تحميل رواية «شد عصب» PDF
بقلم سعاد محمد سلامة
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بمنتصف ليالى الخريف ب إحدى قُرى التابعه ل الاقصر تُدعى قرية "الأشرف" فى حوالى الثانيه صباحً منزل عريق واجهته شبه آثريه بطراز عتيق لكن رغم مرور ما يقارب على أكثر من خمس سبعون عام على بناؤه، لكن مازال بحاله جيده جدًا حتى من الداخل يُشبه غُرف القصور الفخمه القديمه لكن حدث عليه بعض التعديلات الحديثه العصريه أصبحت الفخامه تمتزج بالعصريه. بإحدى الغرف رغم شعورهُ بالإرهاق بسبب العمل طوال اليوم ومحاولته النوم أكثر من مره.... لكن حين يُغمض عينيه يسمع بأذنيه طنين صوت تلك المرأه التى قابلها اليوم ب معبد الأ...
رواية شد عصب الفصل الأول 1 - بقلم سعاد محمد سلامة
بمنتصف ليالى الخريف
بـ إحدى قُرى التابعه لـ الاقصر
تُدعى قرية "الأشرف"
فى حوالى الثانيه صباحً
منزل عريق واجهته شبه آثريه
بطراز عتيق لكن رغم مرور ما يقارب على أكثر من خمس سبعون عام على بناؤه،
لكن مازال بحاله جيده جدًا حتى من الداخل يُشبه غُرف القصور الفخمه القديمه
لكن حدث عليه بعض التعديلات الحديثه العصريه
أصبحت الفخامه تمتزج بالعصريه.
بإحدى الغرف
رغم شعورهُ بالإرهاق بسبب العمل طوال اليوم ومحاولته النوم أكثر من مره....
لكن حين يُغمض عينيه يسمع بأذنيه طنين صوت تلك المرأه التى قابلها اليوم بـ معبد الأقصر.
تذكر حين مرت جواره وهمست له بإسم سمعه بوضوح.
[فلاشـــــــــــــ/باك]
قبل غروب الشمس
كان يسير بين أروقة المعبد بصُحبة أحد العملاء الروسيين هو وزوجته وشقيقتها بجوله سياحيه مجامله منه لهم،
يشرح لهم بعض المعلومات الذى يعرفها عن المعبد ويرد على أسئلتهم حسب معرفته،
لاحظ إنبهارهم بذالك المعبد،
يتجاذب الحديث عن أنهم سيأتون مره أخرى بميعاد لاحق للسياحه فقط يستمتعون برؤية تلك الحضاره التى سبقت التاريخ
"فحقًا مصر خُلقت أولًا ثم آتى التاريخ يرسم ويكتب بين طياته عن تلك الحضاره"
أثناء سيره معهم صدح رنين هاتفه،
إعتذر منهم وتجنب قليلًا عنهم،
يرد على من يهاتفه الى أن إنتهى الإتصال.
أغلق الهاتف ونظر أمامه الى مكان سير الثلاث وسار نحوهم.
لكن كاد يصطدم بإمرأه ترتدى زيًا أسود تقليدى قديم (الملس).
كان جزء من وشاح رأسها يُغطي جزء كبير من وجهها بسبب الرياح.
عيناها مرسومه بكُحل أسود فرعونى ....
تجنبها قليلًا،
لكن هى إقتربت منه قائله:
جاويد يا ولِد الأشرف.
آن آوان اللُجى(اللقاء)..
العشج بينادم على صاحبة النصيب"سلوان"
العشج المكتوب عليك لوعته...
الجريبه(القريبه) البعيده.
فى البدايه ظن أن تلك المرأه ربما تعرفه حين ذكرت إسمه وكاد يتجاهلها.
لكن إسم"سلوان" ترك رنين خاص وعلق بأذنيه.
لكن بنفس اللحظه نادى عليه ذالك الضيف إنتبه يُشير له أنه آتي.
للحظه واحده أحاد بصره عن تلك المرأه،
أختفت من المكان.
تلفت يمين ويسار أمام وخلف بكل إتجاه فى المعبد لكن كآنها تبخرت.
إندهش كثيرًا ولكن حاول نفض ذالك عن رأسه حين أقترب منه العميل،
وبدأ يتسأل بعض الأسئله عن المعبد ووروعة هندسة المكان.
[عوده]
زفر نفسه يحاول التغلُب على حالة السُهد تلك يريد أن يفصل عقله وينام.
تلك المرأه بالتأكيد كانت وهمًا.
بنفس اللحظه يتراجع عقله بلا لم تكن وهم ولما ذكرت ذالك الأسم الغريب أمامه.
نهض من على الفراش يستهزئ بحاله قائلًا:
واضح إن عقلك جن يا جاويد من أمتى بتصدق فى الخُرافات، الست دى أكيد بتشتغل فى الشعوذه حابه تلفت عقلك.
بنفس اللحظه نظر الى صدره وذالك الخيط السميك المُتدلى من خلف عنقه على صدره ينتهى بحِجاب مثلثي صغير ملفوف بقطعة قماش زرقاء.
أحيانًا يأخذه الفضول ويود تقطيع ذالك الحجاب الموصول بالخيط الذى رغم مرور سنوات لم يهترئ الخيط،
ود معرفة ماذا يحتوى بداخل تلك القماشه الملفوفه.
لكن ككل مره يتراجع دون سبب.
ذالك الحجاب يلازمه منذ أن كان عمره الحاديه عشر.
شعر بأن كثرة التفكير بذالك الأسم تُرهق عقله.
إرتدى قميص فوق سرواله،
وخرج من الغرفه.
لكن دون آنتباه منه تصادم مع جواد أخيه بممر صغير أمام السلم الداخلي للسرايا.
مازحه قائلًا:
مش تفتح عنيك يا أخ وإنت ماشى خلعت كتفي ولا هما الغلابه اللى زيي لاجين أكتافهم.
ضحك جاويد قائلًا:
راضي ذمتك،فى دكتور فى مصر غلبان.
ضحك جواد قائلًا:
آه أمثالى الدكاتره اللى واخدين الطب رساله ساميه زيي.
ضحك جاويد بإستهزاء قائلًا:
رساله ساميه،عالعموم متآسف.
مزح جواد قائلًا:
أصرفها منين متآسف دى،بعد ما إتسببت إن الكاتشاب اللى كان فى السندوتش بجع الجميص، أمك لما تاخد الجميص فى الغسيل وتشوف البُجعة هتدينى درس إن الأكل الچاهز ده فيه سُمٌ قاتل، وتجولي ظبطك بالچرم المشهود.
ضحك جاويد بتفكير قائلًا:
جولها دى بُجعة دم،او مكركروم أو أى مُطهر طبي إنت مش دكتور هى هتصدجك.
زفر جواد نفسه قائلًا:
هى لو أُم تانيه غير الحجه يُسريه ممكن تصدج، لكن الحجه يُسريه تختلف هتشم البُجعه،بس سيبك من البُجعه أنا هخفى الجميص،بس إنت هتدفع تمن جميص چديد ماركه كده زى الجُمصان بتوعك،طبعًا رُجل أعمال وعندك كذا مصنع خزف وفُخار غير البازارات اللى فى الأقصر وأسوان ،بتتعامل بالعملات الصعبه.
ضحك جاويد قائلًا:
ما يحسد المال الأ صحابه،وأيه منعك مش إنت اللى إختارت الطب من الاول،وجولت مش هاوي شُغل الفخار والخزف...مع إنك كنت بتعرف تشكل الفخار كويس.
تنهد جواد متحسرًا بمزح:
ما إنت عارف إنى كنت بجعد إچباري چار جدك "زاهر"الله يرحمه لما كان يغصب علينا ويجول شُغل الفخار وراثه من چدكم الاشرف الكبير ولازمن تتعلموه ،بس مكنتش هاوي الشُغل ده،لا أنا ولا حتى زاهر واد عمك صالح،بس كنا بنخاف من كرباچ جدك يعلم على چتتنا،يلا الله يرحمه.
آمن جاويد على قول جواد:
جدك زاهر فعلاً كان جلبهُ جاسي.
تنهد جواد قائلًا:
إنت ورثت منيه صنعة الفُخار،بس بعترف عندك ذكاء أكتر منيه،أو يمكن دراستك ساعدتك على مواكبة التطور الزمني ،وأنشأت مصانع فُخار وخزف،بس تعرف أحسن حاجه حصلت بعد موت جدك هى إن عمك"صالح"قسم كل شئ وأخد نصيبه وساب لينا الدار دى وبنى لنفسه بيت مودرن وأخد زاهر إبنه الغبي معاه...تعرف كان نفسي كمان عمتك صفيه تاخد ميراثيها فى الدار ونرتاح من سماجتها.
توقف جواد عن الحديث فجأه ثم غمز عينيه بمكر يعلم رد جاويد حين يقول:
ولا بلاش عمتك تتخلى عن نصيبها فى الدار أهو ينفع بتها مُستجبلًا،لما تبقى مرت جاويد الأشرف.
لكز جاويد كتف جواد بقوه قائلًا:
ده شئ مستحيل يحصل،" مِسك" بالنسبه ليا زى"حفصه" أختي.
ضحك جواد بإستفزاز قائلًا:
المثل بيجول'ان حبتك حيه إتلفع بيها'.
تنهد جاويد بسآم قائلًا:
عندى أتلفع بحيه ولا إنى إتچوز من مِسك بت عمتك صفيه،وبعدين فضنا من السيره دى دلوك،إنت مش راچع من المستشفى تعبان.
زفر جواد نفسه بإرهاق قائلًا:
مش تعبان،هلكان،مدير المستشفى ما صدج طلع معاش وجال يا فكيك،وأنا اللى ماسك إدارة المستشفى بالإنابه على ما وزارة الصحه تفتكر تبعت لينا مدير چديد.
ضحك جاويد وهو يضع كف يده على كتف جواد بمؤازره مازحً قائلًا:
مش الطب رساله ساميه،إتحمل عشان خاطر ساميه ترضى عنك،يلا هسيبك تروح تنام.
تبسم جواد قائلًا:
والله ساميه طلعت متعبه جوى جوي،بس إنت أيه اللى مسهرك لحد دلوك،وكنت رايح فين؟
تنهد جاويد قائلًا:
مش جايلى نوم، وكنت طالع الاوضه اللى عالسطح،أشغل نفسى شويه يمكن النوم يچي.
غمز جواد بعينيه مازحًا بإستخبار:
وأيه اللى مطير النوم من عنيك،لتكون عاشج يا ولِد الأشرف.
لكزه بقوه بكتفه قائلًا:
روح نام شكلك هيست من كُتر السهر،يلا تصبح على خير ومتنساش تاخد ساميه فى حضنك.
ضحك جواد قائلًا:
تمام إعملى ماج جديد أشرب فيه النسكافيه فى المستشفى الماج الجديم كسرته وراء المدير وهو طالع من المستشفى.
ضحك جاويد قائلًا:
من أعمالكم سُلط عليكم، كسرت وراء المدير الماج وأهو إنت اللى إتورطت مكانه بالإنابه.
ضحك جواد وهو يتثائب قائلًا:
فعلاً ... يلا تصبح على خير.
صعد جاويد الى سطح المنزل
فتح باب تلك الغرفه الكبيره التى تُعتبر مخدع ثاني له،
بها فراش وأريكه كبيره،
كذالك جزء من الغرفه يضع به طاوله عليها (دوامه،ميزان صغير،وعاء بلاستيكى به ماء، قطع إسفنج، وصلصال) كذالك أدوات تستخدم فى صقل الفخار تساعد فى تشكيل الفُخار.
ذهب مباشرةً الى تلك الطاوله وجلس خلفها وبدأ يقوم بصناعة إحدى الأشكال.
لكن رغم ذالك مازال طنين إسم "سلوان" وحديث تلك المرأه يُشغل رأسه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ.......
بنفس الوقت، بالقاهره
بـ حي سكني فاخر
شقه فاره
همازلت مُستيقظه تشعر بالضجر.
نهضت من فوق فراشها وزفرت نفسها بسأم قائله:
مش عارفه ليه النوم طاير من عيني،وعندى إحساس كده فى قلبي مش عارفه له تفسير،يعنى هي أول مره أسافر لوحدي.
زفرت نفسها تجاوب:
يمكن عشان أول مره أسافر من غير ما أقول لـ بابا،بس أنا لو قولت له هيفكر آنى مضايقه عشان هو إتجوز.
نفخت أوداجها بضيق قائله:
بس أنا فعلًا مضايقه إن هو إتجوز،وإشمعنا الست "دولت"بالذات طبعًا عشان صاحبة عمتو"شاديه"عشان تضمن إنها متتحرمش من مرتب كل أول شهر اللى بابا بيبعته ليها،بس ها دولت متأكده إنها من نفس نوعية عمتو والاتنين هيظهروا حقيقتهم الإتنين طماعين،وبعدين أنا مالي دى حياة بابا وهو حُر فيها،أما أروح المطبخ أجيب لى كوباية لبن أشربها يمكن بعدها أحس بهدوء وأنام.
أشعلت ضوء المطبخ وآتت بعبوة حليب وسكبت القليل منها وقامت بتدفئته على الموقد ثم سكبته بكوب وحملته وأطفأت الضوء مره أخرى لتعود لغرفتها.
لكن أثناء سيرها سمعت ضحكة زوجة أبيها العاليه والتى تُشبه ضحكة الغواني.
كذالك سمعت صوت والداها يقول لها بتحذير:
وطي صوت ضحكتك شويه يا دولت متنسيش إن سلوان أوضتها قريبه من الأوضه.
ردت زوجة والداها عليه بمياعه:
وفيها لما أضحك يعنى،هو عيب وبعدين بنتك مش صغيره دى اللى فى سنها أتجوزوا ومعاهم بدل العيل إتنين،بس هى اللى مغروره بجمالها ورافعه راسها،أخويا قبل كده طلبها للجواز وهى رفضت ويحق لها طبعًا ما أنت مدلعها عالآخر وده غلط عليها يا هاشم فى النهايه هى بنت ولازم تفوق لنفسها قبل الغرور ما يسرق عمرها.
زفر هاشم نفسه قائلًا:
سلوان حُره فى حياتها أنا طول عمري سايب ليها حرية الإختيار،وياريت تتعاملي معاها بطريقه كويسه لآن معنديش شئ فى حياتى أغلى من سلوان.
تضايقت زوجته وتعلثمت قائله بخداع:
أنا مكنش قصدي سوء لـ سلوان أنا...
قاطعها هاشم قائلًا بتحذير:
أنا بحذرك يا دولت سلوان اغلى من حياتي.
سارت سلوان وهى تشعر بإنشراح،لكن همست بعد أن سمعت ضحكة ماجنه مره أخرى قائله:
طبعًا حاميه ومصدقتى لقيتي اللى يبرد حمو جسمك.
عادت سلوان لغرفتها وضعت كوب اللبن على طاولة جوار الفراش قائله:
أما أتأكد تانى إنى حطيت بطاقتي الشخصيه وكمان الكريديت وكمان تذكرة فى شنطة إيدي.
فتحت الحقيبه وتأكدت من وجود البطاقتين،
أغلقت الحقيبه ووضعتها بمكانها،
ثم تمددت فوق الفراش ومدت يدها أخذت كوب اللبن وبدأت تحتسيه،
الى ان إنتهى تثائيت قائله:
كويس آنى حجزت فى القطر لـ الاقصر احسن من الطيران، أنا مش بحب السفر طيران من أصله بسبب سرعته بحس كآنى فى مكاني مش بتنقل لمكان تاني، وأكيد فى القطر هلاقى ناس أتكلم معاهم.
تثائبت ثم تمددت على الفراش تُغمض عينيها تحلم بتلك الرحله التى كانت تُخطط لها منذ زمن وكانت كلما تنتوي القيام بها تتراجع بآخر لحظه لكن هذه المره آن الآوان، لن تتراجع عن تلك الرحله المؤجله.
........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالأقصر
بمنزل مجاور لـ منزل الأشرف،
يُضاهيه فى كبر الحجم والفخامه لكن بطراز عصري حديث.
بأحد الغرف
بآخر الليل
طفل إستيقظ من النوم فزعًا على صوت صراخ أمه.
نهض من على فراشه سريعًا وذهب لغرفتها كالعاده كان سبب صريخها والده الذى يصفعها بقوه.
إقترب الطفل من والده يحاول أن يسحب أمه من بين يدي والده،
لكن والده قام بدفعه بقوه الصقه بالحائط،
وذهب نحوه ينهره قائلًا:
بجيت راچل وبدافع عن أمك يا حيلتها، چاي وعاوز تُضربنى، لكن لاه دا أنا ادفنك إنت وهى فى جبر(قبر) واحد.
قال هذا وكاد يصفع الطفل،
لكن منعته زوجته وهى تنظر له قائله:
إدلى على مجعدك يا "زاهر" بوك دلوك هيهدى.
هز الطفل رأسه بـ لا وكاد يتحدث لكن تهجم عليه والده قائلًا:
غور على مجعدك داهيه تاخدك إنت وأمك.
بضعف نهض الطفل مره أخرى وخرج من الغرفه،
لكن إستدار مره أخرى حين سمع صوت صفع باب الغرفه ثم عاود والده التهجم على والداته بالسباب النابي بابشع الألفاظ والضرب المُبرح قائلًا:
بتربي ولدي على إنه يكرهني،لكن ده بُعدك عاد إنت وهو ملكوش عيندي ديه.
قال هذا وقام بضربها،
فى نفس اللحظه فتح زاهر الغرفه،
ليرى والده يلكم والداته لكمات قويه على وجهها وبطنها،
ويحاول خنقها ثم قام بدفع جسدها بقوه فوق الفراش ليهمد جسدها ولا يتحرك.
ليس هذا فقط بل دماء تسيل منها بغزاره بسرعه كان تحول الفراش الى لون دمائها.
بنفس اللحظه آتى جد ذالك الطفل ودخل الى الغرفه،
ذُهل حين وقع بصره على تلك الممده على الفراش الدموي،
إنصعق قائلاً:
جتلت مرتك يا صالح!
نظر لها صالح بإمتعاض قائلًا:
تغور فى داهيه.
نظر له والده قائلًا بتعسف:
إنت اللى هتروح فى داهيه،دى شكلها ماتت ألف مره جولت لك بطل ضرب فى مرتك...لكن.
بصق صالح جانبًا يقول:
هى اللى عتعصبني بحديتها وسؤالها الماسخ رايح فين دلوك،كآنى ههچ منيها،أنا من الاول مكنتش رايد أتزوچ بها بس هى حبلت فى زاهر واد الحرام.
زفر والده بغضب قائلًا:
زاهر مش واد حرام،وإدلى دلوك إخرچ من الدار لحد ما أشوف حل للمصيبه اللى عملتها دى.
خرج صالخ من المنزل دون تآنيب ضمير،
وبعد وقت دخل طبيب الى الغرفه،
رأى ذالك الفراش الدموي وكذالك أثار الصفعات على وجه تلك الممده،
لم يُعاينها طبيًا ورفع فوق وجهها دثار قائلًا:
البقاء لله.
تنهد الجد قائلًا:
عاوز تصريح بالدفن.
كاد الطبيب أن يعترض ويقول أن الميته قُتلت،
لكن نظرة الجد القاسيه كفيله بزج الرعب فى قلب الطبيب الذى دون سبب الوفاه"نزيف إجهاض أدى الى الوفاه".
يوم واحد عزاء والليله الثانيه كانت زوجه أخرى تدخل الى غرفة والداته.
إستيقظ من النوم مفزوع ليس بسبب تلك الذكرى التى تسيطر عليه دائمًا يراها وهو نائم،
لكن بسبب صوت صفع أبواب المنزل،
يعلم جيدًا من السبب فى ذالك،
إنه والده الذى يكرهه ويتمنى يومًا أن يصحوا من النوم على خبر موته.
لكن هو ككل ليله عاد بعد ان قضى وقت برفقة الغواني الذى يذهب لهن لا يكفيه الحرام الذى يرتكبه.
نهض من فوق الفراش وخرج من غرفته وقف بالاعلى ينظر الى والده الذى دخل للمنزل وأشعل الضوء يسير بترنُح مخمور كعادته.
ذهب نحو غرفته يصفع بابها لكن سقط أرضًا قبل ان يدخل للغرفه.
رأهُ ولم يرآف به بل لم يرف له جفن،
لا يشعر بشئ نحوه سوى البُغض.
يعلم انه بالنهايه والده و وواجب عليه بِره لكن هو لا يستحق البِر هو يستحق الجفاء الذى زرعه من البدايه.
تجاهله وعاود الذهاب نحو غرفته،
بداخله كم تمنى بهذه اللحظه أن يظل نائم هكذا أرضًا ولا يصحو أبدًا.
..... ـــــــــــــــــــــــــــــ
شبرا الخيمه
قبل آذان الفجر
بمنزل متوسط بأحد القُرى
دخلت الى الغرفه وجدت والداتها تسجُد أرضًا وترفع يديها بالدعاء والتضرع باكيه الى الله ان يحفظ إبنتها ويوفقها بالطريق التى ستذهب إليه.
تدمعت عينيها قائله بعتاب:
برضوا بتعيطى يا ماما.
نهض من فوق سجادة الصلاه وتوجهت نحوها قائله:
ومش عاوزاني اعيط يا إيلاف وإنت مسافره لآخر الدنيا.
تنهدت إيلاف قائله ببسمه تحاول رسمها تغلب بها ضعفها:
هى الأقصر بقت آخر الدنيا، دى بينها وبين القاهره ساعة زمن بالطياره.
بكت والداتها قائله بلوم:
كان لازم تقدمى تظلم، يمكن كانوا اخدوا بيه فى وزارة الصحه وبدل ما يبقى تكليفك فى الاقصر كان ممكن يبقى فى اى مكان قريب مننا حتى لو وحده صحيه ريفيه... فى إسكندريه ولا القاهره مش فى الأقصر آخر الصعيد.
تبسمت إيلاف قائله:
مالها الاقصر،طب ياريت كان الحظ إبتسم لى وجالى التكليف فى مستشفى "مجدي يعقوب" فى أسوان...كانت تبقى فرصة عمري،بس مش مهم الاقصر قريبه من المستشفى دى ويمكن تكون الاقصر فرصه توصلنى لأسوان.
تنهدت والداتها ببكاء قائله:
إ ليه أنا حاسه إنك مبسوطه ويمكن إنتِ اللى أختارتي مكان التكليف بتاعك يبقى بعيد كده.
تعلثمت إيلاف قائله:
لأ طبعًا يا ماما،وبعدين لو كان بمزاجي كنت هختار الأقصر برضوا،والأقصر مش بعيده زى ما إنت متخيله،ساعه بالطياره زى ما قولت لك...وكفايه بقى عياط مش عاوزه اسافر وانتِ حزينه كده،المفروض تدعيلى،كمان خلاص لازم أمشى الطياره الساعه خمسه الفجر ولازم أكون فى المطار قبلها بساعه عالاقل،إدعيلي يا ماما.
بكت والداتها وهى أيضًاحين إنحنت على يدها تُقبلها،
ثم رفعتها وقامت بضمها بقوه تدعى لها بالخير والستر،
هى على يقين ان إيلاف تريد البُعد عن هنا وعن أى مكان قريب،
وربما هى من إختارت الأقصر عنوه منها كى تبتعد وتذهب بل تهرب الى مكان تعتقد أن لا أحد سيعرف أنها إبنة " اللص القاتل".
..... ـــــــــــــــــــــــــــــ
صباحً
منزل القدوس
يبغرفة مؤنس
فتح إحدى ضُلف الغرفه وأخرج ألبوم صور قديم
ثم جلس على أحد المقاعد وفتحه يُقلب بين صفخاته بإشتياق الى أن توقف عند تلك الصوره.
صوره ودمعه، لم تكن أغنيه بل كانت شعور مُضني فى القلب لذكرى صاحبة تلك البسمه،
كانت جميله بوجه ملائكي،
من يراها يُعطي لها عمرًا أكبر من ثمانية عشر عام عمرها وقت إلتقطت تلك الصوره.
جمالها كان لها لعنه،
كانت عيون وقلوب الرجال تتهافت عليها وهى لا تُعطى لهم إهتمام.
لكن العصفوره الجميله فجأه وقعت بيد صياد ربما لم يكن مخادع لكن هى بسببه إختارت الطيران بعيد عن السِرب وعن حضن والداها،
كان الإختيار عليها سهلًا،
"لن أتزوج الأ من أحببت حتى لو كان الثمن قتلي يا والدي" وقد كان بداية الجفاء.........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بغرفة مِسك
إستيقظت على صوت منبه هاتفه
اتمطئت بيديها تحاول نفض النوم الذى مازال يسيطر عليها.
ثم مدت يدها لطاوله جوار الفراشه وجلبت ذالك الهاتف.
أغلقت صوت التنبيه ثم فتحت ملف خاص بالصور وآتت بإحدى الصور وقبلت الهاتف ثم قالت بشوق:
صباح الخير يا جاويد يا حبيبي.
ظلت تنظر للصوره بشوق ثم قالت بتمنى:
أمتى أصحى من النوم والأجي جاويد نايم چاري، يارب إسمع دعايا وقرب البعيد.
بنفس اللحظه فتحت والداتها باب الغرفه وتبسمت حين راتها مستيقظه قائله:
صباح الشهد على أحلى الصبايا، يلا جومي فوجى كده عشان تفطري جبل ما تروحى للمدرسه، وبلاش تتأخري النهارده.
إبتسمت مِسك قائله بسؤال:
وفى أيه النهارده بجى عشان مش عاوزانى اتأخر فى المدرسه.
إبتسمت صفيه قائله:
معزومين عالعشا عند خالك صلاح، وكنت بفكر نروح عينديهم من العصريه تُجعدي شويه مع "حفصه " تحاولى تليني راسها من ناحية أخوكِ، سايجه الدلال عليه.
إبتسمت مِسك قائله:
حاضر يا ماما، متخافيش حفصه بتسمع كلامى ناسيه إنى صاحبتها الوحيده وانا اللى لمحت ليها إن أخوي هيحبها لحد ما هى كُمان حبته ووافجت على الخطوبه منيه،رغم إن مرات خالى"يُسريه"مكانتش موافجه،بس رضخت لما حفصه وافقجت.
تنهدت صفيه وزمت شفتيها قائله:
يُسريه طول عمرها شديده ومستجويه،بالك يمكن هى اللى مجسيه جلب جاويد.
تنهدت مِسك بشوق وتمني قائله:
لاء مش هى يا ماما مرات خالى نفسها تجوزه، بس جاويد هو اللى زي چدى زاهر الله يرحمه جلبه جاسي بتمنى بس لو يفتح لى جلبه.
إبتسمت صفيه قائله بتأكيد:
لاه إطمنى خلاص جاويد مش بس هيفتحلك جلبه، لاه، ده هيبجى من حظك ونصيبك بس إنت زى ما جولتلك، دايمًا تهاودي چاويد فى اى حديت يتحدت بيه، ومتأكده بعد ما أحط الحچاب ده تحت فرشتة جاويد هيبجى كيف العاشج الولهان ليكِ... وكيف ما جالتلى العرافه هيجولك، سيري أما أنظرلك،ويغلبك بالمال تغلبية بخلف الصبيان.
نظرت مِسك الى ذالك الحجاب بيد والداتها قائله بإستفسار:
ميتى ده يحصل يا ماما،انا بجى عندي شك بالوليه المشعوذه اللى بتروحى ليها مفيش عمل جبل إكده رفق معاها،زى ما يكون جاويد مُحصن نفسيه.
ردت صفيه بتأكيد:
لاه المره دى العمل هيچيب نتيجة ومش بعيد جبل ما نعاود من العشا يكون جاويد طالبك بلسانه للجواز...بس جولى يارب،ده عمل بالمحبه.......
ــــــــــــــــــــــــــــ
بمكتب بأحد مصانع الخزف،
شعر جاويد بالسأم فجأه من العمل،
أغلق ذالك الحاسوب،
وإتكئ بظهره على المقعد،
نظر نحو شباك المكتب،
ظهر قُرص الشمس وهى تستعد للغروب.
تذكر ان ذالك نفس موعد أمس الذى إلتقى فيه مع تلك المرأه بالمعبد،
تهكم على نفسه قائلًا:
كلمتين من دجاله خلوك مش عارف تنام ولا تركز.
زفر نفسه يذم ذالك الشعور،
لكن فجأه نهض من فوق مقعده مُتذكرًا موعده مع أحد العملاء،
خرج من المكتب وذهب الى مكان ركن سيارته،
صعد إليها كى يتوجه الى مكان لقاؤه بذالك العميل.
لكن أثناء سيرهُ بالطريق كان قريب من ذالك المعبد،
توقف قليلًا يُفكر وهو ينظر لساعة يده،
وجد انه مازال بعض الوقت على موعد العميل.
نظر نحو طريق المعبد يشعر بحِيره فى عقله هنالك شئ يجذبه للذهاب الى المعبد.
إستسلم لذالك الهاجس وبالفعل دخل الى المعبد ظنًا منه أن هذا ليس أكثر من فضول منه لرؤية تلك المرأه وسؤالها لماذا قالت له ذالك الإسم بالأمس.
بعد قليل
كان يسير بين أروقة المعبد عيناه تبحث بكل إتجاه وزاويه،
لم يجد ما يبحث عنها.
لكن بلحظه سمع صوت من خلفه يقول:
اللى عتدور عليه جدامك يا وِلد الأشرف.
نظر خلفه لذالك الصوت بدهشه هو بالكاد أدار ظهره متى جلست تلك المرأه جوار أحد أعمدة المعبد،
لكن تحدثت تلك المرأه:
چاي تسألني عنها.
نفض تلك الدهشه عن رأسه وأقترب من مكان جلوسها أرضًا جاثيًا على ساقيه قائلًا بإستفسار:
مين اللى جولتى لى إسمها إمبارح؟
ردت المرأه:
كنت متوكده إنك هترچع لإهنه من تانى تسألني عنها، بس كل اللى أعرفه إسمها"سلوان" وهى دلوك بالطريج، اللُجى(اللقاء) الليله تحت الجمر الأحدب،ودى لعنه تانيه.
همس الأسم يشعر بنغمه خاصه له بين لسانه ورنين خاص بآذنيه"سلوان".
لكن نظر للمرأه وكاد يتسأل لكن هى سبقته قائله:
العين عليها مرصوده يا وِلد الأشرف إنت الحارس الحامى ليها، بس حاذر لوعة العشج، لعنة العشج لساتها مستمره، يا تنتهى بـ دم واحد من الأحبه، يا يظهر الغريج(الغريق) ويبيح بمين اللى خلع جلبه من بين ضلوعه وهو حي.
كاد جاويد أن يتستفسر منها عن قصدها،
لكن قاطعته المرأه قبل أن يسأل قائله بحسم:
الليله تحت الجمر هيكون بداية الوعد المحتوم.
رواية شد عصب الفصل الثاني 2 - بقلم سعاد محمد سلامة
بمشفا حكومي بالأقصر.
أثناء دخولها، ذهبت إلى مكان الاستقبال بالمشفى للاستفسار.
لكن قبل أن تستفسر على ما تريد، دخل رجل يستنجد وهو يسند رجلاً آخر ينزف من ذراعه بغزارة.
رغم وجود وشاح رجالي (شال) أبيض أحمر لونه من غزارة الدماء حول يده، لكن ما زال الدم ينزف.
بحكم مهنتها، توجهت إلى ذلك الرجل وفكت ذلك الوشاح ونظرت ليد الجريح.
شعرت بألم كأن هذا الجرح بجسدها.
قالت: "الجرح اللي معصم إيد الحاج كبير ولازم يتخيط مش أقل من خمسة عشر غرزة."
رد الموظف الذي يقف في الاستقبال قائلاً: "بس الدكتور جواد مش في المستشفى، قدامه نص ساعة ويوصل، هو مواعيده مظبوطة ومفيش ولا دكتور هنا. إديني يا عم أي مستشفى خاصة أو مستوصف، أو حتى عيادة دكتور."
لم تستغرب إيلاف رد موظف الاستقبال، لكن تنهدت بيأس قائلة: "والراجل المصاب ده هيستنى على ما الدكتور يوصل؟ أنا دكتورة منتدبة لتأدية التكليف هنا، وأقدر أخيط للحاج إيده، بس قول لي مكان أوضة الإسعافات الأولية اللي هنا في المستشفى."
شعر موظف الاستقبال بالحرج قائلاً: "آسف يا دكتورة، اتفضلي معايا."
لفت إيلاف يد الجريح بالوشاح مرة أخرى قائلة: "تمام اتفضل يا عم الحاج، متخافش. أنا صحيح لسه متخرجة من كلية الطب بس والله عندي خبرة أعرف أخيط جروح."
رغم شعور الألم لديه، لكن تبسم لها قائلاً: "الخبرة مش بالسن يا بتي، ربنا يزيدك علم."
ابتسمت له.
دخلت إلى غرفة الإسعاف بالمشفى، لكن قال موظف الاستقبال: "من فضلك يا دكتورة اكتبي للأخ المرافق للجريح على المستلزمات اللي هتحتاجيها عشان يروح صيدلية المستشفى يجيبها."
ابتسمت إيلاف بتفاجؤ قائلة: "غريبة، أنا قولت هتقوله يشتري المستلزمات من أي صيدلية بره المستشفى. والله كويس إن المستشفى فيها صيدلية فيها علاج."
رد الموظف: "لأ، إحنا عندنا هنا في المستشفى صيدلية فيها أدوية. البركة في الدكتور جواد، هو المسؤول المباشر عن الصيدلية وموفر العلاج، بس إحنا عندنا نقص في الدكاترة، كلهم ما يصدقوا يشتغلوا في مستشفيات الحكومة اللي في الأرياف عشان يدخلوا ويطلعوا براحتهم من غير ضبط ولا ربط عشان مواعيد عياداتهم الخاصة. حتى المستشفى دي رغم إنها في البندر بس بالنهاية برضك مستشفى حكومي يا دكتورة وأنتِ عارفة بقى الرزق يحب الخفية."
تنهدت إيلاف صامتة، بينما قال الجريح: "الرزق على حساب الغلابة، هي دي رسالة الطب دلوقتي. بس واضح إن الدكتورة في قلبها رحمة."
ابتسمت له قائلة: "أنا من الناس الغلابة يا عم الحاج. على العموم أنا كتبت المستلزمات أهي، خدها وروح هاتـها بسرعة لأن الحاج نزف دم كتير وده مش كويس على صحته."
بعد قليل.
نزعت إيلاف ذلك الوشاح من على يد الجريح ونظرت ليده باستغراب قائلة: "إنت إيدك كانت محروقة قبل كده."
رد الجريح: "أيوه، كنت بشتغل في مصنع لحرق الطوب وإيدي اتحرقت وأنا بدخل الطوب في الفرن عشان يتحرق. نصيب عمك بليغ دايمًا كده منصاب."
ابتسمت له قائلة: "وأيه سبب الإصابة الكبيرة دي بقى يا عم بليغ."
ابتسم بغصة قائلاً: "أنا رئيس عمال في مصنع الأشرف بتاع الخزف ومخدتش بالي وأنا بمر على العمال، وجعت فازة كبيرة من واحد من العمال واتكسرت وأنا اتحزلجت على إيدي... الحمد لله ربنا لطف وإنصابت إصابة خفيفة بمعصم إيدي."
ابتسمت له إيلاف باستغراب قائلة: "إيدك على الأقل هتاخد خمسة عشر غرزة وبتقول إصابة خفيفة."
تنهد بليغ قائلاً: "يا بتي جرح البدن سهل يداوى، لكن جرح كسرة النفس مالوش دوا."
أومأت له رأسها بتوافق، فهي أكثر من تعرف وجع جرح كسرة النفس الذي لا دواء له.
بعد قليل انتهت من تقطيب جرح بليغ وقامت بوضع ضماد طبي عليه مازحة: "الحاج اللي كان معاك طلع جبان ومستحملش يشوفني وأنا بخيط إيدك وطلع لبرة الأوضة."
ابتسم بليغ قائلاً: "هو رشاد كده، يخاف من منظر الدم والمستشفيات. أنا لو مش غالي عليه مكنش وقف جاري من الأول. بتشكرك يا دكتورة على معروفك معايا."
ابتسمت له قائلة: "ده مش معروف يا عم بليغ، دي واجبي اللي أقسمت عليه إني أداوي حتى عدوي طالما محتاج لمساعدتي."
ابتسم لها بتقدير قائلاً: "ربنا يحفظك ويحميك يا بتي ويزيدك علم."
ابتسمت له بتأمين قائلة: "يارب، اشرب عصاير كتير عشان تعوض نزف الدم، أنا هكتب لك على مضاد حيوي وشوية أدوية وبلاش المية تمس الجرح."
قالت هذا ثم ابتسمت مازحة: "الحق اصرف العلاج من صيدلية المستشفى."
ضحك بليغ قائلاً: "بقولك أنا رئيس عمال، وجاويد بيه لو عرف إني جيت لمستشفى حكومي هيلوم عليا، خلي علاج الحكومة لناس تانية تحتاج له أكتر مني يا بتي. بس عشم مني أنا هاجي عشان إنتِ اللي تغير لي عالجرح هنا، بصراحة يدك خفيفة ومحستش بأي ألم."
كلمة "يدك خفيفة" طنت برأسها تذكرها بتهجم إحداهن عليها يومًا ما ونعتتها بالكذب "لصة وإيدك خفيفة زي باباك اللص القاتل".
تبدل حالها وعبست للحظات ثم قالت: "متنساش تاخد المضاد الحيوي، هيسكن الألم بعد ما مفعول البنج يروح، ومرة تانية حمدلله على سلامتك."
قالت هذا وابتعدت قليلاً وخلعت قفازي يديها وألقتهم بسلة المهملات ثم خرجت من الغرفة.
استغرب بليغ ذلك، لكن ظن أنه ربما تجاوز معها بالحديث، ندم على ذلك، وكاد يذهب خلفها معتذرًا ربما أخذه العشم الزائد.
لكن حين خرج من الغرفة وجد صديقه رشاد يقترب منه قائلاً: "أنا اتصلت على جاويد بيه ولما عرف باللي حصل وإنا هنا في المستشفى دي زعل وجالي ليه منروحناش مستشفى خاصة، حتى جالي إنك تتصل عليه وإنك في إجازة والبضاعة اللي جايه من أسوان الليلة هو هيستلمها مكانك ويدخلها للمخازن."
تنهد بليغ قائلاً بلوم: "وليه بتتصل عليه، ده جرح بإيدي مش مستاهل. على العموم أنا هتصل على جاويد بيه تاني وأقول له إني زين وأنا اللي هستلم البضاعة الليلة."
