت مالك بيها.. مش قلتلك ابعد عنها وملكش دعوة بيها خالص.
التفت لمصدر الصوت ليراه يقف بالقرب منهم، ينظر له بغضب واضعًا كفيه في جيب بنطاله.. كان يحترق من الداخل على تلك الكلمات وهذا الهجوم الشرس عليه، ولكن رد ببرود ولا مبالاة مغايرًا لما بداخله:
- كلامي مش معاك دلوقتي.. موجه لعمتي ولا حابب تسمع رد مش هيعجبك.
غضب طارق بشدة وكاد أن يقترب نحوه ويهشم رأسه ولكن تماسك نظرًا لوجودهم في المشفى، وكاد أيضًا أن يقوم بالرد عليه إلا أن سميحة تدخلت على الفور قبل أن تحدث كارثة وتكبر المشاحنات بينهم:
- خلاص يا ولاد.. ميصحش اللي بتعمله ده يا يوسف.
كل هذا ولم يزح عينيه عليه والشرر يتطاير.. رد بغضب:
- بعد إذنكوا أنا داخل أطمن عليها.
دخل للغرفة بينما يوسف قال ساخرًا وبضيق شديد:
- حنين أوي يا خويا.
لم يحتمل أمير تعبيرات وجه يوسف وهو يسخر من طارق وضحك بأعلى صوت، ليرمقه كل من والدته ويوسف بغضب، ليتوقف هو ويقول وسط ضحكاته:
- أنا آسف والله غصب عني.. بس مشوفتش شكلك وأنت بتتريق عليه يفصل من الضحك.
رمقته سميحة لتقول بجدية:
- وبعدين معاك يا أمير هو ده وقته.. اسكت.
وضع يديه على فمه محاولًا السيطرة على نفسه، وأزاح يوسف وجهه إلى الناحية الأخرى بغضب، وتقف سميحة حائرة بينهم.
نور تقف بعيدًا عنهم تشاهد كل ما حدث، زفرت بشدة على ابتعادها في الوقت المناسب قبل ظهور طارق، ولا تعرف متى سوف يرحل يوسف من هنا.
بعد قرابة خمسة عشر دقيقة خرج طارق مهرولًا ليصيح في الجميع برعب، ليلتفتوا إليه في هرع شديد وهو يقول:
- الدكتور.. فين الدكتور.. سلمى قلبها وقف.
رواية صفقة حب الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم شيماء جوهر
لا يعرف لماذا تردد كثيرًا ليُقدم على هذه الخطوة، ألهذه الدرجة لا يريد رؤيتها؟ أم يخشى مواجهتها؟ حتى وهي نائمة .. ساكنة في فراشها لا حول لها ولا قوة، ليس لديها القدرة حتى على مواجهته. يريد أن يحطمها كما حطمت قلبه بفعلتها، ولكن شيئًا بداخله يجعله يتراجع كلما تذكر آخر ما رأت عيناه وتلك الكلمات التي مزقت قلبه أشلاء.
جلس جوارها صامتًا، فقط ينظر إليها في شرود ومشاعر مختلفة تجثو على رأسه دون أي رحمة، ولم يشعر بنفسه وهو يقول معاتبًا وبكل غضب:
"ليه عملتي كده؟ ليه يا سلمى؟ .. مش كنا اتفقنا على كل حاجة .. كان لازم عنادك ودماغك اللي زي الحجر دي .. عجبك اللي وصلتيه؟ .. أدي آخرة جنانك وآخر حاجة ممكن أتصورها منك .. مش كنا خلصنا؟ .. مش عارف بس أنتِ طلعتيلي منين دخلتي حياتي وبرجلتيها وسلبتي عقلي من غير ما أحس .. عايز أكسرك زي ما كسرتيني بس مش قادر .. كفاية عليكي اللي هاشم وريهولك، مش قادر ألومك وفي نفس الوقت لازم أعاتبك .. أنا محتار واقف في نص الطريق ومش عارف أعمل إيه .. كل حاجة باظت بسببك أنتِ يا سلمى، خلافي مع أمي وأبويا .. حتى نور الحاجة اللي مهونة عليا راحت هي كمان ومش طايقة تبص في وشي بسبب أخوكي .. حتى خطيبتي !! يا ريتك ما ظهرتي في حياتي .. نفسي تفوقي عشان نخلص من الكابوس اللي وقعنا فيه كلنا ده .. وكله من تحت راسك ومن تصرفاتك اللي ملهاش سابق إنذار، كنتِ ممكن ترفضي بأي طريقة أو تكلميني أحاول أتصرف بس ما تكسرينيش كده يا سلمى .. كل ما بسمع اسمك ما بأبقاش طايقك، بافتكر كل حاجة عملتيها بداية من أسلوبك معايا لحد هروبك .. حسابك معايا لما تفوقي .. مش هسمحلك تدمرّي أي حاجة بعد كده يا سلمى .. فاهمة؟ .. مش هسمحلك كفاية جنان لحد كده .. أنتِ ولا حاجة بالنسبة لي ولا حاجة."
انسدلت الدموع من جانب عينيها دون أن يلاحظ، وبدون أي مقدمات بدأ جهاز رسم القلب يعرض الخط المستقيم معلنًا نهاية رحلتها المأساوية من تلك الحياة البائسة. فزع طارق ولم يصدق صفير الجهاز، الأمر الذي حدا به أن ينتفض من مكانه ويصيح باسمها برعب حقيقي لأول مرة. خوف .. توتر .. تشتت، لا يعلم ماذا يفعل سوى أنه هرول للخارج ليصيح في الجميع برعب، ليلتفوا إليه في هرع شديد وهو يقول:
"الدكتور .. فين الدكتور .. سلمى قلبها وقف .. حد يشوف الدكتور بسرعة .. اتحركوا."
في ذات اللحظة التي صاح بها طارق ركضت نور نحوهم في فزع شديد بعدما كانت تراقبهم من بعيد، ليتعجب يوسف من ظهورها المفاجئ ليصيح به بعنف:
"إيه اللي حصل؟"
صاح هو الآخر بعنف شديد وعلا صوته:
"هو ده وقته؟ .. هات الدكتور."
لم تنتظر نور تلك المشادة بينهم لتهرول في لهفة إلى غرفة العناية وشاهدت الخط المستقيم بعينيها، لتتبعها سميحة والآخرون. صرخت باسمها ليهرول يوسف صائحًا باحثًا عن الطبيب ليأتي مسرعًا ومعه ممرضة. صاح بهم في انفعال:
"اطلعوا كلكوا بره."
تراجعوا للخلف وعيونهم مشبثة عليها بغير تصديق، فقط يشاهدونها خلف الزجاج، الطبيب يصعق قلبها بالصادم الكهربائي عدة مرات دون استجابة منها.
انهارت نور وانفجرت باكية، لتضمها سميحة وتبكي معها هي الأخرى بألم وحزن شديدين على مصير تلك المسكينة التي بين الحياة والموت الآن.
أمير يشعر بأن هناك شيئًا ما غير واضح ومفهوم في كل ما يحدث، شيئًا ما خاطئ ويجب أن يحل هذا اللغز المحير الذي لا يزال يحدث حوله.
ويوسف الذي هربت الدماء عن وجهه وتخشب في صدمة ورعب، أخذ يفرك يديه بعنف شديد ويسير في توتر شديد ذهابًا وإيابًا. أما طارق فلم يسمع نحيب نور ولا سميحة وخطوات قدم يوسف السريعة، كأنه انتشل من وسطهم ولم يعد يشعر بأي شيء حوله ووجد نفسه في عالم غريب، لم يرَ أمامه سوى مشهد اهتزاز يديها وصفير الجهاز معلنًا عن أكثر شيء يخشى أن يحدث. لا يعرف بما يشعر به، فقط تخشب وجهه وشلت حركته، ليسترد وعيه ونور تتشبث به من أعلى قميصه بعدما تركت ضمة سميحة إليها وصاحت به في غضب شديد وهيستريا بكاء:
"أنت قلتلها إيه؟ .. أنطق .. كانت كويسة ومفيش أي حاجة .. عملت إيه؟ .. مش هسامحك لو جرالها حاجة يا طارق .. سامع .. مش هسامحك."
فضت سميحة بينهم وجذبت نور نحوها في رفق، ولا تزال عيناها تنهشه غضب وألم، ويوسف يشاهد ما حدث ولا يفهم شيئًا. ليتوتر طارق ويقول مدافعًا:
"ما عملتش حاجة .. دخلت عادي أطمن عليها وفجأة حصل اللي حصل."
رمقته نظرة عتاب لتقول بغضب:
"مش مصدقاك يا طارق .."
لتقاطعها سميحة قائلة بحدة وهي مشبثة بمنكبيها:
"خلاص يا نور، وطارق ذنبه إيه يعني .. اهدي يا بنتي وإن شاء الله هتكون كويسة."
سكن طارق جانبًا مع أمير محاولًا تجنب نظراتها، بعد دقائق من التوتر خرج الطبيب لينقضوا جميعًا عليه في لهفة وقلق، لتصيح نور أولهم:
"إيه اللي حصل عشان قلبها يقف بالشكل ده؟ .. هي عاملة إيه دلوقتي؟"
رد الطبيب بهدوء يتناسب مع الموقف وقلقهم البين أمامه:
"الحمد لله جات سليمة .. ده اللي أنا مستغربه بصراحة .. حالتها لا تستدعي توقف قلبها."
هنا رمقته نور نظرة نارية خشي هو منها، كادت أن تحرقه في مكانه ليستأنف الطبيب حديثه:
"بس الحمد لله إنها بخير .. ممكن تفوق على آخر اليوم بإذن الله .. عطيتها حقنة مهدئة .. عن إذنكوا."
ساد الصمت على الجميع، وهالة كبيرة من الحزن والألم ومشاعر مختلفة حاوطت المكان بأكمله.
نظرات خاطفة بين الثلاثي الغاضب، مع ملاحظة سميحة ذلك وهي لم تعد تفهم بعد ما الذي حدث بينهم لتنقلب الآية بهذا الشكل .. ونظرات أمير الثاقبة لهم تحاول تحليل رد فعل كل منهم.
********************
دلفت تهاني غرفة المكتب لتجد محمود منشغلًا في بعض الملفات أمامه لتتنهد بحيرة وحزن. اقتربت منه وجلست قباله في صمت تام بعد أن وضعت صينية القهوة على سطح المكتب، ليرفع رأسه وينظر لها لبرهة ثم يعاود نظره فيما كان يعمل به. قطعت الصمت لتقول في هدوء:
"ما ينفعش تنزل شغلك على معدة فاضية .. على الأقل اشرب قهوتك."
مد يداه وتناول الفنجال ورشف منه رشفة واحدة ثم وضعه أمامه، أمسكت يديه في حنان ليجدها باسِمة:
"هتكون كويسة بإذن الله ما تقلقش .. مش لسه مطمني عليها إمبارح أول ما رجعت .. الولاد عندها من دري لو في أي جديد هتلاقيهم مبلغينك على طول."
زفر بشدة وأراح ظهره للخلف ليقول بتفكير وقلق:
"من ساعة اللي قريته في الملف وأنا كل اللي شاغلني الكارثة اللي ممكن تحصل في أي وقت .. واللي هيدفع ثمنها واحدة مالهاش أي ذنب على الإطلاق .. مش هاسمح تضيع زي ما ضاعت فريدة يا تهاني ولا نسيتيها؟"
ابتسمت بحزن ثم أردفت في وهن:
"ما تتنسيش يا محمود .. الله يرحمك ويصبرنا على فراقك .. وحشتني أوي .. على طول با لاقيها كأنها قلقانة من حاجة .. ربنا يستر على سلمى."
رد محمود بتفكير:
"آخر حاجة ممكن أتصورها إن بعد السنين دي كلها ألاقي سلمى عارفة حكاية موت أمها .. عرفت الموضوع ده منين بس يا ربي من ساعة اللي حصل وإحنا مكتمين على الخبر."
نظرت له تهاني في اهتمام لتقول بجدية:
"علمي علمك يا حبيبي .. كده مفيش حل إلا .."
قاطعها محمود بجدية:
"مفيش غير كده .. عندك حل تاني؟"
ردت مسرعة بنفس النبرة:
"طب والولاد هنقنعهم إزاي بحاجة زي دي؟"
صاح بها بجدية متناهية وصرامة:
"مفيش وقت للإقناع يا تهاني .. لازم يرضوا بالوضع اللي فُرِض عليهم .. المهم محدش يعرف باللي حصل ده دلوقتي .. نمشي الموضوع زي ما هو بالوضع اللي الكل شايفه."
رشف بضعة رشفات سريعة من القهوة التي كادت أن تبرد بسبب انشغاله بحديثه مع زوجته ونهض وهو يرتدي بذلته ليستدرك وهو يخرج من الغرفة:
"في شغل لازم يخلص النهاردة في الشركة .. هاكلم نور في طريقي ها طمن على سلمى .. افطري أنتِ يا حبيبتي .. سلام."
اختفى من ناظرها بعدما ألقى عليها جملته الأخيرة وهي لا تزال جالسة في مكانها دون حراك، تفكر في كل كلمة تفوه بها والخوف والقلق ينهشان في قلبها، لتزفر بشدة وتقول وهي تنهض:
"ومين اللي له نفس ياكل بس بعد كل اللي حصل ده؟"
******************
تشعر بأن كل مخططاتها باءت بالفشل الشديد رغم كل محاولاتها للتقرب منه وجعله مثل الخاتم في إصبعها مثل ذي قبل، ولكن تلك اللعينة التي دخلت حياتها وأفسدتها ببراعة دون أن تدري .. حيَلها لم تنتهِ بعد، فما زالت تمتلك كروتًا لتتحرك وتصل إلى مبتغاها بكل سهولة. ابتسمت بمكر وشبح انتصار على شفتيها على ما دار في عقلها وقررت عليها تنفيذه.
وصلت للشركة ودلفت للداخل إلى أن وصلت لمكتب السكرتارية .. نظرت لها السكرتيرة بتمعن لأول مرة تراها لتردف قائلة برسمية:
"تحت أمرك يا فندم."
تصنعت سارة الجدية:
"عايزة أقابل مستر عاصم."
أردفت السكرتيرة بنفس الأسلوب:
"في ميعاد سابق يا فندم؟"
ابتسمت سارة لتقول في ثقة:
"لا .. قوليله بس سارة وهو هيعرفني."
اندهشت ثم رفعت سماعة الهاتف وبعد لحظات أردفت:
"اتفضلي مستر عاصم في انتظارك."
ابتسمت لها ودخلت على الفور بكل ثقة وغرور مكتب عاصم بعدما قرعت على الباب دون انتظار إذن منه على الأقل. لينهض هو في غضب شديد لمجرد رؤيتها ويقترب نحوها بخطوات متعجلة، أمسك ذراعها بقوة لدرجة إيلامها ليصيح بها مجزجزًا أسنانه:
"مش قلتلك قبل كده ما تهوبيش ناحية الشركة بعد كده .. حصل ولا ما حصلش؟"
نظرت له بخوف داخلي ولكنها تحلت بالقوة لتقول متألمة ولا يزال ذراعها بين قبضته الضخمة:
"حصل .. بس سيبني يا عاصم أنت بتوجعني."
تركها وأزاحها بعنف متجهًا نحو مكتبه، وهي تنظر له بغرابة تتحسس ذراعها أثر قبضته لتجلس قباله بمنتهى الثقة والهيمنة وكأن لم يكن شيئًا:
"أعملك إيه ما أنت ما بتردش عليا من آخر مرة كلمتك فيها .. ممكن أفهم بقى إيه اللي شاغلك عني .. أوعى تقولي ست سلمى بتاعتك دي."
رد عاصم بتعالٍ:
"أيوه هي."
زفرت بغضب وحقد شديدين وكادت أسهم من لهب محمومة تنطلق من عينيها نحوه، لتصيح به في ضيق شديد:
"يا ربي هو أنا ما ورائيش سيرة إلا هي؟ .. حتى أنت كمان مشغول بيها يا عاصم .. هي البنت دي سحرالكم ولا إيه عايزة أفهم؟"
ضحك عاصم ليقول ساخرًا:
"مين دي اللي تسحرلي! .. أنتِ اتهبلتي في عقلك يا سارة ولا إيه؟ .. مش عاصم السيوفي اللي حد ياخد حاجة بتاعته وعينه عليها."
ابتسمت بسخرية نصف ابتسامة لم تصل إلى عينيها لتثير استفزازه:
"أها أهو واضح .. بإمارة إنه مطنشني ولا بيسأل فيا ولازقلها."
رمقها بغضب وهو يجز على أسنانه:
"ما تتلمي يا بنت أنتِ في إيه بدل ما أقوم أكسرلك دماغك."
هدأت قليلًا وقررت أن تبطئ وتيرة تلك اللعبة، فابتسمت دون أن يلاحظ بانتصار ثم قالت بفضول واهتمام:
"ألا صحيح إيه اللي حصل؟ .."
روحت لها؟
زفر بحنق عندما تذكر ما حدث في المشفى، دار بالمقعد المتحرك الذي يجلس عليه دورة كاملة وأثار الغضب تبدو واضحة عليه، حتى هي لاحظت ذلك وأيقنت بأن هناك مشادة قد حدثت بينهم بالفعل. طرق بيده على سطح المكتب بعنف ليصيح بها:
- عارفة لو كان المحروس يهمك أوي كده كان زماني محيته من على وش الأرض، وبدل الرصاصة اللي جات في كتفه المرة الجاية هتيجي في قلبه.
شعرت بالغضب من حديثه لترمقه بصدمة وتصيح به:
- أنت اتجننت يا عاصم ولا إيه؟ متفقناش على كده، أنت ليك سلمى وبس وليك عليا أزيح طارق من طريقك بس كله إلا إنك تقتله.
نظر لها وضحك بسخرية ليقول بتهكم واضح:
- خايفة على حبيب القلب ولا إيه.
ابتسمت ساخرة وأصطنعت الجدية والصدق:
- طبعًا يعني، مش خطيبي!
ما زالت البسمة الساخرة طاغية على شفاته، ناظرًا لها بمكر وخبث على تفكيرها السوداوي. يعلم جيدًا ما تفكر به وما تنوي على فعله، ففي نهاية المطاف لا ينكر بأنه معلم بارع وها هي تكون خليفته.
*****************
لم يعد يتحمل طارق نظرات شقيقته الحارقة له، ونظرات الغضب الجامح من يوسف وقد لاحظت نور ذلك بدون فهم سر التحول الغريب بينهم. غادر المشفى بعدما اطمأن على حالها متحججًا بالأعمال المتأخرة في الشركة التي تستوجب وجوده، ولكنه لم يذهب للشركة بالفعل، فمثل تلك الظروف التي يمر بها لا تستدعي أي طاقة أو شغف كي يستأنف عمله.
قاد سيارته وأخذ يتجول بها بدون هدف أو داع، انحرف عن طريقه وذهب لمكانه المفضل، تلك الكافتيريا التي طالما تتجه قدماه إليها مع إيهاب. لم يتحمل أن يطيل في المكان بمفرده، فكاد أن يجري مكالمة له وجده هو من يهاتفه، رد طارق سريعًا ليس كعادته:
- أيوة يا إيهاب أنت فين؟
رد إيهاب باهتمام:
- أنت اللي فين من إمبارح يا ابني، طمني إيه اللي حصل.
زفر بحنق، ليس لديه طاقة للحديث وفي ذات الوقت يريد إطلاق العنان لما بصدره:
- مش هينفع الكلام هنا، تعالى أنا قاعد في الكافيه.
نهض إيهاب وقال باهتمام:
- طيب مسافة السكة.
أنهى معه المكالمة وهو يفكر في ذلك المستقبل الغامض الذي يجمعه بسلمى، لا يدري هذا القرار أو ذاك المصير الذي يجمعهم سويًا صحيح أم لا، وهل إن كانوا في ظروف مناسبة أفضل مما هما عليه الآن علاقتهما ستتغير أم ستبقى كما هي؟ لا يدري ولكن هو على يقين أن ارتباطه بسلمى بأي شكل من الأشكال اضطراري ليس إلا ولا يحمل في طياته أي مشاعر.
قرابة نصف ساعة وصل إيهاب، وأخذت عيناه تبحث عنه في جميع الجهات إلى أن وجدته ليقبل عليه سريعًا ويجلس في المقعد المقابل لطاولته ليصيح به في اهتمام حقيقي:
- صوتك مش عاجبني، قولي بقى إيه اللي حصل.
صمت طارق، فقط ينظر إليه دون أن يتفوه بأي كلمة، إلى أن زجره إيهاب:
- ما تنطق يا ابني، سيبت ركبي.
زفر بشدة وبدأ يقطع صمته دون أن ينظر له:
- سلمى دخلت في غيبوبة بسيطة بسبب قلة الأكل والشرب، والذي زاد الطينة بلة إن قلبها وقف فجأة لما دخلت اتكلمت معاها، المفروض إنها تفوق على النهاردة بليل.
رفع عيناه ليجد ملامح إيهاب تلونت بالصدمة لما سمع، ليقول بشك:
- ده اللي هو إزاي؟ أنت كنت بتقولها إيه يا طارق؟
زفر بشدة وسأم من هذا السؤال الذي يذكره باندفاع نور نحوه من قبل، ليقول باندفاع هو الآخر:
- ولا حاجة يا إيهاب، مش هتبقى أنت ونور كمان، قلت لها كل اللي في قلبي ناحيتها يا سيدي، كل اللي حاسه، عارف إني كنت قاسي في الكلام معاها، لو كانت في وعيها زمانها سمعتني موشح، مش فاهم في إيه.
رمقه في غضب وعتاب، أدرك تمامًا ما حدث لينظر له طارق بغرابة متسائلًا:
- مالك بتبص لي كده ليه؟ أنا ناقصك أنت كمان.
ليصيح به إيهاب:
- يعني كل اللي قلته ده ومش فاهم في إيه؟ هتستعبط يا طارق!
زفر بنفاذ صبر ليقول:
- ما تنجز يا إيهاب في يومك ده.
تنهد بعمق وأردف بنفس النبرة:
- راجع نفسك وهتعرف في إيه كويس يا طارق.
كلمات إيهاب أصبحت مثل اللغز بالنسبة له، ولا يعرف بماذا تنحرف كلماته، فهو حقًا لم ينكر بأنه قلق لما حدث لسلمى منذ أن تركها.
**********************
في تمام الساعة الثامنة مساءً.
ظلام دامس لا ترى منه حتى أصابع يدها. أين هي يا ترى؟ ما هذا الصمت الموحش الذي تسمع صداه حولها؟ أيمكن أن يكون الله استجاب دعاءها في لحظة ما ودون أن تشعر تجد نفسها في القبر؟ لا لا إنها ليست بميتة، إنها على قيد الحياة، ذلك الصفير الذي تسمعه بالقرب من أذنيها يخبرها بذلك، شعرت بالحزن قليلًا عندما اكتشفت تلك الحقيقة، كانت تريد أن تنهي آلامها بأي طريقة وها قد جاءت لها الفرصة السانحة ولكنها لم تحظَ بها للأسف. ولا تشعر بأنها في غرفتها، إذن أين تكون يا ترى؟
تشعر بجفاف حلقها يكاد أن يمزقه من عدم الارتواء بعد. زفرت بشدة وهي تفكر وتحاول استعادة وعيها بشكل كامل كي تتدارك الموقف، فما الذي على وجهها هذا؟ شيء أصغر بقليل من كف يداها يغطي أنفها وفمها معًا، تحسست برفق لتجد ما تفكر به صحيح، إنه جهاز التنفس الصناعي، ماذا حدث لتنتهي بها الأمر لتكن مقيدة تحت هذا الجهاز؟ معنى ذلك إنها ليست بمنزلها، نعم لقد أدركت الموقف بالكامل الآن، إنها بالمشفى، هذا التفسير المنطقي الوحيد الذي يترجم كل ما تشعر به وما يخطر ببالها، نزعته برفق وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة بالغة، كأن هذا الجهاز من كان يسترق منها الهواء وليس من يعطيه إياه. لا تستطيع حتى تحريك قدمها أو جسدها، تشعر بأنها شلت تمامًا حركتها، والأدهى تشعر بآلام في أنحاء جسدها ولا تستطيع الاعتدال مرورًا بوجع شديد في رأسها. مرت لحظات ونزعت تلك الوصلة التي تشبه "المشبك" من يداها وبعض الإبر المثبتة بعناية في ظهر كفها ليعلن الجهاز صفير الختام.
أثناء ذلك كانوا جميعًا منذ الصباح في مكانهم باستراحة أمام غرفة العناية المركزة، رفض كل من سميحة ونور ترك سلمى في هذه الحالة خوفًا من استعادة وعيها في أي لحظة ولن تجد أي منهم بجانبها، كذلك يوسف لم يقدر على فراق المشفى، فضل البقاء بجانب عمته ونور.
فغادر أمير وعاد إليهم في المساء بعدما أنهى عمله، فمهمته تتحتم عليه عدم الغياب في الوقت الحالي.
بمجرد سماع صوت صفير الجهاز واستواء خط رسم القلب نهضوا في فزع ورعب لينظروا جميعًا لبعض في قلق وارتباك. لا ليس للمرة الثانية. هرولت نور إلى الغرفة مرة أخرى لتشاهد سلمى استعادت وعيها، فقط ممددة على الفراش دون حراك وكل الأجهزة منفصلة عن جسدها. ركضوا نحوها في لهفة لتقوم نور بضمها بقوة وهي قد انهمرت في البكاء فرحة لرؤيتها مفتوحة العينين مرة أخرى، لتقول هامسة بين بكائها:
- حمد لله على سلامتك يا غالية، وقفتي قلبي.
التفتت إلى يوسف الذي كان واقفًا خلفها وأردفت بتلقائية وهي تخفف دموعها:
- روح بسرعة بلغ الدكتور أن سلمى أخيرًا فاقت.
أطاع أمرها وبالفعل ذهب يبحث عن الطبيب.
تحسست وجهها سميحة وقبلت جبهتها مردفة في حنان وحب بالغ:
- ألف حمد لله على سلامتك يا بنتي، روحي ردت فيا لما شوفتك مفتحة عينيكِ تاني، كده يا سلمى تخضينا عليكِ.
