في صباح يوم جديد، صحا ناصر من نومه. بعد أن أخذ حمامه ولبس، خرج من الغرفة ونزل إلى الأسفل. كانت فكرية صاحية كالعادة. ناصر: صباح الخير يا ستي. فكرية: صباح الهنا يا سيد الناس، حمد الله على سلامتك. ناصر: الله يسلمك. فكرية: جيت ميتة يا ولدي؟ ناصر: جيت قبل الفجر، مرضيتش أصحيكي. فكرية: إنت خارج؟
ناصر: آه، وهاخد الآنسة عالية معايا عشان الناس تتعرف عليها وأقدمها ليهم على أنها المهندسة الزراعية الجديدة، وكمان هنطلع اللول على المستوصف عشان تعبانة شوية. فكرية: وه، تعبانة كيف دي؟ دي كانت زينة امبارح. ناصر: أبداً، امبارح لما جيت وإني طالع كنت سامع خبط وصوت عالي في أوضتها من الباب، عرفت إنها لسه صاحية وجلت لا يكون فيه حاجة. روحت خبطت عليها وكانت تعبانة قوي. الموز اللي أكلتيهولها تعبها، ووشها مش باين من الحساسية.
فكرية: بحزن، يا حبيبتي، طيب ومصحيتنيش ليه؟ ناصر: اتحرجت تقلقك وطلبت مني أجيب لها نشا. فكرية: يقطعني، هي جالتلي وأني اللي غصبت عليها. ناصر: بعد الشر عنك يا حبيبتي، يعني إنتي إيش عرفك بس إنها هتتعب كده. أنا هعدي آخدها ونروح الأول على المستوصف نطمنوا عليها، وبعدين هنطلعوا عالأرض شوية. فكرية: طيب، واجب، وديني أطمن عليها يا ولدي. ناصر: واجب طبعًا، بس خلينا لما نرجع أحسن عشان منعوّج. فكرية: ماشي يا ولدي. باس ناصر رأسها.
ناصر: سلام عليكم. فكرية: ناصر. ناصر: أيوه يا ستي. فكرية: خد بالك عليها يا ولدي وبلاش تجسي عليها، ملهاش ذنب في أي حاجة، صدقني البت دي غلبانة قوي. ناصر: بابتسامة، حاضر يا ستي، متقلقيش. خرج ناصر وراح على المضيفة. خبط عليها دقيقة، كانت فاتحة وهي لابسة بنطلون جينز وتيشرت أسود بنص كم، ولسه آثار الاحمرار على جسمها باينة، خلت منظرها جذاب أكتر. عاليا: بإحراج، صباح الخير. ناصر: صباح الخير، كيفك النهاردة؟
عاليا: الحمد لله أحسن، أنا جاهزة. ناصر: جاهزة كيف؟ هتخرجي كده؟ عاليا: كده إزاي؟ مش فاهمة. ناصر: يعني بخلجاتك دي، إنتي ناسيه إننا في الصعيد. عاليا: بغضب، بصتله، مش فاهمة يعني مالها؟ وبعدين أنا أصلاً مش لابسة حجاب، وأظن أنا مش لابسة حاجة ملفته للنظر. ناصر: بحدة، عارف إنك مش لابسة حجاب، بس كل مكان وله أصوله يا آنسة عالية، الناس هنا غير ناس القاهرة. عاليا: والله ده لبسي، وأنا مش خارجة ببدلة رقص، ده تيشرت وبنطلون.
ناصر: صوتك؟ عاليا: أووف، بقولك إيه، إحنا فيها، خليني قاعدة أحسن، بجملة الحبسة، لا عايزة أروح دكتور ولا عايزة أخرج. ناصر: جلتلك صوتك. وبعدين إنتي لازم تيجي معايا عشان هنطلعوا عالأرض وهناك في رجالة كتير، إيه عادي بالنسبالك يشوفوكي كده؟ عاليا: كده اللي هو إزاي؟ مش فهماك، وبعدين إنت معترض على لبسي ولا على المكان؟
أصل لو على لبسي وعلى الرجالة، فإنا بخرج كده في القاهرة عادي والناس كلها بتشوفني، ولو على المكان زي ما قولتلك إحنا فيها، أنا مش معايا لبس غير اللبس ده. ناصر: بغضب، اطلعي هاتي الطرحة اللي فوق، حطيها عليكي، دقيقة واحدة تكوني جدامي، مفهوم؟ عاليا: بصدمة، إنت ليه واثق إن أنا هسمع كلامك أصلاً؟ وإيه بتاع إيه أصلاً بتتحكم فيا؟ إنت مالك لابسة إيه ولا مش لابسة إيه. ناصر: بصوت عالي نسبياً، جلت يلااااااا.
