مشاعري مثل البحار، لا يعلم مكنونها إلا الله. كتبت في مذكراتها وهي تجلس على سور السفينة مرة أخرى، وهي تنظر إلى لؤلؤ المياه وهي تبتسم. فقد تحدثت مع والدها وأخبرته أنها بخير وأنها ستعود في أقرب وقت. ابتسمت بنعومة ثم أغمضت عينيها وهي تسترسل في استكمال كتابة روايتها، فغاصت في بحرها الخاص، بحرٌ ملئ بالأوهام التي تتجمع وتصبح في نهاية المطاف رواية أدبية من فنها.
لكن فتحت عينيها مرة أخرى بتفاجئ ووقع منها الكتاب مرة أخرى عندما استمعت إلى حديث أحدهم. كان يقف مع أحد المخرجين وهو يشرح له أحد المشاهد، ثم وقع نظره عليها وهي تجلس في مكانها المعتاد. شاور له الكاتب بهدوء وأخبره أن يذهب إليها، وشاور إلى طاقم الإنتاج ببدء التصوير. اقترب مارتن إلى مودة بهدوء ثم سألها مستفسراً بفضول. نظر إليها وهي تغمض عينيها وتبتسم.
فارتفعت زوايا شفتيها بابتسامة كلاسيكية وسارت عينه ببطء على ملامحها الفاتنة، بدأ من عينها المغمضة فتذكر زمردتها. –ألن تخبريني كيف عدتي إلى السفينة؟ صرخت مودة بتفاجئ ثم نظرت إلى الكتاب الذي وقع، ثم نظرت إلى مارتن بغضب وصرخت به قائلة: –أنت… أنت… امشي من هنا. أغمض مارتن عينيه وهو يضغط على شفتيه ثم فتح فمه وهمهم بهدوء: –أعتذر، لم أقصد أن أفزعك.
لم تجب عليه مودة بل أخرجت من جيبها خيطًا من البلاستيك ثم بدأت في ضمه على كف يدها. كانت تتمتم بضيق وهي تحاول أن تتذكر المشهد الذي كانت تفكر به قبل قدومه. نظر إليها وهي تُجامع الخيط على يدها البيضاء ثم نظر إلى وجنتيها الممتلئة التي تشبه بتلات الورد. جاء ليقترب منها فصرخت به بغضب وهي تنقل نظرها له، وكان عينها تشع غضبًا جعله يبتسم، فقد بدت مثل غضب الأطفال بسبب ملامحها الطفولية.
–أنت عارف لو قربت أكتر من كده أنا هرميك في البحر دا. ضم حاجبه ثم فتح فمه وأغلقه مرة أخرى، فتنهد بهدوء ثم نقل نظره إلى المخرج فأشار له أن يقف الاقتراب، ثم شاور إلى بيلا أن تذهب إليها وتتحدث معها. نظر مارتن إلى مودة وهمهم بهدوء يسترسل الحديث معها ولم يعطِ بالًا لحديث المخرج: –لماذا لا تريدين التحدث معي؟ هل فعلت لكِ شيئًا؟ –لا أحب التحدث مع الأغراب، فمن فضلك ابتعد من هنا، أو أترك لك المكان بأسره.
همهمت قائلة وهي تمسك الكتب وتفتحها مرة أخرى. أثناء ذلك اقتربت منهم بيلا وعلى شفتيها ابتسامة كلاسيكية وبرقة قالت إلى مودة: –مرحبًا بكِ. نظرت إليها مودة ثم ابتسمت بلطف وردت عليها قائلة: –أهلًا وسهلًا. ابتسمت بيلا إليها وتشدقت قائلة بنعومة: –لماذا تجلسين وحيدة؟ ردت عليها بهدوء وهي تنظر إلى لؤلؤ المياه: –مش عارفة حد هنا عشان أقعد معاكم. ضغطت بيلا على سماعة الأذن التي تترجم لها ما تقوله مودة، ثم ابتسمت بلطف وهمهمت قائلة:
–إذًا تعرفي علينا حتى لا تجلسين وحيدة. نظرت إليها مودة بخجل وهمهمت بهمس وهي تنظر إلى الماء: –أنا… أنا مش عارفة إزاي أتعرف على حد. –ماذا؟! … كيف! …؛ ألم تصادقي أحدًا من قبل؟ سألتها بتفاجئ وهي تنظر إليها بترقب تنتظر ردها. هزت مودة رأسها بالإيجاب ثم صمتت ولم تعرف ماذا تقول. كان يقف بجوارهم وهو يستمع بصمت الحوار الدائر بينهم، وما فهمه من حديثهم أنها لم تكن صديقة أحد من قبل.
لكن شعر بالضيق عندما تحدثت مع بيلا ولم تجب على أي سؤال طرحه لها. لم يدُم صمته طويلًا فهمهم بتروٍ وهو ينظر إليها: –دعونا نذهب إلى البقية. نظرت بيلا إلى مارتن ثم نقلت نظرها إلى مودة ثم ضربتها بمرح على كتفها وقالت بمرح: –هيا يا فتاة لا تكوني مملة. نظرت مودة إلى ذراعها ثم نقلت نظرها إلى بيلا بتعجب فلم يسبق لها أن جربت مرح الأصدقاء أو أن يتحدث معها أحد أكثر من نصف دقيقة.