نظر له رشاد بلوم قائلاً: "إنت مش شايف وشك ولا إيدك اللي مبطلتش نزف لأكتر من ساعة، وبعدين دي فرصة استغلها شوية وتعالى معايا أسهرك سهرة تنسيك وجع الدنيا بحالها."
تنهد بليغ يهز رأسه بأسف قائلاً: "سهرة عند الغوازي يا رشاد مش هتبطل الداء ده بقى بيتك وولادك أولى باللي تصرفه عند الغوازي وتكسب بيه كمان سيئات 'من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته'، خاف على بنتك وأهل بيتك. وبعد عن خلقتي مشوفتش الدكتورة راحت في أي اتجاه."
رد رشاد بنزق: "الدكتورة دلت ناحية الاستقبال."
تنهد بليغ وترك رشاد متجهًا ناحية الاستقبال، لكن حين وصل لم يجد إيلاف، كاد يسأل موظف الاستقبال لكن أجل ذلك للغد بالتأكيد سيأتي لتغيير ضماد جرحه ويسأل عليها ويعتذر إن كان أخطأ دون انتباه منه.
بينما حين خرجت إيلاف من الغرفة توجهت ناحية الاستقبال وسألت الموظف عن غرفة مدير المشفى، ودلها عليها قائلاً: "أوضة المدير آخر الممر ده على يدك اليمين."
توجهت إلى حيث أرشدها الموظف.
فتحت باب الغرفة بعد أن سمعت السماح لها بالدخول، لكن توقفت خلف باب الغرفة بخطوة تشعر بالحرج قائلة باعتذار: "متأسفة واضح إني غلطت في الأوضة، أنا فكرت دي أوضة مدير المستشفى."
نهض من خلف المكتب مبتسمًا يقول: "لأ، حضرتك مغلطيش في الأوضة، دي فعلًا أوضة مدير المستشفى، وللأسف المدير مصدق جاب سن المعاش وسلم كل مسؤلياته حتى قبل ما وزارة الصحة تبعت مدير جديد للمستشفى وللأسف اضطريت أنا أبقى المدير بالنيابة لحد ما المدير الجديد يوصل بالسلامة."
ازدرت ريقها بهدوء قائلة: "يعني أنا جايه أقضي مدة التكليف في مستشفى مفيهاش دكاترة ولا مدير كمان."
ضحك جواد قائلاً بآسف: "بس فيها مرضى مش قادرين على مصاريف العلاج حالتهم المادية متسمحش يتعالجوا في المستشفيات الخاصة. بس حضرتك متعرفناش، أنا الدكتور جواد صلاح، هو المفروض تخصصي جراحة قلب وأوعية دموية، بس أنا بشتغل هنا في المستشفى تخصص عام حتى أحيانًا أطفال."
ابتسمت إيلاف دون رد.
بسمتها لفتت نظر جواد إلى ذلك الحزن الذي يسكن ملامحها رغم ابتسامها.
لكن تنحنح قائلاً: "أنا عرفتك على نفسي وحضرتك..."
ردت إيلاف وهي تمد يدها بملف ورقي قائلة: "أنا الدكتورة إيلاف التقي، وده الملف الخاص بتاعي وفيه جواب التكليف بتاعي في المستشفى هنا."
ابتسم جواد وأخذ من يدها الملف بفضول وبدأ بقرائته بتأنٍ صامتًا لدقيقة.
شعرت إيلاف للحظات بالتوجس من صمته وهو يقرأ اسمها: "إيلاف حامد التقي."
شعرت برعشة بداخلها من نطقه اسمها، دخل إليها شك إن كان يعلم أنها ابنة ذلك اللص القاتل، فوالداها كان حديث الإعلام في إحدى الفترات.
لكن بداخلها حسمت جوابها لو سألها ستقول تشابه أسماء.
لكن خاب ظنها حين قال جواد: "اسم إيلاف ده غريب، تقريبًا أول مرة أسمع عنه."
ابتسمت إيلاف قائلة: "'إيلاف' مش اسم غريب، هو اسم من القرآن الكريم ومعناه من التألف."
نظر لها مبتسمًا لا يعلم ذلك الشعور الذي دخل إلى قلبه مباشرةً.
فعلًا شعر اتجاهها بالتآلف.
مد يده لها بالمصافحة قائلاً: "أهلاً بيكِ يا دكتورة إيلاف، ينتظرك عمل شاق بالأقصر بلدنا."
... ــــــــــــــــــــــ
دار صالح الأشرف.
بين العصر والمغرب.
للتو استيقظ من النوم يشعر بصداع برأسه، نهض من على الفراش بكسل يضع يده على بطنه قائلاً: "حاسس بجوع، أما أقوم أستحمى بشوية ميه فاترة عشان أفوق وبعدها أبقى آكل."
بعد قليل خرج من الغرفة توجه نحو المطبخ، رأى إحدى النساء عمرها يتخطى الأربعين كانت تقف ظهرها له، نظر لجسدها يزدرد ريقه باشتهاء.
رغم أنها سيدة بدينة لحد ما، تسحب بهدوء وكاد يمد يده على مكان حساس بجسدها لكن تراجع حين سمع صوت يتحدث بتعسف: "سيدة خلصتي الأكل اللي طلبته منك."
انخضت الخادمة واستدارت لتفاجئ بصالح خلفها، زادت خضتها، تستعيذ بالله.
تهكم صالح قائلاً: "بتستعيذي بالله في وشي إيه، شفتي شيطان؟ فين الأكل يا وليه، المغرب جرب يأذن ولسه أكل الغدا مش جاهز، بقيتي تجيلي جوه شوفي بنته خفيفة تشتغل معاكِ بالدار."
استهزأ زاهر قائلاً بتلميح: "كلامك صحيح، بس يا ريت تعمل إنت بيه أولاً وتعيش زي اللي في سنك."
نظر صالح له باستهجان قائلاً باستهزاء: "واللي في سني عايشين كيف يا زينة الشباب."
تجاهل زاهر الرد عليه ونظر للخادمة قائلاً: "جهزي الأكل في السفرة."
قال زاهر هذا للخادمة ثم نظر لصالح قائلاً: "هتفضل واقف في المطبخ كده كتير يا... أبويا."
تنهد صالح بسأم وضيق قائلاً: "لأ هدلى عالسفرة، وإنتِ يا وليه خفي لحمك إشوي وجهزي الأكل."
بعد دقائق بغرفة السفرة كان لا يسمع سوى صوت ارتطام الملاعق بالأطباق إلى أن صدح رنين هاتف.
أخرج زاهر الهاتف من جيبه وقام بالرد على المتصل إلى أن أنهى الاتصال قائلاً: "معرفش مشكلة الأرض دي، هقول لعمي صلاح وهو اللي يتصرف بقى."
أغلق زاهر الهاتف ووضعه على طاولة السفرة، بينما تساءل صالح بفضول: "أرض إيه اللي كنت هتتحدث عليها ع الموبايل."
تنهد زاهر بسأم: "دي أرض الجميزة، المستأجر اللي كان مأجرها عاوز يسيبها."
تساءل صالح: "ليه، دي أرض عفية وجريبه من مية النيل بينها وبين النيل مشايه صغيرة."
رد زاهر: "معرفش، ده تالت مستأجر يأجر الأرض وقبل السنة يقول إنه هيسيبها. ولما سألت المستأجر الأخير قالي، إن على راس الأرض قراطين أو تلاتة كده الأرض بتهور والأرض بتهبط لتحت وتسحب الميه عن بقية الأرض وتبخس محصول الزرعة، بيقول أنا بقول يمكن السبب في ده جدر شجرة الجميز يمكن مخوخ وهو السبب إن الأرض بتهور."
تهكم صالح قائلاً: "ما شاء الله مهندس وفاهم، جدر شجرة الجميز هييجي على تلات جراريط."
فهم زاهر أن صالح يستهزي به فرد بلا وعي: "خبرني جنابك أنت يمكن اللي فاهم وعارف سبب إن الأرض بتهور وتهبط لتحت، هيكون تحتها كنز إياك."
رنت كلمة كنز برأس طامع وفكر لما لا، ربما هذا تفسير صحيح، فتلك الأرض قريبة من النيل، ربما ترقد على كنز آن الأوان أن يحصل عليه.
...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالعودة للمعبد.
ذهل جاويد قائلاً: "قصدك إيه بالحديث اللي بتقوليه."
ردت المرأة: "كل سر وله أوان مكتوب يظهر فيه يا ولد الأشرف، إنت مكتوب عليك عشق متمردة، هتطلع نجمة بتسكن مدار الجمر في السما وباقي النجوم هتتواري في الغيوم وجتها... فيها علامة مميزة."
كاد جاويد أن يتساءل لكن صدح رنين هاتفه بنفس اللحظة.
همست المرأة بوصف سمعه جاويد بوضوح ثم قالت له: "رد على الجدر اللي عينه بتنادم على صاحبه."
استغرب جاويد ذلك وأخرج الهاتف ونهض واقفاً يرد على المتصل إلى أن أنهى اتصاله آمراً: "لأ استريح أنت وأنا اللي هروح أستلم البضاعة من محطة القطر مش معضلة هي، ومرة تانية سلامتك."
أغلق جاويد الهاتف وعاود النظر خلفه لكن ذهب حين لم يرى المرأة بالمكان كأنها اختفت كما حدث بالأمس.
....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بين المغرب والعشاء.
بالحديقة التي بين منزلي صالح وصلاح الأشرف.
كانتا مسك وحفصة تجلسان على أرجوحة يتحدثان.
كانت مسك تحاول إقناع حفصة بما أمرتها به والدتها صباحاً، أن تحاول إقناع حفصة بالموافقة على عقد قرانها على أخيها أملاً منهن أن تكون تلك فرصة تقرب زواج جاويد من مسك.
بسهولة أقنعت مسك حفصة ووافقت.
تنهدت مسك بينما اقترب من مكان جلوسهن زاهر مازحاً: "طول عمري أعرف إن الكرة الأرضية فيها قمر واحد بس الليلة أنا اتأكدت إن ده كذب قدامي جمرتين."
ابتسمت حفصة له قائلة بسذاجة: "وفين الجمرتين دول؟ السما فيها قمر واحد حتى أحدب مش كامل."
تمركزت عين زاهر على مسك قائلاً: "إنتِ ومسك الجمرين."
شعرت مسك بالبغض من نظرات زاهر لها، بينما ابتسمت حفصة قائلة بمدح في مسك: "مسك جميلة وأجمل من القمر كمان بس أنا على قد حالي، بس هصدقك، تعالي اقعدي معانا نتسامر شوية، واحكي لينا قصص من اللي بتسمعها في الموالد... أنا بحب القصص دي جوي جوي."
تهكمت مسك قائلة: "دي قصص سخيفة واللي يصدقها هما السذج."
كادت حفصة أن تعترض لكن سمعت نداء والدتها عليها فنهضت قائلة: "هروح أشوف ماما عاوزاني ليه وهرجع تاني بسرعة."
نهضت حفصة وتركت مسك، تجرأ زاهر وجلس جوارها على الأرجوحة، حتى أنه ضرب قدمه بقوة في الأرض فأهتزت الأرجوحة قويًا، مما سبب استهجان مسك وكادت تنهض من جواره لكن أمسك زاهر معصم يدها قائلاً: "القصص اللي بتستهزئي منها دي، قصص ناس فهمت معنى الحب والعشق ومعاشتش في وهم إن مفيش غير البطل بس هو اللي فارس وحارب عشان يظفر بحبيبته، كمان كان في أبطال تانيين فهموا الحقيقة وسابوا وهم هما بس اللي عايشين فيه."
نفضت مسك يد زاهر عن معصمها بقوة واستهجان قائلة: "سبق وحذرتك تمسك إيدي، وجلت لك إني ماليش في القصص السخيفة دي ومش فاهمه قصدك إيه من وراء كلامك البايخ ده."
اضطجع زاهر بظهره على الأرجوحة ونظر إلى السماء قائلاً: "في نجمة واحدة هي اللي هتسكن مدار الجمر وباقي النجوم هتتواري خلف الغيوم قدامها."
رفعت مسك رأسها بتلقائية تنظر للسماء، حدث بالفعل ما قاله زاهر.
تهكمت باستهزاء عليه قائلة: "كان حقك تشتغل مشعوذ ولا مع اللي بيقروا الفلك الطالع."
غص قلب زاهر مجاوباً: "ده مش شعوذة ولا له علاقة بقراية الفلك والطالع ده الحقيقة اللي بتنكريها يا مسك، جاويد لو كان رايدك كان اتكلم من زمان بس إنتِ عايشة وحدك في وهم الطفولة."
نهضت مسك بغضب قائلة بتعسف بلا إحساس: "سبق وجلت لك انسى اللي براسك يا زاهر، أنا مستحيل أحبك، وقصص المجانين اللي بتسمعها في الموالد دي خرافية صعبة تتحقق."
قالت مسك هذا وغادرت المكان، شعر زاهر بحريق في صدره، لو ترك العنان لخروج ذلك الحريق لكانت مسك هو أول من طالتها تلك النيران وما تركتها سوى رماداً، ربما يصير مثل قصة العنقاء التي تولد جديداً من الرماد، ربما بالولادة الثانية كانت وقعت بعشقه.
...... ***
بداخل منزل صلاح.
انتهزت صفية انشغال زوجة أخيها بتحضير العشاء وتسحبت دون أن يراها أحد إلى أن وصلت أمام غرفة جاويد.
وقفت تتلفت بكل اتجاه تتأكد بعدم رؤية أحد لها، ثم فتحت باب الغرفة بهدوء وسريعاً دخلت وأغلقت خلفها باب الغرفة.
وقفت تلتقط أنفاسها، لكن للحظة شعرت باختناق بسيط غريب بعد أن سمعت صوت مذياع بالغرفة يقرأ "القرآن الكريم".
لكن تحاملت وتجاهلت ذلك بصعوبة وذهبت إلى غايتها، فراش جاويد.
رفعت تلك الوسائد ثم أزالت فرش الفراش وأخرجت سكين صغير وقامت بشق جزء جانبي صغير من مرتبة الفراش وسحبت من بين طيات تلك المرتبة ذلك الحجاب الذي كان بصدرها، حتى وصل بالمكان التي قالت لها عليه المشعوذة، أسفل رأس جاويد.
ثم أخرجت إبرة وخيط وحاكت مكان ذلك القطع الجانبي، عادت المرتبة مثلما كانت.
لكن بسبب تسرعها سقطت منها الإبرة الموصولة ببقايا الخيط.
انحنت تبحث عن الإبرة لكن سمعت صوت نحنه رجالية من خارج الغرفة فارتعبت وذهبت خلف باب الغرفة سريعاً تنتظر تتمنى أن لا يكون جاويد ويفتح باب الغرفة ويسألها لماذا هي بغرفته.
بالفعل أنقذها القدر بعد أن ظلت لدقائق خلف باب الغرفة حتى شعرت بالأمان.
ثم فتحت باب الغرفة بمواربة ونظرت للخارج، تنهدت حين رأت الطريق خالياً، خرجت سريعاً تلتقط أنفاسها إلى أن دخلت إلى غرفة السفرة.
وقع بصرها على مسك التي كانت تجلس على أحد مقاعد السفرة.
غمزت لها، ابتسمت مسك لها بتفهم.
بينما تحدث صلاح قائلاً: "كنتِ فين يا صفية، بسأل عليكِ يُسرية قالت لي إنها كانت مشغولة في تحضير العشاء."
جلست صفية على أحد المقاعد قائلة: "كنت في الحمام، معرفش بقى لي كام يوم بطني بتوجعني."
رد صلاح قائلاً: "سلامتك، اكشفي، أقولك اعملي كيف ما عمل جواد مع يُسرية هي كمان قعدت فترة بطنها بتوجعها، لحد ما جواد أخدها معاه للمستشفى وعمل لها فحوصات كاملة وأها اتحسنت بعدها."
ردت صفية: "لأ مالوش لزوم، ده برد في معدتي وأخدت تحويجة من عند العطار، وأها الحمد لله بقيت زينة كتير، بس جالي أمشي عالأكل المسلوق لفترة. وبعدين فين جاويد بقى لي أكتر من أسبوع مشوفته ولا جالي عمي اسأل عليها."
تنهد صلاح قائلاً: "جاويد مشغول جوي الأيام دي عنده طلبية كبيرة هيصدرها لـ روسيا، ادعي له ربنا يوفقه."
دعت صفية قائلة: "بدعي له دايماً في كل صلاة وأنا ساجدة، ربنا يوفقه ويوسع رزقه، ويرزقه ببت الحلال اللي تعمر دار الأشرف."
آمن صلاح على دعائها غير منتبه لفحوى التلميح بحديثها وهي تنظر ناحية مسك.
بينما يُسرية فهمتها جيداً، لكن بداخلها شعرت بالتوجس حين تذكرت لقائها مع "وصيفة" صباحاً.
[فلاشـــــــــــــــــــــ/باك]
في الصباح الباكر بالكاد كانت تشرق الشمس.
نزلت يُسرية إلى مياه النيل عبر بعض سلالم جيرية صغيرة، وبدأت بملء تلك الزجاجة البلاستيكية متوسطة الحجم.
لكن فجأة ظهر انعكاس امرأة بمياه النيل، في البداية انخضت يُسرية وتركت الزجاجة تسير بمياه النيل.
لكن قبل أن تبتعد عنها جذبتها مرة أخرى.
بينما تحدثت المرأة قائلة: "لسه بتفتكري الماضي يا يُسرية."
تنهدت يسريه بآسى قائلة: "قولي لي طريقة أنساه بها يا وصيفة، عشان قلبي يخف من الألم."
ردت وصيفة: "لو كنت أعرف طريقة كنت على جتها بها نفسي من سنين يا يسريه."
قالت وصيفة هذا ونظرت إلى السماء ترى انسحاب القمر وسطوع الشمس قائلة: "مسك مش من نصيب جاويد، نصيبه جاي في الطريق، بس لعنة العشق تحرق قلبه."
نهضت يسريه تشعر بآسى قائلة باستفسار: "وجاويد ذنبه إيه."
ردت وصيفة: "دي لعنة الجد ولازم توصل للنسل الثالث... مكتوب 'أخوة الدم والروح' الأخ يفدي أخوه."
انصرعت يسريه بتسرع سائلة: "قصدك مين باللي هيفدي أخوه، جواد ولا جاويد!؟"
سارت وصيفة بعيداً عن يُسريه تتمتم ببعض الكلمات لم تفهم منها يسريه غير "الدم هو اللي هيفك اللعنة".
ثم تمتمت ببعض الكلمات لم تفهمها يسريه، شعرت بتوجس للحظات لكن رأت انعكاس شروق الشمس تلمع فوق مياه النيل.
شعرت بأمل تدعو بالنجاة.
[عودة]
عادت يسريه من تلك الذكرى على قول صفية: "بص بقى يا صلاح، بقى حفصة في آخر سنة في الجامعة وأنا بقول كفاية كده فترة الخطوبة طولت، ومش هيجري حاجة لو كملت حفصة باقي السنة اللي باجيه ليها في داري، أنا بقول نكتب كتاب حفصة على آخر الشهر ده ونتمم الجواز في إجازة نص السنة."
كادت يسريه أن تعترض لكن وافق صلاح قائلاً: "أنا موافق لو حفصة موافقة هي صاحبة الرأي."
نظرت يسريه نحو حفصة تنتظر منها الرد بالرفض لكن انصهر وجه حفصة وظلت صامتة، مما جعل صفية تنتهز الفرصة قائلة: "أها بيحولوا السكات علامة الرضا، أنا بحول على بركة الله، ويمكن ربنا يزود أفراحنا ونفرح بـ جاويد وجواد."
تنهد صلاح ببسمة قائلاً: "آمين."
بينما سخرت يسريه بداخلها تفهم قصد صفية، لكن صمتت تدعو لولديها أن يخلف قول "وصيفة" لها صباحاً.
........, ــــــــــــــــــــــــــــــــ
منتصف الليل.
أمام الباب الخارجي لمحطة قطار الأقصر.
توقف جاويد بسيارته للحظة تذكر حديث تلك المرأة التي كانت بالمعبد.
تهكم على نفسه قائلاً: "بقينا نص الليل واللي جالت عليها الست دي مظهرتش، مين اللي هتكون لحد دلوقتي بالطريق، عقلك جن يا جاويد من امتى بتصدق في الخزعبلات دي."
زفر جاويد نفسه يذم عقله الذي صدق تلك التخاريف، لكن رأى انعكاس القمر فوق زجاج سيارته الأمامي.
ترجل من السيارة ونظر إلى السماء، كما قالت تلك المرأة نجمة وحيدة بمدار القمر وباقي السماء غيوم، فعلاً يرى هذا بوضوح.
لكن سرعان ما تهكم على نفسه لائمًا تصديقه لخرافات لا وجود لها، فكثيراً يحدث هذا بالسماء.
نفض عن عقله التفكير ثم دخل إلى محطة القطار.
....... ــــــــــــــــــــــ
بالقاهرة.
بشقة هاشم.
وقف يضع الهاتف على أذنه يسترجي أن ترد عليه سلوان، لكن أعطى الهاتف إشارة عدم وجود الهاتف بمكان به شبكة هاتف.
زفر نفسه بقلق قائلاً: "قربنا على نص الليل وسلوان مرجعتش للشقة وبتصل عليها يا مش بترد يا الهاتف خارج التغطية."
حاولت دولت إشعال غضبه قائلة: "هي سلوان كده دايماً، أنا فاكرة لما كانت في الجامعة وقاعدة عند عمتها شادية كانت أوقات تتأخر ساعات، مانت تيجي تبات هنا في الشقة دي لوحدها وشادية كان بيبقى عقلها هيطير منها، هي سلوان كده معندهاش تقدير لمشاعر قلق غيرها طالما في الآخر بتلاقي دلع."
نظر هاشم لها بغيظ قائلاً: "أنا مش ناقص كلامك السخيف ده، ومعرفش إزاي خرجت من الشقة ومعاها شنطة هدوم وإنت مشوفتهاش."
ارتبكت دولت قائلة: "سهتني، إنت مفكر لو أنا شوفتها وهي خارجة بشنطة هدوم مكنتش هسألها هي رايحة فين؟ سلوان من وقت ما اتجوزتك وهي بتعاملني على إني مش موجودة وطول الوقت بتتجنبني، غير كمان طول الوقت حابسة نفسها في أوضتها وقاعدة عالتليفون يا ع الابتوب بتاعها، معرفش بتعمل إيه، حاولت أتكلم معاها بس هي تقريبًا مش بترد عليا غير بالقطارة على قد السؤال. هي ممكن تكون معذورة، أنا برضوا مرات باباها."
زفر هاشم نفسه بقلق وضيق وعاود الاتصال على سلوان، لكن تنهد قائلاً: "تليفون سلوان بيرن."
شعرت دولت بغلظة لكن رسمت بسمة تتنهد براحة كاذبة حين ردت سلوان.
بالقطار.
كانت سلوان تجلس تشعر بألفة بين ركاب القطار تنجذب أحياناً الحديث مع من يجلسون جوارها، وأحياناً تنظر خارج شباك القطار ترى أماكن جديدة وتقرأ أسماءها، منها ما هو غريب ومنها ما هو مألوف.
حتى سمعت رنين هاتفها التي تجاهلت الرد عليه سابقاً مرات.
زفرت نفسها بضيق شديد وهي تنظر إلى شاشة هاتفها تعلم من الذي كان وما زال يتصل عليها، فهي شبه علاقاتها مع الآخرين محدودة فقط مجرد زمالات دراسية وقتية وتنهي، فهي منذ طفولتها لا تشعر بالانتماء لأي مكان.
قضت معظم حياتها بالتنقل مع والدها سواء في مصر أو حتى فترة بقائها برفقة والدها سنوات بالخارج.
فكرت للحظات بعدم الرد لكن بلمسة خطأ فتحت الخط، اضطرت الرد لتسمع من يقول بلهفة واستخبار: "سلوان... إنت فين بقينا نص الليل ولسه مرجعتيش للشقة."
تهكمت سلوان ساخرة تهمس لنفسها: "أخيراً حسيت إني سايبة البيت من الصبح، طبعاً عايم في العسل مع العروسة هتفتكر إن ليك بنت."
عاود سؤالها مرة أخرى.
ردت سلوان بنزق: "أنا قلت بلاش أبقى عزول حضرتك عريس جديد، وقررت أسافر كام يوم سياحة وكمان أسيبك تتهنى مع..... طنط."
تساءل مرة أخرى باستفسار وتعجب: "سلوان سافرتي! إزاي بدون ما تقولي لي وكمان سافرتي فين؟"
ردت بلا مبالاة وسخرية: "لما أسحب فلوس من الكريديت أكيد هتعرف أنا فين، سلام يا بابا ابقى سلم لي على طنط، وبالرفاء والبنين."
كاد يتساءل مرة أخرى، لكن رأت عبر زجاج القطار لوحة مكتوب عليها "محطة الأقصر".
وشعرت أن القطار يستعد للوقوف.
أغلقت الهاتف ونهضت، شعرت بتيبس بساقيها سببه بقاءها جالسة لمدة طويلة.
تهكمت قائلة: "المفروض القطر بيطلع من محطة مصر الساعة اتناشر الضهر يوصل أسوان اتناشر بالليل، لكن كويس إنه وصل للأقصر الساعة اتناشر وتلت، حاسة إن رجليا زي ما تكون متشنجة مش رجليا بس ده جسمي كله، هانت أوصل للأوتيل وأخد شاور دافي يفك جسمي."
على رصيف القطار.
وضع الهاتف على أذنه يرد على سؤال والده: "إنت فين يا جاويد لدلوقتي، الساعة قربت على اتناشر ونص وإنت لسه معودتش للدار. أمك سألتني إن كنت بعرف مكانك، جلت لها مخابرش."
رد جاويد: "أنا في محطة القطر، وخلاص كلها نص ساعة وجطر البضاعة يوصل أشحن البضاعة على محجر المصنع وأعاود للدار، يعني ساعة ساعة ونص بالكتير."
تنهد والده قائلاً: "إنت اللي هتستلم البضاعة بنفسك كنت خليت أي حد من المصنع يستلمها مطرحك."
رد جاويد: "وفيها إيه لما أستلمها أنا، أنا فاضي دلوقتي."
تنهد والده باشتياق وتقدير قائلاً: "ربنا يديك طول العمر بتشبه جدك الله يرحمه كان دمه حامي كده ويعمل كل شيء حتى الحاجة الصغيرة بيده. بلاش تتأخر عشان إنت عارف أمك عندها جلج (قلق) عليك بزيادة."
تنهد جاويد قائلاً: "مش عارف إيه سبب الجلج ده، أنا خلاص كبرت وكلها أجل من شهر وأكمل واحد وثلاثين سنة."
تبسم والده قائلاً: "هي بتقول مش هنطمن عليك غير لما تتجوز ويكون لك مرة تاخد بالها منك."
ضحك جاويد قائلاً: "كنت بنتها إياك وهيفوتني القطر، وبعدين يعني العرايس قدامها كتير."
رد والده ببساطة: "العرايس كتير، ومنهم اللي في انتظار كلمة منك."
فهم جاويد تلميح والده قائلاً بتوهية: "نتكلم في الموضوع ده بعدين، خلاص القطر اللي جايه فيه البضاعة أنا سامع صوته بيقرب من المحطة."
أغلق جاويد الهاتف وكاد يضعه بجيبه لكن.
بسبب تيبس جسدها ومكان مقعدها بمنتصف إحدى عربات القطار تأخرت في النزول من القطار.
بمجرد أن وضعت إحدى قدميها على رصيف القطار اندفع القطار سيرًا وكاد يجذبها تحت عجلاته لكن وقعت منها حقيبة يدها كذلك حقيبة ملابسها، أسفل تلك العجلات.
بينما اختل توازن جسدها وانعدمت جاذبيته وأخذت تدور وتدور لا تستطيع السيطرة على جسدها كأنه مثل الهلام، تتخبط بين بعض النزلاء من القطار، حتى أنها تصادمت بكتف جاويد وما زالت أيضاً تدور.
إلى أن اقتربت رصيف القطار المقابل وكادت تسقط على القضبان.
لكن سريعاً حين رآها جاويد أمسكها بقوة من إحدى عضديها وجذبها عليها، ثم أمسك عضد يدها الأخرى يثبتها بمكانها قبل خطوة واحدة من السقوط على قضبان القطر، ثبتها قوياً وهي شبه دائخة.
وحين يشاء القدر يكون اللقاء الذي سيجمع بين العصب والوتين.
بـ "أرض مازالت تحمل لعنة خيانة الجدود لـ عهد قديم يدفع ثمنه الأحفاد".
رواية شد عصب الفصل الثالث 3 - بقلم سعاد محمد سلامة
بأقصى أطراف البلدة، منزل من الطوب اللبن يُشبه العش، تفوح منه رائحة كريهة، رائحة مكان يُعقد فيه عهود مع شياطين الجان، وهناك أيضًا شياطين البشر التي لا تفكر سوى في الطمع.
ألقت بعض الرمال فوق ذاك الموقد حتى تهدأ نيران الفحم المتأججة.
زفرت نفسها قائلة:
"صالح الأشرف، من زمان رجليك ماخطتش لعشتي، جاي كيف العادة عشان مصلحتك، أرض الجميزة."
إستغرب صالح، الذي شعر بغثيان من رائحة المكان الكريهة، أخرج منديلًا معطرًا من جيبه ووضعه فوق أنفه.
إستهزأت به قائلة:
"الأرض راقدة على كنز كبير، بس كل شيء بآوانه، ولسه آوان خروج الكنز ماجاش."
لمعت عيناه بطمع وإنبسط وجهه بظفر في البداية، ثم سأم وجهه متهجمًا يقول:
"ومتى بقى آوان خروج الكنز يا غوايش؟"
ألقت غوايش بعض الرمال فوق الموقد قائلة:
"لما أعرف طلبات مارد المقبرة، بس قبلها لازم تحوط الأرض دي بسور خرساني عشان لازم نحفر الأرض، الكنز في جب غويط، ولو حفرت كده في العلن ألف يد هتتمد عالكنز المدفون."
لمعت عين صالح بطمع متسائلًا:
"بس أنا ليا جزء في الأرض مش كلها ملكي، صلاح له فدان وصفية نص فدان، كيف هحوط على نصيبهم بالأرض، ومش معقول هأقول لهم إن في كنز تحت الأرض، صلاح ولاده الاثنين لابسين توب العفة، وصفية هتمشي وراء صلاح وولاده."
زفرت غوايش نفسها ونفخت في ذاك الموقد ليشتعل الفحم قائلة:
"بس تقدر تحوط نصيبك، مش قليل، فدان صحيح، الكنز راقد تحت الأرض كلها، بس سهل نسحبهم من نصيبك في الأرض بعد الحفر."
تنهد صالح بطمع قائلاً:
"تمام، بس هيسألوني عن سبب إني بحوط الأرض دي؟"
زفرت غوايش نفسها بضيق قائلة:
"سهل الجواب، قول لهم إنك هتبني عليها مصنع فخار، كيف جاويد ولد أخوك ما عنده مصانع، هتستغل الأرض وإنها قريبة من النيل وأكيد طميها هينفع المصنع، وكفاية أسئلة عاد دلوقت، وكل سؤال له جواب بعدين، دلوقت إلحق حوط الأرض بسور سميك وبلاش تستعجل عالكنز، له آوان يخرج فيه، لما يتم طلب مارد المقبرة... ودلوقت هملني وأنا هبقى أشيع لك، كيف ما حصل سابق، هتغرف من كنز ثمين مدفون، مش بس دهب مساخيط، كمان فيه اللي أهم من دول."
برقت عيناه بجشع مبتسمًا يقول باستفسار:
"وإيه اللي بالمقبرة أهم من الدهب والمسخوط، بترول إياك؟"
نظرت له غوايش بعين تحولت إلى وهج نيران مستعرة تقول:
"لأ مش بترول، ده سر قديم، تركيبة ترجع الشايب شاب من تاني ويعافر مع صبية مش يبلع حبتين وآخره يحسس بيده."
فهم صالح مغزى حديثها، شعر في البداية بخزي، لكن لمعت عيناه وبرقت باشتياق واهتز جسده برغبة قائلاً:
"قصدك الزيبق الأحمر."
ردت غوايش:
"لأ مش الزيبق الأحمر، ده ترياق تاني مخلوط ومعزم عليه بجوه مارد المقبرة، ودلوقت كفاية أسئلة، جلت هملني لحالي. وحط اللي في جيبك على الكرسي اللي قاعد عليه."
وقف صالح وأخرج من جيب جلبابه ظرف وضعه على المقعد مكان جلوسه وخرج من العشة، تاركًا غوايش التي ازداد توهج عينيها نيرانًا وهي ترى خيال مارد شيطاني كبير ومخيف يقف على الحائط أمامها.
نهضت سريعًا واقتربت من الحائط، شعرت بيد قوية توضع فوق رأسها تغصبها أن تسجد بالفعل، سجدت أمامه مشركة بالله، تبيع روحها لشيطان طالبة قوة خفية تساعدها في أعمال شريرة تؤذي بها الآخرين، تعتقد أنها تعطيها سطوة كي تأخذ بثأر الماضي.
***
منزل مؤنس القدوسي.
رغم أن الغرفة مظلمة، لكن جافى النوم مرقده بسبب هو يعلمه جيدًا، الشوق والحنين. لفتاة كانت مدللة، ربما أفرط في تدليلها ليكون هذا الدلال سبب هلاكها. لا يعلم سبب لتذكره لها اليوم، لكن سأل قلبه: هل نسيتها يومًا بل لحظة بحياتك؟ تخليت عنها وتركتها تذهب خلف هلاكها بعيدًا لتعود لك في يوم جثة دفنتها دون عزاء، واعتقدت أن هذا كان عقابًا لها، بل كان لك. قلبك يأن بكل لحظة، تتمنى لو كنت سبقتها إلى القبر وانقلب الوضع وهي من أخذت عزائك.
نهض من على فراشه وأشعل الضوء وأخذ عباءة عربية وضعها على كتفيه وخرج من الغرفة، لو ظل بالغرفة يتذكر أكثر سيجن عقله. خرج إلى حديقة المنزل، حتى قدميه ساقته نحو ذكراها وهو ينظر إلى شجرة التوت التي بالحديقة، رأى تساقط أوراقها بسبب الخريف، حين تسلط ضوء شبه منير من القمر الأحدب. للحظة ابتسم وهو يتذكر صبية يافعة تتسلق فروع شجرة توت مثل هذه، كانت تتسلق بحذر كأنها فراشة تتنقل بين الأغصان. وقفت بحذر على أحد الفروع تقذفه بحبات التوت الأحمر قائلة بغنج:
"افتح حجرك يا أبوي وخد دوق توت أحمر كيف ما بتجول عليه خد الجميل، متخافيش الجلابية اللي عليك غامقة وكمان قديمة ولو بقعت أمي ما هتصدق وتعملها خلجات تمسك بيها الطناجر من على الباجور."
كان يضحك لها ويفعل مثلما تقول، يفتح حجر جلبابه ويتلقط حبات التوت التي تقذفها من فوق الشجرة وينتظرها حتى تهبط من فوق الشجرة، تجلس جواره أسفل الشجرة يستمتعان بتذوق التوت، وحين يرى ذاك الماء الأحمر حول فمها وخديها يضحك قائلاً:
"كلي واحدة واحدة بلاش بالحفان، خدودك وشفايفك بتاكل معاكِ بقى لونهم أحمر."
كانت تضحك بدلال قائلة:
"ده لونهم الطبيعي يا أبوي، ناسى إنك بتنادي عليا مسك خد الجميل."
"مسك خد الجميل"، ترددت تلك الجملة في رأسه مع دموع حسرة على شبابها الذي ذهب سريعًا. جلس على جذع شجرة قريب من تلك الشجرة. لا يعلم سبب لهذا الشعور الذي يتوغل بقلبه، يشعر برائحتها في نسمة الهواء الخريفية، يشعر أنها قريبة منه، ربما لو عاود النظر لأغصان الشجرة يراها واقفة على أحد أغصانها، لكن غص قلبه، هذا وهم، فالراحلون لا يعودون، فقط يتركون ذكريات وآسى بالقلوب.
بنفس اللحظة شعر مؤنس بيد على كتفه، بلهفة جفف دموع عينيه بيديه ونظر خلفه، للحظة ظن أنها مسك وأن ما حدث كان كابوس، حتى أنه قال بلهفة:
"مسك."
ابتسم محمود وهو يظن أنه يعتقد أنه ابنته قائلاً:
"مسك من وقت ما عاودت مع صفية من دار خالها دخلت لمقعدها، وزمانها في سابع نومة، إيه اللي مسهرك يا أبوي... أنا خدت نعسة وقمت من النوم عطشان ملجتش ميه في المقعد نزلت للمطبخ لمحتك باب الدار مفتوح وكنت هقفله بس لمحتك في الجنينة، إيه اللي شاغل بالك كده يا أبوي من صباحية ربنا وإنت شارد."
تنهد مؤنس يتنفس الهواء يشعر بآسى في قلبه. محمود ظن أنه يتحدث عن ابنته، بينما هو قصد "خد الجميل" التي رحلت وتركت مكانتها في قلبه لم تهتز. لكن بداخله ندم، لو عاد الزمن مرة أخرى لن يتركها ترحل بعيدًا عنه حتى لو ألزمها بالزواج برجل تبغضه، لكن فات الأوان وأصبح كل شيء ماضي مؤلم. تنهد يحبس تلك الدمعة التي تترك قلبه أشلاء قائلاً بكذب:
"أنا مش شارد يا ولدي ولا حاجة، بس يمكن تقلت في الأكل، والنوم طار من عيني جلت أتمشى هبابة أهضم الأكل، وها أنا جايم أدلي على مقعدي وإنت كمان مش شربت يلا ادلي على مقعدك."
قبل أن ينهض مؤنس من على جذع الشجرة، جلس محمود على جذع آخر قائلاً:
"في موضوع يا أبوي عاوز أتحدث فيه وياك وأخد بشورتك، بصراحة كده، صالح الأشرف عرض عليا إني أشتغل وياه وأبيع له بضاعة الفخار اللي عم بصنعها وهو يبيعها في البازار بتاعه للأجانب."
زفر مؤنس نفسه بسأم قائلاً بتحذير:
"لأ يا ولدي، ابعد عن سكة صالح الأشرف، سكته وعرة وآخرها الندم، إنت مش ربنا رازقك وبتشتغل مع بازارات تانية في الأقصر غير زباينك اللي واثقين في جودة صنعتك، بلاها يا ولدي وبلاش تسمع حديث مراتك الفارغ، بالك لو كان جالك العرض ده من صلاح أو جاويد كنت جلت لك وافق بدون ما تفكر، حتى إنت يمكن ما كنتش هبقى محتار وتسألني. آخر حديث يا ولدي خلينا بعيد عن سكة صالح الأشرف، كفاية اللي حصل منه بالماضي، لسه مكان الجرح لغاية دلوقتي بينزف."