اتنفضت عالية من صوته، بصتله بغضب وطلعت بسرعة لفوق. ناصر: لنفسه، جرالها إيه البت دي؟ كانت كيف القطّة المغمضة، يومين سفر أرجع ألاقيها لسانها طولها. ثواني وكانت عالية نزلت، وحطت على كتفها طرحة، وملامحها باين عليها الغضب. مشي ناصر وهي وراه. راح ناصر على البوابة الكبيرة، كان مرعي محضر له عربية حنطور من الجلد، متوصلة بفرس أسود، ليل من جماله، تستعجب. مرعي: صباح الخير يا ولدي. ناصر: صباح الخير يا مرعي، أسمر جاهز.
مرعي: جاهز يا ولدي. ناصر: افتح البوابة يا مرعي. مرعي: عينيا، حاضر. طلع ناصر على الكرسي في الحنطور ومسك لجام الحصان "أسمر". بص ناصر لعاليا اللي واقفة تتابع في ذهول. ناصر: أركبي. عاليا: أركب إيه؟ ناصر: اركبي الحنطور. عاليا: لا طبعاً، أنا بخاف، وبعدين هو مش حضرتك معاك عربية؟ ناصر: أيوه، بس ما ينفعش أطلع بيها عالأرض، متستحملش، يلا أركبي. عاليا: أيوه بس أنا بخاف، وبعدين العربية عالية قوي، مش هعرف. ناصر: هتخافي من إيه؟
أسمر قدام، وبعدين ماهو يخوفش، ثم إنتي في إيه ما تخافيش منه؟ عاليا: برجاء، ما كانتش قادرة تجادل معاه. أستاذ ناصر، أرجوك بلاش الحنطور ده، أو بلاش أنا أجي معاك خالص، أنا بقيت كويسة. ناصر: يلا عشان منتأخروش، الغفر هيبصوا علينا، اطلعي. عاليا: بتنهيدة وخوف، العربية عالية.
مد لها ناصر يده من غير ولا كلمة. بصت له عالية بإحراج، فضل ناصر باصصلها في صمت ومن غير أي اعتراض. مدت عالية يدها براحة، مسكت كفه الكبير بكفها الصغير. قبض ناصر بيده على كفها وشدها براحة. طلعت عالية جنبه، كان الكرسي يا دوب ياخد اتنين وبس. قعدت عالية جنبه قريبة منه جداً، تكاد تكون مش باينة من حجمه، والاحراج ملازمها.
خرج ناصر من البوابة وفضل ماشي في الطريق ساكت، وهي كمان ساكتة. وصل بيها بسرعة على المستوصف، كان هناك دكتورة كشفت عليها وكتبت لها على علاج، وطلبت منها تبعد عن أي حاجة تسبب لها الحساسية، وكتبت لها قائمة بالممنوعات في الأكل اللي بيزود الطفح الجلدي. خرجوا من المستوصف وراح ناصر جاب العلاج من الصيدلية ورجع لها تاني. ناصر: مد لها يده بشنطة العلاج. اتفضلي، بعد الفطار ابقي خديه بانتظام. عاليا: شكراً، ممكن أعرف...
