تحميل رواية «شظايا قلوب محترقة» PDF
بقلم سيلا وليد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
روايةإلياس مصطفى السيوفي :يبلغ من العمر اثنين وثلاثين عامًا.. أرسلان فاروق الجارحي :يبلغ من العمر ثلاثين عامًايزن إبراهيم السوهاجي :يبلغ من العمر ثلاثين عامًاآدم زين الرفاعي :يبلغ من العمر ثلاثين عامًاميرال راجح الشافعي :تبلغ من العمر خمسة وعشرين عامًاإيلين محمود الجندي :تبلغ من العمر اثنين وعشرين عامًاغرام محمود الزهيري :تبلغ من العمر اثنين وعشرين عامًارحيل مالك العمري :تبلغ من العمر خمسة وعشرين عامًابأحد أحياء القاهرة الراقية، وخاصة بتلك الفيلا التي يدون على خارجهافيلا اللواء مصطفى السيوفي ..ب...
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سيلا وليد
شظايا قلوب محترقة
"اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك "
مِل بكتفك عليَّ سأعطيك أمانا أفتقده..
رغما عن تكدّس الأشياء السيئة داخل صدري..
رغما عن تخبطي المتكرر في اماكن عديدة
ثابت أنا لكن داخلي ينتفض ويبكي ويحترق..
أود أن أخبرك أنك تسكنني فكرا وحبا،،
أحببتك بإفراط للحد الذي شعرت أنني لا أصلح لأحد غيرك..
وبأن الحب الذي في صدري خلق لك وحدك...
لكن كم هي قاسية تلك التراكمات التي تجعلنا نقسو رغم حناننا ونبتعد عنهم رغم حاجتنا لهم...
ونصمت رغم تكدس الكلمات في صدورنا..
كم هي قاسية تلك التراكمات التي تجبرنا أن نكون على غير حقيقتنا..
ف العشق ُ إنْ ملَكَ القلوبَ أذلّها
حتى يطولَ عناق ُ مَن تهواه
فوق الرموش ِ أراكَ طيفا ً ساكنا
لكنَّ حبَّكَ في الحشا سُكناه ُ
حبي لوجهك خالد ٌ ومخلد ٌ
أيموت ُ حبٌُّ في دمي مجراهُ...
اتَّجهَ يحاوطُ ذراعيها مع ضغطها على الزنادِ لتتَّسعَ حدقتيهِ بفزعٍ وهو يرى أنَّ الرصاصةَ استقرَّت بكتفِ إسلام.
ألقت السلاحَ وبدأت بوصلةِ صراخٍ تضعُ كفَّيها على أذنها، اتَّجهت فريدة بنظرها إلى مصطفى:
-إسلام..نطقت بها بذعرٍ وهي ترى الدماءَ التي لوَّنت قميصه، أشارَ مصطفى بيدهِ إليها:
-اهدي يافريدة، هوَّ كويس..قالها مع احتوائهِ لذراعِ ابنه، دنا إلياس وعينيهِ على موضعِ جرحه، جثا أمامه:
-ورَّيني كدا اتصبت فين..قالها بلسانٍ ثقيلٍ وهو يسحبُ ذراعه، ليطبقَ على جفنيهِ محاولًا الضغطَ على أعصابهِ حتى لا يلتفتَ إليها ولا يتركها سوى قتيلة.
ضمَّتها فريدة لأحضانها محاولةً السيطرةً على بكائها قائلة:
-حبيبتي اهدي ياعمري، إسلام كويس، ميرو اهدي، جثت على الأرضيةِ تبكي بشهقاتٍ مرتفعة..توقَّفَ إلياس متَّجهًا إليها بعدما فقدَ اتزانهِ والتَّحكمَ في أعصابه:
-عجبك كدا، بتعيطي ليه دلوقتي، هتفضلي لحدِّ إمتى متهورة، قوليلي لحدِّ ماتموِّتي حدِّ فينا..
توقَّفت فريدة أمامهِ وهدرت بهِ بعنف:
-ممكن تسكت، إنتَ مش شايف حالتها عاملة إزاي، خد أخوك وروح المستشفى بدل ماحضرتك واقف تعاتبها خدها في حضنك وهدِّيها..
كزَّ على أسنانهِ وتحوَّلت عيناهُ لنيرانٍ جحيميةٍ يشيرُ على إسلام:
-أروح المستشفى وياترى لو سألوني أقولهم إيه، مراتي مجنونة وكانت عايزة تنتحر، كلِّ ماتغلط وتزهق تمسك المسدس وعايزة تموت، انحنى إليها ولم يكترث إلى صياحِ مصطفى عليه:
-إنتِ جبتي أخرك معايا، أنا مش متجوِّز مجنونة ولا طفلة علشان كلِّ ماتضايق تجري تمسك المسدس وبتهدِّدنا بيه، إنتِ كبيرة يامدام والمصيبة هتكوني أم، إيه لمَّا تغضبي من ولادك هتموِّتيهم..نظراتٌ قاسيةٌ يرمقها بها كمن تلبَّسهُ شيطانٌ وليس معشوقِ قلبها..رفعت عينيها لتقابلَ عينيهِ القاسيةِ، ليستوطنَ الألمَ بداخلها ونيرانًا تأكلُ صدرها، استندت على فريدة ونهضت بتخبُّطٍ متحركةٍ للخارجِ بقلبٍ محترقٍ من قساوةِ كلماته، دلفت إلى غرفتها القديمة وأغلقت الباب خلفها، ثمَّ هوت خلفه، تبكي بشهقاتٍ مرتفعةٍ تضعُ كفَّيها على فمها تمنعُ صوتَ بكائها، ظلت لدقائقَ وعيناها خيرُ دليل على ماتشعرُ به..حتى ارتجفَ جسدها بالكامل، استمعت إلى طرقاتِ غادة على بابِ الغرفة:
-ميرو افتحي الباب ياقلبي طمِّنيني عليكي، نهضت من مكانها وأردفت بصوتٍ متقطِّعٍ باكي:
-عايزة أقعد لوحدي ياغادة لو سمحتي، قالتها وخطت إلى غرفةِ ملابسها، تبحثُ عن شيئٍ ترتديه، جذبت أحد قمصانها وارتدتهُ ومازالت كلماتهِ تتردَّدُ بأذنها، اتَّجهت إلى فراشها تتمدَّدُ عليه، حينما شعرت بالخدرِ يتسرَّبُ إلى جسدها وكأنَّها ستفقدُ الوعي..لم يمرّ دقائقَ معدودة وغرقت بغيبوبةِ فقدانها للوعي، مرَّت فترةٌ بعد الاطمئنانِ على إسلام وإحضارِ الطبيبِ وإخراجِ الرصاصةِ من ذراعه، توجَّهت فريدة إليها، جلست بجوارها تمسِّدُ على خصلاتها، مرَّرت أناملها على وجنتيها تزيلُ آثارَ دموعها ثمَّ انحنت تقبِّلُ جبينها:
-عارفة اللي بتمرِّي بيه صعب يابنتي، ربنا ينتقم من راجح ورانيا، ظلت تمرِّرُ كفَّها على خصلاتها إلى أن دلفَ إلياس إليها:
-نامت؟..أومأت متوقِّفةً ثمَّ دنت منه وأخبرتهُ بعتاب:
-اللي عملته غلط وغلط كبير، إنتَ مكنتش هناك وشوفت اللي اتعرضناله..
زفرةٌ بقوةٍ وردَّ بنبرةٍ حادة:
-ومين اللي وصَّلكم لكدا، حضرتك اللي رحتي هناك وكأنِّك مقطوعة من شجرة، ولَّا المدام اللي أهمِّ حاجة عندها إنَّها تعاندني وخلاص، إيه يامدام فريدة تغلطوا الغلط وتلبسهوالي، خمس دقايق بس لو اتأخَّرت فيهم كان ممكن يكون بدفنها دلوقتي، دا واحد مجرم وحاولت أفهِّمها الوضع وبلاش شغل لحدِّ ماأشوف هعمل إيه معاه، قالت بتحرمني وبتخنقني، وأهو دي نتيجة عمايل المدام..
-إلياس حبيبي اهدى المواضيع مبتتاخدش كدا، خطا إلى نومها مستغربًا سكونها بتلك الطريقة، رفع ذقنها بأنامله:
-ميرال!! ردَّدها عدَّةِ مرَّاتٍ ولكن لا رد،
جذبَ عطرها وقرَّبهُ لأنفها ينظرُ لوالدته:
-مغمى عليها، هاتي لها عصير..قالها وهو يرفعُ نصفَ جسدها؛
-ميرو ..فوقي..ردَّدها وبدأ يلمسُ وجنتيها مع تقريبِ عطرها من أنفها، رفرفت أهدابها عدَّةِ مراتٍ تتأوَّهُ بألمٍ يضربُ رأسها، استدارَ يضعُ الزجاجةَ على الكومدينو، ثمَّ اتَّجهَ إليها يمرِّرُ أناملهِ بحنانٍ على وجهها:
-ميرال سمعاني، فتحت عينيها لتقعَ على عينيهِ القريبة، كانت حالتها مزرية، عيونها المنتفخةِ من البكاء، مع احمرارِ شعيراتها الدموية، وأنفها المحمَّر، اعتدلت مبتعدةً عنه تحتضنُ رأسها مغلقةً عينيها بدخولِ فريدة تحملُ كوبًا من العصير، نهضَ من مكانهِ حينما بسطت فريدة كفَّها بكوبِ العصير، وتحرَّكَ للخارجِ دون حديث..جلست بجوارها تنظرُ إلى خروجهِ بتنهيدةٍ حزينة، ثمَّ حاوطت ميرال بذراعها:
-حبيبتي اشربي العصير، أكيد عندك هبوط..
وضعت رأسها على كتفِ فريدة:
-ماليش نفس واللهِ ياماما، إسلام عامل ايه؟..رفعت رأسها وبدأت تساعدها بارتشافِ العصير قائلة:
-إسلام كويس حبيبتي، الدكتور طمِّنا، ياله اشربي عصيرك كلُّه، أنا خليتهم يعملولك الأكل اللي بتحبيه..
تمدَّدت مرةً أخرى بعدما شربت نصفَ كوبها قائلة:
-عايزة أنام ياماما مش عايزة آكل أو أشرب، لازم أرتاح علشان أعرف آخد قرار في حياتي الجاية.
توقَّفت فريدة تجذبُ غطاءً خفيفًا ودثَّرتها به قائلة:
-نامي ومتفكَّريش غير في ابنك وبس، تمام حبيبة ماما.. هروح أجهزلك الأكل
ترقرقت عيناها بالدموع:
-بس أنا مش بنتك، ليه مطلعتش بنتك ياماما، ليه حظِّي كدا، حتى الراجل اللي حبيته طلع قاسي أوي، ليه بيحصل معايا كدا؟..
مسَّدت على خصلاتها وردَّدت مستنكرةً ماقالته:
-ليه بتقولي كدا حبيبتي، هوَّ أنا مش ماما، محدش له حق فيكي قدِّي ياميرال، وجوزك مفيش أحنِّ منه بس الضغوط اللي عليه كتيرة يابنتي، عايزة منِّك تهدي وبلاش تسرُّعك، مينفعشِ كلِّ حاجة نهدِّد بإنهاء حياتنا فين إيمانك يابنتي، عايزة تقابلي ربنا كافرة ياميرال!..
عند إلياس خرجَ للحديقة، توقَّفَ أمام المسبح يضعُ كفوفهِ بجيبِ بنطاله، رفعَ عينيهِ لضوءِ القمر الذي يسطعُ نورهِ ويغطِّي الكرةَ الأرضيةِ بتمامِ اكتمالهِ بمنتصفِ الشهر..ظلَّ لعدَّةِ دقائقَ ينظرُ لنورهِ وذكرياتٍ تمرُّ أمامَ عينيهِ من كلماتهِا عن جمالِ الليالي القمرية للعاشقين، التوت زوايةِ فمهِ وابتسامةٍ ساخرةٍ تجلَّت على وجهه:
-القمر والبحر والحب..إيه الارتباط معرفش، ستَّات هبلة..استمعَ إلى رنينِ هاتفه، أخرجهُ ينظرُ للمتصل:
-أيوة !!
عرفت لك مكان راجح فين، في فيلا بالمريوطية، الفيلا باسمِ طارق ابنه، فيه حاجة كمان عايز أقولك عليها،
فيه ظابط بيعمل تحرِّيات عليك وعلى مدام فريدة..ضيَّقَ عينيهِ متسائلًا:
-مين دا ؟!
ردَّدَ اسمَ الضابط إليه، فتراجعَ إلى المقعدِ قائلًا:.
-الصبح تعرف لي ليه بيدوَّر ورايا، وإيه حكايته أكيد وراه راجح، بس قبلِ الحكم هاتلي قراره..
قالها وأغلقَ الهاتفَ ينظرُ أمامهِ بشرود:
-وبعدهالك ياراجح، بتعجِّل بموتك ليه، أنا مش عايز أموِّتك دلوقتي..حكَّ ذقنهِ وتذكَّرَ أمرَ قتله:
-ودا أبعده إزاي عن القتل، أنا لازم أعذِّبه في حياتهِ زي ماعذَّبنا، ياترى هعرف اوصل لأخويا، ياترى هو عايش ولا ..اغمض عيناه ونيران متقدة بصدره كلما تذكر له ولأخيه، استند بظهره على المقعد محاولًا التفكير بشؤنه القادمة، ماذا سيفعل، هل سيظل بكنيته ام سيغير إلى والده الحقيقي، بدأ يحدث نفسه
-إزاي بعد العمر دا كله أغير اسمي، غابت ذكرياته وبدأ الألم فريسته التي تنهش بداخله، وبدأ يردد بلسانه
-يوسف جمال الشافعي
-إلياس مصطفى السيوفي، معقول العمر دا كله أكون باسم غير اسمي، معقول حياتي كلها سراب، ازاي ..بدأ يفرك جبينه وألم رأسه يسيطر عليه
-راجح، الراجل المتقلب، ياترى ياراجح هتكون السبب في موت اخوك، ولا هيكون قضاء وقدر، استمعَ إلى صوتِ مصطفى:
-مراتك عاملة إيه؟..
-كويسة هتعمل إيه..جلسَ بجوارهِ يربتُ على كتفه:
-اعذرها حبيبي، البنت كانت في موقف صعب..
التفتَ إليه ينظرُ بصمتٍ للحظاتٍ ثمَّ نطقَ مستنكرًا ما فعلتهُ فريدة وميرال:
-أنا مش عارف ليه حضرتك بتحسِّسني أنُّهم كانوا بيتفسحوا، مراتك كانت بين إيدين مجرم، تخيَّل لو أرسلان معرفشِ مكانها كنت هتعمل إيه..توقَّفَ وابتعدَ عن نظراتهِ واستطرد:
-بابا مش هفضل أسامح لحدِّ ما في يوم تموِّت نفسها وتموِّت حد من البيت، استدارَ يطالعه:
-ميرال اتجاوزت كلِّ الحدود، عارف إنَّها مضغوطة وحالتها متسمحش، بس لازم تعرف إنَّها مش ستِّ عادية دي مرات ظابط أمنِ قومي، يعني لا قدَّرَ الله ممكن في أيِّ وقت توقع بين أيدي الارهابين اللي بنحاربهم، وقتها لازم تدافع عن نفسها متكنشِ مطمع يابابا، مراتي ماتتهدِّدش، ومش معنى أنا مجرتشِ ورا راجح يبقى اتقبِّلت اللي عمله، لا مكنشِ ابنِ مصطفى السيوفي إن مخلِّتوش يكره اليوم اللي قابلني فيه، يبقى وقتها اعرف إنَّك معرفتش تربيني..
توقَّفَ بمقابلته، وحدقهُ بعيونٍ مستفهمة:
-ناوي على إيه يابنِ السيوفي؟..ماتضغطشِ على البنتِ ياإلياس، البنتِ مالهاش ذنب..
-ولا أنا ليا ذنب، ذنبي إيه أعيش طول حياتي باسمِ غير اسمي، ذنبي إيه وأنا حاسس إنِّي سارق حياة مش حياتي، ذنبي إيه ولادي يجوا على الدنيا وجدُّهم واحد حقير ممكن يكون قاتل أبو باباهم، دنا يتعمَّقُ بعينِ مصطفى وتابعَ بنبرةٍ منكسرة:
-ذنبي إيه وأنا بعامل أمِّي بمنتهى القسوة علشان أثبت لقلبي إنِّي مابحبَّهاش علشان خايف أخون أمِّي الميتة، ذنبي إيه وأنا ليَّا أخ وبحاول أتذكَّر أيِّ حدِّ أكون عاقبته ويكون قريب مني أو من أمِّي بالشبه، ذنبي إيه وأنا بقوم بالليل مفزوع خايف ليخطف مراتي أو يموِّت حد من أخواتي..دا وصل لقلبِ بيتنا مرة، والمرَّة التانية سحب أمي ومراتي، منتظر مني أصقف له..
تراجعَ بجسدهِ للخلف وهو يهزُّ رأسهِ بالنفي مستنكرًا هدوءَ مصطفى:
-معرفشِ ليه لمَّا ضرب عليك نار نكرت دا قدام النيابة!..
-علشان دا اللي حصل، إحنا رجال قانون ياإلياس، أنا غيرك لازم دلائل يابني، وقتها كان هيخرج، ماهو مفيش حاجة تدينه، كنت هتقولُّهم شكِّيت فيه، زي خطفه لفريدة وميرال إيه اللي يثبت، لو قولت مراتك أو والدتك هيعمل مليون حيلة علشان يطلَّع والدتك بتتبلَّى عليه، وهيقلِّب في القديم، ومحدِّش هينضَّر غيرك إنتَ وأخواتك، عرفت ليه أنا محبِّتش أعمل شوشرة..
-بابا ..صاحَ بها بعنفٍ وأشارَ بسبباته:
-أنا مش هرحمه، وكنت مستحيل أقدِّمه للشرطة، بالعكسِ أنا ببعده عن كلِّ التهم، ومش بس هسحبه من تحتِ المنظَّمات اللي بيعمل فيها، عايزه نضيف علشان أشرَّبه المر اللي شرَّبه للكل..
-إلياس..رفعَ كفَّيهِ معتذرًا:
-آسف مش هسمع كلامك، ولا كلام أيِّ مخلوق، ولو ليَّا معزَّة عند حضرتك زي مابتقول، حياتي الخاصة محدش يتدَّخل فيها، علشان مزعلش..قالها واستدارَ متحرِّكًا للداخل، وصلَ إلى غرفةِ ميرال، دلفَ للداخلِ وجدَ فريدة تطعمها، رفعت عينيها وتقابلت نظراتهما إلى أن سحبت عينيها من مرمى نظراتهِ القاسية..
-اسمعيني كويس يابنتِ مدام فريدة، وعايزك تُحطِّي تحت كلمة مدام فريدة ملايين الخطوط، علشان لو سمعتك في وقت تنسبي نفسك لراجح هموِّتك بإيدي، ومتعشيش دور المظلومة، إحنا الاتنين في الهوا سوا، يعني إحنا الاتنين اتحطِّينا تحتِ أمر واقع ولازم نتقبِّله، اقتربَ منها وعينيهِ مازالت تحاوطُ جلوسها وتابعَ حديثه:
-ابنك اللي في بطنك دا أغلى منِّي شخصيًا، ميرال السيوفي لازم تكون قدِّ الكلمة مش مجرَّد زوجة أضواء وبس، عايز ست أقدر أعتمد عليها في أقسى ظروفي، مش واحدة مجرَّد ماأيِّ حيوان يهدِّدها تجري تعيَّط وتضعف وتنتنحر، أنا الستِّ دي متلزمنيش..أنا قولت لك قبل كدا أنا مستحيل أطلَّقك إلَّا إذا إنتِ طلبتي، بس قبل ماتتنططي وتقولي طلَّقني متنسيش إنِّك حامل في ابني..
طالعتهُ بعيونٍ متلألئةٍ بالدموعِ اللؤلؤية، وارتعشَ جسدها بقلقٍ وخوفٍ من قسوةِ كلماته..سحبَ نفسًا وابتعدَ عن نظراتها حتى لا يضعفَ وتابع:
-مفيش خروج من البيت إلَّا وأنا معاكي، الكلب دا مش هيسيبك غير لمَّا يحرق قلبي بابني، متفكريش إنِّك تهمِّيه، هوَّ عايز يدوس عليَّا أنا وأمِّي وبس، ياريت تسمعي الكلام وتعقلي، أنا عمري ماوقفت قدام مستقبلك، بالعكس كنت داعم من أوِّل ما دخلتي الكلية لحدِّ دلوقتي، بس دلوقتي خلاص مبقاش ينفع نطاطي..
أغمضت عينيها محاولةً الضغطَ على أعصابها حتى لا تصرخَ بوجهه، ظلت تستمعُ إلى كلماتهِ أو بمعنى أصح قسوة سجنهِ إلى أن انتهى..
رفعت عينيها أخيرًا إليه وأخرجت حروفها متقطِّعةً مثل حالِ قلبها الذي انشطر:
-أنا مش مسجونة قدامك ياحضرةِ الظابط، علشان تكلِّمني بالطريقة دي، وزي ما سمعت كلامك لازم تسمعني..
-مالكيش كلام عندي..
اشتعلت حدقتيه كجمرات ملتهبة، حاول تمالك اعصابه، ولكنه كان كالذي يقف فوق تل من النيران، ليقترب منها
-الكلام دا تبليه وتشربي ميته، مالكيش رأي بعد رأيي واحمدي ربنا اني لسة هتقبلك في حياتي بعد بلاويكي
اخترقت كلماته صدرها كالرمح المشتعل، فسحبت نفسًا قويًا لتثبط نوبة بكاء أوشكت على الانفجار واردفت بهدوء رغم الضجيج الذي يحاوط دواخلها
-وأنا مش موافقة..
-مش مهم توافقي أو ترفضي، رأيك مايهمنيش
هبَّت فريدة من مكانها تطالعهُ بذهولٍ وتمتمت بعتاب:
-لا واللهِ ودا قانون مين؟..
قانوني..قالها وهو يضعُ سلاحهِ على الكومدينو، ثمَّ رمقَ ميرال بنظرةٍ سريعة:
-قربت لك المسافة يامدام، علشان ماتجريش عليه زيِّ الطفلة..
تنهَّدت فريدة مستديرةً إليه:
-هوَّ إنتَ يابني جايب القسوة دي منين، مش معقول تكون ابنِ جمال.
-ومين قالِّك أنا ابنِ جمال..قالها بدخولِ مصطفى وتوقُّفهِ على بابِ الغرفة، أشارت إليه:
-مصطفى خد الواد دا من قدامي..
-واد وياخدني، ليه عايز الرضعة،
إيه يامدام فريدة تغلطوا الغلط وتلبسوهالي، ولَّا بتسبقيني علشان معقبكوش على اللي عملتوه إنتِ وباربي هانم..
تعاقبني، لدرجة دي ياإلياس عايز تعاقب أمَّك؟!..
دنا منها وانفجرَ بكلماتهِ التي حاول كبتها:
-منتظرة منِّي إيه، أنا دخلت لقيت مراتي بطنها مفتوحة يامدام وهي حامل وباعتة تقولِّي بلاش توصَّلني أذلَّك، اتَّجهَ ببصرهِ إلى ميرال وجزَّ على أسنانه:
-عايز أعرف المدام هتذلِّني إزاي، دنا ونسي ما تشعرُ به وانحنى بجسدهِ يحرقها بنظراتهِ، وكبريائه اللعين يحرقه من كلماتها التي ذبحت رجولته، كيف يصمد أمام ذلك حتى لو كان عشقها موشوم بوريده، لابد أن يدعس على ذاك النبض حتى لا يفقد كبريائه ورجولته، فهدرَ بصوتٍ اهتزَّت له جدرانَ المنزل:
-ياله يامدام عايز أعرف هتذلِّيني وتكسريني إزاي، هوَّ فيه أكتر من واحد زبالة يصوَّرك وهوَّ بيحرَّك إيده على جسمك ويقهرني، أنا اتذلِّيت بيكي يامدام وأنا عاجز ومش عارف أوصلِّك ودماغي هتنفجر من العجز..
وضعَ كفَّيهِ على عنقها يقرِّبها إليه يهمسُ إليها بهسيسٍ مرعبٍ، عندما اشتعلَ فتيلُ غضبهِ ليحرقَ قلبه:
-فيه اكتر من كدا ذل ومراتي تحت إيد واحد ***
أبعدتهُ فريدة تدفعهُ بغضبٍ بعيدًا عنها بعدما ازدادَ بكاؤها، وصرخت باسمِ زوجها:
-مصطفى ..قالتها وهي تطالعُ ميرال بعيونٍ حزينة:
-برضو هتقولي مصطفى، مصطفى دا يجي علشان ياخدك من أوضتي مش علشان ياخدني ياماما، حياتنا الخاصة محدش يدَّخل فيها، وياريت حضرتك تسبيني مع مراتي شوية..
توسَّعت عيناها بذهولٍ متمتمة:
-للدرجة دي ياإلياس!..التفتَ إليها:
-لدرجة إيه يامدام فريدة، حضرتك لغيتي وجودنا وجريتي ورا تهديد واحد جبان بيستخبَّى ورا الستات، خايفة منُّه ليه؟..مش لمَّا يكون راجل نعملِّه حساب..
نيرانٌ فقط لا يشعرُ سوى بنيرانٍ تسري بجسدهِ وهو يتخيَّلُ وجودهما بين قبضته، ضغطَ بقوَّةٍ على الكوبِ الموضوعِ بقربهِ حتى تهشَّمَ بكفِّه، وصرخَ بصوتٍ جهوري:
- مش عايز أسمع صوت، متبقوش غلطانين وتيجوا توقفوا قدامي وتقولوا أعمل إيه، المدام سمعت شروطي ودا لو عايزة نكمِّل مع بعض..
-وأنا مش عايزة أكمِّل معاك يابنِ عمِّي.
اتَّسعت ابتسامته، ورغم أنَّ كلماتها أصابتهُ كسهمٍ مسموم، إلَّا أنَّهُ هزَّ رأسهِ مردفًا:
-حاضر، بس مترجعيش تعيَّطي، أنا هكون معاكي راجل لصلةِ الدم وعلشان الستِّ دي مش أكتر، إنَّما إنتِ متهمِّنيش، مببكيش على الستِّ اللي تحاول تدوس على رجولتي، قالها وتحرَّكَ يصفعُ البابَ خلفه.
رفعت عينيها التي امتلأت بالدموعِ إلى فريدة:
-عجبك كلامه، شوفتي بيقول إيه..
ضمَّتها لأحضانها ولم تجبها، ولكنَّها تنهَّدت بألمٍ تشعرُ بثقلٍ يطبقُ على صدرها، ظلت تربتُ على ظهرها إلى أن غفت بأحضانها.
عند يزن:
خرجَ من الورشةِ يرتدي نظارتهِ الشمسية، وتوقَّفَ أمام صاحبِ الورشة:
-شوف حضرتك عايز تعمل إيه ياعمُّو وأنا معاك، بس فكَّر في الفكرة اللي قولت عليها، نكبَّر الورشة دي، ونشتري المخزن اللي جنبك ونعمله أجنس كبير..
أومأ الرجلُ برأسه،
-هفكر يابني بس الموضوع هيكلف يايزن
-على قد مايكلف ياعمو بس هيجزي بعد كدا، فكر ورد عليا ..قالها ثمَّ اتَّجهَ إلى دراجتهِ البخاريةِ وتحرَّكَ متَّجهًا إلى الشركة، وصلَ بعد قليلٍ إلى مكتبِ رحيل، دفعَ البابَ ودلفَ وجدها تجلسُ مع أحدِ المهندسين، ألقى السلام واتَّجهَ إلى المقعدِ وجلس منتظرًا انتهاءها، توقَّفت تنهي حديثها قائلة:
-نكمِّل في وقتِ تاني ياباش مهندس، ثمَّ اتَّجهت إلى جلوسِ يزن:
-أهلًا بحضرتك ياباشمهندس، أخرجَ جوازَ سفرها وألقاهُ أمامها:
-جواز سفرك جدَّدته واجهزي علشان هنسافر بكرة، باباكي هيسافر النهاردة بالليل..
اتَّقدَ الغضبُ كالنيرانِ التي تشتعلُ تحت مرجلٍ ليغلي صدرها مثل مياههِ وهدرت:
-ومين اللي أمر بكدا؟. تراجعَ بجسدهِ للخلفِ والتقطَ غضبها وصوتها المرتفع بهدوئهِ الباردِ وهو ينقرُ فوق المكتب:
-مابحبش أعيد كلامي، بلاش تخلِّيني أوصل لمنعك من السفر، نهضَ من مكانهِ وعينيهِ تحاورها قائلًا:
-هستناكي بالليل في بيتنا، أحست بارتفاع ضغط دمها، فتوقَّفت بمقابلتهِ معقِّبةً على حديثهِ قائلة:
-يزن أنا مش معترفة بجوازنا، ودلوقتي طلَّقني، دا لو اتجوِّزتني علشان تنقذني زي مابتقول، أنا دلوقتي متنازلة عن المساعدة..قالتها بمرارةٍ استشعرها بنبرتها، استدارَ إلى مكانها وحجزها بين ذراعهِ والجدار، وطافَ بعينيهِ على ملامحها البريئة:
-ومين قال أنا بساعدك، مش يمكن كنت بستغلِّك يارحيل؟..كتمت صرخة مهتاجة جاشت بصدرها، ورمقته بملامح مضجرة قائلة:
-يمكن!! يعني مش حقيقي.
-رحيل ممكن تسمعيني..
-لأ مش عايزة أسمع حاجة، واتفضَّل أنا عندي شغل، انحنى يهمسُ لها:
-قعدتك مع الباشمهندس دا لوحدكم مش مقبولة، اتَّسعت حدقتها بالغضب، تدفعهُ بعيدًا عنها..أمسكَ كفَّها ووضعهُ على صدرهِ ليرتجفَ جسدها بالكامل، هربت الحروفُ من بين شفتيها، تطالعه بعيونًا ممزوجة بخط من الدموع، شعرَ برجفةِ جسدها فاقتربَ منها حتى اختلطت أنفاسهما:
-رحيل لازم تسمعيني، أنا مش وحش زي ما بتقولي.. كانت نبرته لينة ورغم ذلك شعرت بنيران انتقامية، فدفعتهُ بقوةٍ وابتعدت عنه تلفظ الهواء المكبوت بداخل صدرها وردت:
-ميهمنيش أعرف حاجة، اللي يهمِّني ورقة طلاقي وإنَّك تبعد عني..
شعر بثقل كلماته، ورغم ذلك بدا تصميمه جلي بعينيه، ليسحب نفسًا و
تنهَّدَ قليلًا، محاولًَا التماسكَ وكأنَّهُ مجبورًا على أن يصبرَ عليها، اقتربَ وعينيهِ تعلَّقت بها يخبرها:
-انا مضحكتش عليكي أنا اتجوِّزتك علشان أحميكي فعلًا، وكمان علشان فيه حاجة هتعرفيها بعدين..
تسمَّرت بمكانها وشيَّعتهُ بنظرةٍ أشبه بنيرانها التي تحرقُ صدرها ثمَّ تمتمت:
-لو كنت صريح معايا من الأوَّل يمكن كنت أدلتك عذر، بس دلوقتي للأسف إنتَ قدامي انتهازي واستغلالي، وانتقامي بشع ياباشمهندس، ولو سمحت حرَّرني أنا مش محتاجاك..
-تمام يارحيل، نرجع من السفر وبعدها أطلَّقك.
-سفر!! وانتَ تسافر معايا بصفتك إيه إن شاءالله؟..
-جوزك..عقدت ذراعيها وردَّت بغضب:
-وأنا مش معترفة بيك زوج هترضاها على نفسك..
اغتاظَ من قسوةِ كلماتها ورغم ذلك رسمَ ابتسامةً باردةً وحاول الثبات هاتفًا:
-لمَّا ترجعي يارحيل، مقدرشِ أسيبك في فمِّ الديب، ارجعي وبعدين نتكلِّم..
استندَ بكفِّهِ على المكتبِ وغرزَ عينيهِ بمقلتيها:
-متفكريش هموت عليكي، أنا اتجوِّزتك علشان شوفتك ست ومحتاجة حماية، وعندي سببي الخاص، أكيد هتعرفيه بس في وقته إن شاءالله..قالها واستدارَ إلى البابِ قائلًا وهو يواليها ظهره:
-خلِّيهم يجهزولي مكتب علشان بقيت شريك 20٪من الاسهم، توقَّفَ والتفتَ برأسه:
-مفيش اجتماع للشركة من غير علمي، روحي اطَّمني على مالك بيه وبعدين لينا كلام غير دا خالص..
بإحدى القاعاتِ التي تحضرُ بها إيمان دروسها، خرجت متَّجهةً لأحدِ الوسائلِ المشهورةِ بذاك المكانِ ويُعرف بالتوكتوك..أشارت إليه ليتوقَّف، ولكن وقعَ بصرها على كريم، خطا إلى وقوفها يشيرُ لصاحبِ التوكتوك:
-شكرًا يابني، الأستاذة عندها درس تاني..تهكَّمَ الولدُ وهو يوزِّعُ نظراتهِ عليهما بسخرية:
-وياترى درس أخلاقي ولَّا ثقافي ياأخينا، بقولِّك ياحلوة أنا بدِّي دروس ثقافية إنما إيه مدروسة بدقة، ماتسيبك منُّه وتعالي أنا أدِّيكي الدروس واحدة واحدة..غلت أوردتهِ فاقتربَ منهُ وجذبهُ يخرجهُ ليلطمهُ على وجهه، صرخت إيمان باسمه:
-خلاص ياكريم، كريم ..ظلت تصرخُ ولكنَّهُ فقدَ سيطرتهِ واشتعلت عيناهُ بالغضبِ وهو يلكمهُ حتى تجمَّعَ بعض الشبابِ للخلاصِ بينهما ..حملت حقيبتها بعدما ابتعدَ عنه، وركضت بعيدًا عن الجمع، والكلّ يرمقونها بنظرةٍ اتهاميةٍ ساخطة، ركضت مسرعةً بخطواتها وانسابت عبراتها، هرولَ خلفها يصيحُ باسمها إلى أن وصلَ إليها يجذبها من ذراعها، رفعت يديها تشيرُ إليه بالابتعادِ ونطقت بنبرةٍ منزعجة:
-ابعد إيدك يادكتور، إيه شغل البلطجية دا، أومال لو مش حضرتك دكتور، كنت عملت إيه، خرَّجت مطوة وشوَّهت الولد..
قالتها واستدارت من أمامه، إلى أن هتفَ قائلًا:
-كنتي منتظرة منِّي إيه، إنتِ مش شوفتي كلامه..التفتت تحدقهُ بنظراتٍ جامدةٍ وردَّت بنبرةٍ حادةٍ قائلة:
-هوَّ قال إيه مش حقيقة، إنتَ مشفتش الناس بتبصِّ عليَّا إزاي، فكَّروكوا بتتخانقوا عليَّا، ليه تحطُّني في موقف زي دا..لا إنتَ ولا هوَّ تهمُّوني، أنا بفكَّر بنظراتِ الناس والمستر ليا هيفكَّرني بنت منفلتة، محدِّش يعرف إنَّك صديق أخويا، واللي هيعرف هيفكَّر فيه علاقة بينا..
اقتربَ مزمجرًا كأسدٍ يريدُ أن ينقضَّ على فريسته، وجذبَ رسغها بعنف:
-بت أنا اتحمِّلت لسانك مافيه الكفاية، غير دفعت من أعصابي علشان آخد الإذن من أخوكي البارد أقعد معاكي نصِّ ساعة، وضيَّعتي النصِّ ساعة في تفاهات، دا عيِّل زبالة ومفكَّرنا مقضينها..
تغضَّنَ وجهها بعبوسٍ تطالعهُ بعيونٍ مستفهمة، أنا معرفش حضرتك بتتكلِّم عن إيه، بس اللي فهمته إنَّك عايز تقعد معايا وأنا مش موافقة، مستحيل أقعد معاك برَّة بيتنا، وكمان من غير مايزن يعرف.
ثارت جيوشُ غضبه، حتى نفرت عروقهِ ليكوِّرَ قبضتهِ بعنف، يشيرُ على سيارتهِ وهو يسحبها من كتفها متَّجهًا إلى السيارة:
-عدِّي الطريق معايا بدل ماأرميكي قدام العربية وأرتاح منِّك، توقَّفت تنظرُ لكفِّهِ المتشبثَ بذراعها ونزعتهُ بقوة:
-إنتَ صاحب أخويا أه، بس دا ميدكشِ الحق إنَّك تقرَّب منِّي كدا ولا تمسكني بالطريقة دي.
-إيماااان..قالها من بين أسنانهِ واقتربُ يخطفُ كفَّها الصغير بين كفِّه الكبير ويسحبها إلى سيارته..
-وآدي اللي يحبِّ عيِّلة، يستاهل اللي يجرى له..لم تستمع إلى مايقوله، كلَّ ماشعرت به دفءَ كفِّهِ وكأنَّهُ يحتويها بين أحضانهِ وليس بين كفَّيه، التفتت تنظرُ إلى وجههِ القريبَ منها، كان ينظرُ إلى حركةِ السياراتِ السريعةِ ليعبروا الطريقَ للجهةِ الأخرى، لا تعلمَ ماهذا الشعورُ الذي طغى عليها حتى جعلَ قلبها مضخَّةً عنيفة، حينما التفتَ إليها قائلًا:
-عدِّي بسرعة، قالها وعانقَ ذراعها ليتحرَّكَ بها سريعًا الى أن وصلَ الجهةَ الأخرى، كلَّ هذا ولم تشعر بما يدورُ حولها سوى من مسكةِ يديه..تركها بعدما وصلَ إلى سيارتهِ يشيرُ إليها:
-اركبي فيه كلمتين هقولهم وهوصَّلك للبيت أنا مستأذن من يزن ياإيمان، مش معقول هجي لك هنا وأقابلك من غير ماصاحبي يعرف.
-عايزني ليه يادكتور..فتحَ بابَ السيارةِ يشيرُ إليها:
-ماهو لمَّا تركبي هتعرفي..نظرت إليه ثمَّ إلى السيارةِ، فهمَ ماتفكِّرُ فيه فأردف:
-خايفة منِّي ولا شاكة فيا..هزَّت رأسها رافضةً كلماته، ثمَّ تمتمت:
-الموضوع مش كدا..لازم أكلِّم أبيه يزن أولًا، ثانيًا متعوِّدتش أركب مع حدِّ غريب..
اقتربَ منها وتوقَّفَ على بُعدِ مسافةٍ ليست بالقليلة، وردَّدَ وهو يستندُ على السيارة:
-أنا مش زي أيِّ حد، دا أولًا ، ثانيًا اتصلي بيزن مع إنِّي كلِّمته قبل ما آجي لك..
بفيلا إسحاق:
ظلت أحلام تدورُ بالمنزلِ كالمجنونة، تردِّد:
-مستحيل أخلِّي بنتِ بياع الخضار تجيب حفيدي، أنا حفيدي يكون أمه بتاعة خضار، ظلت تدورُ في الغرف، تشيرُ لرجالها:
-تجبوها من تحتِ الأرض، البنت دي لازم تكون تحتِ رجلي حالًا قبل ماإسحاق يعرف لعبتنا، نزلت إلى الحديقة تدورُ بعينيها في المكانِ إلى أن وقعت عيناها على الملحقِ المجاورِ لحارسِ الفيلا، فهمت من نظراتهِ أنَّها تختبئُ هناك، هرولت تنادي على أحدِ الرجالِ متَّجهةً إليهما، توقَّفَ الرجل أمامها:
-رايحة فين يا هانم، بنتي تعبانة ونايمة، لو سمحتي بلاش تخوِّفيها، نظرت للرجلِ الذي دفعهُ بقوةٍ حتى سقطَ على الارضِ ثمَّ أشارت على الباب:
-اكسروا الباب..أطلقَ الرجلُ طلقةً واحدةً لينفتحَ البابَ بوصولِ إسحاق يقتحمُ البوابةَ بسيارتهِ المصفحة، ليخرجَ سلاحهِ من النافذةِ ويطلقَ على من يحاوطها، بلحظاتٍ وهو يدورُ بالسيارةِ إلى أن تخلَّصَ منهم جميعًا، ثمَّ ترجَّلَ من السيارةِ بخروجِ دينا تحتضنُ أحشاءها، وتردِّدُ اسمهِ ببكاءٍ لتهوى على الأرضِ مغشيًا عليه، هرولَ إليها يحملها بين ذراعيه، لتستغلَّ أحلام انشغالهِ بها، فركضت إلى سيارتها وغادرت المكانَ سريعًا، رفعَ نظرهِ إلى سيارتها التي غادرت البوابة ، ثمَّ انحنى يضعُ زوجتهِ بالسيارةِ وهو يهاتفُ أحدهم:
-العربية رقم (. )تراقبها من غير ماتحس، شوفها هتوقف فين..
عند أرسلان:
دلفَ للداخلِ متَّجهًا لعملِ التحاليلِ اللازمةِ لأخذِ الدماء، انتهى بعد قليل، وخرجَ بوصولِ إلياس يربتُ على كتفه:
-حمدَ الله على سلامة باباك، أومأ له دون حديثٍ وجلسَ على المقعد، جلس بجوارهِ متسائلًا:
-مش فاهم إزاي خرج ويدخل عمليات تاني، أغمضَ عينيهِ قائلًا:
-بابا عنده لوكيميا، الدكتور لسة معرَّفني دلوقتي لمَّا سألته السؤال دا، وعملت تحاليل علشان نشوف تطابق الأنسجة، بس بيقولي هتتأجِّل أسبوع، لازم يفوق الأوَّل من الغيبوبة، وبعد كدا نشوف موضوع المرض..
-إن شاء الله هيفوق ويكون كويس، من رأيي تسافر بيه برَّة، هنا العناية مش قد كدا..
هزَّ رأسهِ بالرفضِ مردِّدًا:
-مينفعشِ إنتَ ناسي عمُّو وشغله، رفعَ عينيهِ إليهِ وهمسَ بصوتٍ خافت:
-عمِّو اتكشف دلوقتي، بعد ماخلصنا من الكلاب، وطبعًا العين كلَّها وقعت عليه، ومينفعشِ أخاطر ونسافر برة مصر،
-أممم، علشان كدا كان مبيِّن أنُّه عقيد بالشرطة..
مسحَ على وجههِ وزفرةً حارةً أخرجها يتلفَّتُ حولهِ ينظرُ إلى أختهِ ووالدتهِ ثمَّ اتَّجهَ بنظرهِ الى إلياس:
-نسيت أسألك مدام ميرال عاملة إيه والبيبي؟..
-الحمدُ لله كويسين.
-ربنا يحفظهم لك..أومأ له قائلًا:
-متشكِّر، المهم لو احتجت حاجة يبقى كلِّمني، أنا لازم أمشي عندي شغل مهم..
توقَّفَ متحرِّكًا معهُ إلى خارجِ المشفى حتى وصلَ إلى سيارته:
-هتعمل إيه مع راجح؟..فتحَ باب سيارتهِ وارتدى نظارتهِ ينظرُ إليه:
-ولا حاجة، أخلَّص قضيتي وأفضى له..
اقتربَ منه متسائلًا:
-إنتَ هتستقيل فعلًا، عرفت إنَّك مقدَّم استقالة، وكمان أنا معرفشِ إيه الموضوع كلِّ ماآجي أسألك أنسى..
أشارَ إلى المشفى وردَّ عليه:
-ادخل لوالدتك وأختك، متسبهمش لوحدهم، وإن شاءالله الدنيا تتحسَّن ونتكلِّم، لو احتاجت حاجة أكيد هتكلِّمني مش كدا؟..
ابتسمَ يومئُ له:
-أكيد هكلِّمك، مش علشان إنتَ جدع، لا علشان معنديش غيرك..
أفلتَ ضحكةً رجوليةً يهزُّ رأسهِ ثمَّ صعدَ إلى سيارته...
بشقةِ رؤى على طاولةِ الطعامِ تقلِّبُ بطعامها، رمقتها رؤى قائلة:
-بتلعبي في الأكلِ ليه يالينو؟..حبيبتي لو مش جعانة نامي شوية ولمَّا تقومي كلي..رفعت عينيها وتنهَّدت قائلة:
-مش عارفة، بس ماليش نفس للأكلِ ولا للنوم، صمتت ثمَّ هتفت:
-إنتِ هتخرجي إمتى؟..ابتلعت طعامها مجيبة:
-نصِّ ساعة كدا، مش عايزة أروح وإلياس هناك علشان ميرال متزعلش..
مطَّت شفتيها للأمام ثمَّ ابتسمت ساخرة:
-لا كتَّر خيرك والله، تعرفي أنا لو منها كنت موِّتك من غير مايرفلي جفن..
رفعت رؤى حاجبها ساخرة:
-ليه إن شاءالله، ماهي عارفة ومتأكدة إن إلياس أخويا وبس، وعارفة طبيعة العلاقة بينا، غير أنَّها كانت تعرف علاقتي بسيف..
اقتربت بجسدها مستندةً على طاولةِ الطعام:
-يابت حرام عليكي، دا إنتِ كنتي هتتجوِّزي جوزها،أنا معرفشِ إزاي ليكي عين تروحي هناك.
وضعت شوكتها ورفعت عينيها التي حجبت الدموعُ رؤيتها:
-أنا عمري ماكنت هعامل إلياس كزوج أبدًا، وهوَّ اتفق معايا على كدا، كان عايز يكتب عليَّا بعد مالحيوان سيف ضحك عليَّا بالجوازِ العرفي، انسابت دموعها وأكملت حديثها بصوتٍ باكي:
-اليتم وحش أوي ياإيلين، أنا ماليش حدِّ غيرهم، عارفة أنها زعلانة، وعارفة اني غلطت، بس هوَّ كان عايز يداويني علشان بعد كدا لمَّا أتجوِّز. ماهو مش هفضل طول حياتي كدا، وكمان كان عايز يفوَّق مراته، إلياس بيحبِّ ميرال أوي، مستحيل يشوف غيرها حتى لو مش بيعترف بدا، بس أنا متأكدة أنُّه بيحبَّها يمكن أكتر من أيِّ حاجة في الدنيا، ولو حطونا إحنا الاتنين هيدوس عليَّا علشانها، بدليل بعد الموضوع وفكرة انتحارها وقتها مافتحشِ الموضوع تاني..
-أيوة يارؤى أيِّ حدِّ مكانه هيعمل كدا، وبعدين هوَّ جاب لك ورقة من زفت سيف عقد جواز، ووثَّقه في الشهرِ العقاري وكمان ورقة طلاق، ليه كنتي عايزة جوازك من إلياس؟..
تنهَّدت بقلةِ حيلة وامتلأت عيناها بدموعِ الألمِ وردَّت قائلة:
-انا لسة على علاقة بيه علشان عايزة الحماية ياإيلين، نفسي أحس إنِّ ليا عيلة وأهل، واللهِ إلياس أخويا وعمري ما فكَّرت فيه غير كدا.
-طيب ماهوَّ بيحميكي ومحدش بيقرَّب منك، بلاش تدخلي حياته يارؤى لو سمحتي، إلياس على كلامك شخص كويس، بلاش تهدِّي حياته.
جحظت عيناها تشيرُ على نفسها بذهول:
-أنا أهدِّ حياة إلياس..لا طبعًا، أنا بس كنت عايزة لمِّة العيلة وبس.
زفرت إيلين بغضبٍ ونهرتها بحدة:
-ولمِّة العيلة دي هتكون إزاي يارؤى، حبيبتي دا واحد بيحبِّ مراته، وفكرة جوازه منِّك كانت للسترة وبس، وخلاص شاف ورقة الجواز والطلاق حلك، يبقى ليه نخرب حياته، مفيش مشاعر يارؤى حتى لو أخوية، حطِّي مليون خط، متعرفيش كسرةِ الستِّ بتكون إزاي من مجرد أنَّها تعرف إن جوزها فكَّر في غيرها..
تجمَّدَ جسدها تهزُّ رأسها بعنف:
-لا أبدًا أنا مستحيل أعمل كدا ياإيلين، مستحيل أهدم حياته، ولولا معرفتي بخلافه مع ميرال وكان عايز يفوَّقها، مكنتش وافقت عليه، معنى كلامي دلوقتي مش ارتباط بيه أبدًا..أنا قصدي بحبِّ أروح لهم علشان جوِّ العيلة مش علشان حاجة تانية.
اقتربت تربتُ على كتفها:
-حبيبتي متزعليش منِّي، خفت تكوني لسة حابَّة فكرة جوازه منِّك.
نكست رأسها بأسفٍ وتمتمت:
-يبقى متعرفيش مين هيَّ رؤى ياإيلين..
تأمَّلت حزنها البادي على وجهها ثمَّ حمحمت متسائلة:
-قوليلي إيه سر قرابته منِّك، يعني إزاي بقى مسؤول عنَّك؟..
استندت على كفِّها وبدأت تتلاعبُ بطعامها وهي تخبرها:
-كنت في ملجأ والدته، اتربيت وكبرت فيه، عمُّو مصطفى اتولَّى تعليمي علشان كنت كويسة، رفض أكون لوحدي دايمًا كنت تحت رعايته، قالي مش هسيبك ولازم تكمِّلي تعليمك وأراعيكي ومش هسيبك للدنيا تلطَّش فيكي، في الوقتِ دا طنط فريدة عملت مشغل في الدار وبدأت تعلِّم فيه البنات الصغيَّرين واللي في سنِّي، أنا كنت هاوية أوي الحاجات دي، اعتمدت عليَّا في حاجات كتيرة، لحدِّ في مرَّة كنَّا عاملين حفلة في الدار، والكلِّ حضرها ومنهم إلياس وإسلام، كنت شوفته كذا مرة بيجيب ميرال وغادة عندنا الدار في أيامِ الإجازة، وكان بيلعب مع الأطفال الصغيرة، فغزلت له سكارف، ولمَّا جه الحفلة قدَّمتها له هدية، كان فرحان بيها، ابتسم وقتها وشكرني،
بعدها بأسبوع لقيت عمُّو مصطفى بيقولي إلياس أخد لك بيت إنتِ وصاحبتك يارؤى..علشان تعرفوا تذاكروا كويس وتعتمدوا على نفسكم، وهوَّ هيوفرلكم الحماية لحدِّ مايطَّمن عليكم، مرِّت سنين وهوَّ الصراحة مقصرشِ معانا، لحدِّ ما صاحبتي في يوم عملت حادثة وماتت وبقيت أنا وحيدة في البيت دا، جبلي شغَّالة ودادة وكان بيجيب غادة وميرال عندي وأنا بروح في إجازتي هناك، لحدِّ ما بقيت أشاركه في كلِّ حاجة، كان عنده أمل فيا أدخل طب، بس محصلشِ نصيب، رغم كدا دعمني وفضل معايا، حتى لمَّا تعبت وعملت عملية واحتجت دم هوَّ اتبرع لي..يوميها قالي علشان نبقى إخوة في الدم، أنا كنت عارفة أنُّه يقصد إنِّي مفكرشِ في العلاقة اللي بينا غير كدا وبس.
ابتسامةٌ لاحت على وجهها متذكِّرةً ذلك اليوم، أوَّلُ يوم ليا في الجامعة وصَّلني.. كان أوَّل يوم برضو لميرال في الشغل، نزلها قدَّام الجريدة وقالَّها متخرجيش غير لمَّا أعدِّي عليكي، وقتها هي َّردِّت عليه وقالت له أنا مش لسة طفلة وهتعمل فيها الوصي، أنا هرجع بعربيتي..أفلتت رؤى ضحكةً تنظرُ إلى إيلين وتابعت حديثها:
-لو تشوفيه وقتها لو كان طالها كان خنقها، بصِّ لها بس كدا، شاور بإيده:
-ادخلي بدل ماألغي الشغل خالص..ارتفعت ضحكاتُ رؤى متراجعةً على المقعد:
-كانوا عاملين زي توم وجيري، عمري مااتوقعت أنُّهم بيحبوا بعض من كترِ خناقاتهم لما يتلمُّوا على بعض، أنا فاكرة في عيد ميلاد غادة في مرَّة، مسكها تهزيئ قدام الكل وعمُّو مصطفى حاول يوقَّفه، ودا زي مايكون كان منتظر لها على غلطة، اقتربت من إيلين وأكملت متسائلة:
-عارفة ليه..علشان دخل لاقاها بترقص وكانت لابسة جيب قصير، لو سمعتيه اليوم دا ياإيلين تقولي دا عدو مش حبيب أبدًا..
-غبية يارؤى..نطقت بها إيلين وهي تدورُ بالكوبِ بين يديها، ثمَّ استرسلت:
-دا حب مش عدواة، غيرة بجنون، هزَّت رؤى رأسها موافقتها الرأي:
-فعلا مفهمتش دا غير لمَّا جيت في مرة اعترفت له بحبِّي..
توسَّعت أعين إيلين تضعُ كفَّها على فاهها:
-أكيد بتهزَّري!..هزَّت كتفها للأعلى والأسفل مجيبة:
-لا والله لقيت نفسي في مرَّة واحدة بقولُّه أنا بحبَّك أوي، أنا فاكرة نظرته ليا اليوم دا وردُّه كويس، يومها سكت وفضل بصصلي..أنا قولت بيني وبين نفسي دا هيضربني بس وقتها رد بمنتهى البرود وأنا بحبِّك، فرحت أوي وبعدين كمِّل وقالي زيك زي غادة، غير كدا هرميكي في النيل..
ضحكت إيلين بصوتٍ مرتفع:
-الله يخربيتك، واللهِ تستاهلي يابنتي، ماهو قالك قبلِ كدا إخوة في الدم.
ابتسمت رؤى وأردفت:
-كان عجبني أوي وقتها، عيِّلة بقى تقولي إيه، المشكلة أنُّه عاملني بعدها ولا كأنِّي قولت له حاجة، بالعكس قرَّب مني أكتر، وبدأ يراقب كلِّ تحرُّكاتي وخنقني في كلِّ حاجة، فكَّرته بيعاقبني بس اتضح لي حاجة تانية..صمتت للحظاتٍ وذهبت بشرودٍ لذلك اليوم..
فلاش:
دلفت إلى مكتبهِ وجدتهُ جالسًا على الأريكةِ يحاوطُ غادة بين ذراعيه، أشارَ إليها بالدخول، دلفت بعدما أشارَ إليها:
-تعالي يارؤى، قالها مع خروج غادة، رفع عيناه إليها
- هتروحي مع غادة لطنط فريدة في الدار عايزاكي، وشوفيها عايزة منِّك إيه وتعالي قوليلي..
بعد فترةٍ عادت إليه:
-طلبت أعمل تحليل وخلِّت الممرضة تاخد منِّي عينة دم، حتى ميرال كانت هناك وعملت نفس الشيئ..
ضيَّقَ عينيهِ متسائلًا:
-تحليل!..طيب وغادة عملت نفسِ التحليل، هزَّت رأسها بالنفي وأجابته:
-لا أنا وميرال..تنهَّدت تنظرُ إلى إيلين مرةً أخرى:
-بعد كدا عرفت التحليل دا DNA
إيه يعني إيه؟..هكذا تسائلت بها ايلين..
هزَّت رأسها بعدمِ معرفة، وتابعت حديثها:
-معرفشِ دا عرفته من فترة بسيطة، لمَّا روحت الدار وشوفت الظرف في مكتب ماما فريدة، مضحكشِ عليكي أنا روحت هناك علشان أعرف، من وقتها الدنيا انقلبت عرضِ الجواز وخطف ميرال وماما فريدة وواحد بيتكلِّموا عليه اسمه راجح الشافعي، ودلوقتي منعني من الخروج من البيت زي ماإنتِ شايفة..
-إنتِ بتقولي راجح الشافعي!..تقصدي مين عمُّو راجح جوز خالتو رانيا؟!..
-أيوة مراته اسمها رانيا إنتي تعرفيها؟..
-إنتِ بتقولي إيه، الستِّ اللي اسمها فريدة دي اسمها فريدة إيه؟..
بعد عدَّةِ أيام:
بفيلا السيوفي والوضعُ كما هو، نهضت ذات صباحٍ واتَّجهت إلى غرفته، طرقت بابَ الغرفةِ ودلفت للداخلِ تبحثُ عنه، وجدتهُ مازال نائمًا، نظرت للساعةِ وتذكَّرت اليومَ إجازته، التفَّت للمغادرةِ من الغرفةِ إلَّا أنَّها توقَّفت على صوته:
-ميرال..التفتت إليهِ واقتربت بعدما اعتدلَ على الفراش:
-أنا هسيب الفيلا، هروح أقعد في البيت اللي اشتريته ودا بيتك يعني يخصَّك، وعلشان مترجعشِ تقولِّي حامل في ابني، شغلي وهكمِّله، لحدِّ ماأولد وقتها يبقى نشوف حياتنا هتكون إزاي، ياأمَّا ننفصل ياأما نكمِّل بس بشروطي، دا شرطي الوحيد وإنتَ مالكشِ ترفض، ياأما ننفصل من دلوقتي..
مسحَ على وجههِ يستغفرُ ربهِ بسرِّهِ ثمَّ أشارَ بعينيهِ للباب:
-امشي من قدامي واستعيذي بالله من الشيطان الرجيم، أنا على أخري منك
اقتربت وجلست بجوارهِ على السرير، وتركتهُ حتى انتهى من حديثهِ اللاذعِ كما خُيَّلَ لها، رمقها بنظرةٍ جانبيةٍ ثمَّ أردف:
-ميرال أنا قولت اللي عندي ومتحاوليش تخرَّجي الوحش اللي جوايا، بلاش إنتِ..
دقيقةٌ من الصمتِ بينهما إلى أن توتَّرت من نظراتهِ إليها لتردفَ بنبرةٍ مهزوزة:
-أنا مش موافقة على اللي قولته، أنا مش تابع ليك ياإلياس حتى لو كنت مراتك، شايفة إنَّك راجل مستبِّد وقاسي وظالم في قراراتك، ممكن أكون صح وممكن أكون غلط، بس اللي متأكدة منه..صمتت ورفعت عينيها لتقابلَ عينيهِ الجامدةِ لتشعر بنصلٍ باردٍ ينخرُ عظامها من تلك النظرةِ واستأنفت:
-مش كل حاجة بنتمنَّاها ممكن نقدر نحصل عليها، أنا مكنتش طالبة غير حنانك وحبَّك بس، لا طولت حنان ولا طولت حب.
-إيه اللي بتقوليه دا، هنرجع لكلامك التافه اللي وقت ماتغلطي تندبي بيه..،
انفجرت بركُ عينيها حتى خرجت شهقةٌ ارتجفَ على أثرها جسدها:
-أنا تعبانة ياإلياس عايزة أبعد عن كلِّ حاجة أوَّل حاجة لازم أبعد عنَّك، أنا مش سعيدة معاك، أو ممكن تقول قراراتك بتحسِّسني كمسجونة عندك،
أسبوع بتعاملني كأني مجرمة، حتى حملي مش شفعلي عندك
-وأنتِ مفكرة هسامحك علشان حامل، لا فوقي كدا، انتِ مش صغيرة، نهضت من مكانها وأجابته:
-انا مش صغيرة فعلًا، علشان كدا مش عايزة أكمِّل في الجوازة دي خلاص، الطلاق أحسن حل لينا، وإنتَ وعدتني قبلِ كدا وقت..قاطعَ حديثها عندما نفضَ غطائهِ قائلًا:
-إنتِ ناوية على موتك النهاردة يعني ولا ايه..بللت حلقها مستديرة إليه
-ليه، علشان بطالب بحقي، انت مغرور اوي ياإلياس، وغرورك مبين لك مقدرش اعيش من غيرك ..دنت وحاوطت جلوسه مقتربة من وجهه حتى اختلطت انفاسهما ونظرت بعيناه تريد أن تحرق كبريائه
-ممكن أكون حبيتك حب متسهتلوش، أو أدتلك مكانة في قلبي اكبر ماتستحقها، ودلوقتي اكتشفت مكانتك الحقيقية
استقرت كلماتها بمنتصف قلبه، لتشعل نبضه مما جعله يقترب من وجهها وحاوط رأسها يقربها منه يضع جبينه فوق خاصتها
-قولي كمان ياميرال واحرقي، علشان مالقيش مية تطفي النار اللي بتشعليها بايدك
حاولت الثبات رغم أنفاسه الحارة التي ضربت وجهها لترفع عيناها تحدقه بنظرات باردة برود الثلج اكتسبتها من حديثه اللاذع
-هعيش من غيرك ياإلياس وهعمل ميرال الشافعي من غير اسمك، حاوطت بطنها ومازالت بين ذراعيه ثم استأنفت
-وهربي ابني وأخليه يفتخر بأمه اللي حضرتك كل شوية تهينها
بتر كلماتها يضغط على خصرها بانامله بقوة ويجذب خصلاتها يقربها إليه بعنف بيده الأخرى يهمس لها بفحيح اعمي، فلقد أشعلت جسده لتجعله كتلة نارية
-ابني مش هيخرج من بيت ابوه، ولو خرجتي بيه متلزمنيش
-شعري ياإلياس، سيب شعري
جذبها من عنقها بقوة لتقع بأحضانه ليحتضن ثغرها بقبلة عنيفة ادمت شفتيها ثم دفعها بقوة بعيدًا عنه ونهض متجهًا إلى الحمام :
-تمام ياريت مترجعيش تعيَّطي بعد كدا..التفتت إليهِ وردَّت بنبرةٍ هادئةٍ رغم ضجيجِ قلبها بعد قبلته:
-متخفشِ مش هعيَّط لك ولا حاجة، ولو جيت أعيط لك يبقى اعمل اللي إنتَ عايزه فيا، قالتها وتحرَّكت للخارج..
دفعت البابَ ودلفت غرفتها وسمحت لعبراتها بالانفجار، تلمس شفتيها ببكاء، كانت تتمنَّى أن يضمَّها ويطمئنَ روحها المعذَّبة، ولكن كأنَّ حياتهما سراب ولم يعد لديها بنية لتقويها..
بعد خروجها بدأ يدورُ بالغرفةِ كالأسدِ الحبيس يشعرُ وكأنَّهُ مطوَّقٌ بطوقٍ من النيران، اختناق وارتجاف لجميع جسدهِ مما جعلهُ فقدَ كلَّ حصونه، ليخرجَ متَّجهًا إليها، دفعَ بابَ غرفتها ودلفَ إليها وجدها جالسةً على الفراش،
انحنى إلى مستوى جلوسها وأردفَ بنبرةٍ غاضبةٍ وعينيهِ ترسلُ إليها نيرانًا مشتعلةً تريدُ إحراقها:
-مفيش خروج من البيت، عايزة انفصال مفيش غير لمَّا تولدي وآخد ابني وبعد كدا اعملي اللي إنتِ عايزاه قبل كدا لأ.
امتلأت عيناها بدموعِ الألمِ وهي تحدِّقُ بعينيهِ القريبة:
-لا هعمل اللي أنا عايزاه ياإلياس وعارفة إنَّك مش هتمنعني مش ضعف منَّك، بس علشان نفسيتي تعبت منك ياإلياس، قربك بقى يوجعني، وكلامك بقى بيدبحني، أكيد إنتَ مش الراجل اللي هتوافق إن مراتك تقعد معاك غصب عنَّها
خنجرًا غرزتهُ بكبريائهِ ليعتدلَ بجسدٍ متصلِّبٍ يرمقها بنظرةٍ غامضة، ولم ينبس ببنتِ شفة، بل استدار وغادرَ الغرفةَ بالكامل..
بعد عدَّةِ ساعاتٍ هبطت الخادمة للأسفلِ بحملِ حقيبتها الكبيرة، جالَ مصطفى بنظرهِ على الحقيبةِ متسائلًا:
-هوَّ أنتوا مسافرين ولَّا إيه؟..
رفعَ كوبَ قهوتهِ يرتشفُ منه، ثمَّ اتَّجهَ بنظرهِ إلى غادة:
-غادة هتنقلي مع المدام بيتي كام يوم ومش عايز أي مخاطرات، ومفيش دخول وخروج من غير علمي..قالها ونهضَ من مكانهِ بهبوطها من الدرج:
-مفيش خروج لأيِّ مكان من غير حماية، شغل اشتغلي براحتك، بس لو حصل لك حاجة مش مسؤول، حتى ابني اللي في بطنك مابقتشِ عايزه، التفتَ إلى فريدة التي خرجت من المطبخِ تحملُ أكواب عصيرهم توزِّعُ نظراتها عليهما فأشارَ إليها:
-بنتِ حضرتك لو خرجت من البيت متلزمنيش، اللي بينا دلوقتي ابني دا لو هيَّ ناوية تجيبه، حتى مبقاش يهمِّني تجيبه ولَّا لأ..
جذبَ أشيائهِ وتحرَّكَ للخارجِ باقترابِ فريدة المصدومة تحدِّقُ بميرال، وضعت الأكوابَ وتراجعت تنظرُ إليها:
-فيه إيه..إيه اللي حصل تاني؟!..
-مش عايزة أكمِّل ياماما، ودا حقي..
قبضت على ذراعها تهزُّها بعنف:
-يعني إيه مش عايزة تكمِّلي هوَّ لعب عيال دا جواز..
ثُقلت الحروف من بين شفتيها، فهزَّت كتفها للأعلى مرةً وللأسفلِ مرةً ثمَّ انحنت تحملُ حقيبةَ يدها وتحرَّكت للخارج..أوقفها مصطفى:
-هسيبك يومين تهدي فيهم وبعد كدا نتكلِّم..أومأت وتحرَّكت دون حديث..
أشارت فريدة على خروجها:
-إنتَ هتسبها تخرج يامصطفى، يعني راضي باللي تعمله!..
-اقعدي يافريدة، البنت مرِّت بظروف صعبة، وابنك ضاغط عليها، لازم البعد علشان كلِّ واحد يعرف يفكَّر كويس،
دارت حول نفسها بغضب، تهزُّ رأسها رافضةً مايحدث:
-لا البنت حامل، مستحيل أسيبها لوحدها، ومعرفشِ إلياس دا مش عايز يعقل خالص..
توقَّفَ واقتربَ منها وأردفَ بهدوء:
-أهو إنتِ قولتي إلياس ضاغط عليها، يعني نستنَّى لحدِّ ماتخسر الولد..
همهمت دون رضا:
-ولمَّا تبعد دا هيكون أحسن لهم؟..بالعكس البعدِ بيربي الجفا يامصطفى، وأنا مش هقدر أسيبها لوحدها.
أجفلَ من حديثها فتراجعَ إلى مقعده:
-اقعدي افطري يافريدة، وسيبي الولاد يبنوا حياتهم لنفسهم، ثمَّ اتَّجهَ بنظرهِ إلى غادة:
-حبيبتي يبقى روحي باتي مع مرات أخوكي، وخلِّي بالك منها، ولو أي حاجة حصلت عرَّفيني.. قاطع حديثهم وصول الخادمة
-مدام فريدة فيه واحد برة اسمه يزن السوهاجي عايز يقابل حضرتك
-يزن السوهاجي!! مين دا كمان
وصلت بعد قليلٍ إلى المنزل، وجدت الخدمَ ينتظرونها، هرولت إحدى الخادمات:
-أهلًا بحضرتك يامدام...قالتها وهي تحملُ حقيبتها..ابتسمت بعدما علمت أنَّهُ خلفَ وجودهم، تجوَّلت عيناها بالحديقةِ على كثرةِ الأمن بها، خطت بعض الخطواتِ وعيناها تتجوَّلُ بالمكانِ تهمسُ لنفسها:
-معقول لحق ظبَّط المكان في ساعتين، آه منك ياإلياس، نفسي اهتمامك دا يكون بقربك مش أوامرك.
وصلت إلى غرفتها دلفت إحداهن:
-أنا هنا لخدمة حضرتك يامدام، أيِّ حاجة تحتاجيها عرَّفيني، وكمان أيِّ مشوار خارج البيت هكون مرافقة لحضرتك..
دقَّقت النظرَ إليها ثمَّ اقتربت منها:
-أكيد شرطية، بدل مرافقة وشكلك بيقول إنِّك مش إنسانة عادية!..
-أنا برة قدَّام الباب، لو احتجتي حاجة قولي هناء بس وهكون قدَّامك خلال ثواني..بسطت كفَّها بأحدِ الأجهزة:
-دا تواصل هيكون بينا، كلِّ الخدم والشغَّالين الموجودين تحتِ إشرافي بعد إذنِ حضرتك طبعًا، ودلوقتي هسيب حضرتك ترتاحي، وياريت متتعبيش نفسك في أيِّ حاجة، فيه بنت هتطلع تظبَّط هدوم حضرتك.
-اطلعي برَّة..قالتها ميرال وهي تخلعُ حجابها..
-نعم! رفعت عينيها وأشارت إلى الباب
قولت برَّة إيه مابتفهميش، مش عايزة حدِّ يدخل أوضتي،برَّة..
نزعت ثيابها بغضب:
-دا عايز يجنِّني يعني هربانة من تحكُّماته بعتلي واحدة شبهه تخنقني، أووف، قالتها وهي تلقي ثيابها بإهمال، ثمَّ تمدَّدت فوق التخت، نصفها بالأعلى وساقيها بالأرض..استمعت إلى رنينِ الهاتف:
-أيوة...
-ميرال فيه مؤتمر مهمّ النهاردة هخرج أغَّطيه، وتابعيني بالأخبار، لازم نعمل لقاء صحفي يكسَّر الدنيا، انقلاب على رئيسِ الوزراء ورفضهم تشكيلِ الوزراء، والدنيا هنا آخر حلاوة مع وزير الخارجية، قولت أعرَّفك إنتِ بتحبِّي الأخبار الهادئة..
اعتدلت متَّجهةً إلى حقيبتها وتساءلت:
-فين يابوسبس المؤتمر دا؟..
-هقولك بس سرِّي للغاية أوعي أخواتنا البعدة يعرفوا..
قهقهت عليها وهي تخرجُ بنطالًا باللونِ الأبيض واسع وكنزةٍ باللونِ الأسودِ وحجابٍ يحملُ اللونين:
-قصدك إلياس، لا متخافيش مش هيعرف، ابعتي اللوكيشن وأنا شوية وخارجة.
-أوكيه ياروحي، بس وحياتي عندك ياميرو بلاش جوزك ينطّ لنا هناك، عليه تقل دم إلهي يعدمه ياشيخة..
-لا متخافيش مش هيبقى هناك، اترقَّى ومبقاش يطلع، بس دا مايمنعشِ تلاقي طقمه هناك، بس مش منِّي، إنتِ عارفة دول بيكونوا في كلِّ مكان.
بعد فترةٍ كانت تجلسُ بأحدِ الأماكنِ المخصصةِ للإعلاميين وبجوارها صديقتها ينظرونَ إلى بعضِ الصور، ويراجعون بعض الحوارات..
-كمِّلي حبيبتي وجهزيه للنشر..
أومأت لها ثمَّ نظرت إلى ساعتها بإرهاقٍ تجلَّى على ملامحها:
-تمام هعدِّي على الجريدة و أجهِّزه لرئيسِ التحرير، وإنتِ خلَّصي هنا، سلام..
بعد عدَّةِ ساعاتٍ من العملِ المتواصل، رفعت رأسها تنظرُ لتلك التي تجلسُ أمام مكتبها، تنهيدةٌ عميقةٌ غادرت ضلوعها، ثمَّ رفعت هاتفها:
-ممكن أعرف ليه الستِّ دي، حرام تفضل ورايا في كلِّ مكان كفاية الحرس..
-دا مش علشانك، دي علشان ابني اللي في بطنك، أما إنتِ متهمنيش..
-تمام ياأبو ابنك..قالتها وأغلقت الهاتف، تسبه
-ياربي دون عن الرجالة كلها احب لوح التلج دا..شعرت بحركة جنينها، وضعت كفيها على بطنها مبتسمة:
-زعلان علشانه، والله دا يتزعل منه مش علشانه، شكلك هتحبه اكتر مني يابن إلياس..ابتسامة هادئة وهي تنظر إلى كفيها الموضوع على بطنها لتتابع حديثها معه وكأنه يستمع إليها
-خلاص متزعلش انت جميل زي بابي، ابتسمت على حركاته تحت كفيها مع التقاط تلك الفتاة إليها لبعض الصور دون أن تراها، ظلت لدقائق وهي تتحدث مع جنينها ثمَّ نهضت من مكانها وتوجَّهت تحملُ بعض الأوراقِ متَّجهةً إلى رئيسِ عملها،
دلفت إليه بعد السماحِ ووضعت موضوعها الذي قضت الساعات عليه، نهضَ من مكانهِ وجلسَ بمقابلتها:
-آسف يامدام ميرال مستحيل أنشر حاجة زي كدا، إنتِ عارفة الموضوع دا ممكن يقوِّي المعارضة على النظام..
هبَّت من مكانها واعترضت على حديثه:
-إيه اللي حضرتك بتقوله دا، دا حوارات وصور إزاي أعمل انقلاب، حضرتك عارف بقالي كام ساعة بشتغل عليه؟!..
-ميهمنيش ياأستاذة الموضوع مرفوض.
قالها وألقى أوراقها..شعرت بتخدُّرٍ بكاملِ جسدها وهي تهزُّ رأسها رافضةً تعبها يُلقى بهذه الطريقة، انحنت تحملُ أوراقها بهدوءٍ غير معهودٍ منها، ثمَّ تحرَّكت للخارجِ واتَّجهت إلى سيارتها وعقلها يكادُ يصابُ بالجنون، وصلت إلى مكتبه، ودفعت البابَ وجدتهُ منكبًا على عمله، رفع رأسهِ ينظرُ إليها بعدما أخبره أمنهِ بالتوجُّهِ إليه...أغلقَ الجهازَ وتعلَّقت نظراتهِ بوقوفها..ألقت أوراقها على مكتبه:
-إنتَ اللي ورا دا مش كدا، عايز تكسرني وبس، المهم أكون تابعة لإلياس ميكونشِ ليا كيان ولا حياة، اقتربت وانحنت تستندُ بكفَّيها تغرزُ عيناها بمقلتيه:
-أنا دلوقتي بعترف إنَّك أكبر قرار غلط أخدته بحياتي، لو يرجع بيا الزمن مستحيل أوافق عليك..قالتها واعتدلت مغادرةً المكان دون ردِّ فعلٍ منه.
وقعت عيناهُ على الأوراقِ التي ألقتها أمامه، رفعَ هاتفه:
-وصَّلني برئيس التحرير يابني..
عند أرسلان:
وصلَ إلى إسحاق المتوقِّفَ أمام إحدى غرف العمليات، ربتَ على ظهره:
-إيه الاخبار؟..
استندَ برأسهِ على الجدار:
-حالتها صعبة، خايف عليها أوي ياأرسلان، واللهِ مش علشان الطفل، خايف عليها..
ضمَّهُ حتى انسابت عبراتُ إسحاق لأوَّلِ مرَّة قائلًا:
-لتاني مرَّة عمَّك بيخسر مبقاش فيا طاقة..
ربتَ على ظهرهِ وهتف:
-إن شاء الله هتقوم بالسلامة والبيبي هيكون كويس، ادعي إنت، ولَّا أقولك روح صلي ركعتين لله..قالها مع ارتفاعِ رنينَ هاتفه.
-أيوة يادكتور...
-تمام أنا جاي..التفتَ إلى إسحاق:
-طمِّني لو فيه جديد، وأنا هروح أشوف بابا..
خرج إلياس متجهًا إلى مكتب أحد الضباط، دلف إليه ..يضع صورته أمامه
-بتحفر ورايا ليه وعايز توصل لأيه
-مش أنا اللي بحفر وراك...امسكه من تلابيبه
-إنت تبع مين، راجح ولا مين
انزل يديه وتراجع على مقعده:
-ليا صديق، بيدور على اخواته وسألني عن مدام فريدة بس دي كل الحكاية
-معقول يكون جمال ...قالها بهمس خافت، ليتوقف متجهـًا إليه
-عنوانه ايه صديقك دا
خرج بعد قليل متجهًا إلى وجهته مع ارتفاع رنين هاتفه
-إلياس فيه موضوع مهم لازم تعرفه قبل ماارسلان يعرفه
-مدام فريدة بعدين نتكلم، فيه موضوع اهم من اللي بتقوليه..قالها واغلق الهاتف وكأنه لم يستمع إلى حديثها، استدارت إلى مصطفى
-إنت متأكد إن فاروق هيعمل عملية زرع من ارسلان
احتضن أكتافها
-لسة الدكتور قايلي حالًا، قال اخدو منه عينة، انا متكلمتش في حاجة، بس اللي اعرفه اسحاق مش هناك، وطبعا ارسلان ابنه وفاروق حالته خطرة، يعني بكرة أو بعده بالكثير الدنيا هتتقلب هناك، وانا معرفش ليه فاروق مخبي عن الكل
هوت على المقعد وارتعش جسدها تتمتم
-لازم اقابل ارسلان يامصطفى قبل مايتصدم ..
جثى أمامها واحتضن وجهها:
-فكرت في كدا، بس خايف، الولد مش صغير، وارتباطه بفاروق صعب، واللي اعرفته إن اسحاق عامل كماشة عليه، مفيش حل غير إلياس للأسف لقرابة علاقتهم ..هبت من مكانها وركضت للخارج
-لازم اروح لابني يامصطفى، لازم اكون جنبه مستحيل اسيبه يعرف الصدمة لوحده
-فريدة اصبري ..
عند راجح
ظل ينظر للصورة التي أمامه ثم هتف
-برافوو عليكي يارانيا، كدا عرفنا مين ابن فريدة التاني، لولا الصورة اللي بعتيها مكنتش عرفت اوصله، المهم الواد دا من أكبر عائلات البلد، يعني الغلط بفورة يارانيا
-مش عارفة ياراجح، بس الولد شبه جمال اوي، ومراقبتنا لإلياس عرفنا أنه على علاقة
حك ذقنه ملتفتًا إليها:
-تفتكري العيال دول يعرفوا أنهم اخوات..مطت شفتيها للأمام وأجابته
-ماأظنش، علشان علاقتهم متقولش كدا ..
دار حولها يتلاعب بذقنه وعيناه بالأرض
-طيب ازاي ميعرفوش بعض وقريبين من بعض، الموضوع دا ناقص ..
-انت دور بقى ياراجح المهم انا وعدتك اجب لك ابن فريدة التاني، فين مروة اللي وعدتني انك هتجبها لعندي
-أخرج هاتفه وفتحه لتظهر لها صور ميرال
-حبيبتي يابنتي، ظلت تنظر إليها مبتسمة، ثم رفعت عيناها إلى راجح
-دي في شغلها ..اشعل سيجاره وافلت ضحكة
-الحياة بينها وبين ابن السيوفي نار، ولعبت لعبة هتخليهم يولعوا في بعض، وزي ما وعدتك بكرة ولا بعده هتكون عندك ومش بس كدا لا بورقة طلاقها بعد اللي عملته
-ليه عملت ايه
عند ارسلان
دلف للطبيب متسائلًا:
-حضرتك ليه أجلت العملية، قولت النهاردة روحت اسأل قالوا اتأجلت
-الانسجة مش متطابقة ياباشمهندس،
-يعني ايه مش فاهم دا والدي
وضع الطبيب نتيجة التحليل أمامه
-للأسف النتيجة مابتقولش غير حاجة واحدة بس، إن فاروق باشا مش والدك..نطق بها الطبيب بدفع اسحاق الباب متسائلًا:
-ايه اللي بيحصل في المستشفى بالظبط، ولوكيميا ايه اللي بتقول عليها
مساء الخير
الفصل دا مكتوب تحت ضغط من التعب، دور البرد شديد جدا، بعد ماقررت أجله بس طبعا هتقولوا عليا بعتذر كتير، ضغط على نفسي وكتبته تحت كحة متواصلة والحمد لله، اتمنى يرضيكم والتفاعل عليه يرضيني ، لما تضغطوا على النجمة وتعملوا فووت، وياريت تشجيع اصدقائكم على قراءة الرواية لأنها تستاهل بعد التعب دا
بحبكم في الله لا تنسوني من دعواتكم
ولا تجعلوا القراء تلهيكم عن ذكر الله
منتظرة ارائكم اللي بتسعدني وبتشجعني اني اكمل
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سيلا وليد
ابتلع كريم ريقه بصعوبة، وشعر بدوار يضرب رأسه، ليتراجع للخلف وعيناه تتهرب في كافة الاتجاهات.
كان يتابع تعابير وجهه. صمت مميت في الغرفة. لم يشعر بتعرق كريم من وجوده في ذلك المأزق. لا يعلم بماذا سيجيبه. حمحم متجها إليه بنظراته وارتبك بحديثه، ليردف بتقطع:
- مش فاهم حضرتك؟
أخرج إلياس سيجارته، حينما تأكد أنه ليس أخاه، وبدأ يخرج دخانه بهدوء وعيناه الباردة تخترق جلوسه. دقيقة اثنتان وهو ينظر بصمت مميت إليه حتى فقد كريم اتزانه ليهتف قائلا:
- مش أنا اللي سألت. أه الضابط صديق ليا وفهمته الموضوع يخصني بس مش أنا.
ضيّق إلياس عينيه منتظرا باقي حديثه، ليتوقف كريم متجها إلى المقعد الذي يقابله واستطرد:
- صديق مقرب ليا، بيدور على مدام فريدة. مش عليك أبدا، بس دي أسرار مقدرش أقولها لك. بس لو حضرتك مصر ممكن أقول لك عنوانه، لكن سامحني لازم أستأذنه.
مط شفتيه ينقر على المكتب ولاحت على وجهه ابتسامة ساخرة، حتى هربت الدموية من وجه كريم ليحمحم:
- ليه بتحسسني إنك مش مصدقني؟
استدار إليه بنظره واقترب بجسده:
- مطلوب مني أصدقك في إيه، وانت بتدور ورايا وورا أمي. لا وجاي بكل بجاحة وتقولي أستأذن منه. دا إيه الهزار ده، هو أنا جاي بطلب إيده منك.
ضرب على سطح المكتب وهب من مكانه وانحنى بجسده يمسكه من تلابيبه:
- انتوا تبع مين، وعايزين منا إيه؟
ابتلع ريقه يهز رأسه محاولا الحديث إلا أن إلياس لم يعطه فرصة للحديث، ليدفعه بقوة حتى هوى على المقعد ودار حول المقعد هادرا بحدة:
- اتصل بيه حالا. لازم أعرف أنتوا مين.
- آسف مش هتصل.
لم يكمل كلمته، حتى قبض على عنقه يهمس بهسيس مرعب:
- أنا مش بهزر. وربي أدفنك هنا. دي أمي اللي بتنخوروا وراها. عارف يعني إيه أمي. يعني أولع فيك وفي الفاشل المتخبي وراك. هتتصل بيه ولا أموتك؟
اغروقت عيناه بالدموع من اختناقه، مع ارتفاع رنين هاتفه الذي التقطه إلياس ثم تركه ونظر إلى الهاتف.
- كريم أنا مسافر مع راحيل. مش وصيك على إيمان ومعاذ، بس من بعيد ياعريس. إياك تقرب من البنت في غيابي. خليك راجل يالا زي ما اتعودت عليك. أنا في المطار وآسف معرفتش أعدي عليك. معرفتش أسيب رحيل لوحدها.
- كريم سامعني.
نظر إليه ليجيبه.
حمحم كريم وهو يجيبه:
- سامعك يايزن بعدين نتكلم علشان عندي حالة كشف دلوقتي.
- ماشي يادوك. على العموم أنا مفهم إيمان بس برضو مش ضامن ظروفي. وعلى فكرة عايز أشكرك ياكوكو. قابلت مدام فريدة الصبح. شكرا شكرا على كل حاجة.
