تحميل رواية «شظايا قلوب محترقة» PDF
بقلم سيلا وليد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
روايةإلياس مصطفى السيوفي :يبلغ من العمر اثنين وثلاثين عامًا.. أرسلان فاروق الجارحي :يبلغ من العمر ثلاثين عامًايزن إبراهيم السوهاجي :يبلغ من العمر ثلاثين عامًاآدم زين الرفاعي :يبلغ من العمر ثلاثين عامًاميرال راجح الشافعي :تبلغ من العمر خمسة وعشرين عامًاإيلين محمود الجندي :تبلغ من العمر اثنين وعشرين عامًاغرام محمود الزهيري :تبلغ من العمر اثنين وعشرين عامًارحيل مالك العمري :تبلغ من العمر خمسة وعشرين عامًابأحد أحياء القاهرة الراقية، وخاصة بتلك الفيلا التي يدون على خارجهافيلا اللواء مصطفى السيوفي ..ب...
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سيلا وليد
دلفَ لداخلِ الغرفةِ يبحثُ عنها، وقعت عينيهِ على تلكَ الورقة، أمسكها وبدأ يقرأُ ماتحتويه:
سلامُ اللهِ على من لايزالُ ينبضُ لهُ القلبُ رغمَ جروحِه..
سلامُ اللهِ على من غزا القلبَ وسكنه..
سلامُ اللهِ على من حطَّمَ قلبي وأذاقهُ من آلامهِ ما كفى ..أمَّا بعد:
وعدتَ بكلِّ برودٍ ووفيِّت، فسابقًا كانَ قلبي خاليًا من الآلامِ والآنَ يشقُّهُ كلَّ الآلام..عشقتُكَ بكلِّ اللغاتِ لتقدِّمهُ كلَّ معاجمَ العشقِ لمعاني الهوى ويتهادى بها العاشقينَ ويترنَّمُ بها العازفين، ولكن ماذا قدَّمت، قدَّمتَ لي قلبًا محفورًا بالثُقوب، اللعنةُ عليك َوعلى عشقكَ الذي شقَّ الصدر، وملأَ العيونَ بالدموع.،
اللعنةُ على عشقٍ أسودٍ تنفجرُ منهُ براكينُ الأسى والندم ويقتلهُ الشوقُ ويمزِّقهُ البعدَ حتى جعلني أحنُّ لماضي كان قلبي خالٍ من نبضٍ يحملُ اسمك..
“إلياس أنا مبقتشِ عايزاك، إنساني وعيش حياتَك زي ماقرَّرت، لا عمري هسامحَك، ولا عمرَك هتغفرلي، نعم عشت معاك أجمل أيام حياتي، ولكنَّك مسحت أجملها وتركت أسوأها في قلبي، أنا خرجت وللأبد..كان لازم أعرف من الأوِّل مش إنتَ الشخص اللي أقدر أقدِّم لهُ قلبي، كنت بسامحَك علشان بحبِّك، بس خلاص قلبي مات ومبقاش فيه اللي يغفرلَك، متحاولشِ تدوَّر عليَّا، أصلًا هريَّحك، ماما مالهاش دعوة ياريت تبعدها عن خلافنا
“ميرال”.
كوَّرَ الورقةَ بكفِّه، حتى كادت أن تتمزَّقَ بيدِه، لحظات يشعر وكأن الغرفة تطبق على صدره حتى انقطع تنفسه، اغمض عيناه محاولًا سحب نفسًا عميقًا، ثمَّ وضعها بجيبهِ وتحرَّكَ للخارج، رفعَ هاتفِه:
-إزاي مدام ميرال خرجت من المستشفى..أجابهُ الرجل:
-مفيش حد خرج يافندم..
-سلِّم سلاحَك لرئيسَك، مش عايز أشوف وشَّك..قالها ودلفَ إلى أمنِ المشفى:
-فين الكاميرات بتاعة الدُّخول والخروج يابني..قالها وهو يشيرُ ببطاقةِ عملِه..فُتحت جميعَ الكاميراتِ ينظرُ إليها بوجهٍ متجهِّم وعيونًا تُطلقُ نيرانًا،
لحظاتٍ وكأنَّهُ فوقَ صفيحٍ ساخنٍ حتى ظهرت أمامهِ وهي تخرجُ من بابِ المشفى تضعُ فوقَ أكتافِها وشاحًا أبيضًا وبيدِها حقيبةٌ صغيرة، قرَّبَ الحقيبةَ إليهِ وظلَّ ينظرُ إليها ..طرقَ على سطحِ المكتبِ بقوَّةٍ ثمَّ دفعهُ ليتساقطَ مافوقهِ من أجهزة، وتحرَّكُ للخارجِ سريعًا كالذي يطاردُ عدوَّه، وصلَ بعدَ قليلٍ إلى مكتبهِ وجمعَ من هم تحتَ إشرافِه:
-عايز العربية دي من تحتِ الأرض، قالها وأشارَ لهم بالخروج..
استمعَ إلى رنينِ هاتفِه:
-أيوة ..إلياس ميرال معاك، مش موجودة في أوضتها؟!..
-ارجعي على البيت وإن شاءَالله بالليل هترجَع..قالها وأغلقَ الهاتف..
احتضنَ رأسهِ يتذكَّرُ كلماتَها التي صفعتهُ دونَ رحمة، مرَّ أكثرُ من ساعتينِ والوضعُ كما هو ..إلى أن فقدَ أعصابهِ فتوقَّفَ يجمعُ أشيائهِ وتحرَّكَ للخارج ..وصلَ بعدَ قليلٍ إلى المنزل، قابلتهُ فريدة:
-فين ميرال ياإلياس..قالتها بوصولِ مصطفى يوزِّعُ نظراتهِ بينهما:
-مالكُم واقفين كدا ليه؟!..
-المدام مشيِت، مراتي سابتني ومشيت، إيه رأيكوا..
شهقةٌ خرجت من فمِ فريدة تهزُّ رأسها رافضةً حديثِه:
-يعني إيه مشيِت، لا، مستحيل بنتي متعملشِ كدا..
-وأهي عملِت، كنتي زعلانة، كأنَّها بتعيد الماضي ايه مش دي أفعال أمَّها..
إلياس اتجنِّنت..قالها مصطفى بغضب، ولكنهُ لم يهتمّ لوالدِه:
-إيه يامدام فريدة مش دي بنتِك، زمان حضرتِك عملتيها ودلوقتي بنتِك بتكرَّر فعلتِك، بس أنا مش هرحمها..
دفعهُ والدهِ بعيدًا عن فريدة التي ظلَّت تردِّدُ بهذيانٍ ولسانٍ ثقيل:
-إنتَ متعرفشِ حاجة، أنا غير ميرال، كان لازم أهرب منُّه..قالتها ببكاءٍ حتى شعرت بضعفِ جسدِها، فتراجعت للخلفِ بساقينِ هُلاميتينِ تُطالعهُ بألمٍ انبثقَ من عينيها..اتَّجهَ مصطفى إليها يضمُّها وهتفَ غاضبًا:
-كفاية بقى ياحضرةِ الظابطِ الذَّكي، لحدِّ إمتى هتفضَل أعمى البصر والبصيرة، حاولت أفهِّمَك مليون مرَّة ولكن الباشا أصدر الحُكم حتى مرجعشِ للقاضي، اسمعني بقى ياإلياس باشا علشان من حُكمك الغلط، الستِّ دي اتظلمِت كتير، وأنا مش هسكُت على إهانتَك ليها تاني، هربت آه هربت، هربت من ظالم وجبروت، اقتربَ مصطفى منهُ وغرزَ عينيهِ بمقلتيه:
-أظُن أبوك مش غبي علشان يعرَف يحكُم على الناس، كنت مُنتظِر منها إيه بعدِ ماخطفوا ولادها، كنت مستنِّي إيه منها إيه لمَّا واحد واطي يتجوِّزها بالتهديد و..
-مصطفى خلاص اسكت..قالتها فريدة بعدما هوت على الأرضيةٍ تبكي بنحيب:
-أنا مظلومة يابني، وميرال عملِت كدا من وجعَك فيها، رفعت عينيها إليه..
ولو مش مصدَّق يبقى نصيبَك أمَّك ومراتَك كدا ولازم تتحمِّلُهم..
رمشَ بعينيهِ قليلًا محاولًا استيعابَ ماألقتْه، استدارَ بأنفاسٍ مُتسارعةٍ بعدما حاوطها مصطفى وأوقفها متَّجهًا بها إلى غُرفتها..
ساعدها في النومِ ثمَّ دثَّرها بالغطاءِ جيدًا..ظلَّت تُهمهم:
-ميرال ..رجَّعلي ميرال يامصطفى، شوفوا قالَّها إيه خلَّاها تمشي.
-اهدي علشان ضغطِك، فريدة مش عايزِك تتعبي حبيبتي، هتكلِّم معاه، بس إنتِ اهدي..
بغرفتهِ جلسَ على مقعدهِ الهزَّاز كحالِ قلبِه، ينظرُ بشرودٍ بأرجاءِ الغرفةِ كالذي يبحثُ عن شيئٍ مفقود، أطبقَ على جفنيهِ مكوِّرًا قبضتهِ حتى نفرت عروقهِ بشكلٍ مخيف، يهمسُ لنفسِه:
-مش هرحمِك صدَّقيني، أنا مراتي تهرَب منِّي، ظلَّ لدقائق، دلفَ مصطفى إليهِ وجدهُ شاردًا حتى لم يشعر بدخولِه..جذبَ المقعدَ وجلسَ بمقابلتِه:
-عجبَك حالَك كدا؟..
-مالُه حالي، صعبان عليك ولَّا مضَّايق منِّي..جذبَ المقعدَ واقتربَ منه:
-فاكر قولتلَك إيه من عشرين سنة، نهضَ من مكانهِ مبتعدًا بنظراته؛
-مُش فاكر ومش عايز افتكِر، توقَّفَ مصطفى يُطبقُ على ذراعِه:
-يابني حرام عليك هنرجع نكرَّر الكلام ونزعل من بعض..
التفتَ لوالدِه:
-مدام فريدة إزاي ولادها اتخطَفوا؟..
صدَّقتها يابابا، أنا زمان أثبتِّلَك إدانِتها ومضطَّر برضو تحاول تطلَّعني غلط..
-علشان إنتَ غلط ياإلياس، فريدة فعلًا مظلومة، ولادْها اتخطفوا يابني مش بعتْهُم..
– بابا أنا رُحت هناك غير الراجل اللي بعتُّه، مش معقول البلد كلَّها ظلماها..
-طيِّب ياإلياس ..تفتكِر ليه فريدة هتكذب عليَّا وكدا كدا أنا اتجوِّزتها، يعني مش فارق معاها أصدَّق ولَّا لأ؟..
-بابا أنا دلوقتي بدوَّر على مراتي اللي خرجت من المستشفى تعبانة ومعرفشِ عنها حاجة، مدام فريدة متهمِّنيش..
انكمشت ملامحهِ وأردفَ بامتعاض:
-فريدة تعبانة ياإلياس، وممكن في أيِّ وقت أخسرها، بلاش تقسى عليها يابني علشان متجيش في وقت تندم..
-تعبانة!..إزاي تعبانة مالها يعني؟..
-يهمَّك؟..نظرَ إليهِ بنظراتٍ حزينة:
-أكيد يابابا يهمِّني، متنساش إنَّها كانت درع حماية لأخواتي في وقتِ من الأوقات، ومهما ..رفعَ كفَّيهِ ليوقَّفه عن الحديث:
-مش عايزَك تكمِّل الأسطوانة الِّلي حفِظها، المهمّ خلِّي بالَك من كلامَك معاها، كفاية خسرِت غادة مش عايز أخسر فريدة ..قالها وتحرَّكَ للخارج..
ظلَّ متوقَِفًا لدقائقَ ينظرُ إلى سرابِ والدِه، دقائقَ ولم يشعر كم مرَّ عليهِ من الوقتِ لتسوقهُ قدماهُ إليها ولا يعلم لماذا هذا الشعور، يريدُ أن يطمئنَّ عليها، طرقَ البابَ عدَّةَ مرَّاتٍ مع خروجِ غادة من غُرفتها، وصلت إليهِ متسائلة:
-فيه أخبار عن ميرال، ماما فريدة تعبانة أوي، ومش على لسانها غير ميرال ..
-هيَّ صاحية ولَّا نايمة؟..
تحرَّكت قائلة: هشوفها كدا، لحظات وأشارت إليهِ بالدُّخول:
-تعالَ أُدخل صحيِت على صوت تخبيطَك، خطا للداخل، وجدها تعتدلُ على فراشها تنظرُ إليهِ باستغراب، اقتربَ منها وعينيهِ تحاورُها بالأسفِ والنَّدم ..
توقَّفَ عاجزًا عن الحديثِ وكأنَّهُ لايعلمُ كيف يبدأ، استمعت غادة إلى رنينِ هاتفها فتحرَكت للخارج، أمَّا هو فظلَّ واقفًا إلى أن تساءلت:
-محتاج حاجة، ولَّا عرفت حاجة وجاي تقولِّي..جلسَ على المقعدِ ينظرُ لمقلتيها:
-أنا آسف إنِّي اتعصَّبت عليكي، عارف مالكيش ذنب، لكن من خوفي وغضبي عليها قولت كلام جارح ..قالها وهو يطأطئُ رأسهِ أسفًا..
ابتسمت وهي تطالعهُ بعيونٍ حائرة:
-خايف عليها ولَّا على مكانتَك قدَّام الناس.رفعَ عينيهِ إليها متلهِّفًا
-كنتي تعرفي إنَّها هتمشي ..
هزَّت رأسها بالنفي:
-تفتكِر لو كنت أعرف كنت هسبها تمشي، زفرَ باختناقٍ وتوقَّفَ على رنينِ هاتفِه:
-إلياس أنا جاي لعندَك على المكتب، فيه موضوع مهمّ لازم نتكلِّم فيه..
أجابه:
-أنا في البيت، لو فاضي عدِّي عليَّا..
-تمام ..قالها أرسلان مع إغلاقهِ للهاتفِ ليستديرَ إلى فريدة:
-أتمنَّى متزعليش منِّي، ومتخافيش ميرال هرجَّعها خلال ساعات بس ماوعدْكيش هعاملها إزاي..
-بلاش تقسى يابني، خلِّي الحُبّ ينوَّر قلبَك بلاش القسوة اللي هتنهي حياتَك، ميرال معذورة، مابقولشِ كدا علشان هيَّ بنتي، بس صعب على أيِّ واحدة تشوف حبيبها مِلك لحدِّ تاني.
ظلَّ واقفًا متجمِّدًا يستمعُ إليها ثمَّ تحرَّكَ للخارجِ دونَ حديثٍ آخر .
بعدَ قليلٍ بالأسفلِ وصلَ أرسلان..
دلفَ للداخلِ وحيَّاه..
-عامل إيه..
-الحمدُ لله، جلسَ وأخرجَ مظروفًا:
-ظابط التحريات وصل للحاجات دي، فحبيتَك تعرف قبلِ أي حاجة، يمكن تعرَف مين الشخصِ دا وليه عايز يئذيك؛ أنا كنت ممكن أدوَّر وراه بس محبتشِ غير لمَّا أرجعلَك..
أمسكَ إلياس الملفَّ وبعضَ الأوراق، ثمَّ رفعَ رأسِه:
-معرفوش، الواد دا مهندس صح؟
-أيوة وشغَّال مع شريك العُمري
-اسمه إيه شريك العُمري دا
-هشوف وأقولَّك، بس دلوقتي مصطفى باشا وصل للمعلومات دي، وطبعًا عارف هيعمِل إيه..
أومأَ له بتفهم:
-تمام أنا هتصرَّف..دلفت الخادمة بالقهوةِ مع رنينِ هاتفِ إلياس، فتوقَّفَ معتذرًا:
-آسف مكالمة مُهمَّة..أومأَ متفهِّمًا ثمَّ بدأ يرتشفُ قهوتهِ بدخولِ غادة..
-إلياسو عايزة أقولَّك خبر مهمّ من أخبارِ الجمهورية، عايزة جائزة وانا اقولك فين مكان مراتَك الحلوةو طفشِت ليه ..توقَّفت عن الحديثِ بعدما وجدت أرسلان بمكتبِه، وشعرت بتوترها وارادت أن تبتلعها الأرض، -كملي ولا كأني موجود..تورًَدت وجنتيها متراجعةً للخلفِ ثمَّ تحدثَّت معتذرة:
-آسفة هوَّ إلياس فين، أشارَ للشرفة:
-معاه تليفون..حمحمت تفركُ كفيَّها وابتلعت ريقها قائلة:
-طيِّب، قالتها وتحرَّكت سريعًا إليه تسبُّ نفسها على ماتفوَّهت بهِ أمامه..
-فين العربية، دقايق والراجل دا يكون عندي ..قالها وأغلقَ الهاتفَ وهو يتنهدُ بألمٍ كاد أن يخنقُه..التفتَ خلفهِ وجدها تقفُ ساكنة، ضيَّقَ عينيهِ متسائلًا:
-فيه إيه واقفة كدا ليه؟!..
هوَّ بس مش ..دنا وعينيهِ تتفحَّصُها ثمَّ تساءل:
-مالِك عاملة زي التلميذ المتعاقِب..
-بصراحة لبَّخت برَّة، مكُنتش أعرف فيه حدِّ معاك..
-امشي يابت من قدَّامي بدل ماأرميكي تحت، امشي ..هرولت للخارج، إلى أن وصلت لجلوسِ أرسلان فتحرَّكت بهدوءٍ للخارج، كان يراقبُها بابتسامةٍ وهو يهزُّ رأسِه؛
-طفلة أوي أختك..جلسَ يمسحُ على وجههِ بغضب، ثمَّ توقَّفَ على كلماتِه؛
-وإنتَ عرفت منين إنَّها أُختي؟!.
رفعَ فنجانهِ يطالعهُ برفعةِ حاجب:
-هوَّ أنا شغَّال على عربية فول ولَّا إيه..
تراجعَ للخلفِ يستندُ على مقعد، يحدجهُ بنظراتٍ ناريةٍ قائلًا:
-وحياة أبوك الحكاية مش ناقصة عنتظة سيادتَك..
-المدام مش موجودة وحضرتَك بدوَّر عليها..امتلأت عيناهُ بنيرانِ الغضبِ فطالعهُ بذهولٍ حتى هربت الحروفُ من مخارجِها، وشعرَ بالعجزِ عن الرَّد، ولكن هيأتهِ تجزمُ أنَّهُ سيرتكبُ أبشعَ الجرائم ..
شعرَ بهِ أرسلان، سحبَ نفسًا وزفرهُ بهدوءٍ قائلًا:
-لو سمحتلي أشوفلَك هيَّ فين، طافت عينيهِ بالمكانِ يهربُ من نظراته، فلقد وضعتهُ بموضعِ الخزي، سحبَ سيجارتهِ وأشعلها يهزُّ رأسِه:
-مين قالَّك كدا ..معلوماتَك غلط، مراتي خطِّ أحمر ومبحبِّش أتكلِّم في حياتي الخاصَّة، فياريت يبقى في حدود في التعامُل..
-آسف مقصُدش، أصلِ عندي معلومة..أشارَ لهُ بالتوقُّفِ عن الحديث:
-لو سمحت قولت مبحبِّش أتكلِّم في حياتي الشخصية…وبلاش تحسسني أن اسرار الكون في ايدك، مش شوية المعلومات اللي بتجبها كأنك عملت عظمة
رفع جانب وجه بشبه ابتسامة ساخرة
-الحال من بعضه ياحضرة الظابط
نقر إلياس على مكتبه وطالعه بنظرة اعجاب متسائلًا
-بيعجبني فيك ذكائك، هو انت عندك كام سنة
اجابه بتهكم : مية إلا سبعين..أفلت ضحكة يطالعه
-مش معقول انت..انت متأكد انك مخابراتي
ارتشف باقي قهوته:
-ولا اسمع عنها، عندي شوية أجهزة رياضية تنحف الجسم بطريقة طبية وسيبك من عمليات التخسيس دي
طالعه بذهول يريد أن يلطمه على وجهه فهو في حال لا يريد المزاح
-اضحك ..اضحك ماتكبتش في نفسك وبعد كدا تمشي على كرسي متحرك، فرك ذقنه يطالعه بغموض ثم ألقاه بسؤال:
-هو انت لو ضحكت هيدفعوك فلوس يابني ..فرك إلياس وجهه يهمس لنفسه
-ربنا يصبرني ومتحبتسش بسببك الليلة ..قهقه ارسلان عليه، فهو شعر به وحاول إخراجه من حالة حزنه
بالأعلى عندَ فريدة نهضت بتكاسلٍ وارتدت رُوبها الثقيلَ ، خرجت بخطواتٍ واهنةٍ تبحثُ عنه، وصلت للقربِ من مكتبِه، توقَّفت على صوتِ أرسلان الذي يشبهُ صوتَ زوجها كثيرًا، خفقَ قلبها بشدَّةٍ وانسابت عبراتها، فلم تشعر بنفسِها وهي تخطو وتهمسُ بصوتٍ خافت”جمال”..
1
فريدة.. واقفة عندِك ليه..استدارت إليهِ متسائلة:
مين الِّلي مع إلياس دا يامصطفى؟..
اقتربَ ينظرُ إليهما ثمَّ سحبَ كفَّها:
-تعالي ارتاحي، دا اللي أنقذ إلياس
وميرال يوم مانضربوا بالنار
التفتت إليه سريعًا
-إنتَ تعرفُه منين..حاوطَ جسدها وتحرَّكَ معها:
-حبيبتي ارتاحي مش الدكتور قالِّك لازم الراحة..أشارت إلى الغرفةِ وهمست:
-عايزة اطَّمن على إلياس وأخوه
-أخوه..إسلام مش هنا..
توقَّفت على الدرجِ تشيرُ إلى الغرفةِ
ووقفت الكلماتُ على أعتابِ شفتيها للحظاتٍ مع انسيابِ دموعها:
-جمال، جمال مع إلياس..قالتها وهوت ساقطةً بين ذراعيهِ فاقدةَ الوعي، بخروجِ إلياس مع أرسلان للخارج، رفعَ عينيهِ وجدَ والدهِ يحملُها ويصعدُ بها للأعلى ..شعرَ بالحزنِ على ماأصابها اعتقادًا أنَّها حزينةً على اختفاءِ ميرال.
بعد عدة ساعات بشقَّةِ أرسلان:
جلست بحديقةِ المنزل، تنظرُ حولها بابتسامةٍ على جمالِ المنظر، رغمَ عقابهِ لها ولكن بعضَ تلكَ الزهور تُنسيها آلامها الرُّوحية…أطبقت على جفنيها وبداخلِها بركانٌ كاد أن ينفجرَ من الاشتياقِ إليه، لقد قرَّر العقابَ وفعلها..
نهضت من مكانِها فالقلبُ تهيَّجَ لضمِّهِ، ولم يعد لديها قدرة التحمل على ذاك العقاب، اتَّجهت إلى بعضِ الورودِ الجوريةِ البيضاءَ تقطفُ منها، جلست على العُشبِ وجمعتها بينَ كفَّيها ترفعُها لأنفِها تستنشقُ رائحتها، وصلَ إلى المنزل، دلفَ للداخلِ يبحثُ عنها ولكنَّها غيرُ موجودةٍ كعادتها اتَّجهَ إلى كاميراتِ المراقبةِ وجدها تجلسُ بينَ الزهورِ بالحديقةِ الخلفية، ألقى مفاتيحهِ وتحرَّكَ إليها، توقَّفَ خلفها يستمعُ إلى دندنتها بأغنيتها المفضَّلة.. خطا وأصدرَ صوتًا ليعلِمها بحضورِه، رفعت رأسها إليهِ ثمَّ نظرت للورودِ مرَّةً أخرى..جلسَ بجوارِها ينظرُ إلى يديها التي تحملُ الورود، ثمَّ رفعَ عينيهِ إلى وجهها الذي اختفى خلفَ خصلاتها الحريرية..بسطَ أناملهِ يجمعها ويضعها خلفَ أذنيها:
-مفيش حمدَالله على السلامة لجوزِك..
استدارت ترمقهُ بنظرةٍ صامتة، ثمَّ تراجعت تُكملُ ماتفعلُه، أخذَ وردةً ووضعها بخصلاتها يرفعُ ذقنها يسبحُ بملامِحها البريئة..
-طيِّب مين اللي لُه حق يزعَل أنا ولَّا إنت..
أنزلت يديهِ بهدوءٍ ثمَّ أردفت:
-أنا مش قادرة أكمِّل في العيشة دي، مش حاسَّة نفسي عايشة، ياريت ننفصِل بهدوء، جوازنا كان لمصلحة، وحضرتَك خلَّصت مصلحتَك، وأنا كمان أمن الدولة رفعت إيديها منِّي، ومتأكدة أنُّهم مش هيقرَّبوا منِّي بعد مايعرفوا إنِّي طليقتَك..
حاوطَ جسدها بذراعهِ وجذبها لأحضانهِ يضعُ رأسهِ فوقَ رأسها:
-لدرجة دي مش فارِق معاكي، يعني مفيش أرسلان لغرام؟..
رفعت رأسها واختلجَ صدرها الكثيرَ من المشاعرِ المتناقضةِ من حبٍّ ونفور، اشتياقٍ وجحود…اخفض رأسه إليهِ ينظرُ لصفوِ عينيها:
-غرامي هتفضَل مراتي حتى لو إنتِ رافضة حياتنا، حرَّكَ كفِّهِ على قلبها..
دا ليَّا ودا عندي أهمِّ حاجة..
اكتفت بتنهيدةٍ مرتجفةٍ أفلتت من بينِ نبضِها العاشقِ له، ضمَّها بقوَّةٍ حتى اختفت بأحضانهِ وأردف:
-ممكن تكوني شايفة شخصيِّتي صعبة، بس حاولي تتعاملي معاها صدَّقيني هتكوني أسعد واحدة، أخرجَ رأسها من أحضانِه:
-بصي أنا مش هعمل زي الراجل اللي بينفُخ نفسُه قدَّام مراتُه، بس حقيقي أنا حبيتِك، أوَّل مرَّة أتعلَّق بواحدة كدا، معرفشِ ليه، يمكن طيبتِك، يمكن إيمانِك وخجلِك، وفوق دا كلُّه نصيبنا وقدرنا اللي ربِّنا هيأه لنكون في طريق بعض، من وقتها وأخدتها حكمة، إنِّك كنز وربِّنا بعتُه ليَّا، أو ممكن تكوني نقمة، في كلتا الحالتين ربنا مقدَّرلي خير فيكي أنا معرفوش..
رفعت كفَّيها على وجههِ وابتسمت كوردةٍ تتفتَّحُ وتتفرَّعُ براعمها لتفوحَ رائحتها العبقةِ هامسة:
-بتحبِّني …أومأَ لها مبتسمًا، ثمَّ أردف:
-جدًا جدًا ولو مش بحبِّك كنت طلَّقتِك من زمان إحنا بقالنا ستّ شهور متجوِّزين إيه اللي يغصبني أعيش معاكي..
شملتهُ بنظرةِ إعجابٍ لا تخلو من عِشقها له، ثمَّ أردفت:
-وبعدِ الحبِّ دا إيه، ممكن تقولِّي
-يعني إيه ياغرام؟…
-أرسلان بجد أنا مش قادرة أتحمِّل الحياة بينَّا بتيجي زي الغريب، ساعتين وتمشي، وممكن تغيب أسبوع، ومعرفش عنك حاجة، قرارَك هوَّ اللي يمشي وبس، أنا ماليش لازمة حتى لو اعترضت تُرفض الاعتراض وتعاقبني ..قاطعها قبلَ أن تتمَّ كلماتها
ف نهضَ يسحبُ كفَّيها واتَّجهَ للداخل..
-البسي هنخُرج هنروح مشوار مهمّ وبعدها قرَّري هتكمِّلي معايا ولَّا لأ..
بشقَّةِ آدم:
توقَّفت بالمطبخِ لإعدادِ كوبَ قهوتها، استمعت إلى غلقِ بابِ الشقَّة، علمت بوصولِه..تنهَّدت بحزنٍ بعدما تذكَّرت حديثَ خالها….قبلَ قليل:
-حبيبتي مينفعشِ إنتِ تُقعدي في مكان وهوَّ في مكان متنسيش فيه شغَّالين تحت والكلام ممكن يخرُج، وأنا مستحيل أخلِّي مرات أبوكي تشمَت فيكي، ولو بتحبِّيني صحيح اسمعي كلام خالِك مش هتندمي..
-وحضرتَك لسة شايف إنِّي مندمتِش ياخالو، أنا الندم أكل من جسمي لحدِّ مبقاش فيَّا حيل ..قالتها وتحرَّكت دونَ حديثٍ آخر..
جلسَ يرمقُ ابنهِ بنظراتٍ مستاءةٍ ثمَّ أردفَ غاضبًا:
-إيه اللي وصَّلها للانهيار دا ياحضرةِ الدكتور العبقري؟!..
جلسَ يمسحُ على وجههِ بغضب، وكأنَّهُ ينتقمُ من نفسِه، ثمَّ رفعَ عينيهِ لوالدِه:
-مش مدِّياني فرصة أتكلِّم يابابا هتجنِّن منها، مش هنفضَل عايشين كدا، الهانم بتقولِّي جوازنا ماهو إلا وقتي…
طالعهُ لوقتٍ ثمَّ أردفَ بمغذى:
-ماهو دا الحقيقي، إنتَ ناسي قولتِ إيه..هبَّ من مكانهِ فزعًا:
-يعني إيه يابابا، ثارَ بضجيجِ نبضهِ الذي رفضَ حديثَ والدِه..
جاهدَ زين في إخفاءِ ما يحاولُ الوصولَ إليه، فتوقَّفَ بمقابلتِه:
-إنتَ قولت إنَّك متجوِّز، وقولت هتتجوِّزها لوقتِ معيَّن.. إيه نسيت ولَّا ايه يادكتور..
-يعني إيه؟!..تساءلَ بها بتيه..
-يعني إيلين مش هخلِّيها تعيش معاك على ضرَّة مهما يحصَل..
هوى على المقعدِ كمن تلقَّى ضربةً موجعةً يهمسُ بلسانٍ ثقيل:
-يعني حضرتَك ناوي تطلَّقها منِّي؟!..
اقتربَ زين منهُ مستطردًا:
-قصدَك ناوي أصلَّح الوضع بينكُم..وكدا بتصلَّحُه يابابا، إنتَ كدا بتجني على حياتنا مش بتصلَّح الوضع..قالها هادرًا..
-آدم متنساش نفسك، ولَّا علشان كبرت وبقيت دكتور بتعلِّي صوتَك على أبوك، أنا قولت إنَّك هطلَّقها والكلام منتهي، ولولا الظروف كنت مستحيل أوافق إنَّها تكون زوجة تانية، عندَك خيار واحد بس يادكتور..تطلَّق البنتِ التانية، مش الدكتورة إيلين اللي تعيش مع ضُرَّة دا لو حضرتَك عايزها..
خرجت من شرودِها على صوتِه:
-ممكن تعمليلي فنجان قهوة، عندي صُداع شديد …
أومأت برأسِها وهي تواليهِ ظهرها دونَ حديث…بعدَ قليل دلفت غرفتهِ بعدما طرقت على بابِها، خطت إلى جلوسه، وجدتهُ يحاوطُ رأسهِ بين راحتيه:
-القهوة، وفيه برشام للصُّداع لو عايز..قالتها واستدارت للحركةِ إلَّا أنَّهُ أطبقَ على رسغها وجذبها بقوَّةٍ حتى هوت بين أحضانهِ حاولت التملُّصَ ولكنَّهُ كانَ الأقوى، همسَ لها:
-هتكلِّم معاكي بس، مش هعمِل حاجة، أرجوكي ياإيلين لازم نتكلِّم، أنا مبقتشِ عارف أعمِل حاجة، شُغلي واقف وحياتي واقفة أرجوكي اسمعيني..
حدجته بنظرة من فوق كتفها وهدرت معنفة إياه:
-آدم سبني لو سمحت مينفعشِ كدا، أبعدَ ذراعيهِ يشيرُ إليها بالجلوسِ بجواره، ذهبت لمقعدٍ بالغرفةِ وجلست منتظرةً حديثِه..
-قدَّامَك عشر دقايق يارب تتكلِّم بسرعة مش فاضية..نهضَ من مكانهِ يحملُ فنجانَ قهوتهِ ثمَّ ارتشفَ بعضها، واتَّجهَ يجلسُ بجوارِها ..ارتجفَ جسدها من قربهِ ابتعدت عنه …شعرَ بألمٍ تسرَّبَ لقلبهِ وهو يراها تنفرُ منه..
-إيلين وبعدين، إحنا رايحين على فين؟..
-رايحين!! قالتها بصوتٍ مختنقٍ مفعمٍ بالبكاء، توقَّفت تدورَ حولَ نفسها تشيرُ لغرفتِهما التي من المفترضِ أن تجمعهما سويًا:
-إحنا مين يادكتور، إيه نسيت ولَّا إيه؛
إنتَ بنيت حياتَك وأنا كمان هبني حياة جديدة أوعى تجمعنا مع بعضِ تاني، قعدتنا مع بعض اتفرضِت علينا..
هبَّ من مكانهِ واقتربَ منها يُطبقُ على ذراعيها وهدرَ معنِّفًا إياها:
-لو سمعتِك بتقولي كدا تاني هقطعلِك لسانِك سمعتي ولَّا لأ..وآخر كلام هقولُه ياإيلين إحنا قدرنا مربوط مع بعض من واحنا صُغيرين، يعني مفيش ليكي حياة بعيد عن آدم..
انسابت عبراتها وهي تلمحُ بنظراتهِ نظرةً قديمةً كان قد أضاعها البعدُ وجفا بها القلب، هزَّت رأسها ورغمًا عنها أخرجت شهقةَ ضعفِها بحوزته، لا تعلمُ أهو ضعفٌ بسببِ نظرةِ الحبِّ التي لمحتها بعينيهِ أم أنَّ الألمَ فاض بها ولم تعد تستطيعُ المقاومةَ أكثرَ من ذلك..
أطبقت على جفنيها وازدادَ بكاءها، ليقرِّبها إليهِ يضمُّها بقوَّةٍ لأحضانهِ وآه عاشقة أخرجها من كمِّ اشتياقهِ إليها؛
همست بضعفٍ اسمهِ حتى فاقَ قدرتهِ على الصمودِ ليخُرِجها من أحضانهِ ويحتضنَ ثغرها لأوَّلِ مرَّة، ليتهاوى جسدها بين يديهِ ويكونَ الأكثرَ مرحِّبًا؛ يرفعُها بكلِّ قوَّتهِ متراجعًا إلى الفراش، فيكفي هذا البُعد، أقسمَ أن يرويها من العشقِ مايضمِّدُ جراحها، دقائقَ وهي مسلوبةُ الإرادةِ، كانت بين يديهِ مثلَ عروسِ الماريونيت وهو يلتهمُ خاصَّتها كالغريقِ الذي وجدَ ضالَّتهِ بعدما ظنَّ أنَّهُ فقدَ الحياة..همهمت بخفوتٍ تتراجعُ بعدما عادَ عقلها تدريجيًا، لتهبَّ فزعةً بعدما وصلَ إلى نقطةِ اللارجوع..نهضت تلملمُ ذاتها الذي بعثرها بعنفوانِ عشقهِ الداخلِّي لسنواتٍ إلى أن أتتهُ الفرصة لجنيه، حاوطَ جسدها ومنعها من الخروجِ يهزُّ رأسهِ رافضًا مغادرتها، أردفَ بصوتهِ المبحوح:
-إيلين بلاش تعملي فينا كدا، حبيبتي لو سمحتي إدِّيني فرصة أداوي جروح قلبِك.
كانت هادئةً على غيرِ عادتها، حاولت الحديثَ ولكنَّها لم تقوَ فكأنَّ طاقتها نفذت، وبدأ قلبها يحرُّكها كيفما شاء..
حرَّكَ أناملهِ على جسدِها بحركةٍ أذابتها، حتى رفرفت أهدابها الكثيفةِ في محاولةِ استيعابِ ما يفعلُه، لقد تجرَّأَ وهي كالمسلوبة، لا تقوَ على الحركة، أصابها الذهول لتهبَّ فزعةً وهي تراهُ يقومُ بنزعِ ثيابها، لتدفعهُ بقوَّةٍ وأردفت بصوتٍ ممزوجٍ بالبكاء:
-ابعد عنِّي، ابعددددد..قالتها وغادرت الغرفةَ سريعًا وارتفعت شهقاتها ..وصلت إلى غرفتِها وأغلقتها على نفسها تنزلُ بجسدِها إلى الأرضيةِ تبكي بنشيجٍ وخزيٍ من نفسها كيف ضعفت إلى أن وصلَ لجسدِها وشفتيها، كيف نسيت غدرهِ وخيانتِه..وضعت كفَّها على فمها تزيلُ آثارَ قبلاتهِ بعنفٍ حتى كادت أن تمزِّقَ شفتيها من قوَّةِ فركها بيديها، نهضت وبدأت تحطِّمُ الغرفةَ وتبكي بشهقاتٍ على جُبنها وضعفَ قلبها الذي هوى بأحضانه..
استمعَ إلى صُراخها، أغمضَ جفنيهِ محاولًا السيطرةَ على نفسهِ حتى لا يذهبَ إليها ويحطِّمَ ذاكَ الجدارَ الذي يفصلُهما.. دقائقَ وهي تدورُ بالغرفةِ كالمجنونةِ وتحطِّمَ كلَّ ما يقابلُها حتى هوت على الأرضية، لم يعد لديه قوَّة على تحمُّلِ صراخها ونفورِها منه، نهضَ من مكانهِ ودفعَ البابَ بقدمهِ لينفتحَ على مصراعيه، دلفَ بهيئةٍ جنونية، طافَ بعينيهِ بالغرفةِ التي أصبحت شظايا متناثرة ، اقتربَ منها بعدما فقدَ سيطرتهِ واشتعلت حدقتيهِ كجمراتٍ ملتهبةٍ ينظرُ إليها:
-ليه دا كلُّه، إيه، أطبقَ على ذراعيها وأوقفها يهزُّها بعنف:
-إيه إنتِ مش مراتي، يعني من حقِّي ياهانم، ليه عايز أعرَف ليه دا كلُّه، مش أنا حبيبِك ولَّا كان كلام، أه غلطت منكرشِ بس أنا بحبِّك ومش معنى اتجوزت يبقى حبُّك مات؛ أنا اتجوزت لظروف كان لازم تعرفي لولا الظروف دي عمري ماكنت أتجوز، لأنِّك هنا،قالها وهو يضربُ على صدره ..عايزة تسمعي إيه!!
-أيوة بحبِّك وكتير كمان، واللي اتجوِّزتها مصلحة مش أكتر، ودلوقتي اسمعيني علشان تعبتِ منِّك بقالي شهرين بحاول مضغطشِ عليكي وقولت حقِّك، إنما لمَّا أقرَّب منِّك تعملي كدا ، دا مسكتشِ عنُّه، إنتِ مراتي فاهمة ومش معنى إنِّي سايبِك تزعلي شوية يبقى مش عايزِك، وناوي على الفراق، دا إنتِ بتحلمي، جذبها يضغطُ على خصرِها بقوَّةٍ ألمها وأردفَ بهسيس:
-عيالي هيكونوا منِّك، ودلوقتي أنا عايز حقِّي يامراتي، ولو اعترضتي ياإيلين هتشوفي وش مش هيعجبِك منِّي أبدًا.، عايز عيال ومنك وبس
كلماتٍ فقط ماهي سوى كلماتٍ أصابت قلبها كالطلقاتِ النارية، ظلَّت تطالعهُ بجمودٍ وكأنَّهُ سحبَ كلَّ حواسها، لتقتربَ منهُ تطوُّقُ عنقهِ وترفعُ نفسها تطبعُ قبلةً بجوارِ شفتيه:
-طبعًا يادكتور، لازم أسمع كلامك مش إنتَ وليِّ نعمتي اللي أنقذتني من مرات أبويا …ابتلعَ غصَّةً وخزت جوفهِ بأشواكٍ حادةٍ وهو يرى تغيَّرَ حالتِها …تراجعت للخلفِ تطالعهُ بضحكاتٍ مرتفعةٍ تضربُ يديها ببعضِهما، ثمَّ توقَّفت عن الضحكِ وأمسكت منامتها وقامت بفتحِها بقوَّةٍ لتتطايرَ أزرارها بكلِّ مكانٍ وينكشفَ جسدها العاري أمامهِ تشيرُ على نفسها:
-اتفضَل يادكتور شرَّح الجُثة، على ماأظنّ إنَّك شاطر في مجالَك ومش هتوجعني ومش هحسّ بتشريحَك، ومتنساس تدفِن روحي اللي حرقتها..
1
نظرَ إليها بوجهٍ شاحبٍ وكأنَّ روحهِ سُحبت إلى بارئها، وهو يراها بتلكَ الحالة ..ليقتربَ منها بخطواتٍ ثقيلة..
بشقَّةِ يزن بمكتبهِ الخاص ..دلفت إيمان بعدما سمحَ لها بالدخول:
-دكتور كريم برَّة ياأبيه، نهضَ يجمعُ أوراقهِ وأشارَ إليها:
-دخَّليه ياحبيبتي..أومأت وتحرَّكت للخارج:
-دكتور كريم، يزن جوَّا في المكتب اتفضَل..داعبَ خصلاتِ معاذ ثمَّ تحرَّكَ إلى أن وصلَ إليها:
-عاملة إيه..لو فيه حاجة وقفِت معاكي في المذاكرة عرَّفيني..
نظرت للأسفلِ بخجلٍ تفركُ كفَّيها مع تورُّدِ وجنتيها تهتفُ بخفوت:
-شكرا، يزن بيراجِع معايا، مش عايزة أتعِب حضرتَك.
-حضرتي، إيه ياإيمان هتفضلي تعامليني على إنِّي غريب لحدِّ إمتى؟!..
رفعت عينيها ترمشُ عدَّةَ مرَّات:
-مش قصدي بس حضرتَك مهما كان أكبر منِّي وكمان ماينفعشِ أرفع الألقاب..
دنا خطوةً منها يريدُ أن يصفعها على وجهها، تبًا لكِ أيتها الطفلةُ كيف تتحدَّثينَ معي بتلكَ الطريقة، وصلَ حتى لم يفصلَ بينهما سوى خطوةً واحدة:
-الفرق مش كبير اوي، وحتى لو كبير انا هقربه، وقريب هحاسبِك على كلامِك، كلَّها شهرين تخلَّصي امتحانات ووقتها صدَّقيني مش هرحمِك ..بترَ حديثهِ على صوتِ يزن الذي توقَّفَ على بابِ الغرفةِ يوزِّعُ نظراتهِ بينهما:
-كريم واقف كدا ليه، ثمَّ اتَّجهَ بنظرهِ إلى أختِه:
-ادخلي ذاكري وأنا هشوف كريم وجايلِك..أومأت وتحرَّكت بجسدٍ يرتجفُ من الخجل، ووجهًا تنتفضُ دمويتِه، حتى أصبحَ كلونِ التفاح الذي حانَ جنيه، كان يتابعها بعينينٍ يريدُ التهامها في الحال..
-إنتَ ياحيوان..قالها يزن، لينتفضَ إليهِ فزعًا:
-يخربيت فصلانَك يابغل، ماأنا جاي..
أطبقَ على كتفهِ بقوَّةٍ أوجعتهُ ليدفعَ يدهِ بعيدًا:
-يابني إنتَ كنت بترضَع لبن زيِّنا ولَّا بأكِّلوك لحم جمال، وجعتني..دفعهُ حتى أسقطهُ على المقعدِ وحاوطهُ بذراعهِ وغمزَ بطرفِ عينيهِ بحركةٍ تنمُّ عن ضيقِه:
-بتبُص لأختي كدا ليه، متنساش دي إيمان أختِ يزن، يعني أيِّ خيانة منَّك لصاحبَك مش هتهاون بيها فخلِّيك صريح معايا كدا وقولِّي إيه الحكاية؟..
-بحبَّها وعايز أتجوِّزها بس مُنتظر تخلص ثانوية وبعد كدا كنت هكلِّمك، اعتدلَ يزن مصدومًا، فتراجعَ للخلفِ وكأنَّهُ سحبَ طاقتهِ بالكامل، ليهوى على المقعدِ ونظراتهِ تحرقُ كريم قائلًا:
-كنت بتدخُل بيتي وبتبُص لأختي ياكريم، دي ثقتي فيك..نهضَ من مكانهِ سريعًا واقتربَ منه:
-أبدًا والله، أنا عمري ماقرَّبتِ منها ولا حاولت أخون ثقتَك ياصاحبي، واسألها أقسم بالله عمري ماكلَّمتها في حاجة ولمَّا شوفتني دلوقتي بكلِّمها علشان بتقولِّي حضرتَك ويادكتور، بقولَّها بتعامليني زي الغريب ليه، واللهِ عُمري ماكلَّمتها برَّة البيت دا، وغصبِ عنِّي ياصاحبي، القلب مالوش سلطان، وبيضعفنا علشان كدا كنت ببصُّلها بس عمري ما شُفتها بنظرات وحشة..
-قوم روح..جحظت عيناهُ مذهولًا، فأردفَ مستطردًا
-يزن اسمعني..
نهضَ من مكانهِ واتَّجهَ إلى نافذةِ غرفتهِ بعدما أشعلَ سيجارتِه:
-روح ياكريم بدل مانخسر بعض للأبد.
-يزن !!
قولت امشي من وشي..تحرَّكَ كريم مغادرًا وهو ينتفضُ حزنًا وألمًا على ماصارَ بينهما..
زفرةً حادةً أخرجها من جوفه، مكوِّرًا قبضتِه:
-ليه ياكريم كدا، يعني تطعنِّي في ضهري، استمعَ إلى صوتِ معاذ بالخلف:
-أبيه يزن فيه سؤال في العلوم مش عارفُه ممكن تساعدني فيه، إيمان مشغولة بالمذاكرة..
أومأَ لهُ ثمَّ تحرَّكَ إلى المكتبِ يشيرُ إليهِ بالدخول..جلسَ بجوارهِ وكلَّ ذهنهِ معلَّق بأختِه، هل تنظرُ إلى كريم كما هو ينظرُ لها، دقائقَ وهو شاردٌ إلى أن لكزهُ معاذ:
-أبيه بقالي كتير بكلِّمَك..نهضَ من مكانهِ واتَّجهَ إلى غرفتها..
بفيلَّا الشافعي كان يثورُ كالأسدِ الجريح:
-يعني الولد اتمسَك إزاي ومين اللي وصلُه، هوى على المقعدِ يُتمتم:
-انتهيت، مصطفى السيوفي مش هيرحمني، دقائقَ واستمعَ إلى هاتفِه:
-راجح باشا خسرنا المناقصة، وكمان فيه خبر سيئ، أسهُمنا نزلت كتير..
قاطعهُ دلوفَ طارق يصرخُ به:
-الواد اتمسك يابابا عارف دا لو اتكلِّم أنا ممكن اتعدِم، دي قضيِّة قتل..
أغمضَ عينيهِ يحتضنُ رأسِه، بينما ظلَّت تدورُ حولَ نفسها:
-داإيه المصايب دي كلَّها النهاردة، الواد دا لازم يموت أو يهرب، اقتربَ طارق قائلًا:
-فيه كمان حاجة ..رفعَ راجح رأسهِ منتظرًا حديثِه:
-العربية اللي كنَّا ناويين نتِّهم فيها يزن السوهاجي بموت مالك عملت حادثة فعلًا بالواد.
هبَّ من مكانهِ يصرُخ:
-يعني إيه دا كلُّه، لا دا كدا حد بيخطَّط يوقَّعني..اقتربَ منهُ طارق:
-بس لسة ممكن نودِّي يزن في داهية، العربية كنَّا ناويين مالك يركبها، بس محصلشِ نصيب والمهندس مات ومين اللي صلَّح العربية وفيه تسجيل لدا كلُّه..
-برافو عليك يا طارق..قالتها رانيا، اتَّجهَ يرمقُها بنظراتٍ خرساءٍ ثمَّ اقتربَ منها:
-إنتِ عارفة المهندس اللي مات دا مين؟..دا أبوه لواء في الجيش، وكان عضو منتدب، ورفض الأمن إن أي حد يركب العربية باعتبارها مملوكة لمالك دا هيخلِّي الشكوك تحوم علينا..
اقتربت منهُ طيب لو المهندس دا طلع بيشرب مثلًا أو أيِّ فيديو بسيط يخلِّي الشك يبعِد..
ضيَّقَ عينيهِ مستفهمًا:
-يعني إيه..دارت حولهِ تهمسُ له:
-يعني مثلًا طبيب تشريح بشوية فلوس يغيَّر تقرير الحادثة بسبب مخدِّر، والعربية مفهاش حاجة دا لو عايزين نبعد الشُبهة عن طارق، أمَّا بقى لو عايزين نخلص من المهندس بتاع رحيل نجيب سيرة العربية من وقتِ التصليح وهيَّ في جراج الشركة..
قاطعها طارق قائلًا:
-وممكن نضرَب عصفورين بحجر كان شارب ومعرفشِ يوقف العربية ودا أكيد ملعوب فيها، ومين دا يزن علشان يخلَص من مالك ويستفرد برحيل..
-برافووو أيوة كدا، شوفت تربيتي ياراجح..حبيب أمُّه ..ألقاها قبلةً بالهواءِ لترتفعَ ضحكاتِ أصحابِ القلوبِ الخبيثة.
عند إلياس:
اتَّجهَ إلى سيارتهِ وقادها بسرعةٍ جنونيةٍ بعدما توصَّلَ إلى سائقِ سيارةِ الأجرة. تذكَّرَ حديثه:
-أنا نزَّلتها في العاصمة ياباشا، واللهِ ماأعرف هيَّ راحت فين..
-نزَّلتها في أنهي منطقة بالظبط، قصَّ الرجلُ له العنوانَ بالتفصيل، ظلَّ يقودُ السيارةَ إلى أن وصلَ إليها بفترةٍ وجيزة، دلفَ إلى ذاكَ الكمبوند، وتوقَّفَ بالسيارةِ أمامَ أحدِ الحرسِ الخاصّ بالمكان، أخرجَ صورتها وسأله:
-المدام دي دخلت هنا من حوالي خمس ساعات تقريبًا..توقَّفَ الرجلُ يطالعهُ بريبةٍ ثمَّ هزَّ رأسهِ يشيرُ بيديه:
-اتفضل ياأستاذ من هنا مش ناقصين مشاكل، وشكلَك ابنِ ناس محترم..
اقتربَ منهُ يطبقُ على عنقهِ فهو في حالةٍ جنونيةٍ الآن، همسَ إليهِ بهمسٍ أرعبَ الرجل:
-لمَّا أسألك عن حاجة ترُد وإنتَ ساكت، المدام دي في أنهي مبنى..أشارَ إليهِ بالجهةِ الخلفية، واردف برقم المنزل، تركهُ يدفعهُ بعيدًا ثمَّ أخرجَ كارت بطاقتهِ التعريفية:
-علشان تطَّمن، واللي جوَّا مراتي ..قالها ودلفَ للداخلِ دونَ حديثٍ آخر..
هوى الرجلُ على مقعدهِ يملِّسُ على عنقهِ يحمدُ ربَّهُ أنهُ مازال يتنفَّس..بالداخلِ عند ميرال كانت تهاتفُ غادة:
-وماما كويسة..تنهَّدت غادة وهي تنظرُ إلى فريدة؛
-معرفشِ أقولِّك إيه بس هيَّ تعبانة أوي ياميرال، لو تشوفيها تصعب عليكي؛ ارجعي ميرو حبيبتي واللهِ إلياس هيتجنِّن عليكي، وخايفة أقع قدامُه بالكلام، دا أنا هبلة..
أفلتت ابتسامةً حزينةً وتمتمت:
-لا إنتِ جميلة يادودي، المهم ماما خلِّي بالِك منها..صمتت غادة فأردفت:
-أنا قولت لماما على مكانِك مقدرتش أشوفها كدا الصراحة وأسكت، وهيَّ كانت رايحة تقول لإلياس بس معرفشِ إيه اللي حصل وخلاها يُغمى عليها.
-تلاقي أخوكي سمَّعها كلام زفت على راسُه ..ضحكت غادة قائلة:
-هبعتلُه الفويس بتاعِك وأخليه يشويكي على الجانبين، استمعت إلى صوتِ جرسِ الباب فهتفت:
-طيب حبيبتي هقفل علشان كنت طلبت شوية حاجات وشكلُهم وصلوا هتِّصل بيكي بعد شوية ..اتجهت تفتحُ الباب ..توقَّفت تطالعه بصدمة، و شعرت بثقل تنفسها،بأنفاسٍ حينما وجدته أمامها بنظارتهِ السوداء، خلعَ النظارةَ وابتسمَ ساخرًا:
-مش هتعزمي على جوزِك بالدخول ولَّا إيه يامدام …شعرت وكأنَّ الأرضَ تُسحبُ من تحتِ قدميها، دفعت البابَ لإغلاقهِ إلَّا أنَّهُ كانَ الأسرعَ منها وهو يضعُ قدمهِ يدفعُ الباب، ثمَّ دلفَ للداخل:
-مش عيب تقفلي الباب في وشي..هزَّت رأسها وتراجعت للخلفِ
مع انسيابِ عبراتها تتمتمُ بنبرةٍ حزينة:
-إنتَ عايز منِّي إيه، أنا سبتلَك البيت بدَّور عليَّا ليه، مبقتشِ عايزاك، سمعتني
أنا مش عايزة أشوفَك تاني،
-ماشاء الله صوتك كروان اهو، اومال ليه شهر كامل بتتعاملي معانا على انك خرسة
اقتربت منهُ وغرزت عينيها بمقلتيه:
-مش يمكن علشان مش عايزة اتكلم معاك، حاولت أموت علشان أبعِد عنَّك، بس طلعِت لعنة في حياتي، أنا عايزة أخلص منَّك ومن كلِّ ذكرياتَك ياإلياس ياسيوفي..
كادت كلماتها أن تصيبهُ بسكتةٍ دماغية، ظلَّ كما هو واقفًا كالجبل، لا يهزه شيئاًا، تركها تُخرجُ مايؤلمُ روحها رغمَ خطأها الفادح، اقتربت منهُ خطوة أخرى بعدما أصابها الجنونَ من صمته، وبدأت تلكمهُ رغمَ آلامِ صدرها:
-عايز منِّي إيه، جاي علشان تكمِّل عليَّا وتموتني، أنا بكرهَك سمعتني بكرهك، ومش عايزاك إيه هتضربني ولَّا تحبسني ولَّا يمكن تغتصبني ماإنتَ عملت التلاتة ماشاء الله..دنت منهُ خطوة اخرى حتى اختلطت أنفاسهما تُمسكهُ من ياقةِ جاكيتِه:
-اقتلني أحسن يمكن أرتاح منَّك، وروح عيش حياتك، اتجوِّز بدل المرَّة أربعة، مش هيفرِق معايا اللي يخون مرَّة يخون مية وألف..رفعت رأسها تنظرُ لمقلتيهِ وعينيها التي أصبحت كالشلال..
حبيتَك بجنون، سنة عن سنة بيكبَر وأنا بضغط على نفسي وبحاول أتحمِّل غرورَك وتكبُرك وبهدلتك فيَّا، ورغم كدا اتجوزتك، بس إنتَ عملت إيه ولا حاجة..بدل ماتداوي جروحي فتحتها ودوست عليها بكلِّ جبروت ويوم ماغرورك ينزِل وتعترف بحبَّك تكون مجهزلي كفني، يالَّه ياميرال إنتِ مين علشان أحبِّك، أحبِّك..هوَّ إنتِ تستاهلي حبِّ إلياس باشا السيوفي اللي شايف الناس كلَّها غلط وهوَّ صح..
سدَّدت ضربات أصابت قلبهِ برمحٍ مشتعل، ليشتعلَ داخلهِ ويغلي كالمرجلِ
الذي نقصَ ماؤه، ولكن ماذا عليهِ أن يفعل، هل يفعل ماتريدُه، أم لعنةُ عشقها تغفرُ ذلَّاتها..خطا إليها كالذي يخطو فوق النيرانِ وحملَ من غصَّاتها ما يحرقُ روحهِ، ولكنَّهُ عليه التَّحلي بالصبر..ابتعدت عنه بعدما وجدتهُ يقتربُ منها وبدأت تحطِّمُ كلَّ ماتطالهُ يديها تصرخُ بقهرِ قلبها المتألِّم:
-روح اتجوِّز وعيش حياتك، وسبني أعيش مقهورة على قلبي طول حياتي، جاي لعندي ليه، ولَّا صعبان عليك الفرح اللي باظ بسبب واحدة مجنونة فاشلة زي مادايمًا بتقول عليَّا، وصلت إليه تدفعهُ وتلكمهُ بصدرِه..
-عايز تتجوِّز وبتخيَّرني، الله ياخدَك ياإلياس ويحرَق قلبك زي ماحرقت قلبي، بتخيرني ياتتجوز ياطلقني، ليه ماسك علية ذلة، ضربت على قلبها كالمجنونةِ تصرخُ ونست جرحها الذي مازالَ لم يلتئمَ كاملًا:
-عايزة أموت علشان أبعد عنَّك وعن لعنة عشقَك ..أنا بكرهَك ..هوت على الأرضِ بركبتيها بعدما فقدت طاقتها وشعرت بآلامِ صدرها، حتى أيقنت أن جروحها قد أصابها شيئًا، خطا إليها وهو يشعرُ بقبضةٍ تعتصرُ فؤادهِ ثمَّ انحنى يحملُها بين ذراعيه، واتَّجهَ بها إلى الأريكةِ وهي تهمهمُ بأحضانه:
-ياريتَك سبتني أموت، أنا بموت ياإلياس، لا قادرة أبعد عنَّك ولا قادرة أقرَّب ..موِّتني وريَّحني من عذاب قلبي، ضمَّها إلى أحضانهِ وكأنَّ لفظَ الموتُ الذي انبثقَ من شفتيها سيأخذُها منه..
شعرَ بخفَّةِ وزنها، آاااه حارقة خرجت من جوفهِ ورغم وزنها الخفيف إلا أنَّ عشقها أثقل من أضخمِ جبالِ العالم، ماذا فعلت به ليصلَ به الحالَ أن يتحرَّكَ خلفَ قلبهِ اللعينَ بعشقها، أينَ قسوتهِ التي أقسمَ أن يُذيقها إياها..وضعها بهدوءٍ على الأريكةِ ورفعَ يديها التي نزفت بسببِ جروحِها وتحطيمها للأشياء، نهضَ من مكانهِ يبحثُ عن الإسعافاتِ الأوليةِ ليداوي جروحها، هل أخبرُكمواحدًا أنَّ أعمقَ الجروحُ جروحُ قلبٍ ينزفُ دونَ دماءٍ من عاشقٍ أعطيتهُ الثقةَ الكاملةَ ولكنَّهُ خذلك ..خطا عدَّةِ خطواتٍ إلَّا أنَّهُ توقَّفَ حينما أردفت:
-إلياس..أخرجت اسمهِ من بينِ شفتيها محترقًا بآلامِها ..التفتَ إليها بعدما استمعَ إلى نبرةِ صوتِها المتقطَّعة ظنًّا إصابتها بشيئ..نهضت من مكانِها واقتربت منه:
-طلَّقني، مش إنتَ قولت مش هتبعد لمَّا أطلب البعد، طلَّقني وروح اتجوِّز اللي تسعدَك وأنا هبع…بترَ حديثها حينما رمقها بنظرةٍ مميتةٍ يريدُ بها أن يلقى حتفها ، نظراتٍ خلفَ نظراتٍ قاتمةٍ كلونِ سُحبِ السماءِ بفصلِ الشتاءِ ولكن هنا أمطارٌ سوداء يرمقُها ليحرقها بلهيب شوقه القابع بصدره، اللعنة على قلبي الضعيف، تحوَّلَ وجههِ للوحةٍ من الغضبِ والألمِ الذي شقَّ صدرهِ ليشعرَ بتمزقهِ وكأنَّهُ يتمزّّقُ بآلةٍ حادة سامة، ساد صمتٌ مميتٌ بينهما ورغم ذلك إلا أنه متخمًا بالعشقِ الذي في القلوب، تراجعت خوفًا من هيئتهِ التي تحوَّلت، ارتفعت أنفاسهِ وأحسَّ بوجعٍ يغزو أضلعهِ وكأنَّها خنقتهُ بأصفادٍ حديديةٍ وقلبهِ الذي تحوَّلَ لشظايا محترقة، اقتربَ منها بخطوةٍ واحدةٍ
-عايزة ايه ؟!
أطلق!!..قالتها بقوة رغم ارتجاف جسدها، انحنى يحملُها بين ذراعيهِ فيكفي الضغطَ على قلبه المسكين، كانَ يظنُّ أنَّها تموتُ اشتياقًا لهُ مثلما يشعر..
نظرت إليه بمقلتينِ دامعتينِ تهمسُ بتقطُّع:
-إلياس واخدني فين، دفعَ بابَ الغرفةِ وأجابها بنبرةٍ هادئةٍ رغمَ الجحيمَ المستعرَ بصدرِه:
-رايح أطلَّقك ..مش عايزة تطلَّقي، حاضر هطلَّقك..ارتجفَ جسدها وهو يضعها على الفراشِ بهدوء..نظرت حولها بخوفٍ ثمَّ تراجعت على الفراش:
-إنتَ ناوي على إيه، خلعَ جاكيتَ بذلتهِ
وافترت شفتيهِ بابتسامةٍ تقطرُ وجعًا، ثمَّ انحنى يحاوطُها بذراعيه:
-مش عايزة تطلَّقي..ارتجفت شفتيها تهزُّ رأسها بجهلِ كلماته:
-بس الطلاق بيكون عند مأذون أو ترمي عليَّا يمين الط…بترَ حديثها وهو يحتضنُ ثغرها علَّهُ يُخرسُها للأبد، أحسَّ كأنَّهُ طائرًا مقصوصَ الجناحين، محبوسًا بقبرٍ لا يقوَ على التنفسِ سوى باقترابها، حاولت دفعهِ ببدايةِ الأمرِ إلا أنَّ خبرتهُ بها وحفظهِ لشخصيَّتها، النهار قلعتها المستميتة بحضورها الطاغي، وعشقه المنفرد، فالعاشق يجهل التلاعب بالمشاعر وعشقه بين يديه، ظلَّ يهمسُ لها بكلماتهِ العاشقةِ الصادقة،حتى هدأت وسكنت بين أحضانِه، ليتجوَّلَ بأناملهِ على وجهِ امرأتهِ العاشقةِ التي احتلَّت قلبهِ كاحتلالِ جنديٍ مهووسٍ بالدفاعِ عن أرضهِ حتى آخرَ نقطةٍ بدمِه، نعم احتلَّت كيانهِ وكينونتهِ ولم يعد لديها قرار آخر سوى العيشَ تحتَ جناحِ أحضانه، حتى لو كلَّفهُ الأمرَ إرغامها على ذلك.. دقائقَ شعرَ بها وكأنَّهُ بساطُ ريحٍ تجوَّلَ بالعالمِ أجمع ، فلما لا وهي السعادةُ والشقاء.. الألمُ والدواء.. والحزنُ والفرح، هي جميعهم تحتَ مسمَّى عشقهِ الأوحد حتى الممات، فأقسمَ بداخلهِ أن لا يسلمَ قلبهِ لأحد غيرهاولا يلمسَ سواها، هي أوَّلُ نبضٍ ليشعرَه بطعمِ الحياة، ولقلبهِ البرئ كانت الفرحة ومعالم السعادة، فأقسم لربه أن آخرَ نبضاته ستكون لها ..دفنَ وجههِ في حنايا عنُقها يستنشقُ رائحتها بولهِ عاشقٍ حدَّ النُّخاع؛ هامسًا اسمها كطائرٍ يشدو فوقَ الأغصان:
-ميرو حبيبي مبروووووووك الطلاق ياحبيبة الياس، قالها وهو يحتضنُ ثغرها بقبلةٍ عاشقةٍ تعزفُ بموسيقى أنينِ اشتياقهما، اعتدلَ ينظرُ لملامِحها الهادئةِ ثمَّ مرَّرَ أناملهِ على وجنتيها:
-مفيش طلاق في قاموس إلياس ياميرال هو بيتجوِّز بس، إنَّما طلاق مالوش تعريف عندي، طافت عيناه عليها وهي بين احضانه، واردف غامزًا:
-ومحستشِ إنِّك رفضاني ليه بقى المسرحية اللي عملتيها، جذبها من عُنقها يضعُ جبينه فوقَ جبينها..
-وعقابِك لسة جاي، أوَّل حاجة علشان تقتلي نفسِك حلو، والتاني علشان تهربي من جوزِك..
رفعَ عينيهِ ينظرُ إلى مقلتيها:
-قدرِك معايا لحدِّ ماواحد فينا يموت، مالكيش اختيار تاني، وبلاش شُغلِ المراهقين بتاعِك طلَّقني وبكرهَك، علشان مقلبشِ عليكي، أخدتي حقِّك منِّي في قهرتي عليكي، وأنا أخدت حقِّي منِّك، كدا مناصفة بينا، هتغلطي مش هرحمِك ياميرال ومتنسيش إنِّك مرات إلياس السيوفي ..اعتدلَ بعدما وجد صمتها ،جلبَ إليها الإسعافات لتضميدِ جروحها، دقائقَ معدودةً وأنهى إسعافها بصمتٍ مريبٍ وهي تتابعهُ بعينيها، جمعَ الأشياءَ وتوقَّفَ يطالعُها بصمت، رفعت عينيها بعدما شعرت بنظراته..
-متفكرش علشان قربت مني يبقى كدا رضيت بالأمر الواقع ..تجاهل كلماتها، واستدار يحاوط المكان بنظراته قائلًا:
-قومي بقى حبيبي علشان نرجع بيتنا
هنا مش واخد راحتي.،
هبَّت من مكانِها تدفعهُ بقوَّةٍ متناسيةٍ جسدها الذي كُشفَ أمامِه:
-مش هرجع معاك في حتة سمعتني؟..
اطلع برَّة..غمزَ بعينيهِ ينظرُ إلى جسدها الذي انكشفَ معظمِه، فدنا منها:
-بتغريني صح ..وأنا مستعد، إيه رأيِك نكمِّل الليلة ..قالها مقتربًا منها..
-آاااه صرخت فرمقُها بنظرةِ مميتة:
-صوتِك، متفكريش إنِّك في الفيلا، أغمضت عينيها تسبُّهُ بداخلِها.. وصلَ إليها بخطوةٍ واقتربَ حتى هوت فوقَ الفراشِ تجذبُ الغطاءَ فوقها وتصرخُ به:
-ابعد عنِّي بدل ماأصوَّت بحق وحقيقي..
كتمَ صرخةً بداخلهِ حينما وقعت عيناهُ على جرحِ صدرها الذي مازالت تظهرُ آثارِه، وبدأ وكأنها إصابته بحركاتها العنيفة …بسطَ كفَّيهِ إليها:
-قومي خُدي شاور مش عايز كلام كتير، إنتِ مراتي مش واحدة جايبها من الشارع..
بعدَ قليلٍ وصلَ إلى منزلِ والده.. توقَّفت السيارةُ وظلَّا بداخلها:
-يعني إيه ممكن توضَّحي كلامِك؟..
استدارت إليه:
-عايزة أفضل وقت أرتِّب حياتي ياإلياس، عايزة أرجع أثق فيك وأحبَّك زي الأوَّل..
تنهيدةٌ طويلةٌ ومتعبةٌ ثمَّ تحدَّث بنبرة ساخرة:
-تحبيني، رفعَ عينيهِ إليها:
-إنتِ بتكرهيني!.. دنا برأسهِ يخترقُها بنظراته:
-مش قولت بلاش كلام المراهقين دا، أنا أكتر واحد أقدر أحكم إنِّك بتحبيني ولَّا لأ..
ابتعدت برأسِها عن أنفاسهِ التي ضربت وجنتيها، وهمهمت بتقطُّع:
-بلاش الغرور دا ياإلياس، ابتلعَ جمراتَ كلماتها، محاولًا ألَّا يصفعها:
-عايزة إيه ياميرال، شيفاني عيِّل صغير مش عارف أحكم عليكي.. دنت تنظرُ داخلَ مقلتيه:
-أنا دلوقتي مضَّايقة منَّك وحاسة إنَّك بتخنُقني، إيه..عايز علاقتنا دايمًا بطريقتَك بتاعةِ النهاردة، تفضَل ورايا لحتى أخضعلَك علشان أتخلَّص منَّك..
طحنَ ضروسهِ ضاغطًا على فكِّه، وزفرةً حارةً أخرجها يريدُ إحراقها بها، طالعها بنظرةِ خذلانٍ باردة:
-يعني اللي حسيتُه دا علشان تتخلَّصي منِّي؟..ابتعدت ببصرِها عنه، وتابعت بقسوةٍ ألهبت جميعَ حواسِه:
-ومضايقة إنِّي استسلمت، مش راضية بالعلاقة دي، وطول ماأنا مش راضية يبقى جوازنا باطل..
-اخرسي يابت، مش عايز أسمع نفسِك، تمام ياحضرة الصحفية المثقَّفة اللي مش واخدة من دينها غير كلمة الإسلام بس، طلاق مش هطلَّق، هتتعاملي معايا كأي زوجة محترمة هشيلِك فوق راسي، هتسوقي العوج هتعامِل معاكي بأصول أيِّ مصري أصيل بيعامِل مراتُه اللي عايزة تتربى..
البيت دا هيفضَل بيتِك إلى إن شاء الله أدفنِك، ومعنى بيتِك يعني مراتي، عايزة تموِّتي نفسِك، موتي ووعد المرَّة دي مش هنقذِك.. احترام اسمي فوقِك شخصيًا، الاحترام ثمَّ الاحترام
يامدام ميرال.. ثم حدجها بنظرة ممتعضة
-ووعد مني مش هقربلك حتى لو روحي فيكي، بس ماترجعيش تندمي وتعيطي، وهكرهك نفسك اكتر ماانت كرهها، ومن اللحظة دي انسي اي كلمة قولتها لك ، منكرش حبيتك وضعفت، بس مش إلياس اللي يطاطي لست مهما كانت هي مين، ورفضي للطلاق مش تمسك بيكي ابدا يامدام، دا علشان شكلي الاجتماعي مش اكتر، ومن اللحظة دي لو خرجتي برة البيت دا من غير حجاب ولبس محترم، وعد اولع لك في شعرك اللي فرحانه بيه، نظر إلى فتحة صدرها، ثم جذب كنزتها بقوة يشير إلى جسدها الظاهر
-أنا متعاقبش علشان واحدة بترخص جسمها، والله العظيم اشوه لك من غير مايرف لي جفن، احترمي دينك يامسلمة، ..أنهى كلماتهِ بحزمٍ وقوَّةٍ ونبرةٍ يشوبها التهديدُ القاطع ثمَّ ترجَّلَ من السيارة، واتَّجهَ لداخلِ المنزل، بخطوات تأكل الأرض، ظلَّت تتابعُ تحرُّكهِ بحزنٍ من عينيها قائلة:
-أنا عملت ايه علشان احب بني ادم زي دا، وقلبي هيفضل يضعفني لحدِّ إمتى
واللهِ لأندِّمَك ياإلياس وأعرَّفك إنَّ اللهَ حق، وإزاي تفكَّر تكسَر قلبي وتكلمني بالطريقة دي
1
دلف للداخل وخطا بعضَ الخطواتِ إلَّا أنَّها أوقفته:
-إلياس استنى فين ميرال؟..
صعدَ للأعلى دونَ حديثٍ ، تحرَّكت خلفهِ إلَّا أنَّها توقَّفت بعدما استمعت إلى صوتِ غادة:
-حبيبتي حمدلله على سلامتِك، كدا ياميرو، هرولت فريدة إليها، جذبتها بقوَّةٍ لأحضانها، بكت بصوتٍ مرتفعٍ وهي تحتضنُ وجهها تقبلُها على وجنتيها، ثمَّ تفحَّصت جسدها بالكامل كالأمِّ التي تتفحصُ جنينها..
-هونت عليكِ ياميرو، كدا تعملي في ماما كدا..كانت عيناها على تحرُّكهِ للأعلى، فهمست بأنين:
-ماما أنا تعبانة ممكن نتكلِّم بعدين، حاوطت جسدها تهزُّ رأسها وتحرَّكت بجوارِها قائلة؛
-غادة خلِّيهم يجهزولها الحمَّام، تاخد شاور سُخن ..أومأت غادة وتحرَّكت مبتسمة:
-هوَّ لازم ميرو تعمل هيجان في البيت والكل يخدمها، تراجعت إليها وضمَّتها ثمَّ طبعت قبلةً على وجنتيها:
-يارب ماتكوني لبختي، شكلُه بيطلَّع نار من ودانُه، عملتي إيه ياآخرة صبري؟..
ابتسمت متحرِّكةً دون حديث
وصلت بها فريدة إلى الأعلى:
-هتروحي أوضتِك ولَّا عندِ جوزك، قبل ماتقولي حاجة، الشهر دا إلياس تعب جدًا، بلاش توجعيه أكتر ماهو موجوع، سامحيه حبيبتي وهوَّ كمان سامحِك، ابدأوا حياة جديدة…
ربتت على كتفِها وتركتها تتخذُ قرارها بنفسها..
بالداخلِ جلسَ فوقَ الفراشَ ينتظرُ دخولها، استمعَ إلى حديثِ فريدة معها بالخارج، لحظاتٍ وفُتحَ البابَ نظرَ إلى دخولها وخطواتِها الهادئة، وكأنَّها تخطو فوقَ نبضهِ الضاري بعشقها، اقتربت وجلست على الأريكة، تنظرُ في اللاشي، دقائقَ والصمتُ يعمُّ المكان..
توقَّفَ متَّجهًا إلى خزانةِ الملابس وجذبَ ثيابها:
-ادخلي غيَّري، وارتاحي، أنا هنزِل جناحي القديم، خُدي راحتك، وزي مااتفقنا..
تلاشى تنفسها وضاقت عليها جدرانَ الغرفة، همست بتقطُّع:
– مش عايزة أقعد هنا..كوَّرَ قبضتِه، ثمَّ استدارَ إليها:
-انا لحد دلوقتي بحاول أكلِّمك بقلبي، بس واللهِ لو كلمتِك بعقلي لأندِّمك، قولت اتنيلي غيري، ونامي، والكلام اللي قولته تحت يتسمع من غير ولا كلمة قولت ..ولا لا
بعدَ عدَّةِ أيامٍ والوضعُ هادئًا بين الأبطال
بغرفة ميرال ..دفعت غادة الباب غاضبة:
إنتِ يابتِّ عبيطة، واللهِ عايزة أضربِك..
كانت تنظرُ للخارجِ ولا تكترثَ لحديثها، فمنذ ثلاث ايام لا تراه، يعود بوقت متأخر…لكزتها غادة ثم صرخت بها
-ميرال!!
التفتَت تنظرُ إليها بصمت:
-سلمتي جوزِك لواحدة زي دي ياعبيطة؟..هزت كتفها واردفت:
-زلط ياكُل بعضُه، خلِّيها تشبع بيه..
-يخربيت برودِك ياشيخة..ظلَّت تدور بالغرفةِ كالمجنونةِ إلَّا أنَّها هتفت:
ـ طيِّب ياستِّ الجميلة التقيلة،
الأمورة معزومة على العشا، إيه مش هتنزلي تاكلي مع مرات طليقِك مستقبلًا..
ألقتها بكوبِ المياه:
-برَّة، ربنا ياخدِك انتِ وأخوكي وأرتاح منُّكم..
-تصدَّقي صح يابتِّ ياميرو، إلهي ياخدو منِّك ويودِّيه للبتِّ أم عيون زرقة دي على الأقل يجيب عيال حلوين شبه أمهُم، مش زيِّك، دا البت ماصدقت ولزقت فيه، لو تشوفي بتتصل بيه كام مرة، ولا قزاريز البرفيوم اللي جيباها، إنما الصبح إلياس كان حاطط برفيوم ريحته تدوخ، عرفت من مصادري أن العروسة الجديدة جبتها له هدية
نهضت سريعًا وهبطت للأسفلِ غيرَ مكترثةٍ لثيابِها التي تصلُ لفوقِ الرُّكبة، بفتحةِ صدرٍ واسعة..
هرولت خلفها تتمتم:
-ياربِّ استر واللهِ البتِّ دي هت موت مقت ولة..
بالأسفلِ قبلَ قليل:
أخرجَ صورةً ووضعها أمامَه، أمسكَ الصورةَ يقلِّبها بيده:
-مين دا؟..
-راجح الشافعي،اللي اتكلمت عنه من فترة ظابط مستقيل سابقًا، رجل أعمال حاليًا، عليه علامة استفهام كبيرة
-أمم نحلَّها..رفعَ فنجانَ قهوتهِ وارتشفَ بعضًا منها، ثمَّ نظرَ إلى الصورةِ واستطردَ مفسِّرًا:
-عايز كلِّ حاجة عنُّه، من فترة عملت سيرش، لكن للأسف صدَّقت اللي كنت عايز أصدَّقه، لحدِّ مادخل حياتي صُدفة مرَّة تانية..
-قريبَك؟..تساءلَ بها أرسلان
هزَّ رأسهِ بالنفي، ثمَّ أكمل:
-مش موضوع قريبي، الراجِل اللي ضرب بابا، واللي حاول يموِّتنا دا شغَّال مع شريكه، مع إن شريكُه ماليش علاقة بيه..
-علاقتَك بيه إيه؟..
-تار قديم وجِه وقتِ الحساب..
-أمم ..شكلُه أذاك كتيير؟..
استندَ على المكتبِ ونظرَ إليه:
-الراجل دا أخوه مات في حادث بحر، واتجوِّز مرات أخوه، خلِّفت بنت وهربت بيها عايز النفس اللي اتنفَّسُه في الوقتِ دا..
انكمشت ملامحهِ باستفسار:
-يعني إيه، ممكن يكون هوَّ اللي قتل أخوه؟!..
توقَّفَ إلياس بعدما أشعل سيجارته، ثمَّ جلسَ بمقابلتِه:
-مش عارف، لمَّا سألت الناس كلَّها شكرت فيه وزمُّوا مرات أخوه..
-وبعدين، مايمكن فعلًا تكون كدا..
شعرَ بغصَّةٍ تمنعُ تنفسِه، فهزَّ رأسهِ بالرفضِ سريعًا:
-كنت مفكَّر زيك كدا، لحدِّ ماظهر قدَّامي صُدفة، وبدأ تبان حقيقتُه..
-يعني إيه؟..
-دي اللي هتجاوبني عليها في أقرب وقت، عايز مصادر موثوقة، الموضوع دا مهمّ جدًا وياريت يكون سرِّي بيني وبينَك، يعني لو بابا سألَك متقولشِ حاجة.
أومأَ متفهِّمًا ثمَّ نهضَ بدخولِ فريدة تخترقُ بنظراتِها أرسلان:
-حبيبي العشا جهز، يالَّه اعزم على صاحبَك يتعشَّى معانا..
توقَّفَ إلياس يشيرُ إليه:
-إيه رأيَك تتعشى معانا ويبقى عيش وملوخية..قالها مبتسمًا..
-ابتسمَ وهو ينظرُ إلى فريدة:
-كنت أتمنَّى واللهِ ياستِّ الكل، لكن النهاردة عشا عائلي وممكن ماما تتبرَّا منِّي، خليها مرَّة تانية، قالها وهو يغلقُ جاكيتهِ لتتساقطَ صورةُ راجح أمامَ فريدة، تنظرُ إليهِ بذهولٍ مع اندفاعِ ميرال ببابِ الغرفةِ تصرخُ بوجههِ قائلة:
-البت دي إيه اللي جابها بيتي تاني، مش دا بيتي اللي حضرتَك قولت ماليش غيرُه هو والقبر..جذبتها فريدة للخارجِ سريعًا ورسمت ابتسامة:
-معلشِ يابني مكنتشِ تعرف إنَّك موجود..توسَّعت حدقتيها وهرولت تختفي خلفَ فريدة بعدما وجدت أرسلان بجوارِ إلياس لتهمسَ بتقطُّع:
-آسفة ..أنا..سحبتها فريدة وخرجت دونَ حديث، نظرَ للأسفلِ وهو يكوُّرُ قبضته، انحنى أرسلان يحملُ صورةُ راجح قائلًا:
-إن شاء الله خلال ساعات هعرفلَك مين الراجل دا بالظبط..
أومأَ لهُ دونَ حديثٍ وهو يريدُ أن تنشقَّ الأرضَ وتبتلعهُ على ما فعلتُه.
2
تحرَّكَ للأعلى بعد مغادرةِ أرسلان من الفيلَّا كليًا..دفعَ البابَ يبحثُ عنها..
مساءَ اليوم:
بفيلَّا الجارحي، دلفت صفية إلى غرفتها تضعُ أمامها فستانًا من اللونِ الأبيض:
-غرام البسي دا وانزلي حبيبتي أخوات فاروق تحت..
نهضت مبتسمةً واقتربت منها تشيرُ على فساتينها:
-عندي كتير مكنشِ لُه لزوم.. ربتت على كتفها:
-عارفة، بس دا هديِّتي.. طبعت قبلةً على وجنةِ صفية:
-شكرًا ماما صفية، ضمَّتها صفية بحنان:
-ربنا يسعدُكم يارب، أرسو عرف يختار..تركتها صفيه وهبطت للأسفلِ
دلف يطلق صفيرا، ببذلته السوداء
حاوط المقعد الذي تجلس عليه أمام المرآة ونظر إلى انعكاس صورتها بالمرآة
-اميرة ديزني شكلها هتخطف الأنظار الليلة، ودا مش مقبول..ارتدت خاتم زواجها، ثم رفعت رأسها تنظر إليه مبتسمة
-العيلة دي فيها بنات حلوة غير طمطم ولا لا..انحنى يطبع قبلة على جيدها هامسًا:
-حتى ولو انت خلاص سكنتي القلب وشغلتي العقل..لمعت عيناها بسعادة العشق، استدار يجذب حجابها الوردي ثم أوقفها يشير إليها
-خلصي، علشان انا كمان دقيقة وهقفل الباب دا بالمفتاح، والله لو حصل انفجار تحت ماهفتح لحد..ابتسمت بخجل تتناول منه حجابها واستدارت تنظر بالمرآة
بعد قليلٍ وصلت جميعُ العائلةِ للتتعرُّفِ على زوجةِ وريثِ عرشِ الجارحي الوحيد.. دلفت أحلام والجميعُ يشدو بجمالِ غرام، إلى أن هبَّ فاروق بدخولِ والدته:
-مرات مين دي اللي بترحَّبوا بيها، الواد دا… قالتها وهي تشيرُ على أرسلان الذي يحاوطُ جسدَ غرام..هنا شعر اسحاق بتوقف تنفسه وهو يرى والدته تقترب من ارسلان تدفعه هادرة
-إنت مين !!
1
بشركة مالك العمري
خرجَ من الشركةِ متَّجهًا إلى سيارته، ولكنَّهُ توقَّفَ حينما توقَّفت أمامهِ سيارةَ شرطة:
-يزن السوهاجي..أزالَ نظَّارتهِ الشمسية يهزُّ رأسه:
-أيوة فيه إيه؟..
-مطلوب القبض عليك . هرولت رحيل بعدما وجدت الشرطة تجذبهُ كالمجرم..
1
بشقَّةِ آدم:
عادَ من عملهِ بيومٍ مليئٍ بالأشغال..بحثَ عنها، استمعَ إلى الموسيقى بالداخل، فتحَ البابَ بهدوءٍ حتى لا يُفزِعها ولكنَّهُ توقَّفَ متسمِّرًا وهو يجدُها ترتدي بدلةَ رقصٍ سوداء، تظهر منحانيتها الأنثوية بسخاء،و ترقصُ على نغمات:
-حبيبتي ترقصُ حافيةَ القدمين.. دفعَ البابَ ودلفَ للداخلِ بعدما أغلقهُ بالمفتاحِ وهي لم تنتبه لدخولِه.. كانت تتمايلُ مع الموسيقى ولكنَّها توقَّفت بعدما شعرت بكفِّهِ يحاوطُ جسدها يهمسُ بجوارِ أذنها كلماتِ الأغنية، لترتجفَ محاولةً الفكاكَ من قبضتهِ ولكنَّهُ كانَ كالأسدِ الجائع..
يتبع….
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سيلا وليد
“اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك ”
أميرتي الصغيرة ..
عانقيني بنظرات عينيكِ ..
دعيني أتأمل جمال الروح في محرابكِ
أتنهد هدوء النسمات من أنفاسكِ ..
أرتشف زوبعة الحب من فنجان الشفاه
ثم أحملك بأجنحتي فوق وسادة القمر ..
كالفراشة ترفرف بين أحضان الزهور ..
فإن سألوكِ يوماً ،،،
عن موطن الياسمين ،،،
فقولي :
بين شفاه من نطقوا عشقًا فكانوا له أوفياء ..
#إلياس_السيوفي
دلفَ للداخلِ يبحثُ عنها، استمعَ إلى حركةٍ بغرفةِ الملابس، دفعَ البابَ وجدها تقومُ بتبديلِ ثيابها، أغلقت سحَّابَ فستانها، ثمَّ رفعت عينيها إليه.. سحبت نفسًا قويًا حينما شعرت أنَّها أوشكت على البكاء، تعلمُ أنَّها أخطأت ووضعتهُ بموضعٍ خجل، اقتربت منهُ بعدما وجدت نظراتهِ الغاضبة:
-عارفة مهما أتأسِف مش هقدر أقلِّل من غلطي الشنيع، بس واللهِ كنت مفكَّراك لوحدَك، أنا مستحيل أكون بالطريقة البشعة دي..
التوى زاويةَ فمهِ بعبثٍ يشيرُ إليها باستهزاء:
– لو معملتيش كدا هشُك يكون فيكي حاجة، عارف ومتأكد إنِّك متقصديش، علشان لو قصدتي أنا ممكن أموِّتك من غير مايرفِلي جفن، اقتربَ منها وشيَّعها بنظرةٍ مهينة، يضغطُ على ذراعها بقوَّةٍ آلمتها:
-لو أنتِ عاقلة وبتفكَّري قبلِ ماتتهوَّري مكنتيش حطتيني وحطيتي نفسِك في موقف زي دا..أنا خلاص زهقت منِّك ومن تهورِك…قالها ثمَّ دفعها بعيدًا وكأنَّها عدوى، ثمَّ أشارَ بإبهامه:
-متخلنيش أتعامِل معاكي بتعامُل إلياس الظابط، دا آخر تنبيه ليكي…
قالها وتحرَّكَ سريعًا للخارجِ يأكلُ الأرضَ بخطواتِه..مرَّت دقائقَ وهي متوقفة تنظرُ إلى خروجهِ بقلبٍ يئنُّ وجعًا تتمتمُ بخفوت:
-أنا فعلًا أستاهل ياإلياس علشان بتهاوِن في أغلاطك..
-وايه اللي يجبرك تتحمل واحدة زيي ياالياس باشا..
تسمر بمكانه بعدما استمع إليها..استدار إليها وتشابك بعيناها
-مش يمكن علشان اهبل ولسة بحبك..قالها وخرج سريعًا.. دقائق متوقفة بمكانها لا تعرف أتبكي ام تحزن من كلماته، كل ما فعلته رددت لنفسها “وانا كمان بحبك”
بفيلَّا الجارحي:
دلفت أحلام تطالعُهم باشمئزاز، وهدرت قائلة:
-عروسة مين دي إن شاءالله، عروسة الواد اللي هناك دا، أهي شبهُه..
ارتفعت أنفاسُ فاروق ينظرُ إلى اسحاق الذي وقفَ متجمِّدًا كيف وصلت إلى هنا دونَ إخبارِه، وصلَ إلى والدتهِ مع صوتِ أرسلان:
-إيه اللي حضرتِك بتقوليه دا ياجدتي؟!..
-اخرس يالا، انحنى إسحاق يقبضُ على كفِّها يقبلُه:
-جدتك بتدلَّع عليك ياأرسو، زعلانة علشان معملتِش فرح يليق بأهلِ الجارحي وعزمتهُم..مش كدا ياماما ..انحنى يهمسُ لها:
-أنا مش بهدِّد بس لو اتكلمتي بحرف يقهُر الولد وحياة رحمة أبويا هنسى إنِّك أمي ياستِ أحلام هانم..قالها وتراجع..ولكن كانت هناكَ أعين تراقبُ مايحدث، فاقتربَ بعدما تركَ كفَّ زوجته:
-كنت بتقولًَها إيه ياعمُّو؟..ثمَّ رفعَ عينيهِ إلى جدته:
-هو حضرتِك زعلانة فعلًا، ولَّا إسحاقو بيحاول يخبِّي حاجة..
رسمت قناعًا باردًا رغمَ خوفها من نظراتِ إسحاق أردفت:
-أه زعلانة..اتكأَ إسحاق على كتفِها مبتسمًا يوزِّعُ نظراتهِ بين الجميع:
-أمي بتحب تتدلَّع علينا..ابتعدت وهزَّت رأسها متراجعةً إلى المقعد:
-كمِّلوا احتفالكو بالعروسة، أنا فعلًا مضايقة علشان الواد دا كان المفروض يعرَف هو تبع عيلة مين، وكمان نزل لمستوى متدنِّي، زي غيره، قالتها تنظر إلى صفية بشماتة، ثم استأنفت
– فين بنات العائلات..
-تيتا لو سمحت..ابتعدت بنظرِها قائلة:
-قولِّي أحلام هانم أنا مش كبيرة أوي على تيتا دي، هتلعب معايا ولَّا إيه..
ضيَّقَ أرسلان عينيهِ يُطالعها بشك، ثمَّ ردَّد:
-هو ليه حضرتِك بتحسِّسيني إنِّي واحد من الشارع…
حاوطهُ إسحاق وأطلقَ ضحكاتٍ مرتفعة، يجذبهُ لأحضانه:
-الواد دا مشكلة، لازم يرُد كلمة بكلمة..ابتعدَ أرسلان وتسرَّبَ الشكُّ داخله، وعينيهِ على أسحاق مرَّة وعلى فاروق..ظلَّ الوضعُ على صفيحٍ ساخنٍ بينهم بعضَ الوقت.. إلى أن افتتحت الحفلة برقصةِ أرسلان وزوجتهِ ببدايةِ الأمر…
حاوطَ خصرها وتحرَّكَ مبتعدًا بها، رفضت في بدايةِ الأمرِ ولكنَّها وافقت مجبرةً بعد إصراره..
بسطَ كفَّيهِ لتعانقَ يديها واحتضنها بعينيهِ الحنونةِ لتبعثَ بداخلها قشعريرةً قويةً تسربت لعمودها الفقري، ابتعدت بنظرِها خجلةً تنظرُ بكافَّةِ الأرجاءنظرت ليديه تفرك بكفيها تهمسُ له:
-مبعرفشِ أرقص ياأرسلان، عمري مارقصت..
-حبيبتي إيدي وجعتني والكلّ عمَّال يبُص علينا، هفضَل مُنتظر كتير…
رفعت نظرها إليهِ ولمعت عينيها بخطٍّ من الطبقةِ الكرستالية:
-مبعرفشِ خايفة يضحكوا عليَّا..
-مش واثقة فيَّا…دنت ُمنه ووضعت كفَّيها بين يديه، ليحاوطَ خصرها يقرِّبها إليه، قفلت جفونها بشدَّة، وهي تحاولُ أن تسيطرَ على تلك العاصفةِ التي اجتاحت جسدها من قربهِ المهلك،
بلَّلت حلقها الذي شعرت بجفافه:
-أرسلان هعمِل إيه، خايفة..
-ارفعي راسِك وبوصيلي وبس، واتحرَّكي مع الموسيقى..
هزَّت رأسها بالنفي وتمتمت بتقطُّع:
-مش هقدر صدَّقني، هدوس على رجلَك..قهقهَ عليها وبدأ يتحرَّكُ مع الموسيقى وذراعهِ يحاوطُها يتحدَّثُ معها حتى يسحبُ رهبتها:
-ماقولتيش إيه رأيك في العيلة، من وقتِ ماجينا هنا أمي استفردِت بيكي..
ابتسمت بخجلٍ مردفة:
-اسمها أمَّك، اللي يسمع أرسلان باشا مايشوفشِ المستوى الاجتماعي..
انكمشت ملامحهِ باعتراضٍ قائلًا:
-ليه بقى إن شاءالله!!
مازالت ابتسامتها تنيرُ وجهها وتناست أنَّها ترقصُ بين ذراعيه لتردف:
-متوقعتِش تبقى غني أوي كدا، كنت مفكَّرة إنَّك من الطبقة المخملية بس الهاي كلاس دي استبعدتها..
قرَّبها إليهِ حتى اختلطت أنفاسهما وكادَ أن يلمسَ ثغرها لتبتعدَ متلفِّتةً حولها بخجلٍ من حركاتِه:
-يابنتي اثبتي أنا كنت هجاوبِك بس، لكن إنتِ اللي دماغِك شمال..
-أرسلان بس بقى والله هعيط..توقَّفت الموسيقى مع تصفيقِ إسحاق لينتبهوا للجميع..حمحمَ وسحبها متَّجهًا إلى والدتِه:
-إيه رأيك في مرات ابنِك ياصفية خانوم..سحبتها صفية وعيناها على أحلام خوفًا من انقلابِ فرحتها، ثمَّ أجلستها بجوارِها:
-أحلى عروسة ياحبيبي، ربنا يسعدُكم يارب، وأشوف ولادُكم قريب.
انحنى يقبِّلُ يدَ والدتهِ ثمَّ رأسها، رفعت رأسها تطالعهُ بذهولٍ تهمسُ لنفسها:
-هل حقًّا هذا الشخصَ هو المتجبِّر زوجها، هذا المتكبِّر الذي لا يتحمَّلُ أحد إفراضَ رأي عليه..ظل الحفل لبعض الوقت إلى أن همسَ إلى والدته:
-أنا ماليش في جوِّ العيلة الخنيق دا، كلُّهم عرفوا إنِّي اتجوزت أهو، وشايف أحلام عايزة تموِّتني معرفشِ ليه، فأنا هروح بيتي سامحيني..مش هقدَر أبات هنا ووعد زي مااتفقت كلِّ خميس هنيجي نبات معاكي، وأيِّ سفر ليَّا هجيب غرام لحضرتِك.
ربتت على كتفهِ متنهِّدةً أخيرًا فهي تريدُ أن يذهبَ قبلَ أن تتفوَّهَ أحلام، فلولا وجودِ إسحاق لانقلبت حياتهق
-خُد بالك من نفسك ومن مراتك، التفتت إلى غرام:
-خلِّي بالِك منُّه حبيبتي..توقَّفت مبتسمةً تنظرُ إلى أرسلان وهمست:
-حاضر ..سحبَ كفَّها يلوِّحُ إلى والدهِ وإسحاق الذي تنفَّسَ أخيرًا بحريَّةٍ يجذبُ فاروق إلى المكتبِ حتى يطمئنهُ خوفًا أن يصيبهُ مكروه..
هوى على المقعدِ يفتحُ ربطةَ عنقهِ يتنفَّسُ بتثاقلٍ مع دخولِ أحلام بعدَ استدعاءِ إسحاق إليها مع الخادمةِ.. دلفت كالجبروتِ تجلسُ تطالعُهم بغضبٍ وهدرت معنِّفةً إياهم:
-متفكَّروش سكتّ علشان حاجة، ممكن أخرج أفضحك يافاروق برَّة إلَّا إذا وافقت على شروطي..
-أملاكك كلَّها تتكتِب باسمِ ملك، مراتَك وابنِ الشوارع دا ماياخدوش ولا مليم
جلسَ إسحاق يشعلُ سيجارتهِ يشيرُ بعينيهِ لفاروق على أن يهدأ ثمَّ سحبَ نفسًا من تبغهِ ينفثهُ بهدوءٍ وعينيهِ على والدتهِ متمتمًا:
-أنا صبرت عليكي كتير، ودا مش حبًّا فيكي، دا علشان اسمِ العيلة اللي وعدت أبويا إننا نحافظ عليه، معرفشِ بأيِّ حق جاية تتكلِّمي، هوَّ مش حضرتِك اتبريتي منِّنا وروحتي اتجوِّزتي، راجعة وعايزة إيه..فتحت فاهها للحديث، إلَّا أنَّهُ نصبَ عودهِ بتكبُّر واقتربَ منها ثمَّ انحنى يحاوطُ مقعدها بذراعيه:
-الماضي لسة قدَّام عيوني ياأحلام هانم، ياريت نهدى ونتلَّم كدا، أنا عن نفسي متبرِّي منِّك وبحاول أضغط على نفسي وأتقبَّلك قدَّام المجتمع علشان فاروق مش أكتر، إنَّما إنتِ متهمنيش ولو حتى خطوة للباب دا، أقسم بربِّ العزة لو نطقتي كلمة واحدة قدَّام أرسلان لأطلعلِك إسحاق القديم أظن فكراه كويس ..المرة اللي فاتت فاروق أنقذِك من تحتِ إيدي، المرَّة دي مش هرحمِك، لمِّي الدور وارجعي لجوزِك وعيالُه، حقِّك وأخدتيه جاية لعندنا ليه..
-إسحاق اتجنِّنت، إنتَ ناسي بتكلِّم أمَّك..
اعتدلَ يطالعهُ بتهكُّم:
-لا مش امي ..قالها وخرجَ يشيُّعها بنظرةٍ تحملُ الكثيرَ من البُغض..
نهضت من مكانها تشيرُ على خروجه:
-شايف أخوك، شوفت بيعاملني إزاي..
-ماما إسحاق ومش هيتغيَّر، والبركة في حضرتِك..
-ليه مش من حقِّي أعيش حياتي ..نهضَ من مكانه:
-مش كلِّ مرَّة نتكلِّم في الموضوع دا..
بسيارةِ أرسلان، جلست بجوارهِ بالخلف، كان يتحدَّثُ مع أحدهم:
-لا بكرة هكون خارج القاهرة، تمام،خلِّيك وراه واعرف الواد دا آخرُه إيه..أنا هقفِل الفون أيِّ حاجة كلِّم سيادةِ العقيد وبلَّغه بالجديد..
قالها وأغلقَ الهاتفَ يتطلَّعُ للتي تنظرُ للخارجِ بشرود، تُراجعُ ذكريات منذُ أيامٍ بعدما أخذها من منزلهما متَّجهينَ إلى الفيلَّا الخاصة بالعائلة..ترجَّلَ من السيارةِ ثمَّ بسطَ يدهِ يساعدُها بالنزولِ من السيارة، تلفَّتت حولها:
-إحنا فين؟..حاوطَ كفَّها وتحرَّكَ لداخلِ الفيلَّا بعدما وقفت السيارةُ أمامَ البابَ الداخلي:
-دا بيتنا..توقَّفت متسمِّرةً وازدادَ توترُها
تسائلهُ بتقطُّع:
-يعني إيه، وليه جايبني هنا؟!..
تحرَّكَ بعدما سحبها من كفَّها:
-جه الوقت اللي الكل لازم يعرف مين هيَّ غرام الجارحي.
-أرسلان لو سمحت..استدارَ ينظرُ إليها بصمتٍ يستمعُ اليها، تركت كفِّهِ وتمتمت بتقطُّع:
-أنا مش جاهزة.. إزاي تجبني من غير ماتقولِّي، إمتى هتشاركني قراراتك..
لفَّ ذراعيهِ حولَ جسدها ونظرَ لوجهها مردفًا دونَ نقاش:
-اسمعيني علشان مش هكرَّر الكلام تاني، إنتِ مراتي وكان لازم من زمان تكوني هنا، بس أنا اللي كنت بأجِّل لأتأكد من مشاعري، إنَّما آخد رأيك ليه في موضوع محسوم، وياستي لو قلقانة مفيش غير ماما اللي موجودة، وبابا على وصول والراجل مش هياكلِك هوَّ عارف أصلًا إنِّي متجوِّز هوَّ وأمي..
-إيه!! إزاي..أومال ليه مخبِّي ومين اللي ميعرفش؟..
أشارَ إلى الحديقةِ وأردف:
-إيه رأيك نفرش ونقعد هنا ونحكي ليه أنا معرَّفتش البقية، ادخلي حبيبتي ربنا يهديكي، مش كلِّ حاجة ينفع أحكيها..
تحرَّكت بجوارهِ بصمت، بعدما لمَّحَ لها ببعضِ الإشاراتِ عن هويتِه..
دلفَ للداخلِ قابلتهُ الخادمة:
-أهلًا ياباشا..نزعَ معطفها وناولهُ للخادمة، ثمَّ فعل مثلها متسائلًا:
-ماما فين؟!..أشارت إلى غرفةِ الموسيقى قائلة:
-الهانم جوا، ملك هانم لسة واصلة من شوية..سحبَ كفَّها وتحرَّكَ للداخل ..طرقَ البابَ رفعت ملك عينيها تنظرُ للذي دلفَ وبجوارهِ إحدى الفتيات،
هبَّت من مكانِها تهرولُ إليه:
-أبيه أرسلان..وحشتني، قالتها وهي تعانقه، رفعها يضمُّها باشتياقٍ مقبِّلًا وجنتيها:
-ملوكة حمدالله على السلامة..
ابتسمت لهُ تطبعُ قبلةً على وجنتيه:
-الله يبارك فيك ياحبيبي، لاحت بنظرها إلى غرام التي كانت تنظرُ إلى صفية برهبة، اقتربَ أرسلان من والدته:
-صفية هانم الدراملي وحشاني..قالها وهو ينحني يطبعُ قبلةً فوقَ رأسها..
ربتت على ظهره:
-حمدالله على السلامة حبيبي، قالتها وعينيها على غرام التي وقفت منكمشة، أشارت عليها متسائلة:
-الجميلة دي مراتك..بسطَ يدهِ إليها قائلًا:
-تعالي ياغرام، دي ماما ..ثمَّ اتَّجهَ لوالدته:
-المدام خايفة منِّك..قالها وهو يحاوطُ جسدها..تورَّدت وجنتيها تهمسُ بتقطُّع
-إزي حضرتِك..أشارت صفية إليها بالقرب..اقتربت منها وعينيها على أرسلان الذي أومأ لها ..أجلستها بجوارها ثمَّ ضمَّتها لأحضانها:
-ماشاء الله مراتك حلوة ياأرسو..قالتها صفية وهي تلمسُ وجنتيها..
جلسَ بجوارِها من الجانبِ الآخر، ثمَّ حاوطَ أكتافها غامزًا لصفية:
-دي غرام الجارحي ياصفية يعني لازم تكون ملكة جمال..
اتَّجهت تطالعهُ بغضب طفولي..ضحكَ عليها يغمزُ بطرفِ عينيه..
-إيه ياغرام مكسوفة من ماما..كانت تقفُ بعيدًا ببعضَ الخطواتِ ولكنَّها لا تعلمُ لماذا شعرت بالغضبِ من احتضانهِ لتلكَ الفتاة، رفعَ عينيهِ إليها:
-دي ملاكي الصغير ياغرام، أختي بس من بابا.. اقتربت ملك ثمَّ دفعت غرام وجلست بأحضانِه..
-حبيبي ياأبيه، ربِّنا يخليك ليَّا ياأحسن أخ، وطبعًا هفضل ملاكك طول العمر، أنا وبس مش كدا ولَّا إيه؟..
رفعَ حاجبهِ ساخرًا:
-إيه يابت هتصاحبيني ولَّا إيه، علشان بهزَّر معاكي..اعتدلت تلكمهُ بصدرهِ وكأنَّهُ يحدِّثها بجدية، ونهضت باكية:
-أنا زعلانة منَّك…
ضحكت صفية وطالعتهُ بعتاب:
-الحقها دي مجنونة، ثمَّ نظرت إلى غرام:
-حبيبتي قرَّبي تعالي، متزعليش من ملك، هيَّ بتغير على أرسلان شوية..