ناصر: تعرفي إيه؟ عاليا: بخوف من رد فعله، أحم، أعرف حساب العلاج والكشف. رفع ناصر حاجبه بغضب من غير ولا كلمة. عاليا: بخوف، هو إنت بتبص لي كده ليه؟ أنا قولت إيه غلط؟ حضرتك ودتني وجبت لي العلاج، كفاية جدا تعبك، لكن حساب ال... ناصر: تعرفي تقفلي خشمك شوية، ولا أجفلهولك بطريقتي؟ بصت له عالية بصدمة وتفكير داخلي دام ثواني بينها وبين نفسها، يا ترى إيه هي طريقته؟ أكيد واحد زي ده لو ضربني بكف إيده هقع ميتة، مفيش كلام.
ابتسم ناصر ابتسامة نصر ورفع يده مرة واحدة باللجام، شده ورجع سابه، مشي فوراً الحصان. فضلت عالية على صمتها واختارت إنها تسكت أحسن ما تلقي مصرعها على يد ناصر. بصت عالطريق براحة، منظر الخضرة حواليها في كل مكان، الجو جميل. بقالها فترة محبوسة ومش بتشوف الشارع، كانت مرتاحة وسعيدة وحست إنها كانت محتاجة إنها تخرج. وصل بيها الأرض بتاعته، كانت أرض كبيرة جداً، رجالة وبنات شغالين فيها. كانت مبسوطة جداً، أول مرة تشوف أرض زراعية.
قدمها ناصر للعمال على أنها مهندسة زراعية. وقفت عالية تبص بشغف على طريقة شغلهم، واللي لفت نظرها أكتر وعجبها غيطان العنب. لمحت من بعيد بنات وستات بيلموا المحصول وبيضيعوا وقتهم بالغنا. سرحت عالية معاهم وهي مبتسمة ومستمتعة بالأغاني القديمة اللي بيغنواها. ناصر كان واقف يتابع شغله، لكن عينه كانت عليها. ابتسمت عالية ابتسامة صافية لمجرد ماسمعت صوت جميل من بنت فيهم بتغني وهما يرددوا وراها. على بياعين العنب على بياعين العنب
العنب عنبي والجنب جنبي وانت ياشلبي يابتاع العنب على بياعين العنب على بياعين العنب جاب لي الشبشب يقرا ويكتب عاود الشبشب أنا طلبي العنب على بياعين العنب على بياعين العنب جاب لي القبقاب في وابور ركاب عاود القباب أنا طلبي العنب على بياعين العنب على بياعين العنب جاب لي الجزمة ملهاش لازمة عاود الجزمة أنا طلبي العنب على بياعين العنب على بياعين العنب ابتسمت عالية بفرحة. ناصر: آنسة عالية، يلا عشان هنلف على باقي الأرض.
هزت رأسها وراحت وراه بهدوء وهي عينها عليهم. بصلها ناصر: إيه عجبك غناهم. فضلت عالية باصة عليهم: صوتها حلو أوي. هما ليه بيغنوا. ناصر: عادي، عادة واتعدوا عليها، بيسلوا روحهم في الحر والشغل. شكلك أول مرة تشوفي الحاجات دي.
عاليا: بصراحة آه، أنا تقريباً أول مرة أسافر أصلاً من زمان. آخر مرة سافرت بره القاهرة أصلاً روحت إسكندرية مع خالتوا وجوزها، روحنا نصيف، كنت وقتها صغيرة لسه، ودي كانت آخر مرة أسافر، لأن بعدها جوز خالتوا اتوفى، ومروحناش أي مكان تاني. ناصر: يعني مروحتيش غير إسكندرية بس. عاليا: أيوه. ريم وضحى الله يرحمها اللي سافروا كتير في كذا محافظة بسبب شغلهم يعني، لكن أنا دي أول مرة. ناصر: وعجبتك الصعيد بجي.
عاليا: مقدرش أقول رأيي فيها، لأن دي أول مرة أشوفها. أنا من يوم ما جيت مطلعتش بره البيت. بس لو على المكان اللي إحنا فيه، فاهو جميل أوي. ناصر: لو عجبك، ممكن تيجي معايا كل ما تحبي. احمم، أقصد يعني بصفتك مهندسة وكده. عشان متزهجيش من قعدة الدار، عارف إنك مش متعودة على القعدة دي. عاليا: بسخرية، قصدك الحبسة؟ عموماً، لو قعدتي في البيت وزهقتي، متحملش هم، لكن لو إنت محتاجني عشان شكلك، ممكن أجي.
