تحميل رواية صغيرة على العشق بقلم نوره عبد الرحمن pdf
بقلم نوره عبد الرحمن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
دخل عمر غرفته بعد سفر دام عشرة أيام. عاد محملاً بالشوق لزوجته وحبه الوحيد، أم أطفاله، شروق. وجدها نائمة. جلس للحظات يراقبها بحب وشوق، ليشبع عيناه وقلبه من رؤيتها. انحنى دون وعي وقبل وجنتيها. تمادى أكثر وأكثر. استيقظت برعب وهي تحاول المقاومة، إبعاده أو الصراخ. لكنه همهم بشوق عارم: "أنا عمر، وحشتيني، وحشتيني أوي أوي." لم يدع لها أي مجال للتكلم ليكمل ما يفعله. لتبادله هي الأخرى وقد أخذ الشوق منها ما أخذ. ليقضيا ليلة من أجمل الليالي. ليلة لقاء الأحباب. مضى بعض الوقت وهي تستند برأسها على صدره، تحتضن...
رواية صغيرة على العشق الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم نوره عبد الرحمن
كانت غارقة بالنوم بجانب الصغير وهي تحتضنه حتى استيقظت بانزعاج على لمساته التي تعرفها جيدًا.
لتصدم بزين يحتضنها وقد استلقى بينها وبين غيث.
قال بصوت خافت:
"سيبني يازين، انت بتعمل إيه؟"
"تؤ، مش هسيبك، انت عايزة تشوفي الجنان وأنا مش هحرمك من حاجة يا روحي."
"زين، مش وقت الهزار دلوقتي، غيث هيصحى."
"ما يصحى، وأنا عملت حاجة غلط؟ نائم في حضن مراتي."
"زين، سيبني عايزة أقوم."
"تؤ."
قال كلماته ليشدد باحتضانها ويثبتها.
حركت قدميها بانزعاج ترغب بإفلات نفسها بأي وسيلة، لكنه ثبتها بقدمه هامسًا بخفوت وهو يدفن وجهه بعنقها:
"اهدّي يا قلبي عشان عايز أنام."
وضعت كلتا يديها على صدره تقول بخفوت:
"ما تنام، أنا ماسكاك، ابعد شوية، انت لازق فيا كده ليه؟"
"وحشتيني، ريحتك وحشاني، حضنك وحشني."
قالها وهو يعلم يقينًا وقع كلماته على قلبها الذي يعشقه، ليشدد باحتضانها.
أما هي فقد استكانت، هدأت، أغمضت عينيها وهي تشعر بغصات كثيرة تخنقها.
***
حل الصباح عليها وهي مازالت بقميصها وشعرها المنثور مستلقية على السرير.
عيناها تنظران إلى السقف تتذكر ما حدث أمس معها وكيف غادر عيسى بعد أن رمقها بنظرات خذلان وقهر.
ودت لو ماتت قبل أن ترى هذه النظرات بعينيه.
الشك، الشك الذي كاد يقتلها بسببه، لكنه في اللحظة الأخيرة تركها.
كانت تلك الصفعة التي تلقاها الأول والأخير.
هل سيكتفي عيسى بهذا العقاب؟ هل سيشفي غليله؟ أم أن له انتقامًا آخر من نوع آخر؟
مريم، بالرغم من صغر سنها إلا أنها تعلم جيدًا ما الذي تفعله الخيانة بالرجل، تكسره وتحطمه وتهين رجولته.
دموعها الساخنة جرحت وجنتيها لتخرج ما يكنه قلبها من قهر وعجز.
كيف ستثبت براءتها الآن؟ إنها عاجزة، عاجزة بشكل كلي.
انتفضت إثر اقتحام والدته غرفتها وقد أخرجت أشياءها وهي تردد على مسامعها كل المسيرات التي عرفتها تلك المرأة.
مرددة:
"عيسى ابني بيقولك عايز يرجع، ما يشوفكيش هنا تاني."
"أبصر الله أعلم إيه المصيبة اللي عملتيها."
مريم جذبت الغطاء لتغطي جسدها فهي مازالت ترتدي قميصها.
"العاري."
لتكرر والدة عيسى:
"قومي ياختي، قومي غيري عشان أمك هتجي تاخدك."
صدمت مريم وتلعثمت أكثر، نزلت دموعها بحرقة حتى دخلت نور مرددة بغضب:
"إيه اللي بتعمليه ده يا أمي؟ سيبي البنت."
"مالكيش دعوة انتي يا نور، اخرجي منها."
"نور، ماليش دعوة بأي حاجة، عيسى كلمني أنا، واتبلغني أتصرّف، انتي تدخلي ليه؟"
"نور،" قالتها والدتها بتحذير.
"نور، أرجوكي يا أمي اطلعي برة، لحسن أقسم بالله أتصل بعيسى ييجي يتصرّف."
لترمق والدة عيسى الثياب على الأرض بغيظ مرددة:
"ماشي يا بنت بطني، ماشي، بس مش عايزة أشوف أي حاجة من حاجتها هنا، انتي فاهمة."
وغادرت.
أسرعت نور لتحتضن الأخرى:
"اهدّي يا مريم، اهدّي يا حبيبتي، متعيطيش، إيه اللي حصل وعيسى عمل كده ليه؟"
مريم تبكي فقط مرددة:
"أنا مش همشي، مش همشي لحد ما أشوف عيسى، يا نور، لحد ما عيسى يعرف الحقيقة."
"اهدّي، اهدّي يا روحي، انتي اهدّي، خلاص كل حاجة هتتحل، بس أنا شايفه إنك تمشي من هنا دلوقتي وبعدين هتتحل."
رمقتها مريم بنظرات مقهورة:
"انتي بتقولي إيه؟ أنا مش همشي من هنا لحد ما أشوف عيسى."
"بس عيسى سافر،" قالتها نور لتصدم الأخرى.
"سافر؟ انتي بتقولي إيه؟"
"مريم، حبيبتي، عيسى سافر ومش هيرجع بالوقت ده."
لتكمل بحرج:
"وكمان.. وكمان كلم مامتك طلب إنها تيجي تاخدك من هنا."
يتبع...
رواية صغيرة على العشق الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم نوره عبد الرحمن
كانت أسيل نائمة. لم تستطع النوم أمس بسبب التفكير في زين وما يفعله معها. فتحت عينيها على لمساته وهو يمسح وجهها بحنان هامساً بود:
"أسيل... أسيل مش كفاية بقى."
تململت بانزعاج لتفتح عينيها بضيق لتجده يقابلها بابتسامته التي تعشقها.
"صباح الورد عالورد."
قال كلماته وطبع قبلة سريعة جانب شفتيها. لتبعده بضيق.
"في إيه."
"أسيل، لو سمحت يازين، كفاية الأسلوب ده معايا. أنا ما عدتش صغيرة."
"أنتِ لسه صغيرة بعيني وهتفضلي كده دايماً."
نهضت أسيل بغيظ، لكنه أمسك يديها يمنعها من المغادرة ليجذبها إليه حتى سقطت بين أحضانه.
