تحميل رواية «شد عصب» PDF
بقلم سعاد محمد سلامة
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بمنتصف ليالى الخريف ب إحدى قُرى التابعه ل الاقصر تُدعى قرية "الأشرف" فى حوالى الثانيه صباحً منزل عريق واجهته شبه آثريه بطراز عتيق لكن رغم مرور ما يقارب على أكثر من خمس سبعون عام على بناؤه، لكن مازال بحاله جيده جدًا حتى من الداخل يُشبه غُرف القصور الفخمه القديمه لكن حدث عليه بعض التعديلات الحديثه العصريه أصبحت الفخامه تمتزج بالعصريه. بإحدى الغرف رغم شعورهُ بالإرهاق بسبب العمل طوال اليوم ومحاولته النوم أكثر من مره.... لكن حين يُغمض عينيه يسمع بأذنيه طنين صوت تلك المرأه التى قابلها اليوم ب معبد الأ...
رواية شد عصب الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سعاد محمد سلامة
بنفس الطريق على مشارف البلده
بالسياره
طلبت سلوان من جاويد التوقف بالسياره.
توقف جاويد ونظر لها مُتسألًا:.
ليه عاوزه نوقف هنا، أيه غيرتي رأيك ومش هتروحي لبيت جِدك.
لم تستسيغ سلوان كلمة"جدك" وتهكمت قائله:
جدي، قصدك الحج مؤنس، لاء مغيرتش رأيي مبقاش فى وقت ودى آخر فرصه، أنا هنزل هنا وأكمل بقية الطريق مشي على رِجليا، بيت الحج مؤنس مش بعيد من هنا كمان لو لقيت نفسي هتوه هسأل.
حاول جاويد أن يقنعها بأن يوصلها حتى لو الى بداية منازل البلده، لكن سلوان أصرت على قرارها لا تعلم سبب لذالك ربما لا تريد أن يرى جاويد طريقة إستقبالهم لها، فضلت أن لا تشعر أمامه بالحرج لو اسائوا طريقة إستقبالها مثل الأمس، ربما تحكي له لاحقًا لكن لا تريده أن يرى ذالك، "فليس من سمع كمن رأى"، كذالك ربما لو جلال ذهب معها قد يسألونها من يكون بالنسبه لكِ ماذا سترد عليهم وقتها أنه شخص قابلته هنا أصبح شبه رفيق بدرب كانت بدايته الموت لها لولا إنقاذه لها بالوقت المناسب، هكذا أفضل لتذهب وحدها وترى طريقة الإستقبال اليوم هل ستختلف عن الأمس وهل ستقابل ذالك المدعو مؤنس القدوسي وتنتهى الرحله بزيارتها لقبر والداتها كما تريد.
تكهنات لا تعرف أي منها مناسب لكن المناسب هو ذهابها لمنزل القدوسى وحدها.
بالفعل فتحت سلوان باب السياره وترجلت منها ثم نظرت للناحيه الاخرى لـ جلال الذى ترجل هو الآخر قائلًا:
هستناكِ هنا.
ردت سلوان:
لاء مالوش لازمه أنا مش عارفه هتأخر او....
قاطعها جاويد قائلًا:
هستناكِ يا سلوان ومن فضلك بلاش رفض.
إبتسمت سلوان وأمتثلت لقوله تومئ برأسها، لا تعرف سبب لإمتثالها لقوله شعور خاص لديها له لا تعرف له تفسير سوا أنه تشعر معه بالراحه والثقه والآمان، رغم معرفتها به قبل أيام فقط، لكن ربما مثلما قالت لها والداتها ذات يوم:
" من اول مره شوفت فيها هاشم حسيت إتجاهه بثقه وأمان، واحد قابل واحده فى مكان شبه صحرا لو معندوش شرف كان سهل يستغل وضعها وقتها ويأذيها لكن هو حماها لحد ما وصلت لمكان قريب من بيتهم"...
ربما التاريخ يُعيد جزء مما حدث بالماضى معها، لكن بشكل مختلف والداتها رحلت من هنا مع من أحبت، لكن هى بالامس سترحل من هنا وحيده كما آتت.
تركت سلوان جلال يقف أمام سيارته ثم سارت بالطريق الرملي المجاور للمجرى المائي، لكن فجأه هبت زوبعه رمليه خفيفه، أغمضت سلوان عينيها قبل أن يدخل الغُبار الى عينيها وقامت بوضع النظاره الشمسيه على عينيها، ثم أكملت سير رغم ذالك الغبار الأسود لكن فجأه سمعت صوت ينادي
"مِسك" وقفت تتلفت حولها بتعجب لا أحد يسير بالطريق وتلك الزوبعه الرمليه أصبحت خلفها تتلاشى، شعرت بشبه توجس لكن نظرت أمامها وجدت نفسها اصبحت قريبه جدًا من بداية البلده، على يسارها تلك المقابر، سارت خطوات بإتجاه ذالك المحل القريب الى ان وقفت أمام بابه تُلقي السلام.
إبتسمت لها محاسن وقائله بترحيب:
إنتِ الجميله اللى جت إمبارح وسألت على دار الحج مؤنس القدوسي، أنا مستحيل أنسى وشك الصبوح ده.
إبتسمت لها سلوان بمجامله قائله:
شكرًا يا مدام محاسن مظبوط انا كمان لسه فاكره إسمك، معليشي هتقل عليكِ النهارده كمان ممكن توصلينى بس لأول شارع الحج مؤنس، عشان هنا الشوارع داخله فى بعضها وممكن أتوه.
إبتسمت محاسن وهى تنظر لها بحِيره قائله:
بس محدش إهنه هيوجف بالدكان لحد ما أرجع، أجولك إستني إهنه دجيجه ورجعالك، هنادم عالواد "حسام"
يوجف فى الدكان لحد ما اعاود.
بعد لحظات عادت محاسن ومعها طفل بحوالى العاشره يتذمر قائلًا:
هما خمس دجايج اللى هقف فى الدكان لو غبتي عن إكده أنا مش مسؤول كفايه سيبتينى اللعب وانا كنت كسبان.
ردت محاسن بتعسف:
كنت بتلعب قمار على "بلي"، متعرفش إن القمار حرام، بس ماشى هرچع قبل خمس دجايج.
أشار لها حسام يده بلا مبالاه، ذهبت محاسن مع سلوان كما حدث بالأمس تحاول جذب الحديث معها وسلوان ترد بإختصار، حتى أن محاسن ذكرت إسم جاويد أمامها قائله:
تعرفي يا حلوه لو بس تجوليلي إنت من وين، كنت خبرت" جاويد الأشرف"عن مطرحك وجولت له عروسه كيف القمر متناسبش حد غيرك.
إبتسمت سلوان قائله بفضول:
أنا مش عارفه إشمعنا جاويد الاشرف ده اللى معلق فى راسك من وقت مشوفتينى إمبارح، عالعموم متشكره لحضرتك انا مش جايه هنا عشان عريس واضح له قيمه عاليه عند حضرتك.
إبتسمت محاسن قائله:
ده له قيمه عاليه بالبلد كلياتها والأقصر كلها بس إنتِ جولى "جاويد الأشرف" وشوفي بنفسك.
إبتسمت سلوان قائله بإستهوان:
مره تانيه أبقى أسأل عليه، أعتقد ده شارع الحج مؤنس، حسب ذاكرتى من إمبارح، لو مكونتش ملغبطه.
إبتسمت محاسن قائله:
لاء مش الشارع ده اللى بعديه علطول.
إبتسمت سلوان لها وسرن الى بداية الشارع توقفت سلوان لها قائله:
كفايه لحد هنا وشكرًا لحضرتك إرجعي للدكان لا الولد يسيبه ويمشي.
كادت محاسن ان تلح عليها للدخول معها حتى أمام المنزل، لكن سلوان قالت لها:
كفايه لحد هنا البيت خلاص يعتبر ظاهر قدامى معروفك مش هنساه.
إبتسمت لها محاسن قائله:
أي معروف عملته إمعاكِ، ربنا يعرف إنتِ دخلتى لجلبي، وكان نفسى أعرف بس إنتِ منين يمكن ربنا يريد يكون بينا ود.
ردت سلوان:
انا من مكان بعيد يا مدام محاسن، بس كانت صدفه جميله إني شوفت حضرتك.
إبتسمت لها محاسن قائله:
وإنتِ راجعه فوتى على دكاني، عيندي "سكر نبات"
چوزي بيچيبه ليا مخصوص طازه مش بطلعه غير للغاليين.
إبتسمت سلوان لها قائله:
حاضر، أكيد وانا راجعه هفوت على دكانك.
غادرت محاسن واكملت سلوان وحدها السير بإتجاه منزل القدوسى الى ان وقفت أمام المنزل الخارجي، وقفت تُزفر نفسها لا تشعر بأي شئ، فقط تريد رؤية مؤنس القدوسي لا أكثر، لا شعور لديها نحو المكان لكن هى هنا لهدف واحد تريد الحصول عليه وبعدها تعود للقاهره مره أخرى وتظل هذه الرحله وكل ما حدث بها مجرد ذكري مرت عليها،
إمتلكت جأشها ودفعت تلك البوابه الحديديّة ودخلت الى فناء المنزل توجهت نحو الباب الداخلى مباشرةً مثلما فعلت أمامها محاسن بالأمس، رفعت يدها ودقت جرس الباب وتجنبت على إحدى جانبيه تنتظر أن يرد عليها أحدًا تمنت الا تكون إحدى الإثنتين اللتان قابلتهن بالأمس، بالفعل إستجابت أمنيتها فتحت لها إمرأه أخري إبتسمت لها.
إستغربت سلوان من بسمة تلك المرأه شعرت بأمل قائله:
صباح الخير لو سمحتِ كنت عاوزه اقابل الحج مؤنس القدوسي،يا ترى هو هنا فى البيت.
إبتسمت لها المرأه قائله:.
أيوه الحج مؤنس لساه إهنه فى الدار جاعد فى المندره اللى عالچنينه تعالي إمعاي اوصلك له.
خرجت تلك المراه من باب المنزل وأشارت بيدها لـ سلوان بأن تتبعها الى أن وصلن الى غرفه لها باب يفتح على حديقة المنزل الصغيره، سبقتها المرأه بالدخول من باب الغرفه قائله:
حج مؤنس فى صبيه بتسأل علي چنابك.
...
بينما قبل لحظات بداخل المنزل
كانت مِسك تكاد الفرحه ان تسلب عقلها وهى تتكهن سبب طلب جاويد مقابلة جدها اليوم، بالتأكيد من اجل أن يطلب يدها للزواج منه، سيتحقق حِلم ظلت سنوات تتمنى ان يتحقق، فماذا سيريد جاويد من جدها شى غير ذالك، فرحه عارمه تدخل قلبها وإزدادت حين سمعت قرع جرس المنزل، لم تستطع الانتظار، خرجت من غرفتها ونزلت سريعًا بلهفه، حتى أنها كادت ان تصتطدم بوالداها بالقرب من باب غرفة المندره المفتوح بداخل المنزل، لكن توقفت بآخر لحظه، إبتسمت لها صفيه قائله:
أكيد اللى كان بيرن جرس الدار ده جاويد، الخدامه راحت تفتح له الباب وأبوكِ وچدك هيستجبلوه فى المندره اللى عالچنينه.
تنهدت مِسك بفرحه قائله:
تفتكري يا ماما ظننا هيطلع صح وجاويد هيطلب يدي من چدي، ولا هيكون فى سبب تانى.
ردت صفيه بتأكيد:
أكيد هيطلب يدك، سبب تانى ايه اللى هيعوز جدك فيه، أجولك خليني أروح للمندره الأسم إني هسلم على جاويد وهنادم عليكِ بأي حِجه.
إبتسمت مِسك بإنشراح... لكن لم تنتظر أن تنادي عليها صفيه بل دخلت خلفها الى المندره مباشرةً.
بالعوده
رد مؤنس على الخادمه بتسأول:
ومين الصبيه اللى بتجولي عليها دي.
ردت الخادمه:
مهعرفهاش اول مره أشوفها وشكلها بندريه مش من إهنه من البلد.
نظر مؤنس لـ محمود بإستغراب ثم قال للخادمه:. خليها تدخل.
وقفت الخادمه على إطار باب المندره ونظرت لـ سلوان قائله:
إتفضلي.
شعرت سلوان بتوجس للحظه ودخلت من باب المندره قائله:
سلاموا عليكم.
بنفس اللحظه كانتا صفيه ومِسك تدخلن من الباب الآخر نظرن لبعضهن بإستغراب ثم نظرن بمقت وإمتعاض من تلك التى جاءت مره أخرى.
لكن نظر لها محمود الذى وقف مذهولًا، كذالك حال مؤنس الجالس، والذى شعر كآن ساقيه تيبسن ولم يقدر على الوقوف، كان الجميع كآنهم أصبحوا أصنام لا تتحرك ولا تنطق، الى أن خلعت سلوان نظارتها الشمسيه لتتضح ملامح وجهها بالكامل ثم جالت عينيها عليهم بترقب حين قالت:.
آسفه إني جيت بدون ميعاد سابق، بس أنا كنت جيت إمبارح أسأل عـ الحج مؤنس وقالولى مش موجود و...
قاطع حديث سلوان محمود سألًا وهو يعلم الجواب على سؤاله فالملامح موضحه من تكون، لكن المفاجأه أفقدته الرزانه:.
إنتِ مين؟.
خرج الجواب من فم مؤنس بخفوت:
سلوان.
سمعه فقط محمود الواقف ملاصق لمكان جلوسه، ترنح الإسم بـ عقل مؤنس كآنه صدى صوت بالفضا.
إزدرت سلوان ريقها ثم قالت بشموخ:.
أنا"سلوان هاشم خليل راضي"صوره من الماضي نيستوها.
رفع مؤنس وجهه وتمعن بـ سلوان مُبتسمًا فهى لم ترث فقط كثير من ملامح إبنته بل أيضًا ورثت شموخها وتسرعها بالحديث... لكن ظل هادئًا مكانه رغم ذالك الحنين الذى بقلبه يقول له إنهض وخذها بين يديك تنفس منها رائحة الماضي الذى إفتقدها، لكن هنالك من شعرن بالبُغض منها وقالت صفيه:
إنتِ بنت"مِسك"، ومين اللى دلك علي مطرحنا أكيد أبوكِ، جالك عشان...
قبل أن تُكمل صفيه وتبخ كلمات غير صحيحه قاطعتها سلوان بكبرياء:.
لاء مش بابا اللى دلني على مكانكم هنا، لأن بابا مكنش يعرف إنى جايه لهنا غير بعد ما وصلت وهو زيكم بالظبط مكنش حابب إنى أتعرف عليكم، وأنا مش جايه أتعرف عليكم.
شعرت مِسك ببغض من طريقة رد سلوان المُجحفه قليلًا وقالت بإستهزاء:
ولما إنتِ مش جايه عشان تتعرفي علينا جايه ليه؟.
ردت سلوان ودمعه تتلألأ بعينيها:
جايه أزور قبر ماما، لو كنت أعرف مكانه مكنتش جيت هنا عشان أسأل الحج مؤنس عليه.
وضع مؤنس يده فوق موضع قلبه يشعر بتسارع فى خفقات قلبه، وهنالك آلم ليس عضوي بل نفسي أكثر قسوه، تلك إبنة "مسك" خد الجميل مثلما وصفتها بأحد رسائلها الذى قرأها
تذكر جملة
'سلوان لما بتتعصب وشها بيحمر وبتبقى شبه توت خد الجميل'.
حاول مؤنس النهوض برويه يستند على عكازه حتى يقدر الوقوف على ساقيه ودمعه حاول إحتجازها بمقلتيه، وأصم مِسك حين حاولت أن ترد على سلوان بتعسُف قائلًا:
أهلًا يا سلوان كنت فى إنتظارك.
تعجب الجميع من كلمة مؤنس حتى سلوان نفسها تعجبت قائله بإستهزاء:
بجد مكنتش أعرف إنك بتشوف الطالع.
تحدث محمود بضيق قائلًا:
واضح إنك معندكيش أدب.
كذالك قالت صفيه وأزدادت:
فعلًا حديتك صُح يا محمود، بس هتچيب منين الأدب وهى بت واحد غوى أمها زمان بالعشج والمسخره وخلاها...
قاطع مؤنس صفيه قائلًا:.
إخرسي ياصفيه، وكلكم أخرجوا بره المندره.
بضجر خرجن مِسك وصفيه كذالك محمود كاد ان يمانع لكن نظرة مؤنس له جعلته يخرج على مضض منه، بينما سلوان توجهت الى باب الغرفه وكادت تخرج هى الأخرى لكن صوت مؤنس جعلها تقف حين قال:
على فين يا سلوان؟.
إستدارت له سلوان قائله:
ماشيه، مش حضرتك قولت الجميع يطلع بره، وصلتنى الرساله.
إبتسم مؤنس لها قائلًا:
نفس تسرعها وغرورها، وأى رساله وصلتك؟.
ردت سلوان:
رسالة إنى مش مُرحب بيا هنا.
إبتسم مؤنس كم ود أن يفتح لها ذراعيه لكن خشي رد فعل سلوان التى تبدوا غاضبه ولديها الحق لكن أشار له على أريكه بالغرفه قائلًا:
واضح إنك قماصه كمان
إجعدي يا سلوان وخلينا نتحدت بهدوء.
ترددت سلوان، لكن هى لديها هدف تود الوصول الى قبر والداتها وبعدها لن تبقى هنا ولا تود رؤية هؤلاء الأشخاص مره أخري... حسمت قرارها وجلست على أريكه أخرى غير التى اشار لها عليها مؤنس بعيده قليلًا عنه، جلس هو الآخر ظلت بينهم نظرات مُترقبه الى ان قطع ذالك الصمت وتلك النظرات صوت رنين هاتف مؤنس، الذى أخرجه من جيبه وقام بالرد التى لم تفهم منه سلوان سوا آخر جمله من مؤنس:.
تمام هنتظرك المسا يا جاويد.
تردد إسم جاويد برأس سلوان لكن نفضت ذالك سريعًا، ربما هو شخص ذات شهره خاصه هنا كما أخبرتها محاسن.
بينما أغلق مؤنس الهاتف ووضعه جواره على الآريكه وعاود النظر لـ سلوان على يقين أنها لن تنتظر طويلًا وستتحدث، بالفعل صدق حدسه، وتنحنحت سلوان قائله بغصه:
ممكن حضرتك توصلني لمكان قبر ماما... اوممكن تبعت معايا أي شخص يعرف المكان لو....
قطع مؤنس إستكمال سلوان يشعر هو الآخر بوخزات تنخر قلبه قائلًا:
لو أيه يا "خد الجميل".
نظرت له سلوان مذهوله، من أين علم بهذا اللقب التى كانت تقوله لها والداتها حين كانت تتعصب وهى صغيره.
إبتسم مؤنس بغصه يومئ برأسه ومد يده قائلًا:
خدي بيدي عشان نروح المقابر، أنا كمان من سنين مزرتهاش.
نظرت سلوان لـ يد مؤنس الممدوده كانت نظرة عتاب منها له أرادت ان تلوم عليه، لما لم تزوها سابقًا، لكن ماذا كانت تتوقع غير ذالك فهو نسيها من قبل أن تموت، لكن لا يهم هى تتذكرها، نهضت وعلى مضص منها أمسكت يد مؤنس الذى بمجرد أن وضعت يدها بيده ضغط قويًا على يدها حتى أن سلوان شعرت بآلم طفيف وصمتت.
بينما تبسم مؤنس،وشعر كآن ملمس يدها مثل البلسم،لكن غصبًا ترك يدها للحظات وإقترب من باب الغرفه ونظر الى خارجها قائلًا:.
أنا خارج.
تلهفت مِسك بالرد سأله:
جاويد زمانه على وصول يا جدي.
رد مؤنس:
لاء جاويد إتصل وجالى عنده ظهر جدامه شوية مشاغل فجأه إكده،وهيچى آخر النهار وانا مش هتأخر.
عاد مؤنس لمكان وقوف سلوان وأشار بعكتزه لها لتسير أمامه قائلًا:
يلا بينا يا"خد الچميل".
نظرت له سلوان ولم تُبدي أى رد فعل بالنسبه لها مجرد كلمه عاديه كما أخبرتها والداتها يومً حين سألتها عن معنى اللقب ولما هو غالى عندها بهذا الشكل لتتخلى عنه لها ، واجابتها وقتها أن هذا اللقب غالي جدًا لان والداها هو من أطلقه عليها، رأت اليوم والد والداتها لاول مره، تشعر بانه لقاء فاتر خالي من المشاعر،وماذا كانت تظن أن تجد من جدها أن يجذبها بين يديه ويضمها،ربما مثلما توقعت سابقًا "هى وهو" مشاعر خاويه من الطرفين...على الأقل هذا ما شعرت به من ناحيتها ولا تهتم لشعور جدها،يكفى أن يصلها الى قبر والداتها.
....
بينما بداخل المنزل،تعصبت مِسك تشعر بحقد وغِل من سلوان قائله:
مش عارفه إزاي جدي يخرج مع البت دى بعد طىيفة كلامها معانا قليلة الادب والإحترام،دى زى ما تكون سحرت له وإتقبل كلامها الدبش،جدي غلطان كان أقل واجب طردها من إهنه.
وافقت صفيه حديث مِسك،لكن محمود عارضهن قائلًا:
انا فعلًا مضايق من طريجتها فى الحديت بس ده مش معناه أنكر أن أبوي حُر،وأكيد شايف طريجتها فى الحديت،ومتأكد فى راسه ليها الرد المناسب.
تهكمت صفيه متسأله:
وأيه هو الرد المناسب ده،بعد ما خدها وخرج من الدار،بدل ما كان يطردها ويكون ده الرد المناسب على قلة أدبها،كويس إن جاويد إتصل وجال إنه هيأجل مجيه لإهنه للمسا كان شاف قلة أدب السنيوره ونزلت جميتنا وجيمة الحج مؤنس من نظره.
تعصب محمود قائلًا بتعسُف:
محدش يقدر يقلل من جيمة الحج مؤنس،وانا متأكد أن أبوي هيعرف يرد عليها الرد المناسب،وانا مش فاضى لـ لت (رغي) النسوان الماسخ وطالما جاويد مش جاي دلوك انا خارج أشوف أشغالي،سلاموا عليكم.
غادر محمود وترك مِسك وصفيه التى تبسمت بعد خروج محمود،رأت مِسك بسمتها نظرت لها متعجبه تقول:
بتبتسمي على أيه يا ماما،بعد كلام البت اللى ناجصه ربايه دي.
إبتسمت صفيه تُفسر سبب ضحكتها:
هى فعلًا ناجصه ربايه،بس النجص ده فى مصلحتنا.
إستغربت مِسك قائله:
جصدك ايه فى مصلحتنا بعد ما إتعالت علينا كآننا أقل منيها.
ردت صفيه:
إحنا مش أقل منيها هى اللى بغبائها خسرت يعنى لو جايه وطمعانه فى ورث،بعد طريجة حديتها الحچ مؤنس نفسيه هيحرمها منيه،الغبيه بدل ما كانت تتحايل وتحاول بالحيله تكسب قلب الجميع ظهرت على حجيجتها الجبيحه،وده ضد مصلحتها،أنا كده إطمنت إن الحج مؤنس مستحيل يحجج لها طمعها.
زفرت مِسك نفسها بغضب قائله:
برضك مش بتفكري غير فى ورث جدي،ليه ميكونش للبت دى هدف تاني جايه عشانه.
تنهدت صفيه قائله:
وأيه هو السبب التانى ده اللى يخليها تقطع ابمسافه دى كلها بعد السنين دى،غيرالطمع،إياكِ مصدجه أنها چايه عشان تزور قبر أمها كيف ما جالت،عندي توكيد إنها طماعه بس لعبتها غلط لما إتحدت ويا چدك بالطريجه العفشه دي،فكرت لو جالت له أنه جايه عشان تزور قبر امها هتلعب على وتر عواطفه،بس هى غبيه وسبجت بقلة الأدب،أمها كانت إكده زيها وفى الآخر خدت أيه غير غضب جلب چدك عليها زمان.
......
سارت سلوان جوار مؤنس بالبلده لاحظت أن له شعبيه تبدوا طيبه بالبلده فكل من يقابله يُلقى عليه السلام بإسمه،لم تستغرب من ذالك...الى أن وصلا الى مدخل المقابر
شعرت برهبه وتوجس معًا،رغم انها ثاني مره تدخل الى المقابر،لكن اليوم تشعر بأن للمكان رهبه قويه وخاصه به،للحظه إرتجف جسدها من قوة تلك الرهبه،لكن وضعت نظارتها الشمسيه وهى تسير خلف مؤنس الى ان توقف امام أحد القبور نظرت الى تلك الشهاده الموضوعه على حائط القبر قرأتها عرفت من الأسم من بالقبر الأسم كان إسم جدتها فقط،نظرت نحو مؤنس للحظات شعرت ببعض من البُغض لما لم يضع شهاده على القبر بإسم والداتها ألهذا الحد وصل به الجحود عليها لكن لا يهم وليس جديد منه الجحود على والداتها عاشته معها طوال سنوات تراها تكتب رسائل بدموعها ولا يرسل لها ردًا على
رساله واحده، حتى لو كان ردًا يقول لها لا ترسلى تلك الرسائل،بل هو لم يهتم بالرسائل من الأساس،والدليل واضح أمامها عينيه حتى لم ترتجف وقف صامتًا،بينما هو
عكس ذالك الهدوء الظاهري الواضح عليه قلبه ينكوي بنار وهجها شديد يحرق العصب ويسيل كان يُريد العكس وأن هي من تقف امام قبره تقرأ له الفاتحه وتدعوا له بالرحمه.
لم تستطيع سلوان السيطره على دموعها التى تحولت الدموع بقلبها الى نشيج يُدمى القلب.. شعرت أن
الإشتياق أقسى وجع بالأخص إذا كان لشخص بينك وبينه فقط حائط هش غير قادر على إزالته رغم سهوله هدم المكان بأكمله...لكن تعلم بالنهايه لن تجد سوا رُفات أغلى من أثمن الكنوز.
بعد قليل جذب مؤنس سلوان من يدها للسير قائلًا:
كفايه إكده .
كادت سلوان تنفض يدهُ عن يدها،لن أكمل مؤنس قوله:
قربنا على صلاة الضهر،وفى چنازه قريبه من إهنه خلينا نطلع جبل المكان ما يتزحم بالمُشيعين للچنازه.
بالفعل رأت سلوان بعض الاهالى يتوافدون الى داخل المقابر قريب من مكان وقوفهم،إمتثلت لـ مؤنس وسارت معه الى أن خرجا من المقابر،سحبت يدها من يدهُ،قائله:
شكرًا،أنا لازم أرجع الاوتيل عشان راجعه القاهره بكره،عن إذنك.
إستغرب مؤنس قائلًا:
هتعرفي تطلعي من البلد لوحدك.
ردت سلوان بتهكم:
زي ما جيت لوحدي هطلع لوحدي،سلام.
غادرت سلوان وتركت مؤنس الذى ينظر فى خُطاهت الى أن رأها دخلت الى ذالك الدكان ولم تظل به سوا بضع دقائق ثم غادرت بالطريق الموازى للمجري المائى إستغرب ذالك لكن إقترب منه أحد الاشخاص يُحدثه،فألتفت له،لكن عاود النظر نحو الطريق كانت إبتعدت سلوان عن مرأى عينيه.
...
بينما سلوان
حاولت السير تشعر بإنهاك فى قلبها حتى كادت ان تسير دون الذهاب الى دكان محاسن لولا ان راتها محاسن ونادت عليها،ذهبت سلوان لها،من الجيد أن النظاره كانت حول عينيها أخفت الحزن واثار الدموع.
تحدثت لها محاسن بعتاب:.
إكده كنتِ هتمشى من غير ما تفوتى علي.
صمتت سلوان،بينما جذبت محاسن كيس بلاستيكى صغير بحجم كف اليد تقريبًا ومدت يدها به الى سلوان قائله:
سكر النبات أهو،جلبي بيجولي إنك هتعاودى لإهنه من تاني.
إبتسمت سلوان وفتحت حقيبتها وأخرجت بعض المال وكادت تعطيه لـ محاسن لولا ان نظرت لها بعتاب قائله:
أنا جلبي إنشرح لك من أول ما شوفتك،لو رچعتي لإهنه تانى إبجي إفتكريني.
إبتسمت سلوان لها قائله:
مظنش هرجع لهنا تانى،بس مش هنساكِ يا مدام محاسن.
إبتسمت لها محاسن،وهى تغادر الدكان،ثم سارت على الطريق جوار الترعه إبتسمت حين رأت سيارة جلال من بعيد قليلًا لكن فجأه من العدم ظهرت إمرأه تتشح بالسواد من إخمص قدميها حتى تلك التلثيمه حول وجهها،تقترب من سلوان بخطوات سريعه لحدٍ ما تقابلت وجهًا لوجه مع سلوان التى شعرت برهبه مُخيفه حين تلاقت عينيها مع عيني تلك المرأه شعرت برهبه وخوف مضاعف بسبب عينيها اللتان غلب عليهن السواد بالكامل وإختفى منهن البياض،عينيها تُشبه عيني الشياطين،إرتجفت سلوان وتجنبت منها على جانب الطريق ناحيه المجري المائى وكلما تجنبت بعيد عنها كانت تُضيق عليها الطريق حتى أن سلوان أصبحت على بُعد خطوه واحده وتسقط بالمياه،لولا نداء جلال عليها بصوت جهور...إبتعدت عنها تلك المراه خطوه عدت منها سلوان سريعًا بإتجاه جاويد
جاويد الذى رأى تلك المرأه رغم ان ظهرها له لكن تعرف على نذيرة الشؤم بالنسبه له فهو لم يراها سوا مره واحده وكان طفلًا وقتها لم يمُر سواد الليل ومات أخيه الأكبر وهو نجى من موت مُحقق بأعجوبه إلآهيه وقتها،شعر بالخوف على سلوان منها...وترجل سريعًا من السياره وقام بالنداء عليها كتحذير لتلك المرأه.
شعرت سلوان براحه وطمأنينه حين إقتربت من جاويد الذى إنخض عليها وقابلها بالطريق وأمسك يدها قائلًا:
سلوان إنتِ بخير،الست اللى كانت بتضيق عليكِ الطريق كانت عاوزه أيه منك:
إزدرت سلوان ريقها قائله:
لاء أنا مش بخير والست دى معرفش كانت عاوزه أيه،وممكن بلاش أسئله وصلني للاوتيل لو سمحت.
رغم فضول جاويد لكن شعر بالشفقه على سلوان وجذبها للسير الى ان وصلا الى مكان وقوف السياره فتح لها الباب،صعدت سريعًا جلست وإتكئت برأسها فوق مسند السياره وأغمضت عينيها مازال الخوف يُسيطر عليها.
بينما قاد جاويد السياره صامتًالبعض الوقت كل لحظه ينظر ناحية سلوان لا تُحرك ساكن،ظن أنها ربما نامت،مد يده بجرأه يجذب تلك النظاره عن عينيها لكن شعرت سلوان به وإعتدلت بخضه قبل أن ينزع النظاره.
تسال جاويد:
فكرتك نمتي،فى أيه اللى حصل وبقيتي بالشكل ده،جدك رفض يقابلك؟.
ردت سلوان:
لاء قابلته وكمان زورت قبر ماما،وحاسه بوجع فى قلبي،كمان الست اللى قابلتها عالطريق دى خوفتني أوي.
وضع جاويد يده فوق يد سلوان قائلًا:
والست عملت إيه أو قالتلك أيه خوفك بالشكل ده؟.
ردت سلوان:
مقالتش حاجه،بس نظرة عنيها خوفتني،حتى لما حاولت اتجنب منها عالطريق بقت تضيق الطريق عليا حسيت أنها زى ما تكون معتوهه أو مجرمه شكل عينيها خوفنى حسيت إنى شوفت فيهم وهج نار،لو مسمعتش صوتك فى الوقت المناسب يمكن كنت موتت من الخوف منها.
إزدرد جاويد ريقه قائلًا:
بعيد الشر عنك،تحبي نروح أى مكان هادي،تريحي فيه أعصابك.
إتكئت سلوان براسها مره أخرى على مسند المقعد قائله بشعور الإنهاك نفسيًا:
لاء وصلني للأوتيل محتاجه أنام،يمكن أما انام أحس براحه أكتر.
وافق جاويد سلوان وتركها طوال الطريق ظل صامتًا
رغم فضوله،لكن شعر أنها تود السَكِينه ألآن أكثر،الى ان وصلا الى أمام الفندق.
ترجلت سلوان من السياره،كذالك جاويد الذى إقترب من مكانها قائلًا:
هتصل عليكِ المسا.
اومات سلوان رأسها بصمت ودخلت الى الفندق،ناحية الإستقبال مباشرةً وأخذت مفتاح غرفتها لكن أثناء سيرها كادت تصتطدم بأحد الماره نظرت له بدونيه ثم إبتعدت عنها بلا حديث...
صعدت الى غرفتها حين دخلت ألقت حقيبتها ومفتاح الغرفه أرضًا وألقت بجسدها فوق الفراش سُرعان ما نزعت تلك النظاره عن عينيها وتركت العنان لعينيها تضُخ دموع غزيره كانت تشعر انها تود الصُراخ أيضًا،لكن فجأه تذكرة مقولة والداتها
"لما تحسي إنك مبقتيش قادره تتحملي قساوة الواقع غمضي عنيكِ ونامي وإتخيلي شئ سعيد نفسك يحصل"
بالفعل
أغمضت سلوان عينيها سُرعان ما غفت يفصل عقلها قليلًا.
.....ـــــــــــــــــــــــ❈-❈-❈
بالمشفى
بحوالي العاشره صباحً
نظر ناصيف الى ساعة يدهُ ونظر الى دخول جاويد الى المشفى مُتهكمًا بمرح:
الدكتور اللى طلب مننا الإنضباط فى مواعيد ممارستنا للعمل جاي متأخر...ده مش يعتبر تسيب،ولا عشان بقيت المدير بقى.
علم جواد ان ناصيف يقول هذا بتلميح منه يظن انه هزاز او مزح،جاوب عليه:
أنا آخر واحد بيغادر المستشفى الفجر تقريبًا،وأما أتأخر ساعتين أظن من حقي طالما عارف إن الوقت ده فى أكتر من دكتور مناوب يحلوا محلي،وإن كان على المصالح نائب المستشفى فى إيده كل الصلاحيات يقدر يتصرف فى غيابى.
شعر ناصف بالخزي،ووضع يده فوق كتف جواد قائلًا:
انا كنت بهزر إنت خدت الكلمتين جد ولا أيه.
رد جواد يعلم أنه كاذب قائلًا:
ما انا عارف إنك كنت بتهزر بس حبيت اوضحلك مش أكتر،عن إذنك ملهاش لازمه وقفتنا دى،الوقت ده المرضى اولى بيه كفايه انى جاي متأخر.
ترك جواد ناصف وسار لبضع خطوات ليتوقف مره أخرى لكن هذه المره شعر بإنشراح فى قلبه حين تقابل مع إيلاف التى إبتسمت له،شعر كآن نسمه هادئه تتوغل الى فؤاده،ألقى عليها الصباح قائلًا:.
صباح الخير يا دكتوره،شايفك إنتِ الوحيده اللى حديثى إمبارح أثر فيها وبتمارس مهمتها برحابة صدر.
إبتسمت إيلاف:
بالعكس انا صحيح بقالى فتره صغيره فى المستشفى بس النهارده حاسه بنشاط مختلف فيها،ختى مفيش تكدس للمرضى،بسبب وجود أكتر من دكتور فى المستشفى.
إبتسم جواد قائلًا:.
الغربال الجديد له شَده فى الأول،كلها يومين بالكتير وهيرجع كل شئ زى ما كان،بس هما فاكرين كده،بس انا أختلف عن غيري،ومبدأي هو صحة الناس اللى محتاجه لينا.
إبتسمت إيلاف قائله:
ربنا يقويك،هستأذن أنا عشان عندي حاله متابعه لها من يومين،وتقريبًا إتحسنت هروح أشوفها إن كان يستدعي بقائها او لاء.
إبتسم جواد قائلًا:
هو ده اللى نفسي يتغير،إن المريض لما يخرج من المستشفى ميبقاش لسه نص شفا،ونخرجه عشان نقول غيره يستحق الرعايه أكتر منه،نفسي يخرج من المستشفى وهو صحته كويسه وفى نفس الوقت نقدر نستقبل غيره ونقدمه العلاج المناسب.
تهكمت إيلاف قائله:
ده بيحصل فى المستشفيات الخاصه بس إنما الحكومه مضبوطين بإمكانيات محدوده...عالعموم يمكن ده يتحقق ليه لاء.
إبتسم جواد يشعر بأمل حين يرى إيلاف رغم أنها غير ذالك لا تشعر شئ بإتجاهه سوا بعض الإعجاب بشخصيته كطبيب لديه نزعه إنسانيه.
أما ناصف فقد رأى وقوف جواد وإيلاف تهكم ساخرًا :مش فاضي توقف معايا دقيقتين وهاخد من وقت المرضى إنما تقف الدكتوره الجديده عادي مش هضيع وقتك الثمين...وماله يا سيادة المدير الجديد.
.....❈-❈-❈
مساءً
بالفندق
كانت تسير بطريق يكسوه ضباب أسود بكثافه شديده يُشبه دخان الحريق بالكاد ترى خطوه واحده منها، فجأه من بين ذالك الضباب خرجت تلك المرأه التى قابلتها قبل الظهر، إرتعبت منه وعادت خطوات للخلف، لكن المرأه كانت تقترب منها بخطوات سريعه شعرت كأنها تتحرك بلا قدمين، توجست رعبًا وكادت تصرخ، لكن تلك المرأه وضعت يدها حول عنقها شعرت كأنها جمرة نار على عنقها، كادت تخنقها لولا أن إنقشع جزء من ذالك الضباب وإقترب جلال منها ونزع يد تلك المرأه التى إرتعبت حين رأت جلال وتلاشت مع ذالك الضباب، وحل نور الشمس، نظرت سلوان لـ جلال وبلا شعور منها
قامت بحضنها كآنها كانت تستنجد به وآتى بالوقت المناسب، عادت برأسها للخلف قليلًا، نظرت لوجهه رأته يبتسم لها، شعرت بحياء وأخفضت وجهها قليلًا، لكن جلال رفع وجهها لتنظر لعينيه بحياء، لكن تفاجئت به يميل بوجهه ويقترب بشفاه من شفاها وكاد يُقبلها،
لولا أن
أستيقظت على صوت رنين هاتفها الذى أفزعها.
.... ❈-❈-❈
بمنزل القدوسي
نظرت مِسك الى تلك الساعه المُعلقه على الحائط ثم نظرت لـ صفيه قائله بضيق:
الساعه بقت سبعه المغرب وجدي من وجت ما خرج مع قليلة الربايه مرجعش للدار، وزمان جاويد على وصول، ولو جه وملجاش چدي فى إنتظاره هيفكر إن ده قلة ذوق منيه.
تنهدت صفيه بضيق قائله:
فعلًا من وجت ما خرج مع بت مِسك، وهو معاوديش للدار حتى وجت الغدا، وزمان جاويد على وصول، أنا بحمد ربنا إنه آجل ميعاده الصبح ولا كان شاف طريجة مقصوفة الرجبه دي، كيف أمها زمان كانت إكده عيندبها كِبر وغرور كأن مفبش فى جمالها...بالك لو جاوي. كان جه وشاف طريجة البت الجبيحه دى يمكن كان ضربها قلمين فوقها.
ردت مِسك:
او الله أعلم يمكن كانت عچبته ما اهو الصنف اللى زى البت دى بيلاقى اللى يمرعه.
ردت صفيه:
عيندك حق، بس مش الصنف ده اللى يعجب جاويد ويبص لها، سيبك من التفكير فيها، أنا هتصل على بوكِ وأسأله فين چدك لا يكون عقلهُ راح منيه وناسي ميعاد جاويد
و...
صمتت صفيه فجأه حين سمعت صوت مؤنس يقول بإيحاء وإستهزاء:
لاه لسه فيا عقل وبفتكر زين، ومش ناسي ميعاد جاويد وأها انا جيت وإتجابلت إمعاه على باب الدار.
ـــــــــــــ
رواية شد عصب الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سعاد محمد سلامة
استيقظت سلوان بفزع قليلًا على صوت رنين هاتفها.
نهضت جالسة على الفراش تنظر حولها بإستيعاب.
كان نور النهار تقريبًا يُغادر.
نظرت لوميض ذالك الهاتف الذى كان قريب منها على الفراش.
وضعت يدها فوق الهاتف، تشعر كأنها كانت تائهه ليست نائمة.
فجأة، مثلما صدح صوت الهاتف، صمت لثوانٍ لا أكثر.
تنهدت وبدأت تعود لإدراك ما حولها قبل أن يصدح رنين الهاتف مرة أخرى.
رفعت الهاتف ونظرت للشاشة.
زفرت نفسها تتوقع حديث والداها الجاف.
لكن خاب توقعها حين قامت بفتح الهاتف، حدثها بهدوء ولهفة:
"مساء الخير يا سلوان، أيه آخرك في الرد على اتصالي."
شعرت بهدوء قليلًا قائلة:
"كنت نايمة يا بابا، انت عارف إني القطر هيطلع من الأقصر بعد الفجر، وانت عارف لما بكون مسافرة مش بعرف أنام في الطريق، قولت أنام ساعتين وصحيت على رن الموبايل، على ما جيت الرد كانت مدة الرنين خلصت، وكنت لسه هتصل عليك."
تنهد هاشم براحة قائلاً:
"تمام، يعني هتكوني هنا في القاهرة على بكرة المسا."
ردت سلوان:
"أيوا يا بابا، بس قبل ما أرجع أهو بقولك انسى موضوع إيهاب ده، مستحيل يحصل."
ابتسم هاشم وتلاعب بها قائلاً:
"أما توصلي للقاهرة لينا كلام بعض، الموضوع ده مينفعش الكلام فيه عالموبايل."
تنهدت سلوان بضجر:
"لأ يا بابا، مستحيل ده يحصل ومش عاوزة حتى أما أرجع بكرة نتكلم في سيرة إيهاب ده خالص، أنا مش بطيقه من الأساس من أيام ما كنت ساكنة مع عمتو شادية كنت بستغلس دمه هو و...."
صمتت سلوان قبل أن تقول، هو وزوجته التي تزوج بها.
لكن لا تريد إشعار والدها بأنه أخطأ بالزواج من امرأة لا تحبها.
وهل كانت ستحب أي امرأة زوجة لأبيها؟
لكن أصبح عليها القبول بذلك الأمر والتعامل معه ببساطة حتى لا تثير الإزعاج لوالدها.
بينما شعر هاشم بغصة في قلبه وهو يعلم أن سلوان قطعت استكمال قولها، أنها أيضًا لا ترحب بزوجته.
لديها الحق، هي تظن أنه وضعها أمام الأمر الواقع وتزوج بامرأة تأخذ مكان ومكانة والدتها الراحلة.
وربما تستطيع أن تسيطر على قلبه وتجعله يقسو عليها.
لكن هي مخطئة، فلا يوجد أحد يستطيع أخذ مكانتها بقلبه، لا هي ولا والدتها.
لكن الحياة فقط تستمر.
تنهد هاشم قائلاً بتهديد مباشر:
"تمام يا سلوان، اللي عاوزاه بس اعملي حسابك لو اتأخرتي يوم واحد زيادة عندك في الأقصر، أنا وقتها هوافق على طلب إيهاب حتى لو غصب عنك."
تنهدت سلوان براحة وفرحة قائلة بتأكيد:
"لأ اطمن يا بابا، راجعة بكرة. كده كده الفلوس اللي معايا خلاص تعتبر خلصت، يدوب على قد رجوعي لعندك تاني."
ابتسم هاشم قائلاً:
"تمام، هسيبك تنامي تاني عشان عندك سفر طويل، بالسلامة."
أغلقت سلوان الهاتف ووضعته على الفراش بجوارها.
تشعر بمشاعر مختلفة لا تعلم تفسير لها.
بقلبها ضيق.
لما سافرت إلى أماكن كثيرة سابقًا حين كانت تغادر لم يكن يسيطر عليها أي شعور.
أحيانًا كانت تريد المغادرة بعد لحظات من الوصول.
لكن هنا شيء غريب يجذبها للبقاء.
ما هذا الشيء؟ لا تعلم.
هي تود البقاء فقط.
لكن لا مفر، تحتم عليها المغادرة.
❈-❈-❈❈-❈-❈❈-❈-❈
بينما أغلق هاشم الهاتف ووقف يتنهد مبتسمًا، يشعر براحة بعد قلق عاشه الأيام الماضية.
سلوان ستعود بالغد وينتهي هذا القلق.
لاحظت دولت بسمة هاشم.
اقتربت منه سألته بصوت يشوبه السخرية:
"إيه، سلوان رجعت في وعدها وآجلت رجوعها من الأقصر."
رد هاشم:
"لأ، سلوان راجعة بكرة."
قال هاشم هذا وترك دولت تقف وحدها وذهب نحو غرفة سلوان ودخلها وأغلق خلفه الباب.
بينما زفرت دولت نفسها بغضب وحقد قائلة:
"كانت شؤم سودة بقالي خمس سنين أرملة كنت عايشة مرتاحة مع ابني، معرفش إيه اللي خلاني أتهفت في عقلي ووافقت على الجوازة دي. واحد عنده بنته أهم من أي شيء تاني، كأن مفيش غيرها في الحياة. عقله ناقص يطير منه عشان يرجعها كأنها طفلة وهتوه. رغم من تعاملي معاه قبل كده متأكدة إنها خبيثة ودلوعة."
بينما دخل هاشم إلى غرفة سلوان.
جلس على طرف الفراش وجذب ذالك البرواز الصغير الموضوع على طاولة جوار الفراش.
نظر له بقلب منفطر.
يرى صورة سلوان بالمنتصف بينه وبين "مِسك".
تلك الرائحة الطيبة التي عاشت معه ثلاث عشر عامًا.
بدأت معه من الصفر.
عاشت معه وتحملت إمكانياته البسيطة لسنوات.
تتحمل ضيق المعيشة.
بل وأحيانًا كانت هي من تواسيه بعد يوم عمل شاق قضاه وأن الآتي سيكون أفضل.
كانت تنتظره كل مساء مع طفلتهم التي ورثت جمالها.
انقضت الأيام والسنين معها سريعًا.
حتى بعد أن آتت إليه فرصة العمر وعقد عمل بدولة الإمارات رحلت معه.
لكن كان القدر إذا أعطى شيئًا أخذ شيئًا ثمينًا بالمقابل له.
توفر المال براتب خيالي استطاع به شراء شقة بمكان أفضل وتبدل الحال بـ سلوان لتدرس بمدارس أجنبية خاصة هناك بالإمارات.
لكن هذا لم يدوم ذلك كثيرًا.
فجأة مرضت مِسك وأخفت آلامها لفترات إلى أن تغلب عليها اللعين.
وعرف هاشم أنها بالمرحلة النهائية لمرض خبيث نهش جسدها.
رغم ذلك لم يؤثر على جمال ملامحها.
تذكر وصيتها الأخيرة:
"أنا عارفة إني هموت يا هاشم، المرض خلاص اتمكن من جسمي. بس ليا عندك أمنية ووصية، بتمنى أنك تقدر تحققهم. الأمنية... إني بعد أموت أندفن في الأقصر في بلدي اللي عشت فيها واتقابلت معاك كمان هناك. الوصية... بنتي سلوان، أنا عارفة إنك هتتجوز من بعدي، بس وصيتك سلوان، بلاش تسمع للي هتتجوزها من بعدي وتأسي على سلوان... سلوان عاشت مقفول عليها بسبب ظروف جوازنا... بتخاف تثق في اللي حواليها. حافظ عليها."
دمعة فرت من عين هاشم وأنامله تتلمس وجه مِسك الرقيقة.
كانت مثل اسمها "رائحة طيبة".
لكن لم يزل عبقها من حياته.
تركته بـ سلوان التي حاول دائمًا توفير الراحة لها.
اكتفى بها هي وعمله لسنوات.
انغمس في العمل حتى يستطيع التحكم في ألم قلبه الذي مازال يحمل العشق فقط لـ "مِسك".
لكن فجأة شعر أنه أصبح مثل الترس الذي بدأ يتآكل، فقط يعمل ويجني المال من أن يجعل سلوان تعيش بمستوى راقي جدًا يليق بها.
لكن سلوان كبرت وأصبحت شابة جميلة تتهافت عليها العرسان.
حقًا كانت ترفضهم بلا أسباب.
لكن ذلك لن يطول.
ربما يأتي من يخطف قلبها وتذهب معه، ويظل هو وحيدًا.
أنهى عقد عمله وأنهى مرحلة سفره الطويل وقرر المكوث بمصر نهائيًا.
لكن بلحظة شغلت أخته عقله أن عليه أن يجد زوجة ليس شرطًا أن يحبها، وهذا من حقه أن يجد أنيسة له.
فسلوان لن تظل معه طوال العمر، سوف يأتي وقت وتتزوج وتبتعد عنه وتبني حياة خاصة لها.
لما يظل وحيدًا وهو مازال بصحة جيدة.
قابل دولت جارة أخته الأرملة ووجدها مناسبة له عمريًا، وقريبة من نفس ظروفه، فقط تريد زواج ونس.