أغلق إلياس الهاتف وألقاه على المكتب يدور بالغرفة، بعدما علم بهوية المتحدث. ثم استدار إلى الباب. توقف مستديرا إليه:
- يزن السوهاجي مش كده؟
أومأ له مبتعدا عنهُ بنظراته. تحرك مغادرا المكان يقطع الأرض بخطاويه يهمس لنفسه:
- ياترى مخبية عليا إيه يامدام فريدة، وإيه علاقة يزن السوهاجي بيكي؟ آه يا دماغك يا إلياس. دماغك هتفرقع.
ظل يجوب الشوارع دون هدى، حتى وصل إلى منزله الذي تقطن به ميرال. ترجل من السيارة ودلف للداخل يشعر وكأنه يحمل فوق كتفيه ثقل الجبال. قابلته الخادمة:
- أهلًا بحضرتك ياباشا.
دلف لداخل غرفة مكتبه، ثم اتجه إلى الأريكة ونزع سترته وهوى بجسده عليها بعدما أغلق هاتفه. لا يريد شيئا سوى الاختلاء بنفسه فقط.
بالأعلى أنهت استحمامها، وخرجت تجلس أمام المرآة تجفف خصلاتها. استمعت إلى رنين هاتفها فالتقطته تنظر للرقم غير المدون. فتحت الخط وانتظرت الحديث:
- مروة حبيبتي عاملة إيه حبيبة ماما؟
- انتي عايزة إيه؟ أنا مش بنتك، ولا عمري هكون بنتك. ابعدي عني انتي والراجل المجرم.
- وحياة ابنك اللي في بطنك ماتقفلي في وشي يابنتي، اعذريني حبيبتي واعذري أبوكي. هو لو يعرف إنك حامل ماكناش خطفناكي. هو خطفك أه علشان من حقنا حبيبتي. شوفتي ابن فريدة لما عرف إنه ابنها ماسبهاش، وباباكي راح له وهدده لو قرب منك هيقتله. بابا خاف عليكي ليقتلك زي ما قتل هيثم أخوكي. ماهو كان حابس أخوكي ظلم، لما عرف إنه ابن راجح. فضل يعذب فيه لحد ما مات. خايفة عليكي ياحبيبتي، وخصوصا لما باباك كلمك وقال له عايز بنتي أشبع منها. رفض مكنش قدامه غير إنه يهدده بالطلاق. كل اللي عمله علشانك حبيبتي، أوعي تفكري إنه كان هيسقطك لو فعلا كان عايز ما كان سقطك من وقت ما أخدناكي. والدليل على كده جاب فريدة علشان يتفق معاها بس جوزك اختار أمه ورمالك. وقال له هاخدها منك وأحسرك عليها وبنتك بتحبني وبتسمع كلامي. عشان كده بابا اتغاظ وحب يحرق دمه وطلب منك تتصلي بيه.
- خلصتي كلامك يارانيا هانم. انسيني وكأنني مش موجودة.
قالتها وأغلقت الهاتف تلقيه بعنف على التخت. ارتفعت دقاتها لتشعر بقلبها المتوجع. فرت دمعة من عينيها. التفتت تنظر في المرآة لنفسها وتزاحمت دموعها تنساب بقوة على ما مرت به. وبدأت تحدث نفسها. هل هي تشبه رانيا، أم تشبه والدها؟ مرت أناملها على وجهها تهز رأسها تنفي ذلك الشعور الذي سيطر عليها. لتشعر بوخز حاد يفتك بصدرها تتذكر ذلك اليوم.
فلاش باك:
دلف راجح إلى غرفتها بعد علمه بحصول إلياس على فريدة. دنا منها وعيناه تنطلق منها شرارات. اقترب يجذبها من خصلاتها:
- ابن السيوفي عايز ياخد كل حاجة بس وحياة أمك فريدة لأوجع قلبه.
تراجعت بذعر من حالته الشيطانية، لتهدر بعنف:
- أنا بكرهك أتمنى أموت ولا يكون ليا أب زيك.
لطمة قوية على وجهها، لتسقط على أثرها أرضا. انحنى يرفعها من خصلاتها يهزها بعنف، وهمس بفحيح أعمى:
- اسمعيني يابنت رانيا. جوزك هموته هموته. سواء النهاردة بكرة هموته. بس الصبر حلو.
انسابت عبراتها تهز رأسها والخوف تجلى على ملامحها ليقهقه بصوت مزعج وتابع فحيحه:
- شكلك بتحبيه، وأكيد بتحبي الست ماما. شوفي عندك اختيار واحد ومفيش غيره. عايزة تنقذي ماما فريدة تطلبي منه الطلاق. ومش بس طلاق مش عايز سلالة لجمال. يعني ابنه اللي في بطنك تنزليه. يا أما.
دفعته بقوة وتراجعت تحتضن بطنها وصاحت بصوت باكي:
- على جثتي. مووتني ولا إني أنزل ابني. أنا مستعدة أموت. ويكون في علمك. موتي أهون من إنك تكون أبويا. أنا بكرهك بكرهك.
قالتها بصراخ حتى ارتاعب من حالتها الهستيرية ورغم ذلك اقترب منها يرمقها شزرا، وأشار بيديه:
- يبقى الأوضة اللي جنبك هموت فريدة بحسرتها. وبدل الفيديو اللي هبعته عن طلاقك وإجهادك، هبعتله فيديو بمعرفتي وأمه في حضني. ومش بس كده، هخليه جارية. علشان دي اللي تكسره. فعلًا عندك حق. إجهاض إيه وطلاق إيه.
قالها واستدار وعلى وجهه ابتسامة نصر وهي تصرخ به:
- استنى أنا موافقة. بس مش هتحرك من الأوضة إلا لما ماما فريدة تروح وأكلمها وأشوفها.
استدار إليها ورسم الحزن على وجهه:
- فريدة متهمنيش أنا بعمل كده عشانك انت. وصدقيني معرفش إنك حامل. وإنت شوفتي صدمتي. بس هو عنَد وقال لي أمي وبس. اتضايقت مش من حق أبوكي يخاف عليكي. ده أهم حاجة عنده أمه وبس.
أغمضت عينيها وابتعدت بنظراتها عنه:
- ميهمنيش رأيك فيه إيه. المهم عندي دلوقتي أمي تمشي من هنا. وإياك تقرب منه. ده شرطي.
دنا منها ورفع يديه إليها:
- تعالي في حضن أبوكي ياحبيبتي.
ضربت قدمها بالأرض تضع كفيها أمامه باشمئزاز:
- متقربش مني. أنا مش بنتك سمعتني.
خرجت من شرودها على طرقات الباب. دلفت الخادمة إليها:
- مدام أحضر السفرة، وأعمل حساب الباشا ولا حضرتك بس اللي هتتغدي؟
- باشا مين؟
- إلياس باشا تحت جه من ساعة تقريبًا.
لمعت عيناها بالسعادة، فسألتها بلهفة:
- تحت فين؟
- في المكتب.
أومأت تشير إليها بالخروج:
- هنزل أسأله. ولا أقول لك استني.
- عاملة إيه على الغدا؟
- سي فود ياهانم. مدام فريدة اتصلت وقالت أعمل لك سي فود عشان مفيد للحمل.
سي فود. رددتها بابتسامة، فأشارت إليها:
- طيب روحي انت وأنا هشوفه هيتغدى ولا إيه.
نهضت متجهة إلى خزانتها، وبدأت تفتش بثيابها تبحث عن شيء تنتقيه بعناية. إلى وقعت عيناها على قميص حريري باللون البني، يصل إلى فوق الركبة. جذبته وارتدته مع عطرها المميز، مع وضع لمساتها التجميلية الخفيفة. جذبت روبها الشفاف وارتدته وهبطت إلى الأسفل. دلفت إلى غرفة مكتبه ظناً أنها تعمل ولكنها لم تجده في المكتب. جالت عيناها بالغرفة ذات الأثاث الراقي. إلى أن وقعت عيناها على نومه. أغلقت الباب بهدوء، وخطت إليه مع دقات قلبها التي تهدر بعنف وكادت أن تخرج من بين ضلوعها. جلست بجواره تهمس اسمه بخفوت:
- إلياس.
ولكنه كان مستغرقا بنومه كالطفل الوديع. جثت بركبتيها بجوار الأريكة بعدما علمت بنومه العميق. دسّت أناملها بخصلاته السوداء تحركها بهدوء. تسللت رائحته إلى رئتيها، لتدنو منه تستنشق رائحته الرجولية الممزوجة بتبغه حتى فقدت اتزانها، لتقوم بنزع روبها وتدثر نفسها بأحضانة.
دفنت رأسها بعنقه تستنشق رائحته بوله. كالمدمن المنقطع منذ فترة عما يدمنه. تململ بنومه لتهمس اسمه بخفوت. فتح عينيه بابتسامة، وكأنه يحلم بها. رفعت رأسها تنظر إليه وتمرر أناملها على وجهه، ليردف:
- نايمة في حضني ليه؟
داعبت عنقه بأنفها مجيبة:
- لأنه مكاني. ودا غصب عنك.
حاوط جسدها ليجذبها لأحضانه ومازال بغيبوبة نومه. ابتسمت برضا على حنان ذراعه الذي يحاوطها. قبلت تفاحة آدم لديه وتابعت خفوتها:
- عارفة إنك مضايق مني، بس أنا زعلانة منك ومضايقة برضو. مكنتش محتاجة غير الحضن ده. نفسي تعرف إنك أغلى حاجة عندي، أغلى واحد في الكون.
قالتها بدموعها. كان نائما ولم يستمع لما تقوله. ظل بأحضانها كأنها تشعر بأننه آخر أحضانهما. علمت من نومه العميق أنه لم يشعر بها. يبدو أنه بحالة ليست على ما يرام. ظل ترسم ملامحه بحنو. تأملت كل إنش به كالأم التي تتأمل رضيعها بحب وحنان. مرت أناملها على ملامحه بالكامل إلى أن توقفت على شفتيه، لتدنو منه وتطبع قبلة عليهما. مع دمعة من عينيها، ثم نهضت من مكانها بهدوء، لتجذب سترته تستنشقها ثم وضعتها بمكانها وغادرت الغرفة بهدوئها كما دلفت.
دقائق ليفتح عينيه يضع كفه على رأسه من ألم رأسه الفتاك. نظر حوله وتذكر وصوله إلى منزله. اعتدل يمسح على وجهه ثم جذب ساعته لينظر بها:
- خمسة! معقول نمت ده كله.
نهض من مكانه متجها إلى الحمام الملحق بالمكتب. قام بفتح المياه ينظر لنفسه بالمرآة. وقعت عيناه على أزرار قميصه الأولى المفتوحة، وأثر أحمر الشفاه الموجود على عنقه. مرر أنامله على شفتيه متذكرا حلمه، ليستدير يحدث نفسه:
- يعني مكنتش بحلم.
قالها وتحرك بعدما قام بغسل وجهه، ثم قام بالاتصال على الخادمة، لتصل إليه خلال دقيقة:
- أفندم ياباشا.
- اعمليلي قهوة سادة.
قالها ثم صمت يطالعها متسائلا:
- هي المدام فوق. تعرف أنا موجود؟
- أيوه ياباشا. هناء قالت لها ونزلت لحضرتك.
أشار لها بالمغادرة. مسح على وجهه بعنف:
- وبعدهالك ياميرال. عايزة إيه بالظبط.
دلت الخادمة إليه مرة أخرى:
- حضرتك هتتغدى. أعمل حسابك مع المدام؟
- أنا طلبت قهوة مش غدا. يالا غوري من وشي.
بالأعلى قبل قليل:
دلت إلى غرفتها ودموعها تسبق خطواتها. تمددت على الفراش تحتضن نفسها كالجنين. ثم مرت أناملها تحاكي طفلها:
- بابا جه تحت، بس عارفة ومتأكدة أنه مش جاي علشاني. ياترى إيه اللي حصل معاه ووصله للمرحلة دي. أقول لك سر، هو وحشني أوي، مش عارفة مجرد ساعات ووحشني كده، أومال هبعد عنه إزاي. ماما بتتعذب أوي حبيبي، لازم أعمل كده علشان أحافظ عليك وعليه. مقدرش أشوف حد فيكم بيتأذى.
ظل تمرر يديها مع حديثها إلى أن غفت بنومها. مر أكثر من ساعة إلى أن نهض من مكانه بعدما أنهى عمله واتجه إلى كاميرات المنزل. وقام بتشغيلها. ذهب إلى غرفتها أولا، ليجدها تغفو وهي تحتضن جنينها. جالت عيناه بالغرفة، حتى وقعت على شيء، لينهض من مكانه متجها للأعلى. وصل الغرفة يدفع الباب. ثم جذب ذاك المصباح، ونزعه ينظر لذلك الجهاز. كوّر قبضته بعنف وهو يهمس:
- بيتي. وصلت لبيتي.
تململت بنومها ثم اعتدلت تردده اسمه:
- إلياس. إنت بتعمل إيه؟
التفت إليها ينظر لهيئتها. أقسم بداخله أنها فقط من اهتز لها القلب. رعشة أصابت قلبه لأول مرة من طلتها. ليطالعها كالمسحور. بدءا من خصلاتها العشوائية التي تتناثر حول وجهها، مع جسدها الفتان الذي ظهر بوضوح من تلك المنامة التي أخرجته عن صمته ليقترب منه. ثم انحنى بصمت يجذب رأسها ويمتص رحيق شفتيها بين خاصته. ناسيا كل ما صار بينهما. لحظات بل دقائق وهو بجنة عشقه. ثم اعتدل ليتركها قائلا:
- جيت أمسح لك الروج كله. مش كنتي تقوليلي عايزة تجربيه.
قالها وتحرك للخارج كأنه لم يفعل شيئا.
اعتدلت تنظر لخروجه بصمت. تراجع مرة أخرى، وظل يجول بنظراته بالغرفة بأكملها كأنه يبحث عن شيء. نهضت تجذب روبها وترتديه مقتربة منه:
- بتعمل إيه هنا. بتدور على حاجة. وليه كنت نايم تحت. حصل معاك حاجة؟
أخرج شيئا آخر، ولم يكترث لحديثها. ثم اتجه إلى هاتفه ونظر به ليصل لشيء ما. أمسكت ذراعه:
- إلياس فيه إيه؟
رمقها بنظرة حادة، وأشار برأسه:
- متلمسنيش. وإيه جاي ليه دي. ناسيه ده بيتي. آجي وقت ما أحب. مالكيش دعوة بحاجة تخصني سمعتي ولا لأ.
أشار على جسدها وهدر بها:
- إياكي تنزلي تحت بشكلك ده. معاكي خدم وحراسة في البيت.
استمع إلى رنين هاتفها. وقعت عيناه على الرقم دون اسم. رفعه وفتحه دون حديث. استمع إلى حديث رانيا:
- حبيبتي ليه شوفتي الرسالة ومردتيش على ماما. عايزة أشوفك ياحبيبتي. اسمعيني وبعد كده قرري. بصي أنا عرفت إن ابن السيوفي طردك من البيت. بعت لك حاجة هتوصل لك خلال دقايق. وأتمنى يامروة تسمعي كلام مامي اللي بتحبك.
أغلق الهاتف وهو يضغط عليه بقوة. جز على أسنانه وتحولت حالته. التفت إليها بنظرات لو تقتل لأوقعتها صريعة.
- رانيا بتتصل بيكي ليه. إزاي اتجرأت تعمل كده. تواصلتي معاها بعد ما جيتي هنا؟
اتسعت حدقتها، تطالعه بذهول ثم دنت منه:
- انت بتقول إيه. معقول تفكر فيا كده. وليه أتصل بواحدة زي دي!
ابتسم ساخرا وتمتم كلمات شقت صدرها:
- ليه مش بنتها.
لوت شفتيها بألم وانبثقت دمعة غائرة تسيل عبر وجنتيها، لتزيلها بسرعة ثم استدارت هاتفة:
- اطلع بره. عايزة أرتاح.
قاطعهم طرقات الخادمة:
- مدام الغدا جهز.
دلت إلى غرفة ثيابها قائلة:
- مش عايزة أتغدى.
قالتها وأغلقت الباب خلفها بقوة.
قابل كلامها بالصمت وتحرك للخادمة:
- جهزيه أنا نازل.
قالها بصوت مرتفع ليصل صوته إليها.
جلست لبعض الوقت تنظر حولها بتشتت يبدو أنها ستظل بعينهم ابنة الذين فرقوا شملهم. نظرات مشتتة كحالتها التي شعرت بها. ماذا تفعل، هل تهرب من الجميع، أم تظل وترضى بواقعها المرير.
بالأسفل جلس يتناول غدائه، وعيناه على الدرج، منتظرا نزولها، ولكنها خيبت آماله كما ظن. ظل لبعض الوقت جالسا ينتظر هبوطها إلى أن ارتفعت أنفاسه، فتوقف متجها إلى مكتبه. ظل لبعض الوقت مع فحصه لكامل المنزل. وصلت إليه الخادمة:
- حضرتك طلبتني.
أشار إلى الرجل الذي ولج للداخل:
- ارميها في أي مكان، وشوفلي مين وراها. وعايز تشوف الأمن كويس.
- معملتش حاجة ياباشا.
أشار بكفه للرجل بالخروج دون حديث. ليجذبها بقوة متحركا مع صرخاتها. ثم جذب جهازه مرة أخرى.
بالأعلى نهضت من مكانها وهبطت إلى غرفة الرياضة. نظرت للأجهزة، ثم وضعت كفيها على بطنها، وتحركت إلى المسبح. جلست على حافته لبعض الوقت. شعرت بالملل. وقعت عيناها على غرفة الساونا والجاكوزي. ابتسمت على معشوق قلبها. لم يترك شيئا تحبه إلا وفعله لها. نهضت بهدوء وتحركت إليها كالطفلة المتوجهة إلى ألعابها، وذكريات تضرب عقلها معه. فتحت الباب وطافت بعينيها على أحدث الأجهزة. وقعت عيناها على ذاك الحوض. اتسعت ابتسامتها متناسية ما شعرت به من قسوة كلماته. وتحركت إلى الحوض.
نزعت روبها ودلفت إلى غرفة الجاكوزي. جلست لبعض الوقت مغلقة العينين لعلها تزيل إرهاق اليوم. تردد حديثه بأذنها مرة أخرى لينزع خلوتها التي أشعرتها ببعض الراحة. لتشعر بنزيف قلبها. قامت برفع حرارته بعدما شعرت بالبرودة تتسلل إلى جسدها ولم تعلم أن تلك البرودة ما هي إلا برودة حياتها التي أصابتها. انزلقت دمعة عبر وجنتيها كلما تذكرت ما فعله منذ قليل. ازداد حزن قلبها ولم تشعر بضغطها على جهاز التحكم لتتخطى درجة الحرارة الأربعين. ظل فترة ليست بقليلة فقدت الحركة حتى شعرت بانسحاب أنفاسها وهي تهمس اسمه حينما أتاها الدوار. حاولت الوصول لجهاز التحكم ولكن لم تقو كأن جسدها أصيب بشلل كامل. ظلت تردد اسمه وهي تحاوط بطنها.
بالأعلى انتهى من عمله وعلمه بتسلل أحدهم جهاز أمنه. نظر لصورة راجح. وألقاها بعينين مليئة بالحقد والكراهية ليهمس بينه وبين نفسه:
- لو كرهت بنتك هموتك ياراجح. لو بإيدي أنضف جسمها من دمك الملوث. إزاي تتحسب بني آدم. بحاول أفكر لك بموتة تريحك مني. بس في نفس الوقت مستخسر فيك الموت. النهاردة وقفت بيني وبين البنت اللي دفنت حبها جوايا. لسة هتوصل لحد فين ياراجح.
ظل يتحدث مع الصورة كأنه يحدث راجح إلى أن نهض من مكانه ينظر لساعته. ثم توقف متجها للخارج.
قابلته إحدى الخدم المسؤولين عن ميرال:
- أنا خارج وإياكي تغلطي تاني. أكل المدام تدوقيه قبل ما يوصل لك. ولازم تاكل. عيوني عليكي. والبنت لو فتحتي لها الباب صدقيني طلقة واحدة وهخلص منك. امشي من قدامي.
- هزت رأسها سريعا متمتمة:
- شكرا ياباشا ربنا يسعدك يارب.
تناول هاتفه وتحرك إلى سيارته يهاتف أحدهم:
- الواد ده ممنوع يشوف نور ربنا ياشريف مش عايز هزار. يعني إيه زيارة.
- إلياس اسمعني.
- أنا مبسمعش، واقفل دلوقتي بدل ما أسمعك كلام يزعلك.
صعد إلى سيارته وصل إليه أحد أمنه.
- هتتحاسبوا كلكم بس أرجع. المدام ممنوع تخرج من البيت، وممنوع أي حد غريب يدخل البيت.
- تحت أمرك ياباشا.
تحرك بالسيارة مغادرا المكان.
استمع إلى هاتفه:
- سامعك.
- المدام نزلت الجاكوزي ورفضت الأكل ياباشا، ومن امبارح ما أكلتش.
- طيب.
قالها وأغلق الهاتف ثم رفعه وهاتفها. ظل يهاتفها ولكن لا يوجد رد. سبها بداخله:
- أغلاطك بتكبر لحد ما هتجيبي آخرك معايا. تمام يابنت راجح مفكرة هموت عليكي. لو ما أكلتيش ماتكليش. الجعان هياكل. خليكي مترديش. عارف بتعملي كده عشان أطلع لك وأتحايل عليكي. وقت الدلع خلص. وحياة أبوكي لأكرهك في اليوم اللي اتجوزتيني فيه.
عند ميرال حاولت الوقوف ولكن دارت الأرض بها وهوت عليها بقوة وسط البخار الذي حجب الرؤية.
وصل إلى مكتبه، مع رنين هاتفه:
- أيوه.
- الحق ياباشا المدام مغمى عليها في الجاكوزي وقاطعة النفس.
توقف قلبه من حديثها، ليستدير سريعا إلى سيارته، يسير كعاصفة تتعثر برياحها الهوجاء. تحرك بالسيارة يقطع المسافة بسرعة جنونية والخوف يلتهم قلبه، كما تلتهم النيران سنابل القمح. ودقاته التي أصبحت تتلاشى شيئا فشيئا، كالناي الحزين. دقائق معدودة، ولكنه شعر بأنها امد طويل، كأنها بأبعد نقطة ببقاع الأرض. وصل إلى المنزل رغم المسافة الطويلة. ترجل سريعا متجها إليها. شهق رغما عنه وهو يراها بتلك الحالة كالجثة التي خرجت روحها لبارئها. ارتعشت ملامحه وهو يحملها بين يديه، بعدما ابتعدت بعض الخادمات. تجمعت دموعه تحت أهدابه وهو يحملها بعدما نزع سترته وحاوط جسدها بها، وخرج سريعا بها للأعلى. وضعها بهدوء على الفراش، كقطعة نادرة. ورفع نصف جسدها، يشير للخادمة:
- هاتي أي حاجة أفوقها بيها بسرعة. كنتوا فين لما وصلت للحالة دي؟
- والله ياباشا أنا روحت لها بعد ما حضرتك أمرت على طول لقيتها كده، والأوضة كلها بخار. وقفت الجهاز وخرجتها برة واتصلنا بحضرتك.
- اطلعي بره.
قالها صارخا، مع ضمه إليها:
- ميرال.
رَدَّدها بقلب متلهف وهو يحرك كفيه على وجهها. ميرو حبيبتي افتحي عيونك ياقلبي. ظل يكررها مع إسعافاته الأولية لها. نزع إحدى ثيابها وساعدها بارتدائها مع دعواته بصوته المكتوم بالدموع. قبلة طويلة وكأنها قبلة الحياة لترفرف بأهدابها مع وصول الطبيب. رفعها يضمها لصدره ليشعر بروحه التي عادت له بعدما فقدها لدقائق وبأن حياته سلبت منه.
- حبيبتي حاسة بإيه.
دوار بجسدها لم تشعر بشيء وصوته الذي تسمعه كأنه لمسافات طويلة. دلفت الخادمة:
- الدكتور يدخل ياباشا؟
أومأ لها بعدما دثرها جيدا وطبع قبلة معتذرا بعينيه. نهض بدخول الطبيب. تشبثت بكفيه لتهمس بتقطع:
- متسبنيش. أنا مش عايزة غيرك.
قبلة حانية يربت على كفها:
- أنا معاكي حبيبتي. الدكتور يطمئني. مش هسيبك.
أغمضت عينيها ليلتفت للطبيب يشير إليه بفحصها. بعد دقائق من فحصها، تحرك معه للخارج:
- الجلسات دي ضرورية النهاردة، وياريت جهاز التنفس ساعتين. المدام حامل ولازم الدقة بحالتها.
أومأ له يشير للخادمة للتحرك معه، ثم دلف إليها ينظر لجسدها الساكن. اقترب منها وجلس بجوارها يحتضن كفيها.
فتحت عينيها تهمس اسمه:
- إلياس.
دنا منها قائلا:
- ممكن ماتتكلميش خالص. علشان التنفس. كده عايزة تموتي وتسبيني.
انزلقت دموعها تهز رأسها بالنفي:
- محستش بحاجة والله متفكر كنت عايزة أنتحر. والله لأ. أنا مش بنت راجح. تأكد من كده.
رسم ابتسامة يداعب وجنتيها قائلا:
- متأكد من كده ياروحي. المهم اهتمي بنفسك ياميرو. عشان ابننا يجي بالسلامة. ومتفكريش موافقتي إنك تيجي هنا يبقى هحلك مني. أمال بجسده وطبع قبلة على وجنتيها:
- مقدرش أعيش من غيرك حبيبي.
ابتسمت ولمعت عيناها بحبه، متمتمة:
- ولا أنا حبيبي.
ملس على رأسها:
- ياله حاولي تنامي شوية. نظر للمحلول:
- ده فيه مخدر علشان تنامي كويس. تمام.
أومأت بعينيها. لحظات وذهبت بنومها، ليتنفس بعمق يغلق عينيه بهدوء. بعدما فقد كل الإحساس سوى إحساس الألم. دقائق بجوارها، ثم هبط للأسفل بدخول فريدة.
- إلياس!!
طالعها باستفهام على لهفة دخولها عليه بتلك الطريقة، وتورم عيناها.
- انتي كويسة؟
سحبت كفيه ودلفت به للداخل، وحاولت كبح دموعها، ولكن انهيارها كلما تذكرت ماسيقابله ابنها يجعل داخلها يعتصر بعصارة آلامه. جلست وارتفع بكاؤها. ذهل من حالتها وانتفض قلبه ظنا أن والده أصابه شيء:
- ماما فيه إيه؟ بتخوفيني ليه.
ابتلعت غصتها التي شعرت وكأنها سيوف مدببة، وأردفت بتقطع:
- بقالي أكتر من خمس ساعات بحاول أوصلك، لحد ما مصطفى عرف مكان عربيتك وإنك هنا.
جلس بجوارها حينما تسلل الرعب لقلبه من حالتها. رفرفت أهدابها تزيل عبراتها المتعلقة بها، وسحبت نفسا قويا لتثبط نوبة البكاء التي فقدت السيطرة عليها. رفعت عينيها إليه ثم سحبت كفيه وتعلقت بعينيه:
- حبيبي اسمعني للآخر وبعد كده اتكلم.
هز رأسه موافقا، وانتظر حديثها بلهفة. بلعت ريقها ثم أردفت بنبرة خافتة استمع إليها بصعوبة:
- جمال أخوك بيكون أرسلان الجارحي.
قالتها ثم سحبت بصرها بعيدا عنه.
قبل عدة ساعات:
عند أرسلان توقف يوزع نظراته بين الدكتور وبين إسحاق.
- عمو الدكتور ده بيقولي أنا مش ابن فاروق.
جذب ذراعه يرمق الطبيب بنظرات جحيمية:
- تعالى حبيبي معايا.
توقف كالمتصنم:
- الدكتور ده بيقول أنا مش ابن فاروق صح ولا لأ.
وصل إلى الطبيب بخطوة وطبق على عنقه:
- التحاليل دي مزورة ولا حقيقية.
شحب وجه الطبيب يقسم له بتقطع:
- والله دي الحقيقة.
تسلل من بين يديه بعدما شعر ببرودة تجتاح جسده بالكامل يردد:
- حقيقية.
قالها ليرفع عيناه إلى إسحاق. نكس رأسه للأسفل دون حديث. تراجع للخلف:
- يعني أنا ابن حرام.
صاعقة نزلت على رأس إسحاق من كلماته:
- ارسوا اسمعني.
هرول بتخبط من الغرفة:
- متقربش مني. إياك تقرب مني.
قالها وركض للخارج.
الفصل الثاني والعشرون ج2
بدأت تضرب على صدرها وصرخاتها تزداد تتمتم بخفوت حارق:
- ربنا حفظكم يا أخي، بحق طيبة أبوك ودعاء أمك، بحق رضا وحنان أبوك على أهله، بحق دعواتي ودموعي طول الليل، بحق الظلم اللي عيشته ثلاثين سنة، بحق قهرتي وانت قدام عيوني ومش قادرة آخدك في حضني، بحق ظلم راجح وخوضه في شرفي وعرضي، بحق ابني اللي نسخة تانية من أبوه وهو قدامي وبيقول لي يا ست الكل وأنا مش قادرة ألمسه، بحق كل دموعي اللي نشفت عليكم وقهرتي في عز شبابي على أحن راجل في الدنيا، بحق تربيتي لميرال وحفظي لرؤى وحفاظي عليهم، بحق مساعدتي لسمية وعزة. إيه أكمل كمان يا حضرة الظابط شايف إن والدتك متستهلش أولادها يكونوا كويسين.
تجهَّمت ملامحه، من شدة الصدمة التي أشعرته وكأن أحدهم سكب عليه دلو من المياه المثلجة، وصور أرسلان تضرب عقله. أفاق من قسوة ماشعر به على صوت ميرال:
- ماما فريدة، مالك بتعيطي ليه؟
ثم التفتت تحدق إلياس بتساؤل:
- إلياس ماما فريدة مالها؟
انتصب بقامته مبتعدا عنهما ومازال تحت تأثير الصدمة، مما جعله يردد مرة أخرى:
- أرسلان، طيب إزاي، مش قادر أستوعب.
التفت إليها مرة أخرى:
- إزاي أنا هتجنن وإزاي عرفتي تعملي التحليل؟
اكتسى الألم على ملامح وجهها لتنظر بعينيها للأسفل:
- يوم ماكنتوا بتلعبوا باسكت، دي كانت فكرة إسلام علشان يعرف ياخد منه أي حاجة. الأول فكرنا بتحليل دم، بس خوفت إنك تعرف، وبعدين أرسلان ذكي وكان هيكشف الموضوع. أخدت مرة فنجان قهوته، بس خوفت النتيجة ماتكونش واضحة. حبيت أستعين بحاجة أقوى.
ابتلعت ريقها ورفعت عينيها تطالعه مستأنفة حديثها:
- إسلام هو اللي فكر إزاي نوصل لشعره، عشان كده اقترح عليك تلعبوا ماتش وبعدها هو يكمل.
تذكر ذاك اليوم عندما تسطحوا على العشب، ومشاغبة إسلام لأرسلان وهو يداعب خصلاته:
- إنما مقولتش ياسيد أرسلان، إيه نوع الكريم اللي بتحطه على تلك الخصلات الفحمية يا عم؟
قهقه أرسلان يدفعه بعيدا عنه ويرد بمزاح:
- طين من البحر الأحمر.
توسعت عيناه بتصنع وأجابه مشاكسًا:
- البحر الأحمر فيه طين. طيب ماتجيب عنوان الطين ده.
دفعه أرسلان بقوة على الأرض يشير إلى إلياس:
- أخوك ده عبيط ولا أهبل.
- أنا عبيط ولا أهبل، طيب والله لازم أعرف نوع الفنكوش اللي على شعرك ده.
قالها وهو يجذب خصلاته بقوة، مما جعل أرسلان يصرخ به:
- بس يا غبي، يخربيتك قلعت لي شعري.
نظر إسلام بيده وغمز بعينه:
- إيخيه دا شعرك وحش وبيوقع.
هب من مكانه:
- تعال هنا يالا، يعني تشده بالطريقة الغبية دي وعايز إيه، مفكرة شجرة؟
قهقه متجها إلى الداخل:
خرج إلياس من شروده وهز رأسه اعتراضًا على ما فعلته:
- يعني الراجل يأمن لنا وأنتم بتستغلوه، ولا إسلام الحيوان إزاي يعمل حاجة زي كده من غير ما يرجع لي.
لم تستطع استثناء نفسها من اللوم لترد قائلة:
- إسلام مالوش علاقة، أنا اللي طلبت منه. إنت مكنتش لسه تعرف حاجة.
افترت شفتيه صدمة ليطالعها بذهول، ثم تراجع بجسده متذكرا حالة غادة وكلمات إسلام. هز رأسه وابتسامة ساخرة حتى قست عيناه وهو ينظر إليها:
- غادة وإسلام عرفوا قبلي، واستخدمتي إسلام يساعدك وإنتِ عارفة إنِّي ابنك، يعني لغيتيني، للمرة الكام وانتِ بتلغيني من حياتك، إيه.
قالها بصراخ لتقترب منه ميرال:
- إلياس ممكن تهدى، أنا مش فاهمة بتتكلموا عن إيه!
امتلأت عيناه بنيران الغضب، ليرمقها بحدة؛
- وإنتِ مالك، تدخلي في الكلام ليه.
دقَّق النظر بها ثم أطبق على ذراعيها:
- ويا ترى المدام كانت عارفة وبتمثل، زي ما مثلت قبل كده، وعملت لي صغيرة على الحب، ولا إيه حكايتك انت كمان.
جحظت عيناها تدفعه بقوة وتهدر به معنفة إياه:
- أنا معرفش بتتكلم عن إيه، بس كل اللي أعرفه إنك مبقتش تتطاق وبس.
- هنااااء.
صرخ يشير إلى ميرال:
- طلعي المدام فوق، عشان ترتاح. اطلعي ولما أتكلم مع أمي ماتتدخليش بينا.
رمقته بقهر وصعدت تستند على الخادمة وفريدة تتابعها بعينيها. ثم اتجهت إليه:
- خليك دوس عليها لحد ما في يوم تموت منك بجد. اعمل قاسي ودوس كمان. دنت حتى أصبحت أمامه:
- أنا جيت لك عشان تكون جنب أخوك لما يعرف إنه كان عايش في كذبة.
- والله أكون جنبه وياترى يامدام فريدة هروح له بصفتي إيه. أقول له تعال أقول لك سر. اسكت مش إنت طلعت أخويا وأمي اتأكدت بعد ما استغفلتنا واستعانت بعيل علشان يلعب معاك.
- إلياس احترم نفسك.
- أحترم نفسي. بصفتك إيه. دار حولها وتابع بقسوة:
- حضرتك بتقولي إلياس. عارفة ده معناه إيه؟
التفتت تطبق على ذراعيه:
- حبيبي اسمعني. أنا روحت لإسحاق وهو رفض، وكمان مصطفى راح له ورفض وأصر إنّه مستحيل يقول له الحقيقة. مكنش قدامنا غير إننا نعرفه بطريقة التحليل دي. بس والله مصطفى ملحقش يتفق مع الدكتور. لقينا جدته رتبت لكل حاجة.
دقيقة اثنتان محاولا إدراك ما تلفظت به:
- يعني إيه مش فاهم إنتِ بتقولي إيه؟ أنا اتجننت مبقتش قادر أفهم حاجة. إسحاق رفض إيه، وبابا ماله، ومستشفى إيه وجدة إيه. إنتِ بتقولي إيه؟
احتوت وجهه تنظر لعينيه:
- حبيبي اسمعني. عارفة إنك بتتحمل فوق طاقتك، بس إنت أخوه الكبير. إنت اللي المفروض تكون جنبه دلوقتي.
تراجع للخلف مبتعدا عن مرمى يديها:
- أروح أقول له إيه! لما عملت التحليل واجهت إسحاق وهو رفض وقال لي مصر كلها قدامك واثبتي، وبابا لما راح له عمل نفس الشي. لدرجة هدد باباك إننا ننسى الموضوع ولمح بتهديد شغله. عشان كده باباك استقال وقال له هعرف أخده ومن غير سلطة. بس جه تعب فاروق لخبط الدنيا. وكمان خطف ميرال. ولما فاروق عمل حادثة باباك اتفق مع الدكتور إنه يعمل أي حاجة علشان تحليل الدم. ونعرف أرسلان إنه مش أبوه. بس للأسف لقينا جدته متفقة مع الدكتور إنه مريض لوكيميا علشان أخوك يعرف. ليه مانعرفش.
- لوكيميا!
رددها بذهول، متراجعا يستند على المقعد، واستطرد:
- يعني لعبتوا بمرض الراجل علشان تعرفي ابنك! طيب ما كنتي تقولي لي بدل اللعب والحوارات دي كلها، وأنا كنت هتصرف. إنتِ عارفة لو خد خبر بالطريقة دي هتكون حالته إيه.
بمنزل زين الرفاعي:
خرج من غرفته بمنزل والده. اقتربت منه:
- صباح الخير يادكتور.
أومأ دون حديث ثم اتجه إلى طاولة الطعام ينادي على الخادمة:
- قهوتي ياهدى، وجهزي للآنسة حنين فطارها.
خطت إلى جلوسه وجلست بجواره، تستند على راحة يديها تنظر إليه بشغف وهو يتصفح هاتفه:
- هتفضل مقاطعني كده؟
رفع رأسه وأردف بهدوء:
- هو إحنا كنا متواصلين عشان أقاطعك. أنا اتفقت معاكي ماتجيش وبرضو جيتي مع إني حذرتك.
- مش المفروض أكون في المكان اللي فيه جوزي؟
- يعني إيه؟
ألقى الهاتف واستند بذراعه على الطاولة:
- اسمعيني كويس ياحنين عشان مبحبش اللف والدوران. وأنا قولتهالك قبل ما أنزل مصر. إحنا مكنش بينا غير ورقة وبس والجواز مصلحة. إنتِ عايزة تثبتي لوالدك مالكيش علاقة بعدوه اللي عملتي معاه علاقة بالحرام فكان لازم تثبتي إنك بتحبيني ونتجوز. وأنا عشان آخد الجنسية ووالدك يساعدني في تعييني هناك. أما الحب والغرام ده اكتشفت إنه سراب.
- يعني كلامك ليا كان كذب يا آدم؟
تنهيدة عميقة أخرجها من ثنايا روحه ثم حدجها بنظرة ثابتة لعدة دقائق واستطرد:
- حنين أنا حاولت وأقنعت نفسي بحبك بس مقدرتش. وإنتِ كمان حاولتِ تقربيني منك. تنكري إغرائك؟
- بس أنا حبيتك يا آدم والدليل على كده سبت كل حاجة وجيت لك.
توقف يحمل هاتفه وتمتم:
- بس أنا بحبها هي. ومش ناوي أعمل علاقة مع حد تاني. حتى لو هفضل من غير جواز العمر كله.
- ياااه. حتة العيلة دي لحست دماغك!
لمعت عيناه بابتسامة قائلا:
- حتة العيلة دي روحي فيها. مش قادر أشوف نفسي مع ست غيرها. بدليل جوازنا. عمري ما حاولت أقرب منك، رغم اللي عملتيه.
- أنا مفهمش في الكلام ده يا آدم. أنا اللي أقدر أفهمه إنك جوزي ومش هتنازل عنك. تحبها تكرهها إنت براحتك.
دنت ورفعت نفسها تحاوط عنقه مقتربة من شفتيه تطبع قبلة عليهما ليبتعد عنها كالملدوغ. ابتسمت بخفة عليه ثم غمزت بعينيها:
- متتخضش كده. عشان أنت جوزي ومن حقي. وأنا دلوقتي عايزة حقي فيك. ومش هتنازل عنه مهما كان.
أطبق على ذراعها بقوة:
- اتجننتي.
نزعت ذراعها:
- تؤ تؤ يادكتور. متنساش حنين اللي عملتك. فون بس لبابا وأخسف بمستقبلك الأرض. أنا هدخل آخد شاور.
التفتت برأسها إليه مسترسلة:
- عايزة نكمل حياتنا. عايزة منك ولد يا آدم. ومش هتنازل وكفاية راضية بمراتك التانية.
قالتها وهي تحاوط عنقه بدخول إيلين تهتف:
- خالو عرفت مكان خالتو فر.
بترت حديثها حينما وجدت تقاربهما؛ لتبتعد من الغرفة محاولة السيطرة على دموعها. قابلتها الخادمة تحمل قهوة آدم فسألتها:
- فين خالو ياهدى.
- البيه سافر امبارح مع مالك بيه عشان عمليته.
ضربت على رأسها متذكرة حديثه عن سفره. وصل آدم إليها:
- إيلين.
سحبت نفسا وطردته بهدوء. مستديرة إليه ورسمت ابتسامة:
- نعم!
اقترب من وقوفها وعيناها تحاصر وقوفها:
- خالتو مين اللي تقصديها.
اتجهت إلى حقيبتها ونطقت بعض الكلمات:
- لما خالو يرجع من السفر. بعد إذنك.
جذبها من ذراعها، يهز رأسه وعيونا متسائلة:
- على فين؟
نزعت ذراعها من بين يديه وتمتمت:
- راجعة بيت صاحبتي.
عرقل حركتها وتوقف أمامها:
- مفيش رجوع هناك تاني.
زوت مابين حاجبيه متسائلة:
- ليه؟
تسائلت بها بوصول حنين ترمقها بنظرات ساخرة. اقتربت من آدم:
- إيه يادومي هفضل منتظراك كتير.
حدجها بنظرة مميتة، ثم أشار إليها:
- جوا. ماتدخليش بينا.
أفلتت إيلين ضحكة ساخرة من بين شفتيها ثم اقتربت منه، وابعدت حنين عنه:
- لا راجل يابن خالي. طيب ما كنت تقولي إنك حمش أوي وبتخاف عليا.
- أنا مش راجل يا إيلين.
غرزت عيناها بمقلتيه وهتفت دون أن يرف لها جفن:
- بالنسة لي يا آدم. مفيش راجل يستغل بنت.
قالتها واستدارت للمغادرة، إلا أنه رفعها بين ذراعيه وصعد بها إلى شقتهما:
- أنا هعرفك دلوقتي أنا راجل ولا لأ يابنت عمتي.
بيفيلا راجح:
بدأ يثور وهو يدور حول نفسه:
- يعني إيه. نفسي أفهم إيه اللي حصل. سكوت الواد هيجنني. وبنتك الغبية دي.
توقفت مقتربة منه:
- ممكن تهدى عشان نعرف نفكر. أنا من رأيي جوازهم أحسن. ليه عايز تبعدها.
أمسك ذراعها بقوة يهدر بها:
- اتجننتي. ده ظابط عارفة آخرتها إيه. رقبتي هتكون تحت رجله. لو مكنش ظابط كنت قبلته. ويمكن شغلته معايا. معرفش فريدة دي عملت إيه عشان ولادها يطلعوا كده. لا والواد التاني من أكبر العائلات. إزاي وصول له هتجنن. والله لو مش خايف من قلبتهم لكنت فضحتهم. ده شغال في مركز حساس.
نزعت ذراعها تتلمسه بتألم:
- إنت اتهبلت. ماهو كدا كدا مش هيسكت بعد اللي عرفه وعملناه. ابعد عن الجارحي إحنا مش قده. كفاية الحيوان مصطفى واللي عمله فينا.
- اخرسي يارانيا مش عايز أسمع نفسك.
جذب كأس مشروبه المحرم وأردف:
- إنتِ عارفة إنهم أمروا بقتلي. وكانوا عايزين حد يمشي شغلهم في مصر. بحجة طارق المتخلف. لولا تدخل الباشا كنت زمانك دفنتيني.
استدار يرمقها وتابع مستطردا:
- لو شموا بس إن العيال دول ولاد أخويا هيموتوني في وقتها. المهم العيال دي لازم تموت بأي طريقة.
استمع إلى رنين هاتفه:
- الواد اللي بنراقبه ياباشا خرج من المستشفى وحالته مش تمام.
- خلّيكم وراه. لحد ما أقول لكم تعملوا إيه.
خرج أرسلان من المشفى بدخول غرام. توقفت أمامه:
- أرسلان عمو فاروق عامل إيه؟
طالعها بقلب مفطور، وكأنه انشق لنصفين. دنت بعدما وجدت نظراته التائهة، ووجهه الشاحب. أمسكته من ذراعه:
- أرسلان عمو كويس؟
رفع عينيه إليها كأنه لم يستمع إلى حديثها، لتكرر سؤالها الذي آلمه قائلة:
- أرسلان باباك عامل إيه، ليه مش بترد عليا؟
هنا أحس بضلوعه تتحطم بقوة ليتألم صدره، ويخونه جسده وهو يترنح بوقوفه، مما جعله يستند على سيارته مرددا بتقطع:
- كذب، كله كذب.
فتح باب السيارة مع نظراتها المذهولة، وخروج إسحاق خلفه يصيح باسمه. ولكن غادر المكان بسرعة جنونية، يطرق على المقود بصراخ، ودموع كزخات المطر مع ارتجافة جسده. ليتوقف بالسيارة فجأة حتى دارت حول نفسها وكادت أن تنقلب به. انحنى برأسه وارتفعت شهقاته وشريط حياته يمر أمامه كشريط سينمائي. رفع عينيه التي انفجرت مياهها كمجرى نهري لا ينقطع. نظر لنفسه بالمرآة:
- أنا ابن حرام. أنا مش ابن فاروق. طيب إزاي. العمر ده كله كذب. حياتي كلها أكذوبة. أرسلان فاروق الجارحي أكذوبة. طيب أنا مين، وليه أهلي عملوا فيا كده. ياترى باعوني، ولا أمي غلطت مع حد. ياترى أنا مين. أنا مين.
قالها بصراخ يضرب بقوة على المقود مرة ويضرب رأسه مرة أخرى، حتى شعر بفقدان كل شيء حوله. شعر بانسحاب أنفاسه، وتجمد الدماء بعروقه. تمنى من ربه أن يلفظ أنفاسه الأخيرة حتى يرتاح من ذاك الألم الذي يشعر به حارق لجسده بالكامل.
استمع إلى رنين هاتفه، التفت إليه ليجد اسم إسحاق. دموع فقط مما جعله يفقد الرؤية، ليتمتم بألم يفتت العظام.
- يعني إنت مش عمي. طيب إنت مين. ليه تعمل كده.
دقائق مرت عليه وهو كالطائر الذي قص جناحيه، وهو داخل قفصه عاجز عن الخروج. رغم تحرره من قفصه. كل ما يشعر به أن داخله يهتز فقط. شعر بالدوار يجتاح جسده ليقوم بتشغيل محرك السيارة وينطلق بها دون هدى.
- مالكش وجود يا أرسلان. إسحاق وفاروق ضحكوا عليك. دلوقتي فهمت كل حاجة. ليه دايمًا تبعدوني عن اجتماعات العيلة الكريمة. آآآه ياااااارب انتزع روحي يارب.
سرعة جنونية كالذي لا تهمه حياته. مع ارتفاع رنين هاتفه ليرفعه ويلقيه بالطريق دون النظر إليه. من يرى السيارة وهي تتحرك بتلك الطريقة يقسم أن السيارة ليست سيارة تتحرك على الأرض. نظر الرجل الذي يراقبه:
- ودا نلحقه إزاي. دا بينتحر.
أشار الآخر إليه:
- كلم الباشا وقول له الوضع.
- راجح باشا الولد من وقت ما خرج من المستشفى وهو بينتحر ياباشا. دا واحد باع الدنيا.
- يعني إيه.
قص له الرجل ما حدث. قهقه راجح قائلا:
- كويس خلصوا عليه وأهو جت من عنده.
قالها وأغلق الهاتف يجذب مفاتيحه:
- اجهزي ياروحي عشان تروحي تعزي فريدة.
ركضت خلفه وأمسكته:
- مابلاش ياراجح. حرام الولد تقتله. وبعدين دا شبه أخوك.
- اخرسي ياحيوانة. مش عايز أسمع صوتك. أنا مش هضيع بسبب واحدة زيك. بتبكي على حبيبها الغايب. مش هستنى من العيال دي تموتني. كفاية بنتك الحقيرة. وأهو أخوه يلتهي فيه لحد ما نخلص شغلنا. لازم العيال تخرج من السجن بهدوء بدل ما يدخلونا إحنا المشرحة.
قالها وتحرك.
عند إلياس:
- يعني هو دلوقتي أكيد عرف. ليه بتعملوا كده. إنتِ عارفة دلوقتي ممكن تكون حالته إيه.
اقتربت منه واحتوت ذراعه:
- وحياة أغلى حاجة عندك يابني، أوصله. مصطفى مش عايز يدخل وخصوصا بعد تهديد إسحاق. مفيش صلة قرابة. إنما إنت اخوه. حاول تكلمه قبل ما يعرف. أنا معرفش هو عرف ولا لأ، بس أكيد هيعرف. جدته مش هترحمه.
رفعت كف إلياس:
- أبوس على إيدك ياحبيبي إلحق أخوك. خليه يعرف منك قبل ما يعرف من الغريب.
ضمه لأحضانة:
- خلاص اهدي. أنا هتصرف. اهدي ومتعيطيش. هروح المستشفى وأحاول أوصله قبل ما يعرف. وإنت خليكي هنا مع ميرال. لأنها كانت هتموت النهاردة.
قالها وغادر المكان سريعا وهو يحاول أن يصل إليه. ولكن دون جدوى. وصل إلى المشفى. دلخ للداخل يسأل عنه. أجابته ملك:
- كان هنا من ساعتين تقريبا.
- طيب إسحاق باشا فين.
هزت كتفها بعدم معرفة. تسرب القلق لداخله وهو يحاول أن يصل لأحد فيهما. رفع الهاتف وقام بالاتصال على شريف:
- شريف شوف أرسلان الجارحي فين من تليفونه أو عربيته.
- تمام خليك معايا دقايق هشوف الشباب.
معاك بس بسرعة.
قالها وتحرك سريعا بسيارته. فتح الخط بعدما استمع إلى رنين هاتفه:
- أيوه يابابا.
- حبيبي إنت فين؟
نظر للطريق وأجابه:
- رايح لأرسلان يامصطفى باشا. ماهو لو أنا ابنك زي ما كنت دايمًا تعتبرني ابنك كنت عرفتني وعرفت أفكر في حل.
- أرسلان عرف إنه مش ابن فاروق يا إلياس. وبعت حد وراه. أخوك فيه عربية مرقباه. وكمان حالته مش كويسة.
هلع من حديثه، يضغط على مقود السيارة لينطلق بسرعة مهولة. ورائحة الموت تفوح حوله. لا يعلم ما سبب تلك الدموع التي انسابت بقوة على وجنتيه. ماذا يحدث. هل بالفعل سيخسر أخاه. ضغط بأسنانه على كفه ندما. وآه حارقة بدموع الألم تحرق جسده بالكامل. تمنى لو يمتلك أجنحة ليصل إليه ويضمه لأحضانه ليواسيه عما يشعر به. هو يعلم بكم الآلام الذي سيواجهها بتلك اللحظات المميتة. دعا ربه "رب إني مغلوب فانتصر".
- شريف فين المكان دلوقتي.
اتجه شريف ليتأكد من مكانه:
- العربية واقفة في الطريق.
- تمام.
قالها وتحرك سريعا بسيارته. فتح الخط بعدما استمع إلى رنين هاتفه:
- أيوه يا إلياس. فيه حاجة غريبة. الموبايل في مكان، والعربية على الطريق الصحراوي.
توقف يستمع إليه باهتمام:
- ابعت لي لوكيشن العربية، وأي جديد عرفني ضروري.
قالها وتحرك سريعا بسيارته. فتح الخط بعدما استمع إلى رنين هاتفه:
- أيوه يابابا.
- حبيبي إنت فين؟
نظر للطريق وأجابه:
- رايح لأرسلان يامصطفى باشا. ماهو لو أنا ابنك زي ما كنت دايمًا تعتبرني ابنك كنت عرفتني وعرفت أفكر في حل.
- أرسلان عرف إنه مش ابن فاروق يا إلياس. وبعت حد وراه. أخوك فيه عربية مرقباه. وكمان حالته مش كويسة.
هلع من حديثه، يضغط على مقود السيارة لينطلق بسرعة مهولة. ورائحة الموت تفوح حوله. لا يعلم ما سبب تلك الدموع التي انسابت بقوة على وجنتيه. ماذا يحدث. هل بالفعل سيخسر أخاه. ضغط بأسنانه على كفه ندما. وآه حارقة بدموع الألم تحرق جسده بالكامل. تمنى لو يمتلك أجنحة ليصل إليه ويضمه لأحضانه ليواسيه عما يشعر به. هو يعلم بكم الآلام الذي سيواجهها بتلك اللحظات المميتة. دعا ربه "رب إني مغلوب فانتصر".
- شريف فين المكان دلوقتي.
اتجه شريف ليتأكد من مكانه:
- العربية واقفة في الطريق.
- تمام.
قالها وتحرك سريعا بسيارته. فتح الخط بعدما استمع إلى رنين هاتفه:
- أيوه يا إلياس. فيه حاجة غريبة. الموبايل في مكان، والعربية على الطريق الصحراوي.
توقف يستمع إليه باهتمام:
- ابعت لي لوكيشن العربية، وأي جديد عرفني ضروري.
قالها وتحرك سريعا بسيارته. فتح الخط بعدما استمع إلى رنين هاتفه:
- أيوه يابابا.
- حبيبي إنت فين؟
نظر للطريق وأجابه:
- رايح لأرسلان يامصطفى باشا. ماهو لو أنا ابنك زي ما كنت دايمًا تعتبرني ابنك كنت عرفتني وعرفت أفكر في حل.
- أرسلان عرف إنه مش ابن فاروق يا إلياس. وبعت حد وراه. أخوك فيه عربية مرقباه. وكمان حالته مش كويسة.
هلع من حديثه، يضغط على مقود السيارة لينطلق بسرعة مهولة. ورائحة الموت تفوح حوله. لا يعلم ما سبب تلك الدموع التي انسابت بقوة على وجنتيه. ماذا يحدث. هل بالفعل سيخسر أخاه. ضغط بأسنانه على كفه ندما. وآه حارقة بدموع الألم تحرق جسده بالكامل. تمنى لو يمتلك أجنحة ليصل إليه ويضمه لأحضانه ليواسيه عما يشعر به. هو يعلم بكم الآلام الذي سيواجهها بتلك اللحظات المميتة. دعا ربه "رب إني مغلوب فانتصر".
- شريف فين المكان دلوقتي.
اتجه شريف ليتأكد من مكانه:
- العربية واقفة في الطريق.
- تمام.
قالها وتحرك سريعا بسيارته. فتح الخط بعدما استمع إلى رنين هاتفه:
- أيوه يا إلياس. فيه حاجة غريبة. الموبايل في مكان، والعربية على الطريق الصحراوي.
توقف يستمع إليه باهتمام:
- ابعت لي لوكيشن العربية، وأي جديد عرفني ضروري.
قالها وتحرك سريعا بسيارته. فتح الخط بعدما استمع إلى رنين هاتفه:
- أيوه يابابا.
- حبيبي إنت فين؟
نظر للطريق وأجابه:
- رايح لأرسلان يامصطفى باشا. ماهو لو أنا ابنك زي ما كنت دايمًا تعتبرني ابنك كنت عرفتني وعرفت أفكر في حل.
- أرسلان عرف إنه مش ابن فاروق يا إلياس. وبعت حد وراه. أخوك فيه عربية مرقباه. وكمان حالته مش كويسة.
هلع من حديثه، يضغط على مقود السيارة لينطلق بسرعة مهولة. ورائحة الموت تفوح حوله. لا يعلم ما سبب تلك الدموع التي انسابت بقوة على وجنتيه. ماذا يحدث. هل بالفعل سيخسر أخاه. ضغط بأسنانه على كفه ندما. وآه حارقة بدموع الألم تحرق جسده بالكامل. تمنى لو يمتلك أجنحة ليصل إليه ويضمه لأحضانه ليواسيه عما يشعر به. هو يعلم بكم الآلام الذي سيواجهها بتلك اللحظات المميتة. دعا ربه "رب إني مغلوب فانتصر".
- شريف فين المكان دلوقتي.
اتجه شريف ليتأكد من مكانه:
- العربية واقفة في الطريق.
- تمام.
قالها وتحرك سريعا بسيارته. فتح الخط بعدما استمع إلى رنين هاتفه:
- أيوه يا إلياس. فيه حاجة غريبة. الموبايل في مكان، والعربية على الطريق الصحراوي.
توقف يستمع إليه باهتمام:
- ابعت لي لوكيشن العربية، وأي جديد عرفني ضروري.
قالها وتحرك سريعا بسيارته. فتح الخط بعدما استمع إلى رنين هاتفه:
- أيوه يابابا.
- حبيبي إنت فين؟
نظر للطريق وأجابه:
- رايح لأرسلان يامصطفى باشا. ماهو لو أنا ابنك زي ما كنت دايمًا تعتبرني ابنك كنت عرفتني وعرفت أفكر في حل.
- أرسلان عرف إنه مش ابن فاروق يا إلياس. وبعت حد وراه. أخوك فيه عربية مرقباه. وكمان حالته مش كويسة.
هلع من حديثه، يضغط على مقود السيارة لينطلق بسرعة مهولة. ورائحة الموت تفوح حوله. لا يعلم ما سبب تلك الدموع التي انسابت بقوة على وجنتيه. ماذا يحدث. هل بالفعل سيخسر أخاه. ضغط بأسنانه على كفه ندما. وآه حارقة بدموع الألم تحرق جسده بالكامل. تمنى لو يمتلك أجنحة ليصل إليه ويضمه لأحضانه ليواسيه عما يشعر به. هو يعلم بكم الآلام الذي سيواجهها بتلك اللحظات المميتة. دعا ربه "رب إني مغلوب فانتصر".
- شريف فين المكان دلوقتي.
اتجه شريف ليتأكد من مكانه:
- العربية واقفة في الطريق.
- تمام.
قالها وتحرك سريعا بسيارته. فتح الخط بعدما استمع إلى رنين هاتفه:
- أيوه يا إلياس. فيه حاجة غريبة. الموبايل في مكان، والعربية على الطريق الصحراوي.
توقف يستمع إليه باهتمام:
- ابعت لي لوكيشن العربية، وأي جديد عرفني ضروري.
قالها وتحرك سريعا بسيارته. فتح الخط بعدما استمع إلى رنين هاتفه:
- أيوه يابابا.
- حبيبي إنت فين؟
نظر للطريق وأجابه:
- رايح لأرسلان يامصطفى باشا. ماهو لو أنا ابنك زي ما كنت دايمًا تعتبرني ابنك كنت عرفتني وعرفت أفكر في حل.
- أرسلان عرف إنه مش ابن فاروق يا إلياس. وبعت حد وراه. أخوك فيه عربية مرقباه. وكمان حالته مش كويسة.
هلع من حديثه، يضغط على مقود السيارة لينطلق بسرعة مهولة. ورائحة الموت تفوح حوله. لا يعلم ما سبب تلك الدموع التي انسابت بقوة على وجنتيه. ماذا يحدث. هل بالفعل سيخسر أخاه. ضغط بأسنانه على كفه ندما. وآه حارقة بدموع الألم تحرق جسده بالكامل. تمنى لو يمتلك أجنحة ليصل إليه ويضمه لأحضانه ليواسيه عما يشعر به. هو يعلم بكم الآلام الذي سيواجهها بتلك اللحظات المميتة. دعا ربه "رب إني مغلوب فانتصر".
- شريف فين المكان دلوقتي.
اتجه شريف ليتأكد من مكانه:
- العربية واقفة في الطريق.
- تمام.
قالها وتحرك سريعا بسيارته. فتح الخط بعدما استمع إلى رنين هاتفه:
- أيوه يا إلياس. فيه حاجة غريبة. الموبايل في مكان، والعربية على الطريق الصحراوي.
توقف يستمع إليه باهتمام:
- ابعت لي لوكيشن العربية، وأي جديد عرفني ضروري.
قالها وتحرك سريعا بسيارته. فتح الخط بعدما استمع إلى رنين هاتفه:
- أيوه يابابا.
- حبيبي إنت فين؟
نظر للطريق وأجابه:
- رايح لأرسلان يامصطفى باشا. ماهو لو أنا ابنك زي ما كنت دايمًا تعتبرني ابنك كنت عرفتني وعرفت أفكر في حل.
- أرسلان عرف إنه مش ابن فاروق يا إلياس. وبعت حد وراه. أخوك فيه عربية مرقباه. وكمان حالته مش كويسة.
هلع من حديثه، يضغط على مقود السيارة لينطلق بسرعة مهولة. ورائحة الموت تفوح حوله. لا يعلم ما سبب تلك الدموع التي انسابت بقوة على وجنتيه. ماذا يحدث. هل بالفعل سيخسر أخاه. ضغط بأسنانه على كفه ندما. وآه حارقة بدموع الألم تحرق جسده بالكامل. تمنى لو يمتلك أجنحة ليصل إليه ويضمه لأحضانه ليواسيه عما يشعر به. هو يعلم بكم الآلام الذي سيواجهها بتلك اللحظات المميتة. دعا ربه "رب إني مغلوب فانتصر".
- شريف فين المكان دلوقتي.
اتجه شريف ليتأكد من مكانه:
- العربية واقفة في الطريق.
- تمام.
قالها وتحرك سريعا بسيارته. فتح الخط بعدما استمع إلى رنين هاتفه:
- أيوه يا إلياس. فيه حاجة غريبة. الموبايل في مكان، والعربية على الطريق الصحراوي.
توقف يستمع إليه باهتمام:
- ابعت لي لوكيشن العربية، وأي جديد عرفني ضروري.
قالها وتحرك سريعا بسيارته. فتح الخط بعدما استمع إلى رنين هاتفه:
- أيوه يابابا.
- حبيبي إنت فين؟
نظر للطريق وأجابه:
- رايح لأرسلان يامصطفى باشا. ماهو لو أنا ابنك زي ما كنت دايمًا تعتبرني ابنك كنت عرفتني وعرفت أفكر في حل.
- أرسلان عرف إنه مش ابن فاروق يا إلياس. وبعت حد وراه. أخوك فيه عربية مرقباه. وكمان حالته مش كويسة.
هلع من حديثه، يضغط على مقود السيارة لينطلق بسرعة مهولة. ورائحة الموت تفوح حوله. لا يعلم ما سبب تلك الدموع التي انسابت بقوة على وجنتيه. ماذا يحدث. هل بالفعل سيخسر أخاه. ضغط بأسنانه على كفه ندما. وآه حارقة بدموع الألم تحرق جسده بالكامل. تمنى لو يمتلك أجنحة ليصل إليه ويضمه لأحضانه ليواسيه عما يشعر به. هو يعلم بكم الآلام الذي سيواجهها بتلك اللحظات المميتة. دعا ربه "رب إني مغلوب فانتصر".
- شريف فين المكان دلوقتي.
اتجه شريف ليتأكد من مكانه:
- العربية واقفة في الطريق.
- تمام.
قالها وتحرك سريعا بسيارته. فتح الخط بعدما استمع إلى رنين هاتفه:
- أيوه يا إلياس. فيه حاجة غريبة. الموبايل في مكان، والعربية على الطريق الصحراوي.
توقف يستمع إليه باهتمام:
- ابعت لي لوكيشن العربية، وأي جديد عرفني ضروري.
قالها وتحرك سريعا بسيارته. فتح الخط بعدما استمع إلى رنين هاتفه:
- أيوه يابابا.
- حبيبي إنت فين؟
نظر للطريق وأجابه:
- رايح لأرسلان يامصطفى باشا. ماهو لو أنا ابنك زي ما كنت دايمًا تعتبرني ابنك كنت عرفتني وعرفت أفكر في حل.
- أرسلان عرف إنه مش ابن فاروق يا إلياس. وبعت حد وراه. أخوك فيه عربية مرقباه. وكمان حالته مش كويسة.
هلع من حديثه، يضغط على مقود السيارة لينطلق بسرعة مهولة. ورائحة الموت تفوح حوله. لا يعلم ما سبب تلك الدموع التي انسابت بقوة على وجنتيه. ماذا يحدث. هل بالفعل سيخسر أخاه. ضغط بأسنانه على كفه ندما. وآه حارقة بدموع الألم تحرق جسده بالكامل. تمنى لو يمتلك أجنحة ليصل إليه ويضمه لأحضانه ليواسيه عما يشعر به. هو يعلم بكم الآلام الذي سيواجهها بتلك اللحظات المميتة. دعا ربه "رب إني مغلوب فانتصر".
- شريف فين المكان دلوقتي.
اتجه شريف ليتأكد من مكانه:
- العربية واقفة في الطريق.
- تمام.
قالها وتحرك سريعا بسيارته. فتح الخط بعدما استمع إلى رنين هاتفه:
- أيوه يا إلياس
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سيلا وليد
قالها بعيونٍ قلقةٍ والخوفُ الذي يتسلَّلُ بداخله، كشيطانٍ يتربصُ لمؤمنٍ ليزهقَ صبره.
عيناهُ غُلِّفت بالظلام، وارتعاشةٍ أصابت وقوفه، وهو مازال يحتضن بنظراته جسد أخيهِ يدعو ربَّهِ أن يستجيبَ ويعودَ قلبهِ للنبضِ مرَّةً أخرى.
"يااارب..." قالها بخفوت، مع اختلالِ توازنه، وتكوُّرِ الدموعِ تحت أهدابه.
لحظات بآلافِ السنينِ إلى أن هزَّ الطبيبُ رأسهِ بآسف.
هنا توقَّفَ النبضُ ودارت به الأرض.
وعيناهُ تنطقُ بكمِّ الألمِ الذي يشعر به.
لحظاتٍ جحيمية، وصمتٍ مميتٍ مع أنفاسٍ مرتفعة.
وضعَ الطبيبُ جهازه، مع اقتحامِ إسحاق الغرفةَ كالأسدِ المفترس، يحطِّمُ كلَّ ما يقابلهُ.
إلى أن وصلَ للطبيب:
"أنا قولت لك إيه.."
بترَ حديثهِ صراخُ الممرضة، التي تحاول انعاش القلب بالضغط على صدره.
"النبض عاد يادكتور.."
هنا شعرَ إسحاق بالخدرِ يسري بجسدهِ بالكامل، وهو يستمعُ إلى نبضهِ يعلو بالغرفةِ مرَّةً أخرى.
تراجعَ يشيرُ للطبيب:
"تمام ..تمام، شوف شغلك.."
قالها وتحرَّكَ بظهرهِ للخلفِ وعيناهُ تحتضنُ جسدَ أرسلان.
خرجَ من الغرفةِ واتَّجهَ إلى مكان وقوفهِ مرَّةً أخرى، مع ترطيبِ لسانهِ بالحمدِ والثناء.
حتى انتهى الطبيبُ وتحرَّكَ للخارج:
"ربنا يقوِّمه بالسلامة.."
قالها وتحرَّكَ سريعًا من أمامه.
أومأ برأسهِ دون حديثٍ وعينيهِ على إلياس الحاضرِ الغائب.
اقتربَ منه وحمحمَ مردفًا:
"أرسلان قوي وإن شاء الله هيقوم عندي أمل في ربنا كبير.."
"-البركة في حضرتك، بس عايز أقولَّك إنتَ السبب في اللي هوَّ فيه.."
قالها ومازالت نظراتهِ على أخيه.
اقتربَ منه إسحاق وتوقَّفَ بجوارهِ ونظرَ إلى أرسلان قائلًا:
"ومتفكرش هتوصلُّه ياحضرةِ الظابط، هوَّ عرف أه، بس برضو هيفضل أرسلان الجارحي.."
التفتَ إليهِ إلياس، ثمَّ رفعَ عينيهِ إلى مصطفى الذي أشارَ إليه بالهدوء.
ولكن كيف يصمت وداخلهِ فوهةٌ بركانية.
لِيستديرَ بكاملِ جسدهِ لإسحاق:
"لولا تعب أخويا كنت ردِّيت على حضرتك، دنا برأسهِ.."
وأردفَ بنبرةٍ خافتةٍ ممزوجةٍ بالألم:
"جمال جمال الشافعي، ياسيادةِ العقيد، أنا مش هحرمك منُّه، ودا مش جدعنة منِّي، لا علشان أنا حقَّاني ومبحبش الظلم، فبلاش تقول هيفضل ويفضل، دا أنا اللي أقرَّره مش حضرتك، حتى هوَّ لمَّا يفوق مالوش غير القرار اللي أخوه الكبير هياخده.."
"-إنتَ اتجنِّنت..." قالها إسحاق.
تراجعَ إلياس إلى المقعد، فاقتربَ إسحاق منهُ ووجههِ عبارةٌ عن لوحةٍ من الألمِ والحزن:
"اسمعني علشان تبقى عارف، وأنا قولتها لحضرتِك اللوا، أرسلان هيفضل ابنِ الجارحي ولو فيها عمري.."
"-حقَّك ياباشا، مش هنكر حقَّك، بس اسمعني إنتَ كمان، الستِّ اللي جوا دي هيَّ أكتر واحدة ليها الحق، مع احترامي لتعب حضرتك ولفاروق باشا، بس أمِّي أكتر واحدة ليها الحق.."
"-وأمُّه اللي ربِّيته.."
استدارَ إليهِ إلياس:
"وأمُّه اللي اتقهرت بخطفه، أمُّه اللي اتحمَّلت وجع ابنها المخطوف تلاتين سنة، يظهر قدَّامها وتعامله على أنُّه واحد غريب، ويوم ماتتمسَّك بالأمل حضرتك تهدِّدها.."
"-حضرةِ الظابط شوف بتقول إيه.."
"بقول إيه، مش دا اللي حصل، ولَّا أنا بتبلَّى على حضرتك، مش لو حضرتك وزنت الأمور وعرَّفته مكنشِ دا كلُّه حصل، ذنبه إيه يكون في لعبة بينكم، وصدِّقني الستِّ والدتك مش فارقة معايا عمايلها، بس وحياة رقدته دي لو حصلُّه حاجة ماهسكتلها.."
"-إنتَ أكيد مجنون، والدتي مالها؟!.."
توقَّفَ إلياس وفقدَ سيطرتهِ وتحكُّمهِ بنفسه:
"يعني إيه، يعني حضرتك متعرفشِ بلعبتها القذرة علشان تكشف لأخويا حقيقة نسبه، ذنبه إيه يتصدم كدا، حضرتك هتعرف إزاي وإنتَ معشتش صدمةِ القهر وإنتَ شايف نفسك شخص سراب ومالوش وجود.."
حدقهُ مذهولًا، وتوقَّفَ بجسدٍ متيَّبسٍ من الصدمة، لا يريدُ أن يستوعبَ ما يوضِّحهُ عقله.
هل وصلت والدتهِ لذلك الوضعِ المنحطّ.
هزَّ رأسهِ بالنفي وبعيونٍ متَّسعةٍ نطق:
"إنتَ بتقول إيه!؟.."
توقَّفَ مصطفى بينهما:
"لو سمحتم كفاية، راعوا حالة الكلّ.."
دارَ حول نفسهِ كالأسدِ الجريح، يريدُ أن يهدمَ المكانَ وما فيه.
"روح اسأل الستِّ الوالدة، إيه قصدها من لعبةِ التحاليل دي.."
هنا فاقَ إسحاق على كابوسٍ مريرٍ ممزوجٍ بقسوةِ ما فعلته والدته.
كوَّرَ قبضتهِ وشياطينُ الجنِّ تتراقصُ بعينيه.
يريدُ أن يصلَ إليها ويلقيها صريعة.
تراجعَ على المقعدِ وهو يشعرُ أنَّهُ بركانٌ أوشكَ على الانفجار.
جذبَ مصطفى إلياس واتَّجهَ به إلى أحدِ المقاعد:
"حبيبي اهدى، وبلاش تضغط على إسحاق، هوَّ كمان مالوش ذنب، شايف حالته، كفاية أخوه اللي بين الحياة والموت.."
أغمضَ عينيهِ يحاولُ إسكاتَ ضرباتِ قلبهِ العنيفةِ التي تحوَّلت لجنونِ الألم.
جلسَ على المقعدِ ومازال يحاولُ ثبات صلابةِ قوَّتهِ الواهيةِ التي أوشكت على الانهيار.
عندَ ميرال قبل قليل:
استيقظت من نومها، ونهضت متَّجهةً إلى حمَّامها.
أدَّت فرضها وجلست لبعضِ الوقت، ثمَّ تحرَّكت بهدوءٍ للأسفلِ ظنًّا أنَّهُ رجعَ مرَّةً أخرى.
جالت عيناها بالمنزل، وسألت الخادمة:
"هوَّ الباشا مرجعشِ من إمبارح؟.."
هزَّت رأسها بالنفي وأجابتها:
"لا يامدام، بس الستِّ الصغيرة في أوضتها فوق.."
ضيَّقت مابين حاجبيها متسائلة:
"مين غادة؟!.. إزاي هيَّ مش عاملة حادثة، هوَّ فيه إيه؟.."
قالتها وصعدت إلى غرفةِ غادة.
دَلفت للداخلِ وجدتها تغفو بهدوء.
جلست جوارها تستكشفُ حالةَ جسدها، ثمَّ هزَّتها بهدوء:
"غادة.."
فتحت عيناها.
"حبيبتي إنتِ صحيتي.."
قالتها واعتدلت جالسةً على الفراش.
نظرةٌ متفحِّصةٌ تطالعها بتساؤلٍ من عينيها.
فركت يديها مبتعدةً بنظراتها، تمتمت بتقطُّع:
"أصل إلياس في المستشفى وقالِّي آجي أقعد معاكي، ماهو.."
هبَّت من مكانها:
"هتنقَّطيني إلياس بيعمل إيه في المستشفى، أوعي يكون تعبان.. لا أوعي يكون هوَّ اللي عمل حادثة.."
"ميرال اهدي إلياس كويس، بس الحقيقة فيه موضوع ملخبط الدنيا، أرسلان الجارحي.."
"أرسلان الجارحي، ماله؟!.."
"طلع أخو إلياس اللي بيدوَّر عليه.."
"إيه.. أرسلان، إزاي معقول!.. لا أكيد مش صح.."
فركت غادة جبينها مرَّة، ثمَّ مسحت على وجهها بالكامل، ورفعت عينيها التي سكنَ بها الحزنُ إلى ميرال وأردفت قائلة:
"الموضوع صعب أوي ياميرال، وإلياس منهار علشانه، أصله عمل حادثة صعبة أوي.."
اتَّسعت حدقتاها، وتذكرت حديثه مع فريدة واتهاماته.
هنا علمت معنى حديثه.
شعرت بألمٍ يفتكُ بها وهي تتخيَّلُ حالته الآن، لِتستديرَ بقلبها المتلهِّفِ عليهِ قائلة:
"اجهزي لمَّا ألبس، لازم أروح له.."
ركضت إليها تتشبَّثُ بذراعها:
"ميرال استني، مينفعشِ إلياس هيزعل، هوَّ قالِّي متتحركيش من مكانك.."
احتجزت الدموعُ بعينيها مستطردة:
"غادة لازم أكون جنبِ جوزي، وماما دلوقتي حالتها إيه، وفي الأوَّل والآخر دا ابنِ عمِّي، والراجل اللي عمل فيهم كدا بيكون أبويا للأسف.."
قالتها وغادرت الغرفة.
بعد فترةٍ وصلت إلى المشفى دلفت للداخلِ تبحثُ عنه بعيونِ الألمِ والندم.
إلى أن توصَّلت لمكانِ جلوسه، ثمَّ ردَّدت اسمه:
"إلياس.."
قالتها بألمٍ ارتسمَ بعينيها المحتجزةِ دموعَ الألمِ والقهرِ بآنٍ واحد.
رفعَ رأسهِ ينظرُ إليها بعيونٍ تتلألأُ بالدموع.
انسابت دموعها تخطُّ وجنتيها ليهبَّ من مكانه، ودون حرفٍ تنطقُ به شفتيهِ جذبها لأحضانهِ وانهارَ باكيًا.
بكى بكاءً كالطفلِ الذي فقدَ والديهِ مما جعلَ الجميعَ يتعجَّبُ من حالتهِ التي لأوَّلِ مرَّةٍ يرونهُ بها.
ضمَّتهُ بقوَّةٍ وبكت على بكائه، مما جعلَ الكلُّ يبكي عليه.
نطقت بشهقاتٍ متقطِّعة:
"راجح اللي عمل فيه كدا ياإلياس صح؟.. هوَّ أكيد السبب ورا حادثته، عرف أنُّه أخوك.. هوَّ قالها طول ماأنا معاكم هيموُّتكم كلُّكم، أنا مش هقدر أشوفك بتتوجع كدا، الراجل دا مهما كان اسمه أبويا، خلِّيني أروح له ياإلياس.."
سحبَ كفَّها ودلفَ لداخلِ الغرفةِ.
حاوطَ وجهها يزيلُ عبراتها بأطرافِ أنامله:
"ميرال مش عايزك تنطقي اسمِ الراجل دا، إنتِ مالكيش دعوة بحاجة، سمعتيني الراجل دا مفيش حاجة تربطه بيكي.. وعداوته معانا مش بسببك أبدًا، وبحلف لك ياميرال حتى لو إنتِ مش مراتي كنت مستحيل أخلِّيكي تروحي له، عايزك تشيلي من دماغك اسمِ الراجل دا ماشي.."
صمتت وحاولت أن تقنعَ نفسها بحديثه، رغم انعكاسِ نيرانِ قلبها التي توحَّشت داخلها.
رفعَ ذقنها:
"أوعديني إنِّك مش هتروحي للراجل دا.."
هزَّت رأسها وجذبت يدهِ متحرِّكةً بخطاً بطيئةً بسببِ شعورها بالدوران.
جلست تنتظرُ جلوسهِ بجوارها، ولكنَّهُ ظلَّ متوقِّفًا يدقِّقُ النظر بها:
"ميرال مش هتعملي حاجة بدون علمي صح.."
رفعت رأسها وهزَّت رأسها بالموافقة.
جلسَ بجوارها وجذبها لأحضانهِ يحاوطها بذراعه:
"عاملة إيه دلوقتي؟.."
رفعت كفَّيها على وجههِ تتفحَّصهُ بعينها:
"إنتَ اللي عامل إيه، وماما فريدة عاملة إيه؟.."
تمدَّدَ على الفراشِ يضعُ رأسهِ فوق ساقيها متنهِّدًا بألمٍ يخرجُ من أعماقِ قلبهِ قائلًا:
"ماما محجوزة في الأوضة اللي جنب أرسلان، بابا طلب من الدكاترة تفضل على المهدِّئات، بس هيَّ كويسة.."
ملَّست على رأسهِ بحبٍّ تستمعُ إلى حديثه، وكأنَّهُ لا يوجد بينهما أيِّ صراع:
"طيب ممكن تنام شوية، شكلك مرهق أوي.."
"أنام إزاي ياميرال وأنا حاسس لو قفلت عيوني هفوق على كابوس فقدان أرسلان.."
انحنت تضعُ رأسها على جبينهِ وهمست بخفوت:
"حبيبي كلِّ حاجة مقدَّرة في الدنيا، هوَّ أنا اللي هقولَّك على القضاء والقدر، لو له قدر يعيش هيعيش، ارمي حمولك على ربنا.."
ابتسامةٌ من وسطِ أحزانهِ على كلماتها التي تحاولُ أن تهوِّنَ عليه.
نظرَ لداخلِ مقلتيها:
"ربنا يكمِّلك بعقلك وتفضلي عاقلة على طول.."
داعبت أنفهِ بأنفها ومازالت تهمسُ بخفوت:
"مراتك عاقلة واللهِ بس إنتَ اللي مجنِّنها معاك.."
أغمضَ عينيهِ يستمتعُ بكلماتها الحانية، فلقد نزلت على قلبهِ كقطرةِ ندا ترطِّبُ جفافَ القلبِ من الألمِ والحزن.
تراجعَ بجسده، يفردُ ذراعهِ لتتوسَّده.
لم تفكِّر كثيرًا، لتتمدَّدَ تدفنُ نفسها بأحضانهِ وآااه عميقة أخرجتها على كمِّ المشاعرِ التي شعرت بها.
بإحدى المستشفيات بألمانيا، تقفُ أمام أحد النوافذِ تنظرُ إلى والدها الممدَّدِ بالفراش.
توقَّفَ بعدما تحرَّكَ زين إلى الغرفة.
اقتربَ منها:
"بقالك أكتر من نصِّ ساعة واقفة، أقعدي علشان ماتتعبيش.."
زفرةٌ قويةٌ تدلُّ على مدى آلامها، لتردفَ بتهدُّج:
"ارتاح ازاي وبابا حالته صعبة.."
دمعةٌ انبثقت من جفنيها وذكرياتها مع والدها أمامَ عينيها.
وتابعت حديثها:
"أنا مش هقدر أعيش من غير بابا يايزن.."
التفتت إليهِ واستطردت بنبرةٍ ممزوجةٍ بالحزن:
"تعرف لمَّا قولت له اتجوِّزت يزن، فرح أوي وقالِّي دا راجل ومش هخاف عليكي.."
عادت بنظراتها لوالدها تنظرُ إليه بعينيها التي بها الكثيرُ من الأمنيات:
"بنتك مستنياك يابابا، أوعى تخلف وعدك معايا.."
كان يستمعُ إليها وشعورٌ بالألمِ يحرقُ روحه.
لعنَ نفسهِ التي استخدمتها كوسيلةٍ انتقامية.
رفعَ ذراعهِ وحاوطَ أكتافها يقرِّبها إلى أحضانهِ، لتنهارَ باكيةً بشهقاتٍ مرتفعة:
"أنا خايفة يايزن، الدكتور بيقول نسبة نجاح العملية ضئيل، وانا عاجزة ومش عارفة آخد قرار.."
ضمَّها بقوةٍ لأحضانهِ، بعدما فقدَ اتزانهِ من بكائها.
حاولَ السيطرةَ على رجفةِ قلبهِ التي اعترتهُ من رائحتها.
ابتلعَ لعابهِ بصعوبة، حينما لفَّت ذراعيها حول خصرهِ وكأنَّها تثبتُ له أنَّهُ قلعتها الحصينة.
سحبها إلى المقعدِ وجلسَ وأجلسها بجواره، رفعَ ذقنها يزيلُ عبراتها:
"ممكن تبَّطلي عياط، أنا متأكِّد أنُّه هيفوق ويقوم بالسلامة.."
قطعَ حديثهم وصولِ راجح ورانيا:
"راحيل حبيبتي.."
قالتها رانيا وهي تجذبها لأحضانها.
بينما رمقَ راجح يزن يشيرُ إليهِ بغضبٍ تجلَّى بعينيهِ وهدرَ بعنفٍ بخروجِ زين من الغرفة:
"الواد دا بيعمل إيه، حدجهٍ بنظرة مشمئزة:-إنتَ مفكَّر نفسك مين ياله، علشان تتجرَّأ وتيجي هنا.."
نصبَ عودهِ وتوقَّفَ مقتربًا من وقوفِ راجح:
"اسمعني إنتَ علشان مبحبش كلام أشباهِ الرجال، أنا لو مش راجل كنت طردتك من هنا، بعد اللي عملته في مراتي، أنا وبس اللي ليَّا الحق أكون هنا، أمَّا إنتَ متطفِّل لا غير.."
ثارت شياطينُ غضبِ راجح التي لاحت بعينيه، واقتربَ يجذبهُ من تلابيبه:
"هوَّ مين ياحشرة اللي أشباه الرجال، دا أنا مش هرحمك.."
دفعهُ بغضب، ولكمهُ بصدره.
فتدخَّلَ زين صائحًا بهما:
"إيه اللي بتعملوه دا، إحنا في مستشفى ومش في مصر كمان، اهدوا، لحدِّ مانشوف الدكتور هيقولِّنا إيه.."
استدارَ إلى راجح وأشارَ إليه:
"راجح دا جوز رحيل، خلاص بقى سواء رضيت ولَّا لأ، دنا منه خطوةً واخترقهُ بنظراته:-إحنا لسة ماتكلمناش في اللي حصل في الشركة، وإزاي طارق يهجم على بنتِ خالته ويطردها، لا وكمان عايز تغصبها على الجواز، لسة متحسبناش ياراجح، فياريت تسكت مش عايز كلمة واحدة، إحنا هنا علشان مالك وبس.."