***
بغرفة مسك.
خلعت ذاك المئزر الحريري من على جسدها وبقيت بثوب نوم نسائي شبه عارٍ. ذهبت وجلست على مقعد أمام المرآة، جذبت قلم حمرة للشفايف وبدأت بتلوين شفاها منه بكثرة حتى أصبحت شفاها شبه دموية ومغرية. أطبقت شفاه أكثر من مرة ثم وضعت قلم الحمرة ونظرت لانعكاس وجهها وجسدها بالمرآة.
نهضت واقفة تدور حول نفسها بإعجاب من جسدها الغض وشفاها المثيرة. تخيلت لو جاويد رآها بكل تلك الفتنة ماذا سيكون رد فعله. ذهبت نحو الفراش وألقت بظهرها عليه تُغمض عينيها تتخيل لو تحققت تلك الأمنية. تخيلت أن جاويد نصف عارٍ فتح باب غرفتها ودخل وأغلق خلفه باب الغرفة مبتسمًا ينظر لها بافتتان ورغبة تضخ من عينيه وهو يقترب من الفراش. نهضت قليلًا وبدأت يديها تسير على منحنيات جسدها بإغواء، تبتسم له وهو ينحني على الفراش عليها وشعرت بيديه فوق وجنتيها، شعرت بأنفاسه القريبة من شفاها، قلبها يدق بصخب تنتظر أن تشعر بشفاها بين شفتيه.
لكن هنا فاقت من تلك الغفلة التي يتمنى قلبها قبل عقلها تحقيقها. فاقت بعد أن شعرت بخواء وأن ذلك كان مجرد وهم لذيذ تحيا من أجله أن يتحقق يومًا ما قريبًا وتصبح ملك يمين جاويد. تلك هي الأمنية التي تحيا من أجلها. تعشقه منذ نعومة أظافرها، هو فارس أحلامها. رغم أنه لم يعطِ لها يومًا اهتمامًا أكثر من كونها ابنة عمته. ذمت نفسها قائلة بلوعة:
"لحد متى يا مسك هتتحملي جفاء جاويد. إنتِ سمعتي بودانك الليلة حديثه على الموبايل مع مرات خالك بتسأله هو فين، وإن عمته في الدار ونفسها تشوفه، اتحجج أنه مشغول ومجاش."
جاوبت على نفسها بلوم قائلة:
"واه يا مسك هتتخيلي وترسمي قصص من خيالك عاد. أكيد جاويد حداه شغل مهم، هو عنده مسؤوليات كتير. إيه اللي هيخليه يتهرب وما يجيش على العشا؟ من متى وجاويد بيهمه حاجة أو يستحي؟ وكيف ما جالت أمي لو مش رايدني كان ولا همه واتجوز زمان من بنت غيري. بس هو عامل نفسه تقيل حبتين، بس بعد عمل المحبة اللي أمي دسّته له في المرتبة أكيد هينسى التُقل ويبوح باللي في قلبه، ويتم المراد."
تنهدت بأمل تُغمض عينيها ترسم وهم لذيذ، لديها إحساس أنه اقترب تحقيقه.
***
بمحطة القطار.
"ساعة القدر يعمي البصر"، هذا هو تفسير ما لا تشعر به، كأنها فقدت الإدراك تمامًا. لا تشعر بشيء، رغم ذلك، تدافع الهواء القوي الذي لولا تشبث جاويد بعضديها لدفعها ذاك الهواء أسفل عجلات القطار.
بينما جاويد المتشبث بها، كان أول شيء وقعت عيناه على شفاها المرسومة بحمرة طبيعية. سار بقلبه رغبة قوية في تقبيلها. للحظات تنحى العقل وكاد يقترب من شفاها ويحقق تلك الرغبة، لكن فاق من ذاك الانسياق على صوت إحداهن تصرخ وتقول:
"القطر دهس بنت تحت عجلاته."
فجأة عم الصخب بين نزلاء القطار وتوقف القطار للدقائق. البعض ينظر إلى أسفل عجلات القطار يرى تطاير ملابس. منهم من يجزم أن هناك من فرمتها عجلات القطار، وآخر يقول أن تلك حقيبة ملابس فقط. تأكدوا حين عاود القطار السير، واقترب البعض من مكان وقوف جاويد المتشبث بعضدي سلوان التي بدأت تشعر بعودة الإدراك. هناك من ظن وابتسم أن هذان الاثنان عاشق يستقبل معشوقته الآتية من السفر. وآخر استهزأ من ذلك واعتبره وقاحة لا داعي منها أمام أعين الغرباء. وهناك آخر من رأى الموقف من البداية وفهم أنه كان عمل إنساني من جاويد، لكن استغرب حين رأى تقارب جاويد منها يضمها أكثر وكاد يقترب من شفاها.
بينما جاويد، رفع رأسه قليلاً نظر لوجهها الخالي من أي رد فعل، لكن لفت بصره وطن برأسه وصف امرأة المعبد حين همست له قائلة:
"العلامة في وشها شامة عالخد واتنين عالشفايف وخصلة غجرية ثائرة على شفايفها."
هذا بالفعل ما يراه أمامه. بنفس اللحظة سقط ورقة العشق وأيقن أن تلك المرأة لم تكن تقول له خزعبلات، بل كأنها قرأت الطالع والمكتوب على قلبه.
كذلك سلوان التي بدأت تشعر بإحساس عودة الحياة مرة أخرى. تلاقت عيناها مع عيني جاويد، دخل إلى قلبها شعور لا تعلم ما هو، لكن شعور بقبول غريب عليها. كذلك بدأت تشعر بيدي جاويد الممسكين بعضديها. ببديهية منها تراجعت للخلف خطوة، لكن ما زال أثر الخضة وكذاك يدي جاويد يحطان بها. إلى أن اقترب ذاك الرجل الذي رأى كل شيء من البداية ومد يده بزجاجة ماء نحو سلوان قائلاً:
"خدي يا بتي، بلي ريقك بشوية ميه."
مدت سلوان يدها بضعف تُمسك زجاجة المياه، لكن قبلها نظرت لجاويد قائلة بهدوء:
"سيب إيديا."
بتردد شعر جاويد بالخزي وترك عضديها، لكن ما زال ينظر لها بتعجب وإعجاب في نفس الوقت. بينما ارتشف سلوان بعضًا من الماء ثم نظرت نحو قضبان القطار، رأت بقايا حقيبتيها وملابسها التي ذهبت أدراج الرياح، لم يبقَ شيء سوى قطع ممزقة من كل شيء. كذلك جسدها واهن، بصعوبة ذهبت نحو إحدى الأرائك تسير بوهن إلى أن جلست عليها، ما زالت تائهة الوجدان. بتلقائية ذهب جاويد إلى مكان جلوسها وجلس بجوارها فقط ينظر لها. صمت غريب حل على المكان واختفى المارة.
شردت سلوان وهي تنظر إلى بقايا أشلاء ثيابها بين قضبان القطار. لو لم يتغير القدر وانزلقت مع حقيبتيها أسفل عجلات القطار، كانت ستصبح أشلاء كهذه، ولن يتعرف أحد على جثمانها. شعرت ببرودة تسري في جسدها. بتلقائية ضمت يديها تمسد عضديها بكفيها، تود أن تبكي لكن حتى الدموع تحجرت في عينيها. لكن شعرت بمعطف ليس ثقيل يوضع على كتفيها. رفعت نظرها، رأت ذاك الرجل الذي أعطاها المياه قبل قليل يبتسم لها قائلاً:
"متخافيش، الجاكت نضيف."
ابتسمت له بوهن وامتنان وارتدت المعطف فوق ثيابها، شعرت بدفء. بينما جاويد نظر لذاك الرجل وشعر بالغيرة حين ابتسمت له سلوان، رغم أنه يعلم أن بسمتها له مجاملة منها. زفر نفسه قويًا ونظر نحو قضبان القطار، رأى لمعان شيء يضوي. دخل إليه فضول ونهض من جوارها وقفز بين القضبان وذهب نحو ذاك الشيء اللامع، وجذبه من بين بعض الأشلاء، كانت بطاقة هوية. نظر نحو سلوان وكاد يتحدث لكن الفضول جعله يود قراءة اسمها. اقترب من أحد أعمدة الإنارة بالمكان وهمس اسمها بذهول:
"سلوان هاشم خليل راضي."
بينما جلس الرجل بجوار سلوان متسائلاً:
"إنتِ زينة يا بتي."
ردت سلوان على سجيتها بتلقائية:
"اسمي سلوان، مش زينة."
ابتسم لها الرجل قائلاً:
"عاشت الأسماء يا بتي، أنا قصدي إنك بخير."
ردت سلوان:
"الحمد لله بخير، بس مش عارفة هعمل إيه دلوقتي وهروح فين بعد كل حاجة ما ضاعت تحت عجلات القطر."
ابتسم الرجل قائلاً:
"ربك هيدبرها يا بتي، متقلقيش، زي ما أنجدك من شوية."
صمتت سلوان وهي ترى جاويد يقترب من مكان جلوسها مرة أخرى حتى وقف أمامها ومد يده لها قائلاً:
"أنا لقيت بطاقتك الشخصية بين قضبان القطر، اتفضلي."
أخذت منه بطاقة الهوية بانشراح وهي تنظر للرجل الجالس بجوارها قائلة:
"إنت راجل مبارك، قولت لي ربنا هيدبرها وأهو بطاقتي الشخصية والأستاذ لقاها، كده تقريبًا اتحل جزء مشكلتي."
ابتسم لها الرجل قائلاً:
"سلمي أمرك دايمًا لله يا بتي، بس زي ما جلتِ اللي اتحل جزء من المشكلة، وأيه الباقي؟"
ردت سلوان:
"أنا كنت حاجز هنا في الأقصر في أوتيل عن طريق النت، حتى كمان كنت حولت جزء تحت الحساب، بس أنا مش عارفة هروح للاوتيل ده إزاي دلوقتي."
ابتسم الرجل وهو ينظر نحو جاويد قائلاً بمكر وهو يرى نظرة خاصة من جاويد لها قائلاً:
"بسيطة يا بتي، ممكن تاخدي تاكسي ولما توصلي للأوتيل خلي الأوتيل يحاسبه ويضيف الحساب على فاتورتك... أو..."
صمت الرجل، بينما قالت سلوان باستفسار:
"أو إيه؟"
نظر الرجل نحو جاويد قائلاً:
"أو الأخ ده لو معاه عربية يجدر يكمل معروفه ويوصلك للأوتيل."
نظرت سلوان لجاويد تشعر نحوه بشعور غريب، لا تستطيع تفسيره وكادت تسأله لكن صمتها حياؤها منعه، فعرض جاويد:
"معايا عربية بره محطة القطر، ولو فاكرة اسم الأوتيل خليني أوصلك له."
نهضت مبتسمة تقول له:
"آه فاكرة اسم الأوتيل، بس معرفش هو قريب من محطة القطر أو لأ."
ابتسم الرجل قائلاً:
"مش هتفرق يا بتي، خلي الأستاذ يوصلك، دلوقت ساعة ونص الليل والله أعلم بمين عالطريق."
دب الخوف في قلب سلوان لكن شعرت بالأمان ناحية ذاك الرجل، قائلة برجاء:
"تعالى معانا، أنا حاسة ناحيتك إنك راجل طيب وتشبه بابا."
ابتسم لها قائلاً:
"واضح إن قلبك طيب يا بتي، بس أنا هنا عشان هستلم بضاعة جاية في القطر من أسوان، وهي تقريبًا وصلت عالرصيف، والأستاذ كمان شكله طيب وولد حلال."
نظرت سلوان لـ جاويد تشعر ناحيته بأمان، ربما أكثر من ذاك الرجل، وشعور آخر، لكن تخشى الثقة الزائدة، وكادت تقول برجاء لذاك الرجل الذي قاطعها قبل أن تتحدث:
"عمك بليغ له نظرة في الناس يا بتي، روحي مع الأستاذ، متأكد إنه أمين."
كأنها كانت بحاجة لسماع ذاك الكلام من بليغ لتذهب مع جاويد. بالفعل أومأت برأسها بموافقة وسارت بعض الخطوات أمام جاويد الذي اقترب منه بليغ قائلاً:
"شكلي جيت في الوقت المناسب، ادلي مع الصبية وصلها للفندق، ومتحملش هم البضاعة، أنا هستلمها وأدخلها للمخازن."
ابتسم جاويد له قائلاً:
"لو مش اللي حصل الليلة كان هيبقى ليا رد فعل تاني إنك تكسر كلمتي وتيجي تستلم البضاعة وإنت مصاب ولازمك راحة."
ابتسم بليغ وهو ينظر لسلوان التي توقفت عن السير تنظر لهما قائلة:
"أعتقد إنك هتكافئني إني جيت في الوقت المناسب، روح وصل سلوان... شكلها محتاجة لراحة بعد اللي شافته الليلة، لو مش إنت اللي جيت في الوقت المناسب يمكن... ربنا بيسبب الأسباب، أشوفك بكرة في المصنع يا جاويد."
سار جاويد نحو سلوان التي أشارت بيدها لـ بليغ بالسلام، ثم سارت أمامه إلى أن وصلا إلى خارج محطة القطار. أشار لها على سيارته وفتح لها الباب الأمامي وذهب هو إلى الناحية وجلس خلف المقود.
كان الصمت بينهم، كل منهم يود سؤال الآخر لكن هناك شيء يمنعه، إلى أن وصلا إلى مكان الفندق توقف جاويد بالسيارة أمام مبنى ضخم، قرأت اسم اللوحة الإعلانية الكبيرة علمت أنه الفندق.
فتحت باب السيارة وترجلت منها، توجهت نحو باب الفندق، لكن قبل أن تبتعد عن السيارة سمعت صوت إغلاق باب السيارة. نظرت خلفها ورأت ترجل جاويد، فقالت له باختصار:
"شكرًا."
أومأ لها برأسه صامتًا وظل واقفًا أمام سيارته إلى أن دخلت إلى داخل الفندق. ظل قليلًا ثم دخل إلى الفندق وذهب إلى مكان الاستقبال سائلًا عن غرفتها ثم غادر الفندق... عائدًا عقله يفكر كل ما حدث الليلة، الذي لو سرده عليه أحدًا لقال أن هذا قصة خيالية، يحكيها راوي بأحد الموالد الشعبية... يضحك بها على عقول السذج.
***
دخلت سلوان إلى داخل تلك الغرفة، التي من الجيد أنها أكدت الحجز بتحويل جزء تحت الحساب إلى الفندق. ألقت بمفتاح الغرفة وبطاقة هويتها فوق الفراش ثم ألقت جسدها فوق الفراش تنظر إلى سقف الغرفة، عقلها يسترجع ما حدث لها الليلة، عقلها كأنه مثل شريط فيديو سجل ما حدث دون إرادة منها. دمعة سالت من عينيها، للحظة كان بينها وبين موت محقق خطوة واحدة. لولا... لولا من هذا؟ وما هذا الشعور الغريب الذي بداخلها؟ مرة لأول مرة تشعر بألفة تجاه أحد من أول لقاء لها معه. فما عاشته سابقًا بسبب كثرة تنقلاتها من مكان لآخر علمها التريث في إعطاء الأمان لمن أمامها. هي آمنت لذاك الشاب الذي أنقذها، ليس هو فقط، ذاك الكهل الآخر. نظرت إلى جسدها وذاك المعطف الذي وضعه فوق كتفيها وهي بمحطة القطار. إحساس غريب يغزو عقلها، هي حذرت سابقًا من المجيء إلى هنا بالأقصر، لكن انقسم تفكيرها، بين ما كاد يحدث لها وبين ما قابلته هنا منذ البداية. بداخلها تمنت رؤية ذاك الشاب مرة أخرى، لا تعلم سبب لذلك. لكن نهضت من على الفراش تشعر بإرهاق وخلعت ذاك المعطف، لكن شعرت بشيء معدني بداخل أحد جيوب المعطف. بفضول منها أخرجته، كان سوار فضي به بعض النقوش الفرعونية. أعجبها تصميمه كثيرًا، لفت نظرها حفر كتابة باللغة العربية داخله. قرأته بصعوبة قائلة:
"جلال الدين."
وضعت السوار بجيب المعطف مرة أخرى، قائلة:
"كان فين عقلي؟ كان لازم أسأل عم بليغ ده عن عنوانه عشان أرجع له الجاكت بتاعه، أكيد الأسورة دي غالية عليه."
زفرت نفسها قائلة:
"حاسة جسمي بيوجعني، هدخل آخد شاور وبعدها هيكون في طريقي أرجع بها الجاكت والخاتم ده... كويس إن البطاقة بخير، أكيد فيه فرع للبنك هنا في الأقصر أروح أطلع كريديت جديد وأبقى أشتري لي هدوم وموبايل جديد."
***
منزل صلاح الأشرف.
خلع جاويد بعض ثيابه وظل بالبنطال فقط وذهب يجلس على الفراش. تنهد بانشراح قلب. أغمض عينيه لثوانٍ. سكن وجه سلوان خياله. ابتسم بشوق وهو يتذكر نظره لشفاها. سارت رغبة قوية بقلبه وهو يتخيل لو كان أكمل وقبل شفاها بما كان سيشعر وقتها. لعق شفاه. لكن فتح عينيه على صوت طرق على باب الغرفة.
نهض بتكاسل يرتدي قميصًا قائلاً:
"إدخل."
دخلت يسرية ببسمة قائلة بعتاب حازم:
"إيه اللي آخرك لدلوقت، كل ده عشان جلت لك على الموبايل إن عمتك صفية هنا، بتتهرب عشان ما تشوفش مسك."
تنهد جاويد قائلاً:
"موضوع مسك إنتِ عارفة رأيي فيه من الأول، مسك زي حفصة، والتخاريف القديمة بتاعة زمان اللي لسه عمتي متمسكة بيها، 'إن جاويد لـ مسك' من وهي في اللفة حتى لو أنا اللي وجتها كنت واخد الموضوع لعبة طفولة مش أكتر، لما كبرت عرفت حقيقة مشاعري، مسك في نظري زي أي بنت عادية ومستحيل أقبلها زوجة ليا."
تنهدت يسرية بسأم قائلة:
"وإنت عارف زين إن عمتك حاطة أمل في قلب بتها والله بتصعب عليا أحيانًا، أنا مقدرش أغصب عليك تتجوزها، وبعد كده لو محصلش بينك وبينها وفاق ترجع تلومني. بص يا ولدي كل شيء قدر وربنا هو اللي بيسره وبيدخل الألفة في القلوب. أنا كل اللي خايفة منه هو حفصة أختك، مسك ليها تأثير كبير عليها، وعمتك طلبت الليلة نحدد ميعاد كتب كتابها هي وابنها، وأبوك وافق إن كتب الكتاب يتم كمان أسبوعين، والجواز في إجازة نص السنة."
تفاجأ جاويد قائلاً:
"وليه الاستعجال ده عاد، ما يتجوزوا بعد امتحانات نهاية السنة حتى تكون حفصة خلصت دراستها قبل ما ترتبط بمسؤولية جواز."
تنهدت يسرية بقبول قائلة:
"جلت كده بس عمتك جالت إن حفصة كيف بتها مسك والجواز مش هيأثر على دراستها، وأبوك وافق كمان."
تثاءب جاويد قائلاً:
"تمام، طالما أبوي موافق يبقى على بركة الله."
نهضت يسرية من جوار جاويد قائلة:
"هسيبك ترتاح، شكلك هلكان، بس لسه لنا حديث عن سبب تأخيرك لدلوقت بره الدار."
ضحك جاويد قائلاً:
"ليه هو أنا بنته وممنوع أتأخر بره الدار بعد العشا."
تنهدت يسرية قائلة:
"لأ مش بنته بس أنا بفضل قلقانة لحد ما تعود، أنا وأخوك للدار، هو كمان زمانه راجع من المستشفى ومعاه وكل من الشارع، طول عمره بيحب الرمرمة."
ضحك جاويد.
نهض من فوق الفراش بعد خروج يسرية، ذهب نحو حمام غرفته وأخذ حمام دافئ، وارتاح بجسده فوق الفراش كي ينام، لكن سهد النوم وطار من عينيه رغم أنه كان قبل قليل يتثاءب ويشعر بالنعاس، وعاود خيال وجه سلوان يشغل عقله وقلبه.
خرج من غرفته وصعد إلى تلك المضيفة التي بأعلى المنزل وذهب نحو تلك الطاولة وبدأ بممارسة هوايته المفضلة التي ورثها، وهي تشكيل الفخار... حاول الانهماك، لكن عقله وقلبه يرفضان أن يبتعد عنه وجه سلوان، وتذكر آخر كلمة سمعها من امرأة المعبد وتحذيرها له:
"حاذر تكذب أو تخدع، لوعة العشق مكتوب على القلوب."
رواية شد عصب الفصل الرابع 4 - بقلم سعاد محمد سلامة
توقف جاويد عن تكملة تشكيل تلك القطعة الفخارية التي كانت بين يديه، نهض يشعر بسأم من كل شيء.
شيء واحد فقط يفكر فيه: "سلوان". تلك الجميلة التي سلبت تفكيره قبل أن يراها.
فجأة، نهره عقله لائمًا:
"عقلك خلاص هيتجنن يا جاويد، بقالك كام يوم مش مركز في حاجة. لأ والأدهى إنك كمان ناسي التزاماتك وبتروح تقعد طول اليوم في الأوتيل تستناها لحد ما تنزل من أوضتها. كله من الولية العرافة اللي قابلتها في المعبد بكلمتين منها لخبطت حالك."
لكن بنفس اللحظة، ذم قلب جاويد عقله:
"كل اللي قالتلك عليه اتحقق وفعلًا قابلت سلوان."
همس اسم سلوان برنين خاص يخترق قلبه مباشرةً وابتسم وهو يتذكر ملامحها، وبالأخص شفاها. لعق شفتيه بلسانه باشتهاء، متشوقًا يشعر برغبة في تذوق قبلة من شفتيها. يعطي لنفسه تبريرًا أن تلك رغبة لا أكثر:
"بصراحة شفايفها تجنن... لو..."
قطع حديث جاويد فتح باب الغرفة. سمع آخر جملة له واستغرب قائلًا بغمز:
"مين اللي شفايفها تجنن يا ولد الأشرف؟ ولو إيه، كمل كلامك؟"
نظر جاويد نحو باب الغرفة صامتًا، ثم جلس على أريكة بالغرفة. دخل الآخر وجلس جواره قائلًا:
"كمل يا ولد الأشرف، مين اللي شفايفها تجنن."
لكزه جاويد قائلًا:
"إنت اللي سمعت غلط. وبعدين إنت مش راجع من المستشفى هلكان زي كل يوم؟ إيه اللي طلعك لهنا دلوقتي؟"
تنهد جواد يشعر بشعور خاص يختلج بقلبه، لا يعلم ما هو سببه. أو ربما يعلم جزء من السبب هو الإعجاب وكثرة التفكير بتلك الطبيبة التي لم يتحدث معها سوى مرة واحدة فقط، ولكن يراها بممرات المشفى عن بعد. يود أن يتحدث معها مرة أخرى، ربما علم سبب ذلك الشعور غير المفهوم. ما بها أثارت انتباهه مثل أي فتاة عادية؟ ربما يريد معرفة سبب ملامحها الحزينة. لكن لا، ليس هذا فقط، هذا يعتبر فضول وتطفل منه.
لم يرد هو الآخر على سؤال جاويد وبدل دفة الحديث ونظر نحو تلك الطاولة قائلًا:
"برضك نسيت تعملي الماج اللي جولتك عليه. عالعموم، أنا هعمله لنفسي دلوقتي ولا الحوجة لك."
نهض جواد من جوار جاويد وقام بتشمير كم قميصه عن ساعده وجلس خلف تلك الطاولة، وبدأ بتشكيل قطعة الفخار.
ابتسم جاويد ونهض هو الآخر يجلس خلف تلك الطاولة وبدأ بالتشكيل هو الآخر، كأنهما يتبارين معًا بصناعة الأميز. يتجاذبون الحديث بأمور تلك الصناعة إلى أن مر بهم الوقت دون شعور منهما. سمعا صوت أذان. ترك جواد ما كان يفعله ونهض يتثاءب قائلًا:
"الحديث أخدنا والوقت كمان. ده آذان الفجر الأولاني. أما أقوم أفرد ضهري عالسرير شوية لحد الفجر ما يأذن أصلي وبعدها أنام ساعتين. عندي عملية الساعة خمسة العصر ولازم أبقى فايق ليها."
نهض جاويد هو الآخر قائلًا:
"أنا كمان عندي أشغال مهمة ولازم أكون مركز."
بعد قليل، انتهى الاثنان من صلاة الفجر.
خلع جواد ثيابه وظل بسروال فقط، وتوجه ناحية الفراش وتمدد عليه يتثاءب. لكن لفت نظره جاويد وهو يخلع ثيابه. نظر إلى تلك الندبة الظاهرة بصدره قائلًا:
"لسه أثر الجرح ده معلم مكانه في صدرك."
نظر جاويد إلى تلك الندبة التي بصدره يشعر بألم مازال عالقًا بفؤاده. تنهد بغصة قوية.
شعر جواد بنفس الغصة قائلًا:
"إنت عارف إنك السبب إني أغير مسار حياتي وأبقى فاشل عيلة الأشرف وأدرس الطب. لما شفتك غرقان في دمك ومبقتش عارف أعملك إيه عشان نزيف الدم ده يتوقف، وقتها جولـت لازم أبقى طبيب عشان محسش إني ضعيف وبلا حيلة مرة تانية."
ابتسم جاويد بغصة قائلًا:
"عارف. كلنا في لحظة اتغيرت أمنياتنا للمستقبل."
تنهد جواد بغصة هو الآخر قائلًا:
"أنا فاكر إنك كنت عاوز تبقى مهندس مدني وتبني قصور كبيرة زي المعابد القديمة. بس إنت اللي اخترت تدرس سياسة واقتصاد وبرضك شيدت مصانع كبيرة."
تسطح جاويد على الناحية الأخرى للفراش، كل منهم يشعر بفقد شيء كان ذو أهمية كبيرة بحياته.
تنهد جاويد قائلًا:
"اللي حصل مكنش سهل، بس غريب القدر بلحظة كلنا بدلنا أمنياتنا... أنا حققت أمنية غيري، بس مع الوقت اكتشفت إنها كانت أمنيتي أنا كمان. كان حلم حياته يبقى حدنا مصنع واحد بجوا مصانع بس هو مبقاش موجود بينا."
أغمض كل منهما عيناه يُخفي ذلك الحزن الساكن بقلبيهم، لكن سكنت خيال كل منهم أميرة آتية من بعيد كأن لها تعويذة سحر خاص ألقتها على قلبه.
***
بالفندق قبل قليل.
أغلقت سلوان التلفاز تتنهد بسأم وضيق. ألقت جهاز التحكم وتسطحت فوق الفراش. تذمرت قائلة:
"هي دي الرحلة الممتعة اللي خططتي لها يا سلوان؟ آخرها معظم الوقت محبوسة في أوضة الأوتيل. مفيش غير ساعتين العصر بتنزلي تتمشي في جنينة الأوتيل. كل ده بسبب فرم القطر شنطة الهدوم ومعاها شنطة إيدك. كويس إنه لقى بطاقتي الشخصية، الله أعلم لو مش موجودة كان زماني فين. حتى روحت فرع البنك هنا عشان يطلعلي فيزا جديدة، قالي مش هطلع الفيزا قبل خمسة عشر يوم. كويس إني كنت محولة مبلغ جزء من حجز الأوتيل. بس ده كمان مع الوقت قيمة الحجز هتخلص وممكن الأوتيل يطلب مني دفع جزء تاني. هعمل إيه دلوقتي وهصرف منين؟ أنا مش معايا أي فلوس حتى تمن تذكرة القطر عشان أرجع للقاهرة تاني. وحتى لما كلمت بابا من تليفون الأوتيل، كل اللي على لسانه إنتِ فين. بس النظام ده يخنُق، أنا بقيت حاسة إني زي اللي في سجن بيخرج ساعتين يشم هوا ويرجع تاني. أنا الصبح هكلم بابا وأقوله يحول لي فلوس عالأوتيل هنا... بس أنا كدبت عليه وقولت له إن موبايلي ضاع. دلوقتي هقوله إيه كمان عالفيزا؟ لو قولته اللي حصلي وإني كان ممكن أدهس تحت عجلات القطر زي الشنط، وقتها الله أعلم برد فعله. هو سبق وحذرني من السفر لهنا قبل كده، رغم إني قولته قبل كده نفسي أزور الأقصر بس هو كان بيمانع، معرفش السبب. وأهو أول خطوة ليا في الأقصر لو مش..."
توقفت عن حديثها مع نفسها. تذكرت ذالك الموقف وهي بين يدي ذالك الغريب، لحظة بلحظة عقلها يعيد ما حدث وتقاربه منها. كذلك حين أمسك طرف وشاح رأسها يُخفي شعرها الذي شبه انسدل خلف ظهرها وخصلة منه تمردت فوق جبينها وفمها. شعرت بيده التي أخفت تلك الخصلة أسفل وشاح رأسها. وضعت يديها حول عضديها بمكان يديه اللتان أمسكها بهم. شعرت بحرارة تغزو جسدها، شعور غريب عليها لأول مرة تصادفه بحياتها. لا تفسير لديها لهذا الشعور. رغم أن وقتها كان عقلها فصل عن الإدراك، لكن خزن عقلها كأنه شريط فيديو. تعجبت من ذالك. وقتها كانت بلا إدراك لكن فهمت ما حدث لها. أن الذاكرة البشرية أقوى من أعظم ذاكرة إلكترونية، فهي تسجل ما يحدث دون ضغطة زر إدخال المعلومات. تنهدت تستعجب من ذالك الشعور لديها. تخيلت عصرًا أنها رأت ذالك الغريب بالفندق وأرادت النداء عليه، لكن صمتت لا تعرف بماذا تنادي عليه. وحين اقتربت من مكان تواجده بالفندق كأنه اختفى. زفرت نفسها وأغمضت عينيها تشعر بنبضات جديدة على قلبها. ربما ذالك أثر ما حدث لها قبل يومين.
***
بغرفة صغيرة ببيت مخصص للمُغتربات.
غرفة مُرفقة بحمام مناسب لها.
خرجت إيلاف من الحمام بيديها منشفة تُجفف بها وجهها، ثم وضعتها على أريكة صغيرة بالغرفة وجذبت سجادة صلاة وفرشتها باتجاه القبلة. تنهدت ببسمة قائلة:
"الست المشرفة بتاع الدار، رغم إن شكلها قاسية بس لما سألتها عن اتجاه القبلة قالتلي عليه. أما أصلي الفجر وبعدها أقرأ ورد القرآن بتاعي كل يوم."
بعد قليل، أغلقت المصحف. نهضت من فوق سجادة الصلاة، وضعت المصحف على طاولة جوار الفراش، ثم فتحت شباك الغرفة. تنفست تلك النسمة الصباحية العليلة والمنعشة بهواء شبه بارد، لكن بنفس الوقت شعرت بوخز بسيط في عينيها كأن بعض الرمال الناعمة دخلت إلى عينيها. ورأت الشباك وعادت نحو المرآة وتنظر لانعكاس عينيها، لكن كما خمنت السبب، دخول بعض الرمال الناعمة لعينيها. لحظات وينتهي هذا الوخز. لكن بنفس اللحظة صدح رنين هاتفها. ابتسمت وهي تعلم من التي تتصل عليها بهذا الوقت. جذبت هاتفها وقامت بالرد:
"صباح الخير يا ماما. لازم كل يوم تتصلي عليا بعد العشا بعد الفجر مباشرةً... وتتأكدي إن كنت صليت الفجر أو لأ."
ردت والدتها:
"في صلاة الفجر بركة كبيرة يا بنتي، ربنا يبعد عنك كل شر."
آمنت إيلاف على دعاء والدتها قائلة:
"والله أنا بقالي تلات أيام هنا في الأقصر معاملة الناس هنا كويسة جدًا، ناس طيبين. يعني متقلقيش أنا هنا في أمان، عكس اللي كنا بنسمعه عن أهل الصعيد وتشددهم ومشكلة الثأر اللي منتشر بينهم."
تنهدت والدتها قائلة:
"بلاش تأمني ولا تحكمي على الناس بسرعة كده، مفيش دخان من غير نار."
تنهدت إيلاف قائلة:
"إنتِ عارفة إني مش باخد على الناس بسرعة بس ده اللي لحد دلوقتي شايفاه. عالعموم أنا لسه في الأول وصعب أحكم على شيء هنا، بس بتمنى يفضل الوضع كده هادي. أنا من المستشفى لـ دار المغتربات ماليش اختلاطات بحد غريب."
آمنت والدتها على أمنيتها، تشعر بغصة في قلبها تعلم سبب أن من صفات إيلاف الانزواء عن البشر خشية أن تسمع كلمة تجرح شعورها. لكن قالت:
"ومديرة الدار بتعاملك لسه بنشوفه."
ردت إيلاف:
"هي واضح إنها ست مش بتحب الاستهتار. حتى قالت لي أما يبقى ليا نوبطشيات ليل في المستشفى أبقى أقولها. تصوري يا ماما طالبة مني تقرير من المستشفى بأيام نوبطشيات الليل بتاعتي. شكلها ست قوية، حتى سمعتها امبارح بتزعق مع بنت وقالت لها تخلي أوضتها بسبب تأخيرها وإنها كدابة مش بتتأخر في شغلها."
ردت والدة إيلاف:
"وهي مالها بمواعيد شغلها؟"
ردت إيلاف:
"خايفة على سمعة الدار، وكمان لاحظت إنها بتخاف عالبنات أوي، وكمان شوفتها بتقعد مع بعض البنات كأنهم أصحابها. أنا زي ما قولتك في حالي."
بعد قليل، قبل خروج إيلاف من دار المغتربات قابلتها مديرة الدار قائلة:
"كنت لسه هطلع لك أوضتك. كويس اتقابلنا قبل ما تخرجي من الدار. أنا لاحظت إنك بتخرجي الصبح وبترجعي العشا تقريبًا. إنتِ مش ليكي مواعيد محددة في المستشفى."
ردت إيلاف:
"هو المفروض ليا ورديات معينة بس أنا لسه جايه جديدة. غير كمان وجودي في المستشفى يعتبر عمل إنساني. حضرتك عارفه مستشفيات الحكومة الدكاترة بتهرب منها وبصفتي غريبة عن هنا بحاول أشغل وقتي وأفضل في المستشفى. أهو يمكن أتسبب في إنقاذ مريض محتاج استشارة طبية ومش قادر على فيزيتا عيادة لدكتور."
ابتسمت مديرة الدار بانشراح وشعرت بألفة خاصة تجاه إيلاف قائلة:
"تمام، بس متنسيش أبقى هات لي من المستشفى تقرير بأيام النوبطشيات الليلة بتاعتك عشان الدار ليها نظام. في هنا ممرضات أنا طلبت منهم مواعيد نوبطشياتهم، عشان باب الدار بيتقفل بعد الساعة عشرة بالليل. بس استثناء للي بيقدموا تقارير إن مواعيد شغلهم ممكن تبقى ليلية، أنا بدي للمشرفة خبر تستنى لحد ما يرجعوا عشان تفتح لهم باب الدار. وده بس للي بيقدم تقرير، لكن اللي بتدلع وتفكر إن ده تدخل مني في شؤونها تقدر تشوف لنفسها شقة خاصة أو أوتيل. إحنا هنا دار مغتربات وملتزمين بالقوانين وقبل القوانين الأخلاق المحترمة."
ابتسمت إيلاف قائلة:
"حاضر هجيب لك تقرير من المستشفى بمواعيد نوبطشياتي الليلة."
ابتسمت لها مديرة الدار برحابة قائلة:
"تمام، اتفضلي روحي لشغلك وربنا يوفقك."
ابتسمت إيلاف وغادرت. ابتسمت من خلفها مديرة الدار بتنهيدة قائلة:
"واضح إن زي ما اتقال لي عليها، محترمة ومؤدبة. شكلها تستاهل التوصية من عم بليغ. ربنا يحرسك يا بتي من كل شر."
***
منزل صلاح.
غرفة جاويد.
لم يكمل ارتداء بقية ثيابه وفتح درج بمرآة الزينة وجذب تلك البطاقة الائتمانية. ابتسم وهو يتذكر بالأمس حين رأى سلوان بحديقة الفندق. هو منذ يومين يراقبها عن كثب. رغم أنها لا تخرج من غرفتها إلا بعد العصر، وتظل قليلًا بحديقة الفندق أو تسير بمكان قريب من الفندق ثم تعود له وتذهب إلى غرفتها ولا تغادرها. لاحظ أيضًا أنها ترتدي نفس الثياب التي كانت بها تلك الليلة. أجزم أن ربما ذالك بسبب حقيبة ثيابها ويدها اللتان اندستا أسفل عجلات القطار. تذكر أيضًا أن من عثر على تلك البطاقة الائتمانية هو "بليغ" وأعطاها له كي يعطيها لها بالفندق الذي أوصلها له. بالفعل بالغد كاد أن يعطي لها تلك البطاقة لكن أتى له اتصال هام وغادر سريعًا من الفندق. لكن اليوم لن ينتظر إلى أن تخرج إلى حديقة الفندق عصرًا.
***
بعد قليل.
بالحديقة التي تتوسط بين منزلي صلاح وصالح.
أثناء خروج جاويد من المنزل توقف جوار سيارته حين رأى دخول مسك إلى المنزل. ابتسم حين اقتربت منه قائلة بإنشراح:
"صباح الخير يا جاويد."
رد عليها الصباح مبتسمًا.
انشرح قلب مسك أكثر قائلة:
"أنا جايه عشان آخد حفصة وننزل الأقصر نشتري شوية طلبات ومستلزمات عشان كتب الكتاب، وكمان نشتري لينا فستانين حلوين."
رد جاويد بمجاملة بريئة:
"إنتم مش محتاجين فساتين حلوة، إنتم تزينوا أي فستان. عالعموم، حفصة تلاقيها بتشيل مع ماما الفطور، ادخلي لها لأنها بتاخد وقت على ما تجهز."
كاد قلب مسك أن يخرج من صدرها من كلمة جاويد البريئة وقالت بإنشراح قلب:
"ما هو ده السبب إني جيت النهارده قبل كتب الكتاب بكام يوم عشان عارفه حفصة صعب يعجبها حاجة، عشان يبقى في وقت لو معجبهاش فستان جاهز نلحق نفصل فستان على ذوقها."