ابتسمت نور ونظرت لسلمى باسمة:
- بتقولي فيها يا طنط، الحمد لله إنها قامت بالسلامة.
نظرت لهم ببلاهة وهي تستعيد وعيها تدريجيًا، ما الذي حدث لتأتي إلى هنا؟ فهي لا تتذكر شيئًا مما حدث. تنهدت وتكلمت بصعوبة:
- هو إيه اللي حصل؟
ابتسمت نور وأردفت وهي تربت على يداها بمرحها المعتاد:
- ضعف يا ستي من قلة الأكل والشرب، كده برضه يا سلمى، كنت بتعملي دايت ولا إيه؟ لولا إنك قوية كنت هتموتي.
تذكرت سلمى مرارة الأيام الثلاثة الماضية لتزرف دمعة من جانب عيناها:
- ليه ما سبتونيش أموت؟ عاجبكم أوي يعني الحياة اللي عايشاها عشان أتمسك بالدنيا؟ أب قاسي وأخ بيبعد عني، سلمني للدمار بالتدريج.
وصل يوسف ومعه الطبيب على هذه الجملة، تسمر ولم يستطع الحديث، فقط شعر بخيبة الأمل والحزن على الحال الذي وصل إليه مع شقيقته الوحيدة، يشعر بالعجز، مشاعر لا يستطيع ترجمتها بكلمات، تقابلت عيناهما دقائق معدودة دون كلام ليقطع صمتهما:
- حمد لله على سلامتك يا سلمى، وقعتي قلبي، كده من غير أكل ولا شرب، عايزة تموتي؟
نظرت له وتبسمت نصف ابتسامة ساخرة:
- هو أنا بقى ليا حد عشان أعيش له؟ ما خلاص، اللي كنت عايشة لها سابتني.
كلماتها بمثابة سكين بارد يذبحه ببطء، وتلك النظرة المعاتبة مثل السهام النارية تحرق قلبه، لم ينسَ أنه من صمم على معرفة والدهم بخبر رجوعها ووجوب العودة له، لولا ذلك لمكثت مع عمتهم بضعة أيام ليكن لها قدرة على المواجهة، ولكنه شعر بأنه أصبح مثله يريد أن يتدارى ما فعلته سريعًا بأقرب وقت.
شعرت سميحة بهذه الحرب المندلعة من ناحيتها نحو أخيها، فهي تشعر به هو الآخر فقررت التدخل بلطف سريعًا:
- بلاش كلام كتير يا سلمى، إحنا جنبك أهو يا حبيبتي، أخوكِ مهما كان بيطمن عليكِ.
رمقته بلوم واكتفت بالصمت، ليمزق أمير تلك الحالة ويقترب من سلمى جالسًا قرب فراشها:
- أيوة بقى، حمد لله على سلامتك يا جميل.
ابتسمت بخفة رغم عنها لتقول:
- الله يسلمك يا أمير.
اقترب الطبيب منها وتناول معصمها فاحصًا إياها لقياس نبضاتها، ليبتسم ويصيح بمرح:
- لا عال، النبض اتظبط وكله تمام، أهم حاجة في الفترة دي تتغذى كويس جدًا وتشربي سوائل كتير، هكتب لك على شوية فيتامينات تمشي عليهم، ونصيحة بلاش تجهدي نفسك اليومين الجايين دول لحد ما تستعيدي عافيتك تاني.
أومأت بإيجاب ليخرج ويتركهم. يستأنف أمير حديثه ولكن بجدية هذه المرة:
- احكي لي بقى إيه اللي حصل لما أخدك من وسطنا.
تكونت الدموع في مقلتيها وبدأت بالقص، كأنها تشاهد ما حدث يتكرر أمام عيناها:
- لما سحبني من إيدي ومشينا، ركبنا الأسانسير وكان غضبه مكتوم بطريقة ترعب، نزلنا وزقني في عربيته ورزع الباب وقعد يزعق فيا ويسمعني كلام زي السم، أول ما وصلنا البيت شدني بالقوة وطلعني على أوضتي وفرج عليا الخدم في البيت كله، ما سمعش رجائي ولا حتى عياطي ورحمني، زقني جوه ومن هنا بدأت كل حاجة.
- اسمعي يا سلمى، من هنا ورايح ولا في خروج من البيت ولا مرواح للكلية ولا فيه عربية ولا تليفون حتى، وهتقعدي هنا زيك زي الكرسي، ما أسمعش حسك خالص لحد ما تفوقي من الوهم اللي عايشة فيه.
نهضت بألم وهي تنظر له بألم وحسرة:
- وهم! أنت اللي عايش في وهم مش أنا، أنت بتعمل معايا كده ليه؟ أنا ذنبي إيه؟
فوق بقى
ضربني بالقلم ومن هنا ما حستش بنفسي غير ويوسف بيفوقني وواخدني في حضنه. من هنا وأنا حسيت إن حياتي في البيت ده هتبقى عذاب عشان كده على بليل قررت إني لازم أهرب والمرادي محدش هيعرفلي طريق. وبالفعل لبست ونزلت أتسحب قبل ما يرجع من برة بس للأسف مسكني وأنا الخوف قفش في قلبي وتبت.
- مش قلت مفيش خروج من البيت؟ حصل ولا ما حصلش؟ كنت رايحة فين الساعة دي؟ عايزة تهربي وتعريني زي ما عملتي قبل كده؟ أنطقي. اللي نزلك من أوضتك.
سلمى من داخلها قلبها يرتعش من الخوف، ولكن قررت بأن لا تظهر ذلك أمامه، يجب بأن تبقى صامدة على قدر الإمكان. نظرت له بتحدي:
- مش هتحبسني ومش هعمل حاجة بمزاجك تاني. عايز تقتلني وتريحني زي ما قتلت أمي اتفضل. على الأقل هيكون أرحم من السجن اللي أنا عايشة فيه ده.
اشتعَل الدم في عروقه من شدة الاتهام الذي تقذفه أمامه ونبرة التحدي وعدم الخوف الظاهر على نبرتها، يشعر بأنه سوف يفقد السيطرة عليها تدريجيا. حكم قبضته بشدة وهو يسحبها خلفه بقوة وهو يقول:
- واضح إن كلامي ما بيتسمعش. أنا هوريكي السجن اللي على أصوله، إن ما كنتش أربيكي يا سلمى من أول وجديد ما بقاش أنا هاشم الجوهري.
صعد بها السلم ومنها إلى غرفتها، فتح الباب وألقى بها بعنف وقسوة فارتطمت على الأرض وهي تبكي، نظرت له بحسرة وألم وعتاب ليقول لها محذرا وهو في أقصى حالات انفعاله وغضبه:
- اسمعي يا سلمى وده آخر تحذير ليكي. لو فكرتي تعملي العملة السودة دي تاني أنا هعرفك شغلك كويس. من هنا ورايح مفيش خروج من الأوضة دي نهائي إلا بأمر مني مش من البيت بس ولا مخلوق هيقدر يوصلك. وحسك عينك تفتحي بؤك بكلمة واحدة لحد ما أشوف حل للمصيبة اللي انتي وقعتينا فيها دي بعملتك السودة.
حبسني بعدها وقفل عليا بالمفتاح. ومانع أي حد يشوفني أو يكلمني. ما كانش ليا نفس لأي حاجة. لا أكل ولا شرب ولا حتى الحياة نفسها لازماني ساعتها، بيطلع يشوفني مرة في اليوم يشوف دماغي لانت ولا لسه مصرة على موقفي ولما ما يلاقيش مني رجا يسمعني كلام يسم البدن. بطلت آكل مش عارفة إن كان عناد وإضراب ليه هو ولا ليا. بس كنت بحاول أتخلص من حياتي بأي شكل من الأشكال. كنت عايزة أكلمك أو أكلم عمتو تيجوا تلحقوني بس كان واخد مني الفون وأي وسيلة اتصال للأسف. قلت هي موتة ولا أكتر. مش هاكل ولا هشرب يمكن ربنا يريحني من العذاب اللي أنا عايشة فيه ده.
جميعهم يستمعون إليها في اهتمام شديد وحزن لا يوصف على ما مرت به من آلام بمفردها.
انسدلت الدموع من عيون سميحة، مشفقة على هذه المسكينة وما مرت به من أيام عصيبة، تحملت كل هذا وحدها دون أنيس أو جليس. تدعو الله أن يهدي أخاها عما يفعله بابنته الوحيدة.
ويوسف الندم يعتصر قلبه على تركها تلك الأيام الماضية بمفردها، حتى لم يدافع عنها حتى النهاية وفر تاركاها تعاني وحدها.
أمير يحاول استيعاب كل كلمة ويقارن بين الرجل الذي كان يعرفه قديما قبل وفاة زوجته والذي رآه ويسمع عنه حاليا. ما الذي حدث له ليتحول لهذه الدرجة من البشاعة والقسوة على فتاة مثل سلمى هذه. فقد تحملت الكثير في غيابه وهذا يكون التقدير بعد كل هذا؟
ولكن هذا لم يتدارى على معرفتهم بمحاولة هروبها للمرة الثانية.
***********************
لا يعرف ما وجهته هذه المرة، كلمات إيهاب تدوي في أذنيه حتى الآن، ولا يعرف إن كان بالفعل محقا أو هو مجرد تعاطف معها ليس أكثر.
زفر إيهاب وقال بنفاذ صبر:
- لازم تفكر كويس هتعمل إيه الفترة الجاية يا طارق. بس أرجع وأقولك غلطان.
رمقه طارق بضيق ليصيح به بغضب:
- غلطان في إيه بقى أنت كمان.
استرد حديثه:
- غلطان في قسوتك بالكلام ليها. لو كانت صاحية ومستوعبة اللي بتقوله مش عارف كانت ممكن عملت إيه. أنت جرحتها من غير ما تحس. مش كفاية معاملة أبوها ليها زي ما بتقول هتيجي أنت كمان وتكمل عليها.
صاح طارق بحنق أكثر:
- والمفروض أعمل إيه يعني بعد كل اللي عملته ده. والمصايب اللي جات من تحت راسها. أطبطب عليها يعني؟!
زفر إيهاب وقال بنفاذ صبر:
- لا. أتكلم معاها براحة وهدوء وأعرف اللي عايز تعرفه. هتلين معاك.
رد دون الالتفات له:
- سلمى عنيدة يا إيهاب. مش زي سارة أقدر أأثر عليها بالهدوء زي ما بتقول. لو ما شدتش عليها هتركب دماغها أكتر.
ابتسم بسخرية:
- وأنت فاكر بعمايلك دي هتلين معاك مثلا يعني ولا إيه. أقطع دراعي إن ما كانت عندت معاك أكتر. مش كده يا أخي لازم تقنعها وتحس بالأمان الأول قبل أي حاجة. فكر كويس.
اقتنع نوعا ما بحديث إيهاب، ولا يعرف من داخله إن كان سيجدي نفعا مع تلك الشخصية القوية. المتمردة. العنيدة. مثل شخصية سلمى أم لا.
انحرف بسيارته وعاد إلى المشفى وهو في داخله يشعر بأن سلمى قد استعادت وعيها، وإن وجدها بالفعل كما يشعر كيف سيواجهها؟ هل بنفس الكلمات القاسية التي وجهها إليها وهي نائمة أم يحاول أن ينفذ ما قاله إيهاب؟
وصل المشفى ودلف للداخل متجها للطابق التي تمكث فيه سلمى داخل العناية. اقترب من الباب ليجده شبه موصد ليدخل ويجد بالفعل أن سلمى قد استعادت وعيها، ليستمع لحديثهم.
بعدما استمع أمير لقصها حتى النهاية، رد بجدية:
- بعد كل اللي حصل يا سلمى كنت عايزة تهربي تاني؟
رمقته بغضب لتصيح به في حنق:
- كنت عايزني أعمل إيه وأنا شايفاه بيمرمط فيا ولسه هيمرمط. ها. منتظر مني أستنى لحد ما تكون نهايتي زي نهاية أمي؟ للأسف يا أمير مهما أكلمه أو أحايله مفيش فايدة من كل ده. كنت عايزة أهرب من قسوته عليا. غصب عني رد الفعل ده. من الآخر كده محدش قادر عليه واللي في دماغه مش هيرتاح إلا لما يعمله.
زفر بنفاذ صبر وهو يرتب أفكاره قبل أن يتحدث إليها، نظر لها وأردف بجدية:
- بمناسبة اللي في دماغه ده حقيقي. صدقيني يا سلمى مش هترتاحي غير ما تنفذي اللي طلبه منك.
قطبت جبينها في دهشة وعدم استيعاب، اعتدلت من جلستها بمساعدة سميحة ونور لتقول بحدة:
- قصدك إيه يا أمير؟
رد بجدية:
- قصدي اللي فهمتيه يا سلمى كويس أوي.
صاحت سلمى وهي لا تصدق إن كل ما مرت به كي تبتعد أو تهرب بمعنى آخر عن هذا الشرط، يكون مصيرها في النهاية له:
- لا طبعا. مستحيل. أنت بتهزر!!
حاول أمير أن يتماسك ويتناقش معها بهدوء كي تقتنع بما يريد أن يصل إليه:
- اسمعيني يا سلمى. حكاية جوازكوا دي فيها إن. الموضوع مش طبيعي بالمرة عشان يرغمك بالشكل ده على الجواز إلا لو فيه حاجة. لازم ناخده على قد عقله عشان نفهم اللي بيحصل.
اقتنعت سلمى نوعا ما بحديث أمير، ولكن بداخلها تحاول إنكار كل هذا:
- ولنفترض إن كلامك صح. إزاي عايزني أتجوز واحد مفيش بينا غير المشاكل والخناق. يا ريت كان فيه مشاعر على الأقل تسند العلاقة دي. لكن لا أنا بطيقه ولا هو بيطقني ومرغم على جوازه مني كان فيه حد ماسك له العصاية. عايزني بعد كل اللي حصل أتجوز ده. على جثتي.
سمع كل حرف منها وهو يشعر بالاختناق، لهذه الدرجة لا تحبه تريد الخلاص منه، يشعر بالضيق الشديد وحديث إيهاب يتردد في عقله.
رد أمير بصرامة:
- يعني عاجبك حالك ده يا سلمى! مبسوطة باللي انتي فيه ده! ملكيش دعوة بطارق احنا اتفقنا على كل حاجة ومستنيين موافقتك.
شعرت بالضيق والغيظ الشديد على كلماته الصارمة لها، وهي آخر من يعلم بمخططاتهم كأنها لابد وأن توافق على الأمر الواقع المفروض عليها، لتصيح في اعتراض شديد:
- الله الله. وكمان قررتوا ومظبطين كل حاجة وأنا آخر من يعلم!!
زفرت نور، فهي تعرف جيدا عصبية صديقتها وجدالها الذي لا ينتهي:
- يا بنتي اهدي واسمعينا شوية. وانتي هتعرفي منين يا فالحة واحنا مش عارفين نوصلك. ده الحل الوحيد عشان تخرجي من سجنك ده.
رمقتها بضيق لترد ساخرة:
- أخرج من سجن عشان أدخل سجن تاني.
صاحت بها نور اعتراضا على تفكيرها:
- يا أختي ومين قالك كده بس. كنتي انتي وطارق قبل كده متفقين كملي اتفاقكوا ورجعوا كل حاجة زي ما كانت. اللعنة دي مش هتنتهي إلا بجوازكوا يا سلمى.
- ما تبقيش عيلة وترجعي في كلامك للمرة التانية.
جميعهم التفتوا لمصدر الصوت الرجولي، ليجدوه من طارق. الذي يقف بالقرب من الباب واضعا كفيه داخل جيب بنطاله ويتحدث بمنتهى الثقة والجدية.
لقد قرر في صميم نفسه أن يجاريها حتى ينتهي من هذا الكابوس اللعين، أن يعاقبها ولكن على طريقته على كل ما فعلته به يوما ما. طالما الهدوء لم يجدي معها نفعا سيسترد طريقته المعتادة معها. سيعرفها من هو طارق الأبياري إن لم تكن تعرفه من قبل.
طالت النظرة بينهم قرابة عدة دقائق، مليئة بالغضب والحزن والضيق الشديد والعتاب. عيناهما تتحدث أكثر مما تبصران، ليقطع هذا الصمت نبرة جادة ولا تقبل النقاش:
- من فضلكم سيبونا لوحدنا شوية.
نظروا لبعضهم البعض في تردد كبير، وفي نهاية المطاف قرروا إطاعة أمره، فلدى طارق كل الحق أن ينفرد بها ويتم النقاش بينهم بشكل ودي. ومهما طال الحال فيبقى لقاؤهم حتمي لا محال.
خرجوا جميعا ولم يتبق في الغرفة سواهما. اقترب من فراشها بثقة وعيناه منصبة عليها بهدوء لم تعتد أن تشاهده عليه من قبل، في داخلها تشعر بالخوف والقلق الشديد إنما من الخارج استجمعت كل قواها لتكن صلبة أمامه لا تهتز حتى لا يشعر ما بداخلها.
جلس على المقعد بجانبها فقط ينظر إليها دون إبداء أي كلمة، يتذكر كل كلمة قالتها، كل ما مرت به من ألم إلى أن بدأ قلبه يحنو لها. تذكر أسلوبها البارد والمستفز، سوء معاملتها، تراجع عما كان ينتويه. قطع الصمت قائلا:
- حمد لله على سلامتك.
ردت بوجوم دون النظر إليه:
- الله يسلمك.
لأول مرة يجلس أمامها ولا يعرف ماذا يقول، فسكت لتختلس النظر له في غرابة من هدوئه غير المعتاد، ويرنو إليها:
- هتفضل متنحلي كده كتير.
زفر بشدة ليقول بشرود:
- مش عارف. أول مرة معرفش أقول إيه.
قطبت بين حاجبيها من تعجب لكلماته، لتبتسم بتهكم
وتقول لنفسها "هتقول إيه أكتر من اللي قولته".
لترد ساخرة:
- أظن مفيش كلام يتقال بعد اللي قولته آخر مرة. أنت جبت اللي عندك.
اندهش هو الآخر من كلماتها، فماذا تقصد يا ترى؟ هل سمعت بالفعل ما قاله وهي فاقدة الوعي؟ سألها بتفقد وحذر:
- قصدك إيه؟
ابتسمت بتهكم وقالت معاتبة:
- مش نهيت كل حاجة قبل ما بابا ياخدني.
زفر براحة بأنها لم تسمع شيئا، ليستأنف حديثه بجدية:
- الوضع اختلف. لازم نشوف حل في الكارثة دي.
عجبك أوي حالك دلوقتي؟!
شعرت بغليان الدماء سارية في عروقها، ألم يدري أن هو أحد الأسباب التي جعلتها تصل إلى ما تبدو عليه الآن؟ أين هو بهذه الكلمات في بداية اللعنة؟ لماذا لم يمد إليها يد العون؟ تركها تغرق وحدها وجاء اليوم ليلوم حالها!!
رمقته بغضب لتصيح بحنق:
- شوف نفسك يا طارق وبعدين أتكلم. عايز إيه دلوقتي؟
يا لكِ من مستفزة.. هكذا قال طارق في قرارة نفسه وقرر تجاهلها حتى لا ينفعل عليها الآن وكل شيء يزداد تعقيدًا أكثر مما هو معقد. زفر بشدة ليرد في نفاذ صبر:
- تنفذي إللي اتفقنا عليه قبل كده وخليتي بيه.
جزت على أسنانها بشدة، لم تعد تحتمل تلميحاته السخيفة فيما مضى، لترد عليه ببرود شديد:
- أنا مليش دعوة بحواراتكوا دي. صاحب الشأن أهو فاق ورجع يمسك كل حاجة. مش ده شغله؟ خليه هو إللي يتصرف بقى بس بعيد عني.
جز على أسنانه وضغط كفه بالآخر ليقول بغضب مكتوم ولكن بوجه بارد تمامًا:
- ده على أساس لما جيت أشتغل كان معاكِ ولا مع أبوكِ!!
ابتسمت نصف ابتسامة لم تصل إلى عينيها ولكن بسخرية، لتردف ببرود واستفزاز أكثر:
- وأنا مالي. هو صاحب الصفقة الملعونة. لما تحب تعاتب متجيش عليا.
قرر أن يلعب عليها بنفس الأسلوب البارد التي تلعب عليه ليقول بضحكة ساخرة ومتهكمة:
- لا يا حلوة. إللي بدأ حاجة لازم يكملها للنهاية. وأنا يوم ما مسكت الصفقة دي اتعاملت معاكِ أنتِ مش هاشم بيه.
(وضع قدمًا فوق الأخرى ليقول ببرود وتهكم)
- فأنتِ كده بمزاجك أو غصب عنك هتوافقي ومقدمكيش حل تاني.
سلمى كانت تشتعل في داخلها أشد اشتعال، احمرت وجنتاها بحمرة الغضب والانفعال الشديدين. من يكون لكي يفرض عليها شيئًا تبغضه وحتى لم يضع لها خيارًا؟ ليبتسم بانتصار لرؤيتها غاضبة منه بهذا الشكل. فهذا لا يعد شيئًا مما كانت تفعله.
ليستأنف حديثه بنفس الأسلوب:
- إيه ناوية تهربي تاني؟ أه سوري. قصدي تالت.
رمقته بأعين دامعة على وشك الانهيار، كأنها أسهم بركانية تنطلق من مقلتيها بعنف وغضب. ودت لو أن يقع تحت يديها وتلكمه حتى تستنفذ كل الطاقة السلبية التي داخلها. كل الغضب والحزن المكبوت ولا تستطع إفراغه بعد. لتردف هذه المرة بجدية وحرقة بالغة:
- إن شاء الله الدنيا تولع من حوالي. أكرملي الموت من إني أتجوزك.
هنا لم يتحمل طارق البرود الذي يتحلى به منذ بداية محادثته معها، شعر بانتهاك كرامته. كلماتها حرقت فؤاده ومزقته إربًا. ألهذه الدرجة هو سيء في نظرها حتى تفضل الموت بدلًا من الزواج منه؟! لم يشعر بنفسه وهو ينهض من مكانه ويقترب منها ليمسك ذراعها ويجذبها نحوه بمنتهى العنف والقسوة لتتألم وتصدر أنينًا من قبضته، وعيناه تقابلت عيناها في غضب لا يوصف، لتجعلها ترتعش بداخلها وتتوجس من نظراته الحارقة لها عكس الجمود والصمود التي تتحلى به من الداخل، لتبادله النظر بتحدي وقلبها يدق بشدة وعنف لتصيح به:
- أنت اتجننت ولا إيه؟ فوق لنفسك يا طارق وسيب دراعي.
قاطعها ولا يرى أمامه أحد، فقط الغضب سيطر عليه أشد السيطرة ليجز قبضته أكثر:
- هوريكِ الجنان على أصوله لو مسمعتيش الكلام ومشيتي عدل. إيه كل إللي حصل ده ومش همك حد ولا همك إللي ممكن يحصل من تحت راسك!! لا فوقي يا بنت الجوهري وشوفي أنتِ بتتعاملي مع مين أحسن ورحمة أمي لهتشوفي مني وش مش هيعجبك أبدًا. أنتِ فاكرة نفسك إيه عشان تمشي الكل على مزاجك؟ أعقلي كده وخليكِ حلوة وخلي اليومين دول يعدوا على خير. أنا هطلع دلوقتي أقولهم إننا اتصالحنا واتفقنا على كل حاجة وتمثلي إننا متفاهمين وكل حاجة بينا رسيت تمام. وحسك عينك تفتحي بؤك بكلمة وخلي الجوازة الهباب دي تعدي على خير ونخلص من الكابوس إللي اتحطينا فيه من تحت راسك.
دفعها بقوة وعنف بعدما رمقها بغضب شديد ليغادر الغرفة في صمت. لتشعر هي بأنها في كابوس كبير لا تستطيع الاستيقاظ منه، لم تزح عيناها حتى اختفى من أمامها وهي تنظر له بصدمة كبيرة، فاها مفرغة في صدمة شديدة لتتخشب ملامحها وتنساب الدموع من مقلتيها كشلال لا ينقطع. لا تصدق ما قاله ولا أن ذلك الحديث يمكن أن يصدر منه على الإطلاق... ولا من التحول الرهيب التي شاهدته بالفعل أمام عينيها. لا تصدق ما رأته منذ لحظات معدودة، عقلها غير قادر على الاستيعاب بعد. شريدة تحاول أن تستجمع قواها التي تبعثرت في داخلها أثر كلماته الجارحة. لم تكن تتصور أن يأتي اليوم لتسمع هذه الكلمات الحارقة منه. آخر من تصورت بعد أبيها وخيانة عاصم لها. كانت تشعر بأنه مختلف عنهم ولكن اكتشفت بأنها كانت خاطئة بشدة بشأنه، كلهم ذات الشخص. زاد كرهها للرجال وبغضها لهم. لا تستطيع نسيان نظراته أو نبرة صوته وما تحملان من غضب وحقد. ماذا فعلت لتستحق كل هذا منه؟ مسحت وجنتيها من آثار البكاء في تحدي وعزيمة. سوف تجعله يدفع ثمن كل تصرف وكلمة جارحة صدروا منه بطريقتها التي يبغضها كثيرًا، ليعرف من هي سلمى الجوهري كما لم يعرفها من قبل هي الأخرى.
***
قام بضبط انفعالاته خاصة قسمات وجهه قبل أن يخرج لهم ليبدأ بتلك التمثيلية السخيفة، مؤديًا ذلك الدور الذي يبغضه كثيرًا، مرتسمًا ابتسامة مصطنعة.
بمجرد خروجه الجميع التف حوله في لهفة واهتمام، فقد كانوا على انتظار حار أشد من الجمر. يخشون اللقاء والمواجهة بينهم بعد آخر مرة والأمور زادت سوءًا، فهم يعرفون جيدًا انفعالات سلمى عندما تشعر بالغضب والعصبية، وطارق لما يتسم من ضبط في انفعالاته تخشى نور أن يتهور نحوها.
صاحت نور باهتمام:
- ها إيه الأخبار طمني؟
ابتسم باصطناع ليقول:
- كله تمام. اتكلمت معاها وهي اقتنعت بكلامي جدًا وهنكمل اللي اتفقنا عليه قبل كده. يكفي إننا متفاهمين.
