ركض كلا من علي السفينة حتى يروا ما حصل مع الفتاة التي وقعت في الماء. في هذا الوقت كان الفجر على وشك الطلوع، فكان الظلام لا يزال يعم المكان بعض الشيء. ركض مارتن ثم قفز في الماء مثل أول مرة وبحث عنها وعثر عليها، فاقترب منها وجاء ليساعدها فصرخت به قائلة: –لا تقترب، ابتعد عني. تعجب مارتن، فقام مكانه وسألها مستفسراً: –لماذا؟ أثناء ذلك كان المخرج يصور ذلك المشهد العفوي الذي أحدثته مودة. رفعت مودة ذراعها
ولوحت بيدها قائلة بهدوء: –لا تشغل بالك بي، وارحل، سوف أعود إلى السفينة بنفسي. ثم فجأة غاصت في الماء، فنظر الكل إليها يبحث عنها فلم تظهر، فقلق عليها مارتن ونظر حوله ثم غطس إلى الأسفل يبحث عنها فلم يجدها. مر الكثير من الوقت وهم ينظرون إلى الماء وهم قلقون على تلك الفتاة الغربية. وعلى صعيد آخر، خرجت مودة من الماء وهي تأخذ نفسها بسرعة كبيرة.
وبفضل الكشافات الكبيرة على السفينة تمكن من رؤيتها، فنظرت حولها بترقب وعندما لم تجد أي أحد. تسلقت حبل المرساه ثم دخلت إلى السفينة ونظرت إلى ملابسها التي تلتصق على جسدها. ثم فكت حجابها وسارت متجهة إلى غرفتها وهي ترتعش من البرد. بعد أن دخلت إلى الغرفة بدلت ملابسها ببنطلون قماش على كنزة صوف كبيرة أعطتها لها بيلا، ثم نشفت شعرها البني الداكن وارتدت إحدى الأيس كاب ولفت على رقبتها إحدى الشيلان. ثم اتجهت إلى خارج الغرفة.
سارت في الممر وهي شاردة، ثم لم تأخذ بالها من الطاولة التي أمامها، فصرخت باندهاش عندما ارتطمت بها. ثم وقعت الطاولة على قدميها. خرج مارتن من الماء ثم وقف في منتصف السفينة، ثم نظر حوله وهو يشعر بالخوف عليها. وعندما هدأ قليلاً ركض متجهاً إلى غرفتها حتى يتأكد أنها عادت إلى السفينة بسلام. وأثناء ذلك استمع إلى صوت صريخ، فاقترب من الصوت فوجد مودة ترقد على الأرض وفوقها الطاولة. جفل بعض الوقت، وعندما تأوهت مودة ركض
اتجاهها وسألها باندهاش: –ك.. كيف عدتِ السفينة؟ تأوهت مودة بوجع ثم قالت بغضب: –بطل هبل وحوش البتاعة دي عني؟ رفع مارتن حاجبه ثم قال بهدوء وهو يتكئ على الحائط: –ماذا تريدين، لا أفهمك؟ نظرت إليه بشزر ثم نظرت إلى الطاولة الثقيلة وحاولت أن تبعدها عنها. نظر إليها بهدوء ثم اقترب وحمل عنها الطاولة. واتجهت أنظاره إلى قدميها ثم سألها قائلاً: –هل أنتِ بخير؟ صرخت به عندما جاء ليضع يده على قدميها: –إياك أن تقترب.
ضغط مارتن على أسنانه بغضب وهو يحاول أن يتحكم في غضبه من تلك الفتاة المعادية له. لكنه لم يعد يتحمل عدم رفضها للحديث معه أو مساعدته لها، فصرخ بها قائلاً: –وأنا لا أريد الاقتراب منك، أريد المساعدة فقط، هذا ما أحاول أن أفعله من أول مقابلة بيننا. لماذا تفعلين كل هذا وكأني أركض خلفك؟ أنتِ فتاة سيئة للغاية حقاً. قطمت شفتيها الوردية الناعمة بغضب ثم ناشدت قائلة بصوت مرتفع:
–وأنا لا أريد مساعدتك، ولم أطلبها منك، ولا دخل لك بأن كنت سيئة أم لا، أتفهم؟ هيا اغرب عن وجهي. قالت ذلك ثم وقفت بهدوء وسندت يدها على الجدار. ثم سارت عائدة إلى غرفتها بصمت رغم وجعها. نظر إليها مارتن بغضب ثم سار عائداً إلى غرفته. وعندما دخل أغلق خلفه الباب بقوة ثم جلس على السرير وأخرج سيجارة وبدأ في التدخين بشراهة. وأثناء ذلك طرقت بيلا على الباب ثم فتحته بهدوء وسألت بابتسامة باهتة: –لقد عثرنا على الفتاة.