ابتسم جاويد وهو يفتح باب سيارته قائلًا:
"عارف حفصة هي كده دايمًا مترددة وفي الآخر بترجع لأول شيء. عالعموم، عقبالك إنتِ كمان يا مسك قريب إن شاء الله، أو أقولك يارب تبقي صحبة مع حفصة. يلا أنا لازم أمشي عندي ميعاد مهم."
قاد جاويد السيارة مغادرًا، ومازالت مسك سارحة تنظر إلى سيارة جاويد أن غاب عن رؤية عينيها. تشعر بسعادة بالغة، ظنت نهاية حديثه أنه تلميح منه. تنهدت بإنشراح، هامسة:
"شكل عمل المحبة هيجيب مفعول، وجاويد هينطق (هينطق) أخيرًا ويقول عاوز مسك تبقي مرتي."
لكن سرعان ما سأم وجه مسك حين رأت اقتراب زاهر من مكان وقوفها. تجاهلته وسارت بخطوات سريعة نحو منزل صلاح، غير آبهة حتى بندائه عليها. لا تود إفساد مزاجها بعد حديث جاويد معها الذي أدخل أمل سعيد بقلبها.
***
بالقاهرة بشقة هاشم.
دخلت دولت إلى المطبخ قائلة:
"برضوا بتشرب قهوة ع الريق؟ بقالك أكتر من يومين مش بتنام ساعتين على بعض مش عارفه سبب لقلقك ده؟"
نظر هاشم لها باستغراب قائلًا بذم:
"وعاوزاني أنام براحتي وأنا معرفش بنتي فين؟"
تنهدت دولت قائلة:
"مش اتصلت على التليفون الأرضي للبيت كذا مرة وطمنتك عليها يبقى لزمته إيه القلق الزايد ده."
تنرفز هاشم قائلًا:
"أيوه اتصلت وطمنتني إنها بخير وقالت إن موبايلها ضاع منها، بس لما سألتها هي فين توهت في الكلام."
***
بنفس اللحظة بالأقصر.
بالفندق.
جذبت سلوان الهاتف الأرضي الذي بالغرفة وطلبت من الاستقبال الاتصال برقم أعطته له، وانتظرت لدقائق تزفر نفسها بلوم قائلة:
"معرفش كان عقلك فين يا سلوان، حتى كنت لبستي أي خاتم أو سلسلة دهب من بتوعك كان سهل تتصرفي وتبيعيها وبتمنها حتى تشتري تذكرة للرجوع للقاهرة. لكن كنتِ بتسحبي زي الحرامية وإنتِ طالعة من الشقة. مفيش معايا غير السلسلة الصغيرة اللي في صدري دي ودي مستحيل أبيعها، دي آخر تذكار ليا من ماما."
بنفس اللحظة صدح الهاتف الأرضي. رفعت السماعة سريعًا. سمعت صوت زوجة أبيها شعرت بضيق قائلة:
"أنا سلوان، ممكن تديني بابا."
ردت دولت برياء تدعي اللهفة الكاذبة:
"سلوان إنتِ فين؟"
خطف هاشم سماعة الهاتف من يد دولت حين سمعها تقول سلوان، وقام بالرد عليها متسائلًا:
"إنتِ فين يا سلوان؟"
ردت سلوان:
"أنا بخير يا بابا اطمن وكنت متصلة عليك عشان..."
قاطعها هاشم بلهفة قائلًا:
"عشان إيه؟ عشان تطمنيني أبوكِ المغفل، اللي سافرتي من غير ما تاخدي الإذن منه، كأني مش موجود. قولي لي إنتِ فين."
شعرت سلوان بفداحة ما فعلته وقالت بحياء:
"أنا آسفة يا بابا، أنا كنت هقول لحضرتك، بس خوفت ترفض إني أسافر، وكمان أنا سافرت عشان أسيب لك الشقة مع طنط دولت، إنتوا عرسان جداد."
زفر هاشم نفسه بغضب قائلًا:
"عذر أقبح من ذنب يا سلوان، أنا طول عمري كان عندي ثقة فيكِ بس سفرك بالشكل ده بدون ما تقولي لي فقدتي ثقتي. قولي لي إنتِ فين."
ردت سلوان بتبرير:
"أنا مش أول مرة أسافر. حضراتكم عارفين إني سافرت قبل كده كذا مرة لوحدي."
تنهد هاشم بغضب:
"كنت ببقى عارف إنتِ رايحة فين وبوصلك بنفسي للطيارة، لكن المرة دي اتفاجئ إن بنتي مش في الشقة واتصل على موبايلها مش بترد ولما ردت بهد نص الليل تقول لي أنا سافرت، حتى مقالتليش هي فين. قولي إنتِ فين؟"
ردت سلوان:
"بابا أنا بتصل عليك عشان كده، أنا محتاجة تحول لي فلوس عشان أرجع للقاهرة تاني."
تعجب هاشم قائلًا:
"أحول لك فلوس ليه والكريديت بتاعك فين؟"
ردت سلوان:
"الكريديت بتاعي ضاع مني ومكنش معايا أي فلوس سايلة."
تساءل هاشم بشعور سيء:
"الكريديت والموبايل الاتنين ضاعوا منك إزاي؟"
توترت سلوان بماذا تجيب على والدها، وأغلقت الهاتف بلحظة خطأ منها.
***
بالفندق.
اتخذ جاويد القرار ولا تراجع.
وقف أمام موظف الاستقبال قائلًا:
"من فضلك عاوز أتصل على أودة نزيلة هنا في الفندق."
تساءل الموظف قائلًا:
"أوضة رقم كام حضرتك."
أعطى جاويد رقم الغرفة للموظف الذي سرعان ما استجاب واتصل على هاتف الغرفة.
ردت سلوان سريعًا:
"أيوا يا بابا..."
لكن شعرت بحياء حين تحدث لها موظف الاستقبال بالفندق وأخبرها أن هناك شخصًا يود الحديث إليها. في البداية تعجبت فهي لا تعرف أحد هنا، لكن الفضول جعلها تسمح له أن يعطيه الهاتف.
رد جاويد:
"أنا آسف حضرتك أنا اللي وصلتك للفندق قبل يومين."
تنهدت سلوان وتذكرته سريعًا قائلة:
"آه أهلاً وسهلاً... خير."
رد جاويد:
"خير، حضرتك في ليكِ أمانة معايا ممكن نتقابل عشان تاخديها."
تعجبت سلوان عن أي أمانة يتحدث، لكن قالت:
"تمام عشر دقايق وأكون في لوبي الأوتيل."
أعطى جاويد سماعة الهاتف إلى موظف الفندق مبتسمًا. وظل واقفًا مكانه يترقب حضورها.
بينما سلوان كادت أن تخرج من باب الغرفة، لكن صدح الهاتف الأرضي. ذهبت ترد عليه سريعًا، سمعت صوت والدها قائلًا بتهجم:
"قفلتي الخط ليه؟ قولي لي إنتِ فين؟"
ردت سلوان:
"أنا في الأقصر يا بابا ومحتاجة تحولي فلوس."
صدمة بل صاعقة ضربت قلبه. ظل للحظات صامتًا قبل أن يقول:
"ارجعي للقاهرة فورًا."
ردت سلوان:
"مش هعرف مش معايا حتى تمن تذكرة القطر، عشان كده بقولك حول لي فلوس."
تنهد هاشم بغضب قائلًا:
"لأ مش هحول لك فلوس، خدي عربية خاصة من الأقصر وارجعي القاهرة ولما توصلي أنا هحاسب صاحب العربية، بس ممنوع تفضلي عندك، فهمتي."
تنهدت سلوان قائلة باستسلام:
"تمام يا بابا."
قالت سلوان هذا وأغلقت الهاتف تشعر بغصة. أرادت رد آخر من والدها أن يرسل لها المال دون تحكم منه. تدمعت عينيها للحظات، لكن تذكرت حديثها مع ذالك الغريب. أرادت معرفة ما هي تلك الأمانة الخاصة بها. حسمت أمرها بالنزول ومعرفة الأمر ثم بعدها، ستطلب من الفندق إغلاق حسابها وتعود للقاهرة مرة أخرى. غادرت الغرفة.
***
بالاستقبال.
انشرح جاويد حين رأى سلوان تقترب من مكان وقوفه. كانت كل خطوة تسيرها يشعر بخفقان يزداد في قلبه. كذالك هي تشعر بنفس الخفقان إلى أن اقتربت من مكان وقوفه. رسمت بسمة قائلة:
"آسفة اتأخرت عليك بس كان معايا مكالمة مهمة. خير، إيه هي الأمانة اللي تخصني."
ابتسم جاويد قائلًا:
"أنا اللي متأسف إني أزعجتك، بس الأمانة اللي معايا أكيد مهمة ليكِ."
وضع جاويد يده بجيبه وأخرج تلك البطاقة ومد يده بها لـ سلوان قائلًا:
"الكريديت دي أكيد بتاعتك، عم بليغ لقاها بين قضبان القطر وإدهالي عشان أجيبها لكِ."
بدهشة مدت سلوان يدها وأخذت البطاقة منه قائلة:
"فعلاً الكريديت دي مهمة جدًا ليا وجت في وقتها المناسب. أنا بشكرك جدًا وكمان عاوزة أشكر عم بليغ وأرجع له الجاكت بتاعه، بس معرفش أوصله إزاي."
رد جاويد يشعر بانشراح في قلبه بسبب بسمة سلوان الصافية:
"الجاكت بتاعي مش بتاع عم بليغ."
ابتسمت سلوان قائلة:
"تمام، ممكن تستناني خمس دقايق هطلع أجيبه من الأوضة وانزل بسرعة."
أومأ جاويد لها رأسه، ود لو يقول لها: "سأنتظرك الباقي من عمري، لكن لا تتأخري."
***
بينما هاشم.
عاود الاتصال مرات على رقم الهاتف التي اتصلت منه سلوان، يتنهد باستجداء قائلًا:
"ردي يا سلوان."
بينما دخلت دولت عليه متعجبة من منظره وجهه الموجوم كذالك من محاولات اتصاله التي لا رد عليها، فقالت:
"في إيه يا هاشم؟ مش خلاص عرفت مكان سلوان؟ هي يومين هتتفسح في الأقصر هتروق مزاجها وترجع لهنا تاني."
نظر لها هاشم بتعسف وبعقله يتردد قول تلك المنجمة التي قابلها قبل سنوات بالأقصر:
"ارحل ببتك من هنه، وحاذر بتك ترجع تاني لهنه. إن رجعت للأقصر مرة تانية مهتعوديش لك، دمها الفدية قربان فك طلسم لعنة الماضي."
رواية شد عصب الفصل الخامس 5 - بقلم سعاد محمد سلامة
بالفندق
بغرفة سلوان
جلست على أحد المقاعد تتنهد براحة وهي تنظر إلى تلك البطاقة الائتمانية الخاصة التي بيدها، بعد أن كانت قررت العودة استجابة لأمر والدها. أرجأت ذلك، قررت البقاء لبضع أيام تستمتع بالتجول والتنزه بالأقصر. لكن قبل هذا، عليها شراء بعض الثياب، كذلك هاتف جديد. الآن لم يعد المال عقبة أمامها.
نهضت سريعًا حين سمعت رنين هاتف الغرفة، ردت مبتسمة، لكن سرعان ما اختفت تلك البسمة حين سمعت حديث والدها المُتهجم والحاسم:
"سلوان ارجعي للقاهرة فورًا."
ردت سلوان بعناد:
"لأ يا بابا، أنا خلاص لقيت الكريديت بتاعتي. هفضل هنا كم يوم أتفسح. وحتى كمان أسيبك مع عروستك تتهنى شوية، أكيد وجودي معاكم في نفس الشقة عامل ليها إحراج."
زفر هاشم نفسه بغضب قائلًا:
"سلوان بلاش عناد وارجعي فورًا، وإلا رد فعلي قادر أرجعك لهنا تاني غصب."
تنهدت سلوان بعناد قائلة:
"بابا قلتلك إنه مش أول مرة أسافر لمكان لوحدي. تفرق إيه الأقصر عن سفري لأي مكان غيرها؟ معرفش سبب لرفضك المستمر عليها. بابا هو أسبوع وهارْجع القاهرة."
قالت سلوان هذا وأغلقت الهاتف قبل أن تسمع رد والدها، الذي لا تعلم سببًا لتحكمه هذا. لكن تذكرت قائلة:
"أنا نسيت الشخص اللي جاب لي الكريديت. زمانه استغيبني وأضايق أو مشي. عالعموم هاخد الجاكيت وأنزّل، ويارب يكون لسه موجود. أقل حاجة أشكره. بصراحة لولاه كان زماني هرجع تاني غصب للقاهرة قبل ما أزور قبر ماما لأول مرة في حياتي."
بعد دقائق، توجهت نحو المكان الذي كان ينتظرها به جاويد. لكن في البداية ظنت أنه غادر، لكن شعرت بإنامل يد توضع على كتفها بتردد.
استدارت خلفها وسرعان ما ابتسمت له باعتذار:
"آسفة اتأخرت علي ما نزلت بالجاكيت."
ابتسامتها كأنها بنظرة لها سحر خاص "فاتن" بالنسبة له. رد بابتسامة:
"فعلًا، أنا كنت استغيبتك وكنت ماشي، بس جالي اتصال ووقفت أرد عليه. شوفتك وإنتِ نازلة على السلم، والجاكيت في إيدك. فرجعت لهنا تاني."
قال هذا ومد يده ليأخذ منها المعطف الخاص به.
تركته له بابتسامة ثم مدت يدها الأخرى بذلك السوار الفضي قائلة:
"أنا كنت لقيت الأسورة دي في جيب الجاكيت."
شعر جاويد بغصة قوية في قلبه ومد يده وأخذ منها السوار، بلا حديث.
لم تلاحظ سلوان سأم وجهه، لكن قالت له:
"بصراحة أنا مش عارفة أشكرك على إيه ولا إيه. بسبب أنا لسه موجودة على قيد الحياة، وكمان بطاقتي والكريديت."
لمعت عين جاويد بنظرة خاصة هو نفسه لا يفهم تفسيرًا لها، قائلاً:
"كل شيء له سبب، وأنا كنت سبب مش أكتر."
ابتسمت له قائلة:
"فعلًا كل شيء له سبب، وإنت السبب إني هفضل هنا كام يوم في الأقصر بعد خلاص ما كنت هرجع للقاهرة من تاني. أجلت الرجوع وقررت أستمتع هنا بجمال الأقصر."
شعر جاويد بانشراح في صدره قائلاً:
"متأكد الأقصر هتعجبك جدًا."
أكدت سلوان على قوله:
"أكيد، أنا كنت شفت أماكن ومزارات عالنت قبل ما أجي، وكمان غير المعابد. قدامي أسبوع أستمتع بيه هنا وأشوف الأقصر كلها."
ابتسم جاويد، لكن بنفس اللحظة جاء إليه فكرة قائلاً:
"بس أنا أقدر أخليكِ تشوفي الأقصر كلها في ساعتين زمن."
تعجبت وهي تنظر له متسائلة:
"إزاي ده بقى؟"
قبل أن يرد جاويد، صدح رنين هاتفه. أخرجه من جيبه ونظر لشاشته ثم لسلوان قائلاً:
"مش هقدر أقولك إزاي دلوقتي، بس لو حابة وقلبك جامد نتقابل الساعة ستة المغرب."
للحظات ترددت سلوان وكادت ترفض، لكن الفضول تملك منها، غير أنها تشعر بالراحة النفسية تجاه هذا الشخص الغريب والعجيب. هذا الشعور لديها تجاهه، بسبب ما قابلته سابقًا من ادعاءات وأكاذيب لبعض الأشخاص تدعي الاحترام وتُصدم بحقيقتها فيما بعد. ترددت قليلاً، لكن هنالك شعور آخر لا تعلمه يجذبها نحو هذا الشخص التي حتى لا تعرف اسمه. لكن ذلة لسان بدل أن ترفض، قبلت:
"تمام هستناك هنا في لوبي الأوتيل الساعة ستة."
...
بالأقصر
بأحد محلات بيع الثياب
وقفتا كل من حفصة ومسك تتشاوران حول انتقاء بعض الثياب. أقنعت مسك حفصة بأحد الثياب. رغم عدم اقتناع حفصة، لكن وافقت مسك في تجربة ارتداء ذلك الطقم ورؤيته عليها كتجربة قبل الشراء.
أخذتا الاثنين الطقم وذهبتا إلى مكان قياس الثياب. بنفس اللحظة صدح رنين هاتف مسك. أخرجت الهاتف من حقيبة يدها ونظرت له ثم لحفصة قائلة:
"دي عمتك، هرد عليها وإنتِ ادخلي البسي الطقم. دقيقة وراجعالكِ، هتشوفي ذوقي هيعجبك جوي."
أومأت حفصة لها برأسها مبتسمة تقول:
"سلميلي على عمتي."
تركت مسك حفصة التي وقفت مخضوضة حين فُتح باب مكان القياس فجأة وكادت تتصادم مع فتاة. توقفت هي الأخرى بخضة لثوانٍ ثم تجاهلت حفصة ومرت من جوارها دون حديث.
شعرت حفصة نحوها بضيق دون سبب، أو ربما اعتقدت أن عدم حديث الأخرى تعالي منها. وهنالك سبب آخر أنها ترتدي زي مثل التي اختارته لها مسك ويبدو عليها أنيق للغاية، هي تفوقها أنوثة بالهيكل الجسدي. قررت عدم قياس ذلك الطقم وعادت مرة أخرى... تنظر نحو تلك الفتاة التي ذهبت ووقفت مع إحدى البائعات التي وقفت تمدح بمدى أناقة الزي عليها وجسدها الذي يزينه برونق جذاب. تمدح أيضًا بذوقها الأنيق في اختيار ما يلائم جسدها.
رأت ابتسامة الأخرى لها. حتى ابتسامتها جذابة. شعرت بغيرة من تلك الفتاة لا تعرف لها سبب.
بينما الأخرى ردت على تساؤل البائعة:
"لأ مش من الأقصر، أنا من القاهرة. أنا هنا سياحة."
ابتسمت لها البائعة بمجامله قائلة:
"خسارة، ياريتك من هنا كنت خطبتك لأخويا بيشتغل محاسب في مصنع الأشرف بتاع الخزف."
ابتسمت لها قائلة:
"ربنا يرزقه ببنت الحلال. دلوقتي أنا عرفت إن المحل بيقبل الدفع بالفيزا. الفيزا بتاعتي أهي."
ابتسمت البائعة لها قائلة:
"تمام، اتفضلي اكتبي الرقم السري بتاعها."
ردت سلوان:
"تمام."
بعد قليل، أتت البائعة لها بمجموعة من الأكياس قائلة:
"اتفضلي تدوميهم بعافية."
ابتسمت سلوان لها قائلة:
"هو مفيش هنا ماكينة سحب فلوس؟ عاوزة اسحب مبلغ من الفيزا محتاجه له سايل معايا... وكمان محتاجة أشتري موبايل جديد اللي كان معايا ضاع."
أرشدتها البائعة قائلة:
"في جنبنا مباشرةً هنا محل بيع موبايلات وهتلاقي كمان جنبيه ماكينة سحب فلوس."
ابتسمت لها سلوان شاكرة وتركتها. لكن قبل خروجها من المحل، كادت تتصادم مع مسك التي تجنبت منها، لكن لفتت نظرها. وبعد أن كادت تصل إلى مكان حفصة عادت سريعًا تنظر خارج المحل، لكن لم تر سلوان. وقفت تنظر بكل اتجاه بتأكيد، لكن هي اختفت. ربما ما رأته كان خيال، فتلك تشبه كثيرًا صورة قديمة رأتها سابقًا.
...
بحوالي الرابعة والنصف عصرًا
بالمشفى
أثناء سير إيلاف بممرات المشفى سمعت نداء عليها. نظرت خلفها ووقفت تنتظر مبتسمة قائلة:
"عم بليغ."
بعد لحظات أمامها يلهث قليلاً قائلاً:
"أزيك يا دكتورة إيلاف. كده برضوا نسيتي عمك بليغ؟ جيت لهنا أكتر من مرة عشان أغير عالجرح ومكنتش بعتر فيكِ، واللي كان بيغير لي عالجرح الممرضات إيديهم تقيلة جوي، ويفعصوا في إيدي."
ابتسمت له قائلة:
"أنا طول اليوم ببقى هنا في المستشفى، بروح عالنوم بس. أكيد ببقى مشغولة مع مريض، بس كويس أهو النهارده عِطرت عليا."
مد يده لها بمودة بكيس ورقي قائلاً:
"ده من حظك الحلو وأنا جاي للمستشفى قابلني بياع "نبق" صابحين. أوعي تكسفي إيدي."
ابتسمت له ومدت يدها أخذت إحدى الثمرات من الكيس، نزعت عنها القشرة ثم وضعتها بفمها مستلذة قائلة:
"لأ مش هكسف يدك، أنا بحب "النبق" جدًا. ولو اديتني الكيس كله هاخده."
مد يده بها لها قائلاً:
"يبقى الكيس كله من نصيبك."
ابتسمت له وشعرت بالحرج قائلة:
"أنا كنت بهزر."
ابتسم بليغ حين رأى اقتراب جواد من مكان وقوفهم قائلاً:
"الدكتور جواد كمان بيحب "النبق"."
ابتسم جواد وهو يقف جوار بليغ قائلاً:
"أحلى وألذ "نبق" تاكله من يد عم بليغ."
وضعت إيلاف ثمرة أخرى بفمها قائلة:
"فعلاً طعمه لذيذ وصابح. اتفضل."
ابتسم جواد ومد يده بالكيس آخذًا ثمرة وضعها بفمه قائلاً:
"بسرعة اتعرفتي على عم بليغ."
ابتسم بليغ قائلاً:
"الدكتورة هي اللي خيطت لي يدي، وبصراحة هي أحن كتير من الممرضات اللي هنا، اللي ناقص يطردوني."
ابتسم جواد ينظر لإيلاف، عيناه تلمع بشعور خاص، لكن شعر بالغيرة حين تحدث بليغ بعفوية:
"الدكتورة إيلاف بلسم، يا ريتها كانت جت لإنه من زمان، قبل ما أشيب كنت قطفت لها "النبق" من عالشجر بيدي."
ابتسمت إيلاف تشعر بألفة خاصة من هذا الرجل. بسمتها نغزت بقلب جواد وشعر بغيرة من طريقة تبادل الحديث الودي والمرح بين بليغ وبينها كأنهما يعرفان بعض منذ زمن. ود أن يخطفها من أمام بليغ أو يقوم بإبعادها عنها خشية شيء ما يشعر به، من نظرات الإعجاب التي بعين إيلاف لبليغ.
نظر بساعة يده قائلاً:
"أنا عندي عملية جراحية بعد نص ساعة. لو تحب تشارك في العملية."
ابتسمت إيلاف بلهفة قائلة:
"عملية إيه؟"
رد جواد:
"عملية قلب مفتوح لطفل صغير."
تعجبت إيلاف قائلة:
"هو النوع ده من العمليات بيتم هنا في المستشفى دي؟"
رد جواد:
"أيوا، المستشفى فيها جزء صغير مخصص لجراحة القلب. بس طبعاً، الحجز بالأسبقية أو بالواسطة. بس ده طفل صغير ومحتاج تدخل سريع. صدفة من كام يوم والده قابلني على باب المستشفى وقال لي إن المدير السابق عطاه ميعاد بعد أربع شهور. بس لما جاب لي ابنه لقيت إنه محتاج تدخل سريع والإنتظار مش في صالحه."
ابتسمت إيلاف له قائلة:
"تمام، أنا دي هتبقى أول عملية أحضرها بعد التخرج."
ابتسم لها بليغ قائلاً:
"ربنا يوفقكم ويجعل شفا الطفل ده على إيديكم. يلا هروح أشوف أي ممرضة تغير لي عالجرح النهارده وأستحمل بقى."
ابتسمت إيلاف قائلة:
"هستناك بكرة في نفس الميعاد ده وأنا اللي هغيرلك عالجرح، بس إنت ادعي لي دي أول عملية خطيرة في حياتي أشارك فيها وأنا دكتورة مش طالبة."
ابتسم لها بليغ قائلاً:
"ربنا هيوفقكم عشان قلوبكم الطيبة."
شعر جواد بغيرة لم يستطع إخفاءها قائلاً:
"أظن الوقت. لازم نتعقم عشان العملية."
فهم بليغ نبرة صوت جواد. ابتسم ساخراً. ماذا يظن به؟ يعتقد أنه ينظر لإيلاف كـ حبيبة؟ هي فعلاً حبيبة، لكن كـ أب. لا حبيب.
بينما هي نظراتها مختلفة لبليغ، وهذا ما يحزن بقلب جواد. لا يعرف لماذا.
ابتسم بليغ وهو ينظر لسيرهم جوار بعضهما. شعر من نظرات جواد لإيلاف أنه ربما هنالك مشاعر خاصة تنمو تجاه إيلاف. رآهما متكافئين بشدة لبعضهما. دخل إلى قلبه أمنية أن يرى هذان يوماً بزي عريس وعروس.
......
في السادسة وعشر دقائق مساءً
انشرح قلب جاويد حين رأى سلوان آتية إلى مكان الاستقبال بالفندق. رأى زيها الأنيق الملائم لها يبرز جمال جسدها بأناقة غير سافرة، مع ذلك ليس ضيق على جسدها. هي ليست نحيفة ومع ذلك ليست سمينة، بجسد ممشوق.
ابتسم جاويد حين اقتربت منه سلوان ونظر لساعة يده قائلاً بمزح:
"عشر دقايق تأخير، الساعة ستة وعشرة."
ابتسمت له بمرح قائلة:
"مفيش ست بتوصل في ميعادها مظبوط."
ابتسم لها قائلاً:
"الاعتراف بالحق فضيلة... عالعموم خلينا نتحرك عشان الوقت."
ابتسمت له قائلة:
"بصراحة عندي فضول أعرف إزاي هشوف الأقصر كلها في ساعتين. مفيش غير طريقة واحدة وهي هليكوبتر."
ابتسم لها قائلاً:
"تخمينك فيه جزء صح، بس مش هليكوبتر، حاجة مشابهة ليه. دقايق وهتعرفي."
أومأت له رأسها وسارت لجواره إلى أن وصلا إلى سيارته. صعدت لجواره. بعد دقائق أوقف السيارة وترجل منها، يشير لها بالنزول هي الأخرى.
ترجلت من السيارة تنظر نحو المكان قائلة:
"منطاد... إزاي مجاش في بالي؟ أنا شفت ده وأنا بعمل سيرش عالنت عن الأقصر بس أنا..."
صمتت فجأة حين أصبح أمامها جاويد، لكن تساءل بفضول:
"بس إنتِ إيه؟ قلبك مش جامد."
شعرت سلوان برجفة حاولت إخفائها قائلة:
"قلبي جامد، بس الحكاية هنا مش حكاية قلب. أنا قريت عن حوادث كتير إن المنطاد أوقات بيفرقع وهو في السما."
ابتسم جاويد متفهماً:
"قولتي أوقات يعني مش دايماً، دي حوادث فردية، وممكن تكون بسبب إن اللي بيوجه المنطاد معندوش فكرة عن طريقة التعامل معاه. عالعموم متخافيش، كل حاجة في الحياة مجازفة."
تساءلت برجفة:
"وأنت تعرف تتعامل مع المنطاد كويس؟ أنا لسه من يومين بس كنت في مواجهة مع موت محقق تحت عجلات القطر، مش يمكن عزرائيل مستنيني فوق."
ضحك جاويد ومد يده لها قائلاً:
"متخافيش، متأكد المجازفة مش هتضرك بالعكس يمكن تجمد قلبك أكتر. الرؤية من فوق شكل تاني، خلي عندك ثقة صدقيني وهتشوفي."
نظرت سلوان ليد جاويد الممدودة للحظات تفكر في الهرب خشية ذلك الرهاب الذي لديها من الأماكن المرتفعة، كذلك رهاب الأماكن الضيقة والمنطاد حجمه يساع لاثنين فقط. لكن نبرة صوت جاويد الواثقة تجذبها للموافقة دون إرادة منها. لا تعلم سبب لثقتها الزائدة به. فكرت للحظات بالتراجع والرفض، لكن حس جاويد وهو مازال يمد يده لها قائلاً:
"بلاش تفكري كتير، أوقات قرار مجنون في لحظة تسرع بيبقى وراه فوز ومتعة عظيمة."
لا تعرف كيف رفعت يدها ووضعتها بيد جاويد الذي سحبها للدخول إلى المنطاد وقام بتشغيله. شعرت بهزة قوية وكاد يختل توازنها، لكن أطبقت يدها تتمسك بيد جاويد، وحرف المنطاد، بسبب اندفاع المنطاد إلى الأعلى. ابتسم جاويد وشعر بلسعة كهرباء تمس قلبه مباشرة بسبب برودة يدها التي بين يده، تحدث:
"غريبة إيديك ساقعة كده ليه، مع إن الجو يميل للحر أكتر من الخريف."
شعرت بخجل وسحبت يدها من يده. مازالت تشعر برهبة من صعود ذلك المنطاد لأعلى. نظرت إلى تلك الشعلة الموجودة بالمنطاد أسفل ذلك البالون الكبير الملون. شعرت بتوجس قائلة:
"بسمع دايمًا عن إن المنطاد بيتحرق في الجو."
ضحك جاويد قائلاً بتلاعب:
"فعلًا حصلت كذا حالة المنطاد ولع وهو طاير في الجو."
توجست سلوان ونظرت نحو الأرض قائلة:
"إحنا لسه قريبين من الأرض، خلينا ننزل أفضل."
لم يستطع جاويد تمالك ضحكته قائلاً:
"وليه تقدري البلا؟ استمتعي بالنسمة اللطيفة والنضيفة اللي فوق في الجو، ومتخافيش فيه في المنطاد باراشوت لو حصل حاجة نقدر نستعمله."
تهكمت قائلة:
"على اعتبار إن الباراشوت هو كمان مش ممكن بسهولة يفرقع."
ضحك جاويد وحاول صرف نظرها حتى يزيل ذلك الرهاب الواضح على وجهها قائلاً:
"على فكرة الأقصر من فوق غير، وبالذات في الوقت ده من السنة الخريف له مذاق خاص هنا في الأقصر. الجو بدأ يلطف بعد حر الصيف. كمان هتشوفي معبد الكرنك من فوق بمنظر تاني غير لو شوفتيه من عالأرض. هتقولي شوية أعمدة خرسانية صحيح مرسومة ومتنفذة بدقة وإبداع، بس الإبداع الحقيقي هتشوفيه من فوق مع الصوت والضوء اللي هيبدأوا دلوقتي. هتسمعي حكاية المكان بطريقة تحسسك إنك جوه قصة خيالية."
شعرت سلوان ببعض الهدوء وزالت جزء من تلك الرهبة وهي تنظر إلى وجه جاويد الذي انعكست تلك الشعلة على وجهه. شعرت بتوهة قليلاً وهمست لنفسها:
"والله أنا اللي حاسة إني جوه قصة خيالية، لو حد بيحكيها لي كنت قلت عليه ساذج."
كذلك جاويد نظر لانعكاس تلك الشعلة على وجه سلوان، رأى عينيها التي تشبه لون "الحناء" التي تشبه لون أوراق الشجر الخريف التي تميل إلى درجات اللون البني الغامق. تذكر قول العرافة له قبل أيام. كم لام وذم نفسه سابقاً على سمعه وتصديقه لحديثها. لو أخبره أحد بهذا سابقاً كان قال عليه أبله أو مغفل كيف يصدق بأقوال المنجمون؟ فهم صدقوا هم كاذبون. لكن الآن حتى الكذب يرى به شعور مميز وهو برفقة تلك الجميلة. بين السماء والأرض تبدأ حكاية عشق بمكان هو منبع لخرافات العشق القديمة. بهذه الأرض عاشت "نفرتيتي" الجميلة الفرعونية، وسلوان جميلة أتت لتحيي قلب عاش يرفض الخرافات، لكن بين تلك الخرافات سقطت ورقة العشق.
بعد وقت، زالت الرهبة عن سلوان وبدأت تخبر جاويد عن جمال حكايات المعابد هنا. لكن فجأة شعرت بنغزة قوية في قلبها وهي تتذكر والدتها التي ترقد بين الثرى بأحد البقاع هنا. لمعت عينيها بدمعة لاحظها جاويد وهي تضع يديها تمسد على عينيها. ظن أن ذلك بسبب قوة الهواء المتدافع طرف عينيها. الهواء، الذي بسببه كاد يتطاير وشاح رأسها أكثر من مرة لولا إمساكها له بيديها. حتى أن بعض خصلات من شعرها التي تشبه لون عينيها، تطايرت خارج ذلك الوشاح. سار بداخله رغبة في إمساك تلك الخصلات المتمرده يتنعم بملمسها الغجري بين أنامله. لكن سلوان كانت تحاول السيطرة على تمردها بزجها أسفل وشاح رأسها الذي هو الآخر يتمرد، لولا أن قامت بربط أطرافه ببعضها بإحكام حول رأسها.
مر الوقت سريعًا ووجب الهبوط بالمنطاد بعد رحلة انتهت بسلام. كما تنهدت سلوان براحة حين شعرت بعودة رسو المنطاد على الأرض مرة أخرى. لكن التسرع عيب فيها اكتشفه جاويد حين فتحت باب المنطاد وخرجت منه قبل أن يتوقف وكادت تفقد توازنها مرة أخرى لولا تشبثها بطرف باب المنطاد. في البداية شعر جاويد باللهفة خشية أن يصيبها مكروه، لكن تنهد براحة حين وقفت على الأرض، لكن مازالت تشعر بترنح وهي تغمض عينيها تضع يديها حول رأسها. ابتسم قائلاً:
"كان لازم تستني المنطاد يوقف نهائيًا على الأرض قبل ما تفتحي الباب وتنزلي منه. واضح إنك متسرعة."
فتحت عينيها رغم شعورها بالدوخة قائلة:
"وعرفت منين بقى إني متسرعة."
رد جاويد ببساطة:
"المرة الأولى ليلة ما كنتِ هتقعي على محطة القطر ودي تاني مرة برضو نزلتِ قبل المنطاد ما يوقف عالأرض. مش معنى إنه رسى عالأرض تنزلي فورًا منه."
مازالت تشعر بالدوخة لكن كابرت قائلة:
"عادي جدًا، ده مش تسرع مني، أنا ليلة القطر اتأخرت في النزول ولما نزلت كان القطر بدأ يتحرك، ودلوقتي فكرت طالما وصل المنطاد الأرض يبقى عادي أنزل منه."
ابتسم جاويد يعلم أنها تكابر كي تظهر غير متسرعة. لكن سلوان نظرت بغيظ من بسمته التي تعلم مغزاها قائلة:
"بتضحك على إيه، أنا فعلًا مش متسرعة دي صدف."
ابتسم جاويد بمهاودة قائلاً:
"تمام، في مطعم كويس قريب من المكان لو معندكيش مانع ممكن تقبلي عزومتي عالعشا."
ترددت سلوان كثيراً قائلة:
"لأ، مش هقدر أقبل عزومتك عالعشا لأن الوقت خلاص قربنا عالساعة تسعة ونص ولازم أرجع للأوتيل."
ابتسم جاويد قائلاً:
"تمام، اتفضلي خليني أوصلك للأوتيل."
أومأت له برأسها وسارت أمامه إلى أن وصلا إلى مكان ركن السيارة. صعدت خلفه وجلست جواره، لكن حل الصمت لوقت قبل أن تتنحنح سلوان متسائلة:
"بصراحة أنا نسيت أسألك على اسمك... أنا اسمي سلوان."
نظر جاويد لها قائلاً:
"عارف اسمك من قبل كده."
للحظة تعجبت، متسائلة:
"وعرفته منين بقى؟"
للحظة كاد يخبر جاويد أنه يعرف اسمها من قبل أن يتقابل معها، لكن قال:
"من بطاقتك الشخصية وكمان الكريديت."
شعرت سلوان بإحراج قائلة:
"آه آسفة نسيت، وكمان نسيت أشكرك على إنقاذك ليا ليلة القطر، ولو مش مسكتني يمكن كان محدش قدر يتعرف لي على ملامح."
نظر لها جاويد مبتسماً وهمس لنفسه: "بعيد الشر." لكن قال لها بتواضع:
"العفو، أي حد كان ممكن يكون مكاني. وجودي كان سبب مش أكتر."
ابتسمت سلوان له قائلة:
"على فكرة نسيت تقول لي اسمك وكمان عندي سؤال تاني تقدر تعتبره فضول مني، إنت بتشتغل في السياحة، مرشد سياحي مثلاً."
ابتسم جاويد قائلاً:
"فعلًا بشتغل في السياحة بس مش مرشد سياحي."
تعجبت سلوان قائلة:
"غريبة، مع إن عندك معلومات كتير عن الأقصر."
ابتسم جاويد قائلاً:
"عادي أعرف المعلومات دي، أنا عشت هنا معظم حياتي."
ابتسمت سلوان قائلة:
"نسيت تقول لي اسمك إيه؟"
ابتسم جاويد قائلاً:
"اسمي "جلال صلاح"."
ابتسمت سلوان قائلة:
"يعني الاسم اللي محفور في الأسورة هو اسمك."
غص قلب جاويد صامتاً. للحظات ثم أومأ برأسه.
تنهدت سلوان حين توقف جاويد بالسيارة قائلة:
"وصلنا للفندق مرة تانية. بشكرك كانت رحلة المنطاد فعلًا ممتعة، بس متمناش أعيدها تاني."
ابتسم جاويد قائلاً:
"عالعموم إنتِ شوفتي الأقصر من فوق، لسه مشوفتيهاش من تحت. لما تشوفي الاتنين وقتها هتقرري الأفضل وأعتقد هتختاري تشوفيها مرة تانية من فوق."
ابتسمت سلوان قائلة:
"ممكن، ليه لأ. عالعموم مرة تانية شكراً، تصبح على خير."
ابتسم جاويد وهو يقف أمام سيارته ينظر لدخول سلوان التي استدارت تنظر له قبل دخولها من باب الفندق الداخلي وأشارت له بأصابع يدها، بسلام.
أشار لها هو الآخر. شعر بخواء، يتمنى أن تعود مرة أخرى. ظل واقفاً على أمل واهٍ وتذكر حين تعمد النظر ليديها سابقاً. يديها الاثنين كانتا خاليتين من أي مصوغات تثبت أنها مرتبطة، لكن حتى هذا ليس دليل قاطع. فبعض الفتيات تكون مرتبطة لا ترتدين المصوغات حرصاً أو لأسباب خاصة لديها. شعر بغصة وتساءل: هل هي مرتبطة، أم لا؟ عليه معرفة ذلك.