تزوج بها بعد أن أخبر سلوان التي لم تبدِ أي معارضة.
رغم أنه شعر أن معاملتها مع دولت فاترة حتى من قبل أن يخبرها أنه سيتزوجها.
ربما لم تعترض سلوان حتى لا يقول عنها أنانية.
تحملت زواجه، الذي أحيا بداخلها ذكرى والداتها الراحلة.
لكن هي مازالت وستظل الأولى والأغلى بحياته.
❈-❈-❈
بعد حوالي ساعة بمنزل القدوسي.
نهض جاويد مبتسمًا يقول:
"تمام، هنتظر رأيك يا حج مؤنس، أتمنى يكون في أقرب وقت."
أومأ له مؤنس برأسه وكاد ينهض.
لكن جاويد قال له:
"خليك مرتاح، أنا مش غريب، هستأذن وهنتظر ردك. سلاموا عليكم."
غادر جاويد من باب الغرفة المطل على الحديقة.
رأت مغادرته مِسك من شرفة غرفتها الواقفة بها، ظاهرة بوضوح للرؤية.
لكن رغم ذلك لم يرفع جاويد رأسه وينظر إليها.
لكن لم تهتم ونزلت من غرفتها سريعًا، كي تأخذ البشارة التي تنتظرها بقلب منشرح.
بالمندرة.
رغم أنها تشعر ببعض الخزي، لكن الفضول جعلها لا تهتم لما قالته قبل قليل.
ودخلت إلى المندرة بلهفة، سائلة بخبث:
"إيه ده، هو جاويد مشي بسرعة كده ليه؟ كان جاي في إيه؟"
نظر مؤنس لها بتهكم.
هل تظن أنه أحمق بعد كل تلك السنوات الذي عاشها وعلمته التمييز بنوايا البشر جيدًا؟
لكن ادعى عدم الانتباه لنواياها ورد ببساطة:
"الأمر اللي كان عاوزني فيه كان بسيط وانتهى بسرعة."
رغم فضول صفيه، هي تعلم خبث ومكر مؤنس جيدًا.
لكن قالت:
"طب كنت امسك فيه على العشا حتى، هو جاويد غريب."
رد مؤنس:
"لأ، جاويد مش غريب وفعلاً طلبت منه يتعشى معانا، بس هو جال وراه شغل مهم."
تهكمت صفيه:
"شغل إيه دلوقت؟ دي المغربية حلت والعشا فاضل عليه ساعة بالكتير."
رد مؤنس بتهكم:
"والله مسألتوش عن أشغاله، هو جالي اللي كان جاي عشانه وسابلي، وجت أفكر قبل ما أرد عليه، وبعدها استأذن. همسك فيه غصب عني."
شعرت صفيه بالضجر ثم قالت بسؤال:
"إلا، هو جاويد كان عاوزك في إيه؟"
نظر لها مؤنس وتخابث قائلاً:
"مش فاكر، نسيت أصلي كبرت والذاكرة عندي بجت بعافية. أنا رايح الجامع ألحق أصلي المغرب، ومش هعاود غير مع محمود بعد صلاة العشا، بدل وجفتك دي، روحي تتمي على الأكل."
غادر مؤنس الغرفة وترك صفيه تشعر تنفخ أوداجها.
تشعر بالغضب، لكن دخلت مِسك إلى الغرفة بلهفة قائلة:
"فين جدي؟"
ردت صفيه:
"جدك خرج راح الجامع."
استغربت مِسك من ضيق صفيه وتسألت:
"مالك يا ماما مضايجة ليه كده؟ هو جدي جاله حاجة زعلتك؟ ولا يكون اتحدت مع جاويد بطريقة كويسة بعد ما سمع كلامك عليه."
ردت صفيه:
"لأ، معرفش. جدك حاويط، وبيعرف يداري مشاعره زين. وقبل ما أسأله جاويد كان عاوز إيه، قال رايح الجامع، ومش هيرجع غير مع أبوكِ بعد صلاة العشا."
زفرت مِسك نفسها بغضب قائلة:
"ولسه هنستنى لحد ما يعاود هو وبوي بعد صلاة العشا، وممكن كمان يتأخروا كيف عادتهم. ياريتني ما سمعت حديثك وكنت وقفت جار باب المندرة، يمكن كنت سمعت جاويد وعرفت هو كان عاوزه في إيه؟"
ردت صفيه:
"افرضي جاويد بدل ما كان خرج من باب المندرة اللي على الجنينة كان خرج من الباب ده وشافك، كان هيقول إيه وياخد عنك فكرة إنك بتتصنتي. وأنا متأكدة إن عندي إحساس إن جاويد طلب إيدك من جدك، بس هو كده عنده مكر ولؤم، ومليش في إيدنا غير الصبر لحد ما يعاود ونعرف ونتأكد من إحساسي."
تنهدت مِسك بأمل رغم أن الانتظار الآن هو أسوء حل.
❈-❈-❈
قبل صلاة العشاء بقليل.
أمام المشفى.
أثناء خروج إيلاف من المشفى بعد أن أنهت وقت عملها، رأت جلوس بليغ مع فرد الأمن الواقف على باب المشفى.
نهض حين رآها تقترب من مكانه، يبتسم هو الآخر إلى أن تقابلا بالقرب من بوابة المشفى.
مد يده بكيس ورقي قائلاً:
"من حظك لحقتك قبل ما تمشي من المستشفى، جبتلك شوية فول سوداني مقلي طازة وسخن."
أخذت إيلاف من يده الكيس مبتسمة تقول:
"متشكرة يا عم بليغ، والله أنا بقيت بنتظر حضورك لهنا قدام المستشفى زي الطفلة اللي بتنتظر......"
توقف الكلمة بلسان إيلاف.
فماذا تقول؟ "منتظرة أبيها يعود لها بالحلوى".
شعرت بغصة.
نظر لها بليغ باستغراب قائلاً:
"مالك يا دكتورة، وقفتي حديثك ليه؟ أوعى أكون بضايقك."
ابتلعت إيلاف تلك الغصة وأخفت تلك الدمعة بعينيها وتبسمت له:
"لأ يا عم بليغ، بالعكس أنا ببقى سعيدة لما بشوفك. تعرف إني قبل كده كان مستحيل آخد أي حاجة من حد غريب عني، وبالذات حاجة الأكل."
ابتسم لها بليغ قائلاً:
"بس أنا مش غريب يا بتي، أنا عمك بليغ."
ابتسمت له تشعر بشعور مختلف معه، شعور ألفة.
ودت أن تقول له لكنك لست بالنسبة لي عم، بل أريد أن أناديك بليغ فقط، لكن الذوق يمنعني.
بينما بليغ رفع وجهه قليلاً ونظر لأعلى ليرى ذاك الواقف خلف شباك مكتبه بيده كوب يحتسي منه.
لكن تبدو ملامحه غاضبة بعض الشيء.
تبسم بداخلها.
هو حقًا عاش حياته مثل شريد، لكن أصبح لديه شفافية خاصة يستطيع قراءة العيون ويعلم منها صدق أو كذب المشاعر.
بينما بمكتب جواد.
لم ينتبه لمن كان يتحدث معه إلا حين وضع كف يده على كفه ينظر إلى ما ينظر إليه عبر الشباك.
وتخابث قائلاً:
"سرحت فين يا دكتور جواد؟ بكلمك مش بترد عليا."
انتبه جواد له قائلاً:
"مش سرحان ولا حاجة، بس شوية إرهاق. على العموم، هفكر في عرضك وهرد عليك في أقرب وقت يا ناصف."
ابتسم ناصف بمكر قائلاً:
"دي تبقى فرصة عظيمة لو قبلت تنضم لينا يا دكتور جواد. في النهاية إحنا غرضنا صحة الأهالي. المستشفى الجديدة اللي بقولك عليها هي خاصة صحيح، بس هيبقى فيها جزء خيري لعلاج المحتاجين مجانًا. يعني غرضنا مش الربح فقط. المستشفى مفتوحة للجميع، اللي قادر يدفع قصاد علاجه، واللي مش قادر ومحتاج ومعندوش إمكانية انتظار مكان يفضى بمستشفى الحكومه."
رد جواد:
"تمام، قُلتلك هفكر. بلاش طريقة إلحاحك دي."
تبسم ناصف بخبث قائلاً:
"تمام، هنتظر ردك. ودلوقتي أنا خلاص ورديتي خلصت، هروح بيتي أرتاح شوية."
أماء له جواد برأسه دون حديث حتى خرج من المكتب.
جلس جاويد يزفر نفسه بقوة، يشعر بضيق من بليغ الذي يتقارب من إيلاف وينتظرها شبه يوميًا أمام المشفى.
لكن بنفس الوقت صدح رنين هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
ابتسم وقام بالرد مازحًا:
"من الواضح كده إن مصانع الأشرف قربت تعلن إفلاسها ورئيس عمالها يوميًا بشوفه المسا هنا قدام المستشفى... يا جاويد باشا."
ابتسم جاويد قائلاً:
"لأ، اطمن. الحمد لله المصانع شغالة كويس، بس رئيس العمال يمكن يكون بيجي المستشفى يطمن على صحته، ناسي إن إيده كانت مجروحة. على العموم مش متصل عليك عشان تقر عليا، أنا محتاج لاستشارة خاصة."
مزح جواد قائلاً:
"بصفتك من عيلة الأشرف ومقتدر ماليًا، فالاستشارة هتتحول للقسم الاقتصادي بالمستشفى. قولي نوع الاستشارة عشان أحدد قيمة المبلغ."
رد جاويد:
"لأ، مش هينفع نتكلم عالموبايل. أنا قريب من المستشفى، ربع ساعة وأكون عندك."
رد جواد:
"تمام، بس اعمل حسابك مبلغ الاستشارة هيتحدد حسب الوقت اللي هتاخده."
ابتسم جاويد قائلاً:
"تمام يا دكتور يا استغلالي، هدفعلك التمن مضاعف متخافيش. سلام."
أغلق جواد الهاتف ووضعه على المكتب ثم جلس على مقعده يحتسي القهوة مرة أخرى، يشعر بمشاعر تغزو قلبه تجعل عقله يحتار، رغم أنها أشياء بسيطة.
بينما بخارج غرفة المكتب تقابل ناصف مع أحد الأطباء الذي تلهف بالسؤال:
"ها، جواد وافق يشتغل في المستشفى؟"
رد ناصف:
"لأ، قال سيبني أفكر. بس سيبك من الموضوع ده دلوقتي. شفت الدكتورة الجديدة اللي جات هنا تكليف في المستشفى."
تعجب الطبيب الآخر قائلاً:
"مالها دي كمان؟ عاوز تجيبها تشتغل معانا في المستشفى؟ بس دي لسه دوبها متخرجة وكمان ده تكليف وبعد السنة أكيد هترجع للمكان اللي جت منه، يعني مش هطول هنا."
رد ناصف بضيق:
"مش فاهمني، أنا مقولتش إننا نجيبها تشتغل معانا في المستشفى. أنا بقولك مش ملاحظ نظرات جواد ليها؟ واضح كده إن كيوبيد ضرب سهمه في قلب جواد. أنا لاحظت نظراته ليها أكتر من مرة فيها إعجاب."
تنهد الطبيب الآخر قائلاً بسخرية:
"آه، وعاوزني بقى أشتغل خاطبة وأروح أخطبها له."
زفر ناصف نفسه بضيق قائلاً:
"لأ طبعًا. أنا عاوز نقرب الدكتورة دي مننا وتبقى جدع لو قدرت تقنعها إنها تشتغل معانا في المستشفى الجديدة، بأي تسهيلات هي عاوزها. لأن وقتها جواد هيوافق يشتغل معانا عشان يبقى قريب منها طول الوقت."
تنهد الطبيب الآخر متفهمًا:
"آه فهمتك، وماله ميضرش، بس دي مهمتك بقى، إنت اللي بتفهم في الجنس اللطيف وبتعرف تتعامل معاه. يلا بلاش وقفتنا دي لا جواد يشوفنا ويفكر إننا بنضيع وقت، المرضى أولى بيه. بالسلامة."
❈-❈-❈
بنفس الوقت بمنزل صالح.
على درج السلم.
تقابل هو وزاهر الذي يتحدث بالهاتف وسمعه يقول بتعسر:
"أنا نص ساعة وأوصل لمكان المخزن، عاوز حد يجابلني بالمفاتيح."
قال هذا زاهر وأغلق الهاتف يشعر بضيق وهو ينظر لـ صالح الذي يصعد بالمقابل له.
كاد يتجاهله ويكمل نزول السلم، لكن صالح تهكم عليه قائلاً:
"مخزن إيه اللي مضايجك كده؟ وهتعمل بيه إيه؟ وبتتمنظر وتشخط كده ليه؟ آخرك فاشل، بالك لو مش فلوسي كان زمانك شغال أجري."
نظر زاهر له باشمئزاز قائلاً:
"فلوسك، وماله لما أتمنظر بفلوسك الحرام؟ مش أنا ولدك واد الحرام برضك. بس مش بعادة أشوف في الوقت ده هنا في الدار، الليل خلاص دخل وده وقت الشيطان، وراجع منين كده مضايج."
نظر صالح لـ زاهر بغيظ قائلاً:
"وإنت مالك، غور شوف كنت رايح فين واعمل حسابك لما تفشل كيف العادة متجيش تطلب مني فلوس."
تهكم زاهر قائلاً:
"بلاش أنت تعيش في الوهم يا أبوي، فلوسك حرام وأنا معوزهاش. أنا اللي خدته منك فلوس أمي اللي قتلتها واستوليت على أرضها ومالها، أنا الوارث الوحيد ليهم وأخدتهم. يعني فلوسك اللي كنت باخدها سابق وبخسرها كانت عن قصد مني خسارتها. لكن مال أمي حلال وهو اللي هيدوم لي. أسيبك لشياطينك. سلام."
غادر زاهر يشعر بحسرة وشجن في قلبه.
بينما شعر صالح بالبغض لـ زاهر قائلاً:
"واد حرام بصحيح، ضحك علي لحد ما سجلت له أرض أمه ودلوقتي بيتمنظر علي. لكن لأ، مش صالح الأشرف اللي بيتضحك عليه. كفاية مرة اتضحك علي، بس...."
توقف صالح لحظات يفكر قبل أن يسأل نفسه:
"بس إيه يا صالح؟ البت اللي في الفندق دي مش عارف ليها سكة منين، اتحدت وياها؟"
تنهد مشتاقًا يقول:
"بس عينها جريئة قوي. نسيت أسأل عامل الفندق، واد الحرام أخد مني بقشيش قد كده، كان لازم أسأله هي لسه فاضل لها كام يوم هنا. بسيطة، أنا أرجع للفندق من تاني وأسأل بأي حجة، ولو أمكن آخد أوضة جاريها."
حسم صالح أمره وقرر العودة للفندق مرة أخرى.
❈-❈-❈
بعد صلاة العشاء.
بمنزل القدوسي.
على طاولة العشاء.
الفضول يتآكل بكل من صفيه ومِسك التي فاض صبرها ونظرت لـ مؤنس وحاولت رسم البراءة:
"هو جاويد كان عاوزه ليه يا جدي؟"
نظر مؤنس لـ محمود ثم نظر لـ مِسك وجاوب:
"كان عاوزني بيعرض أنه يشتري الأرض الجبلية بتاعتنا اللي في أول البلد."
شعرت مِسك بالصدمة ونظرت لـ صفيه التي استغربت قائلة:
"وهو عاوز يشتري الأرض دي ليه بقى؟ ما هو أرضنا في نفس المكان."
رد مؤنس:
"سألته عن السبب وجالي، إنه بيفكر ينشأ مصنع فخار وخزف هنا ومحتاج لقطعة أرض كبيرة وتكون جار أرضهم، وطبعًا أرضنا هي اللي جنبيهم وهو عرض عليا يشتري بأي سعر أنا أطلبه."
تساءلت مِسك ودمعة تتحجر بعينيها:
"وانت وافقت طبعًا يا جدي تبيعها له."
رد مؤنس:
"لأ، موافقتش وهو عطاني وقت أفكر فيه، بس أنا مش موافق أبيع الأرض دي."
تساءل أمجد:
"وليه يا جدي مش موافق تبيع له الأرض دي؟ الأرض دي تعتبر سلخة صغيرة وكمان مش متساوية، ناحية واسعة وناحية ضيقة وعشان تتعدل لازم تاخد من الأرض اللي جارها، والأرض اللي جارها بتاع أخوالي. رأيي إنك تبيعها له بس اطلب تمن مناسب لأن الأرض مصلحة لهم أكتر مننا."
زفر مؤنس نفسه بغضب قائلاً:
"أنا جولت له قراري خلاص ومش عاوز حديث في الموضوع ده تاني. أنا شبعت وحاسس بشوية إجهاد، هدلي على مجعدي أنام. تصبحوا على خير، وانت يا محمود نام بدري، بكرة عندنا شغل مهم بدري."
أومأ محمود له رأسه بتمام.
نظرت صفيه ناحية محمود بعد مغادرة مؤنس وتسألت بفضول:
"شغل إيه المهم ده؟ وليه متكلمتش وجولت للحج مؤنس إنك يبيع الأرض ونستفاد بحقها."
تنهد محمود قائلاً:
"أبوي حر في رأيه وهو مش عاوز يبيع الأرض، وبصراحة كده أنا موافق أبوي بعدم بيع الأرض دي، لأن الأرض دي كنز لينا."
تهكمت صفيه قائلة:
"الأرض اللي مش مكملة فدان ونص دي كنز لينا ليه بقى؟"
علم محمود من نبرة حديثها أنها تتهكم فرد عليها قائلاً:
"الأرض دي لازقة في النيل مباشرةً، حتى مية النيل لما بتعلى بتصب فيها، يعني رملتها شديدة من ناحية الزراعة وكمان الطمي بتاع النيل بينفعنا في صناعة الفخار."
... بعد قليل بغرفة مِسك.
كانت تبكي أمام صفيه قائلة:
"كنا مفكرين إن جاويد طلب يقابل جدي عشان يطلبني منه، بس طلعنا غلطانين. أكيد الولية الغجرية دي نصابة، مفيش مرة عمل واحد من اللي عملتهم جاب نتيجة. أنا خلاص مبقتش قادرة أتحمل أكتر من كده، أنا خايفة في لحظة ألاقي چاويد بيتجوز من واحدة غيري، ووقتها أموت بقهرتي."
ضمت صفيه مِسك بلهفة قائلة:
"بعيد الشر عنيكِ، إن شاء الله اللي ما تتسمى اللي كانت داخلتها علينا قديم النحس. أنا من بكرة هروح للولية الغجرية دي وهقولها على كده، وإن معملتش عمل يخلي جاويد يطلب إيدك في أقرب وقت، هددها إني هبلغ عنها الحكومة."
تهكمت مِسك وتنهدت بألم قائلة:
"وهي الغجرية دي هتخاف من الحكومة برضك؟ أنا خلاص يا ماما حاسة قلبي هيقف، مبقاش قادرة أتحمل، ومش عارفة هو جاويد ده قلبه إيه، حجر صوان مش بيرق. أوقات بحس من نظرة عينيه إنه رايدني وبيعمل تقيل، وأوقات تانية بحس إني ولا على باله."
ردت صفيه:
"كيف مش على باله، هو اللي تقيل. كلنا عارفين إنه اتغير كتير بعد موت جلال. ياريت كان عاش، يمكن كان قلب جاويد مبقاش قاسي كده. لكن القدر بقى هنجول إيه. وحدي الله كده ونامي دلوقتي، وأنا لازم أروح للولية الغجرية وأشوف معاها حل نهائي."
تهكمت مِسك وتنهدت بألم قائلة:
"والله قلبي حاسس إن الولية دي خرقانة وما بنكسب من وراها غير إننا بنبجي ملعونين، لا بيتقبل مننا صوم ولا صلاة لأربعين يوم."
❈-❈-❈
بالفندق.
كانت سلوان تضجع بظهرها على بعض الوسائد فوق الفراش تتصفح بالهاتف، لكن فجأة صدح رنين الهاتف بيدها.
لوهلة انخضت وسقط الهاتف من يدها فوق الفراش.
سرعان ما تهكمت على نفسها قائلة:
"الولية الخرقانة اللي قابلتيها قبل الضهر بالطريق خلت أعصابك خفيفة يا سلوان."
جذبت الهاتف ونظرت للشاشة، ابتسمت بانشراح ثم قامت بالرد سريعًا تسمع:
"مساء الخير يا سلوان، إزيك دلوقتي؟ بقيتي أفضل."
ردت سلوان:
"آه الحمد لله بقيت كويسة، متشكرة لسؤالك يا جلال."
ابتسم جلال قائلاً:
"طب طالما بقيتي كويسة، أيه رأيك أنا عازمك على العشا."
ابتسمت سلوان وفكرت قليلاً، ثم قالت:
"تمام وأنا موافقة، حتى تبقى نهاية رحلتي هنا عيش وملح سوا."
ابتسم جلال قائلاً:
"تمام، أنا قدام الفندق منتظرك. ياريت بلاش تتأخري، إنتِ جميلة ومش محتاجة تقفي قدام المراية كتير، وكمان سمعت خرافة بتقول: إن اللي بتقف قدام المراية بالليل كتير جسمها بيتلبس من الجان أو بتعنس."
ضحكت سلوان قائلة:
"مش مهم أعنس بس بلاش جسمي يتلبس، أنا جبانة وبخاف، ومش هتأخر عشر دقايق وهنزل."
ابتسم جاويد وشعر بانشراح في قلبه حين سمع صوت ضحكة سلوان.
يبدو أنها عادت للصفاء مرة أخرى، وقال لها:
"تمام، أما أشوف هتنزلي في ميعادك مظبوط ولا زي العادة، عشر دقايق وفي الآخر تنزلي بعد نص ساعة."
ابتسمت سلوان قائلة:
"لأ، هما عشر دقايق بالظبط وهتلاقيني قدامك. بس لو طولت في الكلام عالموبايل ممكن يبقوا أكتر."
ابتسم جلال قائلاً:
"آه يعني هتاخدي الموبايل حجة، على العموم سلام، أنا في انتظارك."
أغلقت سلوان الهاتف وظلت لدقيقة تفكر.
ما سر هذا التأثير القوي لـ جلال عليها؟
هي كانت تشعر بسأم وضجر قبل أن يهاتفها، وزال هذا الآن بعد حديثه معها ومدحه بجمالها.
لم يكن أول مرة يمدح جمالها، لكن كل مرة تشعر بشعور مختلف.
تذكرت ذاك الحلم الذي راودها وهي نائمة قبل قليل.
في البداية الحلم كان مخيف بتلك المرأة، ثم ظهور جلال واقترابه منها بشدة حتى أنه كاد يقبلها لولا...
لولا ماذا؟ لولا اتصال والدها.
وضعت يدها على فمها سألت نفسها:
"ياريت بابا كان اتأخر شوية ومتصلش عليا، يمكن كان جلال باسني. يا ترى كنت هحس بإيه بعدها."
ظلت سلوان شاردة قليلاً وهي تلعق شفاها إلى أن فاقت فجأة تذم نفسها قائلة:
"أكيد عقلك جن بسبب اللي شوفتيه هنا من أول الرحلة، خلاص كلها ساعات وتسافري للقاهرة وتنسي كل اللي حصل هنا، حتى جلال نفسه هينساكِ، وكمان العشر دقايق خلاص تقريبًا انتهوا دلوقتي، يتريق ويقولي دايمًا متأخرة عن ميعادك."
أخذت سلوان هاتفها ووضعته بحقيبة يدها وغادرت الغرفة مسرعة حتى لا تضيع وقت أكثر.
بعد دقائق قليلة.
توجهت سلوان نحو عامل الاستقبال وأعطته مفتاح الغرفة قائلة:
"أنا كنت قايلة للحسابات تعملي كشف حساب نهائي لآني هسيب الفندق الليلة قبل الفجر."
رد موظف الاستقبال:
"فعلاً يا أفندم، وصلنا كشف الحساب بتاع أوضة حضرتك أهو، وأتمنى تكون خدمتنا نالت رضا حضرتك، وهننتظر عودتك لهنا مرة ثانية."
ابتسمت سلوان بغصة.
فليس هناك مرة أخرى.
لكن قالت للعامل:
"تمام، أنا دلوقتي ولما أرجع هاخد كشف الحساب."
تركت سلوان مفتاح غرفتها وسارت نحو باب الخروج من الفندق.
بنفس اللحظة كان يدخل صالح إلى الفندق ورأى شمخ خطواتها، شعر برجفة قوية اهتز لها قلبه مثلما حدث بالماضي.
كأنه أمامه الآن تختال بسيرها كالمهرة الآبية.
كاد يتتبعها بالفعل، لكن لسوء حظه تقابل مع أحد معارفه الذي وقف معه على مضض يتحدث إلى أن غابت سلوان عن مدى نظره.
سأم وجهه ولعن الواقف معه.
ضاعت فرصته في تعقبها الليلة.
......
كان جاويد يجلس بالسيارة وتعجب كثيرًا حين رأى عمه صالح يدخل من باب الفندق.
لكن توقع أن يكون هنا لأجل شيء خاص به.
لم يهتم بأمره وظل جالسًا بالسيارة ينتظر سلوان التي رآها تقترب من السيارة.
ترجل من السيارة ونظر إلى ساعة يده ثم إلى سلوان قائلاً بمرح:
"قولتي عشر دقايق وبالظبط دلوقتي بقوا عشرين دقيقة."
ابتسمت سلوان قائلة:
"التأخير مش مني، ده من عامل الاستقبال، كنت واقفة معاه عشان أقوله إني هغادر قبل الفجر الفندق."
ابتسم جلال بخباثة:
"قولي إن شاء الله، اتفضلي اركبي العربية عشان نروح المطعم."
ابتسمت سلوان لفتح جلال لها باب السيارة وصعدت إلى السيارة.
تبتسم إلى أن قاد جلال السيارة، قائلاً:
"واضح إن نفسيتك هدت كتير عن قبل الضهر. بصراحة أنا خوفت عليكِ وقتها، ومكنتش عاوز أسيبك في الحالة دي."
نظرت سلوان لـ جلال ببسمة.
ودت سؤاله هل حقًا شعرت بالخوف عليها وما السبب في ذلك.
لكن خشيت تفسير ذلك بشكل آخر منه.
تبسمت قائلة:
"الحمد لله. بصراحة الولية الخرقانة اللي قابلتني دي خوفتني، كمان قبلها كنت قدام قبر ماما وكنت حاسة إني مخنوقة وكان الأفضل أن أبقى لوحدي."
رد جلال:
"تمام، خلاص وصلنا للمطعم."
نظرت سلوان قائلة:
"بس مش ده المطعم اللي جينا فيه قبل كده."
رد جلال وهو يترجل من السيارة:
"فعلاً ده مطعم تاني، المطعم ده على ربوة عالية شوية قريبة من المعبد، تقريبًا كده هتشوفي المعبد كله من هنا."
ابتسمت سلوان وترجلت هي الأخرى من السيارة.
ودخلت إلى المطعم أمام جلال.
جذب لها أحد المقاعد جلست عليه وجلس هو بجوارها مباشرةً وأشار له بيدها:
"نور المعبد ظاهر قدامك أهو."
جلس الاثنان يتحدثان غير منتبهين للوقت.
تحدثا بأشياء كثيرة بود.
سلوان حكت له قليلاً عن طفولتها وأنها كانت طفلة هادئة عاشت بلا صداقات حقيقية بسبب تنقلات والديها الكثير من بلد لآخر، بداية من القاهرة إلى الإمارات ثم نهاية بالسعودية إلى أن عادت لمصر حتى تكمل دراستها الجامعية ثم عودتها للسفر للسعودية مع والديها الذي قرر من بضع أشهر العودة والعيش بمصر بشكل نهائي.
يكفي غربة.
حتى زواجه بأخرى لم تبدِ لها أي مشاعر أمامه.
كذلك جلال حكى لها عن بعض الأساطير حدثت هنا بالأقصر، جزء منها كانت في البداية خرافات وتحقق جزء منها مع الوقت.
لكن لم يحكِ لها أن أكبر مثال للخرافة هي، علم اسمها قبل أن يراها وهمس اسمها بنبض قلبه "سلوان".
مضى الوقت حتى اقترب الفجر واقتربت النجوم من تلك الأعمدة.
من يراها من بعيد يظن أنها فوق تلك الأعمدة مباشرةً.
وقفت سلوان واقتربت من سياج المطعم ووضعت يديها تنظر إلى ذاك المشهد الرهيب والمُهيب بنفس الوقت.
النجوم فوق تلك الأعمدة كأن النجوم تساقطت من السماء، لا يوجد بينهم فاصل نهائيًا.
كذلك جلال نهض ووقف لجوارها.
وسمع قولها:
"ماما كانت بتقولي الأقصر فيها عمدان بتوصل الأرض بالسما، محفور على جدرانها قصص قديمة لعشاق بتهمس للنجوم كل ليلة ترنيمة عشق."
رواية شد عصب الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سعاد محمد سلامة
بظهيرة اليوم التالي، في حوالي الواحدة والنصف، بكافيه.
نظر لساعة يده ثم زفر نفسه بضجر، فقد طال وقت انتظاره.
لكن تفاجأ بمن تقف أمامه مبتسمة تتسأل بتخمين: "أمجد القدوسي؟"
نظر لها، شعر بخفقان في قلبه ونهض واقفًا يقول: "أيوه."
ابتسمت له قائلة: "انت مش فاكرني، أنا 'إيمان المحمدي'، كنا سوا في الجامعة، حتى كنا في نفس سكشن العملي دايمًا سوا."
ازدرد ريقه، يشعر بزيادة الخفقان. كيف ينسى حبه الأول؟ لكن ادعى التذكر: "آه بصراحة آسف، مأخدتش بالي، فعلًا افتكرتك. إزيك يا إيمان، أخبارك إيه؟"
سئم وجهها وقالت باختصار: "الحمد لله كويسة. وانت أخبارك إيه؟ كنت من المتفوقين بتوع الدفعة."
ابتسم لها قائلاً: "الحمد لله. بعد التخرج اتعينت معيد في كلية الزراعة، ودلوقتي بقيت دكتور."
ابتسمت له قائلة: "تستاهل. انت متفوق وكان عندك طموح كبير. فاكر لما كنا نوقف قدامنا نقطة صعبة في المنهج كنت بتشرحها لينا بطريقة مبسطة. بس إيه آخر أحوالك الشخصية؟ اتجوزت ولا لسه؟"
قبل أن يرد أمجد، ردت من أتت وشعرت بضيق: "لسه، بس كتب كتابنا بعد بكرة والجواز في أجازة آخر السنة."
ابتسمت إيمان لها قائلة: "ربنا يتمم بخير. أكيد انتِ العروسة، بصراحة أمجد طول عمره ذوقه حلو."
نظرت حفصة لها ثم لأمجد، سألته بغرور: "طبعًا عندك حق، بس أنا معرفش مين حضرتك."
شعر أمجد بالإحراج قائلاً: "أستاذة إيمان المحمدي، كنا زملاء في الجامعة. الآنسة حفصة..."
سبقت حفصة بتعريف نفسها: "حفصة صلاح الأشرف أبجى، بنت خال أمجد وكمان خطيبته."
ابتسمت إيمان قائلة: "يعني أهل خطوبتكم بقى حب من الطفولة."
ردت حفصة بثقة وهي تنظر لأمجد: "أيوه."
صمت أمجد، بينما شعرت إيمان بالإحراج من نبرة حفصة الجافة قائلة: "واضح فعلًا. عالعموم مبروك، وآسفة إن كنت أزعجتكم. عن إذنكم."
أومأت حفصة برأسها دون رد، بينما قال أمجد بتبرير: "لأ أبدًا مفيش إزعاج."
ابتسمت إيمان قائلة: "تمام. عن إذنكم."
غادرت إيمان، وتركت حفصة تشعر بضيق وغيرة من نظر أمجد الذي ما زال مسلطًا على تلك الدخيلة بنظرها. تحدثت باستهجان: "خلاص مشيت، مين دي يا أمجد؟"
انتبه أمجد قائلاً: "زي ما قالت، كانت زميلتي في الجامعة."
تهكمت حفصة بسخرية قائلة: "آه كانت زميلتك، ولسه فاكراك، وعينك منزلتش عنها."
ازدرد أمجد ريقه بإحراج قائلاً: "قصدك إيه؟ دي صدفة غير مقصودة، أنا مشوفتهاش من وقت ما اتخرجنا من الجامعة."
لا تعرف حفصة لما شعرت بضيق من ذاك الموقف، أو ربما أُحِي لديها شعور تحاول التغافل عنه، أن أمجد ليس مرغومًا على قبولها كزوجة، ولابد من إيضاح لهذا، وهذا هو الوقت المناسب لمعرفة حقيقة مشاعر أمجد. تساءلت بمفاجأة: "أمجد، انت مشاعرك إيه ناحيتي؟"
تعجب أمجد قائلاً: "مش فاهم قصدك إيه!؟"
وضحت حفصة سؤالها: "يعني انت اللي اخترت تتجوزني، ولا كانت رغبة عمتي؟"
ارتبك أمجد وشعر بتوتر وصمت قليلاً. زفرت حفصة نفسها باستعلام قائلة: "زي ما كنت متوقعة، خطوبتنا من البداية كانت رغبة عمتي. بص يا أمجد، إن كنت مفكرني معدومة الشخصية ومش بعترض تبقى غلطان. أنا بس بحب أريح نفسي من المجادلات، متفكرش إني ساذجة زي ما واضح عليا. بقبل كلام ميسك، أنا صحيح بهاودها يمكن في كل حاجة، بس لأني عارفة إن الحاجات دي مش هتضرني. لكن في جوازي أنا وانت بس المسئولين عنه، لإني احنا مع الوقت هيجمعنا طريق واحد وهدف واحد. إن جوازنا يكون حقيقي ناجح ومستقر. مش هقبل بالمنظر الخارجي، ولا هقبل عمتي أو ميسك يدخلوا في حياتنا. لو كان نصيبنا مع بعض، ودلوقتي بقولها لك صريحة وعاوزة منك رد مباشر، وسكوتك هعتبره نهاية خطوبتنا. انت بتحبني وعاوز تتجوزني ونكمل طريقنا سوا، ولا بتنفذ رغبة عمتي صفية؟"
صمت أمجد للحظات، كادت حفصة أن ترد على سؤالها، لكن رد في اللحظة الأخيرة: "الإتنين يا حفصة."
استغربت حفصة رده قائلة: "قصدك إيه بالاتنين!؟"
فسر أمجد جوابه: "قصدي إن خطوبتنا مش بس قرار أمي، أنا كنت أقدر أرفض، لو مكنتش حاسس إنك مناسبة لي."
تهكمت حفصة بغرور، تعيد كلمته الأخيرة: "مناسبة لك، معناها إيه الكلمة دي بقى؟ هوفر عليك وأقولك أنا معناها إيه. طبعًا نسب عيلة الأشرف وكمان بنتهم الوحيدة، يعني مفيش امتيازات أكتر من كده."
نهضت حفصة واقفة وقامت بخلع ذاك الخاتم من إصبعها قائلة بثبات قوي: "أنا مقبلش أكون مجرد زوجة لشخص معندوش مشاعر قوية ليا، شخص سلبي. وأعتقد ده الأفضل دلوقتي قبل ما نكتب الكتاب ويتحسب على جوازه فاشلة. عالعموم هتفضل على وضعك الطبيعي بالنسبة لي 'ابن عمتي'."
وضعت حفصة الخاتم على الطاولة أمام أمجد وغادرت، تكبت دمعتها وغصة قلبها القوية. هي لديها مشاعر أخرى تجاهه، لكن لا تريد أن تجد نفسها مقيدة بزواج من شخص سلبي، هي بالنسبة له فقط مجرد "زوجة مناسبة" لطموحات والداته.
بينما استغرب أمجد فعلة حفصة، ومد يده وأخذ الخاتم يديره بين أصابعه. للغرابة، شعر بغصة قوية لم يكن يتوقع أن يشعر بها تجاه حفصة. حقًا لم يخترها من البداية، لكن بعد هذا الموقف منها، استغرب تغير شعوره هذا نحوها. ربما أعجبته الصورة التي كانت عليها قبل قليل، صورة أخرى قوية، صاحبة قرار، عكس ما كان يظن سابقًا أنها بلا قرار مثله. لكن هي أثبتت أنها ربما تساير من أمامها، لكن ليس على حساب نفسها. لكن تحير ماذا سيفعل الآن وماذا سيقول لعائلته، وعقد القران باقي عليه يومين فقط.
❈-❈-❈
أمام ذاك المنزل المملوك لحسنى.
ترجل زاهر من السيارة وتوجه إلى باب ذاك المخزن المفتوح على مصراعيه، يخرج منه بعض العمال يحملون بعض الأغراض القديمة. لكن ربما لسوء حظه أنه أتى الآن وسمع حديث حسنى لأحد العمال بطريقة بسيطة، تتجاذب معه الحديث وتقوم بالمرئسة على العمال الآخرين بين لحظة وأخرى قائلة: "الهمة يا رجالة، عاوزين ننتهي ونفضي المخزن."
تقول لهم هذا وتعاود الحديث لذاك العامل الذي يبدو رئيسهم. استغفر ربه ثم دخل إلى المخزن ملقيًا السلام.
تركت حسنى رئيس العمال وتوجهت نحوه ترحب به قائلة: "أهلًا يا أستاذ زاهر، أهو كيف ما جلت لك عشية، أنا على رأس العمال من صباحية ربنا، حتى مدوّجتش الفطور ولا الزاد لحد دلوك، عشان نفضي المخزن. معرفش إنت ليه مستعجل كده، مع إن لسه كام يوم على أول الشهر."
تنهد زاهر بضيق قائلاً: "والله معاك العقد ابقى اقريه. أنا دافع الإيجار من يوم ما مضينا العقد، ومحتاج للمخزن بأسرع وقت وقبلها كمان قبل ما أدخل البضاعة فيه لازمة شوية تعديلات وتشطيب."
ردت حسنى: "خلاص أها العمال قربوا يفضو نص المخزن، واللي مش هينتهي النهارده بكرة بالكتير المخزن هيكون فاضي وتستلمه... والمخزن ده كان مبيضه قبل ما يموت بشوية صغيرين، صحيح البوية بهتت، بس أقل تعديلات هتخلي المخزن زين، و..."
قاطعها زاهر بحسم قائلاً: "أنا عاوز المخزن يفضى النهارده حتى لو العمال سهروا يطلعوا الحاجات اللي فيه، وأنا اللي هدفع لهم الأجرة. متخافيش."
نظرت له حسنى قائلة: "الحكاية مش حكاية أجرة، الحكاية إن العمال دول لهم طاقة تحمل، يعني يرضيك يفرهدوا، ومجتش من يوم يعني و..."
قاطعها هذه المرة دخول امرأة تحمل على رأسها "سبت خوص" قائلة: "غدا العمال أها يا ست حسنى هانم كيف ما طلبتِ."
اقتربت حسنى من تلك المرأة وأخذت منها "السبت" ووضعته أرضًا ونظرت بداخله وذمت شفتيها بضيق تقول: "تسلم يدك يا مرت أبوي، بس اللحمة مش قليلة شوية، أنا كنت جايبة أكتر من كده. هي اللحمة صحيح بتكش في السوا، بس مش بتنسخط كده."
ردت المرأة: "أنا مأخدتش منها حاجة ليا، كل اللي خدته حتتين لابوكي وخواتك، ولا هما العمال ياكلوا وخواتك وبوكِ يجوعوا."
زفرت حسنى قائلة: "لأه ميرضنيش يجوعوا، بس اللحمة دي كنت جايباها عشان العمال الغلابة دول، وأبويا وخواتي كنت جايبة لهم لوحدهم. كمان الطبيخ قليل عالعمال."
زفرت زوجة أبيها بسام قائلة: "أنا معرفش ليه كلفتينا وكل العمال... هما مش هياخدوا أجرة، إحنا مش ملزمين بوكلهم، دي حاجة ذوقية منينا، والجودة بالموجود."
ردت حسنى: "أها قولتي حاجة ذوقية منينا، يعني المفروض كنتِ تزودوا أشوي. هما أجرتهم فيها قد إيه عشان يضيعوها عالوكل، وإحنا هنكسب فيهم ثواب."
مصمصت زوجة أبيها شفاها بسخرية قائلة: "وماله، هما يستاهلوا الوكل ده برضك. هنكسب فيهم ثواب."
قالت هذا ونظرت إلى زاهر الواقف قريب من حسنى قائلة: "ثواب إيه اللي يستاهلوه العمال، ما باين أهو من رئيس العمال مش شايفه ده لابس قميص ومنطلون بالشئ الفلاني."
نظرت حسنى لزاهر ثم لزوجة أبيها قائلة: "ده مش رئيس العمال، ده الأستاذ زاهر اللي أجر المخزن يا مرت أبوي."
زاغت عين زوجة أبيها تنظر لزاهرتمعن شديد، يبدو عليه الثراء. للحظة جاء لها خيال وحسنى تقف جواره وهما عروسان. لمع الطمع بعينيها، فزواج حسنى من شخص ثري كهذا قد يكون له فائدة كبيرة عليها، ولما لا. لكن فجأة عبس وجهها وعقلها يقول: "افرضي إنه متجوز يا 'عواطف'... وإيه هتخسري إيه؟ اسأليه."
بالفعل رسمت الخزي ومدت يدها لمصافحة زاهر قائلة: "معلش، متأخذنيش. فكرتك رئيس العمال. أهلًا وسهلًا بيك، المخزن نور، لأ البيت كله والمنطقة نورت."
نظر زاهر ليد عواطف للحظة ثم مد يده وصافحها، لكن تعجب حين رفعت عواطف يده تنظر لها وهمست بشيء لم يسمعه.
بينما تنهدت عواطف براحة قليلاً وهي تنظر ليده الأخرى وجدتها خالية من أي إثبات زواج، لكن ليس هذا الإثبات الوحيد. لم تستحي وهي تسأله: "هو سيادتك متجوز؟"
نظرت لها حسنى باستغراب قائلة: "واه يا مرت أبوي، وإنتِ مالك متجوز أو لأ. عندك له عروسة؟"
نظرت عواطف له قائلة: "هو بس يأشر."
رغم تعجب واشمئزاز زاهر من عواطف، لكن جاوبها قائلاً: "لأه مش متجوز، وشاكر أفضالك. أنا مش بفكر في الجواز دلوقتي، وكمان أنا كنت جاي أشوف المخزن إن كان فضي أو لأ، ودلوقتي عندي ميعاد مهم في البازار ولازم أرجع له. بس ياريت العمال يسهلوا شوية، وبلاش لكاعة، عشان أنا خلاص اتفقت مع الصنايعية اللي هيعدلوا ويشطبوا المخزن."
ردت حسنى: "لأه متخافيش، إن شاء الله على بكرة المسا بالكتير هيكونوا خلصوا، وتستلم مفتاح المخزن."
رد زاهر: "تمام، بكرة المسا هفوت هنا عشان آخد مفاتيح المخزن. يلا سلاموا عليكم."
ردت السلام عليه حسنى وعواطف التي تلمع عينيها بطمع وجشع. بينما زمّت حسنى معها بالحديث قليلاً، لم تنتبه له. عقلها يمني لها ويزين لها فرصة وضرورة زواج حسنى من ذاك الثري حتى لو كان غصبًا بفكرة شيطانية.
.....
❈-❈-❈
مساءً قبل المغرب بالقاهرة.
بشقة هاشم، زفر نفسه بضيق وهو يضع هاتفه فوق الطاولة قائلاً: "برضوا سلوان مش بترد على اتصالي ودلوقتي بيقولي خارج نطاق الخدمة، مع إن كان المفروض دلوقتي تكون وصلت محطة 'رمسيس'، على الأقل يعني وصلت القاهرة."
تهكمت دولت تقول بتورية: "يمكن القطر اتأخر في الطريق، وموبايلها فصل شحن... أو يمكن غيرت رأيها والجو في الأقصر عجبها وقررت..."
قاطع حديث دولت نهوض هاشم واقفًا يشعر بضيق قائلاً بتعسف: "قررت إيه، هي امبارح أكدت لي إنها جاية لأن الفلوس اللي كانت معاها تقريبًا خلصت."
تنهدت دولت قائلة: "طالما هي قالت لك كده يبقى اطمن. يمكن زي ما قلت موبايلها فصل شحن. وبعدين أنا مستغربة، إنت إيه اللي معصبك كده من وقت ما عرفت إن سلوان في الأقصر؟ عادي يعني، اللي أعرفه إنها سافرت كتير قبل كده لوحدها. تفرق إيه الأقصر عن أي مكان سافرت له قبل كده؟"
نظر هاشم لها قائلاً: "الأقصر تفرق عن أي مكان سافرت له قبل كده. عارفة ليه؟ عشان الأقصر بلد أمها، يعني أهل أمها هناك، وخايف سلوان تكون راحت لهم."
استعجبت دولت قائلة: "أول أعرف إن مراتك الأولانية من الأقصر. اللي أعرفه إنها كانت من الصعيد وبس. وبعدين فيها إيه لو راحت لأهل أمها؟ عادي."
جعّد هاشم بين حاجبيه بضيق قائلاً: "لأ مش عادي. ومن فضلك سيبني لوحدي دلوقتي."
شعرت دولت بالحقد لكن أخفته قائلة: "تمام، بس ياريت تهدي أعصابك. مش بعيد نلاقي سلوان بتفتح باب الشقة دلوقتي. هروح أتصل على 'مدحت' أطمن على ابني أنا كمان."
غادرت دولت وتركت هاشم الذي جذب هاتفه وعاود الاتصال على هاتف سلوان، لكن نفس الرد: غير متاح بالخدمة.
زفر نفسه يشعر بشعور سيء، وهو يتذكر قول العرافة. ماذا لو فعلًا سلوان ذهبت إليهم؟ لن يستطيع تحمل خسارة سلوان.
❈-❈-❈ ❈-❈-❈
بنفس الوقت بمنزل القدوسي.
سيدخل مؤنس إلى المنزل ناديًا على الخادمة التي لبت نداؤه سريعًا تقول: "نورت يا حج مؤنس، تؤمرني بأيه؟"
ابتسم لها مؤنس قائلاً: "الأمر لله يا بتي، الضيفة فين؟"
ردت الخادمة: "الضيفة من وقت ما سيادتك سبتها في المجعد وهي مخرجتش منه أصلًا، حتى خبطت عليها ومردتش عليا."
تعجب مؤنس قائلاً: "طيب روحي انتِ حضري صنية أكل وهاتيها لي عند أوضة الضيفة."
ردت الخادمة: "حاضر من عنيا."
تنهد مؤنس براحة وذهب نحو تلك الغرفة وطرق على الباب أكثر من مرة لكن لم يأتيه رد. فتح باب الغرفة، شعر بوخزات قوية تصعق قلبه. هذه الغرفة كانت مغلقة لسنوات طويلة. تقابل بظلام الغرفة، ازدادت الوخزات. الغرفة كانت قديمًا دائمًا بها نور حتى ليلاً.
أشعل ضوء الغرفة وجالت عيناه بها. ابتسم حين وقعت عيناه على الفراش ورأى تلك النائمة. اقترب من الفراش ينظر لها، لكن زالت تلك الوخزات، حل محلها انشراح قليلاً، وهو يتأمل تلك الغافية التي تنام مثل الملاك، تشبه والداتها "ميسك". حقًا يليق بها لقب "خد الجميل" بوجهها الملائكي الجميل وتلك الخصلات المتمرده فوق جبهتها مثل خصلات والداتها كانت متمردة هكذا. ظل يتأملها لبعض الوقت.
بينما بالمطبخ، دخلت صفية ورأت تلك الصنية الموضوعة والخادمة تضع فوقها بعض الأطباق المليئة بالطعام. سألتها باستفسار: "صنية الأكل دي لمين؟"
ردت الخادمة: "دي للضيفة اللي جات الفجرية مع الحج مؤنس، هو اللي قالي من بدري، أحضر صنية أكل وأخدها لحديها بالمجعد."
تهكمت صفية بضيق وغِل قائلة: "وهي الضيفة على رجليها نقش الحنة؟ إياك ما تيجي لإهنه تاكل، ولا حتى تستني شوية. كلها كام ساعة ونتعشى بالسفرة."
ردت الخادمة: "الحج مؤنس هو اللي قالي."
تهكمت صفية باستهزاء: "الحج مؤنس هو اللي قالي، طب يا أختي شيلي الصنية وروحي بيها لمجعد السنيورة، كيف ما جالك."
حملت الخادمة الصنية وغادرت المطبخ، بينما قطبت صفية حاجبيها بضيق قائلة بحقد: "شكلها بت حرباية وسُهلة ومسهوكة كيف أمها، وعرفت تتلاعب بعقل الراجل الخرفان وجرى وراها وجابها لإهنه. بس بعينها توصل للي هي عاوزاه، وقبل بس ما تفكر تضحك على عقله لازمن أخليها تغور من إهنه مطرودة وملعونة كيف أمها قبل كده."
بينما بغرفة سلوان، كانت نائمة ترى نفسها طفلة للتو عادت من المدرسة. ألقت حقيبتها أرضًا بمجرد أن دخلت إلى الشقة وجلست على أحد مقاعد الردهة بإرهاق. رأتها والداتها، ابتسمت لها وانحنت تحمل تلك الحقيبة قائلة: "كده بترمي شنطتك على الأرض؟ مش دي المدرسة اللي كان نفسك تروحيها؟"
ردت بتذمر طفولي: "لأ يا ماما، أنا خلاص رجعت في كلامي، مش عاوزة أروح للمدرسة تاني. أنا بكرة الصحيان بدري، كمان المدرسين اللي في المدرسة بيقعدوا يزعقوا لينا طول الوقت."