أومأت لها:
-شكلها بتحبُه أوي..شردت صفية تهزُّ رأسها:
-وهوَّ كمان روحه فيها، حاولي متزعليش منها..
-هزَّت رأسها مبتسمة:
-بالعكس مش زعلانة، وبعدين دي أختُه..تذكَّرت صفية تمارا فطالعتها بتدقيق:
-وكمان له بنت عمته بيعاملها كأنَّها أخته، بس أديكي شايفة جيل التكنولوجيا بيعمل إيه، عايزين أخواتهم ليهم لوحدهم..خرجت من شرودها عندما لمسَ كفَّها:
-سرحانة في إيه بقالي فترة بكلِّمك..
استدارت تطالعهُ بنظراتها العاشقة:
-شكرًا على الليلة الحلوة دي..رفعَ كفَّها وقبله:
-بتشكريني على إيه دا حقِّك حبيبتي وأكتر من كدا كمان..
لفَّ ذراعيهِ وضمَّها لأحضانهِ مطبقَ الجفنينِ يستنشقُ رائحتها بوله:
-غرام عايزك دايمًا فرحانة، والابتسامة متفارقشِ وشِّك..
رفعت رأسها وهتفت:
-طول ماإنتَ جنبي أكيد هكون فرحانة..
طبعَ قبلةً فوقَ جبينها ثمَّ فتحَ بابَ السيارةِ التي توقَّفت أمامَ بابِ منزله..ترجَّلت متحرِّكةً بجوارهِ إلى أن وصلَ إلى بابِ المنزل..
-غمَّضي عيونِك، ماتفتحيش غير لمَّا أطلب منِّك..
فعلت مثلما طلبَ منها، فتحَ البابَ وانحنى يحملُها فتعلَّقت بعنقهِ تصرخ..
-أمم قولت إيه ماتفتحيش غير لمَّا أقولِّك..أنزلها أمامَ كعكةٍ متعددةُ الأدوار، وقامَ بإشعالِ الشموعِ مع إغلاقِ الإضاءة، وفتحَ موسيقى أجنبية هادئة..
-كدا كتير ياأرسلان، هفتح عيوني والله..حاوطَ جسدها من الخلف بعدما أزالَ حجابها مع غطاءِ فستانها الخارجي، لينسابَ إلى أسفلِ قدميها وتصبحَ أمامهِ بفستانٍ أبيضَ بحمَّالاتهِ الرفيعة، وطولهِ الذي يعلو الركبة، فلقد اختارهُ لها بعنايةٍ لتصبحَ عروسهِ مستعدِّةً لتلكَ اللحظة..
رجفةٌ أثارت جسدها عندما استمعت إلى همسهِ لتشعر ببرودةِ جسدها:
-دلوقتي غرامي تفتح عيونها الجميلة لحبيبها..فتحت عينيها تنظرُ لتلكَ الكعكةِ المجهَّزة، والشقَّةُ المزينة، التي من يراها يزعمُ أنَّها للعروسينِ ليلةِ زفافهما، تذكَّرت ذاكَ الجناحِ الذي استقرُّوا بهِ بعضَ الأيامِ بفرنسا..ارتخت ساقيها حتى أصبحت كالهلامِ وهي تشعرُ بيديهِ على جسدها المكشوفِ من الفستان ..استندت عليهِ وتحدَّثت بنبرةٍ أثارته:
-دا كله ليَّا أنا معقول المفاجأة دي حبيبي..
آآه عاشقة بنبضِ قلبهِ المتزاحمِ بصدره، رفعت يديها لتحاوطَ عنقهِ يهمسُ بجوارِ أذنها:
-إيه رأيك في المفاجأة..رفرفرت بأهدابِها الكثيفةِ تحاولُ السيطرةَ على ارتعاشةِ دواخلها، تومئ له..رفعَ ذقنها يلمسُ وجنتيها الناعمة:
-مش هنقطَّع التورتة..أومأت تهربُ من نظراته..وضعَ كفِّهِ فوقَ كفها، وأمسكَ السكينَ ليقطعا جزءًا من الكعكة، حملت الطبقَ بيدٍ مرتعشةٍ تحاولُ أن تضعَ بعضًا له..اقتربَ يبعدُ يديها وحملهُ مكانها، وبدأ يقطِّعُ جزءًا منها يضعهُ بالطبقِ الذي بيديه، وعينيهِ عليها، أشارَ إليها:
-مين هيدوَّق التاني..أمسكَ الشوكةَ وقطعَ جزءًا صغيرًا يقرِّبهُ إلى فمها..
تورَّدت وجنتيها وهو يقرِّبها من شفتيها، لحظاتِ ولم تشعر بشيئٍ سوى اختطافهِ لتلكَ القطعةِ بطريقةٍ انهارت على خلفيتها قلاعها الحصينة، من جرأتهِ الغير المعهودة، لم يرحم ضَعفها وبخفَّةٍ حملها ومازال يعقدُ مع ثغرها علاقتهِ المنفردةِ ليتوِّجَ هذا المساءَ بنيةِ عزيمتهِ لتصبحَ زوجته، سحبها للداخلِ خاطفًا أنفاسها وروحها وهو يسكبُ لها من ترانيمِ عشقهِ ما يجعلها ملكةً متوَّجةً على قلبه، لتصبحَ زوجتهِ قولًا وفعلًا..بعدَ فترةٍ كان يداعبُ خصلاتها وهي تدفنُ وجهها خجلًا منهُ على ماصارَ منذُ قليل..ابتسمَ بحنانٍ على خجلها، دعا بسريرتهِ أن يؤلفَ اللهُ بينهم بالمودةِ والرحمةِ ويملأ حياتهما سعادةً لا تنتهي، طالبًا من المولى عز وجل أن يرزقهما بالذريةِ الصالحة..انحنى يطبعُ قبلةً حنونةً فوقَ جبينها متمتمًا بصوتٍ هامس:
-مبرووك غرامي، دلوقتي بقيتي مدام غرام أرسلان الجارحي..
عندَ يزن بقسمِ الشرطة:
دلفت إلى مكتبِ وكيلِ النيابة، وأردفت متسائلةً بعد السماحِ لها:
-ممكن أعرف يزن السوهاجي هنابتهمة إيه؟..
-حضرتِك مين..تساءلَ بها بدخولِ والدها بجوارِ آدم..
-أهلًا راكان باشا..توقَّفَ راكان يرحبُ بمالك العمري..أشارَ مالك إلى آدم:
-دكتور آدم ابنِ أختي ..ثمَّ اتَّجهَ إلى راكان:
-راكان البنداري..وكيل النيابة اللي حولوله القضية.
ابتسمَ راكان وهو يطلبُ من المسؤولِ عن مكتبه:
-تشرَب إيه ياباشمهندس؟..
-مفيش داعي لحضرتَك..إحنا بس عايزين نعرف يزن السوهاجي بتهمة إيه في القضية دي؟..
-أنا لسة واصل، والملف يادوب بفتحُه، إديني لبكرة وأقولَّك..
هبَّت من مكانها:
-لا طبعا، أكيد مظلوم ومستحيل يبات هنا، حضرتَك لازم تخرَّجُه..
اتَّجهَ بنظرهِ إلى مالك متمتمًا:
-آسف ياباشمهندس، بس دي إجراءت قانونية، مينفعشِ أخلي سبيله.،
تحرَّكت بغضبٍ للخارجِ قائلة:
-أنا لازم أقوِّم له محامي، مينفعشِ يبات هنا..
نهضَ مالك معتذرًا عن عصبيةِ ابنته:
-آسف ياراكان باشا، أصلُهم أصدقاء، وأنا بضمَن يزن على كفالتي الشخصية، هنتظر حضرتَك برَّة وتشوف موضوع القضية دي إيه..
خرجَ ينظرُ لابنتهِ بغضب
-اتجننتي دا وكيل نيابة إيه اللي عملتيه دا..
اقتربت من والدها وشعرت بدوارٍ يضربُ رأسها من كثرةِ عصبيتها:
-بابا يزن مظلوم، لازم تخرَّجه..
زفرَ بغضبٍ وأمسكَ هاتفهِ وقامَ ببعضِ المكالمات ، حتى جلسَ قائلًا:
-القضية عند راكان ومستحيل يخرَّجُه من غير مايدرسها ويحقَّق فيها كويس، كلِّ ماحد يعرف إنَّها مع راكان رافض يساعدني، علشان دا سكِّتُه معروفة مالوش في الواسطة..
-طيِّب مادا كويس ياخالو، يعني هيساعدنا ونعرف نخرَّجُه لو كان مظلوم ..توقَّفَ ينظرُ لابنته:
-الموضوع مش بالسهولة دي، دي قضية قتل، وكمان العربية هو اللي صلَّحها معرفشِ إيه اللخبطة دي..
بالداخلِ عند راكان وهو يتطلعُ على أوراقِ القضية، واستدعاءِ يزن ..توقَّفَ على بعضِ النقاط، بدلوفِ يزن إليهِ
بعد فترةٍ من التحقيقات..
قصَّ لهُ يزن ماصار، بدايةً من وصولِ الشخصِ الذي يُدعى بياسر وحديثهِ بالكامل،وبفطنةِ راكان وخبرته ..أمرَ بإعادةِ تشريحِ الجثمان وفحصِ كاميراتِ چراجِ السيارات..مع حبسِ المتَّهم أربعةَ أيامٍ على ذمةِ القضية، قالها بدخولِ جاسر الألفي..
-مساء الخير يابوص..جلسَ بمقابلتهِ مع انشغالهِ بمراجعةِ الأوراقِ التي أمامه..توقَّفَ جاسر متَّجهًا إليه:
-في حاجة ولَّا إيه؟..رفعَ رأسهِ ثمَّ نزعَ نظارتهِ الطبية:
-القضية الغبية اللي حضرتك قبضت فيها على المهندس، دا ملفِّق غبي..
-يعني إيه..دلفَ العاملُ بقهوةِ جاسر وراكان، صمتَ راكان إلى أن خرجَ ثمَّ أردف:
جاسر انت قولت دا مهندس سيارات، ومن تحقيقاتك قولت أنه عايز بيحب البنت، وانا لاحظت فعلًا البنت بتحبه
-طيب كويس، يبقى ممكن يكون عايز ينتقم زي مالتحقيقات قالت
توقف راكان يهز رأسه بالرفض غير مقتنع ثم أردف:
-إيه رأيك في واحد عايز يدَّخل واحد السجن أو ينتقم منُّه Whatever يعني هوَّ عايز منُّه إيه، بس فكَّر بغباء وتخلُّف..
ارتشفَ جاسر من قهوتهِ يستمعُ إليهِ بتركيز:
-يعني واحد راح لمهندس ميكانيكا يصلَّح عربية في حيِّ شعبي مع إن العربية دي لمالك شركة، وبعد كدا ياخُد العربية مسافة 20 كيلو وبعد كدا يركنها في چراچ لحد ما المتوفِّي ركبها وفجأة الفرامل ملعوب فيها وهوَّ كمان شارب، الموضوع أهبل بتاع عيل أهبل…
-تقصُد إيه من كدا ..نقرَ على مكتبهِ بتفكير:
-المهندس دا ياإما حد عايز يتخلَّص منُّه، ياإما كان مالك المقصود وجت في اللي مات…
-أوبااا كدا مش عيل أهبل زي ما بتقول ياحضرةِ الوكيل..
مطَّ شفتيهِ للأمام يهزُّ رأسهِ بالموافقةِ على رأيه..
-دا للأسف اللي بحاوِل استنتجُه، بس في الأوِّل والآخِر المهندس دا مظلوم ليه حبستُه؟..
-نهضَ يجمعُ أشيائه..
-مينفعشِ أخرَّجُه هوَّ المتهم الأوَّل قدَّام القانون، بعد ماللوا ابن المتوفي متهمه، وكمان عايز أعمل خدعة حلوة علشان أعرف إيه الهدف ..بس دا بعد مايشرَّحوا الجُثة لو جه اللي في بالي صح يبقى كدا مالك نفسُه المقصود..
-بس دي مش عربية مالك، دي خاصة والاجتماعات ووكلاء الشركة وكدا
-بس مالك بيركبها لما يكون فيه اجتماع خارج الشركة، ركز عربية صاحب شركة تتصلح في ورشة بحارة
المهم الواد اللي اسمه ياسر دا حافظ عليه كويس، الواد دا أساس القضية، ودا عايزك تحقق معاه تاني بطريقة تخليه يطفح اكله
قهقه جاسر متحركًا بجواره:
-قلبي ضعيف يابني انت عارفني
توقف يرمقه بسخرية ثم هز رأسه:
-أيوة عارف بدليل الواد اللي قطعت صوابعه انت وياسين دا انتوا غلابة ياجدع ..ارتفعت ضحكاته
-قلبك اسود يابن البنداري، الله يرحم عمايلك يااخويا، متمريش الناس بطوب وانت بيتك من قزاز ..تحرك الصديقان ومازالت ضحكاتهم على وجوههم ليشير راكان لنفسه
-أنا بيتي من قزاز، لا ياحبيبي بيتي غالي من الالماس
-اوووبا عليك ياحضرة المستشار..اقترب هامسًا
-راكان البنداري معاك واديني كام يوم لو مااثبتش المهندس دا برئ يبقى قعدني على عربية طماطم
-دي قضية واحد فلتت من دماغه برج الذكاء، بس على مين
أممم لا فعلًا دماغ ياراكي باشا..
قهقهَ راكان ثمَّ ربتَ على كتفه:
-يابني انا يتعملِّي كتاب ويدرَّس منُه..
اومأ جاسر برأسه:
-ليك الغرور ياحضرةِ المستشار، ماقولتِش على فين السهرة النهاردة؟.،
نظرَ بساعةِ يدهِ قائلًا:
-النهاردة عيد ميلاد كيان ودي لو محضرتِش بتقوِّم الدنيا في البيت، خلِّيها لبكرة..
-أوكيه، كلِّ سنة وهيَّ طيبة، وأكيد أحسن هدية منِّي لكوكي توصل على البيت ..توقَّفَ أمامهِ قائلًا:
-إيه رأيَك تجيب الولاد يقضُّوا عيد الميلاد مع بعض؟..
هزَّ رأسهِ وأردف:
-مش هنا عند عمِّتهُم باسكندرية من امبارح، عيد ميلاد سفيان ابنِ بيجاد هوَّ كمان، هيَّ إيه العيال الرزلة اللي كل ِّشوية ليهم أعياد ميلاد دي..
ابتسمَ راكان بمحبةٍ قائلًا:
-ياسيدي ربِّنا يبارك فيهم ويحتفلوا، المهم الصبح الاقيك محقق مع الواد دا وتعرف تطلعي بحاجة
-تكرم عيونك، توقف جاسر بعدما لاحظ شيئا
-أنما نسيت اسألك مين اللي رشحك للقضية دي، يعني كنا مع بعض امبارح وبحكي لك وماقولتش حاجة..فتح باب السيارة محاولا التذكر، ثم أردف
-معرفش مش متذكر، بس انت عارف مش شرط حد رشحني، أيوة حسن قالي اللواء مصطفى السيوفي اللي انتقل هنا من كام شهر..اومأ له واتجه إلى السيارة
-تمام بكرة هيكون عندك تحقيق كامل، انا كنت سايبها للولاد في المكتب، بس حضرتك أمرت يبقى على الأمر والطاعة، خلاص على تليفون تمام ياصاحبي..
أومأ وهو يتحرَّكُ إلى سيارتهِ ملُّوحًا بيده..
باليومِ التالي بعد مطالبةِ راكان بتغييرِ الطبيبِ الشرعي..وصلَ الأمرُ إلى المشفى الذي يعملُ بها آدم وكان هو الطبيبُ الموكَّل بتشريحِ الجثة، دلفَ إلياس إلى المستشفى يسألُ بالاستعلامات:
-دكتور آدم الرفاعي فين لو سمحتي؟..
أجابتهُ قائلة:
-آخر غرفة بالدورِ التاني يافندم..تحرَّكَ سريعًا إليهِ حتى وصلَ باستعدادِ آدم للذهابِ إلى المستشفى المحجوزة بها الجثة ..توقَّفَ أمامهِ وأخرجَ بطاقته:
-عايزك خمس دقايق ..
أومأ آدم لهُ وجلسَ يستمعُ إليه:
-طبعًا القضية دي مش تبع جهازي، بس لازم أعرف إيه سبب الوفاة، من فضلك عايز أعرف هل بسببِ الموادِ المخدرة فعلًا ولَّا حاجة تانية؟..
-آسف يافندم مقدرشِ أخون وظيفتي وأقول لحضرتَك بدل مش الجهة المسؤولة..
رغمَ إعجابِ إلياس به ووصولهِ إليهِ حتى يعلمُ مابداخله، استندَ على المكتب:
-طيِّب لو قولتلَك اللي حضرتَك تطلبه، المهم التقرير يكون عندي قبلِ مايوصل النيابة..
هبَّ آدمُ من مكانهِ وجمعَ أشيائهِ قائلًا بنبرةٍ حادةٍ إلى ٍحدٍّ
هبَّ آدمُ من مكانهِ وجمعَ أشيائهِ قائلًا بنبرةٍ حادةٍ إلى ٍحدٍّ ما:
-مش علشان حضرتَك ظابط تطلُب منِّي أخالف ضميري المهني، النيابة الوحيدة اللي ليها الحق تعرَف، معنديش تفاصيل بالباقي عايز تعرَف تروح النيابة وحضرتَك ظابط مش هيكون صعب عليك إنَّك تعرَف..
بعدَ فترةٍ أنهى آدم من تشريحَ الجثمانِ للمرَّةِ الثانيةِ، مرت عدة أيام حتى ظهر التقرير الذي أثبتَ خلوِ الجسدِ من أيِّ موادٍ مخدِّرة، وسببَ الوفاةِ ضربةً حادةً بالرأسِ بسببِ حادثِ سيارة ..
فحصَ راكان التقريرَ الذي وصلهُ بعدَ عدَّةِ أيام ..أومأ مبتسمًا بسخرية:
-كنت شاكك والله، مش معقول شاب بيصلي وأخلاقُه عالية هيكون مدمن..
بناءً عليهِ قرَّرَ خروجَ يزن من السجنِ بمحلِّ إقامتهِ إلى أن تنتهي القضية..
بمكتبِ إلياس:
منهمكًا بعملهِ في بعضِ القضايا التي تمسُّ أمنَ البلد، لاحَ بصرهِ لملفٍّ لأحدِ الشبابِ ذاتِ الجنسيةِ الأوروبية، فتحهُ وبدأ يقرأُ مابداخلِه، إذ بهِ يتراجعُ على مقعدهِ وذهنهِ شارد، متذكر مكالمة أحدا من فريقه:
قضية الباشمهندس مازن يافندم
مالها !! قالها وهو يشعلُ سيجارته، ليجيبهُ الآخر:
-تقرير الطبِّ الشرعي بيقول أنُّه كان شارب، والعربية كمان كان ملعوب فيها..
-طيِّب الظابط اللي ماسك القضية دي مش قالَّك حاجة؟..
هزَّ الرجلُ رأسهِ بالنفي ثمَّ استطردَ موضحًا:
-طبعًا أنا بحاول أتلقَّط الأخبار من بعيد زي ما حضرتَك عارف، بس اللي عرفتُه أنُّهم متهمين المهندس اللي اتعيِّن جديد ودا اللي حضرتَك قولت طارق بيراقبُه ليه، بس حضرةِ اللواء مش مُعترف بالتقرير وغيَّروا وكيلِ النيابة
ولسة التحقيقات شغالة ..خرج من شروده على رنين هاتفه:
-أيوة ..ايه الاخبار
زي ما حضرتك توقعت وفعلًا الباشمهندس موتُه حادثة مكنشِ متعاطي، ودلوقتي أفرجوا على المهندسِ المتَّهم بمحلِّ إقامتُه..
-تمام ياعزيز، تعالَ على مكتبي ..نقرَ بقلمهِ على المكتبِ وعينيهِ على شاشةِ العرضِ يتمتم:
-بردو ياراجح بتيجي قدَّامي، ياترى إيه علاقتك بالواد دا..رفعَ هاتفهِ استدعى صديقهِ بالعملِ مع وصولِ عزيز،
جلسَ الثلاثة مع فتحِ شاشةِ العرضِ التي تتناولُ صورَ ذاكَ الشاب:
-الواد دا دخل مصر بعدِ الثورة بكام يوم معاه جنسيات عديدة، شغلُه في شركةِ استيراد وتصدير لإحدى شركات الصين.. وبيتعامِل مع كذا شركة هنا في مصر، من ضُمنهم شركةِ الشافعي..
قالها إلياس وهو ينظرُ إلى شريف وعزيز ..اتَّجهَ شريف يطالعُه:
-وليه شاكك فيه، مايمكن الموضوع فعلًا أنُّه شغل …قامَ بتقليبِ بعضِ الصُّور لذاكَ الشاب في أماكنَ مختلفةِ
لأماكنَ حيويةٍ يقومُ بتصويرها كسائح..
-طيب مايمكن بيصوَّر عادي ..نهضَ إلياس يشيرُ إلى عزيز:
– قول لشريف باشا إيه علاقتُه بالقضية..
نهضَ عزيز وقامَ بقصِّ ما وصلَ إليه:
-الواد دا كان بيراقب اللواء خيري اللي ابنُه مات في حادثةِ العربية من كام يوم، إحنا لحدِّ دلوقتي منعرفشِ إذا كان هوَّ المقصود ولَّا حدِّ تاني..
-مش فاهم..قالها شريف ..نفثَ إلياس سيجارتهِ واقتربَ من الشاشةِ يشيرُ بيدهِ على ذاكَ الشابِّ في بعضِ الأماكنِ حتى توصَّلَ إلى جلوسهِ بأحدِ النوادي واقترابِ أحد الأشخاص منهُ لدقائقَ ثمَّ اختفائه..
-اللوا دا في الجيش، ليه كان بيراقبُه، وبعدين فيه حاجة مش مفهومة إيه علاقتُه بياسر دا، شوف التلاتة هنا قاعدين، بعدها بيوم الواد ياخُد عربية من عربيات انتظارِ الشركة ، لمكان شعبي وبعد كدا تتحجِز في الجراج لحدِّ ما المهندس ابنِ اللوا دا يركبها ليه، وليه العربية دي الوحيدة اللي ماخرجتش؟!..
-أمم فعلًا كدا الموضوع فيه شك، بس إنتَ بتقول العربية تبع طقم عربيات الشركة يعني إيه اللي يخليه ياخدها ورشة عادية وهو مالوش في الشغلِ دا وفين المسؤول؟..
أشارَ إلياس بيديهِ مستطردًا:
-هنا مربط الفرس بقى ياعمِّ شريف، ياإما هددوا اللواء بابنُه وعملوا لفَّة طويلة، ياإما حدِّ تاني مقصود من الليلة دي، أنا شاكك في المهندس اللي صلَّح العربية، بس ليه، دا واحد غلبان ولسة متعيِّن بقالُه كام شهر..
قاطعهُ شريف:
-مش قولت طارق كان خطيب بنتِ مالك، ودلوقتي خروجها مع المهندس دا..يمكن الموضوع دا السبب نكاية يتخلَّصوا منُّه، رفعَ إلياس رأسه:
-طيِّب وابنِ اللوا إيه دخله، المهم الموضوع دلوقتي في إيد النيابة، بس الواد دا عايزَك تراقبوه كويس حاسُّه تبع منظَّمة، مش ناقصين دوشة..
توقَّفَ شريف قائلًا:
-تمام هنشوف أنا وعزيز الوضع ..
أومأَ لهم يشيرُ إليهم بالخروجِ ثمَّ رفعَ هاتفِه:
-مدام ميرال خرجت من البيت؟..
-أيوة ياباشا خرجت وراحت الشغل، وأنا واقف تحت مُنتظرها..
-تمام مش هقولَّك تاخد بالك كويس، مش عايز حد يئذيها بكلمة، اطلع فوق لرئيسِ التحرير وعرَّفُه الوضع، المكان جديد عليها، ولو سألك قولُّ مدير مصطفى السيوفي مش عايز اسمي..
مرَّ اسبوعٌ كاملٌ والعلاقةُ مازالت بينهما بجمود، مساءً ملبدًا بالغيومِ وكثرةِ الأمطار.. عادَ من عملهِ وجدها تجلسُ بالحديقةِ أمامَ المسبحِ تنظرُ بشرودٍ وكأنَّها الغائبةُ الحاضرةُ بالمكان، توقَّفَ يطالُعها باشتياقٍ لدقائقَ وعينيهِ تخترقُ سكونها الغير معهود، وصلت إليها غادة تحملُ كوبينِ من المشروباتِ الساخنةِ وجلست بجوارِها قائلة:
-الجو برد، وبدأ يمطَّر ادخلي جوا أنا بردت ..احتضنت كوبها ومازالت نظراتها على المسبح تجيبها:
-ادخلي إنتِ حبيبتي أنا عايزة أفضل لوحدي شوية، بفكَّر في مقال صحفي هينزل بكرة..انحنت تقبِّلها على وجنتيها ثمَّ نهضت ودلفت للداخلِ ولم ترَ ذاك الذي مازالَ متوقفًا يراقبُ سكونها..خطا بعضَ الخطواتِ للداخلِ متجاهلًا صراخَ قلبهِ ومطالبتهِ باحتضانها في التَّو والحال وإشباعِ روحهِ الضائعة من ابتعادها عنه..توقَّفَ بعدما عاندهُ قلبهِ ليتنفسَ بعمقٍ مستديرًا إليها وخطا إلى مكانِ جلوسها ..توقَّفَ خلفها شعرت بوقوفه من رائحتهِ التي تسلَّلت إلى رئتيها، ظلَّت كما هي ترتشفُ مشروبها دونَ أن تعيرهُ اهتمام ..جذبَ المقعدَ وجلسَ بمقابلتها متسائلًا:
-عاملة إيه ؟!
-كويسة..إجابة بسيطة دون أن تنظرَ إليه..استندَ على الطاولةِ أمامهِ ثمَّ طالعها ينظرُ لوجهها الذي بهت قائلًا:
-ليه خرجتي النهاردة للسجن مش قولت خلِّي معاكي حد يغطي الأخبار اللي برَّة الجريدة..التفتت إليهِ بعينيها الحزينة:
-دا شغلي ومش مسموح لحدِّ مهما كان يتدخَّل فيه، وزي ماأنا مش بدَّخل في شُغلك إنتَ كمان ابعد عن شغلي، عارفة إنَّك تتمنى تسحبُه منِّي.. لولا عمُّو مصطفى كنت خطفت منِّي الحاجة اللي بحبَّها ولاقية نفسي فيها..
جذبَ الكوبَ من يديها وبدأَ يرتشفُ منهُ وتركها تتفوَّهُ كلماتها الساذجة كما ادعى..رفعت حاجبها تطالعهُ بذهولٍ على فعلته:
-هوَّ أنا عزمت عليك بالقهوة، بتاخد الفنجان منِّي ليه!..
-بعد شوية فيه ديزاينر هتيجيلِك لو عايزة موديل معيَّن ولو مش مرتاحة في الدريسات اللي جبتها قوليلها اللي إنتِ محتاجاه، بس ممنوع الضيق زي مااتفقنا، قالها وتوقَّفَ يضعُ الكوبَ بعدما أنهى أكثرَ من نصفهِ يشيرُ إليها:
-كمِّليه بعدي بقى علشان أحبِّك أكتر..قالها واستدار ..أغمضت عينيها بعدما تحرَّكَ بجمودِ من أمامها كأنَّهُ يعاقبُها بأشدِّ العقابِ لأيِّ امرأةٍ مهمَّشةٍ أمامهِ سوى مايربطُ اسمهِ وكيانهِ فقط، ذهبت ببصرها لذاكَ الكوبِ الذي ارتشفَ معظمهِ ثمَّ دفعتهُ بكفِّها ليهوى متساقطًا على الأرضيةِ ليصدرَ صوتًا التفًّت إليها سريعًا ظنًّا أنَّهُ أصابها مكروه، وجدها تضعُ يديها على وجهها وكأنَّها تبكي، اتَّجهَ ببصرهِ للكوبِ الملقى على الأرضية ..نهضت تزيلُ عبراتها بقسوةٍ ثمَّ جمعت أشياءها وتحرَّكت للداخل، دونَ أن تعيرَ وقوفهِ أهميةً إلى أن وصلت إلى أحدِ الخدم:
-اعمليلي كوباية ينسون وهاتيها أوضتي، وكمان حاجة للصُداع، أومأت الخادمةُ بطاعةٍ قائلة:
-تحتِ أمرك يامدام ..خطت إلى غرفتها مع مراقبتهِ لتحرُّكها حتى اختفت من أمامِه..وصلت الخادمة إليه:
-الستِّ فريدة طلبت نعمل عشا لضيفة حضرتَك ياباشا فيه حاجة معينة..هنا فهم ما يدورُ بعقلها، فأشارَ إليها:
-أيِّ حاجة ..تحرَّكت فأوقفها، اطلعي للمدام واسأليها لو عايزة حاجة معينة، واهتمِّي بيها
-تحت أمرك ياباشا..
بالأعلى بغرفتها دارت بغضبٍ في الغرفة، فكلَّما تذكَّرت حديثَ فريدة بوجودِ رؤى على العشاءِ اليوم وهي تشعرُ بالجنون، قلبها يؤلمها حتى كادَ يمزِّقُ ضلوعها من شدَّةِ ماتشعرُ به ..سحبت قدرًا كبيرًا من الهواءِ عندما شعرت باختفاء الهواءِ حولها.. استمعت إلى طرقاتٍ على بابِ غرفتها أذنت بالدخول ..دلفت الخادمة:
-مدام حضرتِك عايزة حاجة معينة على العشا ..مسحت على وجهها بغضبٍ فهي في حالةٍ تريدُ أن تحرقَ كلَّ من يقتربُ منها، أشارت لها بالخروج:
-اطلعي برَّة مش عايزة أتنيِّل آكل..قالتها بغضبٍ وصوتٍ مرتفعٍ ورغمَ ارتفاعهِ إلَّا أنَّهُ مختنقٌ بكمِّ الألمِ الذي تشعرُ به..استمعَ إلى صرخاتها على الخادمة، فتحرَّكَ متَّجهًا إليها يشيرُ إلى الخادمة:
-اعملي الأكل اللي بتحبُّه واعملي حسابي معاها ..ابتلعت ريقها تردِّدُ بخفوتٍ خوفًا من ردَّةِ فعله:
-هي بتحبِّ المحشي، حضرتَك هتاكل محشي يافندم..توقَّفَ متسمِّرًا يردِّدُ بينهِ وبينَ نفسهِ بذهول “محشي”
أغمضَ عينيهِ يهزُّ رأسهِ ثمَّ أشارَ إليها بالحركة..وصلت فريدة إليه:
-إلياس أنا اتكلِّمت مع ميرال وفهمتها الوضع بس هي مش مُتقبلة، اقتربت منهُ تمسكُ ذراعه:
-مش هقولَّك علشان خاطري، علشان خاطرها ياإلياس كفاية توجعها يابني، مراتك تعبانة أنا بضغط عليها بس خايفة يحصلَّها حاجة..
أومأَ متفهِّمًا ثمَّ تحدَّث:
-مفيش حاجة بيني وبين رؤى، بس البنت يتيمة ومش عايز أتخلى عنها وحضرتِك عارفة العلاقة بينا إزاي، وكمان هيَّ عارفة..
-بس الوضع اختلف بعد ماكنت ناوي تتجوزها ياإلياس، مش دي اللي كسرت ميرال وكانت هتموت بسببها، متعملشِ لنفسَك أعذار..
تجمَّدَ بوقفتهِ ورمقها بنظرةٍ غاضبة:
-وأنا قولت الموضوع انتهى ليه بنقلِّب فيه..
تعاظمَ الغضبُ بداخلِ فريدة وهدرت معنِّفةً إياه:
-إيه هوَّ جرح في إيدها ياحضرةِ الظابط، حضرتَك جبتِ واحدة وكنت ناوي تتجوِّز قدَّامها وتقهرها، هيَّ دي حاجة سهلة على الست..
-ماما فريدة لو سمحتِ متدَّخليش بيني وبين مراتي، أنا قولت رؤى هتيجي يبقى خلصنا، ومش معنى أنا طلبت منِّك تمهدي علشان متتهورشِ كعادتها يبقى تدخَّلي بينا ..
انكمشَت ملامحها مستنكرةً حديثهِ بغضبٍ جمّ قفزَ بعينيها ثمَّ استطردت بنبرةٍ موَّبخةٍ إياه:
-وأنا مش هتفرَّج على بنتي وإنتَ بتقهرها، الحب مش كدا ياحضرةِ الظابط وأنا لو مش متأكدة من حبَّك ليها صدَّقني كنت خليتك تطلَّقها من وقتها،فاعقل كدا وخُد مراتك في حُضنك بدل مافي يوم ماتلاقيهاش فعلًا، ربِّنا إدالك فرصة تصلَّح أغلاطك مش تمشي بمبدأ أنا وبس..
قالتها وتحرَّكت من أمامهِ سريعًا قبلَ أن تفقدَ أعصابها عليه..
وصلت للخارجِ وقامت بمهاتفةِ أحدهم:
-وصلت لإيه يابني؟..
-اسمه أرسلان الجارحي، من عيلة كبيرة أوي يامدام، فاتح نادي رياضي، وشغَّال في شركة والدُه، هوَّ مهندس الكترونيات، لُه عم عقيد في الشرطة اسمه إسحاق، وعمة ليها بنت وولد، جدتُه كانت عايشة برَّة بس رجعت من كام يوم، عرفت أنُّه متجوِّز من فترة بنت من حيِّ شعبي ومكنشِ حد يعرَف من أهلُه غير عمُّه، عملوا حفلة من أسبوع على شرفها..
تمام يابني ..قالتها وصعدت إلى سيارتها تشيرُ للسائقِ بالمغادرةِ إلى وجهتها..
بالأعلى بغرفتها:
حاولت ألَّا تنساقَ إلى غضبها وتفعلُ شيئًا تندمُ عليه ..ظلَّت تفكِّرُ لبعضِ الوقتِ فيما ستفعلهُ حتى تسيرَ هذه الليلة على مايرام ..
بعدَ عدَّةِ ساعاتٍ هبطت درجاتِ السلَّم، تتأنَّقُ بفستانٍ باللونِ الأحمر، ضيِّقٌ من الخصرِ ينزلُ باتساعٍ للكاحل، بحجابٍ باللونِ الأبيض..لأوَّلِ مرَّةٍ يراها بتلكَ الهيئةِ عن قرب ..ظلَّت عيناهُ تتابعها إلى أن وصلت إلى مائدةِ الطعامِ وألقت تحيةَ المساءِ بهدوء، ثمَّ جذبت المقعدَ لتجلسَ عليهِ إلَّا أنَّهُ قاطعها:
-هتقعدي بعيد عنِّي ولَّا إيه ؟!
شيَّعتهُ بنظرةٍ سريعةٍ ثمَّ التفتت بنظرِها إلى رؤى التي تجلسُ بالجانبِ الآخرِ قائلة:
-هنا هكون مرتاحة أكتر..لم تعطيهِ فرصةً للحديثِ لتتابعَ حديثها مع مصطفى وإسلام:
-وحشتوني أخيرًا شفتكُم..ابتسمَ مصطفى بحنانٍ أبوي قائلًا:
-معلشِ حبيبتي مشغوليات، أنا بسأل والدتِك عليكي دايمًا، أومأت مبتسمة:
-تسلملي ياعمُّو..قاطعها إسلام:
-مبرووك الشغل في الجريدة الجديدة ياميرو.
-شكرًا ياإسلام، لسة بحاول أتأقلِم عليها، إنتَ عامل إيه في الجامعة؟..
بدأ يتناولُ طعامهِ ويتحدَّثُ معها، متجاهلةً الحديثَ معه..توقَّفت فجأةً عن الحديثِ على صوتِ رؤى:
-أنا جاية أوضَّح سوء الفهم اللي حصل بس، أنا كنت في مشكلة كبيرة وأبيه إلياس حاول يساعدني علشان كدا كنَّا عاملين موضوع كتب الكتاب دا، بس واللهِ مكنشِ زي ما أنتوا متخيِّلين، أنا عارفة حدودي كويس..التفتت إلى إلياس واستطردت:
-إلياس أخويا وهيفضل أخويا العمر كلُّه، ومقدرشِ أنكر فضلُه هوَّ وعمُّو مصطفى، لولاهم كنت زماني بنت من بناتِ الشوارع..
اهتزَّت حدقتيها تتابعُ ميرال التي أمسكت الشوكةَ وبدأت تتناولُ الطعامَ ولم تهتم لحديثها، تحدَّثت فريدة بعدما رفعت نظراتها إلى ميرال:
-الموضوع انتهى زي ما إلياس قال يارؤى، وأنا متأكدة إن إلياس مستحيل يتجوِّز على مراتُه أو يفكَّر في غيرها، قالتها وهي تغرزُ عينيها بأعينِ إلياس الذي التوى ثغرهِ بابتسامةٍ قائلًا:
-مدام فريدة شايفِك بتدافعي عنِّي مش كدا ولَّا إيه..
أكيد ياإلياس لازم أدافِع عن جوز بنتي، يعني بتحاول تسعدها وأزعلَّك..
رفعَ حاجبهِ بعدما لمحَ نبرةَ التهكُّمِ بصوتها، غرزَ الشوكةَ بصحنِ المحشي
وبدأ يتذوِّقهِ وعينيهِ على ميرال التي تأكلُ بصمتٍ إلى أن هتفت فريدة بصوتٍ انتبهَ الجميعُ إليه:
-طعمُه حلو ياإلياس أوَّل مرَّة أشوفك بتاكل محشي مش خير ولَّا إيه؟..
زمَّ شفتيهِ وعلمَ أنَّها تتلاعبُ به، رفعَ كوبَ المياهِ وارتشفَ بعضهِ ثمَّ اتَّجهَ بنظرهِ إلى ميرال التي نظرت إلى طعامهِ بذهولٍ ثمَّ أردف:
-بحاول أحب حاجة مراتي بتحبَّها مش دي من بنودِ السعادة الزوجية يامدام فريدة..
شرِقت غادة التي توقَّفَ الطعامُ بفمها، تبتلعهُ بصعوبةٍ حتى أدمعت عيناها تنظرُ إليهِ بذهول..
بينما أفلتَ إسلام ضحكة:
-البت هتموت من صباع محشي أكلتُه ياأبيه..بدأ الجميعُ بالضحكِ على غادة التي ضربت إسلام بخفَّة..بينما هو كان ينظرُ إلى ميرال بصمت، نهضت متوقِّفةً بعدما أردفت:
-شبعت ..عشا سعيد، نوَّرتي البيت يارؤى، بس مش معنى قعدت معاكي على السفرة متقبلاكي، أبدًا أنا قعدت علشان عمُّو مصطفى وماما طلبوا منِّي كدا، إنَّما إنتِ في نظري خُنتي العيش والملح، ودا جوزي ميختلفشِ المعنى عليه، أنا شايفة أنُّه خاين زيك بالظبط..
توسَّعت العيونُ بصدمةٍ من كلماتِها التي كانت كالرصاص إليهما ثمَّ استدارت وتحرَّكت للأعلى وكأنَّها لم تقل شيئًا..صمتٌ مشحونٌ بأنفاسهِ المرتفعة، حتى توقَّفَ من مكانه، هبَّت فريدة بمقابلتِه:
-منتظر منها إيه، تصقفلك، جايب واحدة من شهرين كنت ناوي تتجوِّزها وأصريت تقعد معاها على سفرة واحدة، دنت منهُ ترفعُ سبباتها بتهديدٍ واضح:
-بقولَّك قدَّام أبوك أهو، أيِّ غلط جهة بنتي مش هسكتلَك ياإلياس، وزي ماجوزناكم بالغصب نطلَّقكم بالغصب، إيه يامصطفى هصبر على عمايلُه لحدِّ ماتموِّت نفسها، إنتَ مش شايف حالتها ، دي ميرال اللي كان ضحكاتها بترنّ في البيت، ياأما قافلة على نفسها ياأما في الشغل..
كان واقعُ كلماتِ فريدة على مسامعهِ كصدى رعدٍ أصابهُ بالصمم، فتحرَّكَ للأعلى دونَ حديث..حاولت إيقافهِ ولكنَّها أخرجت جيوشَ غضبهِ ونيرانٌ متقدةٌ تخرجُ من مقلتيه، صعدَ للأعلى ورغبةٌ ملحِّةٌ تضربُ قلبهِ من الاقترابِ إليها وضمَّها إلى أحضانِه..
بدونِ مقدماتٍ دفعَ البابَ ودلفَ يبحثُ عنها بلهفة، وجدها جالسةً على الأرضيةِ تحتضنُ ركبتيها وتضعُ كفَّيها على فمها تمنعُ شهقاتها ودموعها تسيلُ فوق وجنتيها بغزارةٍ حتى كادت وجنتيها أن تختفي خلفها..
وقف يتأمَّلُ مظهرها ببؤسٍ مزَّقَ روحهِ المحترقةِ لأشلاء، فهو يعشقُها حدَّ الجنون ولكن عنادها وتكبُرهِ أضاعَ مابينهما..
كتمَ صرخةً مهتاجةً جاشت بصدرهِ وأقبلَ عليها بخطواتٍ هادئة،
انحنى ليسحبها من خصرِها ويحتجزُ جسدها بينَ ذراعيه..ليضمُّها بقوَّةِ الاشتياقِ الذي ينبضُ بالقلوب..أزاحت يديهِ التي تعتقلُ خصرها وتراجعت تزيلُ دموعها:
-إيه اللي جابك، انزل علشان ضيوفَك مايزعلوش..
صكَّ على أسنانهِ من حديثها اللاذعِ
وبعدهالِك أنا جيت وراكي أهو، عايزة إيه..قفلت جفونها بقوَّةٍ حينما تسرَّبت الغيرةُ بداخلها كنيرانٍ تحرقُ أوردتها لتدفعهُ بعيدًا عنها بعدما شعرت بأنفاسهِ الحارةِ على وجنتيها:
-وليه جاي ورايا مكنشِ فيه داعي، متحسِّسنيش إنَّك مهتم..
حاول معها ببدايةِ الأمرِ بأعصابٍ باردةٍ ولكنَّها أخرجتهُ عن البرودِ وهتفَ بفظاظتهِ المعهودة:
-وإنتِ متحسِّسنيش إنِّك ملاك بريئ..
اقترب عاجزًا حائرًا، يريد أن يعاقبها ولكنه لا يتحمل حزنها، فمن يطرق باب العشق عليه أن يتحمل آلامه، جاهد في إخفاء حزنه ..رفعت عيناها الباكية إليه
انسابت عبراتها وارتجفَ جسدها تشيرُ بيدها وتمتمت:
-قولِّي هتفضل لحدِّ إمتى توجع فيَّا ياإلياس، ليه مُصر إنَّك تموتني بالبطيئ، عايزني أتزلل لك وأقولَّك مقدرشِ أعيش من غيرَك، ماهو من غير ماأتذلِّل وإنتَ عارف ومتأكد، ورغم كدا بدوس على قلبي..
شعرَ وأنَّها تثيرُ أعصابِه، ولكنَّهُ حاولَ السيطرةَ على نفسهِ وتركها تخرجُ قيحَ آلامها،
زفرت بيأسٍ تدورُ حولَ نفسها، بقيت أتعصَّب من أقلِّ كلمة، رغم مش دي شخصيتي، معرفشِ حاسة مبعملشِ غير الغلط وبس، ندمي لنفسي أكتر من تعظيمها، أنا تعبت وزهقت ومبقتشِ متحمِّلة، بحاول أعيش دور واحدة ساذجة بعد مالغيت شخصيتي علشان أرضي معالي الباشا..
كان مشدوهًا لما يسمعه، حتى توقف ملجم اللسان ولم يستطع التفوه، لم تحيد بصرها تطالعه بملامح جامدة:
-عايزة اعيش حياتي بشخصيتي، ليه انا بقيت كدا، فين ميرال من حياة إلياس، كل اللي بتعمله في حياتي هو العقاب وبس
قاطعها قبلَ أن تتمَّ كلماتها:
-لأنِّك طايشة ومتهورة، وبتحكِّمي لسانِك قبلِ عقلِك، نفسي تفكَّري قبل جنانِك، أنا مش مصدَّق إنِّك واحدة عاقلة وصحفية، مش إنتِ اللي تعبتي، أنا كمان زهقت من تهوِّرك، اقتربَ خطوةً يضغطُ على أسنانهٍ بغضبٍ حتى لا يُخرجهُ بها:
-هروب من المستشفى ، وقميص نوم قدَّام راجل غريب، أجيب عقل منين، قوليلي أجيب عقل منين يتحكِّم في اللي عملتيه، لو شايفة أنا السبب في استهتارِك دا وعد منِّي هخلي نفسي من حياتِك خالص، بس في مقابل أشوف ميرال بتاعة زمان اللي كانت بتسفزِّني بكلِّ برود أعصاب منها، مش واحدة مجنونة بتتعامِل كطفلة عندها عشر سنين..
اكتسى وجهها معالمَ الوجعِ والخزي بنفسِ الوقت، رفعت عينيها بعدمِ رضا عن حديثه:
-ليه دايما أنا الغلط وإنتَ الصَّح..
-علشان دي الحقيقة ..قالها مزمجرًا، ثمَّ ثم تابع بنفاذ صبر هادرًا بها:
-فوقي من هبلِك دا، إحنا مش صغيرين، عايزة توصلي لإيه، أنا مش من النوع اللي بيطبطب لأنِّك مش عيلة بضفاير، افتكري لولا الحادثة كان زمان هيبقى عندنا أطفال وهتكوني أم..
تجهَّمت ملامحها واشتعلت عينيها بغضبٍ من قسوةِ حديثه:
-بس أنا من حقِّي أحسِّ إن ليَّا قيمة عندَك، إنتَ كلِّ حياتك أوامر وبس، حتى أبسط حقوقي منعتها عنِّي..
قالتها بصوتٍ باكي مبتعدةً عنهُ وتابعت حديثها:
-كرامتَك ورجولتَك فوق كلِّ حاجة، أي كلمة أقولها تعتبرها مسخ ويوم ماأغلط تنصب لي محكمة، أمَّا الباشا لمَّا يغلط معذور لازم يدافِع عن نفسُه.
-ميرال ..صاح بها بغضب، ثمَّ دنا بخطواتهِ إليها يجذُبها من خصرها بقوَّة:
-طلاق مش هطلَّق متلفيش وتدوري عليَّا، أنا مش هطلَّقِك حتى لو عملتي إيه، فبلاش دور أمينة رزق..
رفعت عينيها تنظر إليه بذدراء :
-وأنا مش عايزة أطلَّق، أنا عايزة أحس إنَّك باقي عليَّا، عايزة أحس بحبُّك مش قسوتَك ياإلياس، رفعت كفَّيها على وجههِ ونظرت بداخلِ مقلتيه:
-عايزة أحس إنِّي حبيبتَك في كلِّ وقت مش وقت ماتقرَّب منِّي بس، دا كتير عليَّا…قالتها وعيناها تحاورُ عيناهُ برجاءٍ ثمَّ دنت تضعُ جبينها فوقَ جبينهِ تهمسُ بأنفاسِها الباكية:
-حسِّسني إنِّي مراتَك مش سلعة ياإلياس، بلاش تحجُر عليَّا بالقسوة لو سمحت..
رغمَ أنَّها كلمات ولكن اخترقت صدرهِ كالخنجرِ المسموم، ليشعرَ بتمزُّقِ روحه..
ربتَ على ظهرها ثمَّ ابتعدَ وغادرَ الغرفةَ في محاولةٍ لتهدئةِ أنفاسهِ التي شعرَ بانسحابها، جلست تبكي بشهقاتٍ بعد خروجه حتى استمعَ إلى صوتِ بكائها، توقَّفَ عاجزًا لم يعد لديهِ القدرة عن صمتهِ بعذابهما، كيف يكونُ الحبُّ بهذه القسوة، كلِّ واحد منهما يريدُ أن يؤذي الآخر وإهدار كرامته بطريقته..فكَّرَ متردِّدًا لما يفعلهُ وقلبٌ ينبضُ بجنونٍ من آلامِها وعقلٍ ينكرُ حماقةَ تصرفاتها، أحاسيس مختلفة وحربًا شعواء بداخله، استدارَ إليها مرَّةً أخرى واتَّجهَ إليها:
اقتربَ منها وضمَّها لصدره:
-خلاص اهدي، وهعملِّك اللي إنتِ عايزاه، بطَّلي عياط ، لو متأكد الطلاق هيريَّحِك كنت طلَّقتِك، مشكلتِك عايزة توجعيني وخلاص..
تملمت بأحضانهِ تلكمهُ بصدره:
-إنتَ اللي عايز تنتقِم منِّي وخلاص، علشان كنت رافض الجواز، وعمُّو مصطفى اللي ضغط عليك علشان تحميني من عمِّي صح ..اتحطيت قدَّام الأمرِ الواقع، وطبعًا الفرصة جاتلَك توجعني براحتك وتنتقم منِّي ومن ماما..قولت تتجوِّز عليَّا وزي ماقولت تتمتَّع شوية وبعدين تتطلَّقني ،قالتها مع ازديادِ بكائها..
تصنَّمَ جسدهِ يطالعُها مذهولًا يتمزَّقُ بين قلَّةِ حيلتهِ وثباتهِ على انفعالاتهِ الهوجاء واتهاماتها الشنعاء؛ مازال يرمقها بغضب محموم اندلع من حدقتاه
هزَّت رأسها وعينيها تحاورُه:
-عايز توجعني وبس ياإلياس صح، كلِّ تفكيرَك تقهر بنت الستِّ اللي قتلت مامتك زي مابتقول، المهم تقهرني وخلاص..علشان كدا رايح تعزم البنت اللي بسببها كنت زماني ميتة، ثبتت عيناها بمقلتيه وزمجرت بحزن اخنق صوتها
-ياريتني موت، اهو موت ساعة ولا كل ساعة ..قالتها بنبرة مشتتة وعينان تائهة مع قلبًا يتفتت من الألم
اغتيال عنيف هزَّ داخله، كيفَ تتَّهمهُ بتلكَ التُهم وهو الذي يموتُ بها عشقًا..
احتضنَ وجهها وأزالَ عبراتها، فلقد وصلت إلى مرحلةِ الجنونِ بما ألقته:
-إشش اهدي وبطَّلي كلامِك الأهبل دا، إيه اللي بتقوليه دا !…
رفعت رأسها بدموعِ عينيها:
-بس أنا فعلًا موجوعة ومش قادرة أتحمِّل طريقتَك معايا.
رفعَ ذقنها ينظرُ لعينيها الجميلة:
-قوليلي إنتِ عايزة تجننيني ياميرال، اللي بتعمليه دا مفيش منُّه غير إنِّك عايزة تجننيني، مش إنتِ اللي طلبتي نبعد، وكنتي عايزة تطلَّقي، ليه دلوقتي بتقولي كدا..
-تقوم تسمَع كلامي، وكمان تقهرني ترجع تكمِّل في جوازة الحيوانة اللي اسمها رؤى، مُصر إنَّك تدبحني علشان طلبت الطلاق ولَّا عايز توجعني وخلاص..
حاولَ إخفاءِ ابتسامتهِ ولكنَّهُ فشل،
لمعت عيناها باذراء بعدما رأت ابتسامته رغم إهانته لها، وحرق روحها
-بتضحك، فرحان فيّا صح
-فيه حد يفرح وروحه مجروحة، نطق اسمها بنبرة غلبت عشقها لها
-ميرال انا مش عايز اخسرك، افهمي بقى، بلاش نضيع حياتنا في الخناقات والعند
-وأنا والله نفسي اعيش حياة طبيعة معاك، إلياس لو هنفضل كدا يبقى ننفصل، انا تعبت بجد مبقاش فيا حيل كل شوية اوجع قلبي
أطلق زفرة ملتاعة بنيران تكوي كالحمم البركانية من حديثها المهلك، ثم سحب نفسًا واقترب منها قائلًا:
-مفيش طلاق ياميرال، لو بتحبيني زي ما بتقولي اثبتي
تآذر نبض قلبها تهمس بخفوت
-بحبك والله بس مش قادرة الحب مش كل حاجة ..
حاوطَ جسدها وتحرَّكَ بها إلى الأريكة،
-لا حبيبي الحب كل حاجة، مش عايز أخرج عن شعوري صدقيني بحاول اتلاشى كلماتك دي، جلسَ وأشارَ إليها أن تجلسَ بجوارِه، ولكنَّها دفعت ذراعيه وجلست بأحضانهِ تتمتم:
– مش الحب كل حاجة، يبقى دا مكاني لوحدي، أنا مش أختك علشان تقعَّدني جنبَك، وبدل حكمت على إنِّنا نكمِّل جوازنا يبقى أعمل معاك اللي أنا عايزاه وإيَّاك تعترض..لا يعلم لماذا شعرَ بالسعادةِ من كلماتها، وبدأ يتقبل أي شيئا انحنى يلفُّ ذراعيهِ حولَ جسدها يضعُ ذقنهِ على كتفها:
ميرال واللهِ أنا كدا هتجنِّن منِّك، انا مطلبتش تبعدي عني، انت اللي طلبتي
لوَّحت بيديها وهي بأحضانه:
-أه وحضرتَك ماصدَّقت..
اتَّسعت حدقتيهِ باندهاشٍ وأقسمَ بداخلِه:
-واللهِ البنتِ دي هتاخُد حقِّ السنين دي كلَّها، تراجعت بجسدِها عليهِ مردفة:
-عايزة حقِّي منَّك ومش هتنازل عن أيِّ حق من حقوقي..
-وأنا تحت أمرِك أهو، شوفي عايزة إيه وأنا أعملوهلِك..
رفعت رأسها للأعلى تنظرُ لوجهه:
-أي حاجة أي حاجة..داعبَ أنفها وابتسمَ على طفولتها:
-إنتِ عندِك كام سنة؟..استدارت تطالعهُ باستفهامٍ وأردفت بصوتٍ مرتفع:
-ليه التريقة بقى، جذبها إليهِ مرَّةً أخرى:
-وليه سميتها تريقة، أنا بقول عندِك كام سنة علشان كلامِك كلام أطفال، حبيبتي إنتِ كبرتي مبقتيش صغيرة..
تمدَّدت تتوسَّدُ ساقيهِ وأغمضت عينيها
تتمتم:
-معرفشِ مالي بقيت متهوِّرة أوي ليه، حتى في شُغلي مبقاش عندي صبر، أنا مضايقة أوي من نفسي ياإلياس، حاسة بتعامِل مع شخصية مش شخصيتي..
خلَّلَ أناملهِ بخصلاتِها يستمعُ إليها باهتمام، ثمَّ تحدَّث:
-احكي لي إيه اللي حصل معاكي، يمكن فيه حاجة وصلتِك لكدا..
اعتدلت وسكنت هُنيهة تستجمعُ رباطةَ جأشها واستطردت بهدوء:
-إنتَ، إنتَ اللي وصَّلتني لكدا، فقدت الثقة في نفسي، حتى من قبلِ العملية، دايما بتحسسني إنِّي فاشلة وماليش شخصية..قالتها بمرارةٍ والدمعُ يتساقطُ من محجريها وتابعت بصوتِ بكائها:
-كنت مفكَّرة بعد جوازنا هستقوى بيك، لكن للأسف ضعفت وانهرت، بحاول أراضيك حتى على حساب نفسي، قولت دا حبيبِك ولازم أتأقلم مع شخصيتُه، رفعت عينيها التي أصبحت كالشلال وهمست بضعفٍ مسترسلةً من ثنايا قلبها الذي يحترقُ ألمًا:
-حاولت واللهِ بس فشلت، حاولت صدَّقني..كان يستمعُ إليها بذهولٍ وملامحَ تحطَّمت كالبلورِ من فظاعةِ حديثها واتهاماتها الشعواء التي مازالت تُلقيها بها دونَ وجهِ حق كما ظن، دنا بجسدهِ وانحنى يحتضنُ وجهها بين راحتيه:
-أنا عملت دا كلُّه فيكي، أنا!..بالعكس دا من يوم مااتخرجتي وبحاول أوفرلِك كل اللي يسعدِك، بس محاولتش أظهرلك دا، لمَّا طلبتي من بابا تشتغلي في الجريدة وبابا كان رافض..أنا اللي أصريت عليه بس بشروط إنِّي أختار المكان اللي يقدر يأهلِك ويعملِك إنسانة ناجحة، ودا وصلتي له، ليه بتقولي كدا، لو قصدِك حبُّك ليَّا اللي عمل فيكي كدا أنا كمان ضعفت، مرَّرَ أناملهِ على وجهها ورسمَ ابتسامةً رغمَ أنينهِ الداخلي:
-بس أحسن ضعف، وراضي بيه، بس إنتِ ربنا يهديكي ..توسَّعت عيناها تطالعهُ بذهول، رفعت كفَّيها على جبينه:
-إنتَ سُخن ولَّا حاجة ..قهقهَ عليها يجذُبها لأحضانهِ ثمَّ دفنَ رأسهِ بحنايا عنقها:
-أوي أوي..وعايز أتعالج ..ارتجفَ جسدها من نبرتهِ المبحوحة، ومغزى حديثه، أغمضت عينيها تحاوطُ خصرهِ متناسيةً كلَّ مامرَّ بهما..ابتسمَ على حركاتها، ظلَّ الصمتُ يعمُّ المكانَ لدقائقَ وهما يحتضنُ بعضَهما البعض، اعتدلَ بعدما استمعَ إلى هاتفِه..ابتعدت عنهُ وشعرت بحمرةِ وجنتيها من نظراتهِ إليها، توقفَّفَ قائلًا:
-هرد وراجعلِك ..أومأت مبتسمةً تفركُ بأناملها ..وصلَ إلى النافذة:
-أيوة فيه إيه؟،.
–مبرووك ياباشا البيوتي سنتر بقى كوم رماد، ومفيش تأمين متخافش..
-كمِّل بقى، مش عايز غلطة ..قالها وأغلقَ الهاتفَ ليشعرَ بها تحاوطُ خصرهِ من الخلفِ تضعُ رأسها على ظهره، احتضنَ كفَّيها:
-سمعت انك اخدتي اجازة، ليه، قالها ومازالَ ينظرُ للخارج ..اعتدلت وتوقَّفت أمامه:
-مش عارفة، ماليش مزاج..
جذبَ عُنقها لصدرهِ وضمَّها بحنان:
-لا ..لازم تنزلي شُغلك وتكمِّلي طموحك، بس زي مااتفقنا عجبني لبسك وحجابك،..لو سمحتي دي فريضة، أنا عارف ماما فريدة حاولت معاكي، بس ليه كنتي رافضة معرفش.. !!
كانت تنظرُ إليهِ والسعادة تنبثقُ من عينيها بعدما أردفَ بكلمةِ ماما فريدة، لا تعلمَ أيقصدُها أم أنَّهُ أخطأ في النُّطق ..ضيَّقَ عينيهِ متسائلًا:
-مالك بتبصي ليَّ كدا ليه؟!..
أوَّل مرَّة تقول قدامي ماما فريدة.. معرفشِ إنَّك قولتها غلط ولَّا ..وضعَ أناملهِ على شفتيها ونظرَ لعينيها:
-أنا وعدتها لو قومتي بالسلامة مش هزعلها تاني..
شهقت تضعُ كفَّيها على فمها تنظرُ إليهِ غيرَ مصدٍّقةً ماتفوَّهَ به..
-معقولة!!..معقولة كانت حياتي مهمَّة كدا!..
تحرَّرَ من صدرهِ زفرةً قويةً يخلِّلُ أناملهِ بأناملِها ثمَّ رفعها وطبعَ قبلةً بداخلها:
-حاولت أفهِّمك بس إنتِ حكمتي وخلاص، حاوطت عنقهِ تقتحمُ أحضانهِ وتشدِّدُ منها مردِّدة:
-أنا بحبَّك أوي، واللهِ بحبَّك وكلِّ كلامي من ورا قلبي..ضمَّها بقوَّةٍ وكأنَّهُ آخرُ أحضانها:
-عارف ومتأكد من كدا، لو مش متأكِّد مكنتش قرَّبتلِك،رفعها من خصرها يدفنُ رأسهِ بعنقها:
-مجنونة بس بحبِّك..ارتفعت ضحكاتها بشقاوتها قائلة:
-لا كدا كتير إنتَ مش سُخن بس لا شكلك ناوي لي على مصيبة..ألقاها على الفراشِ وحاوطها بين ذراعيه
-عدِّي نص ساعة من غير لسانِك دا..
شردت بضحكاتهِ ووجههِ الذي أُنير، عاتبت نفسها عن الأيامِ التي تُسرقُ من حياتهما، من كان يظنُّ أنَّ هذا الشخصَ إلياس ..طالعها بتدقيقٍ بعدما وجدها شاردة ..رفعَ إبهامهِ يداعبُ أنفها، ممَّا جعلها تلمسُ وجههِ لتتقابلَ العيونُ بحديثِ العاشقين، حتى دنت دقَّاتُ القلوبَ لتتعانقَ حينما انحنى واحتضنُ خاصتها ينثرُ عليها ترانيمَ عشقهِ وكانت الأكثرُ ترحيبًا بذلك، قاطعهم دلوفُ غادة وهي تهتفُ بغضب:
-إنتِ يازفتة، واللهِ لو إلياس عرف إنِّي اللي ساعدتِك..بترت حديثها متراجعةً للخلف، تشعرُ ببرودةٍ اقتحمت جسدها وكأنَّ أحدهم سكبَ عليها دلوًا من المياهِ الباردة..ابتلعت ريقها بصعوبةٍ تهمهم
-أنا آسفة واللهِ ياأبيه فكَّرتها ..أصلِ مكُنتش..اعتدلَ واستدارَ إليها يطالُعها بتدقيق، شعرت هنا بحرارةِ جسدها مرَّةً واحدةً من اقترابهِ ونظراتهِ الاختراقية، وصلَ إلى وقوفِها ومازال يطالُعها ينظرُ لكفَّيها اللذانِ احمرَّ لونهما من كثرةِ فركهما، وعيناها الزائغة:
-يعني إنتِ كنتي عارفة هيَّ فين؟!..
-أه..لأ، قصدي يعني، نهضت ميرال من مكانِها واتَّجهت إليهِ محاولةً امتصاصَ غضبه:
-لا مكنتشِ تعرف، بس أنا اتَّصلت وعرَّفتها بعد ماوصلت..استدارَ يرمُقها بالصمت، كانت عيناهُ لهيبًا يريدُ إحراقَ أخته، اقتربَ يمسكها من ذراعيها يطبقُ عليها بغضبٍ جم:
-بتشاركيها تبعد عن أخوكي، بتشاركيها الغلط ياغادة؟!..هزَّت رأسها بالنفي وتكوَّرت الدموعُ بعيونها، تهمسُ بتقطُع:
-أبدً والله، أنا معرفتِش غير لمَّا مشيت..
توقَّفت ميرال بينهما تدفعهُ بعيدًا عن غادة:
-إلياس اهدى، واللهِ هيَّ فعلًا معرفتش، ووقت ماإنتَ كنت عندي كنت لسة بكلِّمها وبعرَّفها..
-بس ياكدَّابة..قالها بصوتٍ ارتجفت إليهِ جدرانَ المنزل ..دفعهما سويًا وتحرَّكَ يهدُر:
-عيال، شوية عيال بيلعبوا بيَّا..
زفرت بتنهيدةٍ مرتفعةٍ تنظرُ إلى غادة بحزنٍ عندما وجدت دموعها، ضمَّتها تربتُ على ظهرها:
-آسفة مكنشِ قصدي أسبب لك مُشكلة، رفعت عيناها إليها:
-هيعرَف البيت بتاع صاحبتي ياميرال، وقتها مش هيسامحني، ياريتني حكيت له من وقتها، إنتِ عارفة لمَّا بيقلب بيكون إزاي..فركت جبهتها فهي تعرفُ غضبه،
حاولت التفكيرَ بشكلٍ متَّزن، ثمَّ سحبت كفَّيها وأجلستها:
-اهدي واسمعي هقولِّك إيه..ظلَّت تستمعُ إليها..
-إنتِ مجنونة!..دا إلياس، عشر دقايق وهتلاقيه عرف كلِّ حاجة، مش لسة هنروح نتفق ونشتري البيت..
نهضت /
-بصي هو لو عايز يعرف كان عرف، الموضوع فات عليه وقت، وانت غبية اللي خلاكي تقولي كدا، معرفش ماما فريدة لما عرفت قالتلي ممكن تقولي لإلياس ..ربت على كتفها وزفرت قائلة:
-أنا هتصرَّف، لازم أعرَّف عمُّو مصطفى.
هرولت خلفها تتشبَّثُ بها:
-لا والنبي، بلاش بابا يعرف، كدا كدا زمان إلياس عرف
حدجتها بنظرةٍ متجاهلة:
-يعني إيه؟..دنت قائلة:
-زمانُه عمل اتصالاتُه وعرف، أنا ونصيبي بقى ..
بمنزلِ إرسلان..توقَّفت تُنهي زينتها لمقابلةِ زوجها الذي غابَ عن المنزلِ منذُ أسبوع..وضعت وشاحًا خفيفًا فوقَ أكتافها بعدما استمعت إلى صوتِ الباب، تحرَّكت للخارح، ألقى مفاتيحهِ يبحثُ عنها..التقطها بعينيهِ وهي تهبطُ درجاتَ السلَّم، ابتسمَ يفتحُ ذراعيهِ إليها لتلاقيها بصدرٍ رحبٍ وهي تُلقي نفسها بأحضانِه:
-أخيرًا ..أطلقَ ضحكاتهِ وهو يرفعُها من خصرِها يدورُ بها ثمَّ أنزلها يدفنُ رأسهِ بعنقِها..
-وحشتيني..حاوطت خصرهِ تضعُ رأسها بصدرِه:
-زعلانة منَّك قولت يومين تلاتة مش أسبوع، سحبَ كفَّها وصعدَ إلى غرفتهما:
-آسف حبيبي جالي كام سفرية داخل مصر كدا ومكنشِ ينفع أرجع غير لمَّا أخلَّص اللي عايزُه..فتحَ البابَ ودلفَ للداخلِ ثمَّ توقَّفَ ينظرُ لسحرِها الخاطفَ لقلبه، مرَّرَ أناملهِ على وجهها بعدما أزاحَ ذاكَ الوشاحَ ليتساقطَ أسفلَ قدميها.. وتظلُّ أمامهِ بذاكَ الرداءِ الشفَّاف..رفعَ ذقنها يسبحُ بجمالِ عينيها..
-رجعتي إمتى من عند ماما..
طأطأت رأسها للأسفلِ تفركُ كفَّيها تهمسُ بخفوت:
-أكيد عارف، مش السواق قالَّك ولَّا إيه..
جذبها إلى أحضانهِ متراجعًا على الفراش:
-مش يمكن عايز أسمع مراتي وهيَّ بتحكي..رفرفت بأهدابِها:
-إنتَ هتفضل تسافر كتير كدا، تمدَّدَ على الفراشِ يسحبُها لأحضانه:
-حبيبتي أنا تعبان من السفر، وجاي بالعربية يعني هلكان وعايز أنام ممكن نتكلِّم بعد ماأفوق، علشان فيه مفاجأة لمَّا أصحى..استندت على صدرهِ متسائلة:
-مفاجأة إيه دي، أوعى تقولِّي نروح الفيلَّا، أنا مش هروح في أيِّ حتة سمعتني مش بعد غيابِ أسبوع، صمتت بعدما اختنقَ صوتها بالبكاءِ ليعتدلَ ينظرُ إليها بعينيهِ العاشقةِ ثمَّ جذبها من عنقها ليذيقها من العشقِ مايشعرُ به..
بشقَّةِ آدم..كانت مشغولةٌ على جهازها، استمعت إلى طرقاتٍ على بابِ الغرفة ثمَّ دلفَ يحملُ كوبًا من القهوةِ ووضعهُ أمامها متسائلًا:
-محتاجة مساعدة؟..
هزَّت رأسها بالنفي، ثمَّ أردفت:
-باقي حاجة بسيطة وأخلص مش محتاجة شكرًا..جذبَ المقعدَ وجلسَ بمقابلتِها يراقبُها بعيونهِ وهي تعملُ بصمتٍ إلى أن قطعَ الصمت:
-ناوية تتخصَّصي إيه، رفعت القهوةَ ترتشفُ بعضها ثمَّ أجابته:
-أورام..ضيَّقَ عينيهِ مستفهمًا:
-ليه أورام ..هنا ارتعشَ جسدها متذكِّرةً معاناةَ والدتها ثمَّ رفعت عينيها إليه:
-علشان أقدر أخفِّف بعضِ الألم من المرض دا على الناس، ماما اتعذِّبت أوي منُّه، حبيبتي مكنتشِ بتنام خالص وكانت تقعُد تُصرخ من شدِّة وجعُه..انسابت عبراتها تحرقُ وجنتيها وتابعت بصوتها المفعمِ بالبكاء:
-كان نفسي أساعدها أوي ياآدم بس مش عارفة إزاي، كنت بعيَّط لمَّا أشوفها ..اقتربَ منها وحاوطَ جسدها يضمُّها إلى أحضانهِ باحتواء:
-اهدي خلاص ربنا يرحمها، ادعيلَها حبيبتي..مسحت دموعها وابتعدت عنه..
تجهَّمت ملامحهِ مرَّةً أخرى فنهضَ من مكانهِ حتى لا يتعصَّبَ عليها ويخسرها للأبد..تنهَّدت بحزنٍ وذهبت بذاكرتِها لذاكَ اليومَ بعدما عادَ من عمله، وكانت تتراقص..أغلقَ البابَ بالمفتاحِ خلفهِ
فلاش باك
واقتربَ يحاوطُ جسدها لتهبَّ فزعةً تدفعهُ بعنف:
-اتجنِّنت إزاي تدُخل عليَّا من غير إذن..
جذبها بقوَّةٍ لأحضانه:
-أه اتجنِّنت بدل حضرتَك مش مدَّياني فرصة، إيلين أنا لسة مُصر على إنِّنا نكمِّل حياتنا مع بعض..
نزعت نفسها بقوَّةٍ من أحضانهِ وهدرت مستحقرةً إياه:
-واحد أناني مش شايف غير نفسُه، أنا مستحيل أكمِّل حياتي مع واحد غدر وخان..توقَّفَ مذهولًا يقاتلُ بضرواةٍ ألمها القاتل الذي يخترقُ روحه..
-يعني مابقتيش تحبيني ياإيلين..استفهامٌ انبثقَ من بين شفتيهِ بألمِ روحهِ الساكنة، لترفعَ عينيها إليهِ بكلِّ جبروتِ أنثى غُدرَ بها وهتفت بصوتٍ مرتفع:
-رميتَك من زمان يابنِ خالي، من أوَّل يوم جواز، ومبفكرشِ غير في حياتي وبس، عايزة أبني الدكتورة إيلين بعيد عن أيِّ راجل..دنت منهُ حتى اختلطت أنفاسهما تنظرُ بحدقتيه:
-أنا كرهتَك ياآدم، كرهتَك كحبيب بس إنتَ مهما يطول الزمن هتفضَل ابنِ خالي، فلو سمحت بلاش تكرَّهني في صلةِ الدم اللي بينا..
نجحت وبجدارةٍ أن تذيقَ قلبهِ أنواعَ العذابِ ومرارةِ العشق..
-يعني إيه..استدارت تمسحُ دموعها:
-يعني لو عايز تساعدني بجد، ساعدني لحدِّ ماأخلَّص جامعتي، استحمل وجودي معاك يادكتور، وأنا مش هسبِّب لحضرتَك ضرر متخافش، حتى لمَّا مراتك تيجي ممكن تعرَّفها على إنِّي أختك..
انهالت صدماتهِ تضربهُ بعنفٍ وهو يرى أنَّها تعلمُ بخبرِ وصولِ زوجتهِ الأخرى..
-إنتِ إيه اللي عرَّفك..عقدت ذراعيها:
-ممكن تطلَع برَّة تعبت وعايزة أنام، وياريت تحترم رغبتي..
استدارَ وغادرَ الغرفةَ سريعًا بخطواتٍ تأكلُ الأرض..
خرجت من شرودها على رنينِ هاتفها:
-أيوة ياخديجة..
-ابعتيه كدا لو معرفتوش هخلِّي آدم يشوفُه..
ظلت لفترة وهي تتفحَّصُ بعضَ الأشياءِ التي أرسلتها، مساءً بعدما شعرت بانهاك جسدها، نهضت متَّجهةً إلى غرفته، طرقت البابَ ودلفت تبحثُ عنهُ بخروجهِ من الحمَّامِ يلفُّ نفسهِ بمنشفةٍ وبيدهِ منشفةٍ يجفُّفُ خصلاته..توقَّفت تنظرُ إليهِ بصدمة، بينما هو تصنَّمَ بوقوفهِ وتوقَّفَ متسمرًا بمكانهِ بوجودها بغرفتهِ لأوَّلِ مرَّة..اقتربَ منها فتراجعت تشيرُ إلى الخارجِ وتلعثمت بالحديث:
-كان فيه، أصل..حاوطَ جسدها بينهُ وبينَ الجدار:
-إيه القطة أكلت لسانك..ابتلعت ريقها بصعوبةٍ من رائحتهِ التي أضعفت كيانها لتهمسَ بخفوت:
-آدم ابعد لو سمحت،
لحدِّ إمتى ياإيلين هبعد، بحاول أضغط بس مش قادر، إيلين واللهِ بحبِّك، ارحمي قلبي، أنا مقربتِش لحد، واللهِ ماقدرت.. كان حبُّك سد لأيِّ حاجة..
لمسَ وجنتيها بخاصتهِ لتنهارَ بين ذراعيهِ بضعفِ قلبها ..محاولًُا أن يقتحمَ حصونها المستميتة..
رفرفت بأهدابِها تطالعهُ بضعفٍ هامسة:
-آدم مش هقدر.. ولكنَّهُ لم يدع لها أن تكملَ حديثها ليسحبَ باقي حديثها في لحظاتِ سكونٍ وضعفٍ سوى من نبضِ القلوبِ ليتذوَّقَ لأوَّلِ مرَّةٍ عالمها الساحرَ المليئَ بالعشقِ الذي لا ينكرهُ قلبًا ولا عقلًا بتلك اللحظات..نهضت بعدَ فترةٍ ليست بالقليلةِ ودموعها كأمطارٍ رعدية، تلملم ثيابهاو تتحرَّكَ إلى غرفتها تجرُّ أقدامها بصعوبة، ولم تهتمَّ لملابسها التي لا تعلم كيف أرتدت بعضها وهي تسبُّ نفسها لذاكَ الضعفِ والمهانة..
مسحَ على وجههِ بغضب، وبدأَ يحطِّمُ كلَّ ما يقابلهُ على ماتوصلَّت إليهِ بسببِ قربه، لماذا تفعلُ ذلكَ وهي تعشقُه، نعم تعشقهُ بكلِّ جنونِ العشقِ الموجودِ بالقلوب..جلسَ بالشرفةِ وبدأ يدخنُ سجائرهِ بشراسةٍ كلَّما تذكَّرَ حالتها، تخرجُ أنفاسهِ بلهيبٍ مستعر، أغمضَ عينيهِ وابتسامةٍ لاحت على وجههِ وهو يتذكّّرُ لحظاتَ الجنةِ وهي بأحضانهِ تهمسُ بعشقه..دفعَ المقعدَ بقدمهِ وهرولَ إليها يقسمُ بداخلهِ أنَّهُ لن يتخلَّى عنها مهما كلَّفهُ الأمر..دفعَ البابَ ودلفَ للداخلِ ولكنَّهُ توقَّفَ جاحظَ العينَينِ لما رآه..
بشقةِ يزن وخاصةً بمكتبه:
-وبعدين ناوي على إيه، تسائءلَ بها كريم..كان ينظرُ إلى جهازهِ يربطُ الأحداثَ ببعضِها البعض، ثمَّ نهضَ واتَّجهَ إلى سجائره:
-كلِّ خير..اتَّجهَ يطالعهُ بغموض:
-يزن أوعى تكون ناوي تعمل حاجة..مسحَ على شعرهِ ثمَّ التفتَ إليه:
-إنتَ بتحبِّ أختي ياله من إمتى؟!
ركلهُ بقدمهِ وجزَّ على أسنانه:
-متوَّهشِ يابنِ السوهاجي، إنتَ ناوي على إيه..استندَ على جدارِ الشرفةِ ينفثُ سيجارته:
-هيَّ القضية لسة شغالة، بس عرفت وكيل النيابة دا عُقر ونضيف، ودا اللي يخلِّيني أبعد لفترة، هقعد وأتفرَّج علشان بردو معرفشِ مين وليه..
-كدا أقنعتني يعني ..ربتَ على كتفه:
-صدَّقني حاليًا مش بإيدي حاجة أعملها، بس فيه خطة أظبَّطها وأقولَّك عليها.. علشان هحتاجك ياجوز أختي..
توسَّعت عيناهُ بذهول:
-احلف يعني إنتَ موافق ..احتضنهُ بحبّ:
-أيوة هلاقي أحسن منَّك، علشان لو حصلِّي حاجة تاخُد بالك من معاذ ياله، مش موافق عليك جدعنة..
ارتفعت ضحكاتُ كريم مردِّدًا:
-واطي واطي ياصاحبي ..صخبَ الضحكَ حتى وصلَ إلى غرفتها لتزيلَ عبراتها بأناملِها الناعمةِ تمسِّدُ على رأسِ أخيها الصغير وهو يغفو متذكِّرةً تلك الأيامِ الصعبةِ بسجنِ يزن، لا تعلم لولا وجودِ كريم ماذا كانت ستفعل، شهقةٌ خرجت من فمها تهمسُ لنفسها:
-يزن ..خرجت شهقةٌ من فمها حينما تذكَّرت حياتها من غيره..ظلَّت لوقتٍ تبكي بصمتٍ إلى أن استمعت إلى إغلاقِ الباب، حينها علمت بمغادرةِ كريم، استمعت إلى صوته:
-إيمي حبيبتي تعالي اعمليلي شاي..
مسحت دموعها وتحرَّكت للخارج..
-حاضر حبيبي، أجبلك كيك ولَّا قراقيش ..
كان يتفحَّصها بحدقتيهِ ثمَّ أردفَ من خلفها:
-عملتي إيه الأسبوع اللي مكنتِش موجود فيه..سقطَ الكوبُ من يديها وأجهشت بالبكاءِ ثمَّ استدارت إليها تهرولُ لأحضانهِ تبكي بصوتٍ مرتفع:
-أوعى تعملها تاني، أنا كنت بموت في بُعدك يايزن، إياك تغلط مع حد علشان مش يبعدوك عننا..
حاوطها بذراعيهِ يربتُ على ظهرها، واختنقَ حلقهِ بغصَّةٍ يقسمُ بداخلهِ لدموعها أن يذيقهُم من دموعها ماتشتهيهِ الأعين..
صباح اليوم التالي توجه إلى مكتب راكان، دلف بعد السماح له ، وزع نظراته بينه وبين جاسر ..أشار إليه راكان بالجلوس
-بعت لك بشكل شخصي، القضية لسة شغالة، عندي كام سؤال
اومأ يزن قائلاً:
-اتفضل حضرتك..نقر راكان وعيناه على جاسر الذي اومأ له
-ايه علاقتك بطارق الشافعي، وليه طارق بيراقبك، ثم أخرج صورة ميرال وأشار له
-تعرف دي ..رفع الصورة يدقق بملامحها ثم هز رأسه بالنفي
-لا ، بس ليه طارق باشا هيراقبني..استند راكان على المكتب يطالعه بتدقيق
-ياسر اتقتل في السجن، انت عارف معنى الكلام دا ايه
بفيلا السيوفي وخاصةبغرفةِ ميرال:
كانت تجلسُ فوقَ فراشها تُنهي مقالها الذي تعملُ عليه منذُ عدَّةِ أيام ..دلفَ للداخل، توقَّفَ يعقدُ ذراعيه، يراقبها بعيونٍ مبتسمة، فمنذ ذلك اليوم لم يراها، يأتي ليلا ليطمئن عليها ثم يغادر خفيًا،اقترب منها محمحمًا، رفعت عينيها إليهِ ترمقهُ بصمتٍ ثمَّ اتَّجهت إلى جهازها دونَ حديث..جلسَ بجوارِها متسائلًا:
-بتعملي إيه..
-كنت بعمِل مقال عن الولد اللي الكلّ خايف يعمِل معاه حوار دا..
أمسكَ الورقَ يقلِّبُ به، ثمَّ نهضَ من مكانهِ يردِّدُ الاسمَ وتساءل:
-إيه اللي وصَّلك للواد دا..جذبت منهُ الأوراقَ قائلة:
-قولت مليون مرَّة دا شغلي لو سمحت متدَّخلشِ فيه..
تأفَّفَ بجزعٍ ثمَّ انحنى بجسدهِ يحاوطُها:
-انسي المقال دا، عايزك تبعدي عن القضية دي..
تراجعت بعيدًا عنهُ تتلاعبُ بقلمِها ثمَّ اقتربت من وجههِ والتوى ثغرها بابتسامة:
-ليه مش دا ابنِ الراجل اللي حاول يضرَب علينا نار ويومها اتصبت..
-ميرال ..قالها من تحتِ أسنانه، لتستندَ على كتفهِ تداعبُ وجهه:
-روح ميرال ..كظمَ غيظهِ من أسلوبها المستفزّ فأردف:
-الواد دا تبعدي عنُّه سمعتيني ومش عايز المقال دا ينزِل..استنشقت رائحتهِ المختلفة ثمَّ دفعتهُ بعيدًا عنها:
-إيه الريحة دي..إنتَ غيَّرت البيرفيوم بتاعك؟!..
اعتدلَ بعدما تملَّكهُ الغضبَ الجارفَ من حديثها ثمَّ تحرَّكَ للخارجِ يسبُّها..ظلَّت تجزُّ على يديها بعدَ خروجه، دقائقَ وهي تستثيرُ غضبًا حتى نهضت، متجهة اليه
دفعت الباب ودلفت وجدتهُ جالسًا على فراشهِ يحادثُ أحدهم..ظلَّت إلى أن انتهى من مكالمته، ثمَّ اتَّجهت إلى خزانةِ عطوره، وهو يتابعها بهدوءٍ إلى أن توقَّفت أمامهِ وألقتهم جميعهم على الأرضية لتتناثرَ شظاياهُم، ومضت عيناها بلمعةِ تحدِّي مما جعلتهُ يقفُ يشيرُ إلى مافعلته، اشتعلت نيرانُ الغيرةَ بداخلها:
-إيه زعلان على هدايا الزفتة بتاعتك، واللهِ أموِّتك وأموِّتها، اسمعني.. أه أنا ممكن أبعد عنَّك بمزاجي وغصبِ عنِّي كمان، بس حدِّ يقرَّب منَّك أدبحك وأدبحها معاك، حتى لو كانت الحيوانة دي، والبنتِ دي مش عايزة أشوفها تاني..ارتفعت دقَّاتُ قلبهِ من حالتها وهو ينظرُ إلى صدرها الذي يعلو ويهبطُ بسببِ حالتها الانفعالية، أقسمَ بداخلهِ أنَّها وحدها التي يجبُ أن يهتزَّ الكونُ كلِّهِ لأجلها، دنا منها وهي تتراجعُ ظنًّا أنَّهُ سيوبِّخها، ولكنَّها أذابت كلَّ الآلامِ التي بداخله، ليجذبها بقوَّةٍ إلى صدرهِ ولم يترك لها المجال وهو يضمُّها بقوَّة:
-إشش اهدي البرفيوم دا أنا اللي جايبُه، مفيش حدِّ تاني، من إمتى وأنا باخُد حاجة من حد..
-يعني ايه..ابتسم ينظر لشفتيها يشير إليها لتقبله
-اخد حاجة حلوة واقولك..ابتسمت قائلة:
-اتغيرت ياالياس ..وضع جبينه فوق خاصتها:
-عرفتي انك مهمة ارتفعَ رنينَ هاتفهِ ليخرجهُما من لحظتهما، ذهبت ببصرها إلى فونهِ لتبتعدَ سريعًا عنه، ثمَّ استدارت مغادرةً الغرفة..أمسكَ هاتفهِ متنهِّدًا:
-أيوة يارؤى..استمعَ إلى بكا ئها بالهاتفِ
لتقصَّ لهُ ماصار..
-طيِّب خلاص انا هتصرَّف وبكرة هبلَّغك، بعدَ فترةٍ ليست بالقليلة، نهضَ متَّجهًا إليها، وجدها تغفو فوقَ فراشها..
أمالَ بجسدهِ يحاوطُ نومها، فتحت عينيها تهمس:
إيه اللي جابك أوضتي في وقتُ متأخَّر كدا، روح كمل مكالمتك الغرامية ابتسمَ بخفَّةٍ عليها، ورغمَ معرفتهِ بدلالِها وبما تفكِّرُ به إلَّا أنَّهُ سايرها، ليدنو منها يهمسُ بصوتهِ الأجشِّ الذي سحبَ أنفاسها:
-مش يمكن حبيبي وحشني وعايز حُضن يريَّحني..رعشةٌ لذيذةٌ أصابت جسدها، لترفعَ أناملها تمرِّرُها على وجههِ وبصوتٍ ناعس: حياتنا هتفضل كدا لحدِّ إمتى ياإلياس عجبَك كدا كلِّ اللي بنعملُه إزاي كلِّ واحد فينا بيقتَّص من التاني..
نبرةُ الألمِ في صوتها وحدقتيها التي تخترقُه، جعلهُ لم يشعر بنفسهِ سوى وهو يضمُّها بقوَّةٍ يرفعها لأحضانه…
تنهيدةٌ حارةٌ من لهيبِ الاشتياقِ أحرقت ضلوعَ كلَّا منهما..وضعت رأسها بصدرهِ تختبئُ وكأنَّهُ سيترُكها مرَّةً أخرى ..مسَّدَ على خصلاتها والصمتُ يعمُّ الغرفة، سوى من نبضاتِ قلوبهم التي تصمُّ الآذان..رفعَ رأسهِ ليزدادَ بريقُ العشقِ بعينيهِ وهو يفترسُ وجهها باشتياقٍ ثمَّ أردفَ بنبرةٍ مبحوحةٍ من كثرةِ شعورِ الاشتياقِ بداخله:
-وحشتيني فوق ماقلبِك يتخيَّل، مسَّدَ على وجهها بظهرِ كفِّهِ واخترقَ عينيها بحدقيته:
-لمَّا قولتلِك بحبِّك مكنتش بهزَّر أو بنتقم، علشان بجد إنتِ دمَّرتِ كلِّ الحصون والقلاع ولو كنت بحبِّك قبلِ الجواز فدلوقتي حبِّي عدَّى مراحل كتيرة..كانت تستمعُ إلى نبرتهِ الحانيةِ بلمعةٍ من عيونِها لشعورِها بالسعادة، نظرَ إلى ثغرها الذي يمثُّلُ أُكسيدَ الحياة، ليجذُبها من عنقها يقرِّبها إليه، ويخبرُها بأسلوبهِ أنَّ العشقَ لها وحدها وليسَ سواها من يتجرَّاُ بالقربِ منه..
لم يشعرا بالوقتِ الذي يغوصان في نهرِ العشقِ اللامتناهي لتذوبَ في حضنهِ وتستمتعُ بتذوُّقِ قربه، بعدَ فترةٍ اعتصرَ جسدها بينَ ذراعيهِ القوية لتصبحَ داخلَ حصنهِ المنيع ..تغمضُ عينيها والسعادةُ ترفرفُ بها كنبضاتِ قلبها ، مسحَ على شعرها وأطلقَ تنهيدةً جياشةً بعدما شعرَ أنَّها أصبحت كجرعةِ مخدِّرٍ ليستطعَ العيش، ولا تحلو لهُ الحياةَ سوى بقربِها ..رفعت رأسها وجدتهُ مغلقَ العينينِ وابتسامةً على وجهه، حاولت التملُّصَ من أحضانهِ إلَّا أنُّهُ منعها..
-نامي حبيبي علشان أعرف أنام..
هتبات هنا..فتحَ عينيه، ثمَّ اعتدلَ مردِّدًا:
-أنا إزاي نسيت صح، شعرت بالحزن، كانت تظنُّ أنَّهُ سيقضي ليلتهِ بأحضانِها، ابتعدت بنظرِها عنه، إلى أن شعرت أنَّها تطيرُ بالهواء، حيثُ رفعها متَّجهًا إلى غرفتهما..
-دي مش أوضتنا، علشان نبات فيها، قالها وهو يدفعُ البابَ بقدمهِ ويتحرَّكُ بها إلى الفراشِ يضعها بهدوءٍ ينظرُ إليها بابتسامةٍ لعوب:
-حلوة الملاية دي، قالها وهو ينزعها عنها لتدفعهُ صارخة.. قهقهاتٌ صاخبةٌ وكأنَّهما لم يذوقا العذابَ منذُ فترة، ظلَّت ضحكاتهما تعلو بالغرفةِ إلى أن توقَّفَ عن الضحكِ يضمُّها ويمسِّدُ على خصلاتها:
-آسف..رفعت عينيها إليه:
-أنا كمان آسفة، بس طالبة منَّك حاجة..
رفعَ ذقنها منتظرًا حديثها:
-مش عايزاك تقرَّب من رؤى تاني لو بتحبِّني بجد..صمتَ وعينيهِ ترمقُها بصمتٍ إلى أن هزَّ رأسهِ وتمدَّدَ يجذُبها لأحضانه.
بعدَ أسبوعٍ خرجَ من مكتبهِ على رنينِ هاتفِ رؤى:
-ليه كدا ياإلياس مكنشِ لُه لزوم إنَّك تفضحني كدا..
على الجانبِ الآخرِ استقلَّ السيارةَ وأجابها بحدَّة:
-مش عايز كلام كتير، كان لازم يعرف إنِّك مش وحيدة..
-بس إنتَ فضحتني، شوفت الجامعة كلَّها بتتكلِّم عنِّي إزاي صوري بقت في كلِّ مكان..صاحَ بغضب:
-لأنِّك حيوانة وتستاهلي، حذَّرتك بس إنتِ اللي هبلة يارب تكوني مبسوطة كدا..
بكت بشهقاتٍ قائلة:
-أنا حبيتُه ياإلياس..
-اخرسي علشان مجيش أموِّتِك ياحيوانة، رخَّصتي نفسِك لحيوان افرحي بقى..
شهقةٌ خرجت منها تتمتمُ بضياع:
-عندَك حق الرخيص مالوش العيشة..
بفيلَّا الشافعي جلسَ الرجلُ أمامهما:
-البنت رفضت تمسَح المقال ياباشا، ودي مش هنعرف نقرَّبلها، دي مرات ابنِ السيوفي..
حدجهُ بنظرةٍ مميتة:
-واللهِ لأحسَّرُه عليها زي ماحسَّروني على ابني..البنتِ دي تراقبوها مع جوزها وكلِّ الأخبار عندي..
دلفت رانيا إليهما هوت على المقعدِ دونَ حديث، ثمَّ جذبت سيجارة:
-مفيش تأمين ولا زفت، نفسي أعرف مين اللي ورا الخسارة دي كلَّها..
بعدَ عدَّةِ ساعاتٍ ارتفعَ هاتفَ راجح:
-حضرةِ الظابط في شقَّةِ البنت اللي كلَّمناها ياباشا..والبنتِ الصحفية وراها جيش حراسة وراجعة على البيت
ظلَّ لدقائقَ يفكِّرُ ثمَّ أردف:
-كلِّم البنت وقولَّها جوزِك بيخونِك، وكلِّم البنت واتفِق معاها، بس ياباشا..قاطعهُ:
-مش مهم بيعمِل إيه.. المهمّ البنت توصَل لوحدها في وضعِ مش كويس وإنتَ الباقي عارفُه..
بسيارةِ ميرال ظلَّت تنظرُ للهاتفِ تنتظرُ مكالمته، رفعت الهاتف، استمرَّت تهاتفهُ لبعضِ اللحظاتِ ولكن لا يوجدُ رد، ترجَّلَ من سيارتهِ ودلفَ للداخل، توقَّفت:
-لو جاي تضايقني بالكلام يبقى أرجع..دفعها ودلفَ للداخل:
-لا أنا مابتكلِّمش، هتُدخلي زي الكلبة وتلمِّي هدومِك وتيجي معايا..
توقَّفت متخصِّرةً قائلة:
-ومين هيسمَع الكلام دا إن شاءالله..قبضَ على خصلاتِها وهمسَ بهسيس:
-هقطع لسانِك يابت، إنتِ مالكيش رأي، دفعها بقوَّةٍ حتى سقطت متأوهةً وارتفعَ بكاؤها ..
بسيارةِ ميرال استمعت إلى رنينِ هاتفها، أجابت سريعًا دونَ أن تنظر:
-حبيبي فينَك..تحدَّثَ الرجل:
-حبيبِك بيخونِك ولو مش مصدَّقة هبعتلِك العنوان ..
لحظاتٍ ووصلَ إليها العنوان، علمت أنَّهُ عندَ رؤى..تنفَّست بعمقٍ ورفعت الهاتفَ تهاتفهُ مرَّةً بعدَ مرَّة ولكنَّهُ لم يجب عليها، ازدادت نيرانُ الغيرة بداخلها كالشيطانِ الذي يقتنصُ صلاةَ مؤمن..
تحدَّثت إلى السائق:
-روح على شقَّة أستاذة رؤى ..كان صدرها يعلو ويهبطُ من شدَّةِ توترها..
ترجَّلت من السيارةِ بخطواتٍ واسعة، ورغمَ أنَّها تتحركُ بخفَّةٍ إلَّا أنَّها تشعرُ بتثاقلِ أنفاسها ..طرقاتٍ على البابِ لتفتحَ الخادمة، تدفعها..
دلفت للداخلِ وجدتهُ جالسًا بجوارها وكأنَّها بأحضانه، اقتربت منهُ وهي تسحبُ نفسًا عميقًا حتى لا تبكي بضعفِها أمامِه..
شعرَ بدخولِ أحدهِم.. رفعَ نظرهِ وجدها أمامه، توقَّفَ متسائلًا:
-إنتِ إيه جابِك هنا؟!..نظرت لتلكَ التي تلملمِ خصلاتَها بصمتٍ ثمَّ اتَّجهت إليه:
-إيه قطعت القعدة الحلوة ..انكمشت ملامحهِ مستفسرًا
-يعني ايه !!ثمَّ اقتربَ إليها ، لتتراجعَ للخلف:
-إياك تقرَّب منِّي، روح كمِّل قعدتَك الحلوة.. لينا بيت نتكلِّم فيه..قالتها واستدارت متحرِّكة..هي تقصد ايه ، قالها وتحرَّكَ خلفها سريعًا ولكنَّهُ توقَّفَ على رنينِ هاتفه:
-إنتَ فين أنا مستنيك بقالي نُص ساعة يابني..ضربَ على رأسهِ متذكِّرًا ميعاده، فاتَّجهَ لسيارتهِ بعدما أشارَ لحارسه:
-واقف ليه الحقها..
-المدام رفضت ياباشا.
اتحرَّك يامتخلِّف وراها..
وصلَ بعد قليلٍ إلى المقهى الذي ينتظرهُ بهِ أرسلان، دلفَ للداخل ..توقَّفَ أرسلان يشيرُ إلى القهوة:
-شريت تلاتة قهوة ياأخي..رسمَ ابتسامةً متأسفًا:
-آسف نسيت، المهمّ وصلِت لحاجة؟..
جلسَ وأخرجَ لهُ بعضَ الأوراق والتسجيلات:
-الست مظلومة فعلًا، شوف الورق دا، بس فيه ناس خايفة تتكلِّم إيه السبب لسة بدوَّر، وصلت للستِّ بتاعةِ العين السُخنة وفعلًا زي ماقولت ليها ولدين اتخطفوا، مش باعتهم، بس ليه اتجوزت اخو جوزها معرفش، هي ماوضحتش، فيه حاجة كمان، هي مخلفتش من اخو جوزها
-ايه يعني ايه، دي معاها بنت
-هز رأسه بدون علم، ثم أكمل
-مش عايز اظلمها بس فيه ناس كبيرة في السن بيزموها ياالياس وفيه ناس مش فاكرة الحادثة خالص..كوَّرَ قبضتهِ حتى ابيضَّت يستمعُ إليهِ بصمت، ورغمَ صمتهِ إلَّا أنَّ أنيابَ الندمِ تحرقُ أحشائه..
-ليه راجح دا شاغلك اوي كدا،
ارتشف قهوته واجابه
-عرفت أنه شغال شمال، بس محدش عارف يوقعه ..ظل يتحادثان فترة إلى أن تسائل عن فريدة
-والدتك عاملة ايه
-كويسة..قالها بنبرة باردة ، ليتابع ارسلان
تعرف.. حبِّيت والدتك معرفشِ فيها حاجة شدِّتني يمكن علشان تشبَه ماما..
ضغطَ على شفتيهِ بغضبٍ مبتعدًا بنظرهِ عنه، يرتشفُ من قهوتِه:
حمحمَ معتذرًا:
-هوَّ أنا قولت حاجة تزعلَّك..وضعَ الفنجانَ يهزُّ رأسِه:
-لا أبدًا، المهمّ كنت عايزني ليه؟..
أخرجَ هاتفهِ ووضعهُ أمامه:
-عايزك توصَّلني بالشخصِ دا بس بطريقة غير مباشرة، على إنِّي محتاجه في النادي عندي..
رفعَ الهاتفَ يدقِّقُ النظرَ به:
-مين دا ؟!.
تراجعَ للخلفِ قائلًا:
-دا المهندس اللي صلَّح العربية..
بترَ حديثُهم اتصالَ إسحاق:
-أرسلان مرات إلياس السيوفي اتخطفِت
حاول تتعامِل مع الوضع من قبلِ مايعرف، هبعتلَك رقم العربية..
نهضَ من مكانهِ وجمعَ أشيائه:
-تمام يافندم مسافة السكة، نظرَ إلى إلياس وتحدَّثَ معتذرًا:
-لازم أمشي حالًا..أومأ لهُ دونَ حديث، غادرَ المكان ونظراتُ إلياس تلاحقهُ مع رنينِ هاتفِ إلياس:
-إلياس باشا فيه عربية خطفِت مدام ميرال..لقينا عربيِّتها في الطريق ومفتوحة..
شحبت روحهِ قبلَ جسدهِ ليتوقَّفَ يردِّدُ كلماته:
-إنتَ بتقول إيه ؟!..
أيامٌ عدَّت كثقلِ الجبالِ وهو يبحثُ كالمجنونِ عليها، إلى أن استمعَ إلى رنينِ هاتفِه:
-إلياس عرفت مكانها..هبَّ من مكانهِ يجمعُ أشيائهِ مهرولًا للأسفل:
-ابعتلي اللوكيشن بسرعة..
تمام..بس الجوِّ برَّة صعب فيه مطر شديد والمكان بعيد جدًا، دي في قرية في …قاطعهُ بنبرةٍ لا تقبلُ النقاش:
-أنا قولت عايز العنوان وبس ..قابلتهُ فريدة:
-عرفت حاجة؟..تحرَّكَ يهزُّ رأسه:
-أيوة، رايحلَها..
-إلياس..قالتها فريدة وهي تقتربُ منه..توقَّفَ بمكانهِ يواليها ظهره، وصلت إليهِ وتوقَّفت أمامه:
-فيه موضوع مهم لازم تعرفُه
أزاحها بهدوء:
-مفيش أهمّ من مراتي دلوقتي، لو سمحتي بلاش نكرَّر الغلط تاني ..قالها وتحرَّكَ سريعًا، هرولت خلفهِ إلَّا أنَّ مصطفى عرقلَ تحرُّكها:
-بطَّلي جنان يافريدة، اللي ناوية عليه جنون، استدارت متحرِّكةً وأردفت:
-عملت التحليل يامصطفى والنتيجة ظهرت..أرسلان أخو إلياس والاتنين لازم يعرفوا في أقرب وقت، قدَّامك يومين تجمع ولادي وتعرَّفهم أنُّهم أخوات..
جحظت عيناهُ واتَّجهَ إليها:
-تحليل مين…
أخدت عيِّنة من أرسلان يامصطفى وعملتها من فترة والنتيجة ظهرت من يومين، ولازم إلياس يعرف الشخص اللي بيجيلُه كلِّ يوم بيكون أخوه..
أطبقَ مصطفى على ذراعيها بقوَّةٍ يهدرُ بعنف:
-إياكي تغلطي يافريدة، سمعتيني، الموضوع مش سهل علشان كلمتين هيسمعوهم، وزي ما الدكتور قالِّك لازم نهيَّئلُه، أنا مش مُستعد أخسر ابني..
نزعت يديها بغضبٍ وصرخت بوجهه:
أنا عايزة ولادي وبس، دلوقتي هوَّ راح يرجَّع مراتُه أنا أجِّلت لمَّا ميرال ترجع بس دلوقتي مش هسكت تاني، ياأما تقولُّه ياأنا أقولُّه..
قالتها وصعدت للأعلى ، بعد فترة ليست بالقليلة وهي تحاول مهاتفة إلياس ولكنه لم يجيبها، أتجهت مرة أخرى إلى هاتفها تهاتفُ أرسلان:
-اسفة يابني بس عرفت انك مع إلياس قولي يابني وصلتوا لميرال ..أجابها سريعًا وهو يصلُ إلى المكانِ الذي تُحجزُ به:
-أيوة حضرتِك، لازم أقفل، قالها وأغلقَ الهاتفَ بنزولِ إلياس من سيارتهِ مع فريقهِ الأمني ..أشارَ للمبنى:
-ممكن تهدى علشان ممكن يكون فيه خطر على حياتها ..دفعَ البابَ ودخلَ لذاكَ المكانِ المهجور، بحثَ الجميعُ عنها، هرولَ للداخلِ يبحثُ عنها كالمجنون، وقفَ كالذي سُحبت أنفاسهِ وهو يراها ملقيةً على الأرضِ فاقدةً للوعي ووجهها شاحبٌ كالأمواتِ بملابسها الممزقة..خطا بخطواتٍ ثقيلةٍ وجسدٍ منتفضٍ حتى جثا أمامها يضعُ أناملهِ بارتعاشٍ على عنقها ليرى نبضها إذا كانت على قيدِ الحياة أم لا..
اقتربَ أرسلان منهُ بعدما وصلَ إليها، شهقةٌ خرجت من فمهِ حينما وجدها بتلكَ الحالة، رفعها إلياس بين ذراعيهِ بعدما خلعَ جاكيتِهِ ووضعهُ على جسدها، ذهبَ أرسلان ببصرهِ إلى فمها.
-ممكن تكون مسمومة ياإلياس لازم توصَل بيها المستشفى بسرعة، لم يستمعْ إليها وكأنَّهُ لا يشعرُ بما يدورُ حولها، حملها واتَّجهَ إلى المشفى في صمتٍ مميت..