تحرَّكَ مغادرًا المكانَ بخطواتهِ التي تأكلُ الأرض، يشيرُ بيدهِ معترضًا على الكلام.
راقبت رانيا تحرُّكهِ إلى أن اختفى، ثمَّ توجَّهت إلى زين:
"ينفع كدا يازين، ليه تعمل فيه كدا، يعني تفضَّل عليه عيِّل، وجزاته أنُّه خايف على راحيل وورثها.."
"-رانيا مش عايز أسمع كلام، جوزك وعارفه مش منتظر إنِّك تعرِّفيني عليه، وبدل ماإنتِ واقفة تدافعي عنُّه، ادخلي شوفي أختك التعبانة دي.."
رمقت يزن بنظرةٍ سريعةٍ ثمَّ تحرَّكت متَّجهةً إلى الغرفةِ دون حديثٍ آخر.
التفتَ زين إلى يزن واقتربَ منه قائلًا:
"متفكرشِ إنِّي قبلت هجومك وكلامك عليه، دا قدِّ والدك، عيب أوي إنَّك تكلِّم اللي أكبر منَّك بالطريقةِ دي، غير هجومك الغير مبرَّر عليه.."
"-حضرتك ياعمُّو أنا معملتش حاجة، شايف عمل إيه.."
رفعَ كفَّيهِ إليهِ بالصمت، ثمَّ أردف:
"أيِّ حدِّ مكانه كان هيعمل كدا، متزعلشِ يابني، راحيل ينطمع بيها، وهوَّ حسب نظرته شايف إنَّك طمعان في ورثها، غير إنِّ طارق ورحيل كانوا مخطوبين فهوَّ كأب صعبان عليه ابنه.."
"-خالو ممكن مانتكلمش في الموضوع دا، أنا تعبانة وماليش نفس للمناهدة.."
بالقاهرة، وخاصَّةً بشقةِ آدم:
وصلَ بها إلى الداخل، وأغلقَ البابَ يسحبُ المفتاحَ منه، ثمَّ وضعها بهدوءٍ مع محاولتها التملُّصَ من بينِ قبضته.
تراجعَ يسحبُ نفسًا ثمَّ اتَّجهَ إلى الأريكةِ وجلسَ عليها مع محاولاتها بالخروج.
ركلت البابَ تصرخُ به ثمَّ اقتربت تلكمهُ بصدرهِ وهو جالسًا دون أيِّ ردِّ فعل.
هاجت بنَّيتها بالعواصفِ الغاضبة تسبُّه، وبدأت تحطِّمُ كلَّ ما يقابلها حتى هوت على الأرضيَّةِ بأنفاسٍ مرتفعة.
نهضَ من مكانهِ وجلسَ بجوارها على الأرض:
"من تلات سنين بعد حصولي على الدكتوراه بدرجةِ امتياز، كان معايا تلاتة من جنسيات مختلفة، واحد بريطاني، وواحد نمساوي، وواحد روسي وأنا، بيختارو اتنين بس للتعيين، كان طبعًا لازم يعيِّنوا مننا، وإنتِ عارفة التعيين في الجامعة دي بداية أوَّل خطوة في النجاح، حلمي هيتحقَّق، للأسف الوقت دا عمِّتو ماتت، حاولت اتَّصل بيكي بس طبعًا مرات أبوكي قالتلي إنِّك مش عايزة تكلِّميني، قولت من الصدمة، مرَّة واتنين ومعرفتش أوصلِّك، لحدِّ مافي يوم قالتلي الصراحة يادكتور إنتَ صعبان عليَّا بس إيلين مش هتكلِّمك تاني خلاص، أصلها بتحبِّ واحد منعها من الكلام معاك، فضلت دقايق أستوعب الكلام اللي قالته لحدِّ ما قفلت الخط بعد ماقدرتش أردِّ عليها، وأنا بفتكر كلامك وهستناك ومتتأخرش، آدم أنا بحبَّك.."
رفعَ رأسهِ وتعمَّقَ ببنيَّتها:
"الكلمة دي كانت زي المرض الخبيث في الودان، ضحكتك وإنتِ بتقوليها مع كسوفك، ريحتك في قميصي وأنا مسافر اللي رفضت أغسله علشان كلِّ ماأشتقالك أشمُّه، خجلك لمَّا بوستك على خدِّك، دا كلُّه كان كذب، إزاي قدرتي تعملي كدا فيَّا، قعدت مع نفسي، إيه دا إزاي ماأخدتش بالي إنِّي حبِّيت عيِّلة كلمة بتودِّيها وكلمة بتجبها، كلِّمت أبوكي علشان أقطع الشكِّ باليقين، قالِّي البنتِ اتخطبت ياآدم وربنا يوفَّقك.. اتخطبت، للدرجة دي قدرت تنسى حبِّي بسرعة كدا، طيِّب فين حبَّها في الطبِّ اللي كانت بتقول هذاكر علشان نبقى دكاترة زي بعض، لا مستحيل فيه حاجة غلط كلِّمت كرم وحاولت أفهم إيه اللي حصل، وقتها إنتِ كنتي معاه، طلبت منُّه أكلِّمك إنتِ رفضتي، قولتي مش فاضية، وسمعتك وقتها بتنادي على حدِّ اسمه سمير وقولتي له هروح أشوف سمير لمَّا تخلَّص مكالمتك، اضَّيقت والدنيا اسودِّت في وشِّي، يعني أنا بفكَّر أتنازل عن الحلمِ علشان أرجع لك وإنتِ رافضة حتى تكلِّميني.."
رجعَ بجسدهِ للخلفِ واستندَ على الجدارِ وتابعَ ذكرياتهِ المؤلمة.
"نهيت المكالمة مع كرم حتى لمَّا سألته ليه إيلين مش عايزة تكلِّمني، توَّهني عن الحديث، شكِّيت في الكلام اللي مرات أبوكي قالته، وقتها قرَّرت أكمِّل حلمي لنفسي، ودخلت المسابقة الأخيرة على أمل أتعيَّن في الجامعة، وكنت ضمنِ اتنين بس طبعًا عربي صعب ضدِّ بريطاني، في الوقتِ دا كنت متعرَّف على حنين، هيَّ أكبر منِّي بخمس سنين وكان ليها معارف كتير في الجامعة دي، وطبعًا باباها راجل له مكانة علميَّة هناك، غير أنُّه من أشهر كام عالم في مجاله، كانت بتتقرَّب منِّي بس أنا كنت رافض القرب دا، دخلت عليَّا بالحبِّ والحنان، منكرشِ انجذبت لها في وقتِ كانت جوايا حاجات كتيرة ماتت، قرَّبنا من بعض، حاولت أتقبَّلها في حياتي، لقيتها مرَّة جاية بترمي قدامي ظرف تعييني في الجامعة، وبتقولِّي مبروك.."
"أنا مكنتش مصدَّق، يعني اختاروني عن الشخصِ التاني إزاي، كنت فقدت الأمل، لقيتها بتقولِّي، بابا تدخَّل، وكمان أنا عندي معارف، رغم مكنشِ عاجبني الطريقة بس خلاص حصل.."
زفرةٌ حارقةٌ أخرجها حينما شعرَ بأنَّها تحرقُ جوفهِ وأكمل:
"لقيت نفسي بطلبها للجواز، ووافقت على طول، ووثَّقنا عقدِ جوازنا في السفارة، بس بعد ما كتبت عليها حسِّيت إحساس غريب مش قادر أتقبَّلها في حياتي، أسلوب حياتها غير أسلوب حياتي، شرطت عليها مش هنتمِّم جوازنا غير لمَّا أنزل مصر وأعرَّف بابا، وهيَّ كانت متقبِّلة الموضوع جدًا، وفضلت حياتنا سنتين عادية، اعتدلَ ينظرُ إليها:
"عمرها ماحرَّكت مشاعري، رغم إنَّها حلوة، ولا عمري شوفت نفسي معاها، فضلت حياتنا زي ماهيّ، لحدِّ ما رجعت مصر وبابا قالِّي لازم تتجوَّز بنتِ عمِّتك علشان الوضعِ كذا وكذا، صراخك وقتها ورفضك ليَّا أكدلي إنِّك بتحبِّي حدِّ تاني، حتى لمَّا قعدت معاكي قبلِ جوازنا، حاولت أشوف في عيونك حبِّ آدم القديم مشفتش غير عيون باردة، عيون معرفهاش، فكان لازم أدوس على نفسي وقلبي وأحاول أحافظ عليكي علشان مظلمشِ قلبك معايا، لحدِّ مامريم حكت لي كلِّ حاجة قبلِ سفرها بيوم، إحنا الاتنين ظلمنا بعض، حاولت كتير أحكي لك بس إنتِ مدتنيش فرصة، كلِّ كلامك كان هجوم وبس، إنتِ ظلمتيني ياإيلين وأنا ظلمتك، بس وحياة أوَّل دقَّة حب نبضت بقلبي عمري مانسيتك، ولا عمري فكَّرت أخون حبِّك، كلِّ اللي حصل قدر، دي الحقيقة عايزة تصدَّقي براحتك مش عايزة براحتك، ودلوقتي مستقبل حبِّنا بين إيديكي، وأنا هعمل اللي إنتِ عايزاه، وفي نفسِ الوقت هكون سندك وعمري ماهتخلَّى عنِّك.."
رفعَ ذقنها ومسحَ دموعها التي أغرقت وجنتيها:
"دموعك غالية وبتدبحني، إيلين من وقت ماهربتي من حضني وأنا ضايع، محستشِ باآدم ولا قلبي دق إلَّا وإنتِ في حضني، لو فعلًا عايزة تموِّتي آدم ابعدي، لو موتي هيريِّحك أنا موافق.."
قالها ونهضَ من مكانهِ واتَّجهَ إلى الباب، وقامَ بفتحه، ثمَّ ألقى المفتاحَ إليها وتحرَّكَ للخارج.
بعد أسبوعٍ بالمشفى عند أرسلان، دلفَ إليهِ إسحاق.
جذبَ المقعدَ وجلسَ بمقابلته.
نهضت غرام من جواره:
"هروح أشوف ماما صفية.."
أومأ لها دون حديث.
"عامل إيه دلوقتي؟.."
"كويس.."
أخذَ نفسًا عميقًا وطردهُ بهدوءٍ ثمَّ انحنى يمسِّدُ على رأسه:
"إنتَ عارف إنَّك قطعة من روحي.."
"لا مش عارف ومش عايز أعرف، أنا دلوقتي مبقتشِ عارف أيِّ حاجة.."
"أرسلان.."
ظلَّت ملامحهِ متجمِّدةً إلى أن نطق:
"عايز أنام، تعبان ومش قادر أتكلِّم.."
أومأ له ثمَّ نهضَ مستديرًا ليستمعَ إلى طرقاتٍ على بابِ الغرفة، يتبعهُ دخولُ فريدة وإلياس.
تقابلت نظراتُ إلياس مع إسحاق بصمت، إلى أن خرجَ من الغرفة.
بينما اقتربَ إلياس يطلقُ صفيرًا:
"النهاردة الله أكبر حالتك كويسة.."
رسمَ ابتسامةً دون حديث.
دَنَت فريدة منهُ ثمَّ انحنت تطبعُ قبلةً فوق جبينهِ تملِّسُ على وجهه:
"عامل إيه ياحبيبي؟.."
ابتسمَ وأجابها:
"الحمدُ لله.."
حمحمَ إلياس وأشارَ إليها على المقعد:
"اقعدي علشان مادخويش.."
ثمَّ اتَّجهَ إلى أرسلان:
"مدام فريدة كانت تعبانة ورغم كدا جتلك إمبارح، أصرَّت إنَّها تشوفك بس كنت نايم.."
"متشكِّر ياستِّ الكل.."
لمعت عينيها ترفعها إلى إلياس الذي أشارَ إليها بالسيطرةِ على دموعها.
فاقتربَ منحنيًا يستندُ على فراشه:
"الحادثة دي حصلت إزاي؟.."
سحبَ بصرهِ بعيدًا عنهُ قائلًا:
"مش فاكر، محستشِ بنفسي غير والعربية بتتقلب.."
"أمم.. هعمل عبيط وأصدَّقك، المهمِّ لازم تفوق بسرعة علشان عندي مفاجأة هتعجبك أوي.."
"مفاجأة منَّك، وتعجبني.."
قهقهَ إلياس يشيرُ إلى والدته:
"كدا أنا اطَّمنت عليه، لا وبيقولوا مضروب في راسه.."
أفلتَ ضحكةً مما شعرَ بتألُّمهِ ليضعَ يدهِ على رأسه.
هبَّت فريدة بتلهُّف:
"حبيبي راسك لسة بتوجعك؟.."
رفعت عينيها إلى إلياس ونطقت بنبرةٍ منزعجة:
"شوف الدكتور يجي يشوف أخوك، هوَّ سايبه كدا ليه؟.."
قالتها مع أنفاسها الهادرة، ليقتربَ منها ويساعدها بالجلوس:
"حبيبتي ممكن تهدي، إحنا ماصدَّقنا الضغط اتظبط.."
قالها بمغذى، لتجلسَ مضطرَّةً تفركُ جبينها ومازالت أنفاسها سريعة.
جلسَ إلياس بجواره:
"الدكتور قالَّك إيه على وجع راسك، طبيعي من الحادثة، ولَّا فيه حاجة تانية، يعني عملت إشاعات وكلِّ حاجة تمام؟.."
قاطعهم دخولُ ملك وصفية.
توقَّفت فريدة، اقتربت منها صفية:
"إزيك يامدام فريدة.."
"الحمدُلله.."
"حمدالله على سلامته وعلى سلامة فاروق بيه.."
"شكرًا.."
قالتها واستدارت بنظرها إلى أرسلان:
"عامل إيه ياحبيبي؟.."
"الحمدُلله، با..بترَ الكلمةَ وابتعدَ بنظرهِ عنها، اغروقت عيناها بالدموع، فمنذ أن أفاقَ وهو لم يتحدَّث مع أحد، انتهزت فرصةَ وجودِ فريدة وإلياس لتحدُّثِ معهُ قليلًا.
بعد فترةٍ خرجَ بجوارِ والدتهِ، صعدَ إلى سيارته:
"هوصَّلك على بيتي، تشوفي ميرال، بقالها فترة لوحدها، مش عايز أقرَّب منها علشان متفكرشِ حاجة تانية.."
زمَّت شفتيها تهزُّ رأسها باعتراضٍ تجلَّى بعينيها، وأردفت موبِّخةً إياه:
"وبعدين هتفضلوا كدا، مراتك حامل، ومحتجاك أكتر من أيِّ وقت.."
"ممكن ماتدخَّليش في الموضوع دا لو سمحتي، أنا مطلبتش منها تمشي، هيَّ اللي قالت ننفصل، مش عايز أيِّ تدخُّل من حد، وياريت ماتضغطيش عليها.."
أطرقت برأسها ونطقت بنبرةٍ منزعجة:
"بضيَّعوا أجمل أيام عمركم، هيَّ بتهوُّرها وإنتَ ببرودك.."
أظلمت عيناهُ بأسى وأجابها بصوتٍ عميقٍ رغم مايشعرُ به:
"أنا مقصَّرتش معاها، مش عايز مراتي يكون فيها أيِّ حاجة من أهلها، لازم تكون عارفة هيَّ مين ومتجوزة مين.."
"يابني البنت بتمر بظروف صعبة غير حملها، بلاش إنتَ كمان تضغط عليها.."
لم تهتز عضلةٌ من ملامحه، وتحرَّكَ بالسيارةِ دون حديث، وصلَ بعد فترة.
كانت بالأعلى تعملُ على جهازها على أحدِ اللقاءاتِ التي أرسلتها صديقتها.
استمعت إلى صوتِ سيارته، نهضت من مكانها تنظرُ من الشرفة، شاهدت نزولُ فريدة من السيارةِ بينما هو تحرَّكَ مغادرًا.
اهتزَّ داخلها حتى شعرت برعشةٍ يتخلَّلها الحزن، لتجلسَ على مقعدها مرَّةً أخرى تحتضنُ جنينها:
"وآدي أسبوع كامل وباباك مقاطعنا، زي مايكون ماصدَّق يرمينا، تفتكر هوَّ مابقاش عايزنا، أنا تعبانة أوي ومحتاجة حضنه.."
استمعت إلى طرقاتِ الباب، أزالت دموعها ونهضت تقابلُ فريدة.
بمنزل راجح، وخاصة بغرفة مكتبه:
"شوف ياراجح، احنا صبرنا عليك، انت بقيت كارت محروق وجدًا، والشرطة عيناها عليك، لازم تنفذ اخر مهمة، دا لو عايز تعيش.."
توقف واتجه إلى جلوسه:
"ازاي بس دلوقتي، اصبروا شوية لما الدنيا تهدى.."
"ولا يوم ياراجح، شوف هتعمل ايه.."
قالها ونهض من مكانه، ثم ألقى الصورة أمامه:
"البنت دي مبقاش ينفع السكوت عليها، دي وصلت لحد مهم وانت عارف النهاية ايه، موتك قصاد موتها.."
كانت تتنصت عليهم بالخارج، ابتعدت عن الباب سريعًا، قبل أن يراها احدًا، ثم صعدت إلى غرفتها، تدور حول نفسها:
"أكيد مش هيقتل بنته، لا لا، راجح ميعملهاش.."
دلف إليها ورسم ابتسامة:
"حابسة نفسك هنا ليه، اجهزي ورانا مشوار.."
بمنزل إلياس:
قبل قليل ترجلت من سيارته، واتجه للداخل، توقفت على رنين هاتفها:
"لو عايز اقتله كنت قتلته، دي بس قرصة ودن، بنت رانيا يافريدة قصاد ولادك الاتنين، يااما دكتور في المستشفى يموت حضرة الظابط المريض....."
أشياء كثيرة .... تغيّرت فينا ....
لا الصوت صوتنا
و لا الضحكات ضحكاتنا
و لا مشاعرنا بقِيَت كما كانت
ياليتها .... يااليتها .... بقِيَت كما كانت
غرباء صرنا عن أنفسنا
ما عُدنا نجدُ أنفسنا
فى أنفسنا
و لم يعد بامكاننا ان نلتقينا
ما أبعدَنا اليوم عنّا ........ و ما أقرَب الأمس مِنّا
وصلت فريدة إلى غرفتها.
"عاملة إيه حبيبة مامي.."
ابتلعت مرارةَ آلامها وابتسمت لوالدتها:
"كويسة حبيبة قلبي، أرسلان عامل إيه النهاردة.."
نزعت حجابها وجلست على الأريكةِ مصدرةً تنهيدةً عميقة:
"تعبان لسة، الحادثة كانت قوية، المهم سيبك إنتِ من أرسلان وقوليلي مش ناوية ترجعي البيت بقى، مش هينفع كدا إنتِ في مكان وجوزك في مكان.."
جاهدت في إخفاءِ دموعها ورسمت ابتسامةً متَّجهةً إلى جهازها وتصنَّعت انشغالها، لتردفَ متسائلة:
"ماما عندي مؤتمر مهم أوي في شرم، إيه رأيك تكلِّمي إلياس وتقنعيه أحضره، ممكن يسمع منِّك.."
توقَّفت فريدة واتَّجهت إلى جلوسها، ثمَّ انحنت تستندُ على الطاولةِ بكفَّيها تحدجها بنظراتٍ معاتبة:
"اسمعيني كويس ياميرو، مهما يحصل بينك وبين جوزك متخليش حدِّ يدخل بينكم حتى لو أنا، أنا مش عاجبني قعدتك في مكان وهوَّ في مكان، قولتي هتبعدي يومين ترتاحي، وكان حقِّك تهدي، بس دلوقتي ليه قاعدة بعيد عن جوزك، حبيبتي اللي بتعمليه غلط.."
رفعت عينيها لوالدتها وجاهدت بإخفاءِ تمزُّقِ قلبها رغم ادِّعائها القوَّة إلَّا أنَّ داخلها هش، هشٌ جدًا.
"ماما أنا خايفة، خايفة من بكرة أوي، خايفة من حياتي اللي جاية، إحساس جوايا وحش، مبقتشِ عارفة أتكلِّم مع حدِّ من صحابي، تخيَّلي المقالات اللي بهاجم بيها الناس، يطلع منهم راجل بحمل دمُّه، أنا تعبانة أوي ياماما أوي، ومابيش ضغط من إلياس.."
"ميرال خلِّيكي كدا لحدِّ ماجوزك يزهق منِّك.."
صُعقت من حديثها المؤذي الذي شقَّ قلبها، كيف لها أن تتحمَّلَ فكرةَ أن تمتلكهُ غيرها، وخزاتٌ تنخزُ قلبها من مجرَّدِ كلمات.
ثواني صامتة تقاومُ غلالةَ دموعٍ أحرقت مقلتيها، لتهبَّ من مكانها متَّجهةً إلى حمَّامها دون حديث.
هوت على أرضيةِ الحمَّام تمنعُ بكاءها الذي جفَّ حلقها.
لقد توجَّعت أكثرُ ممَّا تستحق.
أغمضت عينيها وتمنَّت موتها لا محالة.
شعرت بها لتدلفَ خلفها ترفعها من فوقِ أرضيةِ الحمَّام:
"قومي وبطَّلي ضعفك دا حبيبتي، أنا خايفة عليكي، ومستحيل أتخلَّى عنِّك، وهرجع أقولِّك للمرَّة المليون ميرال إنتِ بنتي وبس، مش عايزة موضوع راجح يكسرك، وثقي إلياس عمره ماهياخدك بذنبهم.."
تعاقبت الأيام واحدًا تلوَ الآخر وبدأت حالةُ أرسلان بالاستقرار، وحُدِّدَ يومَ خروجهِ من المشفى.
دلفَ إسحاق إليه:
"صباح الخير حبيبي.."
"صباح الخير.."
نطقها وهو يعتدلُ فوقِ فراشه، أمالَ يضعُ وسادةً خلفه:
"أحسن النهاردة؟.."
"الحمدُلله.."
دلفَ شخصٌ ما.
"أهلًا بحضرتك إسحاق باشا.."
دقَّقَ النظرَ إليهِ ثمَّ التفتَ إلى إرسلان:
"فيه حاجة ولَّا إيه؟.."
"عمُّو ممكن تسبني شوية مع عمرو، عايزه في حاجة مهمَّة.."
قابلَ حديثهِ بصمتٍ دام لدقائقَ ثمَّ انحنى يهمسُ بجوارِ أذنه:
"إنتَ ابني يالا، واحترم نفسك بدل ما تشوف وشِّ إسحاق التاني، هسيبك وأروح أشوف مراتي اللي حتى مش هان عليك تسأل عنَّها.."
"ليه مالها؟!.."
تحرَّك إسحاق إلى أن وصلَ إلى الباب:
"باباك فاق وكلِّ شوية يسأل عليك، ياريت تقوم تتمشَّى وتروح تشوفه، يابنِ فاروق.."
قالها وخرجَ مغلقًا الباب.
أشارَ إلى الرجل؛
"عملت إيه؟!.."
وضعَ أمامهِ بعض الصور.
"دول العيال، اللي حضرتك تخيَّلتهم، اتأكِّد كدا.."
قلَّبَ الصورَ من بينِ يديه، وشردَ بيومِ حادثته، بعدما عرقلت إحدى السياراتِ طريقه، لتنقلبَ السيارةَ رأسًا على عقب.
مرَّرَ أناملهِ على أحدِ الصور، محاولًا التذكُّر، ثمَّ رفعَ الصور إليه:
"عايز الواد دا، وممنوع إسحاق يعرف حاجة، اخترع أيِّ حاجة.."
"تمام ياباشا، فيه أيِّ أوامر تانية؟."
أومأ له ثمَّ أردف:
"عايز شركة أمن موثوق فيها.."
قطعَ حديثهما دلوفُ ملك، فأشارَ إليهِ بالخروج.
"أرسو حبيبي عامل إيه؟.."
"ابتسمَ لها، اقتربت منه، فأشارَ بيدهِ أن تبتعدَ قائلًا:-معلش حبيبتي تعبان وخايف أعديكي.."
جلست بجوارهِ تسحبُ كفَّيه، ثمَّ انحنت تقبِّلهما وانسابت دموعها:
"مستعدة آخد آلامك كلَّها بس تفوق لأختك، مش هقدر أعيش من غيرك ياأرسلان.."
أطبقَ على جفنيهِ يقاومُ الرجفةَ التي تحرقُ داخله، فلقد طعنتهُ كلماتها.
يودُّ أن يصرخَ من أعماقِ قلبهِ ليشعرَ به الآخرين، فلا أحد يعلمُ بأنَّهُ يبذلُ قصارى جهدهِ حتى لا يفقدَ اتِّزانهِ أمامَ الجميع، يحاولُ الكثيرَ والكثيرَ حتى لا يضعفَ أمامَ تلك العاصفة.
رفعَ ذراعهِ يجذبها بحنانِ أحضانهِ بعدما شهقت ببكاء:
"تعالي ياملاكي، وأنا مقدرشِ أبعد عن ملاكي الشقي.."
مسحت رأسها بصدرهِ وأردفت بنبرةٍ باكية:
"إنتَ مابقتشِ بتحبِّني ياأرسلان من وقتِ مااتجوَّزت، أنا حاسة إنَّك بعيد عنِّي، لو عملت حاجة تزعلَّك قولِّي وأنا واللهِ آسفة المهمِّ ماتبعدشِ عنِّي.."
أخرجَ رأسها وطبعَ قبلةً فوق جبينها:
"ملوكة عمري ماأزعل منِّك ياروحي، فيه حدِّ يزعل من ملاكه برضو، المهم بابا عامل إيه؟.. وماما ماشفتهاش النهاردة.."
هزَّت كتفها بعدمِ معرفةٍ وأجابته:
"أنا جيت مع غرام، هيَّ قالت لي هتشوف بابا وتيجي، وأنا جيت هنا إنتَ كنت واحشني أوي.."
ابتسمَ يداعبُ وجنتيها:
"حبيبة قلبي.."
دَلفت غرام متَّجهةً إليهما تسيرُ باستحياءٍ من نظراتهِ العاشقةِ لها:
"صباح الخير، عامل إيه دلوقتي؟.."
بسطَ يديهِ إليها:
"تعالي هنا علشان أعاقبك قدَّام ملوكة، إزاي أصحى من النوم مالقكيش في حضني.."
تورَّدت وجنتاها تبتعدُ بنظراتها عنه، هتفت ملك:
"أقولَّك أنا ياأبيه، غرام أنا كلَّمتها علشان ماما رفضت ترجع البيت وأنا خوفت أرجع لوحدي، فعمُّو إسحاق غصب علينا نرجع نبات وهيَّ اتكسفت تقولُّه لأ، بس طول الليل رايحة جاية عايزة تطير لعندك.."
كانت نظراتهِ عليها وحدها، ليهمسَ بخفوت:
"ماهي دي غرامي ياملوكة، مينفعشِ تنام وحبيبها بعيد عنَّها.."
توسَّعت عيناها ترمقهُ بنظراتٍ خجلةٍ من حديثهِ أمامَ ملك، قهقهَ عليها يشيرُ إلى ملك قائلًا:
"شوفتي اتكسفت إزاي.."
دَلفت صفية وعينيها تحتضنه:
"صباح الخير ياحبيبي.."
بترَ ضحكاتهِ ثمَّ أومأ يشيرُ إلى ملك وغرام:
"سبوني مع صفية هانم شوية.."
مرَّت دقائق والصمتُ سيِّدُ الغرفة، سوى من نظراتِ أرسلان إلى صفية.
سحبَ نفسًا عميقًا ثمَّ نطقَ بنبرةٍ هادئةٍ رغم مايشعرُ به:
"أنا لقيط، ولَّا يتيم ولَّا.."
وضعت كفَّها على فمهِ وتدحرجت دموعها بكثرةٍ تغرقُ وجهها، لقد حانَ الوقتُ لتمزيقَ القلوب، فمهما مرَّت الأيامَ والسنون، إلَّا أنَّ الحقَّ سيعودُ حتمًا لأصحابه.
نظرت لعينيهِ بروحٍ تأن، وقلبٍ ممزَّق:
"من خمسة وتلاتين سنة وقفت أحلام وأصرَّت على فاروق يتجوَّز ويطلَّقني، انا كنت من عيلة بسيطة أبويا موظف، أحلام محبتش ارتباطنا، فاروق كان أستاذي في الجامعة، حبِّبني في مادة القانون أوي، وكنت أقعد أتناقش معاه طول المحاضرة، طالبة أخدت أستاذها قدوة لها، أربع سنين وهوَّ بيدرَّسني، لحدِّ ما خلَّصت جامعة وعلاقتي بيه طالبة وأستاذها، لحدِّ مانتيجتي ظهرت، سمعت بابا بيقولِّي صفية الدكتور بتاعك اتَّصل بيا وباركلي وقالِّي إنِّك من العشرة الأوائل على الدفعة، فرحت أوي، طموحي اتحقَّق، وتاني يوم رحت زي ماهو اتَّفق مع بابا، لقيته منتظرني في مكتبه، أوَّل ما دخلت له شوفت في عيونه نظرة غير نظرة أستاذ لطالبته، ورغم كدا عدِّيت الموضوع ودخلت بقولُّه:
"حضرتك طلبتني.."
وقف وقالِّي وحشتيني أوي ياصفية، يوميها معرفتش أرد توهت من كلمة، قرَّب منِّي وقالي صفية أنا جبتك النهاردة مش علشان النتيجة؛ أنا جبتك علشان أقولِّك إنِّك عجباني وعايز أتجوزك.."
أنا رفضت من قبلِ مايكمِّل كلامه، لأنِّي عارفة صعب أتجوَّزه، هوَّ كان من عيلة غنية أوي، وكان معاه دكاترة بيتمنُّوا منه نظرة بس، سبته ومشيت وماردِّتش، عدَّى شهرين وحالتي تدهورت وبابا زعل عليَّا علشان رفضت.. اتعيَّن في الجامعة ودا كان حلم حياتي، اضطرَّيت أقبل علشان بابا وبس.."
مجرد مانزلت شغلي لقيته اتقدملي وبابا كان فرحان، ومخبيش عليك أنا كمان فرحت بيه أوي، بس طبعًا مدام أحلام رفضت علاقتنا، والجواز عامة..
بس فاروق اتمسَّك بيَّا وأصرَّ على الجواز، وأبو فاروق ساعدنا واتجوَّزنا، سنة بعد سنة وأحلام بضيَّق عليَّا لحدِّ مامر تلات سنين على جوازنا ومفيش ولاد، روحت كشفت وكانت هنا الصدمة اللي حرقت قلبي، لمَّا الدكتور قالِّي فيه ورم في الرحم ولازم يتشال، حياتي هنا انهارت وطلبت الطلاق من والدك، في الوقتِ دا أحلام اطلَّقت من عمِّي وسافرت مع جوزها الجديد، فاروق رفض الطلاق، وقال دا مكتوب علينا، كفاية أنا مبسوط معاكي، وعندي إسحاق بعتبره ابني مش أخويا، عدَّى اول خمس سنين بجوازنا وحياتنا إلى حدٍ ما هادية بس جوايا نار ومش قادرة أتكلِّم، رجعت أحلام بعد وفاة عمِّي وطبعاًا خمس سنين جواز ومفيش ولاد اتجنَّنت وأمرت فاروق بطلاقي هيَّ أصلًا مكنتش متقبلاني، لحدِّ مافي يوم فاروق دخل عليَّا بطفل صغنن، ومش مبطَّل عياط، حطَّك في حضني وقالِّي:
"شوفتي ربنا بعتلنا إيه، دا دليل إنِّك قدري ومستحيل أطلَّقك أو أبعد عنِّك، انسي ياصفية، ولو وصلت أتنازل عن كلِّ أملاكي، انا فكرت في حل هيرضي الكل، والولد دا بشارة خير، هو كان بيفكر يتبنى طفل اصلا، قالي ياله اجهزي هنسافر، محستش بأيِّ حاجة غير قلبي اللي كان بعيَّط على عياطك، ضمِّيتك لحضني، وقومت عملت لك ميَّة وسكر، كنت جعان أوي، لهفتك على الميَّة في الوقتِ دا بكَّاني، ضمِّيتك لصدري وبكيت أوي أوي ياأرسلان، لقيت فاروق بعد شوية داخل عليَّا بعلبة لبن وبيقولِّي:
"صفية أكِّلي ابنك.."
كرَّرت الكلمة ابني، اتجنِّنت من الكلمة، وقولت له بس دا ممكن يكون مخطوف.."
رد عليَّا وقالي مهما كان، أنا هتابع لو لقينا حدِّ سأل عليه صدَّقيني هرجَّعه، المهم دلوقتي لازم نسافر قبلِ ماأمي ترجع من شرم، مرَّت شهور وفاروق بيراقب كلِّ مراكز الشرطة على أساس حدِّ يسأل عنَّك، مفيش حد، لحدِّ سنة..كمِّلت سنة وفاروق كتبك بعدها باسمه، ونزلنا مصر على اني عملت حقن مجهري برة وخلفت، وكان في الوقت دا عملت استئصال رحم كمان، علشان فضلت فترة اتعالج دون عملية ومنجحتش للأسف.."
"-يعني أنا ماليش نسب، مش معروف ابنِ مين.."
قاطعهم دلوفُ تمارا ووالدتها.
عند إلياس:
خرجَ من عملهِ متَّجهًا إلى منزله.
وصلَ إلى المنزلِ ثمَّ رفعَ هاتفه:
"انزلي تحت أنا مستنيكي علشان نروح للدكتور.."
وصلت إليه بعد فترةٍ قليلة، صعدت السيارةَ بجواره، التفتت إليه:
"ليه الدكتور النهاردة مش ميعادنا بعد يومين؟.."
تحرَّكَ بالسيارةِ قائلًا:
"مش هكون موجود.."
أومأت دون حديث تنظرُ أمامها بصمت.
تمنَّت أن يجذبها لأحضانهِ اشتياقًا، فلقد غمرت رائحته رئتيها، حاولت الصمود أمامه ولكن كيف الصمود بحضرته.
وضعت رأسها على نافذة السيارة تنظر للخارج حتى تنشغل عنه.
بعد عدَّةِ ساعاتٍ عادت إلى منزلها، ترجَّلت من السيارةِ تطالعهُ منتظرةً نزوله.
أشارَ إليها بالدخولِ مع رنينِ هاتفه.
اكتفت بتنهيدةٍ مرتجفةٍ أخرجتها بكمِّ اشتياقها إليه.
خطت للداخلِ والحزنُ واضحًا بعينيها، لقد أُضرمت نيرانُ الاشتياق وفقدت الصمود، لتنهارَ قلعتها أمام حصونهِ المهلكة، وتلتفَّ متراجعةً إلى وقوفه.
ظلَّت متوقفةً إلى أن أنهى مكالمته.
رفعَ عينيهِ منتظرًا حديثها:
"انزل بات معايا الليلة حاسة إنِّي تعبانة.."
طالعها بإيماءةٍ بسيطة، وعيونٍ ممزوجةٍ بالعتاب.
كتمت سعادتها من موافقته، وهربت من أمامه.
بعد فترةٍ جلست بمقابلتهِ تتناولُ طعامها بصمت.
قطعت الصمتَ متسائلة:
"هتقول لأرسلان إمتى إنَّك أخوه؟.."
مضغَ طعامهِ بهدوء، ثمَّ أجابها:
"لمَّا يفوق من الحادثة، أنا اتكلَّمت مع الدكتور، رفض علشان ألم دماغه، ممكن الصدمة تأثَّر عليه وخصوصًا لسة خارج من عملية كبيرة.."
أومأت موافقة:
"أنا فعلًا كنت شايفة دا حلّ كويس، وخصوصًا أنُّه مسألشِ في حاجة زي ماإسحاق قال.."
أنهت طعامها لتتوقَّفَ قائلة:
"شبعت إيه رأيك نقعد شوية في الجنينة برَّة.."
"اطلعي ارتاحي، أنا عندي شغل مش فاضي، لو عايزة تقعدي برَّة خدي هناء معاكي.."
"لا هطلع أرتاح.."
قالتها وتحركت تضغط على شفتيها حتى لا تبكي.
بعد فترةٍ صعدَ إلى غرفتهِ التفت إلى غرفتها ينظرُ إليها لدقائق، ثمَّ ساقتهُ قدميهِ إليها، فتحَ البابَ ودلفَ للداخلِ وجدها مستغرقةً بنومها وهي جالسةً وبيديها كتاب.
سحبهُ من بين يديها قرأ عنوانه "كيف تكونين أمٍّ ناجحة".
أعدلَ نومها ودثَّرها يمسِّدُ على خصلاتها ثمَّ طبعَ قبلةً حنونةً فوق جبينها.
فتحت عينيها:
"إلياس.."
جلسَ بجوارها يطالعها بنظراتٍ بعثت قشعريرةً لجسدها، نظراتهِ تضعفُ ثباتها، تريدهُ فقط.
أغمضت عينيها مرَّةً أخرى هروبًا من تسلُّطه، فكيف تشكو منهُ إليه.
"جيت أطِّمِن عليكي قبلِ ما أنام محتاجة حاجة؟.."
رفرفت بأهدابها تهزُّ رأسها بالإيجاب، فليس من السهلِ أن تقتلَ ذاك الخفقَ الذي يخصُّه.
جذبت كفَّيهِ ونطقت بنبرةٍ مترجيَّة:
"عايزة أنام في حضنك.."
حاصرها بنظراتهِ لفترةٍ فكانت هادئةً على غيرِ عادتها، نظراتها المستعطفة، ونبرةُ الألمِ التي شعرَ بها بصوتها جعله يومئ موافقًا.
تمدَّدَ بجوارها يضعُ كفَّيهِ تحت رأسهِ ينظرُ لسقفِ الغرفةِ بصمت، متذكِّرًا حديثَ فريدة عن اتصالِ راجح وتهديدهِ لها.
أغمضَ عيناهُ وعقلهِ يعملُ بكافَّةِ الأرجاء.
التفتت تنظرُ إلى سكونه، ظنَّت أنَّهُ غفا، فاقتربت منه والتصقت به تضعُ رأسها على صدره، وجذبت ذراعيهِ من تحت رأسهِ بهدوء، تلفُّها حول جسدها.
شعرَ بها، فاستدارَ معتدلًا يجذبها إليهِ بقوَّة، دافنًا رأسهِ بعنقها.
ارتجفَ جسدها من قوَّةِ المشاعرِ التي أحسَّت بها، حتى لاحت ابتسامةٌ على وجهها، مطبقةَ الجفنينِ تحمدُ اللهَ بسريرتها على رجوعه.
رفعت رأسها بعدما وجدت صمته، وملَّست على وجههِ بعشق.
فتحَ عينيهِ لتحتضنَ العيونُ بعضها البعض بصمتٍ لفترةٍ من الزمن، مما جعلها ترفعُ أناملها وتحرِّكها على وجهه، مقتربةً منهُ تدفنُ رأسها بعنقهِ تهمسُ بخفوت:
"وحشتني أوي.."
حاولَ السيطرةَ على دقَّاتِ قلبهِ العنيفة، يقسمُ أنَّها اخترقت ضلوعهِ من قربها فقط، ورغم ذلك نطقَ قائلًا:
"وحشتك إزاي وإنتِ عايزة تنفصلي، ولَّا مفكَّراني ضعيف وبتحاولي تتنازلي علشان ظروفي؟.."
اعتدلَ جالسًا والتفتَ يجذبُ سجائره وأشعلَ واحدة منها، مبتعدًا بنظراتهِ عنها واستأنفَ حديثه:
"أنا موافقتش أبات هنا إلَّا لمَّا إنتِ طلبتي دا، وكمان لقيتها فرصة كويسة أبعد عن عيون أمِّي الحزينة وبس، مش قادر أبص في عيونها بعد اللي حصل لأرسلان، وإصرارها أنُّه يعرف في أقرب وقت.."
قالها ونهضَ من مكانه.
بينما هي تجمَّدَ جسدها وشحبت روحها تتمتمُ بخفوت:
"إنتَ شايف بعمل كدا علشان حاجة.."
توقَّفَ ينظرُ للخارجِ من النافذةونطقَ بنبرةٍ غلبَ عليها قسوته:
"مش مهم أنا شايف إنتِ بتعملي كدا ليه، المهم إنتِ قولتي إيه علشان تيجي هنا، ويوم ماروحتي المستشفى طلبت منِّك ترجعي البيت علشان راجح معرفشِ ناوي يعمل إيه، لكن إنتِ أصرِّيتي تيجي هنا، ولسة مصرَّة على الانفصال، التفتَ يطالعها بنظراتٍ توحي الكثير، واستطردَ بإبانة:
"مش أنا اللي مراتي كلِّ شوية تهدِّدني بالطلاق، خطا إليها بخطواتٍ متمهِّلة، وعينيهِ تحاصرُ عيناها إلى أن اقترب من جلوسها، ونطقَ بنبرةٍ هادئةٍ رغم مايشعرُ به:
"أنا بحبِّك أه، ويمكن بحبِّك أوي كمان، بس أسلوبك يموِّت أيِّ حبّ جوايا، الراجل لو الستِّ داست على رجولته أو كرامته يدوس عليها حتى لو روحه فيها.."
كانت تستمعُ إليهِ وشعورُ الألمِ والتخبُّطِ يسيطرُ عليها، لتتوقَّفَ متَّجهةً إلى وقوفه:
"إيه اللي بتقوله دا، أنا دوست على رجولتك وكرامتك؟!.."
"ميرال أنا مش كلِّ مرَّة هقعد أعلِّم فيكي، وأقولِّك إنِّك كبيرة ومش صغيرة لتهوِّرك، أشارَ إلى المنزلِ وأردفَ بحدِّة:
"عايز أعرف ورا وجودك في البيت دا إيه، ليه جاية هنا لو إنتِ فعلًا بتحبِّيني وعايزة نكمِّل حياتنا، دنا حتى اختلطت أنفاسهما وتابع:
"قولتي هننفصل بعد الولادة ولَّا لأ، قولتي مش قادرة تعيشي مع أسلوبي ولَّا لأ.. إنتِ كمان مبقتيش تهمِّيني، عايزة تطلَّقي بعد الولادة عيوني، هو أنا أقدر أزعَّلك، دا إنتِ الوحيدة اللي من غبائي بضعف قدَّامها وبرجع في كلامي.."
بسطت كفَّيها واحتضنت كفَّيهِ مع دموعِ عيناها:
"خايفة ياإلياس، خايفة في يوم تعايرني بأمُّي وأبويا.."
صرخةٌ جنونيةٌ بوجهها وهو يطبقُ على أكتافها:
"أبوكي وأمِّك أحسن ناس في الدنيا، إنتِ بنتِ فريدة وبس، وأبوكي جمال الدين، زي ماطول حياتك عايشة بيه، الناس التانية دي منعرفهاش، وحذَّرتك قبلِ كدا مش عايزك تربطي علاقتك بحدِّ غيري وبس.."
"ابتلعت غصَّةً مؤلمةً وتسرَّبَ بداخلها ألمٌ يمزِّقُ جسدها هاتفة:
"بس أنا بنتهم، متكذبشِ على نفسك زي ماإنتَ يوسف جمال أنا ميرال راجح.."
حروفٌ بسيطةٌ كانت كوقودٍ ناريةٍ أشعلت فتيلَ غضبه، ليجذبها بقوَّةٍ متناسيًا حملها:
"إنتِ هتفضلي ميرال جمال الدين، وأنا هفضل إلياس السيوفي، غير كدا مسمعشِ صوتك، سمعتيني، واحمدي ربِّنا إنِّك حامل.."
تآذرت آلامها تهزُّ رأسها رافضة حديثه، بدموعٍ تزحفُ على وجنتيها:
"دا اللي خايفة منُّه، أفضل في نظرك بنتِ المجرم اللي خلَّاك إلياس السيوفي.."
"ميرال اخرسي، أنا مش ناقص.."
تعالت شهقاتها متراجعةً للفراشِ وهي تحتضنُ بطنها متألِّمةً عاجزةً عن وصفِ الألمِ الذي يحرقها، هوت على الفراشِ وتمدَّدت تواليهِ ظهرها تبكي بصمت.
جلسَ حاملًا خوفهِ عليها بداخله، انحنى يجذبها إليه:
"ممكن أعرف إنتِ عايزة إيه بالظبط؟.. ميرال أنا تعبان متشيلينيش فوق طاقتي.."
اللمعت مقلتيها بوميضِ الأسف وردَّت:
"آسفة ياإلياس، أنا عارفة إنَّك شايل فوق طاقتك، بس أنا محتجاك أوي خايفة ياإلياس، خايفة من كلِّ حاجة.."
جذبها وأجلسها بأحضانهِ بعدما شعرَ بالأسى والعطفِ عليها:
"خايفة من إيه بس، رفعَ شعرها من فوق عينيها وتعمَّقَ بهما:
"خايفة وأنا جنبك، خايفة وأنا جوزك، إنتِ كدا بتعترفي إنِّي مش راجل.."
هزَّت رأسها بالنفي واقتربت تدفنُ رأسها بصدره:
"خايفة أتحرم منَّك ومن ماما فريدة، إحنا في موقف ضعف ياإلياس متنكرشِ دا، هوَّ قالِّي ممكن أبلَّغ في فريدة وأعملَّها قضية.."
أخرجها من أحضانهِ يحتوي وجهها بين راحتيه:
"ولا حد يقدر يقرَّب منِّك سمعاني، ولا من أمي، هوَّ اللي يخاف، هوَّ وبس، اصبري بس موضوع أرسلان يعدِّي على خير وبعدها هعرَّفك هعمل فيه إيه، المهم أطَّمن على أرسلان، الدكتور بيقول الحادثة كانت قوية ودماغه متأثَّرة جدًا، وكويس أنُّه مفقدشِ الذاكرة، بس خايف يحصل نزيف داخلي، علشان كدا مش عايز أقولُّه حاجة دلوقتي لازم يتعافى كويس، ونرجع نعمل فحوصات تانية.."
وضعَ كفَّيهِ على أحشائها واستأنفَ حديثه:
"المهمّ إنِّك تفكَّري في ابننا وبس، ومالكيش دعوة براجح ولا كأنُّه عدَّى عليكي أصلًا، تمام؟.."
"تمام.."
قالتها بنبرةٍ هادئةٍ وعيونٍ لامعةٍ بالعشق، لتقضي على كلِّ خليةِ صبرٍ لديه، قربها إليه يحتضنَ كرزيتها بينَ خاصَّتهِ يعزفُ لحنهِ الأثيرَ لها وحدها، طالت القبلةُ لتصلَ لمشاعرَ أخرى، لتخبرها عن العشقِ المتغلغلِ بأركانِ قلبه، وهي بداخل حضنهِ وهو يتجرَّعُ من عسلها المذاب، لتهيجَ الروحُ وتصدرُ ألحانًا تخصُّها وحدها، مرَّ وقتٌ لم يشعر بما يدارُ حولهما.
بعد فترةٍ دلفت إليهِ تحملُ كوبينِ من الشاي الأخضر، وضعتهما على طاولةٍ دائريةٍ قائلة:
"عملت لك شاي أخضر، كفاية قهوة طول اليوم.."
بسطَ كفَّيهِ إليها، احتضنت كفَّيهِ ليجذبها إليه تجلسُ بأحضانه.
ثمَّ قامَ بتشغيلِ إحدى المقطوعاتِ الموسيقيةِ لقيصرِ الغناءِ العربي.
تراجعت بجسدها عليه تلفُّ ذراعيهِ حولها:
"لسة بتحبِّ كاظم.."
"أمم، مطرب المرأة.."
قالها ببساطة.
اعتدلت ترفعُ رأسها إليه:
"أنهي إمرأة ياسيِّدِ النساء؟.."
ابتسمَ لها ابتسامةً لعوب ثمَّ داعبَ أنفها بسبابته:
"أنا سيِّد امرأة واحدة بس ياميرو.."
استدارت إليهِ بكامل جسدها:
"هتفضل معايا كدا دائمًا ياإلياس، مش هتتغير أبدًا؟.."
أدركَ ما تشعرُ به، لينحني يقطفُ قبلةً من ثغرها ثمَّ تراجعَ برأسهِ ينظرُ لوجهها:
"إنتِ مراتي ياميرال، عارفة يعني إيه مراتي؟.."
"بس أنا مش عايزة أكون مراتك بس.."
ضمَّ رأسها إلى صدره وتمتم:
"كلِّ حاجة صدَّقيني، إنتِ لإلياس كلِّ حاجة.."
أغمضت عينيها تستمتعُ لحديثه، الذي جعلَ قلبها معزوفةً موسيقيةً لتهمسَ له:
"وإنتَ أغلى من روحي والله، ولمَّا طلبت آجي هنا علشان ماحسش إنِّي بقيت عبء عليك، بتنفِّس حبَّك ياإلياس، إزاي أقدر أبعد عنَّك.."
ضمَّها بقوةٍ لأحضانه، وبركانِ أشواقهِ وعشقهِ إليها يزداد، لا يعلمُ ماذا به اليوم، هل حديثُ فريدة أخافهُ بابتعادها عنه، أم أنَّ عشقهِ إليها هو الذي يحرِّكه.
استمعَ إلى رنينِ هاتفه:
"أيوة يارؤى.."
"إلياس هترجع إمتى، استنيتك ومرجعتش.."
ابتعدت عن أحضانهِ غاضبة، ابتسمَ وتابعَ حديثهِ إلى رؤى:
"أنا مش هرجع، لأنِّي في بيتي مع مراتي، عرِّفي ماما علشان ماتقلقش.."
"إنتَ عند ميرال، انحنى يجذها ويرجعها إلى أحضانهِ مرةً أخرى:
"لا ..قصدك أنا في ببيتي.."
قالها وأغلقَ الهاتفَ يهمسُ لها:
"
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سيلا وليد
اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك.
حبيبتي أود أن أخبرك أنك تسكنيني فكرًا وحبًا.
أحببتك بطريقة لم تتركي لي ولو مساحة بسيطة لرؤية غيرك.
أحببتك وأنا على يقينٍ تام من شعوري وإحساسي وبرضا كامل بعشقك.
نعم أنا أحببتك للحد الذي شعرت به أن الحب الذي في صدري خلق لك وحدك، وأنني سأبقى مقيد بك حتى أفنى.
وحين سألوها لمن تهدين قلبكِ قالت: لمن يحتضن خوفي كأنه سرٌّ لا يُفشى.
لمن يرمم كسري دون أن يذكرني به.
لمن يضفي على عيوبي جمالًا لا أراه إلا من خلال عينيه.
لمن يجعلني أحب نفسي كما لم أفعل من قبل.
فهذا له مني ما لم يكن لغيره: روحي وقلبي بكل تفاصيلهما.
بالجريدة عند ميرال.
رفعت رأسها من فوق جهازها، وكأن صوته كابوسًا.
لم تقوَ على ترجمة ما إذا كان حقيقة واقعية أم أنه كابوس يراود عقلها الباطن.
كرر كلماته مرة أخرى، لتسقط فوق مسامعها كصوت رعد يصم الأذن.
طالعته بأعين جامدة، ورغم جمودها إلا أنها تحجرت بالدموع.
وقفت بجسد مهتز، وابتعلت غصتها ذات الأشواك المدببة، وغرزت عيناها التي أبت أن تفصح عن ضعفها أمامه.
وأردفت بلسان ثقيل:
- إنت مين ياراجل إنت؟ وإزاي تتجرأ وتوقف تهددني بالطريقة دي؟ هو إنت متعرفش أنا مرات مين؟
أفلت ضحكة صاخبة، وحدجها بنظرات مشمئزة، ودنا منها كالذئب بعيون دنيئة ينطق بنبرة متهكمة:
- أنا أعرف إنك بنت حرام، رانيا الـ... دي.
وحياة عزة جلالة الله لأبكيها بدل الدموع دم، وأولها هبدأ بيك يابنت رانيا.
اقترب خطوة أخرى وأشار بسبابته هادرًا بفحيح أعمى:
- اسمعيني يابنت الحرام إنت، أنا أدوس على الكل عشان نفسي.
والحيوانة اللي اسمها فريدة متفكرش إنها هتعدي بعملتها.
وحياة الحب اللي حبتهولها، لأقهرها على ولادها واحد واحد، وهجيبها زاحفة لعندي برضه.
ودلوقتي أنا مش جايب أقدم لك ناوي أعمل إيه.
هتتصلي بالحيوان جوزك وتقوليله إنك مش عايزة تعيشي معاه، شوفي حجة بقى أكيد شاطرة زي أمك، يا أما طلقة واحدة في النونو اللي جوا بطنك ده، ومش بس كدا.
- أيوه عايز أعرف ياراجح هتعمل إيه كمان.
قالها إلياس الذي دفع الباب ودلف للداخل.
رفعت عينيها بأسى لدخوله، اقترب منها، يشعر بقبضة قلبه الذي يتلاطم كالموج بين عشقها، ثم التفت مستديرًا إلى راجح يرمقه بنظرات كالسهم المغموس بالسم.
يتمتم بنبرة حادة:
- جاي لمراتي ليه؟ ولا إنت مالكش غير النسوان اللي يشبهوك.
تراجع بجسده يحاوط زوجته ثم ابتسم ينظر لبريق عينيها الحزين، ليتراجع لراجح الذي توقف وكأن أحدهم سكب عليه دلوًا من الماء المثلج.
ضمه يقربها إليه قائلًا وكأنه هو:
- حتى النسوان اللي بتجري وراهم أقوى منك، ومش بس كدا، عندهم كرامة اللي إنت متعرفهاش.
ابتعد عن ميرال واقترب من وقوفه والغضب يتزايد ليسبب ضجيجًا بداخله يريد أن ينقض على عنقه قائلًا:
- إزاي تتجرأ وتوقف قدام مراتي وماسك مسدس.
قالها وجذب سلاحه بلحظة تيه من راجح، لم يفكر كثيرًا ليديره ويطلق رصاصة الرحمة لتستقر بساقه مرة وبذراعه مرة، دون أن يرف له جفن.
صرخت ميرال ببكاء بعدما وجدت جنون إلياس، وحدث هرج ومرج بالخارج ووصول الأمن لاقتحام مكتب ميرال.
توقف كالجبل لم يتحرك إنشًا واحدًا، ورغم اقتحام الغرفة ووصول رئيس التحرير، إلا أنه رفع كفه ولطمه بقوة حتى تساقطت أسنانه:
- دي عشان مدت إيدك على مراتي.
اقترب الأمن لفصلهم، حينما أطلقت ميرال صرخات تضع كفها على أذنها وهي ترى إلياس لأول مرة بتلك القسوة، وهو يلقيه على الأرض ويدفعه بقوة مع شهقات الموجودين.
تدخل الأمن للفصل بينهما، إلا أنه كان كالأسد الجريح لم يقو أحد الوصول إليه، وهو يجرّه من ذراعيه التي أطلق عليهما رصاصة ثانية لترتفع صرخات راجح من الألم.
ظل يجره على الأرض إلى أن وصل الدرج ولم ير سوى بكاء والدته وكلماتها التي تتردد بأذنيه عما فعله بها.
ركلة بقدمه ليتدحرج على الدرج مع التقاط الكثير من الصور، قائلًا:
- إلى الجحيم إن شاء الله، لكن للأسف الوقعة هتكسرك بس، أهو تتلم أفضي لك.
استدار ثم رفع كفيه باعتذار عما صار، وصاح بقوة أمام كم من الصحفيين:
- ده كلب لقيته داخل يهدد مراتي بالسلاح، بيهددها عشان تبطل تهاجم القذارة اللي زيه.
آسف على اللي حصل يا أستاذ رفعت.
آسف يا أساتذة.
قالها وتحرك للداخل، ليجدها جالسة بجسد متجمد وعيون شاردة باكية.
حاوط وجهها بين راحتيه:
- ميرال.
طالعته بنظرة ترجمها عقلها بالجهل، استوطن القلق بداخله، ليساعدها على الوقوف:
- ميرال ياله حبيبتي عشان نروح.
خطت بجواره كالجثة التي خرجت روحها.
وقعت عيناها على جسد راجح الذي حمله المسعفون إلى السيارة.
احتضنت ذراع إلياس بخوف حينما تلاقت عيناها أعين راجح المتوعدة.
ضمه لتخفي رأسها بأحضانه، محاولًا إيقاف ارتجافة جسدها.
لقد نزفت روحها وأصبحت شظايا متناثرة.
فتح باب السيارة يساعدها بالصعود، أغمضت عينيها تضع كفها على أذنها من صدى صوته القبيح "إنت بنت حرام".
جلس بجوارها وأنزل يديها محاولًا طمأنتها، ولكن أصابتها حالة جنونية تصرخ وتدفعه بقوة، تضرب على أذنها:
- كذاب، كذاب.
حاول السيطرة على حركاتها، ولكنها كانت كطائر ذبح على غدر، بكت بقوة تدفعه، لا يعلم ماذا فعل لها ذاك المختل، حاول بكل طرقه أن يسيطر على جنونها فجذب رأسها وقام بتقبيلها علها تهدأ ولكن خاب ظنه وهي تدفعه بكامل قوتها وتزيل آثار قبلته وكأنه شيطان.
لم يسمع منها سوى شهقات صوتها التي زادت من غضبه، تحرك بالسيارة متجهًا بها إلى المشفى، ينظر إليها من حين لآخر.
مازالت تضع كفها على أذنيها تبكي بشهقات مرتفعة وحال لسانها يردد كلمة واحدة فقط "كذاب".
وصل إلى المشفى، ترجل من السيارة سريعًا واستدار إليها، فتح الباب، رفعت عينيها التي ماتت بها الحياة، وحربًا عنيفة داخلها من قسوة كلمات راجح فهمست بتقطع:
- عايزة أموت.
قالتها وهي تشعر بخضم المشاعر التي تدل على القهر والألم.
تتجمد بوقوفه يحاول ترجمة كلماتها التي أحرقته، هنا نزع كبرياءه، حينما شعر بنصل حاد يغرز بصدره، وانحنى يحملها ويضمها بقوة إلى صدره.
- حبيبي طمنيني عليكي، بلاش تعملي فيا كدا ياميرو.
حاوطت عنقه تدفن نفسها بأحضانه تبكي بشهقات مرتفعة، تكرر كلماتها:
- عايزة أموت، عايزة أموت.
كررتها لتذهب فاقدة الوعي.
لااا، لنقول هنا المعنى الحقيقي الذي شعرت به، أنها فقدت الحياة.
هنا شعر بثقل تنفسه ولم يعد لديه القدرة على الحركة.
هرول إليه المسعفون، ليضعها بهدوء على الفراش المتحرك، يحتضن كفها.
دقائق مرت عليه كسنين حياته المريرة، حتى نطق الطبيب:
- انهيار عصبي، أخدت مهدئ، وإن شاء الله تكون بخير.
قالها الطبيب بعملية وتحرك للخارج.
جلس بجوارها واقترب يطبع قبلة حنونة فوق جبينها.
- آسف حبيبتي كنت عارف أنه رايح لعندك ورغم كدا سبتك لوحدك.
قالها وشعور القهر يتملك منه.
ذهب بذاكرته قبل ساعات.
فلاش باك:
استمع إلى حديث راجح مع ذلك الرجل، تراجع بجسده للمقعد، وظلت نظراته جامدة باردة يردد بينه وبين نفسه:
- عايز تقتل مراتي ياحيوان.
طيّب قرّب منها.
رفع هاتفه وتحدث مع صديقه:
- شريف اسمعني كويس، فيه راجل خرج من فيلا راجح، عايز يوم ولادته، وبعد كدا أقول لك تعمل إيه.
- اعتبره حصل يابوص، فيه حاجة لازم تعرفها.
صمت يستمع إليه:
- طارق، المحامي طعن في الحكم، يعني عايز يفتح القضية تاني.
- يفتح يا شريف، المهم ركز مع راجح بيرتبوا لحاجة ياشريف، مش عايزين نقوم على كارثة، مش عايز غلط مع راجح لازم نوصل للممول الكبير.
- أوكيه، متخافش.
- ربنا يوفقنا يارب.
- يارب ويحمي بلدنا من تلك الشرزمة.
- آمين يا شريف.
قالها وأغلق الهاتف، ليدلف مصطفى:
- مرحتش لأرسلان ليه.
نهض يجمع أشياءه:
- كنت بعمل تليفون مهم، بعد إذنك محتاج حاجة.
أمسكه مصطفى من ذراعه:
- أه.
توقف يطالعه بنظرات مستفهمة، فأجاب:
- ترجع إنت ومراتك البيت، مش عاجبني قعدتكم لوحدكم.
ابتسم قائلًا:
- ماتسبني أصالح مراتي براحتي ياسيادة اللواء.
عقد مصطفى حاجبيه، ونظرة غموض انبثقت من عينيه باستفهام:
- هي لسه زعلانة، أومال بقالك أسبوع بتعمل إيه؟
إيه مش عارف تسيطر ولا إيه يابن مصطفى.
تحرك يهز رأسه ضاحكًا:
- أنا عندي شغل ياسيادة اللواء.
صعد سيارته وتحرك بعض الكيلومترات، نظر بمرآة السيارة، وابتسم ساخرًا:
- تعال يا روح أمك.
رفع هاتفه يهاتف زوجته، إلى أن وصل إلى شقة أرسلان.
جلس أمام أرسلان:
- اسمعني من غير ما تقاطعني.
بيتك دا فيه باب خلفي؟
- أومأ له بالإيجاب واستفهم:
- ليه؟
نهض من مكانه، يشير إلى النافذة:
- كلّم الأمن يفتشوا العربية اللي واقفة قدام باب بيتك دي، واتولى الموضوع عندي مشوار نص ساعة وراجع وبعدين نتكلم.
تحرك إلى سيارة أرسلان وقادها متحركًا من الباب الخلفي، مع رنين هاتفه:
- حصل زي ما اتوقعت ياباشا، إبعاده هناء وخمول للأمن بالكامل.
- تمام أنا في الطريق، اطلع عند ميرال، دقايق وأكون عندك، لو حاول يعمل حاجة موته لو أنا اتأخرت.
خرج من شروده على رنين هاتفه:
- آسف يا أرسلان، مراتي تعبت واضطريت آخدها المستشفى، هأجل موضوعنا لوقت تاني.
- فيها حاجة، يعني محتاجة حاجة.
تساءل بها أرسلان.
هز رأسه بالنفي قائلًا:
- لا مفيش شوية إرهاق وإجهاد مش أكتر.
بعد فترة بجوارها استمع إلى رنين هاتفه، تنهد بمرارة ثم رفع هاتفه:
- أيوة يابابا.
- إلياس إيه اللي بيحصل، إيه الخبر اللي قرأته ده؟
- راجح كان عند ميرال، معرفش كان عايز إيه، يادوب لحقتها.
تنفّس بهدوء وعينيه عليها يمسد على خصلاتها مستطرداً:
- إحنا في المستشفى يابابا.
نهض مصطفى من مكانه، وعقد العزم على الذهاب إليه، ليهتف قائلاً:
- أنا جايلك يا حبيبي.
قاطعه يخبره:
- لا مفيش داعي يابابا، هي كويسة، بس حبيت أطمن عليها.
- يعني مش أذاها يا إلياس؟
- لا يابابا، هي كويسة، والدكتورة هتيجي تطمنا على البيبي.
أغلق الهاتف واقترب منها يهمس بجوار أذنها علها تستمع إلى كلماته:
- وحياتك لأكرهه حياته، اصبري عليا، متعرفيش إنتِ عندي إيه.
مرت عدة ساعات أخرى حتى عاد بها إلى منزله، ترجل متجهًا إليها، انحنى ليحملها ولكنها رفضت، ونزلت متحركة بخطوات بطيئة، كأنها تجر قدميها بصعوبة.
اقترب يحاوط جسدها لتصبح بالكامل تحت حنان ذراعيه، طبع قبلة فوق رأسها:
- كدا تخوفيني عليكي يابايرة.
دفنت رأسها بعنقه تتمسح به كقطة أليفة:
- إلياس أنا بنت مين؟
استفهام مؤلم شق ثغرها بدمعة تحررت من طرف عينها حينما رفعت رأسها تناظره بقلب ممزق، ثم تابعت حديثها الذي كاد أن يزهق روحه:
- أنا بنت حرام، ماليش نسب يا إلياس.
- يا ريت.
قالها بنبرة جليدية لتصفع روحها من كلماتها التي جعلتها كلوح من الثلج، لتتراجع بعيداً عن أحضانه، تائهة حائرة تخطو بتمهل وكأنها تخطو فوق زجاج متناثر.
تحرك خلفها حتى دلف إلى الداخل.
- ميرال.
توقفت دون أن تلتفت إليه، اقترب منها، يشير للخادمة:
- اطلعي جهزي للمدام الحمام، ثم التفت لهناء:
- خليكي مع المدام لحد ما تجهز، عايزها تكون جاهزة بعد ساعة بالظبط.
تجمعت دموع الألم بمقلتيها قائلة:
- أنا تعبانة يا إلياس وعايزة أرتاح، ممكن تسبني على راحتي.
قاطعها يضع أنامله على شفتيها:
- الليلة دي مش عايز أي عذر، ولا عايز اعتراض سمعتيني ولا لأ.
أجابته بضعف:
- الضرب في الميت حرام يا إلياس، وأنا ميتة، بلاش تموت فيا أكتر ما أنا ميتة.
تفاجأ من حالة الوهن والضعف التي انتابتها، ليضغط على ذراعيها بقوة آلمتها مع دموعها التي لم تتوقف:
- اسمعيني علشان أنا زهقت منك، قولت مليون مرة إنتِ بنت مدام فريدة، ويا ستي زعلانة عليه ليه، ده حيوان، فيه حد يزعل إن الراجل ده مش أبوه.
ثقلت أنفاسها ورجفة أصابتها بالكامل، حتى فقدت النطق للحظات تشير إلى نفسها:
- يعني أنا بنت حرام؟
لوّن الغضب وجهه، مستنكراً حديثها ليهتف ما شق قلبها:
- يا ريتك والله أهو أهون ما يكون الراجل الحيوان ده أبوك.
أجهشت بالبكاء متراجعة للخلف، تتقهقر بانهيار جسدها:
- للدرجة دي أنا نصيبي من الدنيا وحش يا إلياس؟
- نعم يا أختي، ليه هو أنا وحش عشان تقولي كدا، إيه نسيتي إنتِ متجوزة مين، ولا نسيتي إنك حامل في ابني، لا فوقي يابنت مدام فريدة واحمدي ربنا إنك عايشة حياة غيرك يتمنى بس نظرة مني.
هزت رأسها بألم انبثق من عينيها:
- عندك حق، لازم أحمد ربنا إن فيه واحدة زيي اتجوزت عظيم وابن ناس زيك.
تجمدت الدماء بعروقه من حديثها اللاذع، ليثور غاضباً:
- فوقي ياميرال، أوعي تفكري أنا بطبطب، لا يابنت فريدة، أنا عايز ست قوية، الست الضعيفة دي، هشاور لها على الباب وأقول لها برة حياتي، حتى لو حامل في ابني.
تهدلت أكتافها بانهزام من قسوة حديثه اللاذع، فيكفي ما تمر به، يكفي حياتها التي تدهورت وأصبحت نحو الهاوية.
تراجعت للخلف حينما لم تقوَ على تجاوز ذلك الألم الرهيب الذي عصف بجميع خلاياها، ثم استدارت متجهة للباب:
- يبقى أمشي قبل ما تطردني.
- استني عندك يابت.
كان صوته كالرعد الذي اهتزت له الجدران، ليرفع يديه نحو الدرج:
- اطلعي فوق.
نظر بساعته وتابع حديثه:
- ساعة واحدة وألاقيكي جاهزة.
فتحت فاهها إلا أنه أشار باعتراض تجلى بمقلتيه وهو يرمقها بنظرات جحيمية:
- ولا نفس، سمعتيني ولا نفس.
هنااااء، صاح بها لتفزع متراجعة وهي تراه يقترب منها، جذبها بقوة حتى اصطدمت بصدره يهمس إليها بنبرة هادئة رغم ضجيج قلبه من الوجع:
- اطلعي اجهزي حبيبتي، الليلة دي مهمة وأوي ياميرو.
قالها وهو يطبع قبلة مطولة على جبينها، ثم تحرك سريعًا إلى غرفة مكتبه.
تلوت شفتيها من تغيره بلحظات، هل من الممكن أن يلفظها من حياته.
صعدت إلى الأعلى لتتفاجأ برداء من الحرير الناعم، باللون الذهبي، رفعته بين يديها تطالعه بذهول وتحدث نفسها:
- معقولة هيرضى يخرجني بالفستان ده، طب إزاي، ياترى ناوي على إيه يا إلياس، ولّا بتعمل كدا عشان تخرجني من اللي أنا فيه؟
تأففت بضجر، وشعرت بأنين يمزق قلبها.
- مدام ياله عشان منتأخرش على الباشا.
- الباشا.
رددتها بينها وبين نفسها، أهو الباشا معرفش بيخطط لإيه، بس مهما كان اللي بيخطط له، أنا معاه، حتى لو رماني بالنار، أهي ناره أهون من جنة الحقير راجح.
وضعت الفستان ثم ولجت لداخل الحمام، وأغلقت الباب خلفها تجول بنظرها على تحضيرهم لها، قطبت جبينها ورفعت إحدى زجاجات العطور، ابتسامة متهكمة، تهمس لنفسها:
- جننتي يا إلياس، أصلي ناقصة جنان.
نزعت ثيابها ودلفت للمياه الدافئة، علها تزيح إرهاق طيلة اليوم، ظلّت لبعض الوقت إلى أن انتهت من استحمامها، وخطت للخارج لتنهي زينتها، مرت الساعة سريعًا لتضع أحمر شفاه بعدما أفلتت ضحكة جنونية.
ورغم أنها ضحكة إلا أنها ممزوجة بكم الآهات والآلام التي تعانيها.
- محتاجة حاجة تانية يامدام.
تساءلت بها هناء وهي تجمع أشياءها الخاصة.
- هزت رأسها بالنفي ثم أشارت على الفستان الذي ترتديه:
- هو الفستان مش جاي معاه أي حاجة تانية؟
- نفت هناء قائلة:
- مفيش غير الميكب والمجوهرات بس.
أومأت لها تشير إليها بالخروج، لتتحرك للخارج، نهضت من مكانها تنظر لنفسها بسخرية، فحقًا كانت كقطعة ألماس نفيسة تذهب العقول من روعتها، خطت إلى أن وقعت عيناها على شهادة تقدير لتفوقها بإحدى المقالات الإخبارية، توضع بأحد أركان الغرفة.
وصلت إليها، بسطت كفها وتناولتها، ظلت تنظر بها لبعض الوقت، تحرك أناملها على الاسم وتكرره بلسان ثقيل:
"ميرال جمال الشافعي".
يعني حتى الاسم المسروق مش صح.
ألقيتها على الأرضية تطالعها بعيون متحجرة بالدموع.
دلف إليها وجدها تنظر إلى الصورة بضياع.
لاحت صواعق الحزن المرسومة بالألم بمقلتيه، لأول مرة يرى ضعفها بتلك الطريقة.
التفتت إليه بعدما شعرت بوجوده، تشابكت الأعين للحظات، نظرت لحلته الكلاسيكية، لمعت عيناها رغمًا عنها فمن يراه يقسم أنه عريس ليلة زفافه.
وصل إلى وقوفها، ثم حاوط خصرها يلف ذراعيه الاثنين حولها:
- إيه الجمال ده.
ابتعدت تشيح بصرها عنه، بسبب دقاتها العنيفة.
رفع يديه ليزيل الوشاح الذي فوق أكتافها بالكامل، ينظر لخصلاتها الحالكة كالظلام.
ثم قام بفك رباطها:
- كدا أحسن.
توقفت أمامه بكامل هيئتها:
- هو إنت إيه حكايتك الليلة، لو بتعمل كدا عشان تنسيني.
أوقفها حينما سرق قبلته الأولى لتلك الليلة، قبلة سريعة حتى أنها لم تشعر بها.
تراجعت عن ذراعيه:
- عايز تفهمني هنخرج كدا الليلة؟
بسط كفيه لتحتضن راحتيها، ثم ضغط عليها وتحرك للخارج، حتى وصل إلى المسبح بالحديقة.
طافت بعينيها على الأنوار الهادئة والموسيقى الغربية التي تصدح بالمكان:
- إيه ده، مش هنخرج؟
هز رأسه بالنفي قائلًا:
- لأ، الليلة دي بالذات مش هنخرج.
سحبت بصرها إلى الطاولة المعدة بأصناف الطعام، ثم وقعت عيناها على مجموعة الورود الحمراء، وبجوارها قلبًا باللون الأحمر.
رفعت عينيها إليه وهمست:
- بتحبني؟
تساءلت بها بعيون جامدة.
علم بما يستوطن داخلها، ليقربها إليه حتى اختلطت أنفاسهما، يضع جبينه فوق جبينها، فلمست شفتاه ثغرها متممًا بنبرة عاشقة:
- لا.
مين قال لك كدا؟
ملس على وجنتيها براحتيه، ثم جذب كفها فوق نبضه، وتعمق بعينيها:
- إنتِ شايفة إيه؟
انبثقت دموعها كزخات المطر، وهي تحرك أناملها على صدره وكأنها ترسم شيئًا وهميًا:
- ما بقتش بشوف ولا أحس.
قرب رأسها إلى صدره يضمها بقوة، وآه أخرجها من ثنايا روحه مستشعرًا بنبض قلبه الذي ثار بدقاته هامسًا:
- كذابة ياميرو، حاسة وسامعة.
رفع ذقنها بأنامله، واحتضنها بعينيه، ثم دنا يهمس بأذنها:
- مش مسموح لك تشوفي حد غيري، ولا تسمعي غير لنبض قلبي وبس.
قشعريرة لذيذة سارت بعمودها الفقري، من تصريحه المثير لأول مرة، داعب عنقها بأنفه وأكمل بصوت مثير وأنفاس ملتهبة:
- ميرال أنا بحبك أوي، حبي قدام نظرة عيونك تعجز الكلمات عن وصفه، لدرجة مش قادر أشرح لك شعوري وإنتِ جوا حضني، خليكي دايمًا واثقة مفيش حد هيخاف عليكي ولا يحبك قدي.
قربها مرة أخرى لتلتصق به أكثر، يرفع يديها تحاوط عنقه، ومازال يداعبها بأنفه، ليرتعش جسدها وتتلاشى ساقيها حتى كادت أن تسقط لولا ذراعيه الذي رفعها بهما، وابتسامة عاشقة تخصها وحدها، بعينان تتألقان بحب وحنان يتحرك بها على النغمات، ليصدح صوت أم كلثوم بالمكان، بأغنيتها المحببة "إنت عمري".
رفعت كفها على وجهه تلامسه، وبنظرات ملتمعة بالعشق، تطالعه بها:
- ليه جاي تقول لي الكلام ده دلوقتي، صعبة عليك؟
أمال برأسه يستنشق أكبر قدر من رائحتها، وعيون راغبة، يجاهد الكثير والكثير يمنع نفسه من الانزلاق خلف مشاعره الجياشة خوفًا عليها وهي بتلك الحالة.
- شايفة أنا ممكن أخدع مشاعري؟
- ليه دلوقتي يا إلياس، ياما اتحيلت عليك أسمع حتى كلمة بحبك.
أفلت تنهيدة حارة أحرقت ضلوعه من نيران العشق، فقد ألقى كل غروره وكبرياءه ودلف إلى حضن عشقها تائهاً بمحرابها وأقسم لنفسه أنه يتلذذ به ولا يريد الخروج منه.
"كل سنة وأنتِ في حضني ياحبيبي النهاردة عيد جوازنا".
جحظت عيناها تؤنب نفسها، ثم دفنت رأسها بصدره مبتعدة عن نظراته.
استمعت إلى حديثه وهو يخبرها:
- عارف اتأخرت، سامحيني، مكنتش عارف أعبر إزاي، أو يمكن أكون خايف لتكون مشاعرك مؤقتة، متنسيش علاقتنا الأول كانت إزاي.
- بس أنا كنت بحبك، وبحبك من زمان وإنت عارف ومتأكد من دا.
- تؤ.
رفعت حاجبها متهكمة:
- إيه هو اللي تؤ.
رفعها يدور بها مع اللحن الموسيقي، ثم أنزلها بهدوء وتابع حديثه بنبرته الرجولية:
- معرفش غير إني كنت مغرور ومتكبر، وكمان كان اسمي يأس ومعرفش أقول كلمة حب، مش دا كلامك.
قالها وهو يرفع ذراعها يدور بها.
ضحكة بصوت مسموع إثر حديثه، فأخذت تحاوره بعينيها قائلة:
- وإنت كنت غير كدا، وبعدين ليه جاي تقول الكلام ده دلوقتي برضو، يوم عيد جوازنا؟
انحنت للخلف مرة أخرى على اللحن وهو يميل بجسده عليها، وذراعه يحاوط خصرها قائلاً:
- مش يمكن اطمنت.
رفع جسده وهو يجذبها، ليستأنف الرقصة:
- كنت قلقان مني يا إلياس، خايف أكون بضحك عليك، ولا خايف أكون زي الست اللي مفكرها خطفت باباك، والسبب في موت والدتك؟
قرب رأسها وهمس بأنفاسه الحارة:
- لا ياحبيبي، خايف لأكون بحب سراب، كنت عايز أطمن من قلبك.
- تطمئن من قلبي وإنت متأكد أنا مستنية منك بس نظرة.
تنهد بصوت عال حتى شعرت بهبوط وارتفاع صدره، حركت كفها على صدره:
- ياااه للدرجة دي كنت تعباك أوي كدا.
- أوي.
نطق بها سريعًا، ثم طالعها بعتاب ليخبرها:
- عملتي إيه يدل إنك بتحبيني؟
- وإنت عملت إيه يدل على حبك ليّا؟
- شايفة سؤال بسؤال، أنا عايز إجابة ياميرال.
- وأنا كمان عايزة إجابة يا إلياس، مش إنت بتقول كنت بطمن قلبك، طيب أنا من حقي قلبي يطمن.
- بحبك اكتر من أي حاجة ومتجوزتش بسببك، كنت منتظر قدرنا، بس عايزك تثقي.
حروفي أُضرِجت باللهيب حينما أُسمّيتُك "حبيبي" فما ذنبي إن كانت النفس أمارة بالشوق إليها.
كدا الإجابة واضحة.
ارتجفت شفتيها بعدما فقدت النطق من نظراته وهمسه المثير، لتتجرأ وترفع نفسها تطبع قبلة على خاصته، أذابت جوارح كل منهما، رفعها يضمها بقوة لتذوب بحضنه مع همساته بالعشق الدفين لأول مرة.
انحنى عليها بثورة من قبلاته العاشقة ليشعرها وكأنه لأول مرة يقبلها، بل لأول مرة يكون قربه مهلكًا بتلك الطريقة، ليثبت لها أن عشقها نوع خاص نادر الوجود، به تتدفق معاني الحب بكل أنواع اللغات، لتفوق قوته قوة الجاذبية أضعافًا مضاعفة، وهي تشعر بأنها كالفراشة التي تتنقل بين الأزهار، ذابت كل آلامها وتناست ما مرت به بيومها من مجرد عاشق يترنم بعشقها كآلة البيانو، لتتحول حياتها وردية بأجمل باقات الورود، ويتجمل نسيمها بنسيم البحر ورائحة العطور.
توقف ليحملها بين ذراعيه، وقلبه كالمضخة يريد أن تكون تلك الليلة ماهي سوى ليلة حياته الأولى معها، عوضًا عما مرا به، خطا وهي بحنان حضنه، متجهًا إلى فراشهما، وكأنه يحمل سعادته.
وضعها بهدوء ومازالت متعلقة برقبته، ونظراتها التي توحي له الكثير والكثير، لا يريد ترجمة سوى عشقها له فقط، لا يريد سوى أنها تراه الرجل الأعظم والأوحد بالكون، همست من بين شفتيها المطلية بحروف عشقه، وكأنها فهمت ما يشعر به:
- مش عايزة غيرك وبس، أقسم لك حبيبي إني أذوب بك عشقًا حتى الممات.
هنا توقف الكون بعقارب الساعة وهو لا يريد سوى عينيها، حرك أنامله على نبضها المجنون الذي ظهر بوضوح من صعود وهبوط صدرها، ليحركه بعشوائية وكأنه يكتب لها بحبك فوق ما تتخيلي.
همست تردد حروف اسمه كعصفور كناري، ليميل عليها بملحمة العشق بدقاتها المثيرة بكل ترحاب وجنون.
عند آدم.
استمع إلى طرقات على باب مكتبه، دلفت إليه إيلين تضع أمامه بعض الأوراق:
- امضي يا آدم لو سمحت.
رفع عيناه إليها بعدما علم ما تحتويه الأوراق:
- مش ينفع يا إيلين، بعد ما تخلصي كلية وتشتغلي.
جلست بمقابلته:
- ماتصعبهاش عليا يا ابن خالي لو سمحت.
سحب نفسًا وزفره ثم نهض إلى أن جلس على المقعد الذي يقابلها:
- طلباتك إيه يا إيلين.
- ماليش طلبات يا ابن خالي غير الحرية.
دنى بجسده وتعمق برومانسيتها:
- وحياة آدم يا إيلين تديني لحياتنا فرصة.
توقفت وحاورته بعينيها:
- مفيش فرص يا ابن خالي، خلينا نطلق.
- ده آخر كلام يا إيلين.
ومفيش غيره.
دفعت حنين الباب توزع نظراتها بينهما ثم اردفت:
- أنا مش موافقة على الطلاق، يعني إيه تطلقني بعد اللي عملته عشانك، وعلشان إيه، عشان دي.
اقتربت من إيلين:
- أنا يطلقني وبلا رجعة عشانك، وعد مني لأندمه.
التفتت إليه ورمقته باحتقار:
- هعرفك إزاي تطلق حنين الشهاوي عشان الجربوعة بتاعتك دي.
قالتها وخرجت كالكرة النارية.
بمنزل أرسلان قبل ساعات:
خرج إلى الحديقة بعد اتصال إلياس به:
- شوف العربية اللي واقفة قدام بيتك، خلّي الأمن يفحصوها كويس.
انكمشت ملامحه متسائلاً:
- فيه حاجة ولا إيه؟
- لا بس تأكيد اطمئنان، فيه واحد منهم كان مراقبني لما دخلت بيتك، وبعدين ينزلوا ويسيبوها، ده تخوف أكتر.
ركض أحدهم إليه:
- فيها قنبلة ياباشا.
أشار إليه بالتحرك مع رفع هاتفه والاتصال بأحدهم.
بعد عدة ساعات كان يجلس بمنزله يعمل على جهازه بصمت، دلفت إليه:
- جهزت الغدا، عمو إسحاق مشي ولا إيه؟
رفع نظره إليها، ثم أغلق الجهاز ونصب عوده متوقفًا، وهو يتحامل على آلام رأسه.
دنت منه تسحبه من ذراعه إلى أن وصلت إلى الأريكة:
- ارتاح شوية وبطّل شغل، إنت لسه تعبان.
مرر أنامله على ملامحها الجميلة، بأعين مشوشة، وصداع يفتك برأسه، تراجع بجسده يستند برأسه للخلف على المقعد.
جلست بجواره، تمسد على خصلاته ونطقت بنبرة متألمة:
- أرسلان تعبان؟
أغمض عينيه محاولًا أن ينتشي نبض قلبه من لحن صوتها.
لا تشعر سوى أنَّها أصبحت بلا حماية، كأن قلعتها أصبحت على رمال شاطئية، لتبعثرها الرياح دون رحمة.