"أول حاجة، دي مش طريقة تكلميني بيها ياروحي. تاني حاجة، خدي شور. الفطار جاهز، وغيث وديته عند بيت عمر ونبهت الشغالة تهتم بيه."
"وإنت عملت كده ليه."
"عشانـا، عشان مينفعش نفضل كده، ولازم نتكلم."
"زين، أرجوك، أنا ما عنديش حاجة أقولها."
"بس أنا عندي."
نفخت بضيق مرددة: "ماشي، سمعاك. اتكلم."
"تؤ، مش هنتكلم هنا."
"مش فاهمة."
"إحنا مسافرين." قالها وهو يحرك يده على طول ذراعها. "اجهزي بسرعة ياروحي، الطيارة مش هتستنانا، وما فضلش على الحجز حاجة."
"وأنا مش مسافرة."
"إنتِ أي... يعني أنا ماليش رأي؟ ماليش أي اللزوم عندك؟ زي الكنبة والسرير ده، انت فاكرني إيه؟"
أسيل، أنا بعمل كل حاجة عشان... عشان نعرف نكمل."
"عمرنا ما كملنا بالطريقة دي." قالتها بانفعال.
ليزداد غضبه أكثر ويضرب الأريكة بقدمه مردداً: "لأ بقى، دي ما بقتش عيشة. اسمعي يا أسيل، خمس دقايق وتكوني جاهزة، وإلا أقسم بالله هنزعل من بعض جامد، انتِ فاهمة."
"اتحركي اجهزي." قالها بغضب لتنتفض الأخرى بخوف.
***
عادت لغرفتها في منزل عمر تحتضنها شروق وتبكي لبكائها. أما عمر يحاول فهم ما الذي حدث.
"اللهي تتكسر إيده عشان ضربك."
"ماتدعيش عليه ياماما، عيسى ملوش ذنب، هو اتخدع."
جذب كرسيه وجلس عمر مقابلاً لهما عندما لاحظ هدوء مريم.
"طيب يامريم، مادام هديتي شوية، أنا عاوز أفهم اللي حصل عشان لو في حاجة تتحل نلحق نحلها."
"حل إيه ياعمر؟ انت بتتكلم عن إيه؟ ده يطلقها ومش هيشوف ضفرها تاني."
نظرت مريم إلى عمر بانكسار ليمسك وجهه بضيق.
"حبيبتي شروق، ممكن تجيبي لمريم لمون عشان تهدى شوية."
"هقول الشغالة."
"لأ ياحبيبتي، حضريه انتِ من إيديكي الحلوة دي." قالها وهو يجذب يدها يقبل باطنها مردداً. "وكمان اعملي معاكي."
"حاضر." قالتها شروق وهي تعلم بأن عمر يريد التحدث بمفرده مع مريم.
وور خروجها نظر إلى مريم لثواني ثم تحدث بتأني.
"انتي عاوزة تتطلقي يامريم."
"أنا عاوزة أشوفه ياعمر، عاوزة أقوله إني ما عملتش كده."
"طب اهدي شوية وقولي كل اللي حصل."
"بس هو مسافر ومش هيرجع دلوقتي." قالتها بشهقات.
"مريوم حبيبتي، إيه، وقولي اللي حصل من غير نقصان ولا زيادة."
كانت شروق تستمع، خاف الباب على حديثهما.
"مش عارفة اللي حصل، هو جه وكان مبسوط أوي. دخلت الحمام وخرجت كان معاه فون بيقول إنه لاقيه تحت المخدة بتاعتي." لتكمل بشهقات وبكاء مرير: "فيه شات بين بنت ووالد وصوري وأنا مبعوته للشب ده."
صدم عمر لكنه حاول تمالك أعصابه.
"وانتي ماشفتيش حد دخل أوضتك."
هزت رأسها بشهقات.
"والله مش عارفة، مامته طول النهار بتشغلني بالبيت وأنا ما أدخلش أوضتي إلا بالليل."
مسح وجهه بحيرة.
"طيب يامريم، مفيش حد، انتي شاكة في حد؟ حد انتي مش مرتاحة له هناك."
هزت رأسها بالنفي.
"مفيش والله مفيش."
لتنهار باكية. واقتحم شروق الغرفة تحتضن ابنتها محاولة تهدئتها.
"انت بتعمل كده ليه ياعمر؟ بتزعلها كده ليه."
هز رأسه من زوجته وعنادها لينو لينهض يريد المغادرة لكنه توقف أثر صوتها المخنوق.
"عمر، أنا عاوزة أشوفه، ولو مرة وحدة، ارجوك ياعمر، مش عاوزة عيسى يكرهني."
"ما يكرهك، وإلا يغور، انتي ما عملتيش حاجة غلط."
"بس عيسى ما يستاهلش اللي حصل معاه، ما يستاهلش."
لاحظا شروق وعمر تعلق مريم بعيسى وحبها له.
"عينيا ياحبيبتي، بس أروح أعمل كم مكالمة وأعرفلك هو فين وهبقى أرجعلك."
"بجد." قالتها بابتسامة باهتة.
"بجد والله، بس مش عايزك تعيطي وتبهدلي نفسك كده، واعرفي، مدام ما عملتيش حاجة غلط يبقى متخافيش من حاجة وأنا موجود."
"عمر، انت بجد عاوز تاخدها عنده."
"هنتكلم بعدين ياحبيبتي، خدي بالك من مريم لحد ما أرجع."
"وانتي يامريم، استحملي جنان أمك، ماشي." قالها بمزاح لتبتسم الأخرى.
"انا مجنونة عشان عاوزة مصلحتها، ماشي ياعمر، ماشي."
قبل جبينها بابتسامة وغادر ليتركها مع ابنتها لوحدهما.
***
"عيسى، هو أنا بيحصل معايا كده ليه؟ دي عقاب عشان اللي عملته فيكي يعني وإلا إيه."
"أنا لما قابلت الإنسانة اللي حبيتها وارتحت ليها من بعدك، طلعت خاينة."
"إيه اللي بيحصل معايا ياملك."
"إيه ملك، ارجوك انتي سامحتيني، أنا حاسس إن لعنتك مصاحباني لحد ما أموت، مع إني والله ما كنت في وعيي لما حصل اللي حصل." ليبكي بقهر.
"أنا كل يوم بموت ألف مرة وأنا بفتكر اللي حصل يومها."
"ملك، سامحيني يامالك."
"بتسامحك على إيه."
يتبع....
رواية صغيرة على العشق الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم نوره عبد الرحمن
صمت مريب كان بينهما طوال الطريق.
أسيل تفكر بشيء ما. أما زين فيفكر كيف ستصبح هذه العلاقة الآن، وهو يعلم يقيناً أن تأثيره على أسيل قوي جداً، لكنه اليوم يريد وضع نهاية لكل المشاكل التي تعترضه.
"أسيل." قالها بخفوت بعد أن نزلا من الطائرة واستقلا سيارة خاصة استأجرها زين لتستقبله في لندن.