بعدَ يومين كانت تجلسُ على سجادتها تدعي ربَّها بالشفاءِ الى ابنتها، رفعت عينيها إلى الذي يجلسُ بجوارِها وعينهِ عليها ..استمعت إلى رنينِ هاتفها التقطتهُ من حقيبتها، فتحتهُ لتستمعَ إلى قهقهاتٍ مرتفعة:
-بنتِك غلطت لمَّا شوهت سُمعة ابني، وأهي أخدت جزاتها، إنَّما فين جوزِك وابنُه يامدام فريدة..قالها وتوقَّفَ يزأرُ كالأسدِ ويهتفُ بجحود:
-دا علشان تعرفي إنِّ راجح لسة زي ماهوَّ، متفكَّريش سيادةِ اللواء الحنيِّن اللي دمَّرني زمان وأنا ضعيف يقدر عليَّا لمَّا قويت، أنا قويت أوي يافريدة، وهجيبِك راكعة بعد ماأموِّتلِك سيادةِ اللوا، أه متبقيش ذكية بكلِّمك مكالمة عبر القمر الصناعي..قالها وظلَّ يقهقهُ كالأجدب، ثمّّ استمعت إلى صوتِ الموسيقى ليردفَ بفحيح:
-عامل حفلة على روح بنتِك، بقى راجح تضحكي عليه وتقولي استأصلتي الرحم علشان متجبيش منُّه عيال، وحياتِك لأخلِّي أيامِك سواد يافريدة
ظلَّت بمكانِها بعد إغلاقهِ الهاتف، وكأنَّها لم تستمعْ إلى شيئ، عيناها على ميرال التي أصبحت كالجُثة..دلفَ إسلام وغادة إليها:
-ماما فريدة قومي ارتاحي شوية، وإحنا هنفضَل هنا..أومأت تنهضُ من مكانِها ثمَّ خطت إلى ميرال وانحنت تطبعُ قبلةً على جبينها ثمَّ رفعت عينيها عليه:
-قوم صلِّي وأخواتَك عندها، وأنا هوصل البيت أجبلها شوية هدوم، الدكتور طمَّنا، والحمدُلله مفيش سم في جسمها دلوقتي..كانت عيناهُ عليها فقط لا يريدُ الحديثَ مع أحد، فاستدارت مغادرةً المكان..
وصلت بعدَ قليلٍ إلى فيلَّا الشافعي التي تزيِّنها الأنوارُ الملوَّنةُ وكأنَّهم يحتفلونَ بزفافِ أحدهم ..دلفت تبحثُ بعينيها عنهُ وجدتهُ يقفُ بيديهِ كأسًا من الخمر، ابتسامةٌ ساخرةٌ إلى أن وصلت إليه:
جيت احتفل معاك ياراجح، مش انت عزمتتي، شوفت انا سبت بنتك في المستشفى علشان اشاركك احتفالك ازاي…توقفت الموسيقى على صوتها، دارت حول رانيا مرة ثم راجح مرة إلى أن توقفت نظراتها على طارق
-دا بقى ابن سمية الغلبانة، اللي قهرتها على ابنها، ضيقت عيناها تلوح بيديها
-مراتك التالتة كان اسمها ايه، مش مهم اكيد انت فاكر انت والحيوانة اللي جنبك..اقتربت رانيا تضحك بصوت مرتفع ..بعدما أشارت للجميع بالخروج
-عارفة قلبك محروق على بنتك، كانت بتتحايل عليا علشان ارحمها وانا بحقنها، شوفتي انا كريمة ازاي ماخلتش غيري انا وطارق يقرب منها، همست بجوار أذنها
-البنت زي القمر مكنش خسارة في طارق يدوق جمال قريبته
شعرت فريدة بالقهر، بنيران تحرق جسدها بالكامل، ابتسمت رانيا بعدما شعرت بنشوة الانتصار
-مش تحكي لطنط فريدة ياطارق على جمال مرات ابنها ..لعق طارق لسانه
-قشطة..هنا انهمرت دموعها، بعدما اقنعوها بما شق صدرها على ابنها وزوجته، أقسمت أن تقهر روحهما، لتستدير توزع نظرات مشمئزة عليهما
-ابنك اغتصب البنت ياراجح
قهقه راجح بفخر، وهو يشير الى طارق
-ابن راجح يافريدة واكيد انت مجرباه، والبت شبه امها حلوة لو تنفعني مكنتش …بترت حديثه تصرخ
-اخررررررص..انت ايه شيطان، ربنا يحرق قلبك على اغلى ماعندك ياراجح
تهكم يرفع كاسه يشير إلى رانيا
-كاس لمدام فريدة يبرد أعصابها يارانيا علشان تعيش معانا اللحظة وتحتفل ..بثقت بوجهه ثم هدرت بصوت ارتجت له جدران المنزل
افرح ياراجح، البنت اللي بعت ابنك يغتصبها و يموُّتوها بنتَك، اضحك كمان، ثمَّ التفتت إلى رانيا:
-إيه يامدام رانيا ماتكمِّلي احتفال، وقَّفتي ليه..دارت حولهُم تطالعهُم بشماتة:
-دايمًا الخسَّة والندالة في دمُّكم، ظلمتوا وافتريتوا، ونسيتوا إن فيه رب المظلومين، حبيتوا تقهروني، خطفتوا ولادي الاتنين، وبعدتوهم عن حُضني، بس يشاءُ ربُّ العالمين، أرَّبي ابني من غير ماأعرف أنُّه ابني، ويوم ماأعرف يكون متجوِّز بنتِ أكبر عدوّ لأمُّه، ياترى إلياس لمَّا يعرَف إنّّك عمُّه هيعمِل فيك إيه ياراجح، ولمَّا يعرَف إنَّك السبب في اللي وصل لمراتُه، أوعى تفكَّر موضوع إنَّها بنتَك هيشفعلَك، للمرَّة التالتة على التوالي وإنتَ بتحاول تقهرني بأولادي..فرحان ياراجح، رمقت رانيا
-ايه يامدام رانيا، كنتي بتقولي ايه بتتزل لك، وانت يابن راجح، استبحت جسم اختك، وعجباك اوي..هز رأسه بنفي سريعا متذكرًا رجائها
-أنا مقربتش والله، انا بس ..صرخ راجح يجذب فريدة بعنف
-إنت بتقولي ايه، بنت مين، البنت دي بنتك، اكيد بتلعبي بيا
دفعته بغضب وهدرت تجز على أسنانها
-أنا اللي زورت التقرير اللي بعتته مدام رانيا، علشان اللحظة دي، أيوة بنتك، ولو مش مصدق اكيد عندكم حاجة ليها خدوها وعلى معامل العالم كله واعمل تحليل..دنت منه تهمس بفحيح
-مبرووك ياراجح باشا موت بنتك بيدك ويمكرون والله خير الماكرين، ولسة اقعد واتفرج على نهايتك، انا بقول تحفر قبرك أرحم لك، نسيت اقول لمدام رانيا حاجة
-أنا فرحانة فيكي فوق ماعقلك الزبالة دا يهيألك..ثم التفتت إلى راجح تغرزُ عينيها بمقلتيه:
-حقيقي لازم أشكرَك، لولا خطفكو لأولادي مكنوش عاشوا بالمستوى دا، واحد ظابط أمنِ دولة والتاني مخابرات، إيه رأيك ياراجح…
أخرجت صوتًا اعتراضيًا:
-إيه دا هوَّ أنا نسيت أقولِّك، مش أنا لقيت جمال، وطلع ظابط مخابرات، شوفت نِعم ربنا ياراجح، رمتوه في الشارع وهوَّ لسة ابنِ شهور، وتلفِّ السنين وترجعوا تقهروني على ميرال مفكَّرينها بنتي، ولكن ربَّك عادل ياراجح باشا..وبإيدك دي بنتَك إنتَ بين الحيا والموت، الوقت اللي خسرت فيه بنتك رجع لي ولادي ، بس وحياة رقدتها بالمستشفى بين الحيا والموت لآخُد حقَّها وحق و
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سيلا وليد
“اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك ”
ليتني لم أرد على رسالتـك ذات يـوم
ليتنـي تركتك غريباً كالبقية لا تعرفني ولا أعرف عنك شيئا
ليتني تجاهلتك ولم أفتح لكَ نافذة فؤادي
أو على الأقل أسدلت الستارات عندما هبت رياحك..
ليتني يومها لم أسمح لك بتجاوز أسوار وطني
وأبقيتك بعيدا ..
بعيدا حيث لا قصة بيننا
ولا ذكرى قد تشق خاطري في فلك الليل ..
فـ ثمة شيء في جوفي لا يُحكى..عالقٌ بين حنجرتي وقلبي..يؤذيني ويرهق روحي..
أشعر وكأن هناك مساميرٌ تتأرجح في قلبي..
تنهكني وتزيد من ألمي..
أرقٌ حتميٌّ وصدىً عميق يصعُبُ تحملُهُ ..
أجد نفسي في تساؤل هل هذا شعور متجددٌ؟ أم علّة أصابت القلب فعطَبته؟ أفي القلب تستقر الجِراح؟؟ أم في الجسد تكمُنُ الآلام؟
بالمشفى رفرفت أهدابها مع انسيابِ دمعةٍ عبر وجنتيها، هبَّ من مكانهِ بعدما شعرَ بحركةِ عينيها، انحنى متكئً بكفيهِ بجانبِ رأسها يهمسُ بلهفة:
-ميرال سمعاني، افتحي عيونِك..فتحت عينيها تهمسُ اسمه..
دنا من وجهها وطبعَ قبلةً عميقةً على جبينها:
-أنا هنا حبيبتي، طمِّنيني عليكي..همست بخفوت:
-أشرب..عايزة أشرب
اتَّجهَ يبحثُ عن المياهِ وجذبها ثمَّ ساعدها بالجلوس..ارتشفت بعضًا من قطراتِ المياه، حاوطها بذراعيهِ يضعُ الكوبَ بمكانه..تململت محاولةً أن تستوعبَ أين هي وماذا حدث..جمعَ خصلاتَها على جنبٍ ليظهرَ وجهها يملِّسُ عليه:
-عاملة إيه حبيبتي، حاسة بإيه..رفعت رأسها بتثاقلٍ تتجوَّلُ بنظرِها بأرجاءِ الغرفة، ثمَّ تسائلت بتقطُّع:
-أنا فين…قاطعهم دخولُ فريدة التي هرولت بعدما وجدتها جالسةً بأحضانِه، جلست بجوارِها على الفراشِ تمسِّدُ على شعرها:
-حبيبتي أخيرًا فوقتي، عاملة إيه ياروح ماما ..اعتدلت تبتعدُ عن إلياس تحتضنُ رأسها بعدما شعرت بآلامِها، ومشاهد أمامَ عينيها..
فلاش باك.. قبل ثلاث ايام
خرجت من منزلِ رؤى واتَّجهت إلى سيارتها لتأمرَ سائقها بالنزول:
-انزل أنا هسوق.
ترجَّلَ الرجلُ دونَ حديثٍ لتشيرَ إلى الأمن:
-ممنوع حد يجي ورايا، عندي مشوار خاص مش عايزة مخلوق ورايا..قالتها واستقلَّت السيارةَ لتتحرَّكَ بسرعةٍ جنونية، هنا سمحت لعينيها التحرُّرَ من آلام عبراتها المحجوزة، ضربت على المقودِ تصرخُ بهستريا:
-ليه ياإلياس ليه كدا، مااحترمتش وعدك ليَّا..آاااه صرخت بها وهي تقودُ السيارةَ بسرعةٍ جنونيةٍ تريدُ أن تتلقى الموتَ بصدرٍ رحبٍ لقد فاقَ الألمُ التحمُّل، فكيف لقلبها المجنونِ بعشقهِ أن يتحمَّلَ اقترابهِ من فتاةٍ كانت ستصبحُ زوجتهِ يومًا ما، أغمضت عينيها والغيرةُ بداخلها كشجرةٍ شيطانيةٍ تفرَّعت جذورها ولم يعد لديها السيطرة ..استمعت إلى سيارةٍ بجوارِها وصاحبها يصرخ بها:
-هدِّي السرعة العربية هتنقلب فيه كاوتش هيطير..نظرت لسرعةِ السيارةِ وحديثِ ذاك الأجدب، فحاولت أن تهدِّئَ سرعةَ السيارةِ إلى حدٍ ما، ظنًا أنهُ خائفًا عليها ..ارتفعت أنفاسها عندما توقَّفت سيارةٌ تقطعُ طريقها فجأة، لتتوقََفَ رغمًا عنها وتتَّجهَ إلى هاتفها ولكن لم يعطيها فرصة ليركلَ الهاتفَ بعدما جذبها بقوَّةٍ وأخرجها من السيارة..
حاولت الصراخَ والتملُّصَ منهما و الاستعانةِ بأحدٍ من السياراتِ التي تتحرَّكُ بسرعتها على الطريق، ولكنَّها فشلت بعدما حقنها لتسقطَ بين ذراعيهِ ويحملُها ويهرولَ سريعًا إلى السيارةِ قبلَ وصولِ سيارةِ الحرسِ الخاصة بها.
بعد فترةٍ دلفَ طارق ينظرُ إليها بشهوةٍ يلعقُ لسانهِ مقتربًا منها:
-دي حلوة أوي ..أزالَ شعرها من فوقِ وجهها بعد سقوطِ حجابها ..أشارَ للرجلِ شغَّل الكاميرا، عايز أحسن فيديو طبعًا عارف إزاي تظبطوه على إنَّها صاحية، تحدَّثَ الرجلُ إليهِ أن يفعلَ معها بعضَ الحركاتِ والإشاراتِ حتى من يراهُ يظنُّ أنَّها بكاملِ وعيها، ظلَّ لبعضِ الوقتِ وهو يلتقطُ معها بعضَ الصورِ العديدة، مع دلوفِ رانيا تنظرُ إلى طارق الذي يلتهمُها بعينيه، رمقتهُ بنظرةٍ ساخرة:
-عجباك أوي ولَّا إيه..رفعَ رأسها وهو يستنشقُ خصلاتها..
-حلوة أوي والصراحة خسارة في الزفتِ الظابط..
-طارق..قالتها رانيا تشيرُ بعينيها بالابتعادِ عنها:
-متبقاش مجنون، إحنا اتفقنا على إيه، نُوهِم بس، بس أكيد مش هتلمسها، عايزين أخوك يُخرج من السجن، أي غلطة هدَّفعنا كتير، ارجع كدا واهدى، وإياك تقرَّب منها..
-إيه اللي بتقوليه دا ياماما، يعني إحنا جايبنها هنا علشان الكام صورة دول…
اقتربت منها ثمَّ جلست بجوارِها:
-مين قال كدا، ينفع بنتِ فريدة توقع تحت رجلي وأرجَّعها كدا لأمها اللي رافعة مناخيرها بالسما، دا أنا لازم أحسَّرها عليها السنين كلَّها..
صمتَ لثوانٍ يستوعبُ حديثها ثم أردفَ متسائلًا:
-يعني إيه؟!..
طافت عيناها على جسدِ ميرال ووجهها، انحنت تلمسُ وجهها بأناملِها
تهمسُ لنفسها:
-معقول فريدة تخلِّف بنت بعد ماوهمتنا أنها مش بتخلف!.. كان عندي أمل تكوني مروة..أوف وبعدهالِك يارانيا، ماإنتي عملتي التحليل وأثبت إنَّها مش بنتي، وعملتيه مرَّة منِّك ومرَّة من راجح، وكمان تقرير الدكتورة اللي وضَّح إن فريدة خدعتنا ومعملتِش استئصال للرحم، بس إزاي يوميها خلُّوا راجح يمضي على عملية الاستئصال!..
زفرت بغضبٍ تفركُ وجهها:
-طلعتي عقربة يافريدة وضحكتي علينا، وفي الآخر تتجوِّزي جوازة زي دي وكمان بنتِك تتجوِّز جوازة زيِّك، لازم أحرق قلبك، مش هقتلها بس هسيبها قدَّامِك وإنتِ بتموتي كلِّ يوم عليها، بعد ماجوزها يرميها ..نهضت بعدما أشارت للرجل:
-ابعت هات من الراجل الحُقن اللي طلبتها، ثمَّ استدارت إلى طارق:
-هتفوق بعد شوية هدومها تتقطَّع ووقت ماتفتح عيونها لازم توهمها إنَّك قرَّبت منها..
تجوَّلَ بعينيهِ على وجهها ولا يعلم لماذا نغزهُ قلبهِ فتحدَّث:
-طيب مابلاش أنا، خُدي إنتِ المهمة دي وكدا كدا لمَّا تفوق هتعرف من اللي هتشوفه في الصور..حدجتهُ بنظرةٍ صامتةٍ ثمَّ ردَّدت بعد لحظات:
-إيه الحنية دي!..من إمتى وإنتَ حنين كدا..هزَّ رأسهِ بالنفي:
-لا مش اللي وصلِّك طبعًا، أنا خايف أضعف، ووقتها واللهِ لو هدِّيتي البيت ماحد هيرحمها مني..
دفعتهُ للخارجِ تضحكُ بصخب:
-لأ ياأخويا، مش عايزين خدماتك..توقَّفَ وهو يراقبُها وهي تمزِّقُ ثيابها بطريقةٍ مدروسة، ثمَّ ابتعدت عن الغرفةِ تسحبهُ بعدما انكشفَ معظمَ جسدها أمامه:
-تعالَ ياأخويا …استطاعَ شيطانهِ كبحَ هياجِ مشاعرهِ تجاهها، فتحرَّكَ قائلًا:
-ماما البنت مش عايزين نئذيها، متنسيش دي مرات ظابط، كفاية علينا القضية اللي لسة مش باينلها ملامح موت ياسر مش نهايتها، وخصوصًا من وكيل النيابة الجديد، فبلاش دي كمان، إحنا نوجعهم بس بطريقة خفيفة..
تخصَّرت تطالعهُ بسخرية:
-ماتجمد ياله، إنتَ ناسي مين ورانا، وبعدين مش إحنا اللي عايزين كدا، دي أوامر من فوق ياأخويا، معرفشِ ليه..بس أهي جاتلي فرصة اتشفَّى في فريدة..
-مين فريدة دي اللي مضايقة ستِّ الدلال..لكزتهُ وتحرَّكت للخارجِ تضحكُ ثمَّ أردفت:
-وبعدين إحنا تُقال، متنساش الناس التقيلة اللي ورانا..
بعدَ فترةٍ فتحت عينيها تتأوهُ من الألم ..شعرت بلمسةٍ فوقَ اكتافها، ظنَّت أنَّهُ زوجها، ولكن هبَّت من مكانها بعدما استمعت إلى صوته:
-صح النوم، دا كلُّه نوم، كان نفسي تكوني صاحية.
تراجعت للخلفِ تطالعهُ برهبةٍ شديدةٍ وهمهمت بعدما دارت عينيها بالغرفة:
-إنتَ مين وأنا فين..نظرت إلى ثيابها الممزَّقة ثمَّ رفعت عينيها إليهِ تطالعهُ بخوفٍ انبثقَ من عينيها بعدما ذهبت بعقلها إلى ماتوصَّلَ إليه..
صراخٌ هستري يصدحُ من فاهها وهي تجمعُ ثيابها، وبشهقاتٍ مرتفعةٍ كانت تبكي وتتمتمُ باسمِ زوجها ..حاولَ الاقترابَ منها بأمرٍ من رانيا المتوقِّفة تشيرُ إليهِ حتى يجعلوها تتقنُ لعبتهم الخبيثة، إلَّا أنَّها ركلتهُ بقوَّةٍ ونهضت من مكانها وتناولت ذاكَ السرفيس الذي يُوضعُ فوقَ المقعدِ وظلَّت تضربهُ بقوَّة، وتصرخُ بروحها المتألِّمة، ولكن كيفَ لأنثى ضعيفة أن تقفَ أمامَ ذلكَ الذئبَ البشري ورغمَ طعناتها وضربها إلَّا أنَّهُ يفوقها بالقوة، ليلطِمها بقوَّةٍ على وجهها لتهوى على الأرض، ودموعها تحرقُ وجنتيها تهمسُ باسمِ زوجها، انحنى يرفعُها من خصلاتها وعينيهِ تحدِقها بنظراتٍ مفترسة:
-لو سمعت صوتِك، هعمل فيكي زي اللي عملتُه وإنتِ نايمة، خلِّيكي لطيفة كدا، واسمعي منِّي بدل ماأرجع أعمل معاكي اللي نفسي أعملُه تاني..
لكمتهُ بقوَّةٍ بمنطقتهِ المحظورة ومازالت عبراتها تتساقطُ بقسوةٍ تبصقُ بوجهه؛ تناست ما فعلهُ بها وازدادَ جنونها، كلَّ ماتفكِّرُ فيه الآن زوجها، تقنعُ نفسها لم يصبها أذى ..هزَّت رأسها وتحوَّلت إلى كتلةٍ ناريةٍ واستمدت شجاعتها تشيرُ إليه بنظراتٍ كالطلقات ولم تهتم لملابِسها الممزقة:
-قرَّب منِّي وأنا أشرب من دمَّك ياحيوان، إنتَ إنسان قذر، تعالَ ووريني رجولتَك..رغم أنَّها قالتها بقوَّةٍ إلَّا أنَّ داخلها هشٌّ ممزَّقٌ على حالها، تدعو ربها أن لا يؤذيها..
استمعت إلى نقراتِ كعبٍ خلفها، استدارت سريعًا ترى فتاةً بعمرها، اقتربت منهُ وهمست بأذُنهِ بعضَ الكلماتِ ثمَّ تحرَّكت..توقَّفَ ينظرُ إليها لبعضِ اللحظاتِ ثمَّ أردف:
-راجعلِك ياستِّ الصحفية..خرجَ وأغلقَ البابَ خلفه، دارت بالغرفةِ تبحثُ عن حقيبتها ولكنَّها لم تجدها، تذكَّرت ماصار، هوت على الأرض، ضمَّت ركبتيها إلى صدرها تبكي بحرقة، وتهزُّ رأسها بعنف:
-لا مستحيل دا معملِّيش حاجة، أمسكت خصلاها وبدأت تجذبُها وتصرخُ كالذي مسها جن:
-لا لا ..أكيد أنا في كابوس ..كانت رانيا تتابعُها من كاميراتِ المراقبة وهي تنفثُ سجائِرها، ثمَّ رفعت عينيها إلى البنت:
-ادخلي اديلها أوَّل حُقنة معندناش وقت، جذبَ طارق المقعدَ متسائلًا:
-الحقنة دي إيه، إحنا مش قولنا بلاش علشان مانروحشِ في داهية..
-الحُقن دي تاري أنا، لازم أحسَّر أمَّها عليها ..نهضَ من مكانهِ وأردفَ ممتعضًا أسلوبها:
-إحنا لينا نخطفها ونرهبها علشان تبعد عن القضية، ويكون طُعم نعرف نخرَّج هيثم مش تار بينِك وبين أمَّها..
-ممكن تخرس شوية، إيه مش وراك سهرة ولَّا الستِّ مها بتاعتَك حرَّمتك تشوف غيرها..
زفرَ باختناقٍ وتحدَّثَ بعنف:
-وبعدهالِك بقى، ليه مش طيقاها، شدَّدت على ذراعهِ تهتفُ بغل:
-لأنها واطية، دي جريت وراك وباعت خطيبها، اسمع منِّي الواحد بيبُص لأعلى مش لتحت، رحيل أحسنلَك غير أنَّها الوريثة الوحيدة، وقربك منها هيكون سهل نتخلَّص من مالك.
اكتسى وجههِ الغضبَ وأردفَ مزمجرًا:
-حاضر بس تفتكري هتوافق ترجع بعد ماشفتني بخونها؟..غير المزيِّت بتاعها اللي بتجري وراه في كلِّ حتة..
بغرفةِ ميرال دلفت الفتاة يجاورُها رجلان ذاتِ بنيةٍ ضخمة، نهضت مبتعدةً تهمسُ بألم:
-إلياس إنتَ فين..قالتها ببكاء، دفعها الرجلَ بقوَّةٍ على الفراشِ وهي تحاولُ أن تتخلَّصَ بقوِّتها الهشة إلَّا أنَّهُ أطبقَ على عنقها بسببِ محاولاتها الهروب..
أشارَ للفتاةِ لتحقُنها بمادةٍ مخدِّرةٍ تساعدُ على تدميرِ الأعصاب..
عندَ إلياس قبلَ ساعاتٍ بعدما وصلَ إلى سيارتها، بالوقتِ الذي تحرَّكَ فيه أرسلان خلفَ السيارةِ التي تمَّ تبديلها بأحدِ الأماكن، ليصلَ إليها تقفُ بإحدى جوانبِ الطريق..
ترجَّلَ يبحثُ بالسيارةِ عن أيِّ شيئ، ولكن أيقنَ أنَّهم ذاتَ خبرةٍ فائقة، قامَ بمهاتفةِ إسحاق
-مين دول وعرفت إزاي؟..
إنتَ ماوصلتِش ولَّا إيه..ركلَ السيارةَ بقدمهِ يمسحُ على خصلاته:
-العربية على طريق زراعي في مكان مقطوع مفهوش كاميرات..توقَّفَ إسحاق واتَّجهَ إلى قسمِ الكاميرات..ثمَّ هاتفه:
-تعالَ على مكتبي، إلياس وصلُّه خبر، أنا كنت مفكَّر موضوع سرقة، بس شكلُه كبير.
اتَّجهَ أرسلان إلى سيارتهِ متسائلًا:
-مش فاهم ..جلسَ إسحاق وأجابه:
-تيجي وبعد كدا نتكلِّم..أغلقَ معهُ وقامَ بمهاتفةِ شركةِ الاتصالات:
-وصَّلني بالمسؤولين يابني ضروري.
دقائقَ ووصلَ إلى آخرِ مكالماتِ ميرال وإلياس بعد فترة وصل أرسلان:
-وصلت لحاجة؟..تساءلَ بها أرسلان وهو يجذبُ المقعد..
-لا مفيش تهديد..أنا كنت مراقبها بعد المقال اللي نزِّلتُه، بس قولت ممكن يهدِّدوا ولَّا حاجة، مهتمِّتش أوي، وخصوصًا بعد ماشوفت فيه أمن معاها كفؤ، يعني جوزها كان موفَّر الحماية كويس، آخر الأخبار أنَّها كانت عند البنت اللي جوزها متولي رعايتها دي، وبعد كدا جالي اتصال إنَّها اتخطفت، والغبي عربيتُه اتعطَّلت علشان كدا اتَّصلت بيك، والواد ماقلِّيش تفاصيل..
مسحَ على وجههِ بغضبٍ قائلًا:
-تفتكِر دول بتوع القضية اللي هيَّ شغَّالة عليها ..تراجعَ بجسدهِ مجيبًا
-بتمنَّى ميكنشِ هُم، لأنَّهم دول مجرمين ومنعرفشِ ممكن يعملوا إيه..
زفرةٌ قويةٌ خرجت من أرسلان حتى توقَّفَ يدورُ بالغرفةِ وعقلهِ يعملُ بكلِّ الاتجاهات:
-لا همَّا أكيد، دي مرات ظابط وكمان حماها لوا، يعني تخطيط ناس فوق، ممكن يكون قرصة ودن، وممكن يكون تحذير..معرفشِ عقلي واقف..
استدارَ ووصلَ إلى إسحاق وانحنى يستندُ على المكتب:
-عمُّو أنا هتجنِّن، فتخيَّل إلياس هيكون عامل إزاي، ولَّا والدتها لمَّا تعرف، لازم تتصرَّف، لازم آخر الكاميرا اللي لقطت العربية تُلقط العربية التانية..
-أشارَ إلى جهازِ التتبُع قاىلًا:
-قدَّامك كلِّ حاجة شوف، وأنا مش ساكت عملت مكالمتي، مش عايز أظهر في الصورة
عندَ إلياس توقَّفَ أمامَ سيارتها، وترجَّلَ من سيارته، بخطا ثقيلةٍ ورغمَ أنَّهُ يتحرَّكُ على الأرضِ إلَّا أنَّهُ شعرَ كأنَّهُ بقبرٍ لا يستطيعُ التنفسَ أو التحرُّك، جثةٌ فقط بروحٍ مسحوبة، وصلَ إلى سيارتها بابتعادِ الجميعِ عنها، نظرَ بعيونٍ تغشاها الدموعُ إلى الداخلِ يتخيَّلُ ضحكاتها وإشارتها إليه..
ضغطَ على شفتيهِ مع تكويرٍ لقبضتهِ التي ابيضَّت مفاصلها من شدَّةِ شعورهِ بالعجز، استقلَّ السيارةَ يبحثُ بأركانِها عن أي شيئ، وقعت عيناهُ على هاتفها، التقطهُ يفتحهُ لتقابلهُ صورتهِ تنيرُ شاشتها، دمعةٌ تحرَّرت على وجنتيه، مع شعورٍ باحتراقِ روحهِ بالكامل، قلَّبَ بالهاتفِ وجدها قامت بمهاتفتهِ بالعديدِ من المرَّات، فتحَ هاتفهِ الخاص الذي نسيَ أنَّهُ بوضعِ الصامت..
آاااه خرجت حارقةٌ متألِّمةٌ لشعورهِ بكمِّ الألمِ الذي يسكنُ داخله، وكأنَّهُ بأسوءِ كوابيسه، ليتهُ كابوس حتى يفيقَ منه..
لم يستطع كبحَ قلقه، رفعَ هاتفهِ وتحدَّث:
-بابا ..ميرال فيه حد قطع طريقها وخطفها
انتفضَ مصطفى من مكانهِ يشيرُ للذي أمامهِ بالخروج:
-إنتَ بتقول إيه!..خرجَ من السيارةِ يدورُ حولَ نفسهِ بضياع، وشعورُ الذنبِ يقتلُه، فخرجَ صوتهِ شاحبًا ممزوجًا بنبرةِ الانكسارِ والعجز:
-بقولِّك مراتي اتخطفِت يابابا، مش لقيها، ميرال مش لقيها يابابا..نطقَ بها بصوتٍ اختنقَ كالذي يُوضعُ بقبرٍ وصراخهِ منقطعٌ عن من بالخارج..
قبضةٌ مميتةٌ أصابت مصطفى واهتزَّ داخلهِ من حالةِ ابنهِ ليردفَ بصوتٍ كادَ أن يخرجهُ متَّزنًا:
-حبيبي إنتَ فين، وهبعتلَك قوة ..اتَّجهَ إلى سيارتها واستقلَّها يشيرُ إلى أحدِ رجاله:
-رجَّعوا عربيتي ، قالها واستقلَّ السيارةَ ومازال يتحدَّثُ بالهاتف:
-لا يابابا، مش عايز خبر خطف مراتي يطلَع برَّة، هدخُل على إدارةِ المرور وأشوف الكاميرات، أكيد هعرف أوصل لحاجة..
بعد فترةٍ دلفَ لإدارةِ المرور، وبحثَ في معظمِ الكاميرات المتوجِّهة إلى الطريقِ الذي تمَّ اختطافَ ميرال به، وصلَ لإحدى السيارات التي تحرَّكت بنفسِ توقيتِ السيارةِ التي خرجت من محطَّةِ الوقود ..كوَّرَ قبضتهِ ونفرت عروقه وعقلهِ كادَ أن يُصابَ بسكتةٍ دماغية، قرَّبَ السيارةَ حتى يلتقطَ لوحةَ أرقامها ولكنَّهم ذاتَ خبرة، لتختفي السيارةَ أمام السيارةِ التي قامت باختطافِ ميرال، أشارَ لأحدِ الرجال:
-ارسم الراجل دا، وكمان العربية دي وحاول توصَل لرقمها.
ساعاتٍ مرَّت عليهِ كسبعينَ خريفًا وهو يدورُ حول نفسهِ كالأسدِ الجريحِ إلى أن فقدَ السيطرةَ واتَّجهَ إلى مكتبِ والدهِ علَّهُ وصلَ لشيئ..
بفيلَّا السيوفي انتهت من صلاتها بدلوفِ غادة تفركُ أناملها، رفعت عينيها إليها متسائلة:
-مالك حبيبتي..جلست بجوارها قائلة:
-أنا بحبِّك أوي ياماما فريدة، ابتسمت تمسِّدُ على خصلاتها ثمَّ رفعت رأسها واحتوت وجهها:
-مش هقولِّك غير إنتي وإسلام كنتوا النور اللي ربنا بعتُه بعد عذاب سنين ليَّا..
انسابت عبراتها وتابعت حديثها:
لو عايزة تسأليني ليه، هقولِّك لولاكم مكنتِش بقيت هنا وعيشت كدا..
-طيِّب وإلياس ياماما فريدة، واللهِ هوّّ بيحبِّك أوي، بس ..وضعت كفَّيها على فمها وآااه حارقة خرجت من قسوةِ ما شعرت به من أيامِ عذابها:
-إلياس دا النُّور اللي جالي بعد عتمة الظلم والقهر، دا قطعة من روحي دا لو مكنشِ روحي ياغادة..
ارتجفَ جسدُ غادة تغمضُ عينيها فهتفت بتقطُّع:
-طيِّب لو عمل حاجة في ميرال هتسامحيه..ضيَّقت عينيها وتراجعت بجسدِها للخلفِ ونظراتٍ متسائلة:
-مالها ميرال، وإلياس عمل إيه؟!..
نهضت من مكانها وتجوَّلت بعينيها بالغرفةِ بعيدًا عن أعينِ فريدة قائلة:
-ميرال راحت لرؤى وكان عندها وهيَّ خرجت ومحدِّش عارف مكانها فين، بيقولوا اتخطفت..
شهقةٌ خرجت من فمِ فريدة، لتهبَّ من مكانها فزعة:
-مين قالِّك كدا!!
رفعت عينيها إليها وأجابتها بتشتُّت:
-رؤى ياماما، كلِّمتني بتسأل عن ميرال وحكتلي اللي حصل.
أمسكت هاتفها بأيدي مرتعشة تهمسُ بخفوت:
-لا مستحيل، مين ممكن يعمِل كدا..ظلَّت لعدَّةِ لحظات محاولةً الوصولَ إليه ولكنَّهُ لم يجب..هرولت إلى ثيابها وارتدتها سريعًا..توقَّفت غادة أمامها:
-رايحة فين ياماما بس..
دفعتها بغضب وهدرت بعيونٍ باكية:
-رايحة أشوف بنتي فين، بدل أخوكي مابيردِّش، لازم أعرف عمل فيها إيه..
توقفت أمامها وحاولت تهدئتها
-ماما فريدة لو سمحتي، إلياس مش ناقص ضغط، حاولت أكلمُه ماردِّش، وإسلام كلِّم بابا وقال هوَّ عندُه وحالته وحشة جدًا..
هرولت للخارج، ورغمَ حزنها عليه، إلَّا أنَّها هتفت بقلبٍ محترق:
-أنا عارفة هيفضل وراها لحدِّ مايموتها، أخوكي قادر ومحدِّش قادر عليه، جه الوقت اللي لازم أوقَّفه عند حدُّه..
-ماما فريدة ..صاحَ بها إسلام وخطا إليها بخطواتٍ سريعةٍ يشيرُ إلى غادة:
-حبيبتي أدخلي إنتِ وأنا هروح مع ماما فريدة عند بابا، علشان ترتاح.
أومأت ودلفت للداخل بسكون، بينما اقتربَ إسلام منها:
-ممكن تهدي عارف إنِّك مضايقة على ميرال بس متنسيش إن إلياس ابنك، وكمان مراتُه اللي مخطوفة، اقتربَ خطوةً أخرى وهتف بعدما التفتت حوله:
-كلِّمي أرسلان وعرَّفيه، وأرجوكي تتحكِّمي في نفسِك، أنا مش قادر أخبِّي على بابا لحدِّ دلوقتي، اتصلي بيه وكأنِّك بتسألي على إلياس معاه ولَّا لأ ووصلوا لميرال، هو هيتصرَّف، وزي ماقولت لحضرتك، دا واصل أوي، ومحدِّش يعرَف أنُّه مخابراتي، فلو سمحتي بلاش تحطِّيني في موقف محرج مع إلياس لأنُّه هيعرَف أنا اللي قولتلِك.
ربتت على كتفهِ وتحرَّكت بجوارِه، متمتمةً بحزن:
-هكلِّمُه ياإسلام، وعارفة إنَّك مضايق علشان طلبت منَّك تخبِّي على بابا، بس صدَّقني هقولُّه لمَّا يرجع وهفهِّمه أنا اللي طلبت منِّك كدا.
أشارت إليه قائلة:
-اتِّصل بإلياس الأوَّل ..هزَّ رأسهِ بعدما لم يجاوبه..رفعت هاتفها بأيدي مرتعشة وعيونٍ زائغة على إسلام متمتمةً بعد لحظات:
-إزيك يابني عامل إيه، أنا فريدة والدة إلياس جبت رقمك من إسلام، بتِّصل بإلياس مابيرُدِش، كنت عايزة أعرف وصولتوا لمراتُه ولَّا لسة؟..
نهض مبتعدًا عن إسحاق وشعرَ بالحزنِ على صوتِها الباكي..
اهدي وأنا هنزلُه حالًا، عرفت الخبر، كلُّه هيكون تمام، المهم بطَّلي بكى..
حاولت التحدُّثَ ولكنَّها لم تقوَ على النطق، تمنَّت أن يكونَ أمامها وألقت نفسها بأحضانه..ربتَ إسلام على كتفها يعيدُها للواقع، أزالت عبراتها تهزُّ رأسها:
-ربنا يحميك يابني قالتها وأغلقت الهاتفَ سريعًا، بعدما سمحت لعينيها بالتحرُّر، لترتفعَ شهقاتها، فيكفي ماتشعرُ به..فتحَ إسلام بابَ سيارتهِ يشيرُ إليها بالجلوس:
-طيِّب اهدي حبيبتي، إن شاءالله كلُّه هيعدي، إلياس مش هيسكُت غير لمَّا يرجَّعها..تراجعت برأسِها على المقعدِ ومازالت عبراتها تحرقُ وجنتيها لتنظرَ إلى إسلام:
-كلِّمُه ياإسلام دلوقتي حالتُه حالة، احتضنَ كفَّيها وقبلهما:
-ماما حاولت أكلمُه، ممكن تهدي علشان قلبِك مش متحمِّل، إيه مش عايزة تقابلي ولادك بصحتِّك ولَّا إيه..
احتضنت وجههِ بين راحتيها مبتسمةً من بينِ دموعها:
-وإنت ابني وحبيب روحي، أوعى تفكَّر إن إلياس وأرسلان بس ولادي، أنا صح مخلفتَكش، بس إنتَ روحي واللهِ مابكذِب..ضمَّ رأسها وطبعَ قبلةً فوقَ جبينها..يربتُ على ظهرها:
-وأنا معرفتِش أم غيرك، مش محتاجة تحلفي، زي مابابا مصطفى أبويا حضرتك أمي، شوفي القدر ياماما ابنك الحقيقي كان بيعاملِك إنِّك مرات أبوه، وابنِ جوزك تمنَّى إنِّك أمُّه، الواد دا عايز ينضرب..فيه حد تبقى أمُّه عسل كدا ويتبرَّى، معرفشِ الهبلة بتحبُّه على إيه..
ابتسامةٌ تصفعهُ بخفَّةٍ قائلة:
-بس يالا، دا أخوك الكبير مفيش حاجة اسمها ابنِ جوزي ومرات أبوه..
أفلتَ ضحكةً بعدما أخرجها من حالتها، ثمَّ استدارَ إلى القيادةِ وتحرَّكَ بالسيارة.
بمكتبِ مصطفى جلسَ مع أصدقائهِ المقرَّبين وحاولَ الوصولَ إلى تلكَ السيارةِ بعد انكشافها عن التقاطِ آخرَ الصورِ لها …دلفت فريدة بجوارِ إسلام بعد خروجهما وتحديدِ المهام لكلٍّ منهما..توقَّفَ مصطفى يقابلُها حينما دلفت:
-فريدة إيه اللي جابك..نظرت إلى إلياس الذي يتابعُ أحدِ الأجهزة ولم يكترث لدخولها فهمست بتقطُّع:
-فين ميرال يامصطفى، بنتي فين..حاوطَ أكتافها وتحرَّكَ بها إلى الأريكةِ وعينيها مازالت على إلياس الحاضرِ الغائبِ الذي يبحثُ عن طريقِ الأجهزةِ الإلكترونيةِ ومحادثتهِ لبعضِ الأشخاص:
اتَّجهت إليهِ بعدما تركت ذراعَ مصطفى:
-مابترُدش عليَّا ليه، إزاي مراتك تتخطف وإنتَ بمركزك دا؟!..
رفعَ رأسهِ عن جهازهِ للحظاتٍ ثمَّ عادَ يفعلُ مايفعله، أصابها الذهولَ من ردِّهِ البارد.. طاحت بيديها الجهازَ من أمامه:
-لمَّا أكلِّمَك توقف وترُد عليَّا باحترام، اقتربت وكلَّ ما تراهُ أمامها الآن بكاءَ ميرال وخوفها وهي لا تعلمَ من اختطفها..أمسكتهُ من تلابيبهِ تصرخُ فيه:
-حذَّرتك كتير وكالعادة اللي في دماغك بتعملُه، أهو مبسوط مراتك مش موجودة معاك، ياترى اللي خطفها دا بيعمل فيها إيه دلوقتي..
تراجعَ للخلفِ بعيدًا عنها بعدما شعر بنارٍ سوداءَ تحرقُ داخله، ولا يريدُ أن تطالَ إليها..ابتعدَ بصمتٍ فهو الآن كالبركانِ القائظِ الذي أوشكَ على الانفجار، أسرعَ مصطفى يجذبُها بعيدًا عن إلياس بعدما رأى حالته، مدَّ يدهِ وخطفَ هاتفهِ متحرِّكًا للخارجِ دونَ حديث ..خطواتٌ واسعةٌ تأكلُ الأرضَ ولكنَّها مترنحةٌ بالضعفِ والعجز..وصلَ إلى سيارتهِ مع رنينِ هاتفه، نظرَ بشاشتهِ وجدهُ أرسلان أغلقَ بوجهه، لا يريدُ أن يتحدَّثَ مع أيِّ أحدٍ ولا يرى سوى زوجته، الآن هو كالشجرةِ الضعيفةِ التي تقفُ في مهبِّ الريح، لم يكلَّ أرسلان من مهاتفتهِ ولكنَّهُ ككلِّ مرَّةٍ لم يجبهُ مما جعلهُ أن يصلَ بمعرفتهِ إلى مكانهِ من خلالِ هاتفه..
عندَ فريدة جلست تحتضنُ رأسها:
-يعني إيه، مش عايزين تبلَّغوا الشرطة أومال هتوصلوا إزاي؟!..
-فريدة وإحنا مش شرطة، أنا كلَّمت كذا حد قريب منِّي بيدوَّروا، مش عايز كلام يطلَع هنا ولَّا هنا، وإلياس عندُه حق وهوَّ حُر ياستي..
-حُر !..لا مش حُر أنا مش هستنى لمَّا يجبوها مقتولة..
-وبعدهالِك بقى يافريدة ماتهدي شوية، أنا مش ساكت، وبدل مانتي عمَّالة تجلدي فيه خدي في حضنك، مش شايفة حالتُه، أنا إلياس صعبان عليَّا ومش هقعد أتفرَّج عليه، خدي إسلام وارجعي وأنا من هنا للصبح لو مرجعِتشْ هاخد إجراء قانوني وهحاول أوصلها..
-إيه اللي بتقولُه دا يامصطفى، إنتَ هتفضل ساكت للصُّبح، يعني بنتي مع ناس مجرمين ومعرفشِ حالتها إيه وإنتَ بتقولِّي للصبح!.
زفرَ بحدَّةٍ وشعورُ الذنبِ يحتلُّ عقله، يريدُ أن يتخذَ إجراءًا قانونيًا ولكن ابنهِ رافضٌ رفضًا قاطعًا، اقتربَ منها وحاوطَ كتفها وحاولَ امتصاصَ غضبها:
-حبيبتي لمَّا نبلَّغ هيعملوا إيه، أنا اللي بدِّي التعليمات زي دلوقتي، اهدي كدا مش يمكن عايزين ديَّة أو أيِّ حاجة،
نستنى لمَّا نشوف آخرتُهم إيه..
بعدَ فترةٍ وصلَ إليهِ أرسلان، وجدهُ بمحطَّةِ الوقودِ ينظرُ لتلكَ الكاميراتِ بالقربِ من موقعِ السيارةِ التي تمَّ التبديلَ بها، دلفَ للداخلِ بعدما سألَ عنه ..توقَّفَ بجوارهِ ينظرُ للشاشةِ التي يصبُّ اهتمامهِ عليها، ربتَ على ظهرهِ لينتبهَ إليه..رفعَ رأسهِ ينظرُ إليه بصمت، ثمَّ اتَّجهَ إلى الشاشةِ التي التقطت ثلاثةَ أرقامٍ خلفية، أدارَ الشاشةَ من الجانبِ الآخر حتى التقطَ الأرقامَ والحروفَ الناقصة، أطبقَ على جفنيهِ يدعو اللهَ أن يكونَ ذلكَ أوَّلَ طرفٍ يصلُ إلى زوجته..تحرَّكَ للخارجِ وخلفهُ أرسلان متسائلًا:
-هتعمل إيه ؟..
إنتَ مين عرَّفك؟!..
اقتربَ منهُ وعينيهِ تشعُّ من الأسى مايؤلمُ روحهِ على حالته، ليهتفَ مقتربًا حتى توقَّفَ أمامهِ مباشرة:
-مكنتش عايزني أعرف، على العموم قلقت عليك علشان بتَّصل بيك ومابترُدش، اتصلت بوالدتك حكتلي وأنا عرفت مكانك بطريقتي..
شعورٌ مميتٌ بداخله، وهو ينظرُ إليهِ بعجز، يريدُ أن يصرخَ ويبكي ولكنَّهُ لم يقو على ذلك، ضعفهِ على حافَّةِ الهاوية، هزَّ رأسهِ وتحرَّكَ لسيارتهِ دونَ حديث، تحرَّكَ خلفهِ متسائلًا:
-طيب عرَّفني ناوي على إيه؟.،
توقَّفَ متسمرًا يواليهِ ظهرهِ وردَّ بصوتٍ ثقيلٍ وكأنَّ لسانهِ رُبطَ قائلًا:
-أنا عارف إنَّك صديق ويُعتمد عليك بس دي حياتي الخاصة، لو سمحت بلاش نتكلِّم في كلام ممكن يزعلَّنا من بعض ..أمسكهُ من ذراعهِ ولم يكترث لحديثه:
-أنا مش بتعامل معاك على إنَّك صديق، أبدًا واللهِ أنا حزين وزعلان، أنا جيتلك لمَّا حسيت إنَّك محتاج لسند، ومقدَّر إنَّها حياتك الخاصة، وحاسس بالألم جواك، اعتبرني أخ، ولَّا بلاش تعتبرني..أنا اللي أعتبرك أخويا ياسيدي وحسيت إنَّك محتاج مساعدتي هترفض، وبعدين نسيت انا مديون لك … وقبلِ ماترفض أنا ماليش أخوات يعني بفرض الأخوية عليك معندكشِ اختيار..
تحرَّكَ يشيرُ إلى سيارته:
-طيَّب تعالَ ورايا، هنروح المرور ونشوف العربية دي وقفت فين ..تحرَّكَ كلٍّ منهما إلى سيارتهِ ليصلَ إلى إدارةِ المرورِ العامِّ حتى يلتقطَ جهازَ الرادارِ السيارةَ التي يبحثون عنها..
مرَّ يومًا آخر والحالُ كماهو، لم يتم العثورَ على شيئ..حبسَ نفسهِ بمكتبهِ كطيرٍ بُترت أجنحتهِ عندما شعرَ بالعجز، يأكلهُ الندم وتحرقُ أحشائهِ بنيرانِ الألم..
احتضنَ رأسهِ ينظرُ لهاتفها بعينينٍ مغروقتين بالدموعِ يودُّ لو يراها أمامهِ لو دقيقةٍ واحدةٍ لدفنها داخلَ أعماقه حتى لا يستطعَ أحدًا الوصولَ إليه، توقَّف عقلهِ عن التفكير وسحبتهُ دوامةُ العجزِ فنهض يترنَّحُ بوقوفهِ محاولًا التفكير لماذا تمَّ خطفها ومن خلفَ هذا الخطف، بعدما لم يساومونه
عند فريدة ارتدت ملابسها بهدوء، وتحرَّكت تاركةً غادة تغطُّ بنومها، ثمَّ اتَّجهت إلى قسمِ الشرطة:
-لو سمحت عايزة أبلَّغ عن اختطافُ بنتي..
-لحظة يافندم هبلَّغ حضرةِ الظابط .. دقائقَ ودلفت إليهِ كان منشغلًا بأحدِ القضايا بجلوسِ جواد حازم بمقابلته، نهضَ من مكانهِ يشيرُ إلى جواد:
-شوف المدام عايزة تعمل إيه لحدِّ ما أخلص ..اتجهَ جواد إليها يشيرُ بالجلوس..
ظلَّت نظراتها على جاسر المنشغل بعمله، ثمَّ اتجهت إلى جواد بعد صمتٍ دام للدقائق
-بنتي اتخطفت وهي راجعة من الشغل وبقالها يومين، انتظرنا حدِّ يكلِّمنا بس مفيش أخبار..قالتها بصوتٍ مكتومٍ بالبكاء ..أعطاها جواد كوبًا من المياهِ
ثم أشارَ للكاتب:
-اكتب للمدام محضر يابني ..
توقَّفَ جاسر بعدما نطقت:
-ميرال السيوفي..رفعَ نظرهِ إليها سريعًا
وتساءل:
-حضرتك مرات سيادةِ اللوا..هزَّت رأسها تنظر للأسفلِ بدموعٍ تحجَّرت بعينيها، فرغمَ منعِ مصطفى من البلاغِ إلَّا أنَّها لم تستمع إلى حديثه..
نهضَ من مكانهِ وجلسَ بمقابلتها يشيرُ بعينيهِ إلى جواد الذي تساءل:
-ليها عدواة مع حد أو ممكن يكون مضايقة وحبِّت تقعد بعيد عن الكل..
هزَّت رأسها بالنفي:
-لا ..عمرها ماعملتها، لمَّا بتحبِّ تقعد بتقولِّي أو بتقول لأختها، وجوزها بيكون عندُه علم..
-جوزها.. هيَّ متجوزة؟..
هنا فاقَ الألمُ وهي تتخيَّلُ ردةِ فعله، تعلمُ أنها أخطأت ولكن قلبها يؤلمها عليها فهمست بتقطُّع:
-أيوة متجوزة إلياس السيوفي..
ضيَّقَ جاسر عينيهِ ونظراتهِ تخترقُ حركاتَ وجهها ثمَّ تساءل:
-هيَّ متخانقة مع جوزها..أطبقت على ثيابها متذكِّرةً حديثَ غادة عن رؤى ولكنَّها رفعت عينيها إلى جاسر تهزُّ رأسها بالنفي..اردفت :
-ممكن جوزها يكون له أعداء وعايزين يساوموه ..هيَّ شغالة ؟! وجوزها شغال -إيه..هكذا تساءلَ بها جاسر..
ابتلعت ريقها بصعوبة قائلة:
-إلياس السيوفي ظابط أمنِ دولة..
زفرةٌ قويةٌ من فمه، هنا علمَ ربما يكونُ اختطافها بسببِ عمله..
-هوَّ ميعرفشِ إنِّك جاية تعملي بلاغ؟..
أومأت له ومازالت عيناها تنظرُ للأسفل..
-جواد إعمل محضر وشوف العربية اللي كانت راكباها ..قاطعتهُ قائلة:
-ممكن الموضوع مايخرجشِ للصحافة والإعلام..
-من غير ماتقولي يافندم، نهضَ من مكانهِ وأردفَ بتساؤل:
-هي شغالة ايه؟..
-صحفية، كانت نزِّلت مقال عن الجماعة الإرهابية من أسبوع، ودا اللي جوزها شاكك يكون همَّا ورا خطفها.
تراجعَ جاسر إلى مقعده، بعدما شعرَ بالأسى عليه، يشيرُ إلى جواد حتى يتحرَّك بإجراءِ القضية،
-أحنا هنتصرَّف متقلقيش، وحالًا هنحوِّل القضية للنيابة وهيَّ هتتعامل مع الموقف، علشان نعرف نوصل لمراقبة العربية..
-هوَّ لازم النيابة تعرف، أنا مش عايزة الموضوع..قاطعها جواد حينما توقَّفَ يشيرُ إليها بالاتجاهِ إلى وكيلِ النيابة:
-لازم يافندم، حضرتِك هتيجي معايا، ودا علشان سيادةِ اللوا مصطفى ووعد الموضوع مش هيخرج، ومتخافيش هنعرف نسيطَر على الأخبار..
أومأت وتحرَّكت متَّجهةً خلفهِ إلى مكتبِ راكان..
بعدَ فترةٍ خرجت من مكتبهِ تشعرُ بالراحةِ قليلًا، تحرَّكت بخطواتٍ واهنةٍ تختفي خلفَ نظارتها السوداءَ من أن يراها أحدٌ من معارفِ زوجها اصطدمت بأحدهم ..ربتت على ظهرهِ وهتفت معتذرة:
-آسفة يابني لا تؤاخذني ..قالتها وتحرَّكت سريعًا، بدخولهِ إلى مكتبِ راكان، ولكنَّهُ توقَّفَ بعدما لاحت صورتها مخيلَته، فاستدارَ سريعًا يهتفُ بصوتٍ مرتفع:
-طنط فريدة..توقَّفت واستدارت تنظرُ على من يناديها، ولكنهُ دلفَ بعدما تأكدَ أنَّها ، يااه معقولة هي، طيب بتعمل إيه، وشكلها هانم مش زي ماامي حكتلي، دلفَ يزن وعقلهِ يعملُ بكافةِ الاتجاهات.
وصلت إلى المنزل وجدت مصطفى يدورُ كالمجنونِ يبحثُ عنها واتصالاتٍ عديدةٍ ولكنها كانت هاتفها مغلق، قابلها وتساءلَ بلهفة:
-كنتي فين..رفعت عيناها إلى إلياس الذي ينزلُ سريعًا من الدرجِ فتساءلت:
-إلياس رجع إمتى؟..
-لسة راجع جه يغيَّر هدومه، استمعت إلى حديثه..
-أيوة ياأرسلان، أنا جاي خمس دقايق أه عرفت مكانها، لا مالوش لازمة معايا الطقم بتاعي..ابتسمت مقتربةً منه:
-إلياس وصلت لميرال ..أومأ لها وتحرَّكَ سريعًا، صاحت باسمهِ بعدما علمت بوجودِ أرسلان معه، شعرت بالخوفِ عليهما فنظرت إلى مصطفى:
-إلياس لازم يعرف إنِّ أرسلان أخوه، قالتها وتحرَّكت خلفهُ سريعًا:
-إلياس ..توقَّفَ يواليها ظهرهِ وكلَّ خليةٍ بجسدهِ تنتفض، هو لايريدُ أن يتحدَّثَ ولا أن يرى أحدًا الآن ..وصلت إليه:
-فيه موضوع مهم لازم تعرفه، ألقاها بنظرةٍ صامتةٍ وأردف:
-مفيش دلوقتي حاجة أهم من إنِّي أرَّجع مراتي..قالها وتحرَّكَ سريعًا، لم تستطع إخفاءَ خوفها عليهما فتحرَّكت إلَّا أن أوقفها مصطفى:
-وبعدهالِك مش هتسيبِك من الجنان دا، قولتلك مليون مرة مستحيل اللي بتقوليه دا، فريدة مش معنى إلياس ابنك يبقى أيِّ حد شبهُ يكون أخوه..
نزعت نفسها من بينِ ذراعيهِ وهتفت بقوة:
-مش الشبه بس يامصطفى، الواد نسخة تانية من أبوه، كلِّ حاجة جمال صوتُه شكلُه كلِّ حاجة..
-مش شرط يافريدة، ماهو إلياس كان ابنك وانتي قعدتي معاه تلاتين سنة ومعرفتيش، اهدي يافريدة عيلة الولد دي كبيرة أوي، مستحيل يكون ابنك..
-ابني أرسلان ابني يامصطفى، انا عملت التحليل وطلع ابني..
توقَّفَ ينظرُ إليها بصدمةٍ وأردفَ بتقطُّع:
-مستحيل أكيد اتجننتي ..قاطعهُ إسلام من الخلف:
-ماما فريدة بتقول الحقيقة يابابا، اقتربَ وتوقَّفَ أمامهِ وتابعَ مسترسلًا:
-أنا ساعدت ماما فريدة وعملنا التحليل، أخدت منُّه شعرة مع شعرِ إلياس وعملنا التحليل من عشرِ أيام..
-إيه..يعني إيه، الولد يجي هنا بكلِّ ثقة وأنتو تخططوا انُّكم ..بترت فريدة حديثهِ وصرخت باكية:
-حرام يامصطفى، حرام عليك إنتَ مش حاسس بالنار اللي جوايا، ولادي الاتنين قدَّامي ومش عارفة آخد حدِّ فيهم في حضني..اقتربت منهُ بعدما تحرَّرت عيناها بالبكاءِ ترفعُ يديها وتشيرُ بأناملها ببكاء؛
-الاتنين يامصطفى، الاتنين قدامي ومش قادرة أقول لحدِّ فيهم أنا أمُّكم، بكت حتى انهارت..
-فكرت انا بحسِّ بإيه والياس قدامي طول الوقت وهوَّ بيقولي يامدام ولا حتى طنط، حسيت وهوَّ لمَّا بيكون تعبان ولَّا زعلان ونفسي أطبطب عليه وأقولُّه معلش ياحبيبي هتعدي، ولَّا لمَّا أرسلان قالي ياستِّ الكل، عارف الكلمة دي عملت فيَّا إيه..رفعت عيناها إليه وأردفت بصوتٍ خافت:
-إحساس صعب يامصطفى ياربِّ ماحد يجرَّبه يامصطفى..
-فريدة واللهِ أنا حاسس بيكي، تراجعت بعيدًا عنهُ وقطعت حديثهِ بصوتٍ ممزوجٍ بالبكاء:
-لا محدش حاسس بالنار اللي جوايا، الاتنين دلوقتي مع بعض وميعرفوش أنُّهم روح واحدة، داخلين النار مع بعض ومحدش منهم عارف أنهم اخوات، تفتكر لو واحد حصلُّه حاجة أنا ممكن أعمل إيه ..هزَّت رأسها بجنونٍ كلَّما تخيلت أن أحدَهم يصيبهُ مكروه، لتقتربَ منه:
-يومين بس يامصطفى والولاد يعرفوا أنهم اخوات..قالتها وتحرَّكت للأعلى..
نهاية الفلاش
بفيلَّا الشافعي بعد خروجِ فريدة..
تحرَّكَ راجح سريعًا إلى المشفى بعد إخبارهِ بموتِ هيثم ابنهِ المسجون، تحرَّكَ كالمجنونِ يهتفُ اسمَ ابنه، بينما رانيا التي سقطت مغشيًا عليها بعد علمها بما صارَ لابنها ..
يومينِ آخران والحالُ كما هو، انهيارَ رانيا وحبسها بغرفتها بعد محاولتها الخروج للوصولِ إلى ميرال، وراجح الذي شعرَ بالهوانِ بعدما علم أنهُ السببَ بقتلِ ابنهِ بعدما خالفَ أوامرَ من يعمل معه، ووصولِ إلياس إلى زوجته، بعد تحذيرِ راجح بقتلها..
توقف الرجل أمامه
-والله ياباشا عملنا كل اللي نقدر عليه، ومكناش نتوقع أنهم هيوصلوا قبل اسبوع
تذكر بعد علمه من الوصول إلى ميرال بذاك اليوم الذي يقيم به حفلا حتى يغطي على جريمته النكراء بقتل ياسر، ولكن شاء القدر أن إلياس يصل إلى ميرال بنفس توقيت قتل ابنه
-اعرف مين الخاين اللي بلغهم بمعرفة مكان البنت، وصلت رانيا إليه
-يعني كلمناها علشان نقهرها ورغم احنا اللي كنا مقهورين علشان وصلوا
-كويس أنهم وصلوا يارانيا، توقف بمقابلتها وهدر بها بحدة:
-لو ماوصلوش كان زمان الحقن اللي حضرتك كنتي فرحانة انك بتديهلها موتتها، احمدي ربنا، المهم انها عائشة والجاي سهل
اقتربت منه ترمقه بنظرات حارقة
-هتسيبها لفريدة ياراجح، بعد قهرتنا السنين دي كلها، مش كفاية ابني، يبقى ولا بنت ولا ولد، رجعلي مروة ياراجح عايزة بنتي
جلس يزفر بغضب واردف
-بحاول اعمل اللي اقدر عليه كلمت جماعتنا وقالوا هيتصرفوا
-راجح البنت مش هتيجي بسهولة، اخطف الظابط وساوم مصطفى عليه
-الظابط..مش دا ابن فريدة اللي بتقول عليه..توقفت عن الحديث تضرب على رأسها
-يعني دا ابنها اللي تقصده، الظابط اللي جه هددنا هنا يكون ابنها، لا وكمان بعد إصابته جالك هنا وقالك البادي اظلم، يعني عارف انك عمه
هز رأسه بالنفي متمتمًا:
-لا أكيد، لو عارف مكنش سكت، وشكل فريدة مكنتش تعرف بدليل قوتها دي
احتضنت ذراعه
-طيب هاتلي بنتي، بدل مااقلب عاليها واطيها سمعتني
قالتها وتحركت وهي تردد
-فريدة يطلع عندها ولدين وانا ابني يموت وبنتي تربيها وتقولها ياماما، والله لاحرقك يافريدة
كان يستمع إليها بغضب، يريد أن ينقض على عنقها ولا يلقيها سوى وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة
بعد ساعات استمع الى رنين هاتفه
-رانيا لازم تبعد عن مصر الفترة دي، مش عايزين غلط، وانتظر مني الأوامر
بالمشفى بعد إفاقتها وتذكرِ ما صارَ لها، ظلَّت تصرخُ مبتعدةً عن الجميع، ولكنهُ كان المسيطرُ الأقوى عليها وأبعدَ الجميعَ من الاقترابِ إليها، احتواها بحنانٍ بين أحضانه، وظلَّت تحتَ العلاجِ لمدةِ أربعةِ أيامٍ إلى أن تمَّ علاجَ جزءٍ كبيرٍ من حالتها بعد حقنها ببعضِ الموادِّ السامةِ التي تسيطرُ على خلايا الأعصاب، هذا ماتوصلَ إليهِ الأطباء من خلالِ التحاليل ..أربعةُ أيامٍ ولم يتحرَّك من جوارها سوى لصلاتهِ فقط، فتحت عينيها وجدتهُ غافيًا على المقعد، اعتدلت على الفراشِ تنظرُ إلى ملامحهِ المرهقة، نهضت من فوقهِ واتَّجهت إلى ملابسها بهدوءٍ حتى لا توقظه، قامت بتبديلِ ثيابها ورفعت عينيها إلى أشيائهِ لتتحركَ ببطئٍ تلتقطُ مفتاحَ السيارةِ والكريد كارت،
ثمَّ استدارت للمغادرةِ ولكنَّها وجدت نفسها بين ذراعيه يهمسُ إليها:
-رايحة فين؟!..ارتجفَ جسدها وانسابت عبراتها:
-ابعد عني ياالياس انا مابقتش أنفعك، خلاص أنا بقيت واحدة مغت..بترَ حديثها يبتلعُ كلماتها يعاقبها ويعاقبُ نفسهِ بما تفوَّهت به، لحظات ربما دقائق يقبِّلها بطريقةٍ جنونيةٍ كأنَّهُ يريدُ أن يقتصَّ بما نطقت به، اختتقت باكيةً ليرفعها بين ذراعيهِ بعدما ارتفعت شهقاتها، ثمَّ اتَّجهَ للخارج، بوقوفِ فريدة وإسلام، ولكنهُ تحرَّكَ بها وهي تعانقُ رقبتهِ تدفنُ نفسها، وكأنَّها تختفي من أن يراها احد،
حملها وخرجَ بها من المشفى، أوقفتهُ فريدة:
-كنت سبها ياماما كمان يومين ترتاح..
وضعها بالسيارةِ بهدوء، ثمَّ طبعَ قبلةً فوقَ رأسها:
-مرتاحة كدا ..أومأت وهي تضعُ يدها على بطنها..
-بطني بتوجعني أوي..
-هنروح وتاخدي العلاج وتبقي كويسة، قالها وهو يقومُ بعقدِ حزامِ الأمان..
-يعني بكلِّمَك ومابتردش عليَّا..
استدارَ إليها بعدما أغلقَ بابَ السيارة
-بقالي أربع أيام منمتش، مش قادر أقف على رجلي، عايز أرتاح وبعد كدا نتكلِّم ممكن تروحي مع إسلام..
-وليه ماروحشِ معاك، ولَّا مش عايز عزول..
تحرَّكَ للقيادةِ قائلًا:
-مش راجع البيت، هروح مكان هادي علشان تخفِّ بسرعة، لمَّا أوصل هكلمِك
هرولت إليهِ تقفُ أمامه:
-إنتَ عايز تخرج برَّة القاهرة بشكلك دا، لا طبعًا، إنتَ لسة قايل مش قادر تتكلِّم..
-ماما فريدة لو سمحتي..
ترقرقت عيناها بالدموع..
-علشان خاطري ياحبيبي، ياتروح طيران ياأما تاخد السواق معاك..
هزَّ رأسهِ وفتحَ بابَ السيارةِ هروح المطار..قالها وتحرَّكَ بالسيارةِ سريعًا دونَ كلماتٍ أخرى..
بعدَ عدَّةِ ساعاتٍ كانت تغفو بأحضانهِ بإحدى الشاليهاتِ بمدينةِ شرم الشيخ..
تململت بنومها تفتحُ عينيها لتجدَ نفسها محاصرةً بجسده،
ابتعدت محاولة التسلل كعادتها ولكنه احتواه يضمها بحنان إلى صدره
-ميرال انت كويسة ممكن لو سمحتي ماتزعلنيش منك ..كانت تبكي بصمت فقط، كأن لسانها ربط ولم يعد لديها قدرة على النطق..ظلت عدة أيام بذلك الوضع ..قام برعايتها مثلما أشار إليه الطبيب، بالصباح جولة إلى البحر الذي تعشقه، وبالليل يحتويها داخل أحضانه أمام المدفأة، يقص لها عن طفولتهما، محاولا ابعاد ذهنها عن التفكير
اسبوع اخر منعزلًا بها عن الجميع، لا يريد سوى عودة روحها الغائبة، عادت برائتها وضحكاتها مرة اخرى، ولكن مازال وجهها الشاحب يزين بعيناها الحزينة ..
ايه رأيك نعمل نسكافيه انتِ كنتي من هواته ايام الجامعة
وضعت رأسها على كتفه
-لسة فاكر!! جمع شعرها ينظر إليها بحب
-طبعا جنانك كله لسة فاكره، رفعت رأسها تنظر إلى عيناه
-بس مكنتش بتخليني اشربه، فاكر ولا لا ..وضع وجهه بعنقها يستنشق رائحتها
-علشان كنتي بتتعبي بعد ماتشربيه، وهبوط ودوخة، نسيتي
-يعني مكنش علشان الأوامر منك وخلاص
ابتسم يداعب وجنتيها
-وحتى ولو فيها ايه لما أمرك بحاجة
تبعدي عنها علشان بضرك
تنهدت قائلة:
-عايزة انام ياالياس ممكن ..نهض يسحب كفيها متجهًا بها إلى الفراش، نزع ثيابها الثقيلة وساعدها بالتمدد، والته ظهرها وانفجرت عيناها بالبكى، بعدما شعرت بنفورها من الاقتراب منها بعد خطفها..احس باهتزاز جسدها ليجذبها لأحضانه
-ليه العياط دا بس..
-طلقني ياالياس، طلقني علشان ترتاح وتريحني ..أدارها إليه وحاول كبت مشاعره المأسوية، ورفع كفيه يداعب خصلاتها
-تقدري تعيشي بعيد عن حضني..هزت رأسها بالنفي مع دموعها، اقترب منها يزيل دموعها بخاصته يهمس بنبرته الأجش
-وأنا مقدرش ابعد عنك، ومتحاوليش تزعليني، انا هعديها المرة دي علشان تعبك بس، لكن غير كدا كنت عاقبتك عقاب يليق بقلبي اللي وجعتيه
-ليه ترضى على نفسك انك..بتر حديثها بقبلة شغوفة بث فيها كل عشقه، لحظات بل دقائق وهو يقتنص من شهدها مايروي روحه الجافية
بعد عدة ساعات فتحت الجميلة عيناها
بعدما شعرت بشيئا صلبًا تحت رأسها
ابتسمت وهي تغمضُ عينيها، ثمَّ رفعت رأسها إلى أن أصبحت بمقابلةِ وجهه، تطبعُ قبلةً على وجنتيهِ تدفنُ نفسها بأحضانه، تستنشقُ رائحتهِ بولهٍ تهمسُ لنفسها:
-يااه مكنتش مصدَّقة هرجعلَك تاني وأشمِّ ريحتك وأنا في حضنك تاني، رغم كنت مقررة اهرب منك علشان اريحك مني
شعرت بكفِّهِ يرفعُ ذقنها لتغمضَ عينيها تهربُ من نظراته، إلَّا أنَّهُ اقتربَ يعانقُ خاصَّتها بكلِّ اشتياقٍ ولهفة..
-كنتي عايزة تهربي منِّي تاني وبعدهالِك فين عقلك ياميرال، طيِّب قلبك اللي طول الوقت بحبَّك بحبَّك..
لفَّت ذراعيها حولَ خصره:
-كنت خايفة ليكون حد..وضعَ أناملهِ على شفتيها:
-ممكن تسكتي، أنا اتأكِّدت مفيش حد قرَّب منِّك..
اتأكدت إزاي ياإلياس إنتَ بتحاول تقنع نفسك ولَّا بتضحك عليَّا..هتقدر تنسى أن ..لم يشعر بنفسهِ سوى وهو يقومُ بتمزيقِ ثيابها وتحوِّلِ حالتهِ الجنونية:
-عايزة توصلي لإيه، قولتلِك مفيش حد قرَّبلك، دقائقَ حجيمُ من جهنمَ العشق على الاثنين، هو الذي يتخيَّلُ أحدهم اقتربَ منها ورغمَ حديثِ الطبيبةِ له، ولكنَّ وجودها بتلكَ الحالةِ وأنَّ أحدهم رأى مايخصُّه، جعلهُ يفقدُ عقله، أمَّا هي تريدُ أنَّ ماتشعرُ به ليسَ سوى كابوسًا وستفيقُ منه، تركت نفسها مع دموعها التي انسابت من شدَّةِ ماشعرت به..
شهقةٌ خرجت من فمها من شدة آلامها، لينهضَ بقلبٍ مهشَّمٍ وعينًا ماتت بها الحياة، وهو يبتعدُ عنها ، رفعت عينيها بنجومها التي انسابت على وجنتيها، فأدركَ نتيجةُ فعلتهِ النكراء، هزَّ رأسهِ متراجعًا بعنفٍ لما أوصلهُ إليها، ليهرولَ إلى المرحاض، يصفعُ البابَ خلفهُ بقوَّة، دارَ حولَ نفسهِ كالأسدِ الحبيس، يحطِّمُ كلَّ ما يقابله، حتى برزت عروقهِ وتحوَّلت عيناهُ لشظايا من جحيمِ جهنَّم ليشقَّ جوفهِ صرخةٌ كادت أن تزهقَ روحه، انتفضَ جسدها على إثرها تبكي بصمت، دقائقَ وهي عاجزةٌ حائرةٌ لتتوقَّفَ بساقينِ مرتعشة تجذبُ روبها وخطت بضعفٍ من شدِّةِ آلامها متَّجهةً إليهِ تدعو الله بسريرتها، أن يخفِّفَ عليهما تلكَ المحنة، وصلت إليهِ ودلفت للداخلِ بأقدامها الحافيةِ تبحثُ عنه، وقعت عيناها على المكانِ الذي أصبحَ شظايا متناثرةً من البلور، همست اسمهِ بعدما وجدتهُ جالسًا على الأرضيةِ الباردةِ كالطفلِ الذي فقدَ والديه..خطت إليهِ غير عابئةً لتلكَ الشظايا التي غرزت قدمها، ليخرجَ أنينها.. رفعَ عينيهِ إليها، فنهضً فزعًا، بعدما وجدَ دموعها التي شعرَ وكأنَّها تشحذُ صدره كالبلورِ الذي اخترقَ قدميها، تشبثت بذراعهِ وهي تطالعهُ بدموعِ عيناها..انحنى وحملها متجهًا للخارج، وضعها برفقٍ على الفراش، وجثى أمامها على ركبتيهِ يرفعُ قدمها يتفحَّصه، ثمَّ أخرجَ منها بعضَ الشظايا التي انغرزت به..شهقةٌ أخرجتها تضعُ كفَّيها على فمها لشعورها بالألم، انحنت تضعُ رأسها على كتفهِ وهو ينظِّفُ جروحها، رفعَ كفَّها وقبَّلهُ هامسًا بنبرةٍ معتذرة:
-آسف..رفعت رأسها تنظرُ لعينيه:
-على إيه ..احتضنَ يديها الاثنينِ وقبَّلهما مرَّةً أخرى:
-على أيِّ حاجة..متزعليش منِّي، محستشِ بنفسي، أنا عصبيتي وحشة وكلِّ مرَّة بأذيكي من غير ما أحس..
انحنت تضعُ جبينها فوقَ خاصته:
-إلياس أنا بحبَّك أوي، مقدرشِ أعيش من غيرك، نفسي تحس بحبُّي وتثق فيه..ومش بزعل منَّك على عصبيتك علشان خلاص أخدت عليها أو ممكن تقول اتربيت عليها..
مسَّدَ على خصلاتها:
-ربنا يخليكي ليَّا..ابتسامةٌ باهتةٌ تردِّد:
-ربنا يخلِّيني وتتعصِّب عليَّا كمان وكمان ..احتواها بين ذراعيه:
-تقدري تمشي ولَّا أشيلك علشان تاخدي شاور..
تمدَّدت على الفراشِ بعدما ابتعدت عنه:
-لا أنا تعبانة وعايزة أنام، لمَّا أفوق هاخد شاور ..جلسَ بجوارها واستندَ على ذراعيهِ يمسِّدُ على خصلاتها، ذهبَ ببصرهِ إلى علاماته..أطبقَ على جفنيهِ يريدُ أن يحرقَ نفسهِ على ما فعلهُ بها..ارتفعت أنفاسهِ حتى لفحت عنقها لتشعرَ به:
-ممكن تاخدني في حضنك، بردانة ومفيش هدوم تقيلة ..تمدَّدَ بجوارها يمدُّ ذراعيهِ ثمَّ رفعَ رأسها وسحبها برفقٍ يضمُّها لأحضانهِ بحنانٍ كأنَّها طفلتهِ ثمَّ أخرجَ صوتهِ حانيًا على غيرِ عادته:
-هدوم تقيلة وأنا موجود، بتغلطي في جوزك..ابتسمت تدفنُ نفسها بأحضانه:
-جوزي أحسن راجل في الدنيا ..ابتسمَ عليها وهو يتلاعبُ بخصلاتها هامسًا لنفسه:
-وإنتِ الهوا اللي بتنفسُه، تذكَّرَ بعدما شعرَ بقلبهِ ينبضُ لها وهو يعاملها بقسوةٍ بعدما أحسَّ أنَّها احتلَّت كيانهِ وسيطرت على شخصيتهِ بالتفكيرِ بها، ذهبت ذاكرتهِ إلى إحدى أعيادِ ميلادِ إسلام وغادة؛ وهي تتراقصُ مع إسلام بتنورتها القصيرة وشعرها الذي رفعتهُ لأعلى ليظهرَ عنقها وفتحةَ صدرها من ذاكَ الرداءِ الأبيضِ الذي يصلُ إلى فوقِ الركبة ويضيقُ بمنطقةِ الخصر، حقًا حينها تخيَّلها كحوريةٍ نزلت من السماءِ والجميعُ ينظرُ إلى جمالها، شعرَ بنيرانٍ تكوي أوردتهِ وجميعُ أصدقاءِ إسلام وغادة ينظرونَ إلى رقصها مع أخيه، ليُخرجَ حممهِ البركانيةِ ويغلقَ الموسيقى ناهرًا إياها أمامَ الجميعِ ولولا تدخُّلِ مصطفى لألقاها صريعةً بذاكَ الوقت..لن ينسى تلكَ النظرةَ التي ألقتهُ بها كأنَّها رصاصةٌ اخترقت صدرهِ وحينها قررَّرَ الابتعادَ عنها ومعاملتها ببرودهِ وجفائهِ الذي أتقنهُ بحرفيةٍ لتشعرَ بكرههِ إليها..غفت بأمانٍ بأحضانه، لينهضَ من فوقِ الفراشِ بهدوءٍ بعدما دثَّرها، وأمسكَ هاتفه وسجائرهِ متحرِّكًا للشرفة..لحظاتٍ وأجابهُ شريف؛
-إنتَ فين يابني؟..
-إيه الجديد عندك؟..
-مفيش جديد، لسة التحريات بتحاول توصل للبيت دا، بس دا بيت قديم صاحبه مسافر بقالُه أكتر من عشرين سنة..
-مالوش قرايب..أجابهُ شريف بالنفي:
-لا..طيب ياشريف شوف أقرب كاميرات للمكان، إن شاءالله تفتِّش في كلِّ البيوت، لازم أعرف مين اللي اتجرَّأ ووصل لمراتي..
-طيب ياإلياس متنساش إننا بنتحرَّك من غير القانون، يعني ممكن ..قاطعهُ بنبرةٍ جافة:
-إحنا القانون ياشريف نسيت ولَّا إيه..
-متهزرشِ ياإلياس الموضوع مش سهل..
نفثَ سيجارتهِ ينظرُ للخارج:
-وأنا مابهزرشِ ياحضرةِ الظابط، أنا هعمل قانون لإلياس السيوفي وملخَّصه اللي يقرَّب منِّي هدفنه حي، تخيَّل بقى اللي يخطف مراتي دا أعمل فيه إيه..
-تفتكر الجماعة الإرهابية اللي كانت بتكتب عنُّهم؟..
-مفيش غيرهم، المهم إنتَ حاول تعرف توصل لحاجة، أنا قدَّامي أسبوع لحدِّ ماأرجع..
-آه نسيت أقولَّك راكان البنداري بعتلَك وعايزك في مكتبه..
قطبَ جبينهِ بتساؤل:
-مين راكان البنداري دا؟!
-وكيل نيابة مصر الجديدة..
-ودا عايز إيه منِّي، تمام وقت ماأنزل يبقى أعدي أشوفُه عايز إيه..
-أكيد بتهزَّر بقولَّك وكيل نيابة يعني ممكن فيه قضية وعايزك فيها..
إيه يعني وكيل نيابة هو أنا متَّهم علشان أروح لعندُه وقت مايبعت، قولت لمَّا أنزل.. أنا برَّة القاهرة ومش هسيب مراتي تعبانة علشان حضرتُه بعتلي، ياله سلام..قالها وأغلقَ الهاتفَ ينفثُ سيجارتهِ بغضب، إلى أن تذكَّرَ شيئًا فاتَّجهَ يهاتفه..
بمنزلِ أرسلان:
تململَ بنومهِ على رنينِ هاتفه، جذبهُ ومازالَ مابينَ النومِ واليقظة، رفعهُ على أذنه:
-أيوة…على الجانبِ الآخرِ ابتسمَ على صوتهِ النائم:
-كمِّل نومك ولمَّا تصحى هكلِّمَك.
-تمام ..قالها وأغلقَ الهاتف، لينيرَ وجههِ بابتسامةٍ وهو يتذكَّرُ أوَّلَ لقاءاتهما..
بحث عن زوجته، نهض يبحث عنها وجدها تجلس بأرضية المرحاض تقوم بإخراج مافي جوفها..ذهل من حالتها فتحرك سريعًا يرفعها من فوق الأرضية
-غرام مالك حبيبتي
استندت تشير إلى الفراش
-نومني ياارسلان مش قادرة اقف..حملها واتجه بها إلى الفراش يدثرها ثم انحنى يطبع قبلة فوق جبينها
-هعملك حاجة سخنة
عند إلياس
مرَّت بعضَ الدقائقَ ومازالَ بالشرفةِ رغمَ برودةِ الطقس، ولكنَّ شرودهِ بالتفكير لم يشعرْهُ بشيئٍ سوى على صرخاتها باسمهِ بالداخل..استدارَ سريعًا:
-اشش اهدي أنا هنا خلاص ..احتضنتهُ تبكي بصوتٍ مرتفعٍ كلَّما تذكَّرت ماصارَ لها..ظلَّ يقرأُ إليها بعضَ آياتٍ من الذكرِ الحكيم حتى غفت مرَّةً أخرى ليتسطَّحَ بجوارها ويجذبها لأحضانهِ ذاهبًا بنومهِ.
بمنزلِ آدم ..قبلَ أيام:
دلفَ للداخلِ بعدما حدثَ بينهما الاقتراب، دفعَ البابَ يبحثُ عنها، دارَ كالمجنونِ بعدما وجدَ خزانتها مفتوحة ..دارت بهِ الأرضُ يهزُّ رأسهِ غير مصدِّقٍ ماصار، لم يستطع كبحَ هياجِ غضبهِ ليهرولَ للأسفلِ يصيحُ باسمِ مريم:
-مريم فين إيلين، بدَّور عليها مش فوق..
خرجَ زين من مكتبه:
-مالك ياآدم فيه إيه يابني..رفعَ عينيهِ يطالعهُ بحزن:
-إيلين مش فوق يابابا..
إيه..قالها زين بقلبٍ منتفض، ثمَّ اقتربَ منهُ وعينيهِ تخترقهُ بتساؤل:
-إيه اللي حصل..اتَّجهَ إلى سيارتهِ دون حديثٍ وهو يأكلُ الأرضَ بخطاويه..وصلَ إلى بابِ السيارةِ ورفعَ هاتفه:
-ألو أيوة بقولِّك وصَّليني بالظابط اللي ماسك قضية يزن بسرعة يارحيل..
-فيه إيه؟!
-رحيل بسرعة قبلِ ماتخرج من القاهرة لو سمحتي ..
-مش لمَّا أفهم إنتَ عايزه ليه، وبعدين دا مش ظابط، دا وكيل نيابة ومعرفة خالك مش أنا..
تمام ..قالها وأغلقَ الهاتفَ وهو يحاولُ الاتصالَ بها ولكن لا يوجد رد ..وصلَ إلى قسمِ الشرطة، ولكنَّهُ توقَّفَ متراجعًا يهمسُ لنفسه:
-هروح أقولُّهم إيه..استمعَ إلى رنينِ هاتفه:
-أيوة يابابا فيه أخبار ..ارجع ياآدم بلاش بلاغ يابني هي اللي مشيت
تنفَّسَ بعمقٍ وتحرَّكَ واستدارَ مغادرًا المكان.
عندَ إيلين:
ناولتها رؤى كوبَ مياهٍ ثمَّ جلست بجوارها:
-كويسة..أومأت لها تزيلُ عبراتها، ثمَّ رفعت عينيها إليها:
-قولتي إيه يارؤى مكنشِ قدامي حد ألجأله غيرك..
ربتت على كتفها:
-حبيبتي متقوليش كدا، الصراحة مقدرشِ أكلِّم إلياس في الوقت دا، وزي ماإنتِ شايفة عامل حصار عليا ومنعني من الخروج، خليكي معايا يومين لحدِّ مالدنيا تروق بينا وأفهِّمه، إنَّما أتصل بيه دلوقتي دا لو طالني هيموِّتني..
ابتسمت إيلين عليها رغمَ حزنها:
-اعذريه مراته برضو وأنا حاولت أفهِّمك إن سيف دا بتاع مصلحته..
-أعمل إيه في قلبي بس ..مكنتش أعرف هيكون بالقذارة دي..
ربتت على كفِّها ثمَّ أردفت:
-متزعليش، بس واللهِ فرحانة فيه من اللي عمله فيه إلياس يستاهل.
ابتسمت رؤى بحزنٍ قائلة:
-ماأنا انضرِّيت كمان..
-مفيش ضرر ولا حاجة، إنتِ مش قولتي سحب ورقك من الجامعة، يعني لمَّا تروحي جامعة تانية محدِّش هيعرف ..أومأت لها تشيرُ على قلبها:
-ودا أعمل فيه إيه..تذكَّرت إيلين آدم فابتعدت بنظراتها تهمسُ بخفوت:
-دا عايز ينضرب للأسف، قلوبنا الخائنة حبِّت أشخاص غلط..
استمعت إلى رنينِ هاتفها فالتقطته:
-دا إلياس ..أجابتهُ سريعًا:
-مين عندك، وإزاي تدخَّلي حد من غير إذني ..توقَّفت مبتعدةً عن إيلين تهمسُ حتى لا تستمعَ إليها:
-دي صحبتي إيلين في كلية طب أكيد ناسيها ..
-عارف إنَّها صاحبتك، عارفة لو الواد الحقير دا هوَّ اللي بعتها هولَّع فيكي من غير مايغمضلي جفن..
-خلاص بقى يالياس ، قولتلك دي صحبتي مش تبع سيف متخافشِ هيَّ زيك مابتحبوش..
-بتعمل عندك إيه وكليَّاتكم مختلفة؟..
-بعدين لمَّا أشوفك هقولَّك، إنتَ هتيجي إمتى؟..
حاوطَ جسدَ ميرال وتحرَّكَ للخارجِ ثمَّ أجابها:
-يومين كدا أنا برَّة القاهرة، البنت دي داخلة بشنطة هتقعد معاكي ولَّا إيه؟..
-يعني حاجة زي كدا..المهم فيه حاجة مهمَّة كان لازم تعرفها..
-بعدين..خلِّي بالك من نفسك..قالها وأغلقَ الهاتف..
توقَّفت تطالعهُ بألمٍ انبثقَ من عينيها:
-تأكدي كلِّ علاقتي بيها ماهيَّ إلّّا العطف، دي بنت في عالم مليان ذئاب بشرية، مقدرشِ أسيبها غير لمَّا أطَّمن عليها.. وإنتِ عارفة العلاقة بينا من زمان، من أوَّل ماجبتها على البيت..
-بس كنت هتتجوِّزها ياإلياس.
حاوطَ جسدها بين ذراعيه:
-لازم تشكريها على فكرة ..
لا والله أشكرها على وجع قلبي، ولَّا على إيه..
ضمَّها لأحضانهِ يحرِّكُ كفِّه بحنانٍ على ظهرها:
-لا، علشان من وقتها وأنا مجنون بيكي وبقيت خايف أخسرك ..عرفتني قدِّ إيه تعنيلي، وقدِّ إيه حياتي مالهاش لازمة من غيرك..
خرجت من أحضانهِ تنظرُ إليهِ بابتسامة:
-إن كدا لازم أشكرها تصدَّق..
رفعَ حاجبهِ متمتمًا:
-دي تريقة ولَّا إيه..هزَّت رأسها بالنفي:
-أبدًا مش تريقة، فعلًا حسيتك اتغيَّرت من يوميها..
وصلَ إلى الشاطئِ وجلسَ وأجلسها بأحضانهِ ينظرُ للبحر:
-ميرو عايزك تحكيلي كلِّ حاجة حصلت معاكي من وقتِ ماخرجتي من بيت رؤى كلِّ تفصيلة، مين اللي كلِّمك وقالولك إيه، وفيه حد اتكلِّم قدَّامك بحاجة..
رفعت رأسها للخلفِ تطالعهُ من فوقِ عينيها:
-مين الناس دي ياإلياس، وكانوا عايزين منِّي إيه؟..
اتقدَّ الغضبِ كالنيرانِ المشتعلة وعينيهِ التي أصبحت ثورة من الانتقام، حتى لم يشعر بنفسهِ وهو يضغطُ على خصرها بقوَّةٍ آلمتها..أطبقت على جفنيها تحاولُ كتمَ آهاتها الصارخة ..لحظات وهي تضغطُ على شفتيها وتطبقُ جفنيها، إلّّا أنَّها لم تعد تحتمل ضغطهِ لتنتفضَ من بينِ أحضانهِ بعيونٍ باكية، نكسَ رأسهِ بأسفِ وحاولَ الضغطَ على غضبهِ الذي أخرجهُ عن سيطرته،فهتفَ بصوتٍ مهتزٍّ كالخطوطِ المتعرجة:
-آسف ..قالها ونهضَ ينفضُ ثيابهِ متحرِّكًا للداخل، تنهيدةٌ عميقةٌ تنظرُ بشرودٍ على آلامها التي مازالت تنزف، تعلمُ أنَّهُ قاسٍ بردودِ أفعالهِ ولكنَّها تعشقهُ بكلِّ حالاته، حاولت تغييرهِ بحالاتهِ المتقلِّبة، ولكنَّها عجزت ..لمست شفتيها التي مازالت آثارُ هجومهِ عليها منذُ الأمسِ وتذكّّرت حديثه:
-حضني هيئذيكي، علشان كدا كنت ببعد ..زفرةٌ حارقةٌ على نبضها المتقطِّع من مجرَّدِ تفكيرها بالبعدِ عنه..نهضت متَّجهةً إليه، دلفت تبحثُ عنه وجدتهُ يقومُ بعملِ قهوته، تحرَّكت تقفُ خلفه:
-دا رابع فنجان قهوة من غير أكل ..
التفتَ إليها للحظاتٍ ثمَّ عادَ يكملُ ما يفعله:
-بلاش أسئلة غبية ياميرال، دا تقوليه لوحدة مش متربية معايا، حاولت جذب فنجانهِ ولكنَّها لم تقو، رفعهُ لفمهِ يرتشفُ منهُ ثمَّ أشارَ إليها:
-اقعدي كلي علشان الدوا، وأنا هخرج أعمل كام تليفون..
احتضنتهُ من الخلفِ تضعُ رأسها على ظهره:
-إحنا لازم نتكلِّم، مش هتروح في حتة، من وقت ماجبتني هنا وإنتَ بتهرب منِّي ..استدارَ إليها يطالعها بعيونٍ متسائلة:
جذبت فنجانَ قهوتهِ ووضعتهُ على الطاولةِ ثمَّ سحبت كفِّه وتحرَّكت بهِ للخارج:
-مش عايز تقولِّي حاجة ياإلياس، ليه مش عايز تقولِّي مين اللي خطفني، وعايزين إيه؟..
رفعَ ذقنها يسبحُ بعينيها:
-عارف إنِّك بتحبيني، ومقدرشِ أمنعك عن حلمك وحياتك، بس أنا مش مرتاح لشغلك دا، ياأما تغيَّري القسم، اكتبي في حاجة تانية بلاش السياسة..
حاوطت عنقهِ ترفعُ نفسها ثمَّ طبعت قبلةً سريعةً على خاصته:
-خايف عليَّا ولَّا خايف على اسمِ إلياس السيوفي؟..
-إنتِ شايفة الاتنين يفرقوا ياميرال..هوَّ إيه ميرال و إيه إلياس إنتِ مراتي يعني شايلة اسمي..
تراجعت للخلفِ تهزُّ رأسها:
-أيوة صح الاتنين زي بعض..رفعت رأسها وغرزت عيناها بمقلتيه:
-بدل الاتنين زي بعض يبقى لازم لميرال كيان زي إلياس مش كدا ولَّا إيه، ينفع أقولَّك سيب شغلك علشان خايفة يعملوا فيك حاجة، مش دول اللي كنت بتحقَّق معاهم وحوَّلتهم السجن العادي علشان تعرف تخطَّط حلو، الواد كان مذنب أو بمعنى أصح دخل لعبة غصب عنُّه ومن قلِّة خبرتُه اتمسك، تقوم تعمل إيه علشان توقَّعهم تنقلُه سجن عادي فيحصل زيارات وتعرف توصل هوَّ وراه مين، رغم إنَّك برَّأته من تهم السياسة بس تفكيرك في حاجة تانية..
نظراتٌ مذهولةٌ لما ألقتهُ عليه، كيف علمت بما يخطِّطُ له ..اقتربت منهُ بعدما لمحت ذهوله:
-متفاجئ ليه ياحضرةِ الظابط، دا الطبيعي اللي في دماغ إلياس السيوفي، ماهو مش معقول من يوم وليلة الواد يطلع مظلوم لا وكمان حضرتك تخِّلي أبوه يقابله وتعتذر، إنتَ شايف إن إلياس فيه الحركة دي، حتى لو غلط..
جذبها من خصرها وأفلتَ ضحكةً عاليةً رغمَ ما مرَّ به إلا أنها أخرجته ببراعتها
-لا ذكية ياميرال هانم
-أكيد مش مرات حضرتك لازم اكون ذكية، انا متجوزة اي حد
مرَّرَ أناملهِ على وجهها ثمَّ انحنى يطبعُ قبلةً بجانبِ ثغرها:
-لا اتجنني ولازم أخدك تحت فريقي ..طالعتهُ برفعِ حاجبٍ تشيرُ إلى نفسها بتكبُّر:
-تحت فريقك، أنا فريقك كلُّه ياحبيبي، يعني كلِّ إلياس السيوفي ليَّا لوحدي ماهو مش هتحمِّل أحضانه المؤذية ببلاش..
دفنَ رأسهِ بعنقها وبانفاسهِ الحارَّة همس:
-كلِّي ملكك ياحياة إلياس كلَّها ..لفَّت ذراعها حولَ خصرهِ وشعرت بالسعادةِ من مجردِ كلماتٍ تهمسُ له:
-جعانة وعايزة آكل سمك وأسهر معاك..
رفعَ رأسهِ محتضنًا وجهها:
-أنا هنا علشان إنتِ تكوني سعيدة وبس، كلِّ اللي نفسك فيه أطلبيه وهتلاقيه متنفِّذ.
-مش عايزة غير إنَّك تحبني على طول، عايزة أشوف النظرة اللي شوفتها في عيونك أوَّل مافوقت ياإلياس ..حسيت وقتها إنِّي أهم مخلوق عندك..
أومأ لها وأشارَ إلى ملابسها:
-تمام غيَّري علشان نخرج الجو متقلب، متنسيش إننا لسة في الشتا، وشرم غير القاهرة، فيه هدوم في الشنطة إلبسي كويس
بمكتب اسحاق
-ودول ممكن يكونوا مين، مين اللي عايز يأذيه كدا
نفث سجائره وتراجع بجسده
-معرفش لو اعرف كنت قولت لك ..استمع الى رنين هاتفه
-أيوة ياملوكة …على الجانب الآخر تقف بشرفتها
-وحشتني انت فين، مش قولت هتيجي الخميس والنهاردة الجمعة، لازم تيجي بقى يااما تيجي تاخدني اعيش معاك
-حاضر حبيبتي، هكلم غرام واشوفها لو فاضية هنيحي
تحركت وتحدثت بحدة
-ايه اكلم غرام دي، هو انت بتاخد موافقتها علشان تيجي، انا بقولك وحشتني
-اقفلي علشان لو انت قدامي مش عارف هعمل ايه ..قالها واغلق الهاتف
رفع اسحاق رأسه متسائلًا:
-مالها دي كمان ..توقف يجمع اشيائه
-قولت لك مليون مرة ياعمو ملك مش عجباني حياتها، نٓانٓا مدلعها بطريقة اوفر، بس على مين والله لاجبها واظبطها
هب من مكانه يشير إليه
-ماترحش عند جدتك سمعتني..توقف مستديرا
-ليه، ايه اللي مخبيه يااسحاق ..اقترب منه وحاوط ذراعيه
-اللي مخبيه اني بحبك اكتر من اي حاجة في الدنيا
-كذاب يابن احلام، شوية وهتقولي هات حضن، روح لمراتك يااخويا مش ناقص تلزيق رجالة فاضية ..قالها وتحرك مغادرا..نظر إلى مغادرته بذهول
-يخربيتك، الواد قال ايه ..قالها ثم أطلق ضحكاته، متجهًا إلى هاتفه ليحادث زوجته
عند راجح بمكتبه وضع الرجل بعض الصور
-دي البنت اللي طلبنا منها أنها توقعه، بس البنت رفضت، وهددتنا تقوله، لولا هددنا أننا هنقتله، شكله معجب بيها بس بيداري، كانت في ملجأ وهربت وهي عندها خمس سنين وهو اتولاها، اخدها عند والدته لحد ماتمت 18 سنة ودخلت الجامعة، جبلها بيت وخدم، كانت بتحب معيد في الجامعة بس المعيد مرتبط وشكلها مزقوقة بحبه، ضحك عليها بورقة عرفي بس إلياس عرف ومسكتش وراح للمعيد وخلاه يكتب عليها غصب عنه وبعدها طلقها، المشكلة أنه ماسكتش ونزل صوره معاه وأثبت للجامعة أنها بتجري وراه كتحدي لالياس، بس إلياس عزله من وظيفته بفضيحة بوضع مخل
-ايه الواد القادر دا، دا ابن فريدة مستحيل ..تابع حديثه
-وصل لصاحب البيت اللي كنا خاطفين فيه مراته واشتراه وولع فيه ياباشا
-نعم يااخويا .قالها مزمجرا ودفع المقعد..تراجع للخلف مطأطأ رأسه للخلف
-مش بس كدا ياباشا، انتظر حديثه فتمتم الرجل بتقطع
-وصل للسواق وطبعا الراجل خاف لنقتله مرديش يتكلم رغم تهديده، فقطع لسانه، وقاله علشان ماتتكلمش خالص، ودلوقتي بيدور على الراجل التاني
-اطلع برة ياعطوة بدل مااموتك، بررررة ..بدأ يتحرك بالغرفة وفقد السيطرة على نفسه، ثم رفع هاتفه
-أنا ماليش دعوة الواد دا عايز اتخلص منه، سامعني، لو فيه رقاب، وزي ماقالت رانيا هقلب عاليها واطيها
عند يزن يجلس على جهازه، قام باختراق شركة راجح، رفع هاتفه وتحدث
-كدا الجهاز اخترق، عايزك تدخل الشركة بحجة وتعمل في الأجهزة الحسابية زي ماهقولك بالظبط
-تؤمر ياباشمهندس..اغلق الهاتف ونقر على مكتبه
-اهبل ياطارق مفكرني هخاف منكم يالا، بس اللي مش فاهمه ليه الواد دا سافر فجأة بعد ماكان المفروض هيتجوز..دلفت ايمان تعقد ذراعيها
-مها برة وعايزة تشوفك
-تشوفني انا ليه؟!
-معرفش!!..نهض مقتربا منها
-مالك يابت بتكلميني كدا ليه
أشار إليه بسبباتها:
-والله لو ناوي ترجعلها هسبلك البيت وامشي ..امسك سبابتها وغمز إليها
-طيب بلاش الصلاه دا ممكن تهددي بالصباع التاني ..افلتت ضحكة تلكمه بصدره
ابتسم يحاوط جسدها وتحرك بها للخارج
عند إلياس
بعدَ فترةٍ كانا يجلسان بالمطعمِ يتناولانِ الطعام ..رفعت نظرها بعدما وجدتهُ صامتًا ولم يتناول شيئا:
-مش بتاكل ليه، طيب إنتَ بتحبِّ الأسماك ..تراجعَ بظهرهِ يهزُّ رأسه:
-شبعان كلي إنتِ..تركت الشوكةَ والسكينَ وتناولت محرمةَ الطعامِ قائلة:
-وأنا شبعت خلاص..نظرَ للطعامِ ثمَّ رفعَ عينهِ إليها:
-بس مأكلتيش حاجة ..ابتعدت بنظرها متمتمة:
-شبعت ..اقتربَ يجذبُ السكينَ وبدأ يقطعُ لها الأسماك ويضعها أمامها:
-طيب ياله كلي، وهاكل معاكي أهو، اتَّجهت إليه:
-يعني طفل علشان أتحايل عليك علشان تاكل ياإلياس، بقالك يومين ماأكلتش حاجة، هتفضل كدا..
بدأ يتناولُ الطعامَ بهدوءٍ محاولًا ألَّا يتعصَّبَ عليها، أشارَ بعينيهِ إلى طعامها:
-طيِّب كلي علشان عاملِّك مفاجأة..
ابتسمت كالطفلةِ متسائلة:
-إيه هيَّ حبيبي..توقَّفَ عن الطعامِ بعدَ نطقها بتلكَ الكلمة التي تجعلُ قلبهِ معذوفةٌ موسيقية..أشارَ للطعامِ ولمعت عيناهُ بالسعادة:
-طيِّب كلي، هيَّ تبقى مفاجأة إزاي؟!
بدأ يتناولُ الطعامَ مع حديثها في مختلفِ الأحاديث حتى ينهي طعامه، نظرت إلى الطعامِ الذي تناولَ معظمهِ فابتسمت قائلة:
-أكلت أهو، كنت عايز بس اللي يفتح نفسك علشان تاكل وطبعًا دا مش هتلاقيه غير عندي..
بسطَ كفَّيهِ يحتضنُ أناملها ثمَّ توقَّفَ يسحبها إلى ساحةِ الرقص، تلفَّتت حولها:
-إنتَ حاجز المطعم كلُّه..لفَّ ذراعيهِ يحاوطُ خصرها ثمَّ أومأ برأسه:
-مش قولتي عايزة تكوني أهمِّ واحدة عندي ..ارتعشَ فؤادها بدقَّاتهِ تومئُ برأسها ولمعت عينيها بنجومها:
-بس مش قصدي دا، طالعها بعيونٍ ساحرةٍ كغيماتِ المطرِ التي حجبت الضوءَ يتراقصُ على أنغامِ الموسيقى..
-فاهم قصدك كويس، وبحاول أترجمه بكلِّ الطرق اللي بتحبِّيها، مكان على البحر وإنتِ في حضنِ حبيبك، وموسيقى بتحبيها وشموع حواليكي..
انحنى بصوتهِ الأجشِّ يهمسُ لها:
-مفيش أغلى منِّك صدَّقيني، وتأكدي حبِّي مش بيترجم بالكلمات، مفيش في قاموس الحب اللي يعبَّر عن اللي بحسه وإنتِ في حضني..
-إلياس قولِّي مش بحلم، ولا كابوس وحياتي..
اقتربَ بخاصتهِ من وجهها الذي يشعُّ بهاءً ونبضاتهِ التي تخترقُ داخلَ صدره..
“أنتِ نبضةُ عشقٍ امتلكت قلبي، حتى أصبحتي بكلِّ حرفٍ أكتبه وكلِّ نفسٍ أتنفسه، فبعدكِ الشوقُ يقتلني والحنينُ يمزِّقني وأشعرُ بوهجٍ يعتصرُ فؤادي، فلا تبتعدي عن محيَّاي”
تلاشت قدماها حتى أصبحت كالهلامِ ليرفعها ويدورُ بها وضحكاتها بالارتفاعِ وهي تعانقهُ وتهمسُ كلمةً من أربعةِ حروفٍ فقط ولكنَّها تزنُ بقلبهِ الآلاف ثقلَ الجبال:
“بحبَّك..بحبَّك”
مرَّ أسبوعينِ حتى نجحَ في إخراجها مما مرَّت به، وتناست ماشقَّ صدره..
وصلَ إلى القاهرةِ ودلفَ بسيارتهِ بصحبةِ إسلام إلى ساحةِ الفيلا، كانت فريدة تنتظرُهما بلهفة، هرولت إليها تضمُّها بحنانٍ أمومي:
-عاملة إيه ياروح ماما؟..
-كويسة حبيبتي، استدارت إليه:
-مش هتدخل..لوَّحَ بيديه:
-عندي شغل، ادخلي ارتاحي من السفر، وكلِّميني لمَّا تفوقي..
أومأت فتحرَّكَ مغادرًا، كانت فريدة عيناها خلفهِ تنظرُ إليهِ بحزنٍ على شعورها بالندمِ من حديثها القاسي معه..
وصلَ بعد قليلٍ إلى مكتبه، تحرَّكَ فريقهِ خلفهِ متَّجهينَ إلى غرفةِ الاجتماعات بناءً على طلبه:
-إيه أخر الأخبار..فتحَ جهازهِ وأشارَ لأحدهم بالحديث:
-بعد الولدِ مااتقتل مالهمشِ صوت، وكمان عملنا كذا حملة على الأماكنِ المشبوهة..
-أبو الولد إيه أخباره؟..
تحدَّثَ شريف:
-مش عارف ياإلياس، بس تصدَّق بعد موت ابنه بأسبوع سافر مع مراته لبنان..
-سافر..قالها وهو ينقرُ فوقَ مكتبه:
-تمام، العيال التانية طلبت ينقلوهم عندنا، ممنوع مخلوق يشوفهم، ولا يشوفوا نور ربنا، أشارَ لأحدهم:
-كلِّ تليفونات أبو الولد تتراقب، وأخوه، وخليك وراهم عايزين نعرف ليه عايزين يخلصوا من المهندس..