انسالت دموعها تدفن رأسها بكتفه، ونطقت بنبرة متألمة بمزيج من الحزن القابع بصدرها:
- قول لي مخبي عليا إيه، وليه عايز تكسرني بالشكل ده؟
اعتدل يلف ذراعيه حول جسدها، وطالعها بأعين هالكة من فرط الألم، مرر أنامله يزيح دموعها التي سقطت على قلبه كهزة أرضية تشقها، ثم قربها إليه يطبع قبلة بجوار ثغرها الكرزي، رفعت عينيها الباكية تتوسل صمت عينيه، رفعت كفه تقبله، ابتسم يضم وجهها بين راحتيه، وأمال يحتضن ثغرها ينثر عليه عشقه، لحظات ربما دقائق وهو يعزف لحنه الأثير من القبلات على كرزيتها، ابتعد بعدما شعر بانسحاب أنفاسها.
تمدد يجذبها لأحضان، يخلل أنامله بخصلاتها البنية اللامعة، رفعت رأسها تنظر لعينيه القريبة وتساءلت:
- مش عايز تقول لي مالك؟
ومتحاولش تقول لي الحادثة، لأنّي عارفة فيه موضوع أكبر من الحادثة.
استندت على مرفقها ورفعت كفها على وجنتيه تهمس بنبرة عاشقة:
- مهما كان اللي عايز تقوله، بس تأكد أنا هفضل جنبك لآخر يوم من عمري، مستحيل أتخلى عنك، دنت وتابعت همسها المثير أمام شفتيه:
- مستحيل أتنازل عنك يا أرسلان، أول حب وآخر حب ومافيش بعدك ولا قبلك بديل.
لف ذراعيه حول عنقها ينظر لعينها التي سحرته من أول مرة، شعر وكأنها سلبت فؤاده، ليهيم النبض باسمها وحدها، ولما لا وهي التي تربعت على عرشه، عجز عن صياغة حروف تصف عشقها، عندما لم يجد ما يعبر بما يشعر به من قربها.
شعرت به لتنحني تطبع قبلة مطولة ممزوجة بالحنان بجوار شفتيه، ثم رفعت عينيها لتقابل عينيه التي ترسل آلاف الأعذار تتمتم:
- "بحبك يا حظي الحلو".
تعثر نبضه من قوة ما شعر به، ماذا فعل ليجازيه الله بتلك الملاك، رفع خصلاتها العشوائية التي حجبت عيناها، يضعها خلف أذنها، ثم أفلت ابتسامة خلابة تضج بالكثير من المشاعر، قائلاً:
- أعتبر ده اعتراف رسمي إني أحسن حظ؟
داعبت وجهه بأناملها تهز رأسها بالإيجاب مبتسمة، ثم اعتدلت تسحب نفسًا متسائلة:
- إيه اللي حصل خلاك تطلب مني الموت يا أرسلان؟
أومأت عندما لمحت نظرة تساؤل، ثم ردت تخبره:
- سمعت بعض الكلمات، بس أكيد عايزة أسمع منك كل حاجة، بس قبل أي حاجة تأكد يا أرسلان إن ربنا مسيّر الكون بحكمة محدش يعلمها، يعني وجودك في حياة عمو فاروق حكمة، افتكر كدا لو ماوصلتش لعمو، كنت مش هتدخل مخابرات ومكناش اتقابلنا، ولا كنا اتجوزنا، شوفت تدابير ربنا.
احتوى كفها معتدلاً ثم أردف:
- أنا معرفش أهلي الحقيقيين يا غرام.
رفعت ذقنها وتعمقت بعينيه:
- بس أنا أعرف أرسلان الجارحي، أي إن كان اسمك اللي مش مهم، بس المهم إنت إيه، أخلاقك ودينك إيه، رجولتك إيه، افرض عرفت اسمك وكنت بشع، الاسم هيعمل لك إيه؟ ولا حاجة.
اقتربت منه وملست على وجنتيه وتابعت حديثها:
- حبيبي مش مهم إنت تبع مين، المهم إنك عملت إيه ليكونوا تبعك، وأنا متأكدة إن جوزي أحسن راجل في الدنيا، أنا مش عايزة غير أرسلان وبس.
تنهد بألم يحتوي رأسها بين راحتيه، ثم رفع رأسه وهو يمسح على وجهها:
- هتقولي كدا حتى لو لقيط؟
- بس إنت مش لقيط يا أرسلان.
سلّط بصره يهز رأسه قائلاً:
- ليه متأكدة كدا؟
- أنا مؤمنة، إن شخصية بالطريقة دي متطلعش إلا من ناس عارفين خلق ودين، وإنت أكيد عارف كلمة لقيط يعني إيه.
اعتدل واقفاً ثم نزل بنظره إليها:
- هعرف يا غرام، وأتمنى أسمع الكلمتين اللي قولتييهم من شوية.
ناظرته بأعين مشتتة جاهلة حديثه، لترفع كتفها بجهل حديثه.
جاهد بإخفاء اعتصار قلبه، واستدار قائلاً:
- قصدي هتفضلي متمسكة بي حتى لو كنت لقيط؟
- ومش هبعد عنك يا أرسلان، حتى لو قولتلي إن أهلك قتلوا أهل قارون، أنا متجوزة أرسلان مش متجوزة أهله.
توقف مستديراً يشير إليها:
- تعالي في حضن حبيبك بقى بعد شوية الثلج بالكلام الحلو ده.
مرت عدة ساعات، حاول الوصول فيهم إلى إلياس ولكن هاتفه مغلق، مسح على وجهه بألم، ثم نظر بساعته:
- أنا هخرج عشان أطمن على بابا، الدكتور أجل العملية أسبوع، وعمو بيقول لي بابا رافض أي علاج غير لما يشوفني.
- تمام ياحبيبي، هجهز وآجي معاك.
بعد فترة دلف إلى غرفة فاروق، وهو يحمل باقة من الزهور، كانت تجاوره صفية وإسحاق، نهضت من مكانها مبتسمة:
- حبيب قلبي، ليه جيت وإنت تعبان يابني.
فتح فاروق عينيه يردد اسمه، اقترب منه وانحنى يطبع قبلة فوق جبينه:
- حبيبي عامل إيه؟
اغروقت عيناه بالدموع قائلاً بنبرة متقطعة:
- كدا يا أرسو نسيت أبوك ومش عايز تشوفني؟
قاطعهم إسحاق الذي توقف يرمق أرسلان بابتسامة ساخرة، قائلاً بنظرة متهكمة:
- لا وشوف الباشا جايب لك إيه، ورد.
اقترب يسحب إحدى الورود يستنشقها، ثم رفع عينيه إلى أرسلان:
- طيب استنضف يا متخلف، إيه رأيك في زيارة ابن الجارحي يا فاروق.
لمعت عينا فاروق بالسعادة من نطق إسحاق بتلك الكلمة فاستطرد:
- ابن الجارحي يجيب اللي يعجبه يا إسحاق، ملكش دعوة بيه.
بسط كفه إليه:
- تعال يا حبيبي أقعد جنبي عايز أتكلم معاك في موضوع مهم.
أومأ أرسلان بهدوء، تطلع إسحاق إلى صفية:
- تعالي يا صفية نشوف دينا، لحد ما أرسو يعرفنا أخلاق عيلة الجارحي وقيمها.
قالها بمغزى وتحرك للخارج.
جلس يحتضن كف فاروق ثم انحنى يطبع قبلة فوق راحته:
- ألف سلامة عليك يا حبيبي.
ابتسم بعيون دامعة:
- من قلبك يا أرسلان.
توسعت عيناه مذهولًا، لينطق معترضًا:
- إيه اللي بتقوله ده حبيبي، أفديك بعمري لو احتجتني.
داعب وجهه ونطق:
- كنت متأكد يا حبيبي والله كنت متأكد إنك مش هضيع تربيتي وأخلاقي اللي زرعتها فيك.
قابل كلماته بالصمت لثواني حتى أردف فاروق:
- أنا ربيتك وعمري في يوم ما حسيتك إنك مش ابني، حتى بعد ما ربنا رزقني بملك. والله يا بني أنا كنت مكتفي بيك بس جدتك الله يسامحها بقى خيَّرتني بينك وبين والدة ملك، واضطريت أوافق بس معملتش كدا برضو غير بعد إصرار والدتك على الجوازة دي، كنا عايزين نعيش بهدوء، المهم اسمعني كويس، ملك أختك أوعى في يوم من الأيام تتخلى عنها، هي مالهاش ذنب، أنا كتبت وصية لو حصل لي حاجة هتوصلك، وتأكد إنك أجمل هدية ربنا رزقني بيها.
- وحضرتك كمان يا بابا، أجمل أب عمري ما شكيت في يوم من الأيام مكنش ابني، لكن سامحني، أنا مبقتش أنتمي لعيلة الجارحي مش حقي.
ضغط فاروق على كف أرسلان وتابع حديثه بإرهاق:
- متقولش كدا يا حبيبي، إنت ابني وهتفضل ابني لحد ما تقابل وجه كريم، وأنا اتفقت مع أخوك وعمك إسحاق على كدا.
- أخويا!!
أنا ليا أخ، يعني ليا عيلة ونسب، حضرتك بتقول إيه؟
ابتسم يشير إليه، ليهبط برأسه إلى مستواه:
- ليك أخ وعيلة تتشرف بيها، وهو هيوصلك قريب، لولا وعدي له كنت قلت لك، بس اللي أقدر أقوله لك، هو قريب منك أوي، وبتحبه كمان.
قالها بهذيان ثنايا العقل والتشوش لديه حينما قل نبضه، وتنفّسه، ليتوقف أرسلان:
- بابا اهدى، خلاص ماتتكلمش.
دلف الطبيب سريعًا على صوت الأجهزة، قبض على كف أرسلان يهمس بتقطع:
"ملك وصيتك يابن فاروق".
وصل إليهما إسحاق يزمجر بالطبيب:
- إيه اللي بيحصل هنا؟
ولكنه تشبث بكف أرسلان وحاول الحديث:
- أخوك.
أبعده الطبيب يفحصه، ثم رفع عيناه إلى إسحاق:
- لازم يدخل عمليات فوراً.
بمنزل إلياس.
استيقظ من نومه، وجد مكانها فارغًا، نهض متجهًا إلى الحمام يبحث عنها ولكنها غير موجودة، فتح الكاميرات يبحث عن مكانها.
توقف لبعض اللحظات حتى شعر بانسحاب الدماء من عروقه، مع ارتفاع رنين هاتفه، رفعه ومازالت نظراته على الشاشة.
- إلياس.
آسف بس لازم تيجي حالًا، مدام ميرال.
بتر حديثه:
- جاي وممنوع حد يقرب منها.
قالها وأغلق هاتفه.
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سيلا وليد
رحمَ الله والدي..
اللهمَّ اغفر لموتانا وموتى المسلمين وارحمهم بواسعِ رحمتك، اللهمَّ آنس وحشتهم ونوِّر قبورهم واغفر ذنوبهم وارحمهم؛ اللهمَّ اجمعني بأبي في الفردوسِ الأعلى من الجنان، اللهمَّ افسح له في قبرهِ مدَّ بصره وافرش قبره من فراشِ الجنة؛ اللهمَّ أعذ أبي من عذابِ القبر وجفافِ الأرضِ من جنبيه...اللهم آمين.
بعد عدَّةِ ساعاتٍ هبطت الطائرةُ بمطارِ القاهرة، تنقلُ جثمان مالك العمري، ماذا بك ياإنسان خرجت من هنا إنسان ورجعتَ بجثمان، اللهمَّ ارزقنا حسنَ الخاتمة ياأرحمَ الراحمين..
وصلَ الجثمانُ إلى مثواهِ الأخير حيثُ كان الجميعُ ينتظرونَ توديعه، وهاهنا انتهت حياتك ياإنسان مهما كنت تحملُ من عزِّ وجاه..
توقَّفت بجسدٍ واهنٍ وروحٍ غائبةٍ وهي ترى والدها يُدفنُ تحت التراب، انهارت قواها وسقطت فاقدةً للوعي وهي تردِّدُ اسمَ والدها..
بعد فترةٍ بفيلا العمري كانت تغطُّ بنومٍ عميقٍ بسببِ المهدِّئات؛ ولم يختلف الأمرُ عن والدتها التي فقدت الحركة وحُجزت بالمشفى..
أيامًا عصيبةً حزينةً قضتها بين دموعِ الأسى والفقدان، لم يتركْها يزن، بل كان مثل ظلَّها..
بالأسفل:
بفيلا العمري كانت تجلسُ تأمرُ بالخدم وتتلقَّى العزاءَ وكأنَّها صاحبةُ المكان..
استمعت إلى رنينِ هاتفها لترفعه:-أيوة ياراجح..
ولكنَّها هبَّت من مكانها بعدما استمعت إلى صوتِ الممرِّضة:-حضرتك أنا ممرضة في مستشفى.. الأستاذ محجوز عندنا في قسم العظام.
أغلقت الهاتف تسبُّه، ثمَّ أمسكت هاتفها:
-عطوة إيه اللي حصل؟..
-زي ماتوقَّعتي بعد سفرك المانيا راح لميرال وحاول يقتلها لكن إلياس ضربه..
-تمام ياراجح، عايز تقتل البنت زي ماأمروك..
تحرَّكت إلى المشفى، دلفت للداخلِ تبحثُ عنه، وجدتهُ بأحدِ الأسرَّةِ الموجودةِ بإحدى المشافي الحكومية..
تلفَّتت حولها تنظرُ للمكانِ بإشمئزاز، ثمَّ تقدَّمت منه:-إيه اللي حصل وعمل فيك كدا؟..
-بطَّلي كلام وكلِّمي حد من معارفنا ينقلني من المستشفى الزبالة دي، الحيوان ابنِ فريدة رماني هنا، وعملِّي قضية شروع في قتل، اتصرَّفي.. آااه قالها وهو يضعُ كفَّيهِ على ظهره متألمًا ثمَّ تابع:
-ضهري ورجلي ومحدش معبَّرني لولا الممرِّضة وعدتها بمبلغ علشان كدا اتَّصلت بيكي، المهم دفنتوا مالك، وعملتي إيه مع بنته وأختك؟..
رفعت هاتفها تشيرُ بيدها إليهِ بالصَّمت، دقائقَ وأجابها أحدهم لتخبرهُ بما تريد.
بمنزلِ إلياس قبل ساعات:
كانت تقبعُ بأحضانه، محاوطًا لها بذراعه، ينظرونَ إلى صفاءِ السماء بنجومها، تراجعت بظهرها تلتصقُ بصدرهِ تشيرُ إلى أحدِ النجومِ التي أنارت واختفت فجأةً، قائلةً بابتسامة:-ادعي دعوة بسرعة..
قالتها وهي تلتفتُ بنصفِ جسدها عليه..
رفعَ حاجبهِ ولوى شفتيهِ ساخرًا، ثمَّ تراجعَ بجسدهِ قائلًا بتهكُّم:-بس يابتِّ ياهبلة، دي خرافات..
تغضَّنَ وجهها بعبوسٍ طفوليٍّ تنظرُ للأمامِ بصمت، دنا منها يضعُ رأسهِ على كتفها:
-ربِّنا يحفظك ليَّا، وضع كفَّيهِ على أحشائها وتابعَ حديثه:-ويرزقنا الذرية الصالحة.. كدا كويس ياعصفورتي؟..
استدارت إليهِ بكاملِ جسدها:
-إلياس كان نفسي أقولَّك أنا أسعد مخلوق على الكون الليلة دي، بس جوايا نار ومش عارفة أطفيها، قولِّي وريَّح بالي أنا مين؟..
أخذَ نفسًا عميقًا وزفرهُ على مهل:-هتفرق ياميرال، مش اتكلِّمت وقولت إنِّك بنتِ قلبي مش مكفِّيكي قلبي؟..
رفعت عينايها الحزينة إليهِ بتيه، وحالةٍ غريبةٍ متناقضة، لا تعلم إذا كانت تشعرُ بالسعادةِ أمِ الشقاء، لا تعلم أنَّهُ يحبُّها أم أنَّهُ يشفق عليها، حقًّا تغرقُ بخضَّمِ مشاعرٍ أرهقتها مما جعلها تفقدُ الشعورَ بنبضِ قلبها الذي يخفقُ لأجله، ماذا عليها أن تفعل..أن تراودهُ وتسحقُ أحاسيسها، أم تغرقُ معه بلجَّةِ عشقهِ الضاري مثلما يقنعها، لقد أثقلَ كاهلها بالتفكيرِ فتراجعت ببصرها عن مرمى عينيه، شعرَ بها ليحتضنَ وجهها بين راحتيه:-أنا مش عايز غير إنِّك تكوني بنتِ قلبي، حتى لو كنت بنتِ أعظم راجل في الدنيا، حبِّي ليكي يستاهل إنِّي أكون كلِّ حاجة، انسي كلِّ اللي مرِّينا بيه، أنا كمان معاكي أهو، يعني لا أب ولا أم، حياة اتبنت على الضياع، تخيَّلي أنا مش قادر أتكلِّم وأقول في شغلي مش أنا الشخص دا، انا طلعت واحد تاني، حياة وشخصية بنتها من سنين وفجأة تطلع سراب، لا الاسم اسمي ولا الحياة حياتي..
وضعت أناملها على كفَّيهِ تسبحُ بعينيه:-أنا مكنتش طالبة غير حبَّك ياإلياس، من وقت مااتأكدت إنِّي حبِّيتك مطلبتش غير حبَّك وأكون مراتك، رغم الوجع اللي كنت بتسبِّبه لي، بس مكنتش قادرة أكرهك، كلِّ كلامي معاك كان مجرد عقاب لقلبي اللي بيحبَّك ومش شايف غيرك، بس هعمل إيه، إنتَ كنت بعيد عنِّي أوي، وكلِّ لقاءاتنا تجريح وبس، ويوم ماعمُّو مصطفى قرَّر يجوِّزنا صدَّقني أنا كنت رافضة فعلًا الجواز دا، مش علشان إنتَ وحش، ياريت إنَّما كنت رفضاه علشان خايفة أكرهك، من معاملتك معايا اتأكدت جوازك منِّي انتقام، وللأسف حاولت تدفني وأنا حيَّة بدل المرَّة اتنين، أه اعترفت بحبَّك، بس اعتراف بارد، كنت بسمعه بوداني مش بقلبي، النهاردة أوَّل مرَّة أسمع نبض قلبك بجد، يمكن أكون سمعته قبل كدا بس كنت بكذِّبه، بس المرة دي غير، وخايفة ليكون شفقة..
وضعَ أناملهِ على شفتيها يطالعها بصمتٍ مريب، نعم لم يستطع الردَّ عليها، فلقد أخرجت كلَّ ما يؤلمُ روحها، ورغمَ ذلك شعرَ بقبضةٍ تعتصرُ فؤاده، هل تعتقد أنَّهُ مرواغًا بمشاعره..
رفعَ ذقنها وغرزَ عينيهِ بمقلتيها ونطقَ مخبرًا إيَّاها:-اسمعيني كويس يابنتِ فريدة، مش أنا الشخص الِّلي يتلاعب بالمشاعر، مش مشكلتي أفكارك الغبية، أنا أوَّل ليلة في جوازنا اعترفت لك أنا عايز أكوِّن حياة معاكي ولو كنت كارهك زي ما بتقولي، كنت مستحيل أوافق على الجواز، مش أنا اللي أنتقم من ستٍّ في بنتها، منكرشِ أفكاري كانت مأساوية، بس عمري ما فكَّرت أخدك بذنبِ حاجة إنتِ مالكيش حقِّ فيها، اتجوِّزتك وقولت هطلَّقك بعد فترة منكرشِ دا، بس دا من خوفي من عدم قبولك لحياتنا، وكنت مفكَّر إن مدام فريدة هتحاول تبعدك عنِّي، أيوة كنت غبي وببني مبرِّرات منكرش، بس أنا كنت بحبِّك وقولتها لك قبلِ كدا، لو مش بحبِّك مكنتش اتجوِّزتك، افهمي بقى، مش كلِّ شوية هغنِّيها، أنا مبحبش الكلام الكتير، والفرصة لمَّا جت قولتها، الحبّ مش كلمات نفرح بيها ياميرال..
دفنت رأسها بعنقهِ وآاااهٍ عميقة أخرجتها من جوفِ حسرتها قائلة:-أنا تعبانة أوي ياإلياس، حاسَّة إني ضايعة وبغرق..
أخرجها ينظرُ لعمقِ عينيها:
-إنتي اللي مسلِّمة نفسك للموج، مفيش حدِّ بيوقف ضدِّ التيار وعايز يعدِّي، ارمي حمولك على ربِّنا وقولي يارب، وإن شاءالله هنخرج من الكبوة، عارف إنِّك شايلة فوق طاقتك، بس كمان متأكد إنك قدَّها، دنا يلمسُ ثغرها وهمسَ بنبرةٍ مثيرة:-إنتِ حبيبة إلياس ومراته، وإلياس مش هيتجوِّز واحدة ضعيفة ياميرال..
-إلياس لو سمحت..نطقتها بصورةٍ قاتلةٍ تخترقُ كلَّ الحواجز، ليجذبها يضمُّها إلى قلبه:
-مش عايز أسمح بحاجة غير إنِّك تفوقي وتتأكِّدي إنِّك أقوى من أيِّ حاجة..
انبثقت دموعها لتحكي مقدارَ ألمِ ماتشعرُ به، حتى أخرجت شهقةَ بكاء، أخرجها يحتوي وجهها:
-الدموع دي دموع الفرح صح؟.. مش عايز غير إنِّك فرحانة علشان تتأكدي إنِّي بعشق ميرال، زي ماأنا متأكد إنِّك بتعشقيني.. صح حبيبي؟..
هزَّت رأسها مع ابتسامةٍ من بين دموعها، ليفلتَ ضحكةً غامزًا:
-طيب إيه الليلة هتعدِّي كدا، مفيش حتى كلبش يتحطّ في الكعبِ الحلو دا.. قالها وهو يرفعُ قدمها:
لكمتهُ بقوَّةٍ ليرتفعَ صوت ضحكاتهِ وهو يضمُّها:-ماليش فيه، عايز أعيش لحظات الراجل الشرقي، وخاصةً المصري الأصيل، هتقومي تتطلعي على التربيزة علشان أقيِّم المواهب والمناطق..
لكمتهُ تضحكُ بصوتٍ مرتفعٍ عكس ماكانت تشعرُ به، ليضمُّها بشوق:
-بحبِّك واللهِ ياميرو، وحبُّي بيكبر لدرجة خايف عليكي منِّي..
تمسَّحت بصدرهِ هامسة:-إئذيني بالحبِّ دا مالكشِ دعوة، المهم إنَّك تحبِّني وتخاف على ميرال علشان حبيبتك مش علشان بنتِ الستِّ اللي ربِّتها..
-بتغلطي حبيبي..
لمست وجنتيهِ وتعلَّقت العيون:-بحبِّ كلمة حبيبي أوي منَّك، بحسَّها نقية من قلبك..
داعبَ أنفها بأنفهِ يهمسُ بنبرةٍ جعلت خفقانهِ كطبولِ حرب:-لازم تحبِّي أيِّ حاجة أقولها أصلًا..
مرَّرت أناملها على وجههِ وطبعت قبلةً بجوارِ خاصَّته، ونظرت لعينيهِ القريبة:-عايزاك على طول كدا ياإلياس..
ابتعدَ عنها ثمَّ نهضَ من مكانهِ، واتَّجهَ إلى خزانتهِ الخاصة، فتحها ليجذبَ دفترًا يزيِّنهُ قلمًا لامعًا، ثمَّ تحرَّكَ إليها..
راقبت أفعالهِ بصمت، جلسَ وأشارَ إليها بالاقتراب، تراجعت لتصبحَ بأحضانه، قامَ بفكِّ الرباطِ الذي يزيِّنُ الدفترَ ثمَّ أخرجَ القلم، رفعت عينيها التي تزيَّنت بطبقةٍ كرستاليةٍ إلى عينيه، وارتجفت شفتيها
"معقول!!"
انحنى يخطفُ قبلةً سريعةً ثمَّ حاوطها بذراعيهِ لتصبحَ باحضانهِ بالكامل، وبدأ يقلِّبُ بصفحاتِ الدفتر...
"أنا العاشقُ الذي تُصبح كلَّ الكلماتِ مجرَّدِ عبء، والصمتُ صلاة."
ثمَّ قلَّبَ بصفحةٍ أخرى..وأنا إن أحببت، أحبُّ كأنِّي سأموتُ..فاكرة الخاطرة دي ..
بدأ يقرأها وهي تحتضنه بعيناها، تريد الكثير والكثير، وضعت كفيها على كفيه وقرأت بعد السطور
قل لي بربَّك:
أين يُباعُ الكره؟..لأكرهكَ بحجمِ حبِّي لك..
قل لي بربَّك..
أين يُباعُ النسيان؟..
لأستطيعَ نسيانك..
بقدرِ إشتياقي..
قل بربَّك كيف أكونُ أنا بلا أنت.
رفعت ذراعيها تعانقه، ولم تجد كلماتٍ تعبِّرُ عن مدى عشقها، فلقد تخطَّى ذلك الرجلُ عشقَ الكون، رفعَ رأسها وتقابلت الأعينُ بنبضِ القلوب، قرَّبها من صدره، وآااهٍ بنبضِ مايشعرُ به..فعشقها عشقًا جارفًا، تخلَّلَ الشريان ليكتملَ بها ولها، تعثَّرت الكلماتُ بينهما ولكن هناك نبضٌ جنوني، وكأنَّهما لم يقتربا منذُ سنوات، وليس من دقائق، مرَّرت أناملها على نبضِ قلبهِ تهمسُ بنبرةٍ أثارت جنونُ العشق:
"عندي أموت ولا أبعد عن حضنك، لو عايز تموِّتني بالحيا ابعدني عن حضنك ياإلياس.. دي هديتي صح ..
همسَ بأذنها بعض الكلماتِ التي ترجمتها بالوقاحة، فتحت فاهها للردِّ عليه، ولكنَّهُ سبقها عندما جذبها فوق ركبتيهِ ليحرِّكَ يدهِ فوق جسدها بعبث..
تجمَّدَ جسدها وفقدت الحركة من حصارهِ بكاملِ أسلحته، هزَّةٌ عنيفةٌ أصابتها وهو يتابعُ فنونَ عشقه، أغمضت عينيها ورفعت رايةَ الانهزامِ في جبروتِ العشق، داعبها بأنفاسهِ الحارَّةِ وأستأنف:
بُعدي عنِّك موت ياميرال..
أومأت رأسها بالإيجاب:
"أوي أوي، أكيد عندك نفس الإحساس..
ابتلعَ باقي كلماتها، لينهلَ من عسلها المذابَ فوق كرزيتها، غرقَ ببحورِ عشقها وذابَ الثلجُ وهو يلعنُ داخلهِ من حرمانِ قلبهِ من جنَّةِ نعيمها، ظلَّ يقطفُ من جنَّتها إلى أن أُنهكَ جسديهما ليغفو بسلام، وكأنَّهُ لم ينم لسنواتٍ طوال..
بعد عدَّةِ ساعات، شعرت بألمٍ لتنهضَ من فوق الفراشِ تسحبُ قميصهِ وترتديهِ متحرِّكةً إلى الحمَّام، لتُخرجَ مافي جوفها، شعرت بالألمِ يزداد، دلفت إلى حوضِ الاستحمامِ لتنعمَ بحمَّامٍ يزيلُ إرهاقها، ثمَّ خرجت بهدوءٍ حتى لا توقظَ زوجها، سحبت هاتفها ودلفت لداخلِ غرفةِ الملابس، وقعت عيناها على بعضِ الأوراقِ التى يدوَّنُ عليها اسمها، تناولتها تقرأُ مابداخلها:
"انهيار عصبي"
أغمضت عينيها وجلست حينما شعرت بالآلامِ تزداد، بحثت عن رقمِ طبيبتها:
-أيوة يادكتورة، معاكي ميرال السيوفي، قصَّت لها ماتشعرُ به، فأجابتها:- لو فاضية عدِّي عليَّا نطَّمن،
نظرت بساعةِ يدها تتنهَّد، فالوقتُ مازال مبكَّرًا، ومازال زوجها نائمًا، نهضت وقامت بتبديلِ ثيابها، استمعت إلى صوتِ هاتفها، انحنت ترى من المتَّصل، قطبت جبينها ثمَّ رفعت هاتفها:
-أيوة مين؟..
-حضرتك فيه واحد عايز يكلِّمك،
صمتت منتظرةً من يريدُ التحدُّثَ معها..
-ازيك يابنتِ رانيا، أوعي تفكَّري إنتي والحيوان جوزك هتعدُّوا من اللي عملتوه، شكلكم متعرفوش مين هوَّ راجح، اسألي فريدة عنِّي وهي تقولِّك، وحياة إهانتي اللي جوزك هنِّي بيها لكون دافنه قبلِ ما يشوف ابنه، وعد من راجح الشافعي لأدفنك يابنِ جمال، سمعتيني يابت، جهِّزي الأسود علشان هلبسهولك العمرِ كلُّه، وحياة أمِّك الخاينة لأدفنه قدَّام عيونك..
قالها وارتفعت ضحكاتهِ المشمئزة، لتغلقَ الهاتفَ وتهوى على المقعدِ تضمُّ أحشاءها، تسلَّلت الآلامُ لجسدها بالكاملِ حتى شعرت بانسحابِ أنفاسها، هرولت للخارجِ توقَّفت أمام فراشه، كان مستغرقًا بنومه، نزلت بركبتيها أمام نومهِ وملَّست على وجهه مع دموعها التي زحفت بكثرةٍ على وجنتيها، اقتربت تدفنُ نفسها بعنقهِ تستنشقُ رائحته، شعرت بالانهيارِ من مجرَّدِ عدمِ وجوده بحياتها، قبلةً ناعمةً على وجنتيهِ ثمَّ نهضت بعدما قرَّرت العزمَ على التخلُّصِ من جميعِ آلامها، اتَّجهت إلى خزانتهِ وسحبت سلاحهِ وركضت للخارج، توقَّفت بالحديقةِ لبعضِ الدقائق..ثمَّ خطت إلى سيارتهِ وصعدتها لتخرجَ من البوابة دون إعاقةٍ من الأمن.
وصلت بعد دقائقَ معدودةً للمشفى الموجودِ بها راجح، بعدَ الاتصالِ بالرقمِ الذي هاتفها، لتعلمَ مكانه، صعدت إلى الغرفةِ التي علمت رقمها من الممرِّضة، دفعت البابَ ودلفت، وجدت رانيا تقفُ أمام النافذةِ وكأنَّها تتحدَّثُ مع أحدهما، وصلت إلى فراشه:
-عايز منِّي إيه؟.. مش إنتَ بتقول أنا مش بنتك، وأنا مش عايزة أكون بنتك سمعتني، أنا بكرهك ومش عايزة أكون بنتك..
قالتها بصراخ، لتقتربَ رانيا تطالعها بذهول:
-مروة حبيبتي، كنت عارفة إنِّك هتيجي، متزعليش من بابا يابنتي هو..
-اخرسي.. قالتها بصوتٍ مرتفع، كزَّت على أسنانها وهتفت بنبرةٍ حادَّةٍ مشمئزة:
-أنا عندي أكون بنتِ شوارع ولا أكون بنتك، ولا بنتِ الراجل دا، أنا مش عايزة أكون بنتكم، والراجل دا قالها أنا بنتِ حرام، ابعدوا عنِّي بقى..
أفلت ضحكةً صاخبة، ثمَّ رمقها بنظرةٍ ناريةٍ وهتفَ بفحيح:-مش قبل ماأدفن الحيوان جوزك، ووعد منِّي يابنتِ رانيا لأدفنه قدَّامك..
أخرجت السلاح ووجَّهتهُ عليه، وهتفت بنبرةٍ مميتة:-ووعد منِّي لأصفِّي دمَّك القذر دا، قالتها وضغطت فوق الزنادِ بكلِّ برودٍ وأطلقت رصاصةً لتستقرَّ بكتفهِ مع ابتسامةٍ باردةٍ وهي تقتربُ منه:
-أيوة عايزاك تصرخ أوي، متفكرشِ مش عارفة أنشِّن على القلب، لا مش عيب ياراجل، دا أنا مرات إلياس السيوفي ، بس مش عايزاك تموت بسرعة، شايف جسمك دا، هوزَّع رصاصات المسدس كلَّها فيك، وأنا كلِّي انبساط، ومفيش ولا دمعة هتنزل عليك ولا عليها..
قالتها وهي تلقي رانيا بنظرةٍ ساخرة..
خطت رانيا تشيرُ إليها:
-عايزة تموِّتي أبوكي يامروة؟!..
قالتها باندفاعِ الأمنِ للغرفةِ ومحاوطةِ ميرال التي مازالت ترفعُ سلاحها بوجهِ راجح..
لوت شفتيها بألمٍ وهتفت ساخرة:-مدام رانيا بتقولِّي عايزة تموِّتي أبوكي، دا أنا كرهت الكلمة بسببكم، عمرك سمعتي عن حدِّ يتمنَّى أنُّه يكون ابنِ حرام، أنتوا وصَّلتوني لكدا، اقتربَ أحدُ أفرادِ أمنِ المشفى مع بعضِ الأطباء:
-لو سمحتي دي مستشفى مينفعشِ اللي بتعمليه،
أشارت له غاضبة:-اللي هيقرَّب هموِّته،
وصلت مرَّةً أخرى إلى راجح الذي أمسكَ كتفهِ يتألَّمُ ثمَّ وضعت فوهةَ السلاحِ موضعَ الألم:
-اتوجع كمان، شايف الوجع دا، دا مش حاجة من اللي أنا بحسِّه كلِّ ماأفتكر إنِّ شخص قذر زيك أبويا، أنا بحمل الدَّم الفاسد بتاعك وبتاع الستِّ دي..
ضغطت مرَّةً أخرى لتنطلقَ رصاصةً بنفسِ الموضع؛ وهي تطالعهُ بنظرةٍ خلت من الحياةِ مع اقتحامِ إلياس الغرفة:
-ميرال..
صاحَ بها بصوتٍ غاضب، لتستديرَ إليهِ مفزوعةً من صوتهِ المرعب، اقتربَ ينظرُ لسلاحهِ الذي بين يديها، ثمَّ أشارَ للجميعِ بالخروج:
-كلُّه برَّة،
توقَّفَ أفرادُ أمنِ المشفى ، ليستديرَ إليهم:-بررررة..
قالها بعيونٍ كادت أن تخرجَ من محجريها حتى نفرت عروقه، ثمَّ اقتربَ يجذبُ منها السلاحَ بعدما ارتجفَ جسدها من حالته.
وزَّعَ نظراتهِ بين رانيا وراجح، ثمَّ أشارَ بسبَّابته:-لو بلاغ خرج ضدِّ مراتي، هرجع أولَّع في الأوضة وأنتوا فيها..
قالها وسحبَ ميرال التي فقدت الشعورَ بما يدورُ حولها، لتهوى ساقطةً على الأرضية، هرولَ لينحني وقامَ بحملها متَّجهًا بها إلى سيارته، وضعها بهدوء..
رغمَ رسمِ الهدوءِ على وجههِ إلَّا أنَّ داخلهِ نيرانًا تحرقُ الأخضرَ واليابس..
فتحت عينيها تأنُّ وهي تحاوطُ بطنها، رمقها بنظرةٍ غاضبة، ذاهبًا إلى طبيبتها..
اتَّجهَ إليها يساعدها على النزول، بكت بعدما شعرت بأنَّ جنينها أصبح بخطر، انحنى وحملها متَّجهًا إلى الأعلى.
-الدكتورة مش موجودة، بس فيه دكتورة تانية، لو مستعجلين
أشارَ إليها إلياس بعدما فقد صبره، وهو يرى ملامحها المتألمة-تمام خليها تيجي تشوفها، لحدِّ ما الدكتورة ترجع
بعد فترةٍ انكمشت ملامحُ الطبيبةِ بانزعاج:- الجنين للأسف حالته مش تمام..
شعرت بنغزةٍ بصدرها، وعينيها على إلياس الذي لايظهرُ على وجههِ سوى الجمود، فحصتها، تهزُّ رأسها بأسف:-للأسف ممكن نفقد الجنين،
هنا شعرَ بدورانِ الأرضِ من تحتِ قدميه، ابتعدَ عنها حتى لا يفقدَ أعصابه عليها.
توقَّفت الطبيبةُ مشيرةً بيدها إلى إلياس:
-لو توافق حضرتك فيه استشاري كويس، يشوفها برضو، أنا بحاول منفقدشِ الأمل..
زوى مابين حاجبيهِ متسائلًا:-استشاري!!.. مين دا؟..
-دكتور يونس البنداري، ممتاز جدًا، ودا يُعتبر من أشهر أطباءِ النسا والتوليد، هوَّ موجود النهاردة بالمستشفى، ودا من حظُّكم..
أجابها بتلقائيةٍ مغموسةٍ بالأمل:-مش قدَّامنا حل تاني للأسف..
بعد فترةٍ كان يجلسُ أمام جهازِ الكشفِ الذي يُعرفُ بالسونار، وبدأ يفحصها بدقَّة، خلعَ نظَّارتهِ الطبية، واتَّجهَ بنظرهِ الى إلياس:
-هوَّ الجنين في الحوض للأسف، مع وجود انقباض في الرحم، على العموم هنحاول نوقف النزيف، الجنين لسة نبضه شغال، هتتحجز النهاردة مع المتابعة المستمرِّة،
أشارَ إلى الطبيبةِ ببعضِ الأدويةِ مع بعض النصائح التي يجب مراعاتها، ثمَّ نهضَ قائلًا:
-هنجرَّب العلاج لحدِّ بكرة، طول مالجنين نبضه شغَّال يبقى فيه أمل، الراحة وعدم التوتر، مع العلاج إن شاءالله نحافظ عليه، أهم حاجة تتابعي معها بالعلاج دا، أربعة وعشرين ساعة تحت المراقبة، وكل اربع ساعات نبدل بين الأدوية.
اتجه إلى ميرال
-الراحة النفسية نص العلاج يامدام، إن شاءالله يكون الوضع افضل..
قالها يونس وتحرَّكَ بعد شكرِ إلياس..
خرج من المشفى متجهًا إلى سيارته
-فينك حبيبي خلصتي شغل اعدي عليكي، ولا هترجعي مع ليلى
خرجت سيلين من المصعد وردت مجيبة-لا يادوك عندي اجتماع، هرجع مع ليلى..
توقفت متسائلة
-راكان رجع من المانيا ولا لسة
-لسة.. قالها وهو يصعد سيارته ويرتدي نظارته، قائلًا
-سيلين لازم ترجعي بدري، مينفعش كل ترجعوا نص الليل، الأمر مبقاش مقبول، بنتك في سن خطر يامدام البنداري..
قالها وأغلق الهاتف متأففًا، ثم تحرك بالسيارة متجها إلى قصر البنداري
بالاعلى عند ميرال:
نُقلت ميرال إلى غرفةٍ للمتابعة، غفت بعد تناولها الأدويةِ التي خصَّصها يونس، ظلَّ جالسًا بجوارها لبعضِ الوقت، ينظرُ إليها بنظراتٍ صامتة، لا يظهرُ على وجههِ أيَّ شيئٍ سوى الجمود.
استمعَ إلى طرقاتٍ على بابِ الغرفة، نهضَ بدخولِ فريدة تركضُ إليها بلهفة:-إيه اللي حصل، وإزاي متعرفنيش، يعني لولا اتحجزت مكنتش أعرف؟..
زفرةٌ قويةٌ أخرجها والنارُ تلتهمُ المتبقِّي من ثباته، لا يفعلُ شيئًا سوى أنَّهُ يضغطُ على نفسهِ حتى لا يثورَ أمام الجميع، استمعَ إلى رنينِ هاتفه:-أيوة..
-فيه بلاغ متقدِّم ضدِّ مدام ميرال، شروع في قتل ياإلياس وشهود كمان، وإنَّك المحرِّض، ومدام رانيا، بتقول بتعمل كدا علشان عرفت إنَّها بنتها وإنتَ منعتها من أمَّها وطلبت منها تقتل راجح علشان هوَّ العقبة، كلام كتير وصلني، شكل رانيا دي وراها راس تقيلة، لا وإيه طلبت فحصِ المسدس، أنُّه بتاعك وبعتَّها وخيَّرتها عايزة أمِّك تقتلي راجح..
-تمام .. قالها وأغلقَ الهاتف، رفرفت بأهدابها، تهمسُ اسمهِ ولكنَّهُ ظلَّ بمكانهِ وكأنَّها لا تعنيه، رغم نيرانٍ بداخلهِ، تجلى الغضب ببحر عيناه حتى كاد أن يملأ الدنيا بصرخات ممزوجة بالغضب الجحيمي
انسابت دموعها بعدما وجدت فريدة تحتضنُ كفَّيها، اقتربت تطبعُ قبلةً فوق جبينها:
-بطَّلي عياط ياقلبي،
رفعت عينيها إليهِ ولكنَّهُ استدارَ مبتعدًا إلى النافذة، دلفَ مصطفى:
-فيه إيه يابني مش قولت بقيتوا كويسين، وروحتوا إمبارح، إيه اللي حصل تاني؟..
اقتربَ من والدهِ يشيرُ عليها بقهر:-المدام خلِّتني نايم وراحت تقتل راجح في المستشفى، ومش بس كدا ضربته بالمسدس بتاعي، والحيوان رفع قضية شروع في القتل، وبيتهمِّني باستخدام المدام للانتقام.. يعني عايزة تقدِّمني للحيوان على طبق من دهب، وهوَّ استغلَّها، قولِّي أجيب عقل منين، بقى أنا اللي بحاول أخطَّط لدفنه، والغبية متهورة، وياريت جت على كدا بس، لا الجنين بقى في خطر.
شهقة اخرجتها فريدة تطالعها بعتاب
كوَّرَ قبضتهِ وهو يهتفُ بغلٍّ وشيطانهِ يتراقصُ بحدقتيه:-صدَّقيني الولد دا لو حصل له حاجة هيكون آخر مابيني وبينك، ادعي من ربِّنا أنُّه يفضل، ياأمَّا هرميكي للأبد من حياتي
صفعها بقسوةِ كلماته، حتى شعرت بألمٍ جسديٍّ يفتكَ بها، كأنَّهُ أقوى الآلامِ التي تعرَّضت إليها، لتغمضَ عينيها تتمتم:-ياربِّ ينزل ياإلياس، ياربِّ ينزل علشان ترميني من حياتك ومايبقاش فيه اللي يجبرك إنَّك ترتبط بواحدة زيي، عارفة إنَّك عايز تخلص..
توسَّعت حدقته، وكمٍّ من الآهاتِ أحرقت نبضه، ولكن كتمها بقهرٍ وهو يقتربُ منها، وكادَ ذاك الانفجارِ أن يصدحَ ليحرقَ الكونَ ومابه، ماذا تقولُ تلك المعتوهة، تقابلت الأعينُ في عتابٍ يحرقُ كلًّا منهما، وانسابت دموعها تحرقُ وجنتيها، مع ارتجافِ شفتيها، لتسحبَ بصرها بعيدًا عنه، ثمَّ تمدَّدت على الفراشِ تهمسُ بخفوت:
-ماما غطِّيني حاسة إنِّي بردانة، بردانة أوي ياماما، دفيني لو سمحتي..
هزَّةٌ عنيفةٌ كسقوطِ نيركٍ على سطحِ الأرض، ليشعرَ بانسحابِ أنفاسهِ بالكاملِ وخمولِ جسده:
-دا اللي فهمتيه؟.. هكذا أردفَ بها..
استدارت تواليهِ ظهرها ولم ترد، انحنى بجسدهِ ولم يرحم ضعفها:-لمَّا أكلِّمك ماتدنيش ضهرك، حتى لو بتموتي سمعتي..
-اتجنِّنت ياإلياس مش شايف حالتها؟..
قالتها فريدة
-إااايه صرخَ بها بعدما فقدَ صبره، نهضَ مصطفى من مكانهِ محاولًا السيطرةِ على نيرانهِ الغاضبة:-طيب ممكن تهدى ياحبيبي وتسبها دلوقتي البنتِ تعبانة، وإنتَ بتقول ممكن تفقد الجنين..
مسحَ على وجههِ بعنف، محاولًا ألَّا ينساقَ خلفَ شيطانه، ربتت فريدة على ظهرها بعد ارتفاع بكاؤها:
-حبيبتي اهدي متنسيش إنِّك حامل، ووضعك صعب..
ولكن ازدادَ بكاؤها حتى ارتجفَ جسدها..مما جعلهُ يفقدُ السيطرةَ على أعصابه، وهربَ للخارج، دقائقَ ووصلَ إلى المشفى ومنها إلى غرفةِ رانيا وراجح، دفعَ البابَ ووصلَ إليها بخطوةٍ واحدةٍ يطبقُ على عنقها:-عارفة ياجاثويل لو فكَّرتي تقرَّبي من مراتي هعمل فيكي إيه؟..هفصل أعضاء جسمك، أقسم بربِّ العزة اللي إنتِ متعرفهوش أعملها ومن غير بنج كمان، ودور النحنحة دا مش معايا، البلاغ لو متسحبشِ قبلِ عشر دقايق محدش يقولِّي بتعمل كدا ليه، وصلَ الطبيبُ محاولًا إبعادهِ عنها بعد صراخِ راجح وضغطهِ على الزر..
دفعها بقوَّةٍ حتى سقطت على الأرضيةِ يبصقُ عليها وصاحَ بنبرةٍ مشمئزة:-حثالة وحيَّة، بس متعرفيش إنتِ وقعتي مع مين..
اقتربَ من راجح الذي يشيرُ للطبيبِ بإبعاده:-وإنتَ ياسكار العصابة المرَّة الجاية هجرَّك بحبل وأربطك برجلِ حمار أعمى، اوعى تفكر انا ساكت عليك ضعف مني، لا انا مش فاضي لك، بس كدا انت بتكتب النهاية.. حيوانات..
قالها وغادرَ المكانَ مثلما دخل.
بشقةِ رؤى قامت بتشغيلِ أغانٍ شعبيةٍ وبدأت تتراقصُ مع الموسيقى، بجلوسِ إيلين التي تتآكلُ غضبًا وتريدُ أن تفتكَ بها، قاطعهما صوتُ الباب، نهضت إيلين لفتحِ الباب، بينما ظلَّت رؤى تتراقصُ بتلك الثيابِ التي يقالُ عليها ماهي سوى ثيابٍ للرقص..
-آدم !!
-ايه يادكتورة هتفضلي في بيوتِ الناس كتير؟.. خالك رجع، وخالو مالك اتوفى، مش الأولى تكوني مع بنتِ خالتك بدل الغريب؟..
-عمُّو مالك مات، ياحبيبتي يارحيل، الله يكون في عونها، باباها كان كلِّ دنيتها..
أشارَ إليها:
-ادخلي حضَّري نفسك يادكتورة، لازم نروح لراحيل بدل ماتكون لوحدها، ومريم نزلت هي وأحمد وكرم.
أومأت بالموافقةِ قائلة:-طيب روح إنتَ وأنا هجهز وآجي.
اقتربَ منها خطوةً حتى أصبحَ بداخلِ المنزل، وقبضَ على ذراعها:-اسمعيني يابت علشان جبتِ أخرك معايا، عشر دقايق وألاقيكي في العربية،
صمتَ على صوتِ الموسيقى، ضيَّقَ عينيهِ متسائلًا:
-أنتوا بترقصوا؟..
قالها بخروجِ رؤى بتلك الهيئة..
-إيلين اتأخرتي ليه؟!
صرخت إيلين متوقِّفةً أمام آدم حتى تجحبَ رؤيتهِ لرؤى:
-ادخلي أنا جاية،
قطبت جبينها واقتربت خطوة:-فيه إيه مالك؟..
استدارت تدفعُ آدم للخارجِ مع إغلاقها للباب:-روح على العربية وأنا جاية..
رفعَ حاجبهِ ساخرًا، ثمَّ أشارَ بسبَّباتهِ للداخل:-كنت عايز أتفرج، إنَّما الغزالة الحلوة دي صاحبتك؟.. طيب ماتناديها نتعرَّف، دنا من أذنها وهمس:-قوليلها ابنِ خالي حليوة وعايز يكمِّل نصِّ دينه قبلِ مايدخل الأربعين، أصله اتجوِّز ومراته مطلَّعة عينه، لحدِّ مازهق، حلوة البنت اوي، وشكلها بتعرف تبسط الراجل اوي..
قالها بمغذى
رمقتهُ بنظرةٍ ناريةٍ تشيرُ إليه:
-استناني في العربية يامحترم، قال دكتور، أخرك يشغَّلوك في شارعِ الهرم..
-موافق، بدل هشوف حلويات كدا موافق..
قالها غامزًا..
تحرَّكت للداخلِ تسبُّهُ بداخلها، ثمَّ دلفت إلى رؤى:
-عايزة أعرف إنتِ اتجننتي؟!.. يعني الباب خبَّط، أكيد حدِّ جاي، مفيش غير اتنين ياجوزي، ياالياس، إزاي تُخرجي بالطريقة دي؟..
تأفَّفت وهي تُنهي ارتداءَ ثيابها، ثمَّ استدارت:
-هتصدَّقيني فكَّرته إلياس، واللهِ ماأعرف أنُّه جوزك.
توسَّعت عيناها بذهول:
-إنتِ مجنونة، حتى لو إلياس إزاي تخرجي بالشكلِ دا،
اقتربت تقبضُ على ذراعها وشيَّعتها بنظرةٍ مشمئزة:-رؤى بلاش تعضِّي الإيد اللي اتمدِّت لك، إلياس كان واضح معاكي، وهو بيحبِّ مراته، ولو بيعاملك كويس، فدا شفقة مش أكتر، فوقي علشان أنا أعرف الشخصية اللي زيه، لمَّا بيقلب بيحرق اللي يقرَّب منُّه، وأنا شوفت نظرةِ الحبِّ لمراته، ممكن مااعترفشِ قدامك، بس صدَّقيني يوم الحفلة كنت شايفة إزاي بيبص لها، بلاش أقولِّك نظرة عاشق، ممكن يختلفوا، بس ميبعدوش ولا يكرهوا بعض..
جلست مع تنهيداتهاا، تشيرُ بيديها:-أنا تعبت من الوحدة ياإيلين،
رفعت عينيها إلى إيلين واستطردت:-إيلين ارجعي لجوزك، صدَّقيني هوَّ بحبِّك، أه غلط، بس زي ماشرح لك، ساعات بنكون مضطرِّين نعمل حاجات ضدِّ رغبتنا.
-لا واللهِ والِّلي ضدِّ رغبتك، تخطَّطي تخطفي راجل من مراته،
تحرَّكت واستأنفت بغيرِ رضا:-اسمعيني يارؤى، هتخسري، ومتأكدة إنِّ إلياس لو عرف هيرميكي دون رجعة، أنا ماشية، عمُّو جوز خالتو اتوفى، ولازم أكون مع بنته..
اقتربت منها متسائلة:-قصدك رحيل؟
!-أيوة..
استدارت متسائلة:
-معاكي صور لطنط فريدة؟..
قطبت جبينها متسائلة:-ليه؟!.
هزَّت كتفيها وأجابت:-بشبَّه عليها، أصلها شبه خالو، وخالو كان عنده بنتِ عم بيدوَّر عليها من زمان، كانت متجوِّزة أخو عمُّو راجح، بس عمُّو راجح قال هربت منعرفشِ راحت فين،
تذكَّرت شيئًا تحدِّثُ نفسها:
-إيه دا إزاي نسيت حاجة زي دي، عيونها عيون ماما بالظبط، معقول تكون هي؟..
هزَّت رأسها بجهلٍ وهي تلملمُ أشياءها، تهمسُ لنفسها:-لازم خالو يعرف، أنا حاسة إنَّها هتكون خالتو،
توقَّفت عمَّا تفعله:
-إلياس بيكون ابنها؟..
اعتدلت تسألُ رؤى:-إنتِ قولتي لي، إنِّ إلياس طلع ابنها المخطوف من سنين..
-مالك يابتّ اتجنِّنتي!.. دا كلُّه علشان آدم شافني ببدلةِ الرقص، ياختي روحي ارقصي له بدل جنانك دا..
-أوووف أنا في إيه وانتِ في إيه.. لاازم أمشي بدل مااتجنِّن منِّك..
تهكَّمت رؤى تنظرُ بأظافرها:-قولي إنِّ الدوك وحشك ياحنيِّنة، بس مكسوفة..
أغلقت البابَ بوجهها:
-برة يابتّ عايزة أغيَّر هدومي..
بالمشفى عند فاروق:
كان الجميعُ ينتظرُ بالخارج، للإنتهاءِ من العمليةِ التي يخضعُ لها فاروق، جلسَ إسحاق بعيدًا عن الجميع يدعو الله بسريرته، اقتربَ منهُ أرسلان:
-عمُّو..
رفعَ عينيهِ المتحجِّرةِ بالدموع:
-نعم ياعمُّو...
جلسَ بجوارهِ يربتُ على كتفه:
-إن شاء الله هيقوم بالسلامة، عندي يقين بربِّنا كبير.
مسحَ على وجههِ يهزُّ رأسه:
-إن شاء الله حبيبي، بنقول يارب، فاروق مش مجرَّد أخ، فاروق أبويا وأخويا وكلِّ حاجة..
-وأنا إيه ياإسحاقو؟.. أنا كدا غيران على فكرة، مش هوَّ أبويا أهو، بس بغير عليك..
جاءت كلماتهِ البسيطةِ حانيةٍ باردةٍ كبرودِ الثلجِ على قلبهِ الذي ينصهرُ من الخوف على اخيه
جذبهُ يضمُّهُ لأحضانه، لتتدفقَ العبراتِ بغزارةٍ من مقلتيه..
-بابا هيخرج بالسلامة ياعمُّو مش كدا، ماهو أنا مقدرشِ أعيش من غيره، أنا طفل أوي ياعمُّو..
نزعهُ من أحضانهِ يزيلُ عبراتهِ ثمَّ أردفَ بنبرةٍ حادة:
-ابنِ الجارحي مش عيِّل يالا، إنتَ راجل، إياك أسمع كلامك دا تاني، حتى لو فقدت أبوك، لازم تكون قوي، متعودتش أشوف دموع أرسلان الجارحي..
تعاظمَ الخوفُ بداخله، ليهزَّ رأسهِ مع انسيابِ دموعه:-لا متقولشِ كدا لو سمحت..
نبرةٌ حزينةٌ مع نظرةٍ توسليةٍ من عينيه:-لا بابا هيفوق، ويجوِّز ملك ويفرح بيها مش كدا؟..
هبَّ من مكانهِ مع خروجِ الطبيب:
-إحنا عملنا اللي علينا، والباقي عند ربِّنا، سلامته إن شاءالله..
قالها الطبيبُ بعمليةٍ وتحرَّكَ للخارج.
هاجت دقَّاتُ قلبِ إسحاق، رغم أنَّهُ يقوِّي أرسلان، ولكنَّ داخلهِ يحترق..
التقمت عيناهُ أعينِ أرسلان الشاردةِ على غرفةِ العمليات، تنحَّى عن آلامهِ واقتربَ منه، يربتُ على ظهره:-طبيعي في العملياتِ اللي زي دي ياحبيبي..
قاطعَ حديثهِ رنينُ هاتفه:-أيوة..
-مدام أحلام مش مبطلة صراخ، وعايزة تيجي للباشا..
-هاتها وخلِّي بالك منها..
بغرفةِ دينا، جلبت الممرِّضة ابنها:
-اتفضلي يامدام رضَّعي البيبي، الباشا مانع اللبن الصناعي.
رفعت يديها إليهِ لتحتضنه:-حبيب ماما..
ضمَّتهُ إلى صدرها تستنشقُ رائحتهِ بوله، رفعت عينيها للممرِّضة:-إسحاق مرجعش؟..
جلست الممرِّضة بجوارها وأجابتها:-لا، همَّا في الدور اللي تحت، فاروق باشا عنده عملية كبيرة النهاردة.
أومأت بتفهُّمٍ قائلة:-هوَّ خرج ولَّا لسة؟..
-معنديش معلومات والله، كلِّ اللي أعرفه، عنده عملية، علشان فيه دكتور من ألمانيا جه مخصوص إمبارح، مع مدير المستشفى..
ظلَّت تطعمُ ابنها، ثمَّ ناولتهُ إلى الممرِّضة، وأشارت إلى روبها:
-هاتيلي الروب، هنزل وأطَّمن بنفسي..
-بس ممنوع الحركة يامدام، متنسيش إنِّك لسة تعبانة.
نهضت تستندُ على الجدار، وأخبرتها:-هنزل بالأسانسير، لازم أطَّمن على فاروق..
قالتها وتحرَّكت بهدوءٍ للطابقِ الأسفل..وصلت بعد معاناةٍ إلى جلوسِ الجميع..نهضَ من مكانهِ بعدما استمعَ إلى حديثِ أرسلان:-مراتك جت..
وصلَ إليها بخطوة، وجذبها بهدوءٍ إلى الغرفةِ المقابلة:-دينا إيه اللي جابك وإنتِ لسة تعبانة؟..
ألقت نفسها بأحضانه:-كنت عايزة أطَّمن عليك، من إمبارح مطلعتش لعندي..
مسَّدَ على خصلاتها بحنانٍ ثم أخرجها من أحضانهِ ينظرُ إليها باعتذار:-آسف معرفتش أسيب فاروق لوحده، وملك قالت هتبات معاكي..
جذبت كفَّيهِ وتحرَّكت به إلى المقعد:-شكلك مرهق أوي ياإسحاق، إزاي سايب نفسك كدا؟..
طبعَ قبلةً مطوَّلةً على جبينها:
-أنا كويس، طول ما أنتوا كويسين، اطلعي ارتاحي، وخلِّي بالك من حمزة..
طوَّقت ذراعيهِ وتراجعت بجسدها للخلف:-سبني شوية هنا، حمزة رضَّعته والممرِّضة أخدته الحضَّانة تاني،
اعتدلت وتساءلت:-قولِّي هوَّ هيفضل كتير بالحضَّانة؟..
-الدكتور بيقول أسبوع بالكتير، بقى أحسن من الأوَّل..
طافت بعينيها على ملامحهِ المرهقة، ثمَّ طبعت قبلةً على وجنته:
-مش قادرة أقولَّك نام شوية، بس هقولَّك خاف على نفسك، أنا وابنك محتاجينك..
-جمعَ خصلاتها على جنب، ثمَّ انحنى يدفنُ رأسهِ بعنقها يهمسُ بقلبٍ متلهِّف:-وأنا كمان محتاجكم جدًا جدًا يادينا، بلاش أقولِّك الدنيا كلَّها وقعت فوق دماغي مرَّة واحدة، حاسس إنِّي بنهار.
لمست أناملها وجنتيهِ وتعاظمَ الوجعُ حتى طُمسَ بريقَ عينيها من حالته:-حبيبي أنا جنبك، حاول تقوى وإن شاءالله كلُّه هيكون تمام.
قبَّلَ كفَّيها ونهضَ من مكانه:
-يالَّه تعالي أوصَّلك علشان ترتاحي، مينفعشِ أبعد عن صفية والولاد.
نهضت من مكانها وخلَّلت أناملها كفَّيه:
-أنا هطلع لوحدي، خلِّيك معاهم، هطلع أنام، متشغلشِ بالك، كلِّمت ماما تروح شقتنا علشان الخدم يجهِّزوها، وإن شاءالله بعد مانطمِّن على فاروق نعمل سبوع لحمزة.
حاوطَ أكتافها وخطا للخارجِ متمتمًا:-إن شاء الله حبيبتي، المهم اطلعي إنتِ.
تحرَّكت متَّجهةً إلى المصعد، لتصعدَ إلى غرفتها، توقَّفت بانتفاضةٍ بجسدها، بعدما وجدت أحلام أمامها، اقتربت أحلام منها بعيونٍ تكادُ تحرقها، ثمَّ أمسكتها من ذراعها بعنف:
-بنتِ بيَّاعة الخضار بمستشفى سبع نجوم، خدم وحشم تحتِ رجليها، شوفتي الحظ، أوعي تفكَّري هسيبك متهنيَّة يابت،
اقتربت تهمسُ لها بفحيح:
-عارفة أنا قتلت أبو إسحاق، ورغم كدا سايبني قدَّامك أهو، مش بس كدا، نزِّلت ابني في الشهرِ الخامس علشان أتجوِّز واحد بعد طلاقي، اسمعي بقى الحلو كلُّه علشان متفكريش إنِّك محمية من إسحاق،
تابعت همسها الذي جعلَ جسدَ دينا يختلُّ توازنه، ودقَّاتها التي نبضت بعنفٍ وهي تهمس:-قتلت حبيبته يوم خطوبته، بعد الخطوبة بساعات علشان بس كنت رفضاها، تفتكري هعمل فيكي إيه؟..
لفِّيتي كلِّ الأماكن وجبتك، وكنتي تحتِ رجلي، ماهو مش كلِّ مرَّة هينقذك ومستحيل يجي على أمُّه، بدليل معرفته بكلِّ اللي عملته، ورغم كدا أنا قدَّامك أهو..
قالتها بملامحٍ قاسية، ونبرةٍ جافة، انتزعت نفسها بعيدًا عنها:
-إنتِ إنسانة بشعة، مستحيل تكوني بني آدمة
نظرت بساعةِ يدها وتابعت حديثها وكأنَّها لم تستمع إلى حديثِ دينا:-الليل لو جه وإنتِ لسة على ذمِّة ابني، خلي أمِّك تجهِّز قبرك، إنتِ وابنك اللي متأكدة منُّه أنُّه مش ابنِ اسحاق، وممكن أطلَّع مليون شهادة تثبت دا، شوفي بقى هيعمل فيكي إيه..
اقتربت خطوةً وغرزت مقلتيها الناريةِ بأعينِ دينا المنتفضة:-مش حفيد الجارحي يكون من جربوعة زيك يابت، دا أدفنه حي..
قالتها واستدارت متحرِّكةً وكأنَّها لم تقل شيئًا..
توقَّفت بعد عدَّةِ خطوات، واستدارت برأسها:-المحامي في شارع.. ورقم التليفون هبعتهولك، قدَّامك ساعتين مش أكتر، ياأمَّا مش هتشوفي ابنك، وهاخده من حضنك متخافيش..
ابتلعت كلماتها بشهقة، وانتفضَ جسدها بخوفٍ من كلماتها المسمومة، لتتحرَّكَ إلى غرفتها وهي تجرُّ قدميها بضعف، وعينيها التي تحرقها سحبِ دموعها ..هوت على الفراشِ وجسدها يرتجف، ماذا عليها أن تفعل، هل تتنازل عن إسحاق أم تتنازلُ عن فلذةِ كبدها..
بالأسفلِ عند أرسلان:
جلسَ بحديقةِ المشفى وحديثُ فاروق يخترقُ أذنيه:-أخوك قريب منَّك جدًا..
بدأ يردِّدها بينهِ وبينَ نفسه:
-مين أخويا ياترى اللي بيقول عليه، معقول يكون إسحاق، يعني إيه، إسحاق مش أخو فاروق!..
احتضنَ رأسهِ بين راحتيهِ وكاد عقلهِ أن يذهبَ منه، ذهبَ شاردًا بإلياس وحديثِ إسحاق يراوده، ونظرات فريدة..صورًا سريعةً متحرِّكةً أمامَ ناظريهِ حتى شعر بألمٍ يفتكُ برأسه، شعرَ بمن يربتُ على كتفه:-أرسلان..
رفعَ عينيهِ إليها بشرود، تائهًا ضائعًا لا يعلمُ بماذا يشعر..
جلست بجوارهِ ترفعُ رأسها بسؤال:-مالك حبيبي، قاعد كدا ليه؟..
هزَّ رأسهِ نافيًا وردَّ بنبرةٍ هادئة، رغم اضطرابهِ الداخلي:-مفيش حبيبتي، خلِّيكي مع ماما وملك، مش عايزك تسبيهم، أنا عندي مشوار مهم لازم أروحه..
قالها متوقِّفًا، أمسكت ذراعه:-أرسلان رايح فين؟.. إنتَ لسة تعبان..
سحبَ نظرهِ بعيدًا عن مرمى عينيها، وتحوَّلت ملامحهِ الهادئةِ إلى ثائرةٍ وأردف:-مشوار هيوضَّح حاجات كتير، المهم لازم تكوني مع ماما.
كادت أن تفتحَ فاهها للاعتراضِ ولكنَّهُ تحرَّكَ دون أن يعطيها فرصةً للرفض.
ابتلعت غصتها ودلفت للداخلِ دون حديث
بالمشفى عند ميرال:
استيقظت على صوتِ فريدة وغادة، فتحت عينيها تأنُّ من الألمِ الذي يفتكُ بجسدها، تهمسُ بخفوت:
-ماما..
نهضت فريدة من مكانها واقتربت منها:
-حبيبتي حاسة بإيه؟..
-ماما فين إلياس..
تساءلت بها بعدما لم تجدْهُ بالغرفة:
انحنت غادة تقبِّلها على وجنتيها:
-عنده شغل، قال شوية ويرجع، إنتِ حاسة بإيه نجبلك الدكتور؟..
هزَّت رأسها بالإيجاب:
-تعبانة ياماما، وجع في بطني شديد،
قالتها وهي تضعُ كفَّيها على أحشائها.
استدعت فريدة الطبيبة، لفحصها، دقائقَ معدودةً والطبيبة تفحصها، ثمَّ توقَّفت أمامها:
-الوضع كويس إلى حدٍّ ما، التعب دا عادي، شوية وهيروح..
قالتها وتحرَّكت لتوقفها ميرال:
-ابني هيعيش يادكتورة؟..
-إن شاء الله قولي يارب..
قالتها الطبيبة وغادرت
بالمكتبِ عند إلياس:
أظلمت عينيهِ بأسى، سحبَ نفسًا طويلًا وزفره:
-اسمعني كويس، هتدخل وتلمِّ الدنيا دي..
نقر شريف على المكتب ورد:-اعتبره حصل، بس لو مفيهاش رخامة وتدخُّل في مالايعنيني، إيه حكايتك مع الراجل دا، يعني تدخلك بشكلِ غير مباشر في حياته؟..
أشارَ إليه بالتوقُّفِ عن الحديثِ ثمَّ نهضَ من مكانه:-بتسأل السؤال وترد على نفسك، قولت تدخلك فيما لا يعنيك..
صمت يطالعه ثم أردف:-بعدين ياشريف، أنا دلوقتي دماغي وجعاني، عايز تخنَّق على الراجل دا من كلِّ الزوايا، وفي نفسِ الوقت مش عايزه يتسجن، شوف هتعملها إزاي لو سمحت..
-تمام اعتبره حصل، مش هتروح؟..
-شوية كدا... قالها وسحبَ سيجارةً متَّجهًا إلى الشرفة، توقَّفَ ينظرُ بشرودٍ للخارج، ثمَّ رفعَ عينيهِ إلى السماء ينظرُ للنجومِ التي زيّّنت السماء، تذكَّرَ حديثها أمس، يومًا واحدًا وانقلبت حياتهِ رأسًا على عقب، أغمضَ عينيهِ وهمسها يردد داخل اذنيه، لكن حكم وقضي الامر، لقد ألقت حكمها بنفسها حينما أخبرته بعده ممات، نعم لابد عليه أن يعلمها درس قاسيًا، ولكن بداخلهِ نيرانًا تلتهمُ كلَّ شيئ، لا يريدُ أن تصلها، حتى لا تحرقها..
دفعَ البابَ ودلفَ أرسلان للداخلِ وجدهُ متوقفًا بالشرفة، لا يشعرُ بما يدورُ حولهِ كالحاضرِ الغائب، اقتربَ منه يردِّدُ اسمه:
-إلياس..
ولكن كان إلياس غارقًا بدواماته، استمعَ إلى صوتهِ وكأنَّهُ حلمٌ بعيدَ المنال، لم يلتفت ظنًّا أنَّهُ يحلمُ به، ولكن تكرارَ أرسلان لاسمهِ مرَّةً أخرى، جعله يلتفتُ إليهِ يطالعهُ بصمت، اقتربَ أرسلان وسلَّطَ عيناهُ عليه، مع نظراتٍ استفاهمية، دنا حتى لم يفصل بينهما سوى خطوةٍ واحدة، ظلَّت النظراتُ سيدةُ الموقف، ابتلعَ ريقهِ بصعوبةٍ وأردفَ بتساؤل:-إنتَ مين بالظبط، وليه قرَّبت منِّي؟..
جيت إمبارح قولت كلمتين واختفيت، وأعرف إنَّك السبب في إنقاذي، ودمَّك بيجري في دمِّي، ليه اتبرَّعت لي بالدَّم؟..
هتقولِّي صداقة، هقولَّك مش مقتنع بدا كلُّه..
دنا خطوةً حتى لم يعد بينهما مسافةً يتعمَّقُ بالنظرِ إليه:
-إنتَ مين ياإلياس، وليه بتعمل معايا كدا، وليه والدتك جات لي تزورني؟..
قالها مع ارتفاعِ رنينِ هاتفه، رفعهُ وعينيهِ مازالت تحاصرُ أعين إلياس الصامت..
-أيوة ياعمُّو؟..
-في دقيقة تكون في المستشفى سمعتني، أبوك عايزك، ضروري تسيب اللي في إيدك، مهما كانت قيمته..
لاحَ الألمُ بمقلتيه، ليتراجعَ إلى بابِ الغرفةِ مترنِّحًا:
-بابا ماله ياإسحاق..
قالها واستدارَ للخارج، ركضَ إلياس خلفهِ يصيحُ باسمه، لم يستمعْ إلى صياحه، وصعدَ إلى سيارتهِ وخلفهِ إلياس الذي جُنَّ جنونهِ من حالته، ماذا حدثَ له حتى يسألهُ بتلك الطريقة، دقائقَ ودلفَ للمشفى، دفعَ بابَ العناية، وجدَ ملك تحتضنُ كفَّ والدها تبكي بشهقات:
-بابا حبيبي سامعني،
رفعت نظرها على دلوفِ أرسلان، شبحَ ابتسامةٍ ظهرَ على ملامحها، لتهمسَ لوالدها:-بابا أرسو جه، بابا افتح عيونك، أرسو وصل..
فتحَ عينيهِ ينظرُ إليهِ بوهن، ثمَّ مدَّ يدهِ يهمسُ اسمهِ بخفوت، اقتربَ منه مع توقُّفِ ملك ليجلسَ بجوارِ والدهِ يحتضنُ كفَّيه:-حبيبي أنا هنا، طبعَ قبلةً فوق جبينه:
-إيه يافاروق باشا، فوق كدا، إحنا هنهزَّر ولَّا إيه؟..
-اسمعني حبيبي، أنا مش عايزك تزعل من عمَّك إسحاق.. مفيش حدِّ بيحبَّك قدُّه يابنِ فاروق، إنتَ ابنِ حلال علشان وقَّعك في إيدي، إلياس.. إلياس، كرَّرَ اسمهِ مع انقطاعِ أنفاسه..
-بابا ممكن ماتتكلمش..
ضغطَ على كفِّهِ واستطردَ حديثهِ المتقطِّع:
-صفية وملك أمانتك إنتَ وإسحاق، ملك مالهاش غيرك من بعدي، كان نفسي أقولَّك خلِّي بالك من أختك ياحبيبي..
-بابا لو سمحت كفاية كلام، ملك في عيوني وقلبي ممكن ماترهقشِ نفسك..
توجَّهَ فاروق بنظرهِ إلى صفية التي تجلسُ بصمتٍ مع عبراتها التي تجري على وجنتيها، كمجرى نهرٍ متدفِّقٍ بمائه،
-صفية أمَّك متنسهاش، حتى بعد ماتوصل لمامتك حبيبي..
سحبَ إسحاق أرسلان من جواره:
-فاروق ليه الكلام دا، إنتَ هتفوق وتبقى أحسن، سمعتني، يالَّه الكلِّ برَّة..
قالها اسحاق يشير للجميع بالخروج
تشبَّثَ بكفِّ أرسلان:
-أرسلان لو مُت ياارسلان اتجوِّز ملك، كويس انك عرفت الحقيقة مفيش حدِّ هيحافظ عليها قدَّك.
صدمةٌ عنيفةٌ سقطت فوق رؤوسِ الجميعِ من كلماتِ فاروق، ليطالعهُ بذهولٍ مع تجمُّدِ جسده، ثمَّ رفعَ عينيهِ لوالده:-إيه اللي حضرتك بتقوله دا يابابا؟!..
استدارَ يواليهِ ظهره:-رجاء من أبوك، علشان أطَّمن عليها ومفيش حدِّ هقدر أمِّنه عليها غيرك..
تلاشى تنفُّسهِ ينظرُ إليها وهي تختبأُ بأحضانِ والدتها، شعرَ وكأنَّ جدرانَ الغرفةِ تطبقُ على صدره، ماهذا الذي يحدث، هل هو يعيشُ كابوسًا!..
-مردتش على أبوك، موافق تتجوِّز بنتي ولَّا لأ؟..
لحظاتٍ مميتةٍ حتى شعرَ بارتجافِ جسدهِ بالكامل، مما جعلهُ يتراجعُ خطوةً للخلفِ من شدَّةِ ذهوله، بعدما أيقنَ أنَّهُ ليس بكابوسٍ بل واقعًا مريرًا..
أشارَ إسحاق للطبيبِ بعدما وجدَ هبوطًا بضغطه:-شوف في إيه؟..
هرولَ الطبيبُ لفحصه، ولكن عينيهِ كانت على أرسلان..
استدارَ برأسهِ مع تحرُّكِ أرسلان بعيدًا عنه، وبعيونٍ راجيةٍ تذرفُ الدموع:
-موافق مش كدا..
أطبقَ على جفنيهِ والحزنُ ينخرُ بقلبهِ ليتسرَّبَ منهُ كما تتسرَّبُ الموسيقى الحزينة من آلةِ الناي
لتعزفَ على أوتارِ القلوب..
حاولَ الطبيبُ وضعَ جهازَ التنفُّسِ إلَّا أنَّهُ أبعدهُ يهمس:
-أرسلان..
أحسَّ بالدوارِ يلفُّ رأسه، وكأنَّ أحدهم ألقاهُ بعصاةٍ غليظةٍ ليهوى ساقطًا من تلك الضربة، طالعَ والدهِ بنظرةٍ تحملُ صرخاتٍ مكبوتةٍ بآلافِ الآهات:
-موافق..
هزَّ رأسهِ بالموافقة، ولم يشعر بتلك الدمعةِ التي انزلقت من عينيه، ورغم أنَّها دمعةٌ إلَّا أنَّها أحرقت وجنتيه، وهو ينظرُ لتلك الواقفةِ على بابِ الغرفةِ تهزُّ رأسها بخذلان..
ركضت غرام للخارج، حاوطَ إسحاق ملك يجذبها للخارج..
خرجَ أرسلان بساقينِ هلاميتينِ وجلسَ بضعفٍ يضمُّ رأسهِ بين راحتيه، وكأنَّهُ يحملُ فوق عاتقهِ آلامٍ كثقلِ الجبال.
جلسَ إلياس الذي وصلَ الآن وحاوطَ جسده:
-هيكون كويس، صدَّقني، ادعي له،
رفع عيناه المتلألئةِ بالدموع:
-أنا مطلعتش ابنِ فاروق..
رسمَ إلياس على وجهه ابتسامة، ثمَّ ربتَ على كتفهِ قائلًا بغمزة:-وأنا مطلعتش ابنِ السيوفي، بصرة مش كدا؟..
قطبَ جبينهِ متسائلًا:
-يعني زي مااتوقَّعت..
ابتسمَ إلياس يهزُّ رأسه:
-نفسي أضحك بس الموقف مش مساعدني، تيجي نضحك وبعد كدا نروح مستشفى الأمراض العقلية نجنِّن الدكاترة..
صمتَ للحظاتٍ بعد حديثِ إلياس إلى أن توقَّفَ أرسلان وأطلقَ ضحكاتٍ تصدحُ بالمكان، جعلَ الجميعُ يلتفتون إليه..
نهضَ إلياس من مكانهِ يسحبهُ من ذراعه:-اسكت ياحمار فضحتنا،
ظلَّ يضحكُ ويدورُ حولَ نفسه، ثمَّ رفعَ رأسهِ إلى إسحاق:
-علشان كدا بعدتني عنُّه، كنت عارف، إنتَ كنت عارف أنُّه اخ..
توقَّفَ مقتربًا من إلياس:
-لا مقولتش ليه من زمان، إنك طلعت أخويا يمكن كنا احتفلنا، ولا اقولك تعالى نحتفل برة، لازم احتفلههه..
ضحكاتٍ فقط منه، بذهولِ الجميع، مع هزِّهِ لرأسه، اقتربَ متسائلًا:-أوعى تقولِّي إنِّ ستِّ الكل طلعت ستِّ الكل..
ظلَّ إلياس ينظرُ إليهِ بصمت، من يراه يظن انه فقدَ عقله، اقتربَ محاولًا تهدئته:-أرسلان الناس بتبصِّ عليك إيه اللي بتعمله دا؟..
دفعهُ بعيدًا عنه:
-أنا ابنِ مين ياحضرةِ الظابط؟..
قبضَ إسحاق على عنقهِ إلى أن فقدَ توازنه، يشيرُ إلى الممرِّضة بحقنه:
-فوق إنتَ مش بنت علشان تعمل كدا..
حاوطَ أكتافهِ إلياس:
-سيبه لو سمحت، أنا ههدِّيه،
دنا يهمسُ لإلياس:
-الصحافة في كلِّ مكان، والحيوان مش عارف بيخبَّط بإيه، خده من وشِّي بدل ماأموِّته بجد..
-أرسلان ممكن تهدى إحنا لازم نتكلِّم..
-ابعد عني ياله، لو قرَّبتِ منِّي هموِّتك.
قالها وغادرَ المشفى بالكامل..
زفرَ إلياس، ثم أشارَ بيدهِ إلى إسحاق:
-سيبه هوَّ هيهدى، الموضوع صعب..
باليومِ التالي خرجت ميرال من المشفى، بعد استقرارِ وضعِ جنينها، ساعدتها فريدة بالنوم، ثمَّ قبَّلت جبينها:
-حاولي متفكريش بحاجة حبيبتي، إلياس أكيد عنده شغل مهم، شوية وهتلاقيه جاي، ميقدرشِ يبعد عنِّك وعن ابنه..
-هنام ياماما، مبقاش فارق معايا يجي ولَّا لأ، مبقاش فيَّا حيل ياماما، تعبت خلِّيه براحته..
كان واقفًا على بابِ الغرفة، تراجعَ بعدما استمعَ إلى حديثها، واتَّجهَ إلى مكتبه، خرجت فريدة تبحثُ عنه، فهي تعلمُ بعودتهِ قبلَ وصولهم، دلفت إلى مكتبه:
-إزاي تسيب مراتك بحالتها دي؟!.. إنتَ إيه يابني،
اقتربت منه تمسكهُ من ذراعه:-إلياس ميرال عايزة اللي يحسِّسها بالأمان ياحبيبي مش اللي يضغط عليها..
قاطعهم دلوفُ الخادمة:
أرسلان بيه برَّة ياباشا..
قالتها بدخولِ أرسلان إليهما..
وقفَ على بابِ الغرفةِ يوزِّ
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم سيلا وليد
"اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك."
أبحثُ عن تلك اليد التي تلامس روحي قبل أن تلامس يدي، تلك اليد التي تلوّن حياتي بألوان السعادة، وترسم على صفحات عمري ابتسامةً لا تغيب. أحتاجُ إلى دفءٍ يُذيب بردَ الأيام القارس، وإلى حبٍّ يُعيد لقلبِي نبضه الحقيقي، حبٍّ يضيء دروبي في كل وقتٍ وحين.
أين هي تلك اليد التي ستحمل معي أثقال الحياة؟ تلك اليد التي ستزرع في طريقي ورود الأمل، وتمنحني من قلبها طمأنينة، تريح الروح وتغنيها. أحتاج إلى من يُلهمني أن الحياة تستحق العيش، وأن الفرح ليس بعيدًا، بل بين يدي من يشاركنا الفرح والهم.
أين من يُعيد إلى نفسي يقينها، ويزرع في قلبي الأمل من جديد؟
ظلَّ يدورُ بسيارتهِ لساعات، غارقًا في أفكاره، عاجزًا عن مواجهةِ ما يحدث. لكن في النهاية عادَ إلى المستشفى كأنَّ شيئًا ما كان يجذبهُ للعودةِ هناك. وجدَ إسحاق جالسًا على المقعد، عينيهِ معلقتينِ على بابِ غرفةِ العمليات، وكأنَّ الزمنَ توقَّفَ عنده.
اقتربَ منهُ ببطء، محاولًا أن يخفي ارتباكه.
"لسه مخرجشِ من العملية؟"
رفعَ إسحاق رأسهِ ببطء، نظرَ إليه بعينينِ مليئتينِ بالحزن واليأس. بدا وكأن الكلمات ثقيلة على لسانه، لكنه تحدث بصوت متحشرج:
"عارف إنك مصدوم... بس ده أبوك يا أخي! ينفع تسيب أبوك في العمليات وتمشي؟ هو ده اللي رباك عليه؟"
صمت المكان من حولهما، ولم يبقَ سوى صوتِ الأجهزة البعيدةِ في المستشفى. شعر بثقلِ الكلماتِ تضغطُ على صدره، وكأنَّهُ يتنفسُ بصعوبةٍ. لم يكن يعرف ماذا يقول، لكنهُ أدركَ أنَّ إسحاق كان محقًا.
سحبَ نفسًا عميقًا وزفرَهُ ببطء، وكأنَّما يحاولُ أن يتماسكَ بصعوبة، قبل أن يهمسَ بصوتٍ مبحوح:
"آسف يا عَمّو... سامحني، أنا فعلًا تعبان بجد."
رَبَتَ إسحاقُ على ركبتِهِ بحنوٍّ، وكأنَّهُ يحاول بثَّ الطمأنينة في قلبِه. لكنَّهُ فجأةً انتفضَ مع انفتاحِ بابِ غرفةِ العمليات. وقفَ إسحاقُ متوترًا، خطواتُهُ مترددةٌ نحوَ الطبيبِ الذي خرجَ. تطلَّعَ الطبيبُ إليهِ بنظرةٍ جامدةٍ، قبلَ أن يتحدَّثَ ببرودٍ يقطرُ ألمًا:
"عملنا اللي قدرنا عليه... الساعات الجاية حرجة... ادعوله."
قالَ كلماتهُ وغادر، تاركًا إسحاقَ مشدوهًا، عيناهُ معلقتانِ بالبابِ المغلق. وقفَ مكانهُ عاجزًا، يُحدّقُ في البابِ وكأنَّهُ يريدُ أن يقتحمَهُ ليصلَ إلى أخيهِ، ليخفِّفَ عنهُ ولو قليلًا من آلامِه.
التفتَ ببطءٍ وكأنَّ الزمنَ قد ثقُلَ على كتفيهِ، ليجدَ أرسلانَ واقفًا أمامَ النافذةِ الزجاجية، عيناهُ شاخصتانِ نحوَ والدهِ المُمدَّدِ تحتَ الأجهزة. اقتربَ إسحاقُ بخطواتٍ مثقلةٍ، وعيناهُ معلقتانِ بجسدِ فاروقَ المُنهَك.
وقفَ بجانبه، تنفَّسَ بعمقٍ وكأنَّهُ ينتزعُ من صدرِه حملًا ثقيلًا، قبلَ أن يقولَ بصوتٍ مرتجف:
"فاروق مش مجرَّد أخ، يا أرسلان... فاروق كان أبويا."
توقَّفَ للحظة، وكأنَّ الكلامَ يتعثَّرُ في حلقهِ، ثم أكملَ بصوتٍ مبحوحٍ مليءٍ بالوجع:
"جَدّك كان موجود، بس فاروق هو اللي شالني، هو اللي كان مهتمَّ بيا.. عُمره ما حسِّسني باليُتم، حتى لما أمِّي، أحلام هانم، سابتنا وراحت تتجوز، وقف وقال لي: 'وإنتَ محتاجها في إيه؟ هو أنا قصَّرت معاك؟'."