بصلها ناصر بتفحص: هو إنتي إيه اللي جرالك عاد. عاليا: تقصد إيه؟ ناصر: أقصد إن جبل ما أسافر مكنتيش كده، كنتي مسالمة وهتنفذي اللي بجوله من غير أي اعتراض. لكن لما جيت لقيت حد تاني، واحدة لسانها أطول منها. عاليا: تقصد إن لساني طويل؟ يمكن أنا كنت عبيطة الأول، لكن الوقت خلاص مبقتش عبيطة، واللي مش هيعجبني هعترض عليه. تيته فكرية جالتلي لازم تكوني قوية ومتخافيش من أي حاجة ولا من أي حد، حتى لو إنت.
نطقت بغباء كلام مكنش ينفع تقوله لناصر بالذات، وفجأة ولأول مرة ضحك ناصر غصب عنه على سذاجتها وقدر يعرف سبب تغييرها. حست عالية باللي قالته وحست بغبائها، لكن كان فات الوقت. ناصر: جلت لي بجي، تيته فكرية هي السبب. عاليا: بغضب، ممكن أعرف إنت بتضحك على إيه؟ ناصر: لاه، متشغليش بالك، بس مجلتليش يعني إنك بتعترفي من جبل أول قلم.
عاليا: بقولك إيه، أنا معملتش كده عشان كلام تيته فكرية، أنا عملت كده من نفسي عشان هي معاها حق، مينفعش أكون طيبة مع أي حد، خصوصاً اللي زيك. ناصر: أيوه، واخد بالي، بس جولي لي، تجصدي إيه باللي زيك؟ عاليا: لو إنك بتقولها بتريقة، بس ماشي، هعديها. ولو على أقصد إيه باللي زيك، أقصد اللي شايفين نفسهم فوق الناس، فرحهم وحزنهم بس اللي يفرق معاهم، إنما باقي الناس حاسين بإيه؟
مبسوطين موجوعين مش مهم يتحرقوا بجاز، كلهم، المهم إن اللي زيك يبقوا تمام، وآخر همكم اللي زيي، تظلموا عادي، لكن مينفعش تكونوا مظلومين. ناصر: بغضب وتأثر لكلامها، مسك إيدها بغضب. كنتي رايداني أعمل إيه، وأخوي الصغير اتغدر بيه، وواخد تسع طعنات؟ أعمل إيه، وحق أخوي مربوط بظهور خيتك؟ أعمل إيه، وأخوي تحت التراب والقاتل بره عايش حياته؟ عمرك جربتي إحساس العجز؟
جربتي إحساس إنك ترجع لكل اللي يحتاجك حجة، وتيجي عند حق أغلى الناس ليكي، وتوقفي متكتفة، ومتبجيش عارفة ترجعيه؟ جربتي إحساس إن عينك ليل نهار متبجيش شايفة غير آخر منظر لأخوكي وهو مقتول؟ جربتي تنكسري وتنحني، وقلبك يموت بالحياة... بصلها بضياع وصوت لين حزين: مكانش قدامي غيرك.
عاليا: بدموع تأثر منه وغضب عليه، أنا عشت كل اللي إنت عيشته وأكتر. أنا بقيت لوحدي، إنت تقدر تتحمل لأنك راجل، لكن أنا بنت. وفجأة كل اللي ليا في الدنيا راحوا فجأة. أنا يوم ما راحوا، ملاقتش حد أترمى في حضنه وأعيط. كل اللي حواليا كانوا أغراب وجيران ومعارف بسيطة. اللي من دمي راحوا، والوحيدة اللي ممكن تكون عايشة معرفش عنها حاجة. كنت نفسي أكون معاها، تاخدني في حضنها، وآخدها في حضني. لكن فجأة لقيتني بحضن نفسي بنفسي. قلبي اتقسم ميت حتة، مبقاش فيه حتة سليمة. عمرك شفت حد مش عارف يحزن أو يتوجع على إيه أكتر من التاني؟
أحزن على خالتوا اللي كانت ليا أمي والملجأ والأمان؟ ولا أحزن على بنت خالتي اللي زي أختي وصاحبة عمري؟ ولا أحزن على أختي اللي مش عارفة هي شافت إيه الفترة دي؟ مش عارفة عايشة ولا ميتة، إحساسها إيه، خايفة ولا مطمنة؟ الوقت بيمر عليها إزاي؟ ولا أحزن على نفسي عشان بمر بكل ده لوحدي؟ ولا أحزن على اللي إنت عملته فيا؟ ولا أحزن عشانك. وكملت بدموع ووجع: متستغربش، بس والله إنت صعبان عليا.