وإنتَ، شركةِ العامري يكون فيها عين لينا هناك، لازم أعرف الناس دي بتخطَّط لإيه..
-معقول تكون شاكك في العمري ..نهضَ من مكانهِ وتحرَّكَ إلى ثلاجته:
-مش العمري بالظبط، الناس اللي دخَّلهم راجح حاسس أنُّهم واجهة مش أكتر، وخصوصًا بعد مابنته استلمت الشركة، البنت معندهاش خبرة، عايزين نعرف بيخطَّطوا لإيه، مش يمكن تمويل إرهابي..
مطَّ شفتيهِ يهزُّ أكتافه:
-ممكن كلِّ شيئ جائز ..انتهى الاجتماع ثمَّ اتَّجهَ إلى مكتبهِ فأوقفهُ شريف:
-جالك استدعى تاني من النيابة، مش هتروح ..نظرَ بساعةِ يدهِ يومئُ له:
-هعمل كام حاجة وأعدي عليهم، بس مش غريبة عايزيني في إيه؟!..
-ممكن علشان خطف مدام ميرال..
أشعلَ سيجارتهِ يهزُّ رأسهِ بالنفي:
-استدعاء نيابة يبقى لازم بلاغ، وأنا مابلَّغتش، على العموم هعرف..
بعدَ فترةٍ اتَّجهَ إلى مكتبِ راكان، توقَّفَ أمامَ مكتبهِ يتحدَّثُ مع مسؤوله:
-عندي ميعاد مع سيادةِ المستشار.
دلفًَ العسكري وخرجَ بعدَ لحظاتٍ يأذنُ لهُ بالدخول، دلفَ ملقيًا التحيةَ ثمَّ اقتربَ من مكتبه:
-أهلًا بحضرتك..أومأ راكان مشيرًا إليهِ بالجلوسِ ثمَّ أردف:
-راكان البنداري..ابتسمَ إلياس وأجابه:
-عارف حضرتك مش محتاج تعرَّف عن نفسك..
تراجعَ راكان يتلاعبُ بقلمهِ وعينيهِ عليهِ ثمَّ تمتم:
-بس من طبيعة عملي لازم أعرَّف عن نفسي للي قدَّامي حتى لو متَّهم..
شعرَ إلياس بغرورِ حديثه، وكأنَّهُ يلقيهِ بحديثٍ ذاتَ مغذى:
-سامع حضرتك، عرفت إنِّ حضرتك طلبت تقابلني..
اقتربَ راكان يستندُ على مكتبه:
-حمدالله على سلامةِ المدام، مش المدام كانت مخطوفة ليومين بلياليهم ولَّا إيه..
دقيقة استغرقها ليستوعبَ معنى حديثه، حتى اشتعلَ داخلهِ بنيرانٍ حارقةٍ اتَّقدت كالبنزينِ الذي يزيدُ اشتعالًا، ورغمَ ذلك حدقهُ بنظرةٍ ثابتة، وحاولَ النطقَ بصعوبة:
-دا محصلش..
ثارت أعينُ راكان بلهيبِ الغضبِ والعجزِ معًا:
-يعني إيه، فيه بلاغ متقدِّم إن مرات حضرتك كانت مخطوفة ليومين..
كان جامدًا صلبًا كالجبلِ أمامه، ورغمَ ذلك رفعَ عينيهِ وأجابهُ بنبرةٍ ثابتة:
-وأنا جوزها وبقولَّك محصلش، وكنَّا بنتفسَّح، وحضرتك وكيل نيابة وتعرف أنا كنت فين بقالي أسبوعين..
دقَّقَ راكان النظرَ بعينيهِ الجامدةِ وصفعتهُ الذكرياتِ العاتيةِ ليتراجعَ بنبرةٍ لينة:
-عارف إن حياتنا بتكون على المحك، لو سمحت ساعدني علشان نجيب حق مراتك..
نهضَ من مكانهِ يغلقُ حلَّتهِ السوداءَ وأجابهُ بحزم:
-شايف إن حضرتك بضيَّع وقت..
هاجت جيوشُ غضبِه الذي تجلَّى بعينيه، فألقاهُ بنبرةٍ ساخطة:
-إنتَ هنا مش ظابط، إنتَ هنا جوز المجني عليها..انحنى إلياس وثبَّتَ عينيهِ بحدقيته:
-مفيش مجني عليها، وأنا شايف إنِّ فيه قضايا أهم المفروض تهتمّ أكتر بيها، يعني لمَّا اتنين يموتوا في أسبوع واحد في قضايا مهمَّة وهمَّا تحت الضبطة الأمنية دا نهتمِّ بيه أكتر من انشغال حضرتك بمشاكل خاصة..
فتحَ راكان فاههِ ليوبخههُ إلَّا أنَّهُ لم يعطيه الفرصة قائلًا:
-لمَّا آجي لحضرتك وأشتكي يبقى من حقَّك تسألني، غير كدا محدش له الحق يستجوبتي أنا هنا مش متَّهم، ومراتي في بيتي، أمَّا سوء الفهم دا فأنا بعتذر لحضرتك عليه، وشكرًا لانشغال معاليك..
-بعد إذنك …قالها واستدارَ للخروجِ بدخولِ جاسر الذي أومأ لإلياس ثمَّ
رفعَ نظرهِ إلى راكان ينظرُ إليه متسائلًا بعدما وجدهُ عيناهُ تلاحقُ إلياس الذي توقَّفَ على بابِ مكتبه:
-عندي حفلة بكرة هكون سعيد لو حضرتك نوَّرتنا، بس أهمِّ حاجة عندي حاليًا تعرف سبب الاتنين اللي ماتوا في قضايا تمسِّ أمنِ البلد وآسف لحضرتك مرَّة تانية ..قالها وغادرَ مغلقًا البابَ خلفه..
زفرةٌ حادةٌ خرجت من جوفه:
-مالك فيه إيه وماله ابنِ السيوفي، مش دا ابنِ السيوفي، شوفته مرَّة مع والده..
مسحَ على وجههِ بغضب:
-الواد دا لازم تراقبُه أربعة وعشرين ساعة، شكلُه مش ناوي على خير، مراته تتخطف، ياخدها فسحة وبعد كدا جاي يعمل حفلة، شكله مش مريَّحني غير أنُّه متهوِّر زيك..
-نعم ياأخويا، هو علشان ابنِ السيوفي حرق دمَّك تاخدني في طريقه، أنا مالي ومالكم إنتَ ودانك بطلَّع نار منُّه.
أنا مالي أنا..جزَّ على شفتيهِ ينظرُ إليهِ بغضب:
-الواد دا واخد في نفسه مقلب..
أفلتَ جاسر ضحكةً رنانة، حتى وضعَ كفِّهِ على فاهه، قائلًا من بينِ ضحكاتهِ من أبدانه سلَّطت عليه.
-يعني إيه ياستِّ أمِّ عزة..
توسَّعت عيناهُ يشيرُ إلى نفسه:
-أنا الستِّ أمِّ عزة، وإنتِ إيه تيتا أمِّ عزة ..توقَّفَ من مكانهِ يجمعُ أشيائهِ يتمتمُ بغضب:
-لا وبيعزمني ابنِ السيوفي على حفلة، واللهِ نفسي أروح أدفنه في حفلته دي..
أطلقَ جاسر ضحكاتٍ مرتفعةٍ يصفعُ كفَّيهِ ببعضهما:
-لا دا شكله مضايقك أوي ياكبير..
بعدَ عدَّةِ ساعاتٍ على طاولةِ العشاءِ بفيلا السيوفي:
-مين اللي عمل بلاغ بخطفِ ميرال؟..
ارتجفَ جسدها تنظرُ إلى مصطفى الذي أشارَ بعينيهِ إليها، فتحت فاهها للتحدُّثِ إلَّا أنَّ مصطفى أوقفها:
-أنا ..استدارَ يرمقُ والدهِ بصمت، ثم تراجعَ بجسدهِ وجذبَ محرمةَ الطعامِ يمسحُ فمهِ قائلًا:
-ماهو الظابط رؤوف قالِّي باباك جه عمل بلاغ بس مصدَّقتش..
زاغت أبصارُ مصطفى وعلمَ أنَّهُ يراوده، فأومأ بصمت..توقَّفَ إلياس بعدما ألقى محرمتهِ هاتفًا بنبرةٍ حادة:
-حياتي انا ومراتي مش مسموح لحد يدخَّل فيها، أنا عارف إنَّها بنتك وحضرتك خايفة عليها بس أكيد مش قدي، ياريت تفكري كويس قبل ماتعملي حاجة ..ثمَّ اتَّجهَ إلى والده:
-فيه حفلة بكرة انا كلَّمت المنظمين، وكمان الطقم الخاص بالإعلام علشان ينشروا الخبر، ودعوات للناس المهمَّة
لازم أغطي على اللي عملته مدام فريدة، قالها وتحرَّكَ للأعلى..
تابعتهُ بعينيها فأشارت إليها:
-قومي ورا جوزك..نهضت من مكانها وصعدت خلفه..
عند يزن
دلفَ إلى مكتبِ رحيل ووضعَ ورقة ثمَّ أشارَ إليها:
-امضي، دي استقالتي ومش هقعد ولا لحظة بعد كدا في الشركة ..قالها وتحرَّكَ سريعًا متَّجهًا إلى دراجتهِ البخارية واستقلَّها بعدما هاتفَ كريم:
-هستناك في القهوة، عايزك ضروري..
وصلَ بعد قليلٍ جلسَ بمقابلته:
-خير قلقتني..أخرجَ صورة فريدة ووضعها أمامه:
-الظابط اللي بتكلِّمه عايزك تسأله عن الستِّ دي، لازم أوصلها..
بمنزلِ إسحاق كانت تغفو على الأريكة، استمعت إلى رنينِ الباب،تحرَّكت ببطءٍ بعدما رحلت الخادمة، فتحت الباب وإذ بها تتوقَّفُ متسمِّرة تهتفُ بهمس:
-مدام احلام ..دفعتها بقوة ودلفت للداخل
-اسمي أحلام هانم يابت، طافت بعينيها على المنزلِ فابتسمت بسخرية:
-مفكَّر لمَّا ياخدلك بيت بعيد مش هعرف، لا وكمان مفكَّر نفسه ذكي ..سقطَ بصرها على بطنها البارزة فتوسَّعت عيناها بغلٍّ متسائلة:
-إنتِ حامل من مين إسحاق !!
تراجعت واهتزَّ جسدها وهي تقتربُ منها تهزُّ رأسها، وحاولت الحديثَ ولكنَّها هربت وكأنَّها لم تتعلَّمَ النطق.
اقتربت منها تجذبها من خصلاتها:
-بقى أنا ياحيوانة بعتاكي تتجسِّسي عليه، مش تتجوِّزيه وتحملي منُّه، لا وكمان شريلك بيت، طيب واللهِ لأحسَّرك عليه، قالتها وهي تدفعها بقوةٍ حتى سقطت على ظهرها تصرخُ بذهولٍ وهي تحتضنُ أحشائها، جنَّت أحلام كلَّما تذكَّرت أنَّ ابنها سيُرزقُ بمولودٍ من تلكَ الشمطاءَ كما ادَّعت..
-دا إنتِ يابت مأجَّراكي تلعبي عليه، تقومي ترفعي عينك على سيدك..قالتها وهي تركلها ببطنها..
مساء اليومَ التالي:
دارَ حولَ نفسهِ كالمجنونِ وبدأ يحطُّمُ كلَّ ما يقابله..
-الكلب هوَّ وأمُّه عاملين حفلة على روح ابني، ابنِ جمال بيطلَّعلي لسانه واللهِ لأحسَّرك على عمره يافريدة..
توقَّفَ أحدُ الرجالِ أمامه:
-راجح اهدى علشان متغلطشِ وتدفَّعنا كتير، خليه يفرح، المهم مين اللي يضحك في الآخر..
استدارَ إليه:
-إنتَ عارف بتقول إيه، يعني إنتَ تسفَّر رانيا علشان متغلطشِ وجاي بتقولِّي أهدى، قتلوا ابني وخطفوا بنتي وأهدى
راجح اخرس، لازم تفكَّر دلوقتي إزاي ننفِّذ العملية، عمليتنا هيَّ الأهم مش ابنك بس اللي مات ودفع التمن..
بفيلَّا السيوفي دلفَ إلى غرفتهما وجدها تنهي زينتها أمامَ المرآة..اقتربَ يعانقها بعينيه، ثمَّ حاوطَ خصرها وانحنى يطبعُ قبلةً فوقَ رأسها:
-إيه الجمال دا، أمنعك من النزول..ابتسمت لهُ وطالعتهُ من خلالِ انعكاسِ صورتهما:
-ميرسي، أخيرًا شكرت فيَّا..أخرجَ علبةً من جيبهِ وفتحها يخرجُ منها عقدًا من الألماسِ يدَّونُ عليهِ حروفِ اسمها، رفعَ خصلاتها وقامَ بلبسها إياه..
-الهدية دي غالية عليَّا أوي أتمنَّى مش تخلعيها أبدًا، على فكرة مش غالية..
-يعني إيه غالية عليك ..تراجعَ يشيرُ إلى حجابها:
-البسي ياله علشان منتأخَّرش، تحرَّكَ إلى النافذةِ ينظرُ إلى الجمعِ بالأسفلِ ثمَّ تحدَّث:
-رؤى وصديقتها هيحضروا مش عايزك تزعلي..توقَّفت عمَّا تفعلُه وطالعتهُ بعتابٍ قائلة:
-البنت دي مبحبَّهاش..اقتربَ منها، ثمَّ احتضنَ وجهها:
-ميرال بلاش شغل الأطفال دا، أنا جوزك إنتِ وإنتِ مراتي، وبدل قولت بحبِّك عايزك تثقي في الكلمة اللي قولتها مش مجرَّد حروف وخلاص، دنى من ثغرها ولمسهُ بخاصتهِ هامسًا:
-وبعدين انا مش شايف غيرك، ولا في قلبي غيرك، مستحيل أفكَّر في حدِّ تاني.. يعني أسيب الجمال دا كلُّه وأروح أبص برَّة، طيب ماكنت اتجوِّزت من زمان يابايرة ..ضحكت متراجعة:
-طيِّب وسَّع ياحضرةِ الظابط علشان ننزل..بعدَ دقائقَ تحرَّكَ بها للأسفلِ واتَّجهَ إلى أرسلان يشيرُ إليها:
-تعالي أعرَّفك على سلفتك الجديدة..
سلفتي ..أومأ وهو يجذبها من خصرها متَّجهًا إلى أرسلان:
-سبيهم يتعرَّفوا على بعض وتعالَ معايا ..كانت فريدة تتابعهم بنظراتها.. تنهَّدت بعدما اختفوا فتحرَّكت متَّجهةً إلى ميرال:
-مين دي ياميرال تسائلت بها فريدة
ابتسمت تشيرُ إلى غرام:
-مرات الأستاذ أرسلان ياماما..دي ماما، وبتكون مرات عمُّو مصطفى أبو الياس..
-أهلًا بحضرتك ..توقَّفت فريدة تنظرُ إليها بتدقيق:
-مرات مين ..جمال..قالتها هامسةً لتسألها ميرال:
-ماما مش هتسلِّمي على غرام ..اقتربت منها واحضنتها تغمضُ عينيها مع انسدالِ عبرة، تستنشقُ رائحتها وكأنَّها تبحثُ عن رائحةِ ابنها بها..
بعدَ فترةٍ ليست بالقليلة..انتهى الحفل الذي غابَ به إلياس لمدَّةِ ساعتين مع اعتذارهِ بإصابةِ أرسلان لوعكةٍ صحيةٍ فاتَّجهَ للمشفى:
كانت تجلسُ أمامَ المرآةِ تتذكَّرُ اقترابهم وضحكاتهم مع بعضهما وكأنهما يعرفانِ بعضهما منذُ سنوات، فردت المرطبَ على كفَّيها ونظرت بشرودٍ مبتسمةٍ على اقترابِهما دونَ علمهما بهويِّتهما الحقيقة..استمعت إلى هاتفها، رفعتهُ تنظرُ إلى الاسمَ الذي لم يظهر فأجابت
-أيوة مين؟..
-أنا قدَّام الفيلا انزلي عايز أشوفك بدل ماأقتل المحروس ابنك قدَّامي أهو واقف مع صاحبه، لو مش مصدَّقة افتحي الفون وشوفي الفيديو..
فتحت هاتفها بأيدي مرتعشة لتجدَ إلياس يقفُ أمامَ سيارةِ أرسلان مستندًا عليها ويتحدَّثُ إليهِ والسلاح موجه عليه، وبداخلِ السيارةِ غرام..
-إياك تقرَّب منه ياراجح هموِّتك بإيدي..
-انزلي من غير كلام، وهاتي الفيديو معاكي ولو عليه مش يهمِّني يافريدة، ابني مات مقتول في السجن وابنك اللي قتله يعني أموِّته وما يرفليش جفن..
-جاية إياك تلمسُه..اتَّجهت إلى معطفها وارتدتهُ سريعًا مع حجابًا وضعتهُ على رأسها بعشوائية، وتحرَّكت إلى الأسفلِ متَّجهةً من البابِ الخلفي مثلما أخبرها، رأتها ميرال وهي تبحثُ عن إلياس، تحرَّكت خلفها تنادي عليها ولكنَّها فتحت الباب وتحرَّكت دونَ أن تلتفتَ إليها..
-ميرال..قالها مصطفى مقتربًا منها:
-رايحة فين ..ابتلعت ريقها قائلة:
-بدَّور على إلياس ..أشارَ إلى الحديقةِ قائلا:
-واقف برَّة..قالها وصعدَ إلى غرفته، تحرَّكت ميرال خلفَ فريدة تنادي عليها
وجدتها تقفُ أمامَ سيارةٍ سوداء، تحرَّكت إلى أن وصلت إليها:
-ماما..التفتت فريدة إليها منتفضة، تطالعها بصدمة:
-ميرال ارجعي على البيت جوزك زمانه بيسأل عليكي..
تؤتؤ..مش عيب يافريدة تبعدي البنت عنِّي، مش تعرَّفيها عليَّا..
ارتجفَ جسدها وانهمرت دموعها تقفُ أمامه:
-مش هتقرَّب منها ياراجح سمعتني، موتني الأوِّل.. بنتي محدش هياخدها منِّي..جذبها بقوةٍ يدفعها لتسقطَ على الأرضِ واقتربَ من ميرال التي صرخت باسمِ والدتها بعدما وجدتها ملقيةً على الأرض..
-ماما ..
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سيلا وليد
دفع راجح فريدة بقوة حتى هوت على الأرض، فصرخت ميرال باسم والدتها.
قبل دقائق، كان متجهاً إلى غرفته، فقابله مصطفى:
"بابا رايح فين؟"
تحرك للخارج دون أن يجيبه، فهو وجد هاتف فريدة ملقى وكأن أحدهم ألقاه. تذكر مناداة ميرال عليها ونظراتها. هرول كالمجنون للخارج يلاحقه إلياس بصراخ ميرال باسمها.
جن حينما استمع إلى صرخاتها، فلم يشعر بنفسه وهو يهرول كالمجنون يدفع الباب الخارجي. باقتراب راجح الذي لم يكتشف وجهه بالظلام، يسحبها من يديها. دفعه بقوة مع وقوف فريدة مترنحة.
"ميراااال!" صاح بها بصوت كالرعد.
ليتركها راجح ويتجه إلى السيارة قائلاً:
"بسرعة اتحرك."
لتنطلق السيارة بسرعة جنونية. وصل إليهم بأنفاس لاهثة مع وصول الحرس الذي يحاوط الفيلا. كانت تحتضن فريدة التي ارتجف جسدها بقوة.
أردف بصوت متقطع بسبب لهاثه:
"ميرال أنتو كويسين؟"
تساءل بها بوصول مصطفى الذي يرمق فريدة بنظرات عتابية. اتجه إليها يحاوط جسدها ثم تحرك قائلاً:
"إزاي الكهربا تقطع في الجزء دا، أنتوا بقيتوا نايمين ولَّا إيه. الصبح مش عايز أشوف حد فيكم. سلِّموا أسلحتكم لرئيسكم."
قالها وهو ينظر إلى الحرس، ثم سحب فريدة وتحرك. بينما الآخر توقف متخصراً وعيناه ما زالت على الطريق الذي غادرت منه السيارة.
اقتربت تختبئ بأحضان إلياس وجسدها ينتفض بالارتعاش. حاوطها بذراعيه يربت على ظهرها:
"اهدي حبيبتي، بس قوليلي إيه اللي جابكم هنا؟"
رفعت رأسها إليه:
"إلياس أنا مش قادرة أمشي."
انحنى وحملها يضمها إلى صدره وتحرك بها للداخل. صعد إلى جناحهم وعقله يفكر فيما صار. وضعها بهدوء على الفراش ثم جلس بجوارها يضمها تحت حنان ذراعيه:
"قوليلي إيه اللي حصل وليه خرجتوا."
قصت له ما صار.
"طيب ومين دا؟ وليه كان عايزك؟"
تذكر راجح فتوقف يهمس لنفسه:
"طيب لما هو مش أبوها، جاي ياخدها ليه بالغصب؟"
خَلَّل أنامله بعصبية ثم استدار إليها:
"نامي وارتاحي، وأنا هخرج مشوار وراجع."
نهضت فزعة:
"رايح فين؟ لا مش هتسبني وتخرج."
اقترب منها، وساعدها بالتمدد وجلس بجوارها:
"طب إهدي، أنا كنت هشوف الكاميرات وراجع."
حاوطت خصره تضع رأسها بأحضان إلياس. همس بهدوء حازم بالرغم من تفاقم الغضب بداخله من تجرؤ أحدهم من التسلل لمنزله. ظل يمسد على خصلاتها وذهنه شارد بما حدث. حاول إخراجها من الخوف الذي تجلى بعينيها، بدأ يحدثها عن ما صار في الحفلة إلى أن بدأت تشاركه الحديث، وتقص له عن غرام وغادة إلى أن توقفت عن الحديث متسائلة:
"إلياس؟"
اتجه ببصره إليها منتظراً حديثها. اعتدلت على الفراش:
"مين البنت اللي كانت مع رؤى في الحفلة؟"
قطب جبينه مستفسراً عن سؤالها. جلست على ركبتيها أمامه:
"كان فيه بنت لابسة فستان أزرق بحجاب أبيض، الحلوة دي مشفتهاش إزاي؟"
ابتسم بخفة عليها يهز رأسه حتى أفلت ضحكة رجولية يمسح على وجهه:
"مشفتش ست بتقول لجوزها شوفت الست الحلوة."
تلوت معدتها بقسوة من حديثه غير المتوقع لتلكزه ناهراً إياه:
"إيه اللي بتقوله دا، أنا بسأل عليها، أول مرة أشوفها مع رؤى مقصدش إن عينك تبص عليها."
سحبها دون حديث يعانقها عناقاً ساحقاً متملكاً على تلك العاشقة للروح. لتدفن وجهها بأحضان إلياس تهمس بأنفاسها الناعمة:
"عارف لو لمحتك بتبص لواحدة هعمل إيه."
رفع خصلاتها من فوق وجهها لتخرج رأسها من أحضانه وتابعت حديثها:
"هموتك وأشرب من دمك، علشان مش أحبك الحب دا كله وفي الآخر عينك تزوغ برة."
كم كان حديثها ذو أثر قوي على نبضه العنيف بصدره. تمنى أن يزرعها داخل ضلوعه لتحيا بالقرب من ذاك النبض الذي بدا يؤذيه من كثرة خفقاته. علَّ قربها يجعله يسكن. انحنى إليها بعدما استسلم للهفة ووصال قلبه المترنم بعشقها. فكم كان اعتناق أفئدتهم عشق أضناه الشوق واللوعة. ليسطره بما يحتويه من الهمسات والنبضات الممزوجة بنظرات حديث العشاق.
بعد فترة كانت تغط بنوم عميق. وكيف لها لا تغفو كالطفل الذي حاوطته والدته بحنانها؟ لينام هنيئاً بعد رحلة عذاب من بكاء لم يفصلها سوى الحنان والأمان. من قال إن الحب كافٍ للحياة؟ بل الحب يحتاج للاكتمال الروحي الذي يعانقه الأمان ويغلّفه الحنان. الحب ليس كلمات تنطق، أو أشعار تكتب. الحب أن تزيل ما يعذب فؤادي، أن تشعرني أنني ملكة متوجة وليست كلمة معبرة.
تسلل من جوارها بهدوء، يدثّرها جيداً. نظرة خاطفة على ملامحها الساكنة، وبركان أشواقه بها ما زالت قابل للانفجار. ظل لدقائق ونظراته ترسمها، إلى أن تحرك بصعوبة بعدما فقد سيطرته. بعدما تذكر ما حدث بينهما منذ فترة وجيزة. فكانت كالمجلد الشامل لقصة عشقه الممزوجة بآلامه التي ما زالت تنزف بداخله. حرّك ساقيه بصعوبة مبتعداً عن الفراش وما زالت نظراته عليها. قبضة اعتصرته مما جعله يشعر بالنفور من ضعفه بعد سيطرتها الطاغية على شخصيته. ولكن صفعه قلبه يعنفه:
"هل تصدق ما تشعر، بعدما شعرت بالاكتمال بجوارها؟ ألم تكن تلك التي جعلتك تشعر بلذة الحياة؟ هيَّا اهدأ وعد لرشدك، إنها حبيبتك وملكة الفؤاد، فلقد وعدتها ووعدتني أنك لن تتنازل عنها حتى لو توقفت أمامك جيوش العالم."
ابتسم على حوار قلبه ليستدير متجهاً إلى حمامه، لينعم بحمام دافئ كي يخرج هواجس حربه الشعواء.
بغرفة مصطفى:
جلست بجسد منتفض وهي تراه يدور حول نفسه كالأسد الحبيس، محاولاً الضغط على أعصابه حتى لا ينفث بها غضبه. نهضت من مكانها واتجهت إليه:
"خوفت يامصطفى، والله خوفت يؤذي إلياس، هددني بيه."
"اخرسي يافريدة اخرصي. بقالك فترة بتتعاملي كأنك مش متجوزة راجل. ألاقيها منين ولَّا منين؟"
توقفت بقلب يئن ألماً وقهرًا، وتمتمت بصوت خافت:
"ماهو إنت مش مكاني، مش حاسس بقلبي اللي مولع نار. أنا دلوقتي بعد الدقيقة اللي أشوف فيها حد فيهم، بقيت عاملة زي الطفلة اللي بتستنى أبوها يرجع من الشغل. حسيت في مرة بيا وأنا ابني جنبي وبيقولي يا طنط، ولَّا يا مدام. عارف الكلمة دي بتعمل فيا إيه؟ ولمَّا واحد منهم يعرّف عن نفسه بكنيته، أوعى تفكر سهل عليَّ أقول إلياس كدا ودا مش اسمه، ولَّا لما أشوف جمال في أرسلان، الواد نسخة مصغرة من أبوه، كأن جمال اللي واقف قدامي يامصطفى. إنت مش حاسس بمعاناتي، كل اللي بتحاول تعمله إنك تأجل وبس."
"اسكتي يافريدة، اسكتي. إنت مفكرة الموضوع هين؟ أنا بتمنى أموت ولا أقف قدام إلياس وأقول له آسف ياحبيبي أنا مش أبوك، ولقيتك وربيتك، وسرقت حياتك ونسبتك ليَّا. زوّرت يافريدة بدل المرة اتنين. فاكرة هيتقبل الفكرة؟ واحد بعد تلاتين سنة لقى نفسه عايش كذبة وحياة كلها مبنية على الكذب. تهوّر بس كل اللي بتعمليه إنك بتحطيه قدام المدفع."
رفعت رأسها تنظر لعينيه تهتف بخفوت ونبرة ضائعة:
"أنا عايزة أضيعهم، دا كله علشان أخدهم في حضني. إنت أهم حاجة عندك إن إلياس ميشوفكش مزور."
أطبق على ذراعها بقوة وهدر بها بعنف:
"إنت مش حاسة إنك بتغرقينا معاكي؟ ابنك ظابط أمن دولة ياهانم. جريتي على راجح ورمتيله طُعم قبل ما تفكري في العواقب. رحتي رفعتي قضية باختفاء ميرال وخلّيتي زمايله يبصوا له باستعطاف. والمصيبة رايحة لأكبر عيلة في البلد. اتجننتي وعايزة تروحي تهددي وتقولي ابنك. غبية يافريدة غبية وبتتحركي بتهوّر. مفكرتيش في لحظة اللي مقدرش راجح عليه زمان ممكن يقدر عليه دلوقتي. دا كان عايز يقتله من فترة قبل ما يعرف بحقيقته."
دار حول نفسه بالغرفة يمسح على وجهه بعنف مرة ويرجع خصلاته للخلف يريد أن يقتلعها مرة أخرى. أفلت سيطرته الكامنة وتحول لكتلة من الغضب وهو يهدر بها:
"إلياس دا أول فرحتي متفكريش إنه ابنك بس. عارفة لو حصل له حاجة أنا ممكن يحصلي إيه. دول مجرمين تبع منظمات وقرف، ومش عارفين نمسك عليهم حاجة. وأهو خطفوا البنت في عز النهار ومقدرتش أوصل لها. يعني كان ممكن تجيلك ميتة. دا قبل ما يعرف. اقعدي واتفرجي ياهانم، دا وصل لحد بيتي. هو مش موضوع إنه جاي يهدد بميرال، لا جاي يأكدلك إنه قدر يوصلك وإنت في بيتك وسط الحماية اللي مفكراها بتقويك."
ظلت صامتة بوقوفها، جامدة بجسد على شفا الانهيار بالدموع التي زرفت رغمًا عن ضعفها. لا أحد يشعر بكم جراحها النازفة. إنها تحترق شوقًا وعطفًا. كيف يلومها على أمومتها؟ كيف لا يعطيها الحق في احتضان أحد من أولادها؟ ألا يحق لها الاعتراف بأمومتها بعد تلك السنوات الجافية.
تحركت بخطوات ثقيلة تجر ساقيها إلى خارج الغرفة ودموعها تفرش الأرض أمامها حتى شعرت بضبابية رؤياها. خطت مترنحة على الدرج وشهقة خرجت من فمها وهي تتذكر حديثه اللاذع. هل كما وصفها حقًا جُنت؟ أم أنها أنانية ولا تراعي سوى شعورها بأمومتها.
كادت أن تسقط على الدرج، فهوت جالسة بعدما خانتها ساقيها. قبضة قوية اعتصرت فؤادها كلما تذكرت حديث راجح.
"فلاش قبل وصول ميرال"
"متفكريش اللوا بتاعك والواد اللي بتقولي عليه ابنك دا هيرحمك مني."
أطبق على ذراعها بقوة ينظر لمقلتيها بعيون عاصفة وأردف بنبرة هستيرية:
"هذلِّك يافريدة، الله بسماه لأذلِّك وأجيبك لعندي مكسورة، علشان أعرفك مين هو راجح الشافعي اللي تفضلي عليه أشباه رجال."
قرَّبها إليه بعنف وهمس بهسيس مرعب:
"غبية وجيتي تحت ضرسي مش هرحمك، وزي ما دفنت ابني هدفت ولادك الاتنين، ومش بإيدي بإيدك إنتِ وبكرة تقولي راجح قال، لو مخلتكيش إنتِ وبنتي تدفنوهم يبقى لبسيني طرحة."
قاطع حديثهم صوت ميرال:
"ماما!"
فاقت من شرودها على صوت إلياس:
"طنط فريدة؟!"
نهضت من مكانها فزعة تزيل عبراتها وتمتمت بحروف الألم التي تشق صدرها:
"نعم يابني."
اقترب منها ينظر لشحوب وجهها ثم غمغم بصوت خافت:
"مين اللي كان برة دا؟"
رفعت رأسها وارتجفت شفتيها، تهز رأسها عاجزة عن الرد. سحبها برفق من ذراعها وتحرك إلى الأريكة التي توضع بالردهة أمام الدرج. أجلسها ثم جلس بجوارها. جذب هاتف المنزل من جواره وهاتف الخادمة:
"اعمليلي قهوة وماما فريدة ليمونادا."
تشابكت عيناها الباكية مع نظراته المركزة عليها. أومأ لها بالحديث:
"عايزة أحضنك ينفع؟"
قالتها بلمعة انكسار من عينيها. نظرات فقط يحدق بها ولم يعد لديه قدرة التفوه سواء بالرفض أو الإيجاب. هاجت مشاعره بداخله في تلك اللحظة، وكالعادة لعجزه عن تفسيرها، أهي مشاعر خوف أم حنان أم إشفاق على حالتها. أجاب بصوت هادئ بالرغم من رعشته:
"مش قبل ما أعرف مين أبو ميرال؟"
لم تجبه ولم تزحزح عيناها عن ملتقى نظراته. بقيت تحدقه بنظرات لم يعلم ماهيتها. سحب عينيه بعيدًا عن تجمد عيناها يزفر بعمق. حاول استنشاق كم من الهواء عن طريق الشهيق والزفير، حتى لا يسرع بالحكم والغضب عليها.
ودت لو تطلق السراح لسانها وتتفوه بما يعتري فؤادها، ولكنها ستموت بالتأكيد إذا حدث مالا يحمد عقباه من ردة فعله. آه، متحشرجة أخرجتها بنيران صدرها التي كوت ضلوعها.
"راجح أبوها. راجح الشافعي."
"تاني؟ بتكدبي تاني؟" قالها ونهض من مكانه. ولكنها تشبثت بكفه، وطالعته بعيون انسابت نجومها بهوان ما تشعر به الآن.
"والله دي الحقيقة يابني. ميرال تبقى بنت راجح الشافعي، وهي متعرفش. هي مفكرة إنها بنت جمال."
توقف لدقيقة يستوعب حديثها مع شروده بحديث أرسلان: "البنت اللي خطفتها مش بنتها، هي مجبتش أطفال منه."
أطبق على جفنيه وصراعات عنيفة تأكل دواخله. خطا لبعض الخطوات، ولكنه توقف على شهقاتها. استدار إليها وعيون الخذلان تلاحقها ليهمس:
"ليه قلتي إنها بنت جوزك الأولاني؟ ليه خبّيتي إنها بنت راجح؟"
بملامح شاحبة وروح فارقت الجسد، نصبت جسدها واقتربت مترنحة كالمخمورة:
"راجح إنسان جشع ومفتري، خطف ولادي هو ومراته. حبيت أحرق قلبه. لما هربت خطفت ميرال، وكنت ناوية أرميها زي ما رموا ولادي الاتنين."
شهقة أخرجتها بصوت متقطع كالخطوط المعوجة. ظل صامتًا يستمع إليها ودقات قلبه تتقارع داخل صدره وهي تقص عليه كيف وصلت إلى والده. نهض من مكانه شاردًا حزينًا، ثم أردف:
"ميرال متعرفش صح؟"
أومأت برأسها وعيناها تذرف من الدموع ما يحرقها. استدار متسائلاً:
"ليه اتجوزتيه، بدل خطف ولادك زي ما بتقولي؟"
قاطعهم وصول مصطفى ينظر إليها بأسى من حالتها التي وصلت إليها. تحرك إليها وانحنى يرفعها من أكتافها:
"يالا علشان تاخدي الدوا وتنامي."
رمق إلياس بنظرة جانبية ثم تحرك دون حديث. ظل يتابع تحركهم حتى اختفوا من أمام عيناه.
"وبعدهالك يامدام فريدة، إيه حكايتك معايا، وليه قلبي وجعني عليكي؟"
سحب نفسًا وزفره يقنع نفسه:
"متنساش هي اللي ربيتك فطبيعي تكون حزين عليها."
استند على سياج الدرج يهمس بخفوت:
"راجح كدا مييعرفش ميرال بنته، أو ممكن عارف وبيخطط لحاجة."
ملس على ذقنه بعلامة تفكير وجلس وهو ينفث سيجارته:
"يبقى هو اللي كان برة، ودا مالوش غير معنى إنه بيهدد."
مط شفتيه للأمام وحركة استخفافية أطلقها من بين شفتيه:
"بتلعب معايا ياراجح وماله نلعب إحنا ورانا إيه."
هنا تذكر ما فعله هو وأرسلان اليوم.
"فلاش قبل ثلاث ساعات"
توقف أرسلان بجوار غرام بالحفل يوزع نظراته على الجميع. قاطعته غرام:
"إيه الحفلة الضخمة دي، أنا عمري ما حضرت حفلات كدا."
استدار مبتسمًا وأردف قائلاً:
"اتعوّدي ياروحي، علشان يعتبر فاروق باشا حفلاته مبتخلصش، دا لو طايل يعمل كل يومين حفلة هيعملها."
ابتسمت ثم رفعت كأسها ترتشف منه بعض العصير، ثم رفعت عينيها إليه:
"شكلك بتحب الحفلات."
رفع ذراعيه يحاوط أكتافها وعيناه على إلياس المتوقف مع والده ثم أجابها:
"أبدًا ولا ليا فيها، أنا جيت بس علشان أعرفك على مدام ميرال، بما إنكم ملحقتوش تتعرفوا في إيطاليا."
"هو إلياس صديق مقرب للدرجة دي علشان تعرفني على مراته؟"
قطع حديثها وصول فريدة:
"عامل إيه يابني."
قالتها وهي تطوف بعينيها على وجهه باشتياق. ابتسم بمحبة وأجابها:
"كويس الحمد لله، حضرتك عاملة إيه. نسيت أعرفك…"
أشار إلى غرام قائلاً:
"غرام مراتي."
اقتربت من غرام وربتت على ظهرها:
"اتعرفنا ياحبيبي."
نظر لزوجته التي أومأت برأسها بالإيجاب، ثم أردفت:
"طنط فريدة كانت معايا لما رحت مع حضرة الظابط عند والده."
أومأ متفهماً، ثم رفع عينيه إلى فريدة:
"إن شاء الله في يوم أعرفك على والدتي، ماتختلفش عنك، أوعدك قريب هيكون فيه لقاء بينكم."
شعرت بالقهر يأكل أوجاعها، وتغرغرت عيناها بالدموع، وطأطأت رأسها دون حديث تحاول كبح دموعها وكأن الله ربط على قلبها ليصل إلياس إليهما.
"ارسلان تعالى عايزك."
استأذن وتحرك معه بعدما قال لزوجته:
"خمس دقايق وراجعلك، خليكي مع طنط فريدة."
وصل إلى مكتبه وانتشل بعض الأشياء قائلاً:
"يالا علشان قدامنا وقت بسيط."
أومأ وتحرك من الباب الخلفي متوجهين إلى وجهتهم بانتظار أحد الأفراد الذين يساعدونهم بالدخول إلى شركة العامري. نظر لتلك السيارة، فأشار إلى سيارة أرسلان:
"هنروح بعربيتك، سيادة وكيل النيابة بيراقبني، شك في حاجة."
"اممم."
"قولت لي. طيب ما الراجل خايف؟"
"ماقولتش حاجة وكمان نضيف جدا، يعني مش بتاع أشخاص، بتاع حقوق."
"فعلاً سمعت عنه."
وصل إلى الشركة وأشار إليه:
"حلوة فكرتك ياحضرة الظابط، بس الواد المهندس دا ضامنه؟"
"جداً متخفش، على ضمانتي، اومال طلبت منك أوصله ليه."
هكذا قالها أرسلان وهو يترجل من سيارته. دقائق وتم زرع الأجهزة التنصتية ببعض المكاتب الخاصة بالاجتماعات، ثم تحرك إلى شركة الشافعي وفعل بها مثلما فعل بشركة العامري، بزيِّهم المتنكر بعد تعطيل أحدهم لجميع الكاميرات لمدة ساعتين رغم أنهم لم يستغرقوا في كل شركة سوى بعض الدقائق وذلك لنجاح أحدهم بتوجيههم إلى الأماكن المدروسة من قبل.
خرج الثلاثة بعد انتهاء مدة عملهم. تركهم يزن وقاد دراجته البخارية بينما تحرك أرسلان إلى المشفى مع إلياس لبعض الفحوصات الطبية. جلس أمام الطبيب الذي قام بالكشف عليه، بتوقف إلياس أمام النافذة ينظر للخارج قائلاً:
"ماله يادكتور، ليه بيشتكي من جنبه؟"
تساءل بها وهو يواليه ظهره. كتم أرسلان ضحكاته، ينظر للطبيب يشير إلى بطنه:
"هو نسي إن بطني كمان وجعاني."
استدار يرمقه بنظرات نارية، حتى ارتفعت ضحكاته يهز رأسه يرفع يديه إلى إلياس:
"قلبي كمان وجعني."
اقترب منه يلكزه بصدره:
"هتفضحنا يامتخلف، أنا اللي أستاهل اعتمدت عليك."
"الله أعمل إيه، دخلت المستشفى جسمي كله وجعني، مستخسر فيا أكشف."
أشار إلياس للممرض:
"عايزك تديله حقنة شرجية، علشان يحرم يدلع."
نهض من مكانه يضع يده على بطنه من كثرة ضحكاته، حتى وصل إلى إلياس:
"عمي هينفخني والله لو موجود لأمر ذاك الطبيب بتلك الرشوة."
لكزه بقوة حتى سقط على المقعد خلفه بعدما أخرجه من بروده:
"اسكت ياحبيبي، اسكت يابابا خلّينا نخلص."
استمع إلى رنين هاتفه فأشار إليه وضحكاته ما زالت مرتفعة:
"قولتلك عمي هينفخني، أهو اسمع."
"بتعمل إيه في المستشفى وفين مراتك؟"
حاول أن يتماسك. ابتعد إلياس عنه يزفر بسخط على أفعاله الطفولية ثم رد:
"مخابرات إيه دا، دا أخره عسكري نحطه على مدفع رمضان."
"أيوة إسحاقو."
كان يقود سيارته متجهاً إليه:
"حبيبي بتعمل إيه في المستشفى، إنت تعبان؟"
أومأ مبتسمًا وعيناه على إلياس الذي يرمقه شزرًا وأجابه:
"مفيش ياعمو، حسيت بشوية ألم في جنبي، خوفت الألم يزيد فقولت أعدي على الدكتور، وبعدين حضرتك بتراقبني ولَّا إيه؟"
"لا مش براقبك بس اتصلت بيك لقيت تليفونك مقفول عرفت إنك في مكان مش عايز حد يعرف، ولمَّا التليفون اتفتح عرفت إنك في المستشفى."
توقف أرسلان بعدما انتهى قائلاً:
"لا ياحبيبي تلاقي شبكة سقطت ولَّا حاجة، وأنا خارج أهو وهعدِّي أجيب غرام وأرجع على البيت."
"عمك هيصدق بس إسحاق المخابراتي مش مصدق يابن فاروق هستناك تحكيلي سلام."
زفر بارتياح واتجه إلى إلياس:
"إسحاق عرف كنا فين على فكرة."
ضيّق عينيه متسائلاً:
"بس إحنا أخدنا احتياطاتنا كويس، إزاي عرف وليه شكيت؟"
قالها إلياس. تحرك بجواره بعدما نزع من الطبيب المدون إليه. خرج من شروده متوقفًا واتجه إلى جهازه المحمول وبدأ يتفحص ما به لبعض الدقائق مع عدة مكالمات مرتبطة بعمله.
عند أرسلان قبل قليل:
وصل إلى منزل والده، فاليوم الخميس، الذي وعد به والدته أن يقضيانه مع بعضهما. دلف للداخل قابلته ملك تصفق بيديها واتجهت تهرول إليه:
"حبيبي أخيرًا جيت وحشتني."
ضمها بحنان أخوي ثم طبع قبلة فوق جبينها:
"وحشتيني حبيبتي."
نزعت يديه من أيدي غرام وتحركت به إلى غرفة الموسيقى:
"تعال معايا علشان أسمعك اتعلمت إيه، أختك هتسبقك، وتكون أشطر Pianist في الدنيا."
أشار إلى غرام:
"هتلاقي ماما جوة حبيبتي، شوية وراجعلك."
قالها وتحرك مع ملك التي لم تهتم بوجود غرام. دلفت للداخل تبحث عن صفية، أشارت إليها الخادمة:
"المدام في ركنها المخصص للعبادة."
أومأت لها وتحركت، طرقت الباب ثم دلفت حتى لا تفصلها عن قراءة القرآن. رفعت صفية رأسها وجدتها تقف تفرك أناملها. أغلقت المصحف ووضعته بمكانه الخاص به، تفتح ذراعيها لغرام التي وصلت إليها وانحنت تحتضنها:
"عاملة إيه ياماما."
أخرجتها تحتضن وجهها وأردفت:
"أنا كويسة ياست البنات تعالي جنبي هنا."
نزعت حذاءها وخطت إلى جلوسها توزّع عينيها على المكان الذي به الكثير من كتب الفقه والمصاحف. ربتت صفية على كتفها بعدما وجدت نظراتها على الكتب:
"فيه حاجة عايزة تقرأيها؟"
هزت رأسها بالنفي، ثم احتضنت كفيها واقتربت بجسدها قائلة:
"ماما فيه موضوع عايزة أقوله لحضرتك، أرسلان ميعرفش بس حبيت أعرفك الأول."
طالعتها منتظرة حديثها. وضعت كفيها على أحشائها ولمعت عينيها بالسعادة مرددة:
"ماما أنا حامل."
شهقة خرجت منها تضمها إلى صدرها وارتفعت ضحكاتها:
"ما شاء الله يابنتي ربّنا يتمملك على خير يارب، اللهم لك الحمد ولك الشكر يارب."
قالتها وهي تسجد لله شكراً على نعمه. احتضنت وجهها وقربتها إليها تطبع قبلة حنونة على جبينها قائلة:
"ربنا يبارك فيكي وفي مولودك يابنتي يارب."
انسابت عبراتها من شدة حبورها بخبر حمل زوجة ابنها. قاطعهم دخول فاروق قائلاً:
"مصدقتش لما قالوا أرسلان جه."
ابتسمت بدموعها تشير إليه:
"تعال يا فاروق فيه خبر هينططك ويخليك ترجع شباب."
نظرت للأسفل بخجل من حديث والدة زوجها، وبدأت تفرك بأناملها، فتوقفت صفية عن الحديث قائلة:
"لا بلاش تعرف قبل أبوه، لازم أبوه يعرف الأول مش كدا يا غرام."
رفعت ذقنها وأشارت إليها:
"يالا حبيبتي قومي علشان نتعشى، وخبّري جوزك."
أومأت ونهضت متجهة للخارج.
عند أرسلان:
جلس بجوار أخته وهي تعزف مقطوعتها التي تدربت عليها إلى أن انتهت. صفق يقبل وجنتيها:
"أحلى Pianist ياروحي."
استدارت إليه:
"بجد يا أبيه عجبتك."
ضمه بحنان يمسد على خصلاتها:
"بجد ياروح أبيه، بس نهتم بمذاكرتنا شوية علشان نتخرج مش كدا ولَّا إيه."
"ياااه لسة بدري دا أنا لسة في أولى."
قرص وجنتيها وتوقف:
"ماهو علشان عايز تقدير كل سنة يالمضة."
سحبها من كفها واتجه بها للخارج:
"تعالي نشوف صفية عملت إيه في مراتي شكلها استفردت بيها."
توقف بعدما وجدها أمامه تنظر إليه بحب. ترك كف ملك وخطا إليها يدقق النظر بملامحها. رفع ذقنها وأشار برأسه مردفاً:
"إيه الورد الأحمر اللي عايز يتاكل على الخدود دي."
دفنت رأسها بكتفه:
"بس بقى عيب أختك ورانا."
لف ذراعيه حول جسدها وهمس بأذنها:
"أنا تعبت من المشوار ماتيجي أقول لك كلمة سر علشان محدش يسمعه."
لكزته قائلة:
"أرسلان بس إيه اللي بتقوله دا."
أطلق ضحكة رجولية جذابة، مما جعلها ترفع رأسها إليه وتهمس بصوت خافت:
"هتكون أب يجنن."
توقف عن الضحك بعدما استمع إلى رنين هاتفه، أخرجه ولم يسمع بما تفوهت به:
"أيوة يابني فيه إيه."
"مش قولت مش عايز إزعاج."
"آسف ياباشا، بس بكلم إسحاق باشا وتليفونه مقفول، الست هانم الكبيرة عند دينا هانم، لسة طالعة من شوية، حاولت أخبر الباشا معرفتش أوصله."
"أنا جاي."
قالها وتحرك مغادرًا المكان سريعًا دون حديث. هرولت غرام خلفه:
"أرسلان رايح فين."
استقل سيارته وتحرك سريعًا يقطع المسافة بدقائق معدودة.
عند دينا:
حاوطت جسدها تبكي بعدما اشتدت آلامها، وصاحت بأحلام:
"ابنك عارف كل حاجة، أنا قولته، وهو أصلاً كان شاكك فيا من الأول بحكم إني كنت شغالة معاكي."
ازداد الألم تبكي تحتضن بطنها بقوة، بعدما وجدت نظراتها الجحيمية، فانحنت تجذبها من خصلاتها تسبها:
"آه ياحيوانة وقّعتي بيني وبين ابني، وأنا اللي استأمنتك على سري، والله لأدفعك التمن غالي."
سيطرت على آلامها وزحفت للخلف تنظر إليها باحتقار:
"إسحاق مش هيسكت، وأكيد عنده خبر دلوقتي، هيجي ينقذني منك."
قالتها ببكاء مرتفع. قهقهت أحلام ثم جلست تضع ساقًا فوق الأخرى:
"هو أنا معرفتكيش إني مخططة علشان أوصلك؟ تفتكري أنا معرفش ابني حويط قد إيه، وكنت متأكدة إنه مراقبك ياواطية. ارتاحي، إسحاق زمانه في سابع نومة، بس ممكن تكلميه ينقذك."
نزعت الهاتف من يديها سريعًا وحاولت الوصول إليه. توقفت أحلام تضحك بصوت مرتفع، ثم انحنت تغرز عينيها بمقلتيها:
"الخاين لازم يموت. ودلوقتي هقتلك إنتي واللي في بطنك، ولو على الحراسة اللي برة، متخافيش هظبّطهم كويس، مش حتة شحاتة تملك إمبراطورية الجارحي يابت."
قالتها وركلتها للمرة الثانية بقوة، ليخرج صوتها كالرعد مع فتح أرسلان الباب على مصراعيه، ووصل إليها بخطوة واحدة. توقف جاحظ العينين على ذاك المشهد. جدته تحاول قتل دينا. اتجه إليها سريعًا ولم يفعل شيئًا سوى أنه انحنى يحملها ويغادر بها المكان دون أن يكترث لوجود أحلام.
بكت دينا بين ذراعيه تهتف بتقطع:
"أرسلان وديني للدكتور هموت."
قالتها وأغمضت عينيها فاقدة الوعي. وصل في غضون دقائق إلى المشفى يهرول إليها ويحملها للداخل مع صرخاته بعدما وجد ملابسها لُطِّخت بالدماء. حملها المسعفون سريعًا واتجهوا بها إلى غرفة الكشف. ظل يجوب المكان ذهابًا وإيابًا وعقله يكاد أن ينفجر مما رأه. كيف لجدته أن تفعل بروح تلك الفعلة الشنعاء؟
خرجت الممرضة تشير إليه بالدخول إلى الطبيب. دلف يبحث عنها بعينيه. جلس بمقابلة الطبيب منتظرًا حديثه:
"المدام تعرضت للهجوم ودا واضح."
أشار أرسلان إليه بالصمت:
"عايز أعرف حالتها إيه، والجنين، دا اللي منتظره، مش منتظر تقولي عندها إيه."
"بس دي جناية ولازم…"
توقف بعدما فقد صبره وانحنى على مكتبه:
"أنا مبحبش أعيد كلامي. المدام والجنين كويسين ولَّا لأ."
طالعه الطبيب بتدقيق ثم أردف:
"أخدت أدوية تثبيت ولسة الحالة مش واضحة، يعني لسة فيه خطورة على وضع الجنين."
اعتدل ناصبًا جسده ثم أشار إليه:
"مش عايز اللي حصل يخرج برة الأوضة دي تمام يادوك، ولَّا نقول مع السلامة وشكر الله سعيكم."
هز الطبيب رأسه بالموافقة، فتحرك للخارج يسأل الممرضة:
"فين المريضة اللي كانت هنا؟"
أجابته برقم الغرفة، فتحرك متجهاً إليها. دلف بهدوء وجدها تغفو بسبب الأدوية. أشار للممرضة:
"عينك عليها، إياكي تتحركي من جنبها، ومش عايز مخلوق يدخل لعندها. أدويتها محدش يديهالها غيرك، أي غلط هنسفك. نص ساعة وأكون هنا، تراقبيها ممنوع تتحرك من مكانها."
قالها وتحرك مغادرًا المشفى بأكمله. وصل إلى منزل إسحاق دلف للداخل يبحث عنه:
"الباشا فين."
ارتبكت وابتلعت ريقها بصعوبة:
"نايم يابيه."
"نايم!" تمتم بها مستغربًا، ثم صعد إلى غرفته. دلف للداخل إلى أن وصل فراشه ينظر إلى نومه الساكن. كوّر قبضته يسب جدته:
"وصلت يا أحلام هانم تستخدمي الخادمة علشان مؤمراتك، طيب دا لما يعرف هيعمل إيه غير حاجتين، طلقة في راس أمه وطلقة في راس الخادمة."
استدار واتجه للأسفل ينادي عليها. توقفت بجسد مرتعش:
"استغنينا عن خدامتك، كلمي يحيى تاخدي مستحقاتك وتسيبي البلد دا لو عايزة تعيشي."
"ليه يابيه هو أنا عملت حاجة."
اقترب يحدقها بنظرات كالأسد المفترس:
"أنا هراعي خدمتك لإسحاق السنين دي كلها، علشان كدا هخليكي تمشي سليمة. أما بقى لو زهقتي من الدنيا وعايزة تموتي، خليكي لحد ما يصحى ويقرر يعمل فيكي إيه."
قالها وتحرك مرة أخرى متسائلاً وهو يصعد الدرج:
"المنوم مهمته قد إيه، هيفوق إمتى؟"
انسابت عبراتها متمتمة:
"هددوني بابني والله يابيه، قالوا هيموتوه لو معملتش كدا، وأنا قولت دا منوم بس يعني مش مضر على الباشا."
أشار بيديه وهو يواليها ظهره:
"برة مش عايز أشوف وشك."
استدار برأسه وما زال على وضعه:
"دي خيانة، بلاش أكملك."
عند يزن:
عاد إلى منزله ودلف بهدوء حتى لا يوقظ أخوته، اتجه إلى غرفته يضع أشياءه. استمع إلى طرقات على باب غرفته، علم باستيقاظ إيمان:
"ادخلي حبيبتي."
دَلفت مقتربة منه:
"اتأخرت ليه كدا، قلقت عليك."
وضع الأشياء بداخل درج مكتبه، وأغلقه قائلاً:
"كان عندي شغل كتير."
دققت النظر بعينيه ثم تساءلت:
"مها كانت عايزة منك إيه، وقفت معاها شوية وبعدين مشيت ومتكلمناش."
رفع رأسه وطالعها للحظات بصمت، ثم أردف:
"عايز أنام حبيبتي وبكرة نتكلم تمام."
أومأت واستدارت للمغادرة ولكنَّه أوقفها متسائلاً:
"فيه حاجة واقفة معاكي في أي مادة، لو محتاجة حاجة؟"
هزت رأسها بالنفي وتحركت للخارج. زفرة حادة أخرجها متألماً يمسح على وجهه بعنف، ثم تذكر كريم الذي هاتفه عدة مرات ولم يستطع الرد عليه.
"أيوة نمت ولَّا إيه؟"
اعتدل كريم على فراشه ينظر بساعته:
"إنت لسة صاحي، فيه حاجة ولَّا إيه؟"
اتجه إلى فراشه وتسطح عليه قائلاً:
"مفيش حاجة كنت قلقان ومجاليش نوم."
"نعم أنا رنيت عليك."
تنهد مجيباً:
"كريم التليفون كان صامت ماخدتش بالي."
"تمام هعمل مصدقك، المهم مها كانت عايزة منك إيه، عرفت إنها جاتلك."
أفلت ضحكة ساخرة وأجابه:
"عايزة تسيب خطيبها وبتقنعني نرجع لبعض."
"لا ياراجل، وإنت أكيد ضربتها قلمين على وشها."
"لا وافقت قولتلها لما تسبيه نتكلم."
هب من نومه معتدلاً:
"أكيد بتهزر يايزن، أوعى ياصاحبي اللي في دماغك، يزن إنت عندك أخت."
"كريم أنا تعبان وعايز أنام بكرة نتكلم."
قالها وأغلق الهاتف وجذب الغطاء وشبه ابتسامة ساخرة:
"بتعشقني الهبلة، أهو نستفيد منك، وأنا مخلص عملت إيه بإخلاصي."
ذهب ببصره على هاتفه، تناوله ينظر بمحادثات رحيل الغاضبة لاستقالته.
"شكلك كيوتي بس لازم أصطادك في سكتي، الكل لازم يدفع التمن."
"حد قال لكم تحبوني."
رفع الهاتف على أذنه. أجابته خلال لحظات تهدر معنفة إياه:
"بكرة أشوفك على مكتبك يايزن، سمعتني."
انحنى يجذب سجائره يستمع إلى صرخاتها بصدر رحب حتى هدأت. أخذ نفسًا ثم زفره بهدوء ينظر بشرود قائلاً:
"لما تكلمي يزن السوهاجي يبقى تكلميه بصوت واطي، مش أنا اللي أقبل بنت تعلي صوتها عليا مهما كانت هي مين، ثانيًا بقى أنا حر محدش له يجبرني على حاجة، أنا مبشتغلش عند حد وبالنسبة للكام سهم اللي معاكي أكيد نسبهم هتوصلني ماهو مش هتقبلوا تاخدوا حاجة من عرق حد، إلا إذا كنتم بتاكلوا حقوق الناس."
صدمات ألهمت حواسه تهز رأسها رافضة حديثه المهين الذي اخترق صدرها كالرصاصات. ابتلعت غصة أحكمت جوفها وأردفت:
"آسفة لحضرتك ياباشمهندس."
"ولا يهمك يا أستاذة رحيل."
قالها وأغلق الهاتف ولم يعطها فرصة الرد.
عند إيلين بشقة رؤى:
كانت تجلس بشرفة غرفتها تحتسي مشروبًا. فتحت جهاز رؤى المحمول وقامت بمهاتفة خالها:
"خالو حبيبي."
هب من مكانه يجيبها بعتاب:
"كدا يا إيلين، دي مكانة خالك عندك يابنتي، تسيبيني بيت خالك كدا؟"
ارتفعت شهقاتها قائلة:
"مش هرجع غير لما آدم يطلقني، لو عايزني بجد أرجع لعندك خليه يطلقني، مبقتش قادرة أتحمل وجوده جنبي."
"طيب حبيبتي تعالي ووعد مني هخليه يطلقك."
أطبقت على جفنيها، وبصوت مفعم بالبكاء ورعشة أصابت جسدها تمتمت:
"يطلقني الأول يا خالو، لو سمحت، وعايزة من حضرتك تشوفلي شقة أقعد فيها، علشان أنا قاعدة مع صاحبتي ومينفعش أقعد معاها أكتر من كدا."
نهض متحاملاً على نفسه، بعدما أصابته وعكة صحية من اختفائها:
"كدا يا إيلين تسيبي بيت خالك وتروحي للغرب."
أجهشت روحها بالبكاء وهي تقص له معاناة قلبها:
"إزاي عايزني أصبر على وجع قلبي، ابنك استضعفني يا خالو، أنا كرهت نفسي بسببه، أنا بكرهه وبكره كل حاجة بتعلقني بيه."
تعالت شهقاتها تخرج قيح آلامها.
"طلقني منه يا خالو لو عايزني أرجع بجد."
قالتها وأغلقت الهاتف. ظل بمكانه ينظر إلى الهاتف الذي أغلق للتو، ثم تحرك للخارج يبحث عن ابنه. قابلته مريم:
"خالو مفيش أخبار عن إيلين؟"
مسد على وجهها مجيباً:
"هترجع بكرة، اجهزي حبيبتي علشان تسافري لجوزك، كفاية عليكي كدا."
فتحت فمها للاعتراض ولكنَّه أوقفها:
"إيلين هترجع، متخافيش عليها."
باليوم التالي دلف إلى شقته يبحث عنه وجده جالسًا بالشرفة ينظر للخارج بشرود وكأنه لم يشعر بما يدور حوله. نظر إلى سجائره الذي استهلكها، ثم اقترب منه وجذب المقعد وجلس بمقابلته:
"جاهز؟"
رفع عينيه المتألمة إلى والده:
"مفيش حل غير دا؟"
"آدم إنت كنت رافض الجوازة من الأول، وبدل مراتك مصرة تيجي مصر، يبقى لازم تطلق إيلين، وتبعد مراتك عن القاهرة. أنا مش عايز أتعرف عليها، وزي ما اتجوزت من غير علم أبوك، ميهمنيش أعرفها أو أشوفها."
نهض من مكانه وأشار إليه:
"قوم اجهز."
"إيلين هتستنانا عند المأذون، ومش هنبه عليك إنك تعمل حاجة، وقتها هتبرى منك يابن زين."
بعد فترة كانت تقف بجوار رؤى أمام المكتب الذي سيتم به الخلاص من معذب قلبها.
"وبعدهالك يا إيلين، ليه مصرة على الطلاق، اديله فرصة."
زفرت الهواء المكبوت بصدرها علَّها تتغلب على نوبة البكاء التي تحتجز تحت أهدابها. ابتعدت عنها قائلة:
"لو قريبك الظابط وافق يخرجني برة مصر كنت هفضل على ذمته فترة كمان، بس دا رفض وكمان هددني إنه يبلغ جوزي."
رفعت عينيها إليها:
"تصدقي محبتوش، واخد في نفسه مقلب، لا وإنتِ أقنعتيني إنه هيوافق وهيكون سهل يخرجني."
تصلبت تعابير وجهها وتابعت حديثها:
"الرجالة كلهم كدا، عايزين الست الطيبة اللي تطبطب، معرفش ليه أخد مني موقف عدائي، علشان طالبت بحقوقي."
اقتربت رؤى منها تربت على ظهرها:
"إلياس مش زي ما إنتِ مفكرة، هو رافض فكرة هروبك من جوزك، قال مينفعش أساعد على الغلط وهو عنده حق يا إيلين، ومتنسيش إنه راجل مش هيقبلها على مراته."
بتر حديثهم وصول سيارة زين التي توقفت بجوارهم. كان بالسيارة طالعًا بصمت وهناك حرب من النظرات بينهم. ترجل من السيارة وما زالت عيناه تحرق وقوفها. سحبت بصرها متهربة من نظراته الاختراقية. تحرك من جوارها دون حديث أراد أن يرضي غروره الذكوري الذي دعست عليه بكل جبروت.
"دكتور آدم."
توقف على صوت صراخها باسمه. ظل كما هو واقفًا صلبًا متجمدًا لا يلتفت إليها حتى وصلت وتوقفت بمقابلته، ورفعت رأسها بعنفوان وتمتمت بنبرة جافة:
"عايزة طلقة بائنة، ومتنازلة عن جميع حقوقي كأنك مامرتش في حياتي."
كلمات كأشواك غرست في جدار قلبه. رفع عينيه حتى تقابلت الأعين بحديث أنين القلوب فهتف قائلاً:
"إنتِ طالق يا إيلين، وورقتك هتكون عندك في أقرب وقت."
قالها ورفع عينيه لوالده:
"هدخل للمأذون وأوثق الطلاق، يارب أكون أديت المهمة على أكمل وجه ياباشمهندس."
أحست ببرودة تتسرب لجسدها من نيران كلماته، وتلاشى تنفسها وكأن تلك الكلمة طلقة أصابت قلبها حتى سحبت روحها لبارئها. حاولت التمسك أمامه حتى لا تذرف دموع ضعفها على حب قُتل قبل أن يحيى.
مر أسبوع على أبطالنا:
عند إسحاق دلف إلى المشفى لرؤية زوجته التي حجزت بالمشفى لمخاطر الحمل. دفع الباب وابتسامة واسعة على وجهه.
"أنا جيت."
ولكنه توقف عندما وجد فراشها خالياً. دلف إلى المرحاض يبحث عنها ولكنها غير موجودة. خرج خارج الغرفة يستدعي الممرضة:
"مدام دينا فين؟"
"مدام دينا تعبت بالليل يافندم والجنين نزل، وهي عملت مغادرة من المستشفى من نص ساعة."
لطمة قوية على وجه الممرضة، وبدأ يصرخ بالموجودين. هرول إلى كاميرات المشفى، ليصل كيف خرجت من المشفى، ولكنها أخذت احتياطاتها. غادرت دون أن تترك خلفها ما يساعده بالوصول إليها.
ساعات جحيمية مرت عليه وهو يبحث عنها بجميع الأماكن التي تستهدفها. دلف أحد الرجال وجسده يرتعش من حالة إسحاق، جالسًا على مقعده يحتوي رأسه بين راحتيه:
"مفيش أي أخبار ياباشا، وصورتها باسمها عند كل المداخل والمخارج."
"شوف أرسلان رجع من السفر ولَّا لسة."
أومأ وتحرك هاربًا من قبضته الفولاذية. اعتدل بعد خروجه ثم رفع هاتفه:
"أحلام هانم خرجت؟"
"لا ياباشا، زي ما حضرتك طلبت."
أغلق الهاتف وعيناه تحولت لكتلة نارية يهمس بفحيح:
"كنت عارف مش هتشكي، بس متوقعتش إنك لسة بالخسة دي يا أحلام هانم."
استمع إلى رنين هاتفه:
"أيوة يافاروق."
"عدِّي عليَّ يا إسحاق، عايزك ضروري."
"بعدين يافاروق، عندي شغل في الإدارة وكمان في الجهاز."
"أنا مستنيك يا إسحاق، نص ساعة وتكون عندي."
قاطعه دخول المسؤول عن مكتبه:
"فيه هانم برة عايزة تقابل حضرتك ياباشا."
أشار بيديه ينظر إلى بعض الأوراق يهرب بها من ضعفه.
"مش فاضي مش عايز أقابل حد."
ارتجف الرجل قائلاً:
"هي مصرة حضرتك، وبعدين دي مرات الباشا مصطفى السيوفي."
رفع عينيه يطالعه مستفهماً:
"ودي عايزة إيه."
أشار له بالموافقة.
"دخّلها وقول لها الباشا عنده اجتماع بعد عشر دقايق."
دَلفت فريدة وعيناها على جلوسه المهيب رغم صغر سنه. ألقت التحية وحاولت أن تسيطر على ارتعاشة جسدها.
"أهلًا مدام فريدة."
قالها وهو ينظر بالبطاقة الخاصة بها. جلست بمقابلته تومئ برأسها:
"أهلًا بحضرتك. آسفة أخدت من وقت حضرتك، بس الموضوع مهم."
تراجع بجسده يضغط على زر مكتبه:
"تشربي إيه؟"
هزت رأسها بالنفي:
"ولا حاجة. أنا بس عايزة من حضرتك حاجة مهمة."
طالعها بتدقيق منتظرًا حديثها. رفعت رأسها لتتقابل بعينيه التي تختلط بالحزن والألم لكليهما. حمحمت وحاولت النطق، ولكن لم تقوَ على مخارج الحروف. أطبقت على جفنيها تسحب نفسًا وهو يراقب تعابيرها، ثم نهض من مكانه وجذب كوبًا من المياه، وبسط يده:
"اتفضلي، شكل الموضوع اللي حضرتك قصداني فيه صعب أوي."
أبعدت عن ذهنها خواطرها المؤلمة وجمعت شتات نفسها هاتفة دون تردد:
"الموضوع يخص ابني."
"ابنك!" ردَّدها وما زال يتابعها بعينيه الصقرية، استند بذراعيه على المكتب متسائلاً:
"قصدك إلياس؟"
تأملته لبعض اللحظات ثم نطقت كلماتها التي حوّلته إلى بركان كاد أن يحرقها حينما أردفت:
"أرسلان."
صدمة. ذهول يطالعها وكأن أحدهم صعقه بصاعق كهربائي لينتفض جسده من شدة ما أصابه. انعقد لسانه وتاهت المفردات وكأنه فقد جميع حواسه. لحظات مرت كسبعين خريفًا، ظل تتابعه بعينيها ثم استطردت:
"أرسلان الجارحي ابني، بيكون اسمه: جمال جمال الشافعي."
كلمات اخترقت أذنه كصدى صوت عويل رعد مما أصابه بالصمم. تجمد جسده وهي تتابع كلماتها التي سحبت أنفاسه:
"ابني اتخطف من تلاتين سنة، معرفش حضرتك لقيته فين، بس كل اللي أقدر أقوله لحضرتك، إنك ربيت راجل ومتشكرة جداً جداً ومهما أشكرك مش هقدر أرد جميلك، بس كنت عايزة أعرف حضرتك اِتبنيته زي ما غيرك اتبنى أخوه ولَّا إيه ولمَّا إنتوا اتبنتوه ليه نسبتوه لعيلتكم. رغم إنه عاش حياة بمستوى راقي بس هويته الحقيقة اندفنت معاه."
قالتها بمرارة والدمع يتساقط من عينيها. شحب وجهه بالكامل كالجثة التي زهقت روحها. لم يعلم بما يجيب، كم هو مؤلم هذا الشعور الذي تعجز عن وصف مابداخلك أثناء سرق كل ما تمتلك. نعم اعتراف بداخله أن أرسلان امتلاكه الخاص حتى ولو نُسب إلى أخيه، ولكنَّه ابنه هو فقط. سنين حب وحنان واحتواء كيف بتلك السهولة أن يتخلى عنه. هل جُنّت هذه المعتوهة لتأتي إلى هنا لتسرق فرحة قلبه. رسم ابتسامة باردة وطالعها بعينين خاليتين من أي شعور قائلاً:
"هو حضرتك مريضة ولَّا إيه، أرسلان مين اللي ابنك، مع احترامي لسيادة اللواء إلا مش من حقك تيجي وتوقفي قدامي وتتبلي على ابني، لو سمحتي يامدام أنا هعذرك علشان شكلك مضيعة ابنك بس حقيقي كان نفسي أساعدك."
هبّت من مكانها كالملسوعة، وضربت بقوة على مكتبه حتى تناثرت أشياءه:
"حضرتك متفكرش إني هصدق كلامك دا، أنا عايزة ابني. وجيت لحضرتك قبل ما أتكلم مع أرسلان، فيا ريت حضرتك تحترم عقلي وتعرف أنا مش هاجي وأقف قدامك إلا إذا كنت واثقة من كلامي."
أحس بقبضة قوية تعتصر فؤاده، وتسربت الريبة من حديثها الواثق. ابتلع ريقه الجاف بصعوبة، ونهض من مكانه ثابتًا وكأن حديثها لا يهمه، ثم دس كفوفه بجيب بنطاله وتحرك إلى أن وصل إليها:
"أنا لسة بتكلم معاكي بهدوء احترامًا لسيادة اللواء وغير إن أرسلان صديق للعائلة."
غرست عينيها بمقلتيه بعدما علمت بأسلوبه الماكر واقتربت منه خطوة حتى لم يتبق بينهما سوى خطوة واحدة وأردفت:
"أنا عملت تحليل DNA ياسيادة العقيد وأرسلان ابني، متخلينيش أخده بالغصب."
أشار إليها على باب الغرفة:
"روحي خديه، مش إنتِ واثقة إنه ابنك وجاية تسبّي في شرف عيلة الجارحي، عايزك تروحي لأكبر قسم شرطة وبلغي علينا وقولي إحنا خطفنا ابنك يامدام، واثبتي براحتك."
اقترب الخطوة التي تفصلهما وانحنى يهمس بصوت خافت:
"احمدي ربنا إنك مرات سيادة اللوا، غير كدا مكنتش خليتك واقفة على رجلك، ودلوقتي الزيارة انتهت يامدام."
قالها وهو يضغط على زر مكتبه ليدلف الرجل، فأشار إليه:
"وصل المدام شكلها تاهت في الطريق."
اشتعلت حدقتاها كجمرات ملتهبة فأشارت بسباتها:
"جيت لك ياسيادة العقيد بس حضرتك طلعت ظالم مش زي ما أرسلان قال، ياخسارة مش هقول غير حسبي الله ونعم الوكيل. بس أنا مش هتنازل عن ابني."
قالتها وتحركت تأكل الأرض بخطواتها تهمس لنفسها:
"اجمدي يافريدة، لازم ترجعي ولادك محدش هيساعدك كلُّه هيقول يارب نفسي، حتى مصطفى اللي فكرتي إنك بتتسندي عليه طلع وهم."
اصطدمت بأرسلان الذي دلف من باب المكتب، ليتوقف مذهولاً:
"طنط فريدة؟"
وصل إسحاق إليهما بخطوة واحدة بعدما استمع إلى صوته بخارج الغرفة:
"أرسلان، عايز دينا من تحت الأرض يالا بسرعة مفيش وقت."
رفع نظره إلى فريدة:
"طنط فريدة عندنا ليه خير، وأنا بقول المكتب منور ليه."
ربت على كتفه ينظر إلى فريدة التي تطالعه باشتياق، بعيون مترقرق بالدموع. قاطع وصلة نظراتها حينما أردف:
"يالا حبيبي عايزك تجيب دينا من تحت الأرض."
قالها وعيناه ما زالت على فريدة التي اتجهت ترمقه شزرًا.
"حاضر ياعمو بس أعرف طنط فريدة مالها."
"حضرتك كنتي بتعملي إيه هنا، لو عايزة أي مساعدة."
فتحت فمها للحديث ولكن إسحاق صاح بغضب:
"أرسلان أنا مع فريدة هانم، كانت جاية لمشكلة ولقيناها تافهة مش محتاجة مساعدة، لأنها ممكن تخسر كتير."
سحبت أقدامها وتحركت بأنين دون حديث لأنها علمت أنَّها أمام رجل لا يستهان به.
"عمو في إيه."
"بيت السيوفي وابن السيوفي تنساه ودا آخر علاقتي بيك، ياهمَّا يا أنا."
قالها وتحرك للخارج. توقف يراقب تحركه الجنوني بصدمة يكرر كلماته:
"يعني عايز يقطع علاقتي بإلياس. معقولة، وليه، ياترى طنط فريدة عملت إيه يخليه ياخد موقف عدائي كدا. لا لا لازم أعرف."
اتجه إلى سيارته سريعًا، واستقلها وقام بمهاتفة إلياس:
"إنت فين؟"
كان واقفًا أمام المرآة يتجهز لسهرته الخاصة مع زوجته فأجابه:
"ليه فيه حاجة ولَّا إيه؟ عايز أشوفك دلوقتي."
أمسك زجاجة عطره ونثر بعضها ينظر بالمرآة قائلاً:
"لا الليلة مش فاضي، ممكن بكرة تعدِّي عليَّا."
"بس عايزك في موضوع مهم وضروري."
قطب مابين جبينه متسائلاً:
"خير حاجة بخصوص إيه."
نظر أرسلان إلى اسم زوجته الذي أنار شاشة هاتفه فأجاب:
"تمام بكرة هعدي عليك."
عند غرام:
كانت تحتضن أحشاءها تبكي بشهقات حينما فقدت القدرة على النهوض. رفعت هاتفها للاتصال به:
"حبيبتي أنا هنا في مصر، شوية وأكون في الفيلا وحشتيني."
"بسرعة يا أرسلان، أنا تعبانة، وبنزف. كنت حامل الحقني."
توقف بالسيارة فجأة حتى اصطدم بالمقود يتساءل بصدمة شلت أعضائه:
"حامل ونزيف. تمام تمام."
ارتجف جسده بالكامل وفقد السيطرة على خوفه، أمسك الهاتف بيد مرتعشة وهاتف والدته:
"ماما."
"غرام اطلعي عندها بتنزف وبتقولي كانت حامل، إزاي مراتي تتعب ومحدش يحس بيها ياماما."
نهضت صفية متعجلة بخطواتها:
"حاضر ياحبيبي، أنا طالعة أهو، بعتلها ملك قالت عايزة تنام."
صرخ بالهاتف وهو يقود السيارة بسرعة جنونية:
"الحقيها ياماما، الحقي ابني لحد ما أوصل، وهبعت للدكتور."
عند إلياس:
انتهى مما يفعله، جذب ساعة يده وارتداها متحرِّكًا إلى زوجته. دلف للداخل يبحث عنها:
"ميرال خلّصتي."
خرجت من غرفتها بأناقتها بردائها الأحمر الفضفاض وحجاب باللون الأبيض ولمسات تجميلية خفيفة على وجهها الناعم. خطا إلى أن وصل إليها. رفع ذقنها بأنامله:
"كنت عارف إن الحجاب زينة الست، بس مكنتش أعرف إنه هيخليها ملكة متوجة كدا."
ابتسمت وتوردت وجنتيها:
"ميرسي يا إلياس."
حرّك أنامله على شفتيها المطلية باللون الأحمر القاني، الذي جعلها أيقونة للتذوق، لينحني بعدما فقد قدرته على التخلي عن تذوقها. لحظات مرت ناعمة وهو يتذوق شهدها ثم تراجع برأسه يزيل الباقي بإبهامه.
"كدا أحسن، ليه الروج ونكون ملفتين لغيرنا، دا يتحط ليا بس غير كدا لا."
ضربت قدمها بالأرض تشير على شفتيها:
"كدا بوظت الدنيا، إزاي أخرج من غيره بس."
وصل إلى المرآة وتناول إحدى المحرمات الورقية المبللة وقام بإزالته بالكامل:
"كلمة كمان وهضربك بالقلم على وشك، دا يتنيل يتحط في البيت، ويالا ولَّا أرجع في كلامي."
طالعته بنظرات متلألئة بالدموع ثم تحركت من أمامه دون حديث. ركل المقعد يسبها بداخله، قابلتهما فريدة التي دلفت بعيون حزينة. توقفت أمام ميرال حينما وجدت عيناها تلمع بالدموع:
"مالك حبيبتي."
عانق كفها ورسم ابتسامة أمام فريدة:
"هبات في بيتنا الليلة، متعملوش حسابنا."
قالها وسحبها متحركًا للخارج. توقفت تراقب تحركهم متمتمة:
"ربنا يهديك يابن جمال، شكلك عنيف وتاعب البنت معاك، معرفش جايب القسوة دي منين."
"كنتي فين؟"
تساءل بها مصطفى الذي خرج من مكتبه. طالعته بصمت لدقيقة ثم اقتربت منه:
"طلقني يامصطفى، الولاد كبروا ومبقوش محتاجيني، عايزة أرجع ولادي لحضني، إلياس لازم يعرف أنا أمه وإنت خايف على نفسك، أنا بقى مفيش حاجة أخسرها، عايز تعرف كنت فين ولَّا الأخبار عندك."
أطبق على ذراعها بقوة يهزها بعنف:
"مفيش حد هيموت ولادك غيرك يامدام فريدة، إلياس من وقت ما رحتي لراجح وبغبائك سلّمته ابنك على طبق من دهب، باعت ناس ماشيين وراه في كل مكان، افرحي بقى لحد ما يرجع لك مقتول، حاولت أفهمك دول تبع تنظيم إرهابي عالمي محدش قادر عليهم وفي أقرب وقت حد فينا هيصفوه علشان مدام فريدة ترتاح."
"أنا عايزة أطلق يامصطفى، كلامك مبقاش مؤثر معايا. طلّقني وبس."
شهقة خرجت من أحدهم وسقط ما بين يديه حتى تناثر محدثًا صوت، لتستدير للخلف لتجد غادة تتراجع بجسدها الذي ارتجف بشدة وعينيها التي أصبحت كالشلال، مما جعلها تفقد الحركة لتهوي على الأرضية تحتضن ركبتيها وتهز رأسها بعنف.
عند إلياس:
ترجل من السيارة واتجه إليها يساعدها بالنزول. لمح أحدهم من خلال المرآة. ابتسامة ساخرة وهو يسحب كفيها ودلف للداخل يعرف عن نفسه ورقم حجزه. كانت تتحرك بجواره لا تعلم أسعد على اهتمامه أم تحزن على قسوته. حاوط خصرها وتحرك إلى طاولتهم المحجوزة بمكان هادئ على النيل. جذب المقعد وأشار إليها بالجلوس. لاحت نظرة سريعة بالخارج. رفع هاتفه:
"ممنوع حد يقرب من العربية، اللي يقرب منها أقتله."
قالها وأغلق الهاتف. ضيّقت عينيها واقتربت تستند على الطاولة:
"دا إيه الدم الشربات دا، علشان حد يقرب من عربيتك تقتله، أومال لو خطفها هتبعته جهنم."
جزَّ على أسنانه قائلاً:
"ميرو حبيبتي، خليكي في أخبارك الفاشلة، هي عربيتي ولَّا عربيتك."
وصل النادل لطلب الطعام. غمزه إليها:
"إيه عايزة محشي."
كبحت ضحكاتها مبتعدة بنظراتها عنه. طلب الطعام ثم أشار إليها:
"هتاكلي إيه."
ابتسمت قائلة:
"من اللي إنت هتاكله."
أشار للنادل بالتحرك. ثم تابعها بعينيه وهي تنظر إلى النيل. بسط كفيه يلمس كفيها التي تضعه على الطاولة. طالعها بابتسامة قائلاً:
"الليلة هكون ملكية خاصة لحضرة جناب الصحفية، أي حاجة نفسك فيها تحت أمرك."
انفرج ثغرها الرقيق بابتسامة كوردة ندية:
"أي حاجة أي حاجة."
أومأ بعينيه:
"ملكك واللي تؤمري بيه."
نبرة شجية ذبذبت كيانها لتجيبه بصوتها الرقيق:
"بس إنت ملكي من زمان."
استمع إلى الموسيقى وتوقف يغلق حلته ويبسط كفيه إليها يسحبها للرقص. حاوط خصرها ورفع يديها لتعانق رقبته، وباليد الأخرى تضعها على موضع نبضه ويتحركا على الموسيقى الهادئة.
"عايزة أرقص معاك كدا للصبح."
"أمم للصبح بس دا في بيتنا، علشان أعرف آخدك في حضني وأستمتع بيكي كويس."
خدّر جسدها بكلماته التي أسكرتها كالخمر الذي يغيّب العقل، فاقتربت تضع رأسها على صدره موضع نبضه وأغمضت عينيها تستمتع بنبض قلبه تحت رأسها. حاوط خصرها والسعادة ترفرف حوله كالفراشة. دقائق من الصمت وهما يتراقصان على النغمات الرومانسية. همسة ضعيفة أخرجتها من حالتها. لتعتدل يشير إليها بالتوقف:
"الرقصة خلصت والأكل جه."
تحركت إلى الطاولة وقلبها يتراقص بحبور من السعادة. بعد فترة من تناولهم الطعام.
"بحب الموسيقى دي ينفع نرقص عليها ولا هتقول كفاية رقصنا مرة."
صمت ينظر حوله، بدأ المطعم بالهدوء، فلا يدخله سوى الطبقة الراقية. تنهيدة عميقة ليتوقف بعدها وأشار إليها بالوقوف. تحركت معه إلى ساحة الرقص وهي تتدندن كلمات الأغنية وتتراقص بهدوء. ابتسم عليها:
"متجوز عيلة."
رفعت حاجبها ساخرة ثم أردفت:
"تعرف في الشغل مش مصدقين إنك جوزي."
"يابنتي المفروض تبقي فخورة من مجرد إنك مراتي."
ابتسمت تراقبه بعينيها:
"أيوة أيوة ما أنا فخورة أهو ومن كتر افتخاري طولت اتنين متر."
"تريقة دي، شامم ريحة تريقة."
استدار وهو يلف بها، ثم جذبها إليه مرة أخرى:
"لا ياحبيبي مش تريقة هو في حد يعرف يتريق معاك، إنت أخرك ابتسامة صفرة."
توقف عن الرقص، وتقدم بخطوات ثابتة، يسحب كفيها:
"طيب يالا مفيش سهرة، وهعرفك الضحكة الصفرة."
خطا بخطواته الواسعة يسحبها خلفه وهي تنهره محاولة الفكاك من قبضته، ولكن قبضته كانت كالأصفاد الحديدية. توقف على صوت أحدهم:
"ميرال."
التفتت إلى مصدر الصوت الذكوري، ترك كفها مع اقتراب أحد الأشخاص الذي ابتسم يبسط كفه:
"مصدقتش عيوني، مين ميرال لبست حجاب، لا الصراحة، صاعقة كبيرة."
قالها وهو يعانق كفها وتابع حديثه:
"فينك يابنتي وحشتيني زعلت لما عرفت إنك سبتي الجريدة."
استند على السيارة عاقدًا ذراعيه بعدما نسيت وجوده وبدأت تتحدث مع ذاك الشخص، مما جعله أن يتحرك إلى السيارة واستقلها عائدًا للخلف واستدار مغادرًا المكان دون التفوه بحرف. جحظت عيناها من فعلته، وعلمت أن الليلة لن تمر مرور الكرام. توقفت سيارة الحراسة أمامها.
"استقلتها بصمت تام، وهي تحاول مهاتفته عدة مرات ولكنَّه لم يجب عليها."
هتفت إلى السائق:
"وديني للباشا."
بسيارة إلياس. نظر للطريق بغضب جحيمي، وعيناه تخرج نيران يريد أن يحرق ما يقابله. كلما تذكر اقتراب أحدهم ولمسها. لمح السيارة التي تراقبه منذ فترة، طرق على المقود وعقله يتحرك بكافة الاتجاهات، حتى غيّر مساره واتجه إلى مكتبه.
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سيلا وليد
“اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك ”
“وكانت تناديه حين يُبكيها : يا ندبة القلب، يا جُرحي الذي لن يندمل، وحين يُضحكها : يا لون السماء إذا أتىٰ ربيعها، وبهجة الأرض بالمطر! كان رجلاً واحداً؛ وتحوَّلت في حبِّه لأكثر من امرأة كي تجاريه، كي تحتمل وتستقبل سعادتها به وحزنها منه في آنٍ واحد..
فـ كم هي قاسية التراكمات التي تجعلنا نقسو رغمَ حنانِنا وننطوي على أنفسنا رغمَ حاجتنا للآخرين ونصمُت رغمَ تَكَدُّس الكلمات في صدورنا
كم هي قاسية التراكمات التي تُجبرنا على أن نبدو غير حقيقتنا
لا عُذرَ يقنعُني … بأنّك … مُجبَرٌ
في الحُبِّ لا تجدي معي الأعذارُ
دارت بنا الدُنيا وأنت تركتني
وغـداً بها تتـبدل … الأدوار
رفرفت بأهدابها الكثيفة، ثمَّ فتحت عيناها بتمهُّل، لتقعَ على وجههِ القريب وهو يغفو بنومهِ الثابت، كالذي لم ينم منذ فترةٍ طويلة..ظلَّت تطالعهُ لبعضِ الوقتِ وذكرياتُ ليلةِ الأمسِ تمرُّ أمامَ عيناها..ابتسامةٌ خجلةٌ حينما تذكَّرت تحرُّرهِ لأوَّلِ مرَّةٍ معها ليظهرَ الشخصُ العاشقُ الذي تمنَّتهُ منذُ سنوات..رفعت أناملها تمرِّرُها على وجههِ بهدوء، وكأنَّها نحَّاتٌ ليرسمَ ملامحه..دنت تستنشقُ رائحةَ أنفاسهِ بتلذُّذٍ مغمضةَ العينين.
فتحَ عينيهِ حينما شعرَ بحركةِ أناملها فوقَ وجهه، ابتسامةٌ أنارت وجهه، ليمرَّرَ أناملهِ على جسدها، تراجعت فزعةً مع قهقهاتٍ وهو يجذبها لأحضانه:
-إيه دا ياإلياس خضِّتني..قرَّبها إليهِ بحنانِ ذراعيه:
-سلامة قلبك من الخضَّة ياميرو.
لمعت عيناها بالسعادةِ تتمتم:
-أوَّل مرَّة من وقتِ مااتجوِّزنا، يبقى صباحنا حلو كدا، تعرف اتمنِّيت تكون كدا من وقتِ مااتجوِّزنا، أصحى من النوم وتقولِّي صباحك ورد ياحبيبي.
مرَّرت أناملها على وجههِ وتابعت حديثها:
-عايزة ولد يكون شبهك..ابتسمَ على مداعبتها وأردفَ مجيبًا:
-مابلاش شبهي، علشان لمَّا يكبر مايلقيش اللي يزهَّقه في عيشته، وكلِّ شوية تتنطَّط عليه وخصوصًا لو كانت حلوة زيك..
جملةٌ أشعلت قلبها بعشقه، ليزدادَ النبضُ داخلَ صدرها، دنت منهُ ودفنت رأسها بأحضانهِ تتمتم:
-حرام عليك ياإلياس بجد، ليه تعمل فيَّا دا كلُّه، يعني أقول فيك إيه دلوقتي مش قادرة أزعل منَّك..سنين عذاب وفراق وبس ليه علشان حضرتَك قرَّرت تعاقبني وتعاقب نفسك لأوهام في عقلك..لو بس إدِّيت لقلبك فرصة وجيت ووقفت قدَّامي وسألتني، حتى لو مسألتش، لو بصيت في عيوني كنت عرفت قدِّ إيه بموت من نظراتك اللي بتقهرني، لو كان بإيدي كنت رميت نفسي في حضنك وقولتلَك كفاية وجع وفراق..
مسَّدَ على ظهرها فلقد فتحت كلماتها أبوابَ قلبهِ الموصدة التي أتقنَ بإخفائها لسنوات..
-ميرال عندي أسبابي، وبعدين كنت إتجوزي حد قالِّك تستني دا كلُّه..
اتسعَ بؤبؤُ عينيها، وشعرت بصقيعٍ بكافةِ أجزاءِ جسدها..
-بجد يعني مكنشِ هيفرق معاك؟!..
-يفرق معايا، ليه..واحدة كلِّ شوية تتنطَّط من هنا لهنا مع واحد شكل، أزعل عليها ليه وهي دايسة بالقوي..
رفعت رأسها واغروقت عينيها بماءِ الندمِ قائلة:
-مكنتش قاصدة أزعَّلك أو أقلِّ منَّك أبدًا، أنا كنت طالبة منَّك تديني أهمية حتى لو بسيطة، بس إنتَ كنت قاسي أوي، وكلِّ اللي عليك إنِّي متخلفة ومبفهمش، تعبت أوي وتعبتني معاك،
كنت مفكَّرة لمَّا أعمل كدا أحرَّك قلبك، بس كنت غلطانة..
اعتدلَ على الفراشِ يجذبُ ثيابهِ ورمقها بنظرةٍ جانبية:
-ميرال إنتِ جاية تتكلِّمي في الماضي ليه، إحنا اتجوزنا دلوقتي، وإنتِ حامل، ادفني الماضي، علشان لو فتحته هضايقِك صدَّقيني وهتطلعي خسرانة، مش عايز أفتكر غير إنِّك مراتي وحبيبتي وبس دلوقتي..نهضَ من فوق الفراشِ واتَّجهَ إلى الحمامِ قائلًا وهو يواليها ظهره:
-قومي اجهزي علشان هنخرج..
تنهيدةٌ عميقةٌ أخرجتها بحزن، فمهما يحدث سيظلُّ كما هو، وضعت كفَّيها على أحشائها تكلِّمُ جنينها:
-شوفت بابي دايمًا قاسي على مامي، يمكن لمَّا تيجي قلبه يحنِّ شوية..
استمعَ إلى حديثها بابتسامةٍ عريضة، ليلتفتَ ينظرُ إليها وهي تكلِّمُ جنينهما، هزَّ رأسهِ ومازالت ابتسامةٌ تُرسمُ على محيَّاه، تحرَّكَ دون حديث..
بعدَ فترةٍ انتهت من ارتداءِ ثيابها، دلفَ يبحثُ عنها وجدها ترتدي حذاءها، أوقفها وهو يحملُ صندوقٌ ورقيٌّ مزيَّن،
ضيَّقت عينيها متسائلة:
-إيه دا..سحبَ كفَّها واتَّجهَ بها إلى المقعد:
-اقعدي علشان أشوفه كدا ..نظرَت للذي بيديهِ وهو يقومُ بفتحها، دقيقةٌ وانتهى من فتحها ليخرجَ حذاءً رياضيًا خفيفًا، جلسَ أمامها على عقبيه، ثمَّ رفعَ قدمها وألبسها إياهُ وسطَ ذهولها..رفعَ رأسهِ مبتسمًا:
-شكله حلو على رجلك، بلاش من الكعب علشان ميتعبكيش في الحمل..
استندت على كتفه، للحظات ثم توقَّفت تنظرُ إلي خطواتها تضحكُ بصوتٍ مرتفع، وأشارت على نفسها:
-ألبس أرضي، عمري ما فكَّرت فيها..
مطَّ شفتيهِ يطالعها بنزق، ثمَّ اقتربَ يجذبها من خصرها:
-مش عايز تريقة، كعب مش هتلبسيه، ممكن يتعبك أو توقعي وإنتِ ماشاء الله عارف حركاتك الهبلة..
ابتعدت عن أحضانهِ وزفرت بغيظ من كلماتهِ وأردفت ممتعضة:
-لا متخافش على ابنك هحميه ومش هأذيه أكيد، الأرضي دا معرفشِ أمشي بيه ومتحاولشِ تقنعني..
اتَّجهَ إلى نظارتهِ وهاتفهِ وسحب َكفَّها متَّجهًا للخارج:
-مين قالِّك إنِّي بقنعك، أنا بقولِّك البسيه، مش باخد رأيك..توقّّفت تسحبُ يديها، وحرَّرت نفسًا ناعمًا، وهي متخصِّرة:
-وبعدهالك ياإلياس، إنتَ كدا هتكرَّهني في الحمل، لسة يادوب عرفت إمبارح، وبدأت تحطّ قوانين أومال لمَّا يعدي كام شهر هتعمل إيه، أنا مش عايزة أغيَّر حياتي علشان الحمل..
انعقدَ لسانهِ من حديثها، فاستدارَ متحرِّكًا للخارجِ قائلًا:
-مش هنتظر كتير، العربية وصلت برَّة، ياإما نرجع مصر، توقَّفَ واستدارَ إليها:
-متخلنيش أندم على حبِّك ياميرال، وأنا مستحيل أذيكي، ومفيش حدِّ هيخاف عليكي قدِّي، ياريت تفهمي دا..
وصلَ إلى السيارة يتوقَّفُ مع الرجل الذي قامَ باستئجارها له..استقلَّها وجلسَ ينتظرها، فتحت البابَ وجلست بجوارهِ دون حديث، وصلَ إلى أحدِ المطاعمِ المشهورةِ بذاك المكان لتناولِ الطعام، ثمَّ توقَّف:
-قومي نتجوَّل شوية فيه أماكن كتير حلوة هنا، وشلالات هتغيَّر مزاجك..
نهضت دون حديثٍ وتحرَّكت بجواره، ووجهها عبارةً عن لوحةٍ من الألمِ والحزن..حاوطَ جسدها يضمُّها إلى صدرهِ ثمَّ طبعَ قبلةً فوق رأسها:
-متزعليش مني، بس أنا بعمل الصح، وتعرفي لبس الكعب اللي بيعمل صوت حرام أصلًا، ..رفعت رأسها قائلة:
-إزاي يعني حرام، عادي دا بيكون للأناقة؟!..
ابتسمَ وضمَّها بقوَّةٍ قائلًا:
-حبيبي اللي مش عارف حاجة في دينه غير أنُّه مسلم بس، أعمل فيكي إيه، دا حتى لبس الحجاب جنِّنتي أبويا نفسه فيه.
-واللهِ عمُّو مصطفى عاقل إنتَ اللي مجنون مش هوَّ..
قهقهَ بصوتٍ مرتفع، ونظرَ حولهِ يجذبُ رأسها إلى صدرهِ ولفَّ ذراعهِ حولها:
-واللهِ لو مش في الشارع كنت عرفت أحاسب لسانك العسل اللي بيضرب طوب دا..
لكمتهُ بصدرهِ بقوَّة:
-أنا مضايقة منَّك بجد، وإنتَ بتضحك، شوية شوية هتلبِّسني ملحفة..
أخرجها من أحضانهِ ورفع ذقنها ينظرُ لعينيها:
-ياريت، واللهِ نفسي، وياسلام لو تسيبي الشغل وتقعدي تستنِّي جوزك كدا لمَّا يرجع من الشغل، دا هيكون أحسن خبر منِّك.
رفعت حاجبها وطالعتهُ ساخرة:
-بتلفِّ على إيه يابنِ السيوفي، شغلي مش هسيبه، ومتخافشِ على ابنك، دا أغلى من روحي، مش علشان حضرتك أمرت، لا علشان إنتَ حبيبي ومتمنِّتشِ غير كدا..
نظر لعينيها التي قابلتهُ بعشقها الجارف الذي خُلقَ لها وبها، ليقرِّبَ جبينهِ فوق خاصَّتها وأظلمت عيناهُ برغبةٍ حارقةٍ لها وحدها، ولما لا وهي التي زلزلت كيانهِ وأخرجتهُ عن شخصيته، حتى أوصلتهُ إلى العجزِ أو البوحِ بكلماتٍ تعبِّرُ عن سردِ مشاعرهِ التي فاضَ بها قلبهِ لها..
لمست وجنتيهِ فضربت أنفاسهِ الحارَّة وجهها مما شعرت بإذابةِ ضلوعها وهو يلفُّ ذراعيهِ حولها بتملك؛ يريدُ أن يخبئها داخل ضلوعهِ لشدَّةِ طوفانِ عشقهِ الجارف..
-إلياس ..همست بها بصوتها الناعم، بعدما انفلتت سيطرتهِ ليميلَ إلى ثغرها المترنِّمَ بعشقه، لينهلَ من شهدها ولم يهتمَّ لأحدٍ سوى تذوِّقه..قبلةً رقيقةً أروت روحهِ وروحها، ليبتعدَ عنها يسحبُ كفَّها ويتحرَّكَ بعدما فقدَ اتزانه..
وصلَ إلى أحدِ الأماكنِ المشهورةِ بتلك المنطقة التي تسمى سيردينيا..منطقة تتمتَّعُ بالجمالِ تجمعُ الكثيرَ من المظاهرِ الطبيعية..جلست كعادتها بأحضانهِ متمددةَ الساقين..
-إيه لسة مش مرتاحة بالشوز؟..
نظرت إليهِ تحرِّكُ ساقيها وابتسمت ترفعُ رأسها لتنظرَ إليهِ من فوقِ رأسها:
-معرفشِ إزاي الفكرة الجنونية دي جاتلك..
مين قال.. أنا كنت منتظرك تحملي، بعد مالبستي الحجاب فكَّرت في كدا.
اعتدلت واستدارت إليه، سحبت نفسًا تحتضنُ كفَّيه:
-إلياس بلاش تخنقني حبيبي لو سمحت..لحظاتٌ من الصمت بينهما ونظراتهما التي تعلَّقت ببعضهما البعض،
ثمَّ رفعَ كفَّيها وقبَّلهما:
-ميرو قلبي فيه حاجات مينفعشِ نتهاون فيها، طيِّب هقولِّك على حاجة وإنتِ قرَّري..مش إحنا مسلمين، الإسلام مش كلمة وخلاص، ولا إنِّك تصلي وتصومي وبس، لا فيه سنن لازم نعملها، حاجات مينفعشِ نتهاون فيها.
ربِّنا أمر حبيبتي ينفع نتهاون بأمرِ ربِّنا
يعني لمَّا يقول في كتابهِ العزيز:
قال تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ”
أنا ببقى في أوضتي وسامع صوت الشوز بتاعك، طيب ليه نلفت الأنظار، أنا بحبِّك وعايزك تفهميني، مبحترمشِ الستِّ اللي بتخرج بزينة أو أيِّ حاجة تلفت النظر، ربِّنا خلقكم ملكات ليه ترخَّصوا نفسكم..
طوَّقت عنقهِ تخبئُ محيَّاها في حناياه، متحاشيةً النظرَ إليهِ حتى لايصطدمَ النقاشَ بينهما، هي تتمنَّى أن تتغيرَ ولكنَّها متردِّدةً لا تعلم ماذا عليها فعله..أخرجها ينظرُ إلى الأماكنِ التي تحاوطهم يشيرُ إليها:
-خدي نفس وغمَّضي عيونك، وشمِّي الريحة واسمعي صوت الميَّة كدا..
-ينفع أطلع فوق الجبل اللي هناك دا؟..
هزَّ رأسهِ بالرفض وهو يستمعُ إلى رنينِ هاتفه، أشارَ إليها:
-هرد على الفون وراجعلك، استمتعي..
قشعريرةٌ اختلجت كيانها وإحساسًا صادقًا بنبضِ قلبها له، بعدما ابتعدَ وهي تحاصرهُ بعينيها، تنظرُ إلى بعضِ الفتياتِ اللاتي ينظرنَ إليه بنظراتِ إعجاب، ظلَّت نظراتها عليهِ حتى تحرَّكت إحداهنَّ إليهِ وهي تحملُ كوبينِ من العصير، وابتسامةً على وجهها مقتربةً تضعُ كفَّها على كتفهِ وهو يواليها ظهره، ظلَّ يتحدَّثُ بهاتفهِ دون أن يردعها عمَّا تفعله..نهضت بهدوءٍ متَّجهةً إليه..توقَّفت عاقدةً ذراعيها أمامهِ تشيرُ بعينيها على تلك اللزجة، اتَّجهَ بنظرهِ بعدما وجدها أمامه، ينظرُ لتلك التي تلتصقُ به..ابتعدَ عنها بعدما كان يظنُّها زوجته:
-عفوا..ابتعدي !!
قالها وهو يجذبُ ميرال التي تُلقيها بنظراتٍ كالسهامِ النارية، تحرَّكَ بجوارها ولم ينبت بحرف..ظلَّ يتجوَّلُ جوارها بصمت..توقَّفَ بعدما وجدَ صمتها:
-مالك، إيه اللي حصل ؟!
-إزاي محستشِ بالبنت؟..
تحرَّكَ يدسُّ كفَّيهِ بجيبِ بنطاله:
-حسيت، بس فكرَّتها إنتِ علشان كدا مهتمِّش..قالها وهو يركلُ الحصى بقدمه..
-ياسلام، يعني لو أنا مكانك كنت..توقَّفَ أمامها يليقها شزرًا، وتلاحقت أنفاسهِ الحارقةِ التي عصفت قلبهِ بنيرانٍ تريدُ أن تحرقها:
-إنتِ حامل، دا اللي شافعلك عندي دلوقتي، ومش معنى كدا هعدِّي كتير، بلاش ترمي الكلمة بكلمة، دنا منها وأطبقَ على فكَّيها يقرِّبها إلى وجههِ يتعمَّقُ بعينيها:
-بحبِّك ويمكن بعشقك، بس دا ميمنعشِ إنِّي أدوس عليكي لو حاولتي تستضعفي رجولتي، وأنا لو جيت في وقت استضعفت حبِّك، أو نزلت بكرامتك دوسي عليَّا وإنتِ مغمَّضمة، تمام..أنا مبكررشِ كلامي ياميرال، الحاجات دي مش تافهة علشان نهزَّر فيها..تراجعَ خطوةً وعانقَ ذراعها متحرِّكًا بجوارها وكأنَّهُ لم يفعل شيئًا..
وصلَ بعد قليلٍ إلى الشاليه، ألقى أشيائهِ بغضب، يفركُ وجههِ ودارَ حول نفسهِ من أفعالها..
دلفت خلفهِ بخطًا مرتعشة، وبملامح شاحبةٍ وروحٍ تبدو وكأنَّها سُلبت منها، وصلت إلى وقوفهِ متخصِّرًا:
-هتفضل حياتنا كدا، أنا مش مجبرة أتحمِّل عصبيتك الغير مبرَّرة دي، أنا بتكلِّم معاك بهدوء، إنتَ عملت منها مشكلة..
