مكنتش مشغولة ولا حاجة، سرحت مع الكتاب اللي انت اشتريته وماخدتش بالي غير دلوقتي. شعرت بسعادة تغمرني، كون الكتاب أعجب زوجتي سماح ده يعد نجاح منقطع النظير. "تصوري يا سماح الابتسامة على وش والدك تجنن." "ابتسامة إيه يا أحمد؟ " وصل صوت سماح من المطبخ. "صباح الابتسامة الغريبة دي يا سماح، تعرفي بيضحك ولا زعلان؟ تركت سماح الفطار على الترابيزة، "تصدقي أول مرة آخد في بالي يا أحمد؟ بعدها سماح تسمرت قدام اللوحة وعنيها طرفت،
وأنا ببلع لقمة قلت لها: "فيه إيه؟ بصدمة ونوع من التشتت همست سماح: "الابن." "ابن مين؟ " قلت بلا مبالاة. "الابن يا أحمد في لوحة رمبرانت كان راكع، رأسه في صدر الأب، مغمض العينين. لكن دلوقتي؟ كأن إحدى عينيه مفتوحة شوية. مجرد فتحة رفيعة، كأنه بيراقب، مش بيبكي." رفعت وشي مش فاهم حاجة. "بينما أردفت سماح: "اليد اليمنى للأب. في الأصل، رامبرانت رسمها أكبر من المعتاد، قوية، ذكورية، على كتف الابن. لكن دلوقتي؟
الإيد كانت أنحف… شديدة الأناقة، طويلة الأصابع، شبه يد امرأة." "الرجل الجالس على اليمين. الأخ الأكبر. كان بملامح متحجرة، جالس بصمت. لكن وجهه اتغير. الزاوية نفسها، العينين نفسهم، لكن فيهم سخرية. مش ألم. مش صدمة. ضحكة مكتومة، مش ظاهرة في الفم… ظاهرة في التوتر بين عظام الخد والعين." "وأسفل قدم الابن، قرب الحذاء الممزق… هناك ظل. لم يكن موجودًا من قبل.
ظل شخص رابع، يقف خارج إطار الضوء، قريب جدًا من العتبة، وكأن هناك من ينتظر دوره في الدخول." اللقمة وقفت في بوقي، "ده اللي بيضايقني في سماح، عندها ثقافة مزعجة وأنا مش بعرف أجاريها." قلت: "سماح أنا مش فاهم حاجة، لـ رامبرانت مين وابن مين؟ وكأن سماح ما كانتش سامعاني، استندت بين الصورة وبيني. وتبعت عين الابن في اللوحة اللي كانت بتبص على الغرفة المغلقة، قبل ما ترجع لصورة والديها وترجع تبص على الغرفة.
كان فيه سكون وحذر وصمت غريب، ما قطعوش غير صوت الكتاب اللي وقع على الأرض وخلاني أرتعش. "أنا شفت اللوحة دي كتير، مستحيل أكون بتخيل يا أحمد، فيه تغيرات طفيفة جوه تفاصيل اللوحة، لكن مش قادرة أمسكها. تحس إنها بتهرب مني." مبهور قلت: "تصوري يا سماح، والله المفروض أعملك معرض فني. أنا كنت قربت أقتنع إن اللوحة اتغيرت بجد." "طيب أنا لازم أروح الشغل، يا سماح، هتأخر. وسيبك من موضوع اللوحات دي، فيه متخصصين بيفهموا في الحاجات دي.
وبعدين دي مجرد لوحة مش أكتر، مفيش لوحة هنقعد نتغير من نفسها كل يوم والتاني، إلا لو كان بقى السيد رامبرانت رجع من تربته وحمل فرشاته وأضاف بعض الرتوش الثانوية." غير مقتنعة، تخلت سماح عن فكرتها وودعتني بقبلة طويلة على الباب. "صباح الخير يا عم علي السعدي!؟ "صباح الخيرات يا أستاذ أحمد." "أنا بلغت سلامك للبخاري ذي ما طلبت مني." "هو أنت قابلته تاني يا أستاذ أحمد؟ "قولت له آه، امبارح في سور الأزبكية."
"طيب والله أنت إنسان محظوظ، ده أنا نفسي أقابله من زمان. قم تيجي أنت تقابله مرتين في بحر أسبوع؟ "قولت له طيب ما أنت عارف عنوانه، تروح تسلم عليه بدل ما تتعب نفسك كده." بص لي علي السعدي بصة غريبة كأني غبي أو مش فاهم حاجة. واداني ضهره، "البخاري ملوش عنوان محدد يا أستاذ ومش بيظهر غير لما يحب يظهر." وكنت لسه هـ هبد وأقول له: "انت شفت ابنه وكده" لقيتني خدت بعضي ومشيت على الشغل.
وأنا بهمس في سري: "واحد عايز يقابل واحد ما يروح يقابله ويخلص نفسه، إيه الهبل ده." وأنا في المواصلات افتكرت كلام سماح عن اللوحة، وكنت لسه منبهر لحد اللحظة بحدة تركيزها مع التفاصيل وذكائها. وزعلان إني مش مثقف زيها ولا حاجة، فطلعت الفون وبحثت عن صورة رامبرانت ده وقعدت أقرأ عنها وأطالع التفاصيل بدقة زي سماح. مكنتش فاهم حاجة أوي، لكن حفظت الحركات اللي في اللوحة عشان لو سماح اتكلمت عنها أعرف أرد.
وصلت الشغل الممل واتخانقت مع مديري اللي رفض يديني إجازة وسبت الشغل قبل ميعادي، ومكنش عندي رغبة أرجع البيت. فمرت على القهوة أشرب حاجة قبل ما أرجع الشقة. وسبحان الله فجأة كده افتكرت نظرات العيون في اللوحة وأقارن بينها وبين نظرات العيون في اللوحة اللي عندنا. وكيف كانت بتبص بانحراف طفيف ناحية الغرفة المغلقة ذي ما مراتي بتقول.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!