نظروا جميعًا إلى بعضهم بعضًا في دهشة شديدة من حديثه، أي كيف يحدث ذلك في جلسة واحدة وتقتنع بكل ذلك بمنتهى السهولة؟ لم تقتنع نور وأمير نهائيًا.
يوسف رفع إحدى حاجبيه متعجبًا ليقول ساخرًا:
- مش معقول!! سلمى تقتنع وتسمع كلامك أنت؟!
رد ببرود وثقة:
- الموضوع دلوقتي يمسني ويمسها أكثر من أي حد. في الآخر احنا في مركب واحدة وأهم حاجة التفاهم عشان المركب تمشي وإلا هتغرق بينا كلنا.
تدخلت سميحة قائلة بطيبة والبسمة محتلة شفتاها، على الرغم من سرعة الحدث إلا على الأقل سعيدة لسلمى لزوال حصار والدها وقسوته عليها:
- الحمد لله يا ابني. غمة وانزاحت.
هزت نور رأسها بعدم اقتناع تام. على الرغم من تلك النتيجة التي كانت ترجوها في النهاية وهي موافقة سلمى على الزواج من أخيها ولكن ليس بهذه السرعة الغير ممكنة، خاصة شخصية مثلها قوية وعنيدة للغاية لا تستسلم بسهولة أبدًا كيف لها أن تقتنع وتوافق بمنتهى البساطة لتعطي هذا القرار في جلسة واحدة؟ ماذا أخبرها طارق يا ترى؟
الفضول الشديد ينهش في عقلها، غير مقتنعة بالمرة ولم تنتظر فدخلت الغرفة على الفور مستفهمة سبب هذا القرار السريع.
تفاجئت سلمى بهجوم نور عليها، حاولت أن تتماسك وتخفي كل مشاعرها وتتحلى بالقوة والجمود قدر الإمكان، وتتثاقل على نفسها إذا استطاعت ذلك لتصطنع البسمة إذا لزم الأمر.
اقتربت منها وجلست قبالها على فراشها ممسكة بيديها لتقول بلهفة واهتمام:
- ده بجد يا سلمى!! طارق قال إنك وافقتي على الجواز.
نظرت لها برهة وحرب كبيرة مندلعة بداخلها لتقول بوجه خالي من المشاعر وبمنتهى الهدوء:
- أيوه يا نور.
عقدت نور حاجبيها دهشة من ردها وهدوئها المبالغ فيه باستفهام:
- بالسرعة دي؟! ده إللي هو إزاي يعني؟
اصطنعت البسمة وقالت بنوع من الجمود والهدوء الشديد في ذات الوقت:
- أخوكِ شديد الإقناع. تعملي إيه بقى.
انتهت من جملتها لترمقه بنظرة استحقار ولوم وسخرية مختلطة بالبرود، لتلتفت نور لطارق الذي كان يقف خلفها وترى بسمة خفيفة احتلت شفتاه، لتعيد نظرها لسلمى مرة أخرى في غرابة وعدم فهم مما يحدث حولها لتستأنف سلمى حديثها وكل كلمة تضغط عليها بألم ووجع شديدين بداخلها:
- بصراحة كان عنده حق. دي شركتي في الأول والآخر ومصلحتها تهمني. وبعدين طالما احنا الاتنين متفاهمين طارق هيهمه مصلحتي. هيكون حنين علي أكثر من أبويا. ما هو في الأول وفي الآخر خطيبي مش زي عاصم. ولا إيه يا طارق؟
اندهش طارق من بلاغتها في الكلام لتجعله مقنعًا نوعًا ما لمن يسمعها، ليكون هو الوحيد في الحاضرين الذي يعلم بأنه تقصد عكسه تمامًا. ليلاحظ تلك النظرة الحانقة التي تحمل سخرية واستخفاف به، فهو قال لها ألعن من معاملة عاصم لها ولا يمت للحنان بصلة. ليتصنع البسمة وهو يشعر بالغليان في داخله:
- طبعًا هي دي عايزة كلام.
تتنقل نور نظراتها نحوهم ببلاهة شديدة وعقلها لا يريد استيعاب ما يحدث وما تراه وما تسمع أمامها، أما أمير يشعر بأن هناك حلقة مفقودة. كيف لها بعد كل ما مرت به أن تقتنع بدقائق معدودة جمعت بينهم؟ كيف ذلك؟ لم يكن يشعر بالراحة على الإطلاق. على عكس تفكير يوسف الذي يشعر بأن هناك شيئًا خفيًا بينهم نوع من المشاعر كانوا يخفونها ولكن أين هذا هو السؤال.
ما حدث أربك الجميع وجعلهم في حيرة وشرود من رد الفعل الغير متوقع من سلمى. تلك المتمردة على واقعها توافق بمثل هذه السهولة وطارق الذي لا تطيق سماع اسمه والتعامل معه يصبح قريبًا لدرجة الصفاء بينهم. لا يمكن ذلك.
يقطع أمير هذا الصمت الذي دخل في دقائق معدودة ليقول:
- على الرغم إني مش قادر أصدق إللي حصل ده بسهولة إلا إن خالي يا سلمى أكثر حد هيفرح بالقرار اللي أنتوا أخدتوه ده أكثر من أي حد.
لتبتسم سلمى ساخرة بمرارة وحزن شديد تبين من نبرة صوتها:
- أنت هتقولي.
من كانت تلاحظ قسمات وجهها على الرغم من حفاظها على ثباتها وألا تنكشف أمامهم إلا أن سميحة شعرت بها. شعرت بأنها تخفي شيئًا ما في داخلها.
تم تغيير مجرى الحديث ليتعمق فيما سوف يحدث فيما بعد هذا القرار، من حديث حفل الزفاف وخلاف ذلك وسلمى تستمع لهم وهي بمنتهى الشرود وتومئ برأسها فقط وعقلها في عالم موازي، ليسترق طارق النظر إليها بين الحين والآخر لتتهرب هي من نظراته ويلاحظها نور وأمير في صمت تام.
***
عاد كل من نور وطارق للمنزل قرب آذان العصر، وأثناء الطريق تفكر وهي على يقين بوجود خطأ ما في كل ما حدث، عقلها لازال لا يصدق ولا يريد ذلك وتخشى القادم بشدة.
فلا يوجد لديها مخرج من الحيرة التي وقعت بها سوى الاستسلام إلى الأمر الواقع، وتشاهد مجريات الأمور كيف تتطور بينهم، وفي داخلها تدعو الله أن ييسر أمورهم وأحوالهم في الأيام المقبلة.
بمجرد وصولهم دلف طارق إلى الداخل سريعًا ومنه إلى غرفته قبل أن توقفه تهاني، لتنظر له نور بغرابة من تصرفاته، وتكون سميحة في انتظارها واستقبالها. ضمتها لصدرها في حنان كبير وهي تحاول امتصاص كل الحب الذي تشعر به وهي في داخلها، وتحمد الله على نعمة وجود أم بجانبها. طالت ضمتها لتشعر بها تهاني تربت على ظهرها بخفة:
ـ أنتِ كويسة يا حبيبتي؟
ردت وهي مغمضة العينين باسمة:
ـ ممممم الحمد لله .. بس عايزة أفضل في حضنك كده شوية.
ضحكت تهاني وقالت بمرح:
ـ وماله يا ستي بس نقعد الأول بدل ما تحضنيني على الواقف كده.
ابتسمت نور وابتعدت عنها، ساروا معًا نحو الحديقة لتجلسا وعادت نور لتضمها مرة أخرى، حاوطت خصرها بذراعيها ونامت على صدرها. ابتسمت تهاني وأخذت تمسح على شعرها لتقول:
ـ متأخرتيش يعني النهارده.
تغيرت تعبيرات وجهها لتقول بشيء من الهدوء:
ـ أبدًا .. سلمى فاقت واتكلمت معانا .. سيبناها تستريح شوية .. هي كويسة الحمد لله.
لاحظت تهاني تغير وجهها لتتحول للشرود وعدم التركيز، وضعت يداها على ظهرها لتقول باهتمام:
ـ إيه اللي حصل يا حبيبتي شكلك مش عجبني.
تنهدت نور بحيرة لتقول بتفكير:
ـ مش عارفة يا ماما .. بس حاسة إن في حاجة مش مفهومة .. سلمى وافقت تتجوز طارق.
صاحت بها تهاني بفرحة حقيقية:
ـ إيه ده بجد .. إزاي؟
ردت نور وهي تحاول ربط جميع الخيوط في بالها:
ـ ده اللي بدي أفهمه .. قعد معاها بعد ما خرجنا يا دوب ربع ساعة .. لحق يقنعها بالسرعة دي.
تعجبت قليلًا تهاني ولكن بررت:
ـ ما يمكن يا بنتي فكرت وربنا هديها.
نفت نور مسرعة لتقول بثقة:
ـ لا يا أمي مش سلمى اللي تقتنع بالسهولة دي ولا بالسرعة دي .. حضرتك ناسية كانت بتتكلم عنه إزاي؟ .. دي لا بتحبه ولا بتطيقه ومجبرة عليه وطارق نفس النظام .. يبقى يا ترى أقنعها بإيه؟ قال لها إيه يخليها تغير رأيها بالشكل ده .. ولا كلامهم لبعض دول اتغيروا 180 درجة بطريقة أنا لحد دلوقتي مش قادرة استوعبها وعمالة أفكر لحد ما حاسة إن الصداع قرب خلاص.
فكرت تهاني في حديث ابنتها ومبرراتها لترى ما تقوله منطقي ومقنع، ولكن في ذات الوقت بررت قائلة:
ـ مش يمكن يا بنتي يكونوا ..
قاطعتها جازمة:
ـ إزاي ونظراتهم لبعض عكس تمامًا اللي قالته .. لو هنخدع من كلامها لكن نظراتها لا يا أمي .. في حاجة.
تنهدت تهاني بحيرة لأنها تعرف ابنتها جيدًا عندما تضع موضوع ما في عقلها وتبدأ التفكير به وتقوم بتحليله لا ترتاح إلا عندما تأتي بآخره. ابتسمت كي تهون عليها:
ـ متشغليش بالك بالموضوع ده خلاص .. الحمد لله إنها وافقت وربنا يهديهم هما الاثنين .. خلي الموضوع ده يخلص على خير .. ما صدقنا يا بنتي والحمد لله إنها قامت بالسلامة.
زفرت بحيرة أكثر مما تبدو عليها وقررت أن تتنحى عن الموضوع قليلًا حتى تتم هذه الزيجة .. لتغير تهاني مجرى الحديث:
ـ أومال أخوكِ فين؟
تغيرت تعبيرات وجهها للضيق لتقول:
ـ طلع أوضته كالعادة من غير ما تشوفيه عشان متستجوبيهوش.
ضربتها بخفة على ذراعها واصطنعت الضيق:
ـ عيب كده يا بنت .. إيه أستجوبه دي.
ضحكت نور على شكل والدتها وهي تصطنع الضيق لتنهض من مكانها وتقبل جبينها وتردف في مرح:
ـ هههههههههههه ولا تزعلي نفسك يا توتو بس هو بيشوفها كده.
ابتسمت وقالت تهاني بحب:
ـ ماشي يا حبيبتي اطلعي غيري هدومك وانزلي أتغدى .. وإياكِ تقولي ماليش نفس .. أنتِ بقالي يومين أكلتك مش عجباني .. عايزة تقعي مني أنتِ كمان ولا إيه.
قبلتها نور وابتسمت مردفة:
ـ حاضر يا قلبي هطلع أغير وأنزل على طول.
تركتها نور وظلت تدعو الله أن يحمي أولادها من كل شر وأن تمر تلك الأيام القادمة على خير.. ولكن تركتها نور في حيرة وتعجب من داخلها، فهي محقة على كل حال .. يجب أن تخبر زوجها بالمستجدات لكي يرتب أموره للأيام التالية ويتموا الإجراءات في أسرع وقت.
مر قرابة نصف ساعة وهو على نفس الحالة، أراح ظهره على الوسادة الخلفية .. حتى إنه لم يستجب لدعوة والدته ليتناول الغداء متحججًا بالتعب والشبع، ولكن في حقيقة الأمر إنه على غير استعداد للنقاش مع أي شخص كان، يريد الاختلاء بنفسه ويفكر فيما حدث وكيف طاوعه قلبه وعقله كي يقول لسلمى ما قاله منذ وقت ليس بطويل .. لا يستطيع أن ينسى نظرة عينيها التي تحمل الغضب والخوف والتحدي في آن واحد، تلك الإرادة القوية التي واجهته بها وتلك النبرة الباردة التي كاد أن يعتاد عليها .. ولكن جملتها الأخيرة جعلته لا يرى أمامه شيئًا سوى تحطيم رأسها على كلماتها الجارحة التي تهشم رجولته وحطمته أربًا، لم يستطع أن يتجاهلها مثلما يتجاهل الكثير منها سواء من نظرات أو ردود أفعال .. لم يشعر وهو ينهض من مكانه ويمسك ذراعها بقوة لدرجة إيلامها ويعنفها بتلك الكلمات القاسية ليجعلها تشعر بأنها لا قيمة لها أو أوجاعها ولا ما مرت به من قسوة وحزن وألم حتى .. جعلها تشعر بأن كل ما مرت به كي تتجنب هذا الشرط السخيف مر هباء بتهديده وقسوته معها التي لم تشاهدها من قبل .. لا ينكر بأنه ندم نوعًا ما على ما بدر منه في حقها ولكن كان يلقي اللوم عليها، هي من استفزته وأخرجت أسوأ ما فيه وقت عصبيته .. كتم بداخله كل ما مر به هو الآخر من ألم وحزن وضيق وتغيير في مجريات حياته بيوم وليلة وخرجت بها.
زفر بحنق وضيق وهو يقول لنفسه "أنا آسف يا سلمى .. بس أنتِ زودتيها أوي".
أنهى محمود تلك المكالمة التي كادت أن تكون بداية حل لكل مشكلاتهم، ليهاتف هاشم على الفور ليحدد موعد لاجتماع طارق في أسرع وقت ممكن، لو يكاد أن يكون اليوم.
وما توقعه أمير من قبل قد حدث بالفعل، هاشم الفرحة كادت ألا تسعه .. لا يهم كيف وافقت ابنته أو ماذا حدث لتصل إلى هذا القرار المصيري، كل ما يهمه الآن أن تتم الصفقة ويحصل على مصلحته بعدها سوف يلتفت إلى الجميع.
في صباح اليوم التالي قرابة الساعة العاشرة صباحًا، حضر كل من محمود الإبياري وأولاده، هاشم الجوهري وابنه يوسف، أخيرًا عاصم التي لم يكن حضوره مقبولًا من قبل سلمى وطارق ويوسف ولكن حضوره لازم ولا يغير المضمون على كل حال هو ابن شريك .. ماعدا سلمى التي رفضت حضور الاجتماع متحججة بالإرهاق الشديد والتعب أثر ما كانت عليه، في حقيقة الأمر لا تريد رؤية ولا مواجهة والدها وعاصم وطارق، فعندما كان يهاتفها كانت تتجاهل مكالماته، حتى والدها عندما أتى لزيارتها اصطنعت النوم ولم ترد رؤيته ولا مواجهته يكفي ما حدث منه حتى الآن .. ولكن اشترط هاشم على وجوب وجودها.
نظرات الجميع لبعضهم بعض غير مريحة ومربكة للغاية، عاصم ونظراته لطارق سهام مشتعلة، براكين منصهرة في داخله من الكره والحقد ولكن يخفيها على وجهه ببراعة، لم يزل يوسف نظره من نور التي توترت من رنوه عليها لهذه الدرجة وكلما تذكرت تحول معاملته للجفاف معها تتسم قسماتها للجمود وتتجاهل نظراته ليشتعل هو من داخله ليلاحظهم طارق الذي يرمقهم بغضب وتحذير ليكون هذا الأخير موجهًا بالأخص ليوسف يذكره بما نهاه عنه .. نظرات خاطفة بين سلمى وطارق وهي تحاول أن تبتعد عنه بقدر الإمكان هو ووالدها في هذه اللحظة وإلا سوف ترتكب جناية.. وبالطبع نالت حظها من نظرات عاصم الذي يكاد لم يزل نظره عنها وطارق يشعر بالغيظ الشديد.
انتهى الاجتماع على أسس معينة وعلى الجميع الالتزام بها، ملخصة في اشتراط هاشم على حفل زفاف ولو بسيط كي تكون الزيجة طبيعية للجميع ومن أجل المظاهر العامة.
ـ مش لازم فرح على فكرة.
تلك هي الجملة الوحيدة التي نطقتها سلمى منذ جلوسها صامتة طيلة الاجتماع، لتنصب كل الأعين عليها ... ليرمقها هاشم بنظرة تحذيرية بأن تصمت ويصيح بها أمرًا:
ـ أنتِ تسكتي خالص ..
قاطعته سلمى باندفاع وهجوم:
ـ لا مش هسكت يا هاشم بيه.. هو جوازي ولا جوازكوا؟ مش خلاص نفذت اللي كان في دماغك عايز إيه تاني .. لحد كده وكفاية أعمل فرح معملش دي حاجة ترجعلي أنا وخطيبي.
نظر إليها ليتدخل في الحوار ويردف بجدية وصرامة:
ـ سلمى معاها حق .. ده شيء يخصنا .. عن نفسي ملوش لازمة خالص بما إنه جواز بالغصب.
ابتسمت سلمى لاندفاع سلمى، إذا هذه هي صديقتها التي تعرفها جيدًا .. لا تستسلم لحقها وليست كالتي كانت في المشفى.
نظر لسلمى عقب الانتهاء من جملته لتبادله النظرة بغضب شديد وابتسامة مصطنعة أمام الجميع .. ليصيح هام بهم ويقول بغضب:
ـ أنتوا بتحلموا أنتوا الاثنين .. مش كفاية كل ده حصل من تحت راسك يا ست سلمى لما هربتِ ومكنتش عارف أقول إيه للناس .. ولما حاولتِ تهربي لتاني مرة .. أهي حاجة تبرر عملتك والتأخير اللي اتأخرناه بسببك .. الفرح هيتعمل سواء بمزاجكوا أو غصب عنكوا.
كاد أن يتكلم طارق ليقاطعه محمود بحزم لا يقبل النقاش كي ينهي هذا العراك:
ـ خلاص يا طارق أنت وسلمى .. فرح فرح المهم نخلص من المشكلة اللي اتحطينا فيها كلنا دي.
تقابلت نظراتهم لثواني باستسلام للأمر الواقع ومن داخلهم يشعران بالضيق الشديد.
ابتسم هاشم بانتصار ليقول بثقة وتحكم:
ـ يبقى الفرح بعد بكرة.
انتفضت سلمى معترضة:
ـ بعد بكرة اللي هو إزاي يعني وأنا لسه مش قادرة أصلب طولي.
تدخل محمود سريعًا وهو ينظر لسلمى بحزن شديد:
ـ بعد بكرة إيه يا هاشم !!! .. مش هنلحق نجهز حاجة ولا نجيب حاجة.
رد ساخرًا:
ـ خلاص نخليها كمان يومين .. ما أنتِ بقيتي زي القردة أهو وبتردي وجيتي الاجتماع.
قاطعته والدموع في مقلتيها لا تصدق الذي يتكلم معها بهذه الطريقة هو أبيها لتصيح باندفاع:
ـ أنت اللي جبتني وبالغصب مش بمزاجي .. أنت أب أنت !!!
تجاهل دموعها ونبرة صوتها المتألمة وكأنها لم تقل شيئًا ورد ببرود:
ـ يبقى خلاص الفرح بعد يومين.
قال طارق ساخرًا:
ـ يوم زيادة !! الله على كرم أخلاقك.
صاح بحنق وهو ينظر لمحمود:
ـ شوف ابنك يا محمود.
صاح به طارق فلن يتحكم به هو الآخر كما يتحكم في ابنته:
ـ مش عاجبك كلامي !! .. أصل بالعقل كده فرح إيه اللي هيتعمل كمان يومين .. مفكرتش على الأقل في بنتك تصلب طولها ..
قاطعه هاشم بحدة وكأن الحنان والرحمة انتزعا من قلبه للأبد ولا يمتان له بصلة:
ـ بنتي دي سبب الخسارة في حياتي من ساعة ما أمها جابتها وهي قرفاني بيها .. مش كفاية هخسر الصفقة دي من تحت راسها .. تتحسن ولا متتحسنش مش قضيتي المهم تصلحوا اللي بوظتوه .. هو مال سايب.
لم يتحمل محمود ما يقول ولم يصدق أن من يتحدث هو هاشم لنهض ويمسكه من أعلى قميصه ويصيح به والدماء تغلي في عروقه:
ـ أنت بتقول إيه يا راجل يا مجنون أنت ..
دي بنتك.
تدخلت سلمى سريعًا وهي تصرخ بهم، وانهارت من البكاء وقلبها يتمزق أشلاء إثر ما سمعته من أبيها، وأيقنت بأنها لا تعني شيئًا بالنسبة له، وقررت أن تنهي الأمر كي تتخلص من هذا الجحيم الذي تعيش فيه:
- خلاص يا أنكل سيبه.. سيبه أرجوك، خلاص معدش فيه فايدة من الكلام.. الفرح كمان يومين زي ما هو عايز.. بس ينسى بعدها إن له بنت اسمها سلمى.
انفجرت وتمزق صوتها إثر صياحها وبكاءها، نهضت سريعًا لترحل من غرفة الاجتماعات أمام نظر الجميع.
رواية صفقة حب الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم شيماء جوهر
الحصار ليس مجرد أسوار عالية وأسلاك شائكة، بل يمكن أن يكون معنويًا، أن تكون محاطًا ومسجونًا داخل نفسك، مقيدًا من مجرد كلمات عابرة كأنها أصداف نارية مكبلة قدمك ويداك، تشعرك بالإحباط الشديد حتى أن تحرر نفسك وتخرج من هذا السجن اللعين. ولكن لا جدوى هذه المرة، ولا من طريقة للفرار، أصبح كل شيء أمر واقع لابد من القبول به بإرادتنا أو بالرغم عنا. محاولات فاشلة إذا فكرت أن نقوم بها لمجرد معرفة النتائج المترتبة منها على عكس سابقها، ولن يغفر لك ولا يعطيك عذرًا حتى كما فعلوا سابقًا، فقط تقبل حياتك كما هي الآن لأنه مهما فعلت ستعود لنفس النقطة، كأننا في دائرة مغلقة لا نهاية ولا بداية لها.
مرت قرابة ساعات وهي تجلس في حوض الاستحمام مغمضة العينين، في عالم آخر لا تشعر بأحد ولا أحد يشعر بها، فقط مقلتيها تبكي في صمت تام وقلبها ينحب ويتأوه في ضجيج تام لا أحد يسمعه غيرها.
لا تبالي بالعالم الخارجي التي لا تكترث له على الإطلاق، من كانت تعيش لأجلها وتحملت الحياة ومعاملة أبيها لها قد تركتها ورحلت دون أي مقدمات، دون سلام، تركتها لتعاني هي وحدها في هذه الحياة البغيضة بما بها من مرارة الأيام التي تعيشها كل ليلة. لم تعد تحتمل العيش في منزل والدها ليوم واحد بعد اليوم. لتحمد الله إنه يومها الأخير به لتذهب لمستقبل غامض مشوه الملامح، ولكن على الأقل أكثر رحمة مما كانت به.
ولكن لا تعرف ما مصيرها بعد ذلك، هل ستعود له يومًا ما، أم سيبتسم لها القدر بما تتمنى طيلة حياتها؟ لا تعرف حقًا وقد تشتت عقلها وشعرت بألم كبير من كثرة التفكير في المستقبل والحاضر، رسم سيناريوهات من الممكن عدم تحقيقها.
غمرت وجهها في الماء ووضعت آلامها جانبًا.
*******************
صعدت سميحة بعدما تأكدت من يوسف أن كل شيء يسير على ما يرام، فكرت كثيرًا أن تمر على أخيها في غرفة مكتبه عدة مرات، ولكن في كل مرة شيئًا ما كان يستوقفها عندما تتذكر كلماته الأخيرة معها وما فعله في الاجتماع، يكفي الألم والأوجاع التي تسببها لتلك المسكينة التي تمكث في الأعلى، تدعو الله من صميم قلبها أن يمر اليوم بسلام لتشعر بالراحة التي تمنتها لأكثر من عام، كل شيء يهون من أجلها اليوم.