لم يلتفت إليها بل جذبَ سجائرهِ وتحرَّكَ إلى الشرفة، وكأنَّها هوى لم يشعر بها..جلست مكانها فلقد فاضَ بها غرورهِ القاسي، جلست تنظرُ بجمودٍ بأنحاءِ الغرفةِ لدقائق، ثمَّ نهضت متَّجهةً إلى بارئها ليزيلَ همومَ قلبها من زوجها القاسي..
ظلَّ بالشرفةِ ينفثُ رمادَ سجائرهِ بغضب، حتى فاقَ الغضبُ ليشعلَ صدره، لينهضَ من مكانهِ متَّجهًا إليها ومازالت كلماتها تحرقُ أذنه، وكأنَّها ألقتهُ بصوتِ رعدٍ أصابَه، دفعَ البابَ بقوَّةِ غضبهِ منها ومن نفسهِ الضعيفة أمامَ حبَّها، توقَّفَ لدى الباب بعدما وجدها تسجدُ ويهتزُّ جسدها بالبكاء، زفرةٌ بقوَّةٍ وتراجعَ للخارج، قامَ بنزعِ ثيابهِ متَّجهًا للمرحاضِ علَّهُ يزيلُ كتلةَ غضبهِ الناريًَّة..
خرجَ بعد دقائقَ معدودة، ودلفَ إليها بعدما وجدها مازالت بالداخل.. كما هي جالسةٌ على سجادةِ الصلاةِ تحتضنُ ركبتيها وتستندُ برأسها عليها، انحنى وحملها بين ذراعيهِ متَّجهًا بها إلى فراشهما، نزعَ إسدالَ صلاتها وجذبَ تلك المنامةِ التي تُوضعُ على الفراش وألبسها إياها، وعينيهِ تراقبُ خجلها منه، لم تتوَّقع منهُ ذلك، لملمَ خصلاتها وجمعها بربطةِ شعرها مبتسمًا بعدما أنهى فعلته:
-على آخرِ الزمن إلياس يجمع شعرك ويغيَّرلكِ الهدوم، ولا عمري فكَّرت فيها،
ناقص تعملي فيَّا إيه ياستِّ الصحفية..
كانت متجمِّدةً بوقوفها، فالقلبُ مازال يئنُّ من أفعاله، سحبها وجلسَ يجذبها لأحضانهِ بعدما وجدَ جمودها:
-ممكن أعرف إنتِ زعلانة ليه، إيه اللي عملته يدعو لنكد مدام ميرال..
استدارت ترمقهُ بعينانٍ جريحتان وأردفت:
-أنا زي ماإنتَ قولت بحبَّك أه بس مستحيل أقبل على نفسي الإهانة، أنا عدِّيت موضوع رؤى ياإلياس علشان عرفت أنُّه عقاب على اللي حصل بينا، مع إنِّ مفيش عقاب بين الستِّ والراجل يوصل للجواز، بس إهانة تانية ليَّا مش هسكت، حتى لو بعدت واتنازلت عن قلبي دا، الحبِّ اللي يكسرنا بلاش منه ياإلياس صح ولَّا إيه؟..
تجمَّدَ جسدهِ وصمتَ بطريقةٍ مقلقةٍ لقلبها، حتى تسلَّلَ الانهيارُ إلى قلبها الذي ينهرُها بما تفوَّهت بهِ إليه، تيقَّنت من صمتهِ أنَّهُ لن يمرِّرَهُ مرورَ الكرام..
تراجعَ بعدما كان يحاوطها بذراعه، ورفعَ هاتفه، يطلبُ طعامَهم، ثمَّ نهضَ متَّجهًا إلى خزانةِ الملابسِ ليرتدي ثيابه، ارتعشت شفتيها وهي تحاوطهُ بنظراتها متسائلة:
-إيه هنرجع مصر؟!..
أغلقَ زرَّ قميصه، واقتربَ منها فمهما بلغت قسوةُ الرجلَ للعقاب، ولكن يظلُّ ذاكَ النبضُ ينبضُ لمن يعشق..
-أنا طلبت الأكل، شوية ويجي، أنا خارج قدَّامي ساعتين عندي مشوار مهم..قالها وانحنى طابعًا قبلةً فوق جبينها ورسمَ ابتسامةً وهمَّ بالمغادرةِ إلَّا أنَّها أوقفتهُ متمتمة:
-هستناك لحدِّ ما ترجع..أومأ برأسهِ وهو يواليها ظهرهِ قائلًا:
-براحتك، مش هغصب عليكي.
أحيانًا تعجزُ الكلماتُ عن الردِّ بما يؤلمُ داخلنا..تحرَّكَ سريعًا من أمامها حتى لا يحدثَ بينهما مالايُحمدُ عواقبه..
عندَ أرسلان قبلَ يومين:
جلسَ بجوارها يحتضنُ كفَّيها وهي تغفو بنعيمٍ بأحضانه، ربتَ على خصلاتها برفقِ وحنانِ أناملهِ مرَّرها على وجهها منحنيًا يطبعُ قبلةً مطوَّلةً على وجنتيها..فتحت عينيها بتململ، ثمَّ همست بصوتٍ حاني:
-أرسلان إنتَ لسة منمتش؟..ابتسمَ ممسِّدًا على خصلاتها راسمًا ابتسامة:
-حبيبتي المهم إنِّك نمتي ومرتاحة، أنا مجاليش نوم، دسَّت نفسها بحنانِ أحضانهِ تهمسُ بخفوت:
-حبيبي متزعلشِِ أكيد ربِّنا هيعوَّض علينا المهم تكون جنبي..
تمدَّدَ يجذبها إلى صدره، وحاوطها بذراعه:
-مش زعلان، المهمِّ إنِّك بخير وسلامة، بس ليه مقولتليش ياغرام؟..
استندت بذقنها على صدره، ورفعت كفَّيها لوجههِ تنظرُ إليهِ بملامحها التي شحبت:
-كنت هقولَّك بس وقتها إنتَ خرجت لمَّا كنَّا في الفيلا، ولقيتك اتَّصلت وقولت إنَّك مسافر وخلِّيكي في الفيلا لمَّا ترجع، مكنشِ ينفع خبر زي دا يتقال في التليفون، كنت عايزة أفرَّح حبيب قلبي بس محصلشِ نصيب..قالتها بدموعِ الألمِ التي أنهكت روحها..
انحنى ملتقطًا ثغرها لبعضِ اللحظاتِ إلى أن خطفَ أنفاسها، لا يعلمُ لماذا يقبِّلها بتلك الطريقةِ الموجعة، هل بسببِ مايشعرُ بما يعتري قلبه، أم أنَّهُ يُخرجُ طاقتهِ المؤذيةِ حتى لا يُخرجَ أذيتهِ لأحدٍ بعدما علمَ من الطبيبِ أنَّ هناكَ جسمًا غريبًا بدمائها، ليصل به الشك أنَّ لها يدًا بعد إخفائها خبرَ حملها..
ابتعدَ منتفضًا بعدما تذوَّقَ دموعها واتَّجهَ للخارجِ سريعًا، وامتلأت عيناهُ بنيرانِ الغضبِ التي لو اقتربت من أحدهما لأحرقته..
هوى على الأريكةِ ومازالت النيرانُ تأكلُ أحشائه، بالداخلِ ظلَّت دموعها تنسابُ على خدَّيها لفترةٍ من الوقت، ثمَّ اعتدلت تجذبُ روبها وخطت إليه بالخارج ..وجدتهُ جالسًا ينفثُ سيجارتهِ بطريقةٍ انتقاميةٍ حتى اختفى خلف رمادها..اقتربت بخطواتٍ بطيئةٍ وهي تسعلُ من رائحةِ الدخان، رفعَ عينيهِ الحزينةِ التي خطَّها دموعُ الألم فلماذا يطعنهُ أحدهم بتلك الطريقةِ البشعة، وصلت إلى جلوسهِ وألقت نفسها بأحضانهِ تبكي بشهقاتٍ مرتفعة، بكاءًا بدموعِ الألمِ التي حاولت أن تخفيها حتى لا تحزنه، ولكنَّ الألمَ فاقَ قوَّةَ الاحتمالِ لتنفجرَ بركَ عينيها..
حاوطها بذراعيهِ يربتُ على ظهرها:
-اهدي أنا آسف مكنشِ قصدي أوجعك..
وضعت كفَّها على فمه:
-مش زعلانة منَّك، أنا بس موجوعة..
طالعها لدقائقَ بصمتٍ وهي تختفي بأحضانهِ كأنَّها تريدُ الهروبَ ممَّا يحيطها، رفعَ ذقنها يلمسُ وجنتيها:
-قومي إلبسي هنسافر.
هزَّت رأسها بالموافقةِ ليتوقَّف يسحبُ كفَّيها متجهًا للداخل..
عندَ آدم دلفَ إلى القاعة..صمتٌ تام بين الحضورِ بعد إلقاءهِ تحيَّةَ الصباح..
ذهبَ ببصرهِ إلى جلوسها الساكن وهي تمرِّرُ أوراقها تنظرُ بدفترها ولم تكترث لدلوفه..رفعت عينيها إليهِ بعدما تحدَّثَ قائلًا:
-فيه كام كورس هنراجع عليهم سريعًا علشان الناس اللي مش فاهمة أو اللي محضرتش، قبلِ الاختبارات..
طالعتهُ بنظراتها التي تحكي الكثير، وكأنَّها تحاورهُ بعينيها، كنتَ الشخص الذي أحببتهُ وتعلَّقتُ به حتى عشقتهُ حدَّ الوجع، كيف أغفرُ لقلبك الذي أشعرني بالخذلان، قلبكَ الذي غدرَ بقلبي الضعيف ليصلَ الحزنَ والألمَ إلى الشريان..
وضعت كفَّيها على وجهها بعدما فقدت سيطرتها على دموعها فلقد خانتها رغمًا عنها، وانزلقت تتدحرجُ بكمِّ ماتشعر به.
انفرجت شفتيهِ يضغطُ عليهما بعدما شعرَ بنغزةِ قلبه وبمغادرتهِ من بين ضلوعهِ على وضعها، تمنَّى لو يصلَ إليها ويسحقَ ضلوعها حتى يذيبها بين ذراعيه..لحظاتٌ ربما دقائق والنظراتُ بينهما تحكي الكثيرَ من الخذلانِ والعتاب..
سحبَ بصرهِ إلى كافةِ القاعةِ ولم ينظر إليها، رسمَ قناعًا باردًا فوق ملامحه،
وبدأ يشرحُ بطريقتهِ السلسة كعادتهِ ولكن ليس ككلِّ مرَّة، روحٌ غائبةٌ وملامحَ شاحبة، حاول الابتعادَ بنظرهِ عنها طيلةِ المحاضرةِ إلى أن انتهى وبدأت الطالباتُ بالتوجُّهِ إليهِ لمناقشتهِ ببعضِ النقاط، ظلَّت كما هي..ربتت خديجة على ذراعها:
-هتفضلي قاعدة كدا..نظرت إليها بشرودٍ وتمتمت:
-أااه، توقَّفت خديجة تسحبُ كفَّها:
-ياله حبيبتي، قولتلك بلاش تحضري بس إنتِ اللي أصرِّيتي..
-كان لازم أحضر ياخديجة، لازم أتعوِّد، هفضل لحدِّ إمتى هربانة اللي حصل حصل..قالتها والألمُ يحرقُ ضلوعها..رفعت ذراعها تساعدها على الوقوف:
-طب ياله حبيبتي الكلِّ بيبص علينا، ياله علشان كدا بيكون ضعف ليكي..
نهضت بتخبُّطٍ متحرِّكةٍ بروحها الضائعة، سارت بخطواتٍ واهنةٍ إلى أن وصلت إلى وقوفه..اعتذرَ وهمَّ بالمغادرة:
-بعد إذنكم ..قالها وتحرَّكَ إليها، اقتربَ منها وتوقَّفَ أمامها:
-عاملة إيه يابنتِ عمتي؟..
-كويسة..أجابتهُ بشفتينِ مرتجفتين..اقتربَ منهما بعضُ الطالباتِ ينظرن إلى توقفُهما بأعينٍ متسائلةٍ
ليستمعوا الى حديثه:
-لو احتجتي حاجة أكيد ابنِ خالك موجود..شهقةٌ من بعضِ الفتياتِ يطالعوهما، تسائلت إحداهنَّ:
-إيلين دكتور آدم قريبك ومخبية..رفرفت بأهدابها الكثيفة، تطالعهُ بأسفٍ على مانطقَ به أمام الطالبات، سحبَ كفَّها بعدما شاهدَ دموعها المتحجِّرة تحتَ جفنيها قائلًا:
-تعالي أوصَّلك في طريقي..تحرَّكت بهدوءٍ بجوارهِ بعدما فهمت لعبته، لقد كشفَ قرابتهما أمامَ الطلبة حتى يفعلُ ما يحلو له..وصلت إلى سيارتهِ وتوقَّفت متمتمةً بخفوت:
-مش مسموح لك تلمسني بعد كدا ولو مفكَّر إنِّي مشيت معاك برضايَ تبقى غلطان، أنا مشيت مضطرة يادكتور..
قالتها والخذلانُ يتفجَّرُ من عينيها كرصاصاتٍ مصوَّبةٍ إليه..
فتحَ بابَ السيارةِ يشيرُ إليها بعينيهِ ثمَّ أردف:
-اركبي، بدل ماأقول للكلِّ قرابتنا الأهم..
خطت إليهِ حتى لم يفصلَ بينهما سوى خطوةً ورفعت سبَّابتها تشيرُ إليه بتهديد:
-اسمعني كويس يادكتور، أنا مابتهدِّدش، وهقول حقيقة جوازنا، أنا مش طيقاك أصلًا، وأنا لو مكانك أتكسف، إزاي ليك عين توقف قدامي وتتبجَّح، إيه نسيت إنَّك خاين..
جذبها بقوَّةٍ لترتطمَ بصدرهِ في حالةٍ من الذهولِ أصابتها تتلفَّتُ حولها بخوف، انحنى يهمسُ بجوارِ أذنها ولم يكترث لرجفةِ جسدها:
-بس لمَّا كنتي بين إيديَّا محستشِ بكدا، احمدي ربنا إنِّنا في الجامعة، متفكَّريش ورقة الطلاق هترحمك منِّي، بالعكس صعَّبتيها أكتر وأكتر ياإيلين آدم الرفاعي، اقعدي ردِّدي الاسم دا علشان مش هتخلَّى عنُّه..
توسَّعت حدقتها وانحبست أنفاسها داخلَ صدرها بعدما طغى برائحتهِ الرجوليةِ عليها، حتى تسلَّلَ إليها شعورُ استنشاقِ رائحتهِ أكثر وأكثر..
تراجعَ بعدما استمعَ لإحدهن:
-إيلين!!..ابتعدت بجسدٍ ينتفض، وكأنَّهُ كان يحاوطها بدفءِ ذراعيه، تحرَّكت بخطواتٍ واهنة، وعيناها تدفعُ الدمعَ بالدمع، ووجهها الذي سطرَ الحزنَ ملامحه..
فتحت بابَ سيارةِ رؤى برعشةِ يديها، ثمَّ أردفت بتقطُّعٍ وشهقاتٍ مرتفعة:
-رؤى ابعديني عن هنا بسرعة، بكاءًا مرتفعًا حتى شعرت رؤى أنَّها أصيبت الجنون..ظلَّت تتحرَّكُ بها إلى أن وصلت مكانًا هادئًا على النيل، لتتوقَّفَ بالسيارة، استدارت تلقي نفسها بأحضانها وتبكي بصوت مرتفع متمتة بتقطع
“هموت ، انا هموت يارؤى، آدم بيقتلني بكل حاجة، لا بعده مريحني ولا قربه مريحني
ربتت على ظهرها وحاولت تهدئتها:
-طب اهدي حبيبتي كلِّ حاجة وليها حل، حاولت أفهِّمك ياإيلين إنِّك مش هتقدري تعيشي بعيد عنُّه..
هزَّت رأسها تضربُ على صدرها بقوَّة:
-لازم أحرق دا، ليه لسة مصر يحبُّه بعد اللي عمله ليه يارؤى…
آااااااه صرخت بها تضربُ على صدرها بقوَّة، حاولت رؤى أن تخفِّفَ من آلامها ولكن كيف لقلبٍ أن يهدأ من احتراقِ حبيبه..
عندَ يزن:
خرجَ من منزلهِ وهو يُخرجُ دراجتهِ البخارية، استمعَ إلى صوتِ مها خلفه:
-يزن أنا كلِّمت طارق وقالِّي هيجي من السفر بكرة وكلُّه ينتهي، ارتدى خوذتهِ يهزُّ رأسهِ ثمَّ قامَ بتشغيلِ محرِّكِ الدراجة:
-لمَّا يجي هقولِّك تقوليلُه إيه، لازم أمشي دلوقتي عندي شغل..اقتربت من الدراجةِ ووضعت أناملها على كفِّهِ الذي يتشبثُ بالدراجة:
-إنتَ مش اتفقت معايا إنَّك هتسيب الشركة، ليه رايح هناك، بتضحك عليَّا..
ابتسمَ يسحبُ كفِّهِ ثمَّ رفعهُ فوق رأسها يغازلها بعينيه:
-إنتِ أمرتي يامها، ولازم أعمل اللي طلبتيه، هعدِّي أجيب حاجتي، وأعدي على عمِّي إبراهيم علشان نتحاسب على إيرادات الورشة وأشوف الدنيا..
اقتربت منهُ حدَّ الالتصاقِ تحتضنُ ذراعه:
-طيب مش هتعزمني على الغدا، أو نخرج نروح السينما..
حدجها بنظرةٍ مميتةٍ ثمَّ أردف:
-عايزة تخرجي معايا وإنتِ لسة لابسة دبلة غيري، ليه حدِّ قالِّك عليَّا إنِّي مش راجل وقليل الأصل..وبعدين كنَّا رحنا سينما قبلِ كدا علشان نروح دلوقتي..
قالها وقامَ بتشغيلِ دراجتهِ وتحرَّكَ سريعًا..استمعت إلى حوارهما إيمان فهرولت سريعًا ترفعُ هاتفها:
-دكتور كريم إيه اللي يزن ناوي عليه، وإياك تضحك عليَّا، أنا مش عيِّلة، أخويا بيغرَّق نفسه بالانتقام..
نهضَ من مكانهِ مبتعدًا عن أصدقائه:
-مش فاهم قصدك؟..بكت بالهاتف:
-يزن بقى متوحِّش وأنا مستحيل أقعد أتفرَّج عليه، علشان خاطري ياكريم فوَّق يزن قبلِ مايخسر نفسه، لو فعلًا صاحبه وبتحبُّه فوَّقه..
-طيب ممكن تهدي وتقوليلي إيه اللي حصل؟..صرخت بالهاتف:
-بقولَّك أخويا بيخسر نفسه، قالتها وأغلقت الهاتفَ تجلسُ على الأرضِ تبكي بصوتٍ مرتفعٍ تتمتم:
-ليه يايزن، ليه تعمل في نفسك كدا..
عندَ راجح:
-البنت لسة محبوسة ياباشا، الواد الظابط دا شخصيُّته صعبة، معرفشِ ليه عمل كدا، بس وأنا بتجسِّس كدا، عرفت إنِّ جوازه بيها إجباري، وكمان كان هيتجوِّز بنت قريبته والبنت دي ضربت نفسها بالنار..
هبَّ من مكانهِ وتساءلَ بفحيح:
-هوَّ فين دلوقتي؟..
هزَّ رأسهِ بالنفي قائلًا:
-منعرفشِ ياباشا، محدِّش بيعرفلُه اتجاه سير..
أشارَ إليهِ بغضب:
-عايزك تجبلي قراره، والبتِّ اللي كان عايز يتجوِّزها دي موِّتوها وارموها قدَّامه، علشان يعرف إزاي يتجوِّز على بنتِ راجح الشافعي، ولو هوَّ لحمه مر أنا لحمي علقم، استنى مني إشارة ..قالها وأشار إليه بالخروج
-كدا انت لسة متعرفش انك ابن جمال، تمام يابن جمال وعلى الموعد نلتقي
عندَ إسحاق فتحَ بابَ شقةٍ صغيرةٍ وأشارَ إليها بالدخول ..دلفت بساقينِِ مرتعشتينِ تردفُ بتقطُّع:
إسحاق إنتَ جايبني هنا علشان تموِّتني، هتموِّت أمَّك ياإسحاق!..
اتَّجهَ إلى مقعدٍ قديمٍ والغبارُ يملأه، ثمَّ قامَ بمسحهِ بمحرمتهِ وجلسَ عليهِ يضعُ ساقًا فوقَ الأخرى:
-دا بيتِك ياأحلام هانم إيه نستيه، بيت أبو أحلام هانم اللي اتربِّت فيه، هتعيشي فيه بعد كدا..
اندفعت إليه وصرخت بوجهه:
-إنتَ شكلك اتجنِّنت يالا، إنتَ نسيت نفسك ولَّا إيه، دا أنا..نفث سيجارتهِ يهزُّ رأسهِ يشيرُ بيديه:
-أيوة كمِّلي إنتِ ايه..أه نسيت آسف ماهو حضرتِك تقولي للشيطان ارتاح وأنا أقعد مكانك..أخرجَ بعضَ الأوراقِ وألقاها على الأرضِ المتربة:
-أوَّل ورقة طلاقِك من رجل الأعمال اللي أصغر منِّك بعشر سنين، تاني ورقة تنازلك عن كلِّ حقوقك له حتى بنتك، تالت ورقة ودي الأهم..
تنازلِك عن كلِّ ماأخدتيه منِّي ومن فاروق، وكمان نصيبك في أملاك بابا، نصبَ عودهِ وتوقَّفَ ورسمَ ابتسامةٍ ساخرةٍ بعدما تحوَّلَ وجهها للشحوبِ تهزُّ رأسها بالنفي:
-مستحيل، أنا مش موافقة..اقتربَ منها وانحنى لمستواها:
-هوَّ أنا باخد رأيك ياأحلام هانم، كلِّ حاجة اتمضت واتكتبت باسمِ مين؟..ظلَّ يدورُ حولها حتى أرعبَ جسدها، ثمَّ انحنى يهمسُ بجوارِ أذنها:
أرسلان فاروق الجارحي، أووووه أوبس مدام أحلام كلِّ ثروتك اللي بالمليارات اتكتبت باسمِ أرسلان الجارحي، علشان إيه ياترى ياإسحاق، تراجعَ إلى المقعدِ وجلسَ يضعُ ساقًا فوقَ الأخرى مشبكًا أناملهِ يطالعها بنظرةٍ مستحقرةٍ واسترسل:
-كان نفسي أموِّتك وأريح الناس من شرِّك، بس أعمل إيه اسمك متنيِّل جنبِ اسمي في شهادةِ الميلاد، أشارَ بسبباتهِ عليها مستخِّفًا:
-تخيَّلي اللي رحمك منِّي وعدي لفاروق، وكمان اسمي اللي مرتبط بواحدة زيك، وأنا مضطر أعصر على نفسي مزرعة ليمون وأتقبِّلك قدَّام الناس، هبَّ من مكانهِ وتحوَّلت ملامحهِ حتى نفرت عروقهِ مقتربًا منها متناسيًا أنَّها والدته:
-فرصك خلصت من زمان، وأنا اللي أستاهل العذاب دا كلُّه، بس وعد من إسحاق الجارحي لأدفَّعك القديم والجديد ياأحلام هانم..
تحرَّكَ خطوةً يشيرُ إلى الشقة:
-هتعيشي هنا ولولا خايف من الفضايح كنت رميتك في أقلِّ دار مسنين، بس ياله كلُّه علشان خاطر أرسلان، أمالَ بجسدهِ وغرزَ عينيهِ بمقلتيها:
-لو أرسلان مات كلِّ أملاكه هتروح للجمعيات الخيرية، وخُدي أكبر قلم لأحلام هانم، فاروق اتنازل عن كلِّ أملاكه لأرسلان، ومش بس هوَّ وأنا كمان بس بعد طبعًا ماكنت كتبت حقِّ ابني اللي حاولتي تموِّتيه، أوعي تفتكري لعبتك إنتِ ودينا دخلت عليَّا، أنا إسحاق الجارحي لو نسيتي أفكَّرك يا هانم..أي أذى هتحاولي توصَّليه لأرسلان، الله في سماه هدفنك حية، ماهو إنتِ عملتيها قبلِ كدا، وابنِ البطة عوَّام ولَّا إيه ياستِّ أحلام..
تراجعت للخلفِ تبكي وحاولت استعطافه:
-بلاش ياإسحاق مقدرشِ أعيش هنا..
قهقهاتٌ مرتفعةٌ يضربُ كفَّيهِ ببعضهما:
-يااااه أخيرًا دموعك نزلت..أشارَ على الشقةِ بالكامل يطالعها بنظرات غامضة واردف بنبرة جافة:
-مفيش خدامة هتيجي غير يوم واحد بس، ودا علشان صلة الرحم مش أكتر، عايزة حاجات، السوق تحتِ البيت تنزلي تشتري حاجاتك بنفسك، في آخرِ الشارع عربية فول وطعمية جرَّبيها هتنفع صحتِك وتخلِّيكي تعرفي تنضَّفي الشقة حلو..
توسَّعت عيناها بذعرٍ تنظرُ إلى المكانِ لتشهقَ قائلة:
-لا ياإسحاق مش هتعمل في أمَّك كدا، أنا معرفشِ أعمل حاجة..
ارتدى نظارتهِ وجذبَ مفاتيحَ سيارتهِ وأجابها متهكِّمًا:
-اتعلمي ياأحلام هانم، دي كانت حياتك في الأوَّل والمفروض تشكريني علشان هخلِّيكي تموتي هنا..
فتحَ بابَ الشقةِ واستدارَ برأسهِ إليها:
-متحاوليش تهربي علشان أنا مش عبيط، ياله مش عايز أعطَّلك علشان تلحقي تخلَّصي اللي وراكي..تشاو يامدام ..قالها وأغلقَ البابَ لتهرولَ إلى البابِ وتفتحهُ تصرخُ به:
-مش هتقدر تسيبني هنا وتمشي ياإسحاق سمعتني..لو سمعت صوتِك هبعت ظابط يحبسِك وأكيد عارفة ليه، وبدل المرَّة مرتين ..ادخلي واقفلي الباب وتأكدي خروجك من الباب دا لمكانين بس السجن والقبر..قالها وتحرَّكَ سريعًا..
بعدَ أسبوعٍ هادئٍ على بعضِ أبطالنا،
دلفَ يزن إلى الشركة وصعدَ إلى غرفةِ مكتبها، طرقَ على بابِ المكتبِ وفتحَ بعضه:
-ممكن أدخل ولَّا ألفِّ وأرجع ..
هزَّت رأسها تشيرُ بيديها:
-أكيد مش قليلة ذوق ياباشمهندس، هتيجي وأرجَّعك..
خطا وهو يدسُّ كفَّيهِ بجيبِ بنطاله:
-عاملة إيه؟!
خلعت نظارتها الطبيَّة وأغلقت جهازها تستدعي السكرتارية:
-قهوة الباشمهندس، وقهوتي.
-تحتِ أمرك ياأستاذة..تراجعت على المقعدِ قائلة:
-سمعاك، أكيد بدل جيت يبقى حاجة مرتبطة بأسهمك في الشركة..
ظلَّت عيناهُ متعلقةً لهيئتها، لا يعلم لماذا ارتجفَ قلبهِ من ملامحها الحزينة، أفاقَ على صوتها:
-يزن!! ابتعدَ عن ناظريها وكأنَّ نطقها لاسمهِ بتلك الطريقةِ أخرجت ذاك النبضَ الذي دُفن..
-إنتَ جاي علشان تقعد وتسكت، أنا عندي شغل.
وضعٌ بغيضٌ شعرَ به وهو يستمعُ إلى نبرتها الحزينة..
-أنا آسف مكنشِ قصدي أزعَّلك منِّي، أو..
أشارت بيدها وتوقَّفت متَّجهةً إليه، جلست بمقابلتهِ تضعُ ساقًا فوقَ الأخرى ونظراتها تحاصره:
-وياترى أسفك دا أنا المفروض أقبله، لا ياباشمهندس، مش من حقِّي تتأسفلي، ممكن أكون غلطت لأنِّي اعتمدت على الشخصِ الغلط..
-رحيل..أمالت تنظرُ إلى مقلتيه:
-أستاذة رحيل ياباشمهندس، أستاذة رحيل اللي رمتها أسبوع وهيَّ كانت في أمسِّ الحاجة، دلوقتي جيِّتك مالهاش داعي..قاطعهم دلوفُ الساعي يضعُ مشروباتهم..
اصطدمَ بعينيهِا المحدَّقتينِ به قائلًا:
-الكلام دا ليَّا، رفعت قهوتها ترتشفُ بعضها ثمَّ أشارت على الغرفة:
-هوَّ فيه حدّ غيرك موجود في المكتب..
زمَّت شفتيها ومرَّت بعينيها على ملامحهِ المصدومة ثمَّ نطقت بصوتٍ هادئٍ كعمقِ البحر قائلة:
-نوَّرت الشركة ياباشهمندس..قاطعهم دلوفَ طارق كالأسدِ المفترس:
-إيه اللي عملتيه دا، إنتِ اتجنِّنتي، إزاي تحذفيني من مجلسِ الإدارة، لا فوقي أنا طارق الشافعي محدِّش له يشيلني..
توقَّفت متَّجهةً إلى مكتبها إلَّا أنَّهُ عرقلَ تحرُّكها يطبقُ على ذراعها بقوَّة:
-لمَّا أكلِّمك توقفي..دفعتهُ وأشارت بكفِّها تهدرُ بتهديد:
-احترم نفسك، إيه نسيت إنَّك بعت أسهم من بتوعك، مبقاش ليك كلمة، رمقت يزن قائلة:
-اتساويت بالباشهمندس يزن، أنتوا الاتنين شوية الأسهم بتاعتكم مالهاش إنَّها تحضروا الاجتماعات..
ثارت جيوشُ غضبهِ واقتربَ كالمجنونِ إلَّا أنَّ يزن أوقفهُ بدفعهِ بعيدًا عنها:
-مش عيب تمدِّ إيدك على بنت، ولَّا أبوك مش علَّمك العيب..
قست عيناهُ وهو يطبقُ على تلابيبه:
-إنتَ مين يالا علشان تمسكني كدا، حاولَ دفعهِ إلَّا أن يزن دفعهُ بقوَّةٍ حتى هوى على الأرض..شهقةٌ خرجت من فمها محاولةً الفصلَ بينهما، ليرتجفَ جسدها بعد اقترابِ طارق منهُ وعيناهُ كالجمرتينِ الحارقتين:
-هموِّتك ياحيوان..توقَّفت أمامَ يزن واحتُجزت الدموع تحتَ أهدابها:
-ابعد عنُّه علشان خاطري..ثمَّ استدارت إلى طارق:
-وإنتَ امشي اطلع برَّة بدل مااتصل بالأمنِ يطلَّعوك..
يطلَّعوا مين يابت، دي كلَّها أملاكي اتجنِّنتي ولَّا إيه..دارت معركةٌ عنيفةٌ بينهما لتتَّصلَ بالأمنِ لفضِّ الاشتباك مع دخولِ راجح ليتوقَّفَ بين يزن وطارق..
لطمةٌ قويةٌ على وجهِ يزن حينما وجدهُ يكيلُ الضربات إلى طارق..
توقَّفَ متسمرًا يضعُ كفِّه على خدِّه..دفعهُ راجح يشيرُ إلى الأمن:
-الواد ارموه للشرطة، قولوا اتهجِّم على صاحبها علشان السرقة وأنتو شاهدين ياله..
-عمُّو راجح إيه اللي بتقوله دا؟!..
-اخرسي أنا استحملت دلعك كتير، بالليل هكتب كتابك على طارق ودا آخر كلام ..أشارَ إلى طارق بالخروج:
-روح جهِّز نفسك..اقتربَ منها:
-إيه ناوية على إيه يابنتِ مالك بعد ماأبوكي عجِّز ..اسمعيني علشان مبقاش فيه وقت للدلع أنا اتكلِّمت مع مالك وبالليل كتب الكتاب ومبقاش ليكي مكان هنا ..ثمَّ استدارَ يصرخُ بالأمن:
-الواد دا لسة واقف هنا ليه، صرخَ بها بقوَّة..رفعَ حاجبهِ بترفُّعٍ متظاهرًا بالقوَّة:
-بالراحة على نفسك ياباشا، سرقة إيه ياراجل، مش لمَّا أشوف ابنك راجل علشان أسرقه، دفعَ رجلَ الأمنِ واقتربَ من راجح وحدجهُ بنظراتٍ مشمئزة:
-أنا قدرك الحلو بس حضرتك مش واخد بالك، رفعَ نظرهِ إلى رحيل التي تكوَّرت الدموعُ بعينيها ثمَّ اتَّجهَ إلى راجح:
-هدفَّعك تمن القلمين غاليين أوي، ووعد من يزن السوهاجي..قالها وهو يدفعُ رجلَ الأمنِ وتحرَّكَ للخارجِ متمتمًا: اللي هيقرَّب منِّي هموته..
التفتَ راجح إلى رحيل:
-شوفتي مصايبك، علشان تروحي تلملمي من الشوارع…توقَّفَ يزن بعدما استمعَ إلى حديثهِ واستدارَ إليهِ بكاملِ جسده:
-الحق مش عليك، الحق على أبويا اللي ربَّاني أحترم الناس الواطية…قالها وتحرَّكَ مغادرًا المكانَ بالكامل..
رفعَ هاتفهِ وقامَ بمهاتفةِ مها:
-عملتي إيه يامها…كانت متوقِّفةً أمامَ خزانتها تقيسُ بعض الفساتين..
-خلاص الراجل اللي اشترى الأسهم هيقابلنا بعد نصِّ ساعة علشان يسلمهالك ..هقابلك فين؟.
توقَّفَ وابتسامةُ انتصارٍ على وجهه:
-برافو مها، بعد مااستلم الأسهم ليكي غدا في أيِّ مكان تطلبيه، وكمان هنروح سينما..
توقَّفت تدورُ حولَ نفسها:
-بجد يايزن..نظرَ أمامهِ بجمودٍ مردِّدًا:
-بجد ياروح يزن..
عندَ أرسلان:
-سؤال واحد وعايز إجابته، سبتَك وقت كافي، مدام فريدة السيوفي كانت عايزة إيه وليه بتبعدني عنهم؟..
أشارَ إليهِ بالمغادرة:
-أرسلان بعدين صدَّقني أنا تعبان ومش قادر أتكلم..
جذبَ المقعدَ وجلسَ بجواره:
-عمُّو إنتَ مخبي عليَّا إيه، انا مش هقدر أبعد عن إلياس حاولت بس مقدرتش..
رفعَ رأسهِ ينظرُ إليهِ بصمت:
-حتى لو خيَّرتك بيني وبينه؟..
صدمهُ حديثهِ وكأنَّهُ ألقاهُ برصاصةٍ بصدرهِ ليردف:
-للدرجة دي وصلت إنَّك تُحط نفسك في خانة مقابلة لحد!..
-أرسلان أنا وإلياس واختار إنتَ..نهضَ من مكانهِ يهزُّ رأسهِ بجمودٍ من عينيهِ ثمَّ استدارَ يخطو كالطفل الذي يتعلمُ السير، ماذا يحدث، هل جُنَّ إسحاق بما يقوله، لم يفعلها طيلة حياته..
-أرسلان …ردَّدها إسحاق ليتوقَّفَ بملامح جامدةٍ وأعينٍ أظلمت بالأسى..
نهضَ من مكانهِ واقتربَ منه يربتُ على ظهرهِ ولكنَّهُ ابتعدَ وكأنَّ كفِّهِ أشواكٌ تغرزُ بلحمه، استدار مغادرًا بخطواتٍ ناريةٍ تحرقُ قدميه ولم يعرف لماذا كلَّ ذلك من مشاعرهِ الممزوجةِ بالخوفِ والألم..
عندَ آدم وخاصةً بمعاملِ إحدى الفرق الطبية، حاوطَ الطلابُ جثةً وضِعت أمامهم ليقوموا بالتدريبِ عليها، بعد عدَّةِ فحوصاتٍ لبعضِ الحيواناتِ والطيورِ ليصلَ بهم نهايةَ المطاف إلى جثةِ انسان ..توقَّفت إيلين مترنحةً تشعرُ بألمٍ يغزو جسدها، وتقلُّبٍ بمعدتها..
توقَّفَ آدم بينهم وخاصةً بجوارِ إيلين التي حاولت الابتعادَ عنه، ولكنَّها لم تستطع، تسلَّلت رائحتهِ إلى رئتيها هدأت قليلًا ظلَّت متوقفةً بجواره، وداخلها شعورٌ بالاقترابِ منه، نفرت من نفسها على ذاك الشعور، بدأ يشرحُ إليهم كيف يتعاملونَ مع الفحصِ التشريحي، كانت تتابعه بصمت وألمًا بجسدها إلى أن شعرت بدورانٍ وغمامةٍ تدورُ بها ولكنَّها تماسكت، تنظرُ إلى يديهِ وهو يتعاملُ مع الجثة، تلاشت الرؤيةُ ولم تعد ترى يديه، تشبثت بذراعهِ تهمسُ اسمه، قفزَ قلبهِ من ضلوعهِ ورغمَ همسها الضعيف إلا أنَّهُ اخترق قلبه قبلَ أذنه، ليلتفتَ إليها سريعًا وهي تترنَّحُ وكادت أن تسقطَ لولا ذراعيهِ التي تلقفتها بلهفةٍ يردِّدُ اسمها بفزع:
-إيلين..تراجعَ الطلابُ ظنَّا من خوفها من الجثة التي توضعُ أمامهم، رفعها وضمَّها إلى صدرهِ متحرِّكًا بها سريعًا من المعمل، إلى أن وصلَ إلى غرفةِ الكشف، ارتجفَ جسدهِ ولم يعد لديه القدرة للتماسك، كلَّما تذكَّرَ همسها باسمه، أمسكَ يدها ليقيسَ ضغطها، ولكنَّهُ توقَّفَ يردِّدُ بلسانٍ ثقيل:
-حامل ..معقول!..هبَّ من مكانهِ سريعًا متَّجهًا إلى طبيبةِ النساءِ الموجودةِ بالكليةِ قبل إفاقتها..
قامت الطبيبةُ بالكشفِ عليها، ابتسمت له لأنَّها تعلمُ بزواجهِ منها:
-مبرووك يادوك، مبدئيًا فيه حمل، بس لازم شوية فحوصات علشان نتأكد أنُّه في مكانه السليم..
كانت نظراتهِ عليها، يفترسها بعينيه، بدأت تتململُ وترفرفُ بأهدابها.. اقتربَ منها بعدما أومأ للطبيبة،وحملها متَّجهًا بها للخارجِ وقلبهِ ينبضُ بعنفٍ من السعادةِ التي حاوطته..
بفيلَّا السيوفي:
الجميعُ يلتفُّون حولَ طاولةِ العشاء، مسَّدَ إلياس على خصلاتِ غادة وابتسمَ قائلًا:
-عندي خبر حلو لدودي..ظلَّت عيناهُ متعلقةً بأعينِ أختهِ مرَّةً وبأعينِ إسلام مرَّة ثمَّ هتف:
-غادة هتكوني أجمل عمِّتو في الدنيا، وإسلام عمُّو إسلام الحنين
سقطت الشوكةُ من يدِ فريدة ثمَّ رفعت عينيها التي تزيَّنت بطبقةٍ كرستالية:
-ميرال حامل!..قالتها وهي تستديرُ تنظرُ إلى ميرال التي نزلت بعينيها إلى طعامها خجلًا..حمحمَ إلياس وأومأ برأسه:
-أيوة إن شاءالله ربنا يتمِّم حملها على خير وتجبلنا مصطفى الصغير، مش كدا يابابا..هنا أطبقت على جفنيها لتنسابَ عبرةً حارقةً لوجنتيها، حتى ارتجفت شفتيها تهمس:
-هكون نانا..ابتلعَ مصطفى غصَّةً مريرةً بطعمِ العلقمِ من حالتها ليردفَ بصوتٍ خافتٍ كاد أن يصلَ للجميع:
-مبرووك ياحبيبي، يتربَّى في عزَّك وبين إيدك..بسطَ كفِّهِ إلى فريدة التي شحبَ وجهها بالكامل وضمَّهُ ينظرُ لعينيها الباكية:
-مبرووك يانانا …هتكوني أجمل نانا في الدنيا..ابتسامةٌ حزينةٌ لتهمسَ له:
-يوسف ..يوسف هيكون أب يامصطفى باسمِ مش اسمه..هبَّ من مكانهِ وانحنى يحاوطُ جسدها:
-تعالي معايا عايزك في موضوع مهم..
اتَّجهَ إلياس إلى ميرال:
-مامتك مالها، رجعت تاني تقول كلام مش مفهوم ليه؟..
-إلياس ..تمتمت بها غادة بلسانٍ ثقيلٍ ليلتفتَ إليها يومئُ لها برأسهِ منتظرًا حديثها:
-أيوة حبيبتي عايزة تقولي حاجة..
سمِّي البيبي يوسف، ابتسمَ بحنانٍ عليها ثمَّ رفع كفَّها يقبِّلهُ وأردفَ مازحًا:
-أوعي يابتِّ تكوني بتحبِّي حد اسمه يوسف ..ضمَّت ذراعهِ تدفنُ رأسها به:
-بحبُّه أوي أوي..
-نعم ياختي، متفكَّريش علشان إنِّك تعبانة هسكت لغلطك..
بترَ حديثهم إسلام وهو يهتفُ بسعادةٍ مرسومةٍ بإتقان:
-ألف مبروووك يا أبو يوسف، بدل غادة أمرت يبقى خلاص، لازم نسمِّيه يوسف، وعلى فكرة يوسف دا اسمِ طفل كان في الدار وجم ناس اتبنوه، وكان حلو أوي وغادة كانت متعلَّقة بيه مش كدا يادودي…أومأت برأسها مع بكاءِ عيناها..
ظلَّ يدقِّقُ النظرَ بينهما إلى أن توقَّفت ميرال:
-هطلع أشوف ماما وأقعد أشتغل شوية، بعد إذنكم..
-ميرال اتصلي وخدي أجازة لحد الولادة علشان ماترهقيش نفسك
رمقتها بنظرات صامته، تعشقه حد الجنون ولكنه متملك حد القسوة، لا تنكر أنه أهداها حياة أبدية بالعشق والحنان، ولكنه يسرقها بتحكمه، ويقتل أحلامها التي تسعى تحقيقها، كيف وعدها بالسعادة، وهو يخنقها بتحكماته، تنهيدة مرتجفة افلتتها قائلة بخفوت
-مقدرش اسيب شغلي ياإلياس، ومتحاولش تقنعني..تمتمت بها وغادرت
عند رحيل خرجت من الشركة، وجدت أحدهم يقف أمامها
-استاذة رحيل الباشا قال لازم نوصلك لحد البيت، لو سمحتي اتفضلي على عربيتك ..توقفت تطالعه بذهول، فهدرت به غاضبة:
-انت اتجننت ..أشار إلى سيارتها
-تحركي لو سمحتي بلاش اخد موقف انا عبد المأمور ..تحركت بأنفاس مرتفعة إلى أن فتحت باب السيارة، ليجذبها أحدهم قائلًا:
اربطي الحزام بسرعة، اومأت مبتسمة عندما وجدته بمكان القيادة، لحظات وهرول بالسيارة بسرعة جنونية مما جعل الاخرون يصرخون وهما يتجهون سريعًا إلى السيارة
نظرت للخلف تنظر إليهم والسعادة لمعت بعيناها تضع كفوفها على صدرها:
-يااااه كابوس، شكرا بجد ..ظل يسير بالسيارة إلى أن توقف أمام أحد العقارات نظرت تقرأ مايدون فوق اللوحة الإلكترونية
-ايه دا انت جايبني هنا ليه، أغلق السيارة وتوجه بجسده إليها
-مفيش حل غيره، بس لو رافضة انسي أنا بحاول اساعدك ..نظرت إليه ثم إلى اللوحة واغمضت عيناها ولا تشعر بتلك الدمعة التي تدحرجت على وجنتيها، ليقترب يزيلها بابهامه
-خلاص انسي ولا كأننا جينا هنا، انا حاولت اساعدك وبس
عند إلياس
تحركت ميرال بعدما ألقت حديثها الذي اغضبه، ورغم ذلك ظلَّت نظراتهِ تتابعها إلى أن اختفت من أمامه، شعرَ بأناملِ غادة على ذراعه:
-إلياس ..التفتَ إليها ورسمَ ابتسامة:
-أيوة حبيبتي..وضعت رأسها على كتفهِ قائلة:
-ليه مزعَّل ميرال..رمقها من فوقِ كتفهِ ثمَّ حملَ كوبهِ يرتشفُ منه:
-غادة من إمتى بتدَّخلي في حاجات خاصة، حياتي أنا وميرال خاصة بينا، نهضَ بعدما وضعَ فنجانهِ ينظرُ إلى إسلام الذي يتفحَّصُ هاتفه:
-عايزك في المكتب..
أومأ له فتحرَّكَ متَّجهًا إلى مكتبه، اقتربَ من غادة:
-حبيبتي متزعليش منُّه، هو عنده حق مينفعشِ ندَّخل في حياته الخاصة..
-أغمضت عينيها حتى لا تذرفَ دموعها تهزُّ رأسها..نهضَ وانحنى يقبُّلُ رأسها:
-قومي ارتاحي في أوضتك، وسيبي كلِّ حاجة ماشية زي ماهي، إلياس بيحبِّ ميرال متخافيش مش هيئذيها مهما حصل، وتأكدي عمره ماهيتخلَّى عنَّنا حتى بعد مايعرف الحقيقة، المهمِّ ياغادة إلياس يفضل أخوكي الكبير اللي له احترامه، أوعي تفكَّري علشان مطلعشِ أخونا يبقى نقلِّل من احترامه، أنا عن نفسي هيفضل أخويا الكبير لحدِّ ماأموت، ماشي حبيبتي..
أومأت مبتسمةً ثمَّ تساءلت:
-ماما فريدة خلاص مش هتتطلَّق من بابا هي وعدتني مش هتسبنا..
نصبَ عودهِ ومسَّدَ على خصلاتها قائلًا:
-أكيد مش هتقدر تستغنى عننا، نهضت تتشبثُ بكفَّه:
-حقيقي أرسلان بيكون أخو إلياس الكلام دا حقيقي؟..
حاوطَ جسدها وتحرَّكَ معها إلى الأعلى:
-دا موضوع كبير بس مينفعشِ نتكلِّم فيه، أوعديني متقوليش لحدِّ حاجة مهما حصل، عايزك تنسي اللي سمعتيه..
قبَّلتهُ على وجنته:
-أوعدك مش هقول لأيِّ مخلوق، أنا وعدت بابا كمان، بس برضو مش قادرة أتقبَّل إن إلياس مش أخونا..
تراجعَ خطوةً للخلفِ يهزُّ رأسهِ مستاءً وأجابها بنبرةٍ حادَّة:
-إلياس مصطفى السيوفي ياغادة، ياله بقى اطلعي أوضتك، عايز أنزل لأخوكي..
وصلَ بعد قليلٍ إلى غرفةِ المكتبِ وجدهُ متوقِّفًا أمامَ النافذةِ ينظرُ للخارج، وحديث ميرال يصم اذنه ..حمحمَ مقتربًا منه، استدارَ يشيرُ إليهِ بالجلوس، ثمَّ توجًَّهَ إلى مقعدهِ وجلسَ متراجعًا بظهرهِ وعينيهِ تخترقه:
-سامعك، قولِّي مخبِّي عليَّا إيه؟..
ضيَّقَ عينيهِ ورسمَ استنكارًا لعدمِ معرفته:
-مش فاهم حضرتك ياأبيه؟..اقتربَ مستندًا على المكتبِ وحدجهُ بنظرة:
-إسلام معنديش طولة بال، ليه سبتِ البيت وليه غادة وصلت للحالة اللي كانت عليها قبلِ ماأسافر؟،،
اقتربَ مثلهِ وطالعهُ مجيبًا:
-أنا مسبتشِ البيت أنا كنت في تدريب عملي أسبوع مع فريقي، وكمان كان عندي تدريب في النهائي اللي حضرتك نسيته، أمَّا غادة عادي تكون حالتها متقلِّبة ياحضرةِ الظابط نسيت إنَّها بنوتة وعندها تغيُرات يعني ممكن حالة عاطفية، ممكن حالة صداقة فاشلة، أو حالة نفسية عادية..
تراجعَ ينظرُ إليهِ ساخرًا، وردَّدَ حديثهِ مستهزئًا:
-هعمل مصدَّق ياإسلام، بس لو عرفت غير كدا هزعل منَّك، ياله قوم شوف مذاكرتك..
نهضَ من مكانهِ وتحرَّكَ للخارجِ دون تعقيب..
ظلَّ لبعضِ الوقتِ يراجعُ على بعضِ أعماله، تراجعَ ينقرُ هامسًا:
-الواد دا فين بقاله فترة مش باين، رفعَ هاتفهِ وحاولَ الوصولَ إليهِ ولكن كالعادة الهاتفَ الذي تريدُ الوصولَ إليهِ ربما يكون مغلقًا..اتَّجهَ مرَّةً أخرى:
-أهلًا بحضرتك ياأفندم..معاك إلياس السيوفي..
حمحمَ إسحاق: عارفك أكيد ياحضرةِ الظابط..توقَّفَ متراجعًا إلى الشرفة:
-بسأل عن أرسلان بقاله فترة مش باين..
-أرسلان برَّة في عمل، مضغوط في الشغل الأيام دي، لمَّا يفضى أكيد هيكلِّمك..
هزَّ رأسهِ متفهمًا:
-لا أنا كنت بطَّمن عليه، شكرًا لحضرتَك، وآسف لمعاليك..
-ولا يهمَّك، إن شاءالله يخلَّص شغله وأخلِّيه يتواصل معاك…
بعدَ فترةٍ صعدَ إلى غرفتهِ وجدها تستندُ على الفراشِ وكأنَّها تقرأ شيئًا، استمعَ إلى طرقاتٍ على بابِ الغرفة..أذنَ بالدخول، دلفت الخادمة بكوبٍ من اللبن..أشارَ إليها:
-حُطيه عند المدام …اقتربت لتضعه، ولكنَّها أوقفتها:
-لا خديه مش هشربه، أنا مبحبِّش اللبن.
أشارَ للخادمة:
-حُطيه واطلعي…أومأت له:
-تؤمر بحاجة تانية؟..
-شكرًا..خرجت الخادمة، اقتربَ من جلوسها:
-ميرال اشربي اللبن وهوَّ سخن، مفيد للحامل، وكمان ..قاطعتهُ بعدما ألقت مابيديها واتَّجهت بأنظارها إليه:
-بس أنا مبحبوش، إيه هتغصب عليَّا في دي كمان..
نزعَ تيشرته، واتَّجهَ إلى غرفةِ الملابسِ هاتفًا:
-مش عايز دلع إنتِ مش طفلة علشان أغصب عليكي، اللبن يتشرِب صحتِك أهم ..
تعاظمَ الغضبُ بداخلها من ردوده، وهاجت كوحشٍ كاسر:
-بقولَّك إيه ياإلياس متخلِّنيش أكره حملي سيبني براحتي، عايزني أحبِّ حاجة وأنا مبحبهاش..ارتدى ثيابهِ واقتربَ منها:
-إيه الهبل اللي بتقوليه دا، علشان خايف عليكي يبقى أخلَّيكي تكرهيه..
فوقي من حركاتِ العيال دي، مش كلِّ شوية هقولِّك إنتِ مش صغيرة، بعدِ كام شهر هيكون عندك طفل..
أشارَ بعينيهِ على كوبِ اللبن:
-دا أهمِّ حاجة في يومك، وعلى ماأظنّ مش هيموِّتك..
شعرت بنيرانٍ هوجاء بداخلها لتدفعَ الكوبَ بعنفٍ حتى هوى على الأرضية، بعدما تحوَّلَ غضبها لنيرانٍ حارقةٍ وهدرت بعنف:
-أنا تعبت من حياةِ الأوامر بتعتك دي، مش علشان بحبَّك أستحمل أوامرك، لا فوق ياحضرةِ الظابط، حياتي وأنا حرَّة فيها..قالتها ونهضت من مكانها بعنفوان، وهمَّت بالمغادرةِ ولكنَّهُ أطبقَ على ذراعها بقوَّةٍ واشتبكت عيناهُ الناريةِ بعينيها:
-إيه اللي عملتيه دا..نزعت عينيها مبتعدةً عن أعينهِ الصقرية التي تحرقها ..ضغطَ بقوةٍ على ذراعيها حتى شعرت بآلامها وهتفَ يشدِّدُ على كلِّ حرفٍ ينطقهُ مع نظراتهِ القويَّة:
-مالكيش حياة لوحدك، حياتك هيَّ حياتي وبس، هتعيشي زي ماأنا عايز، بدل مابقلِّشِ منِّك وبتعامل معاكي بكلِّ ود ومحبة وواخدة حقِّك يبقى دي حياتك..
-حياتي!! هيَّ فين دي، كلِّ حاجة ضيَّعتها منِّي، مكان شغلي وحرمتني منُّه وأجبرتني على مكانِ تاني، لبسي كلُّه غيَّرته، خروج وأصحاب حرمتني منُّه، حتى التعبير عن رأيي في كتاباتي وحرمتني منه..اقتربت تغرزُ عيناها بمقلتيه:
-إنتَ موتني من يومِ مااتجوزتني ياإلياس، لغيت هويتي، رغم حاولت أتأقلم على عصبيتك، بس لحدِّ كدا وكفاية..
-يعني إيه…تساءلَ بها بجمودٍ بعدما تحرَّكَ مبتعدًا عنها:
-يعني عايزة أرجع لحياتي ياإلياس، ابعد عنِّي مالكشِ دعوة بأيِّ حاجة، بدل مابدَّخلشِ بشغلك متدَّخلشِ بشغلي، مين
-يبقى مفيش شغل ولا خروج ياميرال لحدِّ ماتولدي وبعد كدا هقرَّر أعمل إيه..
قالها ودلفَ إلى الغرفةِ الأخرى يصفعُ البابَ خلفهِ بقوَّة..
صدمها بردِّهِ العنيف، فنهضت متَّجهةً إليهِ بخطواتٍ مستاءة، دفعت البابَ ودلفت للداخلِ وجدتهُ يستعدُّ للنوم، توقَّفت تنظرُ إليهِ بذهول ..
-إيه جاية تكمِّلي خناق، أنا عايز أنام عندي شغل، لو جاية تتخانقي هطردك برَّة الجناح خالص وتروحي أوضتك، والمرة دي مش هرحمك سمعتيني، متفكريش علشان بحبك هعدي غلطك
في لحظة احرق قلبي حتى لو اضطريت انزعه من صدري
تأرجحت عيناها بالألمِ من قسوةِ حديثه، تحاورهُ بسيلٍ متدفقٍ من العتاب، ظلَّت بينهما حربُ النظراتِ التي تُدعى بالكبرياء، إلى أن استدارت وأغلقت الباب خلفها، كتمت دموعها تحتَ جفنيها، آااه بكمِّ الألمِ الذي تشعرُ بهِ داخلَ صدره، من عادتهِ بعقابهِ كلَّما اختلفوا يلجأ إلى نفيها من حياته..
خطت مجبرةٌ إلى خارجِ الجناحِ متَّجهةً إلى غرفتها، دلفت تغلقُ البابَ خلفها، ثمَّ تحرَّكت إلى فراشها لتتمدَّدَ عليه تحتضنُ نفسها كالجنين..
مرَّت الليلةُ ثقيلةٌ على قلبها تنظرُ بالساعةِ مرَّةً والى البابِ مرَّةً أخرى ظنًّا أنَّهُ شعرَ بخروجها ولكن ابتسامةً حزينةً رسمتها على وجهها تهمسُ لنفسها:
-مش دا اللي حبيته ورخَّصتي نفسك بدل المرَّة عشرة اشربي وهيني نفسك وكرامتك كمان وكمان..
أتى صباحٌ جديدٌ محمَّلٌ بالأملِ للبعضِ والألمِ للبعض، ولكنَّهُ صباحٌ من عندِ اللهِ يرزقُ عبادهِ بما لا يعلمون..
خرجَ من الغرفةِ يبحثُ عنها، ثمَّ اتَّجهَ إلى حمامهِ ليخرجَ بعد قليلٍ بروتينهِ اليومي متَّجهًا للأسفلِ يبحثُ عنها بعينيهِ على طاولةِ الطعام..ألقى تحيةَ الصباحِ على الجميع ثمَّ جذبَ مقعدهِ للجلوسِ إلى أن قاطعتهُ فريدة:
-ليه ميرال خرجت بدري على الشغل، وكمان من غير فطار، رفع عينيهِ يطالعها بذهولٍ ولم يشعر بسؤاله:
-هيَّ خرجت بعد مامنعتها، توقَّفَ مصطفى عن تناولِ الطعام:
-منعتها عن شغلها ليه..دفعَ المقعدَ للخلفِ واتَّجهَ إلى أشيائهِ متحرِّكًا للخارج ..وصلَ إلى السيارة:
-مين خرج ورا المدام؟..
-الحراسة بالكامل ياباشا زي ما حضرتك أمرت..استقلَّ سيارتهِ وحاولَ مهاتفتها ولكنَّها لم تجب عليه، ألقت الهاتفَ بالسيارةِ تتمتم:
-شوف مين هيرد عليك..
-أيوة ياباشا …قالها أحدُ حراستها..
-لفِّ وارجع..ولو المدام نزلت من العربية هفضِّي مسدسي في دماغك..
-أوامرك ياباشا..كانت تتصفَّحُ الأخبارَ من الهاتفِ ولم تشعر بعودةِ السيارة، ضيَّقت عينيها بعدما رأت عدمَ عودتهِ بالاتصالِ مرَّةً أخرى..تنفَّست الصعداءَ تنظرُ من الخارج، نظرت من النافذة قائلة:
-هوَّ إنتَ رجعت ولَّا إيه..لم يُجب عليها وظلَّ يقودُ السيارةَ بعدما أشارَ إليه الرجل الذي يجاوره..جذبت ستارةَ السيارةِ وصاحت معنِّفةً إياه:
-أنا مش بكلِّمك، وقَّف العربية بقولَّك..
دقائقَ إلى أن توقَّفت السيارة، ليترجَّلَ منها الرجلينِ ينظرانِ لذاك الذي توقَّفَ بالطريقِ يستندُ على سيارته..أشارَ إليهم بالتحرُّك..نزلت تصيحُ إليهما إلى أن توقَّفت عن غضبها بعدما وجدتهُ أمامها..
فتحَ باب سيارتهِ يشيرُ إليها بالركوب، ثمَّ أخبرَ الحراسة:
-ارجعوا على البيت، تحرَّكت إليهِ بصمتٍ ثمَّ استقلَّ السيارةَ بجوارها دون حديث…قطعت السيارةُ بعضَ الكيلو مترات، فاتَّجهت بنظرها تنظرُ إلى الطريقِ متسائلة:
-إنت واخدني فين؟..استمعَ إلى رنينِ هاتفه مجيبًا:
-إنتَ فين يابني، بقالي فترة مش عارف أوصلك..
-إلياس عربيتك متراقبة، نظرَ بالمرآة، ثمَّ أردف:
-تمام ..رفعَ هاتفه وقام بمهاتفة الحراسة:
-هبعتلك لوكيشن، الحقوني عليه..
نظرت خلفها بعدما وجدت سرعتهِ ينظرُ إليها:
-نزِّلي راسك …قالها وهو يغلقُ جميعَ نوافذِ السيارة..
وآدي آخرة اللي يجري ورا الستات،
إلياس فيه إيه ومين دول..توقَّفت السيارةُ بعدما توقفت إحدى السيارات أمامهِ على بعدِ بعضِ الأمتار، نظرَ للخلفِ وجدَ سيارتهِ محاصرةً من جميعِ الجهات ..انحنى يجذبُ سلاحه:
-انزلي بالكرسي ياميرال مترفعيش راسك..
إلياس مين دول، أوعى يكون عمِّي؟.،
أغلقَ السيارةَ وطافَ بعينيهِ على السيارات التي حاصرتهما…
-إلياس..قالتها بتقطِّعٍ وهي تتشبثُ بذراعه، استدارَ برأسه:
-متنزليش من العربية تمام، جذبَ سلاحه، فتشبَّثت به تهزُّ رأسها ببكاء:
-لا متسبنيش..أمالَ برأسهِ وهمسَ إليها بعض الكلماتِ ثمَّ ابتسمَ قائلًا:
-“بحبك”، ولازم أحاسبك على اللي عملتيه، بس نرجع بيتنا..
-لا والنبي متنزلش..
جفَّ حلقهِ من شدةِ خوفهِ عليها بعدما استمعَ إلى أحدهم:
-هتنزل ولا نفجَّر العربية بيكم..لم يستطع مقاومةِ النغزةِ التي أصابته، ليقتربَ يجذبَ رأسها ثمَّ طبعَ قبلةً على جبينها:
.. ياله هنزل وإنتِ اتحرَّكي بالعربية لو بتحبِّيني زي مابتقولي..
-خليني أتكلِّم معاه ياإلياس أشوفه عايز منِّي إيه..
-ميرال قولت اتحرَّكي..
تساقطت الدموعُ من عينيها وأخرجت كلماتها ببكاء:
-مش هسيبك وأنا هنزلُّه..التفتَ إليها بعيونٍ تشعُّ بنارِ الانتقام:
-ميرال ابني لو حصلُّه حاجة إنتِ هتكوني السبب، لازم تمشي وأنا هتصرَّف..ارتفعت شهقاتها تهزُّ رأسها بالنفي ..إلَّا أنُّهُ فتحَ بابَ السيارةِ يشيرُ بيديه:
-نزلت أهو ابعدوا عن العربية، مراتي مالهاش ذنب…
ترجَّلَ راجح من سيارةٍ سوداء وحولهِ بعضُ البودي جارد:
-إنتَ ليه مفكَّرني هعمل فيك حاجة يابني ..أنا بس عايز اطَّمن على بنتي، إيه يابنِ أخويا، حرام لعمَّك يطمِّن على بنته..قالها بمكرٍ يشيرُ لرجاله:
-أنتوا اتجنِّنتوا رافعين سلاحكم على ابنِ أخويا، اقتربَ من إلياس الذي يطالعهُ بغموض، ثمَّ أشارَ على سلاحه:
-إيه يابنِ جمال عايز تموِّت عمَّك، هيَّ فريدة مش عرِّفتك إنَّك ابنِ جمال الشافعي ولَّا إيه ياحضرةِ الظابط ثمَّ أشارَ على ميرال التي بالسيارة ومراتك تكون بنت عمَّك..
ذهولٌ صدمةٌ وعينانٍ تشعُّ بتجاهلِ مايلقيهِ ذلك الرجل..اقتربَ راجح حتى توقَّفَ أمامهِ وسحبَ سلاحهِ من يدهِ مقهقهًا بصوتٍ مرتفع:
“أهلًا يا يوسف يابني تعالَ في حضنِ عمَّك أنا النهاردة الدنيا مش سيعاني، رغم لعبة أمَّك الخبيثة مع مصطفى، واتفقوا يبعدوك عن عمك، وخططت وبعتتك عنده، وبعد كدا هربت مني لما عرفت بلعبتها القذرة، وغيرت اسمك علشان ماوصلكش، بس عرفت وتأكدت إنَّك ابنِ جمال أخويا، ولو مش مصدَّقني ياحبيبي افتح الظرف دا وإنتَ تعرف ازاي الست دي ضحت باولادها علشان اغراضها الدنيئة هي ومصطفى القذر، وزي ماعرفتك، هدور على جمال اخوك واجيبه ..
هل شعر بخروج الروح من شخصًا عصى ربه ولم يفعل بما أمره الله بل تجبر وعصى في الأرض، وحانت قبض روحه، لتخرج إلى بارئها بكم الآلام على ما فعله من فساد في الأرض ..هذا ماشعر به إلياس..بل شعر وكأن أحدهم سحبه ليدفنه حيًا بقبره، ويتركه وسط الظلام ويرحل، ورغم قوة صرخاته، إلا لا أحد يشعر به”
دقيقة اثنان ثلاثة، وهو واقفًا بجسد كالجبل صامد ثابت ولا يشعر بشيئًا، سوى شريط ذكريات حياته الذي تحرك أمام عيناه
إلى هنا تبدأ شظايا ابطالنا المحترقة، فكل سيسعى جاهدا للأخذ بالثأر من كل من سولت له نفسه
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل السادس عشر 16 - بقلم سيلا وليد
لقد بَكيتُ كثيرًا، أكثرَ مِمَّا يجبُ، أكثر مِن كميةِ الدموع المُخصصة لِحياتي.
دقيقةٌ واحدةٌ استغرقها راجح في تشتُّته، ليقتربَ أكثر ويحتضنه، متمتمًا بنبرةٍ خبيثةٍ كالحرباء:
- ابني حبيبي من ريحة أخويا الغالي..
أحسَّ بالأرضِ تدورُ به وكأنَّهُ تلقَّى ضربةً قويةً بعصا غليظة، وكأنَّ الأرضَ تبدَّلت غيرَ الأرض، والزمان غير الزمان. هل هو بإحدى كوابيسه، أم هذا الشيطان يتلاعبُ به؟
ابتعدَ عنهُ كالملدوغ، ورفع عينيهِ التي تحوَّلت إلى لهيبٍ من قاعِ جهنم، وهو يردفُ من بين أسنانهِ بنبرةٍ مشمئزَّة:
- هعمل نفسي مسمعتش حاجة، وأقسم بربِّ العزة لو حاولت تستفزِّني لأفرَّغ سلاحي في راسك، تاريخك الو..سخ كلُّه عندي، وعارف كلِّ بلاويك.
دنا إلياس بخطوةٍ منهُ وحدجهُ بنظرةٍ يريد أن يحرقهُ ويحوِّلهُ إلى شظايا محترقة.
وبلحظةٍ أطبقَ على عنقهِ يهمسُ بفحيح:
- هتقرَّب منِّي ومن مراتي هدفنك حي، ألعابك القذرة دي تلعب بيها بعيد عن محيط إلياس السيوفي..
اقتربَ منهما البودي جاردات ووجَّهوا السلاح على رأس إلياس، لم يكترث إليهم وظلَّ يضغطُ عليهِ وعينيهِ تطلقُ نظراتٍ نارية. لم يتذكَّر سوى حديثهِ الذي ألقاهُ كالسمِّ الذي سرى ببدنه.
دفعَ رجلا إلياس ووضعَ السلاحَ برأسهِ، مما جعلها تترجَّلُ من السيارةِ تهرولُ إليهِ وتدفعُ الرجلَ بعيدًا عنه:
- إلياس سيبه علشان خاطري، إلياس هيموت في إيدك..
جذبَ الرجلَ ميرال وأردفَ بنبرةٍ تهديدية:
- هنموِّتها.
اختنقَ راجح وتحوَّلَ وجههِ للشحوبِ حتى كاد أن يلفظَ أنفاسهِ الأخيرة. بكت ميرال تستعطفهُ وهي ترى أنَّهُ يتلفظَ أنفاسهِ الأخيرة، ليدفعهُ بعيدًا عنهُ كالعدوى. ولم يكتفِ بذلك بل لكمةٌ قويةٌ بصدرهِ اخترقت عظامهِ وهو يسعلُ بقوَّة.
التفتَ إلى الرجلِ الذي يحتجزُ ميرال ولم يفكِّر كثيرًا، إذ جذبَ سلاحهِ بقدمهِ من فوقِ الأرضِ ورفعهُ لتنطلقَ الطلقة تخترقُ رأسه.
حدثَ هرجٌ ومرجٌ بالمكانِ والكلُّ يقتربُ منهُ بأسلحتهم مع وصولِ حراسةِ إلياس، ليتوقَّفَ بالمنتصف بين راجح وحراسه:
- خلِّي كلب واحد يقرَّب منِّي أو من حدِّ من عيلتي، وأنا أحرقك وأحرق بيتك كلُّه.
أمالَ بجسدهِ لمستواه:
- احفر قبرك ياراجح علشان راجعلَك قريب، مش علشان الهبل اللي قولته، لا علشان وقفت قدَّام عربية إلياس السيوفي وخوَّفت مراتي اللي هي بنت أخوك.
قالها يشيرُ إلى حرسه:
- خدوا المدام على العربية.
تحرَّكت بصمتٍ متجهةً إلى السيارةِ وعيناها على راجح الملقى على الأرض. تعلَّقت عيناهُ بعيونِ الألمِ التي ألقاها بها، ثمَّ صاحَ بصوتٍ مرتفع:
- مروة وحياة وجعي عليكي السنين دي كلَّها لأحرق قلب فريدة وولادها الاتنين.
نهضَ منتصبًا يقفُ أمام إلياس وهتف مزمجرًا:
- ماهو إنتَ لو متربِّي مكنتش عملت كدا في عمَّك.
اقتربَ منهُ يشيرُ إلى ميرال التي جلست بالسيارةِ وعيناها عليهما:
- بنتي هخدها منَّك يابنِ جمال، وأمَّك هجبها راكعة لعندي، واللي معملتوش زمان هعمله دلوقتي، وصَّل لفريدة الكلمتين دول يابنِ جمال.
قالها واستدارَ إلى سيارتهِ وخلفهِ حرسه، بينما ذاك الذي توقَّفَ على كلماتهِ التي سقطت فوق مسامعهِ كسقوطِ نيزك، يهزُّ رأسهِ ينفي مااستمعَ إليهِ هامسًا:
- بيحرق دمِّي علشان ميرال، لا أنا ابنِ مصطفى السيوفي الراجل دا حقير ياإلياس. لا لا.
ظلَّ يردِّدها وعينيهِ على سيارتهِ التي اقتربت من وقوفهِ ليخرجَ رأسهِ قائلًا:
- مش موَّتك النهاردة ضعف منِّي يابنِ جمال، لا.. أنا سايبك علشان تجيب حقِّي من أمَّك الحقيرة اللي باعتك إنتَ وأخوك، عايزك تقتلها زي ماقتلت سمعة أبوك في تربته.
قالها وأشارَ للسائقِ بالتحرُّكِ سريعًا، وهو يطلقُ ضحكةً خشنةً ساخرةً بعدما وجدَ حالته.
رجفةٌ كهربائيةٌ تسرَّبت إلى جسده، ولم يشعر بدمعتهِ الخائنةِ التي انساقت على وجنتيهِ يتمتم:
- مستحيل يعملوا كدا، بابا مستحيل يكون مزوِّر وحقير، وفريدة..
همسَ بها بتقطُّعٍ وآااه حارقة ألهبت حواسِّهِ يهزُّ رأسهِ كالمجنون.
نارٌ سوداءٌ داخلهِ تهتزُّ لها القلوب، من يراهُ الآن يزعمُ أنَّهُ ماردٌ من نار.
خطى بخطواتٍ مترنِّحةٍ كالمخمور، إلى أن وصلَ إلى السيارةِ وهوى على المقعد، يسحبُ نفسًا طويلًا يخرجُ على هيئةِ حممٍ بركانية.
ارتجفَ جسدها على إثرها.
وضعت كفَّيها على كتفهِ بعدما وجدت حالته:
- إلياس الراجل دا قالَّك إيه مخلِّيك كدا؟
طالعها بنظراتٍ جامدةٍ وشعورٌ بداخلهِ يريدُ أن يلقي نفسهِ بأحضانها ويخرجُ تلك الصرخة التي تطبقُ على عنقه.
أطبقَ على جفنيهِ وجسدهِ يرتجفُ كدقَّاتِ قلبهِ وحديثُ راجح كصدى عويل بأذنه، ممَّا جعلهُ يضعُ كفَّيهِ على أذنيهِ يغمضُ عينيهِ بألم، يهمسُ بخفوتٍ وهو يضعُ رأسهِ على مقودِ السيارة:
- دا شيطان أكيد شيطان، بيعمل كدا عايز يحرق فريدة وبس، أكيد شيطان.
ظلَّ يردِّدها كالذي فقدَ عقله.
ضمَّت وجههِ بيديها واغروقت عيناها بالدموعِ على ماصار له.
- حبيبي إيه اللي حصل الراجل دا قالَّك إيه عمل فيك كدا.
حاولَ النطقَ وعينيهِ شاردةً عليها، توقَّفَ عقلهِ بالكامل ولم يدرك سوى بعض الحروف لينطقَ بها:
- انزلي للعربية التانية.
استدارت بكاملِ جسدها إليهِ وجذبت عنقهِ تضمُّهُ بقوَّةٍ إلى أحضانها:
- أنا آسفة، أنا اللي وصلَّتك لعنده، مكنشِ قصدي والله.
دموعهِ هبطت بغزارةٍ بأحضانها، ولا يعلم لماذا تلك الدموع التي أيقنَ أنها عاصفةٌ ستأكلُ روحه.
تراجعَ بجسدهِ ينظرُ من النافذةِ حتى لا ترى ضعفهِ وانكسارهِ وهتفَ بتقطُّع:
- انزلي روحي مع الحراسة عندي شغل، أو روحي شغلك زي ماكنتي مقرَّرة.
- مش هسيبَك كدا.
همست بها بخفوت.
أزالَ دموعهِ ومازالت نظراتهِ الباردة من النافذة:
- رايح شغلي لو سمحتي ممكن تنزلي.
- إلياس.
قالتها ببكاءٍ ودموعٌ انذرفت على وجنتيها ندمًا ثمَّ أخرجت شهقةً تضعُ كفَّها على فمها متمتمةً بنبرةٍ متحشرجةٍ بالبكاء:
- آسفة معرفشِ مالي بقيت عصبية، وعايزة اهتمامك ورفضاه في نفسِ الوقت.
تنهَّدَ بمرارٍ فهو في حالةٍ لا يريدُ السماع إلى شيئ، يكفي ماشقَّ صدرهِ من غوغاءِ ذاك الشيطان.
رفعَ رأسهِ من فوق المقودِ وطالعها بأعينٍ خاوية، ورغم شدَّةِ آلامه:
- ميرال ممكن نتكلِّم بعدين، أنا.
قاطعتهُ تضعُ أناملها على شفتيهِ مقتربةً منه وسلَّطت عينيها بمقلتيهِ بقوَّةٍ هامسةً بنبرةٍ أثارتهُ لتخرجهُ ممَّا أثارَ ريبتهِ قائلة:
- محتاجة منَّك تحضنِّي أوي ياإلياس، مش عايزة غير حُضنك وبس، بجد أنا حاسة إنِّي ضايعة وبخبَّط في كلِّ حاجة، محتاجة حنانك وبس، طلبي صعب.
اهتزَّ داخلهِ بعنفٍ وعينيها تتوسَّلهُ بضعف، تنهَّدَ بأنفاسٍ لفحت وجهها ثمَّ جذبها لأحضانهِ متناسيًا كلَّ مايؤذي روحه.
دفنت رأسها بصدرهِ وارتفعَ صوتُ بكاءها حتى ارتجفَ جسدها بأحضانه. ذُهلَ من حالتها، ربتَ على ظهرها، وحاولَ سحبَ مايؤذيها قائلًا:
- إيه دا بقى، هغيَّر فكرتي عنِّك وأقول البتِّ كبرت وبقت بتحس، عارف إنِّك زعلانة علشان أنا زعلان منِّك مش كدا؟
رفعت رأسها إليهِ ولم تكترث لشيئٍ غير أن تحتضنَ خاصته، لا تعلم مابها وماهذا الذي تفعله، تريدُ أن تبكي وتضحك، تريدُ وتريد. مشاعرَ متخبطة بحالةٍ من الجهلِ لما تشعرُ به.
تجاوبَ معها بقبلتها بل تمادى إلى أن فقدَ سيطرته، كأنَّهُ يبتعدُ عن كلِّ خواطرهِ التي تتأجَّجَ بذهنه.
فصلَ قبلتهِ يضمُّ وجهها بين راحتيهِ قائلًا:
- خايف عليكي أكتر من تحكُّمي فيك، عمري ما فكَّرت أتحكِّم فيكي قدِّ ما فكَّرت إنِّي أخبيكي جوَّا قلبي.
ابتسامةٌ لمعت بعينيها بخطٍّ من الدموعِ لتهمسَ بخفوت:
- أنا بحبَّك أوي ياإلياس ودايمًا عقلي بيوسوس بحاجات مخيفة، معرفشِ ليه.
سحبَ نفسًا وزفره:
- استعيذي بالله ياميرو، متخليش الشيطان يأثَّر عليكي، وفيه أصعب من الشيطان بمراحل. نفسنا، النفس أمارة بالسوء، دايمًا تاخدنا للشيطان، حبيبتي عايزك تهتمِّي بأمور دينك وسيبك من المظاهر الكدَّابة دي.
طبعت قبلةً على وجنتيهِ وألقت نفسها بأحضانهِ تدفنُ نفسها تريدُ أن تختفي بين ذراعيه.
حاوطها بحنانِ ذراعيهِ ولسانَ حالهِ يردِّدُ مبتسمًا:
- هدخل بسببِك مستشفى المجانين.
قامت بتشغيلِ السيارة، تضعُ يدها على كفِّه:
- اخطفني النهاردة مش عايزة حاجة غير إنَّك تخطفني.
رفعَ حاجبهِ ساخرًا من طريقتها الطفولية:
- أخطفك، وبعد كدا فريدة هانم تولول عليكي.
لكزتهُ بصدرهِ ثمَّ عانقتهُ تداعبُ أنفه:
- ميهمنيش بدل هكون معاك ميهمنيش حاجة.
انحنى مقبلًا عليها بثورةٍ من القبلاتِ وهو يروي روحهِ التي تسلَّلت من جسدهِ منذ فترة.
ابتسمت برضا بعدما أخرجتهُ من حالتهِ تشيرُ إلى الطريق:
- ياله اخطفني بقى علشان كدا لو حدِّ مسكنا ممكن يعملونا قضية آداب.
أفلتَ ضحكةً رجوليةً وكأنَّ الذي يضحكُ ليس الذي كان يحترقُ منذ قليل.
قادَ السيارةَ بذراعٍ وضمَّها بالآخرِ يستندُ برأسهِ فوق رأسها.
رفعت رأسها متسائلة:
- نفسك في بنت ولَّا ولد؟
رفرفَ قلبهِ بالسعادةِ من تلفُّظها لذاك السؤال، ممَّا جعلهُ يعتدلَ وهو يوزِّعُ نظراتهِ بين الطريق وبينها، ولم يشعر بكفِّهِ وهو يمرِّرهُ على أحشائها مبتسمًا:
- أيِّ حاجة مش هتفرق، بابا عندي تكفِّيني وبس، على ماأظن مفيش اختلاف بين الجنسين.
داعبت وجنتيهِ وهي تستندُ على كتفهِ بذراعها وناظرتهُ بتفحُّص:
- نفسي في ولد ويكون شبهَك بجد.
توقَّفت السيارةُ أمامَ منزلهما ليغلقها ثمَّ استدارَ إليها يستمعُ إلى أمنياتها.
دنا يطبعُ قبلةً على وجنتيها:
- كلِّ اللي يجيبه ربِّنا كويس ياميرو، المهم تقوميلي بالسلامة، وتربيه كويس سواء بنت ولَّا ولد مش فارقة معايا أهمَّ حاجة عندي إنِّك تكوني أمُّه.
قشعريرةٌ لذيذةٌ دبَّت بسائرِ جسدها من كلماتهِ الندية:
- ربِّنا مايحرمني منَّك حبيبي.
فتحَ بابَ السيارةِ يشيرُ إليها بالنزول، مع ارتفاعِ رنينِ هاتفهِ، أشارَ إليها لتقتربَ منهُ يحاوطها تحتَ ذراعيهِ يجيبُ على هاتفه:
- إلياس اتأخَّرت ليه ؟!
تساءلَ بها شريف.
تحرَّكَ وهو يضمُّها مجيبًا:
- هجي بعد الضهر.
توقَّفت معترضة، ابتسمَ وهو يجذبها مرَّةً أخرى وتحرَّكَ للداخلِ ومازال يتحدَّثُ بهاتفه:
- معلش ياشريف، عارف تقَّلت عليك بقالك أسبوعين شايل الشغل لوحدك.
توقَّفَ شريف من مقعدهِ مبتعدًا عن الذي يجلسُ بمقابلتهِ وأجابهُ بصوتٍ خافت:
- سيادة العقيد إسحاق الجارحي منتظرك في المكتب، أنا خبَّرته إنَّك في الطريق.
توقَّفَ قائلًا:
- عايزني أنا ليه، فيه حاجة؟
- معرفشِ. إيه هتيجي ولَّا.
قاطعهُ ينظرُ إلى ميرال التي عقدت ذراعيها فوق صدرها ثمَّ أردف:
- عشر دقايق وأكون عندك.
قالها وأغلقَ الهاتفَ يضعهُ بجيبه، واقتربَ يحاوطها بين ذراعيه:
- آسف لازم أروح الشغل، إحنا بقالنا أسبوعين مع بعض، وشريف شايل الشغل، غير فيه حدِّ مهمّ منتظرني. إيه رأيك نتعشى برَّة لمَّا أرجع؟
أومأت بعينيها مبتسمة، هي كانت تريدُ أن تسيطرَ على غضبهِ الذي تجلَّى عليه بعد حديثهِ مع راجح وقد نجحت بذلك، ضمَّت نفسها إليه:
- انا كمان هروح اخلص شغل متعلق، وهستناك متتأخَّرش، هنتعشى في بيتنا مش برَّة.
طبعَ قبلةً على جبينها واستدارَ إلى سيارتهِ يشيرُ إلى حراسه:
- خلِّيكم مع المدام ممنوع حدِّ يدخل من غير ماأعرف.
قالها واستقلَّ السيارةَ متجهًا إلى عمله.
بمنزلِ زين الرفاعي:
نهضت من مكانها بجسدٍ ضعيفٍ تأوَّهت حينما شعرت بالترنُّح. دارت بعينيها بالغرفة، تتنهدُ بألمٍ فمنذ مجيئها بالأمسِ وهي تغلقُ البابَ على نفسها؛ ولا تريدُ أن ترى أحدًا وخاصةً ذاكَ الذي وهبتهُ حياتها ولكنَّهُ سلبها دون حق.
استمعت إلى طرقاتٍ على بابِ الغرفة، أذنت بالدخول، دلفت الخادمةُ تحملُ طعامها:
- جبتلِك الغدا يادكتورة.
اقتربت منها حينما وجدت ضعفها، وساعدتها بالجلوس:
- ارتاحي يابنتي شكلك دايخ.
احتضنت رأسها قائلة:
- عندي صداع يادادة ممكن تعمليلي قهوة.
ربتت على كتفها وهدَّأت من وجعها حينما ضمَّت رأسها بين راحتيها تردِّدُ آياتٍ من الذكرِ الحكيمِ ثمَّ أردفت:
- بلاش قهوة في أوَّل حملك حبيبتي، هعملِّك كوباية حليب دافية كمان شوية المهم تاكلي من إمبارح مأكلتيش حاجة.
وكأنَّ كلمةِ حامل فتحت أبوابَ الجحيمِ على قلبها الذي بدأ يتعافى رويدًا رويدًا.
طافت عيناها بالمكانِ تبتعدُ عن نظراتِ الدادة متسائلةً بخفوت:
- حرام عليَّا لو نزَّلتوا يادادة؟
ضربت على صدرها مع خروجِ شهقةٍ اعتراضيةٍ من فمها تضمُّها إلى أحضانها:
- بعدِ الشَّر عليه يابنتي، ليه ياحبيبتي تعملي كدا، دي نعمة غيرك بيحفر بالتراب علشان ينولها، أوعي تقولي كدا تاني.
هربَ اللفظُ من بين شفتيها وهي تنظرُ إليها بعيونٍ مكدَّسةٍ بالدموع، تهزُّ أكتافها بعجزٍ وبلحظةٍ لا إراديَّةٍ منها أفلتت شهقةً مليئةً بالأسى:
- بس أنا مش عايزاه، أنا مش عايزة ولد يربطني بآدم.
وقفَ متجمِّدًا على بابِ الغرفةِ يستمعُ إلى حديثها الذي زرعَ أشباحًا سوداءَ على نبضِ قلبهِ المتعذِّبَ بعشقها.
دلفَ إليها بخطًا مرتعشةً من قسوةِ حديثها، ونظرةٌ خاليةٌ من أيِّ مشاعر، تفحَّصها وهو يهتفُ للدادة:
- انزلي يادادة بابا عايز قهوة.
أومأت متفهِّمةً فخرجت بعدما رمقتها بنظرةٍ جانبية.
اقتربَ وجلسَ بجوارِها.
التفتت بنظرها إلى الشرفةِ بملامحَ شاحبةٍ وروحٌ كأنَّها قُتلت ودُفنت بالقبور.
- عايزة تقتلي ابني ياإيلين.
هكذا ردَّدها بلسانٍ مرتجفٍ لتجيبهُ بانكسارِ روحها:
- وعايز منِّي أتقبَّله إزاي وأنا مش متقبِّلة فكرة إزاي جه. دي مكنتشِ حالة حب يادكتور، دي كانت حالة من ضعفِ قلبي لانتظارك لسنوات وفي الآخر راجع بكلِّ جبروت تدفنه.
استدارت تحدجهُ بنظرةِ خالية من أي مشاعر، واستطردت معاتبة:
- استغلِّيت ضعفي يادكتور، لتاني مرَّة زي مااستغلِّيت قذارة مرات أبويا في دعوى الحماية، ودلوقتي أنتوا الاتنين للأسف في خانة واحدة، هي بحقارتها وإنتَ بغدرك. الولد دا مش عايزاه ياآدم ودا آخر كلام.
قبضةٌ مميتةٌ اعتصرت فؤادهِ ولم يستطع كبحَ دموعهِ التي انسابت على خدَّيه، ليتمتمَ بخفوت:
- مقدرشِ أشيل ذنب في قتلِ روح.
قالها وتوقَّفَ ومازالت نظراتهِ عليها حتى استدارَ للمغادرةِ إلَّا أنَّها أوقفته:
- أوعى تفكَّر إنِّي هتنازل عن الطلاق، حتى لو الولد دا جه، أنا هتنازلَّك عنُّه مش عايزاه، بس مستحيل فيه حاجة تربطني بيك غيره سوى اسمك في شهادة الميلاد.
خطى بخطواتٍ سريعةٍ يأكلُ الأرضَ ليشعرَ بتزلزلها تحتَ قدميه.
ليتوقف بعدما استمع إلى رنين هاتفه:
- آدم فينك، أنا وصلت المطار.
التفتَ إلى غرفة إيلين ثم استدار مبتعدًا يجيبها:
- خليكي عندك انا جايلك.
بمنزلِ أرسلان:
أنهت تجهيزَ طاولةَ الطعامِ واتَّجهت إلى نومه، اقتربت منهُ تمرِّرُ أناملها على وجههِ ثمَّ انحنت تطبعُ قبلةً على وجنتيهِ تهمسُ بجوارِ أذنه:
- حبيبي ياله، هتفضل نايم.
فتحَ عينيهِ بتململ، وضعت ذقنها على صدرهِ تبتسمُ على هدوئهِ إلى أن فتحَ عينيهِ كاملًا:
- الساعة كام حبيبتي.
رفعت عينيها للساعةِ مردفة:
- الساعة عشرة، قوم بقى الأكل هيبرد.
ابتسمَ يجذبها لأحضانهِ يرفعُ خصلاتها من فوقِ وجهها:
- الأكل هيبرد. بردو وقفتي في المطبخ، مش قولت هنشوف طباخ وسُفرجي علشان غرامي ترتاح.
حاوطتهُ بذراعيها تضعُ رأسها على صدره:
- بكون فرحانة وأنا بعملَّك الأكل بنفسي، أرسلان مالوش لازمة الطباخ.
رفعَ ذقنها من فوقِ حضنه، ثمَّ جذبَ عنقها ليتذوَّقَ شهدَ عسلها وينثرَ قبلاتهِ على كرزيتها.
لحظات بل دقائقَ يهمسُ إليها بعض الكلمات، لتختفي بأحضانهِ خجلًا من حديثه، تهمسُ له بخفوت:
- عيب وقوم علشان ناكل أكلِ البني أدمين مش أكلك اللي مابيشبَّعشِ دا.
قهقهَ بصوتٍ مرتفعٍ معتدلًا وهو يحملُها غامزًا:
- كدا بتعيِّبي في الصقرِ ياستِّ البنات، والصقر زعلان، لازم يخرَّج حتة دهب من المحيط.
هزَّت ساقيها وهو يحملُها متَّجهًا إلى غرفتهما:
- أرسلان بس بقى نزِّلني.
قالتها بضحكاتٍ مرتفعةٍ بعدما دفعَ البابَ بقدمه:
- واللهِ لازم تصالحي الصقر، أصل زعلُه وحش.
بعدَ فترةٍ على طاولةِ الطعام، كان يتناولُ طعامهِ بصمت، رفعت عينيها:
- أرسلان.
اتَّجهَ إليها بأنظارهِ منتظرًا حديثها:
- إيه مش هنروح الفيلا النهاردة، دا تالت أسبوع منعزلين عنُّهم.
تركَ طعامه، ورفعَ محرمتهِ يمسحُ فمهِ مجيبًا:
- لا. عندي شغل وهرجع متأخَّر وبكون تعبان، اجهزي أعدِّيكي على والدك وأنا راجع أخدك.
نهضَ من مكانه، تشبَّثت بكفِّهِ ترفعُ رأسها إليه:
- إنتَ مخبِّي عليَّا حاجة، يعني زعلان مع والدتك أو والدك؟
انحنى لاثمًا جبينها ثمَّ رسمَ ابتسامةً قائلًا:
- حبيبتي مفيش زعل ولا حاجة، بس أنا بين هنا وهناك بكون تعبان، والأيام دي فيه شغل كتير في النادي وكمان الشركة، وأنا دماغي وجعاني من دوشةِ الفيلا.
توقَّفت بمقابلتهِ وتعمَّقت بالنظرِ إليه:
- يعني مش علشان عمِّتك استقرِّت عندكوا هيَّ وتمارا؟
تراجعَ للخلفِ بعدما نزعَ يدهِ بهدوءٍ واستدارَ للداخلِ مردفًا:
- منكرشِ إنَّها سبب، بس مش الوحيد، المهم اجهزي علشان لازم أكون في النادي الساعة اتناشر.
قالها ودلفَ للداخلِ يزفرُ بهدوءٍ محاولًا السيطرةَ على أعصابه، كلَّما تذكَّرَ حديثَ عمِّهِ وإجبارهِ بالرضوخِ لوجودِ عمَّتهِ وابنتها بمنزلِ والدهِ يُصاب بالجنون.
رفعَ هاتفه:
- صباح الخير ياعمُّو.
- أهلًا حبيبي، معدتشِ عليَّا إمبارح ليه؟
مسحَ على خصلاتهِ يدورُ حول نفسهِ بالغرفةِ متسائلًا:
- عملت إيه في الموضوع اللي قولتلَك عليه؟
أشعلَ إسحاق سيجارتهِ ينظرُ لشريف الجالسَ بمقابلتهِ ثمَّ أجابه:
- أنا في المكتب عند إلياس، لمَّا أقابلك نتكلِّم. سلام دلوقتي.
قالها وأغلقَ الهاتفَ بدخولِ إلياس.
- صباح الخير معالي الباشا، وأنا بقول المكتب والجهاز كلُّه منوَّر ليه.
ابتسمَ إسحاق متوقِّفًا يحييه:
- أهلًا ياحضرةِ الظابط.
- أهلًا بيك ياسيادةِ العقيد، ليَّا الشرف طبعًا بنورِ حضرتك.
اتَّجهَ إلى شريف متسائلًا:
- ضيَّفت سيادةِ العقيد يابني ولَّا يقول علينا بخلة.
أفلتَ ضحكةً خشنةً يهزُّ رأسهِ قائلًا:
- صاحب واجب ياإلياس باشا والله.
خلعَ جاكيتهِ يضعهُ على ظهرِ مقعدهِ مع ثني أكمامهِ بدلوفِ الساعي بقهوتهما،مرَّرَ نظراتهِ على إسحاق ونطقَ بنبرةٍ رجولية:
- كلِّي آذانٌ صاغية ياباشا، وجودك هنا كبير مش من فراغ.
حكَّ إسحاق ذقنهِ وعينيهِ تفترسُ جلوسَ إلياس، فأشار إلى ذراعهِ ضاحكًا:
- قعدتك دي بتخلُّوهم يظنُّوا بيكم السوء ياجدع.
قهقهَ إلياس متراجعًا بجسده:
- ودامطلوب ياباشا.
أممم.
أخرجَ ورقةً ووضعها أمامه:
- عايز المطلوب هنا.
رفعَ الورقةَ ينظرُ إليها ثمَّ اتَّجهَ بنظرهِ متسائلًا:
- هو حضرتك مش عقيد شرطة برضو ولَّا معلوماتي غلط؟
ابتسامةٌ عابثةٌ يحدجهُ قائلًا:
- سمعت إنَّك ذكي، وتفهمها وهيَّ طايرة.
- أه يبقى معلوماتي ناقصة مش غلط.
دقَّقَ النظرَ إليه:
- محبِّتشِ أبعت حد وجتلك لمَّا عرفت إنَّك المسؤول الأوَّل.
- بس دا خطر ياإسحاق باشا، يعني لازم طلب رسمي.
لم تتحرَّك عضلة من وجههِ ومازالت نظراتهِ تخترقهُ متمتمًا:
- واعتبر جيِّتي طلب رسمي، مش كفاية؟
توقَّفَ إلياس واستدارَ متَّجهًا إلى المقعدِ الذي يقابله:
- جيِّتك على راسي طبعًا، وأنول الشرف، لكن أعذرني الموضوع دا مينفعشِ يخرج إلَّا بإذنِ رسمي، متزعلشِ منِّي ياباشا دا أمنِ بلد وإنتَ أكتر العارفين.
هزَّ رأسهِ وتابعَ مستطردًا:
- أتمنَّى تتفهَّم الوضع.
نهضَ من مكانهِ يغلقُ حلَّتهِ وبسطَ كفِّه يصافحه:
- أكيد طبعًا، بالليل الطلب هيكون عندك، بس أتمنَّى الموضوع يمشي سري ميخرجشِ برَّة المكتب.
- ولا كأنِّي شوفت حضرتك.
عندَ أرسلان بعد إغلاقه، أنهى تجهيزهِ بدخولِ غرام إليه:
- خلَّصت لو هنمشي.
أومأ بصمت.
اقتربت منهُ بعدما وجدت صمته:
- بقالي فترة حاسة إنَّك مخبِّي عليَّا حاجة، أرسلان أنا مراتك يعني المفروض تشاركني في كلِّ أسرارك.
ضمَّ أكتافها ثمَّ رفعَ كفَّها وطبعَ قبلةً رقيقةً بداخله:
- حبيبتي إرهاق من الشغل مش أكتر، مضغوط ياغرام من كلِّ الجهات، غير عندي سفرية مهمَّة وهغيب فيها أسبوعين على الأقل ودماغي مشغولة بيها.
حاوطت عنقهِ ورفعت أناملها تتلاعبُ بزرِّ قميصه:
- أوعى تكون ناوي تتجوِّز علشان تعرف تدخل حفلة من حفلاتك الغامضة دي.
داعبَ أنفها مقهقهًا وأردفَ غامزًا:
- لا ياحبيبي كلِّ مرَّة بغيَّر الفكرة، يعني ممكن أتجوِّز بس بطريقة تانية.
لكزتهُ بجنبهِ وأشارت بسبباتها تهدرُ معنِّفةً إياه:
- طيِّب يبقى إعملها وشوف هعمل فيك إيه.
هاجت بغضبٍ واقتربت تلكمهُ بقوَّةٍ حتى شعرت بتجمُّعِ الدموعِ بعينيها كلَّما خُيِّلَ لها تلك الفكرة الهوجاء.
جذبها يضمُّها لأحضانه:
- إشش اهدي، أنا بهزَّر، تفتكري ممكن أعمل كدا.
عانقتهُ وأردفت ببكاء:
- مهووسة أوي ياأرسلان، عايزة أخرَّج الأفكار الشيطانية دي بس مش قادرة، كلِّ سفرية بتجنِّن. عارفة أنُّه شغل وشغل مهمّ بس.
قاطعها يضعُ أناملهِ على شفتيها:
- غرام إيه اللي بتقوليه دا، مش معنى إنِّنا اتجوَّزنا بالطريقة دي يبقى كلِّ شغلي جواز، أبدًا دي كانت فكرة من الأفكار وبيكون فيه كذا بديل.
تأجَّجَ صدرهِ من بكائها وحزنها، شدَّدَ من احتضانها وأضافَ بنبرةٍ عاشقة:
- من حسنِ حظي وقتها مفكَّرتش ببديل علشان أحبِّك وأتمسَّك بيكي.
نزلَ بجبينهِ لجبينها يردفُ بنبرةٍ أثارت دواخلها:
- ثقي في حبيبك إنِّك عنده أغلى وأجمل حاجة في الدنيا ومستحيل أتنازل عنها.
قبلةٌ بجانبِ شفتيها:
- إنتِ غرامي، عايزك تترجمي الكلمة دي لأنَّها تعني الكثير ياحبيبي.
ربتَ على كتفها يشيرُ إلى حقيبتها:
- ياله علشان اتأخَّرنا.
بمنزلِ يزن نهضَ من نومهِ على صوتِ طرقاتٍ قوَّيةٍ على بابِ منزله، انتفضَ الجميعُ فاتَّجهَ إلى البابِ يفتحه.
دفعَ طارق البابَ دالفًا إلى الداخلِ يجاورهُ أحدِ الظباط، وصل إلى الغرف كالمجنون، يردد:
- هي فين.
فزعت ايمان صارخة، مما ألهبت مشاعر يزن بغضب ودفعه ليتراجعَ خطوةً، جن جنونه متَّجهَا إليه:
- فين رحيل يالا، الكاميرا لقطتك وإنتَ بتخطفها بالعربية.
أنزلَ يديهِ بقوَّةٍ يدفعهُ بعيدًا عنه:
- إنتَ إزاي تتهجِّم على بيتي، وتدخل بالطريقة دي وتنتهِك حُرمة بيتي.
استدارَ للظابطِ وأردفَ بصوتٍ قوِّي:
- مش من حقِّ حدّ يهجم على بيوتِ الناس المحترمة كدا ياحضرةِ الظابط، أنا مش متَّهم وممكن أرفع قضية سبّ وقذف وهجوم كمان، بأيِّ حق تدخلوا بالطريقة دي وبيتي فيه بنات.
اقتربَ طارق كالمجنون وحاولَ ضربهِ إلَّا أنَّ الضابطَ توقَّفَ بينهما:
- اهدى ياطارق.
استدارَ يطالعُ يزن باستخفافٍ وأردفَ ساخرًا:
- تعمل إيه ياحيلة أمَّك ترفع قضية سبّ وقذف.
دفعهُ بقوَّةٍ يشيرُ بيده:
- ماتتظبَّط ياله وتعرف بتتكلِّم مع مين، فين رحيل العامري اللي خطفتها.
هاجت عيناهُ بالغضبِ المحموم، وهو يرمقُ الضابط:
- معاك أمر بالتفتيش والهجوم على بيتي كدا؟
- ولا.
فوق بدل ماأخلِّيهم يفوَّقوك بالسجن.
اقتربَ يزن وغرزَ عيناهُ بمقلةِ الضابط:
- الشرطة في خدمةِ الشعب ياباشا، مش في سحلِ الشعب. علشان واحد مايساويش ربعِ راجل له واسطة توقف وتتِّهمني وتهجم على حرمة بيتي، بلاش نصدَّق اللي بيتقال ياباشا علشان في نماذج كتيرة محترمة، وفيه نماذج.
رفعَ الضابطُ سلاحهِ يجزُّ على أسنانه:
- دا أنا أدفنك هنا يالا قدَّام حرمة بيتك اللي قارفني بيهم.
صرخت إيمان وهرولت تقفُ أمامَ أخيها تبكي قائلةً بشهقات:
- سامحه ياباشا والنبي ماتئذيه.
جذبها يزن بقوَّةٍ وأبعدها ينظرُ إليها بعتابِ ثمَّ اتَّجهَ إلى الضابط:
- اقتلني أنا واقف أهو.
خرجت رحيل وتوقَّفت أمامَ الضابط:
- أنا اللي هعرَّفك إزاي تهاجم على بيوتِ الناس مستغلّ سُلطتك ياحضرةِ الظابط.
جُنَّ طارق يشيرُ إليها:
- شوفت أهي عنده، كنت عارف أنُّه واطي وهو اللي خطفها.
طالعَ يزن وارتفعَ جانبَ وجههِ ساخرًا:
- وعملِّي فيها محامي وصوتك وهعمل وإنتَ مخبِّيها جوَّا.
ثمَّ ألقى نظرةً على رحيل واستطرد:
- وإنتِ يارحيل خايفة منُّه ليه ماسك عليكي إيه ولَّا مهدِّدك بإيه؟
أشارَ للشرطي:
- هاتوا الواد دا.
اتَّجهت إلى الضابطِ تحدجهُ بغضبٍ وهدرت بهِ بنبرةٍ عنيفة:
- هوَّ فيه حد بيخطف مراته ياحضرةِ الظابط.
صدمةٌ أذهلت طارق حتى شعرَ بصاعقةٍ كهربائيةٍ تضربُ كاملَ جسده، تحرَّكت رحيل إلى يزن وتوقَّفت بجواره:
- أنا رحيل يزن السوهاجي اللي حضرتك دخلت بيتي وهجمت عليه حتى من غير إذنِ نيابة، ودلوقتي أنا اللي هرفع قضية عليكم ياحضرةِ الظابط إنتَ وابنِ خالتي المحترم.
كلمات، رغم أنَّها كلمات ولكنَّها أشعلت فتيلَ نيرانهِ ليقتربَ محاولًا جذبها ولكن، دفعةٌ قويةٌ من يزن ثمَّ انهالَ عليهِ باللكماتِ يُخرجُ كلَّ مايؤذي نيرانَ صدرهِ منه، لولا دخولِ الضابطِ لكان ألقاهُ صريعًا.
بعدَ قليلٍ ثارَ حولَ نفسهِ كالمجنون ثمَّ اتَّجهَ إلى الغرفةِ ورفع هاتفهِ دقيقةً واحدةً بعد محاولاتٍ من الرنينِ ليجيبَ راكان:
- أيوة.
أجابهُ بأنفاسٍ لاهثة:
- سمعت عن حضرتك العدل ياباشا، لمَّا بيتي يتهاجم كالمجرمين وانتهاك لحرمة بيتي دا يكون إيه في عرفِ القانون.
على الجانبِ الآخرِ ظلَّ يستمعُ إلى حديثه، ممَّا أثارَ غضبَ راكان:
- تمام. تعالَ قدِّم شكوى وأنا هتصرَّف.
دلفت إليهِ رحيل:
- ممكن تهدى كنَّا متوقعين حاجة زي كدا.
رفعَ بصرهِ إليها بعيونٍ كجمراتٍ نارية:
- لا متوقَعتش أنُّهم يهجموا على بيتي ويدخلوا على أختي وعليكي وأنتوا نايمين.
كوَّرَ قبضتهِ يعضُّ عليها بغضب.
دنت منهُ حتى لم يفصل بينهما سوى أنفاسهما ولمست وجنتيهِ لأوَّلِ مرَّة:
- ممكن تهدى، أنا آسفة إنِّي حطِّيتك في موقف زي دا.
أغمضَ عينيهِ محاولًا سحبَ أنفاسٍ منتظمةٍ بعدما شعرَ بنوبةِ غضبه.
تراجعَ على الفراشِ وجلسَ يضمُّ رأسهِ بين راحتيه.
اتَّجهَ ببصرهِ إليها قائلًا:
- متخرُجيش من البيت لوحدك، هعمل مشوار سريع وآجي معاكي تزوري باباكي.