......
بالمشفى
بعد وقت طويل
خرج جواد من غرفة العمليات واستقبل لهفة والدا ذلك الطفل ببسمة قائلاً:
"اطمنوا يا جماعة الحمد لله العملية مرت بخير وزرعنا الدعامة ومحصلش أي مضاعفات أثناء العملية. واضح إن ابنكم بطل."
ابتسمت والدة الطفل قائلة:
"كتر خيرك يا دكتور. جوزي جالي إنك اللي تبرعت بمصاريف العملية كلها. ربنا يعمر بيتك ويزيدك من فضله. لولاك كان زمان ولدي منتظر دور في كشف العمليات."
ابتسم لها جواد قائلاً:
"الشكر لله يا ستي وربنا يكمل شفاه على خير ويقوم يرمح كيف الخيل. هو دلوقتي هيطلع عالعناية المركزة، مالوش لازمة وجودكم هنا، هو شخص واحد اللي هيبقى مرافق له."
في نفس الوقت كانت تخرج إيلاف من غرفة العمليات وسمعت حديث والدة الطفل لجواد. شعرت بشعور خاص فسرته على أنه إعجاب بإنسانية جواد. وسارت بعيداً. لم تر عيني جواد التي ذهبت خلفها. استأذن من أهل الطفل وذهب خلفها بخطوات سريعة حتى توقفت حين سمعت نداؤه باسمها.
ابتسم حين أصبح أمامها قائلاً:
"بشكرك يا دكتورة، بصراحة ساعدتيني كتير وإحنا في أوضة العمليات. واضح إنك هتبقي دكتورة جراحة قلب شاطرة."
ابتسمت إيلاف قائلة:
"بالعكس أنا كنت بتعلم من حضرتك... واضح إنك دكتور متمرس في جراحة القلب."
ابتسم جواد قائلاً:
"بصراحة أنا شاركت مع الدكتور "مجدي يعقوب" قبل كده في كذا عملية واتعلمت منه وأهو بحاول أساهم في نزع الألم على قد ما أقدر."
ابتسمت له إيلاف، لكن قبل أن تتحدث صدح رنين هاتفها. أخرجته من جيب معطفها قائلة:
"يا دوب فتحت الموبايل ورن، أكيد دي ماما اللي بتتصل. عن إذنك هروح أكلمها من أوضتي."
ابتسم جواد لها يومئ برأسه. تنهد بعد أن ذهبت، وضع يده على قلبه قائلاً:
"واضح إن دكتور القلب هيحتاج استشارة خاصة قريب من الدكتورة "إيلاف حامد التقي"."
......
منزل مؤنس
فتح ضلفة الدولاب وأخرج ذلك الصندوق الصغير. وضعه على الفراش أمامه بقلب منفطر. تردد كثيراً قبل أن يفتحه، لكن حسم أمره وفتحه ليرى كم كبير من الرسائل مطوية. شعر بأسى ودموع فرت هاربة من بين أهدابه. دموع حسرة وندم وهو يضع يديه بين تلك الرسائل المطوية التي لم تُفتح من قبل. مد يده وأخذ إحدى الرسائل قربها من أنفه يستنشق عبق ماضي أليم. يديه قامت بنزع جزء صغير من المظروف وأخرج الرسالة التي كانت بداخله. فتح طياتها وبدأ بقرائتها بدموع:
"أبوي أنا مبسوطة جوي مع "هاشم". هاشم حنين جوي يا أبوي مش كيف ما جولت لي عليه. مع الوقت هيزهج منكِ، بالعكس يا أبوي، ده مع الوقت حبي في قلبه هيزيد. في خبر يا أبوي كنت عاوزة أقوله له وعارفة إنك هتفرح جوي. أنا "حبلة" وهاشم لما عرف مش عاوزني أشيل الياسمينة من عالأرض. أنا حاسة إني حبلى في بنت، وإن شاء الله هسميها "سلوان" كيف ما كنت رايد تسميني يا أبوي بس جدتي هي اللي سمتني "مسك". أنا سعيدة يا أبوي مش ناقصني غير رضاك عني."
وضع الرسالة وجذب رسالة أخرى يقرأها بقلب موجوع:
"النهاردة يا أبوي سلوان كملت سنة. دي شقية جوي يا أبوي وعنيدة فيها شبه كتير مني ومن جدتي. حتى ورثت الشامة اللي كانت على خد جدتي الله يرحمه، وخدودها حمرة شبه توت "خد الجميل". أنا بعت لك صورة ليها في الجواب."
ورسالة أخرى وأخرى وأخرى. بدأ يقرأها. كانت تُرسل له رسائل كل شهر. الكبر والغضب أعمى قلبه عن قراءة تلك الرسائل بوقتها. كانت تخبره كم هي سعيدة، لكن عدم رده على رسائلها يغص قلبها، يُنقص من سعادتها. وقعت عيناه يقرأ هذا السطر بقلب باكٍ:
"أنا عارفة يا أبوي إنك مش هتقرا رسالتي زي بقية الرسايل اللي بعتها قبل كده، بس أنا مش هيأس يا ابوي وهفضل أبعتلك رسايل لحد آخر يوم في عمري. آه نسيت أقولك إن سلوان دخلت المدرسة وشافت صورتك وأنت في المعبد وقالت لي إن نفسها تزور الأقصر وتشوفك. أنا بحكي لها عنك كتير يا أبوي."
ورسالة أخرى تبدو مثل رسالة. قرأ أسطرها كأنها كانت رسالة وداع منها. قرأ آخر سطر باكياً بشدة:
"سلوان، بتي يا أبوي لو جرالي حاجة ابقي اسأل عليها من بعدي."
طوى الرسالة مرة أخرى ووضعها مع الرسائل. تبوح الدموع بندم كيف قسى قلبه يوماً. لماذا لم يبحث عن تلك الفتاة الصغيرة التي كانت بالمقابر تنظر له يوم دفن جثمان "مسك"؟ تذكر نظرة عينيها كأنها خائفة أن تقترب منه. توارت خلف جسد والدها باكية تسأل بعقل طفلة: لما أغلقوا ذلك المكان الموحش الضيق على جسد والدتها وتركوه وغادروا؟ حين تصحو ستخاف من الظلام. ولا جواب لسؤالها. ترك هاشم يأخذها ويرحل وتنقطع ذكرى مدللته الذي قسى عليها. لم يتبقى منها سوى ابنتها وبعض الرسائل المطوية من الماضي.
رواية شد عصب الفصل السادس 6 - بقلم سعاد محمد سلامة
طوى مؤنس الجوابات ووضعها بداخل الصندوق مرة أخرى وأغلقه وتركه جواره. لكنه احتفظ بصورة تلك الطفلة بين يديه يتأمل ملامحها الصغيرة. فعلًا تُشبه كثيرًا "مِسك" ابنته.
لكن بعض الملامح لا تُلاحظ إلا لمن يتأمل كثيرًا. شفاه تلك الصغيرة أكثر سُمكًا، كذلك لون العينين مختلف، وتلك الشامات التي بوجهها. كذلك العين بها نظرة أجرأ. تساءل عقله: الآن أصبحت تلك الصغيرة صبية. تُرى هل مع الوقت أصبحت نسخة مختلفة تمامًا أم ما زال هناك تشابه كبير بينهما؟
الحنين والندم يُبكيان القلب، وأسئلة تجول بالرأس. هل؟ وهل؟ وهل؟ ولا جواب غير بالتأكيد، تلك الصغيرة مثله لا تعلم عنه شيئًا. سوى أنه كان لوالدتها أبًا جحد قلبه عليها، حين خالفت أمره ورفضت الزواج بأكثر شخص كانت تبغضه بحياتها. كما قالت له. لو آخر ربما كانت تخلت عن من هوى قلبها له وامتثلت لأمره، لكن هذا مستحيل أن تقبل الزواج منه لو قتلها في الحال. لكن لم يقتلها، كان العقاب أقوى من القتل بالنسبة لها. أن يتبرأ منها كأنها ليست تلك المدللة التي كان لها مكان ومكانة قوية في قلبه حتى أكثر من أخيها. لم يكن عقابًا لها وحدها، بل العقاب شمل الجميع. أدمى قلوبًا مزقتها الندم والآسى.
اهتدى قلبه بلحظة: لما لا؟ تنحى عقله عن الكبرياء والجحود. وجذب هاتفه المحمول ذو الطراز والإصدار القديم قليلاً. واتى برقم خاص قام بالاتصال عليه. رد الآخر عليه بترحيب واحترام. للحظة تردد في إخبار الآخر لماذا هاتفه الآن، لكن بلحظة حسم أمره قائلاً:
"جولي، إيه آخر أخبار 'هاشم خليل' و... بنته؟"
تنحنح الآخر متفاجئًا وقال بحرج: آخر حاجة أعرفها عنه كان من ست سنين تقريبًا. إنه عايش في السعودية بيشتغل مهندس اتصالات هناك. والبنت كانت معاه.
تنهد مؤنس قائلاً: أكيد بينزل مصر عشان أخته. مش كان جوز أخته زميلك في الجيش؟
رد الآخر: كان زميلي بس من فترة العلاقة بينا شبه انقطعت. بنتكلم على فترات متباعدة. الدنيا تلاهي يا حج مؤنس. بس نمرة تليفونه عندي. لو في حاجة مهمة ممكن أتصل عليه وأسأله بأي حجة؟
شعر مؤنس بغصة ندم قوية في قلبه. فمن يريد أن يسأل عنها كان من المفترض هو من يكون على دراية بأحوالها. ابتلع تلك الحسرة في قلبه قائلاً: "سلوان هاشم خليل" عايز أعرف إيه آخر أخبارها.
***
بالفندق.
استلقت سلوان على الفراش تتنهد بشعور مختلف عليها. تشعر بانشراح وصفاء غريب يسيطر عليها. جذبت هاتفها وقامت بفتحه على ملف الصور. ترى تلك الصور القليلة التي التقطتها لنفسها وهي بذلك المنتجع بعد أن زالت الرهبة عنها وشعرت بصفاء الجو حولها واستمتعت بتلك الرحلة القصيرة. أجل، كانت قصيرة. تصفحت تلك الصور التي التقطها لها "جلال" أيضًا. تنهدت بشعور خاص. لا تعلم لماذا بحثت بين الصور علها تجد له صورة بينهم، لكن لا يوجد. ذمت نفسها قائلة: مالك يا سلوان؟ إيه الأفعال الطفولية دي؟ بدور على صورة لشخص اتعرفتي عليه بالصدفة، ومتعرفيش عنه غير اسمه. عقلك جن.
لكن سرعان ما ابتسمت بنشوة خاصة قائلة: فعلًا عقلي جن. ومعرفش إزاي وثقت في الشخص ده بالذات. رغم إني عمري ما كنت بحذر من أي شخص غريب عني. حتى كمان في قريبين مني وعارفهم كويس وبحذر منهم بعد ما ظهروا على حقيقتهم الوقحة معايا. بس "جلال" إيه المختلف فيه؟ إيه الشيء اللي بيجذبني له جوايا؟ إحساس قوي بالثقة تجاهه. رغم إننا يا دوب ثلاث مرات اللي اتقابلنا فيهم. لو حد بيحكي لي عن اللي بيحصلي ده كنت هقول فيلم رومانسي خيالي، وصعب يحصل في الواقع.
تنهدت سلوان تزفر نفسها بقوة قائلة: ده كأنه شيء من السحر بيجذبني أثق فيه وأتخلى عن التحفظ. وأنا معاه. أكيد الثقة دي بسبب إنه هو اللي أنقذني من الموت على محطة القطر.
***
بغرفة نوم جاويد.
اضطجع على أريكة بالغرفة يتنهد يشعر بنشوة ممتعة لاول مرة بحياته. يشعر أن شيئًا غريبًا يحركه يغزو قلبه. شعور جديد لم يكن في حساباته سابقًا. أجل، حساباته هو دائمًا كان يحسب قيمة كل خطوة قبل أن يخطوها بعقله. إلى أين تذهب به هذه الخطوة؟ لكن الآن تنحت تلك الحسابات. ترك خطواته هي من تسحبه إلى أين؟ لا يعلم. لكن يشعر بحرية كأنه مثل ذلك الطائر الذي يسمعه، يشدو بصوته الليلي في الأفق الهادئ الآن. هدوء خاص يشعر به. لكن فجأة غص قلبه حين تذكر جوابه حين سألته عن اسمه "جلال". سأل نفسه: لماذا يقول لها إن اسمه "جاويد الأشرف"؟ جاوب عقله: يمكن عشان اسم "جاويد الأشرف" مشهور هنا وسهل تعرف عنه أي شيء.
لم يقتنع عقله بهذا الجواب. سكت للحظات وهو يضع يده فوق مكان ذلك الندب الذي بموضع قلبه. وزفر نفسه يشعر بغصة ووخز في قلبه... ربما لأن هذا الاسم لم ينسه صاحبه يومًا. وتمنى لو كان انقلب الماضي. وكثيرًا ما كان يتمنى لو كان هو من رحل بلا عودة.
***
ببيت المغتربات.
تقلبت إيلاف بالفراش تشعر بأرق. تذكرت حين كانت بغرفة العمليات تشارك بتلك العملية الخطيرة. للحظة أثناء تقطيبها للجرح ارتشت يديها. لم يلاحظ ذلك سوى جواد الذي نظر لها وأخذ منها الملقط وبدأ يُقطب هو مكان الجرح. تحير عقلها لماذا لم يتفوه لها بكلمة بغرفة العمليات. اهتدى عقلها: ربما لم يرد إحراجها أمام الموجودين بالغرفة. لكن كذلك لم يتفوه بشيء بعد خروجهم من غرفة العمليات. اهتدى عقلها: بس أنا بعد العملية مفضلتش كتير بالمستشفى. وكمان ماما اتصلت عليا بعدها وتحججت بيها ومشيت من قدام الدكتور جواد. أكيد مستني فرصة أو يمكن بعد كده يقول عليها منفعتش دكتورة جراحة.
زفرت نفسها تذم نفسها: إيه اللي كان حصل وخلى إيديكِ ترتعش أول مرة تخيطي جرح؟ دي أسهل خطوة في الجراحة كلها. أكيد دلوقتي هيستنى فرصة عملية تانية. ولو طلبت أشارك فيها ممكن يقول لي لأ، إيديكِ بترتعش.
نظرت ليديها بنفس اللحظة شعرت أنهما يرتعشان بالفعل. تذكرت تلك الحالة التي أصابتها فترة من حياتها حين كان أحد ينظر لها ترتعش من داخلها. تتمنى الاختفاء عن كل البشر حتى لا تسمع منهم إهانة. بداخلها كثيرًا تمنت أن تقول لهم إن تلك أكاذيب وافتراءات على والداها. فكيف لم يكن يُوقظها بعز أيام الشتاء الأكثر برودة فجرًا كي تصلي الفجر وتنتظره مع أختها ووالدتها حتى يعود من صلاة الجماعة بالمسجد. تعلم جيدًا أنه لم يكن مرائي. كيف تمتد يديه إلى خزينة مال شركة النسيج الذي كان يعمل بها. وكيف يقتل أقرب صديق إليه. لكن القانون والبشر لديهم العدالة التي تأخذ بالأدلة حتى لو كانت مجرد بصمات الشخص. حتى إن لم تصدق لم تقدر على المواجهة ولا عن الدفاع عنه.
***
بالمشفى بغرفة جواد.
اضطجع بظهره على المقعد خلف المكتب. لكن سرعان ما سمع طرقًا على باب الغرفة. سمح له بالدخول وابتسم له حين قال:
"القهوة سكر زيادة يا دكتور كيف ما بتحبها وكمان في الماج اللي جبته سيادتك. بس حاول يا دكتور تخف من القهوة شوية مش زينة على صحتك."
ابتسم جواد له قائلاً: قهوتك إدمان يا عم خلف. ومتخافش على صحتي الحمد لله بمب. بس القهوة بشربها عشان تفوجني شوية وأنا سهران هنا في المستشفى.
ابتسم خلف له قائلاً: والله يا دكتور لو مش حضرتك في المستشفى دي، كانت بقت خرابة. مفيش فيها دكاترة تشوف العيانين الغلابة اللي هنا في المنطقة. كل الدكاترة تمضي حضور وبعديها بتهرب على عياداتهم الخاصة. ومنهم اللي بقى عنده مستشفى خاصة. ربنا يرزق الجميع.
رد جواد: تعرف يا عم خلف لو كل دكتور بس فضى نفسه يوم وقال هشتغل اليوم ده زكاة عن نفسي وأكشف على ناس تستحق العلاج ببلاش ربنا هيرزقهم أكتر ويبارك لهم أكتر.
أومأ له خلف مبتسمًا يقول: ربنا يزيدك رضا يا دكتور. هسيبك تشرب القهوة. آه نسيت أقول لك إن وأنا بنضف مكتب الدكتورة الجديدة اللي جات هنا تكليف لقيت الكيس الورق ده. فيه "نبق". خوفت أسيبه في المكتب يلم نمل وكنت هشيله في الثلاجة اللي عندي في البوفيه لبكرة. بس الثلاجة بتاعتي صغيرة وفيها حاجات كتير. وفي هنا ثلاجة في أوضة المدير خالية. جولت أشيل الكيس فيه لبكرة لحد ما تعود الدكتورة.
ابتسم جواد ومد يده نحو الثلاجة قائلاً: تمام حطه في الثلاجة. بس متنساش تبقى تاخده ليها بكرة.
ذهب خلف ووضع الكيس قائلاً: لأ مش هنسى. هسيبك تشرب قهوتك. وأروح أنا بقى. معوزش مني حاجة قبل ما أمشي.
رد جواد: لأ متشكر تسلم عالقهوة.
غادر خلف. مد جاويد يده وأخذ كوب القهوة من فوق المكتب. ارتشاف منه بعض القطرات ثم وضعه واعتدل في المقعد. يشعر بفضول تجاه تلك الطبيبة صاحبة الاسم الغريب "إيلاف". هي الأخرى تبدو شخصية غريبة بالنسبة له. تذكر رعشة يديها أثناء تقطيبها لذلك الجرح. لم يتفوه وقتها بشيء أمام الموجودين بالغرفة حتى لا تتوتر وتشعر بافتقار أمام زملائها بالغرفة. هو حدث معه ذلك مرة، لكن وقتها وبخه الطبيب أمام زملائه. وحين خرج من غرفة العمليات ذهب إلى الطبيب وسأله: لما قلت لي ذلك وأنت تعلم جيدًا مدى مهارتي كطبيب جراح. أجابه الطبيب وقتها: كي تتعلم من أخطائك ولا تفعل هذا مرة أخرى. كذلك لسبب آخر ستعلمه يومًا ما. اليوم علم السبب الآخر. لم يفعل مثل ذلك الطبيب ويلفت نظر الآخرين إلى إيلاف حتى لا تشعر مثلما هو شعر ذات يوم أنه يفتقر للإجادة التي تؤهله ليكون يومًا مسؤولاً عن حياة شخص ما. ربما لو ارتشت يداه بلحظة أضاع حياته.
***
بعد مرور أسبوع.
والشمس بدأت تبدد ذلك الظلام من بعيد. نزلت يُسريه على تلك السلالم الجيرية ووضعت عنق تلك الزجاجة البلاستيكية كي تملأها بالمياه. لكن فجأة شعرت كأن شيئًا بالمياه يسحب منها تلك الزجاجة بقوة وفلتت منها. تسمع صوت فقاعات المياه وتلك الزجاجة تغرق بالمياه. استغربت ذلك. كذلك ساد الظلام مرة أخرى كأن الشمس التي كانت تستطع توارت خلفه. وقفت مخضوضة حين سمعت صوتًا غليظًا من خلفها تقول:
"جاويد، مهما عملتي المكتوب عليه هيشوفه."
ازدرت يُسريه ريقها الجاف ونظرت للسماء. رأت تلك الغربان تحوم وتنعب بصوت مرهب. لكن نظرت إلى تلك المرأة قائلة بتحدي:
"وأديكِ قلتي يا غوايش المكتوب عليه. مش اللي انتِ كتبتيه عليه."
تنرفزت غوايش قائلة: في الماضي ساعدتي في حرقة جلب عاشق. جاويد هيتحرق قلبه زيه.
ردت يُسريه بثقة: أنا كل اللي عملته وجدتها إني وعيت صبية وساعدتها تهرب من مصير مجهول مع جبروت عيستناها. وياريت اللي عملته بالماضي يجعد لجاويد. بعدت ملاك من طريق شيطان.
تنرفزت غوايش أكثر قائلة: هتشوفي جاويد وهو بيتعذب قدامك ومش هتقدري وقتها تداوي جرحه كيف ما حصل بالماضي. جرح العشق ملوش دوا.
ردت يُسريه بتحدي: وأنا فين هشد عصب جاويد وقتها كيف ما حصل في الماضي. هيلاقي إيدي تطبطب على ضهره تقويه وصدري يضمه يسليه. الضنا. بعدي شرك عن جاويد يا غوايش.
تهكمت غوايش وهي تنظر نحو السماء. شعرت برعب حين ابْتعدت تلك الغربان وعاد شعاع الشمس يستطع مرة أخرى. شعرت يُسريه بأمل حين عاود جزء من نور الشمس. ونظرت نحو غوايش بثقة قائلة: النار مهما كان وهجها المي والتراب قادرين يطفوا لهيبها. المي والتراب طاهرين مهما كان الدنس حواليهم. نور الشمس بيطهرهم وقادرين على رجم لهيب نار السموم اللي بتشرك بالله وبتسجد لشيطان عبد مطرود من رحمة الله.
وضعت غوايش ذلك الوشاح الأسود فوق وجهها قائلة بغيظ: اللي انكتب بالدم مش هيمحيه غير الدم يا يُسريه. والطريق ابتدى واتجمع "الشتيتين" هنا على نفس أرض البداية هتكون النهاية.
قالت غوايش هذا وغادرت المكان بخطى مسرعة. بينما نظرت يُسريه إلى المياه ورأت تلك الزجاجة تطفو مرة أخرى فوق سطح المياه. لكن ابْتعدت بداخل المجرى المائي عن متناول يديها. شعرت بريبة. فظهور غوايش نذير شؤم. تنهدت ونظرت لأعلى وجدت الشمس بدأ نورها يستطع والظلام يتبدد. وتلك الغربان ابْتعدت وصمت نعيقها. تنهدت تشعر بتوجس لكن لا فرار من القدر الذي بلحظة قد يتبدد مثل الظلام الذي أباده شعاع شمس بسيط.
***
بأحد البازارات السياحية.
رد زاهر على من يحدثه قائلاً: تمام هستني الشخص اللي جاي من طرفك وهمضي عقد الإيجار وهديه المبلغ اللي اتفقنا عليه.
أغلق زاهر الهاتف وظل لوقت يقرأ تلك الأوراق التي أمامه. قرأ ذلك الاسم الموجود بالطرف الثاني للعقد "حسنى إبراهيم النحاس". بعد وقت سمع صوت طرق على باب غرفة الإدارة. سمح له بالدخول. دخلت فتاة بطول متوسط يميل قليلاً للقصر وجسد صغير أيضًا. وجهها ملامحه بريئة وضاحكة بنفس الوقت. نظر لها بتعجب قائلاً: أهلًا بحضرتك، تحبي أخدمك بأيه؟
استغربت منه قائلة: أنا أبويا بعتني عشان أقابل الأستاذ زاهر الأشرف.
استغرب زاهر متسائلاً: أنا زاهر الأشرف، بس مين والد حضرتك!
ردت عليه: أنا "حسنى إبراهيم النحاس".
استغرب زاهر قائلاً: مين سيادتك؟
ردت حسنى بتأكيد: كيف ما جلت لك، أنا حسنى بت الحاج إبراهيم النحاس اللي هتأجر المخزن منه. هو جالي كده.
تعجب زاهر قائلاً: بس الحاج إبراهيم قالي هبعت شخص من طرفي و مكتوب بالعقد "حُسني إبراهيم النحاس".
جاوبت حسنى: حَسنى، مش حُسني. الحاء بالفتحة مش بالضمة. هقولك أنا أمي الله يرحمها لما ولدتني تاني يوم أبويا راح السجل المدني عشان يسجلني في المواليد. جاب الموظف بتاع السجل المدني سأله عن نوع المولود. أبويا جاله بنته كيف الجمر. جاب موظف السجل جاله وهتسمي البنت دي إيه يا حي. أبويا جاله على اسم أمي. جاب الموظف جاله وإسم أمك إيه جاله "حَسنا". جاب الموظف كتب اسمي حَسنى، بس بدل ما يكتب اسمي (حَسنا) بالألف كتبها (حسنى) بالياء. ومن يوميها وأنا كل ما حد ينطق اسمي يفتكرني ولد. يعني غلطة موظف السجل المدني. زي ما بنقول خطأ ارتكبه الآخر اللي هو موظف السجل المدني.
ارتسمت بسمة على محيا زاهر قائلاً: تمام أنا فهمت. خلاص إن اسمك حسنى، بنت مش ولد. اتفضلي اجعدي عشان نتفاهم ونمضي عقد إيجار المخزن زي ما اتفقت مع الحاج إبراهيم.
جلست حسنى على مقعد مقابل لمكتب زاهر قائلة: لأ انت لازم تتفق معايا أنا لأني أنا صاحبة الدار اللي المخزن واخد الدور الأرضي منها. هقولك الدار دي كانت بتاعة جدي أبو أمي الله يرحمهم الاتنين. وجدي قبل ما يموت سجل الدار دي باسمي بس أنا كنت قاصر وقتها وأبويا كان الوصي عليا وهو اللي كان بيأجر الشقق الأربعة اللي في الدار دي. بس المخزن كان مقفول عشان فيه شوية نحاس من اللي جدي كان بيشتغل فيهم. أصل جدي ده كان بيشتغل "مبيض نحاس" بس كان عليه جلوه للنحاس مجولكش كان النحاس يطلع من تحت إيديه بيلمع كيف الدهب كده. وأبويا بقى كان بيفهم مع المستأجرين. بس أنا خلاص كبرت وبلغت سن الرشد من تلات شهور وبقيت عندي واحد وعشرين سنة. جولت لأبويا أنا اللي أدير أملاكي بنفسي والدار أنا اللي بقيت بتفاهم مع المستأجرين اللي فيها. هقولك في اتنين من المستأجرين نفسي أكرشهم مش بيدفعوا الإيجار بانتظام. بس برجع وأقول إنهم غلابة حداهم عيال بلاش يتشردوا. و...
شعر زاهر بالملل من كثرة حديث حسنى قاطعها قائلاً: متخافيش أنا هدفع إيجار المخزن كل شهر في ميعاده. خلينا نتفق ونمضي العقود.
نظرت حسنى بتتمعن حولها للمكان قائلة: لأ أنا واثقة إنك مش هتتأخر في دفع الإيجار. صلاة النبي البازار على مساحة واسعة وفي منطقة قريبة من المعبد. وأكيد السياح بييجوا لهنا عشان يشتروا المساخيط هدايا وهم راجعين لبلادهم. بس أنا ليا ملاحظة كده على المكان. البياع اللي واقف بره بيبع للسياح لما اتحدثت معاه كش فيا. بس لما جولت له إني جاية من طرف الحاج إبراهيم النحاس جالي ادخل المكتب. ابقى قول له يبتسم شوية. البياع الشاطر يكون مبتسم كده عشان يقنع الزبون يشتري.
قاطعها زاهر قائلاً: تمام هقول له وهلفت نظره. خلينا نمضي العقود.
نظرت حسنى لـ زاهر وهمست لنفسها قائلة: العيب مش في البياع ده. العيب في صاحب البازار. شكله كشري كده. وأنا مالي فخار يكسر بعضيه. أنا جولت اللي يخلص ضميري.
رأى زاهر شفاه حسنى التي تتحدث بهمس لم يسمعه لكن شعر بضيق ووضع أمامها على المكتب ورقة عقد قائلاً: العقد أهو مكتوب عند محامي وناقص بس على الإمضا بتاعتنا.
أخذت حسنى العقد ونظرت لـ زاهر قائلة: قبل ما أمضي لازم أقرأ العقد. ده حاجة ميتعزلش.
أومأ لها زاهر رأسه بتمام. قرأت حسنى العقد ثم نظرت لـ زاهر قائلة: العقد تمام. أوعاك تكون زعلت مني. المثل بيقول العقد شريعة المتعاقدين. وكمان ده حقي ولازم أضمنه.
أومأ لها زاهر رأسه قائلاً: تمام اتفضلي إمضي العقد.
نظرت حسنى للعقد ثم لـ زاهر قائلة: فين القلم اللي همضي بيه.
كبت زاهر ضيقه ومد يده لها بقلم قائلاً: اتفضلي القلم أهو.
أخذت القلم من يده ووضعت الورقة على فخذها لكن لم تعرف أن تضع توقيعها. نظر لـ زاهر قائلة: مفيش كراسة أو دفتر أحط الورقة عليه عشان أعرف أمضي.
تنهد زاهر بنرفزة حاول كبتها قائلاً: اتفضلي دفتر أهو حطيه تحت الورقة. وأمضي عشان نخلص لأني عندي ميعاد كمان نص ساعة.
أخذت حسنى الدفتر ووضعته أسفل الورقة ووضعت توقيعها وهي تهمس لنفسها: معرفش إيه الراجل اللي خلقه ضيق ده. بياع إزاي؟ أكيد بينفخ على الزباين ويطفشهم. وأنا مالي.
أنهت حسنى توقيعها ومدت يديها بالدفتر والورقة والقلم قائلة: أها أنا مضيت تحت اسمي.
تنهد زاهر وأخذهم من يدها ووضع توقيعه هو الآخر قائلاً: تمام كده. اتفضلي ده العربون اللي اتفقت مع الحاج إبراهيم عليه. وياريت تفضوا المخزن من الخردة اللي فيه عشان أبتدي أجدده قبل ما أخزن فيه البضاعة.
أخذت حسنى المبلغ المالي قائلة: تمام أنا هقول لأبويا وهو يجيب كم شيال يشيلوا الحاجات اللي في المخزن يطلعوها في الأوضة اللي جنب عشة فراخ أم سندس اللي ساكنة في الدور التاني. عنديها كم فرخة وكم بطة وديك وشوية رومي مربياهم في عشة على السطوح. بتقولي يلموا بقايا الأكل اللي بتفيض منينا وكمان بتسترزق من بيع البيض والفراخ والبط وكمان عنديها حمام. أبويا كان عاوز يطردها بس أنا جولت حرام بتصرف على ولادها تساند جوزها على المعيشة.
قاطعها زاهر ونهض واقفًا يقول: تمام حطي الخردة مكان ما انتِ عاوزة. أنا اللي يهمني المخزن يفضى.
نهضت حسنى واقفة هي الأخرى قائلة: تمام. بس ليا سؤال. هو المبلغ اللي في الظرف ده هو هو المبلغ اللي اتفقت مع أبويا عليه ولا هو هيخنسر كيف عادته معايا. ويقولي مبلغ أقل من الإيجار الحقيقي.
نظر لها زاهر بغضب قائلاً: لأ ده نفس المبلغ اللي اتفقت مع الحاج إبراهيم عليه. وياريت تستغلي الوقت من دلوقتي وتبدأي في شيل الخردة من المخزن لأني محتاجه في أسرع وقت. وكمان أنا لازم أمشي عندي ميعاد مهم دلوقتي.
تهكمت حسنى وهمست قائلة: صحيح الجواب بيبان من عنوانه. البياع أتم ومقابلته ناشفة يبقى صاحب البازار إيه؟ أكيد جلف زيه.
تنهد زاهر الذي لم يسمع همسها وأشار بيده لها نحو الباب قائلاً: هستنى تليفون من الحاج إبراهيم إن المخزن بقى فاضي.
كبتت حسنى غيظها من جحافة زاهر وسارت نحو باب الغرفة لكن توقفت قبل أن تخرج منها ونظرت لـ زاهر قائلة: نصيحة مني ابقى اضحك في وش الزباين دول. سياح وضيوف عندنا. بلاش الخلقة الكشرة دي. بتقطع الرزق.
قالت حسنى هذا وغادرت.
زفر زاهر نفسه بقوة يتنفس قائلاً: إيه الرغّاية دي. دي لو فضلت كمان دقيقتين كنت هشُل من رغيها. ودي زي مدفع واتفتح عليا.
***
عصرًا.
بذلك المحل الخاص ببيع الملابس خرجت كل من حفصة ومِسك. التي نظرت لـ حفصة مبتسمة تقول: كويس أهو خلاص كده خلصنا شراء الفساتين. الست جابت لينا فستانين زي ما طلبنا منها بالظبط. كانت فكرتي إننا ننزل نلف عالقحلات أولاً فكرة كويسة. أهو الفساتين حسب ذوقنا.
ابتسمت حفصة قائلة بالتأكيد: فعلاً كانت فكرتك. عجبال ما أتعب معاكِ كده عن قريب. أنتِ كيف أختي.
ادعت مِسك الخجل قائلة: ربنا يتمم بخير. ويمكن يكون كتب كتابك انتِ وأمجد أخوي. فال خير وتهل الأفراح من بعديه. خلينا نشوف فين السواق راكن العربية. أها هناك أهي. خلينا نروح عنده. ونحط الفساتين في العربية. في محل عطور زميلة ليا في المدرسة جالت لي عليه. عندهم برفانات ومساحيق تجميل بماركات عالمية.
ابتسمت حفصة قائلة: مساحيق تجميل. ما انتِ عارفة جاويد أخوي مش بيحب المساحيق دي. بيقول لي بقرف منها.
ردت مِسك: وانتِ هتحطي الحاجات دي قدام جاويد؟ انتِ هتحطيها لعريسك. وكمان خلاص دلوقتي كل البنات ماشية بالمكياج على وشها. وجاويد يمكن كان بيقول لك كده عشان كنتِ صغيرة. دلوقتي بقيتي عروسة. يلا بلاش تفكري كتير. دي صاحبتي جالت لي على ماركات أصلية عندهم. وانتِ عارفة إني بحب المكياج والبرفانات قوي.
وافقت حفصة مِسك وتوجه الاثنان إلى مكان ركن السيارة. لكن توقفت مِسك فجأة قبل أن تصعد للسيارة حين رأت سيارة جاويد تقف بمكان قريب منهن. لكن صعق قلبها حين رأت فتاة تدخل لسيارة جاويد. لم تر وجهها لكن شعرت بغصة قوية في قلبها. بينما نظرت لها حفصة من السيارة قائلة: مِسك واقفة كده ليه؟ اركبي خلينا نروح محل العطور. الوقت المغربية قربت وماما منبهة علينا منتأخرش.
نظرت مِسك لـ حفصة قائلة: العربية اللي هناك دي مش عربية جاويد.
نظرت حفصة نحو إشارة يد مِسك قائلة: أيوا هي.
تساءلت مِسك: وجاويد بيعمل إيه هنا؟ وكمان مين اللي راكبة جنبه العربية دي؟
نظرت حفصة بتمعن لسيارة جاويد قائلة بتبرير: معرفش. يمكن في له شغل هنا. واللي راكبة جنبه ممكن تكون واحدة بيتعامل معاها في الشغل. اركبي بقى خلينا نلحق نرجع للدار قبل الضلمة. وأنا هبقى أسأل جاويد بعدين.
تنهدت مِسك تشعر بوخزات قوية في قلبها يكاد يحترق. ثم صعدت للسيارة جوار حفصة. صمتت قليلاً إلى أن وضعت حفصة يديها تقرص خدود مِسك بمزح منها قائلة: يا عيني عالغيرة. لو جاويد شاف خدودك الحمرة اللي كيف قشرة الرمان دي هيقول لك بعد كده وإنتِ في الشارع تلبسي نقاب يداري خدود الرمان.
نظرت مِسك لحفصة قائلة تهكم: بتهزري.
ردت حفصة قائلة: لأ مش بهزر. بس انتِ وشك قلب من وقت ما شوفنا جاويد ومعاه واحدة ست بالعربية حتى مشفناش وشها. والغيرة اشتغلت يا بنتِ. نصيحة مني الرجالة مش بتحب الست اللي غيرتها بتظهر على وشها. بيستغلوها نقطة ضعف. خليكِ زيي كده حتى لو غيرة على أمجد بداري غيرتك. خليكِ تقيلة. وأنا متأكدة إن جاويد مش من النوع اللي يركب واحدة ست معاه في العربية بدون ما يكون بينه وبينها مصلحة خاصة بشغله.
رسمت مِسك بسمة على شفاها لكن تشعر بلهيب حارق يغزوا قلبها وجسدها بأكمله.
***
بينما بسيارة جاويد.
زفرت سلوان نفسها وهي تنظر بضيق واستغراب إلى تلك البطاقة الائتمانية التي تضعها بداخل حقيبة يدها.
لاحظ جاويد سأم وجه سلوان تسأل قائلاً: في إيه، واضح من ملامح وشك إنك مضايقة.
تنهدت سلوان قائلاً: لأ مفيش. يمكن من الحر. الجو النهاردة حر شوية.
رد جاويد: بالعكس دي أحسن فترة للجو في السنة هنا. الخريف في الأقصر.
ردت سلوان: يمكن. بس ده بالنسبة للي عايش هنا في الأقصر. أنا هنا سياحة ويعتبر الجو ده حر بالنسبة لي. عالعموم ممكن ترجعني للأوتيل.
تعجب جاويد قائلاً: بس إحنا قريبين من معبد حتشبسوت. مش كنتِ عاوزة تدخلي تشوفيه.
ردت سلوان: مش النهاردة. حاسة بشوية صداع. خلينا لبكرة الصبح. ولو مش فاضي أنا ممكن أجي لوحدي. معايا كتالوج خاص بيوضح الأماكن الأثرية هنا خدته من الفندق.
شعر جاويد بأن هناك شيئًا ضايق سلوان فجأة ليس صداع مثلما قالت له. لكن لم يُصر عليها وتوجه بالسيارة نحو الفندق. كان يتحدث مع سلوان وهي ترد باقتضاب عكس عادتها معه الأيام السابقة التي كان بمثابة مرشد سياحي خاص لها يستمتع برفقتها لأكثر وقت. كذلك سلوان كانت تشعر بازدياد الألفة تجاهه وأصبحت تأمن له كثيرًا.
بعد قليل ترجلت سلوان من السيارة قائلة: شكرًا يا جلال.
ابتسم جاويد لها وكاد يقول لها أن اسمه جاويد وأن أخطأ حين أخبرها باسم آخر. لكن دخلت سلوان إلى الفندق دون انتظار.
***
بعد قليل.
بغرفة الفندق.