دلفت الغرفة بعدما قرعت على الباب، لتجد نور جالسة على الفراش ممسكة هاتفها تتصفح إحدى مواقع التواصل الاجتماعي، لتقترب سميحة وتجلس قبالها وتشاهد شرودها وتصفحها بغير اهتمام وشغف، بدأ عليها الحزن الذي كانت تخفيه من أيام. ربتت على يداها لتقول بابتسامتها الحانية:
- وحشك مش كده؟
فاقت من شرودها على صوتها ونظرت لها ببلاهة، زاغت عيناها بتوتر وابتلعت غصتها. لتتوسع ابتسامة سميحة لتأكدها بما تشعر به لتقول بنبرة مازحة وثقة في ذات الوقت:
- يبقى وحشك
اصفر وجهها وقالت سريعًا بارتباك، وتصنعت عدم المعرفة:
- حضرتك تقصدي مين؟
ابتسمت سميحة بخبث:
- اللي أنتِ عمالة تفري في صفحته
بمنتهى التوتر نظرت لهاتفها وأغلقت الشاشة وحاولت قدر الإمكان أن تزوغ من عيناها ولم تستطع، فأصطنعت اللامبالاة:
- لا طبعًا. أنا أنا كنت بفر عادي جاه بوست له في سكتي. إنما أنا مفيش حاجة في دماغي أصلًا
ضحكت سميحة وربتت على يدها:
- يا بت مش على طنط سميحة. معرفش اللي حصل بينكوا ومحبتش أسألك قلت أسيبك أنتِ تحكيلي بنفسك. بس أنا شايفة إنك مضايقة منه ومش بتعبريه
تنهدت نور بحزن وحيرة، تريد أن تصرخ وتسقط في صدرها وتقص لها ما حدث، الذي لا تعرف ماذا حدث في الأساس كي يتحول معها بهذا الشكل، حقًا لا تعرف بماذا تجيب فصمتت، لتستأنف سميحة بنبرة مزحة:
- بس تعرفي الواد يوسف ده يستاهل. حلال فيه التربية بالطريقة دي
ضحكت نور بالرغم عنها وعيناها امتلأت بالدموع، في أقل من دقيقة، جذبتها سميحة من يدها وضمتها لصدرها باسمة وهي تشعر بالألم والحزن الذي تحمله في داخلها دون أن تتكلم. هوت دموعها في صمت وأردفت سميحة:
- خدي وقتك يا بنتي. وكل حاجة هتتعدل بإذن الله. أنا حاسة بيكِ. ربنا يعلم بحبك أنتِ وسلمى زي بناتي اللي اتحرمت منهم وأكتر. روقي كده وتعالي نشوف سلمى بتعمل إيه كل ده
ابتعدت عنها نور وجففت دموعها سريعًا وابتسمت، فقد شعرت بالراحة الشديدة من كلماتها اللينة واحتوائها لها، لتقول نور بحب:
- شكرًا إنك وافقتي تيجي تقعدي مع سلمى لحد يوم الفرح. وإلا ربنا عالم كانت هتحصل مشكلة كبيرة ملهاش أول من آخر من انكل هاشم. وحضرتك عارفة
ابتسمت سميحة بحزن وقالت بألم:
- كان لازم أجي يا نور. مقدرش أسيبها في يوم زي ده ألا تعمل في نفسها حاجة ولا أبوها يتهور عليها. مع إني حالفة إني مش هدخله بيت تاني بس ربنا يسامحني بقى. سلمى محتاجالي أكتر من أي وقت تاني. ومحتاجالك أنتِ كمان يا نور
تنهدت نور بحزن ثم ابتسمت وهي تتذكر أيامهم سويًا:
- أنا على قلبها متقلقيش. ومش هسيبها أبدًا لحد ما أطمن عليها وهي مع طارق. أنا واثقة إن طارق هيحبها ومش هيضايقها بس يصبر عليها شوية بس
ضحكت سميحة وهي تتذكر شيئًا ما:
- مش قادرة أنسى اليوم اللي نزلت معاه عشان تنقي أوضة النوم وعلى اللي عملته فيه. ربنا يستر بجد لما يتقفل عليهم باب واحد
شاركتها نور الضحك وهي تتخيل:
- هتطلع عليه كل القديم والجديد. ربنا يستر بجد
نظرت سميحة تلقائيًا على باب الحمام ثم عادت لنور:
- هي بتعمل إيه كل ده؟ دي بقالها ساعتين وشوية جوة
قلقت نور ونهضت متجهة إلى الحمام:
- متقلقنيش بقى يا طنط. سترك يا رب
طرقت على الباب ولا استجابة، حاولت مجددًا نفس النتيجة. نهضت سميحة وذهبت إليها في قلق لتقرع على الباب هي الأخرى ولكن دون جدوى. نظروا لبعضهن لبعض في توتر وارتباك وكل منهن تدعو بأن ييسر الله الحال ولم تكن تهورت وقامت بإيذاء نفسها.
القرعة الأخيرة هي التي أيقظتها من أحلامها. صعدت من الماء وهي تشهق وتلتقط أنفاسها بصعوبة لتنظر حولها بغرابة وتحاول استيعاب أين تكون، استمعت لصوت من الخارج ينادي باسمها، جمعت شتات نفسها لتتنهد بقوة، أخيرًا خرج صوتها بصعوبة:
- أيوه يا عمتو. في حاجة؟
تنهدت سميحة ونور بأن سلمى على ما يرام، وحمدن الله على سلامتها. قامت سلمى على الفور وجففت جسدها وشعرها من الماء وارتدت منشفتها وخرجت لهن. نظرت لها نور بقلق:
- حمام العافية يا عروسة. كل ده يا سلمى
ردت سلمى بابتسامة باهتة:
- معلش يا نور كنت محتاجة أصفي ذهني شوية. أنا كويسة متقلقيش
قبلتها نور من وجنتيها لتقول لها:
- طب يلا جهزي نفسك عشان البيوتي سنتر تحت بقالها ساعة مستنياكِ تخلصي عشان تبدئي. وجهزتلك الفستان كمان
أشارت لها نور نحو فراشها لتنظر هي لهذا الرداء الأسود وهي تتلمسه في حزن شديد. فقد دبت مشاجرة بينها وبين طارق لحظة شراء هذا الرداء.
وقفت سلمى أمام اللوح الزجاجي للمتجر تشاهد فساتين الزفاف إلى أن لمعت عيناها بالدموع وتماسكت ألا تزرف أمامه، لا يجب أن يشعر بضعفها وألمها لتتنهد بشدة ووجهها خالي من المشاعر فقط تتعامل بمنتهى البرود والجفاء، اقتربت منها سميحة باسمة:
- عجبتك حاجة يا حبيبتي؟
ردت بهدوء شديد:
- لا. يلا
تكرر هذا السؤال منهم جميعًا عند وقوفهم عند كل متجر وتجيبهم بنفس الإجابة، تحمل طارق برودها وأسلوبها لطالما يكرهه، يكره استفزازها له وجفاءها في معاملتها له، ولا يريد أن يتصرف معها بأي تصرف أهوج أمام شقيقته وعمتها. تربت سميحة ونور على منكبه على أن يتحمل، وهو ينتظر تلك اللحظة التي ستكون فيها زوجته لينهي تلك المهزلة.
إلى أن استقرت على فستان على الرغم من سواده إلا إنه في غاية الرقة والبساطة "منفوش" وبه تطريز خفيف باللون الفضي اللامع. ابتسمت بخبث والتفتت إليهم قائلة:
- هو ده
نظروا جميعًا بعضهم البعض في دهشة، مترقبين رد فعل طارق وقرروا عدم التدخل بينهم وإتاحة الفرصة لبعضهم للحديث. ليجز طارق على أسنانه ويقول بنفاذ صبر:
- هو إيه اللي ده؟
ردت بلامبالاة وبرود كبير:
- إيه مش شايف. فستان هيكون إيه يعني
صاح بعصبية:
- أسوووود
ردت بكل برود:
- ماله الأسود يعني. ما هو فيه تطريز فضي وببيبرق أهو
جز على أسنانه وصاح غاضبًا:
- في واحدة تتجوز بفستان فرح أسود! أنا مش موافق
شعرت بالألم من كلماته لترد ساخرة ونبرة باردة:
- على أساس إنه جواز بجد وكده. ثم تعالى هنا هلبس اللي أنا عايزاه. مين اللي هيلبس أنا ولا أنت؟
وبعد مفاوضات وكي يمر اليوم بسلام وافق طارق على قرارها بمضض بعد محايلات سميحة ونور. قاموا بشرائه هو وحذاء أسود يناسبه ومن داخلها تشعر بالانتصار
- سلمى. سلمى. روحتي فين يا بنتي؟
فاقت من شرودها على صوت نور. لتصرف نظرها عن الفستان التي طالما أي فتاة تمنت أن ترتديه في ليلة زفافها ولكن يبدو أنها لن يستحنى لها الفرصة. اصطنعت البسمة وتنهدت بيأس:
- دماغي سرحت شوية
ربتت سميحة على منكبها برفق، فهي تشعر بحزنها وألمها الملحوظ والمحفور على قسمات وجهها الصغير، فهونت عليها قائلة:
- متفكريش كتير يا بنتي وسيبيها على ربنا. يا عالم بكرة في إيه
تنهدت بحزن ولكن اصطنعت الصلابة:
- ونعم بالله يا عمتو. أطمني أنا طارق زي ما قلتلك قبل ده. اتفقنا على كل حاجة.
لا يزال نور الشك يحوز في داخلها مكان، فقاطعتها بحزم:
- بس أنا مش داخل دماغي كل اللي بيحصل ده
أكملت بسخرية وتهكم:
- أطمني. قولي لهاشم بيه سلمى أدي كلمتها المرة دي. خلاص مفيش مجال للهروب. كل محاولاتي فاشلة. بس كل ما بشوف الحراسة دي قدامي بيركبني ستين عفريت.
ابتسمت بحب لتقول وهي تصحبها على المقعد أمام المرآة:
- هانت كلها كام ساعة وتخرجي منه يا حبيبتي
ابتسمت سلمى بسخرية وتهكم ولا تعرف إنها سوف تخرج من سجن لتدخل آخر. هو السجن ذاته ولكن السجان مختلف.
خرجت نور وعادت بعد دقائق بصحبة الفتاة من مركز التجميل. أحتل الصمت أرجاء الغرفة وظلت تنظر لنفسها في المرآة بشرود.
تساؤلات كثيرة في فكرها ولابد من وجود إجابة محددة، وبالطبع لن تكون قادرة على سؤاله في ظل الظروف السانحة التي يمر بها الآن، ولكن عقلها كاد أن يقف من كثرة التفكير، تخشى أن تخسر كل شيء. كل ما وصلت إليه أن يضيع ويتلاشى مع الرياح في يوم عاصف ولن يعود مرة أخرى، ولا يوجد مجيب على كل هذه التساؤلات إلا شخص واحد فقط. ولكن بعد آخر موقف حدث بينهم والطريقة غير المستحبة التي تحدث بها إليها تجعلها تتراجع كل مرة وتتذكر كيف أهانها بكلماته ولكن لا محال لا يوجد سواه. أيجب أن تتحامل لتصل إلى مبتغاها رغم كل شيء؟ حسنًا، لا يوجد اختيار آخر سواه فلتتحدث معه إذا وليكن ما يكون.
تناولت هاتفها من الحقيبة على المقعد بجانبها وبسرعة أتت برقمه وقامت سريعًا بالاتصال إلى أن أتاها صوت:
"ألو.. أيوه يا إيهاب"
كان مترددًا على أن يجيب، واندهش بأنها تتحدث إليه في هذا التوقيت فرد مسرعًا كي ينهي الأمر:
"خير يا سارة عايزة إيه؟"
غضبت من أسلوبه البارد التي شعرت بأنه يحمل نوعًا ما الغضب أو الضيق، فصاحت به على الفور:
"إيه عايزة إيه دي.. في أسلوب أحسن من كده يا إيهاب!"
صبره كاد أن ينفذ، لقد تحمل كثيرًا ويبدو أن حديثه معها آخر مرة لم يجْدِ نفعًا ليصيح بها في حنق شديد:
"مغلطتش فيكي عشان تطلعي عليا سخنة كده.. شكلك نسيتي أنا قلتلك إيه آخر مرة.. أخلصي يا سارة عايزة إيه أنا مش فاضيلك!"
قررت أن تتغاضى عن أسلوبه في الوقت الحالي حين أن تصل لمرادها، فقالت بصوت شبه هادئ:
"طارق فين؟ بكلمه كتير ومبيردش عليا."
رد إيهاب بنفاذ صبر وهو يمسح وجهه بعنف بكفه:
"طارق مش فاضي دلوقتي يا سارة."
أردفت بنفس النبرة:
"بس أنا محتاجة أتكلم معاه ضروري يا إيهاب."
رد إيهاب ساخرًا:
"هي حبكت تتكلمي معاه دلوقتي.. مينفعش تأجلي الموضوع ده شوية؟"
زفرت بشدة لتعود نبرتها إلى الصياح:
"أيوه حبكت.. خطيبي وأتكلم معاه في أي وقت.. وراه إيه يعني أهم مني.. مش سلمى خلاص خرجت من المستشفى في إيه تاني؟"
ابتسم إيهاب بتهكم ليكون ساخرًا أو متشفيًا بتصرفاتها وتفكيرها:
"في إنه بيتجوز النهارده يا سارة.. عقبالك."
الصدمة حلت تعابير وجهها بدلًا من الغضب الجامح الذي كان يعتليه، لا تصدق ما سمعته لتوها من إيهاب، لهذا السبب كان يتهرب منها كلما كانت تحاول الاتصال به في الأيام السابقة ولم يخبرها قط بشأن زواجه. حقد وكره وانتقام وغيرة بالتملك.. لا تعرف ماذا تفعل لتقول بانفعال:
"إيه ده بجد.. مقليش يعني.. ماشي يا إيهاب أما وريته.. هباركله بنفسي."
كاد إيهاب أن يرد ولكن أنهت المكالمة على الفور. نظر للهاتف بغرابة محاولًا منه استيعاب رد فعلها لجملتها الأخيرة. أصابت الريبة في نفسه حقًا وظل يتساءل طوال الطريق وهو متجه بسيارته إلى طارق ما الذي تنوي على فعله اليوم؟ فهو غير متفائل على الإطلاق.
وصل إيهاب المنزل ورن الجرس ليفتح له الخادم، قام بالسؤال أولًا عن السيدة تهاني ثم سأل عن وجود طارق. ترك الخادم وركض على درجات السلم متجهًا إلى غرفة طارق ليتفاجأ من خروج تهاني منها مرحبة به باسمة:
"أخبارك يا إيهاب؟ عقبالك."
ابتسم بالرغم عنه، فتلك الكلمة فتحت له ألمًا ووجعًا يحاول أن يتغاضاه في الفترة الماضية ليقول سريعًا:
"الحمد لله يا طنط.. إن شاء الله عقبال ما تفرحي كمان بنور."
تنهدت تهاني بحب لتقول بصدق:
"اللهم آمين يا رب.. ادخل لصاحبك جوه."
أشارت على الغرفة المجاورة، لينظر لها إيهاب بعدم استيعاب بعد:
"هو مش في أوضته ولا إيه؟"
ابتسمت تهاني قائلة:
"لا يا حبيبي أوضته بجهزها له هو وعروسته يقعدوا فيها.. هو بيجهز نفسه في الأوضة دي."
ابتسم إيهاب بتكتم وأومأ برأسه متفهمًا:
"تمام يا طنط.. عن إذنك."
بادلته تهاني الابتسامة وغادرت ليقوم هو بالقرع على باب الغرفة التي أشارت إليها تهاني منذ دقائق ودخل مهللًا:
"إيه يا عريس.. حمام العافية."
كان طارق أثناء ذلك خارجًا من الحمام، يحيط خصره بتلك المنشفة البيضاء وجذعه بالكامل مكشوف. تبللت الأرضية أمام الحمام قليلًا بالمياه المتساقطة من شعر رأسه، ليصيح به في حنق:
"بقولك إيه يا إيهاب أنا مش ناقصك.. بلا عريس بلا بتاع."
ضحك إيهاب على حاله وجلس على الفراش يتمعن الغرفة، ليقوّس شفتاه للأعلى باسمًا بإعجاب:
"لطيفة الأوضة أومال أوضتك شكلها إيه.. أمك قالتلي إنك بتجهز هنا."
رد طارق وهو يجلس على مقعد أمام المرآة ويقوم بتجفيف شعره بمنشفة صغيرة:
"أيوه يا سيدي.. ما دي الأوضة اللي هتجوز فيها عقبال ما الفيلا تجهز.. ما أنت عارف استحالة تخلص في يومين."
أومأ إيهاب رأسه متفهمًا، وكان على قسمات وجهه التردد ليلاحظه ويقرأه طارق:
"إيه يابني مالك مسهم ليه؟"
تنهد إيهاب متسائلًا باهتمام:
"أنت آخر مرة كلمت سارة كان أمتى؟"
شعر طارق بالغرابة من هذا السؤال ولكنه أجاب على الفور وملامحه متسائلة:
"أول امبارح.. اشمعنى؟"
تنهد إيهاب وقرر أن يصارحه بالمحادثة التي تمت بينهم:
"أصلها كلمتني قبل ما أجيلك مفيش عشر دقايق، ومن كلامها تحس إنك بقالك كتير مكلمتهاش مش أول امبارح زي ما بتقول.. ولما عرفت إنك هتتجوز النهارده قلبت كالعادة.. بس قبل ما تقفل قالتلي هباركله بنفسي."
كان طارق يسمع لما يقصه إيهاب باهتمام ويحاول تحليل موقف سارة، تنهد ليقف عن تجفيف شعره ويبدو عليه الضيق:
"ده أسلوب سارة لما تحب تستدرج حد في الكلام.. تعمل فيها عبيطة ومن بنها عشان توصل للي عايزاه.. وأنت عشان ساذج ومتعرفش دماغها وقعتك في الكلام."
اندهش إيهاب مما يقول:
"مكنتش عايز تقولها ليه؟"
زفر بحنق ليقول:
"ما أنت عارف سارة هي جديدة عليك.. هتقعد تزعق وتفتح الموشح أنت مش بتحبني عايز تسيبني أصل أنا مش فارقة معاك.. أنا بحبها بس كلامها ده بيخنقني وأنا بصراحة فيا اللي مكفيني.. كفاية سلمى والبلاوي اللي بتحصل.. وكفاية أن علاقتي بسارة بقت نوعًا ما مستقرة."
تنهد إيهاب وهو يمعن به ليقول بقلق:
"على فكرة أنا مش مطمن من كلامها ده أبدًا.. حاسس أن وراه مصيبة."
ابتسم طارق بتهكم ونفى ما يفكر به إيهاب:
"لا مستحيل.. سارة بتحبني وعايزاني ومعتقدش إنها هتخرب على نفسها.. هي مش مجنونة زي سلمى."
ابتسم إيهاب بحزن ليقول:
"على فكرة يا طارق أنت ظالمها.. وبكره الأيام تثبتلك."
صمت طارق فكان ينوي الرد فاكتفى بالصمت. لا يدري ماذا يقول بعدما تذكر آخر حديث دار بينهم.
منذ أن أنهت معه المكالمة وهي تشعر بالغيظ الشديد لا تعرف ماذا تفعل بعدما أخفى عنها يوم زفافه. فكرت مليًا ثم خطر على بالها خطة جديدة ماكرة، سوف تقوم بتنفيذها بذكاء ومهارة، فلن تدع طارق أن يفلت من بين يداها مهما كان السبب، ستجعله لها وليس لسلمى. فما قاله عاصم صحيح وجاء الوقت لتقوم بتنفيذه.
ابتسمت بخبث وانحرفت بسيارتها متجهة إلى حيث بداية ما تنوي إليه من شر.
وصلت منزل طارق ورنت الجرس ليفتح لها الخادم، أقبلت عليه باسمة:
"طارق موجود؟"
أجاب الخادم بهدوء:
"أيوه يا فندم.. اتفضلي في الصالون أديله خبر."
أشار لها للداخل وكاد أن يرحل ويخبر طارق صاحت به سريعًا في ارتباك بسيط:
"طيب ممكن بعد إذنك شاي."
رد الخادم باحترام قبل أن يرحل:
"تحت أمرك يا فندم."
ظلت عيناها تراقبه إلى أن اختفى من ناظرها، التفت حولها لتتأكد بخلو المكان من أي شخص يراها وهي تستعد لتنفيذ خطتها. صعدت سريعًا على أدراج السلم إلى أن وصلت إلى غرفة طارق.
كادت أن تدخل ولكن رأت خياله وصوته في الغرفة المجاورة من الفتحة الصغيرة، يبدو أن الباب غير محكم، فارتسم على شفتاها بسمة خبيثة لتدلف الغرفة ويعلو صرير الباب، ليلتفت طارق ويتفاجأ بوجودها والصدمة تحتل وجهه بالكامل. ألقى بالهاتف على فراشه وبسرعة خاطفة أغلقت الباب واقتربت نحوه بنظرات جريئة للغاية بعدما وجدته عاري الجذع لا يستر جسده إلا منشفة ملتفة حول خصره. ليصيح بها بعدم تصديق:
"سارة!! أنت بتعملي إيه هنا؟ ودخلتي هنا إزاي؟"
ابتسمت سارة بخبث وهي تقترب منه متصنعة الدلال، لتلتف ذراعها حول عنقه:
"بقى هي دي مقابلة تقابلني بيها بعد كل ده.. إيه موحشتكيش؟"
اقتربت أكثر ليبعدها هو عنه بسرعة ويصيح بها بغضب شديد وانفعال:
"إيه اللي بتعمليه ده؟ اتجننتي يا سارة!!"
صاحت به بغضب فتلك الطريقة لم تجْدِ نفعًا معه:
"اتجننت عشان جيت أشوفك! عشان خطيبي وحشني وخبى عليا أن النهارده يوم فرحه مش كده؟!"
زفر بقوة وهو يمسح شعره بعنف، محاولة منه تماسك أعصابه:
"ده مش مبرر إنك تجيلي هنا بالشكل ده.. مكنتش حابب أعرفك عشان اللي بتعمليه دلوقتي وأنت عارفة كويس اللي فيها يا سارة."
صرخت به وهي تدفع للخلف:
"أومال عايزني أجيلك أمتى إن شاء الله.. لما تدخل عليها وتجيب منها عيال.. ولا لما تحبها وتمسحني من دماغك."
صرخ هو الآخر في وجهها واقترب منها:
"مش معقول يا سارة أنت اللي بتقولي الكلام ده!! حب إيه وبتاع إيه ما أنت عارفة إني لا بحبها ولا بطيقها وجوازنا ده مجرد فترة وهتعدي.. هطلقها وأنت اللي هتبقي مراتي بجد مش هي.. ليه بتصعبي عليا الموضوع أكتر ما هو صعب."
شعرت سارة بأنها أطلقت العيار وأزيد بكثير. انخفضت نبرة صوتها لتقول بدلال مصطنع لتعقد ذراعها مرة أخرى حول عنقه:
"يعني مش هتلمسها يا طارق مش كده؟ مفيش حد في قلبك غيري."
ابتسم طارق بحب ليقول:
"عمري ما حبيت غيرك."
ابتسمت بخبث وتقترب منه أكثر، رغم أن إجابته لم تكن شافية وكافية بالنسبة لها، كأنه يخفي شيئًا ما في عينيه ولا يريد البوح به. فيكفي الآن أن أول خطوة تمت بنجاح.
الوضع بالشركتين أصبح على ما يرام نوعًا ما. وهذا بفضل اتصالات هاشم مع الطرف الآخر لهذه الصفقة اللعينة، التي تعتبر سببًا رئيسيًا لكل المصائب والمشاكل التي حطت على رأس كل من عائلتي الإبياري والجوهري، خاصة تلك الأخيرة وما تعانيه سلمى وتدفع ثمن تلك الصفقة بزيجة أشبه بالتجارة بروح وكيان ومستقبل فتاة في العشرينات من عمرها.
قد تخلت عن زهرة شبابها من أجل والدها، من أجل حب شهوة المال والسلطة والجاه، من أجل النفوذ وأشياء كثيرة لا علم لها بها. ولكنها منذ وفاة والدتها وهي غير مطمئنة بالمرة على تصرفاته وقراراته في الفترة الأخيرة التي بدأت بخطبتها لعاصم جبر، لتوسيع الشراكة بينه وبين حامد السيوفي والده. وهي من تدفع ثمن كل الأخطاء التي تحدث ليومنا هذا، كأنها تتبع وتكمل مسيرة فريدة التي ألقت بها في نهاية المطاف إلى التهلكة.
أرسل هاشم آخر بريد إلكتروني للشركة المقابلة ليخبرهم فيها بإتمام الزواج اليوم، أي تنفيذ الشرط الحائل في هذه الصفقة. وكانت سعادته لا توصف بأنه أخيرًا قد بدأ في أولى مراحله لتنفيذ المجهول، ليزداد ربح الشركة الضعف أو أكثر.
تناول هاتفه وقام بالاتصال بمحمود، الذي زفر بشدة لمجرد رؤيته فرد بانزعاج:
- أيوه يا هاشم.
رد هاشم والبهجة تنطلق من صوته:
- إيه يا راجل فينك؟
اندهش محمود قليلًا من نبرة صوته ليقول:
- هكون فين يعني؟ في الفيلا بحضر للفرح ولا نسيت؟
ضحك هاشم وأردف:
- لا منستش طبعًا، اسمع عايزك تعدي عليا دلوقتي حالًا.
نظر محمود في ساعته بدهشة ليقول متعجبًا:
- دلوقتي؟ أنت عارف الساعة كام أساسًا؟ مفيش وقت.
تنهد وهو يصر:
- يا سيدي مش هاخد من وقتك كتير، بس خبر مهم جدًا.
زفر محمود بحنق:
- مش وقته يا هاشم، أنت مش شايف اللخمة اللي إحنا فيه؟ بعدين يا هاشم، نعدي الليلة دي على خير.
أنهى معه المكالمة وهو حانق للغاية منه ومن تصرفاته، فلن يقبل منه أي تصرف أو أي كلام بعد ذلك. نظر حوله وهو يتأمل المكان، ساحة الفيلا الواسعة التي تشمل الجزء الخلفي من الحديقة وبها الكثير من العمال يعملون على تزيينها.
اقتربت منه تهاني مربتة على منكبه بحب لتشعر بضجره لتسأله:
- مالك يا محمود؟ مين اللي كان بيكلمك؟
أجاب محمود في حنق:
- ده هاشم يا ستي.
عقدت حاجبها بدهشة لتقول:
- وده عايز إيه دلوقتي؟
أجابها منفعلًا:
- قال إيه عايزني أقابله دلوقتي حالًا عشان حاجة مهمة، هو أنا ناقصه.
انفعلت تهاني في حديثها لأول مرة:
- عايز إيه تاني مش كفاية اللي في دماغه خلاص حصل وبنجني على الولاد اللي ملهومش ذنب في أي حاجة تحصل.
زفر بشدة ليقوم بحزم:
- نخلص بس من الورطة اللي وقعتنا فيها دي وأنا مش عايز أتعامل معاه في شغل تاني.
لتزفر تهاني هي الأخرى بضيق ولكن تحاول بقدر الإمكان تهدئة روعه:
- طيب روق كده ومتخليش أي حاجة تعكر صفوك، ابنك هيتجوز النهارده يا محمود.
أردف بحزن شديد وقد شعرت به تهاني:
- كان نفسي يتجوز في ظروف أحسن من كده، وبإرادته، ومكنتش عايز أفرض عليه ولا أغصب إنه يعمل حاجة مش بمزاجه.
ابتسمت وفي داخلها أمل تدعو من الله أن يتحقق:
- وأنا كمان بس تعرف، أنا بدعي ربنا يهدي سرهم ويخلق ما بينهم مودة وحب، مش يمكن يا حبيبي ربنا عمل كده عشان يقربهم من بعض بالطريقة دي، أكيد ربنا له حكمة في كده.
شعر براحة واطمئنان من حديثها ليقول بلين:
- ونعم بالله، عارفة يا تهاني أنا كنت بتكلم على الظروف اللي وصلتهم لكده، سلمى بنت ممتازة وأنا مش معترض عليها بالعكس، يلا ربنا يعمل اللي في الخير.