قلب مارتن عينيه بضيق ثم وقف وقال بهدوء: –وماذا في ذلك؟ فتحت بيلا فمها بابتسامة متعجبة وهمهمت قائلة: –منذ قليل كنت تموت قلقاً عليها، والآن لا تهتم؟ حقاً! نظر إليها ببرود وقال بجفاء: –هي لا تعني لي شيئاً حتى أقلق عليها. اقتربت منه بيلا ثم وضعت يدها على كتفه وقالت بهدوء: –مارتن ماذا حدث؟ أبعد مارتن يد بيلا وقال بهدوء: –لا شيء، يمكنك الرحيل. نظرت إليه بيلا بضيق ثم أعطته ظهرها ورحلت.
فتح صابر باب الغرفة، فوقع نظره على حامد ومصلحي وهما ينامان في الغرفة. فدخل إلى المطبخ وبدأ في طهي الطعام بهدوء. وعندما انتهى وضعه على الطاولة المستديرة الصغيرة التي تدعى طبلية. ثم اقترب من الشابين ونادى عليهما بهدوء. همهم مصلحي قائلاً وهو نائم: –قولي لي أمك إني معنديش شغل انهردا يا حبيبتي. ثم شد يد حامد ووضعها على خصره. فضغط حامد عليه ثم رد عليه قائلاً: –امم مش واكل يا حبيبي.
فتح صابر فمه وهو ينقل نظره بين الاثنين، ثم فجأة. خلع الحزام ثم ضرب كل واحد منهم به بقوة وهو يقول بغضب: –قوم يا حيوان منك له، يتكم القرف عيال مقرفة. هبوا واقفين بفزع ثم نظروا إلى صابر بضيق وقالوا: –جرى إيه يا عم صابر، في حد يصحي حد كدا؟ نظر إليهم صابر بضيق ثم قال بهدوء: –يالا عشان تفطروا عشان الشغل يا بقر. نقلوا نظرهم على الإفطار المصري المكون من طعمية وفول وبيض مسلوق وجبنة قريش وعيش وسلطة خضراء وبطاطس وغيرها.
اتسعت ابتسامة كل من حامد ومصلحي ثم ركضوا اتجاه الطلبية. ثم بعث كل منهم قبلة هوائية اتجاه صابر وباشروا في الطعام. لكن أوقفهم صابر قائلاً: –ادخلوا الحمام وصلوا الأول يا بهيم، الأكل مش هيطير. قهقه مصلحي بخجل ثم وقف واتجه إلى المرحاض. وانتظر حامد أمام الباب حتى يدخل بعده. هز صابر رأسه بقلة حيلة من هذين الشابين. فتحت عينها ثم نظرت إلى سقف الغرفة بعض الوقت بخمول.
وأخذت نفس كبير واتسعت ابتسامتها ثم أخرجت مفكرتها وكتبت ما فكرت به قبل النوم. عندما انتهت رفعت عينها ثم صرخت بفزع قائلة: –بسم الله الرحمن الرحيم، فزعتني يا بيلا، من أمتى وأنتِ واقفة هنا؟ ابتسمت بيلا بهدوء وهمهمت بهمس: –اليوم يوجد احتفال بعيد ميلاد مارتن والكل مدعو هنا وأنتِ من ضمن المدعوين. هزت مودة رأسها ثم نزلت من على السرير وأردفت: –ماشي، بس من فضلك دقي الباب قبل الدخول مرة تانية.