تنهدت بهدوء ثم اتسعت ابتسامتها ونزلت من على السور ثم اقترب من بيلا وسألتها مستفسرة: –أنتم بتعملوا إيه هنا؟ نظرت بيلا إلى المخرج الذي أنهى التصوير وقالت بهدوء: –نحن نمثل فيلم على متن هذه السفينة.. ألا تعلمين من نحن؟ نظرت إليها مودة وهزت رأسها وقالت بهدوء: –أنا مش بحب أسمع أفلام. –وما السبب؟ سألتها وهي تنظر إليها. أجابتها بتلقائية وهي تبتسم: –بحب أضيع وقتي في الكتابة أو القراءة.
كانوا قريبين من طاقم التمثيل فاستمع إلى حديثها الكاتب يدعى ديف، الذي كان يرتدي جهاز الترجمة. نظر إليها ديف بهدوء ثم سألها مستفسراً بفضول: –عن ماذا تكتبين؟ انتبهت إليه ثم ابتسمت بلطف وهمهمت: –حاليًا عن الملك أمنحتب الثالث وزوجته الملكة تي.. يعني رواية مقتبسة عن حياتهم بس مش بنفس التشكيل. اللمعت عين الكاتب واقترب منها وقال وهو يبتسم: –هل من الممكن أن أطلع على ما كتبتي؟ ردت عليه بكلاسيكية:
–أعتقد أنك مش هتفهم منها حاجة عشان هي باللغة العربية. هز ديف رأسه ثم قال بهدوء: –أتصبحين ممثلة؟ –مش عاوزة. قالتها بتلقائية بدون حتى التفكير في الاقتراح. جفل ديف وسألها باندهاش من رفضها التلقائي: –لماذا؟ .. إنها فرصة لا تعوض. رمشت بعينها بلطف وتشدقت قائلة بنعومة: –أنا مش بحب التمثيل، بفضل الكتابة. قال المخرج بهدوء وهو ينظر إليها:
–يمكنك التجربة، وإذا أعجبك الأمر يمكنك التمثيل معنا، وسوف يكون لكِ دور في أفلام منتجة من شركتي. نظرت مودة إلى بيلا ثم نظرت إلى المخرج وقالت بهدوء: –ممكن أعرف ليه مصرين عليا رغم أن في غيري كثير؟ …. وبعدين أنا مش بعرف أمثل ولا عمري جربت. ابتسم المخرج وقال بتلقائية: –لأنك تلقائية غير مبتذلة، ووجه لطيف يضيف ميزة في الفيلم، غير أن هناك مشهد تم تصويره بالفعل وأنتِ ظهرتي به. نظرت إليه مودة بتفاجئ وسألت قائلة: –نعم؟!!
… إمتى ده. تحدثت بيلا بهدوء: –عندما كنتِ تجلسين على السور أول مرة، كنا نصور مشهدًا من الفيلم وظهرتي في الكاميرات، وعندما قفزتِ في الماء أحدثتِ مشهدًا مميزًا. نظرت إليهم مودة وفتحت فمها قائلة بتروٍ: –وبعدين بقى؟ نظر إليها الكاتب وقال بهدوء: –حسنًا يا فتاة، لا تضيعي فرصتك، فيمكنك الاطلاع على السيناريو. نظرت مودة إلى الأوراق التي أمامها ثم أخذتها منه وقرأت أول صفحة بتروٍ. ضمت حاجبيها باستغراب وقالت: –أكون لعنة؟
هز الكاتب رأسه وقال بحماس: –بما أنكِ مصرية ستكونين مناسبة لكِ هذا الدور كثيرًا، ومع ملامح وجهك التي بها من شكل الملكات المصريات، بذلك أنتِ أفضل من غيرك. نظرت مودة إليه ثم أخرجت من جيب ملابسها التي ارتدتها مسبقًا وبدأت في تعديل بعض المشاهد والكلمات ثم أعطت الأوراق إلى الكاتب وقالت بهدوء: –ماشي، ممكن أوافق لو وافقت على التعديلات دي مع مراعاة المسافة الممكنة، غير أني مش هتتنازل عن حجابي ولبسي.
قرأ ديف ما كتبته في الأوراق فلم يجد غير بعض الكلمات التي كتبت بخط أنيق: "أنا لست بلعنة بل أنا فتاة مصرية انطوائية مرتبطة بتمثال الملك مثل حبل الوريد". في حفل كبير على متن السفينة كانت تتمشى على سطحها وهي تنظر إلى الأنوار التي تضيء المياه مع أصوات الموسيقى العالية. كانت تقف وهي تنظر إلى رقص الأزواج، فوقع عينها على مارتن وهو يرقص مع بيلا، فنظرت إليهم ثم رمشت بعض الوقت وأخرجت كتابها ثم بدأت في كتابة مشهد خطر على عقلها.