لم تجبه. أدارت وجهها الجهة الأخرى متمنية فقط أن يسكت الآن، لأنها خائفة. خائفة حقاً من هذا التغيير. هل سيطلب منها التخلص من جنينها أم ماذا؟ لما هذا اللطف بالتعامل أساساً؟ زين لم يأخذها ويسافر منذ زواجهما.
قطع شرودها وقد أمسك كفها وقبل باطنه.
"أسيل أنا بكلمك."
جذبت كفها بهدوء. أثار ريبته لتقول بجدية:
"ارجوك يازين، أنا تعبانة ومش عايزة أتكلم."
"ماشي يا أسيل نرتاح من السفر الأول ونتكلم.. بس أنا كنت عا..."
قاطعه رنين هاتفه وكان عمر. فور إجابته، أبعد الهاتف عن أذنه بصدمة فقد انهال عليه عمر بالشتائم. أمر زين السائق بالتوقف ليرى ما الذي يحدث مع صديقه.
فور نزوله، تكلم بارتياح وعيناه تراقبانها باهتمام.
"عمر بانفعال: وحياة أمك مسافر نتفسح وسايبني مطحون بين الشغل والمشاكل."
"زين: أهدى ياعمر انت مش عارف أي حاجة."
"عمر: أهدى إيه وزفت إيه؟ ترجع دلوقتي يازين، أنا مش عارف ألم المشاكل دي كلها لوحدي."
"زين: وأنا مش هخسر مراتي ياعمر ومش راجع."
"عمر بعدم استيعاب: انت بتقول إيه؟ أسيل مالها؟"
مسح وجهه الآخر بضيق.
"أما أرجع أحكيلي."
"عمر بانفعال: احكيلي دلوقتي. أسيل مالها؟ هي كويسة؟"
"زين: كويسة كويسة بس الحمل مطير برجين من نفوخها وعاوز أصالحها."
"عمر: الحمل؟ هي أسيل حامل؟" قالها عمر بسعادة.
"زين: أيوا ياسيدي ومجنناني عشان كده اختصرت المشاكل وقلت أخرجها شوية. أنا عارف إني مقصر معاها وهي طول الوقت مستحملاني."
"عمر: ألف مبروك يازين الحمدلله."
"زين: الله يبارك فيك. أنا عارف إني سيبتك بالوقت الغلط بس انت عارف أسيل وطبعها، تكتم تكتم ولما تنفجر محدش يقدر عليها."
"عمر: متشيلي هم.. طيب يازين.. ماشي خد بالك منها.. ومتزعلهاش عشان والله هزعلك."
"زين بضحكة وهو يرمقها بنظراته: هو في حد يزعل روحه."
"عمر: طب اتكلم بقى لحسن أخرجلك من الفون. سلااام."
"زين: مع السلامة."
***
نهض عيسى يمسح دموعها بسرعة ليصدم بوالدة ملك، زوجته الأولى.
أرمقته بكل الكره الذي وجد على هذه الأرض.
ردد بحزن:
"ازيك يا أمي."
"والدة ملك: بكره: أنا مش أمك، متقولش أمي تاني، انت فاهم. أنا لو أطول أموتك دلوقتي مقفش ثانية واحدة. انت لسه مش مسامحاني."
"عيسى: أسامحك؟ أسامحك دي تتقال للي غلطت في حقه مش اللي خدت روحه منه. أنا.. انت إيههه؟ انت خدت روحي، قتلت ملك. أنا مش هسامحك. الهي ينتقم منك ويوريني فيك يوم ياعيسى يا ود نوريه."
"والدة ملك: أنا ماليش ذنب، كنت م."
"عيسى: انت ملكيش ذنب، انت الشيطان اللي خد بنتي مني. أنا بكر**ك، بكر**ك." قالت كلماتها وهي تضرب كتفيه وتهجم عليه تريد قتله.
أمسكها باختناق مردداً:
"ملك هي اللي انتحرت، أنا ماليش ذنب."
"والدة ملك: انتحرت بسببك، بسبب اللي عملته فيها يا****. أنا معملتش حاجة، أنا حبيتها، حبيتها من كل قلبي."
"والدة ملك: كداب، كداب. ربنا ينتقم منك. ربنا ياخدلي حق بنتي منك."
أبعدها عنه عيسى وغادر. غادر وهو يشعر بالاختناق. لماذا؟ لماذا الأمور كلها تتعقد دائماً؟ ملك منذ زمن الآن. مريم... لكن هناك فرق بين الاثنان.
صعد سيارته وغادر إلى القاهرة. هناك يهرب دائماً من مشاكله وهمومه.
دخل شقته هناك، وما أن استلقى على الأريكة بإنهاك حتى سمع صوت جرس الباب. شعر بالغرابة، من سيأتيه بهذا الوقت؟ ولا أحد يعلم بمكانه سوى همام فقط.
فتح الباب ليصدم بفتاة شديدة الجمال. دفعته بدلال وخفة ودخلت الشقة معه.
"انتي مين؟" قالها عيسى بصدمة ودخلة كده ليه.
أجابته بجرأة وهي تتفحص جسده الرياضي وملامحه الحادة التي توقع أي فتاة بحبها:
"أنا مين؟ سوسن.. جارتك بالشقة اللي مقابلك هنااا. معجبة بيك من زمان بس انت بقى ربنا يسامحك مش شايف الطع**ة دي كلها." قالت كلماتها وهي تخلع العباءة لتظهر جزء من مفاتنها.
ابتلع ما بجوفه بريبة مردداً:
"اطلعي بررا."
"تؤ، مش هخرج."
"اقلها مش دلوقتي." قالت كلماتها وهي تقترب منه. حركت يدها بجرأة على عنقه لتحيط عنقه بدلال. وقبل أن يدفعها بغضب، قبلته وووووو.
***
على الهاتف مريم تكلم والدة همام، زينب.
"مريم: عمتو انتي متأكدة أنه هناك."
"زينب: أيوه يابنتي والله هناك بس متروحيش لوحدك عشان هو متعصب جامد."
"مريم: لاااا، أنا هروحله لوحدي. ماما لو عرفت مش هتسبني أروح له وأنا لازم أكلمه."
"زينب: طب استني آخد عربية وأعد عليكي."
"مريم: لا ياعمتو كده هتتأخري وأنا عايزة أشوفه دلوقتي. أنا هروحله من غير ما أعرف ماما."
"زينب: يابنتي بلاش."
"مريم: سلام ياعمتو، أنا بحبك أوووي. شكراً ليكي."
أغلقت الهاتف وبدلت ثيابها بسرعة. وضعت وسادة في سريرها وغادرت دون أن يراها أحد. لا تعلم ما الذي ينتظرها وكيف سيقابلها عيسى. الذي حاول جاهداً حمايتها من نفسه عندما أبعدها عنه، لكنها مصرة على المواجهة. عناد طفلة صغيرة لا تعلم من الحياة شيء. ما الذي ينتظرها؟
رواية صغيرة على العشق الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم نوره عبد الرحمن
فور دخولهما جناحهما الخاص جذبها إليه وأحاط خصرها بتملك هامساً بود:
"وحشتيني يامفترية! كل ده بعاد؟"
"انت بتعمل ايه؟" قالتها أسيل بضيق وهي تحاول إبعاده عنها مرددة بضيق:
"لو سمحت ابعد يازين."