ارتعشتْ يدُه وهو يمسحُ وجهَه، ثم استدارَ نحوَ أرسلانَ بجسدهِ بالكامل، عيناهُ تفيضُ بوجعِ السنين:
"فاروق شال الدنيا على كتافه، عشان يبني لنفسه اسم بعيد عن العيلة. فاكر لما لقاك؟ كنت طفل صغير ملفوف في بطانية، في عزِّ البرد والجوع. فاروق شالك من غير تردُّد، وقال: 'الولد ده مكتوب له يعيش معايا'. ومن وقتها، بقيت ابنه... لحدِّ ما الدنيا انقلبت عليه تاني."
صمتَ إسحاقُ فجأةً، وكأنَّ الكلماتَ تخونهُ، بينما أرسلانُ كان يُنصتُ، وجهُه جامدٌ، لكنَّ عيناهُ تكشفانِ عن عاصفةٍ داخليةٍ. رفعَ أرسلانُ رأسه، ملامحُه مشدودةٌ بالغضبِ والخذلان، وصوته خرجَ متحشرجًا:
"ليه ماقولتش، ليه سكتوا الوقت دا كله؟"
حاولَ إسحاقُ الردَّ، لكنَّ أرسلانَ قاطعهُ بعنفٍ، عيناهُ تلمعانِ بغضبٍ أشبهَ باللهب:
"كنت عارف إن إلياس اخويا، علشان كدا حاولت تبعدني عنه."
اقتربَ خطوة وعيناه تنطق بكم الخذلان الذي شعر بهما:
"كنت عارف إنِّ فريدة السيوفي أمي، مش كده؟!"
حاولَ إسحاقُ التحدُّثَ، لكنَّ أرسلانَ لم يتركْ له مجالًا. اندفعَ نحوهُ وأمسكَ بجاكيتِه بقوة، عيناهُ تغليانِ بالغضبِ والدموعِ التي تأبى أن تسقط:
"كنت عارف... كنت عارف إن أمِّي اتظلمت، وإنِّها اتحرمت منِّي ومن إلياس.. عارف إنها دفعت تمن غلطات غيرها، وسكت.. كنت عارف، ومع ذلك منعتني عنها؟"
ارتجفتْ يداهُ وهو يضغطُ على إسحاق بعنفٍ، ثم تركهُ فجأةً، عيناهُ تلمعانِ بالدموعِ والغضبِ الذي يفيضُ كبركانٍ ثائر:
"أبويا مات مقتول، أمي اتحرمت مني، وأخويا ما عرفتش عنُّه إلا بالصدفة."
صمتَ للحظات وكأنه تذكر شيئًا:
"دلوقتي فهمت كلام مدام احلام، ليه كانت بتقول ابن شوارع، ورغم كدا كنت ساكت!"
تراجعَ أرسلانُ خطوةً، نظراتُه تشتعلُ بنارِ الغضب، قبلَ أن يقولَ بصوتٍ يشبهُ الوعد:
"مش هسامح... هفتح كلِّ الملفات، وهطلَّع كل الحقايق، وأولَّع في كل اللي كانوا السبب."
تركَ إسحاقَ واقفًا مكانه، وانطلقَ مبتعدًا بخطواتٍ ثقيلة، وكأنَّ الغضبَ الذي بداخله يكادُ يفتكُ به.
ظلَّ يجوب بسيارته الشوارع بلا هدفٍ، كأنَّ الطرق لا نهاية لها، وكأنَّ جسدهِ يتبع تيهَ روحه. توقَّفت السيارة أخيرًا أمام مياه النيلِ الهادئة، ذلك الشاهدُ الصامتُ الذي لطالما احتضنَ أسرارَ الموجوعين. أسندَ أرسلان رأسه للخلف، وانفجرت دموعه كأنَّها بركانٌ مكبوتٌ ظلَّ مختبئًا لسنوات. شهقَ بعنفٍ، يحاولُ إخراج ما يعصفُ بصدره.
"إزَّاي حياتي تتقلَّب كده؟ ليه يا رب؟!"
ارتعشت أناملهِ وهي تمسحُ دموعه بلا جدوى، والألمُ كان يعتصره كقبضةٍ حديديةٍ لا ترحم. ذكرياتُ لقائه بإلياس بدأت تلوحُ أمام عينيه، كأنَّها شريطٌ سينمائي يعيد نفسه بلا نهاية. تردَّدَ صوتُ فريدة في رأسه، كلماتها في المستشفى تتكرَّر كأنَّها طعنةُ خنجرٍ بطيئة:
"أخوك... هي قالت: أخوك!"
رفع رأسه فجأةً، وشعر بأن هناك صاعقةٌ تضربه بقوة. عيناه احمرَّتا من كثرةِ البكاء، قبضَ على المقود بقوةٍ حتى ارتعشت أصابعه، ثمَّ ضربهُ بقبضته بعنفٍ، يصرخُ بصوتٍ مرتعشٍ ومبحوح:
"أخ... عندي أخ؟!"
رنَّ هاتفه مرارًا، لكنَّ صوت الرنين كان بالنسبة له كصدى بعيدٍ لا يعنيهِ. فجأة، عندما تصاعدَ الرنينُ للمرةِ العاشرة، ألقى نظرةً على الشاشة... إلياس. التقط الهاتف بيدٍ مرتجفةٍ، وكأنَّ ثقلهِ أصبح فجأةً لا يُحتمل، أجاب بصوتٍ متحشرجٍ ومتهدِّج:
"أيوة..."
جاءه صوتُ إلياس، مشحونًا بالقلق والغضب المكبوت، كأنَّه يحاولُ السيطرة على انفعالاته:
"أرسلان! إنتَ فين؟ من ساعة ما خرجت من المستشفى وأنا مش عارف أوصلك. رد عليَّ، بالله عليك!"
شهق أرسلان شهقةً عميقةً كأنَّها تسحبُ الهواء من رئتيه، ثم انفجر بصوتٍ متحشرجٍ مليئٍ بالألم:
"فاكر لمَّا أنقذتني في إيطاليا؟ فاكر لما مراتك قالت إنِّنا شبه بعض؟ وقتها ضحكت عليها، فاكرها بتهزّّر، لكن... لكن دلوقتي بس فهمت."
سحب نفسًا عميقًا واستطرد بصوت ممزوج بالألم:
"كنت بتمنَّى يكون ليا أخ، يا إلياس... طول عمري كنت بحلم بده، رغم إنِّ إسحاق كان كلِّ حاجة بالنسبالي، لكن فكرة يكون ليا أخ حقيقي... حاجة تانية."
حاول أن يبتلعَ وجعه، ويصمت عن البكاء، و لكنه فشل. تابعَ بصوتٍ ينكسرُ مع كلِّ كلمة:
"تفتكر فيه إحساس أحلى من إحساس الأخوة؟ أنا كنت حاسس بده معاك، حتى من غير ما أعرف، كنت بحبَّك زي ما الأخ بيحب أخوه، وكنت دايمًا وراك... في كل خطوة، زي ظلك.. عمري ما سألت نفسي ليه... بس دلوقتي عرفت."
رانَ صمتٌ ثقيلٌ على الطرفين، كأنَّما الكلمات خذلتهم أمام وطأة المشاعر. ثم استأنف أرسلان حديثه، بنبرةٍ مشحونةٍ بالغضب والوجع المكتوم:
"إلياس... الستِّ اللي كنت بعتني أتحرَّى عنها... طلعت أمِّنا.. فريدة هي أمنا، يا إلياس."
"طيب ازاي، ومراتك دي مش بنتها، هي دي البنت اللي اتهموا بقتلها، يعني هي ماموتتهاش زي ماقالوا، شوف حتى دي طلعت فيها بريئة.. رغم اني مكنتش اعرف انها هتكون أمي، بس مصدقتش انها تكون قاتلة روح، انا كنت عارف انها بريئة."
ساد صمتٌ طويلٌ آخر. شعر أرسلان بثقل أنفاسه وهو ينتظر إجابة، حتى جاء صوتُ إلياس، أهدأ لكنَّه أكثر حدَّة، كأنَّه يقطعُ سكينَ الألم على مهل:
"وأنا كنت عارف."
شهقَ أرسلان بدهشةٍ وصدمة، صوتهِ خرج مختنقًا:
"عارف؟!"
"أيوة. مدام فريدة بريئة... وميرال مش بنتها، عرفت من فترة، مكنتش اعرف من الاول لأنها غيرت اسمها لميرال جمال الدين، مكنش قدامي دليل واضح، لحد ماعرفت اني مش ابن السيوفي، بس مكنتش اعرف انك اخويا، حتى لما طلبت منك التحري مكنش اعرف، كنت عايز اثبت برائتها لنفسي وبس، المهم اسمعني دلوقتي، علشان لازم نكون هادين. أنا إلياس السيوفي، وإنت أرسلان الجارحي. بس يا أرسلان، وهجيب حقنا وحق مدام فريدة."
قاطعهُ أرسلان بصرخةٍ محتقنةٍ بالألمِ والغضب، كأنَّما تنفجرُ من أعماقِ صدره:
"ومين هي مدام فريدة دي بالنسبة لنا؟ ايه ياحضرة الظابط نسيت ابوك؟ حق ابوك فين؟!"
ردَّ إلياس بصوتٍ مشحونٍ لكنَّه متزن، يحاول أن يحتوي غضب أرسلان:
"حقُّهم هييجي يا أرسلان... بس مش بالطريقةِ اللي راجح عايزنا ناخدها.. إحنا اتربينا نكون مختلفين زي ما إسحاق قال: من حقِّ أبوك عليك يفضل اسمه عايش. فاروق ومصطفى مالهمش ذنب، ما ننجرِّش ورا الغضب ونضيع كل حاجة."
لم يستطع السيطرة على نفسه، صرخةٌ أخرى انطلقت من جوفه، كأنَّها احتجاجٌ على القدر ذاته. ثم مسح دموعه فجأةً، وكأنَّه يحاول أن يستعيد قوته. أجاب بصوتٍ خافتٍ لكن مشحونٍ بالمرارة:
"تمام... أنا هروح المستشفى."
أغلقَ الهاتف قبل أن يسمع ردَّ إلياس، أدارَ محرك السيارة. عادَ إلى منزله اولًا، وجد غرام تنهي صلاتها، جلس بجوارها إلى أن انتهت، ثم تمدد يتوسد ساقيها يهمس بأرهاق:
"شوفتي القدر، إلياس السيوفي يطلع اخويا."
خللت أناملها بخصلاته تجيبه:
"واختك تطلع مش اختك، وباباك يطلب منك وصية تحرق قلبي..." قالتها بصوت مكتوم بالدموع.
اعتدل مستندًا على مرفقيه، وجذبها من عنقها يحتضن ثغرها للحظات، ثم تركها يمرر انامله على شفتيها:
"ملك هتفضل اختي يا غرام، كوني مطمنة من الناحية دي، انا اضطريت اوافق علشان عملية بابا، بس انا واسحاق مستحيل نقبل بحاجة زي كدا، حتى لو بابا..."
صمت يتنهد بألم ثم اعتدل وجذبها يضمها لأحضانه:
"وعد مني مفيش ست تقرب مني، انت حياتي وغرامي، كوني واثقة في كلامي، لو خيروني بين الموت وبين وجعك، هختار الموت ولا اتحمل دمعة واحدة من عيونك."
ابتسمت من بين آلامها، لتقترب تطبع قبلة فوق وجنتيه تهمس بحبه بخفوت:
"ربنا مايحرمني منك يارب."
نهض من مكانه يسحب كفيها:
"اجهزي علشان نروح المستشفى، مش عايزك تبعدي عن ماما الايام دي."
"طيب مش ناوي تروح تشوف مدام فريدة، تعرف الست دي انا حبتها اوي."
حاوط أكتافها وتحرك للداخل قائلا:
"هوصلك حبيبي، وبعد كدا لازم اروح لها، كفاية وجع لحد كدا."
مرَّت اللحظات كأنها أزْمان خَالدةٌ، كأنَّ الأرض توقَّفتْ عن الدَّورَان وَتركَتْهُ عالقًا بينَ الخَوْف والشَوْق، بينَ الأَمَلِ والرَّهبة. كانَت خُطُواتهُ إلى فيلَّا السِّيوفي ثَقيلةً كأنَّها تُجَرُّ بأَغْلَالٍ، وكلُّ نَبْضَةٍ فِي صَدْرِهِ تَصْرخ : "كيف تكون هذه أُمّك!". لمْ يَكُن الطَّريق مُجَرَّد دَقائق؛ بل كان رحلةً عَبْرَ جُرُوحِ السِّنِين، عبْر الغياب الَّذي مَزَّق قَلبهُ وترك فِيه فجوةً لَا يَمْلؤها إِلَّا هذَا اللِّقَاء.
وصلَ إلى البوَّابة، ووقف للحظةٍ يُحَاوِلُ أَنْ يَلْتقط أَنْفَاسهُ الْمُبعْثرة. إلياس سَمح لَهُ بِالدُّخُول، ولَكنَّ قَدميه كانَتا تَرْتعشان كأَنَّهما تَحْملَانه إِلَى قَدَرٍ مجهولٍ. وعندما خطى إلى الداخل، تسلَّلت إلى أُذُنَيْهِ نَغْمَة صوتها. ذَاك الصَّوْت الذي جعل قلبه يرتجف.
توقَّفَ الزَّمن وهو يستمع إليها تتحدَّث مع إلياس، قلبه كاد ينفجر:
"هل هذه أمِّي؟ هل هذا الصوت الذي يروادُ أحلامي؟"
استدارَ بِبُطْءٍ، ورآها ونظر لها نظرةً وكأنه يراها لأول مرة، هنا شعر وكأن حياته أصبحت سنوات ضائعة. تعلقت الأعين بوقوفها، لكنَّهُ لم يكن يرى سوى الحنين يطلُّ من عينيها. التقت نظراتُهما بحديثٍ طويل ملغم بالألم والحنين. اقترب خطوة اخرى، ولكنها مرتعشة، لتهمس بتقطع:
"ارسلان."
رغم أنها خافتة إلا أنها اخترقت اذنه. في تلك اللحظة انهارت كل الجدران. شعرَ فيها الأم التي حملتهُ يومًا بين ذراعيها، رأى فيها حضنًا اشتاقَ إليه، رأى فيها كل ما فقدهُ في عمره.
اقتربَ بخطواتٍ اخرى مرتجفة، جسدهِ كلَّهُ كان ينتفضُ كأنه طفلًا صغيرًا يتعلمُ المشي لأوَّلِ مرة. لكنَّه هذه المرة لم يكن يمشي نحو الحياة؛ كان يمشي نحوها، نحو روحه التي فقدها. حاولَ أن ينطق، حاول أن يُخرِج الكلماتَ من فمه، لكن الحروف خانته، خذلتهُ كما خذلهُ الزمن، الذي دمر حياته فجأة، من بعد ماكانت حياة الأمير المنعمة بالورود أصبحت حياة الفتى الطاغي بالشوك والوعود. خطى وخطى ولكنه لم يستطع سوى أن يحتضنها بعينيه، يلتهمُ ملامحها بنظراتهِ وكأنَّها صورةٌ تفرُّ من بين أصابعه.. ليسرقها الزمن كما سرقه الشيطان من نبع حنانها.
همس بتقطع وعيناه مازالت تحاصر وقوفها:
"اتأخرت عارف."
سكون للحظات من ناحية فريدة علها تستوعب ماتلفظه، هل عقلها الباطني هيئ لها. اقترب خطوة أخرى وكأنه يتحرك إليها على سيف مدبب ليراود عقلها لما لا وهي الأم التي ظلت تنتظرهُ طوالَ سنواتها العجاف. لا تفعل شيئا مع تحركاته فقد تجمَّدت في مكانها. كيف لامرأةٍ أن تختصرَ كلَّ سنواتِ الغياب في لحظةٍ واحدة؟ كيف لقلبها أن يحتملَ هذا الانفجارِ العاطفي؟ ظلت تنظرُ إليه بذهول، تتفحَّصُ وجهه، تسألُ نفسها:
"هل هذا حلم؟ هل هذا حقًا علم من هو؟"
استمعت إلى همسه الذي اعتبرته بعيدًا بعد المدى وهو يتمتم:
"أنا جيت، وعايز أتأكِّد بس ضايع، هي مين؟! وأنتِ مين؟! وهو مين؟!"
ثم بصوتٍ مختنقٍ بالشوقِ والوجع:
"أنا ضايع، ليه بيحصل معايا كدا، طيب أمي صفية، إزاي هي، وإزاي إنتِحاسس إنِّي بغرق، لأ أنا بردان." قالها برجفةٍ تسرَّبت لكاملِ جسده. "جيت لك يمكن الاقي الدفى عندك، هلاقي الدفى دا ولا لسة هغرق تاني."
هنا توقفت عقارب الساعة، بل توقف دوران الأرض لتجذب جسدهِ المرتعشَ إلى حضنها، احتضنتهُ كأنَّها تعيدُ وصلَ ما انقطع، كأنها تحميه من لسعة برد القلوب التي شعر بها، كأنها وكأنها، تريد وتريد، ولكن الأهم تستعيدُ جزءًا من روحها المفقودة. بكاءها كان كصرخةٍ تخرجُ من أعماقِ قلب أمٍّ قُتل صبرها، وصار انتظارها عذابًا.
"ادفييك بروحي يانور عيوني."
ظلَّ أرسلان بين ذراعيها، عاجزًا عن الكلام. لكنَّهُ حين التقطَ أنفاسهِ أخيرًا، خرجت منه كلماتٍ كالهمس، لكنها كانت تحملُ ثقلَ الكونِ كلِّه ليردد بنبرة تحمل اوجاع كل ماشعر به:
"إنتِ أمي؟!"
كانت كلمته كطعنة في قلبها، لكنها لم تؤلمها، بل أخرجت كل مشاعرها دفعة واحدة. شهقت كأنها تُلقي بحمل سنوات الغياب، وانهارت على الأرض وهي تضمه إليها أكثر:
"آااه."
صرخةٌ شقَّت عنانَ السماء، ليشعرَ إلياس بالفزعِ على ذاك المشهدِ المريب، حتى انزلقت عبرةً تحرقُ وجنتيه، وهو يراها لأولِ مرَّةٍ بتلك الحالة. اقتحمَ مصطفى الغرفةَ بعدما استمعَ الى صرخاتِ فريدة، ليقفَ بجسدٍ متصِّمٍ وهو يراها تحتوي جسدَ ارسلان بين ذراعيها.
رفعَ ارسلان عينيهِ نحو إلياس، وقد أثقلَ الحزن كلماته، حتى بدت كأنها تحملُ جبالًا من الألم.
"ليه ماقولتش من زمان ستِّ الكل تبقى أمِّي!!"
"الستِّ اللي حياتها اتحطمت..هيَّ أمي، أمِّي اللي بعتني أدوَّر عنها، أمِّي!!"
"آاااه.." صرخت بها فريدة وهي تجذبهُ لأحضانها مرة اخرى، كأنّّ صدى الصرخة يحملُ كمّّ الألم، الشوق، والفراق. كان عناقها محاولةً يائسةً لاحتواءِ كل ما تحملهُ في قلبها، وكأنها تريدُ أن تصهرهُ بحضنها الحنون، حضنًا تمنَّتهُ بسنواتٍ عجاف، تريدُ أن تجمعَ به كل مايمسُّ الأمومة التي فقدتها وهو بعيدًا عن أحضانها.
"أمي !!"
أطبقت على جفنيها تتذوَّقُ حلاوةَ الكلمةِ التي تردّّدَ صداها بأذنيها. وفي تلك اللحظة، انكسرت كلَّ الحواجز بينهما، وكأنَّ العالمَ انشقَّ ليكشف عن سرٍّ دفين. توقَّفَ الزمن مرة اخرى، وتلاشت الضوضاء. وكأن لم يكن هناك شيئًا في الكون سوى أرسلان وأمه. كانت عيناها تحملانِ تاريخاً من الألم، كلَّ دمعةٍ سكبتها في ليالٍ حالكةٍ وكلَّ دعاءٍ رفعت به يديها للسماء بحثًا عنه. وكان هو بين يديها ، كأنَّما قُذفَ من أعماقِ القدر ليعيد إليها الحياة التي سُلبت منها. احتضنتهُ كما لو أنَّها تحاولُ أن تلحمَ كلِّ الشروخ التي أحدثها الفقدُ في روحها، بكلِّ أمومةٍ لم تذق طعمها، بكل حبٍّ ظلت تحرسهُ في أعماقها ككنزٍ مفقود. وكأنَّ نبض قلبها، الذي كاد أن يخفتَ في غيابه، قد استعادَ إيقاعهِ لأوَّلِ مرَّةٍ منذ سنين.
كان اللقاء كأنَّهُ انشقاقَ الفجرِ في ظلمةٍ دامسة، أو كأنَّ روحينِ تاهتا في متاهاتِ القدر وأخيراً وجدت طريقهما. اختلطت أنفاسهما بحشرجةِ الدموع، كأنَّ الحياةَ نفسها تراقبُ هذه اللحظة، متوقِّفةً عن دورانها، فقط لتشهدَ كيف يمكنُ للأمومة أن تدفن. ياالله ماهذا الشعور، وولدها الغائبَ لسنواتٍ طوال بين أحضانها. هل شعر أحدكم بهذه الفرحة فلقد ذاقتها فريدة واعتبرتها أعظمَ انتصار على الزمن، والألم، والغياب.
بدأت تقبِّلُ وجههِ بجنونٍ أقربُ إلى الهوس، تمسحُ دموعهِ بيديها المرتعشتين، وكأنَّها تحاولُ أن تمحو آثارَ سنواتِ الفقدانِ من على ملامحه، كأنها تحاولُ أن تزرعَ مكانَ كلَّ لحظةِ ألمٍ عاشتها حبَّا لا ينتهي. ضحكاتها المكسورة اختلطت ببكائها الحارق، وكلماتها المتقطِّعةِ بأوجاعِ السنين، حتى بدت وكأنَّها تحاربُ الجنونَ الذي طاردها طوال غيابه.
"اهتزّت وهي تهزّ رأسها، ودموعها تنهمرُ بلا توقُّف، صوتها صارَ خليطًا بين الرجاءِ والخذلان:
'أوعى تصدَّق كلامهم... أوعى تبقى زي إلياس.. واللهِ يا بني خطفوك من حضني، حرّموني منك إنتَ وأخوك، حرّموني من روحي. مين يصدَّق إنِّ أم ممكن تعيش بعد دا كله؟'"
رفع يديهِ ليحتوي يديها المرتجفتين، واردف بصوتهِ الهادئ ولكنَّهُ يحملُ وجعًا يعكس وجعها:
"ششش... اهدِي يا أمي، أنا عارف كلِّ حاجة.. كلِّ حاجة، محدش محتاج يقولي."
لكنَّها لم تستطع التوقُّف، جذبت رأسهِ إلى صدرها بقوَّةٍِ تكادُ تؤلمه، وكأنَّها تخشى أن تختطفهُ الحياةَ منها مرَّةً أخرى. شهقاتها العالية باتت كأنَّها طعناتٌ تخترقُ الصمتَ من حولها.
قبلةً مطوَّلةً على جبينها يزيلُ دموعها:
"خلاص حبيبتي، اتجمَّعنا تاني، بلاش دموع يا ستِّ الكل."
قالها ثمَّ رفعَ كفَّيها وقبَّلهما. هنا اختفى جميعُ ماشعرت به. وكأنَّ حياةَ الألمِ التي عاشتها لسنوات، استعادتها الحياة بلحظة. ولكن بكاؤها لم ينقطع بل يزداد ويزداد لتضمه مرة أخرى وكأنه سيهرب من أحضانها، وتصيح ببكاء:
"شوفت يامصطفى مش قولت لك هيرجع، كنت عارفة أنه هيرجع."
أحضانًا فقط، ولكن ليس كحضنٍ عابر. دفنَ رأسهِ بأحنِّ مكانٍ يشعرهُ بالأمان، بعدما استمع الى رجفة صوتها الحزين.
كان احتضانهما أشبهُ بلقاءِ روحين بعد رحلةٍ من الضياعِ الطويل. دموعها تغرقُ شعره، ودموعهِ تسيلُ على صدرها، وكأنَّهما يغسلانِ كلَّ الذكرياتِ المؤلمةِ معًا. لم يكن هناك عالم، لم تكن هناك جدران أو مكان، فقط أمٍّ تعيدُ جمعَ شتاتَ عمرها بين ذراعيها، وابنٍ يحتضنُ الأمان الذي كان يظنُّهُ حلمًا مستحيلًا.
اقترب إلياس وانحنى يرفعها من فوق الأرض:
"كفاية عياط، علشان متتعبيش."
رفعت عيناها إليه ثم أشارت إلى ارسلان:
"شوفت اهو جه لوحده، رغم محاولتي بس اخوك جه."
رفعت عيناها إلى مصطفى:
"ولادي رجعوا لحضني يامصطفى، شوفت رحمة ربنا، مش قولت لك ولادي عايشين وهيرجعوا، واحد ربيته وانا معرفوش، والتاني القدر رماه في طريق اخوه، هو فيه فرحة ورحمة اكتر من كدا."
"ماما قومي كفاية كدا..." قالها إلياس بصوت مختنق، وابتسمت عيناها بدموع الفرح تشير إلى إلياس وهي تنظر إلى ارسلان:
"اول مرة يقولي ياماما، اكيد عارفه، بس مش مهم، المهم يكون جنبي وبس."
تأفف إلياس وتراجع إلى مكتبه:
"طيب قومي يامدام فريدة، خدي ابنك الحيلة عندي شغل."
افلتت ضحكة وهي تملس على رأس ارسلان:
"لو معملش كدا ميكنش إلياس، مش هزعل منه مهما يعمل المهم انكوا قدام عيوني وفي حضني."
استند بوجنتيه على كفيه وتحدث بتهكم:
"في حضنك، طيب خدي ابنك في حضنك وبرة مكتبي، دا في اسرار دولة، وابنك مش ضامنه، يمكن يخوني."
رمقه ارسلان بنظرة ساخرة:
"معرفش تقل دمك دا جايبه منين، طيب انا دمي خفيف، ثم استدار إلى فريدة ولمعت عيناه بالحبور قائلًا:
"وست الكل عسل وزي القمر، إنما انت دمك يلطش وزفت على دماغك."
قاطعهم دخول اسلام الذي توقف على باب الغرفة قائلًا:
"وأنا كمان دمي خفيف واتحرف."
رفعت فريدة ذراعيها إليه، ليقترب منها ملقيًا نفسه كالطفل بأحضانها، مما جعل إلياس يضرب بكفيه على المكتب:
"ناقص اجيب الببرونة."
بفيلا العامري:
كانت تغطُّ في نومٍ عميق، عندما فتحت إيمان الباب بهدوء ودلفت إلى الغرفةِ تحملُ صينية الطعام، وضعتها بعنايةٍ على الطاولةِ الصغيرة، ثمَّ اقتربت من السرير الذي صار ملاذًا دائمًا لرحيل في أيامها الأخيرة. ملَّست على خصلاتِ شعرها برفق، وهمست بحنان:
"رحيل حبيبتي، قومي علشان تاكلي حاجة."
رفَّرفت أهدابها المثقلة بالألم، وقالت بصوتٍ خافت:
"مش عايزة آكل."
ثمَّ جذبت الغطاءَ فوقها مجدَّدًا، تمتمت بصوتٍ يغمرهُ الحزن العميق:
"إزاي هيجيلي نفس آكل؟.."
قطعَ صمتهما صوتُ الباب الذي فُتحَ لتدخلَ إيلين، توزِّعُ نظراتها بين الاثنتينِ وهي تسأل:
"لسَّه مش عايزة تاكل؟"
أومأت إيمان برأسها بحزن، ثمَّ أردفت:
"أسيبك معاها، يمكن تقدري تقنعيها."
اقتربت ايمان من رحيل وطبعت قبلةً دافئةً على جبينها وهمست بصوت يملؤهُ الشفقة:
"والدتك سألت عنِّك علشان خاطرها، لازم تقوي."
ثمَّ غادرت الغرفة بخطواتٍ صامتة. جلست إيلين على حافةِ السرير، وأمسكت طبقَ الطعامِ وهي تقول بلطف:
"قومي يا حبيبتي لازم تاكلي، والدتك محتاجاكي كفاية اللي حصل لوالدك."
انسابت دموعُها بصمتٍ ثقيل. لحظات مرّت وهي تئنُ بمرارةِ الفقد، قبل أن تهمسَ بصوتٍ متهدِّج:
"الفراق صعب، بيوجع أوي يا إيلين، مش قادرة أصدَّق إنِّي مش هشوف بابا تاني."
ربتت إيلين على كتفها بحنو، وقالت بصوتٍ مكسورٍ يحمل أصداءَ ألمها الخاص:
"عارفة، ومجرباه بس متخافيش، هتتعايشي معاه وهيبقى جزء من حياتك.. عندك اللي يواسيك... والدتك وجوزك أمَّا أنا ما عنديش غير الوجع. بقينا أصحاب، وتأقلمنا عليه."
تنهَّدت ثمَّ أردفت بحزمٍ يتخلَّله الإصرار:
"فوقي، يا رحيل. حياتك مش هتقف هنا، الناس مش هيشفقوا عليك، بالعكس، هيستنُّوا وقوعك قومي علشان تصلبي نفسك."
لكن رحيل دفعت الطبقَ بعيدًا بيدينِ مرتعشتين، ونهضت من السريرِ بجسدٍ منهك، خطت خطواتٍ ثقيلةٍ نحو الباب، تستندُ إلى الأثاثِ لتجنُّبِ السقوط.
فتحت بابَ غرفةِ والدتها ودخلت، عيناها المشحونتينِ بالدموع باحثةً عن صورةِ والدها على الحائط توقَّفت أمامها، شهقت شهقةً مكتومةً قبل أن تغمرها موجةً من البكاءِ المكبوت.
وضعت كفَّيها على فمها تحاولُ كتم صوتِ بكائها، لكنَّها تقدمت نحو والدتها التي فتحت ذراعيها بحنوٍ صامت. ألقت رحيل بنفسها في حضنِ والدتها، وانهمرت دموعها بعجزٍ مطلق، غير قادرةٍ على مقاومةِ حزنها العميق.
في الأسفل:
جلست إيمان في حديقةِ الفيلا تنتظرُ عودةَ أخيها حتى تتمكنَ من المغادرة، فجأة. اخترقَ صوتًا ساخرًا الهدوء خلفها:
"شايفة رجلك أخدت على المكان؟ أوعي تفكري إنِّك صاحبة البيت يا بنت."
استدارت إيمان بصدمة، ثم أجابت بهدوءٍ متماسك:
"مش فاهمة الكلام ده ليَّ ولَّا لحضرتك؟.. أنا هنا في بيت مرات أخويا."
اقتربت رانيا منها، وعيناها تقدحانِ نار الغضب والاحتقار:
"اسمعي يا بنتِ الحواري، جوز مين؟ فوقي كده.. أخوكي ضحك عليها عايز يتجوِّز من أسياده؟ دي هتتجوِّز طارق غصب عنُّكم بلاش ترسمي أحلام على حسابنا."
سقطت كلماتُ رانيا على إيمان كسهامٍ حارقة، لكنَّها تماسكت رغم الإهانةِ التي شعرت بها. كيف يمكن لبعضِ الناس أن يتَّسموا بهذه القسوة؟
رفعت رأسها بثبات، وأجابت بنبرةٍ قاطعة:
"أحلامنا ملكنا، ومحدش له دخل فيها."
استمعتْ إلى صوتِ دراجةِ أخيها، فاتجهتْ نحوهِ سريعًا، تخفي دموعها تحتَ أهدابِها التي أثقلها الحزن. كلماتُ القهرِ التي تلقتَّها من تلكَ الحرباءِ ما زالتْ تحرقُ قلبها. ترجَّلَ من دراجتِهِ واقتربَ منها، نظراتهِ تحملُ قلقًا عميقًا:
"حبيبتي، مالِك؟ رحيل كويسة؟"
هزَّت رأسها عاجزةً عن الحديث، وكأنَّ غصّةً خانقةً احتجزتْ كلماتِها. اقتربَ منها واحتوى ذراعيها بحنان، ثم التفتَ إلى أخيهِ الأصغرِ قائلًا:
"معاذ، انزل هنشوفُ رحيل وهنرجعُ على طول."
تحرَّكَ للداخل، لكنَّ إيمانَ وقفت في طريقه، تحاولُ قمعَ حزنِها وكلماتِ رانيا القاسيةِ التي ما زالتْ تتردَّدُ في ذهنِها. همستْ بصوتٍ ضعيف، محاولةً منعَ دموعِها من الانهمار:
"حبيبي، هيَّ نايمة... تعالَ بكرة شوفها."
هزَّ رأسهِ بالرفض، ماضيًا بخطواتِه الواثقةِ نحوَ الداخل. هرولت إيمان لتوقفه، وذراعاها تطوِّقانهُ بحذر، لكن نظراته التقت بعيونِ رانيا التي وقفت أمامَ البابِ الرئيسي، تنتظر كأنَّها تتهيَّأُ لمعركة. تقدَّمت رانيا بخطواتِها المتأنِّيةِ، وكلماتها مشبعةٌ بالسخرية:
"رايح فين يا حضرةِ الميكانيكي؟"
توقَّفَ يزن، ومسحَ ذقنهِ وابتسمَ بسخريةٍ مريرة، ثم قالَ بصوتٍ هادئٍ يحملُ تهديدًا مبطَّنًا:
"بصي، اسمِك إيه ما اعرفش، أنا مش شايفِك أصلاً.. امشي من قدامي علشان مش حابب أعملَ حاجة أندم عليها."
دفعها بلطفٍ جانبي لتتراجع، وكادت أن تختلَّ خطواتُها وتسقط. رسمَ ابتسامةً ساخرةً على شفتيهِ وهو يتمتم:
"ما وقعتِكيش علشان أبويا علِّمني أحترم الكبار لكن لو ممشيتيش، هعلِّمِك إزاي السيراميك يلمع."
ارتفعَ صوتُ رانيا بغضبٍ:
"إنتَ بتقول إيه يا متخلِّف؟!"
استدارَ نحوها بخطوةٍ واثقةٍ، مما جعلها تتراجعُ بخوفٍ، ترفعُ يديها في محاولةٍ لتداركِ الموقف:
"هخلِّي الأمن يرميك برا."
رفعَ إصبعَهِ مشيرًا إلى الصمت:
"صوتك.. سكوتي مش ضعف بس احترام لسنِّك، مش لشخصِك."
وصلَ صوتُ العراكِ إلى أذنِ رحيل، التي غادرت غرفتها رغمَ ضعفِها. وقفت عندَ أعلى الدرج، ورأتْ إيلين تسألُ بقلق:
"إيه الصوت ده؟"
تحرَّكت رحيل للأسفل، وإيلين تتبعُها. توقَّفت رحيل أمامَ الجميعِ، صوتها واهنًا لكنَّهُ يحملُ هيبةً واضحةً:
"إيه اللي بيحصل هنا؟"
التفتَ يزن نحوها فورًا، وعيناهُ تلمعانِ بشوقٍ جارف. دنا منها وكأنَّهُ يحاولُ أن يرسمَ وجهَها في ذاكرتهِ بلهفةٍ لم يستطع كبتها. كم اشتاقَ إلى صوتها الحنونِ. دنا منها بخطوات أخرى حتى توقف أمامها يرسمُ تفاصيلها بعينيه، وبلهيبِ الاشتياقِ الذي يضطرمُ في صدره، وجذبها إلى أحضانهِ بلهفة:
"عاملة إيه؟ وحشتيني، اخيرًا؟!"
خرجت من بين ذراعيهِ ببطء، تطالعهُ بعينيها الحزينتينِ قبل أن تردَّ بصوتٍ هادئ:
"أنا كويسة... إنتَ كنت فين؟"
أمسكَ كفَّيها برفق، وحاوطَ جسدها بيدهِ الأخرى، ثمَّ تحرَّكَ بها نحو الأريكة، متجاهلًا تمامًا صوتُ رانيا التي حاولت التدخُّلَ بنبرةٍ حانية. جلسَ قبالتها على ركبتيه، يحتضنُ وجهها بين يديهِ وكأنَّهُ يخشى أن تفلتَ منه مرَّةً أخرى:
"الحمدُ لله إنِّك قومتي وفوقتي، حبيبتي... محتاجة حاجة؟ أكلتي؟ أخلِّي إيمان تعملك حاجة؟"
هزَّت رأسها بنفي، وعيناها تلمعانِ بابتسامةٍ خفيفةٍ عندما رأت لهفتهِ الصادقة عليها:
"أنا كويسة، واللهِ مش جعانة لو جعان، أخلِّيهم يجهِّزوا لك أكل."
ابتسمَ ابتسامةً دافئة، يهزُّ رأسهِ نافيًا بلطف:
"لو هتاكلي معايا، موافق بس على فكرة، أنا جعان جدًا.. من إمبارح ما أكلتش."
قاطعتهم رانيا وهي تقتربُ منهما، قائلةً بحدِّة:
"روح كُل في بيتكم."
ثم اقترب ورسمت القلق وهي تجلسُ بجانبِ راحيل:
"خفت عليكِ جدًا والله، حتى سبت عمِّك في المستشفى، ورحت الشركة، حضرت الاجتماع، وجيت أطمِّن عليك."
مطَّ يزن شفتيهِ بسخرية، وقال بنبرةٍ تحملُ شيئًا من التحدِّي:
"معلش، هنضيف لك أجرك آخرِ الشهر."
هبَّت رانيا من مكانها، صائحةً بغضب:
"عجبك الكلام ده يا راحيل؟!"
شوفتي جوزك الوقح بيقول إيه؟
نهضَ من مكانهِ وأشارَ بيدهِ إلى بابِ المنزلِ قائلاً ببرود:
"اتفضلي، ابعدي عن الوقح، وارجعي بيتك."
توقَّفت رحيل بعدما اشتدَّ العراكَ بينهما، وكان كل ما حولها يتلاشى في ضبابِ الألم:
"خَلاص يا خالتو، أنا آسفَة."
التفتَ يزن إليها بنظرةٍ غاضبة، وتمتمَ بعتابٍ حزين:
"تعتذري ليه؟! أنا مَغلطش، أنا معرفشِ قالت إيه لإيمان، مُتأكِّد إنَّها قالت كلام يزعَّلها، بس إحنا ولاد أصول مالناش في الحربقة."
مسحَ على وجههِ ببطء، وكان يبدو وكأنَّهُ يحاول قهر غضبه، لكنَّ كلَّ كلمةٍ تنطق بها شفتيهِ تحملُ ألمهِ العميق، ليقول بهدوءٍ مختنق:
"على العموم، أنا جاي أطمّن عليكِ، لو احتجتيني كلميني."
التمعت عينيها بالدموع، وهمست برقَّةٍ وحنين:
"أنت هتروح؟"
شعرَ بما تشعرُ به، فاقتربَ منها بحنان، يحيطها بذراعيهِ الدافئتينِ وكأنَّهما حصنها الوحيد من كلِّ الأذى الذي يحيطُ بها، همسَ لها بلطافةٍ عميقة:
"إيمان امتحانها بعد يومين، تخلَّص امتحاناتها وأفوق لك إن شاء الله، المهمِّ إنتي لازم تفوقي بسرعة علشان تشوفي حياتك اللي وقفت، طول عمري شايفك قوية، عايز رحيل القوية عارف الفراق صعب، بس برضو الحياة ما بتوقفشِ، فهماني حبيبتي؟"
رفرفت أهدابها بخجل، وكلماتُ يزن تُشعلُ في قلبها نيراناً من المشاعر المختلطةِ بين الحبِّ والضعف. هل هذا هو فعلاً؟ أم مجرَّد وسيلة لإبقائها قوية؟
قبلةً حانيةً على جبينها وهمسَ بخفوتٍ وعاطفةٍ عميقة:
"مرات يزن السوهاجي لازم تكون قوية، علشان لسه عندنا لعبة حلوة هتعجبك."
دفنت رأسها بصدره، وكأنَّ كلَّ جزءٍ منها يحتاجُ إليه أكثر من أيِّ وقتٍ مضى، همست بنبرةٍ مليئةٍ بالحاجة:
"أنا محتاجاك أوي."
حاوطَ جسدها بكلِّ قوَّته، وكأنَّه يريدُ أن يحميها من كلِّ شيء حتى أنفسهم، وهمسَ بما في قلبه:
"وأنا مش هبعد، إنتِ جوا القلب." قالها بعيونٍ تحملُ كلَّ المشاعر ِالمدفونةِ داخله.
حمحمت إيلين:
"راحيل، أنا هرجع بيتنا بقى بدل بقيتي كويسة."
تراجعت رحيل من تحت حنانِ ذراعيه، تهربُ من نظرات ِالجميع، بينما تحرَّكت رانيا للأعلى وهي تلعنُهم. صمتَت للحظةِ وكأنَّها ستفقدُ السيطرةَ على كلِّ شيء.
تمتمت بإجابةِ لإيلين بصوتٍ خافتٍ لكنَّهُ يحملُ ثقلاً من المشاعر:
"براحتك حبيبتي، كنت هكون مبسوطة لو فضلتي معايا كمان كام يوم، بس طبعاًا آدم هيرفض."
بسيارةِ آدم:
"أيوة يابابا، أنا رايح عند خالو، هعدِّي أجيب إيلين."
"متتأخروش ياآدم."
"تمام." قالها آدم وأغلقَ الهاتف، متَّجهًا إلى فيلا العامري. وصلَ بعد قليل، ولجَ لداخلِ الفيلا، قابلتهُ رانيا التي تحملُ حقيبتها.
"عمِّتو، حضرتك رايحة فين؟.. أنا لسة كنت عند عمُّو راجح."
توقَّفت أمامهِ تشيرُ للداخلِ وتهتفُ بتذمُّر:
"ادخل شوف بنتِ خالتك، جايبة لنا ناس دون المستوى غلطوا فيَّا، أنا انطردتِ من واحد ميكانيكي."
أشارَ بيديهِ لتهدئتها:
"تمام اهدي ياخالتو، واعذري راحيل."
دفعتهُ وتحرَّكت للخارج:
"دافع عنها، أنا هعرَّفه مقامه الميكانيكي."
ظلَّ نظراتهِ على تحرِّكها إلى أن استقلَّت سيارتها وغادرت المكان. دلفَ للداخلِ قابلتهُ إيلين:
"كويس إنَّك وصلت، كنت لسة هكلِّمك، علشان توصَّلني لبيت رؤى."
لم يرد عليها وتحرَّكَ لجلوسِ راحيل:
"عاملة إيه ياراحيل؟"
أومأت قائلة:
"الحمدُ للهِ أنا كويسة."
طافَ بعينيهِ متسائلًا:
"هيَّ خالتو رانيا زعلانة ليه، هوَّ يزن كان هنا ولَّا إيه؟"
توقَّفت رحيل متَّجهةً إلى الدرجِ قائلة:
"آدم يزن جوزي."
استدارت برأسها واستأنفت حديثها:
"مش هسمح لحدِّ يهينه، وبلاش حركات خالتو دي، وعرَّف خالو بكرة هيكون فيه اجتماع في الشركة لازم كلِّ واحد يعرف مكانته خلاص."
تنهَّدَ بتثاقلٍ يمسحُ على وجههِ بعنف، ثم رفعَ عينيهِ إلى إيلين:
"ياله علشان عندي شغل."
"هنروح فين؟"
"بيتنا." قالها وارتدى نظارتهِ ثم تحرَّكَ إلى السيارة. وصلَ بعد قليل، كان زين بانتظاره. توقَّفَ بعد دخولهم:
"تعالي يا إيلين نتكلِّم."
اقتربت متسائلةً بلهفةٍ وعينيها تجولُ بالمكان:
"فين مريم، فيه حاجة حصلت؟"
"كلُّهم كويسين، أنا كنت عايز أسألك عن الكلام اللي قولتيه في بيت خالتك، شوفتي فريدة فين، وإيه اللي خلاكي تقولي إنَّها هي؟"
"طنط فريدة بتكون أم الظابط المسؤول عن رؤى صاحبتي، قالتلي أنُّه كان مخطوف من والدته واتربى مع أبوه على أساس ابنه لحدِّ ما اكتشف من قريب أنُّه مش أبوه."
"يعني إيه أنا مش فاهم حاجة؟"
جلست تقصُّ إلى زين كلَّ ما عرفته.
بغرفةِ ميرال جلست معتدلةً بعد خروجِ فريدة، تحيطُ رأسها بين راحتيها، ودموعها تنهمرُ بغزارةٍ كأنَّها تسبحُ في بحرٍ لا نهايةَ له من الألم. شعرت وكأنَّ الحياةَ تُحكِمُ قبضتها عليها، تقذفها في دوامةٍ لا تستطيعُ الهروبَ منها.
رفعت رأسها مستندةً على الفراش. أغمضت عينيها والألم يئنُّ بداخلها.
"هل يمكن أن يزيحَ عنِّي هذا الثقل؟"
لكن صدى كلماتِ إلياس اخترقَ سكونها، حديثهِ الذي كالنارِ التي لم تهدأ، تحرقُ قلبها وتزيدُ أوجاعها.
فتحت عينيها المثقلتينِ بالوجع. تطلَّعت حولها كأنَّها تبحثُ عن شيئٍ يمسكُ بيدها وينتشلها من لجَّةِ الألم. وقعت عيناها على صورتهِ المعلَّقةٍ على الكومودينو. ببطء بسطت كفَّيها المرتجفينِ وسحبت الصورة. تأمَّلت ملامحهِ بألم، ثمَّ مرَّرت أناملها المرتعشةِ على وجهه، وكأنَّها تبحثُ عن إجابةٍ.
"ما الذي يملكهُ ليجعلني أعشقهُ كلَّ هذا العشق؟!"
انسابت دموعها من جديد، تحترقُ وجنتيها، و مشاهدُ لحظاتهم السعيدةِ تمرُّ أمامها كأشباحٍ ترفضُ الرحيل. أحبَّت رجلاً وشمت اسمهِ على قلبها. طافت عيناها بالمكانِ مرَّةً أخرى وكأنَّها تبحثُ عنه، ولكنَّها لم تشعر سوى بحياتها الباردةِ وكأنها محاصرةً بجبالٍ من الثلج. شهقاتها تعالت وهي تضمُّ صورته، وكأنَّها ملاذها وحصنها الآمن.
استمعت غادة لصوتِ شهقاتها هرعت إلى الغرفة بخوف، وما إن دخلت حتى شهقت لهولِ حالتها. جلست بجوارها تحتضنها بحنان:
"ميرال مالك يا قلبي؟ اهدي، أنا هنا."
رفعت ميرال رأسها، والدموعُ لم تهدأ:
"ليه يا غادة؟ ليه بيحصل معايا كده؟ أنا عملت إيه؟!.. ليه أتعاقب على ذنب ماليش يد فيه؟.. كلِّ اللي طلبته حياة مليانة حب وأمان. حبِّيت شخص وطلبت منه يحسِّسني إنِّي غالية عليه... مطلبتشِ كتير."
مسحت غادة دموعها، وصوتها يقطرُ حزنًا:
"اهدي يا ميرو، إلياس تحت من بدري، واللهِ تحت، هوَّ بيحبِّك وبيخاف عليكي."
شعرت ميرال بصدمةٍ عنيفةٍ تهزُّ كيانها. تطلَّعت إلى غادة بعينينِ تائهتين، وقلبًا ينزف:
"تحت؟ يعني مهنشِ عليه يطلع يطَّمن عليَّا؟.. طبعًا مش هيطلع... ابنه كويس، وأنا؟ أنا مجرد بنتِ الراجل اللي دمَّره، بنتِ راجح هيحبني؟ لا.. يشفق عليَّا وبس، أو يمكن حتى دي كمان تلاقي مامته طلبتها منُّه."
قاطعتها غادة بحزم:
"ميرال ما تقوليش كده إلياس بيحبِّك."
ضحكت ميرال بسخرية، وكأنَّ الألمَ يتحدَّثُ بدلًا عنها:
"بيحبِّني؟.. صح، لازم يقرَّب منِّي علشان ابنه.. يضحك عليَّا بكلمتين وأنا الغبية بجري وراه."
نظرت إلى غادة بعينينٍ يملؤها الانكسار:
"أخوكي طول عمره بيدوس عليا، أنا فين من حياته يا غادة؟ أنا فين.. هوَّ قالها زمان، اتجوَّزني علشان ينتقم من فريدة لما فكَّرها عدوِّته، وقالها واحدة بتجري ورايا، ليه ماتمتَّعش."
احتضنتها غادة، تربتُ على كتفيها بحنانٍ وتمتمت بحزنٍ على حالتها:
"اهدي يا ميرو، الزعل وحش عليك، متنسيش إنِّك حامل..!!"
حامل. كلمة اخترقت أذنها ليبكي قلبها ألمًا، حتى شعرت بثقل أنفاسها.
"حامل."
هزت غادة رأسها علها تهدأ من روعها ولكنها صرخت بغضب:
"بس، كلِّ اللي يهمُّكم إنِّي حامل؟.. أنا إنسانة حياتي ضاعت جوزي بيخاف على صورته قدَّام الناس وأنا؟ أنا فين؟ هفضل طول عمري بنتِ عدوُّهم.. متأكدة أنُّه عايز يرميني برَّة حياته، أيوة هوَّ عايز يرميني لولا ابنه اللي في بطني."
قالتها وهي تعاني ألمًا يعتصرُ صدرها، لتئنَّ وجعًا، حتى شعرت بنيرانٍ تتسرَّبُ لضلوعها.
"ميرو حبيبتي متخليش الشيطان يكرَّهك جوزك."
"جوزي هوَّ فين جوزي يا غادة، اللي مش هاين عليه يطمِّن عليَّا."
توقفت غادة تمد يديها قائلة:
"إيه رأيك تعالي ننزلهم تحت، يمكن لمَّا يشوفك..."
قاطعتها وهي تدفعها بعيدًا:
"ابعدي عنِّي."
ركضت غادة إلى الطابقِ السفلي، واندفعت إلى غرفةِ مكتبِ إلياس الذي كان واقفًا بالشرفة، بينما فريدة تجلسُ تحتضنُ أرسلان. صاحت غادة بغضب:
"مراتك منهارة فوق، ازاي تسبها تعبانة وانت ولا على بالك حاجة، المفروض تساندها مش تعاقبها بالطريقة البشعة دي، كل اللي على لسانها انا بنت عدوهم."
التفتَ إلياس يطالعها بحدَّة، من كلماتها، ولكنها سحبت نظرها إلى فريدة:
"حمدالله على سلامة ابنك التاني يا ماما فريدة، لكن ميرال مالهاش ذنب.. هيَّ مفكَّرة إنُّكم كارهينها."
تحرَّكَ إلياس بخطواتٍ سريعةٍ كمن يحملُ العالمَ فوق كتفيه، وصعدَ إلى غرفتها، دفعَ البابَ بقوة، وجدها تجلسُ بالشرفةِ تحتضنُ ركبتيها، تنظرُ إلى الأفقِ بشرود، ودموعها تنهمر بصمت. شعرت بوجوده، ولكنَّها لم تلتفت إليه. اقتربَ منها وتمتمُ بصوتٍ مبحوحٍ بالغضب:
"حمدَ الله على السلامة يامدام، ما إنتِ كويسة أهو، أومال ليه عاملة دوشة؟."
قابلت كلامهِ بالصمتِ البارد ومازالت تنظرُ بشرود:
انحنى وحاوطَ مقعدها واقتربَ يهمسُ بجوارِ أذنها:
"راجح اتصل بيكي يهدِّدك، قوم إيه، المدام سابت جوزها نايم واستقلَّت بيه وراحت تعمل رئيسة عصابة وواخدة مسدس جوزها الميري، اللي اعتبرته مش راجل ومش قادر يحميها، وراحت تعمل بطلة.. مش دا اللي حصل يامدام، أنا قبلها بساعات طلبت منِّك إيه يابت، مش قولت لك متتحركيش خطوة من غير علمي، أتفاجئ بالحيوان دا بيهدِّدك، هوَّ أنا مش راجل علشان حضرتك تخافي منُّه وتجري زي المجنونة تودِّي نفسك وتودِّيني في داهية.. للأسف النهاردة أثبتيلي فعلًا إنِّك بنت."
صمتَ عن الحديث، وعينيهِ تضجُّ بكمِّ الاتهامات.
تلوَّت شفاهها بالألمِ فرفعت عينيها الممتلئتينِ بالدموع، وهمست بصوتٍ منكسر:
"قولها بوضوح أنا بنتِ راجح علشان تبقى مرتاح، ماداريش، ماهيَّ دي الحقيقة."
حدَّقَ بها مذهولًا، يرسمُ وجهها الذي يُعتبرُ لوحةً من الألمِ والحزن.
"سكِّت ليه ياحضرةِ الظابط، ولَّا مكسوف مني؟."
وتوقَّفت أمامه، ورفعت رأسها بكبرياءٍ رغم الكسرةِ التي تضخَّمت داخلها وتمتمت بقوةٍ عكسَ ماتشعرُ به:
"إنتَ في الأوَّل كنت بتحاول تخفي كرهك ليا، جوازنا جه بالضغطِ علينا، حاولت تقنع نفسك بحبِّي وأنا اقتنعت، كنت بتزقِّ نفسك، وزي ماقولتها بنتِ بترمي نفسها عليَّا وبتحبِّني، يمكن زي ما قولت قبلِ كدا ماحاولتش تاخدني بذنبِ مدام فريدة لمَّا كانت عدوِّتك، بس دلوقتي للأسف هكون فعلًا عدوِّتك، كلِّ ماتشوفني قدَّامك هتفتكر اللي حصل، كلِّ ما تكتب اسمك هتكلِّم نفسك مين السبب في كدا، آسفة يا إلياس بس أنا مقدرشِ أعيش معاك وعيونك كلَّها اتهامات.. أنا فكَّرت كويس، ابنك هيكون تحتِ أمرك، ولو عايز تاخده بعد ماأولده أنا موافقة، هتنازل عنُّه، علشان بس مكنشِ قدامك بنتِ الراجل اللي دمَّر حياتكم، هنسحب من حياة الكلّ."
التفتت إلى غادة وفريدة اللتان دلفتا للتو ومخالبُ الألمِ تحرقُ روحها، تشيرُ إليهما:
"حتى أنتوا انسوني، أنا مش عايزة أكون عبء على حد."
قالتها واستدارت متَّجهةً إلى غرفةِ ملابسها، فأوقفتها فريدة بفزع:
"إنتِ بتقولي إيه ياحبيبتي، مش حقيقي اللي بتقوليه دا."
"إيه هوَّ اللي مش حقيقي ياماما، إنِّي بنتِ راجح، ولا إنُّكم بتحاولوا تنسوا إنِّي بنته، في كلتا الحالتين أنا بنتِ راجح، أنا اللي ادمَّرت، وأنا اللي موجوع."
أغمضَ عينيهِ يحاولُ إسكاتَ ذلك الجنون الذي تخلقهُ الشياطينُ داخله، ليستديرَ إليها بحدَّة:
"إنتِ بتعملي كدا علشان معاقبيش على اللي عملتيه، لا فوقي يابنتِ راجح."
استدارت إليهِ سريعًا، وابتسامةٌ حزينةٌ مؤلمةٌ حتى شعرت وكأنَّها خناجر قائلة:
"بالظبط ياحضرةِ الظابط، دي الحقيقة الوحيدة اللي بتحاول تبعد عنها.. خليك دايمًا فاكرها يا إلياس، انا بنت راجح اللي دمر حياتكم."
ربتت فريدة على ظهرها:
"حبيبتي هو ميقصدش."
نظرت إليهِ ميرال بعيونٍ مكسورةٍ وأعلنت:
"لا يقصد ياماما، مش عارفة حتى كلمة ماما اللي بقولها بحسَّها مش من حقِّي."
قالتها بدموعٍ تنسابُ بقوَّة، لتستديرَ سريعًا للداخل، هروبًا من قدرٍ حكمَ عليها بالألمِ والضياع.
"استني عندك يامحترمة ولمَّا أكلِّمك توقفي."
اقتربَ منها حتى توقَّفَ أمامها:
"لو خرجتي من البيت دا اعتبري آخر حياتنا."
شهقت فريدة بخفوتٍ مقتربةً منهما:
"إلياس إيه اللي بتقوله دا؟"
"لو سمحتي يا غادة خدي ماما واطلعوا برَّة."
تخبَّطت فريدة بقلقٍ تهزُّ رأسها بالرفض:
"حبيبي اهدى، شيطان ودخل بينكم."
"مدام فريدة هو إنتِ مكنتيش فرحانة من شوية برجوع ابنك، ماتنزلي تشوفيه."
"إلياس حبيبي.."
استدارَ يواليها ظهرهِ وتمتمَ بحدة:
"عايز أتكلِّم مع مراتي على انفراد، ولَّا لازم أقول حاجة تانية."
أمسكت غادة كفَّ فريدة وأردفت:
"تعالي ياماما سبيهم لوحدهم يمكن يتصالحوا."
كانت تنظرُ إلى ابنها بصمت، علَّهُ يرأفُ بحالةِ ميرال ولكنَّهُ ابتعدَ بخطواتهِ وهو يجذبُ سجائرهِ متَّجهًا إلى الشرفة، وكأنَّهُ لم يقل شيئًا.
خرجت فريدة وبقيت ميرال التي مازالت متوقِّفةً تتطلَّعُ بنقطةٍ وهمية. استدارَ بعد إغلاقِ الباب، ثمَّ وصلَ إلى وقوفها:
"عايزة تبعدي صح، لا لا مش تبعدي بس، لا عايزة تتنازلي عن الولد."
قالها وعينيهِ كفوهةٍ بركانيةٍ تريدُ إحراقها.
سُرقت الحروف من بين شفتيها عندما اقتربَ منها وأطبقَ على ذراعيها بقوةٍ آلمتها:
"وصلت بيكي البجاحة تتنازلي عن ابنك، لا وكمان بتقولي يمكن يموت، وصلت بيكي البجاحة إنِّك تقولي محدش له دعوة بيا."
كادت تصرخُ من الألم، ولكن ليس ألمُ أصابعهِ التي تتخلَّلُ جسدها، ولكن ألمَ روحها الذي جعلَ قلبها متحجرًا بأنينٍ مكتوم. رفعت عينيها الممتلئتينِ بوجعِ العالم كلِّهِ وهمست بتقطُّع:
"مش عايزاه، خده، في سبيل حريِّتي منَّك، عايز أكتر من كدا إيه؟"
تراجعَ بجسدهِ للخلف، بعدما ألقت قسوةَ كلماتها مرَّةً أخرى ليتيقنَ أنَّها لم تبقَ عليه. رفع عينيهِ الممتلئتينِ بالغضبِ منها ومن نفسه:
"مش عايز أشوف وشِّك في البيت دا، قدَّامك نصِّ ساعة بالظبط، هستنى من بنت واحد حقير ايه."
قالها وغادرَ الغرفةَ بخطواتٍ مليئةٍ بالغضب، وكأنَّهُ يتحرَّكُ فوق تلالٍ من البراكينِ التي أوشكَ على الانفجار. بينما هي دلفت للداخل لتقوم بتبديل ثيابها، وامسكت قلم ودونت بداخل ورقة بتنازلها عن جميع مالها من ممتلكات تدون باسمها. رفعت عيناها تتجول بالغرفة، تجمع كم ذكرياتها، ثم حملت أوراقها فقط وغادرت المنزل وهي تحمل الآم ثقيلة كثقل الجبال.
قابلتها فريدة على الدرج:
"ميرال متعمليش كدا حبيبتي."
قبلة حنونة بمعاني كثيرة على وجنة فريدة:
"دا الصح ياماما فريدة صدقيني، حضرتك تستاهلي تعيشي مع ولادك، وانا كمان استاهل ابعد عن الاتهامات."
"مين ياحبيبتي اتهمك."
"دمي ياماما، دم راجح بيجري في عروقي، مش عايزة حاجة توجع لو سمحتي، كدا احسن، ومتخافيش على إلياس هينسى مع الوقت، وجوزيه رؤى، هي جميلة وتستاهله، وهو كمان يستاهل يعيش حياة كويسة، مش من حقه يعيش مع بنت اكبر عدو له."
قالتها وتحركت تحبس دموعها تحت اهدابها، وكأن القدر استكتر حياتها مع حبيب قلبها، جلست فريدة على الدرج تتابع تحركها بقلب ينتفض ألمًا. وصلت إلى الحديقة تنظر إلى سيارتها ولكنها تحركت إلى الخارج دونها. تابعت الأمن بعيناها، رغم إصرارها ولكنها تمنت أن يمنوعها من الخروج كعادته، ولكن خيب ظنها لتخرج خارج الفيلا وتوقف سيارة تنقلها إلى مصير مجهول.
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم سيلا وليد
اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك.
حين يحب الرجل بصدق، كأنما تُخلق له عشر عيون، يصبح قلبه نهرًا جارفًا من المشاعر التي لا تعرف حدودًا.
وإذا حاول كتم هذه المشاعر، يتحول جنونها إلى صراع داخلي، كمن يسقي شجرة ذابلة في صحراء لا تعرف المطر يصارع الفراغ، يبحث عن نظرة، همسة، أو حتى شعورًا عابرًا يؤكد وجوده في عالم من أحب، لكنه أحيانًا يعود خاسرًا، وقد يكون تأخر كثيرًا.
إن الحب الصادق لا يجب أن ينتهي بسبب لحظة ضعف أو سوء فهم، والأصعب من ذلك أن يستمر الفراق لأن كل طرف يختبئ خلف كبريائه، ينتظر الآخر ليخطو الخطوة الأولى، وكأن الحب الذي كان يومًا ملاذًا للأرواح أصبح سجنًا تصنعه حواجز الصمت والندم.
فصعب أن تقول وداعًا للحب، وأن تجمع ما تبقى من شظايا قلبك، والأصعب أن يختفي الحب فجأة، دون كلمة وداع، دون تفسير، وكأنك استيقظت من حلم جميل لتجد نفسك في ظلام الوحدة. تبقى الذكريات تلاحقك، تتشبث بك، تتحول إلى أشباح تجوب لياليك بلا رحمة.
هكذا هو الحب أحيانًا؛ نعمة حين يجمع الأرواح، ولعنة حين يتركها تائهة في دروب الحنين والألم.
وصل إلى المشفى وصعد إلى غرفته بخطوات تحمل من الغضب ما يكفي لإشعال المكان.
عند الباب كانت رانيا تنتظره، وما إن وقع نظرها عليه حتى تراجعت منكمشة كأنها رأت شبحًا مخيفًا.
دفع الباب بعنف، ليهتز المكان ويستفيق راجح مفزوعًا من نومه، صاح إلياس بصوت حاد:
"الراجل دا.. خلِّيهم ينزلوه تحت."
قبل أن يتم المسعف ما طلب منه، صاحت رانيا بفزع:
"لاااا."
التفت إليها إلياس بعينين تقدحان شررًا كأنهما لهب جهنم، وصرخ بصوت كالصاعقة:
"مستعد النهاردة أرتكب جريمة، امشي غوري من قدامي بدل ما أنومك مكانه."
قطع صوته رنين هاتفه، فأخذ بضع خطوات للخلف وأجاب باقتضاب:
"أيوة؟"
"حبيبي، إنت فين؟.. ميرال مشيت وسابت كل حاجة.. حتى عربيتها."
ارتفع صوتها وهي تلهث كعداء أنهكته الأميال، لكن إلياس تمتم ببرود أشبه بالجليد:
"براحتها."
صاحت فريدة بغضب مختلط بالدهشة:
"إلياس! إنت بتقول إيه؟! عايز مراتك تسيب البيت؟!"
رد بلا مبالاة وهو ينهي المكالمة بحدة:
"أنا عندي شغل دلوقتي."
أغلق الهاتف والتفت إلى راجح، الذي حاول عبثًا أن يظهر تماسكه أمام نظراته الثاقبة. وصل المسعف ومعه كرسي متحرك، فتقدم لمساعدة راجح للجلوس، لكن إلياس دفع الكرسي بقدمه وقال ببرود:
"خليه يمشي على رجله، لما ينشل يبقى نشوف له خشبة نجرُّه بيها."
صرخت رانيا مجددًا، وواجهته بشجاعة مترددة:
"إنت بتعمل إيه يا ابن جمال؟!"
استدار إليها بغضب متوحش، وكلماته خرجت كخناجر:
"قسمًا برب العزة، لو شفتك قدامي بعد دقيقة، لأقعدك مكانه.. لمِّي الدور وغوري من وشي، وبلاش شغل الرقاصين ده!"
خرجت رانيا تهرول كأنها تفر من عاصفة هوجاء، بينما عاد إلياس إلى راجح، وجذبه من مكانه بعنف ليصرخ الأخير بألم يمزق الهدوء:
"آه ظهري."
أشار إلياس للمسعف:
"ساعده لحد العربية اللي تحت."
حاول راجح أن يظهر قوته رغم ألمه، لكن صوته المرتجف خان كرامته:
"هندمك يا ابن جمال، واللهِ لأندمك."
لم يلتفت إلياس لحديثه، وإنما أخرج سيجارة وأشعلها، ثم نفث دخانها بوجهه ببرود قاتل:
"بحب الندم أوي يا راجح."
اقترب منه وهمس له بصوت جليدي:
"طلقت بنتك ورميتها.. أنا مستحيل أرتبط بدم ناس فاسدة زيكم."
ثم أضاف بابتسامة ساخرة:
"آه، نسيت أقولك، إحنا غيرنا التحليل للأسف، بنتك طلعت بنتك فعلًا الحاجة الوحيدة الحلوة اللي عملتها في حياتك."
جذبه من عنقه بقوة وضغط على رقبته، حتى تحول وجه راجح إلى اللون الأحمر، ثم تركه فجأة وهو يضيف ببرود:
"عشان خاطر الليالي اللي عيشتها مع بنتك، هركبك العربية دي.. بدل ما أركبك حاجة تانية."
ظل راجح يلهث كأنه نجا من الموت، بينما أشار إلياس إلى العربة الكارو المحملة بصناديق القمامة:
"ساعده يركب بس من غير هدوم، عايزه بالشورت بس، دا منعًا للاحراج."
كانت أعين راجح تكاد تخرج من مكانها من الصدمة والمهانة. تمتم بصوت مرتعش:
"هندمك يا ابن السيوفي.. واللهِ هندمك."
ابتسم بخفة واردف:
"أنا بعمل معاك واجب احمد ربنا هسيبك بالشورت."
قالها واتجه إلى سيارته.
أشار للرجل أن يتحرك وظل هو متوقفًا بسيارته لبعض الوقت يمسح على وجهه بعنف.
"اعمل فيكي إيه يا تعبة قلبي."
رفع كفيه يمسدها على خصلاته بقوة كاد أن يقتلعها، ثم رفع هاتفه.
"أرسلان!!"
"أيوة.. ميرال خرجت من الفيلا من غير عربية، حاول تعرف راحت فين، بس معاها التليفون."
"وإنت إزاي تخليها تمشي؟!"
"حياتي الشخصية مش للنقاش يابن فريدة، شوف بنت عمك زفت فين؟!"
عند ميرال، لم يكن قرار الهروب إلى الفندق مجرد نزوة، بل كان استغاثة صامتة.
استقلت سيارة أجرة بعشوائية وكأنها تحاول الهروب من شيء يطاردها بلا هوادة. وصلت إلى أحد الفنادق وحجزت غرفة عزلتها عن كل ما يؤلمها.
كانت الغرفة صغيرة وهادئة، لكنها بالنسبة لها صارت كعالم جديد خالٍ من الذكريات.
جلست بشرفتها، تتأمل الأفق الرمادي كأنها تبحث عن إجابة أو علامة.
رفعت هاتفها واتصلت بصديقتها، تحاول أن تسكت صوت الوحدة الذي ينهش روحها.
"عاملة إيه حبيبتي."
أجابتها صديقتها بابتسامة:
"كويسة مجتيش ليه؟!"
زفرت باختناق تنظر بالخارج قائلة:
"تعبانة شوية، وبفكر أنقل من الجرنال دا، كنت عايزة منك تكلميها!!"
"ليه بس..!"
"حاضر هحاول أكلمه، بس تنقلي فين؟!"
"ياريت لو ينفع ينقلني إسكندرية.. أنا بحب الجو هناك، بحس إني قادرة أتنفس."
قاطعتها صديقتها بصوت مفعم بالقلق:
"جوزك هيرفض يا ميرال، بلاش تتهوري.. وبعدين متنسيش إنك حامل."
شعرت بوخزة في قلبها عند سماع تلك الكلمات، لكنها تماسكت. رفعت يدها تفرك جبينها المثقل بالأفكار، ثم همست بصوت شجي بالكاد يسمع:
"لا... معتقدش إنه هيرفض... أنا وإلياس انفصلنا."
انفجرت شهقة مذهولة من صديقتها، تبعتها كلمات مرتبكة:
"إنتِ بتقولي إيه؟! إزاي دا حصل؟! وإنتِ فين دلوقتي؟ عند والدتك؟"
ابتلعت ميرال غصة حارقة وهي تنظر إلى السماء الملبدة، كأنها تنتظر هطول المطر ليغسل أوجاعها. أغمضت عينيها وأجابت بصوت مهتز:
"سماح... بعدين مش عايزة أتكلم عن دا دلوقتي، المهم هبعتلك طلب نقل وقديميه للأستاذ رشدي وشوفي رد فعله."
"طيب حبيبتي، طمنيني عليكي.."
لم تستطع ميرال أن تكمل.. دموعها كانت تقف خلف حاجز هش على وشك الانهيار. ألقت نظرة على شاشة هاتفها، وقالت بصوت متقطع:
"مضطرة أقفل دلوقتي..."
استمعت إلى صوت غادة الذي جاء مشبعًا بالبكاء والعتاب:
"كده يا ميرال.. هُنَّا عليكي؟! طيب إحنا ذنبنا إيه؟.. مش فكرتي في مامتك؟! طيب مش فكرتي فيا؟! إنتِ زعلانة من إلياس، بس إحنا مالنا؟"
شعرت ميرال أن كل كلمة من غادة كطعنة في قلبها. أغمضت عينيها بقوة، لكنها لم تستطع كبح دمعة انزلقت على خدها، ردت بصوت مبحوح يحمل كل وجع العالم:
"غادة... لو بتحبيني، متعمليش كده، أنا وإلياس خلاص مبقاش ينفع نكمل.. الحياة بينا بقت مستحيلة، علشان خاطري، سبيني براحتي."
صمتت غادة للحظات، ثم سألت بخفوت كأنها تحاول أن تتشبث بأي خيط أمل:
"طيب... إنتِ فين؟"
نظرت ميرال حول الغرفة.. الجدران الباردة، والوحدة القاتلة، جعلتها تشعر بأنها عالقة في قفص، لكنها أجابت بصوت خافت:
"في فندق... مؤقتًا بس... بلاش تسأليني اسمه، مش هقولك."
توقفت لوهلة، ثم أضافت بحزن يشق الصمت:
"لازم أقفل دلوقتي... لازم أنزل أشتري شوية حاجات."
أغلقت الهاتف قبل أن تمنح نفسها فرصة للتراجع. احتضنت جسدها كأنها تحاول حماية نفسها من السقوط في هاوية الوحدة. شعرت أن الغرفة تضيق، وأن الصمت يبتلعها.
نهضت من مكانها وفتحت حقيبتها التي جمعت بها بعض الأشياء المتعلقة بها، أخرجت جهازها المحمول، ودونت به بعض الكلمات التي تشعر بها، دون أن يتطرق لعقلها فكرة وصول المنشور إليه.
ما أصعب الصمت حين يختزل في داخله بركانًا من المشاعر المكبوتة، يتراقص على حافة الانفجار، إنه ذاك الصمت الذي يثقل الروح، ويغمر الجسد بضغط لا يحتمل، كأنه يفتته من الداخل. قد يبدو الصمت أحيانًا ملاذًا آمنًا من الصخب الخارجي، لكنه قد يتحول إلى عبء ينهك النفس إذا طال.
فالتعبير عن هذه العواصف الداخلية ليس ضعفًا، بل هو شجاعة تهديك طريقًا نحو التوازن، شارك ما يثقل صدرك مع شخص تثق به، أو امنح كلماتك مساحتها على الورق، فالكلمات أحيانًا تكون البلسم الذي ينقذ الروح من الانهيار.
أنهت تدوينها ثم ضغط عليها لتشاركها بصفحتها على مواقعها الإلكترونية الخاصة بها.
ظلَّت لفترة تعمل على جهازها على بعض المقالات، إلى أن أنهتها، ثم نهضت من مكانها تنظر إلى ثيابها وتذكرت عدم امتلاكها لأي شيء، حتى ثيابها تركتها وفرت هاربة.
أخرجت بطاقة الكريديت كارت وخرجت علها تتسوق بعض الأشياء، وصلت لأحد المتاجر المشهورة، وانتقت بعض الثياب، ثم أخرجت بطاقتها للدفع، ولكنها توقفت تشعر ببرودة تتسرب إلى جسدها حينما أردفت العاملة:
"آسفة ياهانم البطاقة متوقفة، أو ممكن مفيهاش فلوس."
هزة عنيفة كادت أن تسحب أنفاسها، هي لم تجلب معها أي نقود، اعتمدت على راتبها وبطاقتها التي كانت تحتوي بعض النقود.
تراجعت متأسفة وهي تحمل غصتها، وقلبها الذي ارتجف من الألم وروحها التي تنكوي بداخلها. لقد أوقف وسائل حياتها لتخضع له، ما هذا الجبروت، لماذا يفعل بها هذا، هل هذا هو العشق الذي تغنى به بأحضانها. تحركت بنزيف روحها، وجرحها الغائر، الغائر جدًا، لتشعر بقسوة من أحبته ووهبت له قلبها. ظلَّت تتحرك وفكرها مشوشًا ماذا عليها أن تفعل. وقعت عيناها على إحدى المحلات المشهورة بالمجوهرات.
توقفت أمام المحل، قلبها يئن بثقل لا يحتمله صدرها، ويديها ترتجفان كأنهما تحملان أكثر مما تطيقان. ألقت نظرة على ساعتها، ثم على الأساور التي لطالما زينت معصمها بفخر. أغمضت عينيها للحظة، كأنها تحاول كتم صرخات قلبها التي تتردد في أعماقها، ثم نزعت الأساور بأنفاس متقطعة ووضعتها على طاولة المحل، همست بصوت بالكاد يسمع:
"عايزة أبيع دول... لو سمحت."
التقط الرجل الأساور بتأنٍ، يتفحصها بعين خبير، ثم رفع بصره إليها. كانت ملامحها رغم بريقها الباهت، تشير بانتمائها إلى عالم آخر... عالم الأرستقراطية والترف، لكنه كان يعلم أن الأوقات الصعبة تسقط حتى العظماء.
همس بتردد:
"فين فاتورتهم؟"
رفعت عينيها إليه بذهول، كأن السؤال كان طعنة جديدة في كبريائها التي بالكاد كانت تتحمل المزيد:
"يعني إيه؟"
هز رأسه بإشارة تحمل الشفقة أكثر مما تحمل الإجابة، ثم وضع الأساور على الميزان وقال ببرود:
"واحد بـ 50 ألف، والتاني بـ 100 ألف."
شعرت الأرض تتزلزل تحت قدميها، عجزت عن الرد للحظة، قبل أن تتمتم بصوت مرتعش، بالكاد يحمل مزيجًا من الغضب والانكسار:
"إيه!!؟ بس دول أغلى من كده بكتير... دول غاليين أوي!"
وضع الرجل الأساور أمامها ببرود، كأن حديثها لا يعنيه:
"واللهِ ده السعر اللي عندي."
غرقت عيناها بالدموع، دموع حارقة حاولت جاهدة ألا تسقط، ثم هزت رأسها بالموافقة كأنها تعلن هزيمتها في معركة طويلة، دفعت الأساور باتجاهه وقالت بصوت مختنق:
"خلاص... أنا موافقة."
لكن فجأة، اخترق الموقف صوتًا حازمًا، يحمل قوة غريبة، صوتًا أثار ارتعاش قلبها أكثر من أي شيء آخر:
"بس أنا مش موافق."
التفتت ببطء، كأنها تخشى رؤية صاحب هذا الصوت. كان يقف هناك يحمل في عينيه نظرة غاضبة لكنها مفعمة بحزن عميق. مد يده وأمسك بالأساور بقوة يقلبها، ثم التفت إلى صاحب المحل بنظرة ازدراء قائلًا:
"حاجة معدية 500 ألف... عايز تشتريها برخص التراب يا حرامي؟!"
جمدت الكلمات في حلقها، وصاحب المحل لم يجرؤ على الرد. نظرت إليه بعينين امتلأت بالذهول والدموع، وهمست بصعوبة:
"إنت؟"
اقترب منها، لم يكن في عينيه غضب، بل شيئًا أعمق... شيئًا أشبه بالشفقة الممتزجة بالعتاب. أمسك بيديها ووضع الأساور فيها قائلًا بصوت يحمل نبرة لن تنساها:
"مشكلتك مش إنك محتاجة فلوس... مشكلتك إنك بتفرطي في اللي باقي من روحك وكرامتك يابنت عمي."
صمت للحظة، تاركًا كلماته تتردد في عقلها، ثم أردف:
"لو مضطرة، الدنيا فيها حلول تانية... لكن كده لأ."
تساقطت دموعها أخيرًا، كأنها تعلن استسلامها أمامه، دموعًا ليست مجرد نزيف عاطفي، بل شهادة على نهاية مرحلة مليئة بالمرارة والحزن.
هزته دموعها فتمتم بنبرة هادئة عكس ما يشعر به:
"تعالي ياميرال، عيب لما تكوني مرات إلياس السيوفي، وتيجي تبيعي مجوهراتك."
"عايز مني إيه يا حضرة الظابط، هو اللي قالك تجي لي مش كدا؟"
ابتسم أرسلان على غضبها الظاهر بعينيها، ثم اقترب لتتراجع خوفًا منه:
"لا جاي أفرحك بيا يابنت عمي، شكلك معرفتيش لسة.. مش إحنا طلعنا ولاد عم."
قالها وهو يضرب كفيه ببعضهما.
أفلت ضحكة رجولية، ليبتسم قائلًا:
"معرفش إيه اللي حصل بينك وبين إلياس، بس اللي متأكد منه إنه بيحبك."
"عارفة من فترة إنك ابن عمي."
رفعت عيناها إليه ثم فكرت لدقائق بعدما علمت أنها الخاسرة بالمعركة أمامه، وأيقنت ذلك بعد وصول أرسلان إليها.
"أرسلان.. عايزة مساعدتك.."
طالعها منتظرًا حديثها فأردفت:
"عايزة أنقل شغلي إسكندرية وأخوك هيرفض، إيه رأيك تساعدني.."
"ومين قال لك أنا موافق، تعالي نتمشى شوية ونشرب قهوة ونتكلم إيه رأيك؟.. اعتبريني ابن عمك."
"ماهو يابن عمي، أبويا السبب في اللي إنتوا وصلتوا له."
توقف يطالعها لفترة:
"إنتِ كنتِ عايشة معاه؟"
هزت رأسها بالنفي، ثم أردفت:
"لا أنا كنت مع ماما فريدة."
"بس كدا إنتِ جاوبتي نفسك، بلاش آخدك بنظرية الطاووس جوزك."
وصل إلى أحد المقاهي الهادئة، دلف إلى الداخل تتبعه بخطوات متثاقلة، كأنها تحمل أثقالًا على كاهلها في لحظة صمت. دوى رنين هاتفه ليكسر الهدوء، رفع الهاتف ونطق بحروف ثقيلة:
"أيوة..."
عيناه لم تفارقا ميرال، يراقب كل إيماءة تصدر منها، كأنه يبحث عن إجابات داخل ملامحها الشاحبة. لماذا وصل بهما الوضع لهذه الحالة، أيُعقل هو السبب، أم أن إلياس أخذها بعقاب راجح. هز رأسه رافضًا وساوسه.
استمع إلى نبرة صوته المتلهفة:
"لقيتها يا أرسلان؟"
تساءل بها إلياس بقلب ينتفض بالخوف عليها.
حاوطها أرسلان بنظراته للحظات، ثم قرب الهاتف إليها، يشير لها بالرد.
ترددت للحظة، قبل أن ترفعه بارتباك وتجيب بنبرة مثقلة بالألم، ظنت أن المتصل هي فريدة:
"أيوة يا ماما..."
تلك الكلمة التي خرجت من شفتيها بعفوية، أصابت قلبه كسهم غادر، خانته أنفاسه، وتضاربت دقات قلبه بعنف، كأن العالم من حوله توقف. أغلق الهاتف سريعًا، كأن صوتها اختطف منه كل قدرة على التماسك.
وضع الهاتف على الطاولة، وغمره شعورًا غامرًا من الاشتياق واللوعة، ولكن كبرياؤه حطم تلك الرجفة، أطبق على جفنيه بقوة، وكتم داخله صرخة أراد أن يطلقها. يقسم في أعماقه أنها لو كانت أمامه الآن، لاحتضنها حتى يتلاشى الألم من عروقها، وذابت بنيران العشق الملتهب.
عند ميرال، رفعت حاجبيها باستفهام خافت، وقالت بصوت منكسر:
"دي مش ماما فريدة..؟"
نظرت إلى الهاتف، وعيناها وقعتا على اسمه المنقوش على الشاشة. توقفت لحظة، وارتسمت على وجهها ملامح دهشة مؤلمة. أصابعها مرت فوق اسمه، كأنه محفور بحروف من ذهب تشتعل تحت نيران ذكريات الألم.
لم تستطع منع دمعة انزلقت بخيانة تحرق وجنتها، لكنها سرعان ما أبعدت يدها كأنها تخشى الضعف والاشتياق.
حمحم أرسلان ليكسر الصمت الحارق، ألقت إليه الهاتف بعصبية مكتومة، وسحبت بصرها مبتعدة، تنظر حولها بعشوائية كأنها تبحث عن شيء يخلصها من دوامة مشاعرها.
"شوفي... من كام ساعة وبتعملوا في بعض كده؟ هو هناك هيتجنن عليكي، وإنتِ هنا نفسك تطيري لعنده.. طيب ليه الفراق؟"
رفعت وجهها إليه، وعيناها غارقتان في الدموع، وملامحها تحمل خليطًا من الوجع والحزن:
"هتنسوا إني بنت راجح، يا أرسلان؟ بنت الراجل اللي دمر حياتكم."
رد عليها بصوت عميق هادئ، لكنه محمل بالحنان المغلف بالحزم:
"وإنتِ مالك؟ هو إنتِ كنتِ متفقة معاه؟ ولَّا خايفة عليه؟"
"لا ده ولا ده... بس أنا هفضل في نظر الكل بنت المجرم."
تنهد أرسلان، وصوته هذه المرة كان يحمل دفئًا غير متوقع:
"حد اختار أهله يا ميرال؟ وبعدين اللي عرفته إن مدام فريدة هي اللي ربتك، حتى اسمك، مش مرتبط بيه."
وصل النادل يحمل المشروبات، فوضعها على الطاولة، كأن صوته أعطى فرصة لها أن تستعيد تنفسها. طالعها بعينين ثاقبتين، وتابع ملامحها وهي تغرق أكثر في أعماق دوامة آلامها.
رفعت عينيها المرتجفة:
"خلينا بعيد عن بعض أحسن."
قالتها بنبرة ضعيفة.
هز رأسه بإيجاب، لكنه غير مقتنع:
"تمام... حقك تبعدي وتفكري بس بشروطي."
رفعت عينيها إليه مترقبة، كأنها تعرف أن كل كلمة ستأتي منه ستكون نقطة تحول. اقترب بجسده من الطاولة، وعيناه تلتقيان بعينيها مباشرة:
"اعتبريني أخوكي الكبير... وعد مني، مش هفرض رأيي عليكي، بس نصيحة، بلاش تبعدي عن جوزك لأنك هتقعي.. وأنا متأكد هتقعي."