لم تكن تعلم أنها عندما تخرج كتابها وتكتب أن المخرج والكاتب يستغلون ذلك المشهد بأنها تكتب لعنة سوف تحدث في الحفل. بعد أن انتهت من الكتابة شعرت أن السفينة تهتز، فنظرت حولها بتفاجئ فأشار لها المخرج أنها من فعلهم. نظرت إلى الجميع وهم يهرعون من الخوف ثم ابتسمت على إتقان تمثيلهم، وأثناء ذلك جاء كلاً من مارتن وبيلا إليها وهم يسألون باستفسار: –لماذا لعنتِ السفينة؟!
لم تتحدث بشيء بل نظرت بتعجب ثم أعطتهم ظهرها وسارت مبتعدة بتوازن رغم أن السفينة تهتز. انتهى المشهد عند هذا الحد، لكن مودة لم تتوقف بل لفت نظرها شيء في الماء، فاقتربت منه وعلى وجهها ابتسامة لطيفة بقطرات الندى. نظرت إلى الدلافين واتسعت ابتسامتها. لكن أثناء ذلك تدحرجت السفينة فوقعت من عليها في الماء. دخل والدها المنزل بحزن ثم تنهد بضيق على بعد مودة عنه. خلع معطفه ثم دخل إلى المطبخ حتى يطهو.
وبعد أن انتهى وجد باب المنزل يدق، فغسل يده ثم اتجه إلى الباب وفتحه بهدوء. نظر إلى الطارق وهو يرفع حاجبه وسأل مستفسراً: –خير؟ منك له؟ قال مصلحي وعلى وجهه ابتسامة بلهاء: –كل خير يا عمي صابر. قال حامد وهو ينظر داخل الشقة: –ما توسع كدا يا عم صابر خلينا ندخل. وضع صابر يده على الباب يمنعهم من الدخول ثم قال بهدوء: –أيوه خير برضوا، أي سر الزيارة دي مش عوايدكم؟ قهقه مصلحي وهو يمسك يد صابر ويدخل إلى المنزل:
–أصل بعيد عنك يا عم صابر أبويا كرشني من البيت، وحلف يمين طلاق ما أنا بيت فيها الليلة دي، ملقتش حد غيرك عشان يتوني عنده للصبح. قال صابر بضيق هزلي: –تتوني. وأنت ما رحتش عند صاحبك ليه؟ قال حامد وهو يلف يده حول كتف صابر: –إسكوت متعرفش؟ هز صابر رأسه ثم قال بهدوء وهو ينظر إليه: –لا معرفش؟ بدل حامد ملامحه إلى الحزن وقال:
–مش جه عندي ولعبنا دور ضمنوا ودبينا خناقة وفي الآخر الحاج حلف يمين طلاق ما إحنا بيتين فيها وقفل الباب في وشنا. نظر إليهم صابر ببرود وقال بجفاء وحدة: –وأنتم بقى ملقتوش غير بيتي وتناموا فيه؟ هز كلا من حامد ومصلحي رأسهما بالإيجاب وعلى وجههم ابتسامة بلهاء. ابتسم مصلحي وقال بهدوء: –أنا جعان عندك عشي أي يا عم صابر؟ نظر إليهم العم صابر ثم قال ببرود: –ليه حد قال لكم إني فاتحها فندق ولا أي.
–الله يا عم صابر مش إكرام الضيف واجب ولا إيه؟ قالها حامد وهو ينظر إليه. قال صابر بتلقائية وهو ينظر إليهم: –مش لما تكونوا ضيوف يا روح أمك. اتسعت ابتسامتهم ثم قبل كل واحد بهم خد صابر وقالوا: –حبيبي يا عم صابر فين المطبخ بقى؟ نظر إليهم صابر ثم هز رأسه وقال بهدوء: –استنوا هنا. مال مصلحي على حامد وقال بهمس: –ماله عمك صابر شكله كدا مش متقبل وجودنا؟ نظر إليها حامد وهو يغمض عين ويفتح الأخرى: –مش أي؟ –متقبل وجودنا؟
قالها مصلحي بتلقائية. نظر إليه حامد بتعجب وقال: –ومن إمتى الكلمة دي في قاموسك؟ أزاح مصلحي بعض الغبار الوهمي من على كتفه ثم قال بتفاخر: –أنا لا أتوقع؟ قالها مصلحي بتلقائية ثم نظر على صابر الذي يحمل في يده أدوات تنظيف ثم أعطاهم الأدوات وقال بابتسامة عريضة: –عاوز الشقة بتلمع والغرفة دي ممنوع حد منكم يقرب منها. شاور على غرفة مودة ثم دخل إلى غرفته. نظروا إلى بعضهم ثم قالوا بضيق: –إحنا إيه اللي جبنا هنا.
قال حامد وهو يتنهد بضيق: –بختنا الأسود.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!