زين بهمس:
"وابعد ليه؟ مش من حقي أحضن مراتي وأبوسها؟"
دنى منها لينوي تقبيلها، لكنها وضعت كفها على شفتيه تمنعه من فعل ذلك، وقلبها ينبض بسرعة وكأنها وقعت بحبه أمس. فعشقها لزين لم ينقص يوماً، بل يزيد كل يوم أضعاف. لكنها يجب أن تضع حداً لكل ما يحدث.
أمسك كفها وقبل باطنها مردداً بابتسامته المعتادة التي تعشقها أسيل:
"حقاً مالك ياقلبي؟ زعلانة مني ليه؟ أنا عملت إيه لكل ده؟"
"لو سمحت يازين، سبني فحالي."
"أسيبك؟ أسيبك ليه؟ هو انتي مراتي عشان أسيبك؟ هو انتي على اسمي عشان إيه؟ انتي مراتي يا أسيل وجزء من حياتي. المفروض أفهم إيه اللي بيحصل معاكي، إيه اللي بيدور في عقلك ده؟ ولا انتي مش عايزة تشاركيني مشاكلك؟"
"مشاكلي؟" قالتها باختناق:
"وانت من امتى حاسس بيا أساساً؟"
"زين، انتي بتقولي إيه؟ أنا دايماً..."
بانفعال ومقاطعة:
"دايماً إيه؟ دايماً مش داري عني، مش حاسس بيا؟ عايش معايا غصب عنك؟ انت فاكرني مش حاسة؟ أنا كل اللي مصبرني يازين إني بحبك."
قالتها لتذرف دموعها التي كتبتها منذ سنوات.
"بحبك أيوه، بس انت إيه؟ انت إيه يازين؟ لسه شايفني السبب بموت رحاب؟ مش عارف تنسى؟ مش عارف تتخطى؟ وأنا بحاول أعمل كل حاجة، مش عارفة أنسيك..."
شعر بغصة بصدره عندما سمع اسم رحاب، حبيبته التي عشقته منذ اللحظة الأولى التي رأته بها. رحاب ببراءتها، مزاحها، وكلامها الذي يخرج دون أن تفهم معناه. حروف التي تخرج من قلبها حقاً يعشقها، لكنها غادرت. وأغلق عليها داخل قلبها بمفتاح لن يمنحه لأحد أبداً.
زين بصدمة وغضب:
"انتي بتقولي إيه؟ اسكتي... اسكتي خلاص."
أسيل بانفعال:
"لا مش هسكت يازين، مش هسكت. كفاية حرام عليك. أنا ندمت على الساعة اللي اتجوزتك فيها. انت إيه؟ مش حاسس بالقهر اللي جوايا؟ مش حاسس إني كل يوم معاك بموت بحسرتي؟ ببقى عايزة منك بس بصة، كلمة حلوة تطيب خاطري فيها، وانت ولا أنت هنا. عايش معايا غصب عنك. انت اتجوزتيني ليه؟ هااااا؟ ليه؟ ودلوقتي عايز مني إيه؟ عايزني أسقط ابني عشان ترتاح؟ انت أكتر حد أناني عرفته بكل حياتي."
"اخرسي."
قالها ليصفعها، لأول مرة يفعلها زين، الذي هاجت بداخله مشاعر مختلطة، أحيت أسيل الماضي المرير بداخله. الذي دائماً ما يهرب منه. وألقت عليه كل تلك الاتهامات الموجعة.
صدم هو نفسه من فعلته. نظر إليها وهي منهارة على الأرض تبكي بحرقة. مصدومة، لم يفعلها زين قط.
أراد احتضانها، التهوّن عليها، لكنه لم يفعل. لم يقترب منها، بل غادر فقط. غادر. هرب من أمامها وتركها. تركها مشتتة، متألمة، ضائعة. روحها تصرخ قبل حنجرتها.
دفعها بغضب، وكادت أن تسقط، لكنها استندت على الأريكة خشية السقوط، وهي تنظر إليه بصدمة.
لم تستطع جمع شتاتها، حتى جذبها من ذراعها والتقط عباءتها بيده الأخرى ليرميها خارج شقته، مردداً:
"أكتر حاجة بكرهها بحياتي الستات الرخيصة اللي زيك. مش عايز أشوف وشك أبداً، والا قسم بالله همحيكي من الدنيا كلها."
قال كلماته، وقبل أن يعود لشقته، التقت عيناه بعيني مريم.
التي حدث كل هذا، ومريم تقف تراقب بصدمة.
وقف لثانية وهو يرى مريم أمامه. كيف تتجرأ أن تأتي إليه الآن؟ كيف أتتها الجرأة تقف أمامه هكذا؟
"عيسى."
قالتها مريم بصوت خافت، ناعم، مرعوب من ملامحه الغاضبة. لم يجبها، تجاهلها تماماً. خطى بضع خطوات إلى شقته، لتدخل معه بسرعة قبل أن يغلق الباب.
نظرت داخل عينيه مرددة بكامل ثقتها:
"عيسى، انتا لازم تسمعني."
"امشي من هنا يابنت الناس، مش عايز أغلط."
"انت لازم..."
انتفضت إثر صراخه الذي أرعبها:
"بقولك غوري من وشي!"
تقدمت نحوه بخوف وعناد، تريد فقط أن تشرح ما حدث، أن تدافع عن نفسها.
لكنه أمسك ذراعها بعنف مردداً:
"ماتقربيش مني وامشي من هنااا."
مريم بعناد:
"مش همشي لحد ما ت..."
جذبها من ذراعها بعنف، وقبل أن يخرجها من شقته، احتضنته. احتضنته وتمسكت به بقوة:
"مش هسيبك ياعيسى لحد ما..."
أبعدها بعنف:
"متفكريش بده حتى يامريم. امشي من هنااا، بدل ما أتجن وجناني هيأذيكي. امشي."
مريم بعناد:
"مش همشي، مش همشي ياعيسى، مش همشي."
"يبقى أنا اللي هغور."
وأسيبهالك. وقبل أن يتخطاها، صدمته بقبلة طفولية تحاول جاهدة إيصال مشاعرها له.
لكنه صدمها عندما دفعها بقرف مردداً:
"شكلك اتعودتي عالرخص، وتعودتي تكوني رخيصة."
امتلأت عيناها بالدموع. لكنه صدمها أكثر عندما جذبها من ذراعها:
"شكلك عايزة تبسطي، عشان حبيب القلب مش فاضي ليكي النهارده. وماله، نبسطك شوية."
تراجعت إلى الخلف وهي تهز رأسها بالنفي، مصدومة مما سمعت. تلعن نفسها مئات المرات لأنها أتت إليه بقدميها.
"على فين؟"
قالها ليجذبها بعنف حتى ارتطمت بصدره.