نظرت سلوان إلى بطاقة الائتمان قائلة: البطاقة حطيتها في ماكينة السحب كذا مرة من كذا كابينة سحب ونفس الجملة بتظهر لي: لا يوجد رصيد. مش معقول يكون ده غلط من كابينة السحب. عالعموم في طريقة أتأكد منها. أكلم بابا. بس هيزعق لي زي كل مرة بكلمه. بس مفيش قدامي غير كده.
فتحت سلوان هاتفها وضغط على رقم والدها الذي رد عليها. تساءلت سلوان: بابا أنا بحط الكريديت في ماكينة السحب بيقول لي لا يوجد رصيد بالبطاقة.
رد هاشم بتعسف: أنا ألغيت الفيزا دي وحولت الرصيد كله لحساب تاني.
شعرت سلوان بالضيق قائلة: ليه يا بابا. من فضلك رجع الرصيد تاني للفيزا.
رد هاشم بتعسف: لأ. وارجعي للقاهرة فورًا. وكمان "إيهاب" اتقدم وطلب إيدك مني وأنا وافقت. واعملي حسابك إن كتب الكتاب والجواز هيكونوا في أقرب وقت.
ردت سلوان بعصبية: بس أنا مش بطيق اللي اسمه إيهاب ده. شخص سمج ودمه تقيل على قلبي. ومستحيل أتجوزه. من فضلك يا بابا رجع رصيد الفيزا وأوعدك أرجع للقاهرة. بس مستحيل أوافق على الجواز من إيهاب.
رد هاشم بتحدي وأمر: لأ هتوافقي على الجواز من إيهاب ومش هرجع رصيد الفيزا. انتهى خلاص ده آخر كلام عندي عشان أنا دلعتك كتير وعطيتك ثقة بس إنتِ مقدرتهاش.
قال هاشم هذا وأغلق الهاتف بوجه سلوان التي فرت الدمعة من عينيها لاول مرة والدها يحدثها بتلك القسوة. ألقت الهاتف على الفراش بعصبية كبيرة ووضعت كفيها حول وجهها تتنهد بغضب. لكن سرعان ما قررت موافقة والدها والعودة إلى القاهرة. لكن قبل العودة عليها زيارة قبر والدتها هنا. لكن هي لا تعرف كيف تصل إلى تلك البلدة. للحظة فكرت بسؤال عامل الاستقبال في الفندق ربما يدلها على تلك القرية. لكن فجأة تذكرت قائلة: مفيش غير جلال هو اللي ممكن يعرف لي قرية الأشرف دي فين. وأهو بالمرة أشكره قبل ما أرجع للقاهرة تاني. جذبت هاتفها من على الفراش وقامت بطلب رقمه.
بينما جاويد عاد إلى أحد المصانع الخاصة به. وقبل أن يجلس آتاه اتصال هاتفي قائلاً: أنا حولت لك على الإيميل ملف خاص عن البنت اللي قولت لي أسألك عليها.
تنهد جاويد قائلاً: وأيه اللي في الملف ده؟ مينفعش تقول لي كده شفهوي؟ يعني مثلاً هي مرتبطة أو مخطوبة.
رد الآخر: لأ هي مش مرتبطة ولا مخطوبة. وفي في الملف تفاصيل دقيقة عنها.
انشرح قلب جاويد قائلاً: تمام متشكر جدًا.
جلس جاويد سريعًا وفتح حاسوبه وآتى بذلك الملف المحول له وبدأ بقراءته بتتمعن بكل حرف. لكن لفت نظره اسم والدة سلوان. همس الاسم: "مِسك مؤنس القدوسي". استغرب قائلاً بحيرة: مش معقول يكون فيه تشابه أسماء للدرجة دي.
بنفس اللحظة صدح رنين هاتفه. نظر للشاشة الهاتف ورأى اسم سلوان. سرعان ما رد عليها. سمع صوتها الذي شعر كأنه مخنوق قليلاً. لكن قبل أن يسألها تحدثت سلوان: جلال أنا متأسفة إني بتقل عليك. بس اعتبر ده آخر طلب مني ليك. بس مفيش قدامي غيرك ممكن يفيدني في الطلب ده.
شعر جاويد بغصة قائلاً: وأيه هو الطلب ده؟
ردت سلوان: في قرية، أو نجع هنا اسمه "الأشرف". كنت عاوزة أعرف مكانها فين.
لم يستغرب جاويد وسألها بفضول قائلاً: والقرية أو النجع ده عاوزة تعرفي مكانها ليه؟
تنهدت سلوان قائلة: أمر شخصي. من فضلك لو مش هتعرف مكانها أنا ممكن...
قاطع جاويد حديثها قائلاً: لأ ليا صديق من القرية دي. وسهل أسأله على مكانها فين.
تنهدت سلوان براحة قائلة باختصار: تمام هنتظر منك اتصال تقول لي مكان البلد دي فين. سلام.
أغلق جاويد الهاتف ووضعه على المكتب. الآن تأكد مما هو مذكور بالملف. سلوان لديها نصف ينتمي لهنا بالأقصر. بنفس اللحظة شعر بحيرة. عقله بدأ يفهم معنى قول تلك العرافة التي قالت له قبل أيام: الدائرة تدور لتلتقي وتنسجم. نهاية الماضي مع بداية الحاضر والمستقبل.
رواية شد عصب الفصل السابع 7 - بقلم سعاد محمد سلامة
إنزوت مِسك بغرفتها منذ أن عادت إلى المنزل. جلست فوق الفراش تقضم أظافرها تشعر بثوران يسري بجسدها. ما زال منظر صعود امرأة إلى سيارة جاويد يطارد عقلها. بداخلها شعور سيئ للغاية، يحدثها عقلها بتساؤل:
"مين اللي ركبت العربية جنب جاويد؟"
من شكل حجابها وملابسها العصرية، إنها "بندرية"، ويمكن مش من هنا.
أجاب قلبها بخداع لنفسها:
"أكيد زي ما قالت حفصة، يمكن واحدة ليها شغل معاه. بس ليه ركبت معاه في العربية؟ ليه ما تقابلش معاها في مكتب؟ وكمان كأنه كان مستنيها... يمكن زبونة وجاب لها صدفه وعرض يوصلها ذوق منه، أو..."
تفسيرات عقلها يفسر الأمر وعكسه، وقلبها تائه بعشق تغلغل وامتزج بكل عصب بجسدها، أصبح هوسًا. تخشى من لحظة تستطيع أخرى أن تستحوذ على عقل جاويد، وتبدد حقها بالزواج منه. لديها شبه يقين أن جاويد يعلم بمكنون قلبها، وهو الآخر يبادلها نفس المشاعر لكن يحتفظ بها بخفاء في قلبه. بالتأكيد سيأتي يومًا ويبوح بذلك المكنون.
اهتدى عقلها وقلبها لسلام كاذب. جاويد من حقها فقط، هي الأجدر بنيل القرب منه.
بنفس اللحظة دخلت إلى الغرفة صفية مبتسمة تسأل:
"مِسك، مالك إكدِه من وقت ما رجعتي من عند حفصة دخلتي لأوضتك وما خرجتيش منها؟ حتى الأكل قولتي للخدامة مش جعانة... ونايمة إكده ليه؟ أوعي تكوني مرضانه ومخبيه علي."
اعتدلت مِسك جالسة على الفراش تتنهد بضجر قائلة:
"لاه يا ماما، أنا زينة بس حاسة بشوية إرهاق إكده، يمكن من اللف في المحلات مع حفصة الفترة اللي فاتت."
جلست صفية جوارها على الفراش ونظرت لها بتمعن قائلة:
"لاه من ده السبب، يمكن زعلانة عشان حفصة أصغر منكِ، وأهو خلاص هينكتب كتابها. بس متجلجيش، الولية الغجرية اللي سوت العمل آخر مرة قالت لي إن العمل ده مفعوله قوي قوي، وأن فيه بشرى جايه عن قريب. بس هيكون فيه مرتبط بجواز، فـ أنا قولت نقرب البعيد ونقدم كتب كتاب أمجد وحفصة، أهو برضه كتب الكتاب نص جواز... تعرفي أنا قولت للغجرية لو صدق حديثها هيكون ليها مكافأة كبيرة مني، حتى لو طلبت مني مليون جنيه. طمعتها عشان تعمل العمل بضمير، ويجيب مفعوله بسرعة."
تنهدت مِسك قائلة:
"يارب يجيب مفعول وما يبقاش زي اللي جبليِه، أنا عندي شك من الأول في الولية الغجرية دي، مفيش عمل من الأعمال اللي سوتها قبل كده جاب نتيجة."
تنهدت صفية قائلة:
"لاه الغجرية مش خرفانة، يُسرية هي اللي حويطة حبتين وعارفة تحوط على ولادها. مشفتيش الحجاب اللي بصدر جاويد دائمًا لابسه؟ يمكن حتى وهو نايم. أكيد فيه تعويذة خاصة. لما جولت للعرافة عليه، قالت لي لو قدرت أجيبه لها وجتها هيبقي سهل تعمل العمل عليه تتحكم في قلبه. بس كيف ما جولت لك، مش بيقلعه من رجابته."
تنهدت مِسك بهدوء قائلة:
"لاه أكيد بيقلعه، شوفته مرة كان قالعه وسيبه على الكومودينو اللي جنب سريره."
نظرت لها صفية بخيبة قائلة:
"خايبة! طب كنتِ هاتيه."
ردت مِسك بتفسير:
"كنت هجيبه وخلاص. إيدي كانت عليه بس حفصة دخلت الأوضة وأنا كذبت عليها وجتها إني دخلت للأوضة أجيب لـ مرات خالي الخلاجات اللي مش نضيفة."
تنهدت صفية بسؤال:
"وحفصة صدقتك بسهولة إكده؟"
ردت مِسك:
"إنت عارف حفصة بتصدق حديثي دايمًا. ده حتى ممكن أقول لها تجيب الحجاب ده بأي حجة."
تسرعت صفية بالنهي قائلة:
"لاه أوعكِ! حفصة لسانها زالف، ممكن يزلف قدام يُسرية وتاخد حذرها. وأهو إحنا مستنيين نتيجة العمل اللي دسيته في قلب المرتبة تحت راس جاويد كيف ما الغجرية جالت لي. بس هي كانت جالت لي بلاش أستعجل، النتيجة هتاخد وقت."
تنهدت مِسك بنرفزة قائلة:
"هتاخد وقت قد إيه؟ أنا بجيت بخاف يا ماما إن في لحظة واحدة تضحك على عقل جاويد وتلهفه مني. بالك بعد العصر لما كنت مع حفصة بنجيب الفساتين، شفت واحدة ركبت العربية جار جاويد بس مشفتش وشها، كانت بظهرها ليا. ولما سألت حفصة عنها، جالت لي يمكن زبونة عندي."
للحظة انخضت صفية متسائلة:
"غريبة فعلًا، بس إنتِ ما خدتيش بالك من وشها؟ يمكن زبونة أجنبية؟"
ردت مِسك:
"لاه مش أجنبية، فيه زبونة أجنبية هتبقي لابسة حجاب على راسها. وكمان من نوعية لبسها دي، بندرية بتلبس زيي أنا وحفصة إكده. حتى الطقم اللي كانت لابساه أنا كنت اخترت زيه لـ حفصة وبعد ما كان عجبها، جالت لي لاه لونه مش داخل مزاجها. أنا خايفة يا ماما الولية الغجرية دي يطلع كل كلامها وأعمالها فشنك، وفي الآخر جاويد..."
قطعت مِسك حديثها، لم تستطع حتى تكملة الجملة خشية أن يحدث حقًا تكهنها.
كذلك صفية التي قالت بلهفة وتسرع:
"لاه أنا من بكرة هروح للولية الغجرية دي وأقول لها عالحديث ده. لو هي واحدة بتنصب خايبة علي، تشوف طريق تبعدها عني."
***
منزل صلاح.
بغرفة النوم.
رفع صلاح الوسادة ثم اتكأ بظهره عليها، ينظر لانعكاس يُسريه وهي جالسة أمام المرآة تمشط شعرها الأسود.
ابتسم قائلاً:
"شعرك لسه غجري أسود كيف الليل."
وضعت المشط بين خصلات شعرها تفرده قائلة:
"لاه الليل بدأ يغزيه النور، فيه خصلات شابت منه أهي."
نظر صلاح لتلك الشعيرات التي فردتها أمامه، رأى بها لون المشيب، لكن قليلة تلك الشعيرات حتى أنها لا تلاحظ إلا بالتمعن.
ابتسم قائلاً:
"أنا فاكر أمي الله يرحمها لما شعرها بدأ يبشيب، كانت بتجيب الحنة من عند العطار وتحني شعرها."
ابتسمت يُسريه قائلة:
"أنا كمان فاكرة كذا مرة كنت أنا اللي بحط لها الحنة على راسها. ولما سألتها في مرة، قالت لي: الشعر الشايب بيضعف النظر (البصر). بصراحة، وجتها عقلي اتحير، إيه علاقة الشعر بالنظر؟ حتى سألت أمي، وجتها هي كمان كان شعرها بقى شايب وابيض منه جزء كبير. جالت لي إن كان الناس الكبار بيحنوا شعرهم الأبيض عشان خايفين يأثر على عينيهم. بس دي خرافة أو بدعة. إن الشعر الأبيض لما الهوا يطيره على عينيكِ بيبقي شفاف فمش بتشوفيه وبيطرف عينيكِ، عكس الشعر الأسود أو الأصفر. بعد الحنة اللون بيخليكِ تاخدي بالك منه وبتبعديه عن عينيكِ قبل ما يطرفها."
تنهد صلاح بحزن:
"أمي كانت موسوسة زيادة عن اللازم، ومحدش اتحمل طباعها ومشي على هواه غيرك. كانت تجولي: بالك يُسرية عندي أعز من صفية بت بطني. بتهاودني دائمًا. بدعي لها وأنا ساجدة ربنا يراضيها ويرضى عنها ويرزقها بِر أولادها."
نهضت يُسرية وذهبت إلى الفراش وتمددت جوار صلاح قائلة:
"لما اتجوزتك أمي جالت لي: خالتك عاشت عمرها مغلوبة على أمرها، بس هي مش إكده، هي مشيت بكلمة 'حاضر'. مش بتعارض بشيء. خليكِ في ضلها، كل اللي تجولك عليه جولي لها طيب وحاضر. بالك كلمة حاضر بتعيش صاحبها في راحة. الأجل مش بيفوت اللي يضايجه. الكلمة الطيبة في وقت الشر بتهدي الأعصاب. جوز خالتك صحيح طبعهُ جاسي، بس خالتك بتسمع حديثه مش عشان معندهاش شخصية، لاه عشان راضية بقدرها."
شعر صلاح بغصة قائلاً:
"وإنتِ عمرك ما في يوم وقفتي جدام أبوي واتحملتي طباعه الجاسية؟ كنتِ راضية. أنا كنت بعشقك يا يُسرية من قبل ما نتجوز. كنت عارف إن صالح بيضايجك أوقات كتيرة وكنت أتصدي له. ويمكن قبلتي بالجواز مني عشان كده تتجنبي غلاسة صالح. لما تبقي مرة أخوه هيبعد عن طريقك. بس الطبع غلاب وصالح فضل يضايجك لفترة من غير ما يراعي إنك مرة أخوه، وهو اللي المفروض يكون حامي لشرفك. إنتِ خابرة إني بعد أبوي ما مات، أنا اللي طلبت من صالح يبيع لي نصيبه في الدار، واشتريته منه بضعف ثمنه عشان يبعد شره عنينا إحنا وولادنا."
تنهدت يُسرية قائلة:
"صالح طول عمره منزوع منه الأخلاق والشرف، بس متزعلشي مني يا صلاح. السبب في ده ضعف شخصية خالتي الله يرحمها. الأم لازم تكون قوية في تربية ولادها وتوجههم للصواب. صالح ورث طباع كتير من جوز خالتي. يمكن جوز خالتي ما كانتش عينيه فارغة عالحريم كيف صالح، بس الاتنين اتشاركوا في طبع جسوة وجبروت القلب. إنت خابر إنه قتل مرته أم زاهر، وكلنا دارينا على جريمته وشاركناه في الوز ده. كان بيصعب عليا زاهر جوي، وخوفت إنه يورث طباعه، وكنت بحاول أبعده عن ولادي. بس في الحقيقة زاهر انظلم كتير. كان أوقات كتير بيصعب علي، وأخده في حضني أحاول أغفر عن الوز اللي ساعدت فيه لما سكتت عن جريمة صالح اللي كان يستحق عليها الإعدام. صالح، الطمع والفجور اتوغلوا وامتزجوا جواه، هما عصبه اللي بيزيده في طغيانه. حتى رغم إنه عمره كبر والمفروض يتوب عن الطباع المنحطة دي، بجد. بس هو ماشي في طريق مزينة له شيطانه. كل يوم برجع وش الفجر بيتمطوح من الهباب والحرام اللي بشربه... أنا كل يوم بحمد ربنا إنه خرج من الدار هنا وبعد عنا بلعنته."
تنهد صلاح بآسى معترفًا:
"أبوي فعلًا هو اللي ساهم في زيادة شر صالح. كان بيتغاضى عن أخطاؤه وبيطمسها. وده اللي حاولت أتجنبه مع ولادنا، رغم إنك إنتِ اللي كنتِ مسؤولة عن تربيتهم معظم الوقت. وهما كمان الحمد لله، الاتنين كان براسهم هدف يوصلوا ليه. فاكرة جواد لما جاله جواب التنسيق بتاع جامعة الطب في القاهرة، وجتها كنت معارض. جولت هيتلم على أخوه جاويد اللي بيدرس في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية وهيبقوا بعيد عن عيني الاتنين. ومصر بحورها غويطة، والتنين مطمع. بس الاتنين ما كانش في دماغهم غير دراستهم وبس. وجاويد كمان كان عنده هدف يوصله، يحول شهرتنا في صناعة الفخار لمصنع كبير. وبدأ فعلًا، أخد قرض من البنك بضمان حتة الأرض بتاعتك اللي ورثتيها عن جوز خالتي، وبدأ بأول مصنع قبل ما يخلص دراسته. كان المصنع صيته كبير واتعامل مع بازارات مشهورة هنا وفي أسوان كمان، وبدأ ينشأ مصنع ورا الثاني بمجهوده. بس فيه حاجة ملاحظها الفترة الأخيرة على جاويد."
شعرت يُسرية بفخر، تذكرت حين طلب منها جاويد أن تعطيه أوراق ملكيتها لقطعة أرض صغيرة كانت تمتلكها. سألته لما عليه أخذ قرض من البنك بضمان أرضها هي، ومن السهل أن يأخذ من إرث أبيه. قال لها: "أنا عندي شك إن أساس الإرث ده حرام، وأنا مش عاوز أبدأ مستقبلي بمال مشكوك في مصدره." وقتها طاوعته مرحبة بطموحه.
تساءلت يُسرية:
"وأيه اللي ملاحظاه على جاويد في الفترة الأخيرة؟"
تنهد صلاح ببسمة:
"بجاله كم يوم كده بيسيب شغله من بعد العصر، معرفش بيروح فين. حتى سألته، جالي أشغال بخلصها."
ردت يُسرية ببساطة:
"طب ما هو جالك أشغال أهو."
ابتسم صلاح قائلاً:
"أشغال إيه دي اللي هيدريها عني؟ كمان كذا مرة موبايله رن قدامي، وكان بيستأذن مني ويبعد عني يرد عليه. ولما يرجع، يحول لي: نتحدث بعدين، لازم أخرج دلوقتي... مش خابر ليه حاسس إن فيه حاجة هو مداريها وهيفاجئنا بيها عن قريب."
تساءلت يُسرية:
"وإنت عندك شك بالحاجة اللي هتظن أنه هيفاجئنا بيها؟"
رد صلاح:
"جاويد هيتجوز."
استغربت يُسرية من ظن صلاح قائلة:
"ودّي فيها إيه يفاجئنا؟ هو شاب ولازم هيتجوز."
رد صلاح يشعر بتوجس قائلاً:
"مش مفاجأة إن جاويد يتجوز. المفاجأة مين اللي هيتجوزها جاويد. عندي يقين إنها مش هتكون 'مِسك'."
ازدرت يُسرية ريقها تشعر بتوجس هي الأخرى قائلة:
"كل شيء نصيب. أنا عرضت عليه مِسك أكتر من مرة، وهو كان بيجول لاه، هي كيف حفصة زي أخته."
شعر صلاح بتوجس قائلاً:
"ما أنا عارف رد جاويد على مِسك. أنا بنفسي لمحته كذا مرة وكان بيتهرب مني. بس صفية أختي، عندي أمل كبير، ولمحت كذا مرة إن مِسك بيجيها عرسان وهي بترفضهم."
ردت يُسرية بحسم:
"أنا كمان حاسة بكده، وعشان كده كنت عاوزة آجل كتب كتاب حفصة شوية. صفية من البداية في دماغها 'البدل'. حفصة لأمجد، ومِسك لجاويد. بس هي بدأت باللي تعرف تسيطر عليه، أمجد وحفصة. عشان إحنا ناخد الخطوة الثانية ونطلب مِسك لـ جاويد. بس النصيب هو اللي هيحكم في النهاية، مش بيدنا شيء."
***
بعد منتصف الليل.
بالمشفى.
خلعت إيلاف معطفها الأبيض وعلقته، وهي تنظر إلى تلك الممرضة قائلة:
"دي أول نوبتجية سهر ليا في المستشفى. حاسة بإرهاق كبير يا وفاء."
ردت وفاء:
"فعلًا الليلة كان الشغل الليلي بالمستشفى كتير، بالذات حالات التسمم اللي جتنا المسا. عيلة بأكملها اتسممت بسبب الأكل الفاسد. بس الحمد لله إنتِ والدكتور جواد قومتوا بالعلاج بسرعة وكلهم بقوا بخير. عالصبح هيخرجوا من المستشفى."
ردت إيلاف بتساؤل:
"مش غريبة شوية إن عيلة كلها تتسمم؟"
ردت وفاء:
"لاه مش غريبة. الست قالت لي إن الأكل كان بايت وهي نسيت تغليه، ولما جه المسا كان فسد. ويمكن كانت سايباه مكشوف وحاجة بخت فيه. ربنا قدر ولطف بيهم."
علقت إيلاف معطفها الأبيض على علاقة خشبية خلف باب الغرفة قائلة:
"فعلًا ربنا لطف بيهم، بس هلكنا معاهم. دلوقتي مش عارفة بقى بصفتك من هنا، هلاقّي مواصلة توصلني لـ بيت المغتربات اللي ساكنة فيه."
ردت وفاء:
"لاه اطمني يا دكتورة، هتلاقي مواصلة. الأقصر زي القاهرة مش بتنام. هنا السياح بيسهروا للصبح. بس الأجرة بقى في الوقت ده سياحية."
قطبت إيلاف حاجبيها باستفسار قائلة:
"قصدك إيه بالأجرة سياحية؟"
ردت وفاء ببسمة:
"قصدي أجرة هتبقي مضاعفة في عشرة، زي السياح. يعني ممكن سواق التاكسي يقول لك: هاتِ ميت جنيه."
استغربت إيلاف قائلة:
"كم! أنا كده مرتبّي مش هيتحمل نوبتجيتين سهر بعد كده. أمال إنتِ بتروحي إزاي؟"
ضحكت وفاء قائلة:
"لاه أنا ساكنة هنا في عمارة قريبة من المستشفى، باخدها مشي."
ابتسمت إيلاف مازحة:
"يبقى أنا كمان بقى آخدها مشي لحد بيت المغتربات، المسافة مش بعيدة، ساعة بس مشي."
ضحكت وفاء قائلة:
"أنا كنت زيكِ كده لما كنت عايشة في دار حماتي. كان مرتبّي كله ضايع على أجرة مواصلات أيام النوبتجيات."
ابتسمت إيلاف متسائلة:
"آه يعني إنتِ بدلتي السكن عشان أجرة المواصلات."
ردت وفاء:
"لاه والله، السبب حماتي ربنا يصبحها بنيتها بقى."
استغربت إيلاف قائلة:
"قصدك إيه بحماتك السبب؟"
ردت وفاء:
"حماتي ربنا يسامحها، ست شديدة قوي. ما كنتش مرتاحة معاها في دار العيلة واتوقفت أنا وجوزي عالطلاق أكتر من مرة. بس أنا معايا ولد وبنت. آخر مرة طردتني من دارها، حلفت إني مش راجعة دارها تاني. بس جوزي صعب عليه العيال يتشردوا لو سمع حديث أمّه وطلقني كيف ما كانت رايدة. وبعت يصلحني. بس أنا اتشترطت عليه لو عاوزني أنا والعيال، يبقى نبعد عنها. إن شاء الله نسكن في عشّة فراخ. وسكنا هنا في عمارة قريبة من المستشفى. هو كمان موظف في شركة الكهربا، ومرتبّه على مرتبّي معيشنا كويس وارتحنا. حتى العيال نفسيتهم ارتاحت. واللي كنت بصرفه على المواصلات، بدفع بيه جزء من إيجار الشقة، وباخد نوبتجيات بالليل كتير عشان بيبقى فيها حوافز أكتر من نوبتجيات النهار."
ابتسمت إيلاف قائلة:
"ربنا يرزقك، ويهدي حماتك."
ردت وفاء:
"آمين، ويسترك يا دكتورة، شكلك بنت حلال."
شعرت إيلاف بغصة لكن رسمت بسمة قائلة:
"بس أنا دلوقتي لازم أشوف تاكسي يوصلني، وأنا أمري لله في المرتب اللي هيطير من قبل ما أقبض أول قبض."
***
بينما في غرفة جاويد.
وضع يديه حول عنقه يقوم ببعض الإيماءات كي يفك ذلك التيبس الذي يشعر به، وتثاءب بإرهاق وهو يخلع معطفه الأبيض. ثم علقه قائلاً:
"خلاص مبقيتش قادر أفتح عينيا أكتر من كده. وبكرة عندي عملية المسا، ولازم أبقى فايق. أروح الدار أمدد جسمي."
علق جاويد معطفه، ثم مد يده على المكتب وأخذ هاتفه ومفاتيح سيارته وخرج من الغرفة.
أثناء سيره في الممر الخارجي للمشفى، تقابل مع إيلاف وتلك الممرضة. ابتسم لهن ونظر لـ إيلاف متسائلاً:
"إنتِ لسه في المستشفى يا دكتورة؟ مع إن ورديتك المفروض خلصت من ساعة ونص."
ردت إيلاف:
"فعلًا ورديتي خلصت، بس واجبي الطبي هو اللي فرض نفسه عليا."
ابتسم جاواد لها. لاحظت الممرضة بسمة جاواد فقالت بخباثة:
"فعلًا الدكتورة تعبت جوي الليلة في النوبتجية، ودلوقتي، هتتعب على ما تلاقي مواصلة توصلها لمكان سكنها. إنت مش معاك عربية يا دكتور؟ ما توصلها في سكتك وينوبك ثواب."
نظرت إيلاف لـ وفاء بذم وكادت ترفض.
لكن سبق حديثها جاواد قائلاً:
"أيوا معايا عربية، ومكان سكن الدكتورة في سكتي وأنا راجع للبيت، ويشرفني أوصلها."
تلعثمت إيلاف قائلة:
"لاء، أنا هاخد تاكسي يوصلني."
ردت وفاء:
"وتاخدي تاكسي ليه والدكتور قال إن سكنك على طريقه؟ وفري أجرة التاكسي لمرة تانية."
كادت إيلاف أن ترفض، لكن تحدثت وفاء:
"أنا كمان هركب مع الدكتور. أنا مش كمان حاسة بإرهاق شديد، مش هقدر أمشي المسافة من المستشفى للعماره اللي ساكنه فيها."
على مضض وافقت إيلاف وذهبت مع وفاء إلى مكان ركن سيارة جاواد.
كادت إيلاف أن تصعد للمقعد الخلفي للسيارة، لكن سبقتها وفاء قائلة:
"لاه خليني أنا أركب في الكرسي اللي ورا عشان معايا شوية مستلزمات للبيت كنت شرياها... هحطها عالكرسي جنبي."
بخجل صعدت إيلاف إلى المقعد المجاور لـ جاواد، الذي قاد السيارة. ظل الصمت قليلاً، إلى أن تجاذبت وفاء الحديث مع إيلاف عن بعض أمور المشفى. كان جاواد صامتاً يستمع لهن فقط، إلى أن طلبت منه وفاء التوقف أمام العمارة التي تقطن بها. ترجلت من السيارة مبتسمة وشكرت جاواد قائلة:
"شكرًا يا دكتور، تصبحوا على خير."
أومأ لها جاواد برأسه صامتاً، بينما ردت إيلاف عليها:
"وإنت من أهل الخير."
عاود جاواد قيادة السيارة. ظل الصمت لدقائق، إلى أن فجأة شعرت إيلاف برجّة قوية وكادت تصدم رأسها بتابلوه السيارة. نظرت لـ جاواد. قبل أن تتحدث، اعتذر جاواد قائلاً:
"آسف، ده مطب عالطريق معرفشي ليه دايمًا بنسى مكانه."
ردت إيلاف وهي تلتقط نفسها قائلة:
"فيه حاجة اسمها بتنسى؟ لازم تنتبه للطريق كويس."
رد جاواد:
"فعلًا، عالعموم متأسف."
ردت إيلاف بحياء:
"لاه محصلش حاجة، بس إبقى انتبه بعد كده إن فيه مطب عالطريق، ولازم تهدي سرعة العربية وإنت معدي من عليه."
ابتسم جاواد يومئ برأسه لها بموافقة. ظل بينهم حديث مقتضب من ناحية إيلاف، بينما جاواد استمتع بالحديث معها، إلى أن توقف بالسيارة إلى أمام دار المغتربات.
وضعت إيلاف يدها فوق مقبض باب السيارة ونظرت لـ جاواد قائلة:
"متشكرة يا دكتور، تصبح على خير."
رد جاواد:
"العفو يا دكتورة، وإنتِ من أهل الخير."
ترجلت إيلاف من السيارة، وتوجهت إلى باب الدار، وقامت بقرع جرس الباب ووقفت قليلاً إلى أن فتحت لها إحدى النساء العاملات بالبيت. لكن لفت بصرها على وقوف سيارة فخمة أمام البيت. لم تسير إلا بعد دخول إيلاف إلى داخل الدار. هزت رأسها لـ جاواد الذي لم يأخذ باله. لاحظت ذلك أيضاً مديرة الدار. كذلك رأت سيارة أخرى سارت خلف سيارة جاواد.
***
اليوم التالي.
صباحًا.
فتحت سلوان عينيها تشعر بأرق بسبب نومها المتقطع بليلة أمس، بسبب هاتف والداها وإخباره لها عن موافقته على طلب إيهاب الزواج منها. هذا مستحيل، لن يتم.
تمطت قائلة:
"متأكدة إن بابا عمره ما هيجبرني على شيء أنا رافضاه. هو بس متعصب مني، بس لما هرجع للقاهرة هعرف أتفاهم معاه. بس دلوقتي لازم أزور قبر ماما قبل ما أرجع للقاهرة تاني. أما أتصل على جلال أسأله عرف مكان البلد دي من صاحبه؟"
فتحت هاتفها، لكن نظرت إلى ساعة الهاتف، الوقت لا يزال باكرًا. للحظة ترددت في الاتصال على جلال، قائلة:
"الوقت لسه بدري أوي، ويمكن زمانه نايم."
زفرت نفسها بأرق، لكن قالت:
"هو سبق قال لي إنه بيصحي بدري، يمكن يكون صاحي. وبصراحة أنا مبقاش عندي صبر. وبابا لو طولت عليه أكتر من كده ممكن الحية دول تملأ دماغه من ناحيتي وتخليه يجبرني أقبل طلب أخوها لإيدي."
بلحظة قررت سلوان مهاتفة جلال.
وقفت تسمع رنين الهاتف.
على الجهة الأخرى، كان جاويد مازال نائماً واستيقظ على رنين هاتفه. رفع رأسه من فوق الوسادة ونظر ناحية الهاتف، وتثاءب وهو يجذب الهاتف. فتح عينيه ينظر لشاشته، ابتسم كما توقع من التي تتصل عليه بهذا الوقت الباكر. المده القصيرة التي عرف بها سلوان، عرف أن بها صفة التسرع. فتح الهاتف وقبل أن يرد، سمع قول سلوان المتلهف:
"صباح الخير."
ابتسم جاويد بخباثة وقام بالرد عن قصد منه:
"صباح النور يا حبيبتي."
استغربت سلوان رد جلال، وبعدت الهاتف عن أذنها ونظرت لشاشته تتأكد من هاتفها. تأكدت أنها هاتفت جلال، وضعت الهاتف مرة أخرى على أذنها، قائلة بنبرة ارتباك:
"جلال، أنا آسفة إن كنت أزعجتك وصحيتك من النوم بدري."
ابتسم جاويد قائلاً بتلاعب:
"لاه، مفيش إزعاج. أنا كنت صاحي. آسف، كنت برد على أختي."
تلعثمت سلوان قائلة:
"لاه، مفيش مشكلة. المهم إنت كنت قولت لي ليك صديق من البلد اللي اسمها الأشرف دي، وصف لك مكانها فين بالظبط؟"
رد جلال:
"أيوا، أنا حتى روحتها قبل كده."
انشرح قلب سلوان قائلة بحياء وترقب:
"طب كويس، ممكن توصف لي مكانها فين؟"
ابتسم جاويد بمكر قائلاً:
"لو وصفت لك مكانها مش هتعرفي توصلي ليها. أنا عندي شوية مشاغل ممكن أخلصها عالظهر ونتقابل أوصلك للبلد دي، بدل ما تتوهي."
ردت سلوان بتسرع:
"لاه بعد الظهر مش هينفع. قول لي إنت مكانها وأنا آخد تاكسي يوصلني."
رد جلال:
"ممكن سواق التاكسي ما يعرفش البلد دي. أنا ممكن أوصلك."
شعرت سلوان بانشراح قائلة:
"طب وشغلك؟ هتتأخر عليه."
رد جلال:
"لاه قدامي وقت نص ساعة وهكون قدام الأوتيل، بس إنتِ بلاش تتأخري."
ابتسمت سلوان قائلة:
"لاه، هتوصل تلاقيني بنظرك قدام باب الأوتيل. سلام عشان معطلكش."
أغلقت سلوان الهاتف تشعر بغصة لا تعلم سببها، أو تعلم السبب لكن لا تريد التفكير. كيف سيكون استقبال جدها لها؟ لم تفكر كثيرًا بهذا. بعد قليل ستعرف ذلك... لكن عاد رنين صوت جلال حين قال "صباح الخير يا حبيبتي". أشعلت الجملة وهج خاص بقلبها. للحظة تمنت أن يقول تلك الجملة لها هي. وضعت يدها على قلبها تشعر بزيادة خفقان، بررته أنه مجرد أمنية لا أكثر.
بينما جاويد أغلق الهاتف ونهض من على الفراش يشعر بشعور خاص ومميز. تمنى فعلًا لو يرى سلوان جواره حين يفتح عينيه صباحًا. وضع الهاتف على طاولة جوار الفراش، وبرأسه اتخذ القرار الذي أصبح يريده قلبه. لا خرافات تلك العرافة.
***
بعد قليل.
بسيارة جاويد.
أخفى جاويد معرفته بأمر سلوان. نظر لها يتساءل:
"إنتِ تعرفي حد من البلد اللي دي؟ قرايب ليكِ راحة تزوريهم."
ارتبكت سلوان قائلة بنفي:
"لاه... دول قرايب صديقة ليا طلبت مني أزورهم."
بعد قليل.
أمام تقاطع طريق ترابي، توقف جاويد بسيارته. لكن بنفس اللحظة صدح رنين هاتفه. رد عليه بتمثيل قائلاً:
"تمام، نص ساعة وأكون عندك."
أغلق جاويد الهاتف ونظر لـ سلوان. قبل أن يتحدث، تحدثت سلوان:
"آسفة إني عطلتك، بس ممكن بس توصلني لأول البلد دي، وأنا هسأل بعد كده على الناس اللي عاوزاهم في قلب البلد، وروح إنت لشغلك."
رد جاويد بمراوغة:
"لاه مش لازم الشغل، لو ما روحتش مش هيجري حاجة. ممكن تتوهي في البلد دي ومين هيوصلك وإنتِ راجعة."
ردت سلوان:
"لاه متخافش، مش هتوه. البلد شكلها صغيرة، ووأنا راجعة ممكن أطلب من أي حد من اللي رايحة أزورهم يوصلني للأوتيل."
حاول جاويد المراوغة، لكن أصرت سلوان على أن يعود لعمله ويتركها هي ستدبر أمرها.
امتثل جاويد لطلبها بتمثيل مُرغماً قائلاً:
"تمام، إحنا وصلنا لأول طريق البلد دي. هخلص شغلي بسرعة وأتصل عليكِ لو ما كنتيش رجعتي للأوتيل، هاجي لك هنا أوصلك للأوتيل."
ردت سلوان:
"تمام، بشكرك."
ابتسم جاويد قائلاً:
"على إيه؟ كفاية إني مش هوصلك لقرايب صديقتك."
ردت سلوان:
"لاه كفاية، وصلتني لحد هنا. يلا بلاش تعطل نفسك أكتر."
ابتسم جاويد لها. ترجلت سلوان من السيارة. وقفت إلى أن غادر جاويد. توجهت إلى الطريق الذي أشار لها عليه جاويد بأن آخر هذا الطريق الترابي بداية البلدة. وقفت قليلاً سلوان تنظر أمامها للحظة، تراجعت وكادت تعود. لكن سمعت امرأة تصعد بعض السلالم الجيرية التي تنحدر إلى ذلك المجرى المائي المجاور للطريق، تقول لها:
"خدي بيدي يا بتي."
وقفت سلوان للحظات تنظر لها برهبة وتردد، لكن عاودت المرأة نفس القول برجاء أكثر، مما جعل سلوان تقترب منها وأمسكت إحدى يديها، تساعدها على صعود بقية السلالم. إلى أن وصلت لنهاية السلم. وقفت المرأة تلتقط نفسها، قائلة بلهجة صعيدية، لكن فهمت سلوان من قولها:
"قدركِ على بُعد خطوة واحدة رجلكِ تخطيها. بعدها كل خطوة هتمشيها عالأرض هنا بتقرب بينك وبين ولد الأشرف. المستقبل مش هعيد الماضي، الحاضر العشق زاد وزواد القلوب. القدر بيشد صاحبه على أول طريق النصيب."
رواية شد عصب الفصل الثامن 8 - بقلم سعاد محمد سلامة
بمكان واسع قريب من طريق البلدة توقف جاويد بسيارته وترجل منها سريعًا يقترب من تلك السيارة الأخرى التي ترجل سائقها منها قائلًا:
المفاتيح في الكونتاك.