خطت إلى جلوسهِ وجلست بجواره:
- عايزة أروح أشوف خالو زين، هوَّ الوحيد اللي يقدر يوقَّفهم.
اتَّقدَ الغضبُ كالنيرانِ بداخلهِ وثارت عيناهُ بثورةٍ غاضبة:
- ليه مش متجوِّزة راجل علشان تروحيهم يحموكي.
توقَّفَ وهدرَ بصوتٍ مصبوغٍ بالقوَّة:
- لمَّا أموت يبقى روحي استنجدي بيهم.
قالها ونهضَ متَّجهًا للخارج.
بفيلَّا الشافعي:
جلسَ بأريحيةٍ ينفثُ تبغهِ وعلامةُ انتصارٍ على وجههِ وهو يتحدَّثُ بفخر:
- كان نفسي تشوفي ملامحه لمَّا عرَّفته.
نهضت من مكانها وجلست بجواره، تجذبُ سيجارةً ثمَّ سحبت نفسًا وزفرتهُ بوجههِ متحدثةً بغنج:
- ضربة معلِّم يارجحوتي، بس إيه اللي خلَّاك متأكِّد أنُّه مكنشِ يعرف، وليه شكِّيت في الظابط أنُّه ابنها.
قهقهاتٌ مرتفعةٌ ثمَّ توقَّفَ وعقَّبَ على حديثها:
- يوم ماجالي المكتب وهدِّدني، لفت نظري نظرات جمال، حسِّيت الواد دا فيه من جمال، بس قولت يمكن وجود فريدة فكَّرني بجمال وربطت بكدا، تاني مرَّة لمَّا اتقابلنا وهدِّدني ولهفة فريدة ونظراتها عليه؛ وكان من ضمنِ الكلام إلياس هينتقم، غير أنَّها قالت واحد ظابط أمن دولة، ربطت الأحداث بعمايل مصطفى فينا زمان عرفت إنِّ الولد دا ابنِ جمال، وكمان اللي أكِّدلي كلام عطوة أنُّه حطُّه في الملجأ، ولمَّا روحنا للملجأ عرفت أنُّه خاص بعيلةِ السيوفي، ولمَّا جماعتنا أصدروا أمر قتلِ مصطفى وطلبت منهم حياته كلَّها علشان أعرف نقطة ضعفه، عرفت أنُّه قعد خمس سنين متجوِّز من غير عيال، وفجأة بقاله ولد وبعد عشر سنين تانيين يجيب توأم.
انحنى ينظرُ لمقلتيها:
- أخوه مش شبهه خالص يارانيا، لو شوفتي الاتنين تقولي واحد من الشمال وواحد من الجنوب.
توقَّفت ومازالت علاماتُ الاستفهام تبدو على وجهها لتلتفتَ متسائلة:
- بس الولد فعلًا مش شبه جمال، ولمَّا جه هنا وهدَّدنا ماشكِّتشِ أبدًا أنُّه شبه جمال.
حكَّ ذقنهِ وذهبَ بشرودهِ متمتمًا:
- لأنُّه شبه أمُّه أوي، لو ركَّزتي فيه هتقولي أنُّه فريدة بس عايز اللي يتعمَّق في ملامحه.
افترت شفتيها ابتسامةٌ ساخرة، متَّجهةً إلى مقعدها تجلسُ عليهِ تضعُ ساقًا فوق الأخرى:
- لسة فريدة معلِّمة ياراجح، مش ناوي تعقل وتشيلها من دماغك، دا إنتَ اتجوَّزت بدل المرَّة أربعة، وبرضو مصرّ تقهرني.
رمقها بنظرةٍ حادَّةٍ وهدرَ من بينِ أسنانه:
- هتفتحي الموضوع تاني هندِّمك، قومي شوفي طارق عمل إيه مع الميكانيكي خلينا ننتهز فرصة مرض مالك قبلِ ما زين يعرف.
- إيه اللي حصل معاك ياطارق.
تساءلت بها رانيا.
أجابها على الجانبِ الآخرِ وهو يصرخُ بهاتفهِ يقصُّ لها ماصار.
سقطَ الهاتفُ من يديها تنظرُ إلى راجح بذهول:
- الواد اتجوَّز البنت، دا أكيد اتجنِّن.
هبَّ فزعًا وتمتمَ بهسيس:
- واللهِ حفر قبره بإيده المشحَّم دا.
قالها وهمَّ بالمغادرةِ وهو يهتفُ كالمجنون:
- بنت مالك الحقيرة عملتها واللهِ لأخلِّيها تبكي دم.
عندَ إلياس بعدَ فترةٍ من متابعةِ عمله، استندَ على مكتبهِ يحاوطُ رأسهِ بكفَّيه، وذهبً شاردًا بحديثِ راجح، نهضَ من مكانهِ يجمعُ أشيائهِ وغادرَ المكتبَ وهو يهاتفُ إسلام:
- إسلام إنتَ فين؟
كان متوقِّفًا أمامَ كليَّتهِ بانتظارِ أختهِ فأردفَ مجيبًا:
- مروَّح منتظر غادة فيه حاجة.
- أه تعال ليَّ على المستشفى عايزك ضروري.
- مستشفى ليه إيه اللي حصل إنتَ تعبان.
قالها سريعًا فأوقفهُ إلياس:
- لا ياحبيبي مفيش حاجة، Check عادي بس حاسس بدوخة وحبِّيت أطمِّن، خوفت مقدرشِ أرجع بالعربية.
- تمام هوصَّل غادة وأكون عندك.
- متعرَّفشِ حد وخصوصًا بابا علشان ميقلقشِ على الفاضي.
تمام حبيبي إدِّيني نص ساعة وأكون عندك إن شاءالله.
بعدَ فترةٍ وصلَ إليه وجدهُ جالسًا بانتظاره، خطى إلى جلوسه:
- إنتَ كويس ياأبيه.
أومأ مبتسمًا، ثمَّ أشارَ إلى الممرضة:
- حجزتلَك إنتَ كمان علشان عارف إنَّك مهمل، أهو يا سيدي نطمِّن مع بعض.
جلس مقهقهًا:
- ليه بتحسِّسني إنَّك ماما فريدة كلِّ ماتشوفني، يابني خاف على نفسك وبطَّل إهمال، فيه واحد بيلبس نص كُم في الشتا.
رسمَ ابتسامةً حزينةً يربتُ على كتفه:
- علشان بتحبَّك أكيد مش أنا اللي هقولَّك بتحبَّك أدِّ إيه.
سحبت الممرضة عيِّنةً من الدماء، فرمقها إلياس بنظرةٍ علمت محتواها، ثمَّ اتَّجهت إلى الداخل.
نهضَ من مكانهِ يبسطُ كفِّه إليه:
- إيه مش هنمشي ولَّا عجبتك المستشفى، أنا اللي تعبان على فكرة.
نهضَ متحرِّكًا بجوارهِ لبعضِ الخطواتِ ثمَّ توقَّف:
- هوَّ إنتَ جايبني هنا ليه، علشان أعمل تحليل ولَّا إيه بالظبط!
حاوطَ أكتافهِ وتحرَّكَ بجوارهِ وبدأ يقصُّ عليهِ مختلفَ الأحاديثِ حتى يُلهيهِ عمَّا فعل، إلى أن توقَّفَ قائلًا:
- ليَّا صديق أخوه تعب إمبارح واكتشفوا أنُّه مصاب بلوكيميا، من وقتها خوفت عليك وعلشان كدا سحبتك لهنا أطمِّن عليك، وبكرة كمان هجيب غادة بس أوعدني محدِّش يعرف حاجة، إنتَ عارف بابا وماما فريدة ممكن دماغهم تودِّي وتجيب.
كان ينظرُ إليهِ بنظراتِ اعجابٍ يحدِّثُ نفسه:
- كيف أنعمَ اللهُ عليهِ بأخٍ مثله.
خرجَ من حديثهِ لنفسهِ على صوته:
- هبات في بيتي، عرَّفهم في البيت، وزي ماقولتلَك هعتمد على راجل.
أومأ مبتسمًا ثمَّ أجابه:
- وأنا أوعدك مستحيل أقول حاجة إنتَ طلبتها مني.
ربتَ على كتفه:
- بكرة عليك تعمل مع غادة كدا، علشان بضعف قدَّامها وممكن تعيَّطني، فإنتَ راجل ولازم تتصرَّف علشان لو جه وقت أنا مش موجود فيه تلاقيك حماها وسندها.
دنا منه يطالعهُ بذهولٍ متمتمًا بنبرةٍ اعتراضية:
- أوعى تقول كدا تاني، إنتَ مش أخونا بس، إنتَ أبونا كمان ربِّنا ما يحرمنا منَّك ودايمًا تكون سندنا.
ارتدى نظارتهِ مربتًا على كتفه:
- ولا يحرمني منَّك ياحبيبي.
ياله امشي زمان ميرال قلقانة.
وصلَ بعد قليلٍ إلى منزله، بحثَ عنها وجدها تقفُ بالمطبخِ تتحدَّثُ مع الخادمة:
- جهِّزي السفرة، زمان البيه على وصول.
قالتها واستدارت وجدتهُ واقفًا بالقربِ منها.
تحرَّكت إليهِ كالطفلةِ التي عادَ والدها من العمل، عانقته:
- حمدالله على السلامة.
حاوطَ جسدها وتحرَّكَ بها للأعلى:
- مصرَّة متُخرجيش.
قالها وهو يصعدُ بها إلى غرفتهما.
هزَّت أكتافها قائلة:
- ماليش مزاج.
دلفات للداخلِ بجواره، وقعَ بصرهِ على أشيائها التي تُوضعُ فوقَ الفراش:
- إيه دا هو إنتِ مرحتيش الشغل ولَّا إيه.
جذبت جاكيتهِ تساعدهُ بخلعهِ وأردفت بابتسامةٍ بريئة:
- لا مروحتش ومتسألشِ ليه علشان مش هعرف أجاوبك.
انحنى لمستواها يتفحَّصُ وجهها، التقت بعينيهِ تطالعهُ بتساؤل:
- في إيه؟
نظراتٌ فقط إليها متسائلةً عن تغيُّرها، تحرَّكَ حائرًا من تغييرها السريع قائلًا:
- أصلي طلبت منِّك تقعدي ورفضتي، ورغم معارضتي حضرتك خالفتي كلامي ونزلتي من غير إذني، وخلِّيتي واحد زبالة زي راجح ينزع يومي، وكان ممكن ينزع حياتي كلَّها.
توقَّفَ يشيرُ إليها مستطردًا:
- الراجل دا تلغيه من حياتك ومش عايز أسمع كلمة عمِّي دي تاني مهما صار، إحنا منعرفوش، ومتفكَّريش أخدتك عنده قبل كدا علشان تتعرَّفي عليه، لا علشان أعرَّفه إنِّي مش هتهاون لو قرَّب منِّك.
قالها واستدارَ متحرِّكًا إلى الحمام.
جلست متذكرة ذاك اليوم.
وصل إلى فيلا الشافعي، ترجل وبسط كفيه إليها، تشبست بكفيه وترجلت تتلفت حولها، ثم تحركت متسائلة:
- أحنا فين؟
تحرك دون حديث إلى أن وصل وتوقف يطالع رجل الأمن المسؤل عن فيلا الشافعي، تنقل ببصره ينظر بكافة الاتجاهات على كثرة الأمن المحاصر للفيلا.
فتح الباب بخروج راجح الذي يطالعه بغموض:
- شايف رجلك اخدت على الفيلا بتاعتي ياحضرة الظابط.
دفعه بوهن ودلف للداخل بجواره ميرال، وصل لبهو الفيلا ومازالت نظراته تتجول بالمكان، جلس يشير إلى ميرال:
- اقعدي حبيبتي.
احتضنت ذراعه تنظر إليه بحب، هل ناداها حبيبتي:
- مش كنت تقول انك عايز تموتنا ياراجل.
- أموتك انت بتقول ايه ياحضرة الظابط.
اقترب وهو يضع كفيه على جرحه وغرز عيناه بمقلتيه:
- عايز ايه ياراجح، بتقلب في القديم ليه، جت لك قبل كدا واتكلمت معاك بالحسنى ومنفعش قولت لك هتقرب من ماما فريدة مش هسمح لك، وبرضو عمال تحفر وراها، ايه اللي عايزه منها.
أشار على ميرال:
- لو علشان دي تبقى غلطان، دي ميرال إلياس السيوفي، اللي يقرب منها مش هرحمه.
دقق النظر بميرال الواقفة تطالعه بتيه، فتسائل:
- وأنا مالي ومال مراتك.
دنى يهمس إليه:
- مراتك بتراقب مراتي ليه ياراجح، لو مبعدتش عن مراتي ماتلومش نفسك. انا جيت علشان اقطع عليك العابك القذرة، واقولك لو حاولت تقرب مني أو من مراتي هنسفك، والصراحة مش لسة هنسفك. عشر دقايق والاخبار الحلوة هتوصل لك، شركاتك كلها اتشمعت بالشمع الاحمر، والدولة اتحفظت على اموالك، ومن اين لك هذا، أيوة عارف شركائك بس متخفش هفضل وراك لحد ماألبسك الغوايش.
قالها وسحب كف ميرال التي مازالت تحت الصدمة وغادر المكان بالكامل.
خرجت من شرودها متوقفة ثم اقتربت منه وأوقفتهُ تفركُ كفَّيها:
- إلياس.
استدارَ إليها كان يعلمُ أنَّ بها شيئًا، اقتربت منهُ قائلة:
- عايزة أعرف إيه اللي عمُّو قالوهلَك، وليه كنت مضَّايق وليه.
وضعَ أناملهِ على كفَّيها وتعلَّقَت عيناهُ بنظراتها، يُطبقُ على ذراعيها بقوَّةٍ وحديثُ راجح يتردَّدُ بأذنه:
- أنا لسه بقولِّك إيه، مش عايز أسمع حاجة عنُّه، عايزك تعرفي إنِّ الراجل دا أقذر مخلوق قابلته على وشِّ الكرة الأرضية، وإياكي ياميرال تتواصلي معاه، وقتها هرميكي للأبد من حياتي من غير ماأفتكرلِّك حاجة كويسة.
أغرورقت عيناها بالدموع من تحوُّلهِ المفاجئ:
- إلياس سيب إيدي.
تراجعَ للخلفِ واستدارَ متحرِّكًا للحمَّام.
مرَّت الأيامُ سريعًا إلى أن جاءَ اليومُ الذي شطرَ القلوبَ وانطفأت الروحُ بأشباحِ الرماد.
استلمَ الظرفَ الذي به ستنقلبُ الحياةَ رأسًا على عقب.
ألقاهُ ودقَّاتٌ عنيفةٌ بداخلِ صدرهِ حتى شعرَ بتوقُّفِ النبض.
ألقى نظرةً عليهِ وهو ملقىً على المقعد، ثمَّ قادَ السيارةَ وتحرَّكَ بها إلى مكانٍ هادئ، وصلَ بعد قليلٍ بمكانٍ بعيدٍ عن البشر، ظلَّ لعدَّةِ دقائقَ بسيارتهِ ساكنًا شاحبَ الملامح، ولكن هناك أنفاسًا كأجراسِ حرب، تخرجُ على هيئةِ نيرانٍ صديدة.
رمشَ عدَّةِ مرَّاتٍ وبسطَ كفِّه يتناولُ الظرفَ بهدوءٍ مميت، حرَّكَ أناملهِ المرتجفة، ينظرُ إلى المدوَّنِ فوقه:
- إلياس مصطفى السيوفي.
لا يعلم لماذا شعرَ بتلك القبضةِ التي اعتصرت فؤاده.
أخرجَ تلك الورقة التي اعتبرها شهادة وفاته.
بعيونٍ كالشلَّالِ يقرأُ مابها.
دموعٌ حارقةٌ أنزلها على تلك الورقة وكأنَّها حروفُ الألمِ والانهيار، يردِّدُ بشهقاتٍ وانهيارٍ بجوفه:
- Nqegative. آااه.
خرجت من صدرهِ بصراخٍ متألِّمٍ يردِّدُ بهسيس:
- مش ابنه، يعني كلام راجح صح، يعني أنا ابنِ فريدة.
نظرَ إلى تحليلهِ مع فريدة متذكِّراً حديثهِ لإسلام:
- حبيبي عايز منَّك كمان تشوف حالة ماما فريدة من غير ماتحس، بابا بيقول موضوع ضغط وأنا حاسس أنُّه مخبِّي حاجة، عايز أطمِّن ياإسلام، بس إنتَ عارف العلاقة بينا مش أحسن حاجة، إيه رأيك تاخد منها عيِّنة وتقولَّها إنَّك عايز تطمِّن عليها إنتَ وغادة، وكمان هيَّ مش هتقول حاجة لمَّا تعرف إنَّك هتعمل التحليل لغادة، بس أهمِّ حاجة إياك تعرَّفها أنا اللي طلبت.
- خلاص ياإلياس هعمل اللي إنتَ عايزه، بس خايف ترفض.
شردَ قائلًا:
- لا هتوافق لمَّا تشوفك مهتمِّ بيها.
خرجَ من شرودهِ ينظرُ إلى نتيجةِ التحليلِ مع فريدة.
فتحَ زرَّ قميصهِ وكأنَّهُ يختنق.
نزلَ من السيارةِ مترنحًا، حتى هوى بجسدهِ على الأرضِ يضربُ عليها بقوَّة.
وآااااه أخرجها من جوفهِ لتفزعَ الطيورَ من حوله.
جلسَ على الأرضيةِ الترابيةِ يحاوطُ ركبتيهِ ودموعهِ خيرُ دليلٍ على مايشعرُ به.
لقد سُلبت حياتهِ بالكاملِ وهو يشعر بكمِّ الألمِ الذي يتفاقمُ بصدرهِ وكأنَّ أحدهم غرزهُ بسكينٍ باردٍ ليجعلهُ يتعذَّبُ بهذا الألم.
مرَّت ساعاتٌ وهو بمكانهِ لا يشعرُ بشيئٍ حوله، ارتفعَ رنينُ هاتفهِ عدَّةِ مراتٍ ولكنَّهُ كان الحاضرُ الغائب، وكأنَّهُ ليس بالمكان.
ولجَ الليلُ بظلامهِ وقسوةِ برودتهِ الطاغيةِ بذاك الشهرِ الذي يمتازُ ببردهِ القارس.
لقد دقَّت الثانيةَ عشر منتصفَ الليل ومازال بمكانهِ من يراهُ يظنُّ أنَّ روحهِ خرجت من جسدهِ لشحوبهِ وبرودةِ جسده، ناهيك عن سكونهِ كالجثة.
مرَّت دقائقَ أخرى إلى أن وجدَ ضوءَ سيارةٍ يضربُ بعينيهِ التي ذبلت.
ترجَّلَ أرسلان من سيارتهِ متَّجهًا إليه.
شهقةٌ خرجت من جوفهِ وهو يراهُ بتلك الحالة، هرولَ إليهِ حتى وصلَ بخطًا معدودة.
- إلياس!!
ردَّدها جاحظَ الأعين.
لم يرُّف جفنهِ وظلَّ كما هو.
جلس على ركبتيهِ أمامهِ يعدلهُ من فوقِ التراب:
- إلياس سامعني.
حاولَ مساعدتهِ على الوقوفِ ولكنَّهُ كان صلبًا جامدًا كالجبل.
ضمَّ وجههِ يفركهُ بقوَّة:
- إلياس فوق.
عينان خاويتان وقلبٌ مفتَّتٌ بالألم، انصهرت دموعهِ مرَّةً أخرى يردِّد:
- أنا مين. أنا هنا !! لا أنا هناك، أنا كذبة.
قالها وهو ينظرُ إلى أرسلان بضياع.
ارتفعَ رنينُ هاتفهِ مرَّةً أخرى لقد تجاوزت الواحدة صباحًا حتى شعرت بالضياعِ والخوفِ من عدمِ ردِّه، اتَّجهت إلى ارسلان تهاتفه لعله يبرد نيران قلبها المتأججة بغيابه، شعورها أن اصابه مكروه قد كان.
أطالَ النظرَ بعينيهِ إلى أرسلان كالجندي الذي فقدَ وطنهِ وسُحبت قواهُ أمامَ العدو.
- إلياس فوق، عامل في نفسك كدا ليه!! إلياس.
تتردَّدُ بداخلِ أذنهِ حتى شعرَ وكأنَّهُ صاعقة من السماء كصوت رعدٍ أصابهُ بالصمم، فأشعلَ النيرانُ الموصدة مرَّةً أخرى ليقفَ من مكانهِ وجسدهِ يأبى الثباتَ ليهوى مرَّةً أخرى.
دقائقَ مرَّت عليهِ وهو فاقدُ الإحساس والشعورِ كالذي فارقت الروح جسده.
توقَّفَ مذهولًا لما أصابه، اقتربَ يساعدهُ ولكنَّهُ دفعهُ بعيدًا عنهُ وزمجرَ بعنف:
- إياك تقرَّب منِّي ابعد عنِّي.
لم يهتم لصراخهِ وحالتهِ المتدهورة، فاتَّجهَ مكتِّفًا ذراعهِ بقوَّة:
- اهدى معرفشِ إيه اللي حصل، ياله علشان الكلّ مشغول باله عليك.
طالعهُ بأعينٍ متسائلةٍ يتمتمُ بتقطُّع:
- الكل بيسأل عليَّا، مين أوعى تقولِّي مصطفى باشا السيوفي.
هنا ظنَّ أنَّ هناكَ خلافٌ بينهِ وبين والده، سحبهُ إلى سيارتهِ واتَّجهَ يقودها مع رنينِ هاتفه.
تحرَّكَ إلى السيارةِ ليلتقطَ الهاتف، ولكن وقعت عيناهُ على ذاك الظرف، والأوراقُ المتناثرةُ بالسيارة، بسطَ كفِّه ليلتقطهُ ولكن ارتفعَ رنينُ هاتفِ إلياس مرَّةً أخرى.
- أيوة مدام ميرال، إلياس معايا وزي ماقولت لحضرتِك كان في مكان مفهوش شبكة، شوية ويرجع على البيت.
قالها وأغلقَ الهاتف.
بعد فترةٍ وصلَ إلى فيلا السيوفي، استدارَ يساعدهُ بالنزول.
كانت تنتظرهُ بشرفةِ غرفتها، ارتدت وشاحًا ثقيلًا وهرولت إليهِ بعدما وجدت سيارة أرسلان تدلف من البوابة الرئيسية، ترجل يساعده.
فتحت البابَ تنظرُ إليهِ بصدمة، وزَّعت نظرها بينهُ وبين إلياس:
- إيه اللي حصل؟
سلَّط َعينيهِ على ميرال وكأنَّ صوتها أعادهُ لأرضِ الواقعِ ليبتعدَ عن أرسلان يشيرُ بيده:
- أنا كويس خلاص، شكرًا.
قالها وخطا للداخلِ يستندُ على الجدار، كان يتابعهُ بأعينٍ حزينة، نغزهُ قلبهِ بشدَّةٍ عليه، تمنَّى لو يضمُّهُ ويهوِّنَ عليه، سحبَ بصرهِ من متابعتهِ عندما تحدَّثت ميرال:
- شكرًا لحضرتك، وآسفة إنِّي أزعجتك، بس هوَّ قالِّي هيعدِّي عليك وهتروحوا مشوار، الكلام دا من حداشر الصبح والساعة دلوقتي عدِّت واحدة بالليل.
هزَّ رأسهِ متفهِّمًا وحاولَ أن يهدئَ من روعها:
- هوَّ فعلًا كان معايا بس بعدها معرفشِ راح فين، هسيبك علشان الوقت متأخَّر وبكرة هطمِّن عليه.
أومأت لهُ فتحرَّكَ مغادرًا إلى سيارته، أمَّا هي فهرولت صاعدةً إليه.
وجدتهُ واقفًا على بابِ الغرفة ينظر حوله بضياع:
- إلياس!!
استدارَ برأسهِ ينظرُ إليها لعدَّةِ لحظاتٍ إلى أن اقتربت منهُ تعانقُ ذراعه:
- كدا موِّتني خوف عليك، ينفع كدا تقلقني، طيِّب أنا دلوقتي لازم أعاقبك.
دفعَ البابَ وتحرَّكَ إلى الداخل، ألقى نفسهِ فوق الفراشِ ينامُ على ظهرهِ نصفهِ فوق الفراشِ وساقيهِ على الأرض.
نظرت إلى ثيابهِ التي يملأها الغبار، ثمَّ تحرَّكت إليه.
حاوطت جسدهِ بذراعيها:
- مالك إيه اللي حصل معاك مش هتحكيلي؟
تعلَّقت عيناهُ بمقلتيها دون حديثٍ حتى دنت برأسها تقبلُه:
- وحشتني على فكرة.
ظلَّ كما هو وكأنَّها لم تكن.
تراجعت بعدما شعرت بأنَّهُ يعاني من شيئ، اتَّجهت إلى الخزانةِ وأحضرت ثيابهِ ثمَّ عادت تجذبهُ من ذراعيه:
- ياله علشان تاخد شاور وتنام. شكلك تعبان.
رفعت رأسهِ لتصبحَ بأحضانها، قامت بنزعِ قميصهِ وهو يطالعها بنظراتٍ جامدةٍ وكأنَّها عدوته، أغمضَ عينيهِ عندما سيطرَ عليهِ شيطانهِ فتوقَّفَ يشيرُ إليها:
- أنا هكمِّل.
قالها وتحرَّكَ إلى الحمَّام.
تنهيدةٌ متألمةٌ وهي تنظرُ إليهِ تهمسُ بخفوت:
- ياترى إيه اللي حصلَّك ياإلياس.
بعدَ فترةٍ خرجَ يلتفُّ بالمنشفة، ظلَّت تراقبُ تحرُّكهِ حتى دلفَ إلى غرفةِ الملابسِ ليخرجَ بعد دقائقَ معدودةٍ متَّجهًا إلى الفراشِ بصمت.
تمدَّدَ على ظهرهِ يضعُ كفَّيهِ تحتَ رأسه، جلست بجواره، مستندةً على ذراعها، تمسِّدُ على وجنتيه:
- إلياس إيه اللي حصل حبيبي معاك؟
استدارَ يواليها ظهره:
- اطفي النور عايز أنام، ولَّا أخرج.
استندت بذقنها على كتفهِ وحاولت إخراجهِ من حالته:
- مش قبل ما تقولِّي إيه اللي حصل معاك.
- ميرال.
أردفَ بها بخفوت ونبرة متعبة:
- لو سمحتي عايز أنام.
داعبت وجههِ بأنامِلها:
- هتنام وإنتَ مدِّيني ضهرك، يعني مش هتاخدني في حضنك.
أطبقَ على جفنيهِ محاولًا السيطرةَ على نفسهِ حتى لا يغضبَ عليها.
استدارَ إليها بصمت، فردت ذراعهِ وتوسَّدته، مرَّت أكثرَ من ساعةٍ وهو مستقيظ، وكأن جفاه النوم وحرم عليه، ظل مستيقظا يتقلب بالفراش وكأنه يتقلب على جمرات من نار، مرة ينظر إلى نومها ومرة أخرى ينظر إلى سقف الغرفة، إلى أن ارتفعَ أذانُ الفجر، فنهضَ متَّجهًا إلى الصلاةِ دونَ حديث.
صباحٌ جديدٌ ينيرُ بضيائهِ أرزاقُ العباد.
بغرفتهِ ظلَّ مستيقظًا وعينيهِ على تلك التي تغفو بجانبه.
ظلَّت نظراتهِ مسلَّطةً عليها إلى أن تململت بنومها لتفتحَ عينيها ببطئ، وجدتهُ ينظرُ إليها بصمت.
مرَّرت أناملها على وجهه:
- صباح الخير.
اعتدلَ على الفراشِ يومئُ برأسهِ دون حديث، استمعَ الى رنينِ هاتفهِ التقطهُ مجيبًا:
- الستِّ جبتها ياإلياس.
نهضَ من مكانهِ منتفضًا وخلالَ دقائقَ خرجَ من الغرفةِ متَّجهًا إلى وجهته.
تنهيدةٌ حزينةٌ أخرجتها بعدما أغلقَ الباب.
مرَّت عدَّةِ ساعاتٍ إلى أن عادَ إلى المنزلِ وجدها تجلسُ على الفراشِ تعملُ على جهازها.
ألقى بمفاتيحهِ ثمَّ طالعها بأعينٍ تبوحُ بكمِّ الألمِ الذي بداخله.
أغلقت جهازها وأردفت:
- إلياس رجعت بدري ليه فيه حاجة؟
- تعبان ياميرال.
قالها وهو يتمدَّدُ على الفراشِ متَّخذًا ساقيها وسادته، وجسدهِ ينتفضُ كالذي أصابهُ حمَّى، لم تستطع كبحَ عبراتها، من حالته التي لأول مرة تراه بها، مسَّدت على خصلاتهِ الناعمة:
- إنتَ بردان، أجبلك حاجة تدفِّيك؟
احتضنَ ساقيها وكأنَّهُ يستمدُّ منها الدفَء يهمسُ بصوتِ متقطِّع:
- أنا بغرق، بغرق.
ردَّدها عدَّةِ مرَّاتٍبعيونٍ تائهةٍ شاردة.
انسابت عبراتها ولم تقوَ على ضعفهِ بتلك الطريقةِ لتهبطَ برأسها لمستوى نومه:
- إيه اللي حصل لدا كلُّه، من إمبارح وإنتَ متغيَّر، وحياتي عندك قولِّي إيه اللي حصل معاك حبيبي إحكيلي مش أنا مراتك حبيبتك.
احتضنَ كفَّها يضعهُ تحتَ خدِّهِ يبعدُ وساوسهِ التي تخترقُ أذنه.
يهمسُ بخفوت:
- مالكيش ذنب، مستحيل. أنا في كابوس. لا دا كابوس، أنا في كاب
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل السابع عشر 17 - بقلم سيلا وليد
"اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك."
وكم تمنيت لو أن الحياة اختبرت صبري في أشياء أخرى غير قلبي. وكم تمنيت لو أن أحدهم يرى ذلك الجدال المكتوم في عيني. تمنيت طويلًا أن يكون لدي شخص كلما هزمتني الحياة أذهب إليه.
لقد ظننا أن العتاب هو الحل، ولكن خاب الظن وفهمنا مؤخرًا أن الصمت أقوى، والعين تنطق ما يعجز اللسان عن وصفه. فلا عتاب لمن استباح أذيتنا. اليوم وبعد تكرار الأذى، كتمنا كل الجراح في قلوبنا ومضينا مثقلين بما لم نستطع البوح به والتحدث عنه أمام من حولنا. المحزن في كل ما مضى أننا كنا نتباهى بهم، والآن نخفي كل خيباتنا خوفًا من شامِت أخبرناه مرارًا أنهم مختلفون.
"مش كدا ياحضرة اللوا، سرقتوا حياتنا، عيشتونا كدا، انت ومدام فريدة."
توقفت فريدة تنظر إليه بعيون جاحظة، لم تشعر بعبراتها التي انسابت بقوة كالشلال. اقترب منها بعينيه الخاوية التي تشبه صقيع الشتاء.
"إيه يا مدام فريدة، مالك مصدومة كدا ليه؟ ولَّا أقول يا ماما."
همس بها بجوار أذنها لينتفض جسدها بشهقات مرتفعة. اقترب مصطفى محاولًا السيطرة على غضبه.
"إلياس حبيبي ممكن تهدى."
تراجع مفزوعًا من لمسته وانفجر كبركان ثائر الحمم، وكأنه يترنح فوق حقل ألغامه.
"أهدى، أهدى إيه يا سيادة اللوا، ليه حضرتك دوست على رجلي، ولَّا ضربتني قلم."
لكم الحائط وبقدمه دفع الطاولة لتهوي متناثرة.
"بيقول لي أهدى، عايز مني أهدى."
اقترب منه بعيون حمراء يجز على أسنانه حتى نفرت عروقه بالكامل، ورفع كفه مكوره بعنف.
"أنا طلعت مش أنا يا حضرة اللوا، ماليش وجود، حياتي بقت على الهامش، أنا مين إيه، قولي أنا مين، ابن حضرتك ولَّا ابن الست اللي هناك دي؟"
تراجع يهز رأسه ولم يستطع مقاومة طوفان العبرات التي كانت كالنيران تحرق داخله قبل وجنتيه. أزالها بعنف كارهًا ضعفه بتلك الحالة. دفع إسلام الذي توقف على باب الغرفة ينظر إليه بألم يشطر قلبه، ثم تحرك للخارج يأكل بخطاويه الأرض. وكأن أقدامه زلزال لتنشق له الأرض بسبب قوة إعصار غضبه.
مرت دقائق من الصمت المميت سوى من شهقات فريدة. طالعتهم ميرال بنظرات ضائعة جاهلة لتتساءل بتقطع.
"إيه اللي حصل، هو إلياس ماله، وإيه الكلام اللي بيقوله دا أنا مش فاهمة حاجة."
"إلياس طلع ابن ماما فريدة يا ميرال، مش شقيقي."
غمغمت بعقل ينكر حماقة ما تفوه به إسلام.
"إلياس مين ابن ماما فريدة، إلياس جوزي."
قالتها وهي تشير على نفسها بحالة من التشتت.
"يعني أنا متجوزة أخويا!"
شهقة أخرجتها تضع كفيها على أحشائها.
"يانهار أسود، أنا متجوزة أخويا."
اقترب منها إسلام بعدما شعر بضياعها قائلًا بنبرة هادئة.
"ميرال ممكن تهدي، متنسيش إنك حامل. إلياس بس اللي ابن ماما فريدة وإنتِ بنت عمُّه."
طافت بعينيها على مصطفى وفريدة تشير إلى مصطفى.
"إسلام بيقول إيه، هو اتجنن ولَّا إيه؟"
اقترب مصطفى منها وحاوط أكتافها.
"حبيبتي تعالي معايا، هفهمك كل حاجة."
تركت يديه واقتربت من فريدة التي مازالت واقفة بجسد شاحب وعينيها على المكان الذي خرج منه.
"ماما، إيه اللي حصل وليه إلياس بيقول الكلام دا؟"
شهقة خرجت ملتاعة من أعماق روحها بكم الألم الذي تشعر به. ثم فتحت ذراعيها إليها تهز رأسها لتحتضنها. اقتربت تلقي بنفسها بأحضانها لتأخذها وتتحرك بها على فراشها. ذهبت ببصرها لقميص إلياس الملقى على السرير لتجذبه وتستنشقه بدموع تنساب كالمطر. ثم احتضنته تبكي بصوت مرتفع. ضمها مصطفى إلى أحضانه.
"فريدة ممكن تهدي علشان ضغطك، إحنا كنا متوقعين رد زي دا."
انحنت بجسدها تضم ميرال التي بكت قائلة.
"إنتوا بتخوفوني ليه، هو إيه اللي حصل."
احتضنت وجهها بين راحتيها.
"ميرو قلبي عايزة أقول لك على حاجة بس مش عايزة ما تقاطعيني، وكمان سامحيني واعذريني."
أومأت لها مع دموعها التي لم تستطع إيقافها. قصت لها فريدة كل ما صار منذ زواجها من راجح إلى أن تزوجت من مصطفى.
دقيقة اثنتان ثلاثة ترددت بذهول.
"أنا مش بنتك، وإلياس، إلياس يكون ابنك، إيه الحكاية الهبلة دي، أكيد إنتوا مجانين، وسعوا كدا."
قالتها ونهضت منتفضة فوق الفراش تردد كالذي أصابها الجنون.
"قال إلياس ابنها وأنا لا، إلياس!"
طب إزاي. أخرجت ضحكة ساخرة تصفق بيديها.
"فيلم هندي، أكيد ماما عايزة تبقى مؤلفة، لا بس تتعلم على وجع قلوبنا."
توقفت عن الحديث فجأة وكأنها استوعبت ما قصته فريدة لتستدير إليها.
"إنتِ عارفة إنتوا عملتوا فينا إيه."
توقف مصطفى واتجه إليها.
"حبيبتي ماهي وضحت لك ليه عملت كدا."
"وضحت لي!" قالتها بنبرة اعتراضية تهز كتفها قائلة.
"توضيح إيه دا، طيب قولوا إزاي أستوعب اللي حصل."
ثارت غاضبة.
"أكيد بتهزروا، لا لا دا مش هزار، دا جنان."
تأوهت بصوت مرتفع بعدما تذكرت حالته منذ أيام وحديث راجح. شعرت بنار سوداء تحرق حياتها.
"أنا بنت الراجل دا، بنت الراجل اللي بيكره جوزي، يعني إلياس وراجح وأنا قرايب. بس أنا كدا فهمت حالة إلياس يا حبيبي دا هيتجنن. دلوقتي عرفت ليه بقاله فترة مش طبيعي."
تنهدت بمرارة تهز رأسها رافضة ما تستمع إليه.
"لا أنا مش عايزة، أنا عايزة ميرال جمال، مش عايزة الحياة التانية حتى لو ماليش وجود، عجباني أيوه عجباني، لا حياتي فين، أنا بنت عدو جوزي، يعني كدا حياتنا انهارت، لا لا."
ظلت تصرخ بها إلى أن فقدت وعيها ولا تعلم كيف سيواجهون تلك العاصفة.
بفيلا الجارحي على طاولة الطعام، كان الجميع يتناول الطعام بصمت إلى أن تحدثت ملك.
"بابي مش المفروض أرسلان يجي يقضي اليوم النهاردة؟"
"جاي في الطريق."
قالها إسحاق وهو يتناول طعامه بصمت.
"بجد يا عمو، يعني أرسو جاي."
قاطعهم دلوفه ملقيًا تحية المساء.
"مساء الخير."
هرولت إليه كالطفلة الصغيرة وتعلقَت بعنقه.
"أرسو حبيبي وحشتني."
رفعها من خصرها مبتسمًا.
"حبيبة أرسو عاملة إيه."
طبعت قبلة على وجنتيه.
"وحشتني وزعلانة منك أوي، أسبوعين وحضرتك مبتسألش، ومش عايز تعرف أخبار أختك حبيبتك. شوفت داد نقلت جامعتي هنا خلاص ومبقتش أرجع أمريكا تاني."
وصل إلى والدته.
"صفية هانم وحشتيني."
ابتسمت بمحبة.
"عامل إيه يا حبيبي."
أومأ لها قائلًا.
"تمام الحمد لله."
نظرت لباب الغرفة وأخرجت تنهيدة حزينة.
"لسة غرام مش عايزة تيجي برضو، البنت وحشتني يا أرسلان."
أومأ لها وعينيه على عمته.
"عامل إيه يا عمتو، إزيك يا تمارا؟"
"أهلًا."
قالتها تمارا ولم تستطع رفع عينيها إليه. قاطعت حرب النظرات والدتها.
"عامل إيه يا حبيبي وحشتنا والله."
جلس بجوار ملك قائلًا.
"شغل، ضغط شغل والله يا عمتو."
ثم التفت إلى والدته.
"غرام متعرفش إنّي جاي أصلا يا ماما، لسه خارج من الشغل، وإسحاق كلمني عشان اجتماع مهم فقولت أعدي عليكي وأطمن عالسريع."
أشارت للخادمة.
"هاتي طبق لأرسلان يا بنتي."
هز رأسه بالرفض وأردف.
"لا مش جعان، هاكل مع مراتي."
نظر لوالده الصامت.
"بابا عملت التحاليل اللي الدكتور طلبها ولَّا كسلت."
توقف إسحاق يمسح فمه.
"يالا يا أرسو عشان منتأخرش."
رفعت عينيها تنظر إليه بذهول.
"لسه جاي يا إسحاق، خليه لما تشرب القهوة، ما لحقتش أشبع منه."
انحنى يقبل رأسها.
"حبيبتي عندنا شغل مهم هخلصه وأعدي عليكي عشان عايزك في موضوع."
أومأت تربت على ظهره.
"هستناك يا حبيبي متتأخرش."
تحرك مغادرًا خلف إسحاق الحاضر الغائب ولم يفعل سوى نظراته الغاضبة لفاروق. وصل إلى سيارة إسحاق، استند على بابها وغمغم متسائلًا.
"زعلان من فاروق ليه يا إسحاقو؟"
قام بتشغيل السيارة، يشير لسيارته.
"هنتأخر بطّل دلع الحكاية مش ناقصاك."
استدار إلى الباب الآخر واستقل السيارة بجواره، اتجه بجسده إليه.
"من شهرين تقريبًا وإنت متغير ومش على بعضك، حاسس واحد تاني بتعامل معاه، هتفضل على طريقتك دي صدقني هزعلك مني، أنا مخنوق ومش طايق نفسي، متجيش إنت كمان تكمّل عليّا."
أشعل سيجارة وتحرك بالسيارة وعينيه للخارج قائلًا.
"وإيه اللي خانقك، إلياس السيوفي، ولَّا طمطم."
تراجع بجسده وأغلق عينيه متألمًا.
"بمسك نفسي بالعافية يا عمو، والله عايز أخنقها بس مش قادر، ليه عملوا كدا في مراتي عشان إيه؟"
ظل يقود السيارة وعينيه شاردة على الطريق وأجابه.
"ناوي تعمل إيه، بعد ما عرفت بالخدامة الخاينة."
التفت يرمقه قائلًا.
"أرسلان مش عايزك تغلط غلط وترجع تندم عليه، البنت كانت غيرانة وطبيعي حد مكانها يعمل كدا."
رفع كفيه يرجع خصلاته للخلف بغضب حتى شعر أنه يقتلعها ليهمس بفحيح.
"والله لأندمها وأخليها تعرف إن الله حق، غيرانة إيه الحيوانة دي."
توقف إسحاق فجأة وأشار بتهديد.
"حاولت أفهمك من زمان تحط لها حدود بس إنت كنت متساهل، والبنت حبيتك بجد وحضرتك عامل من بنها، متجيش دلوقتي تعاتبها، واحدة شافت حبيبها فضل واحدة تانية أقل منها عليها، لا وكمان حامل منه، كنت منتظر منها إيه قول لي؟ كويس أنه جه على سقوط الجنين، أنا لو مكانها كنت قتلت مراتك."
"والله يا عمو حضرتك اللي بتقول كدا!"
أجابه بقلب فاض به الألم.
"متزعلش مني يا أرسلان، بس دي الحقيقة اللي إنت بتهرب منها، من يوم ما عرفت إن تمارا بتحبك ما حاولت تفهمها أو توقفها وتعرفها حقيقة مشاعرك، ودي في الأول والآخر بنت عمَّتك، آه منكرش إنهم طمعانين فيك هي وأبوها، بس فيه حقيقة متنكرهاش البنت بتحبك بجد، وأنا حاولت أفهمك آخر حبها هيكون فيه خسائر، إنت رديت وقلت إيه."
"بطّل هزار يا عمو، ولما هو هزار، ليه كنت بتاخدها كل الحفلات وهي فرحانة بيك، إنت عارف ومتأكد هي مبتهممنيش زيك، بس محبيتش إنك تظلمها، عارف إنها غلطت وغلطها كبير."
"بس هي عملت كدا من غيرتها حبيبي، اتجننت من وقت ما عرفت وده اللي فهمته من ملك، ونظرات البنت عليك، أنا مش عيل عشان أعرف البنت بتحبك ولَّا بتلعب عليك، عشان كدا بقول لك بلاش تعمل حاجة باباك يزعل منك عليها."
حك ذقنه ينظر أمامه على الطريق وردد بذهن شارد.
"عشان كدا أمرت يجوا الفيلا عندنا؟"
استفهام مؤلم رددة وهو ينظر بضياع.
أجابه سريعًا يهز رأسه بالنفي.
"لا مش عشان كدا، جوز عمتك مش موجود، وجدتك كمان، محبيتش يقعدوا لوحدهم، وأنا دايمًا بعملها لما أكون مشغول، متنساش بيت فاروق بيت العيلة، وكمان عشان تمارا تكون تحت نظري ومتحاولش تعمل حاجة في غرام، إنت بتسافر أكتر ما بتقعد في البيت."
ثقلت أنفاسه، فاستدار ينظر من نافذة السيارة، ورغم برودة الجو إلا أنه يشعر بنيران تصهر صدره.
"أرسلان متزعلش مني، إنت عارف إنك أغلى من روحي، ولازم وقت الغلط أوقفك يا حبيبي عشان ما تغرقش في الظلم."
استنكر حديثه وزفرة حارة أخرجها من ثقل آلام ما يشعر به، ليتراجع بجسده قائلًا.
"خلاص يا عمو، مش هعمل حاجة لتمارا، بس جوزها في أقرب وقت، أنا مش قادر أتحمل ذنبها أكتر من كدا، أنا والله كنت بعاملها على أنها زي ملك، وقولت مشاعرها مشاعر مراهقة ومع الوقت هتنسى."
أومأ متفهمًا وتحدث.
"خلاص يا أرسو انسى."
بعد فترة من الصمت تساءل إسحاق.
"إلياس السيوفي ماله؟"
طالعه بنظرة مؤلمة، ولم يستطع تجاوز نغزة قلبه حينما ذكره، ليجيبه بحروف الألم الذي يشعر بها.
"معرفش ماله، بس حاسس فيه مشكلة كبيرة بينه وبين والده."
استمع إليه باهتمام، ليتشدق بسؤاله.
"إزاي مشكلة بينه وبين والده مش فاهم وليه قولت كدا، إيه اللي يخليك تروح لعنده رغم تحذيري يبقى الموضوع كبير."
ارتسمت ابتسامة ساخرة، ورغم أنها ساخرة إلا أنه شعر بمرارة الألم بها وهو يجيبه.
"قسيت أوي يا إسحاق، وأنا مستحيل أنسى قسوتك دي."
رفع سبابته وتابع مستطردًا.
"مش إسحاق اللي يعمل في أرسلان كدا، بس صدقني دماغي تفوق وهعرف الموضوع كله، ولو الموضوع فيه شك صدقني زعلي هيكون وحش، أرسلان مش طفل يا إسحاق عشان تعمل فيه كدا."
سحب نفسًا وزفره بهدوء حينما شعر بغصة تعيق تنفسه، وهناك حرب غوغاء بداخله على منعه من إلياس، حاول تشتيته فانبثق سؤالًا من بين شفتيه.
"ما قلتش إيه اللي حصل لإلياس، وبطّل كلامك الأهبل دا."
"غيرت عليك يا أخي، حسيته سحب البساط من تحت رجلي، الأول كنت بتجري عليَّا، دلوقتي حضرة الظابط واخد جزء كبير من حياة ابني."
أضافها بلهجة مقنعة.
"واللي زودها كمان طلب فريدة إنها تعزمكم على العشا والغدا، وووو، الصراحة اتضايقت فكان لازم أقول لك كدا."
رفع حاجبه الأيمن دون النظر إليه، وأجابه بعبث.
"أيوه صح، وشوية لعب برمل، ونركب مع بعض مكعبات."
توقفت السيارة عند وجهتهم، فاستدار يطالعه مستفسرًا.
"قصدك إيه يالا؟"
فتح باب السيارة وهمهم باستخفاف.
"إسحاق عيب اللي قدامك عنده تلاتين سنة، دنا منه."
وهمس له.
"وظابط مخابرات، عارف الكلمة ولَّا حضرتك تترجمها بعقلية إسحاق، شكل غياب دينا فسَّل العقلية الفذَّة، وحولها لعقلية سوكة العبيطة."
قالها وترجل من السيارة. سبَّه إسحاق متمتمًا.
"كنت عارف يا ابن فاروق مش هتسكت، طيب دا أقول له إيه."
توقف فجأة متذكرًا موضوع إلياس ليترجل سريعًا مناديًا عليه.
"أرسلان."
استدار متوقفًا، ينظر بساعة يده يشير إليه.
"الاجتماع بدأ يا بوص."
وصل إليه وتحرك بجواره.
"ما قلتش إيه موضوع إلياس صح، أصل كنت عنده من كام يوم وكان طبيعي."
قص له ما صار من حالته وكلماته، ليتوقف مصدومًا، ويشعر بالدوران متمتمًا بذهول.
"إلياس السيوفي ممكن يكون أخوك."
اقترب أرسلان يحملق بالنظر إليه.
"عمو مالك، واقف كدا ليه؟"
تراجع يهز رأسه بعنف. ثم أشار إلى المبنى.
"ادخل وأنا جاي بعدك، هعمل تليفون."
استدار إلى المقعد الموجود بحديقة المبنى، وقام بفك ربطة عنقه ووجهه الذي تحول إلى كتلة نارية.
"مش معقول، إيه دا، معقول القدر يكون كدا، لا لا مستحيل."
توقف يدور حول نفسه كالذي أصابته نوبة من الجنون.
"ياربي أعمل إيه في المصيبة دي، إلياس وأرسلان، إيه دا، إزاي يحصل دا!"
مسح على وجهه بعنف وكاد عقله أن يخرج من رأسه. لقد ذهب العقل بالكامل وهو يردد.
"مصطفى السيوفي مش هيسكت، أووف، لا لازم أتصرف، الاتنين دول لازم يبعدوا عن بعض بأي طريقة، بس إزاي."
استمع إلى رنين هاتفه ليرفعه صارخًا.
"عايز إيه؟"
"أحلام هانم أُغمى عليها ياباشا ونقلناها بعربية الإسعاف."
"تمام ساعة وأكون عندك، خلي بالك منها."
قالها وأغلق الهاتف، ثم اتجه إلى هاتفه.
"جبت اللي قلت لك عليه يا ابني؟"
"أيوه ياباشا، التقرير على جهاز حضرتك."
"قول لي المختصر."
"اسمها فريدة الرفاعي، مواليد السويس، اتجوزت واحد قريبها بس مات من زمان، وكان عندها ولدين بس اتخطفوا. اتجوزها راجح الشافعي أخو جوزها المتوفي."
قص له كل شيء.
كوَّر قبضته وهو يستمع إلى حديثه ليهتف بهسيس.
"راجح دا عينك مش تنزل من عليه، واعرف لي ليه خطف بنته، وكان يعرف ولَّا لأ، وكمان مراقبة إلياس كل ثانية، عايز النفس اللي بيتنفسه يكون عندي، غلطة بعمرك سمعتني."
قالها وأغلق الهاتف متحركًا للداخل يتمتم بينه وبين نفسه.
"كذا كل حاجة هتتكشف يا إسحاق، واللي دفنته من تلاتين سنة هيتفتح وطبول الحرب على الكل."
بكلية الطب وخاصة بتلك القاعة التي تعرف بالمشرحة، كان متوقفًا يشرح بكل دقة وعناية عن كيفية الوصول إلى سبب الوفاة. واتجه إلى جثمان وبدأ يشرح عليه بعض الأشياء من لون الجثة، ومن بعض الأعضاء التي تظهر بها إذا كان سبب الوفاة قُتل عمدًا بأنواعه. ساعتين كاملتين إلى أن أُنهكت وهو يراقبها بحذر. تراجع إلى مقعده يشير إليهم بأخذ راحة والعودة إلى قاعة المحاضرة.
بعد أقل من ثلاثين دقيقة من الراحة، جلس جميع الطلبة بأماكنهم، إلى أن توقف مرة أخرى وبدأ يكمل محاضرته مع نظراته من الحين والآخر. أخرج بعض الصور وأشار إليها على بروجكتور، وبدأ بالشرح.
"Origin and insertion of muscle."
الأساسيات التي من المفروض تثير الشك لدى الاكتشاف لبعض النقاط. ظل يتحول بالقاعة ويشرح بطريقته السلسة إلى أن انتهى حتى تنفست الطلبة بعمق. ظلَّت بمكانها، استدارت إليها خديجة صديقتها.
"إيلي إيه هتفضلي قاعدة؟"
أغمضت عينيها متألمة.
"تعبانة أوي ومش قادرة أقف على رجلي."
كان يجمع أشياءه، رفع بصره إلى جلوسها، فاتجه إليها.
"قاعدة كدا ليه، يالا عشان أوصلك."
ظلَّت بمكانها ونظراتها شاردة بنقطة وهمية، إلى أن اقترب وجلس بجوارها. نهضت خديجة محمحمة.
"همشي أنا، وبدل تعبانة روحي مع الدوك."
رفع نظره إلى خديجة متسائلًا.
"هي تعبانة؟"
أومأت سريعًا قبل ردها وتحركت مغادرة المكان.
استدار إليها.
"عارف طولت النهاردة في السيكشن، وعارف الوقوف كان غلط عليكي. الأيام الجاية كل المحاضرات هتكون بالطريقة دي، ومتنسيش المواد التانية لو عايزة تأجلي."
توقفت تجمع أشياءها.
"مش هأجل حاجة يا آدم، ومتفكرش أنا هجيب الولد دا، أنا مش معترفة بيه أصلا."
رمقته وأشارت إليه بعدما فتح فاهه للحديث.
"لأنك أبوه، مش عايزاه، ولو ضغطت عليَّا أكتر من كدا صدقني همشي ومش هتعرف مكاني. فياريت تحترم خصوصياتي."
توقف بمقابلتها ونظر بعمق عينيها، رغم شعوره بالألم الذي ينخر العظام.
"امشي قدامي بدل ما أشيلك قدام الجامعة."
أطبق على ذراعها واقترب يهمس بجوار أذنها.
"ابني يا إيلين لو حاولتِ تعملي فيه حاجة مش هرحمك، عارفة ليه؟"
تقابلت النظرات القريبة بالكثير من الحديث بها العتاب والأسى والندم إلى أن جذبها من خصرها بقوة حتى أصبحت بأحضانها متمتمًا.
"ممكن أموت يا إيلين واللي في بطنك لا، الواد دا أغلى من روحي عشان إنتِ أمُّه، ومش هتهاون معاكي لو حاولتِ تقربي منه."
لكمته بعنف بعدما تسللت رائحته وشعرت بضعفها بين يديه، تمنت أن تلقي نفسها بأحضان، تمنت أن تستنشق رائحته التي شعرت بانسحاب روحها من افتقادها.
تحركت سريعًا من أمامه حينما خارت قواها بالكامل، انسابت عبراتها رغمًا عنها تزيلها بعنف، إلى أن وصلت إلى سيارة أجرة لتستقلها مغادرة المكان بالكامل.
عند يزن:
دلف إلى غرفته تبحث عنه وجدته غارقًا بنومه، اقتربت منه وجلست بمقابلته على المقعد، ابتسمت على نومه الملائكي، تمنت لو تلمس خصلاته، ضعفت إلى أن انحنت تخلل أناملها داخل خصلاته، ظلَّت للحظات وهي تشعر بفراشات تدغدغ معدتها، أغمضت عينيها وابتسامة رائعة على ملامحها الجميلة إلى أن شعرت بتململه، فنهضت مبتعدة عنه، ابتلعت ريقها تغمغم بصوت هادئ.
"يزن."
كررتها عدة مرات إلى أن فتح عينيه وأغمضهما ليهب بمكانه بعدما شعر بوجودها.
"إنتِ هنا من زمان؟"
هزت رأسها بالنفي تفرك كفيها ثم اقتربت منه.
"عايزة أروح أشوف بابا في المستشفى وخايفة لعمو راجح."
قاطعه عندما توقف يشير إلى الباب.
"اجهزي وأنا هجهز وأحصَّلك."
ابتسمت بعرفان قائلة.
"شكرًا يا يزن، مش عارفة من غيرك كنت عملت إيه."
توقف بعدما خطا بعض الخطوات، واستدار بنصف جسده.
"معملتش حاجة للشكر، أنا اللي لازم أشكرك."
خطت إلى وقوفه.
"تشكرني! على إيه بقى؟"
تعلقت عيناها بغابة الزيتون التي تتمتع بها عيناه وهمس دون وعي.
"جيتي في وقت كنت بدأت أفقد الأمل في كل حاجة."
سحب كفيها يضمهما بين راحتيه.
"راحيل إحنا الاتنين بنكمّل بعض، كان لازم نكون مع بعض عشان نقوي بعض، على قد ما إنتِ محتاجاني أنا كمان محتاجك وأوي كمان."
فتحت فاهها للحديث إلا أنَّه وضع أنامله على شفتيها يمنعها من الحديث.
"مش عايز أسئلة لو سمحتي، كل اللي عايزة منك عايزك تعذريني وتسامحيني لو جيت عليكي في وقت من الأوقات."
قالها وتحرك سريعًا للمرحاض.
بعد فترة توقفت السيارة أمام المشفى، نظرت إلى رجال راجح المنتشرين حول المشفى، ثم أشارت إليه.
"دا ممكن يمنعني أشوف أبويا."
ترجل من السيارة، يشير إليها بالنزول.
"انزلي حبيبي وخلّي حد يقرب منك."
طالعته بأعين مذهولة، هل هو نطق حبيبي، لا تعلم لما ابتسمت وخاصة حينما بسط كفه إليها، لتتشبث بها.
تحركت بجواره ليغمز بعينيه على ذراعه.
"فيه عروسة برضو تمشي جنب جوزها من غير حضن."
أفلتت ابتسامة وهتفت بضحكة ناعمة.
"رايق أوي."
"وليه ماروقش."
لف ذراعه حول خصرها وتحرك بجوارها وهو يرتدي نظارته السوداء يخفي بها نظرة الغل والحقد التي تربعت بقلبه. توقف أحد رجال راجح أمامهما.
"ممنوع حد يدخل هنا، دي أوامر الباشا."
حك أنفه يتجول بأنظاره بالمكان إلى أن وصلت سيارة الشرطة وتوجهت إلى وقوف يزن. ترجل جواد حازم بجهازه اللاسلكي يشير إلى الرجال الذين حاوطوا يزن وراحيل، ليشير جواد إلى قوته.
"لموا العيال دي في البوكس، شكلهم عيال خارجين على القانون."
ثم اتجه بنظره إلى يزن.
"هتنقلوه فين؟"
توسعت أعين راحيل بذهول مرددة.
"إنت عايز تنقل بابا من المستشفى؟"
أومأت لها وتحرك بجوار جواد حازم قائلًا.
"عندك مستشفيين ودول مفيش غيرهم تثقي فيهم، مستشفى الألفي ودي مديرها دكتور غزل الألفي ومستشفى البنداري، ودي مديرها دكتور يونس البنداري."
توقف أمامها.
"راحيل متثقيش في أي مخلوق مهما كانت درجة القرابة، حتى أنا متثقيش فيَّا أوي، لازم والدك يكون في إيد أمينة فهمتني؟"
أومأت بعيون متلألئة. تم تجهيز سيارة إسعاف لنقل مالك العمري إلى مستشفى الألفي. دلف للداخل وهي تجاوره تسأل عن مكتب دكتور غزل الألفي، بعد قليل قابلتهم غزل، توقفوا أمامها لتحيتها معرفًا عن نفسه.
"يزن السوهاجي جاي عن طريق حضرة الظابط جاسر الألفي."
أشارت إليهم بالجلوس.
"أهلًا يا ابني اتفضل."
انتقلت بعينيها لراحيل فأشار عليها.
"أستاذة راحيل السوهاجي، باباها تعبان، جلطة أدت لتوقف أعضائه. عنده أعداء من كل حزب ولون، فكنا محتاجين الحماية، عشان كدا حضرة الظابط نصحنا نجي لحضرتك."
تراجعت بجسدها ووزعت عينيها عليهما قائلة.
"اعتبريه في أمان بدل جاسر قال لك هيكون هنا في أمان فثقي يا ابنتي، أنا باجي يومين بس في الأسبوع وساعات يوم واحد، بس متخافيش الدكاترة هنا على الثقة التامة، يعني لو جيتي في يوم ومكنتش موجودة ماتخافيش، أي دكتور هنا غزل الألفي لو مش واثقة في كلامي اسألي برة عن غزل الألفي."
حمحم يزن مجيبًا.
"طبعًا حضرتك مش عايزة سؤال، وكمان حضرتك عن طريق المستشار راكان البنداري، يعني مستحيل يرشح حد مش واثق فيه."
"خلاص أنا هعدي على المريض، وأرشح لك أفضل الدكاترة عندنا."
بعد فترة خرجت من المشفى وجدت زوجها ينتظرها بالسيارة، ترجل مبتسمًا، رفع نظارته الشمسية على خصلاته المختلطة بالشعر الأبيض.
"حبيبتي اتأخرتي ليه."
قالها وهو يحتضن كفيها بين راحتيه.
"بقالك كتير."
فتح باب السيارة، لتستقلها مع استدارته لمحل القيادة.
"لسه واصل من ربع ساعة بس، حتى لو من زمان مستعد أستناكي العمر كله يا غزالي."
التفتت ضحكة ناعمة.
"مش هتزهق يعني يا جواد."
رفع كفيها يلثمها.
"تعتقدي جواد ممكن يزهق يا غزل، إنت بس اللي مفكراني كبرت ومبقتش نافع."
اقتربت تعانق ذراعه.
"فشر يا حضرة اللوا مين دا اللي كبر، إنت هتفضل جواد الظابط الصغير اللي خطف عقل وقلب غزل بنت سبعتاشر سنة."
قاطعهم طرقات على باب السيارة.
فتحت زجاج النافذة لترتفع ضحكاتها، انحنى بجسده.
"مش عيب يا سيادة اللوا توقف قدام المستشفى بفعل فاضح كدا، اتصل بالآداب."
"امشي يا حيوان من هنا، إيه اللي جاب الجربوع دا هنا."
قهقهت تضع كفيها على وجنة جاسر.
"بس يا جواد دا جربوع، دا عسل."
سبها بداخله.
"عسل أسود على دماغك ودماغه يا دكتورة، وأنا اللي ابن."
ارتفعت ضحكات جاسر يشير إليه بالتحرك.
"خلاص خلاص هسامحك المرة دي."
أشار إليه بغضب.
"الواد دا جاي هنا ليه."
خرج برأسه من نافذة السيارة.
"ولا روح شوف مراتك فين بدل ما أنت ماشي تلف زي العاطل كدا."
قالها وقاد السيارة ليطالعه جاسر جاحظ العينين مرددًا.
"أنا ولا عاطل. كله بحسابه يا حضرة اللوا."
وصل إليه يزن، استدار متسائلًا.
"كله تمام."
أومأ له بالإيجاب، تحرك معه للداخل قائلًا.
"عشان تطمن أكتر هنحط كاميرا، ودا تصريح من راكان البنداري يعني قانوني."
بفيلا الجارحي، دلف إسحاق إلى غرفة مكتبه، توقف فاروق يطالعه باستفهام.
"مالك فيه إيه؟ قول لي عايزني ضروري."
أشار إليه بالجلوس، فتح زر حلته وجلس يسحب نفسًا، ثم زفره بهدوء بعدما شعر بالاختناق. فرك جبينه يهز رأسه بعنف.
"مصيبة يا فاروق."
تأرجحت أعين فاروق بقلق من حالته التي يراها به لأول مرة، مما جعله ينهض من فوق مقعده واتجه يجلس بجواره.
"مالك فيه إيه؟"
مسح وجهه بعنف يضع كفوفه بنصف وجهه، ينظر أمامه بشرود.
"أرسلان."
ارتفعت دقات قلبه يرمقه بطرف عينيه بنظرة زائغة، وأردف بلسان ثقيل.
"ماله أرسلان، أوعى تقول لي عرف حاجة؟"
هب من مكانه يدور حول نفسه بالغرفة وأنفاسه بالارتفاع.
"قريب، كل حاجة هتنكشف قريب، أنا عاجز ومش عارف أفكر، لازم تفكر معايا، إنت عارف أنا عند أرسلان أعجز ودماغي بتوقف."
شعر برجفة قوية تعتصر فؤاده ليتساءل بحروف ممزوجة بالألم.
"دا وعدك ليَّا يا إسحاق، فضلت تقول أنا عندي استعداد أعمل وأعمل وجاي دلوقتي تقول لي عاجز!"
اقترب منه وغرز عينيه بأعين أخيه.
"دا قبل ما أعرف إنه ابن مرات مصطفى السيوفي، والمصيبة الأكبر إنها عرفت إنه ابنها."
التقط الملف الذي كان بين يديه وألقاه إلى فاروق.
"بص شوف صورة الراجل دا وركّز فيها أوي."
فتحه بأيدي مرتعشة، نظر إلى الصورة المحفوظة بداخل الملف، ثم رفع عينيه إلى أخيه.
"مش فاهم حاجة، دي صورة طفل وصورة ست ورجل."
ضرب على الملف بقوة أصابت عقل فاروق بالجنون حينما انبثقت أحرفه التي شعر حينها بتمزق روحه وهو يردف.
"ركّز يا فاروق في صورة الراجل، الولد نسخة تانية من أبوه الحقيقي، وخد المفاجأة الكبيرة. الطفل التاني دا بيكون إلياس السيوفي."
تشتت حيرة بنظرات ضائعة يهز كتفيه.
"أنا مش فاهم حاجة، مال السيوفي بأرسلان والراجل اللي في الصورة؟"
ثارت جيوش غضب إسحاق وفقد السيطرة حتى أرجع خصلاته للخلف وكاد أن يقتلعها وهو يشير إلى الملف مرة وإليه مرة.
"أرسلان بيكون ابن الراجل اللي في الصورة، والطفل دا أخوه، لأنهم اتخطفوا الاتنين وطبعًا إحنا لقينا أرسلان، ومصطفى لقي إلياس، إيه يا فاروق أومال لو ما اشتغلتش مخابرات، الدماغ دي فين، ركّز ودقّق في ملامح الولد، أمُّه جات لي من شهرين ووقفت قدامي وهددتني، ورغم كدا حاولت وقطعت كل السبل اللي تقدر تثبت فيها أي حاجة تخصُّه، ومنعته عن بيت السيوفي، لكن المصيبة الولد مقدرتش عليه، الدم بيحن يا فاروق ولأول مرة أرسلان يعارضني."
عدت دقائق من الصمت المميت بالغرفة بعد إلقائه قنبلة حديثه، التي جعلت فاروق يشعر بانسحاب أنفاسه وكأن الهواء سُحب من المكان بأكمله. تراجع يفتح زر قميصه، وارتجف جسده بالكامل، هرول إسحاق إليه بكوب من الماء الموضوع على سطح المكتب.
"فاروق اشرب، خد نفس."
زاغت أبصاره يردف بتقطع.
"متخليهم ياخدوه يا إسحاق أنا هموت لو حاولوا يبعدوه عن حضني."
ربت على كتفه وأظلمت عيناه بالأسى على أخيه، سحب بصره بعيدًا عنه وأطرق رأسه خجلًا وعينيه تحولت لجليد.
"هوَّ ميعرفش حاجة، كنت بسأله عن حالة إلياس، من وقت ما مرات السيوفي جات لي وأنا بَـراقبهم كلهم، عرفت فيه مشكلة عندهم بس معرفش إيه هي، أرسلان حكى شوية كلام عن حالة إلياس، بس هو ميعرفش، ربطت الكلام مع التقرير، وجمعت الأخبار كلها، ودلوقتي أنا شاكك 99% إنُّه أخوه، منتظر التحليل، كلام إلياس اللي أرسلان قاله بيوحي بكدا."
رفع رأسه يتمتم بتقطع.
"ممكن يكون مشكلة تانية ومش أخوه."
هز رأسه بالنفي وأجابه.
"فاروق راجل زي إلياس، لما يوصل به الحال للتدهور دا يبقى اعرف الموضوع كبير، وتخبطُّه بالكلام، وكمان إنه يروح مستشفى هوَّ وأخوه دا مش طبيعي، أنا كلمت المستشفى عشان أعرف هو كان بيعمل إيه، وبكرة الصبح الأخبار هتكون عندي، بس أنا من خبرتي بقول لك الاتنين دول أخوات، ولو كدا يبقى إلياس مش هيسكت عشان البلاوي اللي ورا دا كله عمُّهم، ودا أخباره كلها بتقول إنه مجرم، وفيه شك كبير يكون له علاقة بمنظَّمات. أنا وراه، كان لازم أعرفك، عشان نفكر إزاي نبعد الشك عن إلياس أو."
صمت للحظات ثم تابع حديثه.
"نزوّر التحليل اللي هيحاولوا يعملوه، نحاول بكل الطرق ما يوصلوش لحاجة، بس طبعًا دي هتكون مغامرة كبيرة جدًا ولو أرسلان عرف ممكن نخسره للأبد."
توقف مترنحًا يشير بيديه.
"لا لا.. إياك تعمل حاجة زي كدا، أنا لازم أقابل أمُّه الحقيقة."
توسعت عينا إسحاق بذهول ولم يشعر بنفسه وهو يهتف.
"تبقى مجنون!"
مرت عدة أيام ولم يعرف مكانه، حتى شعر مصطفى بالعجز، رغم سلطته والبحث عنه، بينما فريدة التي التزمت الفراش ولسان حالها يردد اسمه.
جلس بمكتبه مع أحد الضباط المقربين إليه.
"مفيش مكان إلا ما دورنا فيه، مش عايزين ننزل صورته للجهاز، تليفونه مقفول وعربيته هنا."
قاطعه إسلام.
"طيب نشوف المستشفيات يابابا، يمكن."
هب من مكانه مفزوعًا وشعر بتوقف نبضه.
"متكمِّلش يا ابني الله لا يسيئك."
دار بالمكتب محاولًا أخذ نفس، استمع إلى هاتفه. رفعه وأجاب سريعًا.
"إيه يا أرسلان مفيش جديد؟"
أجابه قائلًا.
"للأسف يا سيادة اللوا مفيش أي أخبار، لو فتح تليفونه هيكون سهل نوصل له، لكن مفيش أي أمل نمشي عليه، وكمان العربية."
تنهيدة عميقة غادرت ضلوعه ليجيبه بأسى وقلب محفور بحروف الألم.
"تمام يا ابني، ربنا يرد الغائب."
بالأعلى بغرفتها متمددة على فراشها تحتضن نفسها بوضع الجنين، تضم قميصه لأحضانها، دلف إليها غادة تحمل طعامها، اتجهت إلى فراشها بعدما وضعت الطعام على الطاولة.
"ميرال."
قومي حبيبتي عشان تاكلي، بقالك يومين ما أكلتيش، حرام عليكي متنسيش إنك حامل.
قاطعهم طرقات على باب الغرفة، دلف رؤى تطالع ميرال بعيون حزينة، كأنها جثة على فراش الوداع.
"مفيش جديد يا غادة."
هزت رأسها بالرفض وترقرق عيناها بالدموع.
"مفيش بابا بيحاول يوصل له، أنا خايفة على ماما فريدة."
نهضت ميرال من مكانها بعدما استمعت إلى حديث غادة، تحركت بخطوات واهنة تستند على الجدار بأقدام حافية، دفعت الباب ودلفت للداخل، وجدتها تغفو وبكفها إبرة مغروزة، يبدو أنها مهدئ أو مغذي، لم تكترث لذلك اتجهت إليها وجلست بجوارها على الفراش، مع متابعة غادة ورؤى إليها، توقفتا على باب الغرفة يطالعونها بعيون ينبثق منها الحزن.
مسحت على خصلات فريدة.
"ماما."
كررتها عدة مرات لتفتح فريدة عينيها بوهن، دقيقة تطالعها بعيون تحمل من الألم ما ينشق له الصدر، اختلج صدرها بقبضة كادت أن تزهق روحها، كيف تلومها على ما فعلته بهما، وهي تحمل من الغصص ما لا يتحمله أحد. انسابت دموعها كغزارة المطر تشهق بصوتها الباكي.
"أنا عايزة جوزي يا ماما، ليه عملتوا فينا كدا، قلبي وجعني ومش قادرة أتنفس."
كانت دموعها تنصهر على خديها من حديث ميرال المؤذي لروحها، هل اقتص ربها بما فعلته بالماضي؟ ظلَّت عيناها متعلقة بأعين ميرال التي ارتجف جسدها وهي تحتضن أحشاءها.
"عايزاه يرجع يا ماما وهاخده ونهاجر من هنا خلاص مبقاش ينفع نقعد هنا، خلي عمو مصطفى يرجع لي جوزي لو سمحتي، هسامحك والله."
أزالت عبراتها تهز رأسها مقتربة من فريدة تحتضن كفيها ثم انحنت عليهما تقبلهما.
"أبوس على إيدك مش قادرة أتنفس يا ماما."
رفعت كفيها على رأسها وأردفت بتقطع.
"هيرجع حبيبتي، أنا متأكدة إنه هيرجع، مش هيقدر يبعد كتير."
عند إلياس قبل عدة أيام، بعد حديثه مع فريدة، خرج من المنزل سيرًا على الأقدام. حاول حرسه أن يتابع سيره ولكنَّه رفض، ظل يتمشى بالشوارع دون هدى، اختلى بنفسه مثل الطفل التائه، جلس أمام النيل ينظر إليه بدموع تخط على وجنتيه، كالفتاة التي فقدت والديها وهي بعمر العاشرة، ظل لبعض الوقت ومازالت دموعه تنساب بصمت، انهارت حصونه، وهو يتذكر ذكريات طفولته، هنا شعر بخناجر تغرز بصدره.
آه.
خرجت بقيح جروحه، ومازالت ملامحه لوحة من الألم والحزن. ابتسامة حزينة يهمس لنفسه بحروف الألم.
"حياتي ضاعت، بقيت مهشم، ماليش وجود، لا حصَّلت إلياس السيوفي ولا حصَّلت يوسف الشافعي. إنت مهشم يا إلياس مالكش وجود، تحمل ماضي مشوه وبقايا لحياتك اللي مش عارف هتكون إزاي، إنت ضعت، لا إنت مت، موتوك وإنت عايش."
آه.
صرخة توغلت صدره يحرك كفه عليه عله يزيل كم الألم الذي يشعر به.
دقائق بل ساعات مرت وهو مازال جالسًا ينظر بشرود للنيل. قاطعه رنين هاتفه، عينًا ممزوجة بالدموع والوجع العميق، يمرر أنامله على صورتها التي أنارت شاشة هاتفه. قلبه يحنو إليها ويتعاطف لنبضها باسمه، ولكن عقله وآه من عقله وتخبطه، ليجعل شيطانه يتلون به، ولكن كيف للعقل أن يتغلب على القلب وهو الذي لا يشعر بالحياة إلا بقربها، رغم قساوته معها، إلا أنه يتنفس عشقها. رفع الهاتف وأجاب.
"أيوة."
استمع إلى شهقاتها التي شقت صدره، ناهيك عن دموعها التي شعر وكأنها شظايا تشحذ جلد صدره.
"إلياس. إلياس."
كررتها عدة مرات مع بكائها المستمر.
"قول إننا في كابوس مستحيل اللي سمعته دا، إلياس قول لي إنك بتحلمي وهتفيقي منه، ماما فريدة مستحيل تعمل فينا كدا، مستحيل، أنا بنتها يا إلياس، أنا بنتها."
كررتها ببكاء صارخة حتى انهارت حصونه بالكامل. لتصرخ.
"مستحيل أكون بنت الراجل دا، إنت سامعني، أنا ماليش ذنب يا إلياس أنا معرفوش، لا أنا مش هيَّ لا أنا بنت مدام فريدة صح كدا، مش إنت كنت بتقول لي كدا."
صرخت به.
"إنت ساكت ليه، أوعى تقول لي إنك مصدق، أنا موافقة تقول لي يا بنت مدام فريدة بس متقول لييش بنت الراجل دا."
صرخة بآهة عالية خرجت من جوف شعورها بكم الألم وكأن عظام صدرها تنصهر.
"حياتنا كدا خلاص، يعني إحنا مابقاش ننفع نكمل مع بعض، أنا بنت الراجل اللي سرق حياتك، وإنت ابن الست اللي سرقت حياتي."
توقفت تدور بالغرفة بترنح كشجرة مكسورة الأغصان تدفعها الرياح لتهوي على الأرضية وترتفع شهقاتها.
"إنت فين حبيبي ارجع لي لو سمحت، إلياس إنت فين."
ظلَّت تردِّد اسمه بلسان ثقيل إلى أن أغلقت الهاتف.
هنا شعر وكأن أحدهم ألقاه بضربة موجعة قسمت ظهره لنصفين، وهشمت عموده الفقري ليشعر بالعجز وعدم القدرة على النهوض. حديثها كصاعقة أصابت قلبه الممزق، أمسك هاتفه وظل يقلب به إلى أن تذكر مقابلته لإسراء.
"نعم ياباشا، والله ما عملت حاجة."
أشار إليها بالجلوس يستدعي ساعي مكتبه.
"اعملي قهوة والمدام ليمونادا."
"تحت أمرك ياباشا."
أخرج سيجارته وأشعلها وعينيه تحاصر جلوسها، ابتلعت ريقها خوفًا من نظراته، ورغم هدوئه إلا أن تلك النظرات المميتة جعلت قلبها يسقط بين أقدامها، نفث رماد سيجارته وعينيه على تحرك أعضاء جسدها، ظلَّت تفرك بكفيها مبتعدة عن نظراته الافتراسية، وصل الساعي بالقهوة، أشار إليه.
"ادي المدام ليمونادا."
هزت رأسها رافضة ثم أردفت بتقطع.
"شكرًا ياباشا، أنا عندي بنت زمانها على وصول من الجامعة وهتقلق عليَّا لو."
قاطعه متوقفًا ثم اقترب وجلس بالمقعد الذي يقابلها ثم دنا بجسده للأمام هامسًا بسؤال.
"فريدة الشافعي فكراها."
توسعت عيناها بذهول، تهز رأسها مرة بالرفض ومرة بالإيجاب. زفر بغضب وصاح قائلًا.
"وبعدين معاكي، جاوبي آه ولَّا لأ؟"
"أيوه ياباشا، فريدة كانت جارة وصديقة، بس انقطعت أخبارها بعد جوازي، آخر مرة شفتها فيها بعد جوازها من أخو جوزها بكام شهر."
صمتت للحظات تلتفت حولها.
"حضرتك عايز منها إيه، أنا ماليش دعوة، أنا ست على باب الله ماليش غير بنتي وابني."
أشار بإصبعه أن تصمت.
"ردي على قد السؤال وبس، وعايز الصدق، هتكذبي."
هزت رأسها سريعًا بالنفي.
"هو كل شوية حد يجي يسألني عليها ليه، والله ما أعرف مكانها ولا أعرف إنها عايشة ولَّا لأ."
قبضة قوية اعتصرت فؤاده متسائلًا بخفوت.
"احكي لي تعرفي عنها إيه، ووعد مني مش هعمل لك حاجة."
قصت له كل شيء من موت جمال إلى زواجها ومعاناتها مع راجح.
انحبست أنفاسه بصدره، ولم يشعر سوى بالألم الحاد الذي تسلل إلى جسده بالكامل ليرفع كفه وبأنامله المرتعشة محاولًا فتح زر قميصه، بعدما أشار للعسكري قائلًا بصوت متقطع.
"رجعوها مكان ما جبتوها."
خرجت وعيناها عليه إلى أن توقفت على باب مكتبه.
"يمكن تموتوني بس راجح دا شيطان وربنا ينتقم منه، أنا مش خايفة منه ولا منك، الراجل اللي يذل ست يبقى مش راجل، واطي راجح وبدل ما يلملم ولاد أخوه ضيعهم هو والزبالة مراته، ولو حضرتك عايز توصل لفريدة عشان تكمل انتقامك منها بأوامره أنا معرفش وحتى لو أعرف مش هقول لك، الرب واحد والعمر واحد يا ابني، شكلك ابن حلال وربنا منحك وظيفة عشان تدافع عن حق المظلوم متعملش زي أهل البلد اللي رموها بالباطل، فريدة أشرف ست، كانت أم وأخت وجارة، والناس اللي خافت من راجح زمان بسبب جبروته روح شوف حالتهم إزاي، ربنا عمره ما يسكت على الظالم بيسلطه على نفسه، ربنا يكفينا شركم يا ابني.. ربنا يكفينا شركم."
قالتها وتحركت للخارج تدعو عليهم ليخترق صوت دعائها أذنيه وهي تبوح بمرارة.
"ربنا على الظالم والمفترى، ربنا على الظالم والمفترى."
خرج من شروده على رنين هاتفه مرة أخرى، أغلقه واعتدل ينهض بتخبط يشير إلى سيارة أجرة، استقل السيارة قائلًا.
"وديني السويس."
بعد فترة وصل إلى الحي الذي كان يسكنه والديه، نزل من السيارة ينظر حوله بضياع. تحرك إلى عدة أماكن يتفحصها وجلس مع بعض الأشخاص الذين بعمر فريدة أو أكبر منها بسنوات معدودة، ظل يتنقل هنا وهناك إلى أن جلس أمام البحر ينظر إليه بضياع. مر يومين وهو بالسويس إلى أن خطر في ذهنه الذهاب إلى قبر والده، تحرك يبحث عن المقابر. سأل المسؤول عن المقابر.
"لو سمحت فين مقابر عيلة الشافعي هنا؟"
دله الرجل على مكان قبر والده، سحب قدمه بصعوبة يتحرك بتثاقل يحمل على ظهره الكثير من الألم الذي علمه بما أخبره به البعض، وصل إلى المقبرة، ينظر إليها بتوهان. هل هنا دُفن والده، هل هنا دُفنت ذكريات حياته، فيوم وفاة والده هو يوم دفنه حيًا. ظل لدقائق معدودة ينظر إلى القبر بعيون خاوية، لقد جفت دموعه من كثرة بكائها، كم صعب أن أخبرك عن ما أشعر به، هنا كتبت عليه حياة الضياع، هنا دُفنت أحلامه وهويته، ليته ظل لبعض السنوات كي يعلمه كيف يكون الحضن الحامي. هل ما شعر به بأحضان مصطفى كانت سراب. هوى أمام القبر بركبتيه عندما تلاشت ساقيه وأصبحت هلاميتين. بسط كفيه بارتجاف على قبر والده، ظل يمرر يديه على المقبرة يعاني من قيح نزيفه الداخلي. لم يشعر بنفسه وهو يستند برأسه عليها وتساقط الدم مرة أخرى يتمتم بخفوت.
"با...با."
أخرجها بثقل وتقطع، شهقة من جوفه يغمض عينيه.
"موتنا من بعدك يا بابا، شوفت الراجل اللي المفروض يكون حمانا ويكون أبونا التاني عمل إيه، هو للدرجة دي الدنيا بقت وحشة، هو ممكن عم يعمل في ولاد أخوه كدا."
بكاء حارق وصرخات يتبعها لكمة بالأرض، وكأنه يزيح الألم الذي غزا حياته، ليجعله ميتًا وهو على قيد الحياة من غدر بلا شفقة من الأقربون إليه.
"ليييييه، ليه كل الغل والحقد دا، إيه اللي حصل يوصل العم يقتل ولاد أخوه وهمَّا على وش الدنيا، ياريتك أخدتنا معاك يا بابا، على الأقل كان هيكون لينا شهادة وفاة واحدة، حرمونا منك وحرموك منا، أنا ضايع يا بابا، هويتي فين، مقسوم نصين لا عارف أكون يوسف ولا عارف أكون إلياس، وأخويا اللي معرفش عنُّه حاجة."
ياترى عايش ولَّا لأ، ياترى حياته إزاي؟
ظل لعدة ساعات لم يشعر بالوقت الذي مر عليه وهو جالس بتلك الحالة إلى أن استمع إلى صوت مصطفى.
"كذا يا إلياس باباك هان عليك تعمل فيَّا كدا."
"بابا."
قالها متوقفًا بمقابلته بجسد واهن، ضمه مصطفى لأحضانه بقوة وكأنه سيذهب ويتركه.
"حبيب بابا، ينفع تعمل فيَّا كدا يا ابني، طفل إنت عشان تتوِّهني وراك."
"آسف."
أخرجها بصوت خافت، وعيون تلمع بالانكسار، ضم وجهه يفركه بكفيه.
"فين إلياس مين اللي واقف قدامي دا."
قالها وهو يطوف بنظراته عليه، وهاتفه بنبرة منكسرة.
"فين إلياس ابني، إنت مستحيل تكون ابني."
ابتعد عن محاوطة كفيه ورفع عينيه الجريحتين بمياه الألم قائلًا.
"لسة مصر تقول ابنك يا سيادة اللوا، مش كفاية سرقك لهويتي."
شعر مصطفى بالذنب من ضعفه وانكسار روحه، ليقترب يحاوط أكتافه.
"تعال حبيبي مراتك بتموت وأمك كمان بلاش تعمل كدا لو سمحت يا ابني، افتكر لي حاجة كويسة."
لم يستطع كبح هياج مشاعره بذكره لأغلى اثنين على قلبه، شعر بالخوف والقلق ليجذبه من ذراعه يتحرك به عائدًا إلى القاهرة.
وصل إلى فيلا السيوفي، كانت تغفو كعادتها تحتضن نفسها، دلف للداخل وعينيه تتعمق بملامحها التي اشتاقها حد الجحيم، خطا خطوة إلا أن أحدهم دفع الباب يصيح باسمه.
"إلياس."
قالتها فريدة وهي تهرول تضمُّه بأحضانها وتبكي بصوت مرتفع.
"كدا يا إلياس، هان عليك يابني."
هبت من نومها بعدما استمعت إلى بكاء فريدة، لتعتدل فوق الفراش تتابعه بعينين جريحتين من كثرة الحزن، تقابلت النظرات بينهما في عتاب طويل، جذب مصطفى فريدة قائلًا.
"سبيه حبيبتي خليه ياخد شاور ويرتاح شوية."
ربت على كتفه.
"حبيبي خد شاور هنستناك نتعشى كلنا مع بعض، أخواتك قافلين على نفسهم وزعلانين، بترجاك يا ابني بلاش توجع قلبي عليك، أنا مش هسمح لك تتكسر كدا، أنا ربيت راجل أسد ومش هتنازل عن كدا."
كانت عيناه عليها وكأنه لم يستمع إلى حديث مصطفى الذي سحب فريدة وتحرك يغلق الباب خلفه بهدوء.
جلس على المقعد يحتوي رأسه بين راحتيه، ظلَّت تتابعه بصمت إلى أن توقفت مترنحةً وبجسدٍ مرتعشٍ همست اسمه بتقطع.
"كنت فين، نسيت إنك سايب واحدة حامل وراك."
نزل بعينيه على بطنها ثم نهض من مكانه واتجه إلى الحمام دون حديث.
انسابت عبراتها على حياتهما التي انهارت وأصبحت شظايا، خرج بعد قليل يلف نفسه بمنشفة، اقتربت منه تضع كفيها على كتفه العاري، تراجع كالملسوع يشير إليها.
"ماتلمسنيش ولا تقربي مني."
دلف لداخل غرفة ثيابه وخرج بعد دقائق، متجهًا إلى غرفته، هرولت خلفه تتشبث بكفه.
"رايح فين يا إلياس."
نزع كفه ورفع عينيه إليها.
"مش عايز أكرهك، لو سمحتي ابعدي عني، متخليش غضبي يحرقك بذنب أبوكي."
دنت منه تضم وجهه بين راحتيها، وعيناها التي تكونت بها خط من الدموع، ناهيك عن ذبولها قائلة.
"إنت اللي متقولش كدا عشان مكرهكش يا إلياس، مش بكفيك يا حضرة الظابط، أنا بنت قلبك يا ابن السيوفي."
رفعت نفسها وطبعت قبلة على خاصته تضع رأسها بحناياه، تحاول أن تفيق من أسوأ كوابيسها وخرج صوتها متقطع.
"إحنا قدرنا واحد، لا إنت مسموح لك تبعد وأنا مسموح لي أبعد عنك."
رفعت عينيها المتلألئة بنيران الألم.
"أنا اسمي ميرال جمال الدين، اللي هي مرات إلياس السيوفي، ماليش دعوة باللي اتقال."
تراجع بعيدًا وغادر المكان وهو يردد.
"أبوكي هقتله يا ميرال، سمعتيني موته هيكون على إيدي، بس مش هموته موت عادي، ياريتك تنسحبي من حياتي."
قالها وتحرك يغلق الباب خلفه دون أن ينظر إليها، لتهوي على الأرض تبكي بشهقات وهي تحاوط بطنها. مر يومين وهو حاليًا نفسه بغرفته لم يختلط بأحد.
دلف مصطفى إليه وقلبه يتمزق على حالته، اقترب منه وجده جالسًا بالأرضية وحوله صور مراحله منذ الطفولة، ربت على كتفه.
"إلياس."
رفع رأسه وليته لم يرفعها، هل هذا إلياس السيوفي، ابتلع آلامه وهتف بتقطع.
"حبيبي قاعد كدا ليه، قوم يا إلياس. مينفعش اللي بتعمله في نفسك دا، إنت كدا بتموت نفسك يا ابني."
ابتسم بسخرية يهز رأسه بجمود.
"إلياس ابنك! طيب إزاي، إيه دا يا سيادة اللوا العظيم الموقر صاحب الأخلاق لسه مصر إنِّي إلياس."
ارتفعت ضحكاته وتمدد على الأرض كالذي فقد عقله.
"تلاتين سنة وأنا عايش في كدبة، أب غير الأب وأم غير الأم."
أم اعتدل ينظر إلى مصطفى.
"هو أنا بحلم."
هز رأسه يتجول بنظراته.
"أيوه أنا بحلم، أيوه بحلم مستحيل دا يكون حقيقي، دا مش حلم دا كابوس. مراتي تطلع بنت أسوأ راجل، وكمان حامل بابني."
نظر للخارج.
"ابني، ياترى هختار ابني ولَّا أختار أبويا وسيرته، ولَّا أمي. آه وأمي تطلع أكتر شخص كرهته."
نظر لأعين مصطفى.
"تفتكر دا عدل يا مصطفى باشا؟"
"إلياس فوق بقى، مكنتش أعرف إنك ضعيف كدا."
انحنى بجسده إلى مصطفى.
"إلياس مين يا باشا، حضرتك مش واخد بالك، إلياس بح بح يا مصطفى باشا."
حاوطه وحاول أن يهدئ من روعه.
"حبيبي اسمعني، أنا مكنش قصدي أدمَّرك زي ما بتقول، ولا قصدي أسرق حياتك."
"عارف مكنش قصدك، وكمان عارف اللي أخد أخويا برضو مكنش قصده، بس ياترى هيكون عايش ولَّا لأ، تعرف خايف أخويا التاني يطلع مجرم، ولو ربنا بيكرهني أكتر أكون دمرت حياته من اللي حكمت عليهم وأنا معرفش، صح يا بابا."
توقف عن الحديث واتجه بنظره إليه.
"بابا إزاي وإنت مش أبويا، يعني أمي مش أمي وأبويا مش أبويا، ولا إلياس طلع إلياس."
توقف بجسد متخبط لم يستطع الثبات، ترنح كالمخمور يردد.
"إلياس طلع مش إلياس."
"حياة كلها كدبة، وأمي طلعت مش أمي. إنت مش أبويا. وأنا مش أنا."
"إلياس السيوفي طلع وهم لا، طلع كدبة."
ظل يرددها وهو يغادر الغرفة. وصلت إليه ميرال.
"هتسيبه كدا، لازم تتصرف يا عمو، أنا خايفة عليه دا ممكن يعمل حاجة في نفسه."
أحس وكأن أحدهم طعنه بمنتصف ظهره ليشعر بعدم قدرته على الحركة، وانسابت عبراته.
"حاولت ومش عارف، مش مهم اللي بيعمله المهم يفضل في البيت ومرجعش أدور عليه تاني."
يوم آخر محمَّل بالأحزان التي شطرت القلوب، نهضت من نومها باكية بصوت مرتفع، لقد اشتاقت إليه حد الجنون، اشتاقت لضحكاته إلى همساته حتى إلى صوته البارد.
نهضت بعدما شعرت بالحزن فكلما تذكرت حالته تشعر بآلام تفوق قدرتها، نهضت متسللة وقامت بتبديل ثيابها لمنامة سوداء اللون، ثم جذبت روبها وارتدته، بعدما أنهت زينتها، وتحركت للخارج متجهة إلى غرفته، بعدما قام بتبديل الغرف. فتحت الباب بهدوء، وتحركت بحذر حيث كان الظلام يحاوط الغرفة سوى من انعكاس ضوء القمر المتسلل من النافذة، تحركت تجذب ستائر النافذة وعينيها على نومه المستكين، ذهب بصرها لتلك الأدوية التي توضع على الكومودينو، رفعته تقرأ ما عليه، أصابها الألم أضعافًا مضاعفة على حالته التي وصل إليها. قامت بنزع روبها وتمددت بجواره تندثر داخل أحضانه، شعر بها ولكن ثقل رأسه جعله لم يحرك ساكنًا، مرت أناملها على وجهه تهمس له.
"دقنك طولت يا إلياس، رغم مبحبهاش كدا بس بكلتا الأحوال بحبك بكل حالاتك."
فتح عينيه بتملل وكأنها تراود أحلامه، شعر بملمس أناملها على وجهه ابتسم قائلًا.
"أكيد مش بحلم صح."
دفنت نفسها بأحضان وردفت بخفوت.
"لا مش حلم أنا هنا."
أغمض عينيه مرة أخرى مبتسمًا، رفعت رأسها تهمس اسمه.
"عايزة أقول لك خبر حلو، بس لازم تفوق مستحيل أقول لك وإنت كدا."
رفع ذراعيه يشدد على احتضانها.
"مفيش أجمل من إنك تكوني جوَّا حضني."
لمعت عيناها بالسعادة من كلماته حتى فرت دمعة بطرف جفنيها رغمًا عنها لتصل لشهقة، فتح عينيه ولكنَّه غير مسيطر على حالته، دنا برأسه من وجهها.
"أنا كويس، المهم إنك كويسة."
لمست وجنتيه واحتضنت عينيه.
"حبيبي أنا هجب لك ولد، عرفت نوع الجنين، ربنا بيعوِّض أهو، شوفت حب يربط على قلبك فرزقك بمولود."
قالتها وهي تضع كفيه على أحشائها.
"هنا فيه قطعة منك."
نظرات فقط يطالعها بارتفاع أنفاسه، حتى شعر بقبضة تعتصر فؤاده ليعتدل على فراشه بجسد مترنح.
"مش عايزة، الحمل دا لازم ينزل."
قالها وتوقف كالمخمور يترنح يردد.
"لا مش هقدر أكون أب، لازم ينزل."
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سيلا وليد
شظايا قلوب محترقة
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "
سيبقى كسر قلبي في ذمتكم للأبد..
ف ليت الحزن لم يُخلق ولم يسكن داري..
حزينة مدني وأريافي..
وكل ليلة تشيّع جنائز سكاني..
صرتم اليوم ضربةً كسرت قلبي.
فأصبحت قلب مقطوع الشريان
فؤاد معتل فيه الأبهران
كلام يغطيه كتمان
ونار دون دخان
بركان يوشك على الغليان
سفينة شرد عنها القبطان
ثم بعد
فوالله رأيتك كطفل يبحث عن ملجأ يحتمى فيه وحين أصبحت الملجأ لك كنت انت الزلازل الذى هدم أركاني
والآن ترحلُ بعدما استعمرتني
وتقول عذراً إنَّها الأقدارُ
ارتجفَ جسدها بانتفاضةٍ تطالعهُ مذعورة، ولم تشعر بعبراتها التي انسابت بغزارةٍ فوق وجنتيها، لتجذبَ روبها بأيدي مرتعشةٍ مع شهقاتها التي لم تقوَ على توقُّفها، ثمَّ تحرَّكت بخطواتٍ بطيئةٍ لخارجِ الغرفة، وكأنَّها تساقُ إلى غرفةِ إعدامها، دلفت غرفتهما، وأغلقت البابَ خلفها بهدوء، ومازال جسدها يرتعشُ كالتي أصابها حمَّى، خطت تستندُ على الأشياءِ التي تقابلها حتى وصلت إلى فراشها، وتمدَّدت تحتضنُ نفسها كالجنينِ في محاولةٍ لكتمِ شهقاتها ولكنَّها فشلت، إلى أن اعتدلت جالسةً تضعُ كفَّها على صدرها محاولةً أخذ أنفاسها..
عند إلياس بعد خروجها، جذبَ مفاتيحهِ مع جاكيتهِ واتَّجهَ مغادرًا للخارج، قاد السيارةَ ذاهبًا إلى منزله..دلفَ للداخلِ يلقي أشيائه، ثمَّ جلسَ على الأريكةِ يحتوي رأسهِ بين راحتيه..
قاطعهُ رنينَ هاتفه:
-إلياس إنتَ فين؟!.
أشعلَ سيجارتهِ يستمعُ إلى حديثه:
-أنا في البيت فيه حاجة ولَّا إيه؟.
كان يقودُ السيارةَ عائدًا إلى منزله، فأردف:
-عندك وقت، عايزك في موضوع مهمّ..نفثَ تبغهِ وأجابهُ بشرود:
-وأنا كمان عايزك، تعالَ على بيتي، فيه موضوع مهمّ محتاجك فيه..
-تمام عشر دقايق وأكون عندك.
بعدَ فترةٍ وصلَ إليه، دلفَ للداخل:
-مساء الورد ياجدع، فينك بقالك فترة مش ظاهر؟..
أشارَ إليهِ بالجلوسِ وتحدَّثَ بتهكُّم:
-مش عيب تستصغر عقلي ياحضرةِ الظابط..
مطَّ شفتيهِ يهزُّ رأسهِ مبتسمًا:
-هعمل مصدَّقك ومحاولتش تدوَّر عليَّا، ثمَّ عقَّبَ على حديثه:
-كنت في إجازة حبيت أبعد شوية عن دوشةِ الشغل..
-تبعد ودوشة شغل ياإلياس وهمَّا هنا هيتجنِّنوا عليك.
مسحَ على وجههِ بعنفٍ ثمَّ تنهَّدَ متسائلًا:
-تشرب قهوة ولا هترغي؟..
أومأ دون حديث، نهضَ إلياس إلى ماكينةِ القهوة، ليعدَّ قهوتهما قائلًا:
-مفيش حدِّ هنا، مااتصلتش بالخدامة، استحمل قهوتي واشربها بدون تريقة..
توقَّفَ أرسلان يتحرَّكُ بالمنزل، طافت عيناهُ على بعضِ الأركان:
-هوَّ إنتَ مش مستقرّ هنا ولَّا إيه، استدارَ إليهِ وهو يحملُ فنجانينِ من القهوة، ثمَّ اقتربَ منهُ مجيبًا:
-باجي هنا تلات أيام، وعند با..توقَّفَ عن نُطقها ثمَّ حاولَ تغييرَ الحديثِ قائلًا:
-كنت بتقول عايزني، في حاجة ولَّا إيه؟..
-المهندس يزن السوهاجي اللي ساعدنا في دخول شركات العمري..
ارتشفَ بعضًا من القهوةِ يستمعُ إليه باهتمام، إلى أن استطردَ أرسلان قائلًا:
-المهندس دا حاطينه في لستةِ الناس اللي عايزين يصفُّوها، فبقول لو قرَّبت منُّه وحاولت تشوفله شغل بعيد عن شركةِ العمري يكون أحسن.
دقَّقَ النظرَ إليهِ متسائلًا:
-مش فاهم، وليه عايزين يموِّتوه، وإنتَ تعرفه منين علشان خايف عليه؟..
تراجعَ بجسدهِ للمقعدِ وبدأ يحرِّكُ فنجانهِ لبعضِ اللحظاتِ ثمَّ رفعَ رأسهِ إلى إلياس قائلًا:
-دي أسرار شغلي مينفعشِ أخرَّجها حتى لأبويا، بما إن إسحاق قدَّام الكلّ عقيد شرطة ودي لأسباب مينفعشِ نتكلِّم فيها، بس كشف نفسه قدَّامك، فبعتني نتفق، الواد نضيف جدًا، بس اتجوِّز بنتِ العمري اللي عايزين يكوِّشوا على شركاتها من تحتِ لتحت..
فركَ جبينهِ عندما شعرَ بالصداع، رفعَ رأسهِ وطالعهُ بتشتُّت:
-مش فاهم همَّا مين دول؟..أخرجَ بعض الصورِ ووضعها أمامهِ واسترسل:
-إلياس اسمعني كويس، عارف اللي بطلبه منَّك صعب بس لازم نربط الأحداث، دلوقتي الأجهزة اللي حطناها مش لاقطة حاجة..
أومأ متفهِّمًا حتى يُنهي الحديث، فأردف:
-هشوف موضوعه بعدين، المهم الولد اللي اتقتل في السجن دا، هوَّ السبب في حادثة ابنِ اللوا، عايزك تجيب حياة الواد دا، أكيد له علاقة براجح الشافعي.
قطبَ أرسلان جبينهِ متسائلًا:
-مش فاهم قصدك، ايه اللي حصل ومال راجح بالولد..جذبَ سجائره:
-عايز كل اللي راجح بيتعامل معهم، دفتره كلُّه ياأرسلان، شغله، حياته، النفس اللي بيخرَّجه، مش هوَّ بس، ومراته وابنه..
طالعهُ بتساؤلٍ خرجَ من عينيه، منتظرًا الإجابة، حينما علمَ أنَّها مسألة شخصية،
أشعلَ سيجارة اخرى وأردف:
-تار قديم زي ماقولت لك قبل كدا، وزي ماقولت أنُّه من فترة انسحبت كلِّ أملاكه منُّه، وخرج من الوظيفة بفضيحة، منين الفلوس اللي شارك بيها مالك العمري، عايز كلِّ حاجة ياأرسلان، وياريت يكون سرِّي هكون شاكر، حمحمَ وابتعدَ بنظره:
-وأتمنَّى عمَّك مايعرفش..أومأ له ثمَّ أشارَ على الصور التي بيديه:
-طيِّب كنت عايزك تاخد الصور دي لمدام ميرال تشوفها، عايز أعرف لمَّا اتخطفت شافت حدِّ منهم، أنا عارف الموضوع صعب، بس لازم علشان العيال دي نزلت قبلِ الحادثة بكام يوم، وفيه كاميرات جابتهم وهمَّا قريبين من الجرنال اللي شغَّالة فيه مدام ميرال..
أمسكَ الصور بين يديه، ثمَّ رفعَ نظرهِ قائلًا:
-آسف مقدرش، أنا مصدَّقت أنَّها نسيت الحادثة، مقدرشِ أرجع أخليها تفتكر، الموضوع صعب ياأرسلان، مراتي حامل دلوقتي.
ابتسمَ له قائلًا:
-ألف مبروك، أنا كنت بعمل محاولة بس، علشان العيال دي اتمسكوا عندك من كام يوم، أكيد لسة شريف مخبَّركش، كنت مفكَّرك عارف، فأنا بربط الأحداث..توقَّفَ يغلقُ زرَّ جاكيتهِ قائلًا:
-هعمل اللي طلبته، بس مش الأسبوع دا، مش هكون موجود بالقاهرة..
أومأ متفهِّمًا ليتوقَّفَ بمقابلته:
-وقت ماتفضى، عارف إنَّك مشغول ربِّنا يوفقك..
أومأ مبتسمًا وسحبَ نفسهِ مغادرًا وهو يهتف:
-على تليفون بقى، متتخبَّاش تاني..
ارتفعَ رنينَ هاتفهِ فاستدارَ بعدما أشار له أرسلان:
-رد أنا مش غريب عارف الطريق كويس..قالها وتحرَّكَ مغادرًا، اتَّجهَ إلى هاتفه:
-أيوة ...شهقةٌ متألمةٌ من حناياها وأجابتهُ بصوتٍ مفعمٍ بالبكاء:
- إنتَ فين يابني؟..
تنهيدةٌ عميقةٌ وآلامٌ محفورةٌ بنيرانِ الغضبِ ليجيبها:
-عايز أفضل لوحدي، مش عايز أأذي حد، لو سمحتي سبوني براحتي..
قاطعتهُ باكية:
-مراتك اللي هتموت وراك دي، طيِّب أنا خلاص اتعوِّدت هيِّ ذنبها إيه، إنتَ ناسي إنَّها حامل، ولَّا مش فارق معاك..
هزَّةٌ عنيفةٌ أصابت جسده، فقلبهِ لم يعد يتحمَّلُ الفراق، ولكن كيف له الاقترابَ وهي التي تزيدُ من التهابه..