بتلعثم رددت:
"لااا ياعيييسى، مش كده. مممش هتعمل كده. انت مش هتعمل كده."
بابتسامة سامة وجنون وغضب أعماه:
"ومين اللي قالك مش هعمل؟ دنا هعمل وهعمل كتيييييير أوووووي أووويييي."
وقبل أن تتراجع لتهرب، شدها من شعرها وسط صراخها ووووو.
رواية صغيرة على العشق الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم نوره عبد الرحمن
ثيابها ممزقة، مقيدة بالسرير. تملأ جسدها الندوب والجراح. لقد تفنن عيسى بإيذائها حقًا. لكن تلك الندوب والجراح لا تعد شيئًا أمام جروح قلبها، وانكسارها، وتحطيم مشاعرها البريئة.
خسرت كل شيء الآن، كل شيء بسبب عنادها وتسرعها. شهقاتها تتعالى وهي تتذكر قسوته معها وتعنيفه لها أمس. عيسى مجنون حقًا أمس، ولم يكن بوعيه.
فتح عينيه على صوت شهقاتها، يشعر بثقل في رأسه. ليصدم بما رأى. مريم مقيدة على السرير، ملامحها باهتة، ثيابها ممزقة. نظر إلى السرير ليجد دماء تملأه. أما هو فكان شبه عارٍ، يداه مليئة بالجراح، صدره وجسده مليئان بالخدوش.
نهض من جانبها وعيناه متركزتان عليها. ربما أشفق على حالها لثوانٍ. أو أنه شعر بالندم قليلاً، لكنه ابتعد عنها. لاحظ تلك الوُحمة التي تشبه حبة الكرز على كتفها الأيسر. اقترب منها ووضع يده عليه ليتحسسه.
انتفضت الأخرى برعب وصراخ:
"سيبني! متقربش مني! متلمستنيش! أنا بكرهك! بكرهك يا عيسى! بكرهك!"
لم يأبه لكلماتها، أو أنه تجاهلها. انحنى قليلاً وقام بفك قيودها دون أن يتحدث أو يقترب منها.
فور أن فك قيودها، جذبت الغطاء لتغطي جسدها المنهك العاري، تستره أمام نظراته.
غادر عيسى وتركها تجمع شتاتها. شهقاتها تتعالى تندب حظها وتسرعها.
جلس على الأريكة يرتدي بنطاله فقط. أشعل سيجارته وجلس مطولاً.
هل هو نادم على ما فعل؟
هل سيعتذر منها؟
لكنه لم يفعل ولن يفعل. فهي خائنة، خائنة بنظره. وستبقى خائنة. وما فعله لم يشفي غليله قليلاً أبدًا. لا، لأنها سترى الأمرين معه. أليست هي ما تريد ذلك؟ وأتت إليه بإرادتها.
"الحقني يا عمر! الحقني! مريم مش في البيت!"
"انتي بتقولي إيه؟ دوري كويس يا حبيبتي. أكيد في الجنينة بتتمشى. أكيد هتكون راحت فين؟ دوري كويس يا حبيبتي."
بدموع وانهيار:
"مش لاقياها يا عمر! أرجوك بنتي! عايزة بنتي!"
جذبها ليحتضنها لكي تهدأ:
"اهدي يا حبيبتي. أكيد هنلاقيها. خلاص بلاش عياط. انتي بتترعشي كده ليه؟ خلاص يا شروق. بلاش تقلقيني عليكي. انتي بتموتي كده ليه؟ خلاص. اهدي. والله هرجعها لك. بلاش تخوفيني عليكي كده."
قال كلماته ليطمئنها، وهو يفكر أين يمكن أن تكون ذهبت.
لم تتحرك من مكانها. مازالت مستلقية على الأريكة، مغمضة عينيها. مر الليل بأكمله وهي بمكانها. تضع يدها على بطنها، تتحسس جنينها. تحدثه وتشكو له تصرفات والده وظلمه لها، حتى غفت بعد شروق الشمس.
دخل زين جناحهما. وكان بحالة يرثى لها. عيناه متورمتان ووجهه شاحب. يفتح أزرار قميصه باختناق، وكأنه خرج من معركة ما.
نعم، إنها معركة، ولكن مع نفسه، مع ذاته، مع ذكرياته.
وجدها قد غفت. دموعها جفت على وجنتيها، ووجهها كساه الحزن والقهر. دنا منها واستنشق رائحتها بتعب. أغمض عينيه، مستشعرًا بقربها ووجودها، ليحملها ويذهب بها إلى السرير. لم تشعر به، كانت منهكة حقًا بسبب التفكير والبكاء طوال الليل.
وضعها على السرير ودفن وجهه بشعره. وقد أحاط بطنها الصغير، يتحسسها. يستشعر بذلك الطفل الذي أحيا بداخله مشاعر قد دفنها منذ زمن.
مضى بعض الوقت وهو يدخن بشراهة، حتى قرر الدخول إليها مرة أخرى لكي يعيد ما فعله بها مرة أخرى. لقد قرر الانتقام الآن. جعلها تندم على خيانتها له.
لقد حاول مرارًا إبعادها عنه وعن جنونه، لكن عنادها أوصلها إلى هنا. فهي قررت المواجهة، مواجهة مصيرها المحتوم على يد عيسى الصعيدي، المعروف بقسوته وجبروته.
لكن الصدمة عندما دخل عليها وووووووو.
رواية صغيرة على العشق الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم نوره عبد الرحمن
كان جسدها متشنج ترتعش بانهيار وصوتها يكاد لا يخرج. شعر بقلبه ينفطر لرؤيتها هكذا، فأسـرع إليها محاولاً تهدئتها، لكنها لم تستجب له. وكأنها دخلت في عالم آخر.
تركها وأسرع إلى الحمام ليملأ حوض الحمام بماء دافئ، وضع به كمية كافية من المطهرات والمعقمات. ثم عاد إليها حاول تهدئتها، لكنها ما زالت في حالة انهيار تام. جسدها ينتفض، خاصة بعد ما مرت به أمس على يدي من ظنت أنه العوض لها.
أسرع بحملها وهي تتمسك بالملائه تغطي جسدها العاري. لكنه فور أدخلها الحمام، وضعها على الأرض ممسكاً وجهها بكفه مردداً بجدية وهو ينظر داخل عينيها:
"مريم... مريم اسمعيني كويس... مريم خليكي معايا هنا... بصيلي..."
لم تجبه أبداً. حاول نزع الغطاء عنها، لكنها كانت متشبثة به.
قال عيسى بقلق وتوتر:
"مريم سيبي الغطاء، انت تعبانة..."
لكنه تشبثت به أكثر، ربما تريد أن تثبت لنفسها بأنه تستطيع منعه، لكن بعد ماذا؟ نزع الغطاء عنها عنوة ليدخلها حوض الاستحمام ويدعها لوحدها مردداً بنبرة تحذير:
"متحركيش يا مريم، أنا مش هتأخر. هخرج أعمل مكالمة وراجع، ماشي."
لم تجبه، لكنها كانت تتألم فقط. جسدها يؤلمها جداً. ما مرت به أمس لن يستطيع أي أحد تحمله.