نظر جاويد له قائلًا:
تمام خد إنت العربية التانية وإرجع بيها للمصنع.
صعد جاويد للسيارة الأخرى وقادها سريعًا عائدًا باتجاه طريق البلدة عيناه على جانبي الطريق تنهد براحة حين رأى سلوان من ظهرها لكن استغرب حين رآها تمشي بجوار امرأة تتكئ عليها رغم أن لديه فضول معرفة من تلك المرأة لكن حافظ على مسافة بعيدة قليلًا عنهن.
بينما سلوان توقفت للحظة بسبب حديث تلك المرأة ونظرت لها باستغراب قائلة باستفسار:
حضرتك تقصدي إيه مش فاهمة معنى كلامك، ومين ولد الأشرف ده؟
تنهدت المرأة قائلة:
لكل سؤال أو فعل رد والزمن كفيل بالرد المناسب. كل سؤال له جواب سيظهر مع الوقت، بلاش تتسرعي دلوقتي.
لا تعلم سلوان سبب لمساعدتها لتلك المرأة لكن بقشعريرة تعلم سببها هي. تلك المرأة التي يظهر فقط عيناها من أسفل ذلك الوشاح الأبيض الملفوف حول رأسها ويخفي أكثر من نصف وجهها. عيناها سوداء بكحل فرعوني. حدثها عقلها أن تبتعد عن تلك المرأة بالفعل. حاولت سحب يدها من أسفل يد تلك المرأة لكن المرأة تمسكت بيدها قائلة:
خلاص وصلت يا بتِ وصلني بس لحد المصطبة اللي هناك ويبقى كتر خيرك.
نظرت سلوان إلى المكان التي أشارت عليه تلك المرأة شعرت بثقل ورهبة تضربان قلبها حين رأت تلك المصطبة التي خلفها مباشرةً المقابر. للحظة ارتعبت وارتعش جسدها. لاحظت المرأة ذلك فقالت لها:
هنا لنا أحبة سكنوا الديار قبلنا بس سكن في قلوبنا لوعة وأنين مكانهم.
تدمعت عين سلوان وشعرت بوخزات قوية في قلبها وهي تساعد تلك المرأة تجلس على تلك المصطبة.
لكن تحدثت لها المرأة:
تسلمي يا بتِ، افتكري كلامي زين "النصيب بيتعقب صاحبه مهما حاول أنه يهرب منه، المكتوب ما فيش منه مهرب".
ما زال حديث تلك المرأة يثير استغراب سلوان حتى شعرت للحظة أن عقلها جن. كيف تصغي لحديث كهذا؟ لكن حدثها عقلها أن تلك المرأة "عجوز خَرِفة" تهذي. شعرت المرأة أن سلوان تظنها تهذي، ابتسمت قائلة:
في دكان عمك "رضوان" هناك اسأله وهو هيدلك على المكان اللي بتريديه.. يا "خد الجميل".
للحظة سهمت سلوان صامتة بدهشة. من هذا الوصف؟ والدتها كانت تناديها به أحيانًا. نظرت لها رأتها تبتسم. لكن للحظة انشغل عقل سلوان بحديث المرأة كأنها تسحرها. كانت ستسألها كيف علمت ذلك الوصف لكن المرأة نظرت نحو سيارة جاويد التي تقترب منهن. ابتسمت:
القدر بيتبع صاحبه كيف ظله، روحي يا بتِ الخير اللي عملتيه في يوم هيترد لك.
رغم استغراب سلوان من أقوال تلك المرأة لكن بداخلها شعرت بتوجس ورهبة منها تزداد وفضلت أن تبتعد عنها حتى لا تُغفلها وتُصدق تخريفها.
تركت سلوان المرأة وسارت قليلًا. ما زال يشغل عقلها أقوال تلك العجوز. للحظة توقفت عن السير ونظرت خلفها مكان جلوس تلك المرأة، لكن تحولت نظرتها إلى ذهول وهي تبحث بعينيها عن تلك المرأة التي اختفت دون أثر. تلفتت عيناها بكل اتجاه تبحث عن أثرها لكن كأنها تبخرت ليس لها أثر. شعرت برهبة قوية، وتيبس جسدها حتى أنها لم تشعر بذلك الشخص الذي يقترب من مكان وقوفها إلا حين تحدث:
واقفة في وسط الطريق كده ليه، ومش واخده بالك إن في عربية جاية عليكي وإنتِ واقفة، شكلك مش من هنا من البلد.
انخضت سلوان ونظرت خلفها بشهقة. نظر لها الرجل قائلًا:
تبارك الله إنتِ حلوة قوي، واقفة كده ليه في نص الطريق.
ازدرت سلوان ريقها تشير بيدها نحو المصطبة قائلة:
كان فيه ست قاعدة هناك على المصطبة فجأة اختفت.
نظر الرجل نحو المصطبة قائلًا:
أنا دكاني قريب من المصطبة وما شفتش حد كان قاعد هناك، قولي لي إنتِ شكلك غريبة يمكن تايهة.
ذُهل عقل سلوان التي ما زالت غير مستوعبة، لكن أجابت:
أنا فعلًا مش من البلد، ومش عارفة أنا تايهة ولا لأ، أنا عايزة أعرف فين بيت الحاج "مؤنس القدوسي".
نظر لها الرجل بتمعن لكن قبل أن يتحدث أتت عليهم امرأة تبدو في منتصف الأربعين قائلة:
في إيه يا "رضوان" واقف مع الصبية الحلوة في وسط الطريق كده ليه، أوعى يا راجل تكون عينك زاغت وناوي تتجوز عليا... بس لو هتتجوز الصبية الحلوة دي أنا ما عنديش مانع.
ابتسمت سلوان قائلة:
لأ يا مدام أنا كنت بسأل على بيت الحاج مؤنس القدوسي.
نظرت لها المرأة باسمة تقول بفضول:
حلوة منك كلمة مدام دي، بس إنتِ عايزة بيت الحاج مؤنس ليه، هتشتري منه قُلل وأباريق، لاه إنتِ شكلك "بندريّة" أكيد بتشربي ميه معدنية في إزايز نضيفة.
ابتسمت سلوان لها قائلة:
لأ محتاجاه في أمر خاص، واضح من كلام حضرتك إنك تعرفيه ممكن تدليني على بيته لو سمحتِ.
نظرت المرأة لـ رضوان قائلة:
حلاوة وذوق يا رضوان يا خسارة لو كان حدايا ولد ما كنتش طلّعتك من البلد، ما تتجوزها يا رضوان شكلها عسولة ورقيقة كده.
ابتسم رضوان قائلًا:
لاه عندي ليها عريس مناسب بس مش يمكن هي متجوزة يا "محاسن".
جذبت محاسن يد سلوان تنظر لهن بتمعن ثم قالت:
لاه الصبية مش متجوزة ما فيش في إيدها اليمين ولا الشمال دبلة، بس قولي مين العريس اللي في بالك.
رد رضوان:
والله الصبية الزينة دي ما يليق بيها غير "جاويد الأشرف".
تمتمت محاسن على قول رضوان. بينما ضحكت سلوان التي شبه تناست أمر تلك المرأة الغريبة بسبب حديث هذان الزوجان بمزح معها، وقالت بمراوغة:
هو طالما ما فيش في إيديا دبلة يبقى مش متجوزة عادي جدًا.
للحظة تحير الزوجان وهما ينظران لبعض، وبخت محاسن رضوان:
مش تركز يا رضوان هي الرجالة كانت عميت عن الصبية الزينة دي، أكيد متجوزة، يا خسارة.
ابتسمت سلوان قائلة:
لا خسارة ولا مكسب ممكن تدلوني على بيت الحاج مؤنس ويبقى كتر خيركم وعملتوا فيا ثواب أكتر من إنكم تجيبولي عريس.
ردت محاسن:
والله خسارة ما كان يليق بيكِ غير جاويد الأشرف، بس النصيب عاد، تعالي معايا أوصلك لدار الحاج مؤنس.
ابتسمت سلوان قائلة:
يمكن نصيبه في بنت أحلى مني... ومتشكرة لخدمتك مقدمًا.
سارت كل من سلوان ومحاسن التي كانت تسأل سلوان بفضول منها بينما سلوان كانت ترد عليها باقتضاب واختصار إلى أن وصلتا إلى أمام منزل مؤنس. تحدثت محاسن:
دار الحاج مؤنس أهي.
بحثت سلوان عن جرس المنزل حول إطار الباب، لكن لم تجده. نظرت لها محاسن قائلة:
بتدوري على إيه يا زينة الصبايا؟
ردت سلوان:
فين جرس الباب؟
دفعت محاسن باب المنزل الحديدي الكبير قائلة:
جرس الباب جوه، ادخلي.
تعجبت سلوان لكن سبقت محاسن بالدخول. لكن توقفت للحظة وضعت يدها على قلبها تشعر بوخز قوي بقلبها تذكرت أن والدتها يومًا ما كانت تعيش هنا. لاحظت محاسن وقوف سلوان اقتربت منها قائلة:
وقفتي ليه... ومال وشك اتخطف كده ليه ما تخلعي النضارة اللي واكلة نص وشك الصبوح ده.
نفضت سلوان ذلك الشعور عنها وابتسمت قائلة:
مفيش، بس يمكن عشان أول مرة أدخل بيت قبل ما صحابه هما اللي يفتحولي الباب... والنضارة عشان الشمس والتراب بيتعبوا عينيّ.
ردت محاسن:
سلامة عيونك أكيد حلوة ويتخاف عليها من الشمس والتراب، تعالي بلاش توقفي كده.
سارت سلوان خلف محاسن نحو باب المنزل الداخلي، كل خطوة تشعر كأن عصبها يتقلص ويمتزج بأوردتها يسيل. وضعت محاسن يدها على جرس المنزل لكن قبل أن تدق عليه فُتح باب المنزل وخرجت مِسك.
تجنبت محاسن منها إلى الجانب الآخر مقابل سلوان. اقتربت مِسك من محاسن ورسمت بسمة باهتة قائلة بترحيب فاتر:
خالتي محاسن إزيك، منورة الدار.
ردت محاسن بفتور أيضًا:
الدار منورة بأصحابها، فيه ضيفة غريبة عن البلد كانت بتسأل على دار الحاج مؤنس.
بنفس اللحظة نظرت مِسك لجهة سلوان تعجبت كثيرًا وتمعنت بالنظر لها. هي نفس الفتاة التي صادفتها قبل أيام أمام محل الثياب. لم تكن خيال كما ظنت بعد ذلك. شعرت ببغض ناحيتها لا تعرف سببه. بنفس اللحظة أتت خلف مِسك صفية تنادي عليها حتى كادت تخرج من باب المنزل لكن توقفت عن الحديث حين رأت مِسك تقف مع محاسن وفتاة أخرى تبعد وشاح رأسها عن وجهها، ثم خلعت نظارتها الشمسية ونظرت لها ثم لـ مِسك التي رن اسمها بأذنيها برنين خاص.
ذُهلت صفيه حين وقع بصرها على وجه سلوان وهمست:
بنت مِسك!
لكن ادعت عدم معرفتها ونظرت بترقب لـ محاسن قائلة:
نورتي داري يا محاسن.
ردت محاسن:
بنورك يا صفية الحلوة دي بتسأل على عم الحاج مؤنس.
ردت صفية:
الحاج مؤنس مش هنا، راح هو ومحمود أسوان هيشتروا طمي من هناك، ومش هيرجعوا غير عشية.
تسرعت سلوان بالسؤال قائلة:
يعني إيه مش هيرجعوا غير عشية، بكرة يعني.
ردت محاسن:
عشية يعني بعد أذان العشاء.
كذلك ردت صفية سريعًا:
ويمكن يباتوا هناك.
سأم وجه سلوان قائلة:
طب لو رجعوا بكرة هيرجعوا أمتى كنت محتاجة الحاج مؤنس في أمر ضروري.
ردت صفية:
والله ما أعرف وقت رجوعهم، ممكن يرجعوا الصبح أو المسا.
انسرعت سلوان قائلة:
بكرة المسا!
ردت مِسك:
أيوه لو محتاجة حاجة ضروري ممكن تقولي لينا عليها.
نظرت لهن سلوان لم تشعر اتجاههن براحة ووضعت النظارة على عينيها قائلة:
لأ مش هينفع أنا كنت محتاجة الحاج مؤنس في أمر خاص، على العموم ممكن تديني رقم موبايل الحاج مؤنس وأنا هبقى أتصل عليه وآخد منه معاد يكون موجود فيه.
قبل أن ترد إحداهن ردت محاسن:
نمرة موبايل الحاج مؤنس مع رضوان يا ريت كنا اتصلنا بيه قبل ما نيجي لهنا كنا وفرنا المسافة اللي مشيناها لهنا.
نظرت صفية لـ محاسن بعتاب فاتر:
كده لأ عيب عليكِ يا محاسن الأبله تقول علينا إيه مبنرحبش بالضيوف، أهو حديثك ده نسينا نسأل الأبله هي مين أو حتى اسمها إيه؟
ارتبكت سلوان قائلة:
اسمي سلوان، على العموم متشكرة لحضرتك أنا هاخد نمرة موبايل الحاج مؤنس هتصل عليه وأشوف معاد مناسب يكون موجود فيه، عن إذنكم.
استدارت سلوان نحو باب المنزل الخارجي وخلفها محاسن.
بينما نظرت مِسك لخروجهن من باب المنزل ثم نظرت لـ صفيه قائلة:
ماما دي شبه...
قبل أن تكمل مِسك حديثها أومأت صفية رأسها قائلة:
عمتك مِسك... سلوان بنتها، أنا فاكرة اسمها سمعته من هاشم يوم جنازة عمتك... الاسم لسه بيطن في وداني.
اندهلت مِسك قائلة:
طب ودي إيه اللي جابها هنا مع إن علاقتنا بيها مقطوعة تمامًا... تفتكري جاية وعايزة جدي في إيه؟
ردت صفية:
أكيد جاية طمع أكيد أبوها اللي كان حتة مهندس في شركة التليفونات يا دوب مرتبه بيكفيهم بالعافية ويمكن اتجوز بعد عمتك ومعاه عيال تانية وهي لعبت في دماغها وقالت أروح أضحك على جدي وأستعطفه يمكن تطلع منه بورث، بس ده مش هيحصل أصلًا.
تهكمت مِسك:
ورث إيه اللي جاية عشانه مش شايفة منظر لبسها، دي هدوم ماركات غالية حتى نظارة الشمس بتاعتها ماركة عالمية حتى البرفان بتاعها نفس ماركة أصلية، أنا وحفصة طلبنا من النت زيه، أعتقد فيه سبب تاني.
نظرت صفية لـ مِسك بحيرة قائلة:
ويا ترى إيه هو السبب التاني ده، اللي يخليها تقطع المسافة دي كلها من القاهرة لـ الأقصر.
ردت مِسك بتكهن:
أولًا المسافة من القاهرة لـ الأقصر مش بعيدة زي حضرتك ما متخيلة دي ساعة زمن بالطيارة، ثانيًا يمكن هتتجوز مثلًا وحبت جدي يحضر فرحها مهما كان هو والد مامتها.
ردت صفية:
تتجوز؟ بس دي إيديها الاتنين خاليين، ومنين جايلك إن غني النفس باللبس الغالي ولا الرفانات والنظارات الماركات، مش يمكن منظر أو خدعة عشان ما نفكرش إنها جاية طمعانة.
استوعبت مِسك رأي صفية وقالت:
ممكن عالعموم أنا لازم أمشي دلوقتي عندي حصة في المدرسة وأما أرجع نبقى نتحدث في موضوع البلوة بت عمتي اللي ظهرت دلوقتي ليه؟
ابتسمت صفية قائلة:
بالسلامة إنتِ والبلوة دي ربنا يسلم من شرها وشر طمع النفوس في اللي في إيد غيرها.
سارت سلوان مع محاسن إلى أن عدن إلى محل رضوان ودخلن إليه.
نهض رضوان قائلًا:
زين إنك ما اتأخرتيش كيف عادتك يا محاسن، لسه التاجر اللي هنشتري منه العدس قافل معاه الموبايل، وجولت لها ساعة وأكون عندك آخد البضاعة.
نظرت محاسن بشرز مرح لـ رضوان قائلة:
قصدك إيه يا راجل إني بتعوق في السكك.
ضحك رضوان قائلًا:
لاه، بس أنا عارفاك من ناحية صفية ما بترتاحيش لحديتها وأوقات بتشدي قصادها.
ردت محاسن:
لاه ما تخافيش، أنا روحت مع الصبية الحلوة باسم حلو زيها "سلوان" ما لقيناش الحاج مؤنس في الدار حتى المخفية صفية كلمتنا من عالباب ما قالت لنا اتفضلوا.
تذكر رضوان قائلًا:
آه فاتت علي دي أنا كنت شايف الحاج مؤنس ومحمود راكبين العربية، ونسيت حتى الحاج مؤنس شاور لي بيده.
نظرت محاسن لـ رضوان قائلة:
يا ريتك كنت افتكرت قبل ما نروح الدار كنت وفرت علينا شوفة وش صفية الـ "اِتِم" وكانت سلوان خدت منك نمرة موبايل الحاج مؤنس.
نظر رضوان لـ سلوان قائلًا:
اسمك حلو ولايق عليكِ يا زينة الصبايا.
تبسمت له صابرين بخجل، بينما قالت محاسن:
واه بتعاكس الصبية قدامي يا رضوان.
ابتسم رضوان قائلًا:
بعاكس مين يا ست الستات دي لو كنت خلفت كان زمان عندي عيال في عمرها.
ابتسمت محاسن وشعرت بشجن في قلبها قائلة:
طب طلع موبايلك وإدي لـ سلوان نمرة الحاج مؤنس.
أخرج رضوان هاتفه وقام بتملية سلوان رقم هاتف مؤنس دونته على هاتفها.
أغلق رضوان هاتفه قائلًا:
همشي أنا بقى عشان ما اتأخرش عالتاجر.
ردت سلوان:
أنا كمان أستأذن بس كنت عايزة أسأل على موقف الباص هنا عشان أرجع للاوتيل في الأقصر.
باص! هكذا قالت محاسن بتعجب قائلة:
موقف الباص اللي هو نفسه موقف الميكروباص، بس موقف الميكروباص عالطريق الناحية التانية للبلد.
استغربت سلوان قائلة:
هو في طريق تاني للبلد.
ردت محاسن:
أمال إنتِ جاية في إيه.
ردت سلوان:
شخص أعرفه وصلني لحد بداية طريق الترعة اللي هناك دي وقالي إن الطريق ده هيوصلني للبلد.
مصمصة محاسن شفاها قائلة:
والصديق ده لما هو يعرف البلد ليه ما وصلكيش لحد دار الحاج مؤنس؟
ردت سلوان:
هو مش من هنا وما يعرفش أهل البلد وعنده أشغال وأنا قلت له أني هعرف أدبر نفسي، على العموم متشكرة ليكم ممكن بس حد يوصلني للموقف.
نظرت محاسن لـ رضوان وإيماءت له برأسها مبتسمة كذالك هو ابتسم يومئ رأسه بتوافق.
استغربت سلوان فعلتهم لكن اندهشت حين قالت محاسن:
عمك رضوان نازل "بعربية نقل صغيرة" الأقصر بدل ما تتبهدلي أو تتوهي في المواصلات هو يوصلك لأقرب مكان من الأوتيل اللي بتقولي عليه ده.
كادت سلوان ترفض هي لا تثق بأحد بسهولة، لكن أصرت محاسن عليها قائلة:
متخافيش عمك رضوان طيب وعينه مش فارغة.
توترت سلوان قائلة:
أنا مش قصدي حاجة بس مش عايزة أعطله عن مقابلة التاجر مش أكتر.
ابتسم رضوان قائلًا:
لاه متخافيش مفيش عطله، العطله إنك تفضلي واقفة كده كتير.
على مضض وحذر وافقت سلوان وذهبت مع رضوان بسيارة البضاعة الخاصة به.
بينما جاويد الذي يتتبع سلوان عيناه لم تغفل عنها سوى دقائق، وهي بمنزل القدوسي لديه فضول يعلم لما لم تبقى به سلوان سوى دقائق قليلة. كذلك رأى تلك المرأة التي كانت تسندها سلوان هي نفس المرأة التي ظهرت له بالمعبد سابقًا وتحدث معها رغم أنه لا يصدق بتلك الخرافات، لكن إذا كانت الخرافات هي من ستقرب بينه وبين سلوان على استعداد لصنعها.
ظهرًا بمنزل صالح استيقظ من ثباته على صوت رنين هاتفه، استيقظ بتذمر مد يده يجذب الهاتف من طاولة جوار الفراش، وضعه على أذنه وهو ما زال يشعر بالنُعاس لكن نهض منشرحًا حين سمع تلك الضحكة الرقيقة وذلك الحديث البذيء الذي يهواه قائلًا:
حلاوتهم من زمان ما سمعتش صوتك يا بت.
ردت عليه بضحكة رقيقة:
واه وحشتني يا شيخ الشباب وجيتلك مخصوص من مصر لهنا في الأقصر، مهرجان شعبي وجاية أرقص فيه وقولت مينفعش أبقى في الأقصر وما أقابلش وأملى عيني شيخ الشباب صالح الأشرف.
شعر صالح بنشوة كاذبة من مدح تلك الراقصة به ونعتها له بـ شيخ الشباب الذي ما زال يود التمتع به رغم أن ذلك أصبح أيضًا يحتاج لطاقات لم يعد قادر عليها، لكن هناك متعة أخرى وهي النظر قادر بها يخترق مفاتن النساء.
سألها:
ويا ترى بقى مهرجان الرقص ده كام يوم؟
ردت حلاوتهم:
تلات أيام ونازلة هنا في فندق كبير هستناك تعدي عليا فقرة الرقص بتاعتي هتبدأ الساعة عشرة.
رد صالح:
يبقى نتقابل الساعة تمانية قبل ما تنزلي من الأوتيل.
ردت حلاوتهم بضحكة مُجلجلة:
بس ده أوتيل محترم، على العموم شيخ الشباب هيجي ومعاه هدية قد شوقه.
ابتسمت عيناه تلمع ببريق الشغف والشهوة، ونهض من على الفراش يشعر أنه مثل شاب في ريعانه.
بالمشفى بغرفة كبيرة جلس جواد على رأس تلك الطاولة نظر إلى الأطباء الجالسين وظل صامتًا للحظات طويلة مما أثار دهشة الأطباء الذي تحدث أحدهم قائلًا:
أعتقد إنت مش طالبنا كلنا على الموبايلات عشان تقعدنا قدامك كده زي التلاميذ، وبعدين كلنا عندنا مرضى أولى بالوقت، الثانية بتفرق معاهم.
تنهد جواد قائلًا:
فعلاً فيه مرضى اللحظة بتفرق معاهم وده اللي طلبتكم على الموبايلات بسببه، بس قبل ما أقول الكلمتين اللي عندي حابب أعرفكم مضمون الورقة دي، ياريت يا دكتور "ناصف" تقرأ فحوى الأمر ده.
قرأ ناصف فحوى الورقة إلى أن قال:
تم تعيين الدكتور "جواد صلاح الأشرف" مديرًا عامًا للمشفى.
انصدم ناصف ونظر لأحد الأطباء بالغرفة ثم رسم بسمة كاذبة قائلًا بنفاق:
مبروك يا دكتور جواد أنت أكتر واحد تستحق تبقى مدير للمشفى رغم إن سنك صغير إنك تكون مدير بس الكفاءة هي اللي تستحق تاخد المناصب العليا وأنت كفء لها.
تهكم جواد ساخرًا لنفسه، لكن ابتسم حين قالت إيلاف بود:
مبروك يا دكتور.
كانت نظرة عينيه لها بها شيء خاص ومميز لفت نظر ناصف له وابتسم بظفر، بينما تحدث جواد قائلًا بتوضيح:
متشكر على التهاني والمباركات اللطيفة منكم نجي بقى للجد أنا أصدرت قرار أي دكتور مش هيبقى موجود في فترة الورديّة بتاعته في المستشفى هياخد لفت نظر مرة واحدة وبعدها هرفع تقرير فيه للوزارة إنه غير ملتزم بمواعيد عمله كمهني.
تهامس الأطباء بين بعضهم بغضب وتحدث أحدهم بتعسف:
بس إحنا أطباء مش موظفين حكومة.
رد جواد:
فعلاً أطباء بس في وقت مواعيد عملكم بالمستشفى أنتم موظفين ولازم تلتزموا بالقوانين وأول قانون هو الحضور الفعلي في المستشفى مش خمس دقايق وبعدها تمشوا على عيادتكم الخاصة... ما أعتقدش لو قضيتوا بس ساعتين تلاتة في المستشفى تكشفوا على ناس ما تقدرش تدفع الفيزيتا بتاعت العيادة الخاصة هتأثر معاكم أعتبروها زكاة عن علمكم وكمان هتلاقوا فيها منفعة أكبر هتصطادوا زباين لعيادتكم، زي ما بيحصل وبعض الممرضات بتعمل لكم دعاية بين المرضى.
كاد أحد الأطباء أن يتعصب لكن ناصف تحدث بكُهن:
فعلاً كلام الدكتور جواد صحيح يا سادة إحنا الطب رسالة قبل أي شيء، أنا مقتنع بحديث الدكتور جواد وعن نفسي بعد كده هلتزم بمواعيد نبطشياتي.
نظر له طبيب آخر ووافق على مضض منه. لاحظ جواد نظرات الاثنين لبعض، فهو ليس مغفل لكن افتعل تصديقهم لامتثالهم لأمره ببساطة.
بعد قليل انتهى الاجتماع وخرج معظم الأطباء من الغرفة إلا إيلاف التي اقتربت من جواد تبتسم قائلة:
ألف مبروك الترقية يا دكتور بتمنى لك التوفيق في مهمتك الشاقة.
ابتسم لها جواد قائلًا:
فعلاً مهمة شاقة جدًا بس متأكد إن فيه أطباء لسه عندهم مبدأ الطب رسالة قبل تجارة والدليل إنتِ أهو قدامي.
ابتسمت إيلاف قائلة:
أنا لسه دكتورة مبتدئة مش يمكن مع الوقت أتحول وأبقى من الدكاترة اللي واخدين الطب تجارة.
ابتسم جواد قائلًا:
ما أعتقدش يا دكتورة، المثل بيقول الكتاب بيبان من عنوانه.
ابتسمت إيلاف وقبل أن ترد عاد ناصف للغرفة ورأى تلك النظرات من جواد لـ إيلاف لكن ذم تسرعه حين تحدث ليته كان ظل صامتًا قليلًا وما قطع وصلة حديثهم، قائلًا:
متآسف موبايلي نسيته على الطاولة.
استأذنت إيلاف وخرجت من الغرفة لكن عين جواظ كانت تتبعها ببسمة خاصة لاحظها ناصف الذي وجد نقطة ضعف يستطيع استغلالها لمصلحته.
بأحد المطاعم على ربوة عالية بالأقصر جذب جاويد المقعد للخلف كي تجلس سلوان، التي ابتسمت له وهو يقول بخبث:
ها مقولتليش إزاي رجعتي للأوتيل أنا كنت خلصت شغلي بسرعة وكنت هتصل عليكِ عشان أرجعك للأوتيل.
زفرت سلوان نفسها قائلة:
أنا أساسًا ما غبتش في البلد دي، وربنا وعدني باتنين ولاد حلال، بس فيه ست غريبة قابلتها وقعدت تقولي كلام مش مفهوم، أكيد ممكن تكون بتخرف.
تكهن جاويد متسائلًا:
وقالتلك إيه الست دي؟
ردت سلوان:
كلام ما فهمتوش أساسًا كانت بتتكلم بلهجة صعيدي قديمة وشكلها بتخرف.
كاد جاويد أن يسأل لكن صدح رنين هاتف سلوان. أخرجت سلوان الهاتف من حقيبة يدها ونظرت للشاشة ثم لـ جاويد ونهضت قائلة:
عن إذنك هبعد عن الدوشة هنا عشان أعرف أرد على بابا.
أومأ لها جاويد رأسه مبتسمًا. ابتعدت سلوان قليلًا وقامت بالرد على والدها الذي اندفع بالحديث متعسفًا:
سلوان ليه ما رجعتيش للقاهرة زي ما طلبت منك لو فضلتِ أكتر من كده أنا هاجي بنفسي ومعايا إيهاب وأتمم خطوبتكم.
زفرت سلوان نفسها قائلة:
بابا أنا مستحيل أوافق على إني أتخطب لـ إيهاب أنا مش برتاح له ولا عشان هو أخو طنط دولت، وقولت لحضرتك تمام خلاص حجزت تذكرة القطر وهرجع للقاهرة بعد بكرة.
رد هاشم:
وليه ما ترجعيش بكرة طيران أنا هبعتلك تذكرة طيران.
ردت سلوان:
مش هينفع أرجع طيران لأن الباسبور بتاعي مش معايا، وأنا حابة أرجع في القطر زي ما جيت بالقطر ومش هيفرق رجوعي يوم زيادة، بس أرجوك بلاش تضغط عليا بمسألة إيهاب حضراتكم عارفين إني مستحيل أوافق على واحد معندوش أخلاق مش عشان حضرتك بقيت جوز أخته يبقى تتغاضى عن شخصيته السيئة.
رد هاشم:
تمام ارجعي للقاهرة ووقتها هقرر أوافق أو أتراجع، بس قدامك بس بكرة لو ما كنتيش في القاهرة بعد بكرة أنا وقتها مش هستنى رأيك وهوافق على جوازك من إيهاب وفورًا حتى لو اتكفلت بالجوازة كلها.
تنهدت سلوان بسأم قائلة:
تمام يا بابا أطمن هرجع للقاهرة بعد بكرة سلام.
أغلقت سلوان الهاتف تشعر برغبة في البكاء لا تعلم سببها. نظرت أمامها لتلك الأضواء بالمكان والبيوت القريبة منه تشعر بشعور خاص في قلبها ما زالت تود البقاء هنا لفترة أكبر لكن تعسف والدها هو ما يضغط عليها بالعودة. كذالك هناك سبب آخر المال الذي كان معها بدأ ينضب وقرار العودة أصبح إجباري.
استنشقت سلوان نفسًا حاولت إبقاءه وقت أطول بصدرها، لكن شعرت بيد توضع على كتفها من الخلف وصوت جلال يقول:
سلوان.
استدارت سلوان له مبتسمة، كذالك هو ابتسم لها قائلًا:
مالك حاسس إنك مضايقة من الصبح وقت ما وصلتك للبلد دي، متآسف مكنش لازم أسيبك لوحدك.
ابتسمت سلوان قائلة:
لأ مش ده السبب، ممكن نتمشى شوية.
ابتسم جلال وأشار لها بيده لتسير أمامه. سار الاثنين معًا ساد الصمت إلى أن تسأل جاويد:
مين الناس اللي كنتِ رايحة البلد دي علشانهم؟
ردت سلوان بتفكير:
أهل مامتي.
ادعى جاويد الدهشة قائلًا:
مامتك من هنا من الأقصر.
ردت سلوان:
أيوا، ماما من هنا من قرية الأشراف بابا هو اللي من القاهرة، قابلها هنا من تلاتين سنة هو كان بيشتغل مهندس في شركة تليفونات واتقابلوا وحبوا بعض واتجوزوا، وبعدها انقطعت علاقة ماما بأهلها يمكن ما يعرفوش حتى إن ليها بنت.
ما زال جاويد يدعي الدهشة قائلًا:
إنتِ جاية عشان تعرفيهم إنك بنت بنتهم.
ردت سلوان:
لأ أنا جايه أزور قبر ماما، ماما مدفونة هنا في البلد وما فيش حد يعرف يوصلني لقبرها غير جدي "مؤنس القدوسي" وأنا ما أعرفش هيكون رد فعله إيه لما أقابله. معايا رقم موبايله بس جوايا هاجس بيقول لي بلاش تكلميه يمكن ما يكونش عايز يشوفك أو يعرفك، بدليل السنين اللي فاتت ما سألش عليا مرة واحدة... وكمان بابا طلب مني أرجع للقاهرة وخلاص حجزت تذكرة في القطر بعد بكرة، يعني بكرة آخر يوم ليا هنا بالأقصر، ولسه ما زرتش قبر ماما، وما أعرفش ليه كنت بأجل الزيارة دي، بس خلاص لازم أزور قبرها قبل ما أرجع للقاهرة، وما أعرفش هرجع هنا الأقصر تاني أو لأ.
غص قلب جاويد بسبب تلك الدموع التي تتلألأ بعيني سلوان ود أن يجذبها لحضنه بتلك اللحظة لكن هناك ما يمنعه. لكن اتخذ قرار سلوان ستبقى هنا بالأقصر مهما كلفه الأمر.
بالفندق بانشراح كان صالح يسير بزهو مثل شاب بالعشرينيات رغم عمره الذي اقترب من السبعين.
لكن فجأة توقف مكانه حين وقع بصره على تلك الفتاة القادمة بالمقابل له. ظل ينظر لاقترابها منه يتمعن بها يغمض عينيه ويفتحها عله يحلم أو يتوهم، لكن هي حقيقة كأنها نسخة أخرى باختلافات بسيطة حتى نفس طريقة المشي بشموخ وتعالي هي نفسها صورة أخرى من الماضي.
رواية شد عصب الفصل التاسع 9 - بقلم سعاد محمد سلامة
دخلت إيلاف إلى المكتب وهي تشعر ببعض من الخزي.
نظرت إلى جواد قائلة باعتذار:
"أنا متأسفة يا دكتور جواد، ما كنت أعرف أساس اللي حصل واتسرعت."
رفع جواد يده من فوق جبهته ونظر لها.
قبل أن يتحدث، دخلت العاملة ووضعت صينية صغيرة عليها كوب قهوة وآخر مياه.
للحظة، ارتجفت يد العاملة وهي تضع الصينية على المكتب وكادت تقع من يدها، لكن جواد تمسك بها.
نظرت العاملة إلى جواد قائلة بلهجة مرتجفة:
"آسفة يا دكتور."
أومأ جواد برأسه أن لا شيء.
انصرفت العاملة وأغلقت باب الغرفة خلفها.
للحظة، تعجبت إيلاف من إغلاق العاملة لباب الغرفة، لكن لم تهتم، فهي لن تبقى كثيراً، وستعتذر وتغادر فوراً.
بينما جواد حاول تجاهل اعتذار إيلاف، جذب كوب القهوة وارتشف منه قليلاً، ثم وضعه.
عضت إيلاف شفتيها بعد أن تحول الخزي إلى ضيق من تجاهل جواد الرد عليها.
زفرت نفسها وعاودت الحديث:
"أنا..."
تعصب جواد قائلاً:
"إنتِ إيه يا دكتورة؟ مفكرة باعتذارك خلاص كده تبقي غلطانة؟ إنتِ متعرفيش النوايا المخفية وراء اللي حصل، واتسرعتي في الرد."
ازدردت إيلاف ريقها تحاول تبرير خطأها.
بنفس الوقت، عاود جواد ارتشاف القهوة إلى أن شعر فجأة بسخونة خاصة تزداد بجسده.
ظن في البداية أنها ربما بسبب ارتشافه للقهوة وهي ساخنة أكثر من اللازم، لكن هناك سخونة أخرى أصبحت تسري بجسده، رغبة جامحة تثيره، تحركه بلا إرادة وهو ينظر إلى إيلاف الواقفة قرب باب الغرفة.
نهض فجأة وتوجه نحوها بلا مقدمات، جذبها عليه من عضدي يديها، يضمها له بقوة، ينظر لشفاهها بإثارة.
***
كانت تقف بالمطبخ تنظر أمامها لتلك الأطعمة التي حضرتها باشتهاء كي تتناولها بمزاج، تتذوق منها القليل باستطعام خاص.
مدحت نفسها قائلة:
"والله يا بت يا حسنى نفسك في الأكل زين، هو ده الأكل مش أكل مرة أبويا الماسخ... تسلم يدك يا بت يا حسنا. أما أقعد بقى آكل قبل ما زاهر يعاود من بره."
جلست حسنى على أحد المقاعد وجذبت ملعقة ووضعتها في طبق الطعام.
لكن فجأة، قبل أن تضع الملعقة في فمها، سمعت صوت سعال تعرفت على صاحبه سريعاً.
انتفضت واقفة ترجف، تحيرت ماذا تفعل بالملعقة التي بيدها.
سريعاً، دست محتواها في فمها، لكن شعرت ليس فقط بسخونة الطعام، كذلك حشر في حلقها.
كادت تسكب مياه كي تشربها، لكن اقترب صوت السعال من المطبخ جداً.
خشيت من أن يوبخها زاهر إذا رآها.
اتجهت خلف باب المطبخ وتوارت خلفه، تضع يدها فوق فمها تحاول بلع ذلك الطعام.
لكن فجأة شعرت بحازوقة.
وضعت يديها الاثنتين فوق فمها خشية أن يخرج من فمها صوت.
وبخت نفسها:
"يعني الزغطة مش لاقية غير دلوقتي. زاهر لو شافني هيوبخني كيف العادة، يارب ما يدخل للمطبخ."
لكن خاب دعاؤها ودخل زاهر إلى المطبخ.
استغرب من ذلك الطعام الموضوع على المائدة، التي لمعت عيناه باشتهاء.
اقترب منها وجلس على أحد المقاعد، يعطي ظهره للباب وبدأ بتناول الطعام مستلذاً طعمه.
إلى أن شعر بالشبع، نهض واقفاً يربت على بطنه قائلاً:
"من زمان ما أكلتش أكل طعمه لذيذ كده. لو فضلت قاعد كمان طعامة الأكل هتغريني وهاكل وبطني هتتملي ومش هعرف أنام."
بينما حسنى الواقفة خلف باب المطبخ تضع يديها الاثنتين فوق شفتيها تكتم تلك الحازوقة حتى لا تكشف وجودها.
تشعر كأن حلقها يكاد ينفجر، لكن شعرت براحة حين نهض زاهر.
لم تدوم تلك الفرحة حين عاود زاهر النظر للطعام وقام بمد يده والتقم قطعة منه ودسها في فمه.
ما زال يشير عليه عقله العودة للجلوس والاستمتاع بباقي الطعام، لكن سيطر على تلك الرغبة قائلاً:
"لو فضلت واقف كده هعاود للأكل، لا أنا تعبان وعاوز أنام، والأكل مش هيطير."
ارتشف بعض المياه وخرج من المطبخ.
ظلت للحظات تكتم فمها إلى أن أيقنت بأن زاهر قد ابتعد.
رفعت يديها من فوق فمها تستنشق الهواء.
وسريعاً ذهبت إلى طاولة الطعام وجذبت دورق المياه وشربت منه مباشرةً تقول:
"ثانية كمان وكنت هفطس من الزغطة، أما أشرب تلات مرات عشان تروح."