قبلته من وجنته وقالت بدلال:
- الحمد لله على كل شيء، هسيبك أنا بقى وأشوف طارق وصل لإيه.
******************
تقابل كل من إيهاب وتهاني في ردهة المنزل، فسألت باهتمام:
- خير يا إيهاب ماشي ولا إيه؟
أجاب إيهاب سريعًا:
- لا أبدًا بس كنت نازل أشوف حد يعمل قهوة للبيه اللي فوق ده ألا دماغه مش عجباني.
ردت تهاني بحزن:
- ربنا يعدي اليوم ده على خير.
يخرج إحدى الخدم بصينية بها فنجال من الشاي وآخران قهوة، لتوقفه سميحة بدهشة:
- لمين كوباية الشاي دي؟
أجاب الخادم بتلقائية:
- دي الآنسة اللي لسة جاية من شوية وبتسأل على طارق بيه.
قلقت تهاني وهي تنظر لإيهاب الذي تغيرت ملامحه للقلق هو الآخر، يخشى ما يفكر به أن يحدث ولكن هذا مستحيل، لتتغير نبرة تهاني للحزم:
- مين دي؟
تركتهم تهاني وهم خلفها متجهة إلى الصالون لتجده خاليًا من أي شخص، التفتت إلى الخادم لتقول بنفس النبرة:
- هي فين؟
اندهش الخادم من خلو المكان ليقول بقلق:
- والله ما أعرف يا ست هانم، أنا لسة سايبها مفيش كام دقيقة، معقول تكون مشت؟
وقفت تهاني ساهمة، شريدة تفكر ليقطع عليها صوت إيهاب الذي لاحظ ذلك ونظر للخادم وأخذ منه صينية المشروبات قائلًا:
- هات دي، يمكن تكون مشيت ولا حاجة، شوف شغلك.
رحل الخادم ونظر إيهاب لها يحاول أن يعيدها إلى طبيعتها مرة أخرى:
- أكيد مشيت ولا حاجة، متقلقيش أوي كده، تعالي نطلع لطارق.
صعدا ليسمعوا صوت بالداخل، دب الشك في قلبها وبمجرد أن تهاني فتحت باب الغرفة لتنصدم بما رأته هي وإيهاب الذي لم يصدق ما رآه هو الآخر، الاثنان بهذا الوضع السخيف. انفرجت عيني وفاه تهاني فلم تصدق ما تراه، لتصيح وتصرخ بهم:
- إيه المنظر اللي أنا شايفاه ده؟ إيه ده؟ ماتنطق يا أستاذ، إيه اللي جاب دي هنا في أوضة نومك وأنت عريان بالشكل ده؟
نظرات والدته وصديقه الصادمة لوهلة من المشهد، فليعرف جيدًا إيهاب أن وجودها في الوقت الحالي من آخر مكالمة بينهم به سوء فهم، نظر له طارق مستنجدًا وكاد ليتحدث كل منهم لتقاطعهم موجهة الحديث لسارة:
- وأنتِ مين سمحلك إنك تطلعي من غير إذن؟
توترت سارة من أسلوب الهجوم التي شنت عليها تهاني لتقول مصطنعة البراءة وبكل بجاحة:
- في إيه يا طنط أنا ملقتش حد عشان أقوله، ثم أنا كنت طالعة لخطيبي وقريب أوي هيبقى جوزي مفهاش حاجة يعني.
شعرت تهاني بدماءها تحترق من لامبالاتها وكان ما فعلته أسلوب طبيعي ويجب أن تتقبله:
- أنا في حياتي عمري ما شوفت زي بجاحتك، مش مكسوفة وأنتِ بتقولي كده؟! لا بجد شايفة إنها مفهاش حاجة إنك تطلعي أوضة نوم شاب عازب وأنتِ مبقتيش حتى على ذمته، وأديكِ قولتي هتبقى مراته يعني حدودك في الصالون تحت مش طلعليه هنا.
دقائق وكان محمود معهم في الغرفة، انصب اهتمامه على تهاني التي هي سبب صعوده في هذا الوقت، اعتقد بأن هناك خطبًا ما بينها وبين طارق:
- في إيه مالك يا تهاني؟ صوتك جايب الناس اللي تحت، اللي حصل؟
صاحت تهاني بحنق وعصبية شديدة:
- تعالى شوف المهزلة اللي بتحصل هنا.
نظر مكان ما تشيح إليه يدها لتفاجأ بوجود سارة، ليصيح بدهشة:
- إيه ده! أنتِ بتعملي إيه هنا؟ (ثم وجه حديثه لطارق) مين اللي سمحلها تطلع هنا وإيه المنظر ده؟
لا يصدق طارق كل ما يحدث حوله من أحداث حاليًا وما صادفه من أحداث سابقة وما سوف يقابله فيما بعد، ليصيح بهم فلم يعد الاحتمال أكثر من ذلك:
- أنتُ كلكوا جايين عليا من غير ما تفهموا اللي بيحصل، أنا زيي زيكوا معرف إيه اللي جاب سارة هنا واتفاجئت بيها ويمكن أكتر منكوا، أرحموني بقى شوية، ما تتكلم يا إيهاب.
تدخل إيهاب لينقذ ما يمكن إنقاذه:
- طارق ملوش دخل يا عمي، أنا من ساعتها هنا مع طارق وغفلت عنه مفيش دقايق أجيب قهوة اتفاجئنا بيها هنا، هو ده اللي هتباركيله بنفسك؟!
أنهى هذه الجملة بغضب موجهًا إلى سارة، لتخطف نظر الجميع بلوم وغضب شديد في بادئ الأمر شعرت بالخوف والقلق من نظراتهم وحاولت بقدر الإمكان تصنع اللامبالاة. ليجذبها إيهاب ويختفي بها من أمامهم على الفور.
لتبقى أعين والديه هي من تحاصره في تلك الغرفة من قلق وخوف وعتاب وغضب، لينهي والده هذا الحصار النفسي والعصبي بحسم وغضب شديدين:
- وأنت مش عارف إنك هتتنيل وتتجوز النهارده؟! مخلتهاش تطلع في الحال بمنظرك ده ليه؟! وسايبها تحط أيديها عليك بالشكل ده؟! عجبك منظركوا أوي يعني افرض حد من الخدم شافك بالمنظر ده ولا أختك كنت هتعمل إيه ولا منظرك قدامهم بعد كده إيه؟! حسابك تقل أوي معايا يا طارق واللي حصل دلوقتي ده مش هيعدي بالساهل.
خرج وبيديه تهاني التي رمقته نظرة أخيرة بلوم وعتاب ليغلق الباب خلفه بعنف شديد، جلس طارق بحنق وغضب شديدين على فراشه وهو يمسح شعره بكفيه بغضب كبير، ممسكًا برأسه بين كفيه، ساندًا بساعديه على ساقه. وهو لا يزال يصدق ما حدث للتو، آخر ما يتصور رد فعل سارة وتفعل به ما فعلت. كان أن يسير كل شيء على ما يرام مع والديه ولكن بفعل
وديني ما هسيبه الليلة دي.
يسير في أرجاء الغرفة ذهابًا وإيابًا في غضب شديد، لا يصدق ما شاهده لتوه، وفي ذات الوقت يصدق شهادة إيهاب، فهو على معرفة جيدة به وعلى علم بأخلاقه... لكن المشهد لصق بعقله وهي تتشابك ذراعاها على عنقه وتقترب منه بهذا الشكل.
قال محمود:
- عجبك اللي حصل ده يا تهاني؟ هي دي آخرة تربيتي فيه؟
ضربت تهاني كفًا على الأخرى وعقلها مشتت لا تعرف ماذا تقول، تعرف أن طارق مخطئ بعدم طردها إلى الخارج ولكن يجب أن تلطف الجو قليلًا:
- إيهاب معاه حق يا محمود، أنا مصدقاه... بس برضو ابنك غلطان، منكرش ده إنه سمح لها تفضل معاه وتلمسه بالشكل ده.
قال محمود بتردد بشيء يخشى منه كثيرًا ولكن تخيله بهذا المشهد صور له هذا:
- ربنا يستر ويمكن يكون حصل حاجة بالوضع اللي شفتهم فيه ده.
صاحت به تهاني بعدما فهمت المغزى من كلامه:
- لا يا محمود بلاش دماغك توديك لبعيد... ابنك أنت اللي مربيه كويس وعارف أخلاقه.
صاح بها والألم والحزن ينهش في عقله قبل قلبه:
- أنا عارف ده كويس يا تهاني... بس ده شاب، والوضع اللي بينهم ما كانش لطيف، والباب مقفول عليهم.
ربتت على منكبه تحاول أن تطمئنه وهي في داخلها تحتاج من يطمئنها:
- ما تقلقش يا حبيبي أنا واثقة في تربية ابننا كويس... وإن عمره ما يعمل حاجة تغضب ربنا زي دي... خليك واثق من كده كويس.
ارتسم على ثغره بسمة صغيرة وذهب ليتابع عمله، ظلت وحدها في الغرفة تفكر وهي على يقين بأن لم يحدث شيئًا.
في نفس الوقت قامت نور بالاتصال بوالدتها بعدما اطمأنت من استعداد سلمى بوضع مساحيق التجميل بعدما انتهت من قصة شعرها... اغتسلت وأخذت تجفف شعرها وتستعد هي الأخرى.
قالت نور:
- ألو... أيوة يا ماما.
ردت تهاني بصوت مهزوز:
- أيوة يا نور... إيه الأخبار عندك؟
شعرت بها نور لتردف بدهشة:
- بخير الحمد لله... أنتِ مال صوتك؟
تنهدت تهاني وهي تحاول أن تتماسك:
- ما فيش يا حبيبتي... كنت عايزة إيه؟
نهضت نور فجأة وقالت بقلق ويبدو عليها الاهتمام لتلاحظ ذلك سميحة وسلمى:
- ما فيش إزاي يعني، هو أنا مش عارفاكِ؟ بابا كويس؟ طارق بخير طيب؟
قصت لها تهاني ما حدث ونور تسمع وهي لا تصدق، فمن قبل ارتباطه بها وهي لا تحبها وتشعر بأن لن يأتي من وراءها أي خير على الإطلاق، لتنهي المكالمة وهي تشعر بالحزن على والديها وما حدث في هذه الليلة، وتشعر بأن ما حدث لا دخل لطارق به.
اقتربت منها سميحة بحذر فقد قلقت من قسماتها أثناء المكالمة لتردف بقلق:
- خير يا نور اللي حصل؟
زفرت نور بحنق وحزن لتقول بصوت منخفض حتى لا تسمعه سلمى:
- الزفتة اللي اسمها سارة دي جات لطارق، اتسحبت وطلعت أوضته من غير ما حد يشوفها ولا ياخد باله... وماما وبابا شافوها وهي شبه حاضنة طارق بوضع مش لطيف ببشكير حوالين وسطه... لافة دراعها على رقبته كده... بس إيهاب كان معاه ما سابهوش ونزل يجيب قهوة، طلعوا لقوا الوضع ده... بس طارق مظلوم يا طنط، اتفاجئ بوجودها وباللي عملته كان مدبر والدنيا اتقلبت في البيت وكانت مجزرة هتحصل... منك لله يا سارة هو احنا ناقصين يا ربي... مش عارفة خطبها على إيه دي.
كل هذا ولم يدروا أن سلمى كانت مستمعة لكل حرف وكلمة دون أن يشعروا، فبمجرد سماع اسمه شعرت بقشعريرة تسري في جسدها لا تعرف سببها، ولفت سمعها لتنتبه لحديثهما.
أعادت رأسها والدموع متجمعة في مقلتيها لا تدري لما شعرت بالحزن والألم لما سمعت، انتبهت نور لتغير ملامحها في انعكاسها للمرآة أمامها لتنظر لسميحة بقلق وتدرك بأنها سمعت حوارها بالكامل... لتقترب منها بحذر واضعة يدها على منكبها محاولة تهدئة الوضع:
- طارق ما لوش ذنب يا سلمى... هي اللي طبت عليه زي ما سمعتي كده واتفاجئ بوجودها...
قطعت حديثها بحدة بلهجة لا تحتمل النقاش:
- مش عايزة أسمع سيرة الموضوع ده من فضلك يا نور... كفاية.
نظرت نور وسميحة لبعضهم البعض بحزن وقلق... فكل شيء كان يسير نوعًا ما على ما يرام وتهد كل شيء بلحظة ما سمعت... سلمى تنظر للمرآة ساهمة وحزينة فوق حزنها أضعاف، فلم تتوقع ما سمعت على الإطلاق من شخص خلال بضعة ساعات سوف يصبح زوجها.
رواية صفقة حب الفصل الثلاثون 30 - بقلم شيماء جوهر
كان لديه أمل ألا يتم كل شيء في موعده المحدد، أمل في ألا يخسرها، ليس حبًا بها، ولكن بناءً على رغبة والده أولًا قبل أي شيء. وبعد تفكير عميق، أدرك أن والده كان على حق، فتلك الشراكة مكسب لكليهما قبل أن تكون مكسبًا عامًا للشركة.
ولكن كل شيء الآن أصبح منتهيًا بمجرد أن ألقت بوجهه خاتم خطبتهما، وسعيها للزواج من المدعو طارق الإبياري الذي يكرهه بشدة، لأنه باعتقاده أخذ ما ليس من حقه، لديه قناعة كبيرة بأن سلمى لن تكون إلا له.
لم يكن يومًا الحب ضمن حساباته على الإطلاق، أو حتى الاهتمام بمشاعر الآخرين يعيره. هذا ما نشأ عليه منذ صغره، تربية حامد له على المال وجمعه، على التملك واكتساب ما لدى الغير بأي طريقة ممكنة. فلن ينكر بأنه كان على إعجاب بسلمى منذ البداية، وانجذابه بشخصيتها القوية، حتى شعر مع الوقت بالاختلاف الشديد بينهما ونقده لها في العديد، إلى أن شعر بالاختناق من تحفظها في الكثير من التصرفات والحديث بينهما، الذي يراه شيئًا مفروغًا منه بين أي شخصين بينهما علاقة رسمية، علاقة جادة تسمح له بالاقتراب منها كما أحب، ولكنها كانت على صد ومنع مستمر له، ومن هنا نشأ الخلاف بينهما على أتفه التفاصيل والأشياء. فلم تتحمل سلمى تجاوزاته وتغيره نحوها، ولم يتحمل عاصم صدها وأسلوبها الجاد والصارم معه، وتحفظها الذي يكون جزءًا لا يتجزأ من شخصيتها.
إذا، بعد كل ما مر، ستكون لرجل غيره، فكرة لا يتقبلها حتى الآن، على سبيل التملك أو إذا وجد بعد كل هذا ولو ذرة مشاعر تجمعهما. فلن ينكر أيضًا بأن سلمى أحبته في البداية كما أحبها، ولكن بدأ كل شيء يتغير بالتدريج إلى الأسوأ.
خرج من شروده على صوت قرع الباب ليدخل والده ويقترب منه، ليجده جالسًا أمام مكتبه يبدو عليه الضيق والغضب، ليقوم بسؤاله بمنتهى الهدوء:
- مش هتقوم تجهز ولا إيه؟
رفع رأسه ورد بمنتهى الاستنكار:
- أنت ناوي تروح ولا إيه؟
رد حامد بمنتهى الثقة وهو يجلس قباله ويضع ساقًا على الأخرى بكل هيمنة:
- طبعًا هروح، هي دي محتاجة كلام؟ وأنت هتيجي معايا.
قطب حاجبيه بضيق وطرق على سطح المكتب:
- وأنا بقى مش رايح، الجوازة دي على جثتي.
تحولت نبرة حامد إلى الصرامة:
- اعقل كده وخلينا نتكلم بالمنطق شوية.
صاح به بانفعال:
- منطق إيه وهي هتتجوز راجل غيري؟ عادي يعني المفروض أقبل وأباركلها كمان!
رد حامد بهدوء وثقة، فهو على يقين بكل كلمة يتفوه بها:
- بلاش تضيع كل اللي بنيناه في السنين اللي فاتت دي كلها بتصرف طايش منك، وفكر بعقل شوية، ممكن تسمعني للآخر.
زفر بشدة ليقول بحنق:
- اتفضل، عايز تقول إيه؟
استرد حامد حديثه:
- لو الجوازة دي متمتش زي ما هي هنخسر كتير جدًا، ومش بعيد سمعتنا في السوق تتهز. ثم دي جوازة مؤقتة لحد ما الصفقة تتم وهيطلقها. فاكر مثلًا إنه ممكن يستمر معاها وهما مش طايقين بعض بالشكل ده؟ دي هربت يا غبي يوم الفرح عشان متتجوزوش تقوم أنت زي الأهبل كده عايز تفركش كل حاجة! هاشم وعدني إنها فترة وهو ما هيصدق يطلقها وساعتها هتبقى ليك.
اقتنع عاصم نوعًا ما بحديث والده، ولكن رد بحنق:
- هو أنا لسه هستنى بسلامته لما يطلقها؟ أفرض الموضوع طول ولا حليت في عينيه؟
ضحك حامد بخبث:
- قبل ما يحصل كل ده حاول ترجعها تاني، لاغيها بكلمتين، زن في ودنها. هو أنا اللي هقولك تعمل إيه ما أنت راجل وعارف ازاي توقعها. كل بنت ولها سكة، وأنت وشطارتك بقى تنسيها طارق واللي جابوه.
ابتسم عاصم بخبث، يبدو أن فكرة والده راقت له كثيرًا، وسيبدأ من اليوم بتنفيذها.
********************
بعدما عاد إيهاب مرة أخرى، أخذ يفكر فيما حدث مع طارق، كارثة بكل المقاييس ولا يعلم كيف تجرأت وفعلت ما فعلت.
لقد جنت بالفعل وبكل تأكيد، ولا يعرف كيف مشاعره كادت أن تنجرف نحوها، كاد أن يضعف وهي تحاوط ذراعها عنقه محاولة الاقتراب منه أكثر فأكثر، وهو يحاول بقدر الإمكان أن يتجنبها.
فحمدًا لله دخول تهاني وإيهاب بالوقت المناسب، وفي ذات الوقت يلعن تلك النظرة التي نظرت له بها، وذلك الظن الذي أتى به أبواه، فلم يرد أن يراه أي منهما بهذا الشكل المشين على الإطلاق، موقف حرج ومشاعر متداخلة.
زاد الأمر تعقيدًا منذ آخر مشادة بينه وبين شقيقته نور، وغضب أبواه على سوء ظنه بها، وها قد ساء الوضع بما فعلته تلك الحمقاء المدعوة خطيبته، وذلك المشهد الذي على يقين إنه لا يمحى من ذهن أبويه بسهولة، ولا يدري ماذا يفعل في تلك الكارثة حقًا.
انفعالات كثيرة من طارق على إيهاب، يدرك جيدًا بأن لا ذنب له فيما حدث، ولكن لا يوجد من يفرغ به من ضيق ومشاعر مكبوتة سواه.
- مش قلتلك كلامها وراه مصيبة مصدقتنيش.
ظل يسير في الغرفة ذهابًا وإيابًا في غضب شديد، وكلما يتذكر مدى قربها منه لهذه الدرجة ينفعل أكثر من قبل:
- أنا بجد مش عارف إيه اللي بتعمله ده، ازاي يا ربي، لا دي اتجننت رسمي.
زفر إيهاب بنفاذ صبر:
- يابني اهدى بقى خلاص، اللي حصل حصل.
زاد انفعاله ليصيح به بغضب أكثر:
- وشكلي إيه قدام أهلي بعد اللي حصل؟ هو أنا ناقص يا ربي مش كفاية حوار نور تيجي هي كمان وتزود الطينة بلة.
كان إيهاب حقًا حزينًا لما حدث له، عقبات ومشاكل واحدة تلو الأخرى دون فواصل، يخرج من عقبة تندل قدمه فيما بعده، ليرد بتلقائية:
- سارة أي نعم جريئة وأنت عارف، بس عمري ما كنت أتوقع إنها تطلع هنا، لا ومن سوء حظك وأنت نصك بالشكل ده وأبوك وأمك يشوفوكوا بالمنظر ده، أحمد ربنا أن نور مكنتش موجودة بقى وإلا هتبقى كملت يا معلم.
انتبه طارق لجملته الأخيرة، وكأن أفعى كبيرة قد لدغته للتو، ليصيح به في قلق:
- لا نور مينفعش تعرف باللي حصل، هيبقى منظري إيه قدامها، ولو سلمى شمت خبر أنا مش ناقص الجوازة تبوظ.
تأمله إيهاب قليلًا ثم قال باهتمام وجدية:
- هو أنت بجد همك شكلك قدام سلمى لو عرفت حاجة زي دي يا طارق؟ ده أنت حتى ملكش ذنب في اللي حصل.
اندفع طارق بعد تفكير لبضعة ثوان وهو يفكر بها:
- أنت أهبل يابني، طبعًا يهمني شكلي قدامها، يرضيك يعني، (لا يعرف ماذا يقول، أو لا يعرف بأي كلمات تعبر فاسترد) معرفش.
لا يعرف ماذا يقول، لا يعرف ولا يدري بما يفكر، مشاعر متداخلة ومتشابكة، كأنه في حيرة كبيرة، دوامة لا يعرف كيف يخرج منها. إيهاب يشعر به، يشعر بأنه يخفي في داخله شيئًا ما ولا يريد أن يفصح عنه، أو لا يعرف كيف أو ما هو الذي يؤلمه بهذا الشكل.
فحاول إيهاب نبش ما بداخله لعل وعسى يساعده ويخرجه من تلك الحيرة ليقول بخبث:
- يهمك في إيه وهي أصلًا متفرقش معاك في حاجة ولا بتطيقها من الأساس، يهمك في إيه وأنت متأكد إنك معملتش حاجة غلط.
لا يعرف ماذا يقول، فقد هربت الكلمات والأحرف من طرف لسانه، تشابكت مشاعره في قلبه وأفكاره في عقله، ليقول في حزم:
- لا يهمني، محبهاش تاخد عندي فكرة زي دي وأنت عارف كويس إني مش كده، وزي ما قلت أنا مليش ذنب في اللي حصل، يا رب بس متكونش نور عرفت حاجة، زمانها مشغولة معاها.
بعد صمت دام لدقائق، جاءت لخاطره شيئًا ما ليتجه نحو الباب ويقوم بفتحه مناديًا لوالدته ولا يعرف إيهاب بماذا يفكر.
صعدت تهاني وقسمات وجهها دالة بشكل واضح وكبير على انزعاجها وغضبها، لتقول في جمود:
- عايز إيه، استر نفسك الأول.
زفر بحنق وبدأ يسأل:
- نور عرفت باللي حصل؟
ردت تهاني بنفس الجمود:
- وأنت كل ده همك؟!
تحدث طارق بنفاذ صبر، لا يريد أن ينفعل عليها:
- أيوه يهمني، أرجوكِ يا أمي جاوبيني.
زفرت تهاني لتقول بحزن وضيق:
- أيوه عرفت، لسه مكلماني من شوية ولقت صوتي مضايق فعرفت.
نظر لإيهاب بصدمة، يا للمصيبة، مسح وجهه بكفيه بعصبية، توقع بأن تكون قد قالت لسلمى بكل تأكيد شيء كهذا، ما لم يكن في الحسبان.
اندهشت تهاني من رد فعله، لا تعرف إن كان يهمه معرفة شقيقته بهذا الشأن أم لا، لتقول:
- مالك في إيه، خايف من رد فعل أختك لما تعرف ولا شكلك قدام سلمى؟ عمومًا متقلقش أختك مش ممكن تقولها حاجة زي دي عنك.
زفر بشدة وصوت أنفاسه غاضبة، فأدار ظهره حتى لا ينفعل ليتدخل إيهاب مسيطرًا على الموقف:
- خلاص يا طنط مجرد سؤال، أكيد يهمه يعني، سيبيه دلوقتي.
رمقتهم تهاني بتفكير وغضب وخرجت على الفور.
مسح وجهه بيديه وتنفس الصعداء ولا يدري أن كان ما تقوله تهاني قد حدث بالفعل، فهو غير مستريح على الإطلاق.
ربت إيهاب على منكبه وهو يحاول أن يمازحه:
- خلاص فكك يا عم الموضوع موصلش لسلمى.
نظر له بتأمل ليقول:
- بس أنا مش مطمن.
قاطعه إيهاب بمزاح:
- يادي النيلة، يابني أنت غاوي نكد وخلاص، ما لسه قايلالك بلسانها، ثم أنت مش عارف نور ولا إيه يعني، فك كده وأنجز عشان أنجز أنا كمان ونشوف هنعمل إيه بعد كده، يلا بقى متنحليش.
اطمئن قليلًا من حديث إيهاب، وبدأ في ارتداء ملابسه.
*******************
في المساء، قرابة الساعة السابعة مساء.
أصبحت كحورية في غاية الجمال آتية من عالم البحار، عالم آخر بدلالها وحسن جمالها وأناقتها. ذاك الرداء الأسود كأنه صمم خصيصًا لأجلها، طويل و"منفوش" بحرية، تلك الفصوص اللامعة أسفل صدرها ومرصعة على الجزء السفلي منه كالنجوم في وسط سماء كاحلة تشع جمالًا ورونقًا لا مثيل لها.
وشعرها الأسود المصفف للأعلى بطريقة أنيقة وجميلة للغاية، مثبت بمنتصفه ذلك الساتر المصنوع من القماش الحريري والدانتيل الأسود، مرصع بذات الفصوص على ردائها، يتدلى على منكبيها، لينير وجهها ذو البشرة الفاتحة التي يجمله بعض من مساحيق التجميل البسيطة والخفيفة للغاية، فقط تحدد ملامحها الطفولية كما طلبت سلمى، الأمر الذي جعل الفتاة التي كانت تزينها تندهش لطلبها ولأول مرة ترى عروسًا برداء الزفاف أسود اللون ولا تريد مساحيق تجميل كما تتجمل في مثل هذا اليوم البهيج.
ولكن على الرغم من بساطة زينتها ألا تبدو آية في الجمال، فهي لا تحتاج سوى ذلك ليبرز جمالها الطبيعي. كانت جالسة لا تتحدث كثيرًا إلا على قدر السؤال، ساهِمة وشريدة، تتأمل نفسها أمام المرآة، تخشى الدمع يزرف دون إرادة من مقلتيها ويثير انتباه من حولها، تكبت وتخفي أحزانها.