خرج مسرعاً دون تفكير واتصل بأحد الأطباء ليأتي سريعاً.
استيقظت أسيل من نومها. كانت تشعر بأنه كان معها، كانت نائمة بأحضانه، لكنه ليس هنا، ليس بجانبها. نهضت من سريرها تبحث عنه، لكنها لم تجده. أين ذهب؟ أين؟ لتصدم به يقف في صالة الجناح تملأ وجهه ابتسامة هادئة. وقفت وتسمرت مكانها.
لكنه أسرع باحتضانها.
"مريم فين؟"
وقف عيسى أمام الباب يمنعه من الدخول.
"مراتي نايمة."
"طب ابعد كده."
"مش هبعد. وانت جاي على أساس إيه؟"
"بقولك ابعد كده..." ليدفعه عمر ويبحث عن مريم ليصدم عندما وجدها.
"نور، يانور بتعيطي ليه؟ عملك حاجة الـ..."
"ابعد عن طريقي يا همام، مش طايقة روحي..."
"استني هنا، أنا بكلمك."
"بقولك ابعد يا همام." قالت كلماتها وهي تبكي بحرقة.
ليجن جنون الآخر مردداً بجنون:
"ماشي، مش عايزة تقوليلي مالك، ماشي. أنا اللي هربيهولك."
"خارجة من السينما وانتي معاه معيطة ليه؟"
ليلتـقي به أمام الباب وأمسك بتلابيب قميصه مردداً بغيض:
"انت عملتله إيه؟ نور بتعيط ليه يا..."
"اوعى كده، خطيبتي وانت حر بيها. بلاش تقرب مني، انت فاهم؟"
"لأ، بقولك إيه توزن كلامك معايا بدل ما أفرمك هنا..."
"بقولك امشي من هنا يا بطة..."
"بطة بعنيك." قالها همام بانفعال.
رواية صغيرة على العشق الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم نوره عبد الرحمن
أخذها بين أحضانه يمسح شعرها بحنان. فهو دائمًا يغمرها بحنانه، بالرغم من أنه لم يحبها يومًا.
بقيت أسيل ساكنة، لم تتحرك حتى همس لها:
"حقك عليا... إني زعلتك جامد... وإنتي مستحملاني طول السنين دي..."
امتلأت عينيها بالدموع، لتخرج شهقة حاولت منعها. لطالما كان احتضانه لها ينسيها الدنيا بمن فيها.
دفنت وجهها أكثر بصدره.
أما هو، فيحاول جمع كلماته لتخرج. تنسب موقفه هذا، يعلم جيدًا بأنه أخطأ بحق أسيل طوال تلك السنوات، وهي تحملته وصبرت عليه، حتى أنها حرمت نفسها من الإنجاب لكي ترضيها.
"زين، متفكريش إني مش بحبك يا أسيل. إنتي تربيتي على إيدي، أنا عارف عنك كل حاجة. أنا بحبك، بس يمكن عشان ضغط الشغل وكده مكنش عندي الوقت إحساسك بده. بس خلاص، أنا من النهارده هفضالك وهعوضك عن كل اللي عيشتيه بسببي. أنا آسف، حقك عليا."
كان يقول كلماته ويربت على شعرها وكتفيها بحنانه. انهارت باكية بين يديه، وهي تعلم جيدًا بأنه يفعل ذلك لأرضائها فقط، إنما حب لن يقع بحبها أبدًا.
"شششش، خلاص يا حبيبتي. كفاية عياط. أنا مش هقدر أشوفك كده. عشان خاطري كفاية."
رفع وجهها واحتضن وجنتيها بابتسامة:
"كفاية عياط."
وهو يمسح دموعها ويقول:
"من النهارده مفيش عياط. مش قلنا كفاية عياط؟ إنتي عايزة ابننا يطلع نكدي؟"
نظرت إليه باستغراب. هل حقًا تقبل فكرة أنها ستنجب طفلًا؟
"يلا اغسلي وشك، ولا أقولك خدي شور كده وصحصحي عشان هننزل نتفسح. وكفاية ننكد على بعضنا. يلااا، هو إنتي لسه واقفة؟ متتحركي."
قاله بابتسامة وهو يدفعها بخفة ومزاح. والآخر ما زالت مصدومة مما تسمع.
اقتحم عمر الشقة يبحث عن مريم بعد أن تتبع هاتفها. وبالرغم من محاولات عيسى منعه، إلا أنه بحث عنها داخل الشقة كلها ولم يجدها. حتى وصل إلى الحمام ليقف عيسى بوجهه مرددًا بتحذير:
"أظن لحد كده وكفاية."
نظر إليه عمر بضيق.
"عيسى، مريم بتستحمى. عاوز تدخل عليها الحمام بإمارة إيه؟"
"عمر، أنا عاوز أشوفها. أطمن عليها. ممكن تخش تستعجلها؟"
عيسى هز رأسه بالإيجاب. مرددًا:
"اتفضل أنت استنانا بالصالة لحد ما أندهلها."
عمر بقلق وحرج اتجه إلى الصالة ينتظرهم.
أما عيسى، فأسرع إلى الحمام ليجدها غارقة بالنوم داخل حوض الاستحمام من شدة التعب. رأف بحالها لثوانٍ، لكنه نفض هذه الفكرة من رأسه وحاول إيقاظها.
استيقظت بصعوبة وصدمت عندما أخبرها بأن عمر ينتظرها بالخارج.
"انجرى ادخلي قدامي." قالها همام بانفعال.
"نور، إنت بتكلمني كده ليه؟"
"شششش، مش عايز أسمع نفسك. أمك فين؟"
"نور، أوعى كده ومتدخليش فيا تاني."
"إنسي هنيه إني بكلمك. إني همام، مش أي حد تاني. ولا خطيبك الـ..."
"نور بضيق، أوعى كده هطلع أوضتي."
"استني هنا. أمك فين؟"
"مش هنيه، راحوا يزوروا حد تبعنا."
"يعني إحنا لوحدينا هنيه؟"
"نور بارتباك، إنت بتقول إيه؟ امشي من هنا يا همام."
"همام باستفزاز، ولو مامشيتش؟" وهو يقترب منها أكثر.
نور بتوتر من قربه:
"هصرخ، أقسم بالله هص..."
ليقاطعها بـ...
فور دخولها، وقد ظهر عليها ملامح التعب والإرهاق. أسرع إليها عمر بقلق:
"مريم، إنتي كويسة؟"
هزت رأسها بالإيجاب.
"عمر، وشك بهتان كده ليه؟"
هزت رأسها بالنفي، مرددة بصوت خافت:
"أنا كويسة يا عمر."
"طب، امشي. أمك خايفة عليكي أوي."
كان عيسى يرمقها بنظراته الحادة، لتشعر الأخرى بالخوف منه أكثر.
عمر ألقى بنظرة على عيسى، وقد لاحظ تعب مريم وخمولها، ليقول بتفهم:
"بعد إذنك، هاخد مريم يومين."