ضحكت والداتها قائلة: "طب يلا قومي ادخلي الحمام اتوضي عشان تصلي، زمان بابا راجع عشان نتغدى مع بعض."
ابتسمت سلوان ونهضت، لكن خلعت حذائها أثناء سيرها وتركته قائلة: "أنا هقول لبابا إني مبقتش أحب المدرسة وعاوزة أروح اشتغل معاه."
ابتسمت والداتها وهي تنحني تحمل حذائها، تجري خلفها قائلة: "وأنا هقول لبابا سلوان بتزهق وتمل بسرعة، واخدة على الانتخة والدلع... وعاوزة تنام طول الوقت كيف الدبة."
تبسمت سلوان بخيالها الذي عاد بها لذكريات الطفولة القليلة والبعيدة.
.....
بينما مؤنس ظل يتأملها بشوق وضنين. لكن يبدو أن الضوء بدأ يزعج سلوان، أو ربما حان وقت استيقاظها. تمطت بيديها قبل أن تفتح عينيها. ابتسم مؤنس، فعلًا سلوان ورثت الكثير من "ميسك"، حتى بعض الأفعال البسيطة. بسمة ميسك وهي نائمة، كذلك كانت تفعل ذلك سابقًا حين كانت تستيقظ من النوم، وبالأخص بأيام الدراسة. كانت لا تود النهوض من النوم ولا الذهاب إلى المدرسة. فتحت سلوان عينيها حين سمعت صوت مؤنس يقول بمودة: "مساء الخير يا خد الجميل، الشمس خلاص غابت."
للحظة شعرت سلوان بالتوجس ونهضت جالسة على الفراش، تنظر نحو باب الغرفة ثم إلى تلك الخادمة التي بالغرفة، ثم قالت: "إنت إزاي دخلت للأوضة؟"
ابتسم مؤنس ونظر للخادمة قائلاً: "حطي الصنية اللي بيدك عندك وروحي شوفي شغلك."
فعلت الخادمة مثلما أمرها مؤنس وتوجهت نحو باب الغرفة، لكن فعلت مثلما قال لها مؤنس: "اقفلي باب الأوضة وراكِ."
نظرت سلوان إلى باب الغرفة الذي أغلقته الخادمة، ثم إلى مؤنس الذي جلس على طرف الفراش قريب منها يبتسم على ذاك التوجس الواضح على وجهها، قائلاً: "الدار فيها رجالة وميصحش تشوف شعر خد الجميل الغجري."
وضعت سلوان يديها على رأسها تضم خصلات شعرها بين يديها وقامت ببرمها ولفها كعكة عشوائية.
ابتسم مؤنس قائلاً: "نورتِ دار جدك يا خد الجميل، كنت في انتظارك."
استغربت سلوان قائلة: "مش فاهمة قصدك يعني إيه كنت في انتظاري."
برر مؤنس قوله: "كان قلبي حاسس إنك هتجي لإهنه، وهشوفك قبل ما أسلم أمانتي، وأرحل وألحق باللي سبقوني."
تهكمت سلوان قائلة: "بجد! كنت حاسس إنك هتشوفني غريبة مع إن مفيش مرة سألت عني. مش يمكن كنت متت زي ماما، وخاب إحساسك ده."
رد مؤنس سريعًا بلهفة: "بعيد الشر عنك ربنا يطول بعمرك. أنا عارف إنك واخدة على خاطرك مني، بس يمكن كنت غفلان وربنا رايد قبل ما أرحل يزيح عني الغفلة دي."
تهكمت سلوان قائلة باستغراب: "كنت غفلان لأكتر من تلاتين سنة؟ تعرف أنا ليه جيت لهنا دلوقتي؟ أنا صحيح كنت جاية عشان أزور قبر ماما، بس كمان كان فيه عندي سؤال نفسي تجاوبني عليه."
شعر مؤنس بندم قائلاً: "وأيه هو سؤالك يا خد الجميل؟"
تهكمت سلوان قائلة: "برضوا بتقول 'خد الجميل'. اسمي سلوان."
ابتسم مؤنس. بينما أكملت سلوان حديثها بسؤال: "ليه وافقت بابا زمان لما طلب منك إن ماما تندفن هنا مع إنك كنت غضبان عليها وعمرك ما رديت على رسالة بعتتها لك، حتى يمكن مقريتش الرسايل دي وقطعتها أو حتى حرقتها."
شعر مؤنس كأن سلوان بيدها سكين وقطعت قلبه وهو ما زال حيًا. تدمعت عيناه وصمت.
استغربت سلوان تلك الدموع التي رأتها بعين مؤنس، ثم قالت: "ليه مش بترد عليا؟ ليه سمحت إن ماما تندفن هنا؟"
رد مؤنس سريعًا وأخفى أنه وافق على استقبال جثمان ميسك حتى دون أن يعرف أن هذه وصيتها. أنه أراد استردادها وبقائها جواره حتى لو كانت متوفاة، رغم أن ذاك آخر ما أراده. لم، حتى لم يكن يريده نهائيًا، لكن يود أن يشعر بها عادت قريبة منه. لكن قال: "عشان دي كانت أمنيتها الأخيرة مني... والمثل بيقول 'القبر مش بيرد حد'."
سالت دموع سلوان هي الأخرى وندمت لما سألته وسخرت من جوابه مؤنس القاسي بنظرها قائلة: "فعلًا القبر مش بيرد حد، هو ده جوابك. بكده يبقى وجودي هنا انتهى يا.... يا حج مؤنس. كويس إني لحقت أبدل تذكرة القطر بغيرها. شكرًا على استضافتك ليا الكام ساعة اللي فاتوا هنا في دارك."
قالت سلوان هذا ونهضت من فوق الفراش وأخذت ذاك الوشاح الذي كان على أحد المقاعد وقامت بلفه حول رأسها وبحثت بعينيها بأرضية الغرفة حتى عثرت على مكان حذائها. ذهبت باتجاهه، وكادت تضع قدميها به، لكن نهض مؤنس سريعًا وتوجه نحوها، وجذبها بقوة عليه يضمها بين يديه بشوق وحنين وضنين، كل تلك المشاعر بقلبه.
يداه كانت قوية رغم كبر عمره، شعرت سلوان بأنه يكاد يكسر عظامها، حتى حين ضعفت يديه حولها شعرت كأنه يستند عليها. عادت برأسها للخلف ونظرت لوجهه، رأت خطوط تلك الدموع التي تسيل بين تجاعيد وجهه. رجف قلبها بلا شعور منها، رفعت يديها وضعتهم على وجنتيه تزيل تلك الدموع. ابتسم لها مؤنس وضمه مرة أخرى لكن بحنان. كذلك هي لفت يديها وعانقته ثم قبلت إحدى وجنتيه قائلة: "ماما زمان قالت لي إنك كنت حنين عليها، ليه قلبك قسى عليها؟"
رد مؤنس بلوعة قلب: "كان قدر مرسوم عالجبين."
.......
❈-❈-❈
ليلاً بالمشفى.
بالاستقبال، كان هنالك زحام وشجار قوي.
وصل صوته إلى غرفة جواد. نهض سريعًا وتوجه ناحية الاستقبال. تفاجأ بوقوف إيلاف بالمكان، لكن توجه ناحية أحد اللذين يفتعلون الشجار وتحدث معه بجسارة: "فيه إيه؟ المفروض دي مستشفى مش شارع عشان تتخانقوا بالشكل ده."
رد أحد الشباب ينظر له باستعطاف ثم قال: "أمي عيانة والدكتور اللي كشف عليها قال لازمها جلسات استنشاق أكسجين وجينا هنا الاستقبال بيقولوا لينا، مفيش ليها مكان، وإحنا منقدرش على مصاريف مستشفى خاصة. نسيبها تموت."
رد جواد قائلاً: "لأ، بس لو انت هدفك صحة والداتك صحيح مكنتش هتفتعل الشر وتعمل الجلبه دي كلها وفين الست والداتك دي؟"
رد الشباب: "أمي أهي قاعدة عالكرسي مش قادرة تاخد نفسها."
نظر جواد نحو مكان إشارة الشاب ورأى سيدة تقترب من الخمسين، فعلًا تبدو مريضة. فنظر إلى موظف الاستقبال قائلاً: "بسرعة الحجة تدخل الاستقبال وتعملوا لها جلسة استنشاق."
أومأ له الموظف رأسه بخزي. بينما ابتسم الفتى لجواد وذهب يساعد والداته على النهوض، ثم ذهب معها. وانفض التجمع. لكن ما هي إلا ثواني قبل أن يدخل شاب آخر يبدو عليه أنه متكسع وهو يشهر سلاح أبيض كبير، يسب بألفاظ سوقية بذيئة وتهجم على أحد الموظفين وكاد يضربه بالسلاح الذي بيده لولا أن عاد للخلف قبل أن يصيبه السلاح. لكن ذاك المتسكع لم يهاب وشعر بانشراح وهو يرى تجنب الجميع من أمامه. ثم نظر إلى جواد قائلاً: "انت يا حلو يا أبو بلطو أبيض، جولف فين أجزة المستشفى؟ معايا روشتة وعاوز أصرفها حالا."
رد جواد بجسارة: "نزل السافوريا اللي في إيدك دي، وروشتة إيه اللي معاك دي؟ وبعدين صيدلية المستشفى قافلة، روح اصرف الروشتة من أي صيدلية بره."
نظر المتسكع لجواد بغضب واقترب منه يهدده بالسلاح، لكن جواد أبدى الجسارة مما جعل المتسكع يهابه، فنظر ناحية إيلاف كاد يقترب منها وهو يقرب السكين من وجهها قائلاً بتهديد: "افتح لي أجزة المستشفى آخد منها الدوا اللي في الروشتة ولا هفسخ لك الحلوة دي نصين؟"
تعصب جواد واقترب منه قائلاً: "زي ما توقعت، انت شارب مخدرات ومش في وعيك. بلاش تضر نفسك أكتر من كده ونزل السافوريا اللي معاك، بدل ما تزود جرائمك."
بينما إيلاف شعرت برعب بسبب اقتراب ذاك المتسكع منها وهو يشهر سلاحه وكاد ينفذ تهديده ويضربها بالسلاح لولا أن تلقى الضربة عنها جواد الذي طعنه المتسكع بالسلاح بمعصم يده، لكن جواد كان أقوى منه وقام بوضع يده وضغط على العرق النابض بعنقه بقوة أفقدته وعيه بلحظة. تردى أرضًا وسقط من يده السلاح أمام أقدام إيلاف التي ترتجف رعبًا.
نظر لها جواد ثم نظر إلى أحد العاملين بالمشفى قائلاً بحسم: "شيلوا الحيوان ده، قيدوه في سرير واطلبوا لي البوليس وكمان عاوز أفراد أمن المستشفى عندي في مكتبي حالًا، بسبب التسيب كان ممكن يحصل مجزرة في المستشفى. إزاي يسمحوا لمتسكع زي ده يدخل أساسًا من باب المستشفى، ولا دخل هما نايمين."
أومأ له الموظف برأسه، بينما إيلاف ما زالت تقف مكانها متسمرة. لأول مرة بحياتها تشعر أنها كانت أمام موت محقق على يد متكسع يتهجم على المشفى. اقترب منها جواد سائلاً: "إيلاف إنتِ بخير؟"
هزت إيلاف رأسها بـ "لا" صامتة، ثم نظرت إلى يده الذي يضعها فوق معصم يده الذي ينزف بغزارة. فاقت من ذاك الذهول وقالت بلهفة: "إيدك بتنزف، خليني أخيط لك الجرح."
ابتسم جواد قائلاً: "تمام، بس أتمنى إيدك مترتعش وإنتِ بتخيطي لي الجرح."
شعرت إيلاف بحرج وفهمت تلميحه ثم قالت: "لو معندكش ثقة فيا تقدر تخلي أي دكتور تاني في المستشفى يخيط إيدك."
ابتسم جواد قائلاً: "أنا واثق فيكِ يا إيلاف، خلينا نروح مكتبي."
بعد قليل انتهت إيلاف من تقطيب يد جواد، الذي ابتسم قائلاً: "ممتاز، شفتي إيدك مرتعشتش."
قبل أن ترد إيلاف دخل ناصف بلهفة مصطنعة: "إيه اللي حصل يا دكاترة؟ أنا كنت بمر على بعض المرضى و..."
قاطعه جواد قائلاً بسخرية: "اللي حصل حصل يا دكتور. عالعموم أنا بلغت البوليس يحقق في اللي حصل وكل اللي اتسبب في التسيب ده هيتحول للتحقيق من أول أمن المستشفى لحد المتسكع اللي اتهجم عال مستشفى."
توتر ناصف قائلاً: "بس دي مش أول مرة يحصل الهجوم ده على مستشفيات الحكومة. وحذرنا منه قبل كده، وفرد الأمن ماله هو كمان إنسان وعنده مسؤوليات وخايف على عمره... إنت قلت متسكع يعني مش واعي هو بيعمل إيه."
ردت إيلاف: "لأ، النوعية دي لازم التعامل معاها بشدة وكمان الأمن مسؤول. مفيش حاجة اسمها خايف على عمره. العمر واحد والرب واحد، وأمن المستشفيات لازم يكون أقوى من كده. إحنا هنا أرواح ناس، كان ممكن بسهولة المتسكع ده بدل ما يطعن الدكتور جواد في إيده يطعنه في مكان تاني طعنة خطيرة والأمن واقف يتفرج."
رد ناصف بحرج: "فعلاً لازم عقاب للأمن. هروح أنا، كنت بعاين مريض وسيبته لما سمعت إن الدكتور جواد اتصاب، بس الحمد لله عدت على خير."
تهكم جواد قائلاً بمغزى: "فعلًا عدت على خير، لكن واضح إن البوليس وصل يحقق في اللي حصل كله."
ازدرد ناصف ريقه قائلاً: "المفروض اللي زي المتسكع ده يتعدموا فورًا. هستأذن أنا."
غادر ناصف، بينما نظرت إيلاف لجواد قائلة: "ليا عندك سؤال: ليه لما إيدي ارتعشت يوم العملية ما تكلمتش والليلة...."
لم تكمل إيلاف سؤالها حين دخل أحد أفراد الشرطة. نظر لها جواد قائلاً: "الشرطة وصلت نتكلم في الموضوع ده بعدين."
رواية شد عصب الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سعاد محمد سلامة
في وقت سابق من نفس الليلة، حوالي العاشرة مساءً، بمنزل القدوسي.
في الغرفة التي تمكث بها سلوان، فصلت هاتفها عن جهاز الشحن قائلة:
"أكيد الموبايل شحن شوية. مش عارفة إزاي نسيت أشحنه وأنا في الأوتيل وطول اليوم نايمة. وأكيد بابا زمانه اتصل عليا ألف مرة، ودلوقتي لما أكلمه هيتفتح فيا، وبالذات لما يعرف إني هنا في بيت والد ماما."
فتحت سلوان جهاز الهاتف وانتظرت قليلاً حتى بدأ الهاتف يعمل. لم تتفاجأ من أصوات تلك الرسائل ولا عدد المكالمات الآتية من والداها.
زفرت نفسها وحسمت أمرها قائلة:
"دلوقتي لما أتصل على بابا هفتح لي تحقيق. بصراحة يستحق، أنا كان المفروض أتصل عليه من بدري وأقول له إني هاجل رجوعي للقاهرة يومين مش أكتر. عارفة كان هيضايق مني. دلوقتي مفيش قدامي غير إني أسمع وأستحمل طريقة كلامه. بس يارب يتقبل لما أقول له إني ضيفة في بيت والد ماما."
وضعت سلوان يدها فوق زر الاتصال ثم وضعت الهاتف على أذنها تنتظر رد والداها، الذي سرعان ما رد بلهفة:
"سلوان! إنتِ بخير؟ ليه ما كنتيش بتردي على اتصالي ولا الرسائل؟"
ردت سلوان:
"أنا بخير يا بابا، اطمن. بس موبايلي كان فاصل شحن."
هدأ قلب هاشم قليلاً ثم تساءل:
"إزاي لغاية دلوقتي، ما وصّلتيش للبيت؟ أوعى تقولي القطر فاتك."
ازدرت سلوان ريقها ثم قالت بترقب لرد فعل هاشم:
"بصراحة يا بابا، أنا فعلًا لسه في الأقصر."
تنرفز هاشم قائلاً بحدة:
"أنا سبق وقولت مش هلتمس لكِ أي عذر لو اتأخرتي في الرجوع للقاهرة، بس ياترى إيه الحجة الفاضية اللي هتقوليها بقى المرة دي؟ اتأخرتِ على القطر ولا التذكرة ضاعت منك؟"
ردت سلوان:
"لأ يا بابا، مفيش حجة. بصراحة، الحاج مؤنس القدوسي والد ماما..."
لم تكمل سلوان حديثها حين قاطعها هاشم بفزع قائلاً:
"الحاج مؤنس خطفك؟"
قال هاشم هذا سريعًا ثم استوعب قائلاً باستنتاج:
"بس إزاي هيخطفك؟ هو يعرف إنك في الأقصر منين؟ إنتِ اللي رحتي له برجليكِ. كان عندي شك كبير إنك هتروحي له. ودلوقتي ارجعي يا سلوان واعملي حسابك، أنا خلاص اتراجعت ووافقت على طلب إيهاب وهتفق معاه على كل شيء والجواز هيكون في أقرب وقت."
زفرت سلوان نفسها بغضب قائلة:
"بابا، ملوش لازمة طريقتك دي في الكلام. إنت عمرك ما غصبت عليا حاجة. هتغصب عليا أتجوز آخر شخص كنت أفكر فيه يبقى شريك حياتي؟ وكمان أنا لسه هفضل هنا في الأقصر يومين عشان أحضر كتب كتاب..."
"كتب كتاب مين؟ ويومين إيه اللي لسه هتفضلي فيهم عندك في الأقصر؟ ولا أقولك، كويس خليكِ عندك على ما أجهز هنا مع إيهاب لكتب كتابكم بمجرد ما ترجعي من عندك."
قال هاشم هذا بتعسف وأنهى المكالمة مع سلوان.
ألقت سلوان الهاتف فوق الفراش تزفر نفسها بغضب. فوالداها لم يستمع لبقية ما كانت ستخبره به. كذلك يبدو أن لديه تصميم على تنفيذ وعيده لها إن تأخرت في العودة للقاهرة. زفرت نفسها بداخلها سؤالاً: لماذا والداها يمارس عليها هذا التعسف بالقرار لأول مرة في حياته؟ ولماذا انزعج حين علم بسفرها للأقصر من البداية؟ تعلم أنه لم يكن على صلة بأحد من أهل والدتها، لكن هذا ليس سببًا كافيًا لهذه الدرجة من الغضب والضيق لديه. تشتت عقلها بالتفكير.
بينما بالقاهرة، أغلق هاشم الهاتف وقام بقذفه على الفراش بغضب قائلاً بصوت حاد:
"كان لازم أتوقع إن سلوان تروح عند الحاج مؤنس. إزاي كنت غفلان؟ عالعموم، مستحيل أفرط في سلوان لو وصل الأمر..."
توقف هاشم عن الحديث ثم اتخذ القرار قائلاً:
"أنا هسافر أجيبها بنفسي."
قال هذا ثم جذب الهاتف من فوق الفراش وقام بالاتصال وانتظر الرد لثوانٍ، ثم قال:
"لو سمحت، عاوز تذكرة سفر للأقصر لو أمكن دلوقتي."
رد عليه:
"للأسف يا أفندم، في عاصفة رملية في الجو والسفر الداخلي كله متوقف من امبارح وهيستمر يومين كمان."
تعصب هاشم قائلاً:
"تمام، أنا عاوز طيارة خاصة وهتحمل المسؤولية كاملة."
رد عليه:
"متأسف يا أفندم، مستحيل. مفيش طيار أو شركة طيران هتخاطر وتطلع طيارة في الطقس ده."
أغلق هاشم الهاتف بعصبية، ثم قام باتصال على شخص آخر. بمجرد أن رد عليه قال له آمرًا:
"عاوزك تدبر لي طيارة خاصة ومعاها طيار، بأي تمن. هقفل دلوقتي، هستنى ترد فوراً."
أغلق هاشم الهاتف يزفر أنفاسه بغضب ساحق. استغربت منه دولت ومثلت الخضة قائلة باستفسار:
"هي سلوان جرالها حاجة مش كويسة؟"
نظر لها هاشم قائلاً:
"لأ، هي لسه هتفضل في الأقصر لمدة يومين."
تنهدت دولت بتمثل الراحة قائلة:
"الحمد لله إنها بخير. أنا لما سمعتك بتتصل تطلب تذكرة سفر خوفت عليها. بس إنت ليه متعصب أوي كده، ومُصر إنك تسافر ليها؟ فيها إيه لما تفضل يومين كمان في الأقصر؟ شابة ويمكن المكان هناك عجبها وحابة تتفسح."
نظر لها هاشم باستهجان وكاد أن يرد عليها لولا أن صدح رنين هاتفه الذي بيده. نظر للشاشة ورد سريعًا يسمع:
"للأسف في عاصفة رملية في الجو والطيران متوقف. حاولت مع شركة الطيران حتى قلت لهم إني مستعد أتحمل المسؤولية كاملة. رفضوا قالوا مستحيل طيار هيقبل يضحي بنفسه ويطلع بطيارة في الطقس اللي كله رياح وتراب."
تنرفز هاشم قائلاً:
"تمام، متشكر. بس حاول مرة تانية حتى لو لبكرة الضهر، يمكن تكون العاصفة هديت شوية."
رد الآخر:
"تمام، هحاول. بس إيه اللي حصل لكل ده؟"
رد هاشم:
"سلوان سافرت الأقصر واتقابلت مع الحاج مؤنس."
استغرب الآخر قائلاً:
"إزاي؟ وإمتى؟ أنا مش قلت لك إن الحاج مؤنس من كام يوم سألني عليها وقلت له معرفش عنها حاجة."
رد هاشم بقلة حيلة:
"ده اللي حصل. سلوان هي اللي راحت لهم برجليها. خايف تكون راحت لهلاكها."
رد الآخر قائلاً:
"بلاش تظن السوء. أكيد دي زيارة عابرة. إنت راجل متعلم وعارف إن "كذب المنجمون ولو صدقوا"."
تنهد هاشم بضيق قائلاً:
"عارف ده كويس، بس إنت عارف إن سلوان مش بس بنتي الوحيدة، دي كمان أمانة مسك. سلوان بتتصرف على حسب إحساسها، معندهاش لؤم ولا خبث تعرف تتعامل بيهم مع نوايا اللي حواليها."
رد الآخر:
"متخافش، إن شاء الله ترجع لك بخير. بس إنت اهدى وبلاش عصبيتك دي."
رد هاشم:
"تمام، بس هستنى منك تقول لي الطيارة جاهزة للسفر."
رد الآخر:
"تمام، هحاول مرة تانية لبكرة الضهر يمكن تكون العاصفة هديت شوية. يلا حاول تهدي وتسترخي، تصبح على خير."
هدأ هاشم في حديثه قليلاً:
"تمام، هستنى اتصالك. تصبح على خير."
أغلق هاشم الهاتف، ثم ذهب وجلس على أحد المقاعد بالغرفة، يحاول أن يهدأ. بينما نهضت دولت من على الفراش وجلست على مقعد مجاور له تشعر بفضول وتساءلت:
"مين اللي كنت بتتصل عليه؟ وفيها إيه لما سلوان تفضل في الأقصر؟ إيه اللي معصبك أوي كده؟ وليه عاوز تسافر ليها؟ هي مش طفلة وهتوه؟!"
نظر هاشم لها باستهجان:
"عارف إنها مش طفلة ومش هتوه، بس أنا مش هطمن غير لما تبقى قدام عيني هنا."
ابتلعت دولت طريقة رد هاشم الجافة عليها وتساءلت:
"اللي فهمته من كلامك على الموبايل إنك عاوز تسافر الأقصر والطيران واقف بسبب العاصفة الرملية، طب ليه متسافرش في القطر؟ سهل تحجز فيه وأكيد مش هيتأثر بالعاصفة زي الطيران."
نهض هاشم واقفًا وتوجه نحو الفراش وتمدد عليه قائلاً:
"أكيد متعرفيش إني عندي ديسك في ضهري ومقدرش أتحمل قاعدة في القطر أكتر من اتناشر ساعة متواصل، ده لو القطر كمان متأخرش في الطريق."
ادعت دولت اللهفة عليه قائلة:
"مكنتش أعرف إن ضهرك بيوجعك. أنا بس كنت بقترح عليك بسبب اللهفة والعصبية اللي أنا شايفاها بتزيد من يوم ما سلوان سافرت من غير ما تقولي هي رايحة فين."
تثاءب هاشم ووضع الهاتف على طاولة بجوار الفراش يحاول السيطرة على غضبه قائلاً:
"خلاص، مش هبقى في القلق والعصبية دي. أنا هسافر بنفسي وأرجع سلوان لهنا تاني."
ابتسمت دولت ونهضت واقفة تتحدث وهي تسير نحو الفراش:
"أنا سمعتك بتقول لها إنك وافقت على طلب إيهاب لخطوبتها... ده صحيح؟ إيهاب هيفرح..."
قاطعها هاشم قائلاً بتوضيح:
"ده مجرد تهديد لسلوان مش أكتر. أنا مقدرش أغصب عليها تتجوز أو تتخطب لإيهاب، دي حياتها ومقدرش أفرض عليها شيء هي مش راغبة فيه. والكلام ده سابق لأوانه. لما ترجع يحلها ربنا. طفي نور الأوضة وتصبحى على خير."
أطفأت دولت نور الغرفة وذهبت إلى الفراش وهي تتهكم بداخلها تشعر بالغيظ، لكن كتمته وهي تتمدد بجوار هاشم على الفراش. لا تود إثارة غضبه الآن أكثر، ربما بعد عودة سلوان يختلف الأمر.
.... ❈-❈-❈
بالفندق.
سئم صالح الذي يجلس منذ وقت طويل بمكان قريب من مكان استقبال الفندق ينتظر رؤية تلك الشبيهة بشوق، لكن طال الوقت وهي لم تظهر. نهض بضجر من طول الانتظار واتخذ قراره سيسأل بالاستقبال عنها. توجه نحو مكان الاستقبال وأخرج مبلغاً من المال من جيب جلبابه ووضعه على طاولة الاستقبال يوجهه نحو عامل الاستقبال مبتسمًا يقول:
"في نزيلة هنا في الفندق قريبتي من بعيد وكنت عاوز أعرف هي في أوضة نمرة كام."
تساءل عامل الاستقبال قائلاً:
"اسمها إيه حضرتك؟"
ابتسم صالح قائلاً بتذكر:
"سلوى، لأ سلو، سلو، آه سلوان هاشم خليل راضي."
بحث العامل عن اسمها عبر الحاسوب الموجود أمامه ثم نظر لصالح قائلاً:
"هي فعلاً كانت نزيلة هنا في الفندق بس للأسف هي غادرت الفندق النهارده قبل الفجر مباشرةً."
صُدم صالح قائلاً:
"متأكد إنها غادرت الفندق؟"
نظر العامل إلى الحاسوب ثم أكد له ذلك قائلاً:
"أيوه يا أفندم، ده مثبت قدامي عالكمبيوتر."
صمت صالح يشعر بغيظ هامساً بتوعد:
"إزاي فاتت علي دي إنها ممكن تمشي من هنا؟ مكنش لازم أستنى كتير، بس الأوان لسه ما فاتش يا بت "هاشم ومسك"."
❈-❈-❈
بالعودة......
للوقت الحالي بحوالي الثانية والنصف صباحًا.
خلعت إيلاف معطفها الطبي، علقته خلف باب الغرفة. تذكرت ما حدث الليلة بالمشفى وذلك المتسكع، كذلك جواد وتعامله معه دون أن يتردد أو يهابه، جازف بنفسه أمامها. للحظة شعرت برجفة في قلبها، فسرتها على أنها رجفة عادية. كانت تشعر بها مع أي شخص. نفضت عن رأسها. شعرت ببعض الألم في عنقها. رفعت يدها ووضعتها تمسد عنقها ثم زفرت نفسها تشعر بإنهاك وإرهاق تود العودة لمسكنها للنوم حتى تشعر بالراحة. عدلت هندامها وأخذت حقيبة يدها وخرجت نحو باب الخروج من المشفى. توقفت أمام الباب الخارجي تنظر على جانبي الطريق، تنتظر اقتراب أي سيارة أجرة من المكان.
بنفس الوقت، رغم شعوره بألم معصم يده، لكن تحامل عليه وقاد سيارته مغادرًا المشفى بسبب شعوره ببعض الخمول بسبب تناوله إحدى مسكنات الألم. أثناء خروجه من باب المشفى رأى إيلاف واقفة. اقترب منها بالسيارة وقام بفتح زجاج باب السيارة قائلاً:
"اتفضلي يا دكتورة أوصلك في سكتي."
في البداية رفضت إيلاف ذلك قائلة:
"متشكرة لذوقك يا دكتور."
تنهد جواد قائلاً:
"من فضلك بلاش اعتراض يا إيلاف. الوقت اتأخر وقليل لو فات من هنا تاكسيات."
رغم أن إيلاف سمعته اليوم يقول اسمها بلا لقب دكتورة يسبقه، لكن شعرت بنغمة خاصة لاسمها. لكن نفضت ذلك قائلة:
"تمام يا دكتور، هركب معاك مش عشان توصلني، بس لأني عندي سؤال وانت لسه مجاوبتش عليه."
ابتسم جواد وهي تفتح باب السيارة ثم جلست بالمقعد جواره، وأغلقت خلفها الباب. قاد السيارة صامتًا ينتظر أن تعيد سؤالها. بالفعل تحدثت إيلاف:
"على فكرة غلط إنك تحمل زيادة على إيدك. الجرح مش صغير، يعني المفروض مكنتش تسوق العربية."
نظر جواد لمعصم يده الملفوف بالضماد قائلاً:
"واضح إن لسه تأثير البنج عليه عشان كده مش حاسس بأي ألم."
صمتت إيلاف لدقائق قبل أن تتنحنح تسأله:
"مجبتيش على سؤالي؟"
ادعى جواد المكر بعدم التذكر قائلاً بتعمد:
"سؤال إيه يا... إيلاف؟"
نظر له إيلاف قائله:
"على فكرة اسمي الدكتورة إيلاف."
رد جواد بمكر:
"عارف بس أنا مش بحب الألقاب أوي. يعني تقدري إنتِ كمان تقولي لي جواد من غير دكتور وأبقى سعيد جدًا. معتقدش الألقاب دليل على الاحترام، بالأخص إننا بينا فرق عمر صغير."
شعرت إيلاف بالحرج قائلة:
"حتى لو كان فرق العمر بينا صغير، معتقدش الألقاب بتكبر صاحبها. بس ده الأفضل يا دكتور وعالعموم أنا ميفرقش معايا تقول لي إيلاف أو دكتورة، لإن بالاول بالآخر تعاملنا محدود مجرد زملاء. وده مش سؤالي. سؤالي اللي سألته لحضرتك في مكتبك قبل البوليس ما يدخل، ليه لما إيدي اتهزت في العملية موبختنيش قدام الموجودين وقتها؟"
توقف جواد فجأة بالسيارة ونظر نحو إيلاف التي انخضت لوهلة وهي تنظر له. وقبل أن تتحدث، تحدث هو:
"عشان نفس الموقف حصل معايا قبلك، ووقتها أنا اتضايقت من الدكتور وحسيت من نظرة زملائي ليا إني هكون دكتور فاشل. بس للأسف مع الوقت خيبت أملهم. هقولك على حاجة غريبة، أنا عشت سنتين في لندن كنت بشتغل في مستشفى كبيرة. وكان فيه دكتور شاطر جدًا ومعروف بس فجأة مدير المستشفى رفض إنه يدخل يعمل عملية لمريض. أنا استغربت ده، والفضول خلاني أسأل ليه منعوه من دخول أوضة العمليات رغم إنه دكتور كبير ومشهور. قال لي: إنت جاوبت على سؤالك، دكتور كبير. هو صحيح كبير طبيًا، بس كمان بقى كبير عمريًا، عمره عدى الخمسة وستين سنة، والعملية خطيرة والدكتور كبر وإيده بقت تتهز وهو ماسك المشرط، ومجرد رعشة إيده ممكن تكلفنا حياة المريض. وقتها جات فكرة إن الدكتور عندهم عامل زي "خيل الحكومة لما بتكبر"، الأفضل ليها ترتاح. رغم إني في دماغي مش مقتنع بده بس غصب حاولت أتغاضى، وأكمل. وده السبب اللي خلاني أنهي رحلة تكملة دراستي في إنجلترا. هما مش متفوقين عننا، بالعكس الطب المصري أثرى العالم كله بأطباء أكفاء. ورعشة الأيد صحيح ممكن تكون سبب كبير في حياة مريض، بس في النهاية ربنا بيسبب الأسباب. زي ما بنقول محدش بيموت ناقص عمر، "اختلفت الأسباب والموت واحد". كلها أعمار ربنا كاتبه بدليل إن الدكتور نفسه ممكن يمرض وميقدرش بعلمه يشفي نفسه أو حتى يتجنب المرض. يعني مش رعشة الأيد هي اللي تبين إن كان الدكتور ماهر أو لأ. ممكن تكون الرعشة للحظة حافز إن الدكتور يتعظ بعد كده ويتجنب الخطأ ده."
ابتسمت إيلاف بتفهم، بينما انشرح قلب جواد من بسمتها مازحًا:
"رغيت كتير في الموضوع أنا عارف."
ابتسمت إيلاف تومئ رأسها بنعم قائلة:
"فعلاً قلت كلام كتير، بس ده كان جواب مقنع لسؤالي، رغم إني عارفة جزء إن الدكتور لما عمره بيكبر في دول متقدمة طبيًا بيمنع دخوله العمليات الكبيرة، وبيكتفي بيه إنه يشرح نظري. بس ده تفكير غلط منهم. إحنا أهو شباب وإيدينا اتهزت في حاجات بسيطة جدًا."
ضحك جواد قائلاً:
"تحكمات فارغة."
وافقت إيلاف جواد ثم قالت له:
"ياريت تشغل العربية عشان نكمل الطريق، لأني رغم إني سمعت قبل كده عن الهجمات اللي بتحصل على المستشفيات الحكومية من بعض المجرمين، لكن السمع مش زي الرؤية. وبعد اللي حصل النهارده في المستشفى حاسة بإرهاق كبير. وكويس إني عندي بكرة راحة."
أدار جواد مقود السيارة قائلاً:
"أنا بقى معنديش أيام راحة، بسبب منصب المدير ده. أهو ده عيب المناصب العليا، لازم أكون متواجد يوميًا."
ردت إيلاف:
"مش كل أصحاب المناصب بيكون عندهم التزام، بس أصحاب الضمير الواعي هما اللي بيلتزموا. وعالعموم ربنا يعينك، إنت لسه شاب."
ابتسم جواد وأكمل الاثنان الحديث بمرح تارة وبجدية تارة أخرى، إلى أن وصلا أمام "دار المعتربات".
توقف جواد بالسيارة يشعر أن الوقت مر سريعًا، بينما فتحت إيلاف باب السيارة وترجلت منها ثم انحنت قليلاً تنظر لجواد قائلة:
"متشكرة جدًا إنك وصلتني يا دكتور جواد."
أومأ لها رأسه مبتسمًا يقول بقصد:
"تصبحِ على خير يا إيلاف."
أومات له مبتسمة ثم ترجلت نحو باب الدار، غير منتبه لجواد الذي ظل واقفًا إلى أن فتح لها الباب ودخلت إلى داخل الدار، ولا إلى تلك التي رأتها عبر شباك غرفتها وشعرت بالانزعاج، وأجزمت أن هذا خطأ، أنه لابد من تنبيه لها فهذا الأمر تكرر سابقًا، ولن تسمح به مرة أخرى، حفاظًا على سمعة بنات الدار الآخرين.
❈-❈-❈
صباحًا بنور يوم جديد، عاصف بمنزل القدوسي.
استيقظت سلوان على صوت طرق باب الغرفة. نهضت من فوق الفراش ووضعت وشاح فوق رأسها وفتحت الباب. ابتسمت لها الخادمة قائلة بصوت منخفض قليلاً:
"صباح الخير يا بنت الغالية. القمر نور دار القدوسي من تاني."
رغم شعور سلوان بغصة من ذكر والدتها لكن ابتسمت لها قائلة باستغراب:
"طب ليه بتوطي صوتك؟"
نظرت الخادمة على يمينها ويسارها بترقب ثم دفعت سلوان للخلف لتدخل إلى الغرفة ثم أغلقت الباب خلفهن قائلة بخفوت:
"عشان الست صفيته وبتها ميسمعوش ويغلوا بجلبهم منكِ يا زينة الصبايا وبت الغالية على قلبي. بالك أنا عرفتك من أول ما شوفتك وإنتِ واقفة معاهم قدام الباب أول مرة جيتي الدار، رغم أن النضارة كانت واكلة نص وشك، بس لما خلعتيها وظهر وجه الجميل عرفتك طوالي جولت بت الغالية رجعت. وهقولك سر كمان، أنا قلت للحاج مؤنس قبل ما تيجي تاني ومكنش مصدقني."
لم تستغرب سلوان ذلك لكن تساءلت:
"وإنتِ كنتِ تعرفي ماما؟"
ردت الخادمة بمسكنة:
"أنا والمرحومة مسك كنا حبايب، وهي اللي خلت الحاج مؤنس يشغلني هنا في الدار حداه. هي كانت كيف اسمها نسمة رقيقة. هو كده القدر، ربنا زي ما يكون بيختار الناس الطيبة تسكن في قلوبنا حتى بعد رحيلها في عز شبابها ويبتلينا بالعفش دايمًا عشان يقرف فينا."
رغم غصة قلب سلوان من ذكر والدتها لكن تبسمت تسأله:
"ومين بقى العفش اللي ربنا ابتلاكِ بيه؟"
ردت الخادمة بصوت خافت:
"ما جولت لك صفيته وبتها اللي خسارة فيها الاسم. كفاية حديث كده بجي لازم أنزل أكمل تحضير الفطور. أنا كبرت ومش ناقصة أسمع كلمتين فارغين من الحربايتين. أنا كنت جاية أقول لك إن الفطور قرب يجهز كيف ما جالي الحاج مؤنس إني أخبرك. يلا يا زينة الصبايا اغسلي وشك، ولا أقول لك حتى من غير ما تغسلي وشك إنتِ تخزي القمر بجمالك."
ابتسمت لها سلوان بود وهي تخرج من الغرفة...
جلست سلوان على الفراش وجذبت هاتفها. لم تجد أي رسائل أو مكالمات فائتة. تنهدت بحيرة قائلة:
"أكيد بابا امبارح كان متعصب وكان بيهددني بأنه قبل طلب إيهاب السخيف ده، ودلوقتي زمانه هدي شوية. بس لو كلمته هيرجع يتعصب من تاني. خلاص كلها النهارده وبكره وبعده هكون قدامه وهعرف أتفاهم معاه مباشرةً."
بنفس اللحظة شعرت بهزة الهاتف بين يديها برسالة. فتحت الرسالة وتبسمت حين قرأتها:
"صباح الخير يا سلوان، يا ترى صحيتي من النوم ولا لسه؟"
ابتسمت سلوان بانشراح وأرسلت له رسالة:
"صباح النور، أيوا صحيت من النوم من شوية صغيرين."
ابتسم على ردها وأرسل رسالة:
"تمام هنتقابل النهارده محتاجك في مهمة خاصة بالنساء."
تعجبت تسأله بفضول:
"مهمة إيه اللي خاصة بالنساء يا جلال؟"
رد جلال:
"لما نتقابل هتعرفي. هستناكي عالساعة واحدة الضهر في نفس الطريق اللي كنت بوصله له وإنتِ رايحة لدار جدك... بس ياريت بلاش تتأخري عن الميعاد زي عادتك."
ابتسمت سلوان قائلة:
"تمام متقلقش، مش هتأخر عن الميعاد."
ابتسم جلال قائلاً:
"آها، أما أشوف. بصراحة مفيش مرة اتظبط معاكِ ميعاد."
ردت سلوان مبتسمة:
"لأ متخافش، عندي فضول أعرف إيه هي المهمة النسائية."
ابتسم جلال قائلاً:
"وأنا كمان عندي فضول أعرف إيه اللي حصل من بعد ما اقتنعتي تروحي لبيت جدك."
ابتسمت سلوان قائلة:
"لما نتقابل هقولك. ودلوقتي بقى هقولك كفاية رسايل لازم أقوم أروح أفطر مع عيلة ماما، واتعرف عليهم كويس، عشان لما أحكيلك بيبقى الصورة كاملة."
ابتسم جلال وأرسل:
"تمام، بلاش ياخدوا عنك فكرة إنك مش ملتزمة بالمواعيد كده من أولها. سلام."
أغلقت سلوان الهاتف وتنهدت بانشراح، لكن سرعان ما نهضت قائلة:
"أما أروح أشوف رد فعل الآخرين على وجودي ضيفة هنا."
بعد قليل دخلت سلوان إلى غرفة السفرة. وقفت قليلاً بحياء قبل أن يقول مؤنس:
"تعالي يا سلوان اجعدي جار إبني هنا، إنتِ مش غريبة ومحتاج نعزم عليكِ."
بنفس الحياء توجهت سلوان إلى ذلك المقعد الذي أشار لها عليه مؤنس وجلست بهدوء صامتة... حتى لم تتناول أي طعام.
نظر لها محمود باستغراب قائلاً:
"مش بتاكلي ليه يا سلوان؟ مكسوفة ولا الأكل مش عاجبك؟"
قبل أن ترد سلوان ردت صفية بإيحاء:
"هتكون مكسوفة من مين إهنه؟ لو مكسوفة مكنتش جيت لإهنه. هو أكيد الأكل مش عاجبها، متعودة على فطور البندر الماسخ اللي مفيش فيه لا طعم ولا غذا."
شعرت سلوان بالبغض من رد صفية الذي يوحي بأنها ليس لديها حياء، لكن قالت:
"بصراحة فعلًا مش متعودة عالأكل اللي من النوعية دي. أصل الدادا بتاعتي لما كانت بتجيب لي الفطور عالسرير الصبح كان بيبقى فطور خفيف مع كوباية اللبن اللي كنت بشربها لـ "ماتيو" الكلب اللولو بتاعي. أهو حضرتك فكرتيني بالكلب بتاعي نسيت أقول للـ دادا أو لبابا يهتموا بيه في غيابي هنا."
نظرت صفية لسلوان بغيظ مكبوت بينما تهكمت مِسك قائلة:
"إنتِ عندك دادا وكمان كلب لولوه؟"
ردت سلوان:
"أنا عشت حياتي في الإمارات والسعودية وكنت بدرس في مدارس أجنبية كمان. أنا جاية هنا مش طمعانة لا في ورث ولا بتمسح في اسم مؤنس القدوسي. أنا كنت جاية هنا سياحة في الأساس وكمان كان عندي هدف تاني وخلاص الحمد لله وصلت له، وكنت راجعة للقاهرة تاني. بس الحاج مؤنس هو اللي دعاني أفضل هنا يومين عشان أحضر كتب كتاب حفيده، أظن "أمجد"."
شعرن صفية ومسك بزيادة البغض والنفور من سلوان لكن تحدثت مِسك:
"أيوه كتب كتاب أمجد أخويا على حفصة بنت خالي صلاح الأشرف. عقبالك بس إحنا منعرفش إنتِ مرتبطة أو لأ؟"
رفعت سلوان يديها أمامهم قائلة بغرور:
"لأ، الحمد لله ليه مش مرتبطة. رغم اتقدم لي عرسان كتير بس كنت برفضهم. عن نفسي بقول لسه النصيب مجاش. وإنتِ يا ترى مرتبطة أو زيي بترفض العرسان بدون سبب؟"
اغتظت مِسك منها قائلة بغرور:
"لأ زيك برفض العرسان بدون سبب."
ابتسمت لها سلوان بسماجة، بينما كبت مؤنس بسمته فيبدو أن سلوان عكس ابنته، كانت لا تعرف الرد المناسب، لكن سلوان تبدو بلا حياء. لكن تحدث بحزم قائلاً:
"أنا بقول نفطر بهدوء أفضل. وإنتِ يا سلوان لو مش عاجبك الفطور ده، خلي الخادمة تجهز لك فطور حسب رغبتك."
ردت سلوان:
"بالعكس، أنا كان نفسي أدوق في نوعية الفطور الصعيدي ده. شوفته في المسلسلات قبل كده، وأهو أمنيتي اتحققت وهدوقه، بس يارب معدتي تتحمله."
همست صفية قائلة:
"إن شاء ما يوعى يسري في جسمك. شكلي استهونت بيكِ، بس ملحوقة يا بت مسك."
بعد قليل نهض محمود قائلاً:
"عندي شوية أشغال لازم أخلصها قبل المسا."
نهض مؤنس أيضًا قائلاً:
"أنا كمان هروح الأرض الجبلية أشوف شجر الموز. في كم شجرة لازم تنكز عشان الخلفه الجديدة تحل مكانها."
نهضت سلوان بتسرع قائلة:
"ممكن حضرتك تاخدني معاك، عشان أنا مش بحب الحبسة في البيت واخدة الحرية والانطلاق."
ابتسم لها مؤنس قائلاً:
"تمام، إن كنتِ جاهزة يلا بينا."
ردت سلوان:
"ثواني هجيب نظارة الشمس وشنطة إيدي."
تهكمت صفية قائلة:
"هو السروح للغيط بيبقى بالشنطة ونضارة الشمس؟ آه نسيت إنك تربية مدارس خواجات."
تركتها سلوان بغيظها وذهبت، بينما نظر لها مؤنس بتحذير قائلاً:
"سلوان مش ضيفة يومين يا صفية. سلوان لها هنا حق أمها. بلاش طريقتك دي في الحديث وياها. أنا عارف إنها سبق وجت لهنه وإنتِ استقبلتيها بطريقة فظة."
ارتبكت صفية قائلة:
"واه يا حج مؤنس، وأنا كنت أعرفها منين عشان أستقبلها بطريقة فظة. هي اللي معندهاش حيا ولا خشية للأكبر منها. وأها إنت شايف ردها علينا بتتكبر و..."
قاطعها محمود قائلاً:
"صفية اعتبري سلوان زي بتك وبلاش طريقتك إنتِ ومسك معاها كأنها في تحقيق. يلا يا أبوي خليني أوصلك للأرض في طريقي."
ابتسم مؤنس قائلاً:
"ماشي يا ولدي، زين أنا رجلي مبقتش تتحمل المشي كتير كيف الأول."
رد أمجد:
"ربنا يديم عليك الصحة يا جدي."
بعد قليل جلست صفية تزفر نفسها بغضب قائلة:
"بت سهونة ومسهوكة وشكلها هتعرف تلعب على عقل الراجل الخرفان."
وافقت على قولها مسك، بينما نظر لهن أمجد قائلاً:
"في موضوع مهم حصل امبارح وبسبب إني رجعت للدار امبارح متأخر، مرضتش أزعجك بيه يا ماما، ومرضتش أتكلم فيه قدام الضيفة."
زفرت صفية نفسها بمقت قائلة:
"يارب يكون موضوع كويس، لأني حاسة دخول البت دي الدار هيجيب الفقر معاها."
ازدرد أمجد نفسه قائلاً بترقب لرد فعل صفية الذي يعلمه مسبقًا، لكن لابد أن تعلم ما فعلته حفصة معه. سرد لهم الجزء الخاص بما فعلته حفصة وخلعها لخاتم الخطوبة، حتى أنه وضعه أمامهن على الطاولة.
انصعقتا الاثنتين وتعجبن من فعلة حفصة، لكن تحدثت مسك:
"أكيد حفصة جرا لعقلها حاجة. أنا هقوم أتصل عليها وأقنعها ترجع عن الهبل والغباء ده."
أومأت لها صفية بموافقة قائلة:
"مش جلت حاسة إن النحس دخل لدارنا مع البت دي. وإنت كيف ما قدرت تتحدث ويا حفصة وتحاول تخليها تتراجع عن اللي في راسها ده؟"
رد أمجد:
"حاولت أتصل عليها حتى بعت لها رسايل، بس هي مش بترد عليا."
نفخت صفية أوداجها قائلة:
"ربنا يهدي، أكيد ده دلع من حفصة، حابة تعمل لنفسيها شخصية قدامك. بس اطمن هي بتسمع لحديث مسك، بس نكتب الكتاب ووقتها حفصة مش هتقدر تتحدث."
شعر أمجد بوخز في قلبه وظل صامتًا، ينتظر عودة مسك، التي دخلت للغرفة قائلة:
"غريبة، موبايل حفصة زي ما يكون مقفول وبيقول لي خارج نطاق الخدمة. يمكن تكون نايمة. عالعموم أنا بعد ما أرجع من المدرسة هفوت على دار خالي صلاح وهتحدث وياها، وهقنعه تشيل الغباء ده من راسها. همشي أنا دلوقتي عشان عندي الحصة الأولى."
❈-❈-❈
بمنزل صلاح الأشرف.