رغم زواجها بالإكراه، ولا الحديث عن طارق قد يثير اهتمامها، إلا إنها شعرت بغصة في قلبها لما سمعت من الحديث الدائر بين نور وسميحة، لا تعرف لماذا حزنت وشعرت بالضيق لهذا النحو، فهو لا يهمها بشيء على الإطلاق، ولا يفرق في حياتها أي شيء، إذًا لماذا تشعر هكذا؟ حقًا لا تعرف.
الآن أصبحت جاهزة، ملكة جميلة متوجة برداءها الأسود، تنظر لها سميحة ونور باسمتين، تشعران بما تشعر به، تحاولان مواساتها بكل الطرق بأن كل شيء سوف يكون على ما يرام، سوف تكون بخير وسوف تكون أجمل عروس اليوم.
اقتربت منها سميحة وقبّلت جبينها والدمع كاد أن يزرف من مقلتيها:
- بسم الله تبارك الرحمن.. زي فلقة القمر يا حبيبتي.. ربنا يسعدك ويعوضك كل خير في اللي جاي يا سلمى.. أتمنى من كل قلبي تكون بداية صفحة جديدة من حياتك.. فريدة لو كانت عايشة هتكون أسعد واحدة في الدنيا دي وهي شايفاكِ عروسة زي القمر كده.
دمعت أعين سلمى تأثرًا بما تقول عمتها، كانت تتمنى الكثير من أجل هذه اللحظة لترد بكل ألم وحزن:
- أمي لو كانت عايشة مكنش جرالي كل ده.. كنت اتجوزت زي أي بنت من الإنسان اللي بحبه واللي أتمنى أكمل معاه باقي عمري.. كنت لبست فستان أبيض اللي كل بنت بتتمنى تلبسه في يوم زي ده.. كانت حاجات كتيرة هتفرق أوي يا عمتو.. أوي.. بس الحمد لله على كل حال.
قبّلتها وسقطت الدموع من مقلتيها وقلبها يعتصر ألم:
- حاسه بيكِ يا حبيبتي.. مفيش قدامنا إلا نرضى بالمكتوب ونعيش الأمر الواقع اللي اتفرض علينا.. وأنا متأكدة أن ربنا هيعوضك كل خير يا سلمى.. يمكن احنا مش شايفين حكمته دلوقتي بس هنعرفها بعدين.. ربنا يسعدك يا بنتي وعقبالك يا نور.
لفظت تلك الأخيرة وهي تنظر لنور التي كانت تبكي تأثرًا في صمت، تشعر بالنار التي تكوي صدرها ولا تعرف كيف تهدئ من روعها، ابتسمت لتقول بحب وصدق:
- إن شاء الله يا طنط..
ثم وجهت حديثها لسلمى:
- فكي بقى عشان خاطري.. كل حاجة هتكون كويسة أنتِ خلاص هتخرجي من حبستك مش مبسوطة ولا إيه.. طارق مش وحش أوي كده يا سلمى..
قبّلتها من وجنتيها وقالت مازحة:
- ربنا يستر ونعرف نسلكه من تحت إيدك بعد كده.. هو اللي هيجي يشتكي منك.
ابتسمت سلمى رغمًا عنها ومسحت الدمعة المتساقطة سريعًا لتصيح بها نور مازحة:
- أيوه كده يا شيخة فكي.. بقولك إيه نستغل الفرح ده ونفرح كده ونفرفش وفكك من طارق.. مش هو أخويا؟.. بس فكك منه خلينا كده نضحك وننبسط.
ضحكت سميحة على طريقة نور:
- جاتك إيه يا نور.. هم يضحك وهم يبكي صحيح.
ضمتها نور لصدرها وتمسكت بها سلمى جيدًا كأنها تحتمي بها وتخشى ما قد تراه في الأيام القادمة.
*********************
في تمام الساعة السابعة والنصف كان طارق على أتم استعداد لمغادرة المنزل متجهًا إلى الفيلا التي تمكث فيها عروسه حاليًا.
كان في كامل أناقته بتلك الحلة قاتمة السواد، وربطة عنقه ذات اللون، على كل حال يبدو وسيمًا للغاية بشعره الأسود المصفف للخلف بعناية، ووجنتيه الملساء التي زينت ببسمة مصطنعة حتى يصير ما خططا إليه جيدًا وينتهي هذا الكابوس دون أي خطأ ما يمكن أن يحدث.
اكتملت سخريته والأحداث المتعاقبة في بداية هذا اليوم العجيب عندما وجد سيارته مزينة بالورود والزينة، كأي سيارة مخصصة لزفاف أي عروسين.
بالفعل كان إيهاب مترقبًا رد فعله وتعبير وجهه لما سيراه لتنفلت تلك الضحكة على حاله، فلينظر له طارق بغضب ويصيح به ساخرًا:
- أهو ده اللي كان ناقص.. ورد يا إبراهيم جايبلي ورد!!.. محسسني إني هتجوز بجد.
يضحك إيهاب بهستيريا على نبرة ولغة جسد طارق، ليشاركه تلك الحالة من الكوميديا السوداء ليقول مازحًا:
- ماله الورد.. ما تفكيها بقى يا يسرية.
اقترب منه بغضب وكاد أن يقوم بضربه، ليركض إيهاب وهو لم يستطع أن يسيطر على ضحكاته ويجلس في مقعد القيادة ليشرع بالتحرك على الفور وهو يقوم بمداعبة طارق واستفزازه قصدًا.
*******************
على الرغم من الخلاف الكبير الذي ظهر مؤخرًا لأمير نحو هاشم، وعدم موافقته أو رضائه عن تلك الزيجة أو عن تلك السرعة المتناهية لإتمامها، فهو على غير استعداد أن يساهم فيها ولو بقدر بسيط، وهو يعلم جيدًا أن ما يفعله كنوع من المشاركة في مصير سلمى المحتوم.
ولكن بناءً على طلب السيدة سميحة، بعد الرجاء والإلحاح الشديد وافق على مضض أن يقف بجوار هاشم ويساعده في ترتيبات حفل الزفاف، وكل شيء يندرج في النهاية لمصلحة سلمى، كي يمر اليوم على خير وينتهي ذلك الكابوس وذلك الحصار أو السجن بمعنى أصح، وتخرج من تحكمات أبيها، فاقتنع بذلك حبًا لمساعدتها وحبًا أن يراها سعيدة ولتعيش حياة طبيعية.
وبالفعل أشرف على الترتيبات بنفسه وكانت سلمى تشعر نوعًا ما بالراحة لوجوده هنا مع أبيها.
بدأ الضيوف بالوفود، الكثير منهم من كبار رجال الأعمال وشخصيات ومعارف هامة أغلبها طرف هاشم أكثر من محمود، الذي رحب بضيوفه وارتسم على وجهه بسمة مزيفة عكس ما يحمله في قلبه من حزن على هذا اليوم الذي كان يتمناه منذ زمن كأي أب يحلم أن يزوج ولده الوحيد.
ليكون هاشم على العكس تمامًا، السعادة تنطلق من وجنته اليمنى ممتدة لليسرا، فقد حقق مبتغاه في النهاية وهو المنتصر المستفاد من كل ما حدث.
ليشعر محمود بالغيظ الشديد في داخله، وتحاول تهاني على قدر الإمكان أن تتحامل أحزانها وتواسي زوجها ليمر اليوم على خير وتزيح عنه سخافات هاشم.
وصل طارق فيلا هاشم بصحبة إيهاب الذي يدعو من صميم قلبه أن يحافظ صديقه على انفعاله، لأنه مازال غير مطمئن لهذه الليلة على الإطلاق، خاصة بعدما شاهد بنفسه رد فعل تلك الحمقاء وإنها كانت على يقين وتأكيد لما تقول، والحوار الأخير الدائر بينهم يقول بأنها على أتم استعداد لبدأ حرب بينها وبين سلمى وطارق، فيدعو الله بالستر على كل حال.
وجد أبواه بالفعل في انتظاره، وقد تفهم جيدًا عدم انتظار أي منهم بعدما حدث هذا الصباح وقرر أن يتجاهل الأمر حاليًا وألا ينظر إليهم في الوقت الراهن ليتحامل على نفسه قليلًا بعد.
ليجد هاشم يترك ضيوفه ويقترب نحوه مرحبًا به بحرارة، وهو يغيظه كثيرًا على هذا الزيف البارع، فمد يداه فيضطر طارق أن يصافحه حفاظًا على المظهر العام ولكن بوجه خالٍ من المشاعر، ليرحل بعدها هاشم ويقترب نحوه العديد من الضيوف سواء من طرف والده أو من هاشم، وعلى ثغره ابتسامة مصفرة مصطنعة ويرحب بهم، ليشعر الحضور بأن هذه زيجة طبيعية تمامًا، ولكنه قلق بشأن رد فعل زوجته المستقبلية.
الجو بدأ بالازدحام نوعًا ما وكل من هو قادم يقبل عليه ويبارك له، ليخطف هو بعض النظرات على والديه الذين كانوا منشغلين مع الحضور بشكل ملحوظ.
همس إيهاب وهو يقف بجانبه:
- شكل أبوك وأمك مش طايقينك بجد.
اصطنع البسمة ليرد وهو ينظر أمامه مرحبًا بالحضور:
- أومال أنت فاكر إيه.. ده شوية وهيولع فيا.. خلي الليلة دي تعدي على خير.
رد إيهاب وهو يشعر بالتوتر:
- اثبت أنت بس وكله هيبقى تمام.
مر على هذا الحال قرابة عشر دقائق والجميع يرحب بالحضور بابتسامة زائفة ومن الداخل لكل منهم قصة مؤلمة إما يحملها مع نفسه أو يشاركها مع الآخرين، هذا بالطبع لا ينطبق على هاشم الذي ارتسمت على وجهه السعادة المفرطة وقلبه من الداخل يقفز فرحًا لنيله ما يبغاه في نهاية المطاف والكل نفذ ما خطط له رغم العقبات، ولكن بالرغم من معارضة الجميع له فقد وصل في النهاية.
إلى أن جاء عاصم بصحبة والده الذي استقبله هاشم بحفاوة، فتلك الصفقة وشرطها اللعين جعلت العلاقة تهتز قليلًا بينهم، ولكن ذكاء هاشم الاجتماعي جعله ينقذ الموقف بكل سهولة ويميل حامد السيوفي في صفه وتعود المياه لمجاريها، بنفوذه وقوة لسانه استطاع إعادة كل شيء ولكن فشل مع محمود، هو الوحيد الذي لم يستطع التأثير عليه بخلاف أبنائه بكل تأكيد.
كان عاصم يشتعل أشد اشتعال من داخله وهو يرى تلك الحفلة الفخمة مقامة لذلك الطارق اللعين الذي سحب منه كل شيء في غمضة عين دون أي مقدمات، ولكن كما قال له أبوه بقليل من الذكاء والحيلة يستطيع نيل قلب سلمى واتجاه مشاعرها نحوه مجددًا إن كانت موجودة منذ البداية.
عيناه تتفحص المكان بأكمله ويا لها من ميزانية ليست بقليلة على إقامة هذا الحفل كأنه مقام في إحدى القاعات بفنادق السبع نجوم! إلى أن لمح طارق يقف بعيدًا عن الأنظار يرحب بالحضور، وعيناه تطلق شرار وغضب عند رؤيته بهذا الشكل.
إيهاب وهو يتجول بعينيه على الحضور لمح عاصم بصحبة رجل في أواخر الخمسين يصافح هاشم ونظره منصب على طارق بشدة، قلق أن يدور حديث بينهم وينشب بينهم اشتباك، فكل منهم يكره الآخر بشدة.
فنكزه إيهاب بذراعه بتوتر:
- ألحق صاحبك هنا.. منزلش عينه من عليك من أول ما وصل.
ابتسم طارق ووضع كلتا يديه داخل بنطاله وهو ينظر له بابتسامة استفزازية مليئة بالتحدي والسخرية، على قصد مضايقة عاصم بهذه النظرة بعدما كان يسخر منه بنظرته عندما تلاقت أعينهم، فلم يكن يعرف أنه تأثر بها بهذه السرعة إذا فهو يبغضه بشدة. فأخذ يفرك في عينيه بعد أن رمقه طارق نظرة جعلته يشيط ويزداد غضبه أكثر.
كل هذا وإيهاب كان يشاهد بحذر رد فعل كل منهم وتفاجأ كثيرًا برد فعل طارق الذي توقع منه أن يثور مجرد رؤيته ولكن هذا خالف كل توقعاته.
لاحظ طارق حملقة إيهاب له، فنظر له مستفسرًا:
ـ مالك متنحلي كده ليه؟
رد إيهاب ببلاهة:
ـ مكنتش متوقع منك الهدوء ده كله أول ما تشوف عاصم بصراحة.. جاه في بالي إنكوا هتشدوا مع بعض وتحصل عركة.
لم يحتمل طارق تفكير صديقه ليضحك بشدة، فتلك الضحكة وبرغم من أن عاصم لم يفهم معناها ولكنه شعر بأنها موجهة له زاد كرهه وحقده اتجاه طارق أكثر وأكثر، الأمر الذي كاد أن يدفعه للتقدم نحوه ويقوم بقتله في الحال، ولكنه اكتفى بالرحيل وهو في قمة غضبه.
فنظر له طارق ولا يزال يضحك:
ـ ده أنت قديم أوي يا إيهاب.. مين ده إللي أعمله قيمة وأتخانق معاه طالما هو بعيد عني؟.. مجرد ما بيشوفني بيولع لوحده، ايش حال لو كلمته بقى.
رفع إيهاب إحدى حاجبيه دهشة وعدم تصديق على تغير تفكير صديقه وتلك الحرب الباردة التي يلعبها بصمت، فصفق له بإعجاب قائلًا:
ـ لا حلوة وجديدة يا برنس.. حقيقي أبهرتني.. إيه يابني الدماغ دي أنت مكنتش كده ولا ليك في الحرب الباردة أبدًا.
لينظر له طارق بجدية وحزم:
ـ الحرب الباردة بدأت من زمان والكل بيحارب فيها.. اللي بيستسلم ويسيب المشاعر تتغلّب عليه هيموت ويخسر كل حاجة.. الخلاصة ازاي تكون محارب بارع وتستنزف عدوك بهدوء والجدع اللي يضحك في الآخر.. هو اللي بدأ من الأول يستحمل بقى وما يفكرش إنه في يوم هيوصل للي عايزه طالما أنا في وشه.
إيهاب بدهشة من حديثه:
ـ اللي حصل غيرك أوي يا طارق؟
نظر له وبابتسامة صغيرة:
ـ أنا متغيرتش يا إيهاب.. كل الحكاية أن اللي حصل فتح عينيا على حاجات كتير.. ولا تزال الحرب مستمرة يا صديقي.
زفر إيهاب بشدة وحيرة:
ـ ربنا يستر من اللي جاي.. بس خف اللعب شوية.
اكتفى طارق بابتسامة صغيرة له ثم قال بجدية:
ـ تعالى نشوف آخرة اللي احنا فيه إيه عايز أخلص.
ليضحك إيهاب بشدة ويقول له بصوت متقطع من الضحك:
ـ شكلك مش مكتوبلك راحة ولا خلاص يا صاحبي.
دفعه طارق بضيق ليصيح به:
ـ ليه كده يا فقري.. ثم بتضحك على إيه يا أهبل أنت؟
رد إيهاب بنفس الحالة وهو يشير لبعيد:
ـ شوف كده وأنت هتفهم لوحدك.
نظر طارق إلى مكان ما يشير إليه إيهاب ليرى سارة تقف بعيدة عنهم قليلًا وعيناها غاضبة ومصطنعة الحزن، فعيناها كانت تبحث عنه في كل مكان منذ وصولها، تشاهد فخامة الحفلة وكانت تتخيل بأنها من المفترض أن تكون زوجته في هذا اليوم، كل ما تراه مقيم لأجلها هي.. فكيف تراه يتزوج من فتاة أخرى وهي تشاهد بصمت، فما فعلته هذا الصباح لا يشفي ما بداخلها ولهذا قررت القدوم إلى هذا الحفل لتفكر ماذا تفعل وكيف تقوم بمضايقة سلمى قدر ما استطاعت.
زفر طارق بشدة وقد أدرك بأن سارة وغيرتها المفرطة لن تجعل مرور اليوم مرور الكرام، فلم تكتفِ بتلك الحركة الجريئة ولا يعلم بماذا تنوي.
المشهد كان مضحكًا لإيهاب، رؤية كل منهم عقب الآخر بلا فصال.. ولكن هو لا ينسى ما حدث بينه وبين سارة بعد ذلك الأمر الذي حدا به أن تتغير معالم وجه إلى الضيق لينتبه على صوت طارق:
ـ شكل سارة ناوية ما تجيبهاش لبر.. تعال نشوف وصلوا لإيه خلينا نخلص من الهم ده.
*******************
ذهب طارق وأتبعه إيهاب وتقدم نحو والديه الذين يقفون بصحبة هاشم وولده، وحامد السيوفي وعلى رأسهم عاصم، الذي كانت كل نظرة منه لطارق كان يشعر بها ويتصنع اللامبالاة ليثير غضبه أكثر وأكثر.
إيهاب يتابع والقلق يصيب قلبه من أفعال صديقه غير المحسوبة حتى، فلم يستطع عاصم تحمل أكثر من ذلك وإلا سوف يقوم بارتكاب جريمة للتو.
فغادر التجمع في الحال، ليوقفه حامد لينظر إليه في تعجب متسائلًا:
ـ إيه يا ابني رايح فين؟
رد عاصم ونظره منصب لطارق بنظراته الحارقة:
ـ رايح أشرب سيجارة في حتة طراوة ألا المكان هنا بقى خنقة.
بينما ابتسم طارق ابتسامة جانبية ساخرة، خافتة، لم يلاحظها سوى صديقه الذي لم تروق له تصرفاته تلك، لأول مرة يشعر بأن هذا ليس بطارق الذي طالما يعرفه.
تجاهل نظرات والديه المعاتبة ووجه نظره وحديثه إلى هاشم ليقول ببرود وجدية:
ـ مش هنخلص بقى.. كلمت المأذون؟
رد هاشم بفرحة ومزاح قائلًا:
- كلمته وجاي في الطريق.. إيه يا عريس مستعجل ولا إيه.
اصطنع طارق الابتسامة ليقول بجدية:
ـ فوق ما تتصور.. عايز أخلص من الهم والكارثة إللي اتحطيت فيها بسببك.. أنا كان مالي ومال الصفقة المهببة دي.
تدخل محمود وصاح به منبهًا إياه:
ـ خلاص يا طارق مش وقته الكلام ده.. إللي حصل حصل.. عدي الليلة دي على خير.
لتنقلب قسمات وجه هاشم للضيق:
ـ واللي جايبالي الفضايح دي تركز وما تبوظش كل اللي وصلته وإلا يومها مش هيعدي.
رمق لأبيه كي ينتظر ثم انتقل ببصره لهاشم بتحدي وبنبرة أشبه بالتحذير:
ـ حلو أوي.. سلمى بعد شوية هتكون مراتي.. يكون في علمك مهما عملت أو سوت لو فكرت إنك تأذيها ولو بشعرة واحدة بس أنا اللي هقفلك.. ومش هسمحلك يا هاشم يا جوهري إنك تمد إيدك على مراتي تاني وأنا موجود.. كفاية أوي لحد كده.
اندهش يوسف وأمير، الذي اقترب إليهم بعدما انجذب لحديث طارق ولم يصدقا ما سمعه للتو.
لا يعرفون ما يكون تفسير كلمات طارق، أمن الممكن تكون مشاعر له من ناحيتها؟ ولكن لا يمكن أن يحدث ذلك، فهو منافٍ تمامًا لبداية الحوار.
ليشعر يوسف كم هو مقصر وعاجز من ناحيتها، فقد استطاع طارق مهما يكن فهو غريب عن شقيقته، استطاع أن يواجه ويتحدى بكل جراءة وقوة والده.. بينما هو لم يستطع أن يصمد فيما كان ينوي بداخله لها.
فأمير وإيهاب ليسوا الوحيدين الذين اندهشوا من رد طارق، بل ما تبقى خاصة والديه.. فلا يعرف محمود كيف لطارق أن يتهور ويتحدث لهاشم بهذه الطريقة، ولكن من داخله لا ينكر إنه فرح من هذه الخطوة.
كاد أن يرد هاشم بعدما تحول وجهه جمرة من النار من الغضب على تلك النبرة التهديدية ليتدخل محمود سريعًا قبل أن تسخن الأحداث وتثور المشكلة ليصيح:
ـ طارق!!.. من الأفضل يا هاشم أنك تطلع تجيب سلمى نستعد عقبال ما المأذون يجي.
هنا انتبه الجميع على صوت أمير وهو يقول في اعتراض:
ـ لا.
صاح به محمود في عنف:
ـ أنت بتقول إيه!!
عقد ذراعه وقال في ثقة بابتسامة صغيرة:
ـ مش أنا اللي بقول.. ده طلب سلمى.. عايزاني أنا أو أستاذ محمود إللي يسلموها.. إنما أنت.. لا..
حالة من التوتر والإحراج أصابت الجميع، ليبرر محمود الوضع:
ـ ازاي بس وأبوها موجود.. عايز الناس تتكلم وتقول إيه.
ابتسم أمير وقال في ثقة مرة أخرى:
ـ ده شرطها وإلا.. أنتوا عارفين سلمى ممكن تعمل إيه.
صاح هاشم بعنف وغضب شديد من تصرفات تلك الملعونة الصغيرة:
ـ لا دي هربت منها.. بتهددني بنت فريدة.. بتلوي دراعي.. عايزة تعرني تاني قدام الناس.. شكلها محتاجة قلم تاني عشان تفوق.
كاد أن يذهب بخطوات سريعة إليها ليوقفه طارق ممسكًا بذراعه بقوة وهو يقول بنبرة هادئة، ولكن حاسمة وتهديدية لأقصى درجة ممكنة:
ـ مش قولتلك إياك تمس شعرة منها وأنا موجود.. ولا كلامي ما تسمعش؟
صاح به محمود بغضب وثقة:
ـ ألزم حدودك يا طارق.. لسه ما بقتش مراتك.
كاد أن يرد طارق وعلى وشك الحرب البدأ بينهم سحب يوسف الذي كان يراقب الحوار من البداية في صمت تام أمير ليفض النزاع الذي نشب بينهم:
ـ أمير.. اطلع هات سلمى.. يلا.. كفاية المعازيم بدأت تتفرج علينا.. يلا مستني إيه.
رمقهم نظرة أخيرة قبل أن يرحل عنهم جميعًا، ليرتسم ثغر طارق ببسمة انتصار جانبية وهو ينظر إلى هاشم بتحدي والأخير يشتعل غيظًا.
********************
ابتسم ساخرًا عندما شاهدها تقف بعيدًا وعيناها لم تتنحَ ولو ثانية واحدة ناحية طارق، مما اشتعل الغيظ في داخله أكثر من قبله.. حتى هي أي كانت علاقته بها تهتم لشأنه، ما المميز به حتى ينصب كل شيء في محوره، لو كان بيده أن سحقه لفعل.. عن قريب.
اقترب منها وقال ساخرًا دون الالتفات إليها:
ـ اهدي على نفسك شوية يا حبيبتي ألا حد ياخد باله.
ابتسمت ساخرة وردت قائلة:
ـ شوف مين اللي بيتكلم.. اتكلم عن نفسك الأول.. ما شفتش أنت كنت بتبصله ازاي!!.. ولو عليا أنا خطيبته في الأول وفي الآخر.. إنما أنت بقى...
رمقها بغضب ليقول بنبرة لاذعة:
ـ ما تلمي نفسك يا سارة.. أنتي نسيتي بتكلمي مين؟
صاحت به غاضبة:
ـ جاي تتشطر عليا أنا؟!.. روح اتشطر على اللي خطفها منك.
قذفت في وجهه تلك الكلمات لتفتح بابًا لن ينغلق أبدًا، باب أساسه الشر والكره أشد وأشرس من قبل.. ليزداد الانتقام أكثر من قبل.
******************
تدخل نور من الشرفة مهرولة وهي تصيح إلى الداخل:
ـ المأذون وصل.. المأذون وصل.
بمجرد أن سمعت سلمى لتلك الجملة لتشعر بجمود لدمها.. قشعر جسدها من أعلى رأسها لأخمص قدميها.
لا تعلم أن النهاية قد ولّت، كل شيء أصبح مشوش أمام عينيها حتى صخب الموسيقى مجرد صدى صوت آتٍ من بعيد.. إلا قلبها يدق بعنف شديد فلا تسمع سواه، يداها ترتعش والبرودة تسري في أنحاء جسدها الصغير، لتزداد تقلصاتها عما كانت منذ قليل.
فابتلعت غصتها بصعوبة وكتمت عبراتها داخل مقلتيها قدر الإمكان.. لتلمع عين سميحة هي الأخرى بالدموع، فمسكت يديها لتمدها بالأمان وإنها ليست وحيدة.
نظرت سلمى إليها وعيناها تتحدث بكلمات كثيرة منها الرجاء وعدم تركها وحدها، لو كان بإمكانها الفرار لفعلت، ولكن فات الأوان.. يجب أن تنهي ما بدأت به.
انتفض جسدها عند سماع قرعات الباب، لتذهب نور لتفتح الباب وقلب سلمى يدق بشدة، ثوانٍ معدودة وعادت نور بصحبة أمير فتنفست الصعداء وحمدت ربها بأن تصوراتها كانت خاطئة.
ابتسم أمير بصدق فقد يراها لأول مرة فاتنة وهي عروس، اقترب نحوها وما زال محتفظًا بتلك البسمة المرسومة على شفاتاه لطمأنتها ويقول بنبرة هادئة:
ـ جاهزة؟
في داخلها تصرخ وتقول لا.. لا أريد، لتعود لواقعها ومقلتيها امتلأت من العبر كادت أن تسقط على الفور ولكنها تماسكت، لتهز رأسها بإيجاب وهي تصطنع البسمة.. شابكت ذراعها بذراعه وخرجوا من الغرفة وهي تقدم قدمًا وتؤخر الأخرى في غاية القلق والتوتر، يتبعهم نور وسميحة.