عيسى بخبث:
"إني ماليش دعوة. اسألها لو حابة، مش همنعها."
أعاد نظره إلى مريم، ليقول:
"مش يلا بينا يا مريم؟"
مريم بجدية:
"مش هسيب جوزي."
لترتسم ابتسامة انتصار على شفتي عيسى.
عمر بصدمة...
رواية صغيرة على العشق الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم نوره عبد الرحمن
جذبها إليه لترتطم بصدره مرددًا بتحذير:
"شكلك مش هتتعلمي أبدًا كيف تتكلمي معايا."
بتوتر من قربه:
"انت اتجننت يا همام؟ أوعى كده! هملني يا همام... هملني!"
"تؤؤ يابت خالي مش ههملك عشان تتعلمي كيف تتكلمي معايا."
"طيب اللي انت عايزه بس سيبني يا همام عشان خاطري لحد يشوفنا."
"اتأسفي الأول." قالها همام ببرود.
نور بتوتر:
"آسفة آسفة سيبني بقى."
"تؤ تؤ مش حساه مش طالعة من قلبك."
"يا همام بقى هملني بقولك هملني حد يشوفنا ويفهمنا غلط."
"غلط يفهمني غلط اللي هو كيف يعني؟"
"همام..."
"عيونه." قالها وهو ينظر إلى عينيها بهيام.
نور وقد زادت نبضات قلبها بتسارع. لاحظ الآخر توترها وارتباكها، وقبل أن يدفن وجهه بعنقها، أفلتت نفسها بسرعة وهربت من بين يديه. أما همام فقد خلل أصابعه بشعره بارتباك وتوتر وهو يراقبها. هل حقًا كانت بين يديه منذ قليل؟
"شاطرة وبتسمعي الكلام." قالها عيسى بسخرية.
أما مريم فلم تجبه أبدًا. استلقت على السرير وأولته ظهرها بهدوء تام.
"هبعت أجيب لك شوية هدوم عشان هدومي مش لايقة عليكي أبدًا."
"مريم..."
عيسى باستفزاز:
"واه حضري نفسك عشان كل يوم من ده لحد ما أزهق وأرميكي للكلب بتاعك."
نزلت دموعها بقهر ودفنت وجهها في الوسادة تكتم شهقاتها.
ليقاطعهم طرقات على الباب، وكان الطبيب.
"معرفتش ياشروق معرفتش أجيبها معايا."
شروق بدموع:
"أنا مش فاهمة هي بتعمل فيا كده ليه ياعمر؟ أنا قصرت معاها بأيه؟"
مسح شعرها يهدئها:
"أنت مقصرتيش، لكن البنت لسه بسن صغير واللي يتحكم فيها قلبها وعنادها يا حبيبتي."
"عمر أنت ماجبتهاش معاك بالعافية ليه؟ مكنش لازم تسيبها مع الكلب ده."
"مكنش ينفع ياشروق مكنش ينفع. مريم لو عملت كده هتزيد بالعند وهتكرهنا، وإحنا عاوزين نودها عشان لو في يوم احتاجت لحد هتجيلنا إحنا مش هتدور الأمان عند الغريب. أنا لو جبتها معايا بالعافية هكون دمرت ثقتها بينا. سيبيها."
"سيبيها تتعلم من حياتها أحسن مدرسة يا حبيبتي، هي التجربة."
"بس أنا خايفة عليها."
"وأنا خايف عليها، أنت مش عارفة مريم بالنسبالي إيه؟ دي أول حد بحس معاه بمشاعر الأبوة. عارفة أول ماشفتها وخدتها بحضني كنت حاسس إنها بنتي من صلبي."
شروق بغصة:
"إنك تكون أبوها مش المهم إنك خلفتها يا عمر، أنت عملت حاجات كتير عشان مريم وأنا متأكدة مع الوقت مريم هتعرف قيمة الحياة اللي عاشتها معانا يا عمر. بس يارب مايكونش الوقت متأخر."
"أوووبا إيه الجمال ده؟ لا أنا كده هتحسد أكيد."
نظرت إلى الأرض بحرج.
"زين هو الحمل بيخلي الست تحلو زيادة كده؟"
"أسيل قصدك إيه إني مش حلوة؟"
"مش حلوة ده إيه؟ دنتِ القمر بيغير منك يا قلبي. بس أنتِ النهارده جامدة جمدان مش معقول."
شعرت بوجنتيها تشتعلان حمرة، فزين دائمًا يستطيع السيطرة عليها بكلماته الرقيقة واهتمامه بها.
"لا لا بلاش الكسوف ده عشان يمين بالله ما هننزل ولا هنتفسح ونقضيها هنااا في الجناح."
أسيل بتسرع:
"لا خلاص خلاص يازين."
"ماشي ياقلبي زين يلااا بقى عشان النهاردة هنتبسط أووووي أوعدك بده."
نامت مريم نامت فور أن أعطاها الطبيب حقنة أخبرها بأنها ضرورية لها.
أما عيسى فتركها في الشقة وغادر، غادر بسرعة، ربما كلام الطبيب له جعله يعيد جميع حساباته.
مضى أسبوع كامل ومريم تستيقظ وتعود للنوم مرة أخرى، وكأنها مخدرة، بعد أن أخذها عيسى معه وسافرا لخارج البلاد.
شروق كادت تجن وهي لا تعلم شيئًا عن ابنتها. عمر يبحث عنها بكل مكان، لكن ليس لها أي أثر.
زين وآسيل يعيشان فترة مميزة في حياتهما، فزين قرر منح نفسه وآسيل الفرصة للحياة مرة أخرى.
في لندن.
كانت مريم غارقة بالنوم، فهي في الآونة الأخيرة تنام كثيرًا.
استيقظت على صوته الأجش:
"مش يلا بقى وكفاية نوم."
مريم بتعب:
"عايز إيه؟"
"اتحركي يامريم بلاش الكسل ده."
"مريم..."
"هتقومي تقفي وإلا أجلك؟"
تجاهلت كلماته وعادت للنوم لتصدم به يحملها ووووو.
رواية صغيرة على العشق الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم نوره عبد الرحمن
حملها كطفلة صغيرة بين يديها. لامست قدميها أرضية الحمام، كادت أن تسقط لكنه أمسكها وأحاط خصرها بتملك، هامساً بقلق: "اجمدي يا مريم، انتي كويسة؟ بس ده كله بسبب النوم..."
كانت تتشبث بذراعه بتعب. مسح وجهها باهتمام مردداً: "شدي حيلك يا مريم وبلاش كسل، انتي لازم تصحي عشان لسه قدامنا كتير أوي نعمله... يلا هحميكي ونخرج نتفسح ونقضي اليوم كله بره... أوعدك أنك النهاردة هتتبسطي أوي."
لم تكن معه ولم تجبه أبداً، كانت كالدمية بين يديه، جسداً بلا روح.
لقد تحول عيسى بهذه الفترة القصيرة إلى شخص آخر. كان يغمرها باهتمامه وكأنها ابنته، أما هي فلم تكن تستجيب لكل ذلك. عيسى المعروف بقسوته وجبروته أصبح شخصاً هادئاً مليئاً بالمشاعر التي لا يخجل أبداً من إظهارها. لكنه إلى الآن لم يجد استجابة من مريم.