قالت بنبرة مريرة، أقرب للبكاء:
"أنا معرفكش، بس مفيش قدامي غير إني أسمع كلامك."
ابتسم ابتسامة خافتة، ثم قال:
"تمام بس هتقعدي في مكان خاص بيا."
فتحت فمها لتعترض، لكنه رفع يده، يطالبها بالصمت:
"مكملتش كلامي.. هتقعدي تحت حمايتي، ومفيش نقل شغل انسي، لأن مهما عملنا، إلياس هيرفض وحقه."
نظر إلى بطنها التي بدأت ملامح الحمل تظهر عليها، ثم أكمل بهدوء يشوبه الحنان:
"عيشي زي ما إنتِ عايزة، بس تحت عيني ووعد... محدش هيقرب منك."
"وإلياس هيوافق؟"
نهض من مكانه، يرتدي نظارته، ثم قال بنبرة واثقة:
"لما أرسلان الجارحي يوعد.. بيوفي."
تراجعت خطوتين، وجسدها يترنح كأن الألم كاد يهزمها. مد يده يمسك ذراعها قبل أن تسقط. رفعت عينيها إليه، نظرة واحدة كانت كافية لتبوح بكل ما كتمته داخلها. هزت رأسها بابتعاد، وهمست بصوت خافت:
"شكرًا..."
أشار إليها بالتحرك، وتحركت بخطوات مثقلة إلى الخارج. فتح سيارته وأشار لها:
"هنعدي على الفندق، تاخدي حاجاتك وبعد كده هنعدي على الشقة."
ترددت للحظة، لكنه حسم الأمر بنبرة صارمة:
"معنديش وقت على فكرة."
بعد فترة قصيرة، توقفت السيارة أمام حي راق يلفه الهدوء والأناقة. ترجل أرسلان من السيارة بخطوات واثقة، أشار إلى المنزل أمامهما قائلًا:
"دا بيتي."
رفعت ميرال عينيها، تحدق في اللافتة التي يتصدرها اسمه. كان مكتوبًا بخط واضح وقوي، كأنما يريد أن يثبت حضوره في كل مكان يمر به. لم تتمكن من إخفاء ارتجافة خفيفة في نظرتها، قبل أن يتابع حديثه بنبرة هادئة:
"غرام فوق، هتقعدي معاها شوية لحد ما أظبط لك الشقة."
ترددت لوهلة قبل أن تقول بصوت يحمل مغزى مخفي:
"الشقة دي بعيدة؟"
ابتسم أرسلان، تلك الابتسامة التي تحمل مزيجًا من السخرية والحنكة:
"لا، مش بعيدة متخافيش، الشقة بتاعتي، مش بتاعته وعيب تختبري ذكائي، تمام أيتها الصحفية؟"
رغمًا عنها، أفلت ابتسامة صغيرة من شفتيها، ثم تحركت بجواره، تسير بخطوات مترددة. توقفت فجأة، وقالت برجاء خافت:
"أنا بعت طلب نقلي إسكندرية، وطبعًا إنت أكدت إنه هيرفض، فأنا هنقل من الجريدة دي مش عايزة مكان لإلياس له يد فيه."
رفع حاجبه بدهشة مصطنعة، ورد بنبرة مشحونة بالسخرية:
"ياااه، دا إنتِ بتكرهيه بدرجة لا توصف!"
توقفت مكانها، وقالت بصوت يخنقه الحزن:
"مش كره على قد ما عايزة أعتمد على نفسي... بعيدًا عن سلطته."
استدار أرسلان نحوها، ونظراته أصبحت أكثر جدية، وكلماته خرجت كأنها إنذار:
"وتفتكري مش هيعرف يوصل؟ إنتِ حامل في ابنه.. ياريت متنسيش الحتة دي، وقبل دا كله، إنتِ بنت عمه."
ابتلعت ميرال الكلمات التي احتشدت في حلقها، وسارت بخطوات مثقلة نحو الباب. لم يكن جسدها فقط من يحمل ثقل الألم، بل روحها أيضًا. توقفت أمام الباب، تهمس بصوت بالكاد يسمع:
"هكون طليقته وبس، أنا مش بنت الراجل دا.. مفيش علاقة تربطني بيه ولا عايزة أعترف بيه، إنتوا اعترفوا براحتكم ومش هيربطني بيكم غير الولد اللي في بطني."
قالتها كأنها تحاول منع ارتعاشة جسدها. لكنها لم تستطع منع تلك النبرة الموجوعة من أن تتسرب إلى مسامعه.
كان خلفها، يراقب كل خطوة وكل كلمة. لم يرد عليها وسار بصمت، لكنه كان يعلم أن خلف حديثها المكسور تحمل داخلها قوة دفينة، رغم كل الجروح، ليهمس لنفسه:
"شكلنا هندفع كتير على الماضي يابنت عمي، وللأسف أكتر حد هيدفعه إنتِ وإلياس، ياترى إيه اللي حصل وصلك لكدا؟!"
في منزل يزن، كان الهدوء يغلف المكان، إلا من صوت أوراق الكتب التي تقلّبها إيمان. بينما يحاول يزن إنهاء درسها، أطفأ صوت قلبه الذي يضج بالاشتياق، وهو ينظر إليها بعيني أخ يكتم قلقه خلف قناع الصبر.
بعد أن انتهى من تدريسها، اتجه نحو غرفته بخطوات مثقلة. استوقفته إيمان بنبرة مترددة:
"يزن، مش هتروح لرحيل؟"
توقف في مكانه، كأن كلماتها طعنت شيئًا عميقًا داخله. هز رأسه نفيًا، ثم أشار بعينيه إلى كتبها، محاولًا التظاهر بالقوة:
"ذاكري يا حبيبتي متفكريش غير في مستقبلك وبس... يومين كدا وأروح لها."
رأى التردد والقلق في عينيها وهي تنهض من مكانها لتقترب منه. صدى مشاعرها وصل إليه رغم صمتها:
"يزن... هوَّ إنتوا هتسيبوا بعض فعلًا؟"
كانت كلماتها مثل جرح ينفتح من جديد. أمسك بسجائره ومفتاح دراجته محاولًا أن يشغل يديه بما قد يصرف تفكيره. لم يكن لديه إجابة شافية فحاول التهرب:
"هروح أشوف كريم وإنتِ... ركزي في أول درسين في الفيزياء، مفيش وقت للعب والهزار ولو رحيل كلمتك، قولي لها أنا برة."
اقترب منها أكثر، كأن بحنانه كان يحاول يطمئنها رغم القلق الذي ينهش قلبه. طبع قبلة على جبينها وربت على كتفها:
"اهتمي بمذاكرتك، إيمان.. كل حاجة هتتحل."
قالها وهو يغادر بخطوات ثقيلة، كأنما يهرب من ثقل الحقيقة.
وصل بعد قليل إلى عيادة صديقه كريم. انتظره بصمت، يراقب الساعة كأن الوقت يعاند أفكاره. خرج كريم أخيرًا من مكتبه، وارتسمت على وجهه الدهشة حين رآه:
"ليه مقولتليش يا بني؟!"
نهض يزن من مكانه، ابتسامة باهتة ترسم وجعه:
"استنيتك لما تخلص.. لو فاضي، نقعد شوية قبل ما تروح، أنا محتاج أفهم منك أكتر في موضوع إلياس السيوفي.. كنت عايز أسألك، لكن بعد موت مالك، الأمور اتلخبطت."
خلع كريم معطفه الطبي بتعب، ونادى على الممرضة:
"لمي الحاجات واقفلي، أنا ماشي.. لو احتجتي حاجة، كلمي البواب."
تحرك كريم معه، كأن الحزن الذي يثقل أكتاف يزن صار يشاركهما الطريق.
في المقهى، جلسا بصمت لدقائق، كان صوت ارتطام الملاعق بالأكواب هو الوحيد المسموع. أخيرًا كسر كريم الصمت، وهو يدير كوبهه ببطء:
"رحيل... عاملة إيه؟"
رد يزن بنبرة هادئة تخفي عاصفة الحب في داخله:
"كويسة، امبارح خرجت من أوضتها، والنهاردة نزلت الشغل."
هز كريم رأسه بتفهم، لكن عينيه كانتا تبحثان عن شيء آخر. سأل بتمعن:
"وراجح؟"
تنهد يزن بعمق، كأن الإجابة كانت عالقة في صدره:
"مالوش ظهور.. معرفش مختفي فين، رحت له البيت بحجة إني مهندس ضرائب، علشان أنفذ المخطط.. بس ملقيتوش."
ارتشف كريم من كوبهه قبل أن يسأل بنبرة خافتة:
"وطارق لسة محبوس؟"
ضحك يزن ضحكة باهتة، تحمل في طياتها مرارة وسخرية:
"ابن السيوفي موصي عليه، مش بس كده.. شكله هيقضي حياته كلها جوة، اتفتح عليه قضايا تودّي في ستين داهية."
نظر إليه كريم بقلق، صوته يحمل خليطًا من الاستنكار والشفقة:
"معقول... فرحان في أخوك؟!"
أشاح يزن بوجهه بعيدًا، عينيه تبحثان بشرود. فخرج صوته متحشرجًا، يحمل كل الأوجاع التي حاول دفنها:
"لو قلت لك إني مبقتش أحس... هتصدقني؟ مشاعري كلها ماتت... سلبوها مني."
صمت كريم للحظة، ثم حاول تغيير الموضوع:
"وبعدين؟ هتفضل كدا لحد ما قلبك يتسرق منك؟"
نظر إليه يزن بجمود، كأن كلامه لم يصل إليه. سأل بحدة:
"إلياس السيوفي كان عايزني ليه؟"
هز كريم كتفيه بجهل، لكن فجأة تذكر شيئًا وقال:
"كان زي المجنون، كلامه كان غريب... حتى قالي ليه بتسأل وبتدور ورا أمي؟"
انعقد حاجبا يزن في تساؤل حاد:
"قصده مين؟ فريدة؟"
رد كريم بنبرة غامضة:
"مش عارف، بس هي فريدة مرات أبوه... يعني زي أمه."
ارتشف يزن ما تبقى من كوبهه، كأنما يحاول ابتلاع كل هذا الغموض مع قهوته، ثم تساءل كريم بصوت خافت:
"ما حكيتش... عملت معاها إيه؟"
غرق يزن في ذاكرته، يعود إلى ذلك الوقت حين قابل فريدة لأول مرة. كان واقفًا في الحديقة ينتظر خروجها، خرجت بخطوات هادئة، عيناها مليئتان بالاستفهام:
"إنت مين يا بني؟ وليه رافض تدخل جوا؟"
تحرك رجل الأمن نحوها بحذر وقال:
"نضيف يا مدام، مفيش معاه أي أسلحة، أنا هقف قريب لو احتجتيني."
أومأت برأسها، ثم نظرت إليه تنتظر إجابة. اقترب يزن بخطواته، وأخرج من جيبه مظروفًا، ثم قدمه إليها بصوت يحمل احترامًا ووجعًا دفينًا:
"الظرف ده رسالة لحضرتك كان وصية من أمي... أوصتني أوصله لك وجيت بنفسي علشان أشكرك على كل اللي قدمتيه ليها."
تجعد جبينها، عيناها تبحثان عن معنى كلماته، فتحت المظروف بيدين مرتعشتين، ما إن قرأت محتواه حتى صعقت، رفعت عينيها إليه، وصدمتها تفيض من صوتها:
"إنت... يزن؟ ابن راجح؟"
أومأ بابتسامة حزينة، كأنها تحمل كل ما لم يستطع قوله.
"أيوة أنا يزن راجح، ابن عزة."
اللمعت عيناها تنظر إليه بسعادة، فاقتربت منه تتفحصه بحب وأردفت بنبرة حزينة:
"يعني إيه وصية مامتك؟!.. هي مامتك فين يابني؟.."
"والدتي توفت من سبع سنين."
شهقة حزينة أخرجتها فريدة، مع دمعة تدحرجت على وجنتيها مرددة:
"لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ربنا يرحمها ويغفر لها ياحبيبي، طيب إنتَ قاعد مع والدك ولَّا مع مين؟.."
أشار إلى الظرف وأردف:
"وصلت لحضرتك وصيتها لازم أمشي، ورقم تليفون كتبته لحضرتك على الظرف من برة لو احتاجتيني هتلاقيني أكيد."
قالها واستدار ولكنها تشبثت بذراعه:
"استنى، مقولتش إنتَ عايش مع مين؟.. باباك؟.. أنا كنت أعرف إن والدك عنده ورشة، دا آخر كلام مع والدتك، حتى ما قالتش قاعدين فين خافت لوالدك يعرف."
طالعها لبعض اللحظات بصمت ثم أردف بنبرة ثقيلة:
"والدتي ووالدي توفوا، وأنا عايش مع أخواتي، ليا أخ وأخت، كل حاجة هتلاقيها عندك، وقبل ما أمشي حبيبت أشكرك جدًا على مساعدتك لماما، وأكيد هنتقابل تاني، بس رجاءً مش عايز اللي اسمه راجح دا يعرف حاجة أنا جيت لك حسب كلام والدتي، ياريت تكوني زي ما كنتي دائمًا معاها."
"راجح مش عايزة يعرف أي حاجة بعد إذنك."
قالها واختفى من أمامها.
خرج من شروده على لكزة كريم له:
"بكلمك يابني، ماقولتش عملت إيه مع فريدة؟.."
أمسك كوبهه يلفه ثم رفع عينيه إلى كريم وأجابه بحزن عميق:
"ولا حاجة."
"صاحبك معرفش حاجة عن الست اللي اسمها سمية؟.."
ضرب كريم على رأسه متذكرًا:
"آخ نسيت أقولك، الست دي ماتت من عشر سنين بمرض السرطان بمستشفى حكومي، وحتى المستشفى هي اللي دفنتها بعد مالقوش حد اتعرف عليها."
قطب جبينه متسائلًا:
"يعني إيه؟.. طيب وبنتها فين، ماتت؟.."
هز كتفيه بجهل وأجابه:
"معرفش اللي عرفته قولته لك.."
مسح على وجهه بعنف، ثم زفر زفرة حارة يتمتم بغل:
"بلاويك كترت ياراجح، ياويلك مني.."
رفع عينيه إلى الشاشة الموضوعة بالمقهى فوقعت عيناه على صورة راجح:
"مش دا راجح؟!"
أمام فيلا الشافعي، بعد أمر إلياس بركوبه عربة كارو التي تحمل صناديق القمامة، وأوصى بعضًا من أمنه التحرك خلفه لتوصيله إلى منزله، مع وصول بعض الصحفيين أمام فيلته لانتظاره، وصل راجح الفيلا، ليجد عددًا مهولًا من الصحفيين الذين تفاجأوا به بتلك الحالة. نزل من فوق العربة محاولًا الابتعاد عنهم؛ ولكنهم حاصروه مع التقاط الصور له بجوار صناديق القمامة وإلقاء بعض الأسئلة عليه، ليشعر بالإهانة من أسئلتهم.
بمكتب إلياس.
ارتفعت ضحكات إلياس وهو يراه بتلك الحالة. نظر شريف إلى الشاشة يهز رأسه بفرحة:
"ضربتها يا معلم، بس قولي إيه الفايدة من كدا، وإيه اللي بينك وبين الراجل دا؟.."
نفث تبغه وابتسامة انتصار على وجهه، يشير إلى شريف:
"ادخل بالضربة التانية، مش عايزه يقوم منها، ياله عندي شغل."
استند شريف على المكتب ينظر إليه:
"ماتقول لي يا بحر وتفهمني، مش يمكن أتعلم منك."
اعتدل مقتربًا منه:
"البحر عميق يا بني، عايز سباح ماهر علشان ما يغرقش.. مش كل اللي بيعرف يعوم يوصل الشط يا حبيبي، ياله على شغلك."
قطع حديثهما رنين هاتفه، رفعه لترتفع ضحكاته مرة أخرى:
"كنت عارف إنك هتتصل."
"إنت ورا اللي حصل؟.."
نصب قامته وتوقف إلى النافذة ينظر إلى مرور المارة، ينفث تبغه بتمهل كالفائز بجائزته وأجابه:
"ولسة، دا أول مسمار."
"ليه؟" تساءل بها أرسلان.
"متقدم لمجلس الشعب، ودا لو نجح وعارف هينجح من الناس اللي وراه، مكناش هنقدر عليه، فكان لازم أوقعه قبل ما يفكر هيعمل إيه وكمان عايز أبعده عن مجتمعه، بدل ما يأمروا بقتلنا ويصفونا لأ يبعدوه عنهم، علشان مانحاربش في كذا جهة، لو راجح فضل تبع الناس دي مش هنقدر عليه يا أرسلان، مش عشان إحنا ضعفا، لا، عشان إنت مش عارف بتحارب مين، عدوك مش واضح، فهمتني، عشان كدا لازم نحسب كل خطوة، إحنا دلوقتي هنقعد ونتفرج هيعملوا فيه إيه، من جهة مش هيقدروا يموتوه، عشان هو ماسك عليهم أنفاسهم، متنساش دا كان ظابط."
تنهيدة عميقة أخرجها أرسلان قائلًا:
"أنا مش عارف أفكر أصلًا، دماغي فيها مليون حاجة."
تذكر أمر والده فسأله:
"لسة باباك في غيبوبة؟.."
أجابه بنبرة حزينة:
"لسة للأسف، ومرعوب من فكرة فقده دي، أصلك متعرفهوش دا أحن راجل في الدنيا، ميغركش صوره ومقالاته اللي بينزلها، بس قلبه كبير أوي يا إلياس، أنا بجد لو حصل له حاجة مش عارف هعيش إزاي من غيره."
"-لا إن شاء الله، هيقوم بالسلامة، هي العملية كانت كبيرة، تعرف إحنا ولاد حلال على رأي مدام فريدة."
"-هو إيه موضوع مدام فريدة دا يا بني، يعني حتى بعد ما عرفت إنها والدتك.."
صمت للحظات ليشتت تفكيره ثم تساءل:
"ميرال عملت معاها إيه؟.."
"-في بيتي مع غرام."
"-ليه بقى خدتها هناك، مش قولت لك ودّيها الشقة."
تراجع بجسده على المقعد وذهب ببصره لوقوف إسحاق أمام النافذة وأجابه:
"-مراتك ذكية وفهمت كنت هودّيها شقتك، عشان كدا وعدتها."
"-نعم يا أخويا، إنتَ بتقول إيه؟ يعني تقعد عندك بصفتها إيه، ليه جوزها مش قادر يعيشها؟"
قالها مزمجرًا، ثم تابع حديثه بنبرة قوية:
"تقعد في الشقة اللي قولت لك عليها، يا في البيت يا أما هقلب لها وش عمرها ما شافته."
"-خلصت كلامك، يعني مثلًا لما أقول لها كدا، هترضى، يابني دي خرجت على أساس انفصلتوا، يعني مفيش حاجة تربطكم.. وأنا وعدتها هساعدها."
"-أرسلان فوق واعرف بتتكلم مع مين، آخر كلام اللي سمعته، غير كدا ترجع البيت يا أما وحياة حبي ليها لأكرهها نفسها، متنساش إنها حامل في ابني."
"-لا واللهِ طيب لما إنتَ بتحبها وهتموت كدا، إزاي خليتها تخرج من بيتك وهي بالشكل دا، أنا الصراحة مش عارف أقول لك إيه، البنت صعبت عليا، عايزة اللي يحسسها بالأمان مش اللي يدوس."
"-خلصت كلامك، اسمعني عشان دا آخر حاجة هتسمعها مني في الموضوع دا، طول ما هي لسة على اسمي ممنوع تخرج برة طوعي، وعلى ما أظن دينها بيقول لها كدا."
"-بتحبها؟.." تساءل بها أرسلان بهدوء.
"-مالكش دعوة، ومش معنى طلبت إنك توصلها يبقى أنا عاجز، أنا بس عايز أعرفها حدودها."
"-تمام يا حضرة الظابط، وصلتني الإجابة، عايز مراتك عندي في البيت، قول لها واعمل لها اللي إنتَ عايزه، بس لو هي طلبت حمايتي، مش هشوفك قدامي، هي برضو بنت عمي، حتى لو كان العم دا راجح، بس دي بنت وطلبت الحماية."
قالها أرسلان وأغلق الهاتف.
دقيقة واحدة محاولًا بها السيطرة على أعصابه، فقد أثار حديثه جنونه، ليتحول غضبه إلى عاصفة جنونية، أشعلت فتيل الشياطين أمامه، ليتحرك بخطوات نارية كأنه يضغط على بنزين يزيد اشتعال جسده بالكامل.
رفع أرسلان هاتفه:
"إلياس رافض تقعدي عندي، لو عايزة أقف له أنا مستعد."
"لأ خلاص، أنا هتصرف، وشكرًا لمساعدتك."
تنهد بعمق ثم أردف:
"ميرال إلياس بيحبك أوي صدقيني، ممكن يكون غلط، بلاش تمشي ورا شيطانك."
"شكرًا أرسلان، هفكر وارد عليك."
وصل بعد فترة وظل بالسيارة لبعض الدقائق ثم رفع هاتفه:
"أنا قدام بيت أرسلان، دقيقة وألاقيكي بدل ما أطلع أجيبك."
نهضت من مكانها معتذرة لغرام:
"شكل أرسلان مقدرش عليه فعلًا، هنزله علشان عارفة إنه مش هيسكت."
احتوت غرام يديها:
"حبيبتي أهم حاجة متزعليش، وبدل جه صدقيني بيحبك وباقي عليكي."
ابتسمت بحزن، وعيون لامعة بالدموع:
"عارفة إنه بيحبني، ياريت يكرهني."
قالتها وخطت إلى الخارج، بخطوات هزيلة، وصلت إلى سيارته وصعدت بجواره دون حديث.
"إزاي تخرجي بالطريقة دي؟.."
رفعت عينيها الجريحتين، وخرج صوتها كالخطوط المتعرجة بهمس:
"خوفت النص ساعة يعدوا، وترميني برة."
لحظات مميتة ليستوعب ما اخترقته أذنه من حديثها. قبضة مميتة قيدت جسده حتى جعلته كالمسحور، فارتفعت أنفاسه حتى شعر بالأشواك تجرح رئتيه. منذ متى وهي تظنه بتلك القسوة، هل هو من قسى أم هي؟
استدار ينظر من نافذة السيارة بعد فتحها بالكامل، حينما شعر كأن العالم يطبق فوق صدره من كلماتها المميتة. صمتًا مريرًا لدقائق بالسيارة وهو عاجزًا عن التفوه، ثم قال بصوت أجش هادئ يحمل في طياته العقلانية:
"أنا موافق على اللي إنتِ عايزاه، بس برضو متنسيش إنك حامل ومينفعش تكوني بعيدة، عندك البيت، وكمان فيه شقة ممكن تستقري فيها، ومش هحاول أضايقك، وبعد ما تولدي هعمل لك اللي إنتِ عايزاه."
نكست رأسها للأسفل بوجع العالم، تحاول ألا تضعف أمامه وتخونها دموعها. ظلَّت صامتة. جامدة بجسدها تمنع أشباح الانهيار أمامه.
"ميرال..."
أغمضت عينيها بعد رعشة أصابت جسدها من صوته الخافت الذي هزها بقوة.
رفع ذقنها برفق بعدما شعر بالقلق من حالتها.
رفرفت أهدابها تمنع النظر إلى عينيه حتى لا تهوي مرة أخرى في لجَّة عشقه. كرر اسمها بنفس نبرته الرجولية، فخرج صوتها شاحبًا، يحمل انكسار روحها الذي جنته يداه:
"حاضر يا إلياس، هعمل اللي إنتَ عايزه، بس عايزة أكمل شغلي، عايزة حياتي أبنيها أنا بنفسي، أتمنى تحترم خصوصياتي."
"وابنك ضمن خصوصياتك دي، يعني لسة مصرة على إنك تتنازلي عنُّه؟.."
دموعًا حارقة ممزوجة بحروف الألم والانهيار الذي تشعر به لتهز رأسها بالنفي:
"لا... ابني ليا، ممكن أكون قولتها وقت غضب أو ضيق منك، بس مستحيل أتنازل عنُّه، انسى أي كلمة قولتها."
قالتها واستدارت تنظر من النافذة.
لم يستطع كبح مشاعره في تلك اللحظة.
بالمشفى:
كان يجلس بجوار فراش أخيه، يحتضن كفيه يحادثه:
"فاروق هتفضل لحد إمتى، أوعى تسيب إسحاق، أخوك في دوامة، فوق عشان أقول لك أحلام عملت إيه، وإيه اللي وصلني أكون معاها كدا."
دمعة تسللت على وجنتيه ليزيلها سريعًا، ثم رفع كف أخيه يقبله:
"فاروق أنا من غيرك بضيع، أوعى تفكر أخوك قوي، قوتي فيك، عشان خاطري لازم تفوق."
ابتسامة من بين أحزانه مردفًا:
"أرسلان مش هيسيبنا وأنا اتكلمت معاه، وهو وعدني."
ذهب بذاكرته لقبل يوم. جلس إسحاق بجوار أرسلان متسائلًا:
"رحت بيت السيوفي؟.."
أومأ برأسه، ثم رفع عينيه على صفية فنهض من مكانه:
"هشوف ماما، لازم تروح ترتاح، كدا ممكن توقع من طولها."
نصب قامته وتوقف بمقابلته:
"لسة زعلان مني؟!"
"إحنا لسة متحاسبناش يا سيادة العقيد."
أطبق إسحاق على كتفه واقترب يهمس بهسيس مرعب:
"اسمعني عشان مجبش أخري منك، الدنيا كلها فوق دماغي، إنتَ ابن الجارحي، غصب عن أي مخلوق، غصب عنك إنتَ كمان، فياريت تعقل لأنِّي مش هسمح إنك تبعد عن حضني، اقترب خطوة أخرى واستأنف بنبرته المزعجة كما ظنها أرسلان:
"أنا اللي ربيت يا ابن فاروق، وأنا اللي كبرت وعلّمت، يعني من الآخر كدا أنفاسك دي مش ملكك دي ملكي أنا، فياريت متتهورش، ممنوع يا ابن فاروق الصحافة تشم خبر، أو تكلم نفسك وتقنعها إنك مش ابننا، كفاية أبوك اللي بين الحياة والموت، بص على أمك وأختك وخديهم في حضنك."
ابتعد أرسلان وابتسم بمرارة ما يشعر به:
"أختك، هو حضرتك نسيت فاروق باشا قال إيه؟"
طالعه بعينيه الصقرية وهتف يوبخه:
"ما يقول، ماهو طول عمره بيقول، من إمتى وإحنا بنسمع كلامه، إنتَ هتستعبط على إسحاق يالا، دا إنتَ محدش يقدر يقول لك تعمل إيه، كلمتين قالهم وهو خايف يموت ويسيب بنته، وأنا عارف قال كدا ليه، بس مش معنى قال كدا هتنفذ، كنت نفذت القديم يا خويا، مش تلعب على إسحاق عشان ممكن أغرقك يا ابن فاروق."
قاطعه رنين هاتفه:
"أرسلان غرام كانت عندنا ووصلتها، هي مارضيتش تقول مالها، بس ياريت تشوفها عشان صعبانة عليا."
"تمام يا زياد، سلم لي على باباك."
قالها واستدار قائلًا:
"هروح أشوف مراتي اللي حضراتكم ناويين تكسروها."
"أيوة إجري يا حنيِّن، وحياة أبوك اللي جوا دا ممكن أقول لها كلمتين أخليها تخلعك من الصبح."
خرج من شروده بعدما ربتت صفية على ظهره:
"قاعد كدا ليه يا حبيبي؟.."
رفع عينيه إليها ثم نهض:
"هروح أشوف دينا شوية، رجعت البيت من يومين ومشفتهاش وبتصل مابتردش."
أومأت متفهمة، تحركت متجهة إلى أرسلان الذي يجلس بجوار ملك، توقفت بعدما استمعت إلى حديثه، وخلفها كانت تقف مثلها غرام.
"ملوكة عايز أتكلم معاكي في حاجة حبيبتي.."
نكست رأسها مبتعدة عن نظراته لتهمس بخفوت:
"سامعاك يا أبيه."
رفع ذقنها ونظر لداخل مقلتيها، وابتسم بحنان أخوي:
"أيوة دا اللي أنا عايزه، أبيه، أنا دائمًا هكون أرسلان أخو ملاكه، اللي لو طلبت حياته مستحيل يتأخر عليها."
انسابت عبراتها تهز رأسها وابتسمت:
"أيوة أنا عايزة كدا، عايزة أبيه أرسلان حبيبي اللي أقدر أنام في حضنه من غير خوف، عايزة أخويا، مش عايزة كلام بابا دا، أنا مستحيل أشوفك غير إنك أخويا حبيبي."
ارتجف جسده لحديثها، فجذبها لأحضانه:
"وعد هفضل أخوكي اللي يحميكي حتى من نفسه، ملاكي حبيبي إنتي."
حاوطت عنقه وارتفعت شهقاتها:
"أنا بحبك أوي يا أبيه أرسلان، أوعى تسيبنا، لو فكرت تبعد عننا هشكيك لربنا."
كانت تقف على بعد خطوة لتستمع إلى حديثهما، بكت بصمت متراجعة إلى غرفة زوجها، بينما تحركت غرام بهدوء وغادرت المكان دون حديث.
بسيارة إسحاق:
استمع إلى رنين هاتفه، رفعه بعدما وجد اسمها يُنقش فوق الشاشة:
"كنتي فين؟.. اتصلت بيكي، إزاي تخرجي من غير ما تقولي لي؟.."
استمع إلى بكائها وصرخاتها:
"الشقة ولعت يا إسحاق وابننا جوة.."
توقف فجأة بالسيارة حتى كادت أن تنقلب، فاصطدم جسده للأمام، لحظات بل دقائق وهو يستعيد وعيه، ارتجف جسده بعدما تذكر حديثها، بحث عن الهاتف الذي سقط من يده ولكنَّه لم يراه، فأسرع بسيارته كالعاصفة الهوجاء، ليصل بعد دقائق معدودة، ترجل من السيارة بساقين مرتعشتين وهو يرى اللهيب الخارج من الشرفة، من يراه يقسم أن كل ما بداخلها أصبح رمادًا. هرول للداخل، وتمنى أن ينقذ ابنه، ولكنَّه منعُه رجال الإطفاء، صرخ يدفعهم وهو يشير إلى منزله، وقعت عيناه على زوجته التي تجلس بجسدٍ مرتجف بأحد الأركان، وصل إليها بخطوة واحدة، يجذبها بعنف:
"ابني فين يا حيوانة، دي الأمانة اللي أمنتَك عليها."
بكت بشهقات مرتفعة تهز رأسها رافضة حديثه:
"معرفش إيه اللي حصل، أنا عايزة ابني يا إسحاق."
هوت على الأرضية تبكي وتصرخ باسم ابنها كالمجنونة:
"أنا عايزة ابني، هات لي ابني.."
وصل أحد رجال الإطفاء، وهو يحمل جثة طفل متفحمة، يشير للجميع بالبعد، ليستقبله أحد الأطباء. نظرة سقطت على جسد الطفل، ليهز الطبيب رأسه بأسى:
"البقاء لله."
هنا شعر كأن أحدهم سكب عليه دلوًا من الماء المثلج ليرتجف جسده بالكامل وهو يمد يده يلمس جسد ابنه الذي فقد ملامحه، انسابت دموعه بقهر، متراجعًا للخلف كأن أنفاسه سحبت بالكامل، بينما دينا التي سقطت فاقدة الوعي.
وصل أرسلان بعد سماعه الخبر، ركض من سيارته إلى إسحاق، توقف ينظر في وجوه الجميع الذين تبدو الشفقة بأعينهم على إسحاق، اقترب منه:
"عمو إيه اللي حصل؟.."
لم يعد يستمع لشيء، سوى صرخات ابنه التي تصم أذنيه.
مرت الأيام سريعًا، بل الأسابيع والحال كما هو بين أبطالنا.
بأحد الشقق الراقية فتحت عيناها تنظر حولها تهمس باسم عشيقها، ولكن هبت فجأة من مكانها وهي تراه يجلس أمامها بشخصيته القوية، جذبت الغطاء على جسدها، ونظراتها تحوم المكان برعب.
"أهلًا يا مدام رانيا."
ابتلعت ريقها بصعوبة وحاولت الحديث.
"إنت إزاي تدخل شقتي وكمان أوضة نومي اتجننت."
نصب قامته بتكبر، ثم أشار إلى الكاميرا المعلقة بأحد أركان الغرفة:
"أنا ماشي، واستنى مني تليفون يا زبالة، عشان أقول لك عايز إيه."
"صرخت باسمه كالمجنونة."
"إلياس لو سمحت بلاش تعمل فيا كدا، أنا مهما كان مرات عمك."
أنحنى يطبق على شعرها حتى شعرت باقتلاعها بيديه:
"مرات عمي مين يا حيوانة، دا لو طايل أغير دمي هغيره."
بصق بوجهها ثم اعتدل.
"استنى مني تليفون، يا أما الجمال دا هينور الصحافة، واهي الستات تتعلم من الخبرة."
قالها وتحرك للخارج يشير للرجل:
"خدوا الحيوان دا عشان عايزه، وبعد خروج الست شمعوا الشقة."
عند راجح.
حاول الاتصال بها عديد من المرات، ثم رفع هاتفه لأحد الأشخاص:
"المرة اللي فاتت غلطي معايا، بس المرة دي لو غلطي هدَفنك حية، روحي نفذي المطلوب، عايز بالليل ألاقي البنت عندي تطلب السماح، وقتها بس مكافأة مكنتيش تحلمي بيها، غير طبعًا مبروووك عليكي عريس الغفلة."
بفيلا السيوفي.
جلست بجواره ترتشف قهوتها ثم تحدثت:
"لازم أجمع رؤى وميرال ويزن يا مصطفى، لازم يعرفوا إنهم إخوات."
أومأ لها ثم أردف:
"كلمتي ميرال، هي عاملة إيه دلوقتي؟"
ابتسمت بفخر واجابته:
"ما شاء الله عليها، طبعًا متابع أخبارها، ومقالاتها اللي مكسرة الدنيا، والله خايفة عليها حبيبتي، مكنتش أتوقع تنجح في الوقت دا."
"بالعكس الواحد لما يحس أنه بيخسر، بيكون عنده عزيمة، متخافيش عليها أنا مراقبها كويس."
"طيب ماتحاول مع إلياس يروح ويرجعها، ما اتوقعتش يسبها الوقت دا كله، داخلين على شهرين وهما بعيد عن بعض."
"سبيهم يا فريدة، خلي قلوبهم اللي تقربهم مش إحنا، ابنك صعب ومش هيتنازل، وهي قررت تبني حياتها بعيد عن الكل، أنا سعيد باللي بتعمله."
استمعوا إلى دخول غادة:
"رؤى كلمتني وطلبت مني عنوان ميرال، قال عايزة تطمن عليها."
ابتسمت فريدة بحنان وتمتمت بحبور:
"شوفت قلبها حن على أختها من غير ما تعرف حتى."
"هي مين دي اللي أختها يا ماما؟"
ابتسمت قائلة:
"رؤى وميرال إخوات."
"نعم..؟" قالتها بعيون متوسعة.
بمنزل ميرال.
استيقظت تشعر بألم أسفل بطنها، فرفعت هاتفها تهاتف صديقتها.
"سماح أنا تعبانة مش هاجي النهاردة."
أجابتها صديقتها على الطرف الآخر:
"ولا يهمك يا جميل، أنا هحضر بدالك، نسيت أقول لك حاجة مهمة، عارفة رجل الأعمال المشهور اللي اسمه راجح الشافعي اللي كان اتعمل له مقال من فترة؟"
اهتز جسدها بعنف، وكلمات صديقتها تحرق روحها، بل احترق كل الصبر لديها لما تتمناه لهذا الرجل. ابتلعت غصتها المدببة متسائلة بلسان ثقيل:
"ماله الراجل دا؟"
قالتها وهي تحاوط بطنها بعدما شعرت بألم يكاد يفتك ببطنها:
"صوتك ماله حبيبتي؟.. نسيت أسألك إنتِ في الشهر الكام دلوقتي؟.."
دموع فقط تنساب على وجنتيها، حاولت النهوض بعدما ازدادت آلامها قائلة:
"أول أسبوع في التامن بس حاسة إني تعبانة أوي، هتصل بماما نروح للدكتورة بالليل."
قاطعتها صديقتها قائلة:
"حبيبتي متخافيش دا العادي في التامن، كنت أسمع من أختي الطفل بيلف فبيعمل كدا."
استندت على الأشياء التي تقابلها، وأردفت بأنفاس ثقيلة:
"ممكن حبيبتي، المهم دلوقتي شيلي إنتِ الشغل، أنا مينفعش أشتغل تاني غير لما أولد، ابني دلوقتي أهم حاجة، وعرّفي رئيس التحرير."
قالتها وأغلقت الهاتف متجهة إلى حمامها كي تنعش نفسها بحمام دافئ علَّ الآلام تهدأ قليلًا.
بعد عدة ساعات:
هدأ الألم فجلست بحديقة منزلها تستنشق بعض الهواء النقي، تستمع إلى الموسيقى الهادئة. اقتربت منها الخادمة:
"مدام العصير."
أشارت إليها بوضعه ثم رفعت عينيها إليها:
"جهزي نفسك عشان هنروح للدكتور بعد ساعتين، أنا هنزل أسبح شوية في البيسين."
"حاضر يامدام."
قالتها وتحركت مغادرة.
نهضت وخطت بعض الخطوات، لتتوقف على حديث الخادمة:
"مدام فيه واحدة اسمها رؤى عايزة تقابل حضرتك."
قطبت جبينها متراجعة بجسدها تنظر إلى رؤى التي تقدمت منها:
"إزيك يا ميرال؟.."
رسمت ابتسامة تهز رأسها:
"أهلًا يا رؤى اتفضلي،" ثم أشارت للخادمة:
"تشربي إيه؟."
جلست رؤى وأردفت قائلة:
"لا مش عايزة أشرب، أنا جيت أتكلم معاكي عشان عندي شغل بعد ساعتين."
جلست منتظرة حديثها، حمحمت رؤى قائلة:
"أنا جاية عشان أسألك سؤال واحد بس يارب ما تفهميني غلط."
ظلَّت نظراتها متعلقة بها فقط منتظرة باقي حديثها. ابتلعت رؤى ريقها بصعوبة وتساءلت:
"هترجعي لإلياس؟.."
جلست متجمدة تمنع تلك الدموع الحبيسة عن حريتها أمام رؤى بعدما تسلل الشك إلى قلبها، وخاصة بعد فراقهما الذي دام أكثر من شهر ونصف لم تره فيهما ولم تسمع صوته. كل ما يربطه بها جنينها عند الطبيب فقط، حتى امْتَنَعَ عن زيارتها لطبيبتها كعادته.
خرجت من هياج مشاعرها الحزينة على كلمات رؤى مرة أخرى:
"أنا مش عايز اكي تكرهيني لو سمحتي، أنا بعد ما فكرت وعرفت إنكم انفصلتوا ليه ما وافقتش على طلب إلياس تاني، وأهو أنا أولى بيه من الغريب، وخاصة بعد ما عرفت إنه هيتجوزني عشان أربي ابنه."
أحيانًا تعجز الكلمات عن ما نشعر به. هنا عجزت جميع اللغات عما شعرت به ميرال، شعرت كأن أحدهم شق صدرها بنصل بارد، وانتزع قلبها بقوة، لتشعر بكم الآهات التي أحرقت روحها.
ودَّت لو تصرخ، ودَّت لو تطلق العنان للآهات الحارقة المتحشرجة التي احتجزتها بقسوة بجوف حسرتها. لحظات صمت قاتلة لترفع كفيها الذي ارتجف كحال جسدها وحاولت أن تخرج حروفًا من بين شفتيها ولكنها غير قادرة. ارتجفت شفتيها وهزت رأسها ونطقت أخيرًا بحروف ثقيلة:
"اطلعي برة حياتي كلها يا رؤى، ولو جوزي عايز يتجوز براحته، بس ابني مستحيل تقربي منه."
قالتها وتوقفت تتحرك تجر ساقيها بضعف، وهي تتألم بانقباض صدرها، بل بجسدها بالكامل، توقفت للحظات بعدما شعرت بقلبها يئن وجعًا، بل يصرخ وجعًا.
"آااه."
أخرجتها بعدما شعرت بسائل متدفق من بين ساقيها. نظرت للمياه التي تساقطت، وشعرت بانسحاب الهواء من حولها، صرخت وصرخت إلى أن وصلت الخادمة على صراخها، نزلت بركبتيها تحتضن بطنها وازداد عرقها بكثرة، حتى تلاشى تنفسها وشحب وجهها تهمس باسم زوجها. رفعت الخادمة الهاتف سريعًا تهاتفه.
كان بمكتبه منكباً على عمله، اعتدل بعد سماعه لرنين هاتفه:
"أيوة."
"الحقني ياباشا، المدام بينزل منها دم وحالتها صعبة أوي، صرخت وهي ترى تهاون جسدها على الأرض."
"لأ دي بتموت، إلحق ياباشا."
شعر بالخدر بكامل جسده وهو يشعر بعجزه والنيران التي تهز كيانه وهو بعيدًا عنها، لحظات محاولًا السيطرة على دقات قلبه العنيف التي كادت أن تخترق ضلوعه، لينهض سريعًا إلى سيارته متناسيًا جهازه المفتوح، وأوراقه المتناثرة على مكتبه.
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم سيلا وليد
وعدتكِ أن أبقى بعيدًا
فغلبني الحنين، واقتربت.
وعدتكِ أن أطفئ قلبي
فاشتعلت بين ضلوعي ناركِ، واحترقت.
وعدت نفسي بألا أهواكِ،
فتاهت مني الطرقات... وضللت.
وقلت بأنني أقوى من عينيكِ،
فإذا بي أمامهما طفلٌ، استسلمت.
خططتُ مرارًا أن أهرب منكِ،
وحين خطوتُ... نحوكِ عُدت.
أحاول إخماد صوتكِ في داخلي،
فإذا بنبضكِ يصدحُ في أعماقي، واستحكمت.
كيف لوعودٍ أن تقف أمام طوفانٍ؟
كيف لي أن أهرب منكِ... وأنتِ بداخلي سكنت؟
أنا، الذي حسبت نفسي سيدَ الحب،
وقفتُ أمامكِ، فانحنيت، وهُزمت.
ضحكتُ من غبائي حين ظننتُ...
أن أُسكت ناركِ بالوعد،
أن أقيد الريح، أن أوقف المد.
قبل عدة أسابيع قبل ذهاب إلياس إلى راجح،
بمنزلِ آدم، صمتٌ دامَ للحظاتٍ وكأنَّ الصدمةَ سيطرت على الأجواء،
حينما أنهت إيلين حديثها عن فريدة الذي جعل زين يهوى على المقعد ويغرق في الماضي،
أيُعقلُ مايسمعه..
ذَهَب تفكيرهِ بحديثِ راجح، وشعرَ بتوقُّفِ عقلهِ يحاولُ فكَّ خيوطَ الحيرة التي ألقاهُ بها راجح...
قطعَ آدم الصمتَ بصوتٍ هادئ، لكنَّهُ يحملُ شكوكًا دفينة:
"بس ده مش دليل قوي إنَّها هيَّ... ممكن يكون مجرَّد تشابه في الأسماء"
نظرت إليهِ إيلين بعينينِ تحملانِ مزيجًا من القلقِ والتردُّد، ثمَّ قالت ببطءٍ وكأنَّها تحاولُ إقناعه:
"يمكن...بس يا آدم، كلِّ حاجة بتقول إنَّها هي..عمُّو راجح، وقصة خطف أولادها ورجوعهم؟ الموضوع مش صدفة، أنا متأكدة"
تابع زين حديثهما بصمت، لكن عقلهِ كان يغرقُ في تساؤلاتٍ لا تنتهي،
رفعَ رأسهِ فجأةً وتساءل:
"طيِّب، هوَّ راجح خرج من المستشفى؟"
اقتربَ آدم منهُ وجلسَ بجواره، وعيناهُ تلوحُ بالحيرة، فأردف:
"كنت عنده امبارح، والدكتور قال إنُّه لسه محتاج راحة يومين بس بصراحة، مش عارف إيه اللي حصل يخلِّي ضهره يتعَب كده!.."
نهضَ من مكانهِ ببطء، وبدأ يتجوَّلُ في الغرفةِ كأنَّهُ يبحثُ عن شيءٍ،
خرجَ صوته وكأنَّهُ يتحدَّثُ مع نفسه:
"راجح كان معانا في ألمانيا...حصلت خناقة كبيرة بينه وبين جوز رحيل، وبعدها فجأة قرَّر يرجع على مصر..الغريب إنِّ رانيا نزلت وراه بأيام، قعدت يومين ورجعت، تفتكر ده كلُّه له علاقة بفريدة؟"
تردَّدَ آدم للحظة، وكأنَّ عقله توقف عن التفكير، ثمَّ قالَ ببطء:
"يعني إيه يا بابا؟"
صمتَ زين للحظات، وبدت عليهِ علاماتُ التفكيرِ العميق، ثمَّ قالَ بلهجةٍ قاطعة:
"لازم أروح أشوف فريدة بنفسي، يمكن تكون فعلاً عمِّتك"
اندهشَ آدم من كلامه، وقالَ برفضٍ واضح:
"إزاي تزورهم؟ وبصفتك إيه؟ طيب لو طلعت مش هيَّ؟ هنحطِّ نفسنا في موقف مش كويس، أنا حاسس إن اسمِ السيوفي ده مش غريب عليَّا...بس مش قادر أفتكر"
حاولَ آدم أن يسترجعَ شيئًا من ذاكرته المشتَّتة، لكنَّهُ شعرَ وكأنَّهُ أُصيبَ بمرضِ الزهايمر..
قطعَ شرودهِ صوتُ هاتفهِ،
أخرجَ الهاتفَ من جيبهِ ونظرَ إلى الشاشةِ بعينينِ ضيقتينِ قبل أن يجيب:
"أيوة، مين معايا؟"
جاءهُ صوتًا جادًّا من الطرفِ الآخر:
"دكتور آدم الرفاعي؟"
"أيوة، أنا آدم في حاجة؟"
تردَّدَ الصوتُ قليلاً ثمَّ قال:
"مدام حضرتك اتعرَّضت لحادث، وهيَّ محجوزة دلوقتي في مستشفى (...)..."
رفعَ آدم عينيهِ إلى إيلين بدهشة، وقالَ بحدَّةٍ غير مقصودة:
"أكيد غلطان، مراتي موجودة هنا"
قاطعهُ الرجلَ سريعًا:
"لا يا فندم، السيدة اسمها حنين الشهاوي"
تجمَّدَ آدم في مكانه، تكرَّرَ الاسمُ في ذهنهِ مرارًا، كصدى عويل،
أغلقَ الهاتفَ ببطء، وكأنَّ يدهُ أصبحت ثقيلة، ثمَّ نهضَ بخطواتٍ مثقلةٍ واتَّجهَ إلى البابِ دون أن ينطقَ َبكلمة.
راقبتهُ إيلين بصمت، عيناها تتابعانِ تحرُّكاتهِ المضطربةِ حتى خرج،
استقلَّ سيارتهِ وغادرَ بسرعة..
تساءلَ زين بصوتٍ منخفض:
"هوَّ آدم خرج؟"
هزَّت رأسها ببطءٍ وقالت بهدوء:
"يمكن يكون جاله شغل"
ثم ابتسمت ابتسامةً صغيرة، تُخفي تعبها:
"أنا هدخل أرتاح، عندي مذاكرة كتير حضرتك محتاج حاجة؟"
مدَّ زين يدهُ بحنانٍ وربتَ على كتفها، وكأنَّ لمستهِ تحملُ كل الحبِّ والخوفِ معًا،
قال بصوتٍ يفيضُ بالدفء:
"يا بنتي، عايزك تفكَّري، الواد بيحبِّك بجد..أنا مش بقول كده علشان هو ابني، أنا بقول علشان خايف عليكي..جرَّبي، مش هنخسر حاجة"
نظرت إليهِ بعينين تائهتين، وقالت بابتسامةٍ هادئة:
"كلِّ حاجة بوقتها يا خالو..تصبح على خير"
تركتهُ وعادت إلى غرفتها، لكن عقلها كان منشغلًا بخروجِ آدم بتلك السرعة..
بعد فترةٍ قصيرة، وصلَ آدم إلى المشفى.
دلفَ إلى الداخلِ وعيناهُ تبحثانِ عن مكانها..
عندما رأته، اعتدلت في جلستها وابتسمت له ابتسامةً صغيرة...
"آدم، مش مصدَّقة إنَّك وصلت بالسرعة دي."
اقتربَ وجذبَ المقعد، ثمَّ جلسَ بثقل:
"إيه اللي حصل؟!"
رفعت حاجبها بنظرةٍ تنمُّ عن مغذى، ثمَّ قالت ببرود:
"مش إنتَ اللي بعت ناس يضربوني؟"
هبَّ من مكانهِ فجأة، وكأنَّهُ تلقَّى صدمة، واقتربَ منها بخطواتٍ سريعةٍ وهدر نبرةٍ غاضبة:
"أكيد اتجنِّنتي، صح؟"
حاولت أن تخفي ذعرها من ردَّةِ فعله، فارتسمت على وجهها ملامحَ التحدي والبرود:
"أيوة، ولو ماعملتش اللي طلبته، صدَّقني هتندم..وبابا جاي في الطريق شوف بقى هتقابله إزاي لمَّا يعرف إنَّك أجَّرت ناس علشان يضربوني."
توقف صامتًا، مشدوهًا لما يسمعه، ملجمَ اللسان، حتى شعرَ بالعجزِ عن التفوُّهِ وكأنَّ الكلماتَ أثقلت كاهله، لكنَّهُ سرعانَ ما سيطرَ على نفسه،
اقتربَ بتمهُّلٍ، وانحنى مستندًا بيديهِ على حافةِ السرير، ثمَّ حدَّقَ في عينيها بنظرةٍ متعمقةٍ مليئةٍ بالخذلان:
"تعرفي؟ عقاب ربِّنا ليَّا إني ارتبطت بواحدة زيك..اعملي اللي إنتي عايزاه، اتِّهمي براحتك، مش فارق معايا، واحدة حقيرة."
قالها وهو يعتدل، ثمَّ غادرَ المكان يأكلُ بخطاويهِ الأرض..
وصلَ إلى منزلهِ متثاقلَ الخطوات، دلفَ للداخلِ وظلَّ يدورُ بالغرفةِ كالأسدِ الحبيس..
دقائقَ تمضي وهو يجول، يشتعلُ غضبًا ويمزِّقهُ العجز، لكنَّهُ ابتلعَ جمراتَ غضبهِ محاولًا السيطرةَ على نفسهِ والتفكيرِ بعقلانية..
كان يعلمُ أنَّها لن تصمت، ستواجههُ بطريقتها المعتادة.
لم يشعر بالوقتِ وهو غارقًا في دوَّامةِ أفكارهِ حتى قطعَ صمتهِ طرقاتٍ على بابِ الغرفة..
دلفَ أحمد أخيهِ بابتسامة:
"بتعمل إيه؟!"
نهضَ آدم من مكانهِ واتَّجهَ نحو مكتبه، يتمتمُ بتوتر:
"مفيش...عندي شوية شغل، في حاجة؟"
أومأ أحمد واقتربَ منهُ مبتسمًا قائلاً:
"آه، جيت أقولَّك كلِّ سنة وإنتَ طيب... عيد ميلاد سعيد.."
قطبَ آدم جبينهِ للحظة، متذكِّرًا عيدَ ميلادهِ الذي غابَ تمامًا عن ذهنه..
نهضَ من مكانهِ واحتضنَ أخاهُ بحب:
"وإنتَ طيِّب ياحبيبي"
تراجعَ أحمد قليلاً وأشارَ إلى الأعلى بمرح:
"البنات فوق بيجهِّزوا لعيد ميلادك...كأنِّي مقولتش حاجة، تمام؟"
قالها بغمزةٍ خفيفة..
ضحكَ آدم بخفوتٍ واحمد يخطو للخارج، لكنَّهُ توقَّفَ عند بابِ الغرفة:
"أنا وبابا رايحين لراحيل، متخرجشِ بقى، عشان عمُّو محمود اتَّصل وقال إنِّ سهام وكرم جايين."
أومأ آدم متفهِّمًا، لكنَّ ذهنهِ كان منشغلًا..
ماذا تفعل تلك الجنيَّةُ بالأعلى؟
بالأعلى عند إيلين:
تقف بالشرفة تنظر للخارج بشرود،
اقتربت مريم تقطعُ صمتها وهي تحاولُ إقناعها:
"حبيبتي، وبعدين؟ لحدِّ إمتى هتفضلي كده؟ آدم طلَّق الصفرا خلاص، وحلف لك إنُّه ماقربشِ منها.."
جلست مريم بجوارها، تضعُ يدها بحنانٍ على كتفها، تتمتم:
"إيلين... ما تضيَّعيش حبِّ آدم...واللهِ هوَّ بيحبِّك، هوَّ قالها لأحمد بنفسه..مستعد يعمل اللي تطلبيه، ولو طلبتِ عيونه مش هيتأخر.."
نظرت إليها إيلين بعيونٍ تائهة، ثمَّ نهضت من مكانها بتردُّد، محاولةً الانشغال بكتبها:
"خلاص يا مريم، سيبيني أفكَّر...واللي ربِّنا رايده هيكون."
ضمَّتها مريم بحنانٍ قبل أن تغادر، توقفت مبتسمة لتردف:
"طيب هسيبك تجهِّزي أكلة حلوة لجوزك، وتغيَّري بيجامة السنافر دي..إيه فاكرة نفسك لسه طفلة؟ ياغبية...ممكن تعذِّبيه بس بطريقتك.."
ابتسمت إيلين بتهكُّمٍ وهي تتابعُ أختها تغادر، ثمَّ استدارت ببطءٍ تنظرُ إلى أرجاءِ الغرفة بشرود..
لحظاتٍ من الصمتِ كانت كافيةً لتجعلها تتِّخذُ قرارها..
بعد معاناةٍ طويلة.
بعد فترةٍ من الانتظار، صعدت مريم بخطواتٍ متردِّدةٍ وهي تحملُ صندوقًا صغيرًا..
بدا التوترُ جليًّا على وجهها وهي تدخلُ المطبخ تنادي:
"إيلين؟ جبت الضفدع؟"
رفعت إيلين رأسها بابتسامةٍ خبيثة، وأشارت إلى الصندوقِ الذي وضعته مريم على الرخامة..
ثم سألتها بعينينِ ممتلئتينِ بالحذر:
"عايزاه ليه؟"
ابتسمت إيلين وهي تفتحُ الصندوقَ وتُخرجُ الضفدع، وضعتهُ بهدوءٍ على الرخامة بجانبِ أدواتٍ طبيةٍ معدَّةً بعناية..
"هتعملي يا إيلين؟!"
أشارت إلى الضفدع وتمتمت
" بتسألي عن الضفدع"
"ما أنا عارفة إنُّه ضفدع! ماهو أنا اللي جايباه، بس ليه مدخَّلاه المطبخ؟! يخرب عقلك، ربنا يسامحك"
أمسكت إيلين بتفاحةٍ موضوعةٍ أمامها وبدأت تقطِّعها ببطء، وكأنَّها ترسمُ صورةً لما ستفعله،
أشارت إلى التفاحةِ قائلةً بصوتٍ هادئٍ
"بصِّي، هشرَّح الضفدع دا زي ما بشرَّح التفاحة دي، وهاخده هدية للدكتور آدم، عيد ميلاده النهارده"
شهقت مريم بصوتٍ عالٍ، وضعت يدها على فمها وكأنَّها تحاولُ أن تستوعبَ ما سمعتهُ:
"إنتِ اتجنِّنتِ؟ ضفدع؟! يخربيتك!"
ضحكت إيلين وهي تشيرُ بيدها نحو الباب:
"يلا يا قلبي، اطلعي برَّة عايزة أخلَّص الأكل وأجهَّز للدوك مفاجأة عمره"
قالتها وهي تدفعها للخارج..
خرجت مريم وهي تتمتمُ غير راضية أمَّا إيلين فقد انهمكت في إعدادِ الطعام بحماس..
بعد أن انتهت، صعدت إلى غرفتها وفتحت خزانةِ ملابسها، ظلَّت تتفحَّصُ الفساتين بعينيها حتى استقرَّت على فستانٍ أحمرٍ طويل يصلُ إلى الكاحل، مفتوحَ الجانبين، ضيِّق عند الخصر وينسابُ بانسيابيةٍ جذابة…
ارتدتهُ ببطءٍ وكأنَّها تهيئُ نفسها لموعد عشاق
وقفت أمامَ المرآةِ تتأملُ انعكاسها، ثمَّ وضعت لمساتٍ تجميليةٍ رقيقة ٍعلى وجهها..
أحمرُ شفاهٍ زادها إشراقًا، وعطرًا يملأ المكانَ برائحةٍ آسرة..
التقطت صورةً لنفسها وأرسلتها إلى مريم برسالةٍ قصيرة:
"شوفتي؟ علشان تصدَّقي"
لم يمضِ سوى دقائقَ حتى دقَّ جرسُ الباب…
فتحت إيلين البابَ بابتسامةٍ واسعة، بينما دخلَ آدم بخطواتٍ بطيئة..
كانت عيناهُ تبحرانِ في تفاصيلِ إطلالتها، وكأنَّهُ يحاولُ أن يستوعبَ جمالها الآسر،
تمتمَ بصوتٍ خافت:
"أكيد مش بحلم؟"
ضحكت بخفَّةٍ وهي تشيرُ إلى طاولةِ الطعام:
"لا يا آدم، مش بتحلم..اتفضل أقعد"
جلسَ آدم على الطاولةِ وأخرجَ هاتفهِ بعدما ارتفعَ رنينه، نظرَ إلى المتصل لكن صوتَ خطواتها وهي تدخلُ حاملةً الأطباقَ جذبَ انتباهه، فقامَ بإغلاقه،
وضعتَ الطعامَ أمامه، ثمَّ استدارت للخادمة:
"هاتي باقي الأكل"
نظر إليها بابتسامة واسعة، ممزوجةً بالعشق:
"إنتِ طبختي بنفسك؟..مريم قالت لي كده بس ما صدَّقتش!"
جلست إيلين قبالته، ووضعت يدها على الطاولةِ بتأنٍّ، وقالت بابتسامةٍ واثقة:
"طبعًا يا حبيبي عيد ميلادك، ولازم أعمل حاجة مميزة"
رفعَ آدم الغطاءَ عن أحدِ الأطباق..
لحظةُ صمت، لتتَّسعَ عينيهِ مشدوهًا، ثمَّ التفتَ ونظرَ إلى الطبقِ ثمَّ إليها بصدمة:
"إيه دا؟!شوربة عدس؟! وكمان ضفدع؟!"
أمسكت إيلين بالملعقة وتذوَّقت ملعقةً صغيرة من الشوربة، ثمَّ قالت بابتسامةٍ خبيثة:
"الجو برد قلت أدفِّيك أمَّا الضفدع فدا اختبار مهاراتي..إيه رأيك في هديتي، يا دوك علشان تشوفني شاطرة ولَّا لأ؟"
نهضَ آدم من مكانهِ مذهولًا، بينما انفجرت إيلين في ضحكها المجنون، وكأنَّها تحتفلُ بجنانه..
وصل إليها بخطوة واحدة وجذبها مجيبًا بخبث
"أنا ممكن ادفى بطريقة تانية يادكتورة"
ارتجف جسدها، وشعرت وگانه يده ماسًا كهربائيً
اقرب وجهه يحاصرها بقوَّةٍ من خصرها لتجدَ نفسها بين أحضانه بالكامل ثمقالَ بصوتٍ منخفضٍ يحملُ غصَّةَ مؤلمة بعدما رسم أمنيات:
" هدية...دي هديتي يا إيلين؟!..كلماتهِ كانت أشبهُ بوخزةٍ نابعةٍ من أحلامٍ واهيةٍ رسمها في خياله.
أطلقت ضحكةً ناعمة، محاولةً التملُّصَ من قبضته، وقالت بخفَّة:
" عجبِتك؟ قول ما تتكسفش..خايف تعترف بشطارتي، يا دُك؟"
لمعت عيناهُ بخبث، واقتربَ أكثر بنظراتٍ لم تخفِ نواياه، واقترب من شفتيها
"لا منكرش انك شاطرة، وشاطرة اوي كمان، بس عايز اشوف شطارتك في حاجة تانية، رفعت يدها بتحذير:
" ما تقربش، يا دكتور خلِّي عقلك في راسك، لسه عندي الأدوات جوَّه..
توقَّفَ في مكانه، يرفعُ حاجبهِ ساخرًا:
" هتشرَّيحيني ولَّا إيه يا دكتورة؟"
تلاقَت أعينهما، فأجابت وهي تهزُّ كتفيها بتصنُّعِ اللامبالاة:
" مش أوي يعني، بس لازم أدافع عن نفسي."
ابتسمَ بتهكُّمٍ وتراجعَ بخطواتٍ هادئةٍ نحو طاولةِ الطعام.
رفعَ هاتفهِ ناظرًا إليها بنبرةٍ حملت مزيجًا من المرارةِ والخذلان:
" ما كانشِ له لزمة، يا بنتِ عمِّتي، كلِّ الاهتمام دا."
سكَت لحظةً قبل أن يُكملَ بنبرةٍ حزينة:
" صعب تبني أحلامك على حد، بس الأصعب لمَّا الحدِّ دا يكسرها، كنت فاكر إنِّ ليَّا أهمية لو بسيطة...بس شكراً على اهتمامك.."
قالها وأدارَ ظهرهِ متَّجهًا نحوَ الباب..
ظلت بمكانها، تحدِّقُ فيه مذهولة، توقفت الكلماتُ بحلقها، رغم إنها حاولت أن تعطيه عذرًا، ولكن كيف تمحو شعورها بتلكَ الغيرةِ التي أحرقت قلبها كلَّما تخيَّلتهُ مع غيرها.
مرت الأسابيع والحال كما هو بينهما،
ذهب آدم إلى مؤتمر طبي خارج البلاد استغرق عدة اسابيع،
شعرت ايلين بغيابه الذي جعلها تفكر كثيرًا أنها لم تستطع العيش بدونه،
دلف إليها زين
" حبيبتي كلمتي صاحبتك تاني"
وضعت قلمها ونهضت من مكانها
" آسفة ياخالو، بس حصل تاتش بينا، فقولت لازم ابعد عنها شوية، بس ولا يهمك حبيبي، بكرة آدم يرجع ونشوف الموضوع تاني"
ربت على كتفها وتسائل:
"روحتي النهاردة لرحيل"
اومأت له باابتسامة:
" أيوة هي مشغولة بشغلها، طبعا موت عمو وقع الشركة شوية، غير طبعًا عمو راجح وخالتو رانيا، راحو قعدوا عندها"
اومأ بتفاهم ثم استدار قائلًا:
"هروح ازورها وأشوف موضوع راجح ورانيا دا كمان"
" تمام ياخالو ..انا عندي كام شيت هخلصهم وانام"
عند إلياس
وصلَ بسيارتهِ بسرعةٍ جنونية، وكأنَّ قلبهِ سبقَ عجلاتها وكأنه في سباقٍ مع الزمن.
نظر إلى الشوارعَ المزدحمة وتخيل أنها تضيقُ عليه،
انتفضَ جسدهِ خوفًا إلى حدِّ الارتعاش، ونبضُ قلبهِ يصمُّ أذنيه..
وقفَ بحديقة الفيلا، قفز من السيارة وهرول إليها بسرعة جنونية، وتوقف أمامها ينظرُ إليها بشهقة،
تجلس على الأرضِ تحتضنُ جنينها،
فكان وجهها شاحبًا كالقمرِ الغائب،
ودموعها أغرقت وجهها، كسى الألمِ والحزنِ ملامحها،
هوى أمامها على ركبتيه، كأنَّ قلبهِ انكسرَ إلى ألفِ قطعة،
ثم رفعها برفق، وكأنَّها من زجاجٍ يخشى أن يتحطَّمَ بين يديه؛
خطى بارتجاف و صوتُ بكائها يقتلُ فيه كل ذرَّةِ صبرٍ وقوة، لكنَّهُ حاولَ التماسك..
أشارَ إلى الخادمةِ بصرخةٍ ملتهبة:
"هاتيلها حاجة تلبسها بسرعة، مستنية إيه؟!"
هرولت الخادمةُ مذعورة، بينما حملها بين ذراعيهِ وكأنَّها أثمنُ ما يملك..
اتَّجهَ بخطواتهِ السريعةِ إلى السيارة، ورغم إنها سريعة إلا أن ساقيه ترتعش،
وضعها بلطفٍ في المقعدِ الخلفي رغم أنَّ صرخاتها كانت تمزِّقُ قلبه:
"ابني يا إلياس...ابني هيموت!..إلحقه بسرعة!"
كانت كلماتها كالسكاكينِ التي تُغرَسُ في روحه..
احتضنها بقوةٍ وكأنَّهُ يحاولُ أن ينقلَ إليها بعضًا من طمأنينةٍ لا يمتلكها هو نفسه..
أمسكَ بيديها المرتجفتين، وقبَّلَ جبينها بحنان، محاولًا تهدئتها:
"حاضر...بس اهدي، اسحبي نفس وإهدي يا ميرال، هنلحقه"
لكنَّها بكت بحرقة، ألمها كادُ أن يفتكُ بجسدها الهش، وصوتها كان أشبهُ بطعنة:
"ابني هيموت...علشان خاطري ياإلياس، ودِّيني للدكتور"
ارتبكَ أكثر، نظرَ إلى الخادمةِ التي عادت تحملُ إسدالها، جذبهُ ووضعهُ فوق ملابسها،
ابتلعَ ريقه، وارتجفت يداهُ من صرخاتها التي تصدرها لينفطر قلبه كالشظايا
ضغطت على ذراعهِ بألمٍ شديدٍ وصرخةً شقَّت صدرهِ وأربكت كلَّ شيءٍ داخله،
ضمَّ رأسها إلى صدرهِ بحنانٍ غامر:
"ميرال، ميرا...لو سمحتي إهدي، أنا مش عارف أعمل إيه"
رفعت رأسها بصعوبة، والتقت عيناهما، عيناها الباكيتانِ بعينيهِ المرتبكةِ لتهزَّ كيانه:
"إنقذ ابنك يا إلياس...حتى لو مش هتنقذني، المهمِّ هوَّ "
هاجت عيناهُ بالغضبِ مما تفوَّهت به، وارتسمَ الألمُ داخلهما، وهو يشعرُ بقبضةٍ قويةٍ حادةٍ تسحقُ قلبهِ بقوة..
قبَّلَ كفَّيها المرتجفينِ وقال بألمٍ يقطعُ نياطَ قلبه:
"خلاص، اهدي يا حبيبتي، هنوصل للدكتور حالًا وهنقذك إنتِ وابني "
أغلقَ بابَ السيارةِ سريعًا، وركضَ إلى مقعدِ القيادةِ وقادَ السيارةَ بسرعة، وكأنَّ الطريقَ يفتحُ له ذراعيه،
تمنَّى لو امتلكَ جناحينِ ليطيرَ بها إلى المشفى، لكنَّ صرخاتها المتقطِّعة كانت تعيدهُ إلى أرضِ الواقع،
فجأة، بدأ جسدها يهدأ، وانخفضت أنفاسها، تهمسُ بصوتٍ خافت:
" أنا بموت..."
هنا، تحطَّمت كلَّ محاولاتهِ للتماسك، صرخَ بها بجنونٍ وكأنَّهُ يرفضُ استسلامها:
"ميرال، خلِّيكي معايا افتحي عيونك حبيبتي"
نظرَ إلى الدماءِ التي تسلَّلت من ساقيها، فازدادَ ارتباكه، لكنَّهُ لم يتوقَّف..
كان يقودُ السيارةَ وكأنَّهُ يطاردُ الوقت، وعيناهُ تراقبانِ الطريقَ أمامهِ والدماءَ خلفه،
رنَّ هاتفه، أجابَ عليهِ بصوتٍ متوتر يستمع:
"إلياس، إنتَ فين؟ عدِّيت عليك مش لاقيك!"
ردَّ بسرعة:
"أرسلان، كلِّم ماما قولَّها ميرال في المستشفى، شكلها هتولد، بس حالتها خطيرة، قولَّها تيجي"
حاولَ أرسلان تهدئته:
"تمام، اهدى...إن شاء الله تبقى كويسة"
قالها وأغلقَ الهاتفَ مستديرًا للمغادرة، ولكنَّهُ توقَّفَ فجأةً حين لمحَ شيئًا
التفتَ إلى مساعدِ مكتب إلياس:
" فيه حد دخل المكتب بعد ماإلياس خرج؟"
هزَّ مسؤولُ مكتبِ إلياس رأسهِ بالنفي، لكنَّهُ لم يقتنع فدخلَ المكتبَ وأغلقَ البابَ خلفه، يتفحَّصُ المكانَ بعينيه..
كان المكان يوحي بعبثٍ غيرُ معتاد، كأنَّ أحدهم فتَّشَ كلَّ شيء..
نظرَ إلى جهازِ الكمبيوتر، وعيناهُ تبحثانِ عن الكاميرا المعلَّقة، لكنَّها لم تكن في مكانها..
فاندفعَ إلى جهازِ الكمبيوتر ليغلقه،
دخلَ شريف فجأةً وسأله:
"إلياس فين؟"
كان أرسلان منشغلًا بجمعِ الأوراقِ والصورِ المبعثرة، لكن حين وقعت عيناهُ على صورٍ معينة، تسمَّرَ في مكانه،
اقتربَ شريف معتذرًا:
"آسف، معرفشِ ليه سايب جهازه مفتوح وورقه مرمي كده، بس أحمد قال إنُّه خرج بسرعة، وأنا مليش صلاحية أدخل هنا وهوَّ مش موجود"
أومأ أرسلان متفهِّمًا، ثمَّ جذبَ الأوراقَ والصورَ من يدِ شريف ووضعها في خزانةِ المكتب، وأغلقها بحذر،
رسمَ ابتسامةً مصطنعةً وهو يقول:
"زي ما قلت، ماينفعش ِندخل وهوَّ مش موجود، أنا بس كنت بقفل كلِّ حاجة مكانه"
قالها أرسلان وتحرَّكَ للخارجِ يرفعُ هاتفه، يخبرُ فريدة بما حدث، ثمَّ اتَّجهَ مغادرًا إلى فيلا الجارحي.
بالمشفى، ترجلَ من سيارتهِ كالعاصفة، يدوي صوتهِ بين الجدرانِ كناقوسِ خطر، ينادي على المسعفينَ بصوتٍ متحشرجٍ يحملُ بين طياتهِ الخوفَ والعجز..
هرولَ إليه أحدُ المسعفين، يدفعُ الفراشَالمتنقِّلَ أمامه، وسرعانَ ما استقرَّ جسدها الضعيفَ عليه...
أمسكَ إلياس بحافةِ الفراش، كأنَّ يديها وحدهما تحميانهِ من السقوط..
يجرُّ ساقيهِ المرتخيتانِ بصعوبة، نظرَ إلى وجهها الشاحب، شعرَ كأنَّما انتُزعت منهُ الحياة، لكنَّهُ كان يتماسكُ أمامها..
دقائقَ بدت كالأعوام، وصلوا إلى غرفةِ الطبيبِ وقفَ إلياس بجانبها، يراقبُ الطبيبَ بفحصها، تمنَّى أن يلامسَ نبضها المرتجف..
كلَّ ثانيةٍ كانت كالسيفُِ يوشك أن يطعنَ صدره..
رفعَ الطبيبُ بصرهِ بعد فحصٍ مطوَّل، وعيناهُ مليئتانِ بالأسى كأنَّهما تنطقانِ بكلماتِ قتله:
"- "لازم تدخل عمليات فورًا، الجنين والأم حالتهم خطرة جدًا."
تسمَّرت قدماه، كأنَّ الأرضَ ابتلعته وحاولَ الحديث،
خرجت الكلماتُ من شفتيهِ المرتجفتينِ بتثاقل:
"مراتي لازم تطلع بالسلامة إن شاءالله."
نظرَ الطبيبُ للأسفل، منكسًا رأسه، وتحدَّثَ بتقطُّعٍ وصوتهِ مشحونًا بالخوفِ من خذلانٍ قد يواجهه:
"الوضع صعب جدًا...ممكن ننقذ الأم أو الطفل، لكن مش الاتنين."
زمجرَ إلياس كوحشٍ جريح، صوتهِ يرتفعُ بكلِّ ما يملكُ من يأس:
"مراتي الأوِّل، سمعتني؟ هيَّ الأوَّل وبعدها الولد!"..
أشارَ إلى غرفةِ العمليات وهتفَ بلا تردُّد:
"- إن شاء الله الاتنين يخرجوا بالسلامة يادكتور.."
هرولَ الطبيب من أمامه، وتوقَّفَ إلياس لبعضِ اللحظات، وقعَ بصرهِ عليها..
قادتهُ خطواتهِ لا إراديًا نحو السريرِ المتنقِّلِ حيث تستعدُّ الممرضةَ لنقلها إلى غرفةِ العمليات،
جلسَ بجوارها، كأنَّهُ يحتمي بها من عاصفةِ حزنهِ الهوجاء التي اعترت صدره.
مدَّ يده يمسِّدُ على خصلاتها المتناثرة، يحاولُ أن يعيدها ،
انحنى برأسهِ حتى التقت جبينهِ بجبهتها، وهمسَ بحروفٍ مرتعشة:
"ميرال، حبيبتي، سمعاني؟ افتحي عيونك."
رفرفت بأهدابها، كأنَّها تقاومُ الغياب، وخرجَ صوتها خافتًا كهمسةِ الروح:
"إلياس...أنا هموت."
طُعنت روحهِ بسكينِ كلماتها، وتجمَّدت دمعةً على حافةِ عينيهِ قبل أن تسقطَ كالشلال..
وضعَ جبينهِ على جبينها، وكأنَّ دفءَ أنفاسهِ يمنحها سببًا لتعيش:
"ميرال، بالله عليك ما تقولي كده، إن شاء الله هتقومي بالسلامة وهتطلعي بابننا كمان، قولي يارب."
ابتسمت بصعوبة، شفتاها ترتعشان، وهمست بصوتٍ متقطِّع:
"الولد...سمِّيه يوسف...دي أمنية ماما فريدة"
ارتجفَ قلبهِ مع كلماتها، لكنَّهُ قاطعها وهو يحاولُ أن يرسمَ ابتسامةً مطمئنة:
"اسكتي دلوقتي، ما تفكريش في حاجة، هتولدي وتبقي بخير"
قبَّلَ كفَّها بحنانٍ كأنَّها أغلى ما يملك، ثمَّ رفعها ليطبعَ قبلةً مطوَّلةً بجوارِ شفتيها، دموعهِ تنهمرُ بحرارةٍ على وجنتيها الشاحبتينٍ وتمتمَ بصوتٍ متحشرج:
"بحبِّك"
استسلمت لجسدها الذي غلبهُ المخدِّر، وأغمضت عينيها،
تحرَّكَ السريرُ ببطءٍ مع الممرضةٍ التي أشارت له بحزم:
" لو سمحت، بلاش تأخَّرنا"
وقفَ إلياس يراقبها وهي تُسحبُ بعيدًا عنه..
شعرَ وكأنَّها تبتعدُ عن حياته كلَّها، رفعَ يديهِ المرتعشتينِ إلى السماء، وتمتمَ بدعاءٍ كاد أن يتفكَّكُ بين دموعه:
"يارب استودعتك زوجتي وطفلي"
مرت دقائق مشحونة بالتوتر والخوف،
وصلت فريدة تجاورها غادة، توقفت أمامه متسائلة:
"فين ميرال حبيبي؟!"
شعر بإختناق ثقيلٌ كأنَّ الهواءَ سُحبَ بالكامل؛ وارتفعت دقَّاتُ قلبهِ تتسارعُ بنبضاتِ لم تتوقف، كطبولِ حربٍ تصرخُ في أذنيهِ..
أشار بعيناهُ على البابِ المغلقِ و كأنَّ بينهُ وبينَ الحياةِ خيطًا هشًّا معلَّقًا بذلك الباب،
لم يعد يشعرُ بقدميه، شعر بأن جسدهِ بلا روح، ونظراتهِ كعاصفةٍ لا تعرفُ السكون.
جلست فريدة بجوارِ غادة، ومصحفها في يدها، تحاولُ أن تجدَ عزاءً في كلماتِ الله، لكنَّ شفتيها المرتعشتينِ لم تستطيعا الثبات؛
أصبحت عيناها زائغتانِ تراقبانِ ابنها الذي بدا وكأنَّهُ رجلًا يغرقُ في بحرٍ من الظلمات، والخوف يظهر بوضوح بملامحه ...
رفعت رأسها قليلاً، وتمتمت بصوتٍ خافت:
"يارب نجِّها، يارب ردَّها لينا ولاتحرمها من طفلها"
أمَّا إلياس لم يعد يحتمل، فكأنه الصبر خرج من قاموسه،
اقتربَ من البابِ المغلق بخطواتٍ ثقيلة، رفعَ يدهُ وكأنَّهُ يهمُّ باقتحامه، لكنَّهُ توقَّفَ فجأة، يضربُ الحائطَ بقبضته، وقلبهِ المنفطرَ يئنُّ من الألم..
"- اتأخرت ليه، دي كلها بتولد.."
مر إلى عقله حالتها المنهارة
التفتَ فجأةً إلى الخادمةِ التي كانت تجلسُ منكمشةً بالمقعدِ
"- الصبح كلمتك وسألتك قولتي المدام كويسة، ايه اللي حصل.."
توقفت فريدة متجهة إليه وحاولت تهدئته:
" حبيبي دا عادي، استدار إلى والدته
"- حضرتك مشفتهاش ياماما، دي يعتبر اتصفت"
ربتت بحنان تهز رأسها وتمتمت بنبرة هادئة:
" ماهي ولادة حبيبي، عادي .."
هز رأسه بعدم اقتناعه بحديثها،
قاطعته الخادمة:
" فيه واحدة كانت عند المدام، وبعد ماخرجت حصل اللي حصل"
ضيق عيناه مقتربًا منها بتساؤل:
"- واسمها رؤى ياباشا"
قالتها بصوت مرتبك، طالعها ما زال يتردَّدُ في ذهنه:
"واحدة اسمها رؤى جات وقعدت دقايق، وبعدها المدام تعبت"
فكَّرَ بصوتٍ مرتفع، وجههُ يفيضُ بالانفعال:
"ليه راحت لعندها؟ إيه اللي حصل بينهم؟ وميرال كانت رافضة تشوفها!.."
انهارت غادة فجأةً بالبكاء، صوتها المقهورُ اخترقَ المكان:
"يارب أنا مكنتش اعرف، هي اتصلت واخدت عنوانها،
ذهلَ إلياس من حديثها، وشيطانه يتلاعب بعقله،
استمع الى صوت غادة:
"- مش قادرة أتحمِّل ممكن زيارة رؤى تخسرنا ميرال.."
وضعت كفَّيها على فمها بعدما رمقها بنظرةٍ مميتة.
اتجهت فريدة إليها، وحاولت السيطرة على حزنها بعدما وضعت المصحفَ بجوارها:
"اهدي حبيبتي إن شاءالله ميرال هتكون كويسة هي والبيبي كمان،
قالتها واستدارت نحو إلياس، بيدها المرتعشةِ تمسكُ بذراعه:
" حبيبي، إهدى إن شاءالله هتكون كويسة"
ولكنه رفع عيناه القلقة لذلكَ الباب، ذاكَ الحاجزِ الذي يقفُ بينهُ وبينَ محبوبته..
أجابها بعيونًا اطفأها الخوف:
"أنا هادي أهو، شيفاني بقطَّع في شعري"
لحظات إلى أن هزَّ رأسهِ بالنفي لكلماته قائلًا:
"-لا..ياماما أنا خايف عليها.."
توقَّفَ فجأة، كأنَّ الكلماتَ خانته، أو ربما لم يعد يتحمَّل مجرَّدَ فكرةِ خسرانها..
لتضمَّهُ فريدة وتربتُ على ظهرهِ و كأنَّها تحاولُ أن تمنحهُ بعض قوَّتها الواهنةِ وهي تقول:
"ميرال قوية، وإنتَ لازم تكون أقوى عشانها..خلِّي أملك كبير في ربنا"
قبلَ أن يرد، فُتحَ البابُ فجأة، وخرجت الممرضةُ تحملُ الطفل..
ركضَ نحوها كالمجنون، وقفَ أمامها يسألها بصوتٍ يفيضُ بالقلق:
"الولد كويس؟.."
ابتسمت الممرضةُ ابتسامةً صغيرة، لكنها لم تُخفِ القلقَ الذي ظهرَ في ملامحها:
"لازم يتحجز في الحضانة، عنده نقصِ اكسجين، لكن الدكتور بيقول إن شاءالله هيبقى كويس"
حاولَ أن يلتقطَ أنفاسهِ قبل أن يسأل بنبرة يشوبها الخوف:
"وأمُّه؟!"
نظرت إليه الممرضةُ سريعًا:
"الدكتور معاها، اطَّمن"
وقفَ كالمسلوب من كل شيئًا للحظة، ثمَّ انحنى قليلاً، وأسندَ رأسهِ إلى الحائط، وحاولَ أن يهدِّئَ من روعهِ قليلًا:
تبادلت غادة وفريدة النظرات، كلتاهما عاجزتانِ عن إيجادِ كلماتٍ تهدِّئُ هذا البركانَ المشتعلَ أمامهما..
فريدة، التي ارتعش قلبها بالخوف،و لم تجد غير الدعاءِ ملاذًا، رفعت يدها إلى السماء، وتمتمت بصوتٍ متهدِّج:
"يارب كمِّل فرحتهم، يارب نجِّها هي وابنها"
ظلَّ متوقِّفًا كالجبل وكلِّ دقيقةٍ تمرُّ عليهِ كأنَّها سبعينَ خريفًا، حتى شعرَ وكأنَّ الحياةَ تُسحبُ منهُ ببطءٍ..
لم يبقَ له سوى الأمل الهش بخروجِ الطبيب، ولكن كيف وهو مازالَ بالداخل، ظلَّ كما هو ينظرُ بساعةِ يدهِ كلَّ دقيقةٍ يشعر بأن الزمن متوقِّف، والهواءُ في رئتيهِ صارَ كأشواكٍ تجرح رئتيه..
أخيرًا، خرج الطبيب، ملامحهِ مثقلةً بالإرهاق، لكن نظراتهِ حملت شيئًا من الطمأنينة..
رفعَ عينيهِ نحو إلياس وقالَ بهدوءٍ يشوبهُ التعب:
الحمدُلله، قدرنا نوقف النزيف، ماحبتش أخوِّفك أو أزوِّد قلقك...الجنين إن شاء الله هيكون بخير، والمدام هتقضي الليلة في العناية لحدِّ بكرة بإذنِ الله، تقدر تطَّمن عليها.
رغم أنَّها كلماتٌ إلا أنه شعر بحرية أنفاسه، بعدما شعر وگانه محبوسًا بقبرٍ،
سحبَ نفسًا عميقًا، ورفعَ عينيهِ نحو الغرفة، بخروجِ ذلك الفراشِ الأبيضِ الذي يحملُ قلبه، وروحهِ التي تمزَّقت بخوفه عليها...
تحرَّكَ خلف الفراشِ الذي تمَّ نقلها به إلى غرفةِ العناية، التي اعتبرها غرفةَ موته، إلى أن تفتح عيناه السوداوية، وتهمس اسمه ليرتاح نبضه المتعثر..
تحرَّكت فريدة وغادة خلفهِ، توقَّفت على البابِ و همست فريدة بخفوت، وهي تربتُ على يدِ غادة:
"خلِّيه يطَّمن عليها الأوَّل، تعالي نطلع نشوف ابنِ أخوكي."