لم يصدق عينيه مما رآه، لم يرَ جمالًا في أي فتاة كما يراها اليوم أمامه، تمامًا كحورية تخرج من بين الأمواج العاتية لتسير على شط المحيط تلفت نظر كل من رآها.
رقيقة بمعنى الكلمة برداءها الأسود "المنفوش" وفصوصه الفضية اللامعة كأنها كتلة من النجوم في سماء الفضاء الكاحلة، تسير أمامه في رزانة وهدوء شديدين لم يرها بهما من قبل..
تقابلت عيناهما وهي تقترب نحوه ليغرق في بنيتها التي تنظر له وتصرخ بألف كلمة، نظرة تحدٍ لم يرها في عينيها من قبل، غضب خفي ولكنه يشعر به. عتاب واضح على ملامحها الجامدة التي لا يعرف إن كانت سعيدة أم حزينة، لم يستطع بعد قراءة وجهها الصغير، فقد يذوب في عينيها ويشعر بخفقان قلبه لأول مرة يدوي بشدة مثل هذه اللحظة.
خرج من شروده على صوت أمير لينبهه بأنهم أمامه مباشرة ولا تزال عيناهما تتلاقي.
على صعيد آخر كان الحضور في اندهاش من رداء الزفاف الخاص بسلمى، خاصة هاشم الذي كاد أن يفلت غضبه عليها أمام الحضور. ما الذي ترتديه يوم عرسها؟ أسود؟!
سلمها أمير إياها، لتتشابك ذراعها به بدون أي كلمة، ليقترب أمير هامسًا بجانب أذنه: "طوق نجاة". ليعود لما كان وينظر له في دهشة وعدم فهم من تلك الكلمات، كأنها شفرة وعليه فهمها.
ذهبوا جميعًا إلى طاولة متوسطة الطول والعرض، يجلس في منتصفها المأذون وعلى طرفيه تجلس سلمى بجوار هاشم وطارق بجوار محمود في صمت تام بينما يقوم الأول بتجهيز الأوراق والإجراءات وبدأ بمقدمة صغيرة عن الزواج وأصوله وحقوق كل من الزوج والزوجة لبعضهما البعض. وجاءت لحظة تشابك أيدي هاشم بمحمود لعقد القران، فالأخير مضطر أن يضع يديه بين يديه ولكن ما باليد حيلة.
انتهى عقد قرانهما وأصبحت سلمى زوجته شرعية له أمام الله والقانون والناس أجمعين، بمجرد سماع جملة "بارك الله لهما وبارك عليهما وجمع بينهما في خير" أصابتها رعشة في جميع بدنها، كأن سكينًا طعن في صدرها وأدركت الختام.
أخذها وجلسا في المكان المخصص لهما في صمت شديد، لتسمع صرصار الحقل من شدة صمتهما. تفكر فيما يحدث بعد قليل عندما تصبح معه بمفردها. نظر إليها ليقول بابتسامة زائفة دون أن ينظر إليها:
ـ افردي وشك ده بدل ما أفردهولك.
زفرت سلمى بشدة وردت بهدوء:
ـ عدي ليلتك يا طارق.
ابتسم ساخرًا:
ـ وإن معدتهاش يا سلمى؟!
نظرت له في تحدٍ وهدوء شديد:
ـ ما بلاش أحسن، رد فعلي مش هيعجبك.
التفت إليها ليصيح بغضب:
ـ ما بتهددش يا سلمى، وأنتِ عارفة كده كويس.
زفرت بشدة وتماسكت لتستأنف حوارها الساخن معه:
ـ ولا أنا، شوف مين بدأ الأول، والبادئ أظلم.
صاح مرة أخرى بتحدٍ وضيق:
ـ هي بقت كده؟!
ردت سلمى بنبرة باردة مما أثارت استفزازه:
ـ ما أنت اللي جريت شكلي عايزني أقولك إيه يعني.
شعر بقنبلة تنفجر برأسه، لأنه طالما حذرها من تلك النبرة التي تتعامل معه بها حتى الآن، فصاح بغيظ شديد:
ـ هو أنتِ مفيش فايدة في لسانك ده أبدًا، أعملك إيه ضاربة بوز شبرين، الناس عينهم علينا.
ابتسمت ساخرة:
ـ شوف اللي ضحكته من الودن دي للودن دي، ما تقول لنفسك.
زفر بشدة ورد بنفاذ صبر وهو يتمالك أعصابه:
ـ اللهم طولك يا روح، مشوفتش في برودك.
ردت ساخرة وهي بداخلها تضحك بشدة بأنها أثارت استفزازه:
ـ من بعض ما عندكم.
جز على أسنانه بشدة وهو يتمالك أعصابه لآخر لحظة حتى لا يتهور عليها. يا لها من شخصية استفزازية بلا حدود.
ابتسمت بخفوت وهي تبدأ معه الحرب الباردة التي أقسمت عليها من قبل، ستجعله يرى النجوم في وضوح الشمس.
******************
منذ أن رآها تسير خلف سلمى لم يستطع تجاهلها، دون إدراك عيناه تتبعها، ما باليد حيلة. فقد اشتاق إليها حقًا وكم كانت جميلة اليوم رغم الحزن الظاهر في قسمات وجهها محاولة منها إخفائه بقدر الإمكان. يريد أن يذهب إليها ويتحدث معها ويرى الخجل يركض من عينيها كلما نظر لعينيها، لا يستطيع أن يفعل بعد الآن وهذا أكثر ما يؤلم في المجمل. الشيء الذي طالما تمناه أمامه ولا يستطيع مد يده للحصول عليه.
حتى لحظة عقد قران أشقائهما كان يتمنى لو كانوا مكانهما. يا له من حلم بعيد صعب المنال، ولكن يجب ألا يضعف أمامها، فكلما شعر بالحنين إليها يتذكر كلمات طارق له ليفق من أحلام يقظته، فحاول بقدر الإمكان أن يتجاهل وجودها أمامهم كي يرتاح وهو يعرف بأن بعدها ليس براحة.
تتمنى ولو يأتي إليها ويتحدث معها مثلما يفعل دائمًا، يستمر تكرار هذا السؤال في عقلها "لماذا تغير معها وأصبح بهذه القسوة؟" ماذا فعلت لتستحق تلك المعاملة الجافة منه؟ لماذا يخسف بقلبها سابع أرض بدون أي مقدمات؟ لماذا يجني عليها ويتجاهلها بهذا الشكل؟ حسنًا كما يريد فلتقوم بذلك هي الأخرى، لتعود تتجاهله مثلما كانت تفعل من قبل ولن تأتي على قلبها مرة أخرى. هو من بدأ فليتحمل النتيجة إذا.
ولكن لا يعرفان بأن شخصًا ثالثًا كان يتابعهما باهتمام شديد في صمت، وشعر بأن يوجد شيئًا ما بينهما.
*********************
تخيلت للحظة أن نفس الجملة التي أطرقت آذان سلمى هدمت كل شيء بينها وبين طارق، لا تعرف إن كانت حقًا تحبه أم لا؟ كل ما تعرفه بأنه ملك لها وحدها دون شريك أو منافس. لا تتصور أن حياتها ستتغير إن فكر طارق للحظة أن يكن لها مشاعر، فلن يكون لها أي دور أو مكان في حياته. لذلك سوف تعمل جاهدة كي لا يحدث شيء من هذا. فالنار بداخلها وفي عينيها سهام حارقة وهي تنظر له وهو يجلس بجانبها هكذا، فقد أصبحت زوجته وهذا أكثر ما يثير غضبها. فلن تتركها هنيئة بمثل هذا اليوم.
الضيق والغضب طالما مس عقله قبل قلبه منذ اللحظة الأولى أن رآه فيها، يندم ندمًا شديدًا بأن الرصاصة أصابت منكبه ولم تمر لقلبه، فلما كانوا وصلوا لهذا الحد. فقد يصل إلى ما يبغاه سريعًا إن ظلت سارة بجانبه، ففي نهاية المطاف سبيلهم واحد.
*******************
اقتربت منهم في ثقة بالغة لا تعرف من أين حصلت عليها، ولكن عليها تنفيذ خطتها كاملة كما رسمت.
وصلت ووقفت أمامهم وعلى وجهها بسمة عريضة مصطنعة، لم يكن طارق على يقين بالخير عندما لمح سارة تقترب نحوهم، يكفي ما سمعته سلمى عنه اليوم وحتى هذه اللحظة لا يعرف تبرير ما حدث.
ما يشغل تفكيره في الوقت الحاضر أن لا يحدث صراع بين زوجته وخطيبته في جميع الأحوال، يبحث بعينيه عن إيهاب الذي لا يعلم أين اختفى في مثل هذا الوقت وقد قام بتنبيهه من قبل.
لاحظت توتر طارق عندما لاحظت اقتراب سارة نحوهم، للحظة تذكرت الحوار الدائر بين نور وعمتها، شعرت بغصة في حلقها ونغز في قلبها لا تعرف سببهما، كل ما تعرفه بأنها تشعر بالضيق وعدم الراحة بمجرد رؤيتها.
ـ مبروك يا عروسة.
تلك الجملة التي تفوهت بها سارة ببسمة مصطنعة للغاية ولا تعرف بأنها بداية حرب باردة، لتقوم سلمى بالرد ببرود بدورها:
ـ ميرسي، عقبالك.
ردت سارة بنبرة مستفزة وباردة بعدما ضحكت بدلال وهي تنظر لطارق وتقوم بغمزه:
ـ إن شاء الله قريب أوووي على فكرة، لولا اللي حصل كنت زماني أنا مكانك.
نظر لها طارق بضيق وحذر، ويخشى رد فعل سلمى لما قالت. التي كادت أن تقتلها وهي تراها تغمز له بدلال بهذا الشكل، ولكن تمالكت أعصابها وقامت بالرد بكل هدوء وسخرية وبرود:
- معلش good luck.
لن تنهزم أمامها أبدًا، فقد أثارت استفزازها هي وليس العكس، فابتسمت بخبث وقالت:
ـ شيك أوي فستانك، بس مش غريبة عروسة زيك يوم فرحها تلبس أسود؟
لقد فهمت ما تنوي عليه ولن تدعها تحصل على مرادها منها لترد ساخرة وبمنتهى البرود:
ـ ده من ذوقك، ياما ناس لبست أبيض وجواها سواد، الرك على القالب مش بلون الفستان. ثم أنا حلوة في أي حاجة ألبسها.
اشتعلت النار في داخلها كالبركان في أشد درجة انصهاره، ما هذه الفتاة؟ من أين أتت بمثل هذه القوة بالرغم من الظروف التي مرت بها؟ توقعت بأن تراها حزينة ومنكسرة ولكن فاقت كل توقعات كل من طارق وسارة.
رحلت سارة والضيق واضح عليها بشكل كبير وملحوظ، لقد فازت عليها بكل براعة وبرود، والغيرة تنهش قلبها نهشًا من تلك الفتاة التي استطاعت بمنتهى السهولة التغلب عليها بأقل مجهود.
رمقت طارق نظرة أخيرة قبل أن تتركهم ليصبح بين نارين لا يدري كيف يمكن أن يتصرف، التفت لسلمى التي تجلس بجاوره بمنتهى الهدوء وكأنها لم تفعل شيئًا على الإطلاق، فهو مندهش من رد فعلها، فاق حقًا كل توقعاته، أي نعم هو يعلم كم تمتاز سلمى بشخصية هادئة، فمن أين أتت بكل هذا البرود والهدوء الخالص.
أما هي فحاولت بقدر الإمكان المحافظة على هدوئها بالكامل وثبات أعصابها، ولم تنفعل على سارة وهي لا تدري لماذا شعرت بالضيق ونوع من الغيرة الغير مفهوم، أزاحت هذا الشعور من قلبها وبررته بشكلها العام على أي حال أمام الجميع من وجود خطيبته في حفل زفافهما قد يعكر صفوها نوعًا ما.
*****************
خطواتها سريعة غاضبة، لا تقبل من داخلها قبل خارجها الذي يشبه وحشًا مدمرًا لمدينة كاملة بالخسارة الفادحة التي حصلت عليها اليوم.
كانت تعتقد بأن ما حدث في غرفته صباحًا ومحاولتها للتقرب منه ليشاهدهما والداه ومنها يصل الخبر لمسامع سلمى فتنهار علاقتهما أكثر.
ولكن بعد الحوار الدائر بينهما محاولتها الأولى باءت بالفشل، فلم تبد منزعجة على الإطلاق، فهل لم تعرف بما حدث يا ترى لهذا السبب؟
أيًا كان فلن تستسلم من أول جولة. لتستمع إلى ضحكات من جانبها، التفتت لمصدر الصوت لتجده عاصم يضحك بسخرية على حالها قائلًا:
- شوف مين اللي عيط في الآخر، الكلام على قدك يا حلوة.
وتركها تشتعل أكثر وأكثر. لتبحث عن هاتف في حقيبتها بعصبية بالغة وترسل لطارق رسالة نصية:
"تعالى دلوقتي حالًا ألا وعزة جلالة الله هاقلب الفرح بتاع السنيورة ده لعزا."
"اهدي يا سارة وبلاش تخلفي، المشرحة مش ناقصة قتلى، أجي إزاي؟"
"إيه مش قادر تفارق ست الحسن؟! هتيجي ولا أقولها على الاتفاق بينك وبين أبوها؟"
"ما بتهددش يا سارة، جاي أشوف آخرتها معاكِ النهارده."
كان التوتر ظاهرًا على ملامحه وهو يراسلها، لاحظت سلمى وتساءلت في قرار نفسها من الذي يراسله الآن ويبدو بهذا الانزعاج؟
فجأة وبدون أي مقدمات نهض من جانبها ورحل، نظرت إليه بدهشة وضيق وعدم فهم. فالتفتت لإيهاب الذي كان على مقربة منهما، اندهش بدوره من رحيل طارق.
بمجرد أن وصل إليها جذبها من ذراعها بقوة وسار بها بعيدًا عن الأنظار ولا يدري أن هناك عينًا تراقبه، فزاد غضبه الذي يكتمه منذ بداية اليوم وعلى ما يبدو سوف يطلق سراحه في سارة الآن على ما بدر منها:
ـ ممكن أفهم إيه اللي هببتيه ده إيه؟
اصطنعت سارة البراءة وعدم الفهم:
ـ عملت إيه يعني؟
رد طارق بنفس النبرة الغاضبة:
ـ هتستعبطي يا سارة.
مش كفاية اللي حصل الصبح، جاية هنا كمان!
انزعجت من كلامه لترد غاضبة:
- عملت إيه يعني؟ واحدة وجات تشوف خطيبها أجرمت؟
زفر طارق واقترب منها:
- أيوه أجرمتي؛ لأنك عارفة اللي حصل كويس. أبويا وأمي لو شافوكي دلوقتي هتحصل مشكلة، وما صدقت أن الموضوع أتلم.
نظرت له وتصنعت البكاء وزيفت دمعة سقطت من عينيها:
- أنت فاكر أن الموضوع ساهل بالنسبالي لما أجي فرح خطيبي وألاقيه بيتجوز واحدة تانية غيرها وواخدة كل وقته ومشاعره؟
رق قلبه ناحيتها وشعر بالحنين يغمر قلبه، فسقى ملعوبها دون أن يشعر ليقول بحب وهو يمسح تلك الدمعة المزيفة من وجنتها:
- مشاعر إيه بس يا سارة، ما أنتي عارفة اللي فيها، وكل ده عشان خاطرك.
اقتربت منها نور مسرعة وعيناها تتساءل إلى أين رحل يا ترى؟ لتجد سلمى بمنتهى الهدوء والسكينة فجلست بجانبها.
- طارق راح فين؟
أجابت بهدوء:
- معرفش، أنا مالي.
تنهدت نور بحيرة وهي مقدرة الحالة التي تمر بها سلمى، ظنت بأنه لا تزال متأثرة بالحديث الدائر بينها وبين سميحة، فأقبلت عليها بهدوء:
- صدقيني يا سلمى طارق ما عملش حاجة، دي هي...
قاطعتها سلمى وردت بحدة:
- وأنا قلتلك قفلي على الموضوع ده يا نور، مش عايزة أسمع حاجة.
زفرت بحزن لا تعرف كيف تصلح الأمر بشأنه، ولكن لم تريد أن تقوم بالضغط عليها أكثر من اللازم، يكفي ما تمر به في الوقت الحالي. لمحت تهاني تشير إليها من بعيد، نهضت سريعًا وقالت:
- ماما عايزاني، هرجعلك تاني.
******************
"يا لها من وقحة لتأتي إلى هنا وتثير غضبي، وتقوم بغمزه أمامي بدون خشية أو حياء حتى، تعتقد بأن فعلتها هذه قد تجعلني أشعر بالغيرة منها، ولكن كانت مخطئة للغاية، فلما أغار عليه؟!
لم يراعِ مشاعري حتى، لينهض من جانبي فجأة بدون أي مقدمات، إلى أين ذهب يا ترى؟! حسنًا، لن أعيره اهتمامي فليفعل ما يشاء، ولكن يجب أن يراعي المظهر العام أمام الناس، الذي كان يوبخني منذ قليل بشأنهم جاء الآن وخالف كلماته".
هكذا ظلت تحدث نفسها وهي شريدة في عالم آخر، تحاول بقدر الإمكان أن لا تعطي الموقف أكبر من حجمه.
خرجت من دائرة تفكيرها على صوت تبغضه كثيرًا، فهي تعرف مصدر هذا الصوت جيدًا، كثيرًا ما وبخها ورأت منه أيام وليالٍ مرة، وجراح لا ينتهي.
رفعت رأسها نحوه ونظرت له في صمت تام بدون أي كلمة، تنتظر بأن يبدأ هو بالحديث أو يرحل من هنا، لتجد في عينيه عتاب وغضب مصطنعين، أو هكذا كانت تشعر من تلك النظرة، فهي لم تعد تثق به بعد كل ما حدث منه، ليقطع الصمت بينهم ليقول بتهكم:
- مبروك يا عروسة، لعبتيها صح يا سلمى، جالك قلب بعد كل السنين دي تكوني لغيري؟! عجبك أوي الأفندي بتاعك ده؟!
كلماته أثارت غضبها للغاية، أناني بدرجة تكفي لها بأن يزيد شعورها بالكره نحوه عما قبل، كل ما يشغل تفكيره نفسه فقط لا غير، لا يعيره ما حدث أو ما مرت به في الأيام الأخيرة ولا حتى بالعذاب النفسي المار عليها بكل قسوة من أب لا يعرف شيئًا عن الرحمة.
رمقته بغضب شديد ولكن أردفت بهدوء مصحوب بحزن:
- عمرك ما هتتغير يا عاصم، على أساس كل اللي حصل ده بمزاجي وإرادتي مش كده؟ امشي يا عاصم خلاص كل اللي بينا انتهى من زمان وأنت عارف ده كويس.
تذكر نصائح والده فيما دار بينهم بشأنها، فبدل نبرة صوته إلى محب واستعطاف:
- بس أنتي عارفة إني لسة بحبك يا سلمى ومفيش في قلبي غيرك، اللي شفتيه ده مجرد نزوة صدقيني، أوعدك أني هتغير وهكون شخص تاني غير عاصم اللي تعرفيه.
تحاول أن تصدقه ولكن لا، ذلك الشعور القوي يحتل عقلها قبل قلبها. لن تدع قلبها يفوز عليها بالنهاية. ابتسمت في ألم:
- مش قادرة أصدقك يا عاصم، للأسف أنت استنزفت كل الفرص والمحاولات بينا، ما عادش ينفع خلاص، مش واخد بالك إني لسة مكتوب كتابي؟
وكان رد عاصم غير متوقع لها بالمرة:
- إحنا فيها، تطلقي ونتجوز.
فرغت فاها بصدمة ودهشة:
- أنت اتجننت!! فاهم أنت بتقول إيه؟! بالبساطة دي؟!
قال عاصم بلا مبالاة:
- وإيه المشكلة؟ ما أنتي هربتي قبل كده.
نهضت وهي لا تزال بعدم استيعابها:
- هربت عشان مش عاجبني الوضع اللي كلكوا حطيتوني فيه، وبدايته كانت معاك أنت، إنما دلوقتي لو عليا عايزة أخلص من الجوازة دي وأشوف حياتي، تقوم عايزني أعيش مؤبد في سجن أبويا باللي في دماغك ده؟! أنسى يا عاصم عمري في يوم ما هرجع لحياتك برجليا.
جز على أسنانه بغضب شديد ويداه تعتصر من قوة قبضته عليها، ليقترب منها أكثر ويقول بوعيد:
- هتندمي يا سلمى على اللي قلتيه، مصيرك يوم وهترجعيلي.
كانت ترتعش من داخلها لاقترابه نحوها، ولكن بدت شديدة من الخارج لتقول ساخرة:
- ده أنا مصدقت تقولي أندم!!
أردف بنفس النبرة والحالة:
- مش هسيبك ولا هسيبه تتهنوا في يوم سوا، بكرة تشوفي.
تركها ورحل والدماء تغلي في عروقها من شدة الغضب والبغض الشديد ناحيته، حاولت أن تتمالك أعصابها قبل عودة طارق. كادت تحمد ربها على الخلاص منه ليعود لها من جديد وأسوأ من ذي قبل.
طيلة حواره مع سارة يخطف نظرات متلاحقة نحو سلمى، التي تجلس في هدوء تام.
فـ تحولت قسمات وجهه للغضب وقد لاحظت سارة ذلك عندما رأى عاصم يقترب منها وطال الحديث بينهم.
أنهى حواره سريعًا مع سارة واستطاع إخماد حالة التهور التي بدت عليها منذ صباح هذا اليوم ليعود لسلمى على الفور، ولكن سارة كانت غاضبة لتركه لها بهذا الشكل ليعود إلى زوجته!!
عندما رأته يقترب نحوها عادت ملامحها للجمود والبرود من قبل، كأن شيئًا لم يحدث، وكأن لم تلاحظ أنه تركها ليذهب خلف سارة خطيبته.
جلس طارق بجوارها بهدوء ليقول بغضب مكتوم:
- البني آدم ده كان بيعمل عندك إيه هنا؟
ردت سلمى بهدوء وبرود:
- تقصد مين؟
طريقة حديثها أثارت غضبه أكثر لتعلو نبرة صوته قليلًا:
- هتستعبطي يا سلمى، الزفت اللي اسمه عاصم كان بيقولك إيه؟
التفتت إليه لتجيب بجدية وانفعال:
- أنت ملكش حق إنك تكلمني بالأسلوب ده يا طارق، مش هسمحلك تتعدى حدودك معايا أكتر من كده.
تمالك أعصابه قليلًا وقرر سؤاله بنبرة شبه هادئة وهو يجز على أسنانه:
- مش هكرر سؤالي يا سلمى، كنتوا بتتكلموا في إيه؟
ارتسم على ثغرها بسمة جانبية، لترد على سؤاله بسؤال بمنتهى البرود والهدوء:
- هو أنا كنت سألتك كنت بتتكلم في إيه أنت وسارة؟
اندهش من معرفتها، كيف لها ذلك؟ وكيف رأتهم؟
قال سريعًا مبررًا بنبرة غاضبة:
- سارة خطيبتي ولا نسيتي؟ عادي لما أكلمها، إنما الزفت ده يكلمك بتاع إيه؟ مش خلاص كان خطيبك؟
ابتسمت سلمى ساخرة لتقول ببرود واستفزاز:
- ده شيء ما يخصكش، آه كان خطيبي وجاي يباركلي عندك مانع؟ تصور عايز نرجع لبعض، على الأقل جاي يكلمني في مكاني مش قام فجأة من جنبي وراح يكلم خطيبته في الدور، أظن ده بقى مش عادي.
رمقته بابتسامة منهمكة ونظرة تحدي تنطلق من نبرة صوتها قبل عينيها.
شعر بالغيرة فجأة والضيق الشديد عندما ذكرت سيرة عاصم بهذا الشكل، لذلك قرر أن يلاعبها بنفس أسلوبها فأردف ببرود:
- خطيبتي ولها حق عليا، أصل تقدري تقولي كده بتحبني وزعلت أوي من موضوع جوازنا ده، موضوع كده ما كنتش عايزة تتكلم قدامك فيه، عندك مانع؟
كانت تشيط في داخلها، والغيظ ينهش بها ولكن لن تدعه أن يفوز عليها، فابتسمت بتهكم وقالت بسخرية:
- ربنا يهني سعيد بسعيدة، اشبعوا ببعض.
ثم نظرت أمامها وابتسامة باردة تزين شفاتيها الورديتين في هدوء تام، وهو يشعر بالغليان من استفزازها وبرودها الخالص.
استمرت الحرب الباردة بينهم سواء في حوارهم طوال الوقت أو نظراتهم، وكل منهم يتوعد للآخر في ضيق وتحدي، إلى أن انتهى بالصمت لآخر الحفلة.
***************
تقف كعادتها من بعيد وهي تشعر بالقلق ولا تعرف أن أحدهم يراقبها في صمت شديد، يتابعها وعيناه لم تزاح من عليها، يريد أن يتحدث إليها ويشتاق لها ولكن لا يستطيع فعل ذلك. شعور بأنك مقيد رغم ما تريده أمام عينيك ومحرم لمسه شديد ومؤلم بالنسبة له.
عادت إلى الطاولة الخاصة بها وجلست بجوار والديها، عقلها شارد في أشياء كثيرة ولا تستطيع تحديد مشاعرها بعد. نكزتها تهاني من ذراعها لتستيقظ من شرودها. نظرت لها تهاني بنظرة ذات معنى تفهمها، أومأت برأسها نافية.
- مفيش أي جديد يا ماما من ساعة ما روحتلها، واللي زاد وغطى اللي اسمها سارة دي راحتلهم، مش كفاية اللي هببته النهارده الصبح، أنا ما شوفتش بجاحة أكتر من كده بصراحة.
تنهدت تهاني بضيق ويبدو على وجهها الحزن:
- كله من مجايب أخوكي، أنا قلتله بلاش يرتبط بيها هو اللي محكم رأيه.