***
نور بانفعال: "يمه عشان خاطري تفهميني، يمه بقولك مش عايزاه، مش عايزاه!"
"آه، انتي بقيتي تتحججي عالفاضي. الراجل زي الفل ومفيهوش غلطة. هتردي عليه، انتي فاهمة؟"
نور باندفاع: "مش هرد بقولك، حاول يـ... مش هرد عليه لو عملتي إيه، والخطوبة دي هتنتهي."
"لا مفيش أكده، انتي عايزة إيه؟ الناس تاكل وشنا."
"وأنا مالي بالناس!"
"يا بنتي بكرة يقولوا اخت عيسى، أكيد فيها حاجة غلط عشان فسخت الخطوبة."
"يمه يمه افهميني، احنا لازم نفسخ الخطوبة."
"خطوبة إيه اللي هتفسخيه! لا، انتي لازمك حد كبير يشكمك، انتي مش عارفة بتقولي إيه، عايزة تسيبنا حكاية على لسان الناس."
"يمه..."
"بلا يمه بلا زفت، الخطوبة دي تتم، والا قسم بالله لا أنا أمك ولا أعرفك! انتي فاهمة؟ وأول ما يرجع أخوكي هخليه يتصرف معاكي عشان هو اللي دلعك بزيادة."
"يمه..."
"اتكمي خلاص وغوري على أوضتك، مش عايزة أشوف وشك النهاردة، يلا اتحركي."
لتسرع إلى غرفتها تبكي بحرقة.
***
"بتعملي إيه دلوقتي؟"
"أسيل مش بعمل..."
زين بضيق: "أسيل انتي بتلمي الحاجة ليه؟"
أسيل: "عشان هنرجع، كفاية كده."
"كفاية اللي هو إيه؟ مهو مش بمزاجك يا قلبي."
بتذمر: "زين زمان غيث محتاجنا، هو مش متعود على بعدنا كل ده."
"بقولك إيه، بلاش نكد يا أسيل وسيبينا ننبسط يومين لوحدنا. ومتخفيش على غيث، هو عند شروق وعمر، وأكيد هياخدوا بالهم منه، ماشي يا حبيبتي."
"بس..."
جذبها إلى أحضانه، يحيط خصرها بتملك، مردداً بهمس أذابها: "اشششش، مش عايزين نفكر بأي حاجة إلا فينا إحنا، ماشي يا قلبي." قال كلماته ويده تتحركان بجرأة على منحنياتها، وقبل أن تعترض... آآآآآل.
***
كان يجفف شعرها أمام المرآة بعد أن ساعدها بالاستحمام، يحدثها بلطف لم تعهده منه. لقد تغير عيسى تماماً.
"عيسى زي القمر يا مريومة، ننشف شعرنا دلوقتي يا روحي، وتغيّري وننزل، بلاش نوم، النوم مش كويس وبتتعودي عالكسل."
لم تجبه، كانت جامدة مكانها، مستسلمة له تماماً.
احتضن وجنتيها برقة وطبع قبلة على وجنتيها. شعرت الأخرى بالقرف من قربه، فهي حقاً تكرهه. لم تنسيها معاملته الطيبة لها ما فعله. تكره اقترابه منها ولمساته لها.
لاحظ انكماش ملامحها، أغمض عينيه بضيق ووضع جبينه على خاصتها وهو يحرك إبهامه بجانب شفتيها مردداً بحنان: "وحشتيني... وحشتيني يا مريومة الجميلة اللي مش بتسكت خالص."
لم تتحرك من مكانها ولم تبدِ أي رد فعل، لكن عيسى لم يكتفِ بذلك، فقد حرك يديها بجرأة على جسدها وووو.
رواية صغيرة على العشق الفصل الثلاثون 30 - بقلم نوره عبد الرحمن
كان يداعبها بلمساته الرقيقة يهمس لها بكلماته الساحرة، لكنها صدمته عندما دفعته باختناق وقرف، فهي حقاً الآن لا تتقبله أبداً.
"عيسى، مالذي يفعله الآن؟"
"مالذي يريد الوصول إليه؟"
"لما يحاول إغضابها بهذه اللحظة حصراً؟"
ابتسم عيسى بانتصار بعد أن دفعته بقهر، مردداً: "متقربش مني، متلمستنيش."
"طب اهدي، هو أنا عملت حاجة غلط لاسمح الله؟"
تراجعت مريم إلى الوراء مرددة بتلعثم وخوف: "عععيسى، ارجوك."
عيسى اقترب منها واحتضن وجهها بود.
"اششش، اهدي يامريومة، أنا بهزر معاكي والله."
كانت ترتجف بين يديه مما زاد ألمه، لأنه يعلم بأنه السبب الرئيسي لخوفها الآن.
وضع رأسها على صدره، يربت على شعرها بحنان، ليردد براحة: "ياااااااااه يامريم، واخيراً سمعت صوتك يامريومه."
كانت نوى مغمضة عينيها بسلام، غارقة بالنوم.
سمعت همسات وأنْفاس ساخنة تداعب وجهها.
فتحت عينيها بانزعاج لتصدم به أمامها.
وقبل أن تصرخ، كتم أنفاسها بكفه.
"همام، اششششش يا بت خالي، بلاش جنان، هتلمي الناس علينا."
أبعدت نور يده عنها بغيظ مرددة بغضب: "انت اتجننت ياهمام، كل شويه داخل الأوضة، استحليتها ولا إيه؟"
"أيوه استحليتها، بت خالي وهتبقى مرتي وعاوز أشوفها بكل حالاتها، حتى وهي فايه من النوم أكده."
اتسعت حدقة عيناها بصدمة، هل حقاً قالها؟ قال بأنها ستصبح زوجته.
ليقطع شرودها عندما قال: "بس إيه، كيف القمر وإنتي فايه من نومك."
"هاااااه"، قالتها بخجل شديد وجنتيها محمرتان.
"بقولك كيف القمر يابت خالي."
حاولت استجماع شتاتها من كلماته التي تعلن عن إعجابه لأول مرة.
"احم، طب اخلص، عايز إيه؟"
"عايزك"، قالها بجرأة.
نهضت نور بانفعال لتقابله مرددة بغضب: "انت بقيت قليل الرباية."
همام دفعها لترتمي على السرير مردداً بحدة: "وإنتي لسانك بقى أطول منك وووو."
"عيسى، صباح القشطة البلدي."
مريم بنعاس أدارت وجهها وحاولت النهوض من جانبه.
لكنه أمسك يدها مردداً: "هو القمرة مبيردش ليه؟ ياترى واخد على خاطره وعايزني أصالحه."
مريم حاولت إفلات يدها، لكنه بثانية جذبها إليه لترتمي على السرير.
"عيسى، القمر مكشر عالصبح ليه؟" قال كلماته وهو يحرك يده على وجهها وأبعد خصلات شعرها برقة.
"مريم..."