لم يعد يشعر سوى بنيرانٍ سوداء تمنعُ تنفُّسهِ ليردفَ قائلًا:
-خلِّيها بعيد عنِّي، مش عايز أأذيها، قاطعته سريعا تزيل عبراتها
-مالهاش ذنب يابني، بلاش وحياتي علشان عارفة ماليش أهمية عندك، بس علشان ابنك ياحبيبي بلاش تاخدها بذنوبنا، هي مالهاش ذنب
-وعلشان هي مالهاش ذنب يامدام فريدة انا بعدت عنها، صدقيني لو قرينا من بعض دلوقتي هنأذي بعض، خليني بعيد بدل ماادمرها بانتقامي، قالها واغلق الهاتف
-استدارت إلى مصطفى بدموعها
-عنيد اوي وقاسي يامصطفى ..حاوط كتفها وتحرك إلى الفراش
-تعالي يافريدة، ارتاحي، أنا شايف أنُّه هوَّ صح، خليه يرتِّب أفكاره، مش سهل اللي مرِّ بيه، لو سمحتي بلاش نضغط عليه..
مرَّت عدَّةَ أيامٍ والوضعُ كما هو، سوى من تغيُّرِ ميرال التي نزلت عملها وبدأت تعملُ بنشاط، دفنت حياتها بشغلها حتى تتجرَّدَ من ذكرياتها المأساوية، لا تعلم عنهُ شيئًا سوى أنَّهُ يريدُ الانعزال عن الجميع، مرَّت ساعاتٍ وهي تعملُ إلى أن شعرت بالألم، فتراجعت بجسدها وأغمضت عينيها تحتضنُ أحشائها، استمعت إلى صوتٍ ارادت أن يصيبها اللهُ بالعمى والصممِ ولا أن تراهُ ولا تسمعَ صوته:
-إزيك يابنتي عاملة إيه..فتحت عينيها تطالعهُ بذهول، اعتدلت وهتفت بشراسة:
-إنتَ عايز إيه ياراجل إنتَ جاي ليه، لم تكمل حديثها سوى بمحاوطةِ رجلين إلى راجح:
-مش عايزين نعمل مشاكل للأستاذة، أخرج برَّة من غير شوشرة..قالها أحدهما وهو يجذبهُ من ذراعه، طالعهم بغضب، فلم يكن يتوقَّع بمراقبةِ إلياس لميرال، تحرَّكَ بصمتٍ على أن يعودَ مرَّةً أخرى..
خرجت سريعًا خلفه، ولكنَّهُ قادَ سيارتهِ وتحرَّك، توقَّفت أمامهم تصرخُ بوجههم:
-اللي مشغلكم فين؟!.
-معرفشِ يامدام ..سحبت سلاحهِ بلحظةٍ ووضعتهُ على رأسها:
-لو منطقتش هموِّت نفسي، ويبقى خليه يسامحكم..
-في بيت أستاذة رؤى، قالها سريعًا، تجمَّدَ جسدها لتشعرَ بالبرودة، ولم يعد لديها القدرة على الوقوفِ حتى ترنَّحَ جسدها، ليقتربَ أحدهم محاولًا مساعدتها:
-إنتِ كويسة ياأستاذة..أشارت إليه تهزُّ رأسها ثمَّ تحرَّكت بتخبُّطٍ ودموعٍ تنساب على خديها:
-روحت عندها ياإلياس، للدرجة دي شعوري مش فارق معاك..قادت سيارتها واتَّجهت إليه، وصلت بعدَ قليلٍ
وتوقفت تضغطُ على الجرسِ بأناملٍ مرتعشة، لحظاتٍ وفُتحَ الباب، توقَّفت تطالعها بصدمة:
-ميرال، إيه اللي جابك، جذبتها بقوَّةٍ للخارجِ ثمَّ دلفت للداخلِ بعدما أغلقت بابَ المنزلِ عليها بالخارج، ودلفت بساقينِ هلاميتين، تبحثُ بعينيها عنه، وجدتهُ جالسًا على أحدِ الأرائكِ يعملُ على جهازه، تعمَّقت بملامحه، طولت ذقنهِ بعض الشيئ وفقدَ بعضًا من الوزن، اقتربت تنظرُ إلى ثيابهِ البيتية، وأغمضت عينيها تريدُ أن تُزهقَ روحها..زوجها مع أخرى بملابسٍ منزلية، رفعَ رأسهِ عن جهازهِ بعدما تسلَّلت رائحتها أنفه:
-ميرال..لم تعد ساقيها تحملها لتهوى بركبتيها تحتضنُ بطنها وبكت وكأنَّها لم تبكِ من قبل.
طالعها كالطفلِ الضائع، داخلهِ يحترقُ بقوَّةٍ كبركانٍ ثائر، يضغطُ بقبضته ،حتى كاد أن يمزِّقَ أوردته، أطبقَ على جفنيهِ وصوتُ شهقاتها يصمُّ أذنيهِ إلى أن انتفضَ من مكانهِ واتَّجهَ إليها، اقتربَ منها حينما وضعت كفَّها تدلكُ صدرها ووجهها الذي شحبَ شحوبَ الموتى،، اقتربَ دون كلامٍ يعانقها عناقًا ساحقًا، لحظاتٍ ولم يقوَ السيطرةِ على حزنها وبكائها، جذبَ كوبَ المياهِ ثمَّ جلسَ محاوطًا جسدها:
-اشربي ياميرال، خدى نفسك بالراحة، قالها وعينيهِ على تفاصيلِ وجهها..
ارتشفت بعضَ المياه، ثمَّ همست من بين شهقاتها:
-بتعمل إيه هنا..نهضَ من مكانهِ وحملها بين ذراعيه، وضعها بهدوءٍ على الأريكة، ثمَّ دثَّرها بغطاءٍ خفيف، وأمالَ بجسده:
-إيه اللي جابك هنا، عانقت عينيهِ تهمسُ ببكاء:
-جاية أدوَّر على جوزي، وأقولُّه وحشتني، أعرَّفه ماليش دعوة..
جلسَ بجوارها وحرَّرَ خصلاتها من الحجاب:
-اتكلِّمنا في الموضوع دا ياميرال، ممكن مش تفتحيه تاني..
أغمضت عينيها عندما شعرت بوهن، وهمست مبتعدةً عنه بنظراتها:
-عايزة أنام ويارب ماأقوم تاني..قالتها وهي تتمدَّدُ تحتضنُ نفسها، تمدَّدَ بجوارِها حينما وجدَ حالتها ليست على مايُرام، رفعَ رأسها إلى صدرهِ وبدأ يمسِّدُ على خصلاتها:
-ماتنميش وإنتِ معيطة لو سمحتي، عايزك تسمعيني كويس وبعد كدا اختاري براحتك، أنا مستحيل أغضب ربِّنا مهما كان، بس أنا عاجز ياميرال وخايف من بكرة، إحنا دلوقتي مش زي الأوَّل، إنتِ شخص تاني وأنا كمان، رغم القرابة اللي جمعتنا، بس القرابة دي هتكون نار بينا، رفعَ وجهها وسبحَ بملامحها التي شحبَ لونها، مرَّرَ أناملهِ على وجهها يزيلُ عبراتها بإبهامه:
-لو حد قالي إيه اللي ممكن تتخيَّله أنُّه مايحصلش، عمري ماكنت أتوقع صلة القرابة اللي بينا، ولا عمري كنت أحلم حتى لو بكابوس إنِّي أكون غير الشخص اللي حياتي كلَّها عليه..
مالَ بجسدهِ يستندُ بجبهتهِ فوق جبهتها وسحبَ رائحةَ أنفاسها، مطبقَ الجفنينِ يهمسُ بنبرةٍ ممزوجةٍ بالعشق:
-أنا بختار بين حياتي وبين موتي ياميرال، لأنِّي اكتشفت انك حد مهم بالنسبالي، بس دا قدرنا، لازم ننفصل مفيش قرار غير دا..
شهقةٌ تمنَّت أن يأخذَ اللهُ بها أنفاسها:
-بتموِّتني ياإلياس، إنتَ بتدبحني بإيدك..
رفعها حتى أصبحت بأحضانهِ يدفنُ رأسهِ بحناياها:
-وأنا بموت قبلك لو سمحتي بلاش تصعَّبيها، مش هنقدر نكمل حياتنا مع بعض، أنا عرفت حاجات صعب تتحمِّليها ياميرال..رفعَ رأسهِ يطالعها بعيونٍ فاضت من الألم:
-كلِّ ماأبصّ في وشِّك هفتكر أبوكي اللي فرَّقنا، عارف أنُّه مالكيش ذنب، وضعَ كفِّهِ على أحشائها يمرِّرها:
-ابني هيكون جدُّه اللي خطف أبوه، جدُّه اللي عذِّب جدِّته ويتِّم ولادها، رفعَ كفَّيهِ يضمُّ جانبَ وجهها ودمعةٌ غادرةٌ انسابت على وجنتيهِ تحرقه:
-أبوكي كان بيغت...صب فريدة ياميرال،
شهقةٌ خرجت منها بصوتٍ مرتفعٍ تهزُّ رأسها بعنفٍ وعبراتها تتدحرجُ بغزارةٍ كالمطرِ تهتفُ بتقطُّع:
-لا لا..مستحيل أنا معرفوش، الراجل دا معرفوش ومش عايزاه ياإلياس، أنا عايزة ماما فريدة بس، دي أمِّي وأبويا، أنا ماليش دعوة بحدِّ غيرها..
قالتها ببكاءٍ مرتفع، ممَّا جعلهُ يضمُّها لأحضانهِ يربتُ على ظهرها:
-عندي الأصعب والأوجع، أنا جوايا نار ياميرال، ومش عايزاها تطولك، علشان أنا حبِّيتك، حبِّيتك أوي، وكنت أسعد راجل علشان هيبقى عندنا أطفال، بس حياتي اتهدِّت كلَّها، ماليش وجود ولا هوية، أنا مش أنا ولا إنتِ بقيتي بنتِ الستِّ اللي هيَّ في الأصلِ أمي، اللي طول الوقت كنت مفكَّرها أكبر عدوة..
خرجت من أحضانهِ تضمُّ وجههِ وأردفت:
-تعالَ نسافر أيِّ مكان ياإلياس، وننسى اللي حصل، نستقر برَّة مصر، ونربِّي ابننا وناخد ماما فريدة معانا، أنا مش عايزة حاجة غيركم أنتوا الاتنين.
-ميرال لازم تفهمي..وضعت كفَّها على فمهِ..تهزُّ رأسها قائلة:
-مش عايزة أسمع حاجة، إنتَ اللي لازم تسمعني وبعدِ كلامي دا مفيش كلام تاني، الراجل دا مفيش حاجة تُربطني بيه ولا أعرفه، معرفشِ غير بيت عمُّو مصطفى اللي هوَّ أبوك ماليش أهل غيركوا، إنتَ جوزي وأبو ابني وبس، الباقي ميهمِّنيش حتى لو هوَّ جه وقالي إنتي بنتي أنا مش معترفة بيه، أنا ماليش أب، أبويا مات غرقان في البحر ياإلياس واسمي ميرال جمال الدين وأمِّي اسمها فريدة، وجوزي إلياس السيوفي، غير كدا محدِّش له حاجة عندي.
تجاهلَ صراخَ قلبهِ بسحقها بين ضلوعهِ وارتوائها من العشقِ مايشعر، وتابعَ حديثه:
-يعني مش هتيجي في يوم تلوميني عملت في بابا كدا ليه، مش هتيجي وتقولي أنا مستحيل أفضل مع راجل بيعذِّب أبويا..
دنت منهُ ووضعت خاصَّتها تحتضنُ خاصَّتهِ حتى يصمتَ عن الحديث، كيف يخيِّرها بين الحياةِ والموت، تولَّى قبلتها بخبرتهِ علَّهُ يخرُجا ممَّا عليهِ هما الاثنين، دقائقَ ولم يشعر بما حولهما، يرتوي من لذَّةِ عشقها، بعد فترةٍ كان يضمُّها لأحضانه:
-متجيش في وقت توقفي قدامي ياميرال وتعاتبيني، بعد موافقتك مستحيل اغير كنيتك، أما لو انت عايزة الإنفصال
اعتدلت تستند على صدره
-إلياس بلاش تخيرني بين الموت والحياة لو سمحت، انا حياتي كلها كانت هنا، ومش ناوية أتنازل عن ميرال السيوفي، ومهما حصل ولو حاولت تعمل علشان تضايقني انسى مش هديلك فرصة لدا، إلا إذا انت كرهتني ومش عايزني في حياتك
ابتسامةٌ من بين أحزانهِ يمسِّدُ على وجهها، ثمَّ انحنى يهمسُ بجوارِ أذنها بعض الكلماتِ لتلكمهُ بصدره، حتى أفلتَ ضحكةً رجوليةً ورغم أنَّها ضحكةٌ ولكنَّها باهتةٌ لم يشعر بها، أشارت إلى حجابها:
-ياله بقى علشان نرجع بيتنا، بدل ماأتعصَّب وأعمل مجنونة زي زمان..
رفعَ حاجبهِ ساخرًا وتهكَّمَ قائلًا:
-تعملي مجنونة، يعني إنتِ مش مجنونة، استندت على ركبتيها تطالعهُ بعيونٍ هائمةٍ تخصُّهُ وحده:
-أنا مجنونة بيك وإنتَ عارف دا كويس..
بسطَ يديهِ يجذبها لتصبحَ بأحضانه:
-متأكِّدة من قرارك ياميرال، هتقدري تواجهي راجح، ولَّا..وضعت أناملها فوقَ شفتيهِ تنظرُ لعينيه:
-أنا منكرشِ إنِّي اتأثرت أوي، وأكيد إنتَ حاسس باللي أنا حسَّاه، بس مش معنى كدا أنا عايزاه في حياتي ياإلياس، ماما فريدة حكت لي كلِّ حاجة، منكرشِ اضَّيقت منها في الأوِّل إنَّها عملت كدا، بس لمَّا قعدت مع نفسي قولت دا قدري، كفاية إنَّها حافظت عليَّا، يعني لو كنت معاهم ممكن حياتي تكون مختلفة عن كدا..
سحبت نفسًا وابتعدت عنه:
-أنا تايهة أوي ياإلياس، أوي، بس اللي متأكِّدة منُّه، مش هقدر أعيش بعيد عن ماما فريدة، وأخواتك، إزاي يعدِّي يوم من غير مااتجنِّن مع غادة وأشاكس إسلام..
صمتَت وطالعتهُ قائلة:
-إزاي هقدر أبعد عنَّك بعد الحبِّ اللي بينا..احتوى كفَّيها بين يديه، ثمَّ رفعهما يقبِّلهما:
-حاسس باللي إنتِ بتقوليه، وعاذرك أكيد، علشان كدا بقولك فكَّري كويس، إنتِ قبل ماتكوني مراتي، انت جزء من العيلة اللي اتربِّينا وكبرنا فيها..
أومأت وحاولت تغييرَ الحديث قائلة:
-طيب مش هتقوم نرجع ولَّا بيت الزفتة دي عاجبك، وبعدين تعالَ هنا، ليه جاي هنا، إنتَ مش كنت في البيت التاني، ولَّا تنطيط الستِّ رؤى عجبك..
نهضَ من مكانهِ يشيرُ إلى حجابها:
-اظبطي حجابك علشان حدِّ من الشباب يوصَّلك.
هبَّت من مكانها تصرخُ بوجهه:
-إنتَ إيه ياأخي أنا جيت لك وبقولك نرجع بيتنا، وبرضو حضرتك مصرّ تحرق دمِّي..
رمقها غاضبًا، وأشارَ بسبَّباته:
-اتجنِّنتي، صوتك عالي ليه، وأنا قولت عندي شغل لمَّا أخلَّصه هرجع، مش مُنتظر مراتي تقولي أعمل إيه..
دفعتهُ بغضبٍ ووضعت حجابها بعشوائيةٍ تبحثُ عن هاتفها وهي تلقيهِ ببعضِ الكلماتِ القاسية..
بالخارجِ قبل قليل،
بعد دخولِ ميرال، وإغلاقها البابَ خلفها، أمسكت رؤى هاتفها:
-عمُّو مصطفى الحقني ميرال عرفت إنِّ إلياس عندي، ودخلت وقفلت الباب أنا خايفة يعمِل فيها حاجة..
نهضَ من مكانهِ يشيرُ إلى أحدِ الضباط:
-ابعت دا للواء نشأت يابني، ثمَّ جمعَ أشيائهِ واتَّجهَ إلى سيارته:
-تمام يارؤى نصِّ ساعة وأكون عندك، أنا في ستة أكتوبر، قدَّامي شوية، بس متخافيش هوَّ مش هيئذيها، هوَّ عايز ياخد قرار في حياته، بلاش نضغط عليهم، شوية وأكون عندك.
فتحت ميرال البابَ وجدت مصطفى أمامها:
-عمُّو مصطفى فيه حاجة..بسطَ كفَّيهِ إليها:
-تعالي حبيبة عمُّو بتعملي إيه هنا، رفعت عينيها إلى رؤى وأجابته:
-كنت عند جوزي ولَّا مش من حقِّي، ذهبَ ببصرهِ للداخلِ متسائلًا:
-إلياس جوا؟..خطت متَّجهةً إلى السيارة:
-هيكون فين، الأستاذ عاجبه القعدة هنا.
دلفَ للداخلِ بعدما أشارَ للحرس:
-ورا المدام ، قابله إلياس على بابِ المنزل:
-بابا فيه حاجة؟!..
دفعهُ لداخلِ الغرفة،توقَّفَ يضعُ كفوفهِ بخصره:
-فيه إنِّي كنت مربِّي عيِّل كلِّ شوية أدوَّر عليه، أنا مبقتشِ هتكلِّم تاني، اللي مصبَّرني عليك إنَّك نزلت شغلك، استدارَ للمغادرة، ولكنَّهُ توقَّفَ مستديرًا:
-اسمع أنا مش هطبطب عليك، علشان لو طبطبت يبقى كنت بربِّي بنت، سواء رضيت ولَّا لأ ياله إنتَ إلياس ابنِ مصطفى السيوفي، أنا مكنتش خاطفك، إنتَ القدر كان رحيم بيك، وبدل ماتحمد ربِّنا وتشكره ياللي بتصلِّي ومؤمن بالقضاء والقدر، احمده إنَّك مطلعتش ابنِ شوارع أو بلطجي، أنا لقيتك على باب ملجأ غادة، يعني مش حرامية، هتفوق وتصلب نفسك يابنِ مصطفى ولَّا تمشي وتثبت للناس إنِّ مصطفى السيوفي قذر وحرامي وخطفك من أمَّك و أبوك زي مالزبالة فهِّمك..اقتربَ يغرزُ عينيهِ بعيني إلياس:
-اسمعني كويس علشان وربِّ المشارق ياإلياس يابنِ السيوفي، وحُطّ تحتِ السيوفي دي مليون كلمة، لو مافوقتش من التوهان اللي إنتَ فيه دا، لآخد أمَّك وأغادر البلد ومش هتعرف مكانَّا، لأنِّي تعبت من عنادك، أنا مكنتش أعرف إنَّك ابنِ فريدة غير بعد كتب كتابك من ميرال، يعني مكنتش عارف أهلك، ولا فريدة كانت تعرف يابنِ مصطفى وخلِّيك كدا لحدِّ ما تروح تدفنها..لكمهُ بصدرهِ صارخًا به:
-فوق ياله دول عايزين ينتقموا من أمَّك عن طريقك ياغبي، واللي متعرفوش أنا زمان دمَّرت راجح من قبلِ ماأعرف إنَّك ابنِ فريدة، خرَّجته بفضيحة من وظيفته، ومش بس كدا خلِّيته على الحديدة، وكلِّ أملاك أبوك حتى بيته أنا اشتريته وأجَّرته للناس هناك، علشان قهرة أمَّك وهيَّ كلِّ يوم تخترف باسمِ ولادها، أمَّك كانت بتقوم تتفزِع من النوم على اللي كان بيعمله فيها،
سنة وإحنا عايشين مع بعض زي الأخوات وأكيد فاهم كلامي ياحضرةِ الظابط، كانت بتترعب منِّي كلِّ ماأقرَّبلها، وتصرخ من عمايل الحيوان فيها، إيه أكمِّل ولَّا كفاية كدا..
تفوق وتدوَّر على أخوك ولَّا تهرب علشان هوَّ يعرف يلعب..
حاوطَ ذراعيهِ يضغطُ بقوَّةٍ عليهما، وهتفَ من بينِ أسنانه:
-إلياس مصطفى السيوفي، طول ماإنتَ كدا محدِّش هيقدر يكسرَك، أمَّا هتَّاطي للموج هيغرَّقك يابنِ مصطفى..
تنهَّدَ بمرارةٍ وأردفَ بنبرةٍ منكسرة:
-بحاول أتماسك صدَّقني، بحاول بس صعب، بحاول واللهِ يابابا علشان مراتي وابني، اقتربَ منهُ وبعينينِ تجمَّعت بها غيومَ الدموع:
-أنا طلبت من مراتي تنزِّل ابني يابابا، شوفت أنا عملت إيه…
لكمة قويةٌ من مصطفى بصدره يطالعهُ بذهول:
-فين إيمانك يالا، مستحيل تكون الشخص اللي ربيته وعملت منُّه راجل يسندني وقتِ ماأقع، دفعهُ بقوةٍ مرة
حتى تراجعَ بجسدهِ للخلف:
-فين قوِّة إيمانك، فين الرجولة اللي فيك على حمايتك لإخواتك وأمَّك لو أنا مت، تطلب من مراتك تنزِّل روح، علشان إيه، قولِّي علشان إيه..
-عارف غلطت بس مكنشِ قصدي أغضب ربِّنا، ولا عمري فكَّرت في كدا، حُطّ نفسك مكاني، بس هو جده
ضربَ مصطفى على صدره:
-أنا جدُّه، ومفيش حدِّ تاني، وزي ماربِّيت أبوه هربِّيه لو ليَّا في العمرِ بقية ياحضرةِ الظابط، اقتربَ منهُ وأمسكهُ من تلابيبه:
-ميرال مش بنتِ راجح ولا عمره هيوصلَّها، فريدة ومصطفى اللي ربُّوا ميرال، والبنتِ قالتها أنا بنتكم أنتوا، ومراتك، عايز أكتر من كدا إيه…
-بابا لو سمحت..قالها متراجعًا للخلف..
ابتعدَ مصطفى وصدرهِ يعلو ويهبط من كثرةِ الانفعالِ مردِّدًا:
-إنتَ قولتها ياحضرة الظابط، بابا، يعني هفضل أبوك حتى لو عقلك مش مُعترف بدا، أنا حاولت بكلِّ الطرق متعرفشِ حاجة، ورغم إصرار فريدة رفضت، علشان ماتوقفشِ قدامي كدا وأشوف لمحةِ الإنكار في عيونك..
-إنكار!!..أنا بنكر حضرتك!..
استدارَ مصطفى وخطا إلى أن وصلَ إلى بابِ الغرفةِ وتوقَّفَ عليه:
-أنا مبقتشِ هغصب عليك إنتَ كبير وواعي ومش محتاج لحدِّ يعرَّفك الصح من الغلط، استدارَ برأسهِ وتابعَ حديثه:
-فريدة مالهاش ذنب يابني، حاول تعاملها على إنَّها أمَّك مش مرات أبوك زي زمان..قالها مصطفى وغادرَ المنزل بأكمله..جلسَ على المقعدِ بعد خروجِ والدهِ وشريطَ ذكرياتهِ منذ الطفولةِ إلى أن عرفَ حقيقةِ نسبه، تراجعَ على المقعدِ وأغلقَ عينيهِ وكلماتها تتردَّدُ بأذنه، معاملتهِ القاسيةِ لها، كلَّ أفعالهِ بها جعلَ صدرهِ كتلةً ناريةً كادت أن تنفجر، دلفت رؤى تطالعهُ بصمتٍ لدقائق، ثمَّ اقتربت منه:
-إلياس..
اعتدلَ ينظرُ اليها للحظاتٍ ثمَّ نهضَ من مكانهِ واتَّجهَ إلى الغرفةِ التي اتَّخذها مسكنًا، رفعَ هاتفه:
-شريف فيه جديد في موضوع المهندس؟..
-لسة بندوَّر وراه ياباشا، الناس كلَّها بتشكر في أخلاقه..
بعد عدة أيام
عند راجح:
أنهت زينتها وتوقَّفت تنظرُ لنفسها بالمرآة، أوقفها راجح متسائلًا:
-رايحة فين بالشياكة دي؟..
حملت حقيبتها واقتربت منهُ تطبعُ قبلةً على وجنتهِ تهمسُ له بجوارِ أذنه..
رايحة لفريدة، لازم أباركلها برجوع ولادها، أفلتت ضحكةً شيطانية:
-ضربة معلِّم يارجحوتي، الولد صدَّقك وكره أمُّه، ودلوقتي عند عشقيته، وبكدا نعرف نكرَّه البتِّ فيهم ونجذبها بنفسِ الطريقة اللي خلِّينا الولد ينفر منهم، نفسي أشوف فريدة وأفرح فيها زي ماجت هنا وفرحت فينا..
شيَّعها بنظرةٍ خبيثة، وهتفَ بفظاظته:
-سلِّميلي عليها يارانيا، وسلِّميلي على حبيبة أبوها، وقولي لها أبوكي جايلك قريب..ارتفعت جفونهِ وتابعَ حديثهِ بغلّ:
-أمَّا بقى حبيب أمُّه اللي وقف وعمل راجل عليَّا، بكرة أجيبه زاحف على رجله، هخلِّيه يبوس رجلي كمان..
سحبت نفسًا قويًّا، ثمَّ أخرجتهُ قائلة:
-أنا عايزة بنتي وبس، وإنتَ وابنِ أخوك أحرار، توقَّفت مستديرة:
-اعرفلنا بس الولد التاني فين، كانت بتقول ظابط مخابرات، دا هيكون صعب توصلُّه خلِّي بالك..
بمنزلِ أرسلان:
أنهت زينتها تنظرُ بساعةِ يدها، توقَّفت متأفِّفة، لقد تأخَّرَ الوقتُ كثيرًا ولم يعد إلى الآن، أمسكت هاتفها لتحاكيه، ولكنَّها فشلت بسببِ تلك الرسالةِ الغبية..
اتَّجهت إلى المطبخِ كي تُلهي نفسها بإعدادِ المائدة، دقائقَ واستمعت إلى فتحِ الباب، هرولت إلى أحضانه:
-أرسلان، واللهِ زعلانة منَّك، دا كلُّه غياب، رفعها إلى مستواه، يستنشقُ رائحتها بهيام:
-وحشتيني ياروحي، قالها وهو ينظرُ إلى ملامحها الجميلةِ باشتياق، تحرَّكَ بها إلى الأريكةِ ليجلسها بأحضانه:
-وحشتيني كنتي بتعملي إيه، لاتريدُ شيئًا سوى أن تطمئنَّ أنَّها بين ذراعيه..
خبَّأت آهاتها المؤلمة، وظلَّت بأحضانهِ دون حديثٍ حتى شعر بأنَّها أصابها شيئًا..تأجَّجَ صدرهِ من صمتها، ليُخرجَ رأسها يحتوي وجهها:
-غرام إيه اللي حصل؟..خرجَ صوتها بأنينٍ ودَّت لو أطلقت العنانَ لدموعها أمامهِ، كي تُخرجَ وجعها المكبوتِ بداخلها..
-مفيش ياأرسلان، بتوحشني بس..
هوى قلبهِ بين قدميهِ من حالتها، وتسرَّبَ بداخلهِ شعورٍ قاسٍ بأنَّهُ أصابها مكروهٌ بغيابه..
-معقول دا من غيابي عنِّك كام يوم ولَّا فيه حد أذاكي؟..
تآذر الوجعُ لتشعرَ بأنَّهُ ثقيلٌ مثل ثقلِ الجبل، ورفعت عينيها الغائمةِ بالدموع:
-هوَّ فيه أوجع من إنِّي أكون محتاجة لحضنَك لأحس بالأمان ياأرسلان..
حروفٌ بسيطةٌ خرجت من بين شفتيها، ولكن توحي بكمِّ الألمِ الساكنِ بثنايا روحها، ممَّا شعرَ وكأنَّ كلماتها وقودًا حارقةً تلهبُ قلبه، رغم محاولتها إخفاءَ حزنها، شدَّدَ من عناقها حتى كادَ أن يذيبَ ضلوعها، مطبقَ الجفنينِ يستنشقُ أكبرَ قدرٍ من رائحتها ليجعلَ رئتيهِ مكتظَّةً بعبقها، أخرجها من أحضانهِ وأقبلَ على ثغرِها ينثرُ ترانيمَ عشقه، لم يكتفِ بذلك، ليحملها ويتَّجها بها إلى غرفتهما، ومازالت هناك علاقةٌ منفردةٌ تخصُّ ثغرها الذي جعلهُ أيقونة حياته..
بعد فترةٍ غطَّت بنومٍ عميقٍ وكأنَّها لم تنم منذ شهور، نهضَ بهدوء، يجذبُ هاتفه، ثمَّ اتَّجهَ للخارج:
-أيوة ياعمُّو، عامل إيه، أنا وصلت الحمدُ لله، وبعتِّلك الداتا، يبقى احفظ كلِّ اللي عليها..
أجابهُ على الجانبِ الآخر:
-مال صوتك حبيبي..أرجعَ خصلاتهِ للخلفِ وزفرةً قويةً أخرجها من أعماقهِ الحزينةِ قائلًا:
-مفيش، لمَّا تشوف اللي على الداتا هتفهم، المهمّ لازم نكون مصحصحين الفترة الجاية، ياريت يبقى فيه علم بكلِّ كبيرة وصغيرة بتدخل البلد، متنساش الدولة مش مستقرِّة، وكلِّ من هبَّ ودبَّ عايز يثبت نفسه للشعب..
-عُلم ياحضرةِ الظابط، اسمعني فيه خبر لازم تعرفه..
استمعَ إليه باهتمامٍ إلى أن تحدَّثَ إسحاق:
-أنا استقلت من الشرطة، خلاص مبقاش ينفع شغلي هناك، أكيد فاهم قصدي..
-تمام..أنا هنام دلوقتي وبالليل هخرج أتعشَّى برَّة مع مراتي، بلاش شغل حراسة الجيش دا، انا بتخنق.. قاطعه اسحاق:
-لازم أطمِّن عليك، ومش عايز دوشة، ياله روح ارتاح ونتكلِّم بكرة، سهرة سعيدة، سلِّملي على غرام..
عند يزن:
وضعت إيمان الطعامَ على الطاولة، ثمَّ اتَّجهت إلى أخيها، طرقت البابَ ودلفت للداخل:
-حبيبي العشا جاهز، قوم علشان نتعشى، هروح أصحي راحيل..
اعتدلَ يمسحُ على وجهه، ثمَّ جذبَ ساعتهِ ينظرُ بها:
-لسة بدري على العشا، ليه بدري كدا؟..
استدارت قائلة:
-راحيل مااتغدِتش، معرفشِ أكلنا مش عاجبها ولَّا إيه، خليت معاذ يجيب شوية فواكه من عمُّو غالي وشوية جبن منزوعة الدسم، شكلها مابتكلشِ الزيوت دي..
نهضَ من مكانهِ متَّجهًا إلى حمامه:
-يبقى شوفيها بتحبِّ إيه وعرَّفيني أجيبه لها..
-لا بجد!! قالتها باعتراضٍ ثمَّ اقتربت منه:
-دي مراتك يايزن، يعني إنتَ أولى إنَّك تسألها ليه تدخَّلني في حواراتكم..
رمقها بنظرةٍ ثابتة، ثمَّ التوى ثغرهِ بابتسامةٍ عابثة:
-لا والله، على أساس إنِّك مش عارفة طبيعة جوازنا، عيب يامنمن، هزعل منِّك وأستغباكي..
نفخت بضجرٍ واستدارت مغادرةً الغرفة، تهمهمُ بكلماتٍ غيرُ مفهومة، خرجت متَّجهةً إلى غرفتها التي تشاركها مع راحيل، بسطت كفَّها لتفتحها، ولكن قابلتها راحيل على بابِ الغرفة:
-كنت لسة داخلة أصحِّيكي..ابتسمت لها تضعُ كفَّها على بطنها:
-أنا فعلًا كنت جعانة أوي، كنت هسألك طابخة إيه بس مكسوفة..
قهقهت إيمان تجذبها من يديها واتَّجهت إلى المائدةِ تشيرُ على أنواعِ الطعام..
-بصِّي ياستي، دا رز معمَّر بالسمنِ البلدي، واللي جنبه دي بطاية، ودي سلطة، ودي طحينة، ودا لسان عصفور..
أمَّا بقى اللي في الجنبِ دا، جبن منزوعةِ الدسم وعملت لك سلطة كمان، وشوية خُضار بدون سمن وزيوت، ولحمه مشوية، عارفة إنِّك بتحبِّي الأكل الصحِّي..
اتَّجهت تجذبُ المقعدَ وجلست تنظرُ إلى البطةِ مبتسمةً كالطفلة:
-بطة يعني إيه، قصدك فرخة..قهقهت تضربُ كفَّيها ببعضهما بخروجِ يزن، أشارت إليه:
-تعالَ شوف مراتك بتقول إيه، بتقول يعني ايه بط..
ردَّدَ بينهِ وبين نفسه:
-مراتي، وكأنَّهُ نسيَ ما تعنيهِ الكلمة، خطا إليهما وعيناهُ تحاصرُ جلوسها، نقيةٌ مثلَ المياه، لامعةٌ مثل الذهب، بريئةٌ مثل الطفلة، تقابلت نظراتهما للحظاتٍ ممَّا تورَّدت وجنتيها تسحبُ عينيها عن ملتقى عينيه، انسدلت خصلاتها الناعمةِ حول وجهها، لتغطِّى عينيها الساحرة، حمحمَ وجلسَ على رأسِ الطاولةِ الصغيرة، ورغم صغرها إلَّا أنَّها تشعرهُ بأنَّهُ ملكٌ لتلك العائلة، بحثَ بعينيهِ عن أخيهِ الأصغر ثمَّ تساءل:
-فين معاذ، مش هياكل؟..
سحبت إيمان المقعدَ قائلة:
-جه من الدرسِ ونام، جسمه كان سُخن، إديتله خافض وغطِّيته ونام..
هبَّ فزعًا من مكانه:
-اتجنِّنتي إزاي مش تعرَّفيني، قالها وتحرَّكَ سريعًا إلى غرفته، دفعَ البابَ ودلفَ إليه ينظرُ إلى نومهِ الهادئ، يتلمَّسُ وجههِ كالأبِ الذي يفحصُ طفله..وصلت إليه تربتُ على ظهره:
-دور برد عادي ياحبيبي متخافش، هوَّ أصلًا كان مرهَق، صحي بدري وراجعنا مع بعض قبلِ الامتحان، وطبيعي أنُّه عايز ينام..
استدارَ إليها يطالُعها بعتاب، ويشعرُ بتأنيبِ الضميرِ قائلًا:
-يعني كان عنده امتحان ومتعرَّفنيش ياإيمان، للدرجة دي مابقاش ليَّا أهمية..
احتضنتهُ تهزُّ رأسها بالنفي:
-أبدًا ياحبيبي والله، أنا شوفتك مشغول محبتشِ أضغط عليك، وبعدين هوَّ كان عنده إنجليزي وهوَّ شاطر فيه ماشاءالله متعبنيش..
احتوى وجهها بين راحتيه:
-بعد كدا إياكي تفصليني عن حياتكم، حتى لو كان فوق دماغي همومُ الدنيا.. أنتوا عندي أهمِّ من أيِّ حاجة..
كانت تقفُ على بابِ الغرفة، انسابت دموعها من مشهدهما، تمنَّت لو لها أخًا لحماها من غدرِ الزمن، آه وألفِ آه عن بنتٍ بدونِ سند، فالأخ السند هو القوة..
فإذا سألوكَ عن النقاءِ قل هو قلب أخت، واذا سألوكَ عن الأمانِ قل هو عطفُ أخ.
وكما قال أحدُ الشعراء:
أخاك أخاك إنَّ من لا أخًا له كساعٍ إلى الهيجا بغيرِ سلاح..
ماأجملَ الأخوَّة التي تُبنى على المحبةِ والسلامِ وطيبةِ النفسِ ونقاءِ القلب،
تراجعت إلى الطاولةِ تزيلُ دموعها، لمحَ تحرَّكها فجذبَ كفَّ أختهِ وتحرَّكَ للخارج، وجدها جالسةً تنظرُ بشرودٍ بنقطةٍ وهمية، حمحمَ قائلًا:
-بقى مش عارفة البط، كدا تضحَّكي إيمان علينا، رسمت ابتسامةً تنظرُ إليهِ ثمَّ أردفت:
-معرفشِ واللهِ يايزن أوَّل مرَّة أشوفه هوَّ البتاع دا..
ارتفعَ صوتُ ضحكاتهِ الرجوليةِ يشيرُ إلى الأرز قائلًا:
-اسمه البتاع دا، جذبَ الصحنَ وسكبَ لها بعضهِ يشيرُ إليها:
-طيِّب ممكن تدوقي البتاع دا، ومتخافيش همشِّيكي كتير يعني مش هتتخني.
نظرت إلى الملعقةِ التي يرفعها أمامَ عينيها لتأخذها من يديه، ثمَّ إلى الطعام، أشارت إيمان إليها:
-ياله ياحبيبتي دوقي حاجة بسيطة، الأكل اللي بتاكليه دا مالوش فايدة..
أمسكَ البطَّةَ وقامَ بتقطيعها، كانت تراقبُ تحرُّكاتهِ مبتسمةً وهي تهزُّ رأسها كالطفلة:
-أوعى تقولي هتاكلي منها دا كلُّه..
-أششش، اسكتي إنت، لازم نزغَّطوكي مثل البطَّة دي، ضحكت تضعُ كفَّها على فمها قائلة:
-إيه نزغَّطوكي، يعني إيه، لم يستطع التوقُّفَ عن الضحكِ حتى تضجرَّ وجههِ بالدموية، ينظرُ لأخته:
-عارفة بتفكَّريني بمسرحيةِ المتزوجون، بس أنا مش أهبل علشان أجبلها فرخة تطبخها، ممعيش فلوس الفرخة اللي هتبوظ..
ارتفعت ضحكاتهما إلى أن قاطعهم طرقاتٌ على بابِ المنزل، اتَّجهت إيمان لفتحه، وجدت مها تقفُ أمامها بدموعِ عينيها:
-يزن اتجوِّز ياإيمان، يعني كان بيتلاعب بيَّا..
بمنزلِ الرفاعي وخاصةً بغرفته، جالسًا على جهازهِ يشاهدُ بعض الفيديوهات التي تخصُّ عمله، استمعَ إلى طرقاتِ الباب، دلفَ والدهِ بفنجانِ قهوته، نهضَ من مكانه:
-بابا حضرتك اللي جايب القهوة بنفسك، وضعها أمامهِ وأشارَ إليهِ بالجلوس:
-اقعد ياحبيبي، فيه موضوع مهمّ عايز أتكلِّم معاك فيه..
تابعهُ بنظراتهِ منتظرًا حديثه، سحبَ نفسًا وأخرجهُ يشعرُ باختناقه:
كلَّمت أخوك ومراته وابنِ عمِّتك النهاردة، ابنِ عمِّتك قال قدامه كام شهر كمان لمَّا يخلص، وأخوك قالي بيخلَّص شوية شُغل واحتمال ينزل على آخرِ الأسبوع..
عقدَ مابين حاجبيهِ متسائلًا:
-مش فاهم حضرتك، ماينزلوا وقتِ ماظروفهم تسمح..
رفع عينيهِ إليه قائلًا:
-متعرفشِ إنِّ إيلين بعتت لأخوها وأختها علشان تسافرلهم، وأنا خلِّيت أخوك ينزل علشان يقطعلها السفر..
نهضَ من مكانهِ وولى والدهِ ظهرهِ متَّجهًا إلى شرفةِ غرفته، فتحها وعينيهِ شاردة، قاطعهُ والده:
-إزاي مش قادر تاخد مراتك في حُضنك وتخلِّيها تتمسِّك بيك يابنِ زين، للدرجة دي البنتِ كارهاك ومش طايقة قُربك، طيب لو مش..استدارَ مقاطعًا والده:
-بابا لو سمحت خلِّيك عند كلمتك، حضرتك قولت مش هتتدَّخل بينا، توقَّفَ واتَّجهَ إليه:
-كنت قولت كدا على أساس اعتمدت على راجل، بس دلوقتي البنت هضِّيع منَّا، استمعوا إلى صوتٍ بالخارج، تحرَّكَ زين بعدما علمَ مصدرَ الصوت، توقَّفَ ينظرُ إليها:
-خير ياسهام، دفعت الخادمة من أمامها، واقتربت من زين وعينيها على آدم:
-عايزة بنتنا ياباشمهندس، إيه ينفع البنت تفضل في بيت طلقيها ولَّا كنتوا مفكَّرين إنِّنا مش هنعرف أنُّكم مقدرتوش عليها، تطلَّعت على آدم وتبسَّمت متهكِّمة:
-إيه يادكتور، صدَّقتني لمَّا قولتلك إنَّك مش قدَّها، أهو البنت طلعت..بترَ حديثها صائحًا بنبرةٍ غاضبة:
-متنسيش نفسك يامدام سهام، إنتِ بتتكلِّمي على مراتِ آدم الرفاعي..
جلست تضعُ ساقًا فوق الأخرى وتابعت حديثها ساخرة:
-بالرَّاحة يادكتور، مراتك منين، أبوها جاي بكرة من السفر وقالي أنزل ألقيها في بيت أبوها، ماهو لازم يربِّيها، البنت محدش قادرها، ثارت جيوشُ غضبهِ وتوهَّجت عيناهُ مقتربًا منها ممَّا جعلها تتراجعُ بجسدها، أوقفهُ زين مقتربًا منها:
-أنا اتحمِّلتك كتير ياسهام، تدخلي البيت وتهيني مرات ابني دا مش مسموح لك أبدًا، لو قصدك على موضوع الطلاق، فدا مالكيش دخل فيه، بنتِ أختي في بيت خالها، هبَّت من مكانها وأردفت بنبرةٍ قاسية:
-يعني البنت اطلَّقت فعلًا يازين، ابنك طلَّق البنت حتى قبل ماتكمِّل سنة، ليه إذا كانت معيوبة..لطمةٌ قويةٌ فوق وجهها ثمَّ جذبها من خصلاتها:
-اتحمِّلتك مافيه الكفاية، واللي كان مصبَّرني إيلين، إنما تيجي وتهينيها في بيتها دا أدفنك ياسهام، فوقي وشوفي اللي بتكلِّميه مين، ومش معنى سكت زمان هسكُت دلوقتي، بنات أختي تحت إيدي دلوقتي يعني إنتِ وجوزك على الشوز بتاعي، وياله برة، وإياكي تقرَّبي من البيت دا تاني..قاطعهم دلوفُ الخادمة تنظرُ بارتباكٍ لآدم ثمَّ إلى زين مع وقوفِ إحداهنَّ بجوارها:
-مرحبا كيفكم، نظرت إلى آدم ثمَّ اقتربت من وقوفه:
-ايه يادكتور نسيتني ولَّا إيه، رحت لك الجامعة وسألت عليك هناك قالولي إنَّك إجازة، وحدِّ وصَّلني لعندك، استدارت سهام تطالعها بغموضٍ لتقتربَ منها:
-إنتِ مين؟..ابتسمت تنظرُ لآدم بوصولِ إلين لتجيبها بابتسامة:
-أنا حنين مرات آدم...هزة عنيفة أصابت جسدها، ناهيك عن شعورها بالدوران وهي تنظر لتلك الفتاة التي تعتبر أيقونة من الجمال الاوربي بعينها الزرقاء وخصلاتها الصفراء، ترتدي تنورة قصيرة باللون الاسود تصل لفوق الركبة، وكنزة بيضاء من الستان الابيض الناعم يعكس جمالها، ولا يخلو وجهها من اللمسات التجميلية الناعمة، لتصبح انثى متفجرة، يقف أمامها أعتى الرجال يوقرون بجمالها ورغم لمساتها التجميلية الا جمالها الرباني ملفت لمحط الانظار، دارت الأرض بأيلين بعدما استمعت إلى صوت سهام
-كدا عرفت ليه طلقت ايلين عندك حق حد يشوف الحور ويسيبه ويروح للماشطة ..نظرت إلى ايلين بعيون شامتة
-ليك حق يادكتور تغيب بالسنين، لم تشعر سوى بالألم الذي افتك احشائها لتطلق انين بخروج سائل دافئ من بين ساقيها
فيلَّا السيوفي:
خرجت إلى سيارتها، توقَّفَ أحدُ الحرسِ أمامها:
-مدام ميرال لو سمحتِ بلاش تئذينا في شغلنا، الباشا مانع سواقتك..
تأفَّفت ممتعضة، ثمَّ اتَّجهت إلى البابِ الخلفي ليفتحهُ لها، استقلَّت السيارةَ تهاتفهُ بغضب، كان منهمكًا بعملهِ استمعَ إلى رنينِ الهاتفِ بنغمتهِ الخاصة بها، ابتسمَ يجذبه:
-دا إيه الصباح الحلو دا، هدأت رغمًا عنها، استمعَ الى أنفاسها في بدايةِ الأمر، تراجعَ بجسدهِ على المقعد:
-سامعك..سحبت نفسًا محاولةً السيطرةَ على غضبها وأردفت بتقطُّع:
-ليه مانعني من السواقة، متقولشِ خايف عليَّا؟..
نقرَ بأناملهِ على المكتبِ وأجابها بنبرةٍ هادئة:
-جدًا عندك شك؟ فتحت فاهها لتوبِّخهُ ولكنَّها توقَّفت عندما شعرت بنبرتهِ الحزينةِ ليتابعَ حديثه:
-سايبك براحتك علشان بعد قرارك مفيش رجوع للخلف، لو زعلانة من قعدتي عند رؤى عندي أسبابي، ولو مش واثقة فيَّا وفي حبُّي يبقى مالوش لازمة نكمِّل مع بعض، معاكي وقتك فكَّري كويس، وحطِّي في عقلك إنِّك في الأوَّل والآخر:
"ميرال راجح الشافعي في الحقيقة، زي ماأنا في الحقيقة يوسف جمال الشافعي، واللي حوَّل حياتنا للجحيم دلوقتي هوَّ راجح الشافعي اللي هوَّ أبوكي يابنتِ عمِّي، أنا معاكي في أيِّ قرار وصدَّقيني مهما يكون قرارك هعذرك، لأنِّك مالكيش ذنب، ذنبك الوحيد إنِّك وقَّعتيني في شباك ميرال مرات إلياس وبس..
انسابت دموعها تضعُ أناملها على الهاتفِ تبتعدُ عنه؛ حتى لا يستمعَ إلى شهقاتها ولكن كيف لم يستمع وقلبهِ الذي ينبضُ إليها بجنون، همسَ بنبرتهِ الرخيمةِ اسمها:
-ميرال بلاش أشوفك ضعيفة، إنتِ قوية ويمكن إنتِ أقوى منِّي حاليًا..همست بشفتينِ مرتجفتين:
"هترجع إمتى لحضنِ مراتك ياإلياس"
توقَّفَ عمَّا يفعله، وهمساتها التي تسلَّلت إلى قلبه، ممَّا جعلهُ يرتجفُ لأوَّلِ مرَّةٍ بتلك الطريقة، ليشقَّ ثغرهِ بابتسامة، فقد فاضَ الشوقُ وطغى الوجدانُ؛ مما جعلهُ يردفُ بنبرةٍ هادئةٍ بعدما راقَ له حديثها:
-في أقرب وقت صدَّقيني، المهم تكوني مقتنعة بردِّك، ومترجعيش تندمي..حاوطت بطنها قائلة:
-ابنك بدأ يتحرَّك ياإلياس، وعايزة أروح للدكتور اطَّمن عليه، مش عايز تشوفه؟..
أظلمت عيناهُ بنيرانِ رغبتهِ بسحقها بين ضلوعهِ الآن، ممَّا جعلهُ يتوقَّفُ يجمعُ أشيائه:
-تمام بعدين نتكلِّم عندي شغل مهمّ دلوقتي..ابتلعت غصَّتها من برودِة ردِّه، وأغمضت عينيها تعودُ برأسها إلى النافذة، أمَّا هو فقامَ بمهاتفةِ السائق:
-هتجيب المدام على المستشفى، وتأكَّد مفيش حدِّ بيراقبك من غير ماهيَّ تحس..
-تؤمر ياباشا...لم تشعر بشيئٍ وهي غارقةٌ بأحزانها لانقلابِ حياتها وتذكَّرت حديثهِ وحديثُ فريدة، تهمسُ لنفسها:
-معقول أكون بنتِ الراجل الواطي دا، لا أنا عجبني ميرال جمال الدين، قلبت صور هاتفها لتجدَ العديدَ من صورها في مراحلها العمرية، إلى أن توقَّفت على صورةِ زفافها وهو يحتضنُ خصرها وينظرُ لعينيها بعشق، مرَّرت أناملها على ملامحِ وجهه قائلة:
-الموضوع مش حبَّك بس اللي خلَّاني آخد القرار دا، الموضوع الحنان والأمان اللي حسِّيتهم معاك، رغم قسوتك بس جوَّاك طفل ياإلياس، بتحاول تقنعني إنِّي بنته وجوَّاك تتمنَّى رفضي له، رفعت رأسها ومازالت تحدِّثُ نفسها:
-هعرَّفك ياإلياس مين هيَّ ميرال السيوفي..
بعد قليلٍ وصلت السيارةُ إلى المشفى، ترجَّلت تنظرُ حولها، ثمَّ رفعت عينيها إلى السائق:
-إنتَ جايبني هنا ليه؟..تراجعَ بالسيارةِ مع وصوله، يحاوطُ أكتافها، استدارت مفزوعة، تضعُ كفَّها على صدرها:
-خضِّتني، فكَّرتك حدِّ تاني، ضمَّها لأحضانه، يدفثُ وجههِ بحجابها يستنشقُ رائحتها بولها، مردِّدًا بنبرتهِ المبحوحة:
-مراتي وابني وحشوني، بلاش أطَّمن عليهم..
تسابقت أنفاسها مع دقَّاتِ قلبها الهادرةِ من أنفاسهِ الحارَّةِ التي تضربُ عنقها رغم ارتدائها الحجاب، ارتجفَ جسدها على إثرها لتهمسَ بتقطُّع:
-إلياس بتعمل إيه؟..اعتدلَ محمحمًا، لأوَّلِ مرَّةٍ يضعفُ بتلك الطريقة، أمسكها من رسغها بعدما ارتدى نظَّارتهِ وتحرَّكَ للداخل، وكلهِ لهفةٍ واشتياقٍ أن يطمأنَّ عليهما، كانت تحتضنهُ بنظراتها، كيف يتقلَّبُ بتلك الطريقة، خربشَ الشكُّ جدرانَ قلبها من حركاتهِ الغيرِ معهودة لتتوقَّفَ أمامه:
-ممكن أعرف إنتَ ناوي على ايه، ماهو ماتجنِّنيش، ازاي هاجرني ودلوقتي ملهوف علينا بالشكلِ دا؟!..
راقَ له غضبها فالتمعت عيناهُ بابتسامة:
-مش قولتي وحشت ابني، كان لازم آجي أشوفه، إيه مش عايزة أشوف ابني، قالها وهو يحاوطُ أحشاءها بكفِّه..
جزَّت على أسنانها تتلفَّتُ حولها:
-تقوم تجبنا الساعة حداشر علشان تشوفه، مش متعوِّدة أروح لدكاترة الصبح..
-ليه همَّا الدكاترة الصبح بيكونوا أغبيا، وبالليل بيكونوا ولاد ناس، امشي مش عايز غباء..
بفيلَّا السيوفي:
وصلت رانيا إلى الفيلا، أوقفها الحرس:
-ممنوع يافندم، خلعت نظارتها قائلة:
-قول لمدام فريدة رانيا الشافعي بنتِ عمِّك عايزة تشوفك.
بعد قليلٍ دلفت إلى الداخل، تطوفُ بعينيها على المكان، نزلت فريدة بأناقتها، من يراها يظنُّ أنَّها ابنةُ الخمسةَ وعشرونَ عامًا، رغم مرضها، وصلت إلى وقوفها:
-أهلًا يارانيا، التفت تطالعها بنظرةٍ شامتة، ثمّّ دنت إليها:
-إزيك يابنتِ عمي، تراجعت فريدة تجلسُ على المقعدِ تضعُ ساقًا فوق الأخرى..
-جاية ليه يارانيا، عايزة إيه؟..
جلست بمقابلتها وفعلت مثلها، تنظرُ إلى مقلتيها:
-جاية أشوف بنتي يافريدة، وبارك لك على ولادك، إيه مش من حقِّي، تراجعت فريدة بجسدها وتقابلت نظراتُ الحربَ بينهما:
-بنتك..قالتها متهكِّمة رغم ارتعاشةِ قلبها..ثمَّ رمقتها بسخريةٍ وأجابتها بثقة:
-بنتك مين يارانيا، أنا مش حرامية سرقت بنتك، ولو مش مصدَّقة قومي دوَّري عليها، أما عن اولادي مالكيش دخل مباركتك مش مقبولة
ألقت كلماتها التي أشعلت صدرَ رانيا، فهبَّت من مكانِها واقتربت من مقعدِها:
-بنتي هاخدها يافريدة، وهترجعي زي ماكنتي مالكيش ضهر، فرحانة فيكي
ابنك سابك ومش مصدَّقك، وبنتي بكرة تعرف أدِّ إيه إنِّك قذرة حقيرة..
لم يرفَّ لها جفنٌ وظلَّت كما هي صامدةً شامخة، وكأنَّ ثرثرتها لم تعنيها، شبكت أناملها تهزُّ أقدامها وهاتفتها مستهزئة:
-أيوة هيَّ مين بقى اللي حقيرة إنتِ أكيد، الناس الواطية يارانيا مفكَّرة الناس كلَّها زيها..
انحنت بجسدها تحاصرُ مقعدها بيدها
وتعمَّقت تسبحُ بعينيها:
-أوعي تفكَّري مش عارفة إنِّ ابنك الباشا اتصدم ياحرام، وساب البيت وراح لعشيقته، تخيَّلي فيديو حلو لبنتي كدا وهو في حضنِ عشيقته هتعمل إيه..
رفعت فريدة حاجبها باستهزاء:
-هتعمل إيه، إنتِ عارفة؟! ، لو عارفة ياريت تقوليلي، أهو يمكن أساعدك..
أثارت حنقها فجزَّت على أسنانها تضغطُ بقوَّةٍ وهي تهمسُ بهسيسٍ مرعب:
-ابنك هيطلَّق البنتِ يافريدة، وغصب عنُّه ياإما..توقَّفت فريدة تتحرَّكُ بخطواتٍ بطيئةٍ إلى أن وصلت إلى طبقِ الفواكهِ وتمتمت وهي تواليها ظهرها:
-ياأمَّا إيه يارانيا، هتقتلوه، ولَّا هتخطفوه زي زمان..احتوت التفاحةَ تنظرُ إليها ثمَّ استدارت إليها:
-فاكرة الكارتون بتاعنا المفضَّل يارانيا، رفعت التفاحة إليها:
-هأكلِّك التفاحة دي، زي ماإنتِ أكَّلتهالي زمان، أنا أخدتها منِّك بطيب خاطر، مكنتش أعرف إنِّ أمِّنا الشريرة مسمَّمة التفاحة، اقتربت من رانيا ومازالت التفاحةُ بيدها:
-هبلة متعرفشِ مهما تأكِّلني من تفاح مسموم هفضل ملكة في قلبِ الكلّ..اقتربت تهمسُ بجوارِ أذنها:
-فاكرة جنان راجح بيَّا يارانيا وكلامه اللي زي السم، ورغم كدا كنت بفرح فيكي أوي علشان النَّار اللي بتحرق قلبك..وهوَّ مش شايف غير فريدة وبس، وهلوسته وهو عندُّه حمَّى باسمي، علشان كدا اتجنِّنتي وخطفتي جمال، بس هبلة أهو اتجوِّزني ياغبية وبقيت ضرتك
مرَّرت أناملها على صدرِ رانيا:
-وانحفرت انا هنا، ماهو أنا فريدة، واسم على مسمَّى، وزي ماجنِّنت جمال زمان وخطفته منِّك وقهرتك جنِّنت راجح، دارت حولَ رانيا وتابعت حديثها بكبرياء انثى:
-عارفة راجح مجنون ليه يارانيا وبيخدعك أنُّه عايز ينتقم منِّي ومن ولادي، علشان يرجَّعني تاني له، ماهو جالي هنا وقالي كدا، قالي اتجوِّزت كتير يافريدة ومحستشِ بستّ غير معاكي، أفلتت ضحكةً هازئةً تضربُ كفَّيها ببعضهما:
-شوفتي الهبل، رغم إنِّي مدتلوش وش وكنت بتقزِّز منُّه واتجنِّن كدا، تخيَّلي بقى لو رجعت تاني..
قهقهت تجلسُ مرَّةً أخرى:
-أنا شيفاه مش راجل أصلًا..اختتمت جملتها تشيرُ إلى الحرسِ الذي توقَّفَ على البابِ وأشارت إليه:
-خد الزبالة دي إرميها برَّة، البيت دا نضيف، أنا بس حبيت أوصَّلها هيَّ وجوزها رسالة، توقَّفت تقتربُ من رانيا المصدومة:
-أنا عندي أربع رجَّالة يارانيا يدفنوا جوزك في المجاري، إنتِ عندك مين، ابنِ سمية، هه أخرجتها مستهزئة، وتحرَّكت بعض الخطواتِ لتوقفها رانيا:
-هندِّمك على كلِّ كلمة يافريدة، ورحمة جمال اللي بكَّاني بدل الدموع دم لأجيبك ذليلة ليَّا..
التفتت فريدة ونظرت إليها باستخفاف
-اتكلمي على قدك يامدام رانيا، انت وجوزك اللي خافوا على نفسكم مني ومن ولادي
عند إلياس:
توقَّفَ بجوارها، تشبَّثت بكفِّهِ والطبيبةُ تضعُ السائلَ على بطنها وهي تنظرُ إلى الشاشةِ بتمعُّن، لحظاتٍ واستمعوا إلى نبضِ الجنين، التمعت عيناهُ بخطٍّ من الدموع، حاولَ السيطرةَ على نفسهِ والطبيبةُ تشيرُ إلى الجنينِ الذي لم يكتمل أعضائه بعد، ابتسمت الطبيبةُ تطالعها:
-زي ماقولت لك قبلِ كدا ياميرال، البيبي ولد، المرَّة دي واضح أوي، استدارت تنظرُ إلى إلياس وأشارت إلى بعضِ أعضائه، كدا باقي عشر أيام وندخل الخامس أهو، فيه أجزاء مكملتش طبعًا، علشان كدا مش واضح، بس المفروض المدام تهتمّ شوية بأكلها، علشان الوضع يكون أحسن.
-تمام ..قالها وهو يساعدها بالاعتدال، بعد رفضهِ للممرضةِ أن تقتربَ منها، جلست لبعضِ الدقائقِ للحديثِ عن الضرورياتِ الموجبِ فعلها أثناءَ فترةِ حملها..
خلَّلَ أناملهِ بأناملها وتحرَّكَ بجوارِها متَّجهًا إلى السيارة، توقَّفت تطالعه:
-رايحين فين..أشارَ إليها بالركوبِ مجيبًا:
-هوصَّلك على الشغل، وأنا عندي شُغل مهمّ هخلَّصه ونتقابل بالليل عند بابا، فيه موضوع مهمّ لازم نتكلِّم فيه..
أومأت له مقتربةً منه، تعانقُ ذراعه:
-هترجع البيت النهاردة، حاوطَ كتفها ينظرُ لعينيها:
-ميرال هتكمِّلي معايا مش عايز أسئلة في أيِّ حاجة، كلِّ اللي عايزه إنِّك تثقي فيَّا وبس، وقبلِ أيِّ حاجة،
مش هرحم راجح لو انتِ عايزة تروحي لعنده هوصلِّك وأنا عند وعدي..
-هتقدر تعيش من غيري ياإلياس..سؤال خرج من بين شفتيها تتمنى أن يبرد قلبها، استدارَ إلى بابِ السيارةِ ينظرُ إليها من تحتِ نظراته:
-ماأنا كنت عايش من غيرك ياميرال ماممتِّشِ ولا حاجة ..
توسَّعت عيناها باتساعِ مابين السماواتِ والأرض، غمزَ لها يشيرُ إلى الباب:
- اركبي حبيبتي ربِّنا يهديكي، وبلاش كلامك العبيط بتاع أشعار الجاهلية، هموت من غيرك ياعنترة..
-كلماتهِ كفيلةٌ لتحطيمِ فكِّه، ليصمتَ عن الحديث، سبَّتهُ بسرِّها واستقلَّت السيارةَ بصمت، داخلها نارٌ تريدُ أن تصفعهُ على فمهِ الذي يبتسمُ به.
بعدَ عدَّةِ ساعات:
جلسَ على طاولةٍ دائريةٍ يتناقشونَ في قضيَّتهم الهامة، التي تمسُّ أمنَ البلد، وقامَ بوضعِ خطَّةٍ للهجومِ عليهم دون خسائرَ من أرواحهم، خرجَ الجميعُ وظلَّ هو جالسًا، لايعلمُ أيُّ جرمٍ ارتكبهُ ليبتليهُ بشخصٍ مثل راجح، فبعدَ حديثِ أرسلان إليه، يبدو أنَّهُ متورِّطًا مع القضايا التي يشاركها الجماعات الإرهابية..
دلفَ المسؤولُ عن مكتبهِ ووضعَ كارت أمامه:
-دا عايز يقابل حضرتك ياباشا..
رفعهُ بين أناملهِ وابتسمَ بسخريةٍ يشيرُ إلى الرجل:
-دخَّله المكتب أنا جاي وراك، بعد قليلٍ دلفَ إليه، توقَّفَ راجح على دخوله:
-أهلًا ابنِ أخويا..ثنى أكمامهِ وجلس مجيبًا عليهِ بنبرةٍ باردة:
-مش أهلًا ولا سهلًا، عايز إيه ياراجح، اللي بدَّور عليه مش هنا، استندَ راجح على المكتبِ مقتربًا منه:
-إلياس ياسيوفي، أنا ممكن أودِّيك في داهية، إنتَ وأمَّك.
حرَّكَ رقبتهِ يمينًا ويسارًا، محاولًا السيطرةَ على غضبه:
-لو غلطت مش هرحمك، أقف عوج واتكلِّم عدل، متنساش نفسك.. ثار راجح ونفرت عروقه مرددًا بنبرة استيائية:
-بتكلِّم عمَّك ياله نسيت نفسك، نصبَ عودهِ وتوقَّفَ مستديرًا:
-يالا دي تقولها لابنك، مش لإلياس السيوفي، جذبَ سجائرهِ مستندًا على مكتبهِ وعينيهِ تحاصرُ جلوسَ راجح:
-جاي وعايز إيه ياراجح؟..
-بنتي..ارتفعت ضحكاتُ إلياس:
-هيَّ بنتك عندنا في قضية ولَّا إيه؟.،
-إلياس ..قالها من بين أسنانه، أمالَ بجسدهِ يردفُ بخفوت:
-إلياس باشا ياراجح متنساش نفسك، ولو أنا رضيت إنَّك تقعد فدا كرم أخلاقي اللي اتعلِّمته من أبويا ومراته اللي حضرتك بتقول عليها أمِّي، يعني أنا المفروض أوزَّع فلوسي كلَّها لله إنِّي اتربيت على أيديهم مش على إيدين راجل واطي.. هب من مكانه، يرمقه بنظرات نارية وتمتم بنبرة حادة:
-اتجنِّنت يالا، إزاي تكلِّمني كدا، دا أنا أودِّيك ورا الشمس..
استدارَ لمقعدهِ وأردفَ بنبرةٍ محذِّرةٍ وهو يشيرُ بسبَّباته:
-صوتك ولسانك هقصُّه متنساش نفسك، جلسَ على مقعدهِ وتراجعَ بجسده:
-روح دوَّر على بنتك بعيد عنِّنا، مش ناقص صداع..قالها وهو يلوِّحُ بكفِّه..
إنتَ أهبل يالا، مفكَّر معرفشِ أخدها منَّك، دي بنتي ياغبي، أقلِّ حاجة قضية نسب، أودِّي فيها أمَّك ورا الشمس..
هترجع تطول لسانك مش هسكت، انا بحاول امسك نفسي، اصلي لو قومت من مكاني هطيرك عند رانيا بتاعتك، وياريت تروح تدور عليها بدل ماانت مش لاقي شغل
استند راجح على المكتب ونظر لعيناه
-هخرج من هنا على القسم وهفضحك يابن فريدة، هجرسك بين زمايلك، واعرفهم انك مش ابن السيوفي
ارتفعت ضحكات بطريقة جنونية، ثم دنى برأسه:
-منتظر يارجوح، منتظر اشوفك هتعمل ايه، لو عايز تاخد عينة دم مني ومن وسيادة اللوا الشريف اللي ليا الفخر أنه رباني اتفضل، بس خايف دمي متقدرش تشيله، أصله تقيل، ولسة هيتقل ياراجح لما يطلبوا مني اتبرعلك بالدم، اااه معلش نسيت اقولك، اصلي ناوي اصفي اعضائك، وابيع كل عضو في دولة علشان ميعرفوش يلموها
ضرب راجح على المكتب:
-إنت مش قدي يابن السيوفي، ولو خرجت من هنا على القسم يعتبر كتبت شهادة وفاتك:
-يا شريف ..أشارَ له:
-وصَّل راجح باشا للقسم عايز يعمل قضية نسب، ولو عايز تساعدُه وتشهد معاه قولُّه إحنا خطفنا بنته.
نصبَ عودهِ بعدما أطفأ سيجارته، واستندَ بكفوفهِ على المكتب:
-راجح باشا أنا مش هسجنك، عارف ليه، علشان لو سجنتك ببقى برحمك منِّي، وإنتَ عارف أنا راجل قانون ومينفعشِ أدخل في سلطةِ القضاء، هسيبك برَّة علشان انا وانت نكون احرار،. اه وخد دي علشان تعرف أنا ديمقراطي ومتقولشِ سلطة ومش سلطة، استقالتي ناقصة الإمضاء، كدا عداني العيب وقزح لعندك، ماهو إنتَ العيب كلُّه..استدارَ مبتعدًا عن مكتبه:
-زمان كنت بشوف أشرار الكارتون مقتنعتش بيهم بس إنتَ عدِّيت سكار، ومراتك الحيزبونة الأم جاثويل، بس مش هتعرف تقول لميرال دلدلي شعرك، لأنَّها مش غبية ولا عبيطة، وياله اطلع برَّة أخدت من وقتي وسحبت الهوا من المكتب، روح كل اقسام مصر ولو عايز محامي أكبرهم هيكونوا عندك، أما شهادة وفاتي اللي بتقول عليها، توقف مائلا بجسده يرمقه بنظرة حادة
-أنا كدا كدا ميت ومش باقي على حاجة، وحياة بكى امي كل ماكنت بترعبها بقربك، لاخليك تتمنى الموت ومتلقهوش، واسأل عن الياس السيوفي، انا مش بتاع كلام ياراجح، ولو سمعتك في مرة بتقول كلمة عمي دي هفصل راسك عن رقبتك، لو جالي نفس استهزئ هقولها، ياله اطلع برة مبقاش غير المجرمين اللي ياخدوا من وقت إلياس السيوفي
صمتًا مريبًا بالمكتبِ لم يخلُ من حربِ النظراتِ القتالية، ليقتربَ راجح منه:
-بتعلن الحرب عليَّا يابنِ جمال، طيِّب شوف مين اللي هيضحك في الاخر.
عند أرسلان توقَّفَ أمام أحدِ الفنادقِ المشهورة بالعاصمة، وهناك ما يريدهُ أن يوصلَ مابجبعته، توقَّفَ ينظرُ بذهولٍ لتلك التي دلفت أمامهِ بجوارِ أحدهما، لحظة فقط لالتقاطِ صورة، ليرسلها إلى مصدرها، ثمَّ صعدَ إلى واجهته، دقائقَ إلى أن انتهى من عملهِ متَّجهًا للخارج، ولكن لسوءِ حظِّهِ وحسنِ حظِّها أن تصطدمَ به، رجعَ معتذرًا، لتتوقَّفَ مصدومةً تطالعهُ وتهمسُ اسمًا جعلهُ يطالعها بغموضٍ ثمَّ أردفَ بنبرةٍ هادئةٍ معتذرًا:
-آسف ماأخدتش بالي، قالها وتحرَّكَ سريعًا من جوارها كالزئبق، تركت الواقفَ بجوارها وتحرَّكت سريعًا خلفهِ تبحثُ عنه بلهفةٍ ولكنَّهُ لم يكن له أثر..
-رانيا فيه حاجة، واقفة كدا ليه؟،،
بعد اسبوع:
بفيلَّا السيوفي دلفَ إليها وجدها تغطُّ بنومٍ هادئ، انحنى يطبعُ قبلةً على جبينها يمسِّدُ على خصلاتها بحنان، نزعَ جاكيت بذلته، وتمدَّدَ بجوارها يدفنُ رأسهِ بصدرها، تململت تفتحُ عينيها وتغلقها، شعرت به، تراجعت تبتعدُ عنه وجلست على الفراش:
-لسة فاكر حضرتك إنِّ ليك ست وكمان حامل، حاوطَ جلوسها بذراعيهِ وجذبها إلى أحضانه:
-وحشتيني على فكرة، وأنا مفهَّمك انِّي كنت مشغول، ليه زعلانة دلوقتي
اندلعَ الغضبُ من حدقتيها، وأشارت إليهِ بالابتعاد:
-ابعد عنِّي علشان مطلَّعشِ الجنان عليك، ياله روح للستِّ رؤى بتعتك..
ثبَّتَ عينيهِ يطالعها بنظراتٍ باردةٍ رغم توَّهجِ صدرهِ بنيرانه:
-اسمعيني ياميرال علشان أنا معنديش خلق للكلامِ الكتير، هنروح لراجح وتوقفي قدَّامه وتقولي الكلام اللي إنتِ عايزة تقوليه، عايز أشوف ميرال مرات إلياس السيوفي، أكيد فاهمة كلامي..
ارتسمَ الألمُ داخلَ مقلتيها، أردفت بنبرةٍ حزينة:
-أنا الراجل دا مش عايزة أقابله ياإلياس، اقتربت بركبتيها منهُ واحتضنت كفَّيه:
-أنا عرفت الراجل دا بلاويه كتيرة ياإلياس، تعرف أنُّه بيراقبنا، أنا شوفت عربية بعد ماوصَّلتني على الجريدة، حدِّ مشي وراك، يعني عايز يئذيك، تعالَ نهاجر ياإلياس، أنا خايفة منُّه أوي، أنا مستحيل أعترف به أب، مش بعد هجومي للمنظَّمات الإرهابية، يكون الراجل دا أبويا..
احتضنَ وجهها ولثمَ جبينها، ورسمَ ملامحها بعينيه:
-حبيبتي اسمعيني كويس، طول ماإنتِ متمسِّكة بميرال جمال الدين، واللهِ لو جابلي مين محدِّش يقدر يقرَّب منِّك..
مرَّرَ بأناملهِ على وجهها وعينيهِ تسطرُ وجهها:
-جوزك مش ضعيف ولا هيِّن علشان يهرب من واحد ضعيف زي دا..
هشوف بابا تكوني جهزتي، الزيارة دي مهمَّة أوي ياميرو، وعندي خطط عليها، لازم اغلطه ياميرو، بس خايف عليكي، خايف تضعفي
-لا متخافش، انا معرفوش ومش عايزة اعرفه، انتوا اهلي
-مش اسمها انتوا ياميرال، اسمها انت اهلي وحياتي
رفرفت اهدابها تنظر إليه بذهول
-حبيبي انت متقلب ليه، جننتني وراك
-أنا عايزك تتجنني كمان ..قالها وهو يطبعُ قبلةً بجانبِ شفتيها هامسًا:
-حبيبتي يامرمر...دفعتهُ وهي تضحك:
-منتهز زعلي عارفة..نهضَ متَّجهًا إلى الباب:
-نصِّ ساعة ونمشي...إلياس…
-توقَّفَ مستديرًا إليها:
-عدِّي على ماما فريدة، مبقتشِ تخرج من أوضتها..أومأ واستدارَ يفتحُ البابَ إلَّا أنَّهُ توقَّفَ على صوتها:
-بحبَّك يابنِ عمِّي..تجمَّدَ بوقوفه، وشعرَ ببرودةٍ تجتاحُ جسدهِ حتى فقدَ القدرةَ على الحركةِ لدقائق، نهضت واقتربت منهُ تضعُ كفَّها على كتفه:
-حقيقة ومينفعشِ ننكرها، التفتَ قائلًا:
-إنتِ مراتي وبس ياميرال، مش عايز كلمة تاني..خرجَ متجهًّا إلى جناحِ والده، طرقاتٍ هادئةٍ على البابِ إلى أن أُذنَ له بالدخول..
بالداخلِ كانت جالسةً على سجَّادتها وبيدها مسبحتها تردِّدُ الذكر، رفعت عينيها المغيَّمةِ بالسُحبِ بعدما استنشقت رائحته، توقَّفَ للحظاتٍ وهو يرسمها بعينيه، نهضت من مكانها تستندُ على المقعدِ تهتفُ بتقطُّعٍ وبكاء:
-يو..سف، ردَّدتها عدَّةِ مرَّات..اقتربَ منها بعدما وجدها تترنَّحُ بخطواتها، وصلَ إليها ولم يعد بينهما سوى خطوةً واحدة، توقَّفت تنظرُ إليهِ باشتياقٍ وكأنَّهُ غائبًا منذ سنوات، ارتجفَ جسدها تتمتم:
-عامل إيه ياحبيبي، دقائقَ وهو ينظرُ إليها دون حديث، هربت حروفهِ وكأنَّهُ لم يدرك نُطقها، دقيقةٌ اثنتان وهو متوقِّفٌ ينظرُ إليها حتى أخرجَ آااه من جوفِ قلبه:
-استحملتيني السنين دي كلَّها إزاي، إزاي قدرتي تتحمِّلي قساوة قلبي وجحودي عليكي، انسابت عبرةً غادرةً عبر وجنتيهِ يضربُ على صدره:
-قلبي مرحمشِ ضعفك وإنتِ بتترجِّي فيَّا إنِّك تحضنيني، وأنا حيوان ومعرفشِ إنِّي بأذي أقرب الناس لقلبي..
شهقةٌ أخرجتها وهي تجذبهُ لأحضانها:
-متقولشِ كدا ياحبيبي، أنا كنت راضية، واللهِ كنت راضية يابني، إنتَ نور عيوني ياإلياس، عمري ماأزعل منَّك..حاوطَ جسدها وبكى لأوَّلِ مرَّةٍ بشهقاتٍ قائلًا من بين بكائه:
-أنا كرهتِك علشان خُنت ماما غادة، كان دايمًا يجيلي إحساس انِّي بحبِّك أكتر منها، علشان كدا فكَّرت إنِّي بخون امي، وأنا معرفشِ إنِّي بخونك إنتِ ياماما..
آااه وآااه من كلمةٍ تعني الكثيرَ من الآلام، كلمةٌ تمنَّتها منذ سنواتٍ أنَّ أحدًا من أولادها ينادونها بها، بكت وهي تضمُّهُ إلى صدرها، لتهوى على الأرضِ وهو يحاصرُ جسدها مع صوتِ بكائها مردِّدةً
"أحمدك وأشكر فضلك يارب، أحمدك وأشكر فضلك يارب"
ظلت الدموعُ تهطلُ كزخَّاتِ المطر، دموعٌ غسلت قلوبهما من كمِّ الألمِ الذي مرَّا بهما، دموعٌ بسنينِ فراقهما، شدَّدت من عناقهِ خوفًا من الابتعادِ عن أحضانها كأنَّهُ سيهربُ ولن يعود، أخرجت وجههِ وظلَّت تقبِّلُ كلَّ إنشٍ بوجهه..رفعَ كفَّها وقبَّلهُ ثمَّ رفعَ وجههِ إليها:
-سامحيني ياأمِّي..جذبتهُ لأحضانها مرَّةً أخرى:
-مسامحاك ياحبيبي، عمري ماأزعل منَّك ياإلياس..لم تشعر سوى بالتي تدثَّرت بينهما:
-احضنيني أنا كمان ياماما، علشان ابنك البارد دا محضنِّيش..قالتها ميرال لتخرجَ حزنهما الذي سكنَ بروحهما، ضمَّتها فريدة بذراعٍ وضمَّت إلياس بذراعها الأخرى:
-عمري ما فكَّرت إنِّك تتجوِّزي حدِّ من ولادي ياميرال، تعرفي أوَّل ما مصطفى قال نجوِّزكم كنت زعلانة، اتمنِّيتك ليوسف، مكنتش أعرف إنِّ ربِّنا ربط على قلبي..
نهضَ يمسحُ دموعه، وابتعدَ عنهم:
-كدا يامدام فريدة بكيتيني، ابتسمت تطالعهُ بحب، وحشتني مدام فريدة منَّك ياحبيبي..
انحنى يجذبُ كفَّ ميرال:
-طيب هنروح مشوار، ولازم نقعد مع بعض، كان لازم نقعد من زمان، بس مشوار النهاردة هيحطّ النقط على الحروف، قالها وعينيهِ على ميرال..أومأت له فتحرَّكَ يجذبها وغادرَ المكان...وصلَ بعد قليلٍ أمامَ فيلَّا الشافعي، دلفَ للداخلِ بعدما أخرجَ هويته، دقائقَ وكان بداخلِ البهو، لحظاتٍ وتوقَّفَ راجح ورانيا أمامه، أسرعت رانيا تجذبُ ميرال لأحضانها، إلَّا أنَّها توقَّفت متجمِّدةً كلوحِ الثلج، ضمّّت وجهها:
-مروة حبيبتي أخيرًا جيتي لماما..ابتعدت عنها وعانقت ذراعَ إلياس ..وزَّعَ نظراتهِ عليهما بشماتة:
-انا جبتلك بنتك أهو ياراجح لحدِّ عندك، علشان تعرف تاخد راحتك بالقضية.. مش عايز ترفع قضية نسب، بنتك معاك أهي، أشارَ إليها:
-إيه ياروحي مش عايزة تسلِّمي على باباكي؟..
-دي مروة بنتي؟!..
اقتربَ وعلى وجههِ ابتسامةً لعوب ثمَّ غرزَ عينيهِ بعينينِ راجح:
-معاك دلوقتي كلِّ الأسلحة وأنا قدامك أعزل أهو، أشارَ على الفيلَّا بيدهِ وتابع:
-وهيلمان عيلةِ الشافعي كلُّه تحتِ رجلك، أنا لسة مجتشِ عنده، إنتَ ناسي انا ليَّا مِلك عندك ياراجح..استنكر راجح حديثه قائلًا:
-بس معنديش حاجة من بتاعة أبوك يابنِ جمال..
حكَّ ذقنهِ يدورُ حولهِ وتمتم:
-أممم، قولت لي ماليش حاجة، طيِّب أومال من أين لكَ هذا ياراجح، إيه كسبت ورقة اليانصيب ولَّا إيه؟..
-عايز إيه يابنِ جمال؟..
-روحك ياراجح، بس مش هاخدها بسهولة..
-ميرال صاحَ بها مستديرًا برأسه:
-ردِّي زيارة المدام، واشربي قهوتها..
اقتربت من رانيا وتعمَّقت بالنظرِ إلى عينيها:
-إنتِ والراجل دا أنا مش معترفة بيكم،
معنديش غير أم واحدة بس وهيَّ فريدة السيوفي، وأب واحد وهوَّ جمال عز الدين، أنتوا في نظري ناس واطية سلبوا حقوق ناس بريئة، ابعدوا عنِّي بدل ماأعملُّكم قضية السبِّ في شرفي،
ولو الدنيا كلَّها فارقتني ومابقاش غيركم مستحيل أقرَّب منكم، ماما أشرف ستِّ في الدنيا، حتى لو أنا بنتكم فليَّا الشرف إنَّها خطفتني وربِّتني، لفَّت إلى إلياس وتابعت حديثها وعينيها تطالعهُ بهيام:
"والراجل دا أغلى من روحي"ولو حاولتوا تقربوا مني، هحكي كل حاجة يامدام رانيا، وعندنا أدلة كتيرة، توقف إلياس بينهما
-سواء حاولت تقرب مننا ولا لا، انا هقرب واخد روحك وروح الحيزبونة مراتك، اقتربت ميرال منه
-طول عمري بمشي براس مرفوعة قدام الكل، ليا حسب ونسب وسيرة طيبة، وربنا انعم عليا بزوج وام يجننوا، مش على اخر الزمن تبقوا انتوا اهلي..دلف طارق يوزع نظراته بينهم متسائلًا:
-ايه اللي بيحصل هنا، تقابلت نظرات ميرال معه، ولم تشعر سوى بتلك الرجفة التي انتابت جسدها، ورغم ذلك اقتربت منه تنظر إليه
-إنت!! يعني انت ابن الراجل دا، حاول تذكرها لتقترب رانيا تحاول نزع فتيل الغضب بينهما، ولكن قرب إلياس إليها متسائلًا:
-تعرفيها منين ياميرال؟!
لطمة قوية على وجهة طارق، ثم بصقت بوجهه واردفت بتقطع:
-هستنى ايه من أب وأم عديمي الاخلاق إلا أنهم يخطفوا بنت، نظرت باشمئزاز وتراجعت إلى إلياس قائلة:
-خدني من المكان المقرف دا ياالياس،
-يبقى تموتي أحسن يابنتِ راجح ..قالها وهو يُخرجُ سلاحه يتوجَّهُ إليها وأطلق طلقةٍ نارية اخترقت أحدهم
مساء الخير للجميع
انتهى الفصل اتمنى ان ينال اعجابكم
ياريت ياجماعة تقدروا تعبي، وارهاقي في الفصل، ارجوا من يقرأ الفصل ماينساش الفوووت، نفسي افرح بتفاعلكم ، وحاجة مش صعبة انكم تضغطوا على النجمة، بحبكم فانزي العظيم ووقت مالتفاعل يعلى هنزلكم الفصل الجديد في اقرب وقت
دمتم في رعاية الله وحفظه ولاتجعلوا القراءة تلهيكم عن ذكر الله، ولا تنسوني من دعواتكم
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سيلا وليد
"اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض"
هو حكاية قدر جميله.
تصادفك مرة واحدة في حياتك ولن تستطيع تكرارها.
وتبقي أجمل حكاية إن استمرت.
أو حتى إن انتهت.
تبقي ساكنة في أعماق روحك كعطر ورد.
إن غفوت أيقظتك.
وإن اخمدت مشاعرك ستنعشك ذكرياته.
وتسالني ماذا أريد منك؟
دعني أفسر لك:
أريد منك أمانا وحنانا ووطنا وبيتًا وظلا ودفئا.
أريد منك حياة، ماضي وحاضر ومستقبل.
نظرة عين تخبرني أني حبيبتك.
لمسة يد تعيد الأمان لقلبي.
دموعا لا تسيل إلا من شدة الفرح.
وآلاما تزول بمجرد رؤياك.
أريدك أنت فحسب.
ثم ماذا بعد؟
قلبك لقلبي لينصاع له طوعا ويعقد معه صفقة العمر.
اقتربَ راجح وهو يجذبُ سلاحه، وهتفَ بهسيسٍ أعمى:
- بدل أنكرتي وجودنا يابنتِ راجح يبقى الموت حلال عليكي.
قالها وهو يوجِّهِ سلاحهِ لتخرجَ طلقتهِ باستدارةِ إلياس الذي يَبعدهُ بخطوة.
ودفعهُ بقدمهِ لتخترقَ الطلقةَ كتفَ رانيا.
ثمَّ انحنى وبدأ يلكمهُ كالمجنونِ كلَّما تخيَّلَ أنَّهُ سيصيبُ زوجته.
شعرت ببرودةٍ تجتاحُ جسدها لتتسمَّرَ بوقوفها وكأنَّها أصيبت بشللٍ كامل.
كلَّما تذكَّرت أنَّ والدها هو الذي حاولَ قتلها.
حاول طارق إزاحةَ إلياس من فوق راجح ولكنَّهُ لم يقوَ إلا بتدخُّل أمنِ الفيلا.
ابتعدَ يبصقُ عليه:
- حيوان، شوفت الحيوانات ظلمتها لأنَّك متستهلشِ تكون أب.
قالها واستدارَ إلى زوجتهِ التي ارتعشَ جسدها بالكامل، وانهارت قواها وكأنَّها الحاضرة الغائبة بهذا المكان.
وهي تنظرُ إلى رانيا التي سقطت بالأرضِ تمسكُ ذراعها صارخةً باسمها:
- ماتمشيش يامروة، مستعدَّة أفديكي بحياتي ياحبيبتي، ابنِ فريدة بيضحك عليكي يابنتي.
عيونًا خاويةً بنظراتٍ باردةٍ تطالعها بها.
توقَّفَ إلياس يتعمقُ بنظراتهِ إليها.
احتلَّ الضيقُ ملامحهِ وهو يرى ضعفها.
واشتعلت حقولُ النيرانِ داخلهِ ظنًّا أنَّها ستحنُّ إليهما.
وقفَ كالمشاهدِ ولم يتحرَّك من مكانه.
توقَّفت رانيا بمساعدةِ طارق تحتضنُ ذراعها واقتربت منها وعينيها تذرفُ الدموع.
تراجعت للخلفِ تحتضنُ ذراعَ إلياس تهتفُ بنبرةٍ قويةٍ عكسَ حالتها:
- إلياس خدني من هنا.
اقتربَ و حاوطَ جسدها وتحرَّكَ بعض الخطوات.
مع وقوفِ راجح وتناولهِ السلاحَ الذي ركلهُ إلياس بعيدًا عنه.
وزمجرَ غاضبًا:
- هموِّتك يابنِ جمال.
قالها بإطلاقه الرصاصة، ولكن لم تصب أحدًا سوى اختراقها للجدار.
بعدما دفعهُ طارق:
- بابا لو سمحت.
قالها طارق ممتعضًا.
توقَّفَ إلياس مستديرًا بعدما تعاظمَ غضبه.
وغلت الدماءَ بعروقهِ يشيرُ إليهِ بتهديد:
- مش هرحمك، احفر قبرك واستناني.
النهاردة كنت عندك بصفتي إلياس السيوفي راجعَك بصفتي يوسف الشافعي، ياراجح ياشافعي.
قالها وغادرَ المكان.
وصلَ إلى سيارتهِ فتحَ بابها وساعدها بهدوء.
ثمَّ أغلقَ الباب واستدارَ متَّجهًا ليستقلَّ السيارةَ بجوارها.
أغمضت عينيها وهي تشعرُ بألمٍ يشحذُ جسدها بالكامل.
استدارَ إليها بكاملِ جسدهِ وحاوطَ وجهها يزيلُ دموعها بإبهامه:
- ميرو اهدي خلاص.
طالعتهُ بتشتُّت:
- مين دول ياإلياس، الناس دي مجرمة.
قالتها بشهقاتٍ مرتفعةٍ مع ارتجافةِ جسدها ليضمَّها بحنانٍ هامسًا لها بعضَ الكلمات.
ظلت فترةً إلى أن استكانت بأحضانه.
ليقودَ السيارةَ بذراعٍ والآخرُ يضمُّها به.
وصلَ بعد فترةٍ قليلةٍ فيلا السيوفي.
ترجَّلَ متَّجهًا إليها.
كانت جالسةً بجسدٍ خاوي، وروحًا مسلوبة.
وهناك مايوسوسُ لها.
ترجَّلَ واتَّجهَ إليها.
ساعدها بالنزولِ وحاصرها بين ذراعيه.
- ياله حبيبتي.
نظرت للمنزلِ بعيون مكدَّسةٍ بالدموع.
ثمَّ اتَّجهت بأنظارٍ إليه.
وأحست بأنها طفلة تائهة.
دنى يحاوط جسدها متمتمًا بنبرة حنونة:
- يالة ياميرال أنا معاكي.
انهارت باكية ببقهرٍ لسنوات وتركت عبراتها التي عبرت عن كم آلامها.
سكت هنيهة تاركًا إياها بإخراج قيح مايخنقها من جروحٍ تنغز بالقلب كالسكين البارد.
ظلت فترة واقفة كالطائر الذي تركه سربه بموطن غير موطنه.
شعر بها ليضمها لأحضانه:
- ليه الضعف دا، من إمتى وأنتِ ضعيفة كدا.
عانقت نظراته واخترق صوتها الباكي جدران قلبه المدمي قائلة:
- كان ممكن تكون راجع بيَّا ميتة صح، الراجل كان هيموِّتني ياإلياس، هوَّ فيه واحد ممكن يقتل بنته! يعني كنت زماني ميتة دلوقتي؟
كلمات ماهي سوى كلمات ولكن كادت أن تُزهقَ روحه.
لم يشعر بنفسهِ سوى وهو يضمُّها بقوةٍ لأحضانه.
كاد أن يذيبَ ضلوعها مع ارتجافةِ جسدهِ ذعرًا وخوفًا من حديثها.
مما جعلهُ يهمسُ بنبرةٍ عاشقةٍ متنحيًّا عن كبريائهِ وصموده، فهنا مفترقَ المعنى بين العشقِ والكبرياء:
- ليه بتقولي كدا، وأنا روحت فين.
بكت بشهقاتٍ مرتفعةٍ عاجزةٍ عن تحمُّلِ الألمِ الذي اخترقَ روحها.
- مش هتبعد عنِّي ياإلياس مش كدا، مش هتاخدني بذنبهم؟
احتضنَ وجهها بين راحتيه، وتجوَّلَ بعينيهِ فوقَ ملامحها بشغف.
وهتف بنبرةٍ خشنةٍ ممزوجةٍ بالعشقِ الدفين:
- مقدرشِ أعيش من غيرك، مش إلياس اللي ياخد حد بذنبِ حد، تخيَّلي بقى لو الحدِّ دا روحهِ وعشقه.
ابتسمت من بين دموعها تطالعهُ بنظرةٍ هائمة:
- روحه وعشقه!
ارتجف جدران قلبه، فابتسمت عيناه قبل شفتيه.
وعانقها بنظرة ممزوجة بالعشق الضاري.
ليردف بنبرة تخصها وحدها:
- عندك شك في كدا. كم مرة اتكلمنا في الموضوع دا.
ارتفعت يديها تحتضن وجهه بحنان وعشق متمتمة بنبرة ممزوجة بالعشق:
- ممكن تضمِّني اوي.
هزَّ رأسهِ بالنفي وانحنى يحملُها بين ذراعيهِ دالفًا بها للداخل.
وقلبهِ عبارةٍ عن مضخَّةٍ من دقات عنيفة.
قابلتهُ غادة وهي تراهُ يحملها.
توقَّفت تطالعهما واستفهمت عمَّا بها:
- مالها ميرال ياأبيه؟
تحرَّكَ قائلًا:
- كويسة.
هرولت خلفهِ وتساءلت مرَّةً أخرى:
- طيب شايلها ليه.
التفتَ لها:
- غادة خفِّي عن دماغي.
قالها وصعدَ للأعلى دون حديث.
توقَّفت وعينيها على تحرُّكهما إلى أن اختفيا.
دلفَ لجناحهما، وأغلقَ البابَ بقدمه.
اتَّجهَ إلى فراشهما ووضعها بهدوء:
- ميرو حاولي ترتاحي وتنسي أيّ حاجة تمام.
تشبَّثت بذراعه:
- متسبنيش، أنا محتاجاك أوي.
ربتَ على كفِّها:
- أنا معاكي، هغيَّر هدومي وأجبلك حاجة تلبسيها.
هزَّت رأسها بالرفض، مبتلعةً غصَّتها التي بطعمِ مرارِ ماشعرت به:
- متسبنيش ياإلياس مش عايزة أغيَّر، عايزاك تاخدني في حضنك وبس، أنا خايفة.
كان وقعُ كلماتها عليهِ كبيرًا ليشعرَ بالعجزِ أمامها.
حينها عاتبَ نفسهِ على ما فعلهُ بها.
تمنَّى أن يدفنها بين ضلوعه.
حرَّكَ أناملهِ على وجهها يرسمها بحنو.
يحفرُ كلَّ إنشٍ بها داخل قلبهِ بعشقٍ هامسًا لها بنبرةٍ مبحوحة:
- تخافي وحبيبك معاكي، كدا تزعَّلي المسكَّر منِّك.
ابتسمت وهي تضعُ كفَّيها على وجهه.
قاطعهم طرقاتٌ على بابِ الغرفة.
سمحَ بالدخولِ لتدخلَ غادة متسائلة:
- هيَّ ميرال كويسة ياأبيه.
استدارَ يرمقها بغضبٍ يشيرُ إليها:
- غادة، ميرال كويسة، ممكن تسيبيها ترتاح شوية.
اقتربت من نومِ ميرال:
- حبيبتي إلياس عمل فيكي حاجة.
تحرَّكَ من أمامها متَّجهًا إلى غرفةِ الملابسِ يسبُّها بداخله.
بينما ابتسمت لها ميرال:
- أنا كويسة ياغادة بس عايزة أنام.
انحنت تطبعُ قبلةً على جبينها:
- قلقت عليكي، وبعدين ماله أبيه إلياس، لسة متأثَّر باللي حصل؟
هزَّت ميرال رأسها بالنفي وأجابتها:
- لا حبيبتي هوَّ بس مرهق.
جلست بجوارها وتساءلت:
- ماما قالتلي إنِّك بنتِ عمِّ إلياس صح؟ وقالت اسمه راجح، وكمان شوفت والدتك كانت هنا. بصراحة متزعليش منِّي دي ستّ كنت عايزة أشتمها، كلِّمت ماما فريدة بقلِّة ذوق، معرفشِ إزاي واحدة جميلة زيك بنتها، ياريتك كنتي بنتِ ماما فريدة، هموت..إزاي الستِّ دي تخلِّف واحدة قمر وطيوبة زيك، لا ياميرال الستِّ دي اتبرِّي منها.
بترت حديثها عندما رفعها إلياس من ذراعها.
وتحرَّكَ بها إلى خارجِ الغرفةِ ثمَّ أغلقها خلفها يسبَّها.
متَّجهًا إلى زوجته:
- ميرال ياله علشان تغيَّري، مينفعشِ تنامي كدا.
قالها وهو يضعُ ملابسها فوقَ الفراش.
ثمَّ انحنى وساعدها بتبديلِ ثيابها.
كانت كالجثَّةِ بين يديه.
شعرَ بالحزنِ عليها.
وذهبَ بذاكرتهِ ماذا كان سيفعلُ لو كان أهلهِ مثلها، أو أنَّ أحدًا غير مصطفى أخذه.
وأصبحَ شخصًا غير سويًا.
ارتفعَ تنفُّسهِ وهو يساعدها حتى انتهى ممَّا يفعله.
ضمَّها لأحضانهِ يمسِّدُ على خصلاتها ثمَّ هتف:
- يعني طلعنا في الآخر ولاد…
- عارفة المفروض تحمدي ربنا إنِّ ماما فريدة خطفتِك منهم، علشان لو فضلتي هناك مكنَّاش هنتقابل ولا كنتي هتكوني مراتي دلوقتي.
اكتفت برسمِ ابتسامة.
ودفنت رأسها بصدرهِ تبتعدُ عن نظراته.
لأوَّلِ مرَّةٍ تشعرُ بصقيعٍ بكافةِ جسدها.
دسَّ أناملهِ بخصلاتها يرفعها لتنظرَ إليهِ حينما شعرَ بدموعها.
أزالها بإبهامهِ وسبحَ بجمالِ عينيها.
- طيِّب ليه العيون الحلوة دي تبكي، أكيد زعلانة علشان أنا طلعت ابنِ عمِّك صح؟
- حياتنا كلَّها طلعت سراب ياإلياس، الأم اللي طول حياتي بفتخر بيها طلعت مش أمِّي، وبابا اللي رسمته بأحلامي مطلعشِ بابايا.
رفعَ ذقنها وعاتبها بعينيهِ قائلًا:
- طيب مش كفاية أنا حلمك واتحقق، دا لوحده المفروض تحمدي ربِّنا عليه، يابنتي إنتِ متجوزة أحسن راجل في مصر.
أفلتت ضحكةً من بينِ شفتيها، حتى لمعت عيناها.
دنا من شفتيها يلمسها بخاصته:
- طيب واللهِ المسكَّر زعلان من البايرة ولازم تراضيني، ياإما.
قابلت عيناها عينيهِ القريبة منها هامسةً بنبرةٍ متقطَّعةٍ على غير عادتها:
- المسكَّر ممكن يتخلَّى عن روحه، مش أنا روحك، زي ماإنتَ روحي ياإلياس؟
لم يظلّ هنا لشفتيهِ حديثًا سوى أن تسكبَ عشقًا يروي به قلوبهما الظمآنة.
لقد فاضَ القلبُ وارتفعت دقَّاتهِ وأُلهبت المشاعرَ بنيرانِ العشقِ الجارف.
ليظلَّا فترةً لم يشعرا بما حولهما ولم يعلما كم سرقَا من الزمنِ من تلك اللحظاتِ والهمساتِ التي تُعتبرُ ميزانَ الحياة.
دقائقَ ربَّما ساعاتٍ وغرفتهما مغلقةً عليهما كأنَّهما انعزلا عن العالمِ، بهروبهما من كابوسهما الواقعيّ الذي سيقلبُ حياتهما.
بعد فترةٍ كانت عيناهُ تغازلُ ملامحها المستكينةِ فوق ذراعه.
نظراتٌ تقطرُ عشقًا ضاريًا.
تمنَّى أن يعودَ به الزمن لقبلِ سنواتٍ حتى يُشبعَ روحهِ من قربها.
مرَّرَ أناملهِ على ثغرها الذي يشبهُ عنقودَ العنب وابتسمَ كلما تذكَّرَ لحظاتهِ السعيدة بقربها.
لقد دغدغت قلبهِ وانهارت حصونهِ ودوافعهِ بحبِّها الذي زلزلَ أركانهِ بالكامل.
فتحت عينيها على حركةِ أنامله.
لترفعَ رأسها تدفنهُا بحنايا عنقه.
لتضربَ أنفاسها الناعمةِ جلده.
ليرتجفَ جسدهِ بنيرانِ الرغبة.
فلقد فاضَ الشوق.
جلسَ وقامَ باعتدالها.
محاوطها بذراعيه.
وضعت رأسها على كتفه.
ثمَّ مدَّت كفَّها لتتشابكَ أناملها بأنامله.
لديها شعورًا بداخلها أنَّ هذا الرجلَ فاقَ حدودَ الروعة التي فقدت المعاجمَ في سردِ صفاتهِ وحنانه.
من يراهُ يقسمُ أنَّهُ هالةٌ من الغرورِ والكبرياء.
ولكنَّ الكبرياء هنا كبرياءَ العشق.
لأوَّلِ مرَّةٍ ترى بعينيهِ بريقُ الحنان.
وكأنَّهُ يضعُ قلبهِ بين راحتيها لتفعلَ به ماتريد.
فجميعُ لمساتهِ يمتلكها ذراعَ الحنان.
ليثبتَ لها أنَّ قلعتهِ حصنها الآمن وليس سواه.
- بقيتي كويسة؟
رفعت رأسها:
- زهقت ولَّا إيه؟
- هزهق من إيه بس، أنا بطَّمن عليكي، هتفضلي حبساني كدا، عايز أشوف شغلي، وحضرتك عاملة زي الأطفال، اللي محتاجة والدتها.
- مش يمكن بعتبرك أكتر من كدا.
- وأنا مش عايزك طفلة، عايزك ميرال الواعية، مبحبش ضعفك دا.
أجابتهُ بعبث:
- عايزة أقعد في حضنك، مستكتر عليَّا حضنك شوية.
ثبَّتَ نظراتهِ عليها لبعضِ اللحظات ثمَّ أردف:
- وبعدِ ماتقعدي شوية في حضني هيحصل إيه؟ هنفضل طول اليوم في تبادل الأحضان، ميرال عندي شغل، فوقي مش عايز أيِّ حاجة تأثر عليكي.
- دا كلُّه علشان قولتِ لك عايزة أفضل في حضنك ياإلياس، علشان محتاجاك.
زفرَ بحنقٍ ووضعَ كفَّيهِ بخصره:
- خلاص أقعد دادة لسيادتك، ولَّا أقولك نحكي حواديت إيه رأيك؟
طالعتهُ بتذمُّرٍ قائلة:
- لو رديت زي أيّ راجل بيحبِّ مراته هيدفَّعوك ضريبة مثلًا؟
رفعَ حاجبهِ وأجابها بتخابث:
- الراجل اللي بيحبِّ ياميرال.
هبَّت معتدلةً بمقابلتهِ وأشارت ملوِّحةً بيديها متمتمة:
- متستفزِّنيش ياإلياس، إنتَ بتقلب بسرعة ليه؟ حرام تقعد ساعتين حبيب من غير ماتقلب لبرودك دا ياأخي، نفسي تسلِّفني منهم شوية.
زوى مابين حاجبيه، مستنكرًا حديثها:
- تقصديني بكلامك دا ولَّا حدِّ تاني؟
جزَّت على أسنانها متراجعةً تستندُ على سريرها تهمسُ لنفسها:
- يالهوي لو ابنه طلع ببروده، هيدخَّلوني مستشفى المجانين، يارب مايطلع زيه يارب، أنا غلبانة عليهم.
دنا يتنصَّتُ على حديثها، ثمَّ وضعَ كفِّهِ على جبينها:
- إنتِ سخنة، صح هعتبر دا هلوسة حمى.
أغمضت عينيها حتى لا تطبقَ على عنقه:
- امشي من قدَّامي، اطلع برَّة وسبني بدل ماأقلب عليك.
توقَّفَ قائلًا:
- أنا هطلع بس مش علشان المجنونة طلبت علشان لو قعدت هزعل وأنا زعلي وحش.
رفعت إحدى حاجبيها ساخرة:
- تزعل، هوَّ إنتَ بتفرح أصلًا، نفسي تضحك.
أشارت على بطنها:
- حبيبي في هنا بيبي، وإنتَ أبوه اضحك شوية الولد هينزل يشتمنا.
راقَ له دلالها، فتراجعَ يهزُّ رأسهِ مبتسمًا، ودلفَ إلى الحمَّامِ دون حديثٍ آخر.
بفيلَّا الجارحي:
خرجت ملك من غرفتها متَّجهةً إلى الحديقة.
قابلها إسحاق:
- ملوكة عاملة إيه ياعمُّو؟
اتَّجهت إليهِ بعيونٍ حزينة:
- الحمدُ لله ياعمُّو، هوَّ أرسلان مش هيجي النهاردة كمان؟
حاوطَ أكتافها وتحرَّكَ إلى أرجوحتها وأجلسها وبدأ يحرِّكها بهدوء:
- طيِّب عمُّو مينفعشِ بدل الولد أبو غمازات دا، أه أنا كبرت شوية بس برضو لسة حليوة.
ابتسمت كالطفلة.
ثمَّ تشبَّثت بأرجوحتها واستدارت برأسها تطالعه:
- لا حضرتك زي القمر، معرفشِ الستات أغبية علشان سايبينك سينجل إزاي.
قهقهَ عليها بصوتٍ رجولي.
وحاوطَ جسدها قائلًا:
- أخوكي مشغول جدًا، أنا كمان مبقتشِ أشوفه حبيبتي، وهمَّا ساعات اللي بيكون موجود هنا في مصر، مش معقول هنقولُّه تعالَ وسيب مراتك بظروفها دي، متنسيش أنَّها كانت حامل.
قاطعَ حديثهما صوتُ الحارس:
- أسحاق باشا.
نصبَ عودهِ يطالعهُ باستفهام.
اقتربَ منهُ قائلًا:
- فيه واحد طالب يشوف حضرتك والباشا، ودا الكارت بتاعه.
أمسكَ الكارت مابين أناملهِ يردِّدُ ماعليه.
اتسعَ بؤبؤُ عينيهِ متحرِّكًا للداخل سريعًا.