فضلت عالية باصاله ثواني وهو باصصلها وساكت. رجعت بصت قدامها وهي بتاخد نفسها وبتغمض عينها بقهر ووجع، بتصارع دموعها اللي نازلة من غير رحمة. حسابها ناصر، تعيط وتخرج كل اللي جواها، ووقف جنبها هو كمان بيصارع كم الضغط اللي جواه وبيصارع كلامها اللي وجعه. واتهامها ليه بالظالم، في الوقت اللي هي عذرته وشافته مظلوم.
عدت دقائق مرت ببطء عليهم، كل واحد فيهم كان بيحاول يستنشق أكبر قدر من الهواء يملاء به رئته، يمكن يرجع جزء بسيط للحياة في داخلهم. أحياناً يكون الصمت له قدرة أعظم من الكلام في تفريغ الوجع الداخلي، فبعض الكلمات لا تشفي بل تزيد من الوجع أضعافاً. لذا فا في حضرة الصمت، بُطل الكلام. خد ناصر نفس طويل وخرج صوته هادي. ناصر: يلا عشان نرجعوا.
هزت عالية رأسها ومشيت جمبه لحد ما راحوا على العربية. مد لها يده بهدوء، مدت عالية كفها ليه في صمت وطلعت قعدت في مكانها، وراح ناصر على مكانه من غير ولا كلمة. فضلت عالية باصة على الناس في الأرض وشارده، وملامح وشها حزينة. بعد مدة بسيطة من الصمت اللي طال، وصل ناصر قدام بوابة البيت. ناصر: انزلي يا آنسة عالية، لو ستي سألت عليا، أنا لسه ورايا مشوار.
بصت له عالية وهزت رأسها، وقبل ما تنزل كان مسك إيدها من تاني، ومد إيده التانية بشنطة العلاج. مشت عالية بخطوات عشوائية تحت نظرات ناصر. دخلت على المضيفة. وبعد ما اطمن عليها، وصى مرعي ياخد باله من البيت لحد ما يرجع، ومشي. كان حاسس بخنقة كبيرة، مش قادر يدخل ولا عايز يتكلم مع أي حد. لقي رجله بتاخده غصب عنه على قبر علي. دخل وقف قدام قبره، قرأ الفاتحة وفضل يدعيله شوية، وبعدين قعد سند ضهره على قبر علي جنب اسمه المحفور.
ناصر: بحزن، تعبت يا علي، مبجتش قادر يا أخوي، الحمل كل يوم بيزيد والوجع بيزيد معاه. مين اللي عمل فيك كده يا أخوي؟ ياريتني كنت قادر أسمعك، ياريت كان ينفع أجيلك وأعرف منك. طلع الوصول للحقيقة صعب جوي يا علي. إني مهسيبش حقك، بس خايف الوقت يطول وأفضل أظلم، يا خوي. هي شيفاني ظالم حقها، بس والله غصب عني، الوجع كبير يا علي، كبير جوي يا أخوي. أتوحشتك يا حبيبي، أتوحشتك ونفسي آخدك في حضني. ريحتك وحشتني يا زينة الشباب.
وعد مني يا علي، هجيب حقك حتى لو آخر نفس في عمري. هخلي اللي عملها يتمنى الموت ألف مرة قبل ما روحه تحصلك. هدوجه العذاب اللي دوجهولك، هعرفه معنى الخوف اللي إنت عيشته. هخليه يطلب الموت عشان أرحمه، وما هرحمهوش غير وأني ناري اللي جايدة على فراقك مطفية. هرجعلك تاني يا أخوي، بس وإني جايب حقك بيدي، وقتها بس هطمن إن روحك ارتاحت. عدى وقت طويل على ناصر وهو قاعد. المغرب كانت خلاص قربت. قام ركب العربية ورجع على البيت.