هزت بيلا رأسها ثم ألقت عليها نظرة ريبة على مودة. ثم خرجت من الغرفة. نظرت إليها مودة ثم نقلت نظرها إلى كتابها وقررت أن تتجول في السفينة. حملت حقيبتها ثم خرجت من الغرفة وهي تبتسم بهدوء. كانت خطواتها تبطئ كلما اقتربت من طرق مظلمة. ضمت حاجبيها باستغراب وألقت نظرة على المحيط المظلم حولها، ثم سارت بتمهل. وضعت يدها على صدرها تفرك موضع قلبها بقلق وهي تسأل نفسها عن سبب خوفه. وأثناء ذلك شعرت بشيء لزج دعست عليه.
ارتفعت دقات قلبها بخوف ثم ابتلعت ريقها وأكملت سيرها. أصبح نفسها يبطئ مع كل خطوة تخطيها داخل الممر. فجأة هوى قلبها وحبست أنفاسها عندما شعرت أنها تدعس على شيء ما. أخرجت هاتفها ثم أنارت كشافه وألقت الضوء على ما حطت قدمها. فتحت عينيها بفزع وحاولت أن تصرخ فلم يخرج صوتها. لكنها حولت مرة أخرى بأعلى صوتها وهي تشعر أن قلبها توقف عن العمل. جاء كل من في السفينة يهرولون إلى الصوت.
اقترب مارتن من مودة التي وقعت على الأرضية الخشبية وسألها بقلق وهو يمنع نفسه من لمسها بصعوبة: –ماذا بكِ، لماذا تصرخين؟ ارتعشت مودة من الخوف ثم أشارت على جسد ملقى على الأرضية وهي لا تستطيع التحدث. نظر مارتن إلى الجسد على الأرض ثم نظر إلى مودة. في الميناء كان صابر يشعر بالضيق في صدره من غياب مودة عنه. فنزلت دمعة من عينه ثم نظر إلى الماء واستغفر ربه.
وأثناء ذلك نظر إليه كلاً من مصلحي وحامد ثم نظروا إلى بعضهم ثم ساروا إليه. همهم مصلحي وهو ينظر إلى الماء بهدوء: –روّق يا عم صابر كدا، وإن شاء الله هترجع وهتكون بخير. استرسل حديثه حامد قائلاً بهزل: –وإن شاء الله ترجع لي حصني، أقصد لي حضنك وتكون أحسن عروسة وأنا العريس طبعاً، بس أنت متقفلش الجوازة بس. نظر إليه كلاً من مصلحي وصابر بضيق وقالوا في نفس الوقت: –غور من هنا يا زفت. قهقه حامد وتحدث بابتسامة شقية: –حبايبي أنتم.
المهم بس نحدد الفرح على طول أول ما ترجع بالسلامة. خلع مصلحي حذائه ثم ألقاه في وجه حامد وقال بغضب وهو يشعر ناراً من الغيرة تأكل دواخله: –احترم نفسك يا حامد أحسن ليك. نظر إليه حامد بعبث ثم قال وعلى وجهه ابتسامة خبيثة: –الله في إيه يا مصلحي، دا أنا عايز القرب من عمي صابر بس. نظر إليهم العم صابر ببرود ثم وقف وابتعد عنهم. نظر إليه مصلحي وصرخ عليه قائلاً: –استنى بس يا عم صابر لسه مخلصتش كلامي.
شاور له صابر بيده ثم اتجه إلى عمله. نظر مصلحي إلى حامد ببرود ثم اقترب منه بتروٍ. فنظرت إليه حامد بابتسامة شقية ثم ركض بأقصى سرعة لديه وهو يقهقه ضاحكاً بصوت مرتفع ضحكة شقية لا يعلمها إلا الأصدقاء. أثناء ركض حامد وقف مرة واحدة ثم نظر بفزع أمامه عندما وجد صابر على الأرض. فصرخ باسمه بصوت مرتفع وهو يشعر أن قلبه هوى على الأرض. وكذلك ركض مصلحي إليه بخوف وكأن والده من وقع وليس رجل غريب عنه.
تجمعت الدموع في عين كلا الشابين وهما يحاولان أن يريا ماذا حدث له.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!