أنهى إرسال الرسائل لسلوان مبتسمًا، تذكر ما حدث بالأمس.
[فلاشــــــــــــ/باك]
بالمطعم، نظرت سلوان لساعة الهاتف وجدت أن ميعاد مجيء القطار إلى الأقصر اقترب. تنهدت بشجن قائلة:
"خلاص انتهت رحلتي هنا، لازم أرجع للأوتيل عشان آخد شنطة هدومي وألحق ميعاد القطر."
رد جلال ببسمة عكس إحساس التوجس الذي بداخله:
"تمام خليني أوصلك للأوتيل وبعدها أوصلك لمحطة القطر."
ابتسمت له سلوان بغصة.
بعد قليل خرجت سلوان من باب الفندق وبيدها حقيبة ملابس صغيرة. تبسمت لـ جلال الواقف أمام السيارة بمكان قريب من باب الفندق، لكن فجأة سمعت صوت ينادي عليها "بنت مسك". نظرت له بتعجب وذهول، حين رأته يقترب يقول برجاء:
"سلوان ممكن نتحدث خمس دقايق قبل ما تمشي من هنا؟"
تعجبت سلوان ونظرت نحو جلال الواقف تحدثت عينها له كأنه يسألها ماذا تفعل.
أومأ لها جلال رأسه بأن توافق على الحديث معه.
امتثلت سلوان لإيماءة جلال لها، قائلة:
"تمام لسه وقت قبل ما القطر يوصل للأقصر. ممكن نقعد في مطعم الأوتيل."
ابتسم مؤنس لها، وتجاهل معرفته بجاويد. ذهب الاثنان إلى مطعم الفندق.
جلس الاثنان، ظل الصمت قليلاً، مؤنس فقط يود النظر لوجه سلوان، لكن تنحنحت سلوان قائلة:
"أعتقد مطلبتش نتكلم عشان تفضل تبص في وشي، وكمان إزاي عرفت إني مسافرة دلوقتي، وعرفت منين أصلًا إني نازلة في الأوتيل ده. إيه بعت ورايا اللي يراقبني بعد ما طلعنا من المقابر؟"
ابتسم مؤنس قائلاً:
"فعلاً بعتت وراكِ شخص يعرف إنتِ نازلة فين في الأقصر، وكمان سأل في الفندق وعرف إنك هتسافري دلوقتي، وكان لازم ألحقك قبل ما تعودي لمصر تاني."
تهكمت سلوان قائلة:
"وليه كنت عاوز تلحقني قبل ما أعود لمصر؟"
رد مؤنس:
"عشان أطلب منكِ، تفضلي هنا كمان لكم يوم، وتحضري كتب كتاب ولد خالك محمود."
تهكمت سلوان قائلة:
"إنت عاوزني أفضل هنا في الأقصر، بس عشان أحضر كتب كتاب حفيدك؟ متأسفة أنا خلاص عملت مغادرة للأوتيل، وقبلها كنت حجزت تذكرة في القطر ويادوب ألحق أوصل لمحطة القطر. عن إذنك، طلبك مرفوض، يا حاج مؤنس."
نهضت سلوان وتركت مؤنس تحاول كبت دمعة عينيها، كذلك مؤنس نهض خلفها مباشرةً يشعر بوخزات قوية في قلبه. تلك الفتاة تبدو عنيدة للغاية، أو مدللة وتود المحاولة مرة أخرى.
بالفعل فعل ذلك قبل أن تصل سلوان إلى مكان سيارة جلال. تفاجئت وشعرت برجفة في قلبها حين أمسك مؤنس معصم يدها من خلفها قائلاً:
"سلوان، هما يومين مش أكتر. وتذكرت القطر، ممكن نستبدلها بتذكرة ليوم تاني. وكمان مش هتحتاجي للفندق، هتجي معايا لدار القدوسي، دار جدك."
استدارت سلوان ونظرت لمؤنس. رأت تلك الدموع التي تتلألأ في عينيه، لكن نحتت النظر عن عينيه قائلة بتسرع:
"لازم ألحق ميعاد القطر، عن إذنك."
سحبت سلوان يدها من يد مؤنس الذي شعر كأن الروح تنسحب من جسده معها. لكن رفع نظره ونظر نحو جاويد الذي فهم من نظره أن سلوان رفضت عرضه، فأومأ له برأسه متفهمًا. ثم نظر لسلوان التي تقترب من مكانه وقوفه ثم رسم بسمة لها، رغم أنه لاحظ ملامح وجهها العابسة. فتح لها باب السيارة ثم اتجه للناحية الأخرى نحو المقود، وبدأ بقيادة السيارة. للحظات عم الصمت إلى أن قال جلال:
"الحج اللي كان طلب يتكلم معاكِ ماشي ورانا بعربيته."
استعجبت سلوان ونظرت خلفها، ثم عادت تنظر أمامها. بينما تسأل جلال بإدعاء الفضول:
"آسف لو بدخل في أمر يخصك، بس هو كان عاوزك في إيه؟"
تنهدت سلوان قائلة:
"مش تدخل ولا حاجة، عادي. هو كان بيعرض عليا أفضل هنا كمان يومين وأحضر كتب كتاب حفيده تقريبًا، بس...."
توقفت سلوان عن تكملة حديثها وعاودت النظر خلفها. رأت السيارة مازالت تتعقبهم. شعرت بحنين للبقاء هنا أكثر، لا تعرف لهذا الشعور سبب.
بينما تسأل جلال:
"بس إيه؟ إنتِ رفضتي طلبه؟"
هزت سلوان رأسها بنعم.
ابتسم جلال لها قائلاً:
"طلب ليه رفضتي طلبه؟ وطالما مش عاوزة تبقي هنا ليه وشك زعلان كده؟"
ردت سلوان:
"معرفش، بصراحة أنا كان نفسي أفضل هنا في الأقصر كمان كم يوم، بس الظروف حكمت إني لازم أرجع للقاهرة غصب لأن بابا...."
توقفت سلوان عن الحديث فجأة ثم نظرت بسؤال لـ جلال:
"هو أكيد بابا ممكن يضايق مني، بس أكيد هينسى بسرعة."
ابتسم جلال الذي لاحظ تردد سلوان، وتلاعب بالحديث يدفعها لأخذ قرار نهائي بالبقاء قائلاً:
"أكيد ممكن يضايق، بس معتقدش باباكِ هيفضل مضايق منكِ كتير. بس أنا مش فاهم قصدك إيه. إنتِ قررتي إنك تقبلي دعوة الحاج وتفضلي هنا في الأقصر كمان يومين؟"
تنهدت سلوان بحيرة وتردد قائلة:
"مش عارفه."
دفعها جلال للموافقة دون ضغط عليها قائلاً:
"مش هتخسري حاجة لو فضلتِ هنا يومين وفي النهاية هو جدك، بس طبعًا القرار النهائي ليكي."
تنهدت سلوان تشعر بتردد بداخلها. تود البقاء لكن ليس من أجل حضور عقد قران حفيد مؤنس بل من أجل جلال. شعور غريب يدفعها نحوه تريد البقاء معه أكثر. ترددت قائلة:
"بس إفرض إني وافقت على عرض الحاج مؤنس ولما روحت عنده البيت معاملة مراته وابنه ومقابلتها ليا بصراحة كده مكنتش لطيفة وحسيت اتجاهها بنفور متبادل ومش بس هي كمان بنتها زيها. وابن الحاج مؤنس صحيح محستش أي شعور ناحيته، بس برضه ممكن ينضم ناحية مراته وبنته."
رد جلال بإقناع:
"بسيطة خالص، نقدر نبدل تذكرة القطر وتجربي لو معاملتهم ليكِ معجبتكيش تقدري تسافري بسهولة."
تنهدت سلوان قائلة:
"مش عارفة أنا حيرانة كمان بابا...."
قاطعها جلال قائلاً بحسم:
"الوقت مبقاش في تردد دلوقتي لازم تحسمي أمرك، يا تسافري، يا تقبلي عرض جدك وتفضلي هنا يومين كمان، لآن خلاص وصلنا محطة القطر. كمان أنا سامع صوت القطر من بعيد."
بتسرع من سلوان قالت:
"هفضل هنا اليومين دول، بس ممكن أبدل تذكرة القطر، أو أحجز غيرها عشان أنا عرفت قبل كده إن التذاكر بتبقى محدودة وممكن منلقاش تذكرة بعد يومين."
انشرح قلب جلال قائلاً:
"تمام أنا هنزل للمحطة أشوف لو عرفت أستبدل التذكرة أو أحجز لكِ غيرها."
ابتسمت سلوان له قائلة:
"تمام وأنا هنزل أتكلم مع الحاج مؤنس ومش هروح معاه غير لما ترجع بالتذكرة."
ابتسم جلال وتركها لكن راقبها وهي تسير نحو سيارة مؤنس وابتسم حين ترجل مؤنس من السيارة وقابلها بالطريق قائلاً:
"جولي إنك وافقتي تحضري كتب كتاب ولد خالك."
زفرت سلوان نفسها قائلة:
"هحضر بس ليا شرط قبل ما أروح معاك لبيتك."
ابتسم مؤنس قائلاً بإنشراح:
"أي شرط هتجولي عليه هنفذه."
ردت سلوان:
"إني لما أجي عندك الدار أفضل في أوضة ماما."
غص قلب مؤنس قائلاً:
"تمام."
شعرت سلوان براحة ثم قالت:
"وكمان لو حسيت إن معاملة الست صفية ليا مش مقبولة زي قبل كده مش هسكت لها ولو وصل الأمر همشي فورًا."
ابتسم مؤنس قائلاً:
"لأ متخافيش من معاملة صفية، هي يمكن مكنتش تعرف إنتِ مين، لكن دلوقتي عرفت إنتِ مين فهتغير معاملتها معاكِ."
ردت سلوان:
"تمام، هنتظر بس جلال يرجع بالتذكرة وبعدها هروح معاك لبيتك."
ابتسم مؤنس ووضع يده فوق كتف سلوان يمسد عليه بحنان، إلى أن عاد جلال وتوجهت سلوان نحوه. ابتسم لها قائلاً:
"اتفضلي بدلت لك التذكرة بتذكرة تانية بعد يومين."
أخذت التذكرة من يد جلال مبتسمة قائلة:
"متشكرة جدًا."
ابتسم جلال قائلاً:
"تمام هنتظر اتصالك عليا."
أومات له سلوان بابتسامة ثم توجهت نحو سيارة مؤنس وصعدت لجواره.
ابتسم جلال وهو يشعر بانشراح حين غادر مؤنس ومعه سلوان إلى منزله.
بعد قليل وصل مؤنس إلى منزله ترجل من السيارة قائلاً:
"يلا انزلي يا سلوان، نص ساعة والشغالة تنضف لك الأوضة."
أومات سلوان له ودخلت خلفه إلى المنزل، وانتظرت قليلاً تجلس مع مؤنس الذي يحاول جذبها للحديث معه، لكن لم يسأل أي شيء عن جلال. كانت سلوان ترد عليه بحرص إلى أن أتت الخادمة قائلة:
"الأوضة جهزت يا حج مؤنس."
نهض مؤنس واقفًا وجذب سلوان من يدها خلفه إلى أن دخل إلى الغرفة. شعر بشرخ كبير في قلبه ما زال يأن منه لكن سرعان ما نظر نحو سلوان شعر براحة قائلاً.
بينما سلوان شعرت كأن للغرفة يدين تضمها تشعرها برائحة والداتها التي فقدتها. هدوء غريب في قلبها لم تشعر به سابقًا بأي مكان ذهبت إليه. تبسمت وهي تتذكر جملة والدتها يومًا لها: "في مكان بيفضل في القلب مهما تمر سنين وسنين بعاد قلبك يفضل يشتاق إليه. المكان ده هو أوضتي اللي في دار أبويا الحاج مؤنس. الأوضة دي شهدت كل ذكرياتي حتى قصتي مع باباكِ كنت بقعد على كنبة جنب شباك الأوضة وأبص عالسما وأشوف النجوم والقمر وأدعي ربنا يكون هاشم من نصيبي، وربنا استجاب لي صحيح التمن كان غالي، بس إنتِ عندي أغلى من أي شيء في الوجود يا سلوان. بتمنى في يوم لو مرجعتيش لبيت أبويا أبقى روحى مكاني يا سلوان هتحسي بمشاعري اللي بحكيلك عنها."
شعرت سلوان بيد مؤنس فوق كتفها، حبست تلك الدمعة بعينيها ورسمت بسمة باهتة له.
رد مؤنس ببسمة قائلاً:
"الوقت لسه بدري، دوب الفجر أذن من شوية. هروح أتوضى وأصلي الفجر، وإنتِ..."
قاطعته سلوان قائلة:
"أنا هتوضى وأصلي الفجر وبعدها محتاجة أنام شوية."
ابتسم لها مؤنس واقترب من رأسها وقبلها قائلاً:
"على راحتك... هسيبك دلوقتي تستريحي ولينا حديث مع بعض وقت تاني."
غادر مؤنس وترك سلوان بالغرفة. توجهت نحو ذلك الشباك الخاص بالغرفة، نظرت نحو السماء. نور الشمس بدأ يسطع ويبدد الظلام وكذالك تلك النجوم بدأت تتوارى تترك مكان لنور الشمس. لكن هناك ما لفت نظرها حين نظرت نحو بوابة المنزل الخارجية ورأت سيارة جلال. شعرت براحة كبيرة ولم تغلق الشباك لكن ذهبت نحو الفراش وتمددت عليه وتحتضن تلك الوسادة. سرعان ما غفت عينيها.
[عودة]
عاد جاويد منهداً، على صوت طرق باب غرفته. نهض من فوق الفراش مبتسمًا ثم وضع الهاتف على طاولة بجوار الفراش ونظر نحو باب الغرفة وابتسم لـ يُسريه التي قالت له:
"صباح الخير يا جاويد، فكرتك لسه نايم."
ابتسم لها جاويد قائلاً:
"لأ يا ماما أنا صحيت وكنت هستحمى وبعدها أنزل أتكلم مع حضرتك في موضوع مهم."
ابتسمت يُسريه قائلة:
"خير يا جاويد."
ابتسم جاويد قائلاً:
"خير يا ماما متأكد إن الموضوع اللي هتكلم فيه مع حضرتك هيبسطك جوي."
توجس قلب يُسريه، تشعر برهبة لكن رؤية تلك السعادة على ملامح جاويد جعلتها تنسى تلك الخرافات، وهي تسمع لـ جاويد:
"بصراحة يا ماما أنا اتفقت مع عمال تشطيبات عشان يجوا يعدلوا تشطيب الجناح القبلي اللي في الدور التاني، وكمان أنا خلاص هتجوز، كتب الكتاب بكرة بعد صلاة العشا، وإشهار عقد الجواز والدخلة بعد بكرة."
تعجبت يُسريه كثيرًا لكن ازدرت حلقها الجاف تشعر برهبة متسائلة بترقب:
"مين العروسة؟!"
رواية شد عصب الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سعاد محمد سلامة
شعرت يُسريه بدوار فجأه وكاد يختل توازنها حين أجاب عليها جاويد:
العروسه تبقى سلوان حفيدة الحج مؤنس بنت بنتهُ.
إستغرب جاويد وإقترب سريعًا يسند يُسريه بلهفه قائلًا:
ماما مالك، جواد أكيد لسه هنا فى الدار إجعدي وأنا هطلع أنادي له يقيس ليكِ السُكر.
وضعت يُسريه يدها فوق كف جاويد قائله بتطمين:
لاه، سيب جواد نايم ده بيرجع وش الفچر، أنا زينه بس يمكن دى دوخة چوع أصلي متعشتش عشيه إمبارح وخلاص كبرت مبجتش أستحمل الچوع من يوم ما جالى السُكر.
تنهد جاويد بلوم قائلًا:
ليه يا ماما متعشتيش.
ردت يُسريه:
مكنش ليا نفس بعد اللى حفصه جالتلي عليه.
إستغرب جاويد مُتسألًا بإستفسار:
وأيه اللى حفصه جالتلك عليه خلاكِ تنامي من غير عشا!.
ردت يُسريه:
فسخت خطوبتها من إبن عمتك.
تبسم جاويد غير مُستعجب قائلًا:
ده كان شئ متوقع من حفصه.
نظرت يُسريه لـ جاويد بعدم فهم.
إبتسم جاويد قائلًا:
حفصه نسخه تانيه من حضرتك ياماما، تبان أنها بتنطاع للى قدامها، بس مستحيل تكمل فى شئ هى مش مقتنعه بيه، ميه فى الميه، كنت متوقع حفصه تعمل كده فى أى وقت بس بصراحه لما جولتلى أنكم حددتوا ميعاد كتب الكتاب جولت يمكن أقتنعت بأنها هتقدر تسيطر على أمجد فيما بعد، بس واضح إن حصل حاجه وخاب ظنها فقالت الإنفصال دلوك أفضل من بعد كتب الكتاب على الاقل متنحسبش عليها چوازه من مفيش.
نظرت يُسريه له بفهم قائله:
هو دلوك فعلًا أفضل من بعد كتب الكتاب، بس الحرج جدام الناس فى البلد هيجولوا أيه، فسخت خطوبها قبل كتب الكتاب بيومين.
تنهد جاويد قائلًا:
وفيها أيه، حتى لو قبل كتب الكتاب بدقيقه ده مش هيضرها أكتر ما تكمل فى جوازه فاشله، وبعدين متخافيش اوي إكده الناس هتتلخم فى أمر تاني وهتنسي.
تسألت يُسريه كآنها نسيت ما أخبرها به قبل قليل:
وأيه اللى البلد هتتلخم فيه؟.
إبتسم جاويد قائلًا:
كتب كتابي والفرح، إنتِ لحقتي تنسي يا ماما.
شعرت يُسريه برجفه فى قلبها كذالك تشعر ببعض اللغبطه فى عقلها لكن تنهدت قائله:
يمكن عقلى إتبرجل، بس اللى أعرفه إن بنت مِسك مجتش البلد غير مره واحده يوم دفنة أمها حتى يمكن وجتها محدش شافها إهنه... هتتجوز بنت عمرك ما شوفتها!.
رد جاويد مُبتسمًا يشعر بشوق لرؤية سلوان:
لاء يا ماما، سلوان هنا فى الاقصر من كام يوم.
إزدادت الرجفه بقلب يُسريه، وتذكرت لقاؤها مع غوايش، حديثها لم يكُن تخاريف، شعرت بقلق وتوجس، لكن إبتسمت بأمل أن تخيب بقية تخاريفها، بسبب رؤية تلك السعاده الظاهره على وجه جاويد، لن تُعكر صفوه، ليحدث بالمستقبل ما يحدث، أحيانًا قد يكون الأفضل عدم مُعاندة القدر.
❈-❈❈-❈-❈
بالحقل الخاص بـ مؤنس والمجاور للـ النيل
سارت سلوان خلف خطوات مؤنس ، للحظه كادت أن تتعرقل أثناء سيرها لكن وضعت يدها على كتف مؤنس الذى إستدار لها باسمًا يقول:
مش تاخدي بالك فين بتخطي برِچلك يا خد الچميل، وهتشوفى كيف والنضاره واكله نص وشك، إجلعي النضاره، السمسم مش جاسيه (قاسيه) لسانا فى أول النهار.
أمائت سلوان له وخلعت النظاره، وسارت خلفه بحذر الى أن وصل الى جسر عالي صغير يفصل مياه النيل عن الارض، أُعجبت بالمنظر البديع وآشعة تلك الشمس التى تساقطت فوق المياه تعطيها لون عُشبي كذالك تلك شجرات الموز المُصطفه على الجسر ومنها المائل على النيل كآنه يتهامس مع المياه، وأيضًا بعض أنواع شُجيرات أجرى، توقفت خلف جدها وهو يتحدث مع أحد العاملين ويتشاور معه بـ جز بعض أشجار الموز، سمع له العامل وذهب يفعل ما أمره به.
نظرت سلوان لـ مؤنس بعد ذهاب العامل بإستفسار قائله:
هو إنت ليه أمرته يقطع أشجار الموز مع إنها خضره.
إبتسم مؤنس وتذكر نفس السؤال سألته يومً إبنته "مِسك" كأنهن لسن فقط شببهات بالملامح، أيْضًا بالعقليه والتفكير... رد عليها بتفسير:
شجرة الموز لازمن تنجطع من چدرها كل سنه عشان الخِلفه اللى حواليها ترعرع وتثمر هى كمان.
تعجبت سلوان قائله:
كل سنه لازم تتقطع، طب ليه مع إنها لسه خضره؟.
رد مؤنس:
شجرة الموز مش بتطرح فى السنه غير مره واحده وبعدها الشجره مش بتطرح مره تانيه، بس من عجايب ربنا إن الشجره الواحده بتخلف جنبها يچي أربع أو خمس وِلدات، أو شُجيرات صغيره بتحل مكانها وعشان تكبر بنجطع الشجره الكبيره.
تفهمت سلوان قائله:
آه فهمت عشان كده بقى بيطلقوا شجرة الموز "قاطعة أبيها".
أومأ مؤنس رأسه بموافقه، لكن تعجبت سلوان حين رفع مؤنس يده، ظنت فى البدايه أنه سيضعها على كتفها لكن، كآنه أشار بيده "بـ سلام" ثم سُرعان ما خفض يده جواره فى لحظات مُبتسمًا.
إستدارت سلوان برأسها ونظرت الى الطريق القريب من الارض، رأت سياره بماركه عاليه تذكرت أنها رأت تلك السياره سابقًا بنفس الطريق وقت أن آتت لهنا اول مره، لكن تسألت بفضول:
مين اللى بتشاور له ده؟.
رد مؤنس ببسمه:
ده "جاويد الأشرف".
نظرت سلوان بفضول نحو السياره لكن كان قد مرت السياره ولم ترى السائق، لكن إستدارت تنظر لـ مؤنس قائله بسؤال:
ومين بقى "جاويد الأشرف".
قبل أن يُجيب عليها مؤنس آتى العامل نحوهم قائلًا:
حج مؤنس هنعمل أيه بشجر الموز اللى چزناه، نرميه فى النيل؟.
رد مؤنس:
لاه چمعه وحطه على سطح العِشه اللى على راس الأرض... كمان شجره التوت اللى چار العشه إهنه فيها كم فرع ناشف عاوزك تجطعهم عشان الطرح الچديد.
رد العامل بإحترام وموده:
حاضر يا حج مؤنس، بس ليا عيندك طلب، أنا بتِ هتتچور كمان سبوعين وكنت طمعان إكده فى إنك تصنع لها قُلل الفرح اللى هناخدها لدار العريس يوم الشوار.
إبتسم مؤنس له قائلًا:
إبجي فوت عليا بعد يومين وفكريني، وفالك زين، أنا كنت چايب طمي من أسوان من كام يوم يظهر مكتوب عليه يتصنع للأفراح.
إبتسم العامل قائلًا:
ربنا يديم الأفراح يا حج مؤنس وعجبال ما تفرح بالعروسه اللى چارك دى هى والأستاذه بنت عم محمود.
شعر مؤنس بغصه قويه فيبدوا أن السعاده دائمًا منقوصه، تذكر مِسك حفيدته ماذا سيكون رد فعلها حين تعلم أن جاويد سيتزوج من أخرى.
تذكر قبل يومين لقاؤه مع جاويد بالمنزل.
[فلاشــــ/ــــباك]
بعد ان سمع جاويد ومؤنس نعت صفيه له بأنه كبر وربما أصبح يتناسى، تغاضى جاويد عن ذالك وإبتسم لترحيب صفيه الحار له، تنهد مؤنس الذى يشعر بالضيق من صفيه قائلًا:
أنا بجول بلاها وجفتنا إكده، تعالى إمعاي للمندره يا جاويد، و إنتم ياريت واحده فيكم تجول لـ "نبيه" تجيب لينا كوبايتن شاي ومش عاوز واحده منيكم تقرب من باب المندره.
شعرن صفيه ومِسك بالخزي، فى البدايه تحركت صفيه بضيق وظلت مِسك واقفه تنظر لـ جاويد بهيام، أفقتها صفيه منه وجذبتها من يدها بضيق... سارت خلفها مِسك بضجر.
بينما أشار مؤنس بيده لـ جاويد قائلًا:
خلينا نتحدت بالمندره.
بعد لحظات بغرفة المندره، تحدث مؤنس:
بشكرك يا جاويد بفضلك النهارده إتجابلت مع حفيدتى الغايبه، بس ليا سؤال منين عرفت إنها چايه؟.
إبتسم جاويد قائلًا:
سلوان هنا فى الاقصر من كام يوم، وإتجابلت إمعاها صدفه وسألتينى عن البلد هنا، وانى اللى وصلتها لاول البلد وهى كملت لوحدها وسالت لحد ما وصلت لدارك.
لاحظ مؤنس تلك اللمعه الخاصه التى بعيني جاويد وتسأل:
طب ليه موصلتهاش إنت بنفسك لحد الدار إهنه.
رد جاويد:
بصراحه هى متعرفش أنى جاويد الأشرف، وده اللى چاي عشان أتحدت فيه وياك دلوك... سلوان هترجع مصر فجر بكره.
شعر مؤنس بغصه قائلًا:
هتعاود بسرعه إكده، أنا لما نبيه جالت لى إن فى صبيه شبه مِسك الله يرحمها جت وسالت عليا مصدجتهاش، لكن لما إنت إتصلت وأكدت عليا أفضل إهنه فى الدار عشان فى ضيفه عاوزه تجابلك، من المفاجأه نسيت أسألها هى نازله إهنه فين، كان لازمن أجول لها تچي تجعد إهنه بـ داري.
رد جاويد:
ملحوقه، ممكن ده يحصل لو وافجت على طلبِ منيك.
تسأل مؤنس بلهفه سريعًا:
وأيه هو الطلب ده؟.
تبسم جاويد قائلًا:
أنا بطلب أيد سلوان من حضرتك.
تعجب مؤنس بإستفسار قائلًا:
جصدك تتجوز سلوان، طب ومِسك.
سأم وجه جاويد قائلًا:
مِسك بالنسبه ليا زى حفصه أختى مش أكتر من بنت عمتي، أنا مش مسؤول عن اوهام وكلام فاضي إتقال قبل إكده، أنا بطلب أيد سلوان، وعارف هتجولي إن ممكن أبوها فى مصر ميرضاش، بس هجولك أنا باخد موافجتك الاول وبعدها ليا طريجه هتحدت فيها ويا أبوها ومتأكد أنه هيوافج، بهدين فى الاول والآخر كل شئ نصيب ومِسك يمكن نصيبها يكون مع شخص أفضل ميني، ها مجولتليش ردك أيه.
تنهد مؤنس قائلًا:
فعلًا حديتك صح، كل شئ نصيب، وإن كان عليا أنا موافج على چوازك من سلوان، بس ده هيتم كيف وإنت بتجول سلوان هتعاود مصر بكره الفچر.
رد جاويد بثقه:
لاه سلوان مش هتعاود مصر، بس إنت اللى هتساعدنى على إكده، سلوان نازله إهنه فى فندق فى الأقصر وأنا خابره، وهجولك على خطه لو نفذتها متوكد سلوان هتفضل إهنه فى الاقصر.
إبتسم مؤنس قائلًا:
جولى عالخطه وانا هنفذها.
إبتسم جاويد قائلًا:
بس قبل ما أجولك الخطه... سلوان متعرفش آنى جاويد الأشرف، هى فاكراني شخص تانى، وده لظرول خاصه مالوش لازمه تعرفها، بس عاوزك تنسى إنك تعرفني جدامها، وأنا متوكد إن سلوان هتوافج تچي إمعاك للدار إهنه.
تبسم مؤنس وتسمع لخطة جاويد، الى أن إنتهى، تنهد مؤنس قائلًا:
تمام يا ولدي، بتمني سلوان متعندش.
إبتسم جاويد بثقه ونهض واقفًا يقول:
لاه إطمن سلوان جواها حِيره ومحتاجه اللى يوافقها على غرضها، هنتظرك قبل الفجر جدام اللوكانده، بلاش تتآخر.
نهض مؤنس هو الآخر قائلًا:
لاه متخافيش هنكون جدام اللوكانده قبل الميعاد يا ولدي.
[عوده]
عاد مؤنس ينظر لـ وجه سلوان مُبتسمًا على إحمرار وجنتيها بسبب آشعة الشمس، قائلًا:
خلينا نشوف مكان ضل نجعد فيه بعيد عن السمس.
إبتسمت له سلوان بموافقه.
❈-❈-❈❈
بـ دار المغتربات
بحوالى الساعه الحاديه عشر صباحً
إستيقظت إيلاف على صوت طرق على باب الغرفه الخاصه بها، تمطئت بذراعيها وجذبت هاتفها ونظرت الى الساعه، تعجبت قائله:
الساعه بقت حداشر الصبح انا صليت الفجر ونمت بعدها مادريتش بالوقت، أكيد اللى بيخبط عالاوضه حد من الشغالين فى الدار هنا.
نحت إيلاف غطاء الفراش تشعر بتكاسل ونهضت ترتدي مئزر فوق منامتها ووضعت فوق راسها وشاح، ثم فتحت باب الغرفه مُبتسمه.
تبسمت لها الأخري قائله:
صباح الخير يا دكتوره، ممكن نتكلم مع بعض خمس دقايق.
إستغربت سلوان لكن قالت لها:
أكيد طبعًا، إتفضلي.
دخلت الى الغرفه ثم أغلقت الباب خلفها وجلست على أحد المقاعد قائله:
واقفه ليه يا دكتوره، الموضوع اللى جايه فيه مهم وإنت يظهر لسه قايمه من النوم دلوقتي، طبعًا كنتِ سهرانه نبطشيه فى المستشفى.
جلست إيلاف بمقعد جوارها قائله:
فعلًا، انا كنت نبطشيه ليلة إمبارح وكنت أعطيت للمشرفه خبر إنى هرجع عالساعه إتناشر ونص بالليل ، بس حصلت ظروف إتأخرت فى المستشفى.
تسألت المديره قائله بفضول:
ويا ترى اقدر أعرف ايه الظروف دى اللى كانت السبب فى تأخيرك فى الرجوع على ميعادك.
سردت إيلاف لها ما حدث والهجوم على المشفى.
زفرت المديره نفسها بغضب قائله:
هو ده اللى أنا بخاف منه عشان كده بحذر على البنات الغرابه ميتأخروش بره لوقت متأخر غير لو حكمت الظروف، وطبعًا إنتِ دكتوره ووارد سهرك نبطشيات فى المستشفى، والحمد لله ربنا ستر، عالهموم أنا مطلبتش منك نتكلم خمس دقايق عشان كده فى موضوع تانى.
إستفسرت إيلاف قائله:
وأيه هو الموضوع التانى؟.
ردت المديره بسؤال:
مين اللى وصلك إمبارح لهنا بعربيته؟.
ردت إيلاف ببساطه:
ده دكتور زميلى فى المستشفى.
تسالت المديره:
زميلك بس؟.
ردت إيلاف بتعجب:
أيوا زميلي وبس... وكمان مدير المستشفى.
تنهدت المديره قائله:
آه، كمان مديرك، وليه وصلك لهنا.
ردت إيلاف:
الوقت كان اتأخر والطريق كان تقريبًا فاضى من أي تاكسيات قدام المستشفى وهو عرض عليا ووافقت بعد إلحاح منه، بس حضرتك ليه بتسألى، أنا حاسه إنك زى ما تكوني بتحققي معايا.
ردت المديره:
فعلًا تقدري تعتبري ده تحقيق، لما الأمر يتكرر أكتر من مره يبقى لازم يكون فى تنبيه، أنا هنا فى الدار عندي بنات مُغتربات من اماكن بعيده، جايين لاسباب مختلفه، زيك كده، والبنات دول انا مسؤله عنهم وكمان عن سمعة الدار، مقبلش إن حد يمسها بسوء حتى لو بدون قصد منه.
إستغربت إيلاف قائله:
مش فاهمه قصد حضرتك أيه؟.
ردت المديره بحسم:
ممنوع حد يوصلك بعربيه خاصه لهنا قدام الدار.
تعجبت إيلاف سأله:
برضوا مش فاهمه قصدك أيه بعربيه خاصه؟.
ردت المديره:
قصدي إن ممكن بنات فى الدار يشوفوا رجوعك متاخر فى عربيه فخمه زى اللى رجعتي فيها قبل الفجر ويفسروا الامر على هواهم، وكمان ممكن يقلدوا كده ويتأخروا عن قصد منهم، أنا بقالى سنين مسؤله عن الدار دي ومحدش يقدر يمس سمعتها... عشان كده انا بحذرك ممنوع ترجعى للدار متأخر فى العربيه دي، حتى لو كان زميلك او حتى مديرك بالمستشفى، فى أكتر من سواق تاكسي أنا واثقه منهم ومعايا ارقام موبيلاتهم، وهديكي الارقام دي تقدري تتصلى على أي سواق منهم وهو هيجي لمكانك فى أي وقت ومتخافيش الأجره بتاعتهم مش بيبقي غاليه.
شعرت إيلاف للحظه بالضيق من تحكم المديره الذى بنظرها زائد وكادت تعترض، لكن فكرت قليلًا ثم تقبلت حديثها قائله:
تمام حضرتك، ممكن تديني ارقام موبيلات اصحاب التاكسي دي، واوعدك بعد كده مش هرجع فى عربيه خاصه.
نهضت المديره واقفه ببسمه تسير نحو باب الغرفه قائله:
تمام، أنا هنزل دلوقتي لمكتبي وهبعتلك قايمه بالارقام.
نهضت إيلاف هى الاخري خلف المديره الى أن خرجت من الغرفه واغلقت خلفها الباب وقفت خلف الباب تفكر فى عقلية تلك المديره المستبده قليلًا وأنها لما لم تعترض وتخبرها أن ثقتها بمن حوالها تكاد تكون معدومه، فماذا يفرق إن عادت بسياره خاصه وسائقها شخص مخترم، وسيارة أخره لا تعلم هوية سائقها، لكن هى لا تود الجدال كثيرًا معها بعقليه مُتزمته.
فى اثناء تفكيرها، آتى لخيالها منظر جواد بالأمس ويدهُ تنزف دمً، كذالك ملامح وجهه المُرهقه بعد خروجهم من المشفى، ذهبت نحو هاتفها، لكن فجأه تذكرت أن رقم جواد ليس معها، فكرت قليلًا ثم قالت:
سهل أتصل على المستشفى وأسأل عليه، بس يمكن يكون لسه موصلش للمستشفى أو تعبان من آثر الحرج، وقرر ياخد أجازه... تحيرت إيلاف قليلًا ثم حسمت الأمر قائله:
أنا هحتار ليه أنا أطلب رقم المستشفى، كان موجود هيرد عليا مش موجود يبقى مش مشكله.
بالفعل قامت بالإتصال على المشفى وضعت الهاتف على أذنها تنتظر الرد، كاد ينتهي مدة الرنين لكن سمعت رد تسرعت قائله:
صباح الخير يا دكتور جواد، أنا الدكتوره إيلاف.
تبسم من رد عليها قائلًا بمكر:
صباح النور يا دكتوره، أنا مش الدكتور جواد أنا ناصف، قصدي الدكتور ناصف، الدكتور جواد لسه لغاية دلوقتي محضرش للمستشفى.
إرتبكت إيلاف قائله:
آه تمام، أنا بس كنت بتصل... عشان، عشان، عشان انا عندي راحه النهارده مش جايه للمستشفى، كنت هقوله يتابع حالة الست المريضه اللى جت إمبارح للمستشفى، هى محتاجه رعاية فى المستشفى عالاقل كمان للنهارده.
إبتسم ناصف بمكر قائله:
تمام يا دكتوره أما دكتور جواد يوصل هقوله، فى حاجه تانيه تحبي أقوله عليها لما يوصل.
شعرت إيلاف بحرج قائله:
لاء، شكرًا، سلام.
أغلقت إيلاف الهاتف تشعر بحرج ولامت نفسها قائله:
يارب ما يفهم سؤالي على جواد غلط، هو شخص بحس منه إنه آفاق وعكس الشخصيه المَرحه اللى بيتعامل بيها.
بينما وضع ناصف سماعة الهاتف بمكانها وتبسم بظفر وغيظ قائلًا:
هو أيه ده واضح كده المشاعر متبادله بين الاحبه ولا أيه، عالعموم، كويس، لاء كويس جدًا، كده هيسهل الأمر عليا.
❈-❈-❈
بحوالى الواحده ظهرًا
بالحقل
نظرت إيلاف الى ساعة الهاتف، ثم نهضت من جوار مؤنس قائله:
أنا فى مشوار مهم فى الاقصر ولازم اروحه دلوقتي.
إبتسم مؤنس قائلًا بإستفسار:
مشوار ايه ده، وإزاي هتروحى للاقصر لوحدك.
تهكمت سلوان قائله:
هروح زى ما جيت لهنا لوحدي مش مُعضله.
رد مؤنس:
طب والمشوار ده ميتاجلش لحد ما اتصل على خالك محمود يجي يوصلك للمكان اللى هتروحي له.
ردت سلوان بتهكم، وعدم إستساغه لكلمة "خالك" قائله:
لاء ميتأجلش.
إبتسم مؤنس قائلًا:
تمام روحي بس متتأخريش فى الرجوع للدار.
ردت سلوان:
تمام مش هتأخر، سلاموا عليكم.
بحذر سارت سلوان الى ان خرجت من الحقل واصبحت على الطريق المجاور للأرض، إبتسمت حين رأت سيارة جلال من بعيد تقف على رأس الطريق، إبتسمت بإنشراح وهى تسير نحو مكان وقوفه الى أن إقتربت منه ترجل جلال من السياره ونظر لساعة يده قائلًا:
زى ما توقعت الساعه واحده وعشر دقايق.
إبتسمت سلوان له وهو يفتح لها باب السياره قائله:
عشر دقايق مش كتير.
إبتسم جلال وهو يتوجه للناحيه الاخري ثم صعد للسياره قائلًا:
العشر دقايق دول يتغير فيهم حاجات كتير أوي، عالعموم خلاص انا أتعودت على إنك دايمًا تتأخري على ميعادك... بس أعرف سبب إحمرار وشك أوى كده ليه.
إبتسمت سلوان وهى تضع يديها على وجنتيها قائله:
كنت فى الغيط مع الحج مؤنس والشمس قويه، بس مش ده المهم، أنت إتصلت عليا وقولت محتاجني فى آمر نسائي اقدر أعرف أيه هو الإمر ده؟
إبتسم جلال وهو يقود السياره قائلاً بمزح:
مش بس بتتأخري على مواعيدك كمان مُتسرعه، عالعموم هقولك، أنا أختى هتتجوز كمان كم يوم وكنت عاوز أعمل ليها مفاجأه، وأشتري ليها شوية هدوم للبيت وكمان خروج، غير أى حاجه دهب.
إبتسمت سلوان قائله:
طب ليه مأخدتهاش وروحت تشتري ليها اللى على مزاجها.
رد جلال:
بقولك عاوز اعملها ليها مفاجأه.
إبتسمت سلوان قائله:
طيب، هنقول الدهب عادى ممكن تختار أى قطعه ذوقها حلو، بس إزاي هتعرف مقاسها فى اللبس..
رد جاويد:
بالنظر، أختي تقريبًا نفس طولك فى جسمك كده... وإنتِ دوقك جميل فى اللبس ومتأكد هيعجبها.
ضحكت سلوان قائله:
بس إختيار الهدوم مبيبقاش بشكل الجسم بس وكمان الذوق ممكن ذوقها يكون مختلف عن ذوقي.
رد جلال:
لاء تقريبًا كمان نفس الذوق، ووالله إن معجبهاش سهل تبقى ترجع للمحل اللى هنشتري منه وتبدل هى بقى على ذوقها، بس دلوقتي عاوز أعملها مفاجأه تحبي نبدأ بأيه الاول الهدوم ولا الصايغ.
فكرت سلوان ثم إبتسمت قائله:
الدهب انا معرفش فيه أوي، بابا هو دايمًا اللى كان بيشترلي دهب، نوع من الهدايا وكمان للزمن هو قالى كده، إنما الهدوم أنا اللى كنت بشتري على ذوقي، بس فيا عيب.
إبتسم جلال قائلًا:
وأيه هو العيب ده بقى؟
ردت سلوان:
مش بعرف أفاصل مع الشغالين فى المحلات، اللى بتقولى عليه بدفعه.
إبتسم جلال قائلًا:
ده عيب خطير جدًا، بس تمام، ممكن نتغاضى عنه فى الآخر دى هدايا ومش هدقق فى تمنها.
إبتسمت سلوان قائله بإستفسار:
جلال أنا عاوزه أسألك سؤال، إنت بتشتغل أيه بالظبط؟.
إبتسم جلال قائلًا:
ما قولتلك قبل كده بشتغل فى السياحه.
تسألت سلوان:
عارفه إنك بتشتغل فى السياحه، بس بتشتغل أيه فى السياحه بالظبط، مُرشد مثلًا، أو موظف فى شركة سياحه.
ضحك جلال قائلًا:
لا ده ولا ده.
إستغربت سلوان سأله:
امال بتشتغل أيه بالظبط.
إبتسم جلال قائلًا:
فى شغل الفُخار والخرف عندي مصنع خرف وفخار هنا بيصنع التُحف والتماثيل اللى بيشتريها السواح كمقتنيات تذكاريه وهما راجعين لبلادهم.
إبتسمت سلوان قائله:
بجد، تعرف أنا نفسى أشوف مصنع للفخار ماما كانت بتحكيلي عن صناعة الفخار كتير، كمان وانا راجعه للقاهره ابقى أخد منك شوية تماثيل وتحف تذكار، بس هحولك تمنهم لما أوصل للقاهره.
إبتسم جلال قائلًا:
تمام، فى مره هاخدك معايا للمصنع، بس دلوقتي خلاص وصلنا لمحل الصايغ، عاوزك تشتري أى شئ على ذوقك وميهمكيش تمنه.
إبتسمت سلوان بهزار قائله:
آه طبعًا بعد ما طلعت صاحب مصنع، مش هيفرق معاك تمن حتة دهب.
ضحك جلال قائلًا:
لاء مش للدجادي برضوا إعملي حساب إن لسه فى شنطة هدوم، بس اقولك أختاري على ذوقك أي طقم دهب.
إبتسمت سلوان قائله:
طقم دهب مره واحده، تمام، بس يارب يعجب أختك ذوقي.
إبتسم جلال وترجل من السياره وخلفه سلوان ثم دخلا الى محل الصائغ، وضع الصائغ امامها مجموعه من الأطقم الذهبيه، إختارت بينهم سلوان أحد الاطقم، لكن بخبث آتى جلال بخاتم ذهبي قائلًا:
حلو الخاتم ده.
إبتسمت سلوان قائله:
ده مش خاتم، ده دبلة خطوبه.
نظر جلال للخاتم قائلًا:
بس ذوقه حلو أيه رأيك قسيه كده.
أخذت سلوان الخاتم من يده قائله:
لاء ذوقه مش حلو أنا شوفت هنا اذواق أحلى منه، إستني كده.
أشارت سلوان للصائغ على خاتم أفضل تصميم، إبتسم جلال قائلًا:
فعلًا الدبله دى ذوقها أحلى كويس إنى جبتك معايا... قيسي الدبله دى كده.
إستغربت سلوان باسمه تقول:
هو إنت بتشتري هديه لاختك ولا بتشتري ليها شبكه كامله، وبعدين ممكن صوابعي تبقى أتخن او ارفع من صوابع أختك، الطقم سهل إختياره.
إبتسم جلال قائلًا:
أنا مش هشتري الدبله كفايه الطقم بس عاوز أشوف شكل الدبله دى فى إيدك.
شعرت سلوان للحظه بإنشراح فى قلبها وتمنت أو بالاصح تخيلت لو فعلًا كانت هذه فرصه لها لشراء خاتم زواج من جلال، لكن هذا كان خيال فقط...
وافقت سلوان جلال ووضعت الخاتم بإصبعها...
تبسم جلال ونظر نحو الصائع واومأ له برأسه، تفهم الصائغ إيمائته، بينما خلعت سلوان الخاتم قائله:
واسع على صباعي شويه صغننين، خلينا فى الطقم الدهب، الطقم ده ذوقه حلو جدًا.
إبتسم جلال لها قائلًا:
على فكره إنتِ مُريحه جدًا فى الإختيار أنا توقعت تاخدي وقت أكتر من كده على ما ترسي على إختيار... كده معتقدش هناخد وقت كبير فى إختيار الهدوم.
إبتسمت سلوان قائله:
لاء بلاش تاخد فكره مش مظبوطه عني، فى إختيار الهدوم باخد وقت، إنما الذهب زى ما قولت لك قبل كده، يمكن أول مره بدخل محل دهب، بابا هو اللى بيفهم فى الدهب بحكم شُغله كمهندس كهربا.
إبتسم جلال قائلًا:
تمام طمنتيني، عالعموم طالما إستقريتي عالطقم ده أنا هشتريه، و خلينا نلحق محلات الهدوم عشان الوقت... عندي ميعاد مهم المسا.
إبتسمت سلوان، بينما جلال ذهب نحو الصائغ وأخرج له بطاقة سحب إئتمان، وجه له الصائغ ماكينة السحب كتب كلمة السر.
بعد قليل بأحد محلات الملابس
جلس جلال على أحد المقاعد ينتظر بينما سلوان وقفت تختار بعض الثياب النسائيه، كانت البائعه تمدح بذوقها الراقي حتى فى إختيار بعض العباءات المنزليه، بعد قليل جلست سلوان جواره قائله:
على فكره أختك بعد ده كله لو معجبهاش ذوقي أنا مش مسؤله، كمان البياعه هنا، شكلها خلقها ضيق، يعنى ممكن لو جت تبدل الهدوم تضربها.
ضحك جلال قائلًا:
لاء إطمني متاكد ذوقك هيعجبها.
تنهدت سلوان بأمل قائله:
أتمني ذوقي يعجبها بس مقولتليش أختك هتتجوز أمتي.
توه جلال بالحديث ونهض واقفًا يقول، هروح الحسابات أحاسب على المشتريات، وراجع فورًا.
بعد قليل عاد جلال لمكان جلوس سلوان مبتسمًا يقول:
تمام أنا دفعت الحساب والعامل بيحط المشتريات فى شنطة العربيه، خلينا نروح للعربيه كمان فى ضيف مهم على وصول ولازم أستقبله بنفسي.
نهضت سلوان قائله:
تمام، لو معندكش وقت ممكن أخد تاكسي يوصلنى.
رد جلال:
لاء فى لسه شوية وقت خلينى اوصلك بسرعه.
إبتسمت سلوان له.
بعد وقت
أوقفت سلوان جلال قائله:
إحنا لسه الدنيا مضلمتش، نزلنى هنا وأنا هكمل مشي لحد بيت الحج مؤنس.
إبتسم جلال لها قائلًا:
تمام، هبقى أتصل أطمن عليكِ إنك وصلتي للبيت.
تبسمت سلوان قائله:
تمام، وبلاش تقول لاختك إن فى حد تاني إختار الهدوم او الدهب، كده هيبسطها أكتر إنك فكرت فبها واختارت على ذوقك.
إبتسم جلال لها قائلًا:
تمام، مع إنة متأكد إن ذوقك ممتاز.....
ـــــــــــــــــــــــــــ❈-❈-❈
المسا
بـ مطار الأقصر
خرج هاشم الى صالة الوصول إبتسم حين رأى من بإنتظاره، إلى ان وصل الى مكان وقوفه مد يده له بالمصافحه.
صافحه الآخر بترحيب قائلًا:
الأقصر نورت يا هاشم.
إبتسم هاشم قائلًا:
متشكر جدًا إنك قدرت تدبر لى طياره خاصه فى الطقس الترابي ده، الطيار كان شبه مرعوب، بس الحمد لله وصلنا بخير.
إبتسم له قائلًا:
حمدلله عالسلامه، خلينا نطلع العربيه مستنيانا بره المطار.
إبتسم هاشم وسار لجواره يتحدثان الى أن خرجا الى خارج المطار...
تفاجئ هاشم بمن آتى عليهم ومد يده بالمصافحه.
ضحك الآخر على ملامح هاشم قائلًا:
أعرفك "جاويد صلاح الأشرف" عريس سلوان اللى كلمتك عنه.
إبتسم هاشم بذهول قائلًا:
جاويد.... إبنك يا صلاح.
.... ــــــــــــــــــــــــــ❈-❈-❈
منزل القدوسي
بـ غرفة السفره، على طاولة العشاء
زفرت صفيه نفسها بغضب وهى تنظر ناحية مِسك قائله بلوم:
كان لازم تنسي موبايلك فى المدرسه، يمكن تكون حفصه إتصلت عليكِ.
ردت مِسك بتبرير:
أنا مفتكرتش الموبايل غير بعد المغرب، وإنتِ عارفه إنه مستحيل الفراش هيرضى يدخل المدرسه فى الوقت ده.
تعجبت سلوان قائله:
وليه مستحيل.
ردت مِسك بنزك:
عشان المدرسه مسكونه بـ جني، وأى بيخاف يدخل المدرسه بعد الدنيا ما تضلم.
ضحكت سلوان بتريقه قائله:
المدرسه مسكونه بـ أيه، جني، هو لسه فى حد بيصدق فى الخرافات دي، "ما عفريت الا بنى آدم زى ما بيقولوا" ٠
نظرت لها صفيه بضيق وضجر قائله:
لاء فى چني ساكن المدرسه وجيران المدرسه شافوه قبل إكده.