ارتسمت بسمة ساخرة وحزن على جانب شفاتيها:
- اللي بيشيل قربة مخرومة بتخر على دماغه، مش ده اختياره؟ يشرب بقى، أنا ياما حذرته، هموت وأعرف ساب سلمى وراح على فين ده؟
اعتدلت تهاني وانتبهت لحديثها باهتمام:
- اللي حصل؟
تنهدت نور وقالت:
- لما روحت لسلمى كانت قاعدة لوحدها وطارق ما كانش موجود، لما سألتها كان وشها مقلوب وقالت معرفش، سلمى لسة مقتنعة أن طارق له يد في اللي حصل الصبح.
تنهدت بحزن شديد:
- لا حول الله يا رب، مش فاهمة أخوكي ده بيفكر إزاي، ربنا يستر لما يتقفل عليهم باب واحد.
ردت نور بشرود:
- يا رب يا ماما، وإلا هدوء سلمى ده مش مريحني.
********************
ما زال الصمت يحوم حولهم بلا رجعة من آخر مشادة حدثت بينهم، وكل منهم يشعر بالغرابة والضيق من الطرف الثاني بالأخص سلمى.
يسترق النظر إليها كل فترة ليجدها على نفس الحال، هادئة وشريدة في عالم آخر، كأنها ليست بجانبه إلا بجسدها فقط. زفرت بشدة لتقطع الصمت بينهم:
- مش كفاية بقى لحد كده؟
التفت إليها بعدم فهم:
- كفاية إيه؟
تنهدت لترد عليه دون أن تنظر له:
- عايزة أمشي، مش خلاص عملتوا الفرح الكداب، فيه إيه تاني؟
أومأ بضيق ليتساءل بتعجب:
- فرح كداب؟ ده اللي هو إزاي يعني؟
هنا التفتت إليه وقالت بانفعال مكبوت، وجد فرصته ليفر خارج صدرها لعلها ترتاح ولو قليل:
- آه كداب، الفرح ده كله كدبة كبيرة إحنا عملناها ومشتركين فيها عشان الناس ما يشكوش في حاجة، على أساس أنه جواز بجد، ولا حد من أهلي وأهلك مبسوط وسعيد باللي حصل غير أبويا، كلنا بنكدب على الناس كلنا مش راضيين على اللي حصل.
البسمة اللي على وش مامتك وأختك دي فاكرها بجد؟ مقتنع بيها ولا حتى أنت شخصيًا حاسسها فعلًا؟ يبقى رد عليا كدبة دي ولا مش كدبة؟
كانت بمثابة شبه قنبلة وانفجرت بوجهه، لم يتوقع أن تخرج من صمتها وهدوئها الذي اعتاد عليه من بداية الحفل وتنفعل به دون سابق إنذار، شعر بمرارة ألمها في كل حرف.
غرق في عينيها الدامعتين وقسمات وجهها التي برزت عروقها من شدة انفعالها، بمجرد أن شعرت بأن قطرة من دموعها قد تخونها وتفر، أدارت وجهها على الفور حتى لا يراها وعادت لهدوئها وسكونها مرة أخرى.
لا يعرف ماذا يقول وهي مشتعلة وحزينة بهذا الشكل، إلى أن نطق أخيرًا:
- أنا كمان اتخنقت من القاعدة دي وعايز أمشي.
انتظر ردها ولكن دون استجابة، أخرج هاتفه وقام بالاتصال.
على جانب نور أتاها اتصال لتجد أن المتصل طارق، شعرت بقشعريرة وقلق من هذا الاتصال لتقوم بالرد على الفور:
"ألو أيوه يا طارق.. إيه؟.. طيب طيب ماشي.. هقوم أشوف أمير راح فين.. خلاص يا طارق سلام".
نظر لها محمود بقلق ليقول باهتمام:
- في إيه؟
أرادت نور ألا يشعر والدها بأي اضطراب يحدث بينهم، وتفض أي مشكلة في هدوء، فالوضع الحالي لا يسمح بإتيان عائق جديد، لتقول في هدوء:
- مش كفاية لحد كده؟! كتب الكتاب وخلص وقعدوا شوية..
قاطعها محمود بحزم:
- طارق اللي قالك كده؟
تنهدت براحة لتقول بنبرة حانية:
- ده قرارهم هما الاتنين.. مش قادرين يفضلوا أكتر من كده.
كاد أن يرد، لتتدخل تهاني مؤيدة:
- نور معاها حق يا محمود.. اللي أنتوا عايزينه حصل.. سيب العيال بقى تعمل ما بدالها.. بدل ما كل واحد قاعد مستحمل ومش طايق التاني.
رد محمود بجدية بعدما اقتنع بحديث زوجته، فنهض في الحال:
- هشوف هاشم راح فين.
رحل محمود وبدأ رحلته في البحث عن هاشم، هذا البركان الملتهب بسبب طمعه وأنانيته أحرق الجميع، إلى أن يأتي يوم وتحرقه.
وجده يقف مع حامد وولده وبعضًا من رجال الأعمال يتسامرون، وصوت ضحكته ترن في أذنه كلما اقترب من مجمعهم، ليقطعها وينظر إليه بعدما شعر بوجوده، فيقترب محمود أكثر ويقطع الهمهمات بجدية قائلًا:
- تعالى عايز.. أنجز.
ابتعدوا قليلًا مما أثار فضول عاصم هذا الحديث الغامض.
نظر له هاشم وقال بغضب:
- إيه المهم اللي ساحبني عشانه بالشكل ده من وسط الناس.. مش عارف ده مين؟.. ده أكبر مستورد أدوية في مصر وهيريحنا على الآخر في الصفقة الجاية.
صاح فيه محمود بخنق وضيق غير محتمل:
- لا صفقة تانية ولا تالتة.. هو ده كل تفكيرك دلوقتي!! مش لما ننهي الليلة دي تبقى تشغل بالك بمصالحك.
ضحك هاشم وقال بلامبالاة:
- الليلة وخلصت والصفقة وهتم.. ليه بقى الواحد يعطل نفسه.
نظر له محمود بازدراء واشمئزاز، وأدرك وشعر بكل ما عانته تلك الابنة التي تدفع حتى الآن خطأ وأنانية والدها، أدرك السبب الرئيسي الذي دفعها للهروب، فصاح به باشمئزاز وغضب شديدين:
- حقيقي عمري ما شفت ولا هشوف إنسان أناني وجاحد زيك.. المولد وانفض خلاص وعملت ما بدالك.. ممكن ننهي بقى الليلة دي على خير زي ما بدأناها.. عايزين نخلص.
كان يشغل هاشم الغل الشديد في داخله من تلك الكلمات المذمومة في حقه على الرغم من عدم مبالاته، ليرد على جملته الأخيرة في اعتراض:
- أنت اتجننت يا محمود.. عايز تهد كل اللي بنيته.. مش شايف أنا واقف مع مين.. خليهم يصبروا شوية.
صاح محمود وكاد أن يعلو صوته:
- أنت اللي اتجننت يا هاشم والفلوس خلاص لحست مخك.. تولع الصفقة واللي أنت واقف معاهم.. مش اتجوزوا.. في إيه تاني؟.. الفرح هينتهي ودلوقتي بدل الاتنين دول ما يولعوا في بعض وساعتها كل اللي بنيته هتهد قدام عينيك.. وأنت عارف...
اهتز من داخله بتهديده، وتخيل إن سلمى صدرت أي رد فعل متهور لا يستطيع صده من عنادها:
- ماشي يا محمود.. لينا كلام تاني.
نظر في عينيه وقال بتحدي قبل أن يرحل:
- ربنا يهديك يا هاشم.
تركه ورحل بعيدًا في أقل من دقيقتين أمام ناظري الجمع القريب منهم، ليعود هاشم إليهم مرة أخرى وعلى وجهه ابتسامة واسعة كأن لم يحدث أي شيء:
- العرسان بقى مستعجلين وعايزين يمشوا.. مستعجلين على الطيارة ههههههههه.
شيء من السماجة ليضحك الجمع الغفير، ولكن الذي كان ينصت باهتمام هو عاصم، والضيق يشتعل في داخله، بأن أول خطوة بادت بالفشل.
*******************
وجدته أخيرًا يقف في شرود كبير، خرج منه بعدما شعر بيدها تنقر على منكبه، التفت ليجدها نور، اندهش لترد هي على السؤال المنقوش على وجهه.
- واضح أن الاتنين شدوا مع بعض وعايزين يمشوا.. بابا ظبط كل حاجة.. يلا عشان نتحرك.
تيقن بأن هذا الحفل لابد وأن ينتهي بأسرع حال، حتى لا يسوء الوضع أكثر من ذلك، ليسرع ويقول:
- عندك حق يلا.. حصليني هظبط حاجة وهرجعلك على طول.
أومأت نور برأسها وذهبت على الفور كي تستعد، ولا تعرف بأن هناك عين تراقبها هي أمير.
الوضع كما هو وإن كان ازداد سوءًا وصمتًا بينهم، حالة من السكون الرهيب تحيط وتشعر بها كلما اقتربت منهم، تدعو الله من قلبها أن ينتهي الحفل بسلام إلى آخر لحظة.
اقتربت أكثر لتجد كل منهم متجنب الآخر، شريد ويفكر لتقطع شرودهم قائلة:
- يلا يا شباب استعدوا.
نظرت لها سلمى في هدوء وتساءلت:
- أمير فين؟
أجابت على الفور:
- بيعمل حاجة وجاي على طول.
بعد دقائق حضر أمير بعدما سمعوا أغنية ختام الحفل واستعداد العروسين للرحيل.
ساعدتها نور على النزول برداءها الأسود "المنفوش" وفي طريقهم إلى بوابة الفيلا، ليقبل عليهم الجميع للوداع الأخير وفي قلبها خوف وقلق لا حصر له، تسمع دقاته المتسارعة، محاولة منها أن تمالك أعصابها أكثر من ذلك، على الرغم من هالة البرود والهدوء الشديدين اللذين يكسوان ملامحها بشدة.
أقبلت عليها سميحة تضمها بين ذراعيها مودعة إياها، وهي تتماسك بها ولا تريد أن تترك تلك الضمة قط، تحاشت دموعها أن تتساقط، فشعرت سميحة بالخوف والرجفة في قلبها لتربت على ظهرها بحب وحنان، ليطمئن قلبها، قبلت جبينها وقالت باسمة والدمع في عينيها:
- ألف مبروك يا نور عيني.. تروحي وترجعي بالسلامة.
ابتسمت سلمى وتقول بصوت منبوح:
- هتوحشيني يا عمتو.. متسبنيش.
ابتسمت وربتت بحنان على وجهها:
- هتبقى مع جوزك في أمان يا عبيطة.. كل حاجة هتبقى تمام.
ابتسمت براحة قليلة لتنقل عينيها إلى تهاني التي تنظر إليها باسمة، مردفة ذراعيها لتضمها بحنان:
- ربنا يسعدك يا بنتي.. ألف مبروك يا حبيبتي.. الواد ده لو زعلك في حاجة هقطملك رقبته.
ابتسمت مجاملة وأومأت برأسها، لتقبلها هي الأخرى، وبدوره محمود، يشعر ويقرأ كل ألم مرسوم على قسماتها تصرخ به، ولاحظ دموع عينيها ليبتسم لها بدوره:
- أنتِ عارفة معزتك عندي زي نور وأكتر.. ربنا يعلم كان نفسي الموضوع ده يتم بظروف مختلفة عن كده تمامًا.. بس قدرك يا بنتي.. ده امتحان وأنا عارف إنك قدها.. لو طارق زعلك ارفعي بس سماعة التليفون وأنا أجيلك.
أومأت برأسها باسمة، فهي تشعر بصدق كل كلمة تفوه بها، لتجد صوت طارق بجانبها يهتف باعتراض:
- هو أنا ابن البطة السودة يعني.. مينفعش توصوها عليا!!
ضحكت سميحة على طريقته هي وأمير وأيضًا نور، لتوبخه تهاني:
- اسكت يا واد أنت.. ملكش دعوة.
رد بامتعاض وهو ينظر لزوجته:
- اديني ساكت.
لتبتسم سلمى في خفوت وهو يلاحظ ذلك، ويقول باعتراض:
- مبسوطة أوي سيادتك.. أهلي كلهم في صفك.
ليتدخل محمود بنبرة مصطنعة للجدية:
- عندك اعتراض؟
رد طارق على مضض وسخرية:
- هو أنا أقدر.
ليشير لها بيده بمعنى "صبرًا" لتشيح وجهها عنه ببرود وتبتسم مرة أخرى، حقًا شعرت بالسعادة من هذا الموقف الصغير الذي تبين لها الكثير.
قطع الصمت محمود ليقول بجدية وحزم:
- مش هوصيك على سلمى.. دي أمانة في رقبتك.
قال طارق ساخرًا:
- الكلام ليكَ أنتَ كمان يا جارة.
رمقته سلمى بضيق وبرود لتقول بتأفف:
- مش يلا بقى.. أنا تعبت.
تدخل أمير في الحال:
- يلا يادوب تلحقوا الطيارة.. خليت الأمن يودي الشنط في العربية.
ودعت سلمى سميحة وتهاني ومحمود، ألقت نظرة على والدها وقلبها يعتصر ألمًا وحزنًا على عدم وداعه، فلم تستطع أن تفعل ذلك، فقط نظرت إليه بعدم اهتمام ورحلت مع كلمات مودعة منهم.
******************
قاد أمير السيارة وبجانبه يوسف، وفي الخلف تجلس نور بجوار العروسين، وساروا جميعًا في جو من الصمت.
أرادت نور أن تخف الأجواء وتجعلها أكثر لطفًا، كي تتباعد عن نظرات يوسف الخاطفة بينهم طوال الطريق.
نظرت في المرآة لأمير الذي يفهم ما تشير إليه عيناها لتقول بمرحها المعتاد:
- جرى إيه يا جدعان جو فيلم المنتقمون ده.. ده فرح عايزين نصهلل كده.. فاكرة كنا قايلين إيه يا سلمى قبل ما ننزل؟ عايزين نفرح وفكك من طارق "نظرت له سريعًا" سوري يا طروق.
ودون سابق إنذار أشغل أمير مسجل السيارة وبدأت الأغاني تنطلق وغنا الاثنان معًا بمنتهى المرح، لتضحك سلمى رغمًا عنها من طريقتهما في صمت، وينظر يوسف لأمير بغيرة وضيق شديدين وظل صامتًا طوال الوقت.
إلى أن اندمجت سلمى معهم وبدأت تغني هي الأخرى، فاندهش طارق من تحولها المفاجئ إلى تلك الفتاة المرحة والمفعمة بالحيوية، كأنه يراها لأول مرة ضاحكة بهذه الطريقة، ولأول مرة يلاحظ جمال صوتها وهي تغني.
طريقة أخرى للهروب من الواقع الأليم الذي تعيش فيه، والمستقبل الغامض الذي ستؤول إليه بعد قليل، قررت أن تخرج من نفسها وتغني وتطلق العنان لنفسها ولو مرة تشعر بأنها حرة، تخرج ما بداخلها من حزن وألم في الغناء والمرح محاولة منها للهدوء قليلًا، ولأول مرة بعد مدة طويلة تغني وتضحك مع أمير ونور بهذا الشكل، شعرت كأنها عادت سلمى قبل أن ترتبط بعاصم، لحياتها السابقة.
ليس طارق من اندهش بذلك فقط، بل أيضًا يوسف، فقد كان قلقًا على شقيقته من هذا التحول المفاجئ وكلما نظر لنور وأمير تزداد الغيرة في داخله أكثر وأكثر، فلاحظت ذلك نور وتعمدت الغناء أكثر، لتندهش سلمى من ذلك المشهد غير المفهوم أمامها، ولكن سوف تأتي اللحظة لتعرف منها كل شيء خفي عنها.
ظلت حالة المرح طوال الطريق إلى المطار حتى أن وصلوا بسلام.
ليضحك الثلاثي براحة عارمة من قلبهم، فابتسمت سلمى على تلك اللحظات التي ضحكت فيها بدون قيود، وبدأ القلق والتوتر يتسرب إليها مرة أخرى.
نزلوا جميعًا من السيارة، وقام يوسف بإخراج الحقائب ووضعها على سيارة الفندق، ووقفوا جميعًا أمام البوابة في انتظار لحظة الوداع.
ضمتها نور بحب:
"خدي بالك من نفسك .. ها"
أومأت سلمى ببسمة باهتة وتنهدت بعمق، ليقول أمير هو الآخر:
"خدي بالك من نفسك يا سلمى .. هعدي عليكي بكرة بليل عشان المطار"
رد طارق بضيق بعدما شعر بالغيرة الخافية تتسرب لقلبه:
"مفيش داعي إيهاب هيوصلنا"
ابتسمت سلمى وردت بهدوء:
"ماشي يا أمير .. هستنى تليفونك"
ليشتعل الغضب في طارق ويرمقها بحذر وغضب، لتضحك نور على هذا المشهد الممتاز، فقد نال إعجابها بكل تأكيد.
تقابلت أعينهم بعد فترة، لقد اشتاق إليها مثلما هي اشتاقت لأخيها، كانت تتمنى ولو ترتمي في أحضانه كما كانت تفعل سابقًا، ولكن كأن هناك سد منيع يمنعها من ذلك .. أما هو فقد اقترب منها وطبع قبلة على جبينها والدموع في مقلتيها، ووجه حديثه لطارق وعيناه لم تفارقها:
"خد بالك منها يا طارق .."
تأثرت نور وأمير على هذا المشهد، ليومئ له طارق.
ودعوا العروسين ودخل كل من طارق وسلمى إلى الفندق.
*********************
ركب الثلاثي السيارة وبدأ أمير في القيادة، طوال الطريق ويوسف يراقبها عبر المرآة ويلاحظ أمير ذلك وهو يشعر بأن هناك أمرًا ما غريب بينهم.
ونور تتهرب بنظراتها له وتتجنب النظر إليه حتى لا يتملكها الضعف والحنين، ليسود الجو العام طوال الطريق بالصمت، وأمير يشاهد في صمت إلى أن قطعه موجهًا حديثه لنور:
"ناوية تعملي إيه في الفترة الجاية يا آنسة نور؟"
تفاجأت نور بسؤاله وردت بعفوية:
"هبدأ أنزل الكلية لأن بسبب الظروف اللي مرينا بيها مكنش عندي المقدرة على أي حاجة خالص .. حتى الشغل"
ابتسم لها أمير عبر المرآة وقال:
"عندك حق .. الله يكون في عونك .. صاحبتك من ناحية وأخوكي من ناحية تانية"
تنهدت في حزن وشرود:
"الحمد لله إن الليلة دي عدت على خير"
نظر بطرف عيناه ليوسف وقال بخبث:
"أتمنى اللي حصل ميأثرش على نظرتك في الارتباط"
نظر له يوسف بضيق وانتظر رد نور لتقول بنبرة هدوء وثقة ولامبالاة في نفس الوقت:
"اللي حصل سبب ظروف معينة .. محدش فيهم اختار التاني .. فـ مفيش داعي يخليني أغير فكرتي عن الارتباط"
ابتسم أمير وأكمل:
"عجباني نظرتك للموضوع بالشكل ده .. عقبالك لما نفرح بيكي"
ابتسمت نور وردت بتلقائية:
"إن شاء الله .. وأنت كمان"
نظر ليوسف وقال بخبث:
"أنا وأنتِ في ليلة واحدة"
اكتفت نور بابتسامة مجاملة على شفاتيها، وشعر يوسف بالغيرة والضيق الشديد، ولا يعرف بماذا يرمي أمير من هذا التلميح الخفي من حديثه، مع أن الحوار الذي دار بينهم لا يحمل أي ظنون، والأكثر هو ابتسامة نور الخجلة وتلقائيتها المعتادة معه.
فكرت نور كثيرًا عن سبب تغير قسمات وجهه وضيقه من حديثهم، ما الذي يخفيه خلف تلك القسمات التي كادت أن تخرج وتصفعهم يا ترى؟
لم تعر للموقف أي اهتمام وظلت على موقفها.. إلى أن خرجت من تفكيرها على صوت أمير وهو يقول:
"خلاص وصلنا"
اندهش يوسف ليجد نفسه أمام الفيلا، فيقول باهتمام وفضول ولكن بنبرة صارمة وجديدة:
"مش المفروض هتوصل آنسة نور الأول؟"
أجاب أمير بخبث:
"ما احنا خلاص وصلنا لبيتك .. ثم آنسة نور على طريقي فقلت أوصلك أنت الأول"
تبادلا النظرات بينهم في غيرة وضيق ثم خرج وأغلق الباب بعنف بسيط، بمجرد أن اختفى قليلًا ضحك أمير بشدة لتتعجب نور من رد فعله.
كان يعلم بأن تلك الخدعة صعبة بالنسبة ليوسف، شكه في شيء ما في عقله كان يجب أن يتأكد من صحته، وعليه أن يبدأ بما فعل به وها قد حصل على بغيته وتأكدت الشكوك في ظنه .. ليعود الصمت لأدراجه مرة أخرى حتى أن أوصل نور لمنزلها.
************************
منذ دخولهما الجناح المخصص لهما كعروسين حديثي الزواج، وسماع صوت انغلاق الباب .. والرعب والقلق فَرّا من قلبها لجسدها بالكامل، شعرت بقشعريرة حاوطتها من شعر رأسها لأخمص قدميها، واقفة في مكانها دون حراك تفكر بالخطوة المقبلة ولكن لا توجد أي فكرة في رأسها على الإطلاق، فقط تنتظر ما سيحدث بعد قليل .. يجب أن تنهي حد لهذه المأساة منذ هذه الليلة ..
لم يتوقع أن يصل تحديها له بما حدث مع أمير، يشعر حقًا بالضيق والغيرة أكثر، فيتعجب أكثر وهو لا يكترث لها على الإطلاق، لتخرج هي عن دائرة تفكيرها صوت طارق الساخر:
"واقفة كده ليه؟ .. عليكي ذنب؟"
لترد بمنتهى البرود:
"هو أنا واقفة فوق راسك .. خليك في حالك"
شعر بالضيق من أسلوبها وزاد الأمر كلما تذكر، لينفعل عليها وهو يقلدها ساخرًا:
"ممكن أفهم اللي عملتيه من شوية ده .. ماشي يا أمير هستنى تليفونك"
ابتسمت دون أن يلاحظ وفهمت ما يرمي عليه، لترد ببرود:
"هو أنت بتقول الشكل للبيع وخلاص .. أمير وكنا متفقين إنه يوصلنا المطار .. ابن عمتي وعرض عليا وأنا وافقت"
صاح بها بغيرة واضحة في عيناه:
"لا والله .. بتاع إيه ده بقى إن شاء الله"
ردت بنفس البرود والهدوء:
"ما أنا قلتلك ابن عمتي .. مش حد غريب يعني .. طارق أنا فيا اللي مكفيني .. متكبرش الموضوع وعدي الليلة دي على خير ها"
زفر بضيق وضجر شديدين وهو يتوعد لها:
"ماشي يا سلمى .. صبرك بس"
لم تعره أي اهتمام، فشرع في تغيير ملابسه فبدأ بنزع حلته وفك أزرار قميصه لتصيح سلمى باندهاش:
"إيه ده أنت بتعمل إيه؟"
رد ببرود:
"إيه بغير هدومي ولا هنام بيهم كمان!!"
قالت سريعًا بتوتر ونبرة بها الخجل:
"في حاجة اسمها حمام .. هتغير قدامي كمان!!"
اقترب منها وقال بخبث:
"مال وشك قلب زي الطمطماية .. إيه ده أنتِ بتتكسفي؟.."
رمقته بغضب وهي تشكل كفها على هيئة قبضة وتتمنى أن تدفعها بوجهه.
فابتعد وهو يبتسم وذهب ليبدل ملابسه في الحمام، فوضعت يداها على خصرها وهي تسير في الغرفة ذهابًا وإيابًا وهي تفكر، ليتملكها الفزع من صوت الباب بعد فترة وهو يخرج منه مرتديًا ملابس نوم قطنية .. ليقترب منها ويقول:
"هتنامي بهدومك ولا إيه"
نظرت له دون إجابة، ليذهب نحو الفراش ويجلس فوقه في هدوء .. لتتذكر شيئًا ما فتصيح به:
"إيه ده وأنا هنام فين؟"
رد بهدوء شديد:
"جانبي .. السرير كبير ويساع من الحبايب ألف"
عقدت ذراعها وأردفت باعتراض:
"أنت بتهزر؟! لا طبعًا"
أجاب بنفس الهدوء:
"طيب نامي في المكان اللي يريحك"
تأملت الغرفة الواسعة حولها فلم تجد سوى أريكة تصلح للنوم، عقدت ذراعها وباعتراض قالت:
"أنام فين والأوضة مفهاش إلا سرير واحد .. على الكنبة مثلًا؟!"
نهض واقترب نحوها لتعود هي للخلف وقال بنفاذ صبر:
"شوفي مين بقى اللي مش عايز يعدي الليلة دي على خير .. أعملك إيه يعني .. سبحان الله جناح عروسين مفهوش غير سرير واحد طبيعي جدًا وأنتِ مراتي .. ها"
توترت سلمى وخجلت، فحاولت بقدر الإمكان عدم إظهار ذلك، لتقول وهي مصطنعة الجمود:
"على فكرة مش معنى إني مراتك يبقى أنام جنبك على سرير واحد"
رفع حاجبه باستنكار وقال ساخرًا:
"لا والله!! جديدة دي .. ها وإيه كمان؟"
استطردت بجدية وجمود:
"أنت مش ملتزم من ناحيتي بأي حاجة تمامًا وأنا نفس الكلام"
اقترب منها أكثر وقال بهدوء كأنه لم يسمع منها شيئًا:
"منطقي اللي أنتِ بتقوليه ده؟ .. أيًا كان شكل جوازنا إيه متنسيش إنك على اسمي وذمتي .. بقيتي مراتي ومسؤولة مني"
نظرت له سلمى بعند:
"أنا مراتك آه بس على ورق .."
أردف ويكاد أن ينفذ صبره:
"هتفرق يعني بذمتك؟! .. مش هعيد كلامي تاني .. أنا عارف إننا مغصوبين على بعض وبقى أمر واقع .. وده مش هيغير حاجة"
نظرت له بتحدي وقالت بانفعال:
"عليك نووووووور .. وده معناه إني مش هكون ليك يا طارق .."