أومأت غادة بصمت، وعينها متعلقةً بجسدِ صديقتها الذي غابَ خلف الزجاج...
أمَّا هو، فقد كانت خطواتهِ ثقيلةً كأنَّها تحملُ وزنهِ ووزنَ أوجاعهِ كلَّها التي تفوقُ حملَ الجبال،
توقَّفَ للحظاتٍ عند بابِ العناية، عيناهُ تتشبثانِ بجسدها الشاحبِ الذي بدا كزهرةٍ ذابلةٍ في غيرِ أوانها.
دخلَ بخطواتٍ متردِّدة، ورغم أنَّ كلَّ خطوةٍ تقرِّبهُ منها لكنَّهُ شعرَ وكأنَّما تسحبهُ بعيدًا عنها، ليشعرَ بحجمِ المسافةِ التي تتزايدُ ولاتنقص..
اقتربَ من سريرها بعد معاناة، جسدها بدا صغيرًا وهشًّا وسطَ الأجهزةِ والأسلاك،
جلسَ بجانبها بعدما سحبَ مقعدًا، عيناهُ لم تفارق ملامحها التي استنزفها الألم..
مدَّ يدهِ ببطء، وأمسكَ بكفِّها الباردِ المغروزِ بالإبر، وشعرَ بوخزة في قلبه.
رفعَ كفَّها إلى شفتيه، قبَّلها قبلةً طويلة، كأنَّهُ يحاولُ بثَّ الحياةِ فيها من جديد..
دمعةٌ خائنةٌ انزلقت من عينيه، لكنَّهُ لم يحاول مسحها..
همسَ بصوتٍ مرتجف، وكأنَّ الكلماتَ خرجت من أعماقِ روحهِ المكسورة:
"الحبِّ موجع يا ميرال...للمرَّة التانية أحسِّ إنِّي بموت وأنا خايف تضيعي منِّي، تخيَّلي دعيت ربنا إنِّي ما حبيتكيش ولا قرَّبتِ منِّك، عشان ما أعيش اللحظات دي تاني..."
رفعَ يدهِ الأخرى، بحنانٍ شديدٍ وسحبَ خصلاتها المتمرِّدةِ التي هربت من البونية، وأعادها برفقٍ داخلها..
طبعَ قبلةً على جبينها، كانت مليئةً بالحنانِ والخوف، والحبِّ الذي يعصفُ به.
تذكَّرَ كلماتها الأخيرة التي كسرت قلبه، فابتسمَ ابتسامةً حزينة، وهمس:
"كلِّ يوم بحبِّك أكتر من اللي قبله...شوفتي عملتي فيَّا إيه؟ مش بس كده...المتخلِّفة لسه بتقول هتنازل عن الولد عشان تخلص منِّي!"
اقتربَ أكثر، حتى صارَ صوتهِ بالكادِ يُسمع، وهمسَ عند أذنها بصوتٍ مشحونٍ بالألمِ والحبّ:
"بعينك يا ميرال أسيبك؟ أنا قلتلك زمان... حبِّي بيوجع، استحملي بقى...أنا ما بعرفشِ أحبِّ إلَّا بالشكلِ ده."
تركَ رأسهِ يسقطُ على كفِّها الحر، أغلقَ عينيه كأنَّهُ يبحثُ عن ملاذٍ في قربها،
نبضاتُ قلبهِ كانت أسرعُ من أيِّ وقتٍ مضى، لكنَّها كانت مليئةٌ بصلواتٍ لا تنتهي..
أغمضَ عينيهِ بعدما مضى عليه وقتًا تمنَّى فيه موتهِ لا محالة..
ولكن آلان شعر بأن روحه عادت لجسده، ينتظر همسها باسمه، ليشعر بامتلاك الكون
في منزلِ يزن، جلسَ كريم بجواره، يطالعهُ وهو يشعلُ سيجاره، ثمَّ قالَ بجدية:
"عايز ميعاد يا يزن، علشان أخطب البنت قبل ما تدخل الجامعة"
أخذَ يزن نفسًا عميقًا من سيجارته، وحدَّقَ به بصمتٍ للحظاتٍ قبلَ أن يردَّ بهدوء:
"هتستنى لمَّا البنت تخلَّص الجامعة، ولَّا بعد سنة تيجي لي زي عفريت العلبة وتقولي عايز أتجوِّز؟ لازم نتفق..إنتَ صاحبي آه، لكن مفيش جواز غير لمَّا إيمان تخلَّص دراستها"
هبَّ كريم من مكانهِ كالملسوع:
"نعم؟! عايزني أستنى سبع سنين؟! ليه؟ هتحنِّطوني جنبكم ولَّا إيه؟"
أجابَ يزن ببرودٍ قاتل:
"واللهِ ده اللي عندي عايز، يا مرحب..مش عايز، برضه يا مرحبتين"
ضغطَ كريم على أسنانه، والغضبُ كاد أن يتفجَّرَ بداخله، لكنَّهُ تمسَّكَ بصوتهِ وقال:
"طيب، تعالَ نقسم البلد نصِّين: أقعد سنتين ونتجوِّز إيه رأيك؟"
ردَّ يزن بثبات، وكأنَّ الموضوعَ لا يعنيه:
"لمَّا تخلَّص السبع سنين"
صرخَ كريم بنبرةٍ تفيضُ بالإحباط:
"إنتَ مفتري يا يزن، واللهِ مفتري..وأمُّك الله يرحمها مارضعتكش لبن، دي مرضعاك قساوة يا ابنِ المفتري"
ضحكَ يزن ساخرًا، ثمَّ قالَ بمرح:
"آه أنا ابنِ ستين مفتري، ومضحكشِ عليك، علشان كده حذَّر منِّي، قلبي لمَّا بيقلب بياخد الأخضر واليابس"
زمَّ كريم شفتيه، ثمَّ قال بسخريةٍ:
"آه، صحوبية إيه بس؟ أسفخسِ على دي صحوبية "
قهقهَ يزن وهو ينحني يربتُ على ركبةِ كريم في محاولةٍ للتهدئة:
"ما تزعلشِ يا بيضة، هجوِّزك السنة الأخيرة قبلِ الامتحانات بامتحان واحد، يرضيك كده؟"
نهضَ كريم من مكانه، يدفعُ يزن بيده، ثمَّ تحرَّكَ للخارجِ غاضبًا:
"بارد ورخم، واللهِ حلال اللي البتِّ رحيل بتعمله فيك"
صاحَ يزن من خلفه، بنبرةٍ غاضبة:
"بتِّ إيه يالا؟! بتتكلِّم عن مراتي يا متخلِّف!"
توقَّفَ كريم عند الباب، ثمَّ التفتَ بابتسامةٍ ساخرةٍ وقال بتهكُّم:
"اسمَ الله على اللي مقطَّع الحب! يا بني محدش فاهمك قدي إنَّما إيه؟ هتفضلوا كده؟ بقالكم شهرين ومفيش جديد"
صمتَ للحظة، وعادَ بذاكرتهِ إلى آخرِ لقاءٍ برحيل، يحملُ في داخلهِ مشاعرَ متناقضة بين الحبِّ والغضب..
وصلَ إلى الشركة بخطواتٍ ثابتة، دلفَ للداخلِ بعدما علمَ أنَّها بمفردها..
دفعَ البابَ بهدوء، كانت منهمكةً على جهازها، رفعت رأسها حينما شعرت بوجوده..
تلاقت عينيها بنظراته، فتسمَّرت للحظةٍ قبل أن تسحبَ بصرها بخجل:
"- يزن...!!"
خطا نحوها ببطء، وعيناهُ تلتهمانِ ملامحها باشتياق..
توقَّفَ قريبًا وسألَ بنبرةٍ أقربُ للهمس:
" عاملة إيه؟ "
هزَّت رأسها بخفة، تهمسُ بنبرةٍ خافتة:
" الحمدلله...كويسة وإنتَ؟"
سحبَ مقعدًا وجلسَ أمامها، وردَّ بصوتٍ هادئٍ لكنَّهُ عميق لم تفهمهُ:
" آسف...كنت مشغول في الورشة والمعرض."
ابتسمت بحنانٍ صادقٍ وردَّت:
" بالعكس...أنا فرحت إنَّك رجعت المعرض ياربِّ تفضل فيه، بجدِّ مش هلاقي حدِّ أقدر أثق فيه زيك."
ارتسمت ابتسامةً غامضةً على شفتيهِ ونطقَ متسائلًا:
" بتثقي فيَّا يا رحيل؟"
لمعت عيناها بخطٍّ من الدموعِ المتحجِّرة، لكنَّها لم تتركها تسقط..
ووقفت فجأةً واتَّجهت لتجلسَ بجواره، تمتمت بصوتٍ خفيض:
" بصراحة...مش قادرة أقيِّمك."
ارتفعَ حاجباهُ قليلاً، وسألَ ببرودٍ يخفي خلفهِ غليانًا:
" بمعنى؟"
نظرت بعيدًا للحظةٍ قبل أن تعودَ بنظرها إليه، وكأنَّها تحاولُ أن تكون أقوى ممَّا تشعر:
" ليه اشتريت الأسهم يا يزن؟ وإزاي قدرت تشتريهم..من غير ما تقولِّي وكمان بحالتك دي؟"
قاطعها بصوتٍ حازم، يحملُ مزيجًا من الغضب:
" وأنا على قدِّ حالي...مش دا قصدك؟"
نكست رأسها وتمتمت:
" آسفة يا يزن...بس أسهم شركة قيمتها معدِّية المليون جنيه مش حاجة عادية.."
تراجعَ بجسدهِ على المقعد..
لحظاتٍ من الصمتِ بينهما ليردفَ ببطء:
" طيِّب...لو قلت لك إنِّي مش هقدر أجاوب دلوقتي، هتردِّي تقولي إيه؟"
نظرت إليه بتحدٍّ، ثمَّ عادت إلى كرسيها، تواليهِ ظهرها، وكأنَّها تعلنُ انتهاءَ الحديث:
" مفيش اختيارات قدَّامك للأسف يا توضَّح...يا أمَّا..."
نهضَ فجأة، ليقطعَ جملتها بحدة:
" مش أنا اللي حدِّ يخيَّرني بحاجة يا رحيل..أنا اشتريت الأسهم لشخص هيظهر قريب، واللي أعرفه إنِّ الأسهم دي كانت بتاعة راجح الشافعي..يعني الموضوع مش يخصِّك."
استدارت نحوهِ ببطء، وقالت بسخريةٍ باردة:
" واللهِ...الموضوع ما يخصنيش؟ أمَّال إيه اللي يخصِّني يا باشمهندس؟ إنِّي أفتح باب مكتبي وألاقي حدِّ غريب بيشاركني في تعب أبويا؟ إنِّي أفقد اسمِ أبويا اللي بناه سنين بسبب هلاوسك وانتقامك؟"
نظرَ إليها بعينينِ تشتعلان، لكنَّهُ ظلَّ صامتًا، تقدَّمت نحوهُ بخطواتٍ بطيئة، ثمَّ توقَّفت أمامهِ وقالت بصوتٍ خافت، لكنَّهُ مشحونًا بالغضب:
" يزن...أنا مش عارفة إن كنت جدع فعلاً ولَّا بترسم الدور ببراعة؟..بس في كلِّ الأحوال...إنتَ بتضرِّني، لو عايز تنتقم من طارق فهوَّ محبوس وبيكفِّيه اللي هوَّ فيه، ولو بتنتقم من البنتِ اللي ضحكت عليك أنا ماليش دعوة..كلِّ اللي يهمِّني إنِّ اسمِ أبويا يفضل نضيف عايز تصفِّي حساباتك...يبقى بعيد عنِّي."
اقتربَ منها فجأة، وعيونهِ تلتهمُ كلماتها، وأردفَ بنبرةٍ باردة:
" إنتِ شايفة إنِّي بصفِّي حسابات؟ "
ضحكت بسخرية، وهي ترفعُ عينيها لتلتقي بعينيهِ مباشرة:
" أنا مش شايفة غير كده..بتحارب ناس مفكَّرهم ظلموك، لكن الغلط عندك، مش عند طارق، ولا البنت التانية...ولا حتى أنا، كلِّ حاجة نصيب يا يزن."
اقتربت خطوة، حتى لم يعد بينهما سوى الأنفاس، لأوَّلِ مرة، وجدت نفسها قريبةً منه بهذا الشكل،
همست بصوتٍ مرتجف:
"منكرش انا كنت معجبة بيك، معجبة برجولتك وشهامتك...كنت فاكرة إنَّك الراجل اللي ممكن أعتمد عليه، بس للأسف...طلع كلِّ دا وهم."
صمتَ يزن، لكنَّهُ لم يبتعد، ثمَّ تمتمت بنبرةٍ مليئةٍ بالألم:
" ليه اتجوِّزتني يا يزن؟ علشان تنتقم من طارق؟ ولَّا..."
ارتعشت الكلماتُ على شفتيها، لكنَّها أكملتها:
" ولا علشان كنت بتحبِّني؟"
كان صمتهِ كالطعنات..لم يجرؤ على النظرِ في عينيها، وكأنَّ الجوابَ إليها سهامًا مسمومةً تخترقُ صدرها،
هزَّت رأسها بألم، وقالت بسخريةٍ حزينة:
" الردِّ وصلني يا باشمهندس."
قاطعتها السكرتيرة على الباب:
" أستاذة رحيل...الاجتماع بدأ."
أومأت رحيل بصمت، ثمَّ التقطت هاتفها وغادرت دون أن تنظرَ خلفها..
تركتهُ واقفًا في مكانه، يحاولُ تجميعَ شتاتَ نفسه...
خرجَ من شروده على صوتِ كريم:
" كلِّم إيمان وشوف الوقت المناسب علشان ننزل نجيب الدبل."
أومأ يزن دون أن ينبسَّ بكلمة، وكأنَّ الحديثَ أصبح ثقيلًا على صدره.
بفيلا الجارحي، كانَ إسحاق جالسًا في الحديقة، عيناهُ تترقَّبُ المكانَ غارقًا بماضيهِ الذي أثقلهُ الحزنُ في قلبهِ منذ فقدانِ طفله، بينما فاروق يجلسُ بجواره على مقعدهِ المتحرِّك، يراقبُ صمتهِ الموجع..
جلست صفية، تطعمُ زوجها، ذهبت ببصرها إلى إسحاق الذي مازال غارقًا في بحرٍ من الصمت،
قالت بصوتٍ خافت، لكن مليء بالحزن:
"لسه دينا في المستشفى؟"
هزَّ إسحاق رأسهِ بحركةٍ بطيئة، مبتعدًا عن عينيها وأجابها بصوتٍ مشوَّشٍ، خرجَ همسًا:
"خرجت من أسبوع...قالت هتقعد مع والدتها، سبتها براحتها..."
ثم تابع بصوتٍ شاحبًا، وكأنَّهُ يعبِّرُ عن شعورٍ عميقٍ بالخذلان الذي يسيطرُ عليه،
رفعت صفية حاجبها بتساؤل، ثمَّ قالت بنبرة متخاذلة:
"كنت قاسي عليها قوي يا إسحاق...هيَّ مالهاش ذنب في اللي حصل، متنساش إنَّها كانت أم.."
أخذَ إسحاق نفسًا عميقًا، وارتفعَ قلبهِ بالنبض، لكنَّهُ استندَ على الطاولة، ونظرَ إلى فاروق، الذي كان يراقبهم، ثمَّ تساءلَ بصوتٍ كادَ أن يُسمع:
"فاروق...تفتكر الولد اللي مات ده ابني؟... تفتكر؟"
خرجت شهقةٌ غير راضيةٍ من صفية، بينما قلبها ينفطرُ لحالته:
" إنتَ بتقول إيه يا إسحاق؟!..ارضى بقضاِء الله، لو كانت الصدمة مأثَّرة عليك كده، فكلِّ شيء مكتوب...إنتَ مش عارف بتقول إيه."
نظرَ إليها فاروق بعينينِ مليئتينِ بالعجز، أسندَ إسحاق رأسهِ على يديه، وتنهَّدَ بنفسٍ ثقيلٍ حتى خانتهُ الدموعَ لتتساقطَ على خدَّيه:
"- مش عارف، قلبي مش مصدَّق، وعقلي بيربط الأحداث، فيخوني التفكير.."
مسحَ وجهه بعنف، وكأنَّما يحاولُ أن يطردَ هذه الهواجسَ من عقله،
حاولَ فاروق أن يتحدَّث، لكن لسانهِ خانهُ بثقله..
تدَّخلت صفية مردفةً بنبرةٍ حنون:
"اعمل تحليل، علشان تقطع الشك باليقين...مش بشك في دينا، بس اللي شفته من مدام أحلام يخلِّيني أقولَّك إتأكد.."
رفعَ إسحاق عينيهِ إليها، والدمعة التي تعلقت في عينيهِ جعلته يبدو كطفلٍ تائه، ثمَّ نظرَ إلى فاروق، وقالَ بصوتٍ مكسور:
"شفت إنتَ وأبوك عملتوا إيه؟...قول لي، لو كانت ورا الموضوع ده، هترجع تقول لي "أمَّك"؟...واللهِ لو كان ليها يد في اللي حصل مش هرحمها، سكتِّ دا كلُّه علشان وصية أبوك اللي هيَّ متسلتهاش."
قاطعهُ وصولُ أحلام، الذي كان بمثابةِ البركان...
صمتَ الجميعُ لحظة ثمَّ نظرت أحلام إليهم بعينينِ مليئتينِ بالسخرية، ورسمت قناعًا من الحنان:
"عامل إيه يا فاروق؟"
وقعت عيناها على صفية التي كانت تطعمُ زوجها، ثمَّ رمقتها بنظرةٍ باردةٍ مليئةٍ بالكراهية، وأشارت إليها بكبرياء:
"عمرك ما هتنضفي...لسه زي ما إنتي، مفكَّراه طفل وبتأكِّليه بالطريقة دي؟"
قاطعها إسحاق بصوتٍ خافتٍ ولكنَّهُ مشحونًا بالغضب:
"- جاية ليه يا أحلام هانم؟"
جلست بجوار فاروق، وأمالت جسدها عليهِ وأردفت بحزن:
" إيه...جاية أشوف ابني...هتمنعني؟ إنتَ ليه مش في بيت بتاعةِ الخضار ، روح دوَّر عليها يمكن تلاقيها فارشة على ناصية بتساعد أمها."
نهضت صفية، وأزالت بقايا الطعام من فمِ زوجها، ثمَّ نظرت إلى إسحاق وقالت بصوتٍ منخفض، لكنَّهُ مليء بالخوف:
"هطلع أشوف البنات فوق...من وقتِ ما غرام جت وملك حبستها في الأوضة... خلِّي بالك من فاروق، مش قادرة أتركه لوحده."
قاطعتها أحلام بتهكُّم:
" مالك يا بنتِ الباشكاتب؟ شفتي شيطان وعايزة تهربي ولَّا إيه؟...وبعدين البتِّ بتاع الولد اللي جبتوا من الشوارع دي بتعمل إيه في بيت ابني؟"
نظرت صفية إلى إسحاق الذي هاجَ بالغضبِ وصاح:
"إيه اللي جايبك ياله روحي شوفي وراكي إيه..
أخفت سخريتها، وردَّت بصوتٍ هادئ، لكنَّهُ مليئًا بالثقة:
"بالراحة ياإسحاق...قولت لك أنا في بيت فاروق، لمَّا أروح بيتك اطردني، وما أعتقدشِ هاروح أصلًا."
قاطع حديثهما رنينَ الهاتف، ورفعَ إسحاق سمَّاعتهُ:
"أيوة؟"
"إسحاق، مدام دينا رافعة عليك قضية طلاق، شوف هتعمل إيه."
تقابلت عينيهِ پأعين أحلام، التي كانت تشتعلُ بالتحدي،..
ثمَّ مالت جسدها عليه، وقالت بصوتٍ ساخر:
" إيه...بنتِ بيَّاعِ الخضار عملت لك مصيبة؟"
بخطوةً واحدة، وبلحظةٍ من الجنون، لا يرى أمامه..
كانت يداهُ تطبقُ على عنقها بشدة، حاولت صفية أن تفرِّقهُ عنها، لكن كان قد تحوًَّلَ إلى شيطانٍ مارد، لا يعرف سوى الهلاك.
بدأت صفية تصرخُ بألم، بينما كان فاروق الذي عجزهُ خانه،
وصلت ملك تصرخ:
"نانا!..عمُّو سيب نانا،
بتلك الأثناء دلفت سيارةُ أرسلان إلى الحديقة، ذُهلَ من ذاك المشهد، فهبَّ منها وركضَ سريعًا، وهو يرى محاولاتِ صفية وملك بإبعادِ إسحاق..
دفعهُ بقوَّةٍ حتى سقطت أحلام مغشياً عليها، وجهها شاحبًا شحوبَ الموتى، من شدةِ العنفِ الذي تعرَّضت له،
نظرَ إلى سقوطها نظراتٍ باردةٍ وكأنَّها ليست والدته التي حملته، نظرات تحمل من الكره مايجعلها عدوته الاولى بهذا العالم،
استدارَ متحرِّكًا بثورةِ غضبِ لا يمكنُ إيقافها، ومازال شيطانهِ يوسوسُ له بإرتكابِ أبشعِ الجرائم..
بمنزلِ آدم وخاصَّةً بغرفةِ مكتبه كان منشغلًا بعمله،
قطعَ انشغالهِ دلوفَ والده، بخطواتهِ الموزونةِ تعكسُ مزيجًا من القلقِ والتساؤل:
"- عملت إيه؟ انشغلت ونسيت أسألك."
رفعَ آدم رأسهِ ببطء، ينظرُ لوالده متذكِّرًا عمَّا يسأل لينهضَ من مكانهِ بخطواتٍ متثاقلة، واقتربَ من والده:
"- معرفتش أوصل لحاجة...متنساش دي مرات لواء، مش سهل أوصل لهم من غير حدِّ قريب منهم، هشوف ظابط كنت اتعرَّفت عليه في شغلي، يمكن يساعدني.."
توقَّفَ زين للحظة، وعيناهُ تخترقانِ ملامحِ آدم:
"- تمام...وأنا كمان هشوف يارب تكون هيَّ.."
تردَّدَ آدم قليلاً، ثمَّ تساءل:
" فكَّرت تكلِّم عمُّو راجح؟"
أغمضَ زين عينيه برهة، وكأنَّ السؤالَ أعادَ إليه ثقلًا لم يتحمله:
" راجح مبقاش زي الأوَّل...بحسُّه مخبِّي حاجة مش عايز أدخَّله، أنا هعرف بطريقتي وإنتَ كمان شوف ودوَّر.."
توجَّهَ زين نحو الباب، لكنَّهُ توقَّفَ فجأة، واستدارَ نحوهِ متسائلًا بجدِّية:
" البنتِ اللي كنت متجوِّزها...رجعت بلدها ولَّا لسه؟"
تجمَّدَ آدم، وعجزت شفتيهِ عن التفوُّهِ ليهزَّ رأسهِ كأنَّهُ يحاولُ إقناعَ نفسهِ قبلَ والده:
" أيوة...أكيد رجعت."
قالها بصوتٍ مختنق، مبتعدًا عن النظرِ إلى والده..
تحرَّكَ زين مغادرًا الغرفة..
جلسَ آدم على الأريكة، يمرِّرُ يدهُ على وجههِ وكأنَّما يحاولُ مسحَ ذكرياتٍ لم يرد استرجاعها،
صمت حنين الذي يعتبره، هدوء ماقبل العاصفة جعله يحملُ الكثيرَ من الخوف،
احتضنَ رأسهِ وغرقَ في دوَّامةِ أفكارهِ، أين هي وماذا تخطِّط، هو يعلمُ أنَّها لن تصمتَ بغرورها الأنثوي..
انفتحَ البابُ بهدوء، يتبعهُ دخولُ إيلين، تحملُ بين يديها فنجانًا من القهوة:
" عملت لك قهوة."
رفعَ آدم رأسهِ لينظرَ إليها بصمت..
لوهلةٍ شعرَ وكأنَّهُ يرى ملاكًا، حضورها كان هادئًا، لكن ملامحها مرتبكةً من هروبِ عيناها...
ابتسمَ ابتسامةً هادئةً على ارتباكها ثمَّ تحدَّث:
" دا إيه الرضا ده كلُّه؟"
تقدَّمت بخطواتٍ متردِّدةٍ لتضعَ القهوةَ على مكتبه، وردَّت بنبرةٍ خافتة:
" لا مش رضا...خالو طلب قهوة، فقولت أعملَّك معاه مش مخصوص يعني."
ضحكَ آدم بخفَّةٍ مستندًا على الكرسي، وعيناهُ تتأمَّلها كأنَّها لوحةً أبدعَ المبدعُ برسمها:
" طيب...اضحكي عليَّا..على العموم، تسلم إيدك."
تورَّدت وجنتاها، وفركت كفَّيها بارتباكٍ واضح:
" فاضي؟ عايزة أتكلِّم معاك شوية."
استقامَ في جلستهِ متوقِّفًا، وكأنَّهُ كان ينتظرُ حديثها...
اقتربَ منها وأمسكَ كفَّيها برفق، قائلاً بحنانٍ عميق:
" لو مش فاضي، أفضى لك...متنسيش إنِّك مش بس بنتِ عمِّتي، إنتي مراتي."
بدت وكأنَّ الكلماتَ تتجمَّعُ على شفتيها ثمَّ تختفي، وكأنَّها تخشى النطقَ بها.
هربت بعينيها بعيدًا، ثمَّ تمتمت أخيرًا بصوتٍ أشبهُ بالهمس:
" بتحبِّني؟"
ارتجفَ جسدهِ للحظة، وكأنَّ سؤالها أصابَ قلبهِ في مقتل،
اقتربَ منها وعيناهُ تغوصان في عينيها الرماديتين، ويداهُ تزيحانِ برفقٍ خصلاتِ شعرها عن وجهها:
" بحبِّك أوي...عندك شك؟"
أغمضت عينيها بقوة، ودموعًا خجولةً انسابت على وجنتيها:
" نفسي أصدَّقك."
كلماتها كانت كالطعنةِ التي أعادت فتحَ جراحٍ لم تندمل داخله..
دون تفكيرٍ جذبها إلى أحضانهِ بقوة، وكأنَّهُ يخشى أن تهرب:
" إيلين...مستعد أضحي بأيِّ حاجة علشانك...لو عايزة أسافر تاني، أعمل
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم سيلا وليد
الفصل التاسع والعشرون
"اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك"
كنتُ أظن أن الحزن الذي يسكنني كافٍ ليجعلها تُدرك حجم الألم الذي تركته في داخلي، لكنها اختارت أن تُعمّق جُرحي أكثر.
أنتظرت منها عودة تحمل في طياتها اعتذارًا صادقًا، عودة تجبرني على نسيان كل لحظة غابت فيها، حينها كنتُ سأبكي على صدرها بكل ما عشته من وجع، كنتُ سأكشف لها عن ليالٍ ثقيلة مرّت دون أن تكون بجانبي، وسأجعلها ترى كيف مزّقت روحي.
لكني لن أبقى، لن أغفر، وسأرحل بعيدًا؛ لأني أدركت أن الروح التي تتألم من القريب، لا تجد في قربه شفاءً.
كيف أصف لها هذا الألم الذي يتسلل إلى أعماقي دون أن أجد له وصفًا؟
إنه وجع الروح، وجع لا يُسمع ولا يُرى، لكنه يترك أثرًا لا يُمحى.
ليتها تعلم أنني انهرتُ حتى فاض وجعي، وأنها كانت الجرح والقاضي معًا!!!
تُرى من يكون بطلنا المتألم
دلفَ راجح إلى الغرفةِ بخطواتٍ واثقةٍ تحملُ في طيَّاتها التحدي، ناظرًا إلى ميرال بعينينٍ تضجَّانِ بالحدة.
"ألف مبروك يا بنتِ راجح!"، ردَّدها بصوتٍ غليظ، بينما خطت رانيا نحوها بتوتر، متحاشيةً النظرَ إلى إلياس، الذي توقَّفَ في صمتٍ مميت، وجههِ بلا تعابير..خطت مردفة:
"ميرو حبيبتي، حمدَالله على السلامة إحنا تحت من إمبارح، منتظرينك تفوقي يا قلبِ ماما، بابا مرديش يمشي، كان عايز يشوف ابنك."
اقتربَ راجح بخطواتٍ بطيئة، وعيناهُ تتحدَّى كلَّ من في الغرفة، بانتصارٍ هيَّئهُ لنفسهِ الخبيثة، ثمَّ اتَّجهَ نحو فريدة بنبرةِ استعلاء..
لم تتحرَّك فريدة، وكأنَّ الزمن توقَّفَ عند دخولهما، وشعرت بأنَّ حضورهم سيكون عاصفةً ستحرقُ الأخضرَ واليابس، رفعَ حاجبهِ بنظرةٍ ساخرةٍ وهتف:
"مش تعلِّمي ابنك الأصول يافريدة"
قاطعَ صوتهِ دلوفُ أرسلان إلى الغرفةِ بمزاحهِ الذي اعتادوا عليه منذ تقرُّبهِ إليهم، وهو يصدحُ بنبرةٍ سعيدة:
"عمُّو جه يا..."، توقَّفَ فجأة، بعدما وقعت عيناهُ على راجح الذي تابعهُ بنظراتٍ مشحونةٍ بالازدراء، انحنى أرسلان قليلًا نحو غرام، مشيرًا بيدهِ باتِّجاهِ ميرال:
"سلِّمي على ميرال يا غرام."
قالها وعيناهُ على إلياس الذي توقَّفَ ووجههِ كالصخرةِ الباردة، فاقتربَ من فريدة وهو يميلُ برأسهِ باستفهام:
"عندنا ضيوف ولَّا إيه؟"
تجاهلهُ راجح بابتسامةٍ تحملُ سخريةً خبيثة، واتَّجهَ نحو ميرال التي كانت تتنقَّلُ بنظراتها المتوترة بينهِ وبين إلياس، وقفَ أمامها وابتسمَ ساخراً:
"إحنا مش ضيوف يا...اسمك إيه؟ أنا جدِّ الطفل...اللي أخوك طلَّق مراته بعد ما عاش معاها يومين حلوين؛ مش دا اللي قولته لي في المستشفى؟..قالها متهكِّمًا، ثمَّ التفتَ إلى فريدة:
-عاذره، ماهي البنتِ حلوة، طالعة لمرات عمَّها مش كده يا فريدة؟"
خطا أرسلان بهدوءٍ مميت، ووقفَ أمام فريدة وكأنَّهُ درعٌ يحميها، ثمَّ رفعَ رأسهِ بابتسامةٍ ساخرةٍ وتحدَّثَ بنبرةٍ لاتخلو من الاستهزاء:
"جدُّو جاي بنفسه؟ وياترى جاي ينقَّط البيبي، ولَّا جاي يورِّينا إنِّ له جد؟"
مطَّ راجح شفتيهِ بازدراءٍ وردَّ ببرود:
"رغم ما اتعرَّفناش، بس هقولَّك علشان فضولك ما يموِّتكش...أنا جاي أسمِّي الطفل، وأنا اللي هأذِّن في ودنه، مش دي الأصول يا فريدة؟"
سادَ الصمتُ وكأنَّ الزمنَ توقَّفَ للحظة، إلى أن قطعهُ أرسلان بقهقهةٍ مرتفعةٍ جعلت الجميعَ يظنُّونَ أنَّهُ أُصيبَ بالجنون..حاوطَ بطنهِ وهو يضحك ثمَّ توقَّفَ فجأة، وطالعهُ بعينينِ باردتينِ وابتسامةٍ مريرةٍ ممزوجةٍ بالغضبِ الجحيمي:
"أحلى جدُّو والله! تصدَّق؟ كنت جاي مخصوص علشان آخد البيبي لجدُّو... أيوة، حتى ماما قالتلي كده."
أشارَ بيدهِ نحو ميرال وهو يتحدَّثُ بسخريةٍ لاذعة:
آه كويس إنتَ جدُّو، وأنا عمُّو، والبارد اللي هناك أبوه، والبنتِ اللي لسانها أطول منها دي تبقى أمه..مش كده يا بهية؟"
اقتربَ خطوةً نحوهِ وهو يمدُّ كفَّيهِ بتحدٍّ:
"مش هتسلِّم يا جدُّو على عمُّو؟"
اقتربَ راجح ومدَّ يديهِ وعينيهِ تنطقُ بالتحدي، لكن أرسلان أمسكَ بكفَّيهِ وضغطَ عليهما بقوة، وجذبهُ نحوهِ بعنفٍ هامسًا بنبرةٍ منخفضةٍ تحملُ وعيدًا:
"أكيد متعرفنيش...أنا مابتقابلشِ مع الأشكال الواطية إلَّا في ساعاتِ الضرورة، تقول إيه بقى؟..مش أيِّ حد يتمنَّى الوقوف قدَّامي، وبدل جيت لحدِّ رجلي، يبقى لمَّا تشوفني تبصّ في الأرض...مش تتبجَّح."
ارتفعت أنفاسُ راجح، وتوسَّعت عيناهُ بغضبٍ مكتومٍ قبل أن يهدرَ بعنف:
"إنتَ بتقول إيه يا له؟"
اقتربَ من أرسلان أكثر وهمسَ بنبرةٍ تحملُ التوعُّدَ والتحدي:
"شوف البنتِ دي..."، وأشارَ نحو ميرال..
تابعَ بصوتٍ منخفض، لكن كلماتهِ كانت كالصفعات:
"دي بنتي...بنتي أنا، دي مروة راجح الشافعي، اللي زوَّرتوها ونسبتوها لغيري، وفي الآخر أخوك يرميها وجاي يقولِّي كان بيستمتع بيها، بس هاخد حقَّها منكم..
ثارت جيوشُ غضبِ أرسلان، حتى تحوَّلت هيئتهِ كهيئةِ شيطان؛ جذبهُ بقوَّةٍ من عنقهِ من الخلفِ وضغطَ عليهِ حتى أصدرَ صوتًا متألِّمًا، ثمَّ دفعهُ بقوَّةٍ ليسقطَ أمام فريدة..أشارَ إليه وقال بنبرةٍ آمرة:
"اتأسف لها...قولَّها أنا آسف، مش على اللي عملته زمان، لا..علشان وقفت وبجَّحتِ فيها دلوقتي.
رفعَ راجح عينيهِ نحو فريدة بتحدٍّ، وقال بصوتٍ حاد:
"بتحلم يابنِ جمال"
انحنى أرسلان حتى أصبحَ بمستواه، وعيناهُ تتوقدانِ غضبًا:
"ما أنتَ شاطر أهو...وأومال ليه عامل عبده العبيط ومش عارفني؟"
ثمَّ ابتسمَ بسخريةٍ قاتلةٍ وهو يضيف:
"أنا حلو صح؟ علشان كده بتحبِّني، آه صح..بتحبني ليه؟ علشان شبه أخوك اللي مات غرقان، بس...يا ترى مين اللي موِّته؟"
شهقت فريدة بحرقة، واهتزَّ جسدها، وانهمرت دموعها كالسيلِ وهي تهزُّ رأسها رافضةً ما تسمعه:
"لا! مستحيل! أبوك مات غرقان...مفيش حدِّ قتله."
رفعَ أرسلان رأسهِ وصاح:
"غرام، خدي ماما واطلعي شوفي البيبي..
عايز أتكلِّم مع راجح وميرال على انفراد."
أومأت غرام بعينيها وسحبت فريدة، التي تسمَّرت بمكانها، بينما إلياس جلسَ بهدوءٍ غيرَ معتاد على المقعد، يراقبُ بصمت...منتظرًا اللحظةَ المناسبة..
توقَّفت فريدة بأنفاسٍ لاهثةٍ من فرطِ الغضبِ والخوفِ على أولادها، وصاحت بصوتٍ مرتجفٍ متألِّمٍ مختلطاً بالإنزعاج:
كفاية بقى..أنتوا عايزين إيه؟ وإنتِ يا رانيا جاية ليه؟ دي بنتي أنا...مش بنت حد، خدي الراجل دا وامشي من هنا...برَّة..
لكن صدى كلماتها لم يكن سوى شرارةٍ أشعلت نيرانَ راجح، الذي استدارَ ببطءٍ كمن يستعدُّ لهجومٍ وتحوَّلت عينيهِ إلى جمرةٍ متَّقدةٍ وصوتهٍ خرجَ كالسيف:
بنتِ مين؟ مش كفاية تزوير يا فريدة!!
شوفي أنا جيت بالنهار وفي مستشفى، وولادك اللي مفتخرة بيهم الظباط، هاخد بنتي وأنا بطلَّع لساني..
اقتربَ من ميرال بخطواتٍ جريئة، لكنَّهُ توقَّفَ فجأةً عندما وقفَ أرسلان في طريقه، نظراتهِ تحملُ تهديدًا لا لبسَ فيه..
ضحكَ راجح بسخريةٍ مريرة، وقال مستهزئاً:
-امشي من قدَّامي بدل ماأودِّي أمَّك في داهية.
لم يُكمل كلماتهِ حتى انقضَّ أرسلان عليه بلكمةٍ صاعقة، صرخت بها عضلاتهِ بغضب:
هيَّ مين دي اللي تودِّيها في داهية؟!
ترنَّحَ راجح للحظةٍ قبل أن يدفعهُ بغضبٍ وحشي، واشتعلت بينهما مشادَّةً عنيفةً كعاصفةٍ لا تهدأ..وسطَ كلِّ هذا، كان إلياس جالسًا في طرفِ الغرفة، ظهرهِ مستقيمًا كأنَّهُ ملكٌ على عرشه، وعيناهُ لا تفارقانِ راجح، تنتظرُ لحظةَ الحسم.
وفجأةً، اخترقَ الغرفةً رجلٌ ضخمَ البنية، ألقى نظرةً جامدةً على المشهدِ قبل أن يقتربَ من راجح قائلاً:
إحنا جاهزين يا راجح باشا.
حينها رفعَ إلياس رأسهِ وابتسمَ ابتسامةً باردةً كأنَّها موجَّهةً لعاصفة، ثمَّ أشارَ بيدهِ نحو الباب:
خلَّصت مسرحيتك؟ شايف الباب اللي هناك؟ لو لمحتك قدَّامي..وحياة رحمة أبويا اللي لسة ما أخدتش عزاه، لأجرَّك زي الكلب، وأخلِّيك ما تساويش جزمتي..
سادَ صمتٌ ثقيلٌ كأنَّهُ جنازةُ مشاعر، لم يكسرهُ سوى صوتِ خطواتِ رجالِ راجح وهم يقتحمونَ الغرفة؛ ارتجفت ميرال على سريرها كطفلةٍ صغيرةٍ تخشى صفعاتَ القدرِ التي لا ترحم، ثمَّ انفجرت بالبكاء، شهقاتها كانت كطعنةٍ في قلبِ إلياس، ولكن عليه تنفيذَ مخطَّطهِ..
تقدَّمت رانيا خطوةً نحو ميرال، عيناها تتوسلانِ إلياس لكنَّها توقَّفت فجأةً عندما زمجرَ إلياس، غضبهِ الذي صار حممًا بركانية:
"قولت إيه؟"
هزَّت رانيا رأسها بارتباك، وأشارت بيدٍ مرتعشةٍ نحو ميرال:
خلِّيني أشوفها بس يا إلياس...
أجابها بصوتٍ كالرعد، حطَّمَ كلَّ الأملِ الذي تحاولُ التشبَّثَ به:
"برَّة"
لم تجد رانيا سوى أن تتشبَّثَ بذراعِ راجح، تسحبهُ وهي تتجنَّبُ نظراتِ إلياس الثاقبة:
"تعالَ..نبقى نطِّمن عليها بعدين."
لكن أوقفهما صوتُ إلياس المخيف:
"استنى يا راجح"
أخرجَ ورقةً من جيبه، ورفعها أمامَ وجهه:
"امضي هنا"
حدَّقَ راجح في الورقة بذهول، قبلَ أن يرفعَ نظرهِ إلى إلياس كأنَّهُ يحاولُ فهمَ ما يحدث:
-إيه دا إن شاء الله؟!..
-مجنون، علشان أعمل كدا!!لا بعينك يابنِ جمال.
ابتسمَ إلياس ابتسامةً مميتة، وقالَ بصوتٍ كالجليد:
لا بإيدك..مين قال بعينك.
استدارَ إلى ميرال، التي كانت ترتجفُ كالورقةِ تحت عاصفةِ الشتاء، وسألها بنبرةٍ هادئة:
الراجل دا فيه حاجة تربطك بيه؟
أجابت بصوتٍ متهدِّج، بالكادِ يُسمع:
"لا"
أشارَ إلياس إلى الورقةِ مرَّةً أخرى، صوتهِ باتَ أكثرُ حدَّة:
"امضي"
ثمَّ رفعَ عينيهِ إلى أرسلان،
الذي استدارَ إلى الرجالِ الذين اقتحموا الغرفة:
-أنتوا جايين تهدِّدوا ظابط مخابرات، وواقفين مع الخاين، الراجل بيخون البلد، شركة الأمن اللي شغَّالين فيها لازم تاخد موقف ضدُّكم، غير طبعًا الخيانة..نظرَ الرجالُ لبعضهم بخوف، وارتباك، ولكن صوتَ راجح سيطرَ على توترهم:
-كذاب متسمعوش كلامه، لحظةً وأخرجَ أرسلان الكارت الخاص به:
-أنا ممكن أقبض عليكو دلوقتي ، معايا كلِّ الصلاحيات..تراجعَ الرجالُ باعتذار:
-إحنا آسفين ياباشا..
خطا أرسلان خلفهم ليغلقَ باب الغرفة، وجذبَ المقعدَ وجلسَ بجوارِ البابِ وعلى وجههِ ابتسامة انتصار:
-عايز أتفرَّج بمزاج..
التفتَ راجح إلى إلياس:
-مش همشي غير ببنتي، إنتَ اللي تاخد أمَّك والواد اللي هناك دا وتمشوا..
لكن إلياس لم يحتمل أكثر، انقضَّ على راجح بقبضةٍ صلبةٍ كالصخر، سدَّدَ له لكمةً جعلتهُ يترنَّح..
ارتفعَ بكاءُ ميرال ليملأ المكان، وكأنَّ قلبها الصغير يصرخُ طلباً للرحمة، حتى اقتحمَ جاسر الغرفة بصوتٍ كالمطرقة:
إيه اللي بيحصل هنا؟
تراجعَ راجح بخطواتٍ متعثِّرة، يحاولُ أن يستعيدَ رباطةَ جأشه، لكنَّهُ فشل..
جلسَ إلياس بهدوءٍ على مقعدٍ قريب، وجههِ صارَ قناعًا من البرود، قالَ وهو يرفعَ الحجابَ على خصلاتِ ميرال المتناثرة:
زي ما شوفت، جايب بلطجية وعايز يهجم علينا..
التفتَ إلى جاسر، وأكملَ ببرودٍ مليءٍ بالسخرية:
اتجنِّن لمَّا عرف إنِّنا اشترينا أسهم الشركة، وجاي بيقول: "هاخد البنت اللي بقالكم سنين بتربُّوها، مش انتوا عاملين ظباط، هاخدها وأنا بطلَّع لكم لساني." عايز أشوف القانون هيعمل إيه.
ضحكَ أرسلان بصوتٍ مرتفع، وغمزَ لإلياس قائلاً:
الله يخرب بيتك، هوَّ إنتَ اللي جرجرته لهنا؟
ردَّ إلياس بثقةٍ دون أن يلتفت:
أومال..
ثمَّ أشارَ إلى جاسر قائلاً بحزم:
البلاغ يا حضرةِ الظابط؛ الراجل دا جاي يخطف مراتي وبيستهزئ بمهنتي
حاولَ راجح أن يدافعَ عن نفسه:
دي بنتي..
قاطعهُ أرسلان بابتسامةٍ مستفزة:
أثبت..
تقدَّمَ جاسر خطوةً بينهما، وقالَ بصرامة:
إحنا هنلعب؟ دلوقتي فيه شهود وتسجيلات إنَّك جاي تخطف مرات حضرةِ الظابط؛ والراجل اللي مسكناه فوق كان عايز يخطف الطفل اللي في الحضانة..والرجالة اللي سلمت نفسها لأمن المستشفى، دول ايه، اكمل جاسر وهو يشير إليه
-إنتَ مختَّل عقلي..
توقَّفَ جاسر، وسحبَ أنفاسهِ بهدوء، ثمَّ نظرَ نحو راجح بعينينِ تعكسانِ صراعًا عنيفًا، حاولَ التمسُّكَ بهدوئه، وبين امتعاضهِ من ذاك عديمِ الأخلاق الذي يريدُ أن يختطفَ الطفل، رفعَ عينيهِ و قال بصوتٍ خفيضٍ لكنَّهُ مشحونًا بالحدِّة:
"لو سمحت، تمشي من غير شوشرة، إحنا في مستشفى، الناس هنا مش ناقصة دراما."
رفعَ عينيهِ بتأنٍّ نحو إلياس، محاولًا الحفاظَ على رباطةِ جأشه:
"ياريت يا إلياس باشا تيجي علشان التحقيقات...الوضع محتاج توضيح."
أومأ إلياس بصمتٍ ثقيل، لكن قبلَ أن يتحرَّك، اقتربَ أرسلان بخطواتٍ واثقةٍ، بدا وكأنَّهُ يحاولُ السيطرةَ على كلِّ ذرَّةٍ من غضبه، لكنَّهُ أشارَ نحو إلياس وهو يقول:
"خليك مع مراتك...أنا هتصرَّف هنا."
لكن عيني إلياس لم تفارق راجح، فكانت نظراتهِ كالسيف، ثمَّ اقتربَ منهُ أكثر، وهمسَ بصوتٍ خفيض، يقطرُ سمًّا:
"بعد إذنك يا جاسر باشا، هقول للمتَّهم حاجة."
تراجعَ جاسر قليلاً، مشدوهًا بما يحدثُ أمامه، بينما اقتربَ إلياس من راجح وتمتمَ بنبرةٍ تنزفُ مرارةً وكبرياءً مجروحًا:
"كنت عرضت عليك عرض...وإنتَ رفضته...دلوقتي بقى اللعب على المكشوف."
لم يتراجع راجح، بل رسمَ ابتسامةً ساخرةً على وجهه، وأردفَ بنبرةٍ مستفزة:
"هنشوف ياابنِ...السيوفي."
قالها و أدارَ وجههِ ببطءٍ نحو رانيا، وأشارَ إليها متمتمًا بثقة:
"ارجعي على البيت...وأنا شوية وهحصلِّك."
تحرَّكَ الشرطي نحوهِ ليقيِّدهُ بالأصفادِ الحديدية، لكنَّ إلياس صاحَ فجأةً بصوتٍ يكسرُ صلابةَ المكان:
"ابعد يا بني...راجح باشا هيروح معاك من غير كلبشات."
ثمَّ نظرَ إلى جاسر بعينينٍ امتلأتا بالتناقض، وقال بصوتٍ خافتٍ لكنَّهُ مشحونٌ بالعاطفة:
"آسف يا جاسر باشا...الباشا دا بيكون عمِّي، فرجاءً منِّي احترامًا لوالدي...مش أكتر."
عقدَ جاسر حاجبيه، وبينما كان يحاولُ فهمَ كلماتِ إلياس، قطعَ أرسلان هذا التوتُّرَ بصوتٍ جافٍّ كالصخر:
"هنتحرَّك ولَّا نقعد نحكي على أطلال كوارث راجح الشافعي؟"
ثمَّ رمقَ إلياس بنظرةٍ باردةٍ كأنَّها تحذيرًا أخيرًا وقال بنبرةٍ مشبعةٍ بالقسوة:
"دا مش عم، تمام؟ مش عايز أسمع الكلمة دي تاني."
ارتدى نظَّارتهِ بخفَّة، وتحرَّكَ للخارجِ بخطواتٍ تخفي تحتها عاصفةً من الغضبِ والخيبة..توقفت أمامه رانيا
-عملت اللي قولت عليه، وجبته، ممكن بقى تجيب الفيديو لو سمحت
أشار إليها بتكبر:
-لحظة ومش عايز اشوف وشك الزبالة دا قدامي ..قالها ثم دلفَ إلى الغرفة، يشعرُ أنَّ هناكَ مايخنقه، كان يريدُ أن ينهي حوارَ زوجته، دفعَ البابَ ودلفَ للداخلِ وجدها تبكي كأنَّ دموعها محاولةً يائسةً لإطفاءِ حريقِ ألمها، صوتُ نحيبها كان كالسكاكين، يقطعُ كلَّ ذرَّةٍ من قلبه، طالعها بأسى وهي بين أحضانِ فريدة، التي لم تجد سوى الصمتِ لمحاولةِ تهدئتها...
توقَّفَ إلياس عند البابِ للحظة، أغمضَ عينيهِ محاولاً كبحَ غضبٍ يشعلُ صدرهِ كبركانٍ على وشكِ الانفجار، ثمَّ تقدَّمَ نحوها بخطواتٍ ثقيلة، وكلَّ خطوةٍ تحملُ وزناً لا يُحتمل..
جلسَ بجانبها، يعدل وضعية نومها، مدَّ يدهِ ببطءٍ نحو يدها المرتجفة، ثمَّ همسَ بصوتٍ بالكادِ خرج من بين شفتيه، حائرًا بين الرجاءِ والألم:
"اطمِّني...أنا هنا...مش هسيبك أبدًا."
لكنَّها لم ترفع عينيها نحوه، كانت غارقةً في حزنها، وكأنَّ الكلماتَ لم تعد تعني شيئًا، أغلقَ عينيهِ مرَّةً أخرى، محاولًا أن يجدَ القوةَ في ضعفها وحزنها
توقَّفت فريدة تراقبُ غرام بعينينِ تحملانِ القلقَ والحنان، وهمست بصوتٍ يشوبهُ الارتباك:
"حبيبتي، تعالي انت وغادة ننزل نشرب قهوة تحت، لحدِّ ما أرسلان يرجع."
أومأت غرام بخفوت، تبحثُ عن مهربٍ من هذهِ الأجواءِ الثقيلة، ثمَّ تحرَّكت بخطواتها البطيئة نحو الخارج.. أمَّا هو فقد استدارَ نحو ميرال، التي مازالت تبكي في صمتٍ أشبهَ بصراخٍ مكتوم..
اقتربَ منها ونظراتهِ تحملُ مزيجًا من الحزنِ والغضبِ المكبوت، ثمَّ قالَ بنبرةٍ حاولَ أن تبدو هادئة لكنَّهُ فشل:
"ممكن أعرف بتعيَّطي ليه دلوقتي؟ الراجل دا يلزمك..."
انفجرت حروفُ صوتها وكأنَّها شظايا من قلبٍ محطَّم:
"ليه؟!"
-كانت الكلمةُ أشبه بعاصفة، نطقتها بحزنٍ قاتل، وأغمضت عينيها بقوَّةٍ تحاولُ حبس َالألمِ في داخلها، لكن صوتَ راجح لم يرحمها، يتردَّدُ في أذنيها كجرسِ موت:
"رايح تقولُّه اتجوِّزتني متعة؟ هتفضل لحدِّ إمتى كده؟ لحدِّ إمتى هدوس عليَّا علشان غرورك وكبرياءك؟"
رفعت رأسها إليه، ونظرتها تحملُ خليطًا بين الوجع والحزن، تستجديهِ أن ينفي ما قالهُ راجح..همست بصوتٍ مثقلٍ بالبكاء:
"قولتها ولَّا لأ يا إلياس؟ قولت لراجح؟ دبحتني...دبحتني للمرَّة اللي مبقتشِ عارفة عددها!"
تراجعَ إلياس خطوتينِ للخلف، وكلماتها التي أصابته في مقتل، أدارَ وجههِ بعيدًا عنها، لكنَّهُ لم يستطع الهروبَ من نظراتها التي اخترقتهُ كالسيف، بكت بحرقةٍ وهي تمرِّرُ أصابعها المرتجفةِ على وجهها، محاولةً كبحَ دموعها بلا جدوى..
-ميرال أنا قولتها علشان أحرقه زي ماحرقنا..
هزَّت رأسها تتمنَّى أن يسحبَ اللهَ روحها حتى تنتهى من هذا العذاب، ردَّدَ اسمها مقتربـًا منها، رفعت عينيها التي تتلألأُ جواهرها ثمَّ نطقت بنبرةٍ ممزوجةٍ بالحسرة:
"قولتها...علشان تحرقه، صح؟ بس الحقيقة...إنتَ حرقتني أنا..أنا الوحيدة اللي بتحرق ياإلياس...أنا وبس."
صوتهِ خرجَ متحشرجًا وهو يحاولُ التبريرَ لكنَّهُ لا يملكُ شيئًا يقوله:
"ميرال، إنتِ مش فاهمة..."
لكنَّها لا تريدُ أن تسمع، أغلقت أبوابَ قلبها أمام كلماته، فيكفي ماتشعرُ به..
-ميرو حبيبتي، إنتِ واثقة فيا..قالها وهو يجلسُ بجوارها يحتضنُ كفَّيها بين راحتيه، رفرفت أهدابها بثقلِ عبراتها وتمتمت بلسانٍ ثقيل:
-مكنتش بثق في حدِّ غيرك، ولا عايزة حدِّ غيرك..دنا برأسهِ لمستوى جسدها:
- ولا مسموح لك تثقي في غيري..لمعت عيناها بدموعها:
-أثق، بعد إيه ياإلياس، بعد مابعتلي واحدة بتساومني على ابني، بتقولِّي سوري أنا أولى من الغريب..
صمتٌ مميتٌ بالغرفة، ونظراتُ الذهولِ تجلَّت بملامحه، متسائلًا عمَّا نطقته:
-أنا مش فاهم حاجة، قاطعَ حديثهِ دخولُ الطبيبة، كأنَّها نسمةٌ باردةٌ تخترقُ نيرانَ كلماتها التي ألقتها، اقتربت الطبيبةُ و ابتسمت قائلةً بنبرةٍ مفعمةٍ بالطمأنينة:
"حمدَ الله على السلامة."
ردَّت ميرال بصوتٍ مكتومْ يكادُ يختفي بين بكائها:
"الله يسلِّمك."
دقَّقت الطبيبةُ النظرَ نحوها بتساؤل:
"إنتِ بتعيَّطي علشان تعبانة؟ ما تعيَّطيش، علشان كدة مش كويس. إنتِ لسه والدة، جسمك محتاج الراحة."
نقلت بصرها نحو إلياس الذي تحرَّكَ في زاويةِ الغرفة، صامتًا كتمثال، ثمَّ أردفت بابتسامةٍ مرحة:
"وبعدين، فيه حدِّ يبقى متجوِّز راجل بيخاف عليه كده ويعيَّط؟ دا كان هيتجنِّن عليكي."
أغمضت عينيها، في محاولةٍ للهروبِ من كلماتِ الطبيبةِ التي أشعلت نيرانَ صدرها، تفحَّصت جرحها بحرص، ثمَّ تابعت بجدية:
"لازم تتحرَّكي شوية..لو مشيتي كام خطوة هنطَّمن إنِّ كلِّ حاجة تمام."
أومأت ميرال بصمت، ثمَّ استدارت الطبيبةُ نحو إلياس:
"هبعت الممرضة تساعدها، الحركة أهمِّ علاج."
-دكتورة ابني كويس...تساءلت بها بقلبٍ ينتفض..
التفتت إليها بابتسامةٍ مطمئنِّة:
"ابنك زي الفل، محتاج بس شوية وقت في الحضَّانة..حمدَ الله على سلامتك."
غادرت الطبيبة، تاركةً خلفها قلوبًا تئنُّ من الحزن.
كسرَ إلياس الصمت، محاولًا السيطرةَ على زمامِ الأمور:
"هترجعي الفيلا..مينفعشِ تقعدي لوحدك."
رفعت ميرال رأسها ببطء، ونظراتها التي امتزجت بالحزنِ و التعب، وردَّت بصوتٍ منكسرٍ لكنَّهُ حاسم:
"مش هسيب بيتي يا إلياس..ولَّا إنتَ رجعت في كلامك؟"
"ميرال، مينفعشِ تقعدي لوحدك، ابنك في مكان وأنا في مكان، وإنتِ محتاجة حدّ جنبك."
هزَّت رأسها بالنفي، والدموعُ تتدفُّقُ بلا توقُّف:
"الفيلا؟ الفيلا اللي طردتني منها مفيش حاجة بتربطني بيها...ولا حتى إنتَ."
سقطت كلماتها كصفعةٍ مدوية، تركتهُ في صمتٍ مهيب، بينما هي أمالت رأسها، تحاولُ إخفاءَ انكسارها، لأنَّها تعلمُ أنَّها بدونهِ لا تعرفُ للحياةِ معنى..
دلفت الممرضةُ بابتسامةٍ هادئة:
حمدَ الله على السلامة، الدكتور قالت أساعدك تتحرَّكي شوية...جاهزة؟
أومأت برأسها بصمت، تُخفي عينيها بعيدًا عن إلياس، وكأنَّها تخشى أن تلتقي بنظراته، اقتربت الممرضة بحذر، محاولةً مساعدتها للنهوض، لكن بمجرَّد أن حاولت الحركة، خرجت منها صرخةُ ألمٍ مكتومة..توقَّفَ الزمنُ للحظة، حتى انتفضَ واقفًا كمن لسعتهُ النار، يهدرُ بصوتٍ عالٍ مشحونٍ بالخوف:
بتعملي إيه؟ مش شايفاها تعبانة؟ اطلعي برَّة فورًا..
تراجعت الممرضةُ بتوتر، تحاولُ الدفاعَ عن نفسها:
"بس يا فندم..."
"قلت برَّة"
قالها بصوتٍ حادٍّ، ثمَّ اقتربَ إليها، وكلَّ شيءٍ فيه اختلف، انحنى أمامها، جاثيًا على ركبتيهِ كمن يحاولُ الوصولَ إلى أعماقِ ألمها، وأردفَ بنبرةٍ هادئة، وبنظراتٍ مليئةٍ برعبٍ لم يعرفهُ من قبل:
حاسة بإيه؟ تعبانة؟ أجيب الدكتورة؟
عجزت عن الإجابةِ وهي ترى في نظراتهِ اللهفة والخوف، ولكن ألمها كان أكبرُ من الكلمات، استندت برأسها على كتفه، وكأنَّها تبحثُ عن ملاذٍ، عن مهربٍ من العاصفةِ التي اجتاحت جسدها وروحها، عاصفةُ ارتباطِ روحها بروحه، فهمست بصوتٍ بالكادِ يُسمع:
تعبانة...مش قادرة أتحرَّك...
انحنى ليحاوطها بين ذراعيهِ بحذر، وكأنَّها زجاجٌ قابلًا للكسر، احتواها بقوَّة وبحنانٍ وخوفٍ لا يمكن وصفهما، لما لا وهي أثمنُ ما يملكُ
حاولت تحريكُ قدميها، لكنَّ الألم أوقفها، بكت تهزُّ رأسها بعجزٍ ورفض:
لا...مش قادرة...عايزة أنام...لو سمحت يا إلياس، سبني أنام..
توقَّفت خطواته، لكنَّ قلبهِ لم يتوقَّف عن النبضِ بعنف، نظرَ إليها وكلماتها التي أحرقت كلَّ ما بداخله..اقتربَ أكثر، يضمُّها إلى صدره، وكأنّّهُ يحاولُ أن يُغرقَ ألمها في أعماقِ روحه:
- متخافيش أنا معاكي مش هسيبك..
حاوطت خصرهِ كالطفلةِ التائهةِ التي وجدت أخيرًا أمانها...أغمضَ عينيهِ متلذِّذًا بتلك اللحظة، فلقد حُرمَ من جنةِ أحضانها منذ أكثرَ من شهرينِ حتى أصبحت حياتهِ باردةً ومظلمة، ولكنَّهُ تحمَّلَ تلك الحياة ليشعرها بالراحة، ولا يعلمَ أن بعدهِ ماهو سوى ألمٍ يمزُّقها...تراجع يجذبها ويخطو بجوارها بهدوء شهقت بصوتٍ متعب، تحاولُ أن تتحدَّث:
"هقع..."
ابتسمَ ابتسامةً باهتة، ومسحَ دموعها المتساقطةَ دون وعي، وهمسَ بصوتٍ دافئٍ يغلِّفهُ الحنان:
إنتِ في حضني...تفتكري ممكن أسيبك توقعي؟..دفنت رأسها بصدره تضغط على آلامها
أبعدَ رأسها برفق، ليتعمَّقَ في ملامحها التي رسمَ الألمُ ، نظرَ إليها نظرةً أخبرتها بكلِّ شيءٍ كان عاجزًا عن قولهِ منذ البداية، ثمَّ همسَ بصوتٍ مليءٍ بالحب:
عايزك تقعي...بس في حضني، لأنِّك مهما تعملي مفيش غيره.
شعرت بقلبها يترنَّحُ بين كلماتهِ ونظراته، لم تستطع أن ترفضَ دفءَ كلماته، ولا حنانَ احضانه، تمنت أن يتوقف الزمن هنا فاستسلمت لوجودهِ الذي كان يطغى على كلِّ شيء، وكأنَّها وجدت في قلبهِ الأمان الذي افتقدتهُ منذ ابتعاده
ثقُلَ جسدها وأوشكت قدماها على الاستسلام، فارتجفَ جسدها وهي تهمسُ بخفوتٍ يكادُ يُسمع:
رجَّعني على السرير لو سمحت.
لمعت عيناهُ بقلقٍ ينهشُ داخله، فحاصرَ جسدها بذراعيه، ونطقَ بصوتٍ محمَّلًا بخليطٍ من القلقِ والغضب:
ميرال، لازم تتحرَّكي...سمعتي كلام الدكتورة..
شهقت وهي تحاولُ التقاطَ أنفاسها:
رجَّعني على السرير...بقولَّك.
قالتها بنبرةٍ حادَّةٍ كادت تُفقدها ما تبقَّى من اتزانها...أمسكها بإحكامٍ بيديهِ التي كانت كالحصنِ المنيع ليردف:
امشي خطوة كمان، وبطَّلي دلع...لو ما تحرَّكتيش هسيبك توقعي، متفكريش هتصعبي عليّ.
أطبقت عينيها بقوَّة، هي تعلمُ أنَّهُ يفعلها..جرَّت قدميها بصعوبة، وشهقةُ ألمٍ اخترقت شفتيها أشعرتها بالعجز، ولكن ذراعيهِ كانت تدعمها رغم جمودِ وجهه، الذي باتَ أشبهُ بجدارٍ صلدٍ لا يكشفُ شيئًا.
خطت بثقلِ جسدها بين ذراعيه، وهي تحاولُ سحبَ قدميها خطوةً بخطوة، لكنَّها كانت تشعرُ وكأنَّ جبلًا ينهارُ عليها، بسببِ قوَّةِ الألم، خطت مرَّةً أخرى، رغم أنفاسها المتقطِّعة، والألمُ الذي يشتعلُ في أطرافها، لم يكن أمامها خيارًا سوى الانصياعِ له، بينما عينيهِ تراقبها بإهتمام ليحزن على
وجهها الشاحبَ الذي كان أشبهُ بلوحةٍ مكسورة، وعيناها الجريحتانِ تغرقانِ في بحرٍ من الألم، وشفتيها ترتجفانِ بلا صوت..شعرت بجسدهِ يحاصرها، كدرعٍ يخفي خوفهِ عليها تحت ملامحَ صارمة..رفعت عينيها لتقابلَ عينيهِ القلقةِ رغم برودها، تحرَّكت خطوةً بعد خطوة، إلى أن وصلت أخيرًا..لتتنفَّس بعمق، تستجدي هدوءًا مؤقتًا..ساعدها بالجلوسِ على السرير، ثمَّ قال بحزم:
اقعدي، وبلاش تنامي دلوقتي.
طالعتهُ بنظراتها المتألِّمة، وتمتمت برجاءٍ يذيبُ الحجر:
عايزة أشوف الولد...خليهم يجيبوه، لو سمحت.
نطقت بها من بين شفتيها كرجاءٍ مستميت، وعيناها تتفحَّصه، جلسَ بجانبها وضمَّها إلى صدره، لكنَّها شعرت حضنهِ كصخرةٍ باردة، بدا غريبًا على ملامحه الذي يحاول أن يرسمها:
حاضر، هتشوفيه...بس لازم تتحرَّكي شوية كمان، علشان نقدر نروح له مع بعض.
رفعت رأسها، والدموعُ تتساقطُ بغزارة:
يعني إيه؟! مش عارف تجيبه؟ لازم أنا اللي أروح له؟
رفعَ ذقنها برفق، وعيناهُ تبحرُ في وجهها الشاحب، ونبرتهِ التي جاءت هادئة، عكسَ ملامحهِ الباردة:
ميرال...الولد مش ممكن يخرج من الحضَّانة..محطوط على جهاز تنفُّس، وأنا لسه ما شفتوش، فوقي ونطلع نشوفه مع بعض.
شهقت بألم، وأردفت بنبرةٍ مكسورة:
من إمبارح...لحدِّ دلوقتي؟ للدرجة دي مش فارق معاك إنَّك ما شفتهوش؟!
لمعت عيناهُ بشيءٍ من السخرية، كأنَّ كلماتها أصابتهُ في مقتل..صرفَ بصرهِ عنها ليهربَ من اتِّهامها..
لا...كنت عايز أطَّمن عليكِ الأول، تفتكري هيفرق معايا قدِّك يا مدام ميرال؟
نزلت دموعها، وراحت تلكمهُ بضعفٍ على صدره:
إنتَ بتعمل معايا كده ليه؟! عايز تجنِّني؟ لمَّا إنتَ كده...بتموِّتني ليه؟! حرام عليك...والله حرام.
جذبها بقوَّةٍ يضمُّها كمن يخشى أن تنهارَ بين يديه:
اهدى طيب...بلاش نعاتب بعض دلوقتي..قالها محاولًا السيطرةَ على أعصابه، لكنَّهُا جرت نفسها بعيدًا متألمة فلقدَ نفذ صبرهِا واحترقَت من الداخل، اقتربَ منها كأنَّما يحاولُ أن يمحو المسافةَ التي خلقتها كلماتها لإحراقه، مرر أنامله على وجنتيها، إلى أن توقف على شفتيها هامسًا بنبرةٍ متعبة:
مبقتشِ عارف أتعامل معاكي إزاي...أنا تعبت منِّك ومن اتهاماتك، بتتعاملي كأنِّي مش موجود في حياتك.
رفرفت أهدابها مبتعدةً عنه ببطء، تحاولُ رسمَ مسافةٍ بينهما، وأردفت بتقطُّعٍ ونبرةٍ متعبة:
دايمًا أنا الغلط، دايمًا أنا الغبية، أنا اللي بجي عليك وبجرحك، أنا...يا إلياس باشا ستِّ مفترية...وإنتَ الراجل الحنيِّن، صح؟
هزَّ رأسهِ بيأس، وزفرَ بتنهيدةٍ أحرقت جوفه، نهضَ من مكانهِ بعد أن عجزَ عن الردّ، ومالَ برأسهِ نحوها قائلًا:
هبعت لك ماما...خلِّيها تساعدك تتحرَّكي شوية، أنا عندي شغل.
صاحت بصوتٍ مختنقٍ وهي تراقبهُ يهمُّ بالخروج:
- مش هتطلع للولد؟
توقَّفَ واستدارَ نحوها بعينينِ مثقلتينِ بالألم، وتمتمَ بنبرةٍ تشبهُ التهديد:
قلت لك هنطلع مع بعض، لمَّا نطَّمن عليه هنيجي ناخده ونخرج إحنا التلاتة مع بعض على الفيلا، غير كده، ما تتكلميش.
تحدَّت نظرته، وتمتمت بسخريةٍ مشوبةٍ بالمرارة:
"أنا مش هرجع الفيلا..إنتَ طردتني منها، نسيت ولَّا إيه؟
ومش بس كدا تسكت..لا تروح قدام راجل أهمِّ حاجة عنده يذلِّني وتقولُّه بتمتع، هستغرب ليه ماإنتَ قولتها قبل كدا..على العموم ياإلياس باشا، أنا مش هرجع معاك تاني، والحمدُ لله ظهر بسرعة اللي عايز يمتَّعك أكتر.
تراجعَ خطوةً إلى الوراء، زافرَ بحدَّة، ثمَّ أشارَ بيدهِ نحوها وهو يقولُ بصوتٍ جليدي:
- مش هردّ عليكي لأنِّك مالكيش رأي بعد رأيي، حضَّري نفسك، هخلَّص شغل وأرجع آخدك.
استدارَ إليها بنظراتٍ حملت وعيدًا وتهديدًا في آن:
هتعقلي ونرجع بيتنا...نربِّي ابننا... هحطِّك في قلبي، لكن لو تعبتيني..الولد مش هيعيش برَّة بيت أبوه، ولا إنتِ هتعيشي لوحدك وإنتِ مراتي، قالها وخرجَ يغلقُ البابَ خلفهِ بقوَّة، شعرت وكأنَّ صوتهِ أشبهَ بصفعةٍ لقلبها الذي يتصارعُ بين الحبِّ، والخوفِ، والغضب.
بمنزلِ يزن:
كانت تجلسُ على الأريكة، شاردةَ البال بحديثِ كريم وحبِّهِ لها؛ ولكن انتفضت من مكانها عندما استمعت إلى طرقٍ عنيفِ على الباب، ضغطت على صدرها محاولةً تهدئةَ خفقانِ قلبها، و شعرت بالاستغرابِ من ذلك الطرقِ العنيف، فخطت مذعورةً بأنفاسٍ متوترة، ظنًّا أنَّ معاذ أصابهُ مكروه..
توجَّهت إلى البابِ بتردُّد، خطواتها بطيئةً ودقَّاتُ قلبها تضجُّ في أذنيها؛ وقفت أمام البابِ وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تزفرهُ بهدوء، توقَّفت تنظرُ إلى امرأتانِ بملامح غريبة، باردةً ومريبة..نطقت إحداهما بنبرةٍ حادَّةٍ متسائلة:
"إنتِ إيمان؟"
تراجعت قليلاً لكنَّها أومأت ببطء، وابتسمت بعفويةٍ محاولةً إخفاءَ ارتباكها، فتسألت ببراءة:
"أيوة... مين حضرتكم؟"
التفتت المرأة إلى رفيقتها، وقالت بنبرةٍ حادَّة:
"تعالي يا فوقية"
ثمَّ دفعتها بعنفٍ إلى الداخل، ليترنَّحَ جسدُ إيمان وتسقطَ على ركبتيها، ارتفعَ أنينًا خافتًا من حلقها وهي تلتفتُ حولها بذهول:
"إنتو مين؟ عايزين إيه؟!"
لم تُجبها أيٍّ منهما، فرفعت صوتها تصرخُ باسمِ اخيها، إلَّا أنَّ إحداهنَّ وضعت محرمةً على فمها لتستنشقَ رائحةً حادَّةً اخترقت أنفها وأثقلت رأسها، حاولت المقاومة، لكن أطرافها خانتها.. عينيها ثقُلت بأهدابها لتغمضها، رغم محاولاتها التي بائت بالفشل، لتجذبَ الأخرى وشاحًا ووضعتهُ فوقها وحملتها لتهتفَ ساخرة:
"البنتِ دي مبتاكلشِ خالص، دي خفِّ الريشة..اتِّصلي بالواد يجي بالعربية قدام البيت...رفعت هاتفها قائلة:
"الأمانة خلصت...جهِّز العربية."
ثم وضعت الهاتفَ في جيبها، وأشارت إلى رفيقتها:
"غطِّيها بالحجاب دا كويس عشان محدش يلاحظ."
تحرَّكتا للخارجِ بوصولِ معاذ الذي ترجَّلَ من دراجتهِ..ينظرُ إلى السيداتِ بذعرٍ وهما يحملانِ إيمان التي ظهرت خصلاتها من تحتِ الوشاح، هرولَ يصرخُ بعدما تأكَّدَ أنَّها أخته:
"إنتو مين؟ وأخدين أختي فين؟!"
لكن استدارت إحداهنَّ إليهِ بوجهٍ خالٍ من الرحمةِ ودفعته بقوَّة..ارتطمَ رأسهِ بحافَّةِ الجدارِ الصلبِ لينهارَ جسدهِ الصغير على الأرض، لتسيلَ دمائهِ البريئةِ على جبينه، ممتزجًا بصمتٍ مخيفٍ كالذي فارقَ الحياة..
على الجانبِ الآخرِ من الشارع، كانت مها تترجَّلُ من سيارةِ أجرة..توقَّفت فجأةً عندما رأت المشهدَ أمامها، توسَّعت عيناها بعدما وقعت على وجهِ ايمان الذي ظهرَ بعد سقوطِ الوشاحِ من فوقه، فخرجَ صوتها مخنوقًا بشهقة:
"إيمان!"
ركضت نحو السيارة، لكنَّها اختفت سريعًا، لتلفتَ نحو معاذ الذي سقطَ ملقىً على الأرضِ بلا حراكٍ كالذي فارقَ الحياة، انحنت إليهِ تتمتمُ بذعر:
"معاذ! فوق...أرجوك!"
هزَّتهُ بعنف، لكنَّها توقَّفت عندما شعرت بالدماءِ الساخنةُ تغمرُ يديها، اتَّسعت عيناها برعب، ودموعها انهمرت بغزارة..أمسكت هاتفها بيدٍ مرتعشةٍ وحاولت مهاتفةَ يزن، ورغم محاولاتِ الرنينِ المتواصلة، لكنَّهُ لم يُجب.
حاولت مرَّةً أخرى، وضغطت على زرِّ الاتصالِ بكريم، وهي بالكادِ تستطيعُ التحدُّث:
"كريم...ردّ أرجوك!"
عند يزن في المعرض:
كان كريم يجلسُ بمقابلتهِ يتناولُ قهوته، استمعَ إلى رنينِ هاتفه، أخرجهُ ثمَّ نظرَ إلى يزن:
-دي مها؟!
ابتسمَ ساخرًا ثمَّ أشارَ بيده:
-فكَّك منها، أنا حظرتها من عندي أصلًا،
رفعَ حاجبهِ وتحدَّثَ غامزًا:
-إيه الغزالة غيرانة ولَّا إيه؟..
رفعَ فنجانهِ وارتشفَ بعضهِ ينظرُ بشرود:
-تفتكر اللي زي رحيل دي تنفعني ياكريم؟..
-مش اسمها كدا يايزن، اسمها إنتَ عايزها، حاسس إنَّك هتقدر تكمِّل معاها، قاطعهم رنينُ هاتفهِ مرَّةً أخرى، فأشارَ إليه:
-دي مصمِّمة، احتضنَ كوبهِ قائلًا:
-ردِّ عليها، بص، أنا فكّّك منِّي، ولا كأنَّك شوفتني.
غمزَ بطرفِ عينهِ وانحنى له:
-يا وحش ياخاطف قلوب البنات، أقطع دراعي من هنا لو مكنتشِ رحيل بتحبَّك..
ابتعدَ بنظرهِ عنهُ ورجفةٌ أصابت قلبهِ متمنيًّا حديثه..
-أيوة يامها، آسف بس مشغول..
على الجانبِ الآخر:
-يزن معاك ياكريم..غمزَ ليزن وأجابها:
-ولا شوفته من كام يوم، بقولِّك يامها، نصيحة فكِّك منُّه، هوَّ..قاطعتهُ تصرخ:
-اسمعني ياكريم فيه ناس هجموا على بيته وخطفوا إيمان وضربوا معاذ حاول توصلُّه.
هبَّ من مكانهِ منتفضًا:
-إيمان مالها، إنتِ بتقولي إيه؟!..جذبَ يزن الهاتف:
-إيه اللي بيحصل يامها في إيه؟..
-يزن بتِّصل بيك من زمان، فيه ستَّات خطفوا إيمان وضاربين معاذ، وراسه بتنزف..
ركضَ إلى درَّاجتهِ البخاريةِ وقادها بسرعةٍ جنونيةٍ ولم يستمع إلى حديثِ كريم الذي هرولَ خلفهِ بسيارته..
دقائقَ معدودةً ليصلَ إلى منزله، قفزَ من فوق درَّاجتهِ على الزحامِ بعد صراخِ مها والتفافِ الجمعِ حولها..
اقتربَ يزن، وعيناهُ تدورانِ بجنونٍ بحثًا عن أخته..عندما وقعت عيناهُ على معاذ الملقى على الأرض، كادَ قلبهِ يتوقف.
"معاذ! معاذ!"
ركعَ بجواره، يمسكُ بوجههِ الذي أخفتهُ الدماء، يهزُّهُ بعنفٍ محاولًا إيقاظه، نظرَ إلى مها التي كانت تبكي بلا توقُّف، وصرخَ فيها بنبرةٍ هزَّتها من الداخل:
"فين إيمان؟! مين عمل كده؟!"
الفصل التاسع والعشرون 2
تحرَّكت نحو البابِ بخطوةٍ واثقة، ثمَّ استدارت ترمقَ سهام بنظرةٍ اخترقتها:
"آسفة يا مدام سهام، جوزي تعبان ولازم أكون جنبه، البيت بيتك، وأكيد هتلاقي ضيافة محترمة...ما هو حضرتك في منزل زين الرفاعي."
قالتها بحسمٍ وارتقت السلَّمَ بخطواتٍ ثقيلةٍ كأنَّها تحملُ جبالاً فوق قلبها.
بشقَّتها، دلفت بخطواتٍ متردِّدة، تخشى أن توقظَ ألمًا جديدًا في قلبهِ المثقلِ بالهموم..وجدتهُ مستلقيًا على الفراش، يغلقُ عينيهِ وكأنَّهُ يهربُ، من صخبِ الحياةِ الذي أنهكه، تقدَّمت بهدوءٍ وجلست بجوارهِ على الفراش..
حدَّقت في ملامحهِ التي بدا عليها الإرهاق، وجبينهِ الذي ارتسمت عليهِ خطوطٌ من الوجع..شعرت بوخزةٍ في قلبها وهي ترى الرجلَ الذي أحبَّتهُ يتحمَّلُ كلَّ هذا العبءِ وحده..خلَّلت أناملها بين خصلاتِ شعرهِ برفق، محاولةً أن تمسحَ بأطرافِ أصابعها شيئًا من ألمه..
مالت نحوهِ، وقبَّلت جبينهِ قبلةً طويلة، وكأنَّها تقولُ له "أنا هنا...ولن أترككَ وحدك"رفرفَ أهدابهِ الثقيلة، وفتحَ عينيهِ قليلاً ليجدها تراقبهُ بنظرةٍ مشبعةٍ بالحبِّ والقلق، همسَ بصوتٍ خافت:
"إيلين محتاجة حاجة؟"
اعتدلَ قليلًا، مستندًا على الوسائدِ خلفهِ لكنَّها اقتربت منه، تطالعهُ بعينينِ غمرها الحزن:
"إيه اللي حصل؟ وليه كانوا بيحقَّقوا معاك من إمبارح؟"
أغمض عينيه للحظات، ثم تمتم:
"مفيش حاجة...عايز أرتاح، من إمبارح منمتش، عندي صُداع ومش حاسس بدماغي، لو مفيش حاجة مهمَّة، سبيني أنام"
شعرت بقلبها ينفطرُ وهي تراهُ بهذا الضعف، لم ترد عليه بل، ترددت للحظات ثم صعدت بجوارهِ على الفراش، وجلست تشيرُ إلى ساقيها بابتسامةٍ دافئة:
"نام هنا...أعملَّك مساج، كلِّ الألم هيروح."
نظرَ إليها للحظاتٍ ، ثمَّ تمدَّدَ برأسهِ فوق ساقيها، أغمضَ عينيهِ وارتسمت على وجههِ ابتسامةً باهتةً يشعر بلمسةُ أملٍ وسطَ ظلامه.
بدأت تحرِّكُ أناملها برفقٍ بين خصلاتِ شعره، وكأنَّها تعزفُ سيمفونيةٍ من الطمأنينة..كانت تنظرُ إليهِ بنظراتٍ تحملُ كلَّ ما لم تستطع الكلماتُ التعبيرَ عنه، قرَّبت وجهها من أذنه، وهمست بصوتٍ ناعم:
"حاسس بإيه دلوقتي؟"
فتحَ عينيهِ قليلاً، لتلتقي عيناهُ بعينيها القريبتينِ جدًا، تلاقت نظراتهما في صمتٍ ساحر، وكأنَّها تحملُ حديثًا طويلًا من الحبِّ الذي لا يحتاجُ إلى كلمات..رفعَ كفَّيها برفقٍ من على رأسه، وطبعَ قبلةً دافئةً على راحتيها.
شعرت برجفة تسري في جسدها، وارتفعت دقات قلبها، ليشعر بأنها تدق على باب قلبه ليجذبها أكثر إليه،. لم تستطع مقاومة تلك المشاعر الجياشة التي اجتاحتها، فمالت برأسها وطبعت قبلة رقيقة على جبينه.
رفع رأسه قليلاً، ليطبع قبلة طويلة على وجنتها، ثم سحبها نحوه لتجد نفسها في حضنه. احتضنها بقوة وكأنها الحصن الذي يحتمي به من كل شيء. همس في أذنها بصوتٍ مبحوح مليء بالحب:
"إيلين... عايزك كدا على طول تكوني الأمان اللي عايز أعيشه."
ابتسمت بخجلٍ ودفنت وجهها في صدره، تستمعُ إلى صوتِ دقَّاتِ قلبه، الذي بدا وكأنَّهُ يعزفُ لحناً خاصًّا بها..رفعَ وجهها برفقٍ بأنامله، ونظرَ في عينيها بعمقٍ، ثمَّ اقتربَ ليطبعَ قبلةً على شفتيها، قبلةً حملت كلَّ ما عجزَ عن قوله، قبلةً جعلتهما ينسجانِ معًا لحظةً من الحبِّ الخالص، بعيدةً عن كلِّ ما يشوبُ حياتهما.
لم يعد العالمُ موجودًا في تلك اللحظة.. ليتحول العالم أجمع إلى عالمٌ لا يسكنهُ سوى قلبينِ ونبضًا بنبض عشقهما
بالمشفى عند ميرال
مساءَ اليوم، دخلَ إلياس غرفةَ المشفى بخطواتهِ الثقيلة، كالذي يحملُ على كتفيهِ جبالاً من الهموم، نظرَ إلى ميرال التي غفت بسلام، وورغم ملامحها الهادئةِ إلَّا أنَّ وجهها كان شاحبًا...وقفَ للحظة يتأمَّلها، وروحهِ تستنجدُ بها..التفتَ ببطءٍ إلى والدتهِ التي كانت تجلسُ بالقرب، وعيناها غارقتانِ في مصحفها، تطمئِنُ قلبها بكلماتِ الله، شعرت بوجودهِ فرفعت رأسها بابتسامةٍ مفعمةٍ بالحنان:
"حمدَ الله على السلامة يا حبيبي."
"الله يسلِّمك."
اقتربَ بخطواتٍ هادئةٍ نحو ميرال وسبحَ بعينيهِ بتفاصيلها، ثمَّ سألَ والدتهِ بصوتٍ خافتٍ حملَ خوفًا خفيًّا:
"هيَّ عاملة إيه دلوقتي؟"قالها ثمَّ
انحنى بحنانٍ وجمعَ خصلاتِ شعرها التي انسدلت على وجهها، نظرت والدتهِ إليهِ وربتت على كتفه، وخرجت كلماتها كبلسمٍ لقلقه:
"كويسة يا حبيبي...بس سألت عليك لمَّا اتأخَّرت."
أومأ متفهِّمًا، ثمَّ أجابها:
"عدِّيت على القسمِ علشان أشوف عملوا إيه مع راجح."
صمتت للحظة، ثمَّ سحبت ذراعهِ بخفَّة، تقودهُ بعيدًا عن السريرِ وعيونها تحكي الكثيرَ من القلق، خفضت صوتها وسألت بلهجةٍ متوجِّسة:
"إنتَ اللي جبته هنا، ياإلياس؟!"