ارتسمَت ابتسامةٌ عريضةٌ على محيَّاه.
واقتربَ بتحيَّته:
- أهلًا وسهلًا سيادةِ اللوا، مصدَّقتش لمَّا قالولي إن حضرتك شرفتنا.
أومأ له قائلًا:
- أهلًا بيك سيادةِ العقيد، يارب تكون بخير.
أشارَ إليهِ بالجلوسِ مجيبًا:
- ليَّا الشرف طبعًا يافندم إنِّ حضرتك تنوَّرنا.
قاطعهم دخولُ فاروق يوزِّعُ نظراتهِ بينهما.
ورغم تخبطِ مشاعرهِ إلَّا أنَّهُ ابتسم:
- أهلًا وسهلًا بسيادةِ اللوا، الفيلا نوَّرت.
توقَّفَ مصطفى وحيَّاهُ بنبرتهِ الرخيمةِ والوقورة:
- أكيد بأهلها وناسها، ليا الشرف بمقابلتك.
بعد التحية، وزَّعَ فاروق نظراتهِ بين إسحاق الذي صمتَ ومصطفى وتساءل:
- تحت أمرك يامصطفى باشا.
تراجعَ مصطفى بجسدهِ ووزَّعَ نظراتهِ عليهما قائلًا بنبرةٍ هادئة:
- عندكم أمانة تخصِّنا ياإسحاق.
فتحَ فاههِ للتحدُّثِ إلَّا أنَّهُ أشارَ بيده:
- قبل أيِّ حاجة أنا مش جاي أعاتبكم أو آخد ابنكم، عارف إنِّ ليكم فيه أكتر مننا، بس متنسوش إنِّ دي أم، ومهما السنين مرِّت عليها عمرها ماهتتنازل عن ابنها.
أنا جاي نتِّفق وطبعًا تحتِ أمركم، وزي ماقولت أنتوا ليكم فيه أكتر مننا، هسيبكم تفكَّروا بالأبوَّة اللي ربتوه بيها، عارف الموضوع صعب، ويمكن مؤلم أوي، لكن قبلِ أيِّ حاجة مفيش حاجة هتفضل متخبية.
حاولت قبلكم وللأسف جه الوقت اللي اتكشفت فيه كلِّ الحقايق.
أرسلان كدا كدا هيعرف، فلو عرف منُّكم هيبقى أفضل بكتير أنُّه يتصدم من حدِّ تاني.
- حضرتك بتهدِّدنا ياسيادةِ اللوا.
هكذا تساءلَ بها إسحاق؟
هزَّ رأسهِ باعتراضٍ على حديثه:
- أبدًا لا سمحَ الله ولا ليا حق ولا عين أقف وأطالب بحاجة كان ليكم الفضل الأكبر فيها، بس أنا بناشد قلوبكم وعارف ومتأكد اللي يربي واحد زي أرسلان عمره مايكون أناني.
وبكرَّر كلامي للمرَّة التالتة، الولد ليكم فيه أكتر مالينا، الأب هوَّ اللي ربَّى مش اللي خلِّف، بس من حقُّها إنَّها تاخده في حضنها، حقَّها ومنقدرشِ ننكره، وطبعًا أكيد هوَّ مش صغير وهيتفهَّم جدًا، وخاصةً لما يعرف إنِّ إلياس أخوه اللي حضرتك حاولت تبعده عنُّه ياسيادةِ العقيد.
صمتَ للحظاتٍ وتابعَ حديثهِ عندما وجدَ تغيَّرِ وجوههم:
- كان لازم أعرف انقطاع أرسلان بعد زيارة والدته.
مسح اسحاق بكفيه على وجهه كي يهدأ من ارتفاع أنفاسه المرتجفة، ورغم ذلك توقّّفَ أخيرًا بعدما فشل في محاولَ تهدئةَ نفسه، ساحبًا نفسًا عميقًا ثم أشار بسبباتهِ بعدما فقدَ تحكُّمه بالكامل:
- متقولشِ أمُّه دي ياسيادةِ اللوا، أرسلان مالوش غير أم واحدة، أنا مقدَّر مجية حضرتك اللي أكيد اتشرَّفنا بيها، بس حضرتك جاي في بيتنا وبتقول عايز ابننا، الولد مالوش غير أب واحد وأم واحدة ودا آخر كلام عندي.
توقَّفَ فاروق مع ارتجافةِ جسدهِ وهو ينظرُ لأخيهِ بعتاب.
ثمَّ التفتَ إلى مصطفى وحاولَ الحديث، إلَّا أنَّ لسانهِ ثقلَ ولم يعد لديهِ قدرةً على التفوُّه.
شعرَ به مصطفى فنهضَ من مكانهِ واقتربَ منه محاولًا تهدئته:
- واللهِ أنا ماجاي علشان أحرمكم منُّه، وأطالب بحقِّنا فيه، لأنِّنا مالناش حق فيه غير أنُّه أخو إلياس، اللي مهما الحقيقة اختفت هتظهر، وأكيد إسحاق عرف إنِّ إلياس أخو أرسلان، فبلاش نضحك على بعض يافاروق، أقعد مع نفسك وحطِّ نفسك مكان والدته، دي أم خطفوا ولادها تلاتين سنة ويوم ماتلاقيهم نحرمهم منها، حاولت قبلكم أبعده مايعرفشِ حاجة، بس عرف، وإلياس غير أرسلان، خايف عليه من الصدمة، هيكون صعب صعب أوي.
قالها متنهِّدًا بحزنٍ ثمَّ استأذنَ وتحرَّكَ إلى أن وصلَ إلى بابِ الغرفةِ يطالعهم قائلًا:
- أنا جيت قبلِ ماإلياس يعرف، عنده عم سم وبيحفُر في كلِّ مكان علشان يوصلُّه قبلنا، وأكيد إنتَ عارف ياإسحاق دا ممكن يعمل إيه، ياريت تتفهِّموا الوضع.
قالها وغادرَ المكان بأكمله.
ليهوى فاروق على المقعد، بعدما فقدَ اتزانهِ يتمتم:
- يعني كدا النهاية، الولد مبقاش ابني، ابني اللي بكبَّره بقالي سنين علشان يكون سندي هيروح لحدِّ تاني.
رفعَ عينيهِ الخاويةِ إلى إسحاق الذي يدورُ بالغرفةِ مثل الأسدِ الجريح:
- أنا كنت عارف أنُّه جاي يهدِّدنا، لازم ألاقي حل، لا لازم يكون فيه حل، أنا لمَّا دوَّرت ورا إلياس من أوَّل ماعرفت أنُّه ماسك قضيةِ الخلية قبل ماعرَّفته بأرسلان عرفت أنِّ رأسه سم، متأكِّد مش هيسكت، دا راح السويس يوم ماعرف أنُّه مش ابنِ مصطفى وراجع على شغله وكأنّ ماحصلشِ حاجة، الولد دا بيخطَّط لحاجة وخاصةً أنُّه معرَّفشِ أرسلان بأيِّ حاجة.
نهضَ فاروق وتحرَّكَ بخطواتٍ بطيئةٍ وكأنَّهُ طفلًا يتعلَّمُ المشي يستندُ على الجدار، إلى أن وصلَ بابَ الغرفةِ وسقطَ فاقدًا الوعي.
عند أرسلان بأحدِ مدنِ المعمورةِ التي تجمعُ بين التاريخِ والطبيعة.
خرجَ من إحدى الكنائسَ لينهي ماوصلَ إليه.
استقلَّ سيارتهِ مع رنينِ هاتفه:
- أيوة حبيبتي، قدَّامي ساعتين تلاتة وأكون عندك بإذنِ الله.
كانت تجلسُ بجوارِ أخيها.
نهضت مبتعدةً عنه:
- أرسلان أنا عند بابا لمَّا تيجي عدِّي عليَّا هناك، كنت زهقانة فقولت أعدي عليهم علشان أطَّمن عليهم.
توقَّفَ بالسيارةِ وصمتَ لبعضِ اللحظات.
ورغم صمتهِ إلَّا أنَّ أنفاسهِ صمَّت أذنها:
- يعني جاية تعرَّفيني بعد ماروحتي ياغرام ولَّا إيه، مالكيش راجل تاخدي الإذن منُّه؟ كلِّمتك الصبح ولَّا لأ، ليه مقولتيش إنِّك رايحة لباباكي؟
- أرسلان…
- مش عايز أسمع حاجة.
قالها وأغلقَ الهاتفَ متحرِّكًا من المكانِ ولم يشعر بتلك السيارةِ التي تراقبه.
بمنزلٍ بإحدى الأماكنِ المتطرِّفةِ بضواحي القاهرة.
نهضت من مكانها تشعرُ بوهن، وجسدها الذي أصابهُ الخمول.
نادت على خادمتها، فهرولت إليها:
- نعم يامدام.
أشارت إلى هاتفها:
- هاتي التليفون، واعمليلي كوباية لبن.
أومأت لها بطاعةٍ واتَّجهت إليها بالهاتفِ قائلة:
- الغدا جاهز يامدام أجبهولك الأوَّل ولَّا تشربي اللبن؟
تراجعت بجسدها على الفراش تشيرُ إليها بالخروجِ قائلة:
- هاتي اللبن وأخَّري الغدا لحدِّ ماالبيه يرجع.
أومأت وتحرَّكت إلى الخارج.
رفعت هاتفها تهاتفه:
- إسحاق إنتَ فين اتأخرت ليه؟
أجابها وهو يتطلَّعُ إلى الطبيبِ الذي يقوم بالكشفِ على فاروق قائلًا:
- دينا بعدين أكلِّمك.
قالها وأغلقَ الهاتف.
زفرت بحنق.
ونهضت متعثِّرةً بخطواتها تحتضنُ أحشاءها تهمسُ لنفسها:
- هنفضل عايشين لوحدنا حبيبي، باباك اللي كان بيقولِّي هرسملك الدنيا ورد، معبرناش، ياله ناخد شاور لحدِّ ما نشوفه هيرجع ولَّا لأ.
عند إسحاق توقَّفَ أمامَ الطبيبِ الذي هزَّ رأسهِ بأسى وهو يقطعُ تلك الورقة التي يدوِّنُ بها الأدوية:
- حذرتك قبل كدا ياإسحاق، للأسف جلطة ولازم يتنقل مستشفى ومتقولشِ مينفعش.
جذبَ إسحاق تلك الروشتة وأشارَ لأحدِ رجالهِ عليها.
فالتقطها وخرجَ دون حديث.
ثمَّ اتَّجهَ إلى الطبيب:
- متسألشِ في حاجة إنتَ عارفها يادكتور، عايز ممرِّضة ثقة تكون تحتِ رجله أربعة وعشرين ساعة وتكون عندها خبرة كافية، وتقولِّي خلال أسبوع هيرجع يقف، دا اللي عايز أسمعه مش حاجة تانية.
بمنزلِ يزن:
قبلَ ساعاتٍ دلفت مها تنظرُ إلى جلوسهم.
ثمَّ اقتربت ودموعها تنسابُ على وجنتيها:
- ضحكت عليَّا يايزن، أخدتني انتقام علشان تشتري أسهم الشركة وتتجوِّزها؟
توقَّفت راحيل تطالعهم باستفهامٍ تجلى بنظراتها.
دنت منها وأشارت عليه:
- اتجوِّزتيه، ياترى قالك أنُّه استخدمني علشان يشتري أسهم الشركة ويدخل شريك معاكم؟
تركتها واقتربت منهُ وتوقَّفت تنظرُ إليه:
- ليه عملت كدا، أنا إزاي مفهمتش إنَّك عايز تنتقم منِّي ومن طارق.
دارت حولهِ وهمهمت بكلماتٍ غير مفهومةٍ إلى أن رفعت عينيها إليه:
- إزاي مسألتش نفسي عن فلوسِ الأسهم دي، مش معقول تكون بعت نصيبك في الورشة، دي روحك، وياما اتحيلت عليك تبيعها علشان نتجوز.
اقتربت ورمقتهُ بنظراتٍ ناريةٍ وصاحت تهدرُ بغضب:
- عملت فيَّا كدا ليه، عملت لك إيه يايزن؟
- إيمان خدي راحيل وادخلوا جوَّا.
قالها وهو ينظرُ إلى مها نظراتٍ جليدية.
تغضَّنَ وجهها بعبوسٍ ثمَّ ضحكت باستخفاف:
- ليه ياعريس مش عايز المدام تعرف إنَّك رجعتلي؟
- إيمان.
صاحَ بها بصوتٍ صاخبٍ لتجذبَ راحيل من كفِّها، إلَّا أنَّ رحيل نزعت يدها واقتربت منهُ تطالعهُ بترجِّي:
- إيه اللي بتقوله البنتِ دي، وأسهم إيه اللي بتتكلِّم عنها.
أطلقت مها ضحكةً صاخبةً تلطمُ كفَّيها ببعضهما:
- كنت عارفة ومتأكدة أنُّه ماقلكيش حاجة، أصله واطي.
لطمةً قويةً على وجهها حتى شعرت بتخدُّرِ خدِّها.
ثمَّ سحبها من ذراعها بقوةٍ وألقاها بالخارجِ لتهوى على الأرضيةِ متأوهةً تبكي بشهقات.
ثمَّ أشارَ بسبباته:
- أنا فعلًا واطي إنِّي ضيَّعتِ وقتي مع واحدة زيك، واحدة زي الكلبة بتجري للي يدفعلها أكتر، عايزة تعرفي عملت فيكي إيه.
انحنى مستندًا على ركبتيهِ وغرزَ عينيهِ بمقلتيها:
- أه استخدمتك علشان أشتري الأسهم، علشان أعرَّفك أنا بقيت إيه والكلبِ اللي بعتيني علشانه بقى إيه، ضحكت عليكي. أه ضحكت عليكي زي ماإنتِ ضحكتي عليَّا قبلِ كدا، اقتربَ يدفعُ رأسها بأنامله:
- عبيطة يابت علشان يزن يرجع لواحدة باعِته، فوقي ياماما، دا أنا كنت بقرف من نفسي من كام دقيقة بكون معاكي فيها علشان أوصل للي أنا عايزه، ودلوقتي حبيبِ القلب فلِّس ياحلوة، ماهو مش الأسهم بس، فيه واحدة رخيصة زيك لفِّت عليه وسحبت كلِّ اللي حيلته، وهوَّ كلب بيجري على أيِّ حتِّة لحمة معفِّنة.
ودلوقتي لو شوفتك في يوم من الأيام قدَّامي حتى لو صدفة هدوس عليكي بجزمتي.
قالها وأغلقَ البابَ بوجهها.
تقابلت النظراتُ مع ارتفاعِ أنفاسه، بصعودِ صدرهِ وهبوطهِ من كثرةِ انفعالاته.
إلى أن نطقت راحيل:
- معنى الكلام دا إيه يايزن؟
تحرَّكَ إلى غرفته:
- معناه مايخصُكيش ومتفكَّريش إنِّك مراتي علشان تسألي في حاجة خاصة بيا.
قالها وصفعَ البابَ خلفهِ بقوَّةٍ حتى أفزعتها، لتهوى على المقعدِ بدموعٍ ممزوجةٍ بخيبةِ الأمل.
فالموضوع لا يحتاج لعقلٍ لترجمته.
عندَ آدم قبلَ ساعات:
توقَّفت حنين بجوارِ آدم وأجابت على سهام قائلة:
- أنا حنين مرات آدم.
رفعت عينيها لآدم مبتسمة.
وتابعت حديثها:
- بقالنا سنتين متجوِّزين، كان عايز يجبني هنا من زمان بس كنت مشغولة بالدكتوراة، ولمَّا نزل طلب مني أخلص وأحصَّله.
ألقت كلماتها التي أصبحت كالطلقاتِ النارية.
بعد كلماتِ سهام التي أصابت قلبها بنزيفٍ يمزِّقهُ دون رحمة.
لتشعرَ بآلامٍ مبرحةٍ تفتكُ جسدها ناهيكَ عن آلامٍ أسفلَ ظهرها مما جعلها تحتضنُ أحشاءها وتهوى على الأرضِ بعدما شعرت بسائلٍ دافئٍ ينسابُ على ساقيها.
ورغم كبحِ آلامها ومعاناتها ومحاولتها التماسك بألَّا تضعفَ بحضورها، إلَّا أنَّها انهارت وشقَّ جوفها صرخةً زلزلت جدرانَ الغرفة.
ليلفتَ مذهولًا ينظرُ إلى جسدها الذي سقطَ على الأرض، والدماءُ التي لطَّخت ثيابها.
وصلَ إليها بخطوةٍ واحدةٍ وهتف بفزع:
- إيل. ين.
قالها وانحنى يحملها بين ذراعيهِ متَّجهًا سريعًا إلى سيارته.
بوقوفِ زوجتهِ الأخرى تطالعهُ بذهول.
كيف يتحرَّكُ بتلك الطريقةِ دون أن يراعي شعورها ويقدِّمها إلى والده.
الذي لم يقلّ عنهُ عدمَ تقديرها ليهرولَ خلفهِ يصرخُ باسمِ إيلين.
فاقتربت من سهام متسائلةً:
- مين دي؟
رفعت سهام حاجبها تحرِّكُ فكَّها يمينًا ويسارًا.
ولطمت على كفَّيها بعدما وضعتها فوق بعضهما بحركةٍ تنمُّ عن التهكُّم:
- دي مرات آدم المسهوكة ياجميلة مش قدرت توقف قدام جمالك فوقعت وأُغمى عليها.
ثمَّ جذبتها واتَّجهت إلى الأريكة:
- تعالي احكي لي. إزاي اتعرفتي على آدم؟
بالمشفى توقَّفَ أمام الغرفةِ وقلبهِ كالمضخَّة.
عيونًا محجَّرةً بالدموع.
وشفتينِ مرتجفتينِ من قوَّةِ البرودةِ التي تسلَّلت إلى جسده.
خرجَ الطبيبُ ليتوقَّفَ أمامهِ كالطيرِ الذبيح:
- إيه يارأفت.
رفعَ عينيهِ وصمتَ لبعضِ اللحظاتِ حتى تجلَّى الوجعُ على وجهِ آدم ليهتف:
- ربنا يعوَّض عليك.
أنا فهِّمتك إنِّ حالة الجنين غير مستقرة، وممنوع الحركة، للأسف ياآدم مقدرناش ننقذه.
المهم دلوقتي حالةِ الأم، أتمنَّى تتجاوز المحنة دون مخاطر.
قالها وتحرَّكَ من أمامه.
التفتَ لوالدهِ كالذي فقدَ الحياةَ متمتمًا:
- كان آخر أمل يابابا، دلوقتي خسرت إيلين للأبد.
ربتَ زين على كتفهِ وتحرَّكَ للداخلِ دون حديث.
أمَّا هو فهوى على المقعدِ شاردًا حزينًا، يتجوَّلُ بنظراتهِ بالمكانِ كالطفلِ الذي فقدَ والديه.
بعد قليلٍ فتحت عينيها تتأوَّهُ وهي تضعُ كفَّها على بطنها.
تتمتم:
- ابني، ابني نزل ياخالو، ابني نزل صح؟
مسَّدَ على خصلاتها:
- ربنا يعوَّض عليكي يابنتي، المهم تكوني كويسة.
أطبقت على جفنيها عندما شعرت بأنينٍ يتسرَّبُ لأعضائها بالكامل.
فتحَ البابَ ودلفَ بهدوئهِ المعهود.
جذبَ المقعدَ وجلسَ ونظراتهِ ترسمها.
التفتت إلى الجانبِ الآخرِ قائلة:
- انا عايزة أمشي من هنا، هروح أقعد عند صاحبتي لحدِّ الامتحانات، ولو سمحت ياخالو مش عايزة اعتراض.
نهضَ من مكانهِ دون حديث، يومئُ لوالده.
ثمَّ تحرَّكَ للخارج.
بعد عدَّةِ ساعات، وصلت السيارةُ أمام منزلِ رؤى.
ترجَّلت بمساعدةِ زين.
توقَّفت بين ذراعيه:
- سامحني ياخالو، لازم أبعد عن كلِّ حاجة، عايزة أبني إيلين اللي ابنك دمَّرها.
احتضنَ وجهها وقبَّلَ جبينها قائلًا:
- أسبوع واحد يابنتِ محمود، تغيَّري فيه مودك وهرجعلك وأخدم غصبِ عنِّك، ومش عايز كلمة لا دي، أنا مضطَّر أوافق علشان مسافر مع عمُّو مالك هيعمل عملية، ولازم أكون موجود معاه، أرجع ياإيلين وألاقي إيلين بنتِ أختي اللي محدِّش يقدر يكسرها، أنا خليت آدم يرجَّعك.
جحظت عيناها وفتحت فاهها للاعتراض.
- مش عايز كلمة واحدة، مش هستنَّى لمَّا سهام ومحمود يدمَّروكي، اعتبريه مش متجوِّزك، كأنِّك حرَّة ومش هيقرَّب منِّك ودا حفاظًا عليكي يابنتِ أختي، لحدِّ ماتخلَّصي السنة دي وتسافري لأختك وأخوكي، كدا متفقين.
أشارَ على منزلِ رؤى التي تقفُ تنتظرها وأردف:
- ادخلي ياله وهكلِّمك لمَّا أوصّل لرحيل.
تراجعت خطوةً للخلفِ وهتفت بنبرةٍ اعتراضية:
- وأنا مش موافقة، نار مرات أبويا ولاجنة ابنك.
- وأنا بقول ادخلي ياإيلين، إنتِ لسة خارجة من المستشفى مش عايز أزعَّلك منِّي.
قالها و اتَّجهَ إلى سيارته.
ثمَّ توقَّفَ وسألها:
- كنتي تعرفي إن رحيل اتجوَّزت؟
قطبت جبينها متسائلة بذهول:
- هيَّ اتجوَّزت، إمتى، وإزاي؟
أشارَ إليها بالدخول.
- طيب ادخلي علشان ماتوقعيش.
خطت إليه:
- ابنك يطلقني دون رجوع، ضحكت عليا ياخالو.
- ادخلي يابنت محمود، متخلنيش أفقد أعصابي.
قالها واستقل السيارة.
بعد أسبوع:
خرجت من عملها واستقلَّت سيارتها وهي تهاتفه:
- أنا خلَّصت شغل الجريدة، بس عندي مقابلة شغل تانية، وأتمنَّى تلمِّ حرسك عنِّي، أنا بتخنق.
كان واقفًا أمام النافذة يرتشفُ قهوتهِ وينظرُ للمارةِ بالشارع.
ظلَّ صامتًا إلى أن أنهت حديثها:
- مينفعشِ ياميرال، مقدرشِ أأمِّن لراجح، معرفشِ بيرتِّب لإيه.
سكوته مش مطمِّني.
تنهَّدت بصوتٍ عالٍ ثمَّ زفرت بغضبٍ حتى استمعَ إلى صوتِ أنفاسها.
أردفَ بملامحٍ جامدة:
- مش عايز دلع وكلام كتير، خلَّصي شغلك وعربية الحراسة معاكي وإياكي تحاولي تعملي حاجة تانية.
- أنا مش موافقة على الخنقة دي، متخلنيش اهرب منك، ومتعرفش مكاني، عايزة اتنفس زي الناس الطبيعية.
- ميرال كلمة كمان وهقلب عليكي واقولك بلاها شغل خالص.
قالها وأغلقَ الهاتفَ بدخولِ شريف.
جلسَ وانتظرَ قدومه.
اتجه إليه يشير برأسه:
- ايه الجديد؟
وضعَ أمامهِ بعضَ الأوراق:
- راجح مالوش أيِّ حاجة تثبت أنُّه شغَّال شمال، الورق دا يثبت أنُّه كان شريك مالك، بس من فترة ابنه باع عشرين في المية من أسهمِ الشركة، بس لحدِّ دلوقتي هوَّ المسيطر في مرض مالك العمري، مصنع اللحوم بتاعه إنتَ شمَّعته بالشمعِ الأحمر، رغم أنُّه كان سليم بس معرفشِ ليه استعملت سلطتك في كدا.
وعلى فكرة هو سافر هو مراته من يومين السعودية.
ارتفع جانب وجهه بابتسامة ساخرة:
- ليه ناوي يحج ولا ايه، تفتكر اللي زي راجح دا نقول عليه ياحج، طب والله خايف على الكعبة منه، دا عدى أبرهة الحبشي، ياترى بتخطط لأيه ياراحج.
قهقهَ شريف يهز رأسه:
- ليه يابني مايمكن حس بالذنب وعايز يتوب.
- يتوب!! دا هيخلي الشيطان يتوب لانه عداها يابني.
- المهم الولد ابنه دا فين.
- في الشقة إياها!! وزي ما أمرت ياكبير.
- برافوو. عايز ملفه اللي كان في الشرطة مع جوازته، واياك يا شريف تجيب سيرة رؤى في الموضوع، خليها لوقتها.
- ليه بس مش قولنا هنظبط الدنيا.
نقرَ على المكتبِ وذهبَ بأنظارٍ شاردةٍ متسائلًا:
- فكرت في الموضوع ومعجبنيش، خليها دلوقتي ممكن تكون طعم قدام.
- المهم شركائهِ الأجانب بتوع المصنع والورشة دول دوَّرت وراهم.
تراجعَ شريف بظهرهِ وطالعهُ بنظراتٍ استفهامية:
- ليه دا كلُّه، إنتَ عارف لو اللوا عرف إنِّنا بندوَّر ورا حد من غير إذن دا إيه؟
توقَّفَ مستديرًا إلى مقعده:
- شريف الراجل دا أكيد من الجماعة إياها، عايز نفسه كدا، ومالكش دعوة إنتَ بحد، شغلي أجهزة التنصُّت وأيِّ جديد عرَّفني بيه، أكيد هنطلع بحاجة منُّه.
وكويس انك سحبت من تحته البساط، دلوقتي زي المجنون، انا متاكد سفره دا وراه حاجة كبيرة، كمل بس المستندات اللي بعتهالك وابعتها للناس اللي قولت لك عليهم، خليهم يرموه تحت رجلي.
زم شفتيه معترضًا:
- إلياس راجح بعد اللي عملته مش هيسكت انت فتحت عليه النار من كل الجهات وفي نفس الوقت بتحاول تبرئه قدام الحكومة ممكن اعرف راسك فيها ايه.
- كل خير ياشريف، انا قاعد معاك أهو لسة معملتش حاجة، المهم الواد اللي اسمه طارق دا، اسحب منه كل اللي عايزينه صوت وصورة ياشريف، واياك الحاجات دي توقع في ايد حد غيري.
عندَ ميرال دلفت لأحدِ المؤتمراتِ السياسيةِ التي تضمُّ عددًا من الأحزاب.
ظلَّت لبعضِ الوقت إلى أن أتمَّت عملها بعملِ بعضِ اللقاءات بما يخصُّ عملها.
خرجت بعد قليلٍ متَّجهةً إلى المصعد، ولكنَّها شعرت بالغثيان.
اتَّجهت إلى المرحاضِ بعدما فقدت اتزانها.
دلتفت للداخل، وبدأت مرحلةُ القيئ التي سحبت أنفاسها.
جلست لبعضِ اللحظاتِ تسحبُ أنفاسها منتظمة.
استمعت إلى طرقاتٍ على بابِ الحمَّام:
- مدام إنتِ كويسة.
أغمضت عينيها وحاولت أن تجيبهُ باتزان:
- أيوه وابعد عن الحمَّام عيب كدا، شوية وخارجة.
ابتعدَ لبعضِ الخطواتِ وعينيهِ كالصقرِ في كلِّ الأرجاء.
استمعَ إلى بعضِ النقاشاتِ والألفاظ الحادة.
تراجعَ ليكتشفَ ماذا يحدث.
بعدما تردَّدَ اسمَ أحدِ الأشخاصِ الذين يعملون معه.
اقتربَ على سبابِ سيدة تشيرُ لأحدِ الرجالِ بأنَّهُ يقتربُ منها بطريقةٍ مقزَّزة.
سحبهُ الرجلَ قائلًا:
- تعالَ معانا للمدير.
هرولَ الحارسُ الخاصَّ بميرال إليهما ليخبرهما بهوِّيتهما.
استغلَّت رانيا ذلك المشهد.
لتشيرَ لأحدِ الرجال بالدخولِ إلى الحمَّام.
دفعت البابَ ودخلت تنظرُ للتي تقومُ بتعديلِ حجابها.
التفتت على صوتِ دفعِ الباب.
تنظرُ إليها بذهول:
- إنتِ...
لحظات ولم تشعر بشيئ.
عند فريدة:
أنهت صلاتها وجلست على سجادتها كعادتها.
ابتسمت برضا كلما تذكرت حديثهما معًا.
ليلة الأمس ليلة حانية رطبة على قلبها بعد سنين عجاف.
نظرت لذاك المصحف الذي ترتديه بسلسالها بعنقها.
لمسته بأناملها وذهبت بذكرياتها الجميلة لأول مرة.
نعم لأول مرة سيكتب بذكرياتها ابنها الحنون.
"جبت لك هدية عربون محبة، اتمنى متخلعهاش ابدا، إلا وأنت داخلة الحمام، مينفعش طبعًا علشان دي آية الكرسي، حبتها علشان منجية من كل شر، لو ليا معزة عندك متخلعيهاش."
قالها وهو يحتضن كفيها يقبلهما.
ربتت على ظهره:
- تسلملي مجايبك حبيبي، لابس ورايح فين كدا، انت لسة راجع.
ابتسم قائلًا:
- لا يامدام فريدة مش علشان عربون المحبة تفكري انك تسيطري عليا، انا راجل وكبير كمان مش لسة طفل.
لمعت عيناها بالدموع تهز رأسها مبتسمة:
- وأحسن راجل في الدنيا ياحبيبي.
انحنى يقبل جبينها:
- عايزك تسامحيني ودايما دعواتك تسبق خطواتي، احنا هنقعد مع بعض كتير اكيد، بس الوقت دا عندي ضغط شغل، خلي بالك من ميرال، انا وافقت على شغلها علشان متفكرش كتير، هي تعبانة وبتحاول تبين أنها كويسة، بس هي مش كدا.
- بتوصيني على بنتي ياالياس.
ابتسامة متهكمة تشق ثغره قائلًا:
- أيوه صح دا أنا أهبل.
قاطعته سريعًا:
- لا ياحبيبي متقولش كدا.
قاطعهم دخول مصطفى:
- ايه قطعت خلوتكم الحلوة.
استدار متحركًا وأجابه:
- لا ياحبيبي، أنا عندي شغل وكنت بوصي مدام فريدة على مراتي.
- مدام فريدة ومراتك يابن مصطفى مش هتتغير.
لوح بكفيه وتمتم:
- لازم امشي ياسيادة اللوا، اشوفك بكرة.
قالها وغادر المكان.
قطع شرودها هاتفها:
- آلوووووو.
قالها مقهقهًا.
ارتجف جسدها بالكامل لتهب من مكانها فزعة:
- عايز ايه ياراجح؟
- عايزك يافريدة، ومش هسكت غير وانت في حضني.
- في كوابيسك إن شاءالله ياراجح.
التوى زواية فمه وابتسامة هازئة:
- مش يمكن تغيري رأيك يافيريلو.
اتصلت تاني.
بتر كلامها قائلا بنبرة باردة قاسية:
- مرات ابنك عندي يافريدة، وكمان حامل، نص ساعة لو مجتيش من غير ماابنك وجوزك يعرف، اقسم بالله لافتح بطنها وابعتلك حفيدك ملفوف في شاشة.
شهقت بذعر تضع كفيها على فمها حتى لا يستمع إلى ضعفها.
استمعت إلى صوته البغيض:
- تلاتين دقيقة يافريدة وبس، يااما.
قاطعته قائلة:
- مش هتقدر ياراجح، هو فيه واحد يعمل كدا في بنته.
ضحكات صاخبة حتى شعرت بالصمم، وكأن صوت ضحكاته صوت عويل.
لتصرخ منددة بحقارته:
- مش هتقدر ياراجح، مش هتقدر.
- مابلاش تكوني زي بنت عمك يافريدة وتفكروني غبي، هي مين دي اللي بنتي، مش عيب يافريدة تلبسوني طرحة.
هنا سقطت جاثية على ركبتيها بعدما فقدت اتزانها مع دموعها التي حفرت وجنتيها وكأنها نيران وليست مياه.
تهز رأسها وتصرخ به:
- إنت مجنون.
صاح بغضب واتجه إلى غرفة ميرال.
امسكها من خصلاتها:
- كلمي امك ياحلوة، واحمدي ربنا أنها ربتك.
شعرت بأنفاسها ثقيلة وكأن هناك جبل أطبق على صدرها.
لتهتف بتقطع:
- ماما فريدة.
هزة عنيفة وكسقوط نيزك يضرب الكرة الأرضية.
لتبتلع غصتها التي شعرت وكأنها اشواك تشحذ جوفها متمتمة بنبرة متقطعة:
- مير..ال..
جذب راجح الهاتف:
- عايزة بنتك وحفيدك تسمع هقولك ايه وتنفذيه بالحرف الواحد يافريدة.
عند إلياس:
خرج من مكتبه، بعد عدة ساعات بعدما فشل في الوصول إلى زوجته، والى حرسه.
اتجه إلى سيارته مع رنين هاتفه:
- إلياس مدام فريدة دخلت فيلا راجح دلوقتي، وفيه فويس لسة سامعه، عصابة راجح اخرجوا أمر تصفيته حالًا.
توقف عندما فقد القدرة على الفهم فتسائل:
- ازاي مدام فريدة دخلت فيلا راجح، هو مش مسافر.
- اجابه ارسلان:
- معرفش مين قالك مسافر، انا شايف في الصور اللي قدامي بس، لسة معرفش أنه مسافر ولا هنا.
- اتأكد ورد عليا واه.
- راجح محدش يلمسه، عايزه حي، عارف لو مات همو تك وراه.
حمحم ارسلان وهو يقود سيارته ينظر بجهازه:
- وفيه خبر كمان معرفش وصلك ولا لأ، فيه قرار بإستقالة اللوا مصطفى.
- بابا استقال ليه؟!
حمحم معتذرًا:
- اجباري ياإلياس، معرفش مين ورا دا، بس أوعدك خلال ساعات وكل الأخبار هتكون عندك.
مرَّ يومينِ كالمجنونِ يريدُ أن يهدمَ الكونَ وماعليه.
فتحَ البابَ على صوتِ مصطفى:
- إنتَ عايز مين يابني؟
- إلياس السيوفي.
أستاذة ميرال رافعة دعوة طلاق.
قالها مع رنين هاتفه.
فتحه حينما وجد مكالمة غير مسجلة عبر شبكات التواصل:
- أيوه!
- إلياس امضي على ورقة الطلاق، وقبل ماتقول حمل ابنك بعد دقايق مش هيكون موجود.
رددتها بنبرة باردة وصلت إلى قلبه ليسقط بين قدميه.
تابعت الضغط على جروحه متمتمة:
- لو مش مصدق افتح فيديو، حقي اني أعيش بدون ضغوط، انت طول الوقت خانقني.
بأنامل باردة كبرود الثلج فتح الشاشة وليته لم يفتحها.
شعر حينها أنه فتح قبره لدفنه حيًا.
أمامه بعيونها السوداء المنطفأة، وخصلاتها التي تحاوط وجهها.
نظرت لمقلتيه وتابعت بكل جبروت:
" شايف الاوضة دي، هنا هتخلص من كل حاجة تربطني بيك، بلاش ندخل في قضايا انت الخسران فيها، طلقني وبلاش اوصل لوقت اذلك فيه يابن عمي."
كلمات ماهي سوى كلمات ولكنها كالطلقات النارية.
ليس فقط كأنها طوق من النيران يلتف حول عنقه يحرقه ولم يرحمه من قسوة الألم.
لحظات من النظرات حتى تراجعت تتمدد على الفراش.
ويغرز بورديها ذاك المخدر.
ليرفع ذاك الطبيب المقنع عيناه إليه مبتسمًا:
- هذا المشهد سينال إعجابك كثيرًا سيدي.
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل العشرون 20 - بقلم سيلا وليد
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين"
وكم تمنيت لو أنّ الحياة اختبرت صبري في أشياء أخرى غير قلبي.
وكم تمنيت لو أنك ترى ذلك الجدال المكتوم في عيناي، وتقطع شك الكلام بيقين الفعل.
إليكِ كم تمنيت أن تضع لي السبعين عذرًا ثم تضاعفهنّ حتى أبقى بأجمل صورة في عينك.
فليتك فهمت الكلمة المحذوفة في حديثي.
فإني والله أحبك بقدر المسافات التي تفصل بيننا.
فكم تمنيت.. وكل هذا تمني.
بعدما استمع وشاهد الفيديو، تخلَّلت كلماتها فتيلَ نيرانه، وكأنَّها قيَّدت عنقهِ بقيودٍ حديديةٍ من النيران.
كيف تقبلُ أن تفعلَ ذلك بابنه؟
أنفاسًا مرتفعةً بنيرانِ روحهِ التي كادت أن تُزهقَ مع كلماتِ ذاك البغيض.
ظلَّ للحظاتٍ وهو ينظرُ لتلك الشاشةِ وهو يشعرُ بالاختناق، وكأنَّ الهواءَ انسحبَ من حوله.
لتتحوَّلَ عيناهُ حمراءَ حادةً وعروقهِ بارزةً، وكأنَّ الشيطانَ يروادهُ على فعلِ جريمةٍ شنعاء.
أطبقَ على الهاتفِ وهو يرى ذاك الطبيبَ البغيض يقتربُ منها ويدسُّ يديهِ الغليظةَ أسفلَ ثيابها وهو يشيرُ إليهِ بآلةٍ حادةٍ تساعدهُ على فتحِ بطنها.
وآه وآه أخرجها كنيرانٍ يريدُ أن يحرقَ بها كل مايقابله.
هرولَ للخارجِ بعدما أغلقَ هاتفه، وهو يهمسُ بهسيسٍ مرعب:
"أقسم باللهِ لأموِّتك ياراجح."
هرولت فريدة بأقدامها الحافيةِ خلفه، بعدما أخبرها مصطفى ببعضِ الكلمات، لتهرولَ فزعةً تتشبَّثُ بذراعه:
"علشان خاطري ياحبيبي، متروحلوش هوَّ عايزك إنت."
تراجعَ بعدما شيَّعها بنظرةٍ عميقةٍ ممزوجةٍ بكمِّ الألمِ الذي يحرقُ روحه:
"ابني ومراتي، لو عايز يقتلني خليه يموِّتني، بس مستحيل أسيبه يعمل كدا في ابني ومراتي."
نيرانٌ نشبت بضلوعها مما جعلها تهزُّ رأسها بهستيريا:
"مستحيل أسيبك تروح له."
فتحَ باب سيارتهِ يشيرُ إلى حرسه:
"دخِّلوا مدام فريدة جوَّا."
جذبها الحارس من أكتافها مع وصولِ مصطفى وهي تصرخُ بجنونٍ بعدما شعرت بذهابَ عقلها:
"هيقتله يامصطفى أنا عارفة أنُّه عايز يقتله."
تخبَّطَ بقلقٍ يروادُ عقلهِ محاولًا الثباتَ، يجيبُ بتردُّدٍ تجلَّى بعينيه:
"ابنك راجل يافريدة، إحنا مربيين راجل لوقتِ المحن، سبيه يتصرَّف."
دفعتهُ صارخةً وبدت تهزي بتخبُّطِ مشاعرَ الأمومة، فأصبحَ القلقُ والخوفُ كأشواكٍ تغرزُ بفطرةِ أمومتها، ناهيكَ على الفزعِ من افتقادهِ الذي أصبح سيدها الأوَّل:
"طيب خلِّي إسلام مكانه كدا، عايزة أشوف برودك وقتها زيه كدا."
كلماتٌ قاسيةٌ اخترقت قلبه، ليشعرَ برجفةٍ أصابت جسدهِ بالكامل.
رفعَ عينيهِ التي تحوَّلت لسحبٍ مغيَّمةٍ كالأمطار:
"وإيه الفرق يافريدة بين الاتنين، دنا منها."
وتعمَّقَ بعينيها الشاردةِ لينطقَ بقسوةٍ لأوَّلِ مرَّةٍ منذُ سنواتٍ لها:
"إيه الفرق بين إسلام وبين إلياس، دول ولادي الاتنين، دا إلياس السيوفي يامدام فريدة يعني مالكيش فيه قد ماليَّا فيه، بلاش تعملي فيها أم بتخاف على ابنها أكتر منِّي."
قالها واستدارَ للداخلِ يأكلُ الأرضَ بخطواتهِ الذي جعلت الأرضَ تهتزُّ تحت قدميهِ من شدَّةِ غضبهِ وثورانِ عنفه.
هوت على درجِ المنزلِ وانفجرت عيناها ببكاءٍ كزخاتٍ مطرٍ سقطت فوق نهر، ولم تستطع توقُّفها كأنَّها لم تبكِ منذ فترة.
شعرت بأحدٍ بجوارها.
استدارت لليدِ الحانيةِ التي تربتُ على كتفها:
"هيرجع صدَّقيني وهيرجَّع ميرال، متزعليش من بابا."
حاوطت جسدها الصغيرَ لتضعَ رأسها فوق رأسِ غادة ومازالت شهقاتها بالارتفاع.
تتذكَّرُ منذ يومينِ بعد اتصالِ راجح لها.
فلاش قبل يومين:
أغلقت الهاتفَ وبدأت تدورُ بالغرفةِ كالمجنونة.
ماذا عليها فعله؟
هل تتصلَ بزوجها، أم أنَّ ذاكَ المختلَّ سيضرُّ ابنته؟
هنا تذكَّرت حديثه، لتحدِّثَ نفسها كالمجنونة:
"المتخلِّف دا بيشك في ميرال متكونشِ بنته، متخلِّف ياراجح، ياترى يارانيا عملتي إيه علشان الحيوان دا يقول كدا."
هرولت إلى ملابسها لتقومَ باستبدالها سريعًا، ثمَّ اتَّجهت إلى خزانةِ مصطفى لتجذبَ سلاحهِ وتضعهُ بحقيبتها تهمسُ لنفسها:
"هموتك ياراجح إنتَ ورانيا، شياطين على الأرضِ مالكُمش الحياة في الدنيا دي."
وصلت بعد قليلٍ إلى فيلَّا راجح، لتدلفَ للداخل.
توقَّفَ الرجل أمامها ثم أشارَ إليها بعدما علمَ بهوِّيتها، لتستقلَّ سيارةً تجلبُ مستلزمات الفيلا من خضرواتٍ وفواكه.
نظرت لتلك السيارةِ متسائلة:
"راجح فين؟"
أشارَ الرجلُ إليها بالصعودِ قائلًا:
"حتعرفي بعد شوية."
تحرَّكت السيارةُ فتوقَّفَ الرجلُ بمنتصفِ الطريقِ يجذبُ حقيبتها ويلقيها بالطريق:
"آسف يامدام، دي أوامر الباشا."
صاحت هادرةً به بغضبٍ أعمى:
"إنتَ إزاي تتجرَّأ ياحيوان وترمي شنطتي!"
لم يجب على حديثها، وظلَّ يتحرَّكُ لمدةِ ساعةٍ إلى أن وصلَ إلى إحدى المناطقَ النائيةِ بمحافظةِ القاهرة.
ترجَّلت تتلفُّتُ حولها، منزل ريفي يحاوطهُ الكثيرُ من الأراضي الزراعية.
دلفت بعدما أشارَ إليها الرجلَ بعدما قامَ بتفتيشها.
خطت للداخلِ وجدت راجح ناصبًا عودهِ وبيدهِ كوبًا من الخمرِ يطلقُ صفيرًا:
"أووه مدام فريدة الشافعي في بيتي يادي الهنا والسرور."
اقتربت توزِّعُ نظراتها حولها ثمَّ نطقت متسائلة:
"فين ميرال ياراجح؟"
تجرَّعَ الكأسَ مرَّةً واحدة، ثمَّ أطلقَ من فمهِ صوتًا مشمئزًّا مقتربًا منها ليهمسَ بهسيسٍ مرعب:
"مستعجلة ليه يافري، بنتك جوَّا، بس لازم أرحَّب بيكي الأوَّل."
قالها مقتربًا ليقبِّلها إلَّا أنَّها لطمتهُ على وجههِ بقوَّة، ليتراجعَ ينظرُ إليها بذهول:
"بتمدِّي إيدك عليَّا يافريدة، طب يافريدة الصبر حلو، والقلم دا هدفعك تمنه كتير أوي، اصبري عليا، الأيام بينا، وإنتِ مجرَّبة راجح كان بيعمل إيه."
بصقت بوجههِ وندَّدت بحقارتهِ قائلةً بلهيبٍ انبثقَ من عينيها:
"كان كلب حيوان، شوفت الكلاب بتعمل إيه في الميتين، إنتَ كنت كدا ياراجح، كلب حقير بتستضعفني، دنت."
ولم تكترث لاقترابهِ ونظرت بلهيبِ عينيها المشتعلِ ونطقت بنبرةٍ قويَّة:
"بس الكلب بيجي له وقت وبيموت ذليل في أيِّ قذارة، ووعد من فريدة السيوفي ياراجح لتترمي زي الكلب في قذارة."
لكزتهُ بصدرهِ وتحوَّلت لشرسةٍ غير معهودةٍ لم تعلم كيف اكتسبت تلك القوَّة، لتردفَ بقوة:
"أوعى تفكَّر مجيئي هنا ضعف وخوف، لا ياراجح، أنا جاية علشان أعرَّفك إن فريدة السيوفي عندها قوَّة تقدر تدوس عليك، ومتأكدة من رجَّالتي هيهرسوك ياقذر، اقعد واتفرج ياراجح وشوف مصطفى لمَّا يعرف إنَّك جبتني هنا هيعمل إيه."
رفعت نفسها ودنت وكأنَّها تهمسُ له:
"إلياس هيحرقك ياراجح، الولد عرف كلِّ قذارتك، تخيَّل لمَّا يعرف إنَّك خاطف مراته وأمُّه هيعمل إيه."
قهقهَ بصوتٍ مرتفعٍ وكأنَّها ألقت عليهِ بعض الكلماتِ المزاحية.
ليضربَ كفَّيهِ ببعضهما ثم بسطَ ذراعيه:
"أنا أهووو، تعالَ يابنِ جمال علشان أموِّتك، ماهي رانيا غبية معرفتشِ تستخدم عقلها كويس، لو بس كانت قالت لي كنت رميته في البحرِ للسمك."
انحنى مقتربًا من وجهها وعينيهِ الخبيثة تتجوَّلُ على وجهِ فريدة:
"مش عايز أيِّ ذكرى لراجل تاني يافريدة، ذكرياتك تكون لراجح وبس، ووعد، ابنك هبعته لأبوه، أمَّا مصطفى اللي بتنفخي نفسك عليَّا بيه، رصاصة على ابنه بس وشوفي هيعمل إيه، هيطلَّقك بالتلاتة، وخصوصًا لمَّا يشوف فيديو حلو وإنتِ بترضي راجح يافريدة."
فركَ يديهِ يشيرُ إليها بالدخول:
"ودلوقتي أهلًا بيكي في جنتنا الصغيرة يافريدة."
نظرت لبابِ المنزلِ وارتعدت مفاصلها، كادت أن تصرخَ ولكنَّ صوتها لم يخرج وكأنَّها بقبر.
غيَّمت عيناها بدموعِ الحسرة، لتدلفَ بساقينِ مرتعشتينِ تنظرُ بأرجاءِ المنزل.
أشارَ على غرفةِ ميرال:
"سلِّمي على بنتك قبل ماأرجَّعها لجوزها، شوفتي أنا راجل معاكي إزاي."
دفعت البابَ سريعًا، لتجدَ ميرال غافيةً على الفراش، وكأنَّها غائبةً عن الوعي.
انفجرت عيناها بالدموعِ وهي تلمسُ وجنتيها:
"ميرو عملوا فيكي إيه ياعمري."
ظلت تربتُ على وجهها علَّها تستفيقُ من تلك الغيبوبةِ ولكنَّ كأنَّ حياتها سُرقت ولم تشعر بشيئ.
مرَّت دقائقُ كالسيفِ عليها وهي عاجزةٌ عن التفكير.
قطعَ تفكيرها فتحُ راجح البابَ ثمَّ سكبَ كوبًا من الماءِ المثلجِ على وجهِ ميرال، لتدفعهُ فريدة غاضبةً وبدأت تلكمهُ بصدرهِ وتصرخُ بجنون.
دقائقَ معدودةً بدأت تتململُ بنومها، تفتحُ عينيها رويدًا رويدًا وضوءُ الغرفةِ يضربها بقوَّةٍ لتغلقَ عينيها وتضعُ أناملها عليها من انزعاجها من إضاءةِ الغرفة.
عادت مرَّةً أخرى تفتحها ببطئٍ لتقعَ عينيها على فريدة التي بحوزةِ راجح.
فتحت عينيها وأغلقتها عدَّةَ مرَّاتٍ لتتأكَّدَ أنَّها ليست بكابوس.
لتهبَّ فزعةً تنظرُ إليهما بذهولٍ أصابَ عقلها بالجنون، وهو يجذبُ فريدة من عنقها:
"مفاجأة يابنتي مش كدا، جبت لك ماما أهو إيه رأيك، شوفتي أنا بحبِّك قد إيه."
هزَّت راسها رافضةً مايصيرُ رغم قلقها البائنَ على وجهها من هجومهِ المتوحش.
شعورٌ بالعجزِ لديها وهو يشيرُ إليها:
"ايه رأيك تختاري أيِّهما أفضل لك، ماما الحلوة ولَّا جوزك المتقنعر اللي عامل ديك البرابر؟"
احتجزت الدموعَ بعينيها وارتجفت شفتيها قائلة:
"إنتَ مستحيل تكون بني آدم أنا بكرهك وياريتك تموت."
وصلَ إليها بخطوةٍ وهو يجذبها من حجابها بقوَّة، لتسرعَ فريدة تلتقطُ تلك الفازة وتضربهُ على رأسه، ليترنَّحَ بجسدهِ مستديرًا إليها:
"عايزة تموِّتيني يافريدة علشان بنتِ الحرام دي."
ركضت ميرال اتِّجاهَ فريدة تحتضنها بفزع:
"ماما فريدة خديني من هنا، مش عايزة الراجل دا."
أشارت إلى الباب:
"ياله حبيبتي لازم نمشي من هنا."
نهضَ من مكانهِ وهو يترنَّحُ بجسدهِ يصرخُ بهما:
"دا موتك يافريدة، لو مشيتي من هنا هتمشي على قبرك."
صرخَ على أحدِ رجالهِ الذي هرولَ إليه، فأشارَ إلى ميرال:
"البتِّ دي ودِّيها المكان التاني وإياك رانيا تعرف إنتَ أخدتها فين."
استدارَ إلى فريدة يجذبها بقوَّة:
"أما إنتِ يافريدة، هنلعب مع بعض.. مش إنتِ بتحبِّي الضرب واللعب، وأنا بحبُّه وخصوصًا من ستِّ ناعمة زيك."
دفعت ميرال الرجلَ بقدمها، وهرولت إلى فريدة وبدأت تصلُ إلى وجههِ بأظافرها تسبُّهُ.
تريدُ أن تخنقهُ فكلَّما تذكَّرت أنَّ ذاكَ والدها يصيبها الجنون.
دفعها بقدمهِ بقوَّةٍ حتى سقطت على الأرضِ متأوِّهةً وهي تحاوطُ أحشاءها لتصرخَ فريدة عليها:
"ميرال."
نظرَ راجح إلى يديها التي تحتضنُ جنينها ليرتفعَ صوتَ ضحكاته:
"الله الله كمان حامل، دا إنتَ أمَّك داعية عليك بالقوي يابنِ جمال."
اقتربَ منها يدفعها بقدمهِ لتصرخَ فريدة به:
"خلاص ياراجح أنا موافقة آجي معاك بس ابعد عن البنت وأوعدني إنَّك ترجَّعها لجوزها، ووعد هروح معاك."
توقَّفَ يرفعُ رأسهِ إليها ثمَّ اعتدلَ يحكُّ ذقنه:
"موافقة على أيِّ حاجة."
هزَّت رأسها سريعًا وهي تنظرُ بدموعٍ إلى ميرال التي تهزُّ رأسها بعنفٍ رافضةً ماتقوله واستطردت:
"ابعت البنت لبيت جوزها ياراجح، وأنا من إيدك دي لإيدك دي."
أشارَ للرجلِ قائلًا:
"رجَّعها يابني."
التفتَ إلى فريدة:
"علشان تعرفي أنا كريم وبحبِّك قد إيه."
توقَّفت ميرال واقتربت منها:
"وأنا مش موافقة، مستحيل أسيبك هنا لو على جثتي."
ضمتها باكية وهي تترجاها:
"ارجعي حبيبتي لإلياس بدل مايتجنِّن، إنتِِ أهمِّ منِّي، ياله متنسيش ابنك، أنا هتصرَّف."
اتَّجهت بأنظارٍ جحيميةٍ إلى راجح وطالعتهُ بنظراتٍ قاسيةٍ تريدُ أن تضعهُ بين فكَّيها صارخة:
"إنتَ أقذر انسان شوفته، وإلياس عنده حق أنُّه يموِّتك حي."
أشارَ بيدهِ للرجل:
"خدها بدل ماأفضِّي طبنجتك في راسها."
ركضت من أمامهِ متَّجهةً إلى فريدة الذي جذبها راجح إلى الغرفة، بعدما أشارَ للرجلِ بعينيهِ ليدركَ مايفعله.
دفعَ فريدة للداخلِ وأغلقَ البابَ عليها متَّجهًا إلى ميرال يسحبها بقوَّةٍ إلى سيارته:
"تعالي معايا يابنتِ فريدة علشان أنا خلقي ضيَّق."
استقلَّ سيارتهِ ليستمعَ إلى رنينِ هاتفه:
"الحق ياباشا، إلياس السيوفي اقتحم البيت من البابِ الداخلي."
توقَّفَ كالمشلول، كيف علمَ بمكانهم.
التفتَ بنظرهِ سريعًا إلى ميرال التي فقدت وعيها بعدما دفعها بقوَّةٍ لترتطمَ رأسها ببابِ السيارة.
شغَّلَ المحرِّكَ وخرجَ سريعًا بها من البابِ الآخر.
دلفَ إلياس بمصاحبةِ أرسلان وشريف.
تجوَّلَ بالمنزلِ يبحثُ كالمجنون، إلى أن وصلَ الغرفةَ التي كانت يحتجزُ بها ميرال.
استنشقَ رائحتها ليقفَ عاجزًا حائرًا.
وقلبهِ يوحي له أنَّها بالقرب.
استمعَ إلى صوتِ أرسلان:
"إلياس مدام فريدة هنا."
خرجَ سريعًا وجدَ فريدة بأحضانِ أرسلان تبكي بشهقاتٍ متقطِّعةٍ، وحالُ لسانها يردِّدُ باسمِ ميرال ثمَّ سقطت بين ذراعيهِ فاقدةَ الوعي.
بعد فترةٍ بالمشفى فتحت عينيها وجدت مصطفى بجوارها يحتضنُ كفَّها:
"عاملة إيه دلوقتي."
اعتدلت تتحرَّكُ بجسدها للخلفِ تنطقُ اسمَ ميرال.
ثمَّ تجوَّلت بعينيها متسائلة:
"فين إلياس؟"
ظلَّت نظراتهِ تحاوطها بصمتٍ إلى أن توقَّفَ قائلًا:
"راح يدوَّر على ميرال، لو عرَّفتينا مكنشِ دا حصل، إلياس بيقول ميرال كانت موجودة هناك، بس فين دلوقتي منعرفش."
نزلت بساقيها من فوقِ الفراش:
"هيموَّتها يامصطفى، دا مجنون ومفكَّر البنت مش بنته."
التفتَ إليها سريعًا، ينظرُ إليها بذهول.
هنا تذكَّرَ ما فعلهُ منذ ذهابها إلى راجح ومعرفتهِ بحقيقةِ ميرال، ممَّا جعلهُ يراقب راجح لفترةٍ إلى أن تقابلت رانيا بها.
ظلَّ يراقبهما حتى علمَ أنَّهما يقومان بتحليلِ DNA، وتدخَّلَ بتغييرِ النتيجةِ حتى يصلَ إليهم أنَّها ليست ابنتهم ولم يتوقَّع أن يصلَ تفكير راجح لذاكَ الأمر.
هنا استوطنَ القلقُ ملامحه، مما جعلهُ يهزُّ رأسهِ بتأنيبٍ على مافعله.
هو أرادَ أن يبعدها عن طريقهم ولم يكن يعلم وصولهم لتلك المعضلة.
زفرَ باختناقٍ وهو يدورُ بالغرفةِ بتفكُّرٍ تجلَّى على جميعِ خلاياه، كيف يخرجُ من ذاك المأزقَ دون إصابةِ ميرال بشيئ.
قاطعهم دلوفُ إلياس، خطى للداخلِ يطالعُ فريدة بصمت.
إلى أن توقَّفَ أمامها.
ظلَّت النظراتُ المتألِّمةُ بينهما إلى أن تساءل:
"ميرال كانت هناك؟"
هزَّت رأسها بالإيجاب، وانسابت دموعها تردِّدُ بنحيب:
"كان بيقول هيرَّجعها، معرفشِ ودَّاها فين، هوَّ كان عايز."
صمتت ولم تكمل حديثها حينما اقتربَ مصطفى ينتظرُ بقيةِ حديثها.
انحنى إلياس بعيونٍ متلهفة:
"احكي لي عمل إيه، وليه روحتي هناك من غير ماتعرَّفيني؟ دا وعدك ليَّا."
"أعمل إيه دلوقتي، طيب أنا كنت هوصلِّك حتى لو كنتي تحت الأرض، أما هيَّ ماتوقعتش أنُّه يضربني فيها، دي بنته ماتخيلتِش أنُّه يعمل كدا، رغم كذبي على نفسي، كنت مخلِّي الحرس يلازمها، وأهو خطفها من وسطهم، أنا هتجنِّن عايز منها إيه."
بكت بشهقاتٍ مرتفعةٍ وتابعت:
"عايزني أنا، قالِّي تعالي وأنا هرجَّعها بس معرفشِ مرجَّعهاش ليه."
"لأنُّه بيضحك عليكي يامدام،" قالها مصطفى وهو يرمقها بنظراتٍ نارية.
دنا منها يهزُّ رأسهِ بغضب:
"كان عقلك فين وإنتِ رايحة لحيوان زي دا يافريدة!"
"قوليلي أعمل فيكي إيه دلوقتي؟" قالها بأعصابٍ مشدودةٍ وغيرتهِ العمياء سيطرت عليهِ، ليقتربَ منها متناسيًا مامرَّت به:
"يعني إيه عايزك دي يامدام، نسيتي نفسك إنِّك متجوِّزة، إيه يافريدة معندكيش راجل يعرف يوقف لحيوان زي دا، للدرجة دي معتبراني ماليش لازمة؟!"
رفعت عينيها الباكيةِ الممزوجةِ بدموعِ الألمِ وهتفت بنبرةٍ تتجرَّعُ الوجعَ أضعافَ مايشعرُ به:
"بنتي كانت بين إيديه يامصطفى وهدِّدني هيفتح بطنها ويبعت حفيدي، كنت منتظر منِّي إيه."
آاااااه.
أخرجها إلياس وهو يلكمُ الجدار، حينما تملَّكَ منه شعورُ العجزِ والقهرِ ممَّا يمرُّ به.
رفعَ كفَّيهِ على خصلاتهِ يرجعها بعنفٍ وكأنَّهُ يريدُ أن يقتلعها:
"أقسم بالله مش هرحمك ياراجح."
استدارَ إلى فريدة واقتربَ منها:
"افتكري أيِّ حاجة كلِّم حد قال أيِّ حاجة، حاولي تساعديني علشان أوصل لمراتي ياماما لو سمحتي."
طالعتهُ بدموعٍ تجري على وجنتيها كالأنهارِ تهزُّ رأسها بالنفي.
لم يقوَ على الصمود، ليشعرَ بوحوشٍ ضاريةٍ كمن تلبَّسهُ شيطانًا ليوسوسَ لهُ بارتكابِ أبشعِ الجرائم، ليتحرَّكَ مغادرًا المكانَ وهو يهدِّدُ بما سيفعلهُ به:
"شريف شوفلي طارق فين، هاتوه من تحتِ الأرض، وعايزك تجبلي الستِّ اللي اسمها سمية دي."
"تمام خلال ساعة هكلِّمك، بس مفيش جديد ولَّا إيه."
تذكَّرَ المنزلَ فأردف:
"هروح البيت تاني يمكن أوصل لخيط يوصَّلني لحاجة."
استفاقت من شرودها على صوتِ غادة:
"ماما فريدة قومي ندخل جوا مينفعشِ تفضلي كدا."
نهضت تسحبُ كفَّيها تساعدها على الوقوف، بينما فريدة عيناها كانت شاردةً تجاهَ البوابةِ التي خرجَ منها إلياس.
مرَّت الساعاتُ كالسيفِ على العنق وهو يدورُ كالمجنون بكلِّ الأماكنِ المرتبطةِ براجح إلى أن توصَّلَ إلى طارق.
قبلَ عدَّةِ ساعاتٍ جالسًا بمكتبهِ يتواصلُ مع فريقهِ البحثي، تحدَّثَ شريف:
"وصلنا لطارق ياإلياس، إيه أجيبه الجهاز ولَّا.."
قاطعهُ وهو يحملُ سترتهِ قائلًا:
"أيوة هاته على الجهاز، وعايز خبر القبضِ عليه في كلِّ المواقع."
"تمام نصِّ ساعة والكلِّ يعرف."
تحرَّكَ سريعًا للأسفلِ مع وقوفِ مصطفى مع أحدِ الرجال:
"عايز مين يابني؟"
نظرَ الرجلُ بالورقةِ قائلًا:
"إلياس السيوفي مراته رافعة دعوة طلاق، اتفضل امضي هنا."
بمنزلِ يزن قبل أيام:
ألقى كلماتهِ القاسيةِ عليها ثمَّ دلفَ إلى غرفته.
ظلَّ يدورُ حول نفسهِ ونيرانًا مشتعلةً بداخلهِ على ما فعلتهُ تلك الشمطاء، كيف نسي أمرها.
جلس بعدما شعرَ بانفلاتِ أعصابهِ عن حدَّها المسموح، وبدأ يمسحُ على وجههِ بغضب.
رفعَ عينيهِ بدخولِ إيمان تطالعهُ بتخبُّطٍ على حالتهِ التي لأوَّلِ مرةٍ تراهُ بها.
ظلُّت النظراتُ العتابيةِ بينهما، ممَّا جعلهُ يتوقَّفُ يجمعُ أشيائهِ ونطقَ بكلماتٍ حادةٍ على غيرِ عادته:
"مش عايز مواعظ من عيِّلة، روحي شوفي مذاكرتك."
قالها وتحرَّكَ للخارجِ سريعًا.
وقعَ عيناهُ على تلك المنكمشةِ على الأريكةِ تنظرُ بشرودٍ بنقطةٍ وهمية، جسدًا خاويًا من الروح.
تحرَّكَ سريعًا من أمامها بعدما رفعت عينيها المتلألئةِ بالدموعِ تنظرُ إليه بخيبةِ أمل.
وصلَ إلى بابِ شقته، فهبَّت من مكانها:
"استنى عندك."
توقَّفَ يواليها ظهره.
اقتربت منهُ وهي تسألهُ باستنكارٍ وعيونٍ مليئةٍ بالدموع:
"إنت عملت فيا كدا؟"
لم يجيبها وظل كما هو.
"طلَّقني."
كوَّرَ قبضتهِ بعنفٍ مع اهتزازِ فكه، عندما ألقت كلماتها عليه، يريد أن يهدأ اولًا، فلا يستطيعُ الانجرافَ وراء طلبها بهذا الوقت.
استدارَ برأسهِ قائلًا:
"عندي مشوار لمَّا أرجع نتكلِّم."
ثارت كرامتها تحرقُ داخلها لتهتفَ مستنكرةً إجابته:
"مفيش خروج إلا لما تطلقني، مش محتاجة وقوفك معايا، وزي ماقولت أنا مش مراتك، يبقى ماليش حق أقعد هنا، خليك راجل للآخر وطلَّقني وكدا كدا كلِّ حاجة ضاعت."
فتحَ البابَ وخرجَ يغلقهُ بقوةٍ خلفهِ وحديثها لم يعيرهُ أهمية.
احترقَ داخلها من فعلتهِ لتفتحَ البابَ وتركضَ خلفهِ تردِّدُ بصوتٍ عالٍ إلى حدٍّ ما:
"مش هنتظر لرجوعك ياباش مهندس."
استقلَّ دراجتهِ البخاريةِ وارتدى خوذتهِ يشيرُ بعينيهِ إلى دخولها:
"ادخلي وهنتحاسب لمَّا أرجع على صوتك العالي وخروجك بالشكلِ دا، إنتِ قاعدة هنا في حارة مش فيلا بابي ومامي."
قالها وقادَ دراجتهِ وتحرَّكَ سريعًا من أمامها حتى لا يُخرجَ غضبهِ بها.
ظلَّت لدقائقَ متوقِّفةً بجسدٍ متصلِّب، مذهولةً لا تصدِّقُ ما فعلهُ وقاله.
خرجت إيمان تنظرُ إليها بحزن:
"رحيل ادخلي حبيبتي مينفعشِ وقوفك في الشارع كدا."
التفتت إليها تردِّدُ بعجز:
"شوفتي أخوكي عمل إيه، هوَّ كان كدا وأنا كنت عمية؟!"
هزَّت رأسها بالنفي وتحرَّكت إلى وقوفها تجذبها للداخل:
"لا حبيبتي هوَّ مش كدا أبدًا، دا يزن كلُّه رجولة وأصول واللهِ بس الزمن اللي قلبه، تعالي معايا بس."
تحرَّكت سريعًا للداخلِ تجمعُ أشياءها وتلملمُ كرامتها التي بعثرها بكلِّ جبروت.
انتهت من جمعِ ملابسها وكلَّ مايربطها بهذا المنزلِ ثمَّ سحبت حقيبتها:
"أنا ماشية وخلي أخوكي يبعت لي ورقة طلاقي، ومش معنى أنا وافقت على الجواز منه يبقى ضعيفة، أبدًا أنا يمكن أقوى منه، أنا وافقت علشان حسيت برجولته بس بعدِ اللي حصل الليلة أثبت لي أنه إنسان انتهازي، انتهز حاجتي لمسائل شخصية."
اتَّجهت إيمان إليها تنظرُ إلى حقيبتها بعدمِ رضا، مستنكرةً ماتفعله.
حاولت سحبَ الحقيبةِ إلا أنَّها تراجعت تجذبها وتحرَّكُت مغادرةً المكانَ بالكامل.
بعد عدَّةِ ساعاتٍ عادَ إلى منزلهِ وعلمَ بما فعلته.
اهتزَّ داخلهِ من فعلتها.
نظرَ إلى ساعتهِ وجدها تخطَّت الثانيةَ عشر.
رفعَ هاتفهِ وحاولَ مهاتفتها ولكنَّ هاتفها مغلق.
استمعَ إلى رنينِ هاتفهِ أجاب سريعًا ظنًّا أنَّها هي.
"مدام فريدة مرات مصطفى السيوفي دا لواء شرطة، عندها ثلاثة أولاد يايزن، منهم ظابط أمنِ دولة واتنين في الجامعة، لو عايز العنوان أبعتهولك."
"ابعته ياكريم، متعرفشِ الولاد دول ولادها ولا ولاد جوزها؟"
"مش فاهم تقصد إيه؟"
"كنيتهم إيه ياكريم؟"
"إلياس السيوفي يعني ابنِ مصطفى السيوفي والتوأم نفس الكنية."
دسَّ أناملهِ بخصلاتهِ يرجعها للخلفِ بعنف وأردف:
"يعني ولادها لسة ماوصلتشِ ليهم، طيب ياكريم هتعبك معايا، فيها حاجة تعرف تسأل الظابط دا عن واحدة اسمها سمية العلايلي الستِّ دي كانت ممرضة وشغالة في السويس، بس نقلت القاهرة من عشرين سنة، وكان عندها بنت وولد، ياريت تعرف توصلَّها ضروري."
استمع كريم إليهِ باهتمام:
"تقصد إيه وليه الستِّ دي تقرب لك؟!"
سحبَ نفسًا وزفرهُ على مهل:
"الستِّ دي كان راجح متجوزها، عايز أعرف ماتت ولَّا لسة عايشة، وبنتها وابنها فين، ولو طارق وهيثم ولاد رانيا فين بنتها اللي ماما قالت عليها، دماغي مبقتشِ قادر أفكَّر، الراجل دا بلاويه كتيرة، لازم أجمع اخواتي ياكريم وقبل دا كلُّه لازم أقابل طنط فريدة."
"صوتك ماله يايزن؟"
"مفيش، يمكن مرهق وعايز أنام، ياله نتكلِّم بعدين."
قالها وأغلقَ الهاتف، واتَّجهَ إلى أحدِ الحرسِ بالمشفى:
"أيوة يابني مدام راحيل في المستشفى؟"
أجابهُ الرجلَ بهدوء:
"أيوة يابشهمندس، جت من ساعة ولسة جوا."
هزَّ رأسهِ يفركُ جبينهِ وأردف:
"لو خرجت عرَّفني، وخلِّي حد معاها."
"تمام."
زفرةٌ حادةٌ خرجت من جوفهِ يعاتبُ نفسهِ على ما فعلهُ بها.
مرَّ عدَّةِ أيامٍ والحالُ كما هو، عادت رحيل إلى الفيلا الخاصة بها، رغم محاولتهِ معها بعودتها منزلهِ إلا أنَّها رفضت قائلة:
"أنا مش مراتك علشان أقعد في مكان إنتَ فيه."
دنا منها يجزُّ على أسنانهِ وتمتمَ بنبرةٍ حادة:
"رحيل بلاش تخرَّجي منِّي إنسان يئذيكي."
عقدت ذراعيها على صدرها وطالعتهُ بتهكُّم:
"متهمِّنيش ياباشمهندس، ليه أطلَّع منَّك إنسان وإنتَ جوَّاك الإنسان دا."
جذبها بقوَّةٍ ولفَّ ذراعهِ حولَ خصرها بتحكُّمٍ وتقابلت عيناهُ السوداءَ بعينيها الزيتونية، يضغطُ بقوَّةٍ على خصرها:
"الإنسان دا عرفته لمَّا قرَّبتِ منِّك."
حاولت الفكاكَ من قبضتهِ الفولاذية وتمتمت غاضبة:
"يزن ابعد عيب كدا إنتَ اتجننت."
ظلَّ يتجوَّلُ بنظراتهِ على وجهها الملائكي إلى أن احمرَّت وجنتيها من أنفاسه ِاللاهبة، التي بدأت تضربُ عنقها، حينما دنا برأسه يهمسُ لها:
"إنتِ مراتي ياآنسة."
قالها مبتسمًا بسخرية، ثمَّ رفعَ أناملهِ يمرِّرها على وجنتيها وغابَ بزيتونتها ليتخدَّرَ جسدها من لمستهِ؛ إلى أن نسي كلاهما ماحولهما ليدنو للحدِّ الغيرِ مسموح يضعُ شفتيهِ على ثغرها لتشعرَ بماسِ كهربائيٍ ورعشةٍ بجسدها، أغمضت عينيها بضعفٍ منها ليقطفَ أوَّلَ قبلةٍ له متذوِّقًا عسلها المذاب على ثغرها، ابتعدت كالملسوعة، حينما شعرت بشفتيهِ الساخنةِ على ثغرها، بلعت ريقها بصعوبة، ولكنَّ رجفةَ جسدها جعلت سيقانها هلاميتين فلم تقوَ على الوقوفِ مما جعلها تستندُ على المقعدِ بجوارها تهربُ من نظراتهِ الخارقةِ لها، لم يرحم ضعفها ليدنو منها حتى التصقَ بجسدها، رفعت عينيها المرتجفةِ إليه:
"يزن عايز توصل لإيه؟"
"نتمِّم جوازنا يارحيل، أنا مش هطلَّقك ودا قرار نهائي، ومالكيش رأي عندي، هنرجع من السفر بعد عملية باباكي، وهنعمل فرح ونتمِّم جوازنا زي أيِّ اتنين متجوزين، أنا مش هطلَّق."
رفعَ أناملهِ يبعدُ خصلاتها عن عينيها واستطردَ حديثهِ وعينيهِ تخترق زيتونها:
"بس ممكن أتجوَّز تاني عادي، لو اتعوجتي ومشكرتيش ربنا عليَّا."
قاطعهم دخول زين:
"رحيل."
التفتت إليهِ سريعًا ثمَّ ركضت إليه:
"خالو حبيبي."
بمنزلِ أرسلان:
بداخلِ مكتبه، كان جالسًا يعملُ على جهازهِ وهو يرتدي نظارتهِ الطبيةِ يتابعُ بهمةٍ ونشاطٍ آخر ماتوصَّل إليه.
دلت بقهوتهِ بعدما طرقت الباب.
خطت بخطواتها الهادئةِ تضعُ قهوتهِ على مكتبه، ظلَّت تطالعهُ لبعضِ الوقتِ دون حديث.
"مطلبتش قهوة، عايز كوباية عصير لو مش هتعبك معايا."
قالها ولم يرفع عينيهِ من فوقِ جهازه.
"حاضر."
نطقت بها ثمَّ دنت من جلوسه:
"أرسلان عايزة أرجع شغلي، وأتمنَّى ماترفضش."
رفعَ عينيهِ إليها سريعًا، ثمَّ أشارَ إلى بابِ مكتبه:
"روحي اعمليلي عصير يامدام ومش عايز كلام كتير."
"أرسلان."
خلعَ نظارتهِ ونهضَ قائلًا:
"على ماأعتقد اتكلِّمنا في الموضوع دا قبلِ كدا، شغل مفيش مش مرات أرسلان الجارحي اللي تشتغل، ليه ناقصك حاجة؟"
سحبت نفسًا بمحاولةٍ منها أن تهدأ ثمَّ اقتربت حتى حاوطتهُ بذراعيها:
"أرسلان لو سمحت أنا بزهق من القعدة، وإنتَ بتسافر أكتر مابتقعد في الشقة، والشغل مش احتياج بس."
حاوطَ أكتافها وتحرَّكَ بها إلى الأريكة، جلسَ وأجلسها بأحضانهِ محاوطها بحنانِ ذراعيهِ ثمَّ أردف:
"عارف اليومين اللي فاتوا ضغط عليكي، بس دا من غلطك، قبل كدا فهَّمتك حياتنا تمشي إزاي، ومينفعشِ تخرجي من بابِ الشقة من غير علمي، أومال لو متعرفيش طبيعة شغلي، تخيَّلي لو حد عرف شغلي الرئيسي حياتك هتكون في خطر، فلازم أعمل حساب لخطواتنا."
احتضنَ وجهها بين راحتيهِ وسبحَ بجمال سوداويتها مردِّدًا:
"ممكن حبيبتي تسمع الكلام، ووعد هفكَّر في موضوعِ الشغل دا، بس مش شغلك القديم، ممكن نشوف شغل مريح وقريب من هنا إيه رأيك؟"
دفنت رأسها بعنقهِ تحاوطُ خصره:
"أنا بحبَّك أوي ياأرسلان، وآسفة إنِّي ضيقتك، بس حقيقي بقيت أتخنق من القعدة لوحدي."
سحقها بين أحضانهِ مطبقَ الجفنين، مستمتعًا بحديثها الذي أروى قلبهِ المتصحِّر، ليتمتمَ بنبرةٍ مبحوحةٍ من كثرةِ مايشعرُ به في حضرتها:
"وأرسلان بيعشقك ياغرامي."
أخرجها من أحضانهِ وتابعَ حديثه:
"غرام إنتِ مش مجرَّد واحدة عرفتها واتجوزتها، إنتِ هدية كبيرة ربنا أنعم علي بيها، ربنا يكمِّلك بعقلك حبيبتي ويباركلي فيكي، قومي هاتيلي العصير حاسس الضغط عالي من قربك المضني اللي ببلاش دا ولازم أنزِّله."
لكمتهُ بصدرهِ بخفَّة، وتورَّدت وجنتيها من مغذى حديثه:
"بس بقى إيه الكلام دا."
غمزَ بعينيهِ يمرِّرُ أناملهِ على وجنتيها:
"مش دي الحقيقة؟ طيب قولي إنتِ إزاي أقعد زي الكرسي والجميلة معايا."
استنكرت حديثهِ قائلة:
"متقولشِ كدا، إيه زي الكرسي دي، إنتَ مش كدا دا إنتَ كلِّ جسمك شغَّال نفسي تدِّيني حاجة منهم."
قهقهَ عليها بصوتٍ مرتفعٍ يضمُّها بقوَّةٍ قائلًا:
"يالهوي البتِّ بتحسد جوزها."
رفعت إحدى حاجبيها وأجابت ساخرة:
"وإنت َتتحسد ليه ياروحي؟"
"لا والله يعني جوزك مش حلو وأمور والبنات هتموت عليه؟"
لكمتهُ بقوَّةٍ ونهضت من أحضانهِ وهدرت به بحدَّة:
"مين ضحك عليك وقال عليك أمور، إنتَ مغرور وبارد وو.."
ضربت قدمها بالأرضِ كالأطفالِ وركضت من أمامه، قهقهَ عليها يضربُ كفَّيهِ ببعضهما:
"واللهِ أمور والبنات هيموتوا عليَّا حتى اسألي الكاتبة."
قاطعهُ رنينَ هاتفه، رفعه:
"أيوة ياعمُّو؟"
"ليه ماقولتش ياحيوان إنَّك مع إلياس بتدوَّر على مراته؟"
أجابهُ بنبرةٍ باردة:
"زي ماحضرتك ماقولتش إنِّ جدتي محجوزة في المستشفى، وليه مصطفى السيوفي استقال بعد زيارته."
"بص ياإسحاق علاقتي بإلياس زي علاقتي بيك، أتمنَّى تعرف أنُّه مهم ليا جدًا، ليه معرفشِ ومتسألش، لأنِّي قرَّرت وانتهى الموضوع هتقولِّي أختار هزعل منَّك وإنتَ عارف زعلي وحش وممكن توصَّلني لطريق مسدود ومتعرفشِ توصلِّي، فخليك دايمًا معايا العاقل الرزين وبلاش فكرةِ الغباء اللي بتحاول توصَّلها لي، فيه سر وهعرفُه قريب، بس لو السرِّ دا متعلِّق بيا صدَّقني هزعل منَّك وهتكون آخر علاقتنا، أرسلان راجل ويتحمِّل أي حاجة ياعمُّو."
"هبعتلك عنوان مرات إلياس ياأرسلان، مش قدَّامك كتير، علشان عرفت فيه دكتور نسا دخل المكان، أظن إنتَ عارف قصدي إيه."
جذبَ مفاتيحهِ وغادرَ سريعًا قائلًا:
"بسرعة لو سمحت ياعمُّو، إلياس هيتجنِّن."
جذبَ سترتهِ فوق ملابسهِ البيتيةِ وصاحَ باسمِ زوجته:
"غرام.. عندي شغل مهم حبيبتي شوية وراجع."
قالها وخرجَ سريعًا قبلَ ردَّها.
عندَ آدم:
خرجَ من قاعةِ المحاضراتِ متَّجهًا إلى مكتبه، أنهت محاضرتها واتَّجهت إليه، طرقت البابَ ودلفت قائلة:
"ممكن أدخل يادكتور."
رفعَ عينيهِ إليها يشير لها بالدخول، اقتربت من مكتبهِ وجلست بمقابلته:
"إزاي رجَّعتني وإنتَ مطلَّقني عند المأذون ياآدم؟ أكيد مرجَّعتنيش وخالو قال كدا علشان مرات أبويا مش كدا؟"
رجعَ بجسدهِ وطالعها بهدوء:
"أنا مطلَّقتكيش ياإيلين، رميت عليكي اليمين وبس."
ابتسمت ساخرةً ونطقت بتهكُّم:
"لعبتو عليَّا ياآدم إنتَ وخالي، هوَّ قالِّي قسيمة طلاقك عندي، وإنتَ تقولِّي طلَّقتك."
"اومال ليه دخلت للمأذون، وخرجت وقولت طلقتك."
"السؤال دا لخالك مش ليَّا، ودلوقتي ممكن تسبيني أشوف شغلي."
نظرَ بساعتهِ وأردف:
"عندك محاضرة دلوقتي ولا مش ناوية تحضيرها؟"
تلألأت الدموعُ بعينيها:
"طيب أنا عايزة أطلَّق ياآدم لو سمحت، حاسة جوازنا طوق بيخنقني."
نهضَ يجمعُ أشيائهِ بعدما فقدَ برودهِ الذي حاولَ استخدامهِ معها وأردفَ دون النظرَ إليها:
"إحنا مطلَّقين ياإيلين، بس كورقة مينفعشِ وخاصةً بعد كلام باباكي ليَّا امبارح، ووجودك مع صاحبتك بناءً على موافقتي."
رفعَ عينيهِ إليها وتابعَ حديثهِ المدمي لقلبها:
"مفيش بينا غير ورقة ودا وصية عمِّتي لبابا، وقت ماتخلَّصي كُليِّتك وتشتغلي هطلَّقك، غير كدا مالكيش حاجة عندي."
هبَّت مقتربةً منهُ كالمجنونة:
"أكيد اتجنِّنت أنا مستحيل أوافق على المهزلة دي."
حملَ حقيبتهِ وأجابها:
"بس أنا موافق."
انحنى بجسدهِ ينظرُ لرماديتها:
"إيلين متلعبيش بمشاعرنا، علشان مقلبشِ عليكي، وعيوني عليكي أيِّ غلط منِّك وحياة قلبي اللي اتحكِّمتي فيه وخلِّتيه لعبة في إيدك ماهرحمك، إنتِ مراتي سواء رضيتي ولَّا لأ، ولو مش عاجبك الكلام اشربي من البحر."
قالها وتحرَّكَ من أمامها وكأنَّهُ لم يقل شيئا، لتهتفَ بحدَّة:
"وأنا عندي أموت ولا أكون زوجة تانية."
توقَّفَ مبتسمًا حتى لمعت عيناهُ بعشقها، ليضعطَ على حقيبتهِ يمنعُ ابتسامتهِ واستدارَ برأسهِ إليها:
"وأنا متجوِّزتش غيرك، ولا عيوني شافت غيرك يابنتِ عمتي، ولو قصدك على جوازي من حنين كان مصلحة وبس، بدليل سنتين ومتمِّمتش جوازنا."
استدارَ بكاملِ جسدهِ وتعمَّقَ بعينيها المتلألئةِ بالدموعِ وأكمل:
"بس إنتِ مقدرتش أتحكِّم في مشاعري حتى أربع شهور، وربِّنا حب يقرَّب بينا بجنين، بس للأسف مالناش نصيب فيه، بس أكيد المرَّة الجاية هيكون نصيبنا أحسن ياحبيبي، أنا داخل المحاضرة وهقفل الباب مبحبِّش الطالب اللي يدخل بعدي، وخاصةً لو كانت حلوة وتاخد العقل زي مراتي العسل دي."
قالها غامزًا بطرفِ عينهِ وتحرَّكَ من أمامها، تطلَّعت إليهِ بذهولٍ تشيرُ على مكانِ تحرُّكه:
"إيه الراجل البارد دا، طيِّب واللهِ لألعب لك في الأزرق يابنِ خالي.. اصبر عليَّا كنت بتعامل معاك باحترام، واللهِ ياآدم لأكرَّهك في نفسك."
بمنزل دينا
دلف للداخل يبحث عنها، سأل الخادمة:
"فين المدام؟!"
أشارت إلى الحديقة وأجابته:
"لسة خارجة من شوية."
تحرك إلى جلوسها وجدها تجلس على حافة المسبح، انحنى وطبع قبلة على رأسها:
"وحشتيني!!"
ابتعدت بنظرها عنه ولم تكترث لوجوده.
جلس بجوارها ثم جذبها إلى أحضانه:
"عارف مقصر معاكي، فاروق تعبان عنده جلطة، وارسلان ميعرفش كمان."
رفعت رأسها تسأله:
"وليه مخبي على ابنه، ليه دايما قرارتك لنفسك يااسحاق."
سحب نفسًا وزفره ببطئ مغير الحديث:
"عاملة ايه والبيبي عامل ايه."
تنهدت بعدما علمت بهروبه فأومأت برأسها:
"كويسة والبيبي كويسة، عايزة اروح للدكتور نطمن عليه، خلاص داخلة على السابع لازم اعرف المفروض هتعامل ازاي الفترة الجاية."
خلل أنامله بأناملها ودنى يضع رأسه فوق كتفها:
"لو فاروق فاق هنعمل حفلة ونعلن جوازنا، مبقاش ينفع اخبي، ابني لازم يجي للنور يادينا."
ابتسمت حتى لمعت عيناها بالدموع:
"حقيقي يااسحاق."
ملس على خصلاتها واعادها بعيدا عن وجهها:
"أنا خايف عليكوا يادينا مش مخبي علشان حاجة."
"طيب ومدام احلام هتوافق."
نهض من مكانه يضع كفوفه بجيب بنطاله ينظر للبعيد:
"دي حياتي يادينا انا مكنتش خايف من مدام احلام."
قاطعه رنين هاتفه رفعه سريعا بعدما وجده حرسه الخاص:
"أيوة يابني."
"ألحق ياباشا، فاروق باشا صحي وركب العربية وهو بيقول ارسلان ومقدرناش نوقفهركض سريعًا إلى سيارته يصرخ به:
"ازاي ياحيوان تخليه يطلع لوحده، دا مريض، اوعى تقولي ركب العربية وساقها لوحده."
"رفض ياباشا حد مننا."
ااااه صرخ بها وهو يستقل السيارة بسرعة جنونية، توقفت تنظر إلى خروجه:
"استر يارب، ياترى مخبي ايه يااسحاق قالب حالك كدا."
عند فاروق ظل يقود السيارة بجسد واهن وكلمات مصطفى تتردد بذهنه، رفع هاتفه وحاول مهاتفة ارسلان ولكن لم يجيب، تلاشت الرؤية أمامه رويدا رويدا حتى فقد الرؤية ولم يستمع سوى بارتطدام السيارة.
عندَ إلياس وصلَ إلى المكانِ الذي يحتجزُ به طارق:
"كلِّم أبوك وخلِّيه يجي يطلَّعك ياله."
"ويطلَّعني ليه، هوَّ أنا عملت حاجة، عايز أعرف أنا هنا ليه؟"
لطمةٌ قويةٌ حتى شعرَ بأنَّ رأسهِ التفتَ للجانبِ الآخرِ من قوَّتها، وكأنَّهُ تحوَّلَ إلى شيطان، ليمسكهُ من تلابيبهِ يضربُ رأسهِ بالحائطِ وصورةِ زوجتهِ تمرُّ أمامَ عينيه، ظل يضربهُ حتى تلاشى جسدهِ وهوى على الارضية، انحنى يجذبهُ يجرُّهُ إلى أن تدخَّلَ شريف محاولًا السيطرةَ على غضبِ إلياس:
"إلياس اتحكِّم في نفسك شوية، الولد ممكن يموت."
دفعَ شريف بعيدًا عنهُ وأطبقَ على عنقه:
"فين أبوك ياله."
حاولَ الحديث، إلَّا أنَّهُ خطفَ هاتفهِ ودفعهُ بقوَّةٍ وبدأ يقلِّبُ فيه إلى أن وصلَ إلى رقمٍ يدوَّنُ بالهاتفِ بحروف.
أمسكَ الهاتفَ واتَّصلَ على تلك الحروف، أجابَ راجح سريعًا:
"طارق إيه اللي بيحصل عندك، قضية إيه اللي اتمسكت فيها؟"
أشارَ لشريف لمراقبةِ المكالمة حتى يتوصَّلوا إلى مكانه.
وضعَ الهاتفَ على أذنِ طارق وأشارَ بيدهِ أن يتحدَّث:
"بابا مسكوني في الشقة، ومعرفشِ جابوني هنا ليه، تعالَ طلَّعني."
"مين اللي مسكك ابنِ السيوفي؟"
نظرَ إلى إلياس وهزَّ رأسهِ بالنفي مجيبًا:
"لا دا ظابط تاني."
"يعني إيه ياله."
أغلقَ إلياس الهاتفَ بعدما أشارَ إليهِ شريف بمعرفةِ المكان، دفعهُ إلياس بقدمهِ قائلًا:
"برافوو عليك ياطاروقة، أمَّا أبوك دا حسابه تقل معايا."
قالها وجذبَ سلاحهِ متحرِّكًا سريعًا مع رنينِ هاتفهِ برقمِ أرسلان:
"إلياس عرفت مكان راجح، أنا في الطريق هبعتلك اللوكيشن."
"وأنا كمان نتقابل هناك."
قالها وأغلقَ الهاتفَ وقادَ سيارتهِ بسرعتهِ الجنونية، بتحرُّكِ شريف خلفهِ يسبُّه:
"واللهِ نهاية وظيفتي على إيدك ياابنِ السيوفي."
وصلَ بعد قليلٍ إلى المكانِ الذي يحتجزُ به ميرال، دفعَ البابَ مع تبادلِ الأعيرةِ الناريةِ بكافةِ الأرجاء.
تمكَّنَ إلياس بمعاونةِ أرسلان وشريف من اقتحامِ المنزلِ يبحثُ بلهفةٍ والفزعُ يجعلُ قلبهِ يتقاذفُ بأنينٍ مكتوم، يتلفَّتُ يبحثُ عنها بنبضِ قلبهِ الذي يهمسُ بحروفها، دفعَ البابَ بقدمه، ليُفتحَ على مصراعيه.
هزةٌ عنيفةٌ كزلازلٍ قويٍّ وهو يراها متمدِّدةً بوجهٍ شاحبٍ على الفراشِ كالتي فارقت الروحُ الجسد، واشتعلَت داخلهِ وصلةُ جنونٍ وهو يقتربُ منها يرفعُ جسدها بين ذراعيهِ بعيونٍ ترقرقت سحبها، لتنسابَ دمعةٌ غائرةٌ حارقةٌ على وجنتيه، ضمَّها وخرجَ بها سريعًا متَّجهًا إلى سيارته، وصلَ إلى السيارةِ مع ركوبِ أرسلان وتحرُّكهما سريعًا متَّجهينَ للمشفى، ساعاتٍ عصيبةٍ وكأنَّ دقائقها خنجرٌ يشحذُ صدره، وهو يتوقَّفُ أمام النافذةِ ينظرُ إلى سكونِ جسدها، أين تلك التي كانت تتحرَّكُ كالطفلةِ برشاقة، هل هذه زوجتهِ التي أشعلت لهيبَ قلبهِ بعشقها.
استمعَ إلى صوتِ والدهِ خلفه:
"حبيبي أقعد شوية، والحمدُللهِ إنَّك لحقتها في الوقتِ المناسب."
استندَ بظهرهِ على الجدارِ ينظرُ لمصطفى بصمت.
لم يقوَ على النطق، فلقد انطفأت عيناهُ.
أغمضَ عينيهِ متراجعًا برأسهِ يستندُ على الجدار.
كلما تخيلَ ماصارَ لزوجتهِ يشعرُ بنزيفِ روحه، وداخلهِ نيرانٌ ملتهبةٌ تحرقهُ بقسوة، ولا تبرِّدها سوى القبضَ على عنقِ راجح ولا يتركهُ إلا وهو يلفظُ أنفاسهِ الأخيرة.
ربتَ مصطفى على كتفه:
"إن شاء الله هتكون كويسة حبيبي، والجنين هيكون كويس."
فتحَ عينيهِ يطالعهُ بتيه:
"هوَّ فيه حد طبيعي يابابا يعمل كدا؟"
استدارَ مصطفى يواليهِ ظهرهِ قائلًا:
"أنا آسف كنت مفكَّر لما أغيَّر التحليل هيبعد عنها، مكنشِ في بالي أبدًا أنه يعمل فيها كدا."
التفتَ إليهِ واستطردَ قائلًا:
"وهوَّ فين الحيوان دا."
التفتَ إلى النافذةِ ينظرُ إلى زوجتهِ وأجابه:
"معرفشِ ومش عايز أعرف دلوقتي، دا أحسن له، حقير لعبها بمهارة، بس ورحمة أبويا ماحدِّ هيرحمه من نارِ قلبي."
"خد ماما وارجع على البيت، شكلها تعبان ومايطمنش."
بعدَ عدَّةِ ساعاتٍ فتحت عينيها تهمسُ بخفوتٍ اسمَ زوجها.
نهضَ من مكانهِ مقتربًا منها:
"حمدالله على السلامة."
اتَّجهت بعينيها إلى الصوت، ارتعشَ جسدها وانسابت دموعها بأنين:
"إلياس."
تجوَّلت بأنظارها على الغرفة، وابتسامةٍ من بين دموعها:
"أنا فين؟!"
دسَّ كفوفهِ بجيبِ بنطالهِ مردفًا:
"إنتِ في أمان."
وضعت كفَّيها على بطنها تتساءلُ بلهفة:
"ابني فين؟!"
"نزِّله."
تراجعَ إلى النافذةِ ينظرُ للخارج:
"ابنك كويس وإنتِ كويسة، احمدي ربنا."
أغمضت عينيها تحمدُ ربها:
"الحمدُ لله، الحمدُ لله يارب."
اتَّجهت بنظرها إلى وقوفه:
"إنتَ أنقذتني قبل مايجهض البيبي."
دلت الممرضةُ ووصلت إليها:
"حمدَ الله على سلامتك يامدام."
أومأت وحاولت الاعتدال ولكنها شعرت بألمٍ ببطنها، حرَّكت كفَّيها تنظرُ إلى إلياس بذهول:
"إيه دا!"
أشارَ للممرضة:
"لو كويسة جهِّزيها علشان هنخرج."
"هبعت الدكتور تشيِّك عليها وتشوف إن كان ينفع تخرج ولا لأ؟" قالها إلياس وتحرك سريعًا من أمامها.
باليومِ التالي بفيلَّا الشافعي:
نهضت بكسلٍ من نومها تنظرُ إلى نومها الثقيل.
احتضنت رأسها عندما شعرت بالألمِ محاولةً التذكُّر.
هبَّت سريعًا تحاول تذكر ماصار، ولكن ألم رأسها جعلها غير متوازنة.
فلاش قبل وصول إلياس بساعة إلى ميرال
وصلت إلى المنزلِ الذي يحتجزُ به ميرال، دلفت للداخل:
"إيه ياراجح، خلَّصت لازم نمشي قبل ماابنِ السيوفي يوصلِّنا."
رفعَ ساقيهِ على المكتب، ونفثَ تبغهِ قائلًا:
"لا خلاص مش هنسافر، ومتخافيش من ابنِ السيوفي علشان هو هيطلَّقها ومالوش علاقة بيها."
اقتربت منهُ متسائلةً يعني إيه، البنتِ حامل، إزاي هيوافق كدا.
نهضَ من مكانهِ واقتربَ منها ومازال ينفثُ سيجارته:
"لا ماهو مبقاش فيه ولد، كلُّه بح، الدكتور جوا، والفيديو وصل لابنِ السيوفي ومش بس كدا، ودعوة الطلاق كمان، علشان يعرف هوَّ واقف قصاد مين."
"اتجنِّنت ياراجح عايز تموِّت البنت."
دفعتهُ وتحرَّكت سريعًا وجدت الطبيبَ يقوم بعمله لفتح بطنها:
"استنى إنتَ بتعمل إيه؟"
نظرت إلى ميرال المتمدِّدةِ على الفراشِ لا حول لها ولا قوَّة لتصرخَ بالطبيب:
"برَّة يامجنون."
دلفَ راجح بعدما أشارَ للطبيبِ بالخروج:
"اتجنِّنتي يارانيا، عايزة البنت تجيب الولد!"
وصلت إليها وانحنت تقبِّلها بحنانٍ أمومي.
تنظر لذاك الجرح السطحي:
"حبيبة ماما، آسفة يابنتي."
"رانيا."
صاحَ بها راجح لترفعَ نظرها إليه:
"خليه يجي يداوي الجرح دا ياراجح، والله اموتك سمعت."
"متجننيش أنا مستحيل أوافق على كدا، إنتَ قولت هنسافر إيه اللي خلاك تغيَّر رأيك، مش قولت استوليت على شركةِ العمري والدنيا بقت تمام ليه رجعت في كلامك؟"
وصلَ يجذبها من ذراعها:
"تعالي معايا يارانيا."
دفعتهُ صارخة:
"راجح متخلِّنيش أقلب عليك، إياك تقرَّب من البنت، والولد اللي عايز تنزِّله دا ياغبي هو اللي هيكوِّش على كلِّ حاجة، اعقل ياراجح ومتخليش غضبك من فريدة وابنها تموِّت بنتنا الوحيدة."
ابتعدَ يحكُّ ذقنهِ بتفكيرٍ ثمَّ أجابها ببرودٍ مهلكٍ قائلًا:
"سبيني أفكَّر يارانيا، أشوف الولد دا فعلًا هيكوِّش على العيلة ولا هيكون جهنم."
ضغطت على شفتيها بعنفٍ وهدرت به:
"بنتي مش هتقرَّب منها ياراجح."
"يعني إيه؟" تساءلت بها بغضب.
اقتربَ يسحبُ ذراعها وخرجَ بها من الغرفة:
"حاضر يارانيا، مش هعمل فيها حاجة، تعالي معايا علشان أقولِّك كلمة سر."
ابتعدت عنهُ تطالعهُ بغموض:
"مفكَّرني عبيطة ياراجح."
قالتها واقتربت تترجاهُ محافظةً على هدوئها البارد حتى تخرجَ بابنتها، حاوطت عنقهِ واستخدمت أساليبها:
"رجوحة حبيبي مش كفاية اتحرمنا من هيثم، مابقاش عندي إلا ميرال، علشان خاطري حبيبي متعملشِ حاجة، ووعد هخلِّيها تبعد عن ابنِ السيوفي علشان عارفة إنَّك خايف على شغلنا، أنا فاهمة وعارفة تفكيرك، بس وحياتي ياراجح بلاش تئذي بنتك."
صمت لبعض الوقت قائلًا:
"موافق يارانيا."
"اشارت على ميرال:خليه يدخل يداوي البنت لتموت من النزيف، البنت حامل حرام عليك."
سحبَ كفَّيها وتحرَّكَ للخارج:
"طيب تعالي لازم نمضي عقودنا، قبلِ مابنتك تفوق، ولَّا عقود راجح مابقتشِ تنفع."
أطلقت ضحكةً صاخبةً وتحرَّكت معهُ للخارجِ تنظرُ إلى الطبيب:
"تدخل تدواي جرح بطنها، وإياك تقرَّب منها، وامشي متنازلين عن خدماتك."
أومأ راجح بعدما غمزَ له بطرفِ عينهِ بعيدًا عن رانيا، ثمَّ اتَّجهَ إلى سيارتهِ يحاوطُ خصرها:
"لمَّا الهانم تفوق هاتوها على فيلا المريوطية لازم نحتفل بوجودها مش كدا يارانيا؟"
ابتسمت تهزُّ رأسها:
"كدا ياحبيبي، خلُّوا بالكم منها، مش عايزة حد يقرَّب منها، وانت اياك جرحها يكون فيه غلطة، وشوف دوا قوي يعالج الهباب اللي عملته."
قالتها واستقلَّت السيارة، لتتحرَّكَ السيارة بعض الكيلومترات، وصلت إلى الفيلاَ وترجَّلت وهو بجوارها:
"ليه جينا هنا ياراجح مرحناش الفيلا ليه؟"
دلفَ للداخلِ وأجابها:
"علشان ابنِ السيوفي زمانه قالب الدنيا بعد ماوصل لفريدة، وطبعًا بعد قضيةِ الطلاق لو لقاني هيولَّع فيا."
قهقهت تخلعُ حذائها:
"نفسي أشوف وشِّ فريدة دلوقتي."
اتَّجهَ إلى أحدِ الباراتِ، وجذبَ كاسًا وسكبَ به بعضَ المحرَّماتِ والتفتَ إليها وجدها تتجوَّلُ بعينها بالفيلا متمتمة:
"حلوة الفيلا أوي ياراجح، إنتَ شاريها من زمان؟"
سكبَ مابداخلِ ذاك الكاس، وقامَ بتقليبهِ سريعًا متَّجهًا إليها وبسطَ كفيهِ إليها:
"بصحة الحبِّ اللي بينا ياروحي."
أخذتهُ وتجرَّعتهُ ثمَّ اتَّجهت إلى هاتفها وقامت برفعِ صوت أغنيةٍ شعبيةٍ قائلة:
"الليلة فرحانة أوي، ولازم أسعدك معايا، هرقص لك زي زمان لحدِّ مابنتنا ترجع لنا واحصَّر فريدة عليها."
قالتها وصعدت فوق الطاولة وبدأت تتمايلُ بجسدها إلى أن شعرت بالدوار، ليتلقَّفها بين ذراعيهِ هامسًا بفحيح:
"لولا ارتباط شغلنا مع بعض يارانيا كنت زماني دفنتك من زمان، بس أخلص من الناس الحقيرة دي وأعلِّمك إزاي تضحكي عليا يابنتِ الرفاعي."
استمع الى هاتفه:
"ألحق ياباشا الظابط وصل واخد مراته، وقبضوا على الدكتور وهو بيعمل العملية."
"الله يخربيتكوا كلكم."
التفت إلى رانيا التي غفت:
"غبية كنت زماني خلصت، ازاي هعرف اجيبها تاني ياغبية، أه يافريدة مستحيل ارحمك."
بعد يومين من تحسن ميرال والأطمئنان عليها خرج بها من المشفى وصلَ إلى منزله، وضعها بهدوءٍ بالفراشِ ودثَّرها، دلفت فريدة إليها متلهفة:
"عاملة إيه ياحبيبتي."
كانت عيناها عليه، تعلمُ أنَّهُ لن يرحمها بما فعلتهُ وما قالته.
استدارت إلى فريدة قائلة:
"أنا كويسة ياماما، بس عايزة أنام."
انحنت تطبعُ قبلةً عميقةً فوق جبينها:
"دايمًا ياحبيبة ماما."
احتضنت بطنها وبكت:
"شوفتي عملوا إيه، فتحوا جزء من بطني ياماما، كان عايز يموِّت ابني."
تراجعَ إلياس إلى غرفةِ الملابس قائلًا:
"مش هم اللي كانوا عايزين يموِّتوا ابنك يامدام."
توقَّفَ واستدارَ إليها:
"إنتِ اللي كنتي عايزة تموِّتيه محدِّش غيرك، بلاش تحمِّلي ذنبك لغيرك، معلش العيب مش فيكي، العيب فيَّا إنِّي اخترت ست متستهلش تكون ام ولا تستاهل تكون مراتي، بس أوعدك قريبا اصلح غلطي."
هبَّت فريدة تطالعهُ بذهول:
"إنتَ بتقول إيه ياإلياس، إنتَ اتجنِّنت."
"أيوة أنا فعلًا اتجنِّنت علشان رغم أغلاطها كنت بسامح وأعدي، البنت دي اللي بيربطني فيها ابني وبس."
نظرَ لعينيها التي انفجرت بالبكاءِ وتابع:
"إنسانة تافهة ماتنفعشِ تتحمِّل مسؤلية، متنفعشِ تشيل اسمِ إلياس السيوفي، هيَّ فعلًا أثبتت أنَّها بنتِ راجح بياعة، ممكن تبيع الغالي بالرخيص في أي وقت، واللهِ لولا إنِّك حامل كنت طلَّقتك بلا راجعة، علشان تفكَّري مليون مرَّة إزاي تتطاطي لواحد واطي."
دفعت الفراش وتوقفت متجهة إليه وهي تحتضن بطنها:
"وكان مطلوب مني ايه ياحضرة الظابط، قولي كان مطلوب مني ايه وهو بيخيرني بين البيبي وبين امي."
ركل الباب ودلف للداخل يصفعه خلفه بقوة، محاولًا ألا