ضحكت سلوان متهكمه، آثار ذالك غضب مِسك التى نظرت لـ مؤنس قائله:
دلوقتي هتعمل أيه يا جدي، حفصه فسخت خطوبتها من أمجد ولما روحت الصبح بيت خالى صلاح أسأل عليها، مرات خالي قالتلى إنها راحت الجامعه، وهترجع على دار خالتها عشان تعبانه إشوي، وأنا بصراحه انا وخالتها مش بنطيق بعض، حتى وانا راجعه روحت لبيت خالتها مكنتش رجعت من الجامعه وخالتها قابلتني بطريقه مش كويسه، وموبايلى نسيته فى المدرسه ومش عارفه اوصل ليها عشان اقنعها تتراجع عن فسخ الخطوبه، خلاص المفروض كتب الكتاب بكره بعد المغرب، هنقول أيه للمأذون.
نظر مؤنس نحو سلوان باسمًا يقول:
مش هنجول حاچه لآن فى كتب كتاب هيتم بكره فعلًا.
تعجبت مِسك قائله:
كتب كتاب مين؟
رد مؤنس وهو مازال ينظر لـ سلوان:
كتب كتاب سلوان.
إعتقدت سلوان أن مؤنس يمزح فقالت بمزح أيضًا:
ويا تري بقي مين العريس اللى هيكتب كتابه عمياني كده على عروسه ميعرفهاش.
نظر مؤنس بترقب لرد فعل سلوان قائلًا:
العريس هو "جاويد الأشرف".
ضحكت سلوان قائله:
نكته حلوه من حضرتك، بس بقى نفسي أعرف مين "جاويد الأشرف" ده اللى من ساعة ما رِجلي خطت للبلد دي وأنا بسمع إسمه.
رواية شد عصب الفصل السادس عشر 16 - بقلم سعاد محمد سلامة
بغرفه خاصه بالفندق جلس صلاح يعتب على هاشم قائلًا:
برضوا أصريت تنزل فى اللوكانده، مع إن بيتِ مفتوح لك وكمان خلاص هبنجي نسايب.
إبتسم هاشم وهو يتمعن النظر بـ جاويد قائلًا:
إنت عارف قيمتك عندي يا صلاح من زمان أوي، وبعتبرك بمثابة أخ كبير ليا، بس أنا هرتاح فى الأوتيل أكتر كمان إنت عارف انا مش حابب أبقى قريب من مكان صالح، ومش عاوز أتقابل معاه.
تنهد صلاح قائلًا:
خلاص الزمن مر على الماضي يا هاشم، ودار الأشرف الكبير بجي ليا أنا وصفيه أختي حاولت إمعاها كتير تاخد تمن حقها بس هى اللى مش راضيه، وصالح بجي له دار لوحده صحيح چاري بس تقريبًا العلاقه مجطوعه بينا... نادر لما بنتجابل صدفه.
قال صلاح هذا وتوقف للحظه يتنهد بحسره:
صالح ملهي فى دنيته، ومبيفكرش غير فى شهواته وذاته، رغم أنه أخوي بس مش بجول إكده عشان أجاملك، صالح كان يستحق اللى حصل بالماضي.
نظر هاشم لـ جاويد قائلًا:
صلاح قالى إنك إتعرفت عليه سلوان هنا.
إبتسم جاويد قائلًا:
صدفه من أول ما نزلت من القطر عالمحطه، كنت وجتها هستلم بضاعه جايه للمصانع الفخار والخزف بتاعتنا من أسوان.
إبتسم هاشم بإعجاب قائلًا:
هاشم سبق وقالي إنك حولت هوايتك فى صناعة الفخار وأنشأت مصنع، ومع الوقت بقوا مصانع واضح إنك طموح... عكس صلاح.
ضحك صلاح قائلًا بمدح بـ جاويد:
فعلًا جاويد طموح، كمان دراسته "إقتصاد وعلوم سياسيه" بالذات الإقتصاد فاده جنب معرفة صنعة الفخار، مَزج بين الدراسه والمعرفه العامه وقدر ينجح فى وقت مش قليل، بس قدر يبجى له شآن كبير مش بس إهنه فى الاقصر كمان طور شغلهُ ودخل صناعة الخزف وبجي له زباين أچانب بيصدر لهم.
إبتسم هاشم قائلًا بمزح يشوبه بعض الآلم الروحي:
المثل بيقول "السعيد فى المال تعيس فى الحب" وعن تجربه شخصيه مريت بيها بأكدلك صحة المثل ده.
إبتسم جاويد قائلًا:
كل قاعده وليها شواذ، أنا إتعلمت الرضا وكل شئ نصيب، ومتأكد إن سلوان هى أفضل نصيب حصلي فى حياتي.
مع الوقت يستحوذ جاويد على إعجاب هاشم أكثر بثقته الواضحه.
إبتسم هاشم سألًا:
تمام، بس اللى فهمته إن سلوان متعرفش إنك جاويد الأشرف، النقطه دي مش فاهم معناها.
إبتسم جاويد قائلًا:
هفهم حضرتك، سلوان عارفانى بإسم تانى وقبل ما تسألني هقول لحضرتك معرفش السبب أيه لما سألتني عن إسمي قولت لها "جلال صلاح".
شعر صلاح بنغزه قويه وآسى بقلبه بينما إستغرب هاشم ونظر الى وجه صلاح الذى ظهر عليه الحزن بحُزن قائلًا:
طيب وليه بعد كده مقولتش لها على إسمك الحقيقى، ودلوقتي كمان، مش عاوزها تعرف إنك جاويد.
رد جاويد:
فعلًا فى البدايه كانت غلطه ميني أن عرفتها عليا بإسم تاني، بس بعد إكده إكتشفت إن ده كان الافضل ليها وليا.
إستغرب هاشم قائلًا:
مش فاهم غرضك توصل لأيه وضح قصدك أكتر.
رد جاويد بتوضيح:
سلوان أكيد عندها عِلم عالأقل بجزء من اللى حصل بالماضي، زيي كده صحيح معرفش كل شئ بالتوضيح بس عالاقل عندها نبذه عنه، وعارفه إن عيلة الأشرف بينها وبين عيلة القدوسي، نسب قديم وكان ممكن وقتها تاخد حذرها أو تقطع حديثها معايا نهائيًا هى نفسها قالت لى إن عندها صعوبه فى الثقه فى الناس... ولما تعرف إني جاويد الاشرف ثقتها فيا كانت هتنعدم أو عالاقل هتحرص ميني.
أماء هاشم رأسه بفهم قائلًا:
فعلًا سلوان صعب تثق فى أى حد وده اللى بستغرب له بعد ما حكيت ليا إنك كنت على صله وثيقه بها الايام اللى فاتت كمان إنت اللى وصلتها لبداية طريق جدها الحج مؤنس القدوسى، رغم تحفظي فى إن مكنش لازم تطاوعها فى النقطه دي.
رد صلاح قائلًا:
جاويد كان غرضه خير يا هاشم سلوان كان عندها أمنيه تزور قبر مِسك الله يرحمها، كمان كان عندها نية البقاء فى الأقصر ومكنش ينفع تقضل فى اللوكانده أكتر من كده.
رد هاشم متسألًا:
هى مكنتش هتقعد لآنى كنت لاغيت إمكانية إنها تقدر تسحب فلوس من الكريديت اللى كان معاها، بس ليه مكنش ينفع تفضل فى اللوكانده أكتر.
تنهد صلاح بآسى قائلًا بإختصار:
بسبب صالح.
إنخض هاشم قائلًا:
صالح! سلوان ملهاش دعوه باللى حصل فى الماضي وإن مِسك فضلتني عليه.
تنهد صلاح قائلًا:
صالح لساه فى قلبه الحقد، وممكن لما شاف سلوان فى اللوكانده إحتيا الأمل أو الجديم إشتعل ،وكمان سال عنيها، ومُش بس إكده ده كمان كان حچز أوضه إهنه.
تحدث هاشم بحِده:
والله لو كان مس شعرايه واحده من شعرها كنت قتله بدون تردد لحظه واحده... وبعدين إنت لما كنت عارف ده كله ليه لما إتصلت عليك قبل كده عملت نفسك متعرفش حاجه.
إبتسم جاويد قائلًا:
بلاش تظلم بابا فعلًا مكنش يعرف حاجه عن إن سلوان بالاقصر غير منك وأنا دخلت عليه الأوضه بالصدفه وهو بيكلم حضرتك إمبارح وحكيت له وكمان آنى طلبت أيد سلوان من الحج مؤنس والحج مؤنس هو اللى قالي إن بابا على معرفه بشخص وسيط قريب من حضرتك إنه وهو اللى هيوصل بيني وبين حضرتك وفعلًا ده اللى حصل... بس بصراحه مكنتش أعرف إن المعرفه بينكم مباشره ومفيش أي وسيط بينكم.
إبتسم صلاح وهو ينظر لـ هاشم بإمتنان قائلًا بتوضيح:
هاشم أنقذ حياة جلال مره وهو عنده سنه ونص تقريبًا كان جاله نزيف بعد ما وقع من على السلم ووالوحده الصحيه بتاعة البلد وجتها مكنش فيها بنك دم، وهو كان بيشتغل فى مكان قريب منها ووجتها كان عقل يُسريه هيطير منيها وكانت ماشيه تسأل أى حد يقابلها فى السكه ومن اللى قابلوها كان هاشم، وهو اللى أتبرع له بالدم فى الوقت المناسب، وبعدها إتعرفت عليه وبقى بينا صداقه مخفيه.
توقف صلاح للحظات يتنهد يشعر بغصه قويه ثم أكمل حديثه يشعر بمراره:
جلال واضح إنه كان إبن موت من صُغره.
شعر جاويد بوخز قوي بقلبه.
شعر هاشم بحُزن صلاح وأدار دفة الحديث قائلًا:
تمام، طب ده سبب إنك مقولتش لـ سلوان إنت مين قبل كده، طب ليه دلوقتي مش عاوزها تعرف حقيقة شخصيتك.
إبتسم جاويد قائلًا:
بصراحه عاوز أتأكد فى البدايه الأول إن كانت المشاعر بينا متبادله او لاء، وده سبب بس كمان فى سبب تاني.
تنهد هاشم بقلة صبر قائلًا:
إنت مكنش لازم تدرس سياسه علمتك المراوغه وتتكلم بالتنقيط كمل كلامك مره واحده، وأيه هو السبب التاني.
ضحك صلاح كذالك جاويد قائلًا:
بصراحه عاوز اعرف طريقة رد فعلها مباشرةً لما تعرف انا مين وهى مراتي، لأنها ممكن تعند وترفض او تفكر إنى كنت بكذب عليها، وقتها هعرف أحتوي غضبها.
ضحك هاشم قائلًا:
إنت فعلًا كنت بتكذب عليها... بس هي تستاهل كذبك ده، عشان أوقات بتتصرف من غير وعي ومبتفكرش فى نتيجة اللى هيحصل بعد كده، عالعموم أنا موافق على جوازك منها، وبتمني إن يكون كلام العرافه كذب، رغم إن إتحقق جزء كبير من تنبؤاتها اللى قالتلي عليها قبل كده... منها إن ربنا هيرزقنى بـ بنت واحده والمال لما هيكتر هيقل عُمر "مِسك"، بس أنا راجل مؤمن بالله "وقل لن يصيبنا إلاّ ما كتب الله لنا"... بس سلوان أمانتك يا جاويد.
ربت صلاح على فخذ جاويد قائلًا:
جاويد خير من يصون الامانه يا هاشم إطمن على سلوان هتبقى هنا فى عنينا.
إبتسم جاويد ونهض واقفًا يقول:
هفوت بكره الصبح على حضرتك هنا عشان أوصلك لـ دار الحج مؤنس، هو أكيد زمانه قالها، وأنا منتظر إتصاله عليا يقولى رد فعلها اللى متوقع طبعًا.
نهض صلاح وهاشم أيضًا والذى قال ببسمه:
متوقع رد فعل سلوان، هتفكر إن جدها بيهزر ولما تتأكد أنه مش هزار هتثور وممكن تسيب له الدار مع أول ضوء للشمس.
إبتسم جاويد قائلًا:
وده وقت ظهور حضرتك قدامها، وطبعًا قرارك هو الحاسم بالنسبه لها.
ضحك هاشم قائلًا بمدح لـ جاويد:
مش قولت قبل كده إنك داهيه، خساره إنك مختارتش تبقى دبلوماسي، كنت هتبقى رجُل سياسيه خطير.
❈-❈-❈
بـ دار القدوسي
سعلت سلوان من كثرة الضحك على قول مؤنس، لكن فجأه توقفت ضحتها وهى تنظر لـ ملامح مؤنس الصامته ينتظر هدوء ضحكتها، شعرت للحظه من ملامحهُ الجاده أنه لا يمزح بل صادق فيما قاله.
سئمت ملامح وجهها، لكن قبل أن تتسأل تتأكد إن كان هذا مزحه، إلتقطت مِسك تلك السكين الصغيره الموضوعه بـ طبق الفاكهه بغضب جم تُشهر تلك السكين بيدها وتقترب من مكان سلوان وكادت تتهجم عليها قائله بعنفوان:
الخسيسه الوضيعه فتحنا لها دارنا وهى جايه تخطف جاويد.
قبل أن تصل السكين الى سلوان أمسك أمجد يد مِسك التى حاولت الخلاص من يديه وتغرس السكين الذى بيدها بقلب سلوان التى نهضت من على مقعدها وعادت للخلف بتعجب وإندهاش من رد فعل مِسك الذى بنظرها مُبالغ فيه..
وتحدثت بحِده:
أنا مش خسيسه ولا وضيعه، ومعرفشي مين جاويد اللى بسببه هتقتلينى عشانه ده، عمومًا أنا سايبه ليك البلد بحالها وأنا لو مكان جاويد ده، آخر واحده أفكر فيها هو إنتِ، لأنك غبيه ومعندكيش عقل ولا تمييز، لو فكرتي للحظه واحده كنتِ سألتى جاويد ده عرفني فين، عشان يتقدم لي وأنا مشفتوش ولا مره سمعت عنه فقط، وكمان أعرفي سبب يسيب عشقك له الظاهر بوضوح للأعمى ويتقدم لواحده ميعرفهاش، بس عنده حق إنتِ غبيه ومتتعاشريشتعرفي إن لو فيا ذره من غباوتك كنت وافقت أتجوز جاويد ده بس نكايه فيكِ، بس مش أنا اللى أربط حياتي بشخص معرفوش عشان أكايد واحده غبيه زيك.
قالت سلوان هذا وتركت الغرفه سريعًا، بينما صرخت مِسك بهستريا تترجي أمجد أن يتركها تذهب خلف تلك الوضيعه وتغرس السكين بقلبها تشفى غليلها منها، بينما صفيه من الصدمه فقدت الإدراك كليًا لوقت تشعر أن ما يحدث أمامها تراه مجرد مشهد بداخل شاشة تلفاز، لكن هو حقيقه مُره فاقت على هبوط مِسك فاقده للوعي بين يدي أمجد ولهفة محمود عليها بدموع سالت من عينيه على إبنته البائسه... تصعب عليه حالها هى رسمت وهم عاشت على أمل تنتظر أن يتحقق يومً ما، لكن ها هى فاقت على قسوة الواقع ورفض عقلها تصديقه وذهب الى غفوه غصبًا عنها.
حمل أمجد مِسك وذهب بها الى غرفتها بينما صفيه التى بدأت تعود للواقع وتعي ما سمعته، نظرت لـ محمود بغضب قائله:
بنت أختك طلعت خسيسه زى أمها ورسمت على إبن أخويا وخطفته من بنتك، وإنت واقف ولسه مرحب بها، طب هجول على أبوك راچل كبير وخرف وفى آخر أيام عمره عاوز يحس إنه بيكفر عن سيئاته، لكن إنت عُذرك أيه؟
غضب محمود بشده قائلًا:
تعرفي يا صفيه لو مش باجي على عشرة العمر اللى بينل وكمان سمعة بتِ مِسك لما يتجال ابوها طلق أمها وهى عروسه، كنت طلقتك دلوك، مش عشان عيبك فيا، لاه عشان حديتك الماسخ على أبوي، أبوي أعقل من عيلتك كلها وأولهم جاويد اللى عيشتي بِتك فى وهم مكنش ليها من البدايه، جاويد لو كان رايدها كان طلب يدها من سنين ما هي جدامه كُنت إنت وهى بس تنتظروا إشاره واحده منيه، كتير حاولت أنصحه وأجولك بلاه تزرعي وهم براس بِتك حتى خطوبة أمجد لـ حفصه كان ليكِ نوايا تانيه من وراها حتى دي مع الوجت إنتهت، كلمه واحده منيك يا حفصه عيب فى أبوي مش هسامح فيها ووجتها تبجي محرمه علي.
تهكمت صفيه قائله:
مش قادر غير علي، لكن بِت أختك اللى دخلت دارنا ومعاها الفقر والشؤم أولها فسخ خطوبة امجد والحين خطفها لـ جاويد وكسرة قلب بِتك ووقوعها من طولها بسببها.
شعر محمود بنغرات قويه فى قلبه قائلًا:
وإنتِ فين قلبك، واجفه جدامي تتهجمي وسايبه بِتك الفاجده للوعي، وعماله ترمي إتهامات وكلام ماسخ... أنا رايح أشوف بِتِ اللى فاجت من وهم على حقيقه مُره، متوكد مع الوجت هتقدر تتخطى وتعاود حياتها من تاني، بس ياريت كفايه ترزعي بقلبها أوهام تانيه.
غادر محمود وترك صفيه واقفه تشعر بالغلول والحقد، هامسه:
سهتانه وداهيه كيف أمها زمان قدرت تضحك على الراچل الخرفان وإستغلت لهفة جلبه، بس مبجاش صفيه لو سيبتها ساعه تتهنى مع چاويد.
...بغرفة سلوان
دخل خلفها مؤنس وجدها تضع حقيبة ملابسها فوق الفراش وتضع بها بعض الثياب القليله، نظرت له سلوان بحِده قائله:
أنا ماشيه مستحيل اوافق على التخاريف اللى سمعتها وأتجوز اللى أسمه جاويد الأشرف ده، خليه لـ مِسك تشبع بيه.
رد مؤنس بهدوء:
اللى حصل من مِسك كنت متوقعه.
لم تستغرب سلوان وتهكمت قائله بسخريه:
آه عشان عاشقه مُتيمه باللى إسمه جاويد، واللى إتقدم وطلب يتجوزني وهى مشافنيش حتي مره واحده، نكته حلوه واحد بيتقدم للجواز من ولحده وهو عمره ما شافها، حتى يمكن عمره ما سمع عنها، انا عن نفسي لا عاوزه أشوفه ولا أسمعه، وكمان كتب الكتاب بتاع حفيدك إتلغي، كده يبقى وجودي هنا إنتهي معايا تذكرة القطر ممكن أروح أغيرها بغيرها او حتى أشتري غيرها واسافر مع اول قطر راجع القاهره، وأنسى إنى جيت هنا من الاساس، بابا كان عنده حق يخاف إنى أقرب منكم او حتى آجي هنا الأقصر.
تنهد مؤنس بآلم قائلًا:
الصباح رباح، هتروحي فين دلوك الساعه قربت على عشره المسا.
تهكمت سلوان قائله:
ناسي يا حج مؤنس إنى مش طفله وأقدر أصرف نفسي كويس.
انهت سلوان حديثها مع إغلاق سحاب حقيبة ملابسها وحملتها بيدها وكادت تتوجه ناحية باب الغرفه لكن تشبث بها مؤنس قائلًا:
بلاش تعندي، وخليكِ إهنه لحد الصبح وبعدها أعملى اللى بتريده، أنا مجدرش أغصب عليك حاچه إنتِ مش رايداها انا كنت مِرسال بلبي طلب إنطلب ميني، وإنتِ صاحبة الشآن... بلاه تسرُع.
فكرت سلوان قليلًا بقول مؤنس وللحظه فكرت أن لا تسمع لحديثه وترحل فورًا من هذا المنزل، لكن فكرت فيما معها من مال لا يكفي لإستأجار غرفه تبيت بها، فكرت أن تتصل على جلال لكن ماذا ستخبره سبب تركها لمنزل مؤنس بهذا الوقت، عدلت عن فكرة مُغادرة المنزل ونظرت لـ مؤنس قائله:
تمام، مسافة الليل مش هخسر حاجه، هفضل هنا فى الاوضه لحد الصبح وبعدها همشى وانسى هنا نهائيًا.
شعر مؤنس بوخزات قويه على قلبه صعب يتحملها وهو مثل الشريد بين طريقين صعب على قلبه الإختبار، والإختيار بين مِسك و سلوان الإثنتان حفيدتيه وبنفس الغلاوه واحده فى قلبه، لكن القدر صادم وأختار جاويد سلوان من آتت من بعيد لتمتلك قلبه بأيام قليله عكس مِسك التى كانت أمامه وقريبه منه منذ أكثر من عقدين من الزمن... هو القدر المكتوب بلحظه يتبدل كل شئ دون إراده.
❈-❈-❈
بمنزل بسيط
شعرت حسنى بزغد زوجة أبيها لها بقوه قائله بتهجم:
نومك تجيل (تقيل)، إصحي شوفى المصيبه اللى أنا فيها.
إستيقظت حسنى من النوم فزعه تقول:
فى أيه يا مرت أبوي، بتصحيني إكده ليه الجيامه جامت ولا البيت بيوقع.
تهكمت زوجة أبيها قائله:
معليشي يا برينسيسه زعچتك وصحيتك من أحلامك السعيده.
تهكمت حسنى لنفسها قائله:
وانا أما اصحى على سحنتك هيبجي فيها أحلام سعيده.
بينما قالت لزوجة ابيها:
خير يا مرت ابوي هى الساعه كام دلوك؟
ردت عليها:
الساعه إتناشر بعد نص الليل جومي إنت هتحاكي إمعاي، بوك عيان ومش جادر يچيب النفس.
نفضت حسني غطاء الفراش ونهضت مُسرعه تقول بلوم:
أبوي عيان وواقفه تحكي إمعاي.
خرجت حسنى سريعًا، بينما وقفت زوجة أبيها تبتسم بظفر.
دخلت سلوان الى غرفة والداها وجدته يسعُل بشده ويكاد يستنشق الهواء بصعوبه، جذبت له بخاخ إستنشاق ووضعته سريعًا على أنفه، هدأ سُعاله قليلًا، لكن سُرعان ما نزع ذالك البخاخ عن أنفه قائلًا بنهجان:
مش قادر أجيب نفسي.
إرتبكت حسنى قائله:
حاول تتنفس بالبخاخه يا ابويه روح أغير هدومى بسرعه وأخدك للمستشفى يعملولك جلسة إستنشاق، كان عينينا چهاز الإستنشاق بس مرت أبوي شحتته لولد أخوها.
تقابلت حسنى بزوجة ابيها على باب الغرفه قالت لها:
هروح أغير هدومي وأخد ابوي للمستشفى شكل أزمة صدره رچعت له تاني.
اومات لها قائله بلهفه مُصطنعه:
خواتك نايمين وإنتِ الكبيره، مينفعش أسيب الدار وهما نايمين، يصحوا يتفزعوا.
تهكمت حسنى بغصه:
لاه طبعًا خليكِ إهنه وأنا هروح مع أبوي، هى ساعة زمن يعملوله جلسة الإستنشاق ونرچع طوالي.
أماوت لها رأسها بتوافق، حتى ذهبت الى غرفتها شعرت براحه وهى تدخل الى الغرفه وتسمع صوت سُعال زوجها الذى عاد أقوي من سابق، كان خطتها جيده، الآن لو ذهبت حسنى بوالدها الى المشفى، بالتأكيد ستحتجز هى وهو على الأقل حتى يعود تنفس والدها طببعيًا... وبذالك اليومين بالتأكيد لن تهتم بإخلاء المخزن، وبذالك فرصه لها تستطيع تنفيذ خطتها التى ستجلب لها الحظ الوفير.
❈-❈-❈
قبل الفجر بقليل بـمنزل صلاح
جافى النوم عيني يُسريه، الفِكر السئ يتلاعب بها وذكريات آليمه تجول بعقلها ودمعات من عينيها تتساقط كزخات المطر، تحاول كتم صوت بُكاؤها حتى لا يستيقظ صلاح، سمعت صوت سيارة جواد نهضت من فوق الفراش وضعت مئزر على ثيابها وخرجت من الغرفه بهدوء وأغلقت الباب خلفها دون أن يشعر صلاح.
ترجل جواد من السياره وجذب مِعطف بذته وضعه فوق كتفه نظر للمنزل من الخارج كان هادئًا، إبتسم قائلًا:
الهدوء الذى يسبق العاصفه.
دخل الى المنزل، وصعد السلم مباشرةً نحو غرفته لكن تفاجئ بمن تقف أعلى السلم، إبتسم قائلًا بمزح:
ماما، أكيد مش جاي لك نوم وإبنك جاويد أخيرًا خلاص هيتجوز، أكيد بتفكري بألاعيب ماري منيب عشان تنفذيها مع عروسة جاويد اللى هتشرف الدار بكره.
نظرت له يُسريه فى البدايه وتبسمت لكن سُرعان ما سئم وجهها حين وقع بصرها على ذالك الاصق الطبي الذى يظهر من أسفل كُم قميصه وتلهفت وهى تضع يدها فوق مِعصمه ترى ذالك الاصق كبير قائله:
حاطط الضماد ده على إيدك ليه.
شعر جواد بآلم قائلًا:
براحه شويه يا ماما، ومتخافيش أوي إكده، ده چرح بسيط.
نظرت يسريه لمعصمه قائله:
كل ده وجرح بسيط، جولى أيه سببه، إنت دكتور ولا بلطجي.
تنهد جواد قائلًا:
أنا المفروض دكتور، بس كان نفسي أبجى بلطجي وفشلت وبطلت شقاوه من زمان.
رغم شعور يُسريه السئ لكن تبمست قائله:
ليك نفس تهزر كمان، جولى سبب الجرح ده وبلاش تكدب علي، زي ما بتكدب على ببُقع الوكل اللى بتشتريه من الشارع، وبطنش بمزاچي.
ضحك جواد قائلًا:
طب ما تطنشي دلوك بمزاچك، وتسيبني أروح أوضتى أنام وتوفري التحقيق ده لبكره، أنا هلكان، لو رسمتي لي سرير إهنه عالسلم هنام عليه.
نظرت له يُسريه بشفقه قائله:
تمام، جولي الاول سبب الجرح، وبعدها روح نام.
رد جواد بقلة حيله:
واحد بلطجي إتهجم عالمستشفى وكان معاها سكينه صغيره وانا باخدها من يده چرحني، جرح صغير، كم غُرزه.
تنهدت يُسريه بسخريه قائله:
كل الضماد ده وچرح صغير، تمام بنجي نتحدت فى الموضوع ده، بعدين، كنت هجولك لو جعان أحضرلك لجمه خفيفه، بس طبعًا كالت من الشارع قبل ما تچي لإهنه.
تنهد جواد قائلًا:
لاه والله چعان جدًا كمان، هروح أستحمي على ما تحضري لى لجمه خفيفه من يدك.
إبتسمت يُسريه بحنان له قائله:
تمام، على ما تتحمم أكون چيبت لك الوكل.
بعد قليل دخلت يُسريه الى غرفة جواد بصنيه متوسطه لكن تبسمت بحنان حين وجدت جواد ممدد فوق الفراش بثيابه نائمًا، شعرت بشفقه عليه كم يرهق نفسه بالعمل بالمشفى لاوقات كثيره ومتأخره، حتى أنه ذهب للنوم دون أن يخلع ثيابه أو حتى حذاؤه... تنهدت ثم وضعت الصنيه على طاوله بالغرفه وتوجهت الى الفراش ونزعت حذاء جواد الذى سُرعان ما إعتدل نائمًا على الفراش، إبتسمت له قائله بحنان وهى تُمسد على خصلات شعره:
تصبح على خير يا جواد.
رد جواد بنعاس:
وإنتِ من أهله ياماما.
تبسمت ثم أخذت الصنيه وأطفئت ضوء الغرفه وخرجت منها سارت لخطوات ثم توقفت أمام باب الغرفه المجاوره لـ جواد، وضعت الصنيه على طاوله قريبه من الغرفه ثم فتحت باب الغرفه بهدوء وأشعلت ضوء خافت، نظرت على جاويد النائم وجهه مُبتسم، رغم شعورها بتوجس لكن تبسمت هى الآخري ربما يري شئ سعيد بمنامه، تنهدت وتمنت له السعاده وخرجت من الغرفه، تسمع أذان الفجر الأول شعرت بلفحة هواء خريفيه رطبه، نظرت الى ذالك الشباك وجدت إحدي ضلفتيه مفتوحه، إتجهت نحوها كي تُغلقها، لكن نظرت الى السماء سطع بعينيها نور بسيط، نظرت له كان نور تلك النجمه السابحه بملكوت إلاهي، تذكرت سؤال يومً سُأل لها:
"ماما أنا سوفت فيلم أجنبي إننا لما بنموت بنتحول لنجوم فى السما، يعنى نجوم السما دى أرواخ الناس الطيبه"...
رأت خيال لم تنساه يسكن بين تلك النجمات الساطعه بالسماء، رغم ذالك، إنشرح قلبها وظلت لدقائق ثم أغلقت ضلفة الشباك بأمل.
❈-❈-❈
إنتهت ليله خريفيه لم تكُن قصيره.
بـ منزل القدوسى
لم يغمض جفن سلوان لأوقات كثيره ليلًا لكن لا تعلم متى سحبها النوم وإستسلمت له... إستيقظت تشعر بيد على كتفها وصوت تعلمه جيدًا يقول لها:
إصحي يا سلوان.
فتحت عينيها قليلًا، ونظرت أمامها ظنت أنها مازالت نائمه وأغمضت عينيها همست قائله:
بابا.
جلس هاشم على حرف الفراش ورد عليها بحِده قليلًا:
أيوا بابا اللى بسببه ركب الطياره فى جو عاصف.
فتحت سلوان عينيها بفزع ونهضت جالسه تقول بذهول:
بابا إنت جيت هنا للأقصر أمتى.
رد هاشم:
أنا هنا فى الاقصر من ليلة إمبارح كنت بايت فى الاوتيل اللى كنتِ نازله فيه.
إستغربت سلوان قائله:
طب طالما كنت هنا فى الاقصر من إمبارح بالليل ليه متصلتش عليا وقولتلى.
تنهد هاشم قائلًا:
محبتش أزعجك يا عروسه.
إستغربت سلوان من نعته لها بكلمه عروسه قائله:
قصدك أيه يا بابا، أنا مستحيل أوافق أتحوز إيهاب ده وخلاص أنا كنت هرجع النهارده للقاهره، وأنسى الرحله دي.
نهض هاشم من فوق الفراش قائلًا:
إيهاب مين، لاء أنا عرفت إن إتقدملك عريس تانى من هنا من الاقصر، ولما سألت عنه وقارنت بينه وبين إيهاب اللى إنتِ مش بطقيه، لقيت العريس ده الافضل ليكِ.
نهضت سلوان سريعًا من فوق الفراش بفزع وذهبت لمكان وقوف هاشم قائله برفض:
أكيد الحج مؤنس هو اللى قالك عالعريس ده ومدح لك فيه، بس أنا معرفوش أساسًا جاويد الأشرف ده ومستحيل يحصل وأتجوزه يا بابا.
رد هاشم بتعسُف:
مفيش حاجه إسمها مستحيل، أنا قولتلك وصلني معلومات كتير عن جاويد الاشرف ولقيت أنه الشخص المناسب اللى كنت أتمني إنك تتجوزيه، بلاش رغي كتير عالصبح، هسيبك تغيري هدومك عشان اليوم هيبقى طويل، المسا بعد المغرب كتب الكتاب ولازم تكوني جاهزه.
توجه هاشم نحو باب الغرفه وكاد يفتح بابها لكن قالت سلوان بتصميم:
مستحيل كتب الكتاب ده يتم يا بابا، عمرك ما فرضت عليا حاجه، هتجوزني دلوقتي غصب عني، عشان تريح مدام دولت اللى أتجوزتها وأبقى بعيده عنك.
شعر هاشم بغصه قويه فى قلبه وإستدار لها وقبل أن يتحدث إقتربت منه سلوان وأمسكت يده قائله بإستعطاف:
خلاص يا بابا أنا آسفه ومعتش هسافر تاني لأي مكان بدون عِلمك، وكمان أنا موافقه أتخطب لـ إيهاب عالأقل أعرفه قبل كده.
شعر هاشم بحنين وكاد يرق لرجاء سلوان لكن تذكر قول جاويد أن صالح رأى سلوان هنا بالاقصر وسأل عنها بالفندق، وعلم من تكون، ولن يهدأ قبل أن ينال القصاص من الماضي، والوحيد القادر الآن على حماية سلوان من براثنه السيئه هو... جاويد.
حاول هاشم التغلب على ضعف قلبه ونظر لها قائلًا:
بس أنا أتقابلت مع جاويد ولقيته الأفضل ليكِ وخلاص عطيته الرد بالموافقه.
قال هاشن هذا وخرج من الغرفه مُسرعً...
نظرت سلوان حولها وجذبت وشاح راسها وخرجت خلف هاشم سريعًا حتى وصلت له قبل أن يخرج من المنزل وامسكت يده برحاء قائله:
بابا أرجوك بلاش الطريقه التعسفيه دي معايا، خلاص أنا بعتذر مش هتكرر تاني، وأخالف آمرك.
سحب هاشم يده من يد سلوان يشعر بآسى لكن قال لها بحسم:
أنا راجع المسا مع المأذون.
خرج هاشم سريعًا من المنزل، وكان خلفه سلوان، لكن كان هنالك سياره راتها سابقًا بإنتظار هاشم الذى سُرعان ما صعد اليها وإنطلقت السياره سريعًا، مخلفه خلفها غبارًا أعتم الرؤيه بعين سلوان التى جثت على ساقيها أرضًا، تشعر بضياع، الى ان آتت تلك الخادمه ووضعت يديها حول كتف سلوان قائله:
جومي وياي يا بتِ، ليه رافضه چاويد بيه زينة شباب الأقصر كلياتها، والمكتوب يا بتِ مفيش منيه مهروب.
رواية شد عصب الفصل السابع عشر 17 - بقلم سعاد محمد سلامة
بمنزل القدوسي
غرفة مِسك
بعد أن فقدت وعيها أمس، أحضروا لها الطبيب الذي أعطاها إبرة مهدئة جعلتها تبقى في سبات طوال الليل إلى الصباح. ظلت معها بالغرفة صفية التي لم يغمض لها جفن حتى غسق الفجر. تسحبت خلسة لبعض الوقت ثم عادت مرة أخرى وظلت بجوار مِسك، يعصف بقلبها إعصار هائج قادر على اقتلاع قلب سلوان من بين ضلوعها لو وقفت أمامها الآن.
دخل إلى الغرفة محمود ونظر نحو الفراش بغصة قوية قائلاً:
"هي مِسك لغاية دلوقتي ما فقتش."
زفرت صفية نفسها بغضب قائلة:
"أهي قدامك ممدة هي والسرير حتة واحدة طول الليل تهزي، بسبب وش الشؤم اللي دخلت للدار. وفي رجليها النحس، وياريت كده بس لأ كمان حطت عينيها على جاويد ومعرفش إزاي خطفته بسهولة كده، بالتوكيد سحرته. لأ وكمان بجاحة وبتكذب وبتجول إنها متعرفوش."
تنهد محمود وهو ينظر لـ مِسك بآسى قائلاً بيقين:
"تعرفه أو متعرفوش، شيء ميخصناش، وجاويد حر في اختياره. وبنتك كانت قدامه من سنين من قبل ما تظهر سلوان. بتك عاشت في وهم وآآن الأوان تفوق منه. وكفاية حديثك ده، واهتمي ببنتك شوية. وكفاية زرع أوهام في دماغها دفعت تمنها غالي بكسرة قلبها. أنا خارج دلوقتي واعملي حسابك المسا كتب الكتاب. ياريت حتى بلاش تدخلي في حاجة من التحضيرات، أبوي أمر نبيه تتولى تحضير اللازم. وخليكي انتِ جار مِسك ولما تصحى بلاش تسممي عقلها كفاية."
زمت صفية شفتيها بغضب ونظرت لـ محمود تلمح بلوم:
"وماله مدخلش. وانت مفكرني ههتم بحاجة تخص وش الشؤم اللي بسببها اتكسر قلب بتي."
تنهد محمود بسأم قائلاً:
"قلب بتك انتِ اللي كسرته من البداية وكفاية تلومي عليا. سلوان أنا مفيش في قلبي لها حب ولا كره، بالنسبة لي وجودها من عدمه عادي. أنا منسيتش إن بسبب أمها زمان كان ممكن أخسر حياتي. بلاش تعيشي أوهام إنك انتِ الوحيدة اللي همها مصلحة ولادنا. أهي انتِ شفتي حفصة فسخت الخطوبة قبل يومين من كتب الكتاب ومهماش مشاعرك، همها مصلحتها وبس. وجاويد كمان مهماش قلب بتك واختار على مزاجه."
زفرت صفية نفسها بغضب صامت، لكن بداخلها تشعر بالبغض ناحية سلوان وأنها هي من دخلت للمنزل بنذير الشؤم. تذكرت حين تسحبت وخرجت قبل آذان الفجر من المنزل خلسة دون أن يراها أحد وذهبت إلى عشة تلك العرافة.
[فلاشــــــــــــــــ/باك]
دخلت إلى عشة العرافة قبل أن تتحدث لها، بإستهجان تحدثت العرافة:
"جاية عشان تطلبي مني سحر أوقف جواز جاويد من البت الغربية اللي جت لهنا؟ هقولك اتأخرتي، نفد السهم من يدي... لكن."
صمتت العرافة فتحدثت صفية بلهجة حادة:
"لأ أنا جاية أسألك ليه مفيش ولا سحر من اللي عملتيهم حوق وجاب نتيجة قبل كده؟ يمكن مكنتش جيت لك دلوقتي وأنا بتسحب كيف قطاعين الطرق."
تهكمت العرافة بحدة أكثر قائلة:
"كل مرة بتيجي لهنا، بتتسحبي كيف القطاعين، فرق إيه دلوقتي... قولي جاية دلوقتي عايزة إيه، وبلا حديثك الماسخ."
شعرت صفية برهبة من حديث العرافة وارتبكت قائلة:
"عاوزة أعرف ليه مفيش عمل جاب فايدة مع جاويد، كانه محجوب إياك ولا انت اللي كبرتي ومبجاش ليكِ سطوة مع الأسياد؟!"
ردت العرافة بحدة:
"لأ سطوتي لساها قوية مع الأسياد، بس معرفشي إيه سبب إن الأعمال اللي عملتهالك مجابتش النتيجة اللي عاوزاها، يمكن انت بتدسيها في مكان غير اللي بقولك عليه."
ردت صفية:
"لأ بدسها في قلب المرتبة اللي بينام عليها جاويد تحت راسه كيف ما بتجوليلي، حتى من يومين شفت العمل مطرحه مكانه دسيته."
فكرت العرافة للحظة ثم تسألت بخبث:
"سبق وجلتيلي إن في حجاب على الدوام حوالين رقابته... تعرفي تجيب لي الحجاب ده."
ردت صفية:
"ما جلت لك قبل كده على الدوام لابساه برقابته، هخطفه منه إياك."
ردت العرافة:
"هو الحجاب ده اللي محصن جاويد. ودلوقتي، جاية ليه؟ مجدرش أمنع جواز جاويد من بت مِسك، لكن."
تعجبت صفية من صمت العرافة بعد أخبرتها علمها بمن سيتزوج جاويد... وتسألت:
"لكن إيه."
تبسمت العرافة بشيطانية قائلة:
"في يدي أخلي العروسة تكره جاويد وتشوفه مسخ تخاف منه.... بس في طلبات لازم تتنفذ."
بلهفة رحبت صفية بذلك ولمعت عينيها وتسألت:
"وأيه هي الطلبات دي؟ أنا جاهزة ألبي طلباتك، بس البت دي متمدش جسمها جار جاويد على سرير واحد، ويكرهها."
تبسمت بشيطانية قائلة:
"الليلة الجاية، هاتي لي خلجة من خلجات البت دي بكرة زي دلوقتي بس بشرط يكون عرقها فيه."
زفرت صفية قائلة:
"الليلة الجاية هيكون انعقد كتاب جاويد عليها، يعني هيكون كل شيء انتهى، مفيش حاجة تعمليها توقف عقد الكتاب."
ردت العرافة بثقة:
"حتى لو انعقد الكتاب، أقدر أخلي العروسة تشوفه مسخ وتخاف منه، ومش بس كده أقدر أخلي جاويد نفسه قدامها كيف القطة."
نظرت صفية لها بفهم قائلة بسؤال:
"قصدك!"
أومأت العرافة رأسها قائلة بتأكيد:
"قصدي إني أربطه وأخليه ميقربش منها ولا يلمسها، وهي وقتها اللي مش هتتحمل كتير."
إبتسمت صفية بظفر قائلة:
"ياريت ده يحصل."
أكدت العرافة قدرتها قائلة:
"هيحصل بس التمن المرة دي غالي."
أخرجت صفية من صدرها رزنة مال قائلة:
"وأنا جاهزة وكل اللي هتطلبيه هجيبه، بس معوزاش الجوازة دي تعمر."
ردت العرافة ببريق شيطاني:
"هيحصل، هات لي خيط من البت دي ما طلبت منكِ."
ردت صفية:
"بس كيف هاجي لهنا بكرة؟ أكيد هتبجي الدار بعد كتب الكتاب فيها حركة ومعرفش هعرف أطلع من الدار في وقت زي ده ولا لأ."
ردت العرافة:
"بسيطة، أنا هاجي لحد الدار وهستناكِ في الضلمة قدام باب الدار الوراني."
تبسمت صفية بإنشراح قائلة:
"تمام."
[عودة]
تنبهت صفية على همس مِسك باسم جاويد. نظرت لها ببؤس، لكن تذكرت طلب العرافة منها. نظرت لـ مِسك ووجدتها مازالت تغط بالنوم. نهضت من مكانها وخرجت من الغرفة بهدوء.
أثناء سيرها بممر المنزل، اقتربت من ذلك الشباك المطل على حديقة المنزل ويكشف مدخل المنزل. رأت سلوان وتلك الخادمة تقف بجوارها بالخارج. تبسمت بظفر، يبدو أن الحظ معها اليوم ولن تضيع تلك الفرصة. سريعًا توجهت نحو الغرفة التي تمكث فيها سلوان، حتى دخولها للغرفة كان سهلاً فباب الغرفة مفتوح على مصراعيه. راقبت المكان قبل أن تدخل وتأكدت أن لا أحد قريب من الغرفة. دخلت سريعًا، تبحث عن ضالتها التي سرعان ما وجدتها أيضًا. وشاح رأس رأته بالأمس على رأس سلوان، وضعته على أنفها تشم رائحة عطر سلوان به، إذن لابد أن مازال به أثر لعرقها. لفت الوشاح جيداً، ثم وضعته بصدرها بين ثنايا ملابسها، وتوجهت نحو باب الغرفة. قبل أن تخرج من الباب نظرت على جانبيه ولم ترى أحد قريب. خرجت مسرعة نحو غرفة مِسك، ولكن أثناء سيرها دون انتباه كادت تصطدم بـ مؤنس الذي استعجب بلهفة قائلاً:
"مالك يا صفية بتجري كده ليه، مِسك جرالها حاجة؟!"
تهكمت صفية باستغراب واستفزاز قائلة:
"وهي مِسك لو جرالها حاجة هتأثر معاك، طالما الغندورة بت بتك اللي سحبت بيومين عقلك بخير... ونسيت إن مِسك تبجي بت ولدك اللي عمره ما خرج من طوعك. معرفش كيف سحبت عقل جاويد هو كمان، عشان يفضلها على بت."
فهم مؤنس فحوى تلميح صفية المباشر تنهد بآسى قائلاً:
"بلا حديثك الفارغ، مِسك غالية عندي، وجاويد عمره ما لمح حتى إنه عنده نية الجواز بها. وفي الأول وفي الآخر كل الجواز نصيب، ويمكن ربنا شايل لـ مِسك الأفضل من جاويد."
تهكمت صفية قائلة:
"آه، الجواز نصيب، ومتأكدة إن ربنا شايل لبتي الأفضل. ويا عالم إيه اللي هيحصل في المستقبل، يمكن جاويد يعرف إن مش أي لمعة تبجي دهب. هروح أشوف بتي، يمكن تكون صحيت من نومها ومحتاجة يد حنينة تطبطب عليها."
نفض مؤنس حديث صفية المتهكم والساخر على يقين أن سلوان ومِسك بنفس درجة المعزة في قلبه. ودخل خلف صفية إلى غرفة مِسك ونظر لرقدتها بالفراش بغصة كبيرة وهي مازالت تغط بذلك السبات.
نظرت له صفية قائلة:
"مِسك أهيه قدامك من عشية وهي نايمة زي ما تكون مش عاوزة تصحى تاني. موجوع قلبها اللي دوستوا عليه بقلب مرتاح."
تقطع نياط قلب مؤنس ورد على صفية:
"عندي أشغال لازمة أخلصها قبل المسا، ومتجلجيش مِسك جويه وهتجدر تتخطي اللي حصل لما تتأكد إن النصيب بيناسب صاحبه وهي مكنتش من نصيب جاويد."
غادر مؤنس وترك صفية تشعر بحقد يزداد، لكن وضعت يدها على صدرها وتحسست ذلك الوشاح تشعر بز هو ظناً إن كل شيء سيعود لما خططت له سابقاً.
❈-❈-❈
بخارج منزل القدوسي
ساعدت نبيه سلوان على النهوض ونفضت ذلك الغبار عن ثوبها كذالك وجهها، قائلة بحنان:
"ليه يا زينة الصبايا زعلانة؟ متأكدة إن جاويد بيه هيسعد قلبك."
نظرت سلوان لها لثواني بسخرية ثم تذكرت جلال. لهفت قائلة:
"مفيش قدامي دلوقتي غير جلال، لازم أتصل عليه بسرعة."
تركت سلوان نبيه ودخلت إلى المنزل متوجهة إلى الغرفة التي تمكث بها سريعًا وجذبت هاتفها، تقوم بالاتصال على جلال......
بينما بسيارة جاويد
للحظة تقطع نياط قلب هاشم ورأف قلبه وهو يرى جثو سلوان على الأرض عبر المرآة الجانبية للسيارة. تحدث لـ جاويد بأمر:
"ارجع بالعربية يا جاويد لمكان سلوان، أنا هقول لها إن جلال وجاويد شخص واحد وهاخد رأيها لو موافقة عليك يبقى تمام ولو قالت لاء مش غصبها."
لم يعترض جاويد على طلب هاشم ونظر خلفه للطريق وبدأ يعود بالسيارة، لكن بنفس الوقت لم تنتبه سلوان لعودة السيارة ودخلت إلى المنزل بسرعة. توقف جاويد لثواني قبل أن يصدح رنين هاتفه، أخرجه من جيبه وتبسم ثم نظر لـ هاشم قائلاً:
"سلوان اللي بتتصل."
نظر هاشم بلهفة آمرًا:
"طب رد عليها بسرعة بس افتح الإسبيكر بتاع الموبايل."
فتح جاويد زر التحدث ورد على سلوان التي سرعان ما قالت بلهفة واستنجاد:
"جلال أنا محتاجة لك بسرعة ممكن تجي لحد أول طريق البلد."
رسم جاويد اللهفة قائلاً:
"خير يا سلوان في إيه؟"
ردت سلوان:
"مش هعرف أقولك عالموبايل، تعالى لحد طريق البلد بسرعة من فضلك."
تلاعب جاويد قائلاً:
"قوليلي في إيه اللي حصل، يمكن أقدر أساعدك."
زفرت سلوان قائلة:
"لما نتقابل هقولك."
رد جاويد بخبث:
"بس أنا دلوقتي مش في الأقصر أنا في أسوان بشتري بضاعة، قولولي في إيه يمكن أقدر أساعدك وأنا هنا."
زفرت سلوان نفسها بيأس قائلة:
"وهترجع إمتى من أسوان."
رد جلال:
"الله أعلم، أنا يدوب لسه واصل أسوان ويمكن مرجعش غير المسا بعد العشا، قولولي في إيه؟"
تمكن اليأس من سلوان ولم ترد على جاويد الذي تخابث قائلاً:
"سلوان، سلوان، رحتي فين، قولولي إيه اللي حصل إحنا كنا مع بعض امبارح وقولت لي إن جدك بيعاملك كويس."
ردت سلوان بيأس:
"مفيش يا جلال ياريت تحاول ترجع من أسوان قبل المسا."
تنهد جلال قائلاً:
"تمام، هحاول ولما أوصل الأقصر هتصل عليكِ مباشرةً."
ردت سلوان بحيرة:
"تمام في أي وقت ترجع للأقصر اتصل عليا، سلام."
أغلقت سلوان الهاتف وألقته فوق الفراش وجلست على الفراش تشعر بخيبة. حتى جلال من فكرة أنه سيكون المنقذ لها، غير موجود بالأقصر. كأن كل شيء يضيق عليها الخناق... لكن لن تستسلم وتلك الزيجة لن تتم.
بينما بالسيارة
أغلق جاويد الهاتف ونظر ببسمة إلى هاشم الذي شعر بانشراح في قلبه وابتسم لـ جاويد قائلاً:
"واضح إن سلوان عندها ثقة كبيرة فيك."