فكرية: كنت فين كل ده يا ولدي؟ ناصر: أبداً يا ستي، كان ورايا كام مشوار. فكرية: طيب يلا المغرب هتأذن والفطار جاهز، فين عالية؟ ناصر: إني رجعتها، ورجعت أكمل اللي ورايا، أكيد مرتاحة جوه. فكرية: طيب اطلع غير خلجاتك، وأني هبعت محاسن تنادي عليها. ناصر: ماشي يا ستي. طلع ناصر، وبعتت فكرية الشغالة لعاليا. وبعد وقت بسيط رجعت لها محاسن. فكرية: إيه، فين الضيفة يا محاسن؟
محاسن: جلت لها يا ست فكرية، بس جالت لي اعتذر منكِ، وبتجول لكِ سامحيها، هي مش قادرة تيجي، حاسة بصداع وهتبقي تشرب لبن عال العشاء، مجدرتش تاكل. فكرية: وه لبن إيه عاد؟ طيب روحي يا محاسن بسرعة، ابعتي لها صينية، وكل وخليها مرتاحة النهاردة، وبعد الفطار هبقي أروح أطل عليها. محاسن: حاضر يا ست فكرية. راحت بسرعة محاسن جهزت الصينية ورجعت خبطت على عالية، أدتها الصينية. محاسن: ست فكرية بتجول لكِ خليكي مرتاحة، بس لازماً تاكلي.
عاليا: بابتسامة، شكراً. محاسن: بألف هنا، بعد إذنك. عاليا: اتفضلي. نزل ناصر بعد شوية في نفس وقت الأذان، واتفاجئ بفكرية قاعدة لوحدها مستنياه. ناصر: معلش اتأخرت عليكي يا ستي. فكرية: ولا يهمك يا ضنايا، يلا اجعد افطر. ناصر: فين آنسة عالية؟ فكرية: بتجول تعبانة ومرضيتش تيجي، بعتلها الفطار مع محاسن. سكت ناصر وهز رأسه وبدأ ياكل في صمت، لكن للحظة حس إنه مضايق، ومكانش عارف إيه اللي مضايقه. ناصر: الحمد لله.
فكرية: وه إنت أكلت حاجة يا ولدي؟ ده إنت و كلك كيف ماهو. ناصر: مش قادر والله يا ستي، شربت كتير. فكرية: طيب خد بس دي من يدي. ناصر: خلاص والله يا ستي، مش قادر، الحمد لله، اللهم ديمها نعمة. جولي لي صح، سيف كلمك النهاردة؟ إني مكلمتوش خالص. فكرية: أيوه، كلمني مرة الصبح، والوقت وإنت فوق، كلمني وسأل عليك، جال إنه كلمك ومردتش. ناصر: يمكن كلمني وإني بتسبح، هقوم أكلمه الوقت.