شربت مرة والثانية، ولكن الثالثة ملأت فمها بالمياه أكثر.
لكن قبل أن تبتلع المياه سمعت صوت جوهري منها يقول بتعسف:
"أنا مش قايل......"
لم يكمل حديثه حين انخضت حسنى وفتحت فمها لتضخ تلك المياه التي كانت بفمها بوجهه.
***
رفع وجهه عن تلك القطعة الفخارية التي يشكلها ونظر يرى من فتح باب الغرفة.
استعجب قائلاً:
"سلوان! إيه اللي صحاكِ دلوقتي."
ردت سلوان وهي تقترب منه:
"معرفش فجأة النوم طار من عيني وملقتكش جانبي عالسرير، فكرت وتوقعت إنك ممكن تكون هنا، زي ما قولت لي قبل كده إن ده المكان اللي لما بتكون مضايق من حاجة بتقعد فيه."
زفر جواد نفسه يشعر بتلميح سلوان، لكن قال:
"بس أنا مش مضايق من حاجة."
تساءلت سلوان وهي ما زالت تقترب من مكان جلوسه:
"متأكد؟"
رد جواد بتأكيد:
"أيوه متأكد، كل الحكاية إني..."
قاطعته سلوان حين أصبحت تقف أمامه مباشرةً:
"متأكد إنك إيه؟ بس يا ترى القطعة اللي بتشكلها دي بقى، قلة ولا إبريق ميه."
قالت سلوان هذا وقبل أن يجيب جواد، وضعت يدها فوق قطعة الفخار أفسدتها عن قصد منها، لكن ادعت عدم الانتباه.
شعر جواد بالضيق منها حين عاودت إفساد القطعة أكثر، تدعي أنها تحاول إصلاح ما فعلته قائلة بكذب:
"آسفة، ما كنتش أقصد، أيدي بوظتها بالغلط."
رفع جواد يده وأمسك يد سلوان كي يبعدها قبل أن تضعها في الطمي، وكاد يتحدث.
لكن لعدم انتباه سلوان، اختل توازنها حين طبق يده فوق يدها بقوة يبعدها عن الطمي.
سقطت بجسدها على ساقيه، سرعان ما عانقت يديها ببعضهما حول عنقه بخضة.
طوق جواد جسدها بيديه ونظر لوجهها، وقع بصره على شفتيها التي ارتجفت للحظة، ثم عينيها اللتان فتحتهما تنظر لعيناه، ثم تركت النظر لهن ونظرت إلى شفتيه.
شعرت بحياء وضمت شفتيها، لكن تفاجئت بشفاه جواد التي تضم شفتيها.
في البداية شعرت بخشونة في قبلاته، لكن مع الوقت تحولت القبلات إلى متلهفة.
ترك شفتيها ليتنفسا.
ضمت جاويد بين يديه بينما عانقته سلوان بحميمية أكثر، هامسة باسمه بنبرة ناعمة:
"جاويد."
رواية شد عصب الفصل العاشر 10 - بقلم سعاد محمد سلامة
بالقاهرة، نظرت دولت لهاشم قائلة:
سلوان قالتلك إيه؟
رد هاشم:
خلاص سلوان حجزت تذكرة القطر وراجعة بعد بكرة.
استشهدت دولت قائلة:
لسه هترجع بعد بكرة، وليه مقولتش لها ترجع طيران أسهل وأسرع من القطر، يمكن بتتحجج أو بتكذب عليك.
رد هاشم:
لأ سلوان مش بتكذب، طالما قالت راجعة تبقى راجعة.
استشهدت دولت قائلة:
ومالك واثق من كلامها كده ليه؟ معرفش ليه عندي شك إنها بتماطل عشان تفضل هناك وقلبك يحن ليها وترجع تشغل الفيزا بتاعتها، لو كانت صادقة كانت حجزت في أول طيارة ورجعت للقاهرة تاني في ساعة زمن.
شعر هاشم بضيق قائلاً بتعسف:
لأ متأكد سلوان مش بتماطل، وكمان الباسبور مش معاها.
تهكمت دولت قائلة:
وفيها إيه يعني لو الباسبور مش معاها، دي حجة فارغة، ناسي الأقصر للقاهرة يعتبر طيران داخلي في البلد يعني ممكن بالبطاقة الشخصية بتاعتها، كل اللي محتاجاه هو تذكرة السفر.
رد هاشم بضيق:
سلوان عندها فوبيا الأماكن العالية ومش بتحب سفر الطيران، قبل كده قالتلي إنها كانت بتفضل خايفة وهي في الطيارة لحد ما بتنزل للمطار، وكذا مرة كانت بتسافر عن طريق البحر الأحمر.
تهكمت دولت قائلة:
آه وماله، بس مقولتيش قالتلك إيه بعد ما قلت لها عن طلب إيهاب لإيدها.
رد هاشم:
مقولتلهاش، مستني لما ترجع. تحقيقك كده خلص، عن إذنك مصدع وكمان عزومين عالعشا عند أختي، خلينا نجهز عشان الوقت متأخرش عليهم.
ترك هاشم دولت وتوجه إلى غرفة النوم. زفرت دولت نفسها بضجر وضيق قائلة:
أكيد طبعًا الكونتيسة رفضت، أنا سمعاك بنفسي وإنت بتقول لها، بس طبعًا متقدرش تضغط عليها، بس نافش نفسك عليا، كأنك اتجوزتني غصب، بس هي ترجع لهنا وأنا هعرف إزاي أخليها توافق على جوازها من إيهاب حتى لو كان غصب عنها زيك.
***
بمنزل صلاح
أثناء تناول العشاء، نظر صلاح ناحية حفصة مبتسمًا يقول:
كلها فترة صغيرة وحفصة تتجوز ومش هنلاقي حد يقعد معانا عالسفرة يا يسري.
شعرت حفصة بحياء لكن قالت:
معتقدش يا بابا، مش يمكن قبل ما أنا أتجوز يكون جاويد اتجوز ومراته تقعد مكاني.
تنهد صلاح بتمني قائلاً:
ياريت، ربنا يسمع منك.
ابتسمت حفصة وهي تنظر ناحية يسري قائلة:
الموضوع ده في إيد ماما تقنع جاويد يتجوز مسك بنت عمتي قبل ما واحدة تانية تلف عليه.
نظرت يسري لحفصة باستغراب قائلة:
قصدك إيه بواحدة تلف عليه؟
ردت حفصة:
بصراحة يا ماما، مسك شافت جاويد قدام البوتيك اللي كنت أنا وهي بنشتري منه الفساتين، كان واقف بالعربية وفي واحدة ركبت جنبه في العربية، بس مشفتش وشها، شفتها من ضهرها.
تحير عقل يسري وقالت:
مش يمكن مسك غلطت في عربية جاويد؟ المكان ده زحمة أساسًا.
ردت حفصة بتأكيد:
لأ، أنا متأكدة، أنا كمان شفت جاويد قاعد وجنبه بنت في العربية، يعني أنا ومسك هنغلط نفس الغلطة.
للحظة سأم قلب يسري وشعرت بتوجس وتذكرت حديث غوايش لها "الشتيتين اتجمعوا".
لكن تنهدت بإيمان قوي.
***
بالفندق
بغرفة حلاوتهم
لهاوها واندماجها بالرقص لم يجعلها تنتبه لشرود صالح اللي مازال طيف تلك الشبيهة بصورة الماضي بعقله، يسترجع ذكرى فتاة سلبت عقله من أول مرة رآها ذات يوم صدفة لينغلق قلبه خلفها، رغم أنه تزوج أكثر من مرة ورافق نساء كثيرات لكن لم تستطيع أحداهن محو "مسك مؤنس القدوسي" من قلبه ولا عقله، زفر نفسه بغضب وهو يتردد صوت رفضها له بوجهه قائلة:
"لو مبقاش غير الموت هو اللي هيريحني منك أنا هموت نفسي ودلوقتي، عندي أموت كافرة ولا أبقى من نصيبك".
وقد كان الموت من نصيبها بعد ثلاثة عشر عامًا قضتها مع رجل آخر فضلته عليه، ورحلت معه بعيدًا غير باقية على شيء، اختارت البقاء مع آخر، وتركت قلبه حطام خلفها... عاش بلا قلب أصبحت النساء بالنسبة له لسن سوى متعة وهو ينهش جسدهن بنظرات عينيه حتى إن لم يلمسهن، مر وقت أكثر يقترب من الثلاثون عامًا، ومازالت صورتها محفورة، لكن من تلك التي تشبهها؟ هو تعقبها إلى أن دخلت إلى إحدى غرف الفندق.
خرج من ذلك الشرود حين جلست تلك الراقصة لجوارة على الأريكة تلهث قائلة:
أما أشوف الساعة في الموبايل، عشان أنزل للفقرة اللي هقدمها في المهرجان.
نظر لها صالح قائلاً:
ها هتقولي إيه؟
تعجبت الراقصة قائلة:
بقول إيه؟ إنت كنت شارد ولا إيه، لأ أزعل منك يا شيخ الشباب.
نفض صالح عن رأسه ونظر لها بوقاحة قائلاً:
لأ مش شارد، بس سحرني رقصك.
ابتسمت له بدلال سافر قائلة:
هصدق إن مكنتش شارد في حاجة غيري، وعلى العموم يا شيخ الشباب عندي فقرة الساعة عشرة والساعة تسعة ولازم أنزل دلوقتي عشان أسخن قبل الفقرة، بقولك إيه مش هينفع نتقابل تاني الليلة هنا في الأوتيل، ممكن الأمن يطلع يسأل سبب وجوده هنا في الأوضة ويطلع عليا سمعة وأنا فنانة وليا صيت ومحبش يطلع عليا إشاعات مغرضة... إني جاية الأقصر مش عشان فني.
زفر صالح نفسه ونهض واقفًا يقول:
نتقابل في الشقة اللي هنا بعد ما تخلصي الفقرة بتاعتك، سبق واتقابلنا فيها، هنتظرك نكمل الليل سوا.
ضحكت الراقصة بخلاعة ولكن تعجبت من نهوضه ومغادرته للغرفة سريعًا، لكن لم تبالي هي تعلم ستحصل منه على ما تريد نهاية الليلة.
بينما خرج صالح من الغرفة وسار في الرواق، اقترب من تلك الغرفة التي دخلت لها شبيهة الماضي، وقف أمامها للحظات كاد شيطانه أن يدفعه يطرق عليها باب الغرفة، بالفعل رفع إحدى يديه لكن توقفت قبل أن تصل إلى جرس الإنذار الخاص بالغرفة، كور يديه بقوة جبروت حتى كاد عصب يده أن يسيل من بين المفاصل، لكن عاد يتحكم الشيطان به وكاد يطرق الباب لولا أن رأى اقتراب أحد النزلاء ونظر لوقوفه هكذا أمام الغرفة، شعر بالإحراج وغادر بخطوات سريعة.
***
ليلًا
بغرفة جاويد
خلع القميص من فوق جذعه وألقاه على جانب الفراش ثم تسطح عليه يتثاءب، عدل إحدى الوسائد أسفل رأسه يشعر بشعور جميل، أغمض عينيه للحظات سكنت فيها خياله تلك الأميرة الرقيقة الآتية من بين خرافات العرافة، ملامح وجهها، عينيها، شفاها، كل نظرة ينظرها لها كأنها تعويذة سحر تترك بعدها طلسم على قلبه يصعب إزالته، يتنحى عقله عن الاستيعاب، لو حكى له أحد عن ما يحدث معه لقال له أنت ساذج ليس لديك عقل ما تقوله ليس سوى خرافة، ضحك وتذكر بقية حديثهم قبل قليل وهم يسيرون بأروقة الأقصر.
[فلاش باك]
بعد أن قصت له أن والدتها من الأقصر.
ادعى التعجب قائلاً بكُنه:
يعني إنتِ مامتك من هنا من الأقصر نصك صعيدي يعني.
ردت سلوان بضحكة سخرية مؤلمة تؤكد:
أيوا، مامتي من هنا من الأقصر نصي صعيدي... بس عمري ما جيت هنا غير مرة واحدة يوم دفن ماما، وبعدها محدش منهم سأل عني، رغم إن ماما في يوم قالتلي وحكتلي عن جزء من هنا حتى إنها اتقابلت مع بابا هنا، كمان قد إيه باباها كان طيب وبيدلعها ومتأكدة في يوم هيرضى عنها، وإن اليوم ده لو مجاش وهي عايشة أبقى أنا أفكره بيها، وأنا من الأساس كنت جايه عشان أشوفه وأسأله ليه محققش أملها وهي عايشة، رغم إني كنت بشوفها أوقات بتبكي وهي بتكتب له جوابات، عندي إحساس كبير إنه مقراش الجوابات دي، لو كان قراها كان حس بعذاب ماما، أنا كنت طفلة صغيرة وقتها مش فاهمة ليه هي بتبكي وهي بتكتب الجوابات دي، بس لما كبرت عرفت إنها كانت بتشتاق له وهو قاسي، حتى يوم دفنها هنا مبصش ليا كأنه كان بيدفنها عشان... عشان مش عارفة أفسر عشان إيه بس اللي حسيته إنه زي ما يكون كان بيتخلص من شيء ملوش أهمية عنده، عكس ماما اللي كانت تحكيه عليه وعلى طيبته وحنيته معاها، بس ده قبل طبعًا ما تختار بابا وتطلع عن طوعه، ده اللي فهمته مع الوقت لما كبرت، أنا مش جايه أسأله ليه عني، أو أفتح الماضي ولا أعاتبه، أنا جايه عشان أزور قبر ماما وبس وأقول لها إني منستاهاش زي البقية، لو أعرف طريق قبرها كنت روحت لوحدي، ومقدرش أسأل أي من أهل البلد مفيش غير الحاج مؤنس أو ابنه هما اللي يدلوني على قبر ماما.
سالت دموع سلوان التي تغص بقوة بقلب جاويد لكن لا يملك سوا كلمة مواساة، من بعدها غير دفة الحديث حتى لا يرى تلك الدموع قائلاً:
إيه رأيك قبل ما ترجعي للقاهرة أنا بقول تودعي الأقصر من فوق.
في البداية للحظة نظرت سلوان بعدم فهم ثم فهمت قائلة:
قصدك المنطاد، لأ كفاية مرة.
ضحك جاويد قائلاً:
عشان جبانة وبتخافي، بس أعتقد المفروض تزيل الرهبة بعد ما طلعنا رحلة المنطاد، خوفك ملوش لازمة، ولا عندك ثقة فيا.
ابتسمت سلوان قائلة:
تعرف إنك الشخص الوحيد اللي وثقت فيه بعد بابا... وده يعتبر شيء غريب لأني صعب أثق في أي شخص بسهولة... يا جلال... يمكن لأني قابلت قبل كده أشخاص كنت صحيح مابقاش واثقة فيهم بس برضو مش هقولك كنت بتصدم في حقيقتهم المخادعة اللي بيحاولوا يجملوها، لأن عندي يقين إن الطبع غلاب ومهما حاولوا يخفوا حقيقتهم هتظهر مع الوقت.
ابتسم جاويد قائلاً بإطراء:
يمكن جمالك السبب في عدم ثقتك بهم.
تهكمت سلوان بضحكة ساخرة:
جمالي، يمكن رقم اتنين في عدم ثقتي بالأشخاص.
ابتسم جاويد متسائلاً:
وأيه السبب الأول؟
ردت سلوان بأسى:
إنهم عارفين إني وحيدة وسهل يستغلوا ويسهل خداعي، وكمان مش بيقولوا على إن الجميلات بيبقى عندهم العقل ناقص شوية.
ضحك جاويد قائلاً:
أعتبر ردك ده غرور، إنك جميلة.
شعرت سلوان بالخجل للحظات وأخفضت وجهها لكن عادت ورفعته تنظر لجاويد بسؤال:
إنت شايف إني مغرورة يا جلال.
تأمل جاويد ملامحها مبتسمًا على احمرار وجنتيها الظاهر واللي أعطاها وهج يشع جمالًا قائلاً:
حتى لو مغرورة جدًا يا سلوان جمالك يغفرلك.
شعرت سلوان بحياء وحادت بعينيها ورفعت وجهها إلى السماء قائلة بتوهة:
النجوم في السما بتتحرك، لما كنت صغيرة ماما كانت تقولي "النجوم بتمشي ومعاها أمنيات العشاق".
أغمض جاويد عينيه ثم فتحهما ونظر لسلوان قائلاً:
وأنا اتمنيت أمنية.
ابتسمت سلوان قائلة:
دي تخاريف أكيد، بس بنحبها وبنصدقها رغم إننا متأكدين إن كل شيء قدر ومكتوب، كان مين يصدق بابا شركة التليفونات اللي كان بيشتغل فيها زمان تبعته هنا الأقصر عشان زرع عمدان إشارة تعزز وتقوي إشارة التليفونات ويقابل ماما صدفة ويقع في غرامها وهي كمان نفس الشيء وتتخلى عن عادات وتقاليد هنا وترحل معاه عشان سبب واحد.
صمتت سلوان لكن كانت تبتسم، تحير جاويد متسائلاً بفضول:
وأيه السبب الواحد ده؟
تنهدت سلوان ببسمة ولمعة عين لكن ليست لمعة دموع بل لمعة ذلك الضوء اللي تسلط على عينيها من إحدى عمدان الإنارة بالطريق قائلة باختصار:
العشق.
توقف جاويد عن السير للدقيقة وتمم على كلمتها كأنه يسأل:
العشق؟!
ابتسمت سلوان وتوقفت عن السير هي الأخرى تؤكد قولها:
أيوه "العشق" اللي بيلغي كل الحسابات والعادات بيمقتها أو بمعنى أصح بيوءدها... هنا بدأت قصص عشق خيالية كتير قبل كده، وكمان قصة بابا وماما كانت خيالية في البداية بس اتحققت مع الوقت.
نظر جاويد لتلك اللمعة في عين سلوان وهي تتحدث عن والديها، ود أن يقول لها أنه لم يكن يؤمن سابقًا بشيء غير الحسابات العقلانية لكن تلك الحسابات اختفت منذ أن سمع اسمها من تلك العرافة بالمعبد، انتهت حسابات العقل وطغت حسابات أخرى ترسم علامات قوية بالقلب مثل تلك العلامات المحفورة فوق تلك الأعمدة واللي لم تختفي منذ آلاف السنوات.
ابتسمت سلوان بحياء من نظرة عين جاويد لها وتهربت قائلة:
معايا نمرة الحاج مؤنس وبصراحة كده خايفة أتصل عليه هقوله أنا مين.
رد جاويد:
رأيي تتصلي عليه ومش شرط تقولي له إنتِ مين، ممكن تقولي له محتاجة له في أمر خاص هتقولي له عليه لما تتقابلوا.
ابتسمت سلوان قائلة:
فعلاً هو ده الحل الوحيد.
فتحت سلوان هاتفها وقامت بالاتصال على رقم هاتف مؤنس، لكن أعطاها الرد أن الهاتف مغلق أو غير متاح... عاودت الاتصال لمرتين ثم نظرت لجاويد قائلة:
بيقول مغلق أو غير متاح، يمكن في مكان مفيش فيه شبكة، على العموم مبقاش قدامي وقت هتصل عليه الصبح وأشوف إذا كان رجع من سفره، أو حتى بفكر أروح تاني لبيته ولو ملقتوش أسأل الست اللي قابلتني أو بنتها عن قبر ماما، بس وقتها هيسألوني أنا مين وبأسأل ليه؟
زفرت سلوان نفسها تشعر بحيرة.
لكن جاوب جاويد:
بلاش تفكري كتير والصبح اتصلي عالحاج مؤنس يمكن يكون رجع ووقتها يبقى الحل سهل.
ابتسمت سلوان قائلة:
فعلاً هنتظر لبكرة الصبح واتصل عليه، دلوقتي خلاص الوقت قربنا عالساعة تمانية ونص لازم أرجع للأوتيل عشان حاسة بشوية إرهاق.
ابتسم جاويد قائلاً:
تمام والصبح هتلاقيني منتظرك قدام الأوتيل عشان أوصلك.
ابتسمت سلوان قائلة:
إن شاء الله، تصبح على خير.
[عودة]
عاد جاويد متنهدًا يشعر بانشراح في صدره، أغمض عينيه وذهب إلى ثبات في لحظات...
لكن أثناء نومه رأى نور يأتي من قريب ويخرج منه طيف طفل بعمر الثانية عشر... ابتسم جاويد وقال بهمس:
جلال.
رد الطيف متسائلاً:
ليه أخدت اسمي وقولت لها إن اسمك جلال مش جاويد.
شعر جاويد بندم قائلاً:
معرفش السبب فجأة لساني نطق اسمك، رغم السنين اللي فاتت بس لسه اسمك وشكلك معلق في دماغي... يا جلال مش قادر أنساك.
ابتسم جلال له قائلاً:
انسى يا جاويد وعيش حياتك، أنا مجرد طيف عايش بس في خيالك، عيش يا جاويد وانسى الماضي.
فجأة مثلما ظهر الطيف اختفى وانطفئت هالة النور... نظر جاويد حوله لكن سادت عتمة مظلمة.
نهض جاويد فجأة من نومه وشعر بتعرق كذلك عطش ليس شديد، أشعل ضوء خافت بالغرفة ثم مد يده وأخذ دورق المياه وسكب منه مياه بكأس صغير واحتساها بروية، ثم تذكر الحلم شعر بوخزات قوية وضع يده على قلبه كأنه مازال يشعر بأن جلال يرافق قلبه، لكن تساءل لماذا أتى له جلال الآن بالحلم، هذه أول مرة يحلم به بعد مضي عشرون عامًا........
***
بغرفة صلاح
كانت تسير برواق أحد المشافي بداخل قلبها أمل أن تكون تلك الخبرية أكذوبة وأن فتاها الأول مازال حيًا، كل خطوة كانت تتلهف لتتيقن من ذلك الأمل الواهي، إلى أن دخلت إلى إحدى غرف المشفى، وجدت صلاح يقف جوار فراش يبكي، عيناها نظرت نحو الفراش، الفراش عليه دماء كثيرة كذلك من يرقد عليه كان الغطاء يدفنه من أخمص قدمه إلى رأسه، تلهفت سريعًا نحو الفراش وجذبت غطاء الفراش من فوق رأسه بأمل أن يخطئ الخبر لكن كل خبر يخطئ ما عدا خبر الموت، شعرت بفاجعة أول فتيانها ممدد أمامها وجهه به بعض الخدوش النازفة وجسده مدمى، لم تستطع الوقوف مالت بجذعها عليه تحتضن جسده تقول باستجداء ولوعة:
"جلال" اصحى يا حبيبي خلاص مش هزعلك تاني عشان روحت تلعب في الترعة من ورايا، جوم معايا.
بكى صلاح واقترب منها وانحنى يجذبها كي تترك جثمان جلال قائلاً بمواساة:
وحدي الله يا يسري جلال طفل من الأبرار هيشفع لينا.
لكن فجأة شعرت يسري كأن يدي جلال تحتضنها، تركت جسده على الفراش ونظرت لصلاح بفرحة تمسح دموع عينيها بيديها قائلة:
جلال عايش يا صلاح إيده حضنتني.
نظر لها صلاح باكيًا يقول:
بلاش اللي بتقوليه ده يا يسري، اطلبي له الرحمة.
نظرت يسري إلى جلال الراقد بالفراش فاقت من هذيانها وقالت بلوعة:
جلبي حاسس بولدي هو لسه حي، بس...
توقفت عن الحديث قليلاً ثم نظرت إلى صلاح بتساؤل وفزع:
بس فين جاويد؟ أوعى تقول لي هو كمان...
صمت لسانها تشعر بلوعة، لكن قال صلاح:
جاويد حالته اتحسنت والدكتور قال الخطر زال عنه.
تنهدت يسري بهدوء قليلاً ثم نظرت إلى جثمان جلال بأسى ولوعة تذكرت يومًا قريب حين كانت تحسد أن لديها ثلاث فتيان اقتربوا من الصبا ها هي بالمشفى تنظر لجثمان أحدهم والآخر بالكاد نجا والثالث بالخارج يبكي ضعفه، رغم ذلك الألم المضني عليها الآن التماسُك حتى تنجو بالآخرين.
على صوت همس يسري باسم جلال استيقظ صلاح وأشعل ضوء الغرفة ونظر لوجه يسري الذي يغرق وجنتيها الدموع، شعر بلوعة وآسى ووضع يده على كتفها يهزها قائلاً:
يسري اصحي إنتِ بتحلمي بكابوس.
استجابت يسري وفتحت عينيها للحظة تمنت أن تكون فعلاً بكابوس وانتهى، لكن رأت دموع بعين صلاح الذي قال لها:
من زمان محلمتيش بـ جلال أكيد في حاجة فكرتك بيه.
نهضت يسري قائلة:
ومن متى كنت نسيت جلال يا صلاح، ياريتني كنت أقدر أنسى، كان جلبي ارتاح من الخوف اللي معشش جواه.
اقترب صلاح من يسري واحتضنها قائلاً:
ياريت كان النسيان بيدنا، الخوف إحساس صعب يا يسري انسيه وبلاش تفكري فيه كتير، كل شيء قدر ومكتوب وهنعيشه بحلوه ومرة، بلاش تخلي تخاريف قديمة تسيطر عليكِ، ربنا قال "كذب المنجمون ولو صدقوا".
تنهدت يسري قائلة:
أنا عارفة زين إن كل شيء قدر ومكتوب وعندي إيمان كبير بالله، بس يمكن لحظة ضعف مني، أنا أم وقلبي انكوّى على واحد من ولادي، بدعي من ربنا ميحطش الإحساس ده تاني، أنا هروح اتحدت ويا جاويد وأسأله مين البنت اللي كانت راكبة جاره بالعربية، وكمان هقول له إني خلاص مش هستنى وهطلب يد مسك بنت عمته، هي أكتر واحدة مناسبة ليه وكمان أولى بيه.
أمسك صلاح يدها قبل أن تنهض من على الفراش قائلاً:
يسري إنتِ أكتر واحدة عارفة جاويد كويس لو حاولتِ تفرضي عليه يتجوز من مسك هيعند أكتر بلاش نضغط عليه.
أدارت يسري قول صلاح برأسها ثم قالت:
تمام حديثك صح، بس عندي فكرة، إيه رأيك نحطه تحت الأمر الواقع، إنت تتحدث مع عمي الحاج مؤنس وتطلب يد مسك منه وكمان نكتب كتابهم مع "حفصة وأمجد" بعد أربع ليالي.
هز صلاح رأسه بعدم قبول قائلاً:
بلاها الفكرة دي يا يسري جاويد هيعند وقتها ومش بعيد يكسفنا قدامهم، خلي اتكالك على الله وربنا هو اللي هيرشد جاويد ناحية الصالح له.
رددت يسري قول صلاح بتأمين:
يارب ارشده للصالح وبعد عينيه كل سوء.......
***
بشقة بالأقصر
بعد منتصف الليل
بعد وصلة من الرقص، جلست تلك الراقصة بجوار صالح أرضًا وجذبت من يده خرطوم تلك الأرجيلة تسحب نفسًا عميقًا ثم نفثت الدخان من بين شفتيها فوق وجنة صالح بإغراء قائلة:
شيخ الشباب مش مركز معايا الليلة يا ترى إيه اللي شاغل بالك عني يا حبيبي، أوعى تكون عينك شافت أحلى من "حلاوتهم" أزعل منك هتلاقي في شقاوتي ودلعى فين.
قالت هذا ووجهت خرطوم الأرجيلة نحو فمه، التقمته منها وسحب نفس وقام بنفثه قويًا بإمتزاج قائلاً بغمز ولمس لأحد مفاتنها بوقاحة:
لأ مفيش لا في د لعك ولا شقاوتك، بس بطلتي هز ليه.
هزت حلاوتهم صدرها بحركة إغراء قائلة:
بطلت هز لما حسيت إنك شارد الليلة ومش في الفورمة.
نفث صالح الدخان ونظر لها قائلاً:
مش شارد ولا حاجة بس في حاجة كده في راسي وبحاول أرتبها، بس خلاص مش هشرد تاني جومي ارقصي بدلال وشقاوة.
ردت حلاوتهم بدلع:
لأ مش هقوم ارقص غير لما تقولي الحاجة اللي شغلاك عني، ولا سيبني أخمن أنا، أكيد ناوي ترشح نفسك لمجلس الشعب.
نظر لها صالح باستغراب قائلاً:
أترشح لمجلس الشعب، لأ...
قاطعته الراقصة:
وليه لأ، خلاص انتخابات المجلس قربت وإنت لك سطوة هنا في الأقصر وسهل تكسب الانتخابات من أول جولة، ووقتها بقى هتفضل في القاهرة وقت أكبر وتبقى قريب مني هناك، كمان المجلس له حصانة محدش يقدر يتغافل عنها، يا شيخ الشباب، فكر إنت ونوي النية واللي بعدها سهل يا حضرة النايب صالح الأشرف، والنبي لايقة عليك... عضوية المجلس... وأهو تبقى قريب مني في القاهرة بدل كل فترة والتانية أجيلك هنا يا شيخ الشباب.
عقل صالح طلب الراقصة منه الترشح للإنتخابات البرلمانية، هي فرصة قوية له يزداد بها قوة، كذلك هناك سبب آخر مكوثه بالقاهرة لفترات طويلة وقتها سهل عليه العثور على شبيهة الماضي الذي سأل عنها عامل الاستقبال بطريقة غير مباشرة علم اسمها فقط "سلوان هاشم خليل"، بالتأكيد ليس هذا تشابه أسماء، لكن السؤال الذي مازال يحير عقله ماذا تفعل هنا شبيهة الماضي.
نفض عن رأسه التفكير حين نهضت الراقصة وجذبته معها للرقص بخلاعة وهو ينهش بنظره مفاتنها يراها بصورة أخرى يود تتمايل بين يديه مثل تلك الراقصة.......
***
بنور يوم جديد
صباحًا
دخلت يسري إلى غرفة جاويد بعد أن طرقت الباب وسمح لها، ابتسمت حين رآته يعدل هندامه قائلة:
صباح الخير.
رد جاويد:
صباح النور يا ماما.
ابتسمت له وجلست على إحدى المقاعد استدار لها جاويد متسائلاً:
خير يا ماما.
ردت يسري:
خير يا جاويد كنت عاوزة اتحدث وياك في موضوع كده.
شعر جاويد وخمن ذلك الموضوع قائلاً بفضول:
خير يا ماما إيه هو الموضوع ده؟
ردت يسري:
إنت عارف إن بعد أربع أيام هنكتب كتاب حفصة وأمجد كنت بجول...
صمتت يسري حين صدح رنين هاتف جاويد، الذي توجه إلى مكانه ونظر إلى شاشة الهاتف وابتسم.
لاحظت ذلك يسري، بينما أغلق جاويد الاتصال ونظر إلى يسري قائلاً:
عارف يا ماما بكتب الكتاب، ومتخافيش عامل حسابي هفضي نفسي يومها عشان لازم أكون حاضر، مش أخو العروسة.
ابتسمت يسري وكادت تتحدث لكن صدح رنين الهاتف مرة أخرى، تضايقت قائلة:
مين اللي مش مبطل اتصال عليك من بدري كده.
أغلق جاويد الهاتف قائلاً:
ده من الشغل، على العموم نتكلم في حكاية كتب كتاب حفصة وامجد دي المسا لما أرجع دلوقتي لازم أخرج عندي ميعاد مهم، سلام عليكم.
نهضت يسري سريعًا قائلة:
يعني مش هتفطر معانا برضه كيف الأيام اللي فاتت.
ابتسم جاويد قائلاً:
لأ يا ماما عندي ميعاد مهم ولازم ألحقه.
غادر جاويد سريعًا، بينما زفرت يسري نفسها بقوة لديها يقين أن هذا ليس ميعاد عمل كما قال جاويد لهفته في الذهاب سريعًا تؤكد حدثها....
***
بمنزل مؤنس القدوسي
بغرفة صفية
همست مسك لها قائلة:
موبايل جدي أهو فصلته من امبارح زي ما قولتي لي من وقت ما رجع امبارح للدار، بس أكيد ممكن البنت دي ترجع لهنا تاني من غير ما تتصل وتاخد مني معاد.
ردت صفية:
ممكن وده اللي خايفة منه، البنت دي شكلها كده خبيثة ومفكرة إننا معرفناش هي مين، حتى هي مجالتش هي مين، عاوزة تفاجئ الحاج مؤنس وتشوف رد فعله إيه، أنا خايفة قلبه يحن ليها، كيف ما كان بيحن على أمها ويدلعها.
ردت مسك:
طب والعمل إيه دلوقتي، ممكن نلاقيها طابة علينا زي القدر، البنت دي معرفش ليه حاسة من ناحيتها ببغض.
ردت صفية:
ومين سمعك، بقولك كلها هبابة وجدك وأبوكِ هيخرجوا من الدار وإن جت تاني النهارده أنا هحاول أوصل لها إنها غير مرحب بيها، يمكن تحس على دمها وترحل ونرتاح منها، بس الطماع مش بيمل، لو وصل الأمر هطمعها بقرشين تاخدهم وتبعد عنينا لأن الحاج مؤنس مستحيل يعترف بوجودها.
وافقت مسك والدتها وابتسمت ورحبت بفكرتها قائلة:
ده أحسن قرار، يمكن بعدها تختفي من هنا وتعرف إن ملهاش مكان ولا حق هنا تدور عليهم.
***
بعد قليل
بالمطعم الخاص بالفندق
جلس جاويد بالمقعد المقابل لسلوان خلف يفصل بينهم تلك الطاولة...
تحدثت سلوان وهي تضع الهاتف على الطاولة قائلة بضيق وضجر:
برضه بتصل على الحاج مؤنس مش بيرد عليا ونفس الرسالة، يا مغلق يا خارج نطاق الخدمة، مش عارفة أعمل إيه.
للحظة فكر جاويد ونهض واقفًا يقول:
حاولي تتصلي عليه مرة تانية وإن مردش مفيش غير إنك تروحي له داره مرة تانية.
نظرت سلوان له بتعجب قائلة باستنها:
سبق وقولت لك طريقة استقبالهم ليا امبارح، وممكن لو روحت النهاردة ملاقيش الحاج مؤنس وكمان ممكن لو شافوني تاني يطردوني بسهولة جدًا.
تنهد جاويد قائلاً:
عندك حل تاني، على العموم ثواني هعمل مكالمة وأرجعلك بسرعة تكوني قررتي.
زفرت سلوان نفسها بغضب، بينما ابتسم جاويد على احمرار وجنتيها.
بعد مسافة قليلة وفتح هاتفه وطلب أحد الأرقام، سرعان ما رد عليه قائلاً بانشراح:
صباح الخير يا جاويد.
رد جاويد:
صباح النور يا جوز عمتي، معلش بتصل عليك كنت محتاج الحاج مؤنس في موضوع وكنت بتصل عليه مش بيرد عليا بيقولي خارج نطاق الخدمة أو مغلق.
استعجب محمود قائلاً:
يمكن موبايله فاصل شحن، خير كنت محتاجه في إيه؟
رد جاويد:
هو لسه في الدار ولا خرج.
رد محمود:
لأه هنا في الدار حتى مش هيخرج النهارده امبارح كنا في أسوان وهو رجع حاسس بشوية إرهاق من السفر والرجوع بنفس اليوم وهيفضل في الدار.
ابتسم جاويد قائلاً:
طيب ممكن تقولي له ينتظرني ويفتح موبايله عشان كنت محتاجه في حاجة كده، ساعة ونص بالكتير هكون في الدار عنده.
رد محمود:
تمام هخبره.
رد جاويد:
تمام متشكر.
أغلق محمود الهاتف يشعر بحيرة من طلب جاويد مقابلة والده، وظل واقف قليلاً، لاحظت صفية وقوفه اقتربت منه قائلة:
وواقف مكانك كده ليه بتكلم نفسك كنت مين عالموبايل.
نظر لها قائلاً:
ده جاويد بيجولي إنه بيتصل على أبوي موبايله خارج الخدمة.
ارتبكت صفية قائلة بتبرير:
وفيها إيه الحاج مؤنس أوقات كتيرة بينسى يشحن موبايله، بس جاويد كان عاوزه ليه؟
رد محمود:
معرفش هو قال هيجي له هنا الدار بنفسه.
انشرح قلب صفية قائلة:
هو جالك كده هييجي للدار بنفسه، بس يا ترى ليه ملمحش لك بحاجة.
تساءل محمود:
وهيلمحلي بإيه، أما أروح أقول لأبوي ينتظر جاويد وبعدها أتوكل على الله أسعى لرزقي.
ترك محمود صفية التي سرعان ما ذهبت نحو غرفة مسك وفتحت باب غرفتها منشرحة وأغلقت الباب خلفها.
نظرت لها مسك باستغراب قائلة:
في إيه يا ماما مالك فرحانة جوي كده ليه، لقيتي طريقة تطفشي بيها للبت الثقيلة دي ومترجعش لهنا تاني.
ردت صفية:
لأ تغور البت دي سيبنا من سيرتها، أنا كنت واقفة مع ابوكِ وجالي إن جاويد اتحدث وياه عالموبايل وطلب يجابل الحاج مؤنس، وزمانه جاي عالدار.
تعجبت مسك قائلة:
غريبة أول مرة يطلب يجابل جدي، بس يمكن عاوز أمر خاص بشغل الفخار.
ردت صفية:
وهو جاويد هيحتاج من جدك استشارة وهو عنده مصانع، لأ أنا قلبي حاسس إن العمل اللي الغجرية عملته المرة دي جاب نتيجة وإن جاويد جاي عشان يطلب يدك من جدك.
انشرح قلب مسك وذاب عصب جسدها قائلة:
ياريت يا ماما يكون كلامك صح.
ردت صفية:
حديثي صح وهتشوفي بعد شوية عاوزاكِ كده تتقلي وبلاش تسرعي كده لازم تعززي نفسك قدام جاويد لا يجول عليكِ مدلوقة عليه.
***
بالعودة لمطعم الفندق
عاد جاويد إلى الطاولة التي تجلس عليها سلوان متسائلاً:
ها الحاج مؤنس رد عليكِ؟
زفرت سلوان نفسها قائلة:
لأ ومبقاش في طريقة غير زي ما إنت قولت أروح وأسأل عليه تاني ويارب يكون موجود.
ابتسم جاويد قائلاً:
تمام طالما قررتي خليني أوصلك لبيته.
نهضت سلوان قائلة:
تمام خلينا نخلص لآن خلاص بكرة زي دلوقتي هكون في القطر راجعة للقاهرة تاني.
رسم جاويد بسمة وبداخله قرر أنها ستبقى هنا لن ترحل.