ابتسم جاويد دون رد.
عاود هاشم سؤال جاويد قائلاً:
"رغم إني لغاية دلوقتي مش مقتنع بعدم معرفة سلوان إن جلال وجاويد شخص واحد، ومش عارف ليه مش عاوزها تعرف قبل كتب الكتاب عالأقل."
ابتسم جاويد قائلاً:
"أظن اتأكدت بنفسك إني مصدر ثقة لـ سلوان، وحكاية إني مش عاوزها تعرف إني جاويد الأشرف قبل ما نتجوز، يمكن عاوز أعرف رد فعلها بعد ما تكون بقت مراتي رسمي، لهدف في دماغي مقدرش أقوله لحضرتك."
ابتسم هاشم بفهم قائلاً:
"تمام، براحتك، بس أحب أبشرك سلوان جميلة وتبان هادية، بس هي عنيدة ومتمرده جداً."
ابتسم جاويد بتأكيد قائلاً:
"عارف، بس أنا هعرف أسيطر على عنادها وتمردها وأحولهم لعشق."
وضع هاشم يده على كتف جاويد قائلاً:
"طب شد عصبك بقى واتحمل اللي جاي، بس بحذرك سلوان لو لجأت ليا أنا وقتها مش هخذلها مرة تانية وهحتويها."
ابتسم جاويد بثقة قائلاً:
"لأ اطمن يا عمي، وانسى سلوان خلاص واتأكد إني هقدر أحتوي عنادها وتمردها."
❈-❈-❈
بغرفة مِسك
اختار عقلها النوم، أو ربما تأثير تلك الأدوية التي كتبها لها الطبيب بناءً على طلب محمود منه، كي يستطيع السيطرة على هذيانها وقسوة ما تمر به. ربما النوم هو الحل الوحيد الآن القادر على مساعدتها أن تتخطى تلك المرحلة القاسية حتى فقط يمر عقد القران. ربما تصحو على حقيقة أن ذلك الأمل الواهي انتهى وعليها نسيانه مهما كانت صعوبته. عليها تقبل حقيقة أن جاويد كان وهمًا صنعته بخيالها... لكن للأسف رغم ذلك هو يعلم صعوبة نسيان حب عشّش في قلبها منذ الطفولة كبر معها وكبرت به. حتى في خيالها وهي نائمة غصبًا سكن وجدانها وهي ترى جاويد ينادي باسمها وهو يقترب منها مبتسمًا فاتحًا ذراعيه الاثنتين لها، هرولت سريعًا نحوه كي تلقي بنفسها بين يديه، لكن حين أصبح بينهما خطوة واحدة جاويد أعطى لها ظهره. استغربت ذلك واقتربت من جسد جاويد ووضعت يديها على كتفيه وسندت برأسها على ظهره، قائلة:
"بحبك يا جاويد."
لكن سرعان ما سأم وجهها حين ابتعد عنها ذلك الجسد واستدار ينظر لها متشفياً يقول:
"أنا زاهر يا مِسك، ياما جلت لكِ فوقي من الوهم اللي معشش في قلبك، وأهيه جاويد أول بنت ظهرت قدامه جرى عليها وتجاهل غرامك الملحوظ له."
تخبطت مِسك بالحائط وهي تقاوم إغلاق عينيها وتبتعد عن زاهر قائلة:
"لأ جاويد بيحبني، دي نزوة وهيفوق منها بسرعة."
ضحكت مِسك بهستريا وهي تنظر أمامها رأت جاويد يقترب من مكان وقوفها. عادت بنظرها لـ زاهر قائلة بتحدي:
"أهيه جاويد جاي عشاني، أنا مش عايشة في وهم، انت اللي حقود وعايش في وهم غرامي، وده مستحيل يحصل."
ضحك زاهر قائلاً بتشفي:
"انتِ اللي عايشة في وهم، بصي قدامك جاويد اتخطاكِ للي بتستناه بالتوب الأبيض."
نظرت سلوان بحسرة نحو جاويد الذي تخطاها وذهب إلى اتجاه فتاة أخرى، يركض خلفها ويضحك وهو يحملها بين يديه مقبلاً وجنتيها وهي تتدلل عليه، رغم ذلك يتقبل دلالها. سقطت بجسدها أرضًا تشعر بإنهاك وهي تصرخ بعشق اسم جاويد، وزاهر يضحك عليها بتشفي.
سأم وجه صفية التي سمعت صراخ مِسك باسم جاويد وهي نائمة، شعرت بآسى قائلة:
"ياريت جاويد كان مات وبتصرخي عليه من الحزن، بس وحياة مرارة قلبك لا أخليه يرجعلك راكع يطلب وصالك."
❈-❈-❈
مساءً
بين المغرب والعشاء
بمنزل القدوسي بغرفة المندرة
استقبل مؤنس وصلاح مأذون البلدة الذي تبسم قائلاً بمزح:
"المأذون وصل قبل العريس ولا إيه."
ابتسم جاويد من خلف المأذون قائلاً:
"لأ يا حضرة الشيخ أنا هنا، بس كان معايا اتصال مهم."
ابتسم المأذون مازحاً:
"الاتصال أهم من كتب كتابك، خد بالك النساء صعب تفوت حاجة زي كده وأكبر عدو للمرأة هو تليفون جوزها."
ابتسم جاويد بينما همس صلاح لـ هاشم الجالس جواره قائلاً:
"ده إن مكنش عندي ثقة إن العروسة هي صاحبة الاتصال المهم."
ابتسم هاشم له هامساً:
"ده شيء واضح من وش جاويد. ربنا يستر لما سلوان تعرف إن جلال هو جاويد، وإن الشخص اللي بتستنجد بيه هو نفسه اللي عاوزه تهرب منه."
ابتسم صلاح قائلاً:
"متخافيش، جاويد داهية زي ما بتقول عليه، خلينا في كتب الكتاب."
فتح المأذون دفتره قائلاً:
"قبل ما أكتب أي بيانات لازم أعرف من وكيل العروس، مين نفسها."
نظر جاويد نحو هاشم الذي وقف قائلاً:
"تمام تقدر تتفضل معايا ونسأل العروسة."
ذهب هاشم مع المأذون إلى غرفة سلوان. وقف أمام باب الغرفة يشعر بتوجس قائلاً للـ مأذون:
"تسمح بس بدقيقة أدخل أتكلم معاها فيها."
أومأ المأذون برأسه موافقاً. انتظر هاشم ثواني بعد أن طرق باب الغرفة ولم يسمع رد سلوان بالسماح له بالدخول. للحظة توجس وفتح الباب، لكن أخذ نفسه براحة حين وقع بصره على سلوان التي تجلس على أحد مقاعد الغرفة، يبدو أنها تشعر بهدوء عكس توقعه. أيقن أن جاويد حين خرج من الغرفة قبل دقائق كي يرد على مكالمة لهاتفه، كانت سلوان من تهاتفه. تأكد أن جاويد يحتل مكانة خاصة لدى سلوان، فهو يعلم جيدًا خصالها وأنها صعب أن تثق بأي أحد، لكن هذا عكس ما تشعر به نحو جاويد التي وثقت به. يعلم أنها حين تعلم هويته الحقيقية ستثور وتعند، لكن هو ترك كل شيء بيد القدر، كما حدث من البداية، دون تخطيط من أحد.
اقترب هاشم من مكان جلوس سلوان قائلاً:
"بخبط عالبااب ليه مردتيش عليا."
نظرت له سلوان بهدوء وظلت صامتة.
زفر هاشم نفسه وتضايق من تجاهل سلوان لكن ابتلع تجاهلها قائلاً:
"تمام المأذون واقف قدام باب الأوضة، عشان يعرف مين اللي هتوكليه بكتب كتابك."
انتفضت سلوان بسرعة وغضب قائلة:
"بس أنا مش موافقة على كتب الكتاب أساسًا وهطلع أقول للمأذون كده."
قبل أن تتوجه سلوان نحو باب الغرفة أمسك هاشم يدها بتعسف قائلاً:
"بس أنا ولي أمرك وموافق على كتب الكتاب، وحذرتك قبل كده وخالفتي أمري، جيتي لهنا بإرادتك."
نظرت سلوان له برجاء قائلة:
"بابا أرجوك بلاش تضغط عليا، عمرك ما عملتيني بالطريقة دي قبل كده، ولا غصبتني على حاجة مش عاوزاها. عارفة إني خالفت أمرك وجيت لهنا الأقصر من وراك، بس خلاص يابابا خلينا نرجع تاني للقاهرة وهنسي الأقصر دي نهائيًا. بابا عشان خاطري بلاش تضغط عليا، الجواز مش لعبة."
كاد هاشم أن يحن قلبه لـ سلوان ويوافقها على ما تريده، لكن كأنه لمح بالغرفة صورة قديمة لـ مِسك، وتخيلها أمامه تومئ له ببسمة وهي تهز رأسها بقبول. رجف قلبه، وأغمض عينيه ثم فتحها ونظر لـ سلوان يحاول جاهداً عدم الانصياع خلف حنين قلبه قائلاً:
"خلاص الوقت نفد يا سلوان، دلوقتي أنا هفتح الباب للمأذون ولما يسألك مين وكيلك في كتب الكتاب، اختاري اللي يريحك بيني وبين الحج مؤنس."
شعرت سلوان بالآسى قائلة باستهجان تتلاعب بمشاعر والدها:
"طبعًا عاوز تتخلص مني عشان مبقاش عازول بينك وبين مراتك اللي اتجوزتها، وبدور على راحتها إني أبقى بعيده عنكم، ويمكن أطلع من جوازي من اللي اسمه جاويد ده بمبلغ محترم ووقتها محدش هيلغي الكريديت بتاعتي."
تنهد هاشم يفهم تلميح سلوان بغضب قائلاً:
"احسبيها زي ما انتِ عاوزة يا سلوان، كفاية تضيع وقت المأذون واقف قدام الباب والشهود في المندرة خلينا ننتهي."
نظرت له سلوان بدمعة خذلان قائلة بإنصياع:
"تمام يا بابا هوافق عالجواز، بس اعمل حسابك الجوازة دي مستحيل هتعمر ومتأكدة إنها هتنتهي في أقرب وقت، بس مش هرجع لحضرتك تاني."
شعر هاشم بتقطع في نياط قلبه وأومأ لـ سلوان رأسه دون حديث، وتوجه نحو باب الغرفة وفتحه وكبت تلك الدمعة بعينيه قائلاً:
"اتفضل يا حضرة الشيخ، العروسة قدامك أهي اسألها مين وكيلها."
دخل المأذون إلى الغرفة مبتسمًا يقول:
"ألف مبروك، يا عروسة، يا ترى مين وكيلك في كتب الكتاب."
نظرت سلوان نحو هاشم للحظة تمنت أن ينهي ذلك لكن هو تجاهل النظر لها غصباً. شعرت سلوان بمرارة حين عاود المأذون السؤال مرة أخرى، نظرت نحو هاشم بتعمد قائلة:
"وكيلي هو الحج مؤنس القدوسي."
ابتسم المأذون قائلاً:
"تمام ألف مبروك."
خرج المأذون من الغرفة وكاد يخرج خلفه هاشم لكن سمع تهكم سلوان:
"طبعًا كده ارتحت مني، ومش هتلاقي أي عازول بينك وبين طنط دولت ابقى سلملي عليها، بس يا خسارة كانت نفسها تجوزني أخوها عشان تضمن السيطرة على قلب حضرتك، بس هي كانت غلطانة... هي ملكت قلبك كله حتى مكاني فيه هي خدته."
لم ينظر هاشم لـ سلوان وخرج من الغرفة وأغلق خلفه الباب، ووقف أمامه يشعر بتقطع في قلبه. أغمض عينيه، حين سالت تلك الدمعة الذي سرعان ما شعر بيد توضع على وجنتيه تجفف تلك الدمعة. نظر هاشم لصاحبة تلك اليدين وتبسم حين تبسمت له قائلة:
"متقلقش على سلوان أنا فرحانة أوي يا هاشم إنها هتبقى هنا في الأقصر قريبة مني."
ابتسم هاشم ورفع يده ووضعها على وجهه مكان تلك الأنامل الذي شعر بها وخشي أن يفتح عينيه ويعلم أن تلك اليدين لم تكن سوى خيال تمنى وجوده الآن.
❈-❈-❈
بعد وقت انتهى عقد القران، وضع جاويد توقيعه على قسيمة الزواج، وذهب مؤنس بدفتر المأذون لـ سلوان كي تضع توقيعها هي الأخرى على قسيمة الزواج. دخل إلى الغرفة بعد أن طرق على بابها، وجد سلوان تقف خلف باب الغرفة ملامح وجهها متهجمة. حاول الهدوء، ومد يده بدفتر المأذون قائلاً:
"جاويد مضى على قسيمة الجواز، ناجز توقيعك."
تهكمت سلوان بتحدي قائلة:
"واضح إن جاويد ده مستعجل أوي، تمام توقيعي مش هيضرني، ولا هينفعكم."
أخذت سلوان الدفتر ونظرت إلى توقيع جاويد على القسيمة باستهزاء، بينما أشار لها مؤنس بيده بالمكان الذي توقع به. لكن بسبب عصبية سلوان تغافلت ليس فقط عينيها وعقلها عن عدم وجود صور لها ولا لـ جاويد، لكن قدم لها مؤنس بصمة كي تبصم على القسيمة. فعلت مثلما قال لها بلا مبالاة منها.
عاد مؤنس بدفتر المأذون إلى المندرة مبتسمًا، تنهد جاويد براحة مبتسمًا هو الآخر.
❈-❈-❈
بعد وقت بنفس الليلة
بحوالي التاسعة والنصف مساءً
نظرت سلوان بترقب من شباك غرفتها، رأت بعض العاملات يقمن ببعض الأعمال المنزلية. تنهدت بسأم قائلة:
"دلوقتي لو خرجت قدام الشغالات دول مش هلحق أوصل لباب الدار، ومعرفش مدخل تاني للبيت ده، وأكيد زمان جلال على وصول."
زفرت نفسها بغضب، ثم توجهت نحو باب الغرفة تنظر بترقب وحسمت أمرها قائلة:
"مفيش قدامي غير أني أجازف وأخرج والا في النهاية هلاقي نفسي قدام الأمر الواقع ومتجوزة من اللي اسمه جاويد الأشرف، اللي معرفش إزاي قبل على نفسه يتجوز بنت عمره ما شافها ولا هي شافته، وأنا أساساً مش عاوزة أشوفه ولا أعرفه. كل اللي عاوزاه أني أخرج من الدار دي ومن البلد دي كلها وبعد كده سهل أطلب الطلاق... وينتهي الأمر."
خرجت سلوان من غرفتها وتوجهت إلى خارج المنزل. للغرابة العاملات ابتعدن عن باب الخروج. سريعًا سلوان انتهزت الوقت وأسرعت بالخروج من المنزل. نظرت خلفها للحظة، تنهدت براحة، ثم أسرعت بالمشي، كأنها تركض رغم توجسها ورعشة جسدها حين مرت من أمام المقابر وكذلك الطريق المجاور للمجرى المائي. لكن انشرح قلبها حين رأت سيارة جاويد للتو وصلت برأس الطريق. أسرعت بالتوجه لها سريعًا، قبل أن يترجل جاويد من السيارة فتحت سلوان باب السيارة وصعدت إليها قائلة بلهث:
"اطلع بسرعة يا جلال."
مثل جلال الأستغراب قائلاً:
"في إيه يا سلوان، ومالك بتنهجي كده ليه، أنا مكملتش أشغالي في أسوان وجيت مخصوص عشانك."
التقطت سلوان نفسها قائلة:
"سوق العربية بسرعة وفي الطريق هقولك على كل حاجة، بس خلينا نمشي من هنا بسرعة."
امتثل جلال لأمر سلوان وسار بالسيارة قليلاً ثم نظر لـ سلوان التي هدأت أنفاسها قائلاً:
"أعتقد دلوقتي لازم أعرف إيه سبب اتصالك وطلبك نتقابل في وقت زي ده."
ردت سلوان بهدوء:
"هي أول مرة نتقابل في الوقت ده، بس المرة دي بصراحة كان لازم نتقابل لأني محتاجة منك خدمة خاصة."
تسأل جلال:
"وأيه هي الخدمة دي بقى؟"
ردت سلوان:
"أول شيء محتاجة مكان أبات، ويكون بعيد عن هنا."
رد جلال:
"بسيطة بسهولة أحجزلك أوضة في الأوتيل اللي كنتِ نازلة فيه بس أفهم إيه اللي حصل، جدك زعلك."
ردت سلوان بصراحة:
"لأ، مش الحج مؤنس السبب، بابا كمان هنا في الأقصر من امبارح وأنا مكنتش أعرف، بس مش ده المهم، في حاجة تانية حصلت."
مثل جلال الاهتمام والفضول سائلاً:
"وأيه اللي حصل بقى."
ردت سلوان ببساطة وسردت له عن غصب وضغط والداها عليها كي توافق على عقد قرانها على المدعو جاويد الأشرف.
توقف جلال بالسيارة فجأة قائلاً:
"يعني انت اتغصبتي تمضي على قسيمة جوازك من جاويد الأشرف؟ ليه ده أمنية أي بنت في الأقصر كلها يكون من نصيبها."
نظرت سلوان لـ جلال بتهكم قائلة:
"وانت تعرف جاويد ده."
تبسم جلال قائلاً بتأكيد:
"أعرفه شخصياً."
ردت سلوان:
"بس أنا بقى مش عاوزة أعرفه ومستحيل الجوازة دي تتم، لأني ههرب، وانت هتساعدني."
نظر جلال لها يقول:
"مقدرش في دي بالذات يا سلوان، انتِ خلاص زي ما قولتلي إنك وقعتي وبصمتي على قسيمة جوازك من جاويد، يعني رسميًا مراته، وكمان بسهولة جداً يعرف مكانك فين، فكرة الهرب دي فكرة قديمة كانت بتحصل في الأفلام القديمة بس في الواقع مستحيل تحصل."
ردت سلوان بثقة:
"لأ بتحصل ماما زمان هربت يوم كتب كتابها ورفضت تتجوز من شخص تاني غير بابا."
زفر جلال نفسه قائلاً:
"حتى لو ده حصل فانتِ قلتي زمان مش دلوقتي، كمان جاويد الأشرف مش سهل."
زفرت سلوان نفسها قائلة:
"سهل ولا صعب ميهمنيش أنا رافضة الجواز منه ومستحيل يتم، وبعدين انت بدافع عنه كده ليه حاسة إنك مش عاوز تساعدني، يمكن خايف من سطوة اللي اسمه جاويد ده."
ضحك جلال باستهزاء قائلاً:
"أنا آخر واحد أخاف من جاويد الأشرف."
تبسمت سلوان بأمل قائلة:
"ليه، بينكم عداء ولا إيه؟"
ضحك جلال قائلاً:
"لأ بينا صداقة متينة ومستحيل أخون الصداقة دي يا سلوان."
نظرت له سلوان باستغراب قائلة:
"قصدك إيه، انت مش هتساعدني."
أومأ جلال رأسه بـ لاء.
شعرت سلوان بصدمة قائلة:
"مش فاهمه ردك."
رد جلال:
"لأ مقدرش أساعدك يا سلوان إنتِ دلوقتي، تعتبري زوجة رسمية لـ جاويد الأشرف، واللي بتعمليه وفكرة الهرب مش في صالحك، لازم ترجعي تاني لبيت جدك."
تهكمت سلوان بدموع قائلة:
"آه أرجع دار الحج مؤنس وأوافق أبقى زي الهدية اللي بيسلموها لـ جاويد بيه، زي الشغالة ما بتقول لي، بس ده مستحيل يحصل حتى لو انت رفضت تساعدني... ومتخافش مش هتخون صداقتك مع جاويد الأشرف، واللي الله أعلم بينكم صداقة ولا مصالح مشتركة وخايف عليها، عالهموم شكرًا وبعتذر إني عطلك عن بقية شغلك، أنا هنزل من العربية وأكمل الطريق لوحدي، زي ما جيت لهنا لوحدي برضوا."
وضعت سلوان يدها فوق مقبض باب السيارة وكادت أن تفتحه كي تترجل، لكن جاويد أغلق زر التحكم الإلكتروني بـ باب السيارة. نظرت له سلوان بعد أن سمعت صوت صمام الأمان قائلة بأمر:
"افتح التحكم يا جلال وخليني أنزل من العربية."
نظر لها جلال ببرود قائلاً:
"لأ يا سلوان، وخليني أرجعك لبيت جدك، وبلاش تتسرعي أكتر من كده... ومتعرفيش نتيجة تسرعك ده."
نظرت له سلوان قائلة بحِدة:
"وانت مالك بنتيجة تسرعي، أنا حرة، وافتح باب العربية بقولك."
تجاهل جاويد طلب سلوان، وبدأ بقيادة السيارة قائلاً:
"هوصلك لبيت جدك."
تنرفزت سلوان قائلة:
"بقولك نزلني، يا جلال."
تجاهل جاويد طلب سلوان لكن تعصبت سلوان وبدأت تثور عليه ومدت يديها على عجلة القيادة كي توقف السيارة، لكن جاويد صد يديها، لكن لم تستسلم سلوان لذلك وظلت تحاول، حتى قال لها جلال:
"سلوان كفاية اهدى أنا مش هوقف العربية، والطريق محدود وترابي وبهوجتك دي ممكن نعمل حادثة وندخل في أي شجرة عالطريق."
لم تبالي سلوان من تحذير جلال، وظلت تحاول أن يقف جلال بالسيارة غصباً، إلى أن كاد يفقد السيطرة على السيارة، أوقفها سريعاً ونظر نحو سلوان التي نظرت له بغيظ قائلة:
"افتح كنترول باب العربية."
زفر جلال نفسه بغضب قائلاً:
"لأ يا سلوان،"
كادت سلوان أن تتهجم عليه، قائلة بذهول:
"انت مين؟"
كانت كلمة سلوان الأخيرة قبل أن يضع جاويد يده فوق عنق سلوان ويضغط على العرق النابض بقوة لتغشى سلوان بعدها فاقدة للوعي.
رواية شد عصب الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سعاد محمد سلامة
زفر زاهر نفسه بغضب وهو يُلقى هاتفه أمامه على طاولة الطعام قائلًا:
"كمان قافلة موبايلها هي وأبوها."
بنفس اللحظة كان يدخل صالح إلى غرفة السفرة تهكمًا قائلًا باستفسار:
"ومين دي بقى اللي قافلة موبايلها هي وبوها، لا تكون ناويت تتجوز من ورايا."
تهكم زاهر ونظر لجلوس صالح على مقعد خلف طاولة الطعام قائلًا:
"لأ إطمن، أنا مش بفكر أتجوز من وراك ولا من جدامك دلوقتي."
وضع صالح قطعة طعام بفمه يمضغها قائلًا بتلميح:
"وليه مش بتفكر في الجواز دلوقتي، إنت عديت التسعة وعشرين سنة، ولا بيك علة وخايف تتجوز وتنكشف."
نظر زاهر له ببغض قائلًا بتلميح:
"وإيه العلة اللي هخاف منها، كل الحكاية إني مش عاوز أتجوز أي ست وبعد كده أزهق منها بسرعة وأفكر في غيرها، أو أعيش معاها غصبانية، وأخونها مع الغوازي وبنات الليل، وأرجع ليها آخر الليل سكران وريحة الخيانة بتفوح مني، ومش بعيد أقتلها وأنا مش داريان، بس متأكد وقتها مش هلاقِي اللي يوالس على جريمتي."
بصق صالح الطعام الذي بفمه ونهض واقفًا ينادي على الخادمة بصوت جهور قائلًا:
"طعم الأكل ماسخ، كأن الخادمة كبرت وبقت تنسى تحط ملح."
تهكم زاهر مبتسمًا حين أتت الخادمة وبدأ صالح في توبيخها، ثم تحجج بذلك وترك غرفة الطعام بعصبية.
بينما الخادمة بكت وكادت تبرر بدفاع عن نفسها لكن زاهر قال لها:
"لأ، حديثك أنا خابرة طعم الأكل زين، ومحتاج كوباية شاي سكر زيادة من يدك."
ابتسمت له الخادمة بإيماءة قائلة:
"ربنا يجبر بخاطرك، ويرزقك بـ بنت الحلال اللي تحلى حياتك وتخليها سكر زيادة."
سئم وجه زاهر وتنهد بحسرة، فمن يهواها قلبهُ، تهوى آخر، كان بنظرها هو الرجل الوحيد بالعالم لا ترى غيره. بسببها أحيانًا يحقد قلبهُ عليه. ما الفرق بينه وبين جاويد؟ لا شيء يذكر، الاثنان تقريبًا بنفس المستوى المادي والدراسي، لكن لديه يقين أن لـ عمته صفية يد في ذلك، هي على خلاف بلا سبب مع والده منذ زمن. يبدو أنه ورث الحظ العاثر منذ صغره، حُرم من حنان الأم، كذلك يبدو أنه سيُحرم من نيل ما هواها قلبه والسبب هو سوء خصال والده.
بأحد المشافي الحكومية.
تنهدت حسنى براحة حين أخبرها الطبيب بتحسن ضئيل. ابتسمت للطبيب بفرحة قائلة:
"يعني أبويا حالة تنفسه اتعدلت وبقى يقدر يتنفس من غير كمامة الأوكسجين."
رد الطبيب:
"لأ، لسه لازمه كمامة الأوكسجين، وكمان حالته تستدعي استمرار الحجز هنا لبكرة أو يومين كمان على حسب عودة التنفس عنده طبيعي."
تحيرت حسنى باستفسار قائلة:
"مش فاهمة قصدك يا دكتور مش بتقول إن التنفس عند أبويا اتعدل."
رد الطبيب بتفسير:
"هو فعلًا تنفسه اتعدل بس لسه أثر الدخان في الرئة ولو خرج دلوقتي ولو شلنا كمامة الأوكسجين من عليه ممكن يحصله انتكاسة، ويرجع يضيق نفسه، وكمان أنا معرفش المريض ده إزاي تسمحوا له يشرب دخان، وهو عنده مرض في صدره."
استغربت حسنى قائلة:
"بس أبويا بطل شرب سجاير وكمان مبقاش يروح القهوة كيف الأول عشان يشرب أرجيلة."
تنهد الطبيب قائلًا:
"يعني هكون بكذب عليكِ، الأشعة أهي بتوضح أن المريض استنشق دخان بطريقة مباشرة."
استغربت حسنى ذلك. في نفس الوقت كانت زوجة أبيها تقترب من مكان وقوفها مع الطبيب، وتحدثت بلهفة مصطنعة:
"خير يا دكتور طمني على جوزي."
نظر لها الطبيب قائلًا:
"أنا اديت للآنسة بالتفصيل حالة والدها تقدري تعرفي منها. أنا عندي حالات تانية لازم أباشرها. عن إذنكم."
غادر الطبيب وتركهن وحدهن. تحدثت زوجة أبيها بنزق قائلة:
"هو ماله الدكتور بيكلمنا بانشراح كده ليه؟ هو السؤال حُرم ولا عشان إحنا جايين له في مستشفى حكومي؟ لو عنده في العيادة كان كلمنا زين."
نظرت حسنى لزوجة أبيها سائلة:
"الدكتور مش بيتحدث بانشراح، بيتحدث عادي. إلا قولي يا ثريا يا مرت أبويا، هو أبويا امبارح نزل للقهوة وشرب معسل."
ارتبكت ثريا قائلة بكذب:
"وأنا هعرف منين؟ أنا مش كنت جيت ليكِ بالغدا للعمال اللي في المخزن. يمكن انتهز فرصة عدم وجودي بالدار وخرج، وقعد عالقهوة واتغوى وشرب حجر معسل."
تنهدت حسنى قائلة:
"معرفش أبويا، ليه غاوي يأذي نفسه بالهباب المعسل ده. وزين إنك فكرتيني، بالعمال اللي كانوا بيشتغلوا في المخزن أنا نسيتهم بسبب حالة أبويا. هتصل على الريس بتاعهم أقوله يرجع يكمل شغله في المخزن، عشان الراجل اللي مأجر المخزن شكله مستعجل عليه. بس موبايلي فاصل شحن، أنا هنا من قبل الفجر ومش شاحن. هاتي موبايلك يا مرت أبويا أما أتصل منه."
بحثت بحقيبة يدها ونظرت لـ حسنى قائلة:
"موبايلي مش في الشنطة، يظهر سيبته في الدار من اللهوجه والخضة اللي اتسبب فيها أبوكِ."
تنهدت حسنى وصدقتها بنية طيبة:
"تمام، أنا شوية وهرجع للدار واشحن موبايلي وأبقى أتصل على ريس العمال."
ردت ثريا:
"وهي يعني الدنيا طارت."
ردت حسنى:
"لله الدنيا مطارتش بس هو مستعجل، وحقه طالما دفع الإيجار."
تخابثت ثريا بالسؤال:
"الجدع ده باين عليه إنه كده عصبي."
ردت حسنى بحسن نية:
"عصبي ولا هادي متفرقش معايا، كل اللي يهمني إنه يدفع الإيجار في مواعيده وغير كده يهمني أنا هناسبه إياك... وكفاية حديث كده خلينا ندخل لأبويا."
تركت حسنى ثريا وتوجهت نحو الغرفة الموجود بها والدها، بينما لمعت عين ثريا بمكر ودخلت خلفها إلى الغرفة. تسمعت عتاب حسنى لوالدها، الذي أخفض وجهه بكسوف دون رد.
بينما بعد قليل وقفت حسنى تشعر بالإرهاق قائلة:
"أنا هروح الدار دلوقتي وبكرة من بدري هكون هنا."
نهضت ثريا سريعة سائلة:
"هتروحي الدار؟ أمال مين اللي هيبات مع أبوكِ."
نظرت لها حسنى باستغراب قائلة:
"إنتِ يا مرت أبويا، أنا هنا معاه من ليلة امبارح ومنمتش."
تلبلكت ثريا قائلة لتبرير:
"ما إنتِ عارفة خواتك في المدرسة ويادوب رجعوا من المدرسة على دروسهم، وأنا كنت مشغولة بيهم، ودلوقتي كمان لازم أرجع للدار عشانهم. إنتِ مش هتقدري على خدمتهم وتلبية طلباتهم، وكمان رغم أن بكرة الجمعة بس حداهم دروس بدري، ولازم أصحيهم قبل الميعاد على ما يقول من النوم، وإنتِ هنا ترتاحي وتنامي على أي سرير فاضي بالأوضة وحظك الأوضة فيها كم سرير خالي، والدكتور قال أن صحة أبوكِ اتحسنت يعني بس هتيجي مرافقة له ونس."
نظرت حسنى لها بإنصياع قائلة:
"تمام يا مرت أبويا أنا هبات الليلة مرافقة لأبويا بالمستشفى، بس بكرة تيجي بدري."
ابتسمت ثريا قائلة:
"يا دوب بس خواتك يروحوا دروسهم من بدري وهكون هنا."
❈-❈-❈
دار القدوسى
دخل محمود إلى غرفة مؤنس وسمع نهاية حديثه على الهاتف. زفر نفسه بغضب وهو يجلس جوار مؤنس على الأريكة.
نظر له مؤنس باستفسار قائلًا:
"فيه إيه مالك."
وفي محمود نفسه بغضب قائلًا:
"يستغرب على حال الدنيا، وصعبان عليا قلب بتي مسك اللي اتكسر بسبب جاويد، اللي معرفش عاجبه إيه في سلوان، وبيجري وراها وهي ولا على بالها، وآخر المتمة كمان اتسحبت كيف الحرامية آخر الليل، ومعرفش راحت فين."
رد مؤنس:
"راحت لـ هاشم الفندق أبوها وهتبعد عنيه وعاوزة تشبع منه، بس هو اتصل علي حالي إنه جايبها وجاي لهنا، عشان بكرة فرحها وهتطلع من داري عروس لدار جوزها."
تنهد محمود يشعر بأسى.
وضع مؤنس يده فوق فخذ محمود يشعر هو الآخر بأسى قائلًا:
"أوعاك يا ولدي تكون فاكر إني مش حزين على مسك وقلبها اللي اتكسر... مسك عندي غالية بس كل شيء نصيب ومكتوب. هي كانت قدام جاويد من سنين، وأنا نفسي استغربت لما هو طلب مني يد سلوان وظنيت وقتها إني سمعت حديثه غلط وأكدت عليه وجالي أنه عمره ما شاف مسك غير زي أخته. ربنا هو اللي بيوفق القلوب يا ولدي، ومسك لسه صبية وألف مين يتمناها، وربنا أكيد رايد ليها الأفضل من جاويد... اللي يبادلها مشاعرها."
تنهد محمود بأمل متمنيًا تحقيق ذلك وتفوق مسك من ذاك الغرام البائس لها.
❈-❈-❈
بسيارة جاويد
ابتسم وهو ينظر إلى سلوان المغشي عليها. تنهد بشوق وهو ينظر إلى وجهها الملائكي وطال نظره لـ شفاها قبل أن يحسم أمره وكاد يقبلها. لكن ضوء تلك السيارة التي توقفت على الطريق خلفه جعله يتراجع، متنهدًا بشوق. لم يأتِ الوقت بعد لتحقيق تلك الأمنية وهي تذوق قبلة من شفاها.
سمع صوت طرق على زجاج باب العربية المجاور له، فابتسم وفتح الزجاج، ورأى لهفة هاشم الذي نظر نحو سلوان وانخض بتسرع واتجه للناحية الأخرى للسيارة، وفتح الباب قائلًا:
"مالها سلوان."
تبسم جاويد قائلًا:
"سلوان بخير يا عمي هي بس أُغمي عليها بقصد."
شعر هاشم بوخز في قلبه سائلًا:
"مش فاهم يعني إيه مغمي عليها بقصد."
فسر جاويد له ما حدث بينه وبين سلوان وأنه ضغط على العرق النابض بعنقها حين فقد السيطرة عليها.
تنهد هاشم قائلًا:
"أنا عارف إن سلوان عنيدة ومش عارف رد فعلها هيكون إيه لما تعرف إنك جاويد الأشرف. مكنش لازم أطاوعك، كان لازم تعترف ليها إنك مش جلال قبل كتب الكتاب."
زفر جاويد نفسه قائلًا:
"حضرتك قُلتها سلوان عنيدة ولو كنت اعترفت ليها قبل كتب الكتاب كانت هتعند وثقتها فيا هتقل بل يمكن تنعدم."
تهكم هاشم قائلًا:
"ودلوقتي لما تعرف، ثقتها فيك هتزيد ومش هتعند معاك."
تبسم جاويد قائلًا بثقة:
"متأكد هتعند وثقتها فيا هتقل، بس بسهولة هقدر أسيطر على عنادها وهي مراتي وكمان هقدر أرجع ثقتها فيا تاني. كن متأكد واطمن على سلوان معايا يا عمي."
تنهد هاشم قائلًا:
"للأسف أنا شاركت معاك في خداع سلوان وقسيت عليها جامد ومبقاش قدامي غير إن أثق فيك، بس عاوزك تحطها في عينيك يا جاويد لأن سلوان أغلى شيء في حياتي وكُن متأكد إنها لو في لحظة لمحت لي إنها مش مرتاحة معاك..."
قطع جاويد بقية حديث هاشم قائلًا:
"مالوش لازمة الكلام ده يا عمي، حضرتك شوفت بنفسك ثقتها فيا. لو مكنتش واثق إني أقدر أحتوي سلوان وإني ليا مصداقية عندها بغض النظر عن إنها متعرفش إني جاويد الأشرف، بس مع الوقت هي هتتأكد إن جلال وجاويد نفس الشخصية اللي وثقت فيها من الأول. مفيش فرق غير الاسم فقط."
تنهد هاشم بإقناع قائلًا:
"تمام. أنا بقول بلاش تفوقها وسيبها نايمة وأنا هتصل عالـ حِج مؤنس أقوله إنك راجع بـ سلوان تاني لـ داره. سلوان هتطلع عروسة من دار القدوسي."
بعد قليل
ترجل جاويد من السيارة، كذلك هاشم الذي فتح الباب المجاور لـ سلوان وانحنى وكاد يحملها، لكن توقف وهو يشعر ببعض الألم بظهره واستقام، ونظر نحو اقتراب جاويد قائلًا بمزح:
"حظك إن عندي ديسك في ضهري وإلا كنت شلت أنا سلوان دخلتها لجوه. بس هي شرعًا وقانونًا دلوقتي مراتك وإنت الأحق بها."
ابتسم جاويد وانحنى يحمل سلوان، شعر برجفة خاصة حين اتكأت رأس سلوان على صدره، بلاش شعور منها. دخل بها من بوابة منزل مؤنس الذي كان في انتظاره مبتسمًا، لكن رأى محمود ذلك المشهد، الذي غص بقلبه.
❈-❈-❈
بغسق الليل
مازالت صفية تمكث مع مسك، بنفس الغرفة. نظرت نحوها وتنهدت بحقد قائلة بوعيد:
"وحق رجدتك دي في السرير كيف اللي في غيبوبة، لم أسيب اللي اتسببوا في رجدتك دي ينتهوا دقيقة واحدة ببعض."
نهضت صفية وخرجت من الغرفة تتسحب مثل اللصوص إلى أن وصلت إلى خلف الباب الخلفي لـ دار القدوسي، وقامت بفتحه بهدوء لكن الباب كاد يصدر صوت زمجرة عالية. خشيت أن يكون سمعها أحد، فـ توقفت تراقب الطريق لبضع لحظات قبل أن تعاود فتح الباب أكثر. لكن انخضت وتلبس جسدها حين رأت عينين حمراوين يشعان بنار من ظلام دامس حولهما. للحظة نطقت:
"بسم الله، أعوذ بالله."
اغتظت منها الأخرى وقالت بشيطانية:
"كأنك جنيتي وبقى قلبك رهيف يا صفية."
ازدردت صفية ريقها الجاف وقالت بتقطع:
"غوايش."
ردت غوايش يتهكم:
"آه، غوايش مش كان بينا ميعاد من ليلة امبارح، وها أنا جيتلك، وأنا عمري ما عملتها وروحت لحد بيت حد بس عشان تعرفي إنك غالية عندي. اللي اتحدثت فيه وياكِ فيه، آه، في الإزازة دي. كل المطلوب منك ترشيه على عتبة الأوضة اللي هيتجوز فيها جاويد وبت مسك، وبعدها جاويد هيشوفها مسخ ويخاف يقرب منها."
بيد مرتعشة أخذت صفية الزجاجة من يد غوايش، حتى أن الزجاجة كادت تقع منها لولا أن تمسكت بها غوايش، وتهكمت قائلة:
"مالك، إيدك بترعش ليه، هي دي أول مرة إياك."
نظرت صفية خلفها وتحججت قائلة:
"لله بس دي أول مرة تيجي لهنا وخايفة حد يشوفك."
تهكمت غوايش قائلة بثقة:
"لله متخافيش من دي. وبعدين فين قُطر بت مسك اللي طلبته منكِ."
أخرجت صفية وشاح سلوان من ثنايا ثيابها قائلة:
"آه الطرحة دي بتاعتنا وكانت لبستها ومتغسلتش، يعني فيها عرقها، كيف ما طلبتي."
بعين تلمع ببريطانية مدت غوايش يدها وأخذت الوشاح من صفية قائلة:
"زين، يبقى كيف ما طلبت لك رُشي اللي في الإزازة دي قدام باب التوبة اللي هيتجوز فيها جاويد واتأكدي أن محدش هيخطِي قبل العروسة للأوضة. ومتخافيش حتى لو حد تاني خطى مش هيأثر فيه، العمل متعزم عليه باسم جاويد وسلوان كيف ما جولتلي اسمها، ويومين وتعالي لي أكون حضرت لكِ المطلوب اللي هيخلي عقل بت مسك يشت منيها وتطلب الطلاق، أو تهج من هنا من غير راجعة."
أومأت صفية برأسها موافقة بظفر قائلة:
"تغور بلا رجعة."
ابتسمت غوايش بشيطانية توهم صفية:
"هتغور، بس نفذي اللي حولت عليه، لازم أمشي دلوقتي. بس حاذري حد يشوفك وإنتِ بترشي الإزازة، دار صلاح بكرة هيبقى فيها فرح، والداخل أكتر من الخارج."
ردت صفية بثقة:
"لله متخافيش أنا خابرة الدار زين."
لمعت عين غوايش وبلحظة تلفتت صفية خلفها وعادت تنظر أمامها لم تجد غوايش اختفت كأنها تبخرت مثل الضباب الأسود. شعرت برجفة قوية وسريعًا أغلقت خلفها باب الدار وعادت تتسحب بهدوء إلى أن اقتربت من سلم المنزل الداخلي تلبشت مكانها كادت تتقابل مع مؤنس على درج السلم الذي رآها على ضوء خافت بالمكان، وتسأل:
"كنتِ فين دلوقتي يا صفية."
ابتلعت صفية ريقها برجفة ومثلت الثبات قائلة تتهكم:
"كنت نايمة جار مسك ومنظرها وجع قلبي وحسيت إني هتخنق. سيبتها وطلعت أتمشى هبابة أتنفس هوا في الجنينة، بس إنت إيه اللي صحّاك دلوقتي، لسه وقت على الفجر الأولاني ما يأذن."
رد مؤنس بعفوية:
"كنت بطمن على سلوان، هاشم سابها أمانة عندي هنا في الدار."
تهكمت صفية بسخرية قائلة:
"وإنت سيد من يحفظ الأمانة. على العموم هانت كلها ساعات وتسلم أمانتك تاني لـ هاشم وهو حر فيها. أنا حاسة إني راسي بتوجعني هطلع أمدد جسمي جار مسك."
مرت صفية من جوار مؤنس وذهبت نحو غرفة مسك ودخلت إلى الغرفة وأغلقت خلفها الباب تلتقط أنفاسها تشعر فعلًا بضيق تنفس بسبب حقد قلبها. زغلولة من اهتمام مؤنس بـ سلوان، أكثر من ابنتها. لكن وضعت يدها بين ثنايا ملابسها وأخرجت تلك الزجاجة ونظرت لها بظفر قائلة:
"أما أشوف يا جاويد منظرك هيكون إيه لما تفضحك سلوان اللي فضلتها على بتي وقهرتها في قلبها."
بينما مؤنس لم يبالي وعاد إلى غرفته وجلس يشعر بصدع في قلبه. مسك مثل سلوان في قلبه لكن القدر تدابير وشؤون أخرى.
❈-❈-❈
بالمشفى
نادى ناصف على إيلاف التي كانت تسير بممر المشفى قريبة من مكانه. توقفت سلوان تنتظر وصوله إلى مكانها. ابتسم حين اقترب منها قائلًا:
"صباح الخير يا دكتورة، معلشي هعطلك خمس دقائق بس هسألك على حالة مريض هنا في المستشفى. قالولي إنك إنتِ اللي كنتِ متابعة حالته، عشان أعرف أكتب تفاصيل حالة الوفاة."
تساءلت إيلاف عن المريض، وأخبرها ناصف عنه. تنهدت باستغراب قائلة:
"غريبة حالة المريض ده كانت مستقرة وكنت متوقعة يخرج من المستشفى النهارده أو بكرة بالكتير."
رد ناصف ببساطة:
"يمكن كانت سكرة الموت، وعادي بتحصل كتير يبقى المريض خلاص حالته اتحسنت وفجأة تحصل انتكاسة ويتوفى."
ردت إيلاف:
"فعلًا ده بيحصل مش بس للشخص المريض. على العموم أنا هكتب تقرير بحالة المتوفي وأبعته لمكتب حضرتك."
ابتسم ناصف ثم تنحنح يمثل الحرج قائلًا:
"في أمر تاني يا دكتورة كانت عاوز أعرضه عليكِ وبصراحة متردد، مش عارف ردك هيبقى إيه."
قطبت إيلاف حاجبيها وتساءلت باستفسار:
"لأ، بلاش تتردد واتفضل قول الأمر التاني."
استجمع ناصف شجاعته وعدل وضع نظارته الطبية قائلاً:
"بصي يا دكتورة، أنا ومجموعة من الدكاترة أنشأنا مستشفى خاصة، وهدفنا مساعدة المرضى بسعر رمزي، إيمانًا منا برسالة الطب الأولى وهي مساعدة المحتاجين، وكمان المستشفى فيها جزء اقتصادي للمرضى اللي قادرين على تكاليف العلاج. وأنا كنت اتكلمت مع الدكتور جواد الأشرف وشرحت له وطلبت منه إنه ينضم لينا بالفريق الطبي للمستشفى، وبصراحة هو أبدى موافقة مبدئية، وأنا بعد ما شفت نشاطك هنا في المستشفى وتعاملك المتفاني مع المرضى على إنهم بشر ويستحقوا الرعاية اتخذت القرار واتجرأت إني أطلب منك تنضمي لفريق المستشفى اللي أنشأناها."
ارتبكت إيلاف وصمتت ثواني للتفكير. انتهز ناصف ربكة إيلاف قائلًا بتحفيز:
"دي مستشفى تعتبر خيرية، لمساعدة المرضى المحتاجين، واللي مش لاقيين مكان لعلاجهم في مستشفيات الحكومة."
ردت إيلاف:
"أنا بصراحة عجبتني جدًا فكرتهم بمساعدة المرضى المحتاجين، بس أنا يادوب لسه متخرجة، وهنا في التكليف، يعني لسه ببدأ طريق الطب، غير إني هنا لوقت محدد وبعد ما تنتهي مدة تكليفي، هرجع لبلدي تاني."
تبسم ناصف بمكر ومدح قائلًا:
"الطب مفيش فيه مبتدأ ومتمرس، الطب فيه اللي يعرف يشخص المرض ويساعد المريض مظبوط، وده أنا لاحظته في اهتمامك وتعاملِك مع المرضى، وإنتِ قولتيها مدة التكليف وإنتِ يادوب لسه في أول المدة، ليه متستغليش المدة دي وتكوني إيد تساعد المرضى المحتاجين، غير كمان ممكن تكتسبي خبرة كويسة في الطب."
ترددت إيلاف وشعرت بالحرج لو رفضت عرضه، لكن أنقذها اقتراب جواد من مكان وقوفهم، قائلًا:
"خير يا دكاترة واقفين كده ليه في ممر المستشفى."
ارتبك ناصف ونظر إلى إيلاف قائلًا:
"أبدًا يا دكتور أنا كنت بسأل الدكتورة على تفاصيل حالة مريض توفى وهي اللي كانت المسؤولة عن حالته، وطلبت منها تكتب تقرير مفصل عن حالته."
نظر جواد لـ إيلاف التي تغيرت ملامحها بسبب تبرير ناصف لـ جواد سبب وقوفهم الآخر. توغل إليه شعور بالغيرة، وانتظر رد إيلاف التي ظلت صامته، إلى أن انتهز ناصف فكرة واستغلها قائلاً:
"وبعدين مبروك يا دكتور إيه مش تفتكر إننا هنا زملاء والمفروض تدعينا في الفرح."
للحظة شعرت إيلاف بنغزة في قلبها، ونظرت نحو جواد، الذي رد بمجاملة:
"بسرعة كده الخبر انتشر في المستشفى، على العموم إنت مش محتاج لدعوة."
ابتسم ناصف قائلًا:
"فعلًا، وفضيت نفسي المسا عشان حضور فرح "جاويد الأشرف" اللي هتحكي عنه الأقصر كلها."
رد جواد:
"بلاش مبالغة الفرح هيبقى عادي وبسيط."
رد ناصف:
"وماله بس برضوا فرح أخوك يبقى فرح أخونا كلنا ولازم نكون أول الحاضرين. هستأذن أنا منكم عندي مرور."
قال ناصف هذا وخص إيلاف بالنظر قائلًا:
"هستنى منك التقرير يا دكتورة وياريت ميتأخرش، عشان أنا كمان أكتب تقريري ويترفع التقريرين لإدارة المستشفى."
أومات إيلاف رأسها له، بينما تستغرب تلك المشاعر التي تشعر بها لأول مرة.
غادر ناصف وترك إيلاف مع جواد الذي ابتسم لها قائلًا:
"بصراحة كنت بدور عليكِ في المستشفى عشان أدعيكي، الليلة فرح أخويا التاني، ويشرفني حضورك للفرح وبالمناسبة كمان عم بليغ أكد عليا وأنا جاي لهنا أني أكد عليكي إنك تحضري الفرح، بالنيابة عنه لأنه مشغول مع العمال بسبب فرح جاويد، اللي حصل بسرعة دربكة في الشغل معاهم."
ابتسمت إيلاف قائلة:
"تعرف إني كان نفسي أحضر فرح صعيدي وأشوف طقوسهم اللي بنشوفها في الأفلام والمسلسلات الصعيدية."
ضحك جواد قائلًا:
"المسلسلات والأفلام بتجيب صورة مش مضبوطة عن الصعايدة، حتى فيه مبالغات في الأفراح، الأفراح هنا بسيطة جدًا، وعلى العموم قدامك فرصة دعوة تحضري فرح صعيدي."
ابتسمت إيلاف قائلة:
"طالما عم بليغ طلب منك إنك تبلغني إني أحضر الفرح، فأنا موافقة، فرصة أقابل عم بليغ بقالي كم يوم مش شفته، وكنت لسه هسأل عليه، بس دلوقتي خلاص عرفت سبب غيابه عني."