فكرية: ماشي يا ولدي، كلمه، واني هجول لمحاسن تعملك جهوتك. ناصر: تسلمي يا ستي. خرج ناصر يطمن على سيف وقفل معاه، وفضلت عينه رايحة جاية على باب المضيفة من غير ما يحس. صوت من جواه بيقوله روح شوفها، وصوت تاني رافض، لكنه قرر إنه يسيبها براحتها. دخل شرب القهوة، وبعد كده خرج تاني عشان يصلي. مرعي: ناصر بيه. ناصر: أيوه يا مرعي. مرعي: كنت عايز أقولك كده على حاجة قبل ما تمشي. ناصر: جُل خير، في إيه؟ مرعي: الغفير مصباح. ناصر: ماله؟
لسه تعبان؟ مرعي: أيوه يا ولدي. وعشان كده عايز أتكلم معاك. إني شايف إن رجعته طولت. كنت بجول نشوف حد غيره، خصوصاً يعني إن فيه حد من الغفر شافه واطمن عليه وبيجوا إن صحته بقت عال، ولسه قاعد جنب مراته. شكله كده بيدلع، ماهو بردك اللي يلاقي راحة ومرتاحش يبقى عبيط. وده قاعد شارب نايم ومرتاح، ومتربة بتوصله لحد الدار، هينزل ليه شغله بجي. ناصر: يا راجل، حرام عليك. جرالك إيه يا مرعي؟
بتعوم على عوم الغفر. الراجل كان عامل عملية كبيرة، ومش عشان شد حيله شوية يبقى قادر وبيتدلع. ربنا ما يجعلنا من قاطعين الأرزاق يا مرعي. مصباح طول عمره شغال معانا وعمره ما قصر في شغله، لما يوجع نتحمله، نمله يرتاح ويرجع لصحته، يا مرعي. وفلوسه وكل طلباته توصل، جبل الكل ده. فاتح بيت ومعاه خمس عيال. بلاش تكون سبب في قطع رزق حد يا مرعي، عشان ربنا ما يبعت لكش ويبعت لنا اللي يقطع رزقنا. ومتسمعش للغفر، هما لو مطرحه ما هيجلولوش للرزق، لأكل واحد فينا. يا مرعي، يوم ما عمره يخلص هيروح لربنا وهو شايل عمله على كتفه. خلينا نروح واحنا مشايلينش ذنب حد. ولو الشغل كتير عالغفر، هات لهم واحد جديد يسترزج، لكن يفضل مكان مصباح كيف ماهو، مفهوم يا مرعي؟
مرعي: بتأنيب ضمير، معاك حق يا ولدي، وحقك عليا إني مجصدش والله، بس لما جالي إنه بقى زين جولت حرام فلوسك اللي بتترمي في الأرض. ناصر: الخير اللي بنعمله يا مرعي، عمره ما بيترمى في الأرض. ده رزق، والرزق عارف صاحبه زين. مرعي: عندك حق. ربنا يسعدك يا ولدي ويديك على قد نيتك، ويريح بالك. ناصر: يارب. إني رايح أصلي. مرعي: وإني هحصلك دلوك. ناصر: سلام عليكم. مرعي: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
عدى الوقت بسرعة، وفي خلال الوقت اللي كان بيصلي فيه ناصر، راحت فكرية اطمنت على عالية وقعدت معاها شوية. وطبعاً اعتذرت عالية تاني عن السحور بحجة إنها عايزة تنام ومش قادرة. رجع ناصر بعد وقت طويل وعرف من ستها إنها مش قادرة تتسحر. كان مضايق، لكن سكت وسابها. تاني يوم خرج على شغله، وفضل طول اليوم بره. وفي الوقت ده خرجت عالية قعدت مع فكرية. وقبل الفطار استأذنت وطلبت إنها ترتاح. بعتتلها فكرية الأكل على المضيفة.
بدأ ناصر يحس إنه مش على بعضه، حاسس إن فيه شعور جواه هو مش فاهمه ومش عارف ليه اختفائها مضايقه. وعدم قعدتها معاهم على السفرة مخلي فيه حاجة ناقصة، وكأنه اتعود على وجودها معاهم. قرر إنه يسيبها لحد السحور، لو مجاتش هيروح يجيبها بالعافية ويطلع غضبه اللي هو مش فاهمه عليها. ناصر: هي مرضيتش تيجي ليه؟ فكرية: سيبها يا ولدي براحتها، هي طول اليوم قاعدة معايا، حقها تجعد مع حالها شوية. ناصر: بغضب، تمام، يلا كلي.
ابتسمت فكرية بهدوء على غضبه، وكلت من غير أي تعليق. بعد وقت بسيط طلعوا على أوضهم عشان يناموا. لكن كان صعب النوم يجي بعد كم الغضب الداخلي واللي مش مفهوم. بقاله يومين مشافهاش ومش عارف سبب رفضها للجماع بيهم. قام ناصر من مكانه، لبس جلابيبه ونزل راح على المضيفة وهو في قمة غضبه. خبط على الباب، وثواني وفتحت عالية. ناصر: 😡
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!