شعر جواد بالغيرة من بليغ لكن أخفى ذلك قائلًا:
"تمام الساعة سبعة ونص هتكون ورديتك خلصت في المستشفى، هستناكِ في مكتبي عشان نروح للفرح."
ابتسمت إيلاف قائلة:
"تمام، عن إذنك هروح أشوف بعض حالات المرضى."
أماء لها جواد برأسه يرسم بسمة، إلى أن غادرت زفر نفسه وهو يشعر بالغيرة قائلًا:
"مش عارف إيه سر عم بليغ معاكِ."
بينما إيلاف لم تذهب إلى المرضى بل ذهبت إلى حمام المشفى ووقفت خلف الباب تضع يدها فوق قلبها باستغراب قائلة:
"أنا ليه اتوترت لما ناصف بارك لـ جواد، ليه حسيت بنغزة في قلبي."
ردت إيلاف على سؤالها:
"أكيد بدون سبب، يمكن النغزة دي بسبب إني استغربت رد ناصف على سؤال جواد وليه مقالش قدامه عن حكاية طلبه مني أشتغل في المستشفى الخاصة، طب ليه مقالش له رغم أنه قالي أنه طلب نفس الطلب من جواد وهو وافق مبدئيًا! سؤال جوابه لدى ناصف."
هكذا وافق عقلها على الجواب.
❈-❈-❈
بالظهيرة
بالمقابر
رفع هاشم يديه وقرأ الفاتحة، ثم تنهد بشعر بانخلاع في قلبه ثم تحدث بمأساة:
"وحشتيني يا مسك، روحك كانت هنا دايمًا، كأنك مفارقتيش المكان، حتى من قبل ما ترحلي من الدنيا. عارف إني قصرت في حقك ومجتش هنا عشان أزورك، كنت خايف على سلوان، بس إنتِ ساكنة قلبي، ومفيش حد خد من مكانتك في قلبي غير سلوان بنتنا. سلوان النهاردة فرحها يا مسك، كبرت سلوان اللي كانت دايمًا مترضاش تحتفل بعيد ميلادها عشان منقولش لها إنها كبرت سنة والمفروض تبطل تسرع. كبرت وبقت عروسة، مش هقول كبرت بسرعة لأن محستش بالوقت بعد منك إن كان سريع أو بطيء. أمنيتك ربنا هيحققها، فاكرة لما قولتلي أنا مـطلعتش من دار أبويا عروسة، بس نفسي بنتي هي اللي تطلع من دار أبويا عروسة. كان سبب رئيسي إني أوافق على جواز جاويد من سلوان هو أمنيتك دي يا مسك. رغم إني جوايا خايف من كلام العرافة، بس مؤمن بالله إن هو اللي رسم طريق سلوان وخلاها تجي لهنا من ورايا، رغم تحذيري ليها. آمنت "إن الحذر لا يمنع القدر" والقدر هو اللي بيرسم لينا طريقينا غصب عننا. صحيح جوايا مازال هاجس، بس أنا حاسس إن وجود روحك هنا هي اللي هتحمي سلوان."
❈-❈-❈
مساءً
منزل القدوسى
دخلت يسريّة إلى غرفة سلوان لكن بنفس اللحظة ارتجفت من الخضة حين سمعت خلفها مباشرة صوت زغروطة عالية، ثم شعرت بيد تبعدها قائلة:
"بعدي كده يا يسريّة خليني أشوف عروسة جاويد الأمورة، أنا من أول ما شفتها ودعيت ربنا تكون من نصيبه حتى إسأليها."
قالت هذا واقتربت من سلوان وتمعنت منها النظر قائلة:
"بمين بالله إن البنات اللي كانوا بيزينوكِ ما ضافوا على جمالك شيء، إنتِ جميلة من غير أحمر وأخضر. أوعي تكوني نسيتني بسرعة كده، أزعل منكِ. أنا محاسن، أو خالتك محاسن، أنا أبقى خالة جاويد أخت أمه. دي، يسريّة أختي الكبيرة والعاقلة."
للحظة رغم شعور سلوان بالغضب لكن ابتسمت لـ محاسن، التي انحنت تقبل وجنة سلوان وهمست لها بمزح قائلة:
"يسريّة أختي تبان قوية كده، بس هي قلبها أبيض تكسبيها بكلمة حاضر، وأنا ها موجودة إن زعلتك بس جولي لي وأنا اللي هتوقف ليها."
ابتسمت سلوان لـ محاسن.
بينما اقتربت يسريّة وتمعنت بـ سلوان وتذكرت صورة الماضي بل هذه أبهى من الأخرى لديها وهج خاص بها. تنهدت قائلة:
"ألف مبروك يا بنتي."
قالت هذا وأخرجت مصحف صغير بحجم يقترب من كف يد طفل صغير، وانحنت على سلوان وقامت بوضعه بصدرها أسفل فستان العُرس قائلة:
"ربنا يحفظك."
استغربت سلوان فعلة يسريّة، لكن شعرت براحة قليلاً حين لامس المصحف جسدها.
بعد قليل
دخلت إحدى الخادمات إلى الغرفة قائلة:
"الموكب اللي هياخد العروسة وصل قدام الدار."
ابتسمت يسرية ومحاسن ونهضن، بينما محاسن ساعدت سلوان بالنهوض وهي تغني بعض الأغاني الفلكلورية القديمة.
حين خرجت سلوان من الغرفة وجدت بانتظارها أمام الغرفة مؤنس وهاشم الذي نظر لـ سلوان بحنان بينما تجاهلت سلوان النظر إليه حتى لا يزداد شعور الخذلان لديها. واقتربت من مكان وقوف مؤنس الذي مد كفه لها. اقتربت محاسن من سلوان وأنزلت الوشاح الأبيض على وجه سلوان تُخفيه، بينما سلوان نظرت ليد مؤنس للحظات بتفكير قبل أن تضع يدها بيده ليصطحبها إلى خارج الدار.
رأت زفة كبيرة لكن استغربت من ذاك الكهل الذي اقترب منها وأخذها من يد مؤنس وقبل جبينها بمودة قائلًا:
"ألف مبروك يا بنتي أنا عمك صلاح والد جاويد."
استغربت سلوان التي للحظة ظنته هو العريس، وكادت تصطدم قبل أن تعرف هويته، لكن تهكمت بداخل نفسها قائلة:
"جاويد الأشرف الشخص الغامض بالنسبة ليا، لأ وباعت أبوه مكانه، وماله خليني أكمل للنهاية عشان أكتشف الشخص الغامض وأسأله هو شافني فين قبل كده عشان يفكر يتجوزني. لكن استغربت سلوان تلك العربية الصغيرة التي يجرها اثنين من الخيول العربية (الكارتة)، ويد صلاح الذي مدها لها قائلًا:
"خليني أساعدك تركبي الكارتة."
مدت سلوان يدها له حتى صعدت إلى العربة وتفاجأت بجلوس مؤنس جوارها إلى أن وصلت إلى دار الأشرف. الآن تسخر من تلك المظاهر التي رأتها سابقًا قبل أيام وتمنت عُرس مثل هذا، لكن الآن تود الفرار من هذا العُرس. أو ينتهي وترى صاحب الفرح الغامض بالنسبة لها وتسأله أين رأها ليريد الزواج بها.
استقبلت يسريّة دخول سلوان إلى دار الأشرف ودخلت بها إلى خيمة بها بعض النساء. جلست لبعض الوقت بينهن تشعر بترقب وانتظار أن تنتهي هذه المظاهر الفارغة بالنسبة لها وترتاح من تلك العيون التي تخترق النظر إليها، ويتهامسون بجمالها ويمدحون ذوق وحظ جاويد الأشرف، الغامض بالنسبة لها.
بعد وقت نهضت كل من يسريّة ومعها محاسن التي ساعدت سلوان بالنهوض، ذهبت معهن بلا اعتراض، إلى أن صعدن إلى إحدى الغرف بالدار. أخرجت يسريّة مفتاح الغرفة وضعته بمكانه بمقبض الباب وفتحته. دخلت محاسن إلى الغرفة أولاً تقوم بالتهليل والغناء المرح. دخلت خلفها سلوان، ثم يسريّة. ابتسمت محاسن بغمز قائلة:
"ألف مبروك يا زينة الصبايا، لأ خلاص كلها هبابة ويدخل جاويد، وبعدها ومتبقيش صبية هتبقي ست الهوانم."
شعرت سلوان بالخجل، بينما قالت يسريّة:
"خلينا ننزل للستات يا محاسن."
وافقت محاسن يسريّة التي اقتربت من سلوان قائلة:
"ألف مبروك ربنا يجمع بينكم بخير."
غادرن يسريّة ومحاسن وظلت سلوان وحدها بالغرفة. جالت عينيها بالغرفة بتمعن رأت بابان آخران بالغرفة غير باب الغرفة. حذرت قائلة:
"أكيد واحد من البابين حمام، طب والباب التاني ده إيه."
بفضول منها جمعت ذيل فستانها ونهضت نحو أحد البابان وفتحتته ونظرت بداخله تعجبت كثيرًا فتبدو مثل غرفة صالون، ولها باب آخر بالتأكيد يفتح على الخارج. أغلقت الباب وتوجهت نحو الفراش وجلست عليه تشعر بغصات في قلبها وخذلان من أقرب الناس لها والدها، كذلك تذكرت خذلانها من جلال، وتفاجؤها حين استيقظت صباحًا ووجدت نفسها بمنزل مؤنس القدوسي، وحين سألت من الذي أعادها إلى منزله جاوبها أنه شخص قال له، إنك متعبة وطلبتي منه إيصالك إلى منزله. جلال من وثقت به ها هي تجني الخذلان منه هو الآخر. قدمها لـ جاويد الأشرف "الغامض".
بعد دقائق شعرت سلوان بملل من الانتظار والترقب لدخول جاويد. نهضت وقامت بخلع وشاح رأسها بضيق. وكادت تمد يدها على ظهرها فوق سحاب فستانها لكن بنفس اللحظة انطفئ ضوء الغرفة وعم الظلام، وسمعت صوت فتح مقبض باب الغرفة. للحظات شعرت بالتوجس، لكن حين سمعت صوت جاويد الرخيم والذي يتحدث بلهجة صعيدية قائلًا:
"الجناح ده اتجهز قبل واحد وتلاتين سنة لاستقبال عروسة، في الليلة دي العُرس ما تمش، بس أنا اتولدت فجر الليلة دي."
تهكمت سلوان قائلة:
"يعني الليلة عيد ميلادك، أعتقد بعد السنة دي مش هتفتكر عيد ميلادك لأنه هيبقى أسوأ ذكرى بعد كده."
تغاضى جاويد وضحك قائلًا:
"نورتي مطرحك يا عروسة."
تهكمت سلوان قائلة بغرور أبله:
"فعلًا نورت حتى نوري غلب عالكهربا عشان كده قطعت أول ما حضرتك دخلت للاوضة."
ضحك جاويد قائلًا:
"في ست تقول لجوزها حضرتك برضك."
تهكمت سلوان قائلة:
"وعاوزني أقول لك إيه."
فجأة عاد ضوء الغرفة بنفس اللحظة قال جاويد:
"تقوليلي..... يا جاويد."
انصدمت سلوان وجحظت عينيها بذهول قائلة بتقطع:
"ج ل ا ل"... مستحيل.
ضحك جاويد قائلًا:
"أنا مش جلال، أنا جاويد الأشرف."
نظرت سلوان له بذهول قائلة:
"إنت جاويد الأشرف، إنت عريس الغبرة والغفلة."
ضحك جاويد على قول سلوان. لو أخرى قالت له هاتان الكلمتان لكان قتلها بدم بارد ولن يدفع دية لها، لكن مع سلوان هناك رد آخر.
رواية شد عصب الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سعاد محمد سلامة
منزل صالح الأشرف
دخل صلاح يسأل الخادمة عن صالح، قبل أن ترد الخادمة رد صالح الذي أتى من خلفها.
كذلك اقترب من مكان وقوفهم زاهر مبتسمًا، يرحب بصلاح بحفاوة:
"أهلًا يا عمي، نورت الدار."
ابتسم صلاح له ونظر لصالح قائلًا:
"كويس إن لحقتك قبل ما تطلع من الدار."
رد صالح باستخفاف مبطن:
"خير، إيه الأمر الهام؟"
تغافل صلاح عن طريقة رد صالح قائلًا:
"الليلة إن شاء الله، فرح جاويد، ومينفعش متكونش أول الحاضرين وتستقبل المعازيم بنفسك."
عبس وجه زاهر وشعر بوخزات قوية في قلبه، وكأن أحدًا وضع طعم العلقم بفمه. وظل صامتًا يكتم أنين قلبه، ظنًا أن العروس هي مسك ابنة عمته.
بينما تهكم صلاح ساخرًا:
"لاه، كتر خيرك وجاي تدعيني قبل ساعات من الفرح."
تغاضى صلاح عن تهكم صالح قائلًا:
"الموضوع كله تم بسرعة، إنت عارف دماغ شباب اليومين دول. وأنا زيك، جاويد جالي وقالي أنا قررت أتجوز، وكمان كان طلب يد العروسة من جدها. وأبوها وصل من هنا الأقصر يا دوب قبل كتب الكتاب بليلة واحدة."
تلخبط عقل زاهر من حديث عمه وتساءل باستفسار:
"قصدك إيه يا عمي بأن أبو العروسة وصل من السفر؟"
رد صلاح وهو ينظر ناحية صالح يترقب رد فعله:
"العروسة مش من هنا."
تهكم صالح قائلًا:
"يعني العروسة غريبة عن هنا، وعرفها منين بقى؟"
رد صلاح بترقب حذر:
"لاه، العروسة... أبوها هو اللي مش هنا، من الأقصر، بس أمها من هنا."
تنهد زاهر بارتياح، كأن ثقل صخرة ثقيلة انزاح من على صدره، وانشرح قلبه وتفتحت ملامحه.
بينما ما زالت نبرة التهكم من صالح الذي تساءل:
"وتبقى أمها بنت مين بقى؟"
قبل أن يجيب صلاح، صَدَح رنين هاتفه. أخرجه من جيب ثيابه ونظر للشاشة، ثم نظر لصالح قائلًا بحذر:
"معلش، إنت عارف تحضيرات الفرح واستقبال الضيوف، لازم أمشي دلوقتي. في ضيف مهم لازم أكون في استقباله. وإنتوا أصحاب الفرح مش محتاجين دعوة. وإنت يا زاهر، جاويد يبقى أخوك الكبير، ولازم تكون جاره. عقبالك يا ولدي."
ابتسم زاهر بقبول منشرح الصدر، بينما شعر صالح بغيظ قائلًا:
"أما أطلع أبدل خلجاتي، وألبس عباية تانية تليق بمقامي، وأشوف مين نسيب جاويد، اللي يستاهل إني أضيع وقتي، ولا هيطلع موظف كحيان. ما هو حديث صلاح زي ما يكون النسب مش قد كده وخايف يقول لا نتريق عليه."
رد زاهر:
"حتى لو نسيب جاويد شخص بسيط، بالنسبة له نسب عالي. وكمان بنسبه له بقى من نفس مستواه العالي. النسب مفيش فيه عالي وواطي، فيه مناسبين لبعض وبينهم تفاهم ومودة واحترام وتقدير من الطرفين لبعض. أنا كمان هطلع أغير هدومي وألبس بدلة تليق بنسب جاويد وابن عمي."
سخر صالح من حديثه متهكمًا.
❈-❈-❈
قبل الغروب بوقت قليل
بأحد العمارات المطلة على النيل، كانت تقف بشرفة إحدى الشقق امرأة بأوائل العقد الخامس من عمرها. ابتسمت حين سمعت من خلفها تتنحنح بحرج وتردد قائلة:
"ست ليالي."
استدارت لها ليالي مبتسمة تقول:
"أيوا يا زاهية، قولي عاوزة إيه؟ أنا عارفة طريقتك دي لما تكوني محتاجة حاجة، أو عاوزة تقولي حاجة. ولا مفكرة عشان أنا عامية ومش شايفة ملامح وشك، إني كمان مش واخدة بالي من نبرة صوتك."
شعرت زاهية بحرج قائلة:
"لاه والله يا ست ليالي، ده حتى مكدبش اللي قال ربنا لما بياخد البصر بيدي مكانها البصيرة. ربنا ينور بصيرتك."
تنهدت ليالي قائلة:
"يارب، قولي بقى عاوزة إيه."
ردت زاهية بفخر:
"بصراحة يا ست ليالي، إنتِ عارفة إن ملاك بنتي خلصت الجامعة واتخرجت من كلية التجارة قسم المحاسبة، وكمان كانت طول الدراسة بتاخد كورسات كمبيوتر وكورسات تانية خاصة بالمحاسبة. وبصراحة اتقدم لها عرسان كتير، بس هي بترفضهم وبتجول مش هتفكر في الجواز غير بعد ما تتوظف. جال إيه؟ مش عاوزة راجل يتحكم فيها إنه هو اللي بيصرف على البيت، عاوزة تيجي مستقلة بنفسها."
سارت ليالي خطوتين وجلست على أحد المقاعد بالشرفة ومدحت ابنة زاهية قائلة:
"والله براڤوا عليها إنها حابة تكون شخصية مستقلة بذاتها، ومش بس مالياً كمان فكرياً. بس أكيد في حاجة تانية، بطلي لف ودوران وهاتي من الآخر يا زاهية."
ابتسمت زاهية قائلة:
"حاضر يا ست ليالي. بصراحة كده ملاك، قدمت في كذا مسابقة عشان تشتغل، بس الحظ متوفقش. وآخر وظيفة قدمت فيها واحدة جالت لها الشغل كله بقى بالواسطة. ومن وقتها وهي مكتئبة وقاعدة في البيت تندب حظها إنها اتبهدلت بين العلام والكورسات، وفي الآخر مفيش وظيفة عدلة قبلت فيها. كنت بجول لو تكلمي البيه، هو له معارف بكبارات وشخصيات مهمة هنا في الأقصر، يشغلها إن شاء بعقد في فرع أي بنك هنا. إن شاء بنك الزراعة."
ابتسمت ليالي قائلة:
"ودي المشكلة اللي مخلياكي مترددة تقولي لي عليها. عالعموم أنا هكلم البيه، ومش بس كده كمان ناسيه إني كنت بشتغل هنا في بنك قبل ما بصري يروح وكان ليا أصدقاء في البنك ما زلت على تواصل ببعض منهم، ويتمنوا أطلب منهم خدمة. وملاك تعتبر زي بنتي. بس متقوليش لها دلوقتي، بس هاتي لي الملف بتاع الشهادة الجامعية والكورسات اللي أخدتها. وسلمي أمرك لله، إن شاء ربنا هيحقق أمل ملاك وتشتغل وتحقق ذاتها."
انشرح قلب زاهية قائلة بدعاء:
"ربنا يعطيكِ السعادة ويحلي أيامك يا ست ليالي ويخلي لكِ البيه يارب."
ابتسمت ليالي قائلة:
"آمين. أهو كفاية دعوتك دي يا زاهية. بس هقولك، هاتي الملف بتاع ملاك من وراها، بلاش تقولي لها غير لما ناخد موافقة عالوظيفة، خليها تبقى مفاجأة لها. بس وقتها بقى مفيش حاجة ببلاش."
ابتسمت زاهية لها قائلة:
"عينيا ليكِ يا ست ليالي."
ابتسمت ليالي قائلة:
"تسلم عينيكِ يا زاهية. أنا عاوزة كوبايتين شاي مظبوطين من إيديكِ وكمان كم حتة كيكة من كيكة البرتقال اللي شامة ريحتها... وتيجي نقعد سوا هنا في البلكونة ندردش سوا، وتوصف لي منظر غروب الشمس."
ابتسمت زاهية قائلة:
"حاضر. دقائق هروح المطبخ أعمل الشاي وكمان كيكة برتقال زمانها بردت، هجيبهم وأجيلك."
تركت زاهية ليالي، التي رغم أن من يرى عينيها التي بلون السماء الصافية يظن أنها ترى، بينما هي في الحقيقة تحولت لعين زجاجية معتمة، لكن لم تفقد بريق قلبها. وبذكر قلبها، ها هو المالك له منذ أكثر من ثلاثين عام يدق على هاتفها بنغمته الخاصة، بكلمات أغنية نجاة "يا مرسال الهوا".
ضغطت على زر الرد وردت تسمع صوته معتذرًا:
"آسف يا حبيبتي، الوقت أخدني ومقدرتش أجي أتغدى معاكِ."
ابتسمت له بعذوبة صوتها:
"معلش، أكيد حبيبي مشغول والوقت مسمحش له. بس أحب أقولك فاتك كتير. زاهية كانت طابخة بسلة وجنبها شوية رز وسلطة وبتنجان مخلل من اللي إنت بتحبهم، وأكلت أنا وهي ونسفنا الأكل، يعني الغايب ملوش نايب زي ما بنقول."
ابتسم لها قائلًا:
"بالهنا يا حبيبتي."
ابتسمت ليالي قائلة:
"آه، وكمان عاملة كيكة برتقال ريحتها تجنن. شكلها كانت عاملها رشوة لسيادتك."
ابتسم لها قائلًا:
"إنتِ بتحسسيني بالندم بالراحة إن مجتش عالغدا النهارده، بس ليه عاملها رشوة؟"
ابتسمت قائلة:
"لاء يا حبيبي، هي مش رشوة، بس كمان ليا عندك طلب يخص زاهية، وبحفزك من ناحيتها."
ابتسم لها قائلًا:
"وأيه هو الطلب ده بقى اللي قبله لازم التحفيز ده كله؟"
ابتسمت برقة قائلة:
"لما تيجي هنا هقولك، مينفعش عال موبايل."
ابتسم لها قائلًا:
"تمام، هحاول متأخرش. أنا كنت بتصل أطمن عليكِ، عشان عارف طبعك مش بتاكلي كويس في غيابي."
ابتسمت له قائلة:
"ده كان زمان حبيبي، لما كنت شابة صغيرة وبقدر أستحمل الجوع طول اليوم. دلوقتي خلاص كبرت وبقى عندي ثلاثة وخمسين سنة، مقدرش أتحمل الجوع."
ابتسم مادحًا:
"بلاش تقولي ثلاثة وخمسين سنة. محدش هيصدق إن ده عمرك، هيقولوا بتكذبي."
ابتسمت تشعر بالإطراء قائلة:
"بس هي دي الحقيقة يا حبيبي. أنا صحيح عندي ثلاثة وخمسين سنة، بس عايشة بقلب بنت صبية عندها ثلاثة وعشرين سنة. عالعموم، متقلقش عليا، معايا زاهية. خدت مكان ماما قبل ما تتوفي. من بعد الضهر تقولي الغدا قرب يا ست ليالي، بعد خمس دقايق أجهزلك الغدا، بعد دقيقتين الغدا جاهز."
ابتسم لها قائلًا:
"تمام كده، لازم حد يهتم بحبيبتي عشان تفضل جميلة وبهية."
ابتسمت قائلة:
"حبيبي، رغم إن الجو فيه غبرة ترابية غطت على قرص الشمس وهي بتغرب، بس أكيد الشمس بكرة هترجع تستطع، وتهدي العاصفة، ويختفي الغبار ده كله."
ابتسم بأمل قائلًا:
"إن شاء الله. هسيبك دلوقتي، بس ابقوا سيبوا لي حتة كيكة."
ابتسمت ليالي قائلة:
"في دي مقدرش أوعدك، إنت وحظك بقى."
ابتسم قائلًا:
"إنتِ أحلى حظ في حياتي، يا أغلى ليالي."
أغلقت ليالي الهاتف تستنشق الهواء الخريفي. رغم عدم رؤيتها، لكن ما زال قلبها يشعر أنها مثل الشمس تتجدد كل يوم.
❈-❈-❈
بالمشفى حوالي الثامنة إلا ربع تقريبًا
نظر جواد إلى ساعة معلقة على الحائط بمكتبه ونهض حين سمع طرقًا على باب المكتب.
وسمح له بالدخول.
نظر بهاتفه مبتسمًا يقول:
"كنت لسه هـتصل عليكِ يا دكتورة عشان ميعاد الزفاف قرب."
ابتسمت إيلاف قائلة:
"بصراحة أنا اتأخرت، بس كنت بتابع حالة مريض مسؤولة عنها."
ابتسم جواد وهو يخلع معطفه الأبيض وعلقه، وجذب معطفًا آخر رمادي اللون قائلًا:
"تمام، خلينا نتحرك عشان تلحقي تشوفي الزفة من أولها. الزفة هتبقى على الكارتة، غير كمان في صوان خاص بالحريم لوحدهم."
شعرت إيلاف بالحرج قائلة:
"طب وأنا هدخل في وسط الحريم إزاي وبأي صفة؟ أنا كنت فاكرة إن الزفاف هيبقى في صوان في الشارع وممكن أقعد في أي زاوية أتفرج على مظاهر الزفاف."
رد جواد:
"لاء، في صوان خاص بالحريم ومتخافيش، محدش في الوقت ده بيبقى فاضي، بيركزوا في العروسة وبس."
ابتسمت إيلاف قائلة:
"متأكد؟ عالعموم هي مسألة ساعتين بالكتير. وكمان واحشني عم بليغ بقالي كم يوم مشوفتهوش، حتى لما اتصلت عليه قالي أنه كان مشغول، بس مكنتش أعرف إن السبب هو زفاف أخوك."
شعر جواد بالغيرة من بليغ، لكن أخفاها قائلًا:
"تمام، اتفضلي خلينا نلحق الزفاف من أوله."
سارت إيلاف أمام جواد إلى أن خرجوا من باب الغرفة إلى ممر المشفى، ثم سارا جوار بعضهما، يتحدثان بتلقائية. لكن هنالك أعين خبيثة رأتهما لتلمع بشرًا وهما ينظران إلى بعضهما. ليقول ناصف:
"الخطة ماشية تمام، فاضل بس تكة صغيرة، وفي الآخر جواد مش بس هيتغصب يستقيل من إدارة المستشفى، لاء هيستقيل من الطب كله."
لمعت عين الآخر قائلًا:
"مش فاهم قصدك إيه؟ إيه اللي في دماغك؟"
رد ناصف:
"اللي في دماغي هو الدكتورة إيلاف، لازم نجذبها معانا تشتغل في المستشفى الجديدة بأي شكل. بعدها هيبقى سهل كل شيء..."
**بعد قليل**
توقف جواد بالسيارة بمكان قريب من منزله بسبب الزحام. ابتسمت إيلاف قائلة:
"المكان هنا زحمة أوي كده ليه؟ كل الناس دي؟ دي البلد كلها موجودة هنا وبتقول إن الفرح بسيط."
ابتسم جواد قائلًا:
"فعلاً المظاهر دي بسيطة لما يكون الزفاف ده لجاويد الأشرف."
ابتسمت إيلاف، لكن بنفس اللحظة رأت بليغ الذي اقترب من مكان وقوف السيارة يبتسم.
ترجلت سريعًا بلهفة من السيارة رغم الزحام وذهبت نحوه، تاركة جواد الذي شعر بآنين في قلبه. تمنى أن يرى بعينيها مثل تلك اللهفة عليه، اللهفة التي جعلت إيلاف حين رأت بليغ تركت السيارة وقطعت ذلك الزحام حتى وصلت إليه. تنهد بأمنية، ثم تجنب بالسيارة بأحد الأركان وترجل هو الآخر منها وذهب إلى حيث قاده قلبه الذي يشعر بالغيرة.
بينما إيلاف بصعوبة قطعت الزحام ووصلت إلى مكان بليغ الذي ابتسم لها وسحب إيلاف من يدها وخرجا إلى أحد جوانب المكان شبه الخالي من الازدحام. وتبسم حين رأى اقتراب جواد منهم وملامح وجهه شبه عابسة. لكن إيلاف لم تأخذ بالها بسبب انشغالها في الحديث معه.
حين وصل جواد إلى جوارهم، رسم بسمة يود أن يبعد بليغ عن إيلاف. لكن خيرها قائلًا:
"هتفضلي واقفة هنا في الزحمة ولا هتدخلي صوان الستات؟"
رد بليغ بالنيابة عنها قائلًا:
"لاه طبعًا، هتدخل صوان الستات. هنا زحمة أوي."
ابتسمت إيلاف قائلة:
"فعلاً هنا زحمة وكمان العروسة خلاص وصلت، بس."
تساءل جواد:
"بس إيه؟"
ردت إيلاف بحرج:
"بصراحة أنا معرفش حد، بس ممكن أقعد بجنب لوحدي. بس هدخل إزاي؟"
ابتسم جواد قائلًا:
"لاء، دخولك للصوان أمر سهل وثواني." فتح جواد هاتفه وانتظر قليلًا ثم تحدث إلى إحداهن ثم أغلق الهاتف ونظر لإيلاف قائلًا:
"تمام، هننتظر ثواني بس."
أومأت إيلاف رأسها ونظرت إلى بليغ قائلة:
"هشوفك تاني قبل ما أمشي من الفرح."
ابتسم بليغ لها، بينما زفر جواد نفسه بغيرة قائلًا:
"أها، وصلت خالتي محاسن وصلت، وهي اللي هتدخلك لصوان الستات."
ابتسمت إيلاف بتلقائية حين اقتربت منها محاسن ونظرت إلى جواد وغمزت بعينيها قائلة بمرح:
"حلوة دي، الدكتورة اللي كلمتني عنها يا جواد."
نظر جواد إلى محاسن قائلًا بتورية:
"خالتي محاسن دايمًا تحب تهزر."
مدت محاسن يدها وسحبت يد إيلاف ببسمة قائلة:
"أيوا أنا بحب الهزار، بس إنتِ فعلاً وشكلك كده صغيرة وتدخلى القلب. أنا بقى خالتك محاسن، أبقى خالة الدكتور جواد، أنا اللي مربياه هو وأخواته. وهقولك الصراحة، هما بيحبوني أكتر من يسرية. يسرية دي بقى تبقى أختي الكبيرة، هي كانت بتخلف وأنا أربي. بس جواد ده ليه معزة خاصة في قلبي. تعرفي لو عندي بنته مكنتش فرطت فيه وجوزتها له غصب عني."
ابتسمت إيلاف، بينما قال جواد:
"خالتي محاسن هتاخدك تدخلك لصوان الستات."
ابتسمت محاسن واقتربت من أذن جواد قائلة بهمس:
"دي طلعت أحلى من ما وصفتها لي. حظك حلو، بس ربنا يكون في عون يسرية. ولادها الاتنين... هيجيبوا لها بنتين من البندر."
رد جواد بهمس قائلًا برجاء:
"ادعي بس إنتِ بقلبك."
ابتسمت له وغمزت بعينيها قائلة:
"هدعيلك، يلا يا دكتورة خلينا ندخل للصوان بتاع النسوان، هتنبسطي أوي."
❈-❈-❈
بمنزل القدوسي
دخل محمود إلى الغرفة، استغرب حين رأى صفية ترتدي عباءة وثيره، كذلك تضع حول عنقها ويديها الكثير من الحلي الذهبية. تساءل باستغراب:
"لابسة كده ورايحة فين؟"
ردت صفية بنزق وقلبها يستعر بالنيران:
"يعني هكون رايحة فين، رايحة فرح المحروسة بت أختك، ولا عاوزني محضرش وأسيب أهل البلد يتحدثوا ويفكروا إني زعلانة عشان جاويد مخدش بتي وفضل عليها الغريبة عنيه... صحيح قلبي محروق، بس لازم أبتسم بتي غالية ولو محضرتش الدخلة، حديث النسوان هيكون عليها وعليا. حضوري هيكمم خشمهم، أقلوا هرفع بشأني أنا وبتي إن جاويد ولا هاممنا وهو الخسران."
كاد محمود أن يعترض قائلًا:
"الحديث ده فارغ، واللي يتحدث فيه أهل البلد ميهمنيش، لكن بتك اللي سابحة في ملكوت، محتاجة اللي يفضل جارها."
تهكمت صفية قائلة:
"ما هو عشان خاطر بتي لازم أحضر، عشان محدش يعرف إنها بسبب جاويد بقى لها يومين مش دارية بالدنيا حواليها، ويشمتوا ويتشفوا فيها. حضوري هيخرس كل الألسنة، وأولهم محاسن أخت يسرية اللي داخلة خارجة تزغرت. ربنا لما حرمها من الخلفه كان عالم بسواد قلبها. هي بتعمل كده غيظ فيا أنا وبتي اللي مكنتش بطيقني لا أنا ولا مسك. ويمكن هي كمان السبب في فسخ حفصة لخطوبتها من أمجد. أكيد لعبت براسها. بس أنا مش هسيب لها فرصة. هي لسه مش قادرة تستوعب إنك فضلتني عليها زمان واتجوزتني أنا صفية بنت الأشرف."
تنهد محمود قائلًا:
"دي أوهام لسه عايشة في دماغك. عالعموم، براحتك، بس بتي أولى بوجودك جارها عن مظاهر وحديث الناس الفارغ... نازل لازم أكون جار أبوي دلوقتي."
تهكمت صفية بعد مغادرة محمود وأخرجت تلك الزجاجة الملفوفة بقطعة قماش، من أحد الأدراج ونظرت لها بغيظ قائلة بتوعد:
"عندي يقين إن بوك هو اللي لعب براس جاويد وشغل عقله ببت مسك، ومش بعيد يكون هو اللي طلب منه يتجوزها. عاوزها تبجي جاره هنا. كبر وخرف وقلبه رق بعد سنين لدلوعة قلبه بتة اللي زمان باعت شرفه وفضلت ترحل وتعيش مع غيره. بس وحق قلبي على بتي ووجع قلبي بتي اللي تسببتوا فيه، لاندمكم كلكم."
وضعت الزجاجة في حقيبة يدها الصغيرة ونظرت في المرآة تلمع عينيها بشرر وهي تعدل هندامها، وترى انعكاس اكتمال هيئتها الوثيرة في المرآة. تبسمت وهي ترى صورة أخرى في خيالها وهي نفور جاويد من سلوان، وابتعاده عنها. شعرت بانشراح في قلبها.
❈-❈-❈
بمنزل صلاح الأشرف
طرق جواد على باب غرفة جاويد، ثم فتح الباب مواربًا ونظر بداخل الغرفة مازحًا:
"مساء الخير على عريس الليلة اللي عندي يقين إن مستنيه إعصار، لما العروسة تتفاجئ بمين جاويد الأشرف العريس قدامها."
تنهد جاويد قائلًا:
"يعني لازم تفكرني؟ مكنتش خدمت اللي احتاجها منك وبسببها، اضطريت أعترف لك بالسر اللي العروسة متعرفوش."
ضحك جواد قائلًا:
"أنا اعتبر خالفت ضميري المهني كـ مدير للمستشفى، بسبب الفحص الطبي اللي بيحصل قبل كتب الكتاب. خلصت لك أوراق الفحص بدون حضور العروسة والعريس. فكان لازم أعرف عدم حضور العروسة، مش يمكن تكون مغصوبة على الجواز مثلاً؟"
ضحك جاويد قائلًا:
"لاء مش مغصوبة مثلاً، دي مغصوبة أكيد. وكفاية هزار بقى في الموضوع ده، أنا بحاول أشغل عقلي بأي شيء تاني، عشان عندي شبه يقين برد فعل سلوان، وقت ما تتفاجئ بيا أنا وهي مقفول علينا أوضة واحدة."
ضحك جواد قائلًا:
"عشان تحرم تكذب. ناسي ماما كانت تقولينا إيه وإحنا صغيرين؟ الكذب ملوش رجلين، ومسيره بينكشف."
تنهد جاويد بندم قائلًا:
"ما قولتلك دي كانت ذلة لسان في البداية، ومكنتش متوقع الأمر هيطور."
ضحك جواد قائلًا:
"كان ذلة لسان في البداية، بس ليه بعد كده قبل كتب الكتاب معترفتش بحقيقة اسمك ليها، وسيبت حرية الاختيار ليها؟"
زفر جواد نفسه قائلًا:
"فكرت في كده فعلًا، كنت هعترف ليها، بس اتراجعت على آخر لحظة والسبب هي. لما قالت لي إن مامتها كانت هتتجوز شخص من هنا في الأقصر، بس محصلش نصيب. رغم كده فضل الشخص ده فترة طويلة بعد جواز مامتها يطاردها هي وباباها وكان هيتسبب في فصله من شغله، وبسببه باباها أخد إجازة بدون مرتب من شغله وكان بيطارده في شغلانة تانية بيشتغلها لفترة. بس بعد وقت مش قليل باباها جاله عقد عمل بتخصصه في شركة في الإمارات بمرتب كبير وسافر هو وهي ومامتها الإمارات. هو صحيح رُب ضارة نافعة، وبدل ما يضرهم نفعهم وقتها بالسفر للإمارات ومستقبل أفضل. بس طبعًا الشخص ده ساب فكرة سيئة عنه في دماغ سلوان. هي متعرفش اسمه إيه بالتحديد، بس قالت إنها فاكرة اسم عيلته لأنه اسم القرية اللي مامتها منها "الأشرف". طبعًا إنت عارف مين الشخص المقصود. ولما فكرت إني لو قولت لسلوان على اسمي الحقيقي وعرفت إني من عيلة الأشرف، تلقائي منها هتغير معاملتها معايا ومش بعيد تقطع علاقتي وأفقد ثقتي فيها. هي كمان قالت لي إنهم عاشوا فترة صعبة مادياً قبل سفر باباها للإمارات. إنها كانت في سنة أولى ابتدائي، حتى مصاريف مدرستها باباها استلفها من أخته وقتها، رغم إنها كانت مدرسة حكومي، يعني مصاريفها مكنش مبالغ فيها. طبعًا إنت عارف مين الشخص اللي تقصده سلوان."
زفر جواد نفسه بسأم قائلًا:
"طبعًا عمك صالح. سره باتع وبيتنفس شر... بس أحب أقول لك هي دلوقتي كمان هتفقد ثقتها فيك لما تعرف إنك جاويد صلاح الأشرف، وإن الشخص اللي كان بيحارب أباك يبقى عمك المبجل."
تنهد جاويد، رغم أنه علم أن من إحدى خصال سلوان بعض الكبر وعدم التقبل بسهولة، فهي إلى الآن حين تذكر اسم "مؤنس القدوسي" لا تسبقه بلقب جدها، تذكره بلقب "الحج مؤنس القدوسي". لم تستطع تقبل أنه جدها. وتحدث بثقة:
"عارف، بس أنا متأكد إنه سهل أسترد ثقة سلوان وهي مراتي."
كاد جواد أن يتحدث لكن منعه صوت طرق على باب الغرفة. سمح جاويد لصاحبه بالدخول.
الذي تعجب جواد وجاويد ونظرا لبعضهما باستغراب، لكن ابتسم لهما قائلًا:
"مالكم مستغربين وجودي ليه؟ ناسين إني أبقى زاهر ابن عمك، وإنا كنا بناكل في صحن واحد ومتربيين سوا يعني نعتبر إخوات، ولا أنتم ليكم رأي تاني."
قال زاهر هذا وتجولت عيناه بالنظر لهما الاثنان بترقب، إلى أن ربت جواد بيده على كتف زاهر مبتسمًا يقول:
"لاء منسيناش يا زاهر إننا إخوات زي جدك ما كان بيقول لينا، بس إنت اللي كنت شردت شوية."
شعر زاهر بالندم قائلًا:
"فعلاً كنت شردت، بس أهو رجعت تاني. وكمان عندي لكم مفاجأة، أنا قررت أنافس جاويد."
استغرب جاويد قائلًا:
"مش فاهم قصدك، هتنافسني في إيه؟"
رد زاهر:
"أنا استرديت أرض أمي من تحت يد أبوي وقررت أبدأ لوحدي بعيد عن أبوي وفلوسه، في حتة أرض من اللي ورثتها عن أمي دخلت خلاص كردون المباني وقريبة من سكة رئيسية بالبلد ومكانها مناسب لإنشاء مصنع صغير للفخار. وخلاص تقريبًا كده خلصت الإجراءات اللازمة وهبدأ أنشأ مصنع صغير على قدي. كمان أجرت جاليري في منطقة قريبة من المعبد وبدأ يشتغل كويس. وكمان أجرت مخزن في مكان قريب من الجاليري هخزن فيه البضاعة. بس كنت طالب مساعدة منك يا جاويد."
ابتسم له جاويد قائلًا:
"وأيه هي المساعدة دي بقى؟"
رد زاهر:
"محتاج بضاعة. أنا صحيح فتحت الجاليري بصراحة في البداية مكنتش عاوز أطلب من أي حد من عيلة الأشرف مساعدة، عشان ميفكرش إني بستغل صلة القرابة، وبدأت واتعاملت مع تجار خزف وفخار، يمكن هما نفسهم بيشتروا من مصانع الأشرف، عشان كنت مفكر إن ممكن يتقال إني بستغل القرابة."
توقف زاهر عن استكمال حديثه حين قاطعه جاويد قائلًا:
"بطل عبط، أكيد محدش كان هيفكر في كده. وأنا عارف كل اللي قولته عليه وانبسطت إنك بدأت تفوق لنفسك وتشتغل. وفي تجار فعلًا سألوني عنك وقولت لهم إنك مش بس إنك ورثت اسم عيلة الأشرف، إنك كمان ورثت سر صنعة جدي، وبتفهم كويس وبتتقن صناعة الفخار."
ابتسم زاهر، بينما جواد تحدث مازحًا:
"فاكر جدي زمان كان يقول زاهر أحسن واحد بيفهم في صناعة الفخار بس هو اللي مش مركز وعاوز يبعد عن السرب، بس في الآخر أها، إنت قربت للسرب وأنا اللي اخترت الطب وطرت بعيد عن السرب. بس اوعوا تتغروا عليا، إنتوا الاتنين أنا كمان بفهم في صناعة الفخار وأقدر بسهولة جداً أنافسكم، بس أنا سايبكم تاكلوا عيش."
ضحك زاهر، كذلك جاويد، بنفس اللحظة دخل عليهم صلاح وبصحبتهم هاشم.
شعر صلاح بانشراح قلبه حين رأى ثلاثتهم يضحكون. ابتسم لهم قائلًا:
"بتضحكوا على إيه يا شباب؟ ضحكونا معاكم."
ابتسم جواد قائلًا:
"بص يا بابا، بصفتي الشخص الوحيد اللي اختار الطب في عيلة الأشرف وبقيت دكتور يعني على قد حالي، فـ أنا مش همنع أبداً ولا هعترض إن حضرتك تغير لي عربيتي بعربية موديل عربية جاويد، أهو اعتبر العربية دي زكاة أموالك."
ضحك هاشم قائلًا:
"هو فيه دكتور في مصر على قد حاله."
ضحك جاويد قائلًا بمزح:
"آه يا عمي، الدكتور جواد الأشرف أصله على صلة وثيقة بـ سامية."
لم يفهم هاشم معنى حديث جاويد وتساءل:
"ومين سامية دي بقى؟"
ضحك صلاح قائلًا:
"جاويد قصده إن جواد واخد الطب رسالة سامية، مش واخدها كنوع من الوجاهة والتربح من وراها."
فهم هاشم ونظر لجاويد قائلًا:
"فعلاً، الطب رسالة سامية. بس معظم الأطباء حولها لتجارة."
للحظة شعر هاشم بغصة وهو يتذكر تألم مسك وإخفائها الألم لفترة طويلة حتى لا تزيد العبء على كاهله، حتى تغلبت عليها وأصبح صعب تحمل جسدها إلى أن فارقت الحياة. أحيانًا يعتقد أنه لو كان عرف بمرضها منذ البداية ربما كان الشفاء وقتها سهلًا وما زالت تحيا وجهزت سلوان عروساً بيدها ورأت أمنيتها تتحقق أن تخرج سلوان من دار القدوسي عروساً كما تمنت هي يومًا... لكن هو القدر يرسم ونحن نسير على دربه ولا نملك اعتراض. فقط نملك أماني قد تتحقق رغم غياب من أرادها، لكن تظل لهم دائماً ذكرى محفورة بقلوب من تركوا لهم قسوة تجرع الغياب.
❈-❈-❈
بداخل صوان العروس
شعرت حفصة بالضيق من اهتمام النساء ومدحهم بجمال العروس وحسن حظ العريس.
نهضت وخرجت من الصوان وتوجهت إلى داخل المنزل، لكن كادت تصطدم بأحد الأشخاص، لكن هو توقف للحظة.
نظرت له حفصة واستمعت لاعتذاره:
"متأسف، بصراحة أنا مأخدتش بالي لآني بدور على باب الخروج من البيت وقدامي كذا باب ومش عارف أخرج من أنهي واحد فيهم، وخايف أخرج من باب غلط بدل ما يوصلني لصوان الرجالة ألاقي نفسي وسط الحريم."
ابتسمت حفصة بعفوية قائلة:
"فعلاً البيت كبير وله كذا باب، بس الباب اللي هناك ده الباب الرئيسي وهو قدامه مباشرةً باب الدار الخارجي واللي هتلاقي قدامه مباشرةً صوان الرجالة."
ابتسم له شاكراً:
"متشكر جداً، ومتأسف مرة تانية."
ابتسمت له بتلقائية، وهو يتوجه نحو الباب التي أشارت له عليه، لكن حاولت إخفاء بسمتها حين استدار لها مرة أخرى مبتسمًا. ادعت تجاهل رؤيته وأكملت طريقها وصعدت نحو غرفتها بأعلى، غير آبهة بنداء أمجد عليها الذي تجاهلته عن عمد منها وادعت عدم سماعه. دخلت إلى غرفتها وتبدل حالها من الزهق والضيق إلى الهدوء نسبيًا.
بينما أمجد زفر نفسه بغضب ملحوظ وشعر بشعور غريب عليه لاول مرة تجاه حفصة. سأل نفسه لما تضايق حين دخل صدفه إلى داخل الدار ورأى شابًا يقف بالقرب من حفصة وابتسامتها له وهي تشير له نحو باب الخروج من المنزل ونظرها نحوه ويخرج من الباب بابتسامة. فكر للحظة في الصعود خلفها وسؤالها، لكن قبل أن يضع قدمه على درج السلم، رأى دخول والدته من الباب القريب لصوان النساء. وقفت للحظة تنظر خلفها على جانبي الباب، كأنها تترقب شيئاً. كاد الفضول أن يسوقه إلى مكانها وسؤالها عن سبب وقوفها هكذا، لكن صَدَح رنين هاتفه فتجاهل ذلك وذهب نحو الخارج.
بينما صفية قبل لحظات تسحبت خلسة دون أن يراها أحد من النساء، ودخلت إلى داخل المنزل. وقفت للحظات تنظر على جانبي الباب بترقب إن كان أحد رآها أو قريب من المكان، لكن كان الجميع مشغول سواء في صوان الرجال أو النساء وحتى المنزل خلفها خالٍ. هذه فرصتها.
صعدت سريعًا نحو الجناح التي سمعت أن جاويد قام بإعادة تشطيبه وتجهيزه له وللعروس. كانت بين اللحظة والأخرى تنظر حولها بترقب مثل السارق، إلى أن أصبحت أمام باب الجناح. ترقبت الطريق للحظة قبل أن تفتح حقيبة يدها وتخرج تلك الزجاجة وقامت بسكب محتواها على عتبة الغرفة. وكادت تفتح باب الغرفة لكن تفاجأت أن الباب موصد بالمفتاح. سكبت ما تبقى بالزجاجة التي أصبحت فارغة، لكن بسبب تسرعها وقعت بعض النقاط فوق ثوبها. كذلك اشتمت رائحة شبه غريبة بسبب محتوى تلك الزجاجة. خشيت أن يشك أحد بتلك الرائحة الغريبة، ومدحت بذكائها:
"كويس إني كنت عاملة حسابي وجبت إزازه معطر الهوا إمعاي."
أخرجت زجاجة معطر الهواء وقامت برش المكان بها. ثم وضعت الزجاجتان في حقيبة يدها، وأغلقتها. ثم مثلما فعلت سابقًا عادت نحو أسفل، وعادت تجلس بين النسوة وتسمع همسهن وغمزهن، بحسرة تعتقد أنها مؤقتة، فهذا الزواج لن يستمر بالتأكيد، فتلك الغريبة مجرد زهوة لجاويد لن تستمر وتخفت.
❈-❈-❈
بداخل جناح جاويد
تهكم جاويد وهو يقلب جهاز تحكم صغير كان بيديه فوق الفراش، ويقترب بخطوات بطيئة من مكان وقوف سلوان، يتحدق فيها وتحدث ببرود:
"غفلة وغبرة. تعرفي لو واحدة تانية مكانك قالت لي الكلمتين دول كان هيبقى ليا رد فعل..."
تهكمت سلوان قائلة باستبيح:
"وكان هيبقى رد فعلك إيه بقى؟"
استمتع جاويد بملامح وجه سلوان الغاضبة وتجاهل كلماتها، تزداد بداخله رغبة واشتهاء وهو ينظر إلى شفتيها مثل الظمآن. وعلى غفلة منها أصبح أمامها مباشرةً بلحظة جذبها من عضديها عليه يضمها لصدره وإلتهم شفتيها بقبلات شغوفة كان يتشوق إليها منذ أول لقاء رآها به. الآن لا شيء سيمنعه من تحقيق أمنية تذوق شفتيها. لكن حاولت سلوان دفعه بيديها بعيدًا عنها بقوة ضعفت مع الوقت بسبب قوة قبضة يدي جاويد حول جسدها، واستسلمت لتلك القبلات، حتى ترك جاويد شفتيها لكن لم تضعف قبضة يديه حولها. شعر بأنفاسها المتسارعة وضمها أكثر له. لكن سلوان بعد أن هدأت أنفاسها حاولت دفعه عنها مرة أخرى ورفعت إحدى يديها وكادت تصفع جاويد على وجهه: قائلة:
"بكْرهك يا جلال."
أمسك جاويد معصم يدها بعنف وقام بثنيه خلف ظهرها. في لحظة تبدل الوضع وأصبح ظهرها ملتصقًا بصدره ويدها مثنية خلف ظهرها وقال بحدة:
"اسمي جاويد. اسم جلال ده تنسيه خالص."
شعرت سلوان بألم بيدها وكادت تتحدث، لكن شعرت بشيء آخر حين وضع جاويد شيئًا ما في بنصر يدها اليسرى، ثم نفض جسدها بعيدًا عنه قليلًا. رغم شعورها بألم طفيف، لكن نظرت إلى إصبعها وتفاجأت بذلك الخاتم الذي في بنصرها هو نفسه التي اختارته سابقًا. نظرت له بذهول وتحدثت باستنكار:
"مخادع..." قالت هذا وهي تنظر له بتعجب وذهول تلوم حالها:
"إنت آخر شخص كنت أتوقع أنه يكون جاويد الأشرف. بس إزاي قدرت تخدعني بالسهولة دي ووثقت بيك؟ أكيد ده كله بسبب غبائي، بس ملحوقه، الجوازة دي مستحيل أساساً تتم، والطلاق لازم يتم بأسرع وقت."
"طلقني، مستحيل الجوازة دي تتم. أنا مكنتش موافقة عليها من البداية من قبل ما أعرف مين هو جاويد الأشرف، بس تعرف كان ممكن بسهولة أتقبل الجوازة دي لو من شخص تاني غيرك، لكن إنت مستحيل أقبل."
ضحك جاويد قائلًا:
"في عروسة أول مرة تشوف جوزها تقوله طلقني؟ برضو متسرعة زي عادتك، ناسيه إنتِ فين ومع مين."
تنهدت سلوان قائلة باستخفاف:
"هكون فين يعني ومع مين؟ مع واحد مخادع. أول مرة إحساسي يخوني مع شخص وأحس معاه بعكس حقيقته. بس الوقت لسه مفاتش، طلقني يا جلال."
نطق سلوان لاسم "جلال" عصبه، وأمسك معصم إحدى يديها وضغط عليها بقوة قائلًا بحدة:
"اسمي جاويد، وإنت فعلًا متعرفيش حقيقتي، بس أحب أقولك من أولها، طلاق مش هطلق، لكن ميمنعش إن الشرع محلل ليا مثنى وثلاث ورباع، بس اطمني هتفضلي دايماً الأولى."
نظرت له سلوان ولمعت عينيها بتحدٍ وحاولت دفعه بيدها الأخرى قائلة:
"بتحلم، وإبعد قلت لك مستحيل أكون مراتك."
ابتسم جاويد وعيناه تتجول بالنظر بين شفتيها وعينيها، لكن لشفتيها سحر لا يقاوم. جذبها بقوة وعاود تقبيلها. رغم تمنعها في البداية، لكن كاد يسيطر عليها لولا سمعا طرقًا على باب الغرفة. ترك شفتيها مرغمًا، كذلك هي ابتعدت عنه تنظر له بغضب. وكادت تتهجم بالحديث لكن سبقها جاويد حين اقترب من الفراش والتقط تلك الثياب الخاصة بها التي كانت موضوعة فوق الفراش وأمسك إحدى يديها رغم تمتعها قائلًا:
"الأفضل إنك تدخلي الحمام تغيري فستانك على ما أنا أفتح الباب للي بيخبط. آه ومتنسيش تتوضي بالمرة."
ألقت سلوان تلك الثياب من يدها بغضب واستهتزاء قائلة:
"مستحيل ألبس الهدوم دي."
ابتسم جاويد باستفزاز قائلًا:
"براحتك، فيه أكيد هدوم تانية في الدولاب، خدي اللي يريحك وإلبسيه، بس متنسيش تتوضي."
رفعت سلوان ذيل ثوبها وتوجهت نحو إحدى ضلف الباب وفتحتها بقوة وعصبية. لكن توقفت تنظر بداخل الدولاب للحظة ثم نظرت نحو جاويد قائلة:
"دي الهدوم اللي اشتريتها عشان تهادي بيها أختك."
ابتسم جاويد بفخر قائلًا:
"عشان تعرفي إن ذوقك بيعجبني دايمًا. وياريت كفاية وقفة اللي على الباب هيزهق ويمشي."
توقفت للحظة تشعر بضياع قبل أن تلتقط بعض من الثياب، ثم نظرت لجاويد بذم قائلة:
"مخادع جيد."
ابتسم جاويد لها وهو يتجه نحو باب الغرفة، لكن قبل أن يفتح باب الغرفة، سمع صفع باب الحمام، فتبسم بتلقائية، وهو يفتح باب الغرفة وتجنب على أحد جانبيه إلى أن دخلت إحدى الخادمات تحمل صينية طعام كبيرة وضعتها على طاولة بالغرفة وسرعان ما غادرت متمنية لهم السعادة. أغلق جاويد باب الغرفة خلف الخادمة، ونظر نحو باب الحمام مبتسمًا وهو يتذكر ملامح سلوان التي ازدادت بنظره جمالًا الليلة يكتشف شخصية أخرى، شخصية عنيدة لكن إن كانت هي عنيدة فهو مثابر، لكن لا مانع من بعض المشاغبات معها.
بينما بالحمام
وضعت سلوان تلك المنامة الحريرية جانبًا تزفر نفسها بغضب ساحق توبخ نفسها قائلة:
"غبيه يا سلوان، كان فين عقلك؟ قبل كده كنتِ بتحذري من أي حد يقرب منك، بس وقعتي في فخ مخادع، ودلوقتي بعد كمان قدر يخدع بابا ووافق على جوازي منه بسهولة، رغم أن عمره ما أجبرني على حاجة قبل كده، أكيد خدعه هو كمان. ولو طلبت من بابا إنه ياخدني معاه للقاهرة وإني أطلق، مستحيل هيوافق ويساندي."
تنهدت سلوان بيأس قائلة:
"يعني إيه؟ مفيش قدامي غير إني أستسلم للمخادع ده، بس ده شيء مستحيل."
بنفس اللحظة سمعت سلوان طرقًا على باب الحمام وصوت المخادع يقول بأمر:
"سلوان، متنسيش تتوضي."
زفرت سلوان نفسها بغضب:
"إيه متنسيش تتوضي؟ اللي زي ما تكون لازمة على لسانه. عامل فيها كأنه إمام جامعة."
توقفت سلوان وفكرت في قصد جاويد من خلف تلك الجملة وفهمت مقصده قائلة:
"المخادع، مفكر إني هسيبه يلمسني؟ يبقى بيحلم."
حسمت سلوان أمرها ولفت يديها حاولت فتح سحاب الفستان ولعصبيتها فشلت، لكن لم تستسلم حتى قطع جزء من ثوب الزفاف مع سحاب الفستان. لم تهتم بذلك وخلعت الفستان وقامت بارتداء تلك المنامة النبيذية اللون، وعقدت خصلات شعرها كعكة فوضوية، وخرجت من الحمام. لكن للحظة توقفت تشعر بالخجل حين رأت جاويد يقف جذعه عاري يخلع ثيابه. لاحظ جاويد صمت سلوان وأرد مشاغباتها قائلًا:
"اتوضيتي."
ردت عليه بضيق قائلة:
"ويخصك في إيه إني أتوضي أو لأ؟ ومن الآخر أنا مبصليش، ارتاحت كده."
تخابث جاويد واقترب من سلوان.
شعرت سلوان بخجل وازداد احمرار وجهها من اقتراب جاويد وهو جذعه عاري منها وبغفلة منها جذبها من خصرها قائلًا بعبث:
"وليه مش بتصلي؟"
ارتبكت سلوان وحاولت الابتعاد عن جاويد لكن هو تشبث بخصرها قائلًا:
"مش بتردي على سؤالي."
ارتبكت سلوان تشعر برجفة بجسدها كذلك خجل، لكن حاولت الثبات أمام جاويد قائلة:
"أنا جاوبت عليك وقلت مبصليش وخلاص، وأعتقد قصدي مفهوم."
ابتسم جاويد بخبث قائلًا:
"آه... قصدي، تمام أنا فهمت."
تنهدت سلوان قائلة بتذمر:
"طب طالما فهمت قصدي، إبعد عني بقى."
بمكر من جاويد ابتعد عن سلوان. بينما نظرت سلوان بالغرفة قائلة:
"مفيش غير سرير واحد في الأوضة."
رد جاويد:
"أي أوضة نوم لعرسان بيبقى فيها سرير واحد، ومع ذلك السرير واسع جداً يساع أربعة مش اتنين."
نظرت له سلوان بضيق قائلة:
"تمام، أنا حاسة إني مرهقة ومحتاجة أنام."
قالت سلوان هذا وتوجهت نحو الفراش تُزيح ذلك الدثار، لكن اقترب جاويد وأمسك يدها قائلًا:
"مش لازم تتعشي الأول قبل ما تنامي، ده عشا العرسان ولازم يتعشوا مع بعض عشان يكون بينهم وفاق."
نفضت سلوان يد جاويد قائلة:
"قولت لك بتحلم، مستحيل يكون بينا وفاق وطلاقنا أمر حتمي وهيتم بسرعة."
ابتسم جاويد وجذب يد سلوان مرة أخرى قائلًا:
"خلينا نتعشى سوا، متأكد إنك جعانة وطول اليوم مأكلتيش. تعرفي إن دي أول مرة مش هتمني إن العشا مينتهيش لآن بعدها مش هتمشي وتسيبني زي قبل كده، بل بالعكس هتمني العشا يخلص عشان بعدها آخدك في حضني كده وأنام بهدوء."
شعرت سلوان برعشة في جسدها من نبرة جاويد الناعمة، لكن تذكرت خداعه لها، ونفضت جسده بعيدًا عنها قائلة:
"معنديش مانع نتعشى سوا، بس بلاش تعيش وهم إني ممكن أسمحلك تقرب مني."
ابتسم جاويد قائلًا بتحدي:
"تعرفي يا سلوان أنا متأكد إن معندكيش أي عذر يمنعني عنك، وأقدر آخدك دلوقتي لو عاوز وهيبقى بإرادتك كمان."
تهكمت سلوان وكادت تتحدث بتحدي، لكن جذب جاويد يدها قائلًا:
"أنا بقول كفاية كلام، أنا جعان طول اليوم مأكلتش عشان نتعشى سوا."
نظرت سلوان إلى صينية الطعام، كأن شعور الجوع تمكن منها فجأة. هي فعلًا لم تتذوق أي طعام طوال اليوم، ولا داعي للرفض، فهذا مثل أي عشاء تناولته معه سابقًا. نحت عنادها وتوجهت نحو مكان صينية الطعام وجلست قائلة:
"ياريت ناكل في صمت."
ابتسم جاويد، وأومأ لها رأسه، وأشار بيده أن تبدأ بتناول الطعام. بالفعل بدأت سلوان تتناول الطعام، لكن كان يشاغبها بالحديث وسلوان ترد أحيانًا بضيق وأحيانًا تختار الصمت ردًا، إلى أن شعرت بالشبع نهضت واقفة تقول:
"الحمد لله شبعت، هروح أغسل إيدي وأنام."
بعد لحظات توجهت سلوان نحو الفراش ونحت الغطاء وتمددت على إحدى طرفي الفراش. لكن سرعان ما شعرت بجاويد هو الآخر تمدد بجسده على الفراش وبعدها أطفأ نور الغرفة. أصبحت مظلمة. للعجب لم تشعر سلوان بالخوف، وظنت أن جاويد قد يقترب منها ويتحرش بها، لكن خاب ظنها. رغم أن جاويد بداخله اشتياق جارف لها، لكن سيطر على مشاعره، لا يود الضغط عليها الليلة أكثر من ذلك، يكفيه الليلة أنه يشعر بنفسها قريب منه.
❈-❈-❈
بمكان مظلم
كان يتجرع من المحرمات والمسكرات ما يذهب عقله، ويجعل قلبه يستعر أكثر وهو يتذكر لقاءه اليوم بـ "هاشم" عدو الماضي اللدود الذي اختطف منه "مسك". رغم مرور سنوات، لكن لم ينسى ملامحه يومًا، ولم يتوقع أن يأتي يوم ويتقابل به في عقر بيت أخيه. لا ليس هذا فقط، بل ابنته التي رآها قبل أيام أصبحت الليلة زوجة لجاويد. مثلما حدث بالماضي واختطفت مسك من أمامه، عاود حدوث هذا مع ابنته، وابتعدت عن يديه مثلها. يتجرع كأس خلف آخر ويتراقص أمامه عينيه ضحكات هاشم وجاويد الشامتة والمتشفي به. ألقى الزجاجة الفارغة بعيدًا، وفتح زجاجة أخرى يحتسي من فوهتها مباشرةً. يتراقص أمامه عينيه شيطانه الذي يود الآن حرق الجميع، بسبب فتح أبواب الماضي التي لم ولن تغلق قبل أن يثأر لآنين قلبه.
رواية شد عصب الفصل العشرون 20 - بقلم سعاد محمد سلامة
منزل القدوسي
استيقظت صفيه تشعر ببعض الحرقان في إحدى ساقيها.
نهضت من فوق الفراش وتوجهت نحو الحمام.
كشفت ساقها وذهلت من تلك البقعة الملتهبة بساقها تشبه الحرق.
تحير عقلها متى أصابها هذا الحرق.
كما أن تلك البقعة صغيرة لتسبب ذلك الوجع القوي التي تشعر به، كأن جلد ساقها بالكامل مسلوخ.
فجأة تذكرت بالأمس حين وقع على ثوبها بعض قطرات محتوى الزجاجة.
تهكمت قائلة: هي غوايش حاطة في الخلطة مية نار ولا إيه؟ يا ريت تحرق في المخفية سلوان وتحرق جثتها كلها.
وجاويد يشوفها قرد مسلوخ.
أما أشوف أي مرطب أدهن بيه رجلي عشان النار دي تهدي.
وضعت إحدى المرطبات على مكان الحرق.
رغم ذلك ما زالت تشعر بألم، كأنه يسري في عظمة ساقها.
لكن تحملت الألم على أمل أن يبدأ مفعول المرطب بعد قليل ويزول.
خرجت من الحمام تفاجأت بمحمود استيقظ من النوم.
ينظر لها باستغراب قائلاً: مالك ماشية بتعرجي ليه؟ رجلك مالها؟
ارتبكت للحظة قبل أن تجاوب عليه: أبدًا مفيش، ده رجلي بتوجعني شوية.
تسأل محمود: وأيه السبب في وجع رجلك؟ إمبارح المسا كانت كويسة.
رد صفيه: مفيش وأنا راجعة من فرح الغبرة اتزحلقت ويظهر رجلي كانت انسلت.
بس لما دخلت عند مسك قلبي وجعني عليها ونسيت الوجع شوية، ودهنتها دلوقتي الوجع هيروح.
ما هو معرفش إيه اللي حصل من وقت وش الفقر ما دخلت دارنا، جابت لينا النحس في ديلها.
نهض محمود من فوق الفراش قائلاً: أهي مشيت وسابت لك الدار.
وبلاش تحطيها في راسك واهتمي ببنتك مسك وخرجي التخاريف اللي كنتِ بتحطيها في راسها.
خليها تنسى جاويد ده نهائي، بلاش تعيشيها في وهم صعب يتحقق.
خليها تنتبه لمستقبلها، هي لسه صبية ومرغوبة وربنا يرزقها باللي يقدرها.
مش جاويد اللي عمره ما شافها جدامه.
وأول واحدة ظهرت جدامه مفكرش واتجوزها.
ومهموش جرح قلب بنتك، اللي عيشة نفسها في أوهام.
أنا مش عاوز سيرة جاويد دي تيجي في الدار تاني.
وزين كمان إن حفصة فسخت خطوبتها من أمجد، بكده تبقى علاقتنا بيهم بقت رسمية.
زيهم زي صالح أخوكِ.
تنهدت صفيه قائلة: متنساش إن حقي في ورث أبويا لساه تحت يد صلاح.
ومتخافيش أنا يهمني مصلحة بنتِ، وقلبها اللي انكسر ربنا قادر يرد لها حقها.
وإن شاء الله بكرة تجول إني جولتلك، جواز جاويد من سلوان مش هيعمر كثير.
ووقتها هيرجع ندمان ويعرف قيمة بنتي اللي كسر قلبها.
زفر محمود نفسه بغضب قائلاً:
برضك لساكِ عاوزة تعيشي نفسك في أوهام إنتِ في نفسك.
لكن مسك بنتي ممنوع تملي راسها تاني الحديث الفارغ ده.
عشان حتى لو جواز جاويد وسلوان انتهى ورجع ندمان زي ما بتجولي.
أنا اللي وقتها مش هقبل بيه.
مستحيل بنتي تتجوز راجل كان متجوز قبلها.
وملهاش لازمة وقفتك دي.
أنا عندي شغل كتير النهارده.
ياريت تنزلي تشوفي نبيهة جهزت الفطور ولا لسه.
على ما أصلي ركعتين وأدعي لـ مسك ربنا ياخد بيدها وتشيل الوهم اللي اسمه جاويد من راسها.
وأشقر على أبوي.
سارت صفيه تعرج قائلة: حاضر هنزل أشوف نبيهة وكمان هشقر على مسك أشوفها صحيت.
الدكتور خلاص منع عنيها المخدر اللي كان بينيمها كيف ما طلبت منه.
مفكر إنها لما تفضل نايمة لحد جواز جاويد بعدها هتنسى وجع قلبها اللي اتسببت فيه بنت أختك اللئيمة.
تنهد محمود بسأم قائلاً: أنا عارف إن نومها مش هينسيها وجع قلبها.
بس على الأقل هيدي عقلها فرصة تستوعب وتصحى من الوهم اللي كانت عايشة فيه.
لما تفوق وتعرف إن خلاص جاويد بقى في واحدة تانية مراته.
وإن خلاص فرصتها اللي كانت موهومة بيها انتهت.
وقتها أكيد هتعرف إن خلاص ما قدامها غير إنها تنسى جاويد نهائيًا.
وكفاية حديث.
زفرت صفيه نفسها بحقد وهي تنظر إلى صفعة محمود باب الحمام بوجهها قائلة بتهكم ووعيد:
كأن النسيان بزرار.
إياك، لو كان بزرار كان زمانك إنت أول واحد نسي.
بس بنتي مش هتورث حظي.
بعد لحظات فتحت صفيه باب غرفة مسك ونظرت نحو الفراش.
رأت مسك مسطحة فوق الفراش تفتح عينيها تنظر لسقف الغرفة مثل التائهة.
غص قلبها ودخلت إلى الغرفة واقتربت من الفراش بخطوات متعثرة، كذلك ما زال الألم مستمر.
جلست على الفراش بجوار مسك ووضعت يدها فوق يدها تشعر ببؤس.
تركت مسك النظر إلى سقف الغرفة ونظرت إلى صفيه ودموع تفر من عينيها قائلة بخفوت:
جاويد.
شعرت صفيه بأسى قائلة: نزوة وهيفوق منها وبكرة تجولي أمي جالتلي.
بس لازم ترجعي مسك الجميلة اللي مش حتة بنت تنتصر عليها وتخليها ترقد في السرير.
يلا قومي اتحممي كده، ووحيات رقدتك دي قدامي.
لا بكرة جاويد هيرجعلك ندمان.
نظرت مسك لها تومئ رأسها، تسأل بعينيها: هل ما زال هناك أمل.
وثبت صفيه واقفة بجوار الفراش وسارت خطوتين تمد يدها لـ مسك قائلة:
يلا قومي هِمي معايا.
أنا لازم أحمِّمك بيدي كيف زمان، عاوزاكِ تظهري كده إنك مش فارق معاكِ.
بالصبر كل شيء هيتحقق.
***
منزل صلاح
استيقظ هاشم من النوم على صوت رنين هاتفه.
نحى الغطاء ومد يده آتى بالهاتف ونظر لشاشته.
وتنهد لائمًا نفسه: إزاي نسيت دولت؟
أمس ب طول اليوم مردتش على مكالماتها لا هي ولا شادية أختي.
أكيد زمانها مضايقة.
زفر نفسه وفتح الهاتف يرد على لهفة دولت المصطنعة:
هاشم إنت بخير؟ إمبارح طول اليوم مردتش على مكالماتي.
أنا كنت لسه هحجز تذكرة طيران وأجيلك الأقصر.
رد هاشم بهدوء:
لاء ملوش لازمة أنا بخير الحمد لله وكمان راجع القاهرة في طيارة المسا.
تسرعت دولت سائلة: وسلوان بخير؟ أكيد طبعًا هي السبب إنك مردتش على اتصالاتي عليك إمبارح.
طبعًا بتحايل فيها عشان ترضى توافق على خطوبتها هي وإيهاب أخويا.
بلاش تضغط عليها.
زفر هاشم نفسه وقاطع حديث دولت:
لاء مش بحايل سلوان، لأن سلوان خلاص اتجوزت.
ظنت أنها سمعت خطأ وعاودت الاستفسار: بتقول إيه؟
رد هاشم ببساطة: بقولك سلوان خلاص اتجوزت هنا في الأقصر.
يعني موضوع إيهاب ده خلاص اتقفل.
استغربت دولت بتساؤل: قصدك إيه بأن سلوان اتجوزت؟ يعني هي اتجوزت في الأقصر من وراك؟!
رد هاشم: طبعًا لاء سلوان برضاي.
استغربت دولت قائلة: أنا مش فاهمة حاجة.
وإزاي سلوان تتجوز من غير حضوري أنا وعمتها شادية؟
طب هقول أنا برضوا مرات باباها رغم إنك عارف إن كنت بتعامل معاها بطريقة كويسة.
بس شادية تبقى عمتها وعاشت معاها فترة وتعتبر في مكانة مامتها؟!
زفر هاشم نفسه قائلاً: أما أرجع المسا هبقى أوضح إيه اللي حصل بالضبط.
ودلوقتي لازم أقفل الموبايل في حد بيخبط على باب الأوضة.
بالسلامة أشوفك المسا.
أغلق هاشم الموبايل وتنهد قائلاً: دلوقتي دولت تقول لـ شادية وهتسمعني موشح إزاي أعمل كده وأجوز سلوان بدون حضورها.
أنا نفسي مش عارف إيه اللي حصل فجأة كده.
زي ما حصل معايا أنا ومسك زمان، حصل مع سلوان.
بس مسك اتجوزتني برضاها، سلوان هتحس إنها اتخدعت.
ومتاكد من رد فعلها مش هتتقبل اللي حصل بسهولة.
***
جناح جاويد
فتحت سلوان عينيها تتنهد تشعر براحة.
تمطت بيديها وهي تظن أن ما اكتشفته بالأمس من خداع جلال لم يكن سوى حلم.
لكن صدمت يدها بشيء جوارها.
أدارت وجهها ونظرت على ضوء ضعيف متسرب من خلف ستائر الغرفة.
وعادت للواقع أن ما اكتشفته لم يكن حلم بل كانت حقيقة ذلك المخادع النائم.
للحظة فكرت في صفعه وإيقاظه بزوبعة لكن تراجعت للحظة تنظر لملامحه وهو نائم.
تبسمت بتلقائية لا تعرف سبب لتلك البسمة ولا لذاك الهدوء الذي شعرت به.
لكن سرعان ما ذمت نفسها هامسة: هترقي يا سلوان وتنسي خداعه ليكِ.
حتى لما استنجدتي به خذلك ومقالش ليكِ إنه هو جاويد الأشرف.
يمكن وقتها كنت أقدر أتقبله ببساطة.
فوقي يا سلوان ده حتى قدر يخدع بابا ومعرفش إزاي قدر يقنعه ويوافق على جوازه مني.
بابا اللي عمره ما غصبني على حاجة.
وطول الوقت كان بيحذرني إني أفكر أسافر للأقصر.
إزاي قدر يخدعه بسهولة.
رغم إن بابا كان متعصب مني، بس فجأة كده وبسهولة يوافق.
وعلى واحد من عيلة الأشرف اللي بسبب شخص حقير منهم ماما عاشت تحس بوحدة بسبب غضب باباها عليها.
حاسة إن فيه سر، أو حاجة تانية إن جلال ده مخادع ماهر.
تنهدت سلوان هامسة: لو فضلت أفكر عقلي هيشيت مني أكتر ما هو.
نحت غطاء الفراش عنها ونهضت من فوق الفراش.
توجهت نحو تلك الستائر وقامت بفتحها، ليشع نور الشمس بالغرفة.
استدارت تنظر خلفها نحو الفراش النائم عليه جاويد.
كادت تتغاضى عن النظر إليه وهو نائم ببطنه على الفراش، الغطاء يستر فقط نصف جسده السفلي، وظهره بالكامل عاري.
لكن لفت نظرها ذلك الوشم المنقوش على أحد كتفيه.
اقتربت بفضول منها ونظرت لذلك الوشم.
رغم أنها رأت وشوم غريبة قبل ذلك ببعض صور المجلات كذلك مواقع النت.
لكن أثار هذا الوشم فضولها.
كان وشم لكوبرا برأسين يمتزج ببعض النقوش الفرعونية، أو ربما أحرف الكتابة الفرعونية.
لا تعلم لكن به تشابه كبير برموز فرعونية.
أثارها الفضول دون أن تدري مدت يدها وكادت تضعها فوق ذلك الوشم.
لكن شهقت بخضة قوية حين فوجئت بجاويد استدار وأمسك يدها.
ليس هذا فقط بل جذب جسدها فوق جسده مبتسمًا على احمرار وجهها الملحوظ.
كذلك شفاها التي ترتجف من الخضة أثارته.
وبدل وضعهم سريعًا على الفراش ليصبح يعتلي نصف جسدها العلوي.
وبلا انتظار انتهز غفوة عقل سلوان بسبب الخضة وأحنى رأسه واقترب بشفاه من شفاها.
يشعر بأنفاسها المتسارعة كذلك خفقات قلبها العالية وخفقاته ليست أقل تسارعاً منها.
وهو يقبلها باشتهاء للمزيد من القبلات مثل الظمأن الذي لا يشعر بارتواء.
بل يحتاج إلى المزيد ويزداد شوقًا.
صارع تلك الرغبة حتى شعر بتهدج نفسيهما الاثنين.
ترك شفاها ونظر لملامح وجهها الصبوح باسمًا لها وهي تغمض عينيها.
يود أن تفتحهما ويرى بريقها الذي سحره.
رغم أن شفاها كانت أول أمنية له حين رآها.
لكن لا ينكر بريق عينيها له رونق خاص أيضًا.
تنهد بعشق وهو يرى احمرار وجنتيها وشفاها بسبب قبلاته الظمأنة.
هي حقًا تستحق مدح الحج مؤنس وإطرائه بأنها "جد الجمال".
ذلك الوصف الذي وصفها به بعد أن رآها أول مرة.
حين سأل جاويد عن مكانها بعد أن غادرت من المقابر.
ما زالت سلوان تغمض عينيها تحت تأثير غفلة قبلات جاويد التي أربكت عقلها وجعلته يتنحى عن التفكير.
وتذكر حقيقة جاويد الخادعة.
لكن فتحت عينيها وهي تشعر بأنفاس جاويد على وجنتها كذلك همسة جوار أذنها:
صباح الخير يا "خد الجميل".
فتحت سلوان عينيها ونظرت إلى وجه جاويد الذي يبتسم.
مستمتع بسكونها لديه يقين أن هذا السكون يسبق العاصفة.
لكن لا مانع من الاستمتاع بذلك السكون حتى لو كان للحظات قبل أن تعود سلوان وتثور.
كان يضم شفاها بين شفاه بقبلات شغوفة.
لكن سلوان بدأت تذهب عنها الغفلة اللذيذة التي كانت بها وتتذكر فقط كيف أُرغمت على الزواج من مخادع.
بدأت تدفعه بيديها حتى ينهض عنها ويترك شفاها.
بالفعل ترك شفاها ونهض وابتعد عنها وألقى بجسده فوق الفراش للحظات.
مرغماً ليس بسبب دفعها له لكن بسبب ذلك الطرق المستمر على باب الغرفة.
نهض واقفاً يقول:
أنا هروح الحمام وإنتِ افتحي الباب للي بيخبط، بس متنسيش تقفلي زراير البيجامة وكمان تلبسي طرحة على راسك.
رغم أن سلوان ما زالت نائمة بظهرها على الفراش.
لكن أنفاسها العالية دليل على عصبيتها.
لكن نهضت تغلق أزرار منامتها توبخ نفسها واستسلامها المخزي لـ قبلات جاويد.
كذلك وضعت يدها على شفاها تشعر باشمئزاز من نفسها ومن ذلك الضعف الذي يسيطر عليها.
لكن طرق باب الغرفة جعلها تنفض عن رأسها متوعدة أن هذا لن يحدث مرة أخرى.
عدلت من منامتها كذلك وضعت وشاح فوق رأسها وتوجهت نحو باب الغرفة وفتحت الباب.
وانصرعت بسبب زغاريط تلك الخادمة التي تحمل صينية فوق رأسها قائلة:
صباحية مباركة يا عروسة الدار، ده الفطور الحجة يسرية جالتلي أجيبه لكم، وكمان آخد صنية العشا.
أومأت سلوان رأسها لها بخجل.
تبسمت عليها تلك الخادمة وهي تضع صينية الفطور وأخذت الصينية الأخرى ثم وقفت للحظات قائلة بمدح:
والله ذوق جاويد بيه زين جوي، عروسة ملكة جمال رباني، مش زي الآبلة "مسك" اللي مفكرة نفسها نفرتيتي، والذواق مبتنقلش من على وشها.
كادت سلوان أن تسأل الخادمة عن سر مسك مع جاويد.
لكن سمعت صوت فتح باب الحمام.
ابتسمت الخادمة قائلة: الحجة يسرية جالتلي بلاش أغيب عندكم أنتم عرسان جداد ولازم تتهنوا مع بعضيكم.
أنا اسمي "توحيدة" أي حاجة تعوزيها بس نادمي علي هكون جدامه في التو.
شعرت سلوان بالخجل وأومأت لها ببسمة، وهي تغادر من الغرفة وتغلق الباب خلفها.
بنفس لحظة خروج جاويد من باب الحمام يلف خصره بمنشفة قائلاً:
طلعي لي غيار من الدولاب.
نظرت سلوان حولها باستغراب.
بينما تبسم جاويد قائلاً: بتتلفتي حوالين نفسك كده ليه.
ردت سلوان بتلقائية: بشوفك بتكلم مين.
ضحك جاويد وهو يقترب من سلوان قائلاً: هو في حد دلوقتي في المَجعد غيري أنا وإنتِ.
استغربت سلوان من لهجة حديث جاويد الصعيدية، قائلة بتكرار: دلوك! مجعد! غريبة بتعرف حتى تخدع باللهجات.
قبل كده مفتكرش مرة سمعتك بتتكلم صعيدي، عالعموم، فعلاً مفيش في المَجعد غيري أنا وأنت.
ابتسم جاويد قائلاً: يبجي حديتي كان موجه ليكِ، يعني طلعي لي غيار من الدولاب عشان ألبسه، ولا عاجبك إني أفضل كده عريان بالفوطة قدامك.
شعرت سلوان بالخجل وأخفضت وجهها لكن قالت بتهكم وسخرية:
وإنت مطلعش لنفسك غيار ليه من الدولاب، ولا رجليك هتوجعك من خطوتين لحد الدولاب.
تنهد جاويد مبتسمًا وجذب يد سلوان وتوجه نحو الدولاب وهي خلفه قائلاً:
النهارده صباحيتنا وأنا حابب ألبس على ذوقك، غير كمان بعد كده إنتِ اللي هتبقي مسؤولة عن لبسي.
تهكمت سلوان وهي تنفض يدهِ عنها يدها التي تركها جاويد مبتسماً يقول:
إنتِ مراتي والمفروض راحتي عندكِ في المرتبة الأولى، عشان تكسبي رضاي.
تهكمت سلوان قائلة باستخفاف:
راحتك، ورضاك، دول آخر حاجة يهمني لإن الجوازة دي مستحيل تستمر.
والدولاب قدامك أهو طلع لنفسك غيار، أو نادي على أي خدامة تطلع لك غيار.
كادت سلوان أن تبتعد عن جاويد لكن جاويد جذبها من يدها بقوة وحاصر جسدها بين الدولاب خلفها وهو أمامها ويديه تحيطان جسدها.
انخضت سلوان من ذلك وارتبكت قائلة: ابعد عني يا جلال.
رد جاويد بغيظ: "جاويد" جولت اسمي جاويد، "جلال" ده انساه، ودلوقتي هتعملي كيف ما جولت لك، طلعي لي غيار، وإلا هيبقى ليا رد فعل تاني يا سلوان.
شعرت سلوان بهزة قوية في جسدها ليس فقط من محاصرة جاويد لها بين يديه، لكن أيضاً من نبرة صوته المتحدية.
لكن امتثلت بالقوة أمامه قائلة باستفسار: وأيه رد فعلك بقى، هتضربني مثلاً.
تهكم جاويد ضاحكاً يقول: أنا اتربيت إن الراجل اللي بجد ميمدش يده بالضرب على حرمة، لكن يعرف كيف يخليها تنفذ اللي يجول عليه برضاها، زي دلوقتي كده يا سلوان برضاكِ هتطلعي لي غيار.
كادت سلوان أن تعترض لكن جاويد وضع يده على جانب عنقها وبدأ يسير بأنامله برتابة عليه واقترب بوجهه أيضاً يلفح عنقها بأنفاسه.
ويده الأخرى وضعها حول خصرها وقربها منه ثم ترك خصرها وقام بنزع المنشفة من حول خصره ورفعها بوجه سلوان التي كادت تذوب بين لمسات يده وأنفاسه الحارة.
لكن نظرة الخباثة من جاويد بعد أن رأت المنشفة بيده أربكتها واستدارت سريعاً وفتحت باب الدولاب بتوتر جذبت بعض الثياب، بلا وعي منها ومدت يدها بها له.
ضحك جاويد قائلاً: الهدوم دي مش بتاعتي، دي مش ضلفة هدومي.
دفعت سلوان جاويد بيدها، وفكت من حصاره وسرعان ما ابتعدت عنه قائلة بارتباك:
عندك الدولاب كله شوف أي ضلفة تخصك وطلع لنفسك غيار.
فرت سلوان نحو الحمام تاركة جاويد يضحك على خجل سلوان وهروبها من أمامه.
ضحك أكثر وهو يتوجه نحو دولاب الملابس وأخرج لنفسه بعض الثياب.
بينما صفعت سلوان باب الحمام خلفها وقفت تتنفس بسرعة.
وقفت خلف الباب تحاول تهدئة أنفاسها السريعة قائلة: المخادع، يارب أنا مش عارفة هخرج من الورطة دي إزاي.
أثناء وقوف سلوان لاحظت ذيل ثوب زفافها التي تركته بالأمس في الحمام.
اقتربت منه باستغراب وأمسكته ونظرت إليه وتسأل ماذا حدث لذيل الفستان الذي شبه مهترئ من يراه يظن أن أطرافه احترقت.
كيف حدث هذا بالأمس حين ارتدته كان سليماً كذلك حين خلعته أيضاً.
تحير عقلها أيكون جاويد هو من فعل ذلك بأطراف الفستان، لكن لماذا يفعل ذلك ماذا سيكتسب.
لم تهتم كثيراً بالأمر وتركت الفستان مكانه ثم نظرت إلى المنامة التي ترتديها وأزرارها المفتوحة.
زفرت نفسها بغيظ قائلة: قال عاوزني أطلع له غيار، مش بعيد بعد شوية يقول لي اغسلي لي رجلي بميه سخنة، إن شاء الله لو قالها هغسلها له بمية نار أحرقها زي ديل الفستان كده.
***
البازار الخاص بـ زاهر
ألقى هاتفه بقوة على المكتب أمامه بعصبية قائلاً:
برضوا مش بترد على موبايلها حتى والدها هو كمان مش بيرد.
في أثناء عصبية زاهر سمع صوت رسالة آتيه لهاتفه.
جذب الهاتف وفتحه ونظر إلى مرسل الرسالة تنهد بغضب قائلاً:
كتر خيره أخيراً بعت رسالة، أما أشوف بيقول إيه.
قرأ زاهر الرسالة:
"معليش يا ابني بعتذر منك أنا وحسني طرق عليّ أمر هام اليومين اللي فاتوا، ولازم نسافر النهارده عند ناس قرايبنا، وحسني مشغولة في تجهيز مستلزمات الزيارة.
فوت عليا في البيت عشان تاخد مفتاح المخزن هو بقى شبه فاضي بقية المحتويات اللي فيه مش كتير وملهاش لازمة.
هبعتلك عنوان البيت في رسالة تانية."
بالفعل قبل أن ينتهي زاهر من قراءة الرسالة كان يسمع صوت رسالة أخرى.
فتحها وهو ينهض وغادر البازار متجه إلى ذلك العنوان الذي بالرسالة.
بعد قليل ترجل من السيارة وسأل أحد المارة على اسم والد حسني.
أشار له على مكان المنزل.
ذهب إليه ونظر على جانبي الباب حتى رأى مكان جرس الباب قام بقرع الجرس.
وانتظر لثواني ينتظر فتح الباب لكن لا أحد يفتح الباب.
عاود مراراً قرع على الجرس، وكاد يغادر بغضب.
لكن سمع صوت تلك الثرثارة التي كانت نائمة واستيقظت بهلع بعد تكرار قرع جرس الباب.
نحت عنها الدثار قائلة:
مين اللي حاطط يده على جرس الباب مش عاوز يشيلها دي، يارب هو أنا الراحة مش مكتوبة عليّ.
بجالي ليلتين مش بنام بسبب قعدتي في المستشفى مع أبوي حتى لما مرت أبوي جت الفجر وجالت هتفضل هي مع أبوي للمسا في المستشفى.
وأروح أنا أستريح، جيت يا دوب غيرت خلجاتي ما بعرف كيف سحبني النوم.
ودلوقتي يا دوب الساعة عشرة الصبح، أكيد دول العيال اللي بيلعبوا في الشارع.
مش بعيد تكون مرت أبوي هي اللي محرضاهم يقلقوا منامي.
أنا هروح أجيب ميه وأرشها عليهم يحرموا يحطوا إيدهم عالجرس.
أو أحسن حل أرش عليهم ميه وأفصل صوت جرس الباب نهائي، أو أكهربة عشان العيل اللي يتكهرب غيره يخاف يحط يده عالجرس.
قبل أن تفتح حسني باب المنزل ذهبت نحو الثلاجة واخذت زجاجة مياه.
ثم توجهت نحو الباب وفتحتة بعنف وقامت بإلقاء ليس فقط المياه الباردة بل بعض السباب اللاذع الذي نال من ملابس ومسمع زاهر الذي تعصب قائلاً:
يا غبية، أنا هشرب من دمك، إنت مش شايفة بترمي الميه وبتشتمي مين.
فتحت حسني عينيها باتساع وذهول قائلة بغباء:
مين اللي رمي الميه دي عليك، وأيه اللي جابك هنا أصلًا.
نظر لها بغضب ساحق يود أن يطبق بيديه حول عنقها قائلاً باستخفاف وتريقة:
أكيد مش جاي أشاهد في جمال سحنتك ولا شعرك المنكوش ده، وإنتِ معندكيش حيا، وطالعة تفتحي الباب ببيجامة النوم وكمان شعرك مكشوف.
وياريت كده بس لأ، كمان بتشتمني وبترمي عليا ميه متلجة.
نظرت حسني لزجاجة المياه قائلة:
الميه على فكرة نضيفة، أو معرفش بصراحة بجالي يومين مش في الدار.
مرت أبوي معندهاش ذمة.
لكن كيف بتجول معنديش حيا، أنا.
توقفت حسني عن الحديث وهي تنظر لثيابها فعلاً كما قال هي بمنامة منزلية بنصف كم وبنطال قصير يكشف جزء صغير من ساقيها.
رفعت يديها حول شعرها أيضاً كما قال منكوش.
كادت أن تفر من أمامه لولا أن أتت بنفس اللحظة زوجة أبيها ودفعت زاهر أمامها للدخول إلى داخل المنزل.
في لحظات كانت تصرخ بقوة حتى تجمع بعض الأهالي ومنهم من دخل إلى المنزل ظناً أن سوء حدث.
لكن تساءل أحد الأهالي: خير يا ست ثريا، الحج إبراهيم جراله حاجة.
ولولت ثريا بعويل وندب قائلة: دي هيجراله حاجة لو شاف اللي أنا شوفته، يا مصيبتاااي.
تساءل آخر: اهدي يا ست ثريا خير.
ندبت ثريا وهي تضرب ساقيها بعويل قائلة: مقصوفة الرقبة حسني بتستغل غيابي وانشغالي مع أبوي العيان اللي مرمي في المستشفى بجالي يومين قاعدة جارة، وسابها ليها الدار.
ويادوب الدكتور جالي حالة إبراهيم اتحسنت جولت أما أروح أغير هدومي وأرجع له، أجي أفتح باب الدار ألاقيها هي والشاب ده.
أستغفر الله، لساني مش قادر ينطقها.
نظر الأهالي لـ حسني بازدراء.
كذلك لـ زاهر الذي دافع عن نفسه قائلاً: الست دي كدابة وبالتأكيد ده ملعوب بينها وبين بنت جوزها.
بينما حسني شعرت للحظات أنها مثل التائهة من هول ما قالته زوجة أبيها بالكذب.
كذلك قالت بدفاع: ده كدب، أنا كنت سهرانة مع أبوي بجالي يومين وراجعة الفجر وكنت نايمة سمعت جرس الباب فكرت العيال اللي بيلعبوا في الشارع وكنت طالعة أهزأهم.
استجبرت ثريا بوقاحة وقامت بصفع حسني قائلة: مين اللي كدابة، دي آخرتها إني كنت هداري على الفضيحة اللي أنا شفتها بعيني، الحمد لله إن إبراهيم مشفهاش كان طب ساكت فيها.
تنرفز زاهر قائلاً: الكدبة دي أنتم الاتنين مشتركين فيها ومدخلتش عليا، أنا بيني وبين البت دي عقد إيجار ولازم يتنفذ ومن بكرة، لأه من دلوقتي هروح أكسر باب المخزن وأرمي كل المحتويات اللي فيه في الشارع وماليش صالح بالتمثيلية الماسخة دي.
قال زاهر هذا ومر من بين الأهالي اللذين منهم من كاد يتهجم عليه بالضرب لكن هو تصدى لهم وغلبهم بقوته وتركهم بلا اهتمام.
لكن بداخله يشتعل غضب.
بينما ثريا كادت تتهجم على حسني تكمل سبك مخططها الدنيء.
الذي رغم مغادرة زاهر لكن بداخلها نشوة ظفر، فهذا كان الجزء الأول من المخطط والأهم.
وتبقى الجزء الثاني التي لن تنتظر عليه طويلاً.
***
مساءً
منزل صلاح
بغرفة الصالون المرفقة بجناح جاويد.
استقبل جاويد هاشم وصلاح ببسمة وجلس معهم قليلاً.
كانت عين هاشم تنظر نحو الباب المغلق الفاصل بين الصالون وغرفة النوم ينتظر بلهفة أن تفتحه سلوان وتدخل حتى لو غاضبة.
لكن سلوان لم تأت.
لاحظ صلاح نظرات هاشم فقال: أمال فين العروسة؟ لا تكون مكسوفة ولا تكون مانعها تجابل أي حد.
نهض جاويد ضاحكاً يقول: لاء طبعًا، بس يمكن متعرفش إن عمي هاشم هنا.
هروح أنادي ليها ثواني وراجع.
فتح جاويد الباب الفاصل ودخل إلى غرفة النوم وجد سلوان تجلس على أحد المقاعد وبيدها جهاز تحكم عن بعد وتشاهد أحد القنوات.
اقترب منها قائلاً: إنتِ مش عارفة إن في ضيوف في الصالون جايين يهنونا بالجواز، والمفروض تستقبليهم معايا.
تهكمت سلوان قائلة: دول ضيوفك، وجايين يهنواك إنت، أنا مالي بيهم.
زفر جاويد نفسه بغضب قائلاً: سلوان، بلاش طريقتك دي وقومي تعالي معايا باباكِ قاعد مستنيكِ في الصالون.
زفرت سلوان نفسها بسخرية وألقت جهاز التحكم ونهضت قائلة:
وماله، خليني ألحق أقوله بلاش يستعجل ويسافر لوحده يمكن ياخدني معاه بعد ما نطلق.
تنهد جاويد ومسك إحدى يدي سلوان وضغط عليها بقوة قائلاً:
جولتلك، مفيش طلاق بينا، ويا ريت تفردي وشك شوية بدل ما يفكر إني معذبك معايا.
سارت سلوان خلف جاويد إلى أن دخلا إلى الصالون.
ابتسم جاويد قائلاً: سلوان أهي يا عمي، بس كانت مكسوفة شوية.
نهض هاشم واقفاً يبتسم يعلم أن جاويد يكذب.
كيف يتوه عن حقيقة ملامح سلوان التي ما زالت غاضبة بوضوح.
رغم ذلك ادعى تصديق جاويد مازحاً: فعلًا سلوان وشها أحمر يبقى مكسوفة.
ضحك صلاح قائلاً: وهتنكسف من مين مني؟ لاء خلاص دي بقت عندي زي حفصة بتي، يعني إنت خلاص تنساها سلوان بقت بتي.
رسمت سلوان بسمة على شفاها وحاولت ألا تنظر لوجه هاشم.
الذي اقترب منها ووضع يده فوق كتفها.
شعر بغصة من تجاهلها له، لكن شعر به صلاح الذي نهض واقفاً ينظر لـ جاويد قائلاً بمغزى فهمه جاويد:
جاويد كنت محتاجك في أمر هام خاص بالشغل، تعالى معايا خمس دقايق بس.
تفهم جاويد مغزى حديث والده الذي يود ترك سلوان مع هاشم وحدهما، حتى يتحدثا ويطمئن على ابنته.
غادر جاويد مع صلاح، بينما جذب هاشم يد سلوان وجلس لجوارها متسائلاً:
إزيك يا سلوان.
ردت سلوان باقتضاب: كويسة بخير زي ما إنت شايف.
ابتلع هاشم طريقة رد سلوان الجافة قائلاً: جاويد عامل معاكِ إيه.
ردت سلوان بنبرة: وهيعمل معايا إيه، عادي يعني.
تسأل هاشم قائلاً: يعني إيه عادي، اللي عرفته عن جاويد أنه شخص متحضر وكمان ثقة.
تهكمت سلوان قائلة: ثقة، وعرفتها منين دي بقى عنه.
تعرف إني أنا بستغرب إزاي هو أقنعك توافق على جوازي منه.
بس بعد ما فكرت في قد إيه قبل كده كنت بتحذرني إني آجي هنا للأقصر.
دلوقتي وصلت لجواب مقنع، طبعًا، حضرتك قبل كده مكنتش متجوز ووجودي معاك مكنش منه ضرر.
دلوقتي حضرتك اتجوزت ووجودي بقى مضر عليك طبعًا دولت هانم مش عارفة تاخد راحتها بوجود عازول في الشقة معاها.
فـ في البداية فكرت تجوزني إيهاب أخوها عشان أخلي لكم الجو وتتهنوا مع بعض.
بس ظهر جاويد الأشرف الثقة أكتر بالنسبة لك وفيه ميزة كمان، إنه هيبقى هنا في الأقصر بعيدة عن القاهرة، فمش هسبب لحضرتك إزعاج.
غص قلب هاشم ونظر لـ سلوان قائلاً: غلطانة في تخميناتك يا سلوان وافتكري كويس من البداية مش أنا اللي بعتك هنا إنتِ اللي جيتي برجليكِ.
عالعموم، أنا اطمنت عليكِ لآني راجع القاهرة الليلة.
بس قبل ما أمشي خدي الفلوس دي خليها معاكِ.
نظرت سلوان لذلك المبلغ الكبير الذي أخرجه هاشم من جيبه وتهكمت قائلة:
مبقيتش خلاص محتاجة لفلوس من حضرتك، كنت قبل كده محتاجاها عشان أقدر أدفع فلوس الأوتيل وأبقى فترة أتفسح هنا.
دلوقتي خلاص بقيت مقيمة ولقيت بيت أعيش فيه.
وضع هاشم المبلغ بيد سلوان قائلاً: بسيطة اعتبريه نقوط مني ليكِ.
قال هاشم هذا وقبل أن تعترض سلوان ضمها قائلاً بعاطفة:
سلوان متتردديش للحظة تتصلي عليا لو احتجتيني هتلاقيني عندك لو وصل الأمر إني آجي بطيارة خاصة زي ما جيت قبل كده.
رق قلب سلوان وكبتت تلك الدمعة وضمتة هي الأخرى لكن لم ترد عليه.
لكن قبل أن يغادر من باب الصالون قالت له بتهكم:
ابقى سلملي على مدام دولت، أكيد يا حرام زمانك وحشتها زي ما هي وحشتك ومستعجل على رجوعك للقاهرة.
رسم هاشم بسمة وهو يشعر بنبرة سلوان المتهكمة والمتألمة.
تألم قلبه هو الآخر قائلاً: خلي بالك من نفسك يا سلوان متفكريش إنك هنا في الأقصر بعيدة عني.