أخرجَ زفرةً حملت غليانَ صدره، ثمَّ هزَّ رأسهِ نافيًا بقوَّة:
"لا، ياماما أنا عرفت بس إنُّه بيحاول يضغط عليَّا، ما توقعتش إنُّه هيجي لهنا..شكِّيت، وفعلاً كان ناوي يخطف يوسف...بجاحته دي؟ ما تخيلتهاش أبداً."
لمعت دموعها كاللآلئِ في ضوءِ الغرفةِ الخافت، وونطقت بنبرةٍ مرتجفةٍ ممزوجةٍ بالخوفٍ الذي ملأ قلبها:
"إلياس، ابعد عن الراجل ده، أبوك بيقول إنُّه تبع منظمات إرهابية..إحنا مش قدُّه يا حبيبي، أنا السبب في كلِّ ده.
شعرَ بطعنةٍ حادة في قلبهِ من كلماتها، رفعَ رأسهِ بعنادٍ وتمتم:
"ممكن ما نتكلمشِ في الموضوع ده؟ ملكيش دعوة.."
انهمرت دموعها بغزارة، وطالعتهُ بنظراتٍ معاتبةٍ ثمَّ أردفت بنبرةٍ متألِّمةٍ وكأنَّها تصرخُ بكلِّ ما تحملهُ من مشاعرِ الأمومة:
"يا بني، حرام عليك أنا قلبي مش هيستحمل، خلِّيني أفرح بوجودكم جنبي، أنا مش عايزة أخسرك إنتَ واخوك"
أغمضَ عينيهِ بقوَّة، يحاولُ إخمادَ الغليانِ الذي يحرقُ داخله، صوتها المتألِّمَ يُنهكُ روحه..فتح عينيهِ وهي تتمتمُ وصوتها يخرجُ متقطِّعًا بين شهقاتها:
"اللي يخلِّيه يفتح بطنِ بنته وهيَّ حامل وكان عايز يقتلها، ممكن يعمل أيِّ حاجة فيكو، هوَّ قبلِ كدا هدِّدني بيكو."
تشبَّثت بذراعهِ وبيدينِ ترتجفانِ همهمت:
"مش هحلف بحياتي عندك بس وحياة ابنك يا بني، فكَّر فيه متوجعشِ قلوبنا عليك وعلى ابنك."
لم يتحمَّل كلماتها التي كانت كالسياطِ على قلبه، رفعَ يديهِ وحاوطها بذراعيه، ليحتوي كلَّ ضعفها وخوفها..ضمَّها إليهِ بقوَّة ٍيحاولُ أن يطمئنها وهمسَ بحنانٍ مشوبٍ بالغضبِ المكبوت:
"ماما، متقوليش كده، إيه مش أحلف بحياتي؟ مين قالِّك إنِّك مش غالية عندي؟ بلاش تضعفيني في الحتَّة دي، يامدام فريدة..إنتِ عارفة ومتأكدة ممكن أهدم الكون كلُّه علشانك، وعارفة إنِّي بخاف عليكي حتى من ِقبل ما أعرف إنِّك أمِّي..
رفعت رأسها تنظرُ إليهِ بعينينِ مليئتينِ بمزيجٍ من الحبِّ والرجاء، ثمَّ تمتمت بصوتٍ خافت:
"عايزة أحضنك يا إلياس."
لم ينتظر حتى تُكملَ كلماتها، كانت مشاعرها كافيةً لتقتحمَ قلبهِ ليضمَّها إلى صدرهِ بحنانٍ يغلبهُ الألم، ارتفعَ بكاءها بين أحضانهِ وهي تهمسُ بصوتٍ مخنوق:
"وحياة أغلى حاجة عندك، ما تحرم أمَّك من حضنك يا حبيبي."
ابتعدت قليلاً عنهُ تنظرُ إليه، عيناها غارقتانِ في دموعها تتوسلهُ:
"ابنك يا بني، فكَّر فيه هوَّ ومراتك..خلِّيك جنبهم."
ضمَّ وجهها بين يديه، وقبَّلَ جبينها بحنانٍ عميق:
"علشان ابني ومراتي، الراجل ده لازم ينتهي يا ستِّ الكل، تمام كده؟"
"برضو يا إلياس..."
لم يمهلها لتكمل، استدارَ نحو ميرال وهو يقول:
"صاحبيني بقى يا مدام فريدة ما صدَّقتي تاخدي عليَّا"
لكنَّهُ توقَّفَ عن الحديثِ فجأةً عندما لمحَ ميرال مستيقظة، ودموعها تسيلُ على وجنتيها بصمت، اندفعَ نحوها بخطواتٍ ملهوفة:
"ميرال..بتعيطي ليه؟"
ابتعدت بعينيها عنهُ كأنَّما تخفي مشاعرها المتضاربة..
انحنت فريدة بحنانِ أمٍّ تودُّ لو تقتلعَ الألمَ من قلبِ صغيرتها:
حاسة بإيه يا حبيبة ماما؟
رفعت ميرال عينيها المبتلَّتينِ بالدموع، وردَّت بصوتٍ متحشرجٍ وأجابتها:
مفيش يا ماما.
نظرَ إلياس إلى والدته، وقالَ بهدوءٍ يشوبهُ الأرق:
روحي يا ماما، من إمبارح وإنتِ هنا، وأنا معاها، كلَّمت الدكتورة وقالت كام ساعة وهنرجع البيت.
ربتت والدتهِ على ذراعهِ بحنانِ الأمّ، تمتمت برفق:
خلاص يا حبيبي، خلِّي بالك منها..أرسلان كلَّمني وقال هيعدِّي على البيت علشان غرام رجعت مع غادة.
أومأ دون كلام، بينما جمعت والدتهِ أشياءها بنظرةٍ أخيرةٍ لميرال، ثمَّ سألتها:
محتاجة حاجة يا ميرو؟
هزَّت ميرال رأسها، بالكادِ خرجَ صوتها وهي تردُّ بخفوت:
لا، سلِّمي على عمُّو.
طبعت قبلةً دافئةً على جبينها، وهمست لها بنبرةٍ حنونة:
افرحي بابنك يا حبيبتي...وانسي أيِّ حاجة.
بعد فترةٍ من مغادرةِ فريدة، سادَ صمتٌ ثقيلٌ، قطعهُ إلياس بصوتٍ رخيم:
إيه رأيك تتمشِّي شوية؟
رفعت ميرال رأسها ببطء، تطالعهُ بعينينٍ تائهتينِ وتمتمت بصوتٍ يحملُ بين طيَّاتهِ الرجاء:
"عايزة أشوف ابني..لو سمحت"
اقتربَ منها إلياس،وتجوَّلت عيناهُ بالغرفة، ليلتقطَ وشاحًا ثقيلًا ووضعهُ على كتفيها بحذرٍ كما لو كانت قابلةً للكسر، همس:
تعالي نطلع نشوفه، بس اتحرَّكي بحذر.
ابتسامةٌ ممزوجةٌ من التعبِ والامتنان، وأومأت برأسها، مدَّ يدهِ ليساعدها على الوقوف، وكأنَّما يحملُ معها ثقلَ خطواتها المتعثِّرة..لم تكد تخطو خطوتينِ حتى أطلقت تأوُّهةً خافتة، قبضت على كفِّهِ بألم، فانحنى إليها يهمسُ بصوتهِ المبحوح:
أشيلك؟
رفعت عينيها إليه، لتلتقي نظراتهما، ورجفةٌ أصابت قلبها لتشعرَ برغبةٍ جياشةٍ أن تخترقَ أحضانه، حتى تُشبعَ روحها المهلكة، لكنَّها تراجعت بارتباكٍ وهي تتذكَّرُ الجراحَ التي تركها لها..
تحرَّكت بخطواتٍ بطيئة، يتخلَّلها ألمًا خافتًا، ثمَّ توقَّفت تلتقطُ أنفاسها المتقطِّعة..فجأةً، انحنى وحملها بين ذراعيه، كما لو كانت كنزًا يخشى عليه من الضياع.
إلياس..نزِّلني..
نظرت إليه بعينينِ متوسِّلتين، لكنَّهُ أجابها بصوتهِ الذي لايقبلُ الجدال:
عايزة تشوفي ابنك؟ يبقى لسانك جوا بوقِّك..بلاش أضطر أسكِّتك بطريقتي... وهموت وأعملها، على فكرة أنا مش قديس يا ميرا..
-إيه موضوع ميرا دا؟..
-بعدين، أقولِّك عليه، بتسأليني وأنا شايلك ولسة والدة..
-أنا مطلبتش على فكرة..ابتسمَ ساخرًا وهو يدلفُ إلى المصعدِ قائلًا:
-وأنا قولت مش عايز أسمع صوتك.
استسلمت بصمتٍ وهي تشعرُ بدفءِ صدرهِ فدفنت رأسها في صدره، وكأنَّها تريدُ أن تهرب َمنهُ داخلَ أحضانه.. ابتسمت ساخرةً من نفسها على شعورها الذي وصفتهُ بالغباء.
وصلَ بها إلى الحضَّانة، وضعها برفقٍ على قدميها، لكنَّها شعرت وكأنَّها لا تزالُ تحملها ذراعاه لمحاوطتهِ لها بكلِّ ما يملك..
وزَّعت نظرها بين الأطفال، تشيرُ إلى زوجها:
-أنهي فيهم ياإلياس؟..فين يوسف؟
رفعَ عينيهِ إلى ابنه، أشارَ إلى الزجاجِ حيث يرقدُ طفلهما..ارتجفَ قلبها وشهقت بقوَّة، كأنَّها لأوَّلِ مرَّةٍ ترى معنى الحياة.
اقتربت من الزجاج، وضعت كفَّها المرتجفَ عليه، تشعرُ أنَّها تلمسهُ رغم المسافة:
ابني...يوسف، حبيبي...إمتى أضمَّك لحضني؟
اقتربَ إلياس منها، وحاصرَ جسدها بذراعهِ، وهمسَ بصوتٍ يحملُ وعدًا:
كلَّها أيام وهيكون في حضنك، شدِّي حيلك يا ميرا، وأقوي علشانه.
رفعت عينيها الممتلئتينِ بالدموعِ إليه، همست بشفتينِ مرتعشتين:
أنتوا أغلى حاجة في حياتي يا إلياس، مستحيل أفرَّط فيكم، حتى لو فضلت أعاني العمر كلُّه.
شعرَ بكلماتها تتسلَّلُ إلى أعماقهِ كبلسم لجراحِ قلبه، ضمَّ وجهها بين كفَّيهِ وهمسَ بصوتٍ يحملُ العشقَ الدفين:
وأنا مستعدّ أضحِّي بحياتي علشانكم يا ميرال...
ابتسامةٌ تحملُ الكثيرَ من الألم، ثمَّ وضعت رأسها على كتفه، ونطقت بصوتٍ ضعيف:
أنا مش عايزة تضحِّي بحياتك...أنا عايزة أكون بعيدة شوية، ألملم جروحي اللي لسة بتنزف...خلِّي حبِّي ليك شفيع إنِّنا نبعد شوية.
قطبَ جبينهِ بشدَّة، ونظرَ إليها باستغراب:
ليه؟ ليه مصرَّة تعصَّبيني؟ دايماً تخلِّيني أخرج عن شعوري، وترجعي تقولي أنا مفتري!
احتضنت ذراعهِ بتوسُّل، وكأنَّها تخشى أن يبتعدَ عنها:
"إلياس علشان خاطري، متتعبش قلبي
خفضَ رأسهِ قريبًا منها، وتمتمَ بنبرةٍ جياشة:
-بلاش نوجع بعض ياميرال، علشان كدا بنإذي بعض..
انسابت دموعها بغزارة، أزالها بأصابعهِ برفقٍ وقالَ بشيئ من حنان:
بدل الدموع دي، فكَّري إزاي نرجع بإبننا، إزاي نكون سوا..مش نبعد.
هزَّت رأسها بضعف، وقالت بنبرةٍ محطَّمة:
-أنا مجروحة وموجوعة وخايفة..
-تبقي غبية ومتخلِّفة، وأنا مش هفضل أدلَّع وأطبطب كتير.
-يبقى مبتحبنيش ياإلياس..
صمتَ للحظة، ثمَّ زفرَ بقوًَة، ونظرَ إلى طفلهما وقالَ بحدَّة خافتة:
شوفتي الولد؟ يلَّا ننزل..قلِّة الكلام معاكي أحسن.
عند يزن:
تمَّ جحز معاذ بالمشفى، ظلَّ بجوارهِ لعدَّةِ ساعات، ثمَّ خرجَ من غرفةِ أخيهِ كمن يحملُ العالمَ فوق كتفيه، عيناهُ ممتلئتانِ بالقلق، وخطواتهِ متخبِّطةً يبحثُ عن أختهِ بتيه، وجدَ كريم يقفُ بالخارجِ فتوجَّهَ إليه بلهفةٍ تسبقُ كلماته:
"إيه يا كريم، وصلت لحاجة؟"
هزَّ كريم رأسهِ بحسرةٍ وأجابَ بنبرةٍ تشوبها الكسرة:
"قدَّمت البلاغ، بس قالولي لازم يعدِّي أكتر من أربعة وعشرين ساعة عشان يتحرَّكوا."
انعقدَ حاجبا يزن بغضبٍ مكبوت، ثمَّ أدارَ وجههِ نحو غرفةِ أخيه بنظرةٍ مفعمةٍ بالأسى قبلَ أن يلتفتَ إلى كريم مجدَّدًا:
"خلِّيك هنا وأنا هتصرَّف."
أمسكهُ كريم من ذراعهِ بقلقٍ وهو يسألهُ بجدِّية:
"هتروح فين؟"
تردَّدَ يزن للحظةٍ قبل أن يتذكَّرَ راكان، فتوهَّجت عيناهُ ببصيصٍ من الأملِ وأجاب:
"فيه حدِّ كبير أعرفه، مش ممكن يسكت، هيعمل حاجة أكيد."
ربتَ كريم على كتفهِ مطمئنًّا رغم قلقهِ الواضح:
"طمِّني يا يزن...لولا معاذ مكنتش هستنَّى."
أومأ له يزن سريعًا وتحرَّكَ بخطواتٍ متسارعة، كأنَّ الأرضَ تشتعلُ تحت قدميه.
بعد وقتٍ قصير، وصلَ إلى مكتبِ راكان، عيناهُ تبحثانِ عنه كالغريقِ الذي يتشبَّثُ بقشة..سألَ عنه بتلهُّف، لكنَّهُ لم يكن موجودًا، أطلقَ زفرةً حارقةً وبدأ يتراجعُ بخطواتٍ ثقيلة، وكأنَّ الألمَ يمزِّقُ كلَّ خليةٍ في جسده.
وفي طريقهِ للخروج، لمحت عيناهُ وقوفَ جاسر مع أحدِ الأشخاص..خطا يزن نحوهِ كأنَّ القدرَ يهديهِ خيطًا أخيرًا للخلاص.. حاولَ تجلية صوتهِ المبحوحِ من التوتر، ثمَّ قال:
"حضرتك...ممكن دقيقة؟"
التفتَ إليه جاسر بعينينِ حادتين، متأمِّلًا وجههِ الذي يحكي مأساتهِ قبل أن ينطق..
"فيه حاجة؟"
قال يزن بصوتٍ متلعثمٍ لكنَّهُ مليئًا بالإصرار:
"أنا المهندس اللي حضرتك قابلتني من حوالي تلات شهور...الظابط إلياس السيوفي كان كلِّمك عنِّي."
حاولَ جاسر أن يسترجعَ ملامحهِ دون جدوى، لكنَّهُ أومأ له مشجعًا:
"طيب، محتاج إيه؟"
قصَّ يزن عليه ماصار سريعًا، كأنَّ كلماتهِ تتسابقُ مع الوقت، وعيناهُ تبرقانِ بألمٍ لا يُخفى، دقائقَ فقط مرَّت، لكن وقعها على يزن كما لو كان يُعيد شريطَ عمرهِ كاملًا، وافقَ جاسر على مرافقتهِ للتحقِّقِ من الأمر..بعد قليلٍ وصلَ إلى منزله..
في الشارع، وقفَ جاسر يدقِّقُ في المكانِ بعينِ الخبير، ثمَّ سأل:
"فيه كاميرات هنا؟"
هزَّ يزن رأسهِ بحسرةٍ وأجابَ بصوتٍ متقطِّع:
"حضرتك شايف المكان...ناس على قدِّ حالهم، الكاميرات رفاهية مش في حساباتهم."
أومأ جاسر بتفهُّم وهو يمسحُ المكانَ بنظراتٍ ثاقبة، فجأةً، وقعت عيناهُ على متجرٍ يبعدُ أمتارًا قليلة، فاندفعَ نحوهِ بخطواتٍ سريعة، وتبعهُ يزن بقلبٍ يكادُ ينفجر..
دخلَ جاسر إلى المتجر، وقال للشابِّ الواقفِ خلف الطاولةِ بابتسامةٍ مصطنعة:
"عندك سجاير يابني؟"
أجابهُ الشابَّ الذي بدا في أوائلِ العشريناتِ من عمره، وهو ينظرُ إليه بريبة:
"أيوة، عايز نوع إيه؟"
استندَ جاسر على طاولةِ المحلِّ وهو يتفحَّصُ المكانَ بعناية، لفتَ انتباههِ الكاميرا المعلَّقة، فأشارَ إليها قائلاً:
"الكاميرا دي شغالة؟"
أومأ الشابُّ بالإيجاب، فقالَ جاسر بنبرةٍ جادَّةٍ ممزوجةٍ بابتسامةٍ واثقة:
"طيب، عايز أشوف تسجيلات كاميرا المحل من إمبارح، من الساعة خمسة المغرب لحدِّ الساعة تمانية."
ارتبكَ الشابُّ وأجابهُ بتوتر:
"ماينفعش..حضرتَك مين؟"
اقتربَ جاسر منه بثقةٍ ممزوجةٍ بحدَّة، أمسكهُ من عنقهِ برفقٍ مُهدَّد، وقالَ بابتسامةٍ ماكرة:
"أنا اللي هيجاوبك عالسؤال ده بعد ما تفتحلي التسجيلات...يلَّا افتح الجهاز."
تردَّدَ الشابُ للحظة، لكنَّهُ في النهايةِ أُرغمَ على فتحِ الجهاز..
جلسَ يزن خارجَ المنزل، بكتفينِ مثقلينِ بالهمومِ ورأسهِ منكَّس من الألم..يشعرُ بتعبِ أنفاسه، وكأنَّ الهواءَ انسحبَ من حوله، كلَّ نفسٍ يختنقُ في صدره، شعرَ بيدِ مها تربتُ على كتفهِ بحنو، وتمتمت بصوتٍ هادئٍ تحاولُ تهدئته:
هنلاقيها إن شاءالله، الظابط ده باين عليه شاطر..باين من طريقته، صدَّقني.
رفعَ يزن رأسهِ ببطء، عيناهُ مليئتانِ بحزنٍ غائرٍ وألمٍ لا يُخفى، وقالَ بصوتٍ مرتجف:
ليه؟ ليه ما حدش منعهم؟ إزاي دخلوا الحيّ وخطفوها، إزاي أختي تتخطف من بيناتنا؟
عجزت مها عن الردِّ قبلَ أن تهمس:
واللهِ ما فكَّرت في غير إنِّي ألحقها، ما لحقتش أستوعب اللي بيحصل، اتفاجأت زيك.
كلماتها كانت كسكينٍ حادٍّ يمزِّقُ صدره، اقتربت منه، وحاولت التخفيفَ عنهُ غير قادرةٍ على النظرِ في عينيه، أخرجَ زفرةً حارقةً يريدُ أن يحرقَ بها الكون، ورغم ذلك أومأ متفهِّمًا، قاطعهم اقترابَ راحيل بخطواتٍ متسارعة، وجهها يشعُّ قلقًا..
يزن! كريم قال لي حاجة غريبة؟ إيه اللي بيحصل؟
وقفت راحيل بجواره، ووزَّعت نظراتها بينهِ وبين مها التي تراجعت أكثر، وأردفت بصوتٍ خافت:
أنا في بيتي، لو الظابط احتاجني قول لي..
هزَّ يزن رأسه، بالكادِ يستطيعُ الردَّ قبلَ أن يهمس:
"شكرًا يا مها."
غادرت مها بخطواتٍ بطيئة، رنَّ هاتفهِ فجأة، أمسكَ به بلهفةٍ ويداهُ ترتجفانِ وكأنَّهُ يتعلَّقُ بخيطِ نجاةٍ وسطَ بحرٍ هائج:
"أيوة..مين؟"
جاءَ صوتُ الرجلِ من الجهةِ الأخرى، محمَّلاً بالتهديد:
أختك عندنا بأمان دلوقتي، لكن الظابط اللي معاك مش هيوصل لحاجة..لو عايزها سليمة، ورقة طلاق مراتك تكون بالليل في إيديها..غير كده أختك هترجع، لكن مش زي ما هيَّ ولو البوليس عرف انساها، والصراحة هيَّ عجباني وعايزاك تنساها.
فُصلت المكالمة وهو يشعر وكأنَّ سكينًا اخترقَ صدره...ظلَّ يزن ممسكًا بالهاتفِ يحدِّقُ فيه بصمت، أنفاسهِ متقطِّعة، وكلماتهِ عالقةً في حنجرته.
اقتربَ جاسر منه، طالعهُ بحاجبينِ معقودينِ وهو يقولُ بحزم:
العربية اللي شفناها في الكاميرات كانت من غير نمر، وكأنِّنا بندوَّر على إبرة في كوم قش..بس متخافش، إن شاء الله إدِّيني كام ساعة وهتصرَّف.
لكن يزن لم يردّ، وكأنَّهُ لم يستمع إليه.. نظراتهِ فقط كانت على راحيل، وجودها أمامهِ يزيدُ من آلامه، وصوتُ الرجلِ ما زالَ يتردَّدُ في أذنه، يحرقُ كلَّ خليةٍ في جسده..ورقةِ الطلاق...أم أخته؟ صراعًا بين حياتهِ وحياةِ أخته ، وبين قلبهِ وروحهِ التي تنهارُ مع كلِّ لحظةٍ تمر.
بمنزلِ اسحاق:
جلسَ على جهازِ عملهِ الخاصِّ يواصلُ أعمالهِ باهتمام، قاطعهُ رنينَ هاتفه:
-أيوة فيه إيه؟..
-مفيش أثر ياباشا لمدام دينا للأسف، قلبنا عليها المكان مش موجودة..
-يعني إيه؟..مشغَّل شوية عيال، بكرة تكون قدَّامي، بدل ماأدفنكم كلُّكم.
بعد عدَّةِ ساعاتٍ جلسَ يلتقطُ سترتهِ وتحرَّكَ إلى منزلِ والدته، دقائقَ ودلفَ للداخلِ وجدها تجلسُ مع إحدى صديقاتها:
-معقول إسحاق باشا عندي..
رمقَ صديقتها وأردفَ متهكِّمًا:
-كفاية عليكي الجواري اللي عندك، نهضت صديقتها ترمقهُ بنظرةٍ حادَّة، ليهتف:
-الباب على الشمال، أوعي توقعي بجزمتك اللي شبه صنارة السمك..في الآخر ممكن يكون ماضيكي زي مدام أحلام، أوعي تكونوا مدوبينهم خمسة وأربعين..
-إيه ياأحلام قلِّة ذوق ابنك دي..
-أووه امشي على بيتكو، بينادوا عليكي عندك غسيل وطبيخ، امسحي البوهية اللي بتدفعي عليهم فلوس العيل اللي إنتِ متجوِّزاه، وشوفي كرنبة وجهِّزي عشوة حلوة لجوزك يمكن عمره يطول ويفضل يحبِّك.
-إسحاق..صاحت بها أحلام.
التفتَ يرمقها ساخطًا:
-إيه عايزة كرنبة؟ولَّا شوية بط تربِّيه؟..
-سوفاج..قالتها صديقتها وتحرَّكت مغادرةً المكان..
ارتفعت ضحكاتهِ وهو يجذبُ المقعدَ يجلسُ عليه، يقومُ بتقليدها:
-سوفاااج..الله يرحم أبوكي، كان بيلبس البنطلون مقلوب.
-إنتَ ياحيوان إيه اللي بتعمله دا، هبَّ من مكانهِ واقتربَ منها بعيونٍ تطلقُ سهامًا حتى اختلَّ جسدها وهوت على المقعد تنظرُ إليه بخوف، وتمتمت بصوتٍ متقطِّع:
-إسحاق أنا لسة بعاني من خنقك ليَّا، حاوطَ مقعدها وغرزَ عينيهِ بمقلتيها:
-هموِّتك ياأحلام لو كنتي ورا موضوع دينا، هخدك كدا وأرميكي في البحر للسمك ياكلك، فاكرة أبويا ياأحلام، فاكرة عملتي فيه ايه؟..
جحظت عيناها تهزُّ رأسها برعبٍ وتمتمت:
-إنتَ فهمت غلط، إحنا كنا أطلَّقنا خلاص، رفعَ كفَّيهِ وحاوطَ عنقها يجذبُ ذلك العقدِ الذي يزيِّنُ عنقها، وأردفَ بهسيس
-شايفة الرقبة الحلوة دي، هلفِّ عليها المشنقة، زمان سكت علشان وعدت أبويا، وعلشان فاروق وبس، دلوقتي مفيش حاجة هتمنعني، ولو فاروق وقف قدامي صدَّقيني هرميه معاكي في البحر، قطعتي الخيط الرفيع، ولولا مكانة الأم اللي ربِّنا حثِّنا عليها واللهِ كنت دفنتك من زمان، لأنِّك متستهليش تكوني أم..فلوسك كلَّها اتحوِّلت باسمِ أرسلان، كلِّ شهر تروحي تبوسي على إيده وتطلبي منُّه مصروفك.
قالها واعتدلَ مرتديا نظَّارتهِ وخطا بعض الخطوات، ثمَّ التفتَ يشيرُ إليها بالعقدِ الذي جذبهُ من عنقها قائلًا:
-دا ههاديه لمرات أرسلان، هقولَّها هدية منِّك، ياله موتي بحسرتك، أنا مسافر يومين هتقرَّبي منهم اعرفي إنِّك بتكتبي شهادة وفاتك، وحياة رحمة أبويا لو جيتي جنب أرسلان لأموِّتك بإيدي، أكيد عارفة ابنك..
بفيلا السيوفي وخاصَّةً على طاولةِ الطعام،
كان الجميعُ يتناولونَ طعامَ الغداء، في جوٍّ من المرحِ الذي أضافهُ أرسلان وهو يقصُّ لهم ماصار إلى راجح، نظرَ إلى فريدة قائلًا:
-عارفة ياماما نسيت أسأله، بيقولوا إيه في الأدان..لكزتهُ غرام تشيرُ إلى طعامه، غمزَ بعينيهِ:
-مالك ياروحي، بتعاكسيني قدَّامهم
عيب..
-لا بقولَّك كل، بقالك ساعة بتتكلِّم ومأكلتش والأكل برد..
ضيَّقَ عينيهِ متسائلًا:
-يعني أنا رغاي..هزَّت رأسها قائلة:
-لا ياحبيبي أنا اللي رغاية..
ضحكت غادة بخفَّة تبتعدُ بنظراتها عنهما، فوقعت عيناهُ عليها متذكِّرًا أوَّلَ مرَّةٍ يراها:
-عارفة إنِّك شبه مراتي، بريئة جدًا..
قاطعتهُ فريدة:
-الطيبونَ للطيباتِ حبيبي، مراتك بنت حلال ربِّنا يباركلك فيها...
ابتسمَ بحبٍّ ينظرُ إلى غرام يهزُّ رأسهِ متمتمًا:
-ماما صفية كمان قالت كدا، تورَّدت وجنتيها خجلًا لتبتعدَ بنظراتها عنهما، فضحكَ بصوتٍ مرتفع:
-شوفتي اتكسفت أهي..
-ربنا يخلِّيها لك حبيبي..حاوطَ جسدها قائلًا:
-دي غرامي ياأمِّي، مش مراتي بس..
مطَّ إسلام شفتيه قائلًا:
-مفيش غرام ليَّا أنا كمان، ألقاهُ بشريحةِ خيار:
-لا ياحبيبي دوَّر بعيد عنِّي..ارتفعت الضحكاتُ بينهما، بينما فريدة التي وقعَ بصرها على مقعدِ زوجها وإلياس وميرال، لتهمسَ بخفوت، ورغم أنَّ الصوتَ خافتًا إلَّا أنَّ أرسلان استمعَ إليهِ وهي تمتم:
-يارب يكمِّل فرحتنا بالغايبين..
ربتَ على كفَّيها وابتسمت عيناها:
-هيرجعوا بالسلامة إن شاءالله..قاطعهُ رنينَ هاتفه:
-أيوة ياملاكي...عند ملك، ابتعدت عن صفية تهمسُ له:
-ارسلان مجتش ليه؟ ماما قاعدة في الحديقة منتظراكم.
حمحمَ معتذرًا وعيناهُ على فريدة، ثمَّ أجابها:
-حبيبتي هعدِّي عليكم، إحنا كدا كدا هنبات عندكم النهاردة..استمعَ إلى صراخها المبهج:
-احلف..ابتسمَ بحنانٍ أخوي قائلًا:
-وحياة ملاكي عندي، خلِّيهم يجهزوا أوضتنا كدا حلو؟..
-أحسن أخ دا ولَّا إيه..أنهى مكالمتهُ ينظرُ إلى فريدة بأسى:
-عارف كنت واعدك هنبات النهاردة هنا، بس بابا مشفتوش من إمبارح، وعدِّيت على دكتوره، قالِّي علاجه إنِّي أحسِّسه باهتمامي، بابا تعبان خايف أبعد عنُّه..
ربتت على ظهرهِ بمحبةٍ قائلة:
-لا ياحبيبي روح له، هوَّ مهما كان باباك، وله حق عليك، وفاروق بيحبَّك أوي يابني، وربِّنا بيحبِّني أكتر..
رفعَ كفَّيها وطبعَ قبلةً فوقهما:
-ربِّنا يخلِّيكي ليَّا ياستِّ الكل، نظرَ إلى غادة:
-قهوتي أستاذة غادة..نهضت مبتسمة:
-عيوني، توقَّفت غرام متحرِّكةً خلفها:
-هروح أعملها لك معاها، أوقفتهم فريدة:
-الشغالة هتعملها حبيبتي..هزَّت غرام رأسها بالرفضِ قائلة:
-لا ياماما..آسفة لحضرتك بس قهوة أرسلان أنا اللي بعملها.
غمزَ بطرفِ عينهِ وأردفَ مشاكسًا:
-أصلها بتحطِّ لي جرعة مخدِّر ياماما..
طالعتهُ فريدة بشهقة:
-إنتَ بتقول إيه؟!..هزَّت رأسها تضحكُ عليهِ فسحبت نفسها وتحرَّكت خلفَ غادة..التفتَ ضاحكًا ثمَّ أردف:
-مالك يامدام فريدة على رأي ابنك التقيل..مخدِّر حب وعشق يافريدة مش اللي في دماغك، طلعتي حما إنتي كمان.
بعد عدةِ أيامٍ والوضعُ كما هو،راجح الذي حُبسَ خمسةً عشرً يومًا احتياطيًا على ذمَّةِ القضية، خرجَ من السجنِ متَّجهًا إلى النيابةِ العامةِ لاستكمالِ التحقيقات، توقَّفت رانيا أمامهِ بعد تهديدهِ الواضحِ لها:
-عملتي إيه؟..
ارتجفَ جسدها وهي تطلَّعُ إليه:
-مابلاش ياراجح، إنتَ كدا هتفتح نار جهنَّم علينا، نظرَ إلى الشرطي، ثمَّ قبضَ على ذراعيها:
-هفضحك متنسيش إنتِ دلوقتي تحت ضرسي، هتروحي تنفِّذي كلِّ اللي قولته، أنا لازم أنهيهم قبلِ ماينهوني..
-تمام، هكلِّمه وهوَّ هيتصرَّف، رفعَ كفَّيهِ على وجهها وأردفَ شامتًا:
-برافو عليكي يارانيا، ووعد أرَّجع لك بنتك، ومتخافيش البنتِ مش هتعمل حاجة، مهما كان إنتِ أمَّها، أه هتقرف منِّك شوية، بس هترجع وتعترف بينا، ووقتها نعرف نستغلَّها كويس.
جذبهُ الشرطي بعدما استمعَ إلى صوتِ الرجلِ بدخولهِ إلى وكيلِ النيابة..
دلفَ إلى الداخلِ وجدَ إلياس جالسًا بعجرفتهِ كعادته، توقَّفَ بعدما أشارَ راكان إلى الكاتبِ أن يفتتحَ القضية كعادته، ثمَّ رفعَِ وجهه إلى راجح متسائلًا عن التهم المنسوبة إليه..
لا ياباشا همَّا اللي خطفوا بنتي، وهدُّدوني، وقالوا لي لو حاولت تقرَّب منها هنسجنك، ماهم رتب، وأنا أكتر واحد عارف أصحاب الرتب بتعمل إيه..
وزَّعَ نظراتهِ بينهما ثم أشارَ للكاتب
-اكتب يابني:
بناءً على اختصاصِ النيابة العامة، نطلب من السيدة ميرال جمال الدين الحضور إلى مقرِّ النيابة العامة..
اكتب اليوم والتاريخ في تمامُ الساعة.. اكتب الوقت، وذلك للإدلاءِ بشهادتها في القضية، اكتب رقمِ القضية، ويرجى الالتزام بالموعدِ المحدَّد، ونحيطكم علمًا بأنَّ عدم الحضور قد يعرِّضها للمساءلةِ القانونية..
قاطعهُ راجح قائلًا:
-مروة راجح الشافعي ياراكان باشا، مش ميرال زي مابيدُّعوا..
قالها وهو يغرزُ عينيهِ بأعينِ إلياس الصامت..
-إنتَ مااخدتش وقتك، يبقى ماتتكلمشِ غير لمَّا أذن لك..قالها راكان بحدِّة..أومأً برأسهِ ورسمَ الطاعةِ قائلًا:
-تحتِ أمرِ معاليك، بس قبل ماتحكم وأنا طمعان في عدلِ معاليك، تجيب البنت لوحدها من غير ما حضرةِ الظابط يقرَّب منها، أصله هيهدِّدها، وهي هتشهد، هتقولَّك قد إيه الراجل دا ظالم ومفتري وبيتبلَّى علينا..
-خلَّصت كلام..خده ياعسكري.
رمقَ راجح إلياس ساخرًا، وتحرَّكَ دون حديث، ممَّا جعلَ الشكَّ يتسلَّلُ إلى قلبهِ بأنَّهُ فعلَ شيئًا، عكسَ مخطَّطه.
قطعَ شرودهِ راكان:
-الراجل دا بينك وبينه حاجة غير محاولته ابتزازك، وخطف ابنك؟..
هزَّ رأسهِ بالنفي، ثمَّ نهضَ يغلقُ حلَّتهِ قائلًا:
-لو مفيش حاجة تانية تسمح لي أمشي؟..
تراجعَ راكان بجسدهِ وعيناهُ تخترقُ إلياس ثمَّ أردف:
-بس هو بيتكلِّم بثقة، وأنا آسف، لازم مدام ميرال تشهد، إنتَ عارف طبعًا شهادتها هتفرق، ياأمَّا يثبت زي ماقال إنَّها بنته ودي طبعًا مش هيكون فيها قضية، أما لو شهدت..القضية هتتطوَّر وممكن كمان يكون حبس، دا خطف وتهديد بالقتل.
-أنا قولت الِّلي عندي ياراكان باشا، معنديش كلام تاني..قالها واستدارَ للمغادرة ليوقفهُ راكان:
-لو كان فيه ضغط على المدام إنتَ هتتأثَّر ياإلياس، خلِّي بالك من النقطة دي..طالعهُ بنظرةٍ واثقة:
-المدام في بيتها ياراكان باشا، وأكيد هتعرف لو حاولت..اتِّصل بيها، مش أنا اللي أستخدم مراتي في حسابات شخصية، وزي ما قولت لحضرتك الأمر كلُّه بسبب أسهم الشركة، قالها ثمَّ ارتدى نظارتهِ وتحرَّكَ مغادرًا المكان..
بعد يومين بمنزلِ ميرال،
وضعت الخادمةُ أمام فريدة عصيرها، نظرت إليها فريدة:
-وبعد هالك، أصرِّيتي ترجعي على بيتك، رغم محاولته ركبتي دماغك، يابنتي مينفعشِ اللي بتعمليه، ابنك بكرة يخرج من الحضَّانة، مش هينفع تربِّيه لوحدك..
ترقرقت عيناها بالدموعِ وأردفت:
-ماما فريدة، سبيني براحتي لو سمحتي، لازم أبعد شوية، احترموا قراري لو سمحتي، مش هوَّ قال لو مرجعتش عنده حياتنا انتهت، اعتبريها انتهت.
-بتغلطي يابنتِ فريدة، وكدا هتزهَّقي جوزك منِّك، أوعي تفكَّري هيبكي عليكي..
لمعت عيناها بالمرارة، وأردفت بنبرةٍ مكسورة:
-خلاص ياماما أنا رسمت حياتي، وهوَّ كمان لازم يبعد عنِّي ويرسم حياته، مش هياخد منِّي غير الألم والوجع، مركزه حسَّاس وأنا متأكدة إنِّ راجح مش هيرحمه، وشوفتي بعينك
استمعت فريدة إلى رنينِ هاتفها.
-أيوة حبيبي..
-ماما أنا هتأخَّر شوية، هعدِّي على يوسف كمان، قولي للمدام متخرجشِ برَّة النهاردة، معرفشِ راجح ناوي على إيه.
-هوَّ مش محبوس ياحبيبي؟..
زفرَ بغضبٍ ثمَّ أردف:
-شكله بيحضَّر لمصيبة، هيَّ مطلوبة تشهد بكرة في النيابة، المهمِّ ماتخرجشِ من البيت، جذبت الهاتفَ من فريدة وهدرت به:
-أنا هنزل أشوف ابني ياإلياس، قولت لك الراجل دا خلِّيني منِّي له، أنا مش هفضل محبوسة، سمعتني؟..
-طيب يبقى إعمليها وأنا أقسم بالله أحرمك من ابنك، واحدة متخلِّفة..قالها وأغلقَ الهاتف..
ثارت جيوشُ غضبها تنظرُ إلى فريدة بحزن:
-شوفتي بيقول إيه..سحبت نفسًا ودفعتهُ متوقِّفة:
-أنا هروح أطمِّن على يوسف، وبلاش إنتِ النهاردة بس، لمَّا نشوف راجح ناوي على إيه..
بعد فترةٍ من مغادرةِ فريدة، أمسكت هاتفها بعد تفكيرٍ دامَ لدقائق:
إنتَ فين ؟!
نهضَ معتذرًا:
نعم ياآخرة صبري، أيكونشِ خلعتي جوزك وأعجبتي بيَّا، ماأنا حلو برضو.
-ظريف، تعالَ ليَّ فورًا، علشان أخوك مش ناوي يجبها البر.
-ما أنا قولت لك ياأمِّ يوسف، أنا أحسن منُّه، على العموم لو هتجهِّزي عشا رومانسي هجيلك، غير كدا ماأعرفكيش..
-أرسلان لازم تيجي لي فورًا، وبطَّل تريقة، في مصيبة.
ابتسمَ ساخرًا:
-هوَّ أنا من يوم ماعرفتكوا شوفت حاجة غير المصايب، الحمدُ لله، ماغيرتش اسمي، أنا عند أهلي، انسوني ياعيلة هم..
سبَّتهُ تصرخ به:
-عشر دقايق وتكون عندي، جاتك نيلة وإنتَ رغاي..قالتها وأغلقت الهاتف.
نظرَ إلى الهاتفِ المغلقِ بشهقة، يشيرُ إلى غرام:
-شوفتي البتِّ قفلت في وشي..
ارتفعت ضحكاتها تهزُّ رأسها:
-تستاهل، ماإنتَ استفزِّتها
-لا ياحنينة، دي تربية ابنِ السيوفي، يارب أشوف فيه يوم، هوَّ والسحلية مراته..
بعد وقتٍ قصيرٍ من انتظارِ وصولِ أرسلان، دلفت الخادمةُ إلى غرفتها بصوتٍ متردِّد:
مدام، الظرف دا جالك.
تناولت الظرفَ بيدٍ مرتجفة، فتحتهُ ببطءٍ كأنَّها تخشى ما ستجدهُ داخله؛ ارتفع نبض قلبه بعنفٍ وهي تخرجُ منه أسطوانةً وبعضَ الأوراق..تراجعت بخطوةٍ للخلفِ وهمست لنفسها:
أسطوانة؟...بتاعة إيه دي؟!
بدأت تقرأُ الأوراق، وعيناها تتسعانِ برعبٍ مع كلِّ كلمة،فجأة، شهقت بقوَّةٍ وسقطت الأوراقَ من يدها، بينما ارتجفَ جسدها، هرعت إلى جهازِ الكمبيوتر بيدينِ ترتعشان، فتحتهُ بسرعةٍ وهي تشعرُ وكأنَّ الهواءَ أصبحَ ثقيلاً في صدرها، وعندما ظهر ما بداخلِ الأسطوانةِ على الشاشة، تجمَّدت في مكانها..انفلتت دمعةٌ من عينيها، ثم تبعتها دموعًا أخرى، تشعر قلبها ينفجرُ من الداخل.
في تلك اللحظة، قطعَ رنينُ الهاتفِ البكاء القاتل..مدَّت يدها بتردُّدٍ وهي بالكادِ تلتقطُ أنفاسها، وردَّت بصوتٍ مبحوح:
"ألو؟"
جاءها صوتًا عميقًا وهادئًا، لكنَّهُ يحملُ تهديدًا مبطَّنًا:
أكيد عارفة هتعملي إيه..
وقبل أن تنطقَ بكلمة، أغلقَ المتَّصلَ الخطّ، تاركًا صوتَ الصمتِ يلفُّ المكانَ من جديد..تجمَّدت لثوانٍ، ثمَّ سقطت على ركبتيها بعجز، تنظرُ حولها كمن يبحثُ عن مخرجٍ من كابوس.
فجأةً، جذبت هاتفها وأصابعها ترتجف:
"أرسلان، إنتَ فين؟"
أجابها متحدِّثًا بنبرةٍ مازحةٍ رغم قلقهِ الواضح:
إيه يا بنتي، أوعي يكون وحشتك كده..
لكنَّ صوتهِ المرح تبدَّدَ عندما استمع الى صوت بكاؤها توقَّفَ للحظة، ثمَّ وضعَ يدهِ في جيبهِ حينما رنَّ هاتفه..رفع إصبعه ِمعتذرًا وقال :
لحظة، هردّ على إلياس!!
فتحَ الخطَّ بصوتٍ جاد:
-أيوة، يا بني، إنتَ فين؟
جاءهُ صوتُ إلياس متعبًا لكن حازمًا:
أنا في المستشفى، ماتخفش، بابا معايا، خلي بالك من ماما وميرال.
قطبَ أرسلان جبينهِ بقلق وقال:
- إيه؟ لأ، أنا جايلك حالًا.
ردَّ عليهِ إلياس بصرامة:
اسمعني، متتعبنيش..ماما رجعت مع غادة لبيت ميرال، خلِّي بالك منهم، وأنا الصبح هكون عندك، جرح بسيط مش مستاهل تقلق.
تردَّدَ أرسلان للحظة، وهو ينظر إلى غرام وشعرَ بالعجزِ يجتاحهُ وقال بصوتٍ مبحوح:
-إلياس...في إيه؟
لكن إلياس قاطعهُ بنبرةٍ حادَّة:
خلاص، هقفل دلوقتي.
أغلقَ إلياس الهاتف، وبدا أرسلان والقلق ينهش صدره، التفتَ إلى غرام التي كانت تقفُ بجانبهِ تراقبُ ملامحهِ القلقة، وسألتهُ بارتباك:
"أرسلان، مالك؟ في إيه؟"
تجاهلَ سؤالها، وتحرَّكَ بخطواتٍ متوترةٍ نحو منزلِ ميرال، لكنَّهُ توقَّفَ عندما وصلت سيارةُ فريدة..خرجت من السيارةِ بخطواتٍ مسرعةٍ واتَّجهت إليه، عيناها تمتلئانِ بالرعب:
-أرسلان، أخوك ماله؟ إيه اللي حصل؟
أمسكَّ بيدها وسحبها إلى الداخلِ وهو يقول:
معرفش! اتَّصل وقالِّي إنُّه في المستشفى، حتى مقاليش أنهي مستشفى.
شهقت ميرال التي كانت خلفه، تطالعه بعينين زائغتينِ تنطقان عن خوفٍ دفين:
-أنا كنت عارفة...كنت عارفة إنُّهم مش هيسكتوا!
اقتربت غرام منها، واحتضنتها بقوَّة، وصوتها يفيضُ بالمؤازة:
حبيبتي، اهدي ما ينفعشِ كده.
انهارت ميرال بين ذراعيها، وبدأت تبكي بشهقاتٍ متقطِّعة:
خلِّيه يبعد عنِّي يا ماما...واللهِ راجح مش هيسيبنا في حالنا..هوَّ عايز ورقة طلاقي علشان يرتاح...خلِّيه يطلَّقني، مش هوَّ اللي قال وقت ما أطلب الطلاق هيطلَّقني؟ ليه رجع في كلامه؟
ربتت غرام على ظهرها، ومسحت دموعها وهي تقولُ بحنان:
لأنُّه بيحبِّك يا بنتي، متمسِّك بيكي لأنُّه بيحبِّك.
رفعت ميرال رأسها، وعيناها غارقتانِ بالدموع، وقالت بصوتٍ مخنوق:
وأنا بعشقه، واللهِ بعشقه..بس مستقبله أهم، هو قالها لي بنفسه مش هريَّح ابنِ السيوفي طول ما أنا على ذمِّته.
ثمَّ أمسكت بكفَّي والدتها بقوَّة، وقبَّلتهما وهي تتوسَّل:
لو بتحبِّيني زي ما بتقولي...خلِّيه يطلَّقني، أنا كفاية عليَّا يوسف، واللهِ ما هتجوِّز تاني لو عايز تعهُّد بكده هعمله..دول ناس مجرمين، أنا عرفت حقيقتهم..وهو كمان عارفهم..
نظرت غرام إليها بصدمة، وهمست بصوتٍ يملؤهُ الخوف:
إنتِ قصدك إيه يا ميرال؟
هزت رأسها وارتفعت شهقاتها متحركة إلى الأعلى..شعر ارسلان أن هناك خطب ما مرعب، هناك ماتخفيه قد يؤدي إلى الهلاك..أشار إلى الأعلى
-اوضتها فين، ثم أشار إلى غرام
-اطلعي وأنا جاي وراكي لازم اتكلم معاها، اتجه بنظره الى فريدة
-ماما إلياس كويس، أكيد بيخطط لحاجة، بس ايه معرفش، هطلع لميرال ونازل على طول
صعد بعض درجات السلم توقف على رنين هاتفه، ليتوقف مجيبًا:
-أيوة ياعمو...على الجانب الآخر
-حبيبي أنا في المطار، هستناك بكرة متتأخرش، هقفل الفون خلي بالك
-عملت ايه في موضوع مكتب إلياس ياعمو...سحب نفسًا عميقًا ثم زفره قائلًا:
-للأسف متقلب ياارسلان، أنا ادخلت شخصيًا، وفيه حد بيحاول يلم الموضوع..ضرب بقبضته على الدرج
-ياولاد الكلب ..قاطعه إسحاق
-متقلقش، أنا هلم الموضوع، نخلص بس العملية، متنساش دي مهمة جدًا جدًا..
-تمام ياعمو، ربنا يسهل ..
في اليومِ التالي:
دلفت ميرال إلى غرفةِ وكيلِ النيابة.. بخطوات متثاقلة، لكنَّها محمَّلةٌ بثقلِ القرارِ الذي اتّّخذته..في الداخلِ كان راكان يكتبُ ملاحظاتهِ بدقَّةٍ قبلَ أن يرفعَ عينيهِ نحوها ويسألها بنبرةٍ جادَّة:
إيه رأيك في اللي قاله المتَّهم راجح الشافعي؟
قبلَ أن تجيب، فُتحَ الباب فجأة، ودخلَ أحدُ المسؤولينَ قائلاً بصوتِ متردِّد:
إلياس باشا برَّة، وعايز يدخل لحضرتك
رفع راكان حاجبه بدهشةٍ كمن لا يصدق ما يسمعه، ثم أشار بيده قائلاً بصوتٍ يحمل غضباً مكبوتاً:
ازاي يعني يدخل؟ عايز يحضر التحقيقات!
توقف راجح مبتسمًا وكأن يملك العالم بأسره، لم يُظهر أي توتر، بل نظر ميرال نظرة مشبعة بالسخرية، وأردف بنبرة مليئة بالاستخفاف:
"أو يمكن يهددها... مش كده يا مروة؟"
اخترقت كلماته صدرها كالنصل الذي استقر في صدرها، لكن قاطعه راكان بعاصفة من الصرامة وهو يهتف بصوتٍ هادرًا:
هو أنا سمحت لك بالكلام؟ مسمعش صوتك!
ثم أشار بيده إلى الحارس بجانب الباب وأمره دون تردد:
"دخله!"
انفتح الباب ببطء ودخل إلياس بخطوات واثقة، ألقى التحية ثم تحدث بصوتٍ مبحوح يحمل آثار الأيام الماضية:
آسف يا باشا قطعت كلام معاليك، بس مراتي لسه والدة من أسبوعين وخفت عليها.
تراجع راكان بجسده في كرسيه قليلًا كأنه يزن الكلمات، ثم رفع حاجبه بحدة وقال بثقة لم تهتز:
"وأنا هتعبها يعني يا حضرة الظابط؟"
ثم أدار رأسه نحو ميرال، التي كانت جالسة وكأنها تحارب عاصفة بداخلها، وهمس وكأنه يطمئنها:
"سؤالين وبس، مراتك مش متهمة علشان تخاف عليها."
أومأ له إلياس بامتنان، وقال بخفوتٍ يحمل داخله شعوراً بالاستسلام:
شكرًا لمعاليك. أنا هفضل بعيد، واعذرني على تدخلي.
ضحك راكان بسخرية قائلاً بتهكمٍ واضح:
طيب لو رفضت يا إلياس يا سيوفي؟ هتفضل برضو؟
رفع إلياس رأسه بثبات وابتسم ابتسامة هادئة أخفت خلفها غضبه، ثم قال بصوت ثابتٍ لكنه مثقل:
"لا طبعًا. إحنا رجال قانون ومش هنكون فوق سلطته يا راكان باشا. ولا يهمك، أنا بره، ومراتي هنا في أمانتك.
استدار بخطوات بطيئة نحو الباب، لكنه توقف فجأة حينما استمع الى صوت راكان:
اقعد واستنى مراتك، وده مش بعمله مع حد، بس علشان ظروف مراتك.
استدار إلياس ببطء، وجهه يعكس تناقضات كثيرة بين الامتنان والقلق و رسم ابتسامة واهنة وقال بهدوء لا يخلو من الاحترام:
-شكرًا لمعاليك. أنا كنت داخل بإرادتي، وحضرتك خرجتني بإرادتك. بالتالي، مينفعش أكسر إرادة حضرتك أو قوانين معاليك... أنا بره.
وجه نظره إلى ميرال، التي كانت تجلس بلا حراك، كأنما تحاول السيطرة على أنفاسها المتلاحقة، وتمتم بصوتٍ بالكاد يُسمع:
"انا بره مستنيكي"
تجمّدت ميرال في مكانها للحظة، كلمات إلياس التي ألقتها وسط محيط متلاطم، لكنها لم تستطع أن تتمسك بها، جاءها صوت راكان كالصاعقة يقطع شرودها:
-راجح الشافعي بيقول إنك بنته، وإنهم خاطفينك. ومش بس كده، جوزك بيهددك علشان تعيشي معاه"
صمت قاتل للحظات، نظرت ميرال إلى راجح، الذي بدا وكأنه يستمتع بكل لحظة برعبها، ثم تذكرت إلياس وطفلها، مزيج من الصور والأصوات تضرب عقلها وقلبها، إلى أن شعرت كأن أنفاسها تُنتزع من رئتيها، حاولت التحدث، لكن الكلمات عاندتها. فجأة، قاطع الصمت صوت راكان بالسؤال مرة أخرى
رفعت ميرال رأسها ببطء، عيناها تحتجزان بالدموع التي أبت أن تسقط، وقالت بصوتٍ متحشرج يحمل كل الألم الذي كانت تخفيه:
- من يوم ما فتحت عيني وأنا معرفش غير إني ميرال جمال الدين.
أومأ راكان برأسه مشجعًا لها أن تكمل. لكن ميرال التفتت فجأة نحو راجح، الذي بدا وكأنه يفترس ضعفها بعينيه. عادت بنظرها إلى راكان، وصوتها يرتجف بشدة وهي تحاول السيطرة على انهيار وشيك:
"أنا فعلًا مش ميرال جمال الدين..."
ضحكة راجح العالية قطعت الجو كصفعة على وجه ميرال، ارتفعت ضحكاته كالذي فاز بانتصار ساحق، ثم قال بنبرة مشبعة بالازدراء:
وظهر الحق! مش قولتلك يا باشا؟ خطفوها وهددوها.
نظرت إليه وهي تشعر بنفسها كالجمرة المشتعلة، صرخت بصوتٍ عالٍ ملأ الغرفة:
آه، مش ميرال جمال الدين... بس أنا كمان مش مروة اللي المجنون ده بيقول عليها!
تقدمت بخطواتٍ متسارعة نحو راجح، كأنها تستمد قوتها من كل الألم الذي شعرت به، صرخت مجددًا بصوتٍ مختنق بالألم والغضب:
"أنا ميرال وبس!"
وفجأة انقضت عليه كمن فقد عقله، أظافرها تغرز في وجهه بلا رحمة. صرخت بصوتٍ يكاد يشق الغرفة نصفين:
أنا مستحيل أكون بنتك! مستحيل! أموت ولا أكون بنت واحد مجرم زيك!
حاول راكان التدخل سريعًا، لكنه وجد نفسه أمام عاصفة لا تهدأ. صرخ بها بقوة وهو يمسك بيدها بعنف ليبعدها عنه:
مدام ميرال!
**لكنها لم تتوقف، كأنها تطلق كل ما كان يحرق روحها لسنوات. بكاؤها بدأ يعلو، وأخيرًا انهارت بين يدي راكان، جسدها يتهاوى كأنه لم يعد يحتمل، ليشير إلى رجله
-نادي على جوزها
دلف إلياس إلى المكتب في لحظة واحدة، كطفل مذعور يبحث عن أمانه. وقف للحظة يشاهد زوجته، قلبه يتمزق وهو يرى شبحها المنهك بين ذراعي راكان. خطى نحوها بسرعة، ضمها بحذر بين ذراعيه، وهمس لها بصوتٍ عاجز:
"ميرال أهدي"
لكنها لم تستجب..لتدفعه بقوة تصرخ كالمجنونة
-"ابعدو عني، انا مش عايزة حد فيكم، انا ميرال وبس، ارحموني ..قالتها لتسقط بين يديه كورقة خريف سحبتها الرياح إلى المستنقعات لتذهب بسحابتها السوداء فاقدةً للوعي، لحظات وقد خيم السكون على المكان بعد عاصفةٍ لن تُنسى أبدًا بقلبه مما ألقته عليه"
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل الثلاثون 30 - بقلم سيلا وليد
-اهتمام مالوش لازمة؟ طيب بدل ما نرسم الاهتمام، خليكي هنا لما نشوف وكيل النيابة هيقول إيه، بعد كده نكمِّل رسم الاهتمام قدام الناس.
أنهى جملته بغضب مكبوت، وتحرك للخارج، يغلق الباب خلفه بعنف.
عاد بعد دقائق وجد الغرفة خالية. شعر بأن قلبه قد هُزم، استدار للممرض وسأله بصوت مكتوم:
- المدام اللي كانت هنا... راحت فين؟
رد الممرض ببساطة لا تتناسب مع اضطراب قلبه:
- مشيت يا أفندم.
تجمَّد في مكانه، يشعر بأن العالم بأكمله قد توقف.
أومأ برأسه بتعب وتحرك بخطوات ثقيلة، والغضب والقلق ينهشان روحه.
خطا عدة خطوات متجهًا للخارج؛ ولكن وقع بصره عليها وهي تجر ساقيها بصعوبة نحو مكتب راكان على الجهة الأخرى.
توقفت أمام الباب مترددة، وقوفها يحمل من الانكسار ما جعله يشعر بوخزة في قلبه.
خطا إليها وصدره ينتفض من القلق ما يعجزه عن التفكير.
تحرك بخطوات تقطع المكان كالذي يمشي فوق الجمرات، ولكنَّه لم يصل إليها، فقد دلفت إلى الداخل سريعًا.
رفع راكان عينيه نحوها فور دخولها، دقَّق النظر في حالتها، فلقد انتاب جسدها الارتجاف.
أشار إليها بالجلوس دون أن ينبس ببنت شفة، وكأنَّه يمنحها مساحة لاستجماع أنفاسها.
- اتفضلي يا مدام ميرال.
قالها بصوت هادئ، وهو يطلب لها مشروب ليمونادا، ولم يغفل عن ارتعاش يديها الذي لم تستطع السيطرة عليه.
ثم رفع هاتفه واتصل:
- دخِّل إلياس السيوفي يا ابني.
لحظات ثقيلة مرت كالدهر، دخل إلياس إلى المكتب، عيناه وقعتا على جلوسها المنكسر، وكأنَّها تحمل جبالًا فوق كتفيها.
ارتجافها ونظراتها الحزينة كانت أبلغ من أي كلمات.
رفعت رأسها نحوه وطالعته بعينين تبحثان عن ملاذ، عن أمان وقوة افتقدتها بعد انقلاب حياتها لتحولها إلى الانهيار.
اتجه إلياس ببصره إلى راكان وتمتم باعتراض:
- من فضلك يا راكان باشا ممكن تكمل تحقيق بعدين.
قاطعته هامسة بصوت خافت:
- أنا عايزة أخلص من القضية، لو سمحت.
وقف إلياس مكانه، بملامح ممزوجة بين الصدمة والقلق.
تطلع نحو راكان ولم يستمع إلى حديثها:
- ممكن تأجل التحقيق لبعدين؟
قالها بصوت حازم، لكنَّه محمَّل بتوتر لا يستطيع إخفاءه.
تحدث راكان بنبرة متزنة، لكن كلماته كانت تحمل وقعًا أثقل:
- أنا ما بحققش يا إلياس. راجح طلب تحليل الحمض النووي، وطبعًا إنتَ عارف ده معناه إيه.
كلماته كانت كصفعة على وجهها.
رفعت رأسها فجأة وشعرت بأن تصرخ، لكن صوتها خرج مهتزًا، يحمل وجعًا يهد جبالًا عملاقة:
- وأنا قلت لحضرتك قبل كده... الراجل ده ما يربطنيش بيه حاجة... مستحيل يكون أبويا! مستحيل!
تنفست بعمق وتابعت حديثها المؤلم:
- ممكن أكون مختلفة عن الكل، بس يعني إيه أب...
توقفت للحظة عن الحديث ودموعها تسبق كلماتها، ثم أكملت بصوت حاولت أن يبدو قويًا لكنَّه انكسر تحت ثقل آلامها:
- أنا ماليش غير أب واحد... مصطفى السيوفي... لأنَّه الأب اللي ربَّى واحتوى، الأب الحقيقي هو اللي بيعلِّمك الصح من الغلط مش اللي بيخلِّف.
قالتها وهي تحاول كبح شهقاتها، لكن حزنها الممزوج بالألم كان أقوى.
أغلقت عينيها بقوة، وكأنَّها تحاول أن تمزق جفنيها.
شهقة عميقة أفلتت منها، ودمعة ساخنة انحدرت على وجنتها تحرق طريقها.
ثم نظرت نحو إلياس، وبعينين مكسورتين تمتمت بصوت ضعيف كالتي تلفظ آخر أنفاسها الأخيرة:
- أنا آسفة يا إلياس... عارفة إنِّي بخذلك للمرة المليون.
جهل إلياس كلماتها عن أي شيء تتحدث، صمت ولم يقو على الحديث، حتى ثقل لسانه والكلمات تخونه أمام انهيارها.
استدارت إلى راكان فجأة، وهي تجمع بقايا قوتها المبعثرة:
- عايزة أقدم شكوى في الراجل ده... بيهددني بجوزي وابني، مش بس كده، خطفني أنا ووالدتي مرة، وكان هيموت ابني، لأنه للأسف كلامه صح، بيكون الراجل اللي خلفني، وبيكون عم إلياس، مش سايبنا في حالنا هو ومراته، حتى أنه...
صمت ثم التفتت إلى إلياس وانهارت دموعها تسيح فوق وجنتيها وتمتمت بنبرة متقطعة:
- وسرق أوراق مهمة جدًا من شغل جوزي، وبيهددني بيها. أطالب حضرتك بالتحقيق وتجيب حقي وحق جوزي.
كانت كلماتها أشبه بطلقات اخترقت صدر إلياس.
نظر إليها مذهولًا، هزَّة عنيفة أصابت كيانه، وعجز عقله عن استيعاب ما قالته، عن أي أوراق تتحدث؟ ولماذا أخفت ذلك عنه؟
شيء ما يتحطم داخله، لكنَّه لم يستطع النطق.
فقط يراقبها، وكل جزء فيه ينهار بصمت.
مازالت نظراتها عليه واستأنفت:
- راجح سرق معلومات من جهازك، والأسطوانة اللي حضرتك بتهدد بيها رانيا خدها، وهددني بيهم يا أخضع له، يا إما هيطلعك خاين قدام جهازك.
- دي مكالمة مش كده؟
تساءل بها راكان سريعًا.
هزت رأسها بالنفي وأردفت:
- لا... مش تليفون... بس بعتلي نسخ تصويرية من اللي عنده.
في تلك اللحظة، صمت أشبه بالموت، ويشعر وكأن الجدران تطبق على صدره حتى أصبح الهواء ثقيلًا، وأنفاسه المتقطعة تحمل في طياتها معاناة التنفس.
جلس كتمثال نحت من حجر بارد، بدا وكأنه يحمل فوق أكتافه جبالًا من الحزن والقهر.
أغلق عينيه وصدى كلماتها يخترق رأسه كالرعد، يدوي بلا توقف، يحول الصمت حوله إلى عذاب يستبيح كل ما يؤلم.
طالعها راكان بذهول ممزوج بصدمة متجمدة.
لتتوسع عيناه بالدهشة، وحاله ينطق عشرات الأسئلة التي عجز عن نطقها، وكأنها ألقت قنبلة فجرت كل رأسه.
رفعت رأسها بتردد، تنظر إلى إلياس وشعورها بأنها حملته أثقالًا من الألم، ليتحول وجهها للوحة مشوهة بالحزن.
عيناها تورمت من البكاء، وارتعشت شفتيها.
حاولت النطق ولكن صوتها متهدج.
كل شيء فيها كان يصرخ، ولكنَّه صراخ مكتوم بالألم، لأنَّها تعلم أنَّه لن يغفر لها.
مازالت تنظر إليه بعينين غارقتين بالدموع، وهمست وكأنَّها تخشى أن تقتل ما تبقى فيه من روح:
- كان لازم أقول كل حاجة، لأنِّي عارفة إنَّك مش هتسكت، وممكن تخسر كل حاجة. أنا خايفة عليك، عجزت يا إلياس.
قالتها بصراخ متناسية أين وجودهم.
لكنه لم يتحرك.
لم يرفع رأسه.
حتى أنفاسه بدت وكأنَّها توقفت.
كانت كلماته عالقة في صدره، كالحجر الثقيل يعجز عن دفعه.
حوَّلت وجهها إلى راكان، ونظراتها مليئة بالانكسار والضعف.
كان يحدق فيها بنظرة تحمل مزيجًا من الصدمة والشفقة.
شهقاتها المرتفعة كانت كأنين الروح المعذبة.
وقفت أمامه بثبات لم تكن تملكه قبل قليل، وواصلت بصوت مرتجف ولم تستطع السيطرة على شهقاتها التي ترتفع في الغرفة ثم قالت بصوت أقرب إلى العويل، ولكنَّها مملوءة بإصرار:
- حضرتك عرفت الحكاية كلها... وأنا لسه عند كلامي... الراجل ده لو كان أبويا يبقى مجرد كلام... ماليش علاقة بيه... أنا متنازلة عن كل حاجة تربطني بيه، حتى لو اتعين ملك على عرش العالم، أنا مش عايزة منه حاجة.
توقفت وتقدمت خطوة للأمام، وصوتها ازداد ضعفًا ولكنَّه كان يشبه سكينًا يُغرس في الصدور:
- جوزي عايز ينتقم بطريقته... عارفة إن دا حقه، حقه ياخد بتار والدته وأخوه وأبوه، بس أنا خايفة عليه... هو مش خايف على حياته، الراجل ده مش بني آدم، بلاويه كتيرة... بس هو مصر إنه يخسر حياته!
كانت كلماتها كأنين روح ممزقة، تهيم على وجهها وسط العاصفة، تبحث عن مخرج لكنَّها لا تجد إلا المزيد من الأشواك.
نظرت إلى إلياس للمرة الأخيرة، كان كل حرف تنطقه كالسيف، يقسم قلبه إلى نصفين.
بدا وكأن العالم بأسره يحبس أنفاسه مع كل كلمة.
ظلَّت نظراتها عليه وكأنَّها تقول وداعًا دون أن تنطق بها، بينما هو رغم جموده، كان يحترق.
كل شيء فيه كان يصرخ بصمت، يصرخ بلا صوت، الألم قد استنزف كل ذرة من وجوده في بحر من الوجع.
اقتربت منه بخطوات مهزوزة ووضعت كفَّيها على كتفه، مما جعله ينتفض من مكانه مبتعدًا عنها.
أطبقت على جفنيها، فالآن علمت أنَّها خسرته إلى الأبد.
همست بخفوت بعدما شعرت بانقطاع أحبالها الصوتية:
- عارفة إنَّك زعلان مني... عارفة إنِّي جرحتك، بس خلاص... بكرة الكل هيعرف الحكاية، ولازم كل واحد ياخد حقه... يا ابن عمي، حتى لو الحق ده هيكسرنا.
توجه راكان إلى الكاتب ثم أشار إليه بالخروج وطلب من ميرال الجلوس مرة أخرى:
- اتفضلي مدام ميرال.
ثم اتجه إلى إلياس وأردف:
- اعتبر مفيش كلمة من اللي اتقالت هتتسجل، والورق اللي انكتب اعتبره مش موجود، بس أفهم كل حاجة. أنا بصراحة مش فاهم، يعني إنتَ ابن عمها؟ طيب إزاي إلياس مصطفى السيوفي؟ من حقي أعرف أنا بعمل إيه في القضية. راجح الشافعي وإلياس السيوفي... عايز أعرف كل حاجة.
قالها راكان بصوت هادئ لكنَّه حازم، وعينيه تحاصرها.
بدأت ميرال تروي الحكاية، تتقطع أنفاسها بين الكلمات وهي تتخيل معاناة فريدة كل لحظة بكامل وجعها.
تحدثت عن وفاة جمال وعن التهديد الذي أرسله إليها راجح.
كانت كل كلمة تسقط من شفتيها كجمرة تحرق صدر إلياس قبل أن تصل إلى مسامع راكان.
أما هو فكان جالسًا بثبات يشبه الصخر.
حين انتهت، قال بهدوء:
- ممكن تنتظري إلياس بره يا مدام ميرال.
نهضت ببطء، بساقين لا تقويان على حملها، ثم اقتربت من إلياس الذي كان جالسًا كتمثال لا يتحرك، كالحاضر الغائب.
همست بصوت مرتعش بالكاد يسمع:
- هستناك بره.
التفت راكان بنظراته إلى إلياس، وقال بسؤال يشق السكون:
- يعني... إنتَ مش ابن سيادة اللواء مصطفى السيوفي؟
أغمض إلياس عينيه للحظة، يحاول كبح ذلك البركان الذي يكاد ينفجر بداخله.
رفع رأسه ببطء وعيناه تلمعان بغضب مكبوت، ثم قال بصوت هادئ يحمل في طياته عاصفة:
- حياتي الشخصية... مالهاش أي علاقة باللي حضرتك بتحقق فيه يا سيادة المستشار.
رفع قامته بثقة مستفزة، وكأنَّه يريد أن يضع حدًا لأي محاولة للاقتراب من أسراره، وأردف بنبرة حادة:
- الموضوع اللي المدام حكته ملوش علاقة بالقضية... أنا هنا عشان بلاغ محاولة خطف ابني، والمساومة على أسهم الشركة اللي اشتريتها... ده الملف اللي قدام حضرتك، والباقي... كلامها، هي تشهد على اللي يخصها، أما القرابة دي... ما تربطنيش بيه حاجة.
صمت راكان للحظة، ثم سأله بابتسامة غامضة:
- طيب... ليه لما الظابط جاسر الألفي جه يحط الكلبشات في إيده، رفضت؟ وقلت: "عمي ما يرضيني؟"
اقترب إلياس ببطء، واستند بكفيه على مكتب راكان، محدقًا في عينيه بنظرة تخترق السكون:
- عشان القصة اللي حضرتك سمعتها دلوقتي... وعدت نفسي محدش هيحط الكلبشات في إيده غيري... لكن للأسف... لسه واخد احتياطاته... كل اللي عملته إنِّي رميت له الطعم... ومستني لحظة سقوطه، يا باشا.
ارتسم على وجه راكان ابتسامة هادئة لكنَّها تحمل في طياتها تحديًا واضحًا، وقال بنبرة ساخرة:
- أوه... طلع ظني فيك صح يا إلياس... عملت كده عشان تخرجهم ويوصلوا لراجح، بس ليه يا ترى؟ ماهو كدا كدا معاهم.
- حضرتك ذكي يا باشا وهتعرف لوحدك... عشان كده طلبتني بالاسم مش صدفة، صح؟
ابتسم إلياس بسخرية مشوبة بالثقة:
- وإنتَ كمان يا راكان باشا، طلعت زي ما بيقولوا عليك... بس ماتنساش اللي قدامك فهد الأمن الوطني، مش معنى ساكت لراجح يبقى ضعيف، لا... عشان عايزه يعيش كل لحظة رعب وهو عارف ومتأكد هوصل له.
ضحك راكان بخفوت، ثم قال:
- لسه الفهد صغير، يا سيوفي... لكن نصيحة مني... خاف على مراتك وابنك، اللعب بالنار ليه تمن كبير.
وقف إلياس مكانه للحظة، ثم رفع عينيه بثبات مهيب وقال:
- بكرة هتلاقي مكالمة منهم، وهتسمع خبر عنهم... وقتها هتشوف بعينك مين اللي هيلم القضية.
تراجع راكان للخلف، وأشار بيده نحو الباب قائلاً بابتسامة خافتة:
- خايف تندم؟
رد بنبرة مغموسة بالألم:
- مش أصعب من إنك تلاقي حياتك اللي بنتها هوا يا باشا.
بمنزل آدم:
كانت تُنهي بعض أبحاثها العملية، استمعت إلى رنين هاتفها:
- أيوه يا رؤى عاملة إيه؟
استمعت إلى بكائها على الجانب الآخر:
- إيلين أنا محتاجاكي أوي، ينفع تيجي عندي؟
نظرت بساعة يدها ثم أجابتها بدخول آدم:
- حبيبتي مش هينفع دلوقتي، ممكن بكرة بعد الجامعة.
انحنى وطبع قبلة على وجنتها يهمس لها:
- خلَّصي تليفونك أنا بره.
ابتسمت له تهز رأسها ثم تابعت حديثها مع رؤى:
- رؤى فيه إيه مالك؟ إنتِ بتعيطي ليه؟
- عملت مصيبة يا إيلين، وإلياس لو عرف هيموتني.
نهضت من مكانها وأغلقت الباب حتى لا يسمع آدم حديثهم:
- عملتي إيه يا رؤى؟
ارتفعت شهقاتها وقصت لها ما صار، ثم تابعت:
- مش بس كده، بعد ما كنت عندها روحت مكتبه علشان أكمل مخطط الشيطانة دي بس مالقتوش، كلمتها أقول لها... قالت لي فيه واحد هيجيلك واشغلي العسكري اللي على الباب هندخل نجيب فيديو خاص بيا. الكلام ده من أسبوعين، بعدها عرفت إن ميرال ولدت وإلياس منعني من الخروج وحاطط حارس على باب بيتي. تفتكري ميرال قالت له؟ ولا الست دي أخدت حاجة تانية غير الفيديو؟ كل ما أتصل بيه مابيردش، اكتشفت إنه رفع رقمي من عنده.
انتفضت إيلين كالملسوعة، وبدأت تسبها:
- يا متخلفة، أعمل فيكي إيه دلوقتي، إنتي تعرفي إنك كده ممكن تكوني ضررتيه، أووف منك يا رؤى أووف، والله تستاهلي اللي يعمله فيكي.
قاطعهما صوت آدم:
- إيلين الأكل برد، قافلة الباب ليه؟
التفتت له وحاولت رسم ابتسامة تهز رأسها:
- حاضر حبيبي، دقيقة وجاية.
استمعت رؤى إلى حديثهما، فاعتذرت لها:
- آسفة يا إيلين ما كنتش أعرف جوزك عندك، مبروك رجوعكم حبيبتي، روحي شوفيه.
- هاجيلك بكرة تمام.
أجابتها على الجانب الآخر بالموافقة.
عند يزن قبل عدة أيام:
ربتت على كتفه بعد ذهاب جاسر:
- يزن مين اللي كلمك وقال لك إيه؟ خلاك تعمل كده.
طالعها بنظرات جامدة ثم همس بتقطع:
- بيخيروني بينك وبين إيمان.
ضيقت عينيها مستفهمة عما نطق:
- يعني إيه مش فاهمة؟
اتجه إلى دراجته البخارية دون حديث.
وصل بعد قليل إلى المشفى، وجد أخاه فاق من نومه.
اقترب ورسم ابتسامة:
- حبيبي عامل إيه؟
نهض كريم متجهًا إليه:
- عملت إيه؟
انحنى يقبل جبين أخيه:
- حمد الله على السلامة يا حبيبي.
- إيمان يا أبيه، أخدوا إيمان.
جلس على طرف الفراش وتساءل:
- معاذ إنتَ شفت الناس دي في الحارة عندنا؟
هز رأسه بالنفي، ثم صمت للحظة متذكرًا شيئًا:
- بس أعرف عمو اللي كان راكب العربية، الراجل ده بيجي عند عمو مرسي يشتري فول وطعمية.
لمعت عينا يزن بالأمل، ومسح كريم على وجهه ودقات قلبه تتسارع بقوة، منتظرًا حديث معاذ بلهفة.
ظل يتحدث إليهم بصوت متعب حتى علم ما يشير إليه فنهض متجهًا إلى المكان الذي أخبره به معاذ، مع مهاتفاته لجاسر.
مرت عدة ساعات حتى ظهر الرجل بسيارته ينادي على صاحب عربة الفول، ثم أخرج شيئًا يغمز إليه، دقيقة واحدة وكان جاسر محيطًا بالسيارة.
ظل عدة ساعات بتحقيقات مع ذلك الرجل ولكن دون فائدة.
ظل يدور كالأسد الحبيس حتى فقد الأمل، تحرك بعدما أغلق الأمل أمامه إلى فريدة، وصل إلى فيلا السيوفي وطلب مقابلة فريدة، قص لها ما صار.
- طلقها يا ابني، وأنقذ أختك، لو الموضوع ده وراه راجح مش هتعرف توصل لها، وإنتَ كنت متجوزها عشان تنتقم. هما سبقوك بخطوة، ده عمل كده وهو محبوس، يعني أقل حاجة هيقولها اثبت. أنا تحت إيد الحكومة، وده كان ظابط وعارف بيعمل إيه.
قاطعهم دخول إلياس بوجه كالصخر، وزع نظراته بينهما فاقترب منهم:
- أهلًا يا باشمهندس، أكيد دلوقتي عرفت ليه كنت عندك.
هزت فريدة رأسها تنفي معرفته، ضيَّق عيناه متسائلًا وأشار باستخفاف:
- لا يا مدام فريدة أوعي تقولي لي إن المهندس ما يعرفش إنِّي ابن عمُّه، ولا الأستاذة العظيمة مراتي بتكون أخته.
صدمة سحبت أنفاسه وهو يتمتم كالمجنون:
- مين ابن عم مين؟! وأخت مين؟! أنا مش فاهم حاجة، يعني إيه؟
صعد دون حديث فوضعه لا يتحمل أي حوار، نادته فريدة:
- حبيبي إيه اللي حصل؟ ميرال عملت إيه؟
تحرك وكأنه لم يستمع إلى حديثها.
كانت عيناها تتابعان ابنها الذي يصعد الدرج بجسد أثقلته الهموم.
التفتت على صوت يزن فجأة، نظرت إليه، لكن عقلها كان غارقًا في ابنها وحالته.
ماذا حدث؟ هل وافقت ميرال على ما قررته؟ أم اقتنعت بحديث أرسلان؟
أعادها صوت يزن إلى الواقع بصوت جاف ممزوج بنفاذ صبر:
- أنا جيت لحضرتك عشان أعرف أوصل لراجح، مش عشان تلخبطي دماغي.
شعرت بأنفاسها تتسارع، وعجزت عن الرد.
لم تكن تعرف بماذا ترد، هل تخبره أن يطلق زوجته؟ أم تتركه ليحارب وحده؟
ابتلعت غصتها واقتربت منه، تمسك كفيه كأنها تتوسل إليه:
- تعال، هقول لك حاجة وبعدها قرر بنفسك، حضرة اللواء في الطريق، وهو هيقول لك تعمل إيه.
بعد دقائق، استمع يزن إلى حديثها بوجه خالٍ من التعابير.
حاولت أن تسيطر على ارتباكها وهي تستطرد:
- يعني رؤى وميرال اخواتك؟ أنا عارف برؤى، بس مرات إلياس دي أول مرة أعرف، وإزاي رؤى وصلت لحضرتك؟ أنا كل اللي أعرفه، إنه كان متجوز واحدة ممرضة جاب منها ولد وبنت، بس معرفش أسمائهم، إزاي عرفتيها.
استطردت بصوت يفيض بالألم:
- رؤى جات لي وهي عندها خمس سنين... واحدة سابت البنت قدام باب الملجأ وهربت، ما شفتش اللي سابتها، لكن البنت كان معاها سلسلة فضة مكتوب عليها اسم "رؤى".
تنهدت وهي تسترجع الذكريات المؤلمة:
- مرت بعد جيّتها للملجأ حوالي أكتر من عشر سنين، بعدها جالي ظرف للدار... كان الظرف من سمية، مرات أبوك... فيه أوراق رؤى وصورها، هي كانت شافتني صدفة في نادي كانت شغالة فيه ممرضة... قبل ما تجيب البنت الدار، فلما تعبت وعرفت إنها عندها سرطان، سألت عن عنواني، وسابت البنت قدام الملجأ... وبعد سنين جالي الظرف اللي يخص كل حاجة لرؤى، رحت المستشفى اللي كانت محجوزة فيها زي ما هي كاتبة في الجواب، بس عرفت من سجل المستشفى إنها ماتت في مستشفى حكومي بعد معاناة مع المرض.
نظر يزن إليها بعينين غائمتين:
- والولد؟ أخوها فين؟
ارتعشت يدها وهي تكمل بصوت مكسور:
- طارق... راجح خطفه منها... كانت خايفة على البنت يفسدها زي ما هو عمل مع طارق، عشان كده جابت لي البنت، بس هي بعتتها مع جارتها اللي كانت بتهتم بالبنت بمرضها.
- طارق اللي في السجن؟
رفعت نظرها إليه بدهشة:
- شكلك تعرف كل حاجة.
قبل أن تكمل، قطع الحديث دخول مصطفى، استدار يزن نحوه بوجه متألم.
أشارت فريدة لمصطفى قائلة:
- ده يزن، أخو ميرال اقعد، اسمع، وأنا هعمل لك قهوة.
بعد ساعات، وصل يزن إلى منزله.
كانت رحيل تنتظره، عيناها مليئتان بالتوتر والقلق.
اقتربت منه متلهفة:
- كنت فين؟ عملت إيه؟
أشار إلى حقيبتها، ورد بنبرة ثقيلة خالية من المشاعر:
- تعالي أوصلك. مالوش داعي وجودك هنا.
وضعت يدها على ذراعه محاولة استيعاب كلماته، ثم قالت بصوت متقطع:
- هما عايزين إيه يا يزن؟
ابتلع غصته بصعوبة، وحاول السيطرة على نفسه، لكنَّه لم يستطع منع نبرة الألم بصوته:
- بيخيروني بينك وبين أختي.
شعرت بقبضة تعتصر صدرها، ثم شهقت شهقة عالية قبل أن تتساقط دموعها كالشلال.
حاول السيطرة على نفسه حتى لا يضمها إلى صدره يدفن كل ما يشعر به في أحضانها، ولكنَّها لم تنتظر تردده، فرفعت عينيها المليئتين بالألم نحوه، ثم ألقت بنفسها في أحضانه، تبكي بشهقات مرتفعة:
- اسمع كلامهم يا يزن، هما عرفوا يلعبوا عليك صح، أنا عارفة مين بيعمل كده.
كانت كلماتها كخناجر تخترق قلبه، تسارعت دقاته بعنف وشوق جارف، ضمها إليه لأول مرة، عانقها بشدة كأنَّه يحاول حمايتها من عالم ظالم.
كانت أضلاعهما تنصهر في حضن واحد، وكأنَّهما يتشاركان ألمًا واحدًا، وعزاءً واحدًا.
دفن وجهه في شعرها وهو يبحث عن الأمان الذي افتقده منذ افتقاد أخته.
تراجع قليلاً، واحتضن وجهها بين كفيه وهمس بنبرة تقطر ألمًا:
- هلاقيه... الظابط بيدور، وفيه حد مهم عمل اتصالاته.
لكن هزت رأسها بالنفي، مع دموعها التي انهمرت على وجنتيها، وهمست بصوت متهدج:
- مش هيعملوا حاجة يا يزن... دول خدوه من بيتك، هما عايزين أملاك بابا، تخطيط شيطاني.
قبَّل جبينها بهدوء مؤلم، ثم وضع جبينه فوق جبينها، وأردف بنبرة جعلتها متزنة رغم الأعاصير التي تعصف بداخله:
- مش هتخلى عنك، حتى لو أخدوا روحي.
لمعت عيناها بسعادة باهتة وسط سيل دموعها.
لم تتمالك نفسها، حاوطت عنقه بشغف، وقبلت وجنته بارتعاش وهي تهمس:
- طلقني يا يزن... أنقذ أختك قبل فوات الأوان.
تراجع قليلاً، محدقًا في عينيها بذهول، وكأن كلماتها صاعقة مزقت قلبه.
للحظة، كان الزمن متوقفًا بعجزه، دقائق مرت عليهما ونظراتهما تحكي ما تخفي قلوبهما، إلى أن قطع صمتهم المتألم، وانحنى يهمس إليها ببعض الكلمات التي جعلت ساقيها تتلاشى، ليحاوط خصرها دون تفكير ويحتضن ثغرها لأول مرة كأن هذه القبلة نجاته من الغرق عما سيفعله، لحظات بل مر وقت ولم يشعرا بنفسهما، تركها رغمًا عنه، واحتضن كفَّيها متجهًا إلى الخارج.
بعد دقائق، كان يقف أمام فيلا عائلتها، ترجل عن دراجته البخارية، وخطا بجوارها بخطوات ثقيلة حتى دخلا حيث تنتظرهما والدتها ورانيا.
وقفت أمامه، تحاول السيطرة على دموعها، لكن صوت بكائها خانها، فانهمرت كالأمطار.
رفع عينيه نحوها، ملامحه جامدة كالصخر، لكن صوته انكسر رغم صلابته:
- وصَّلتك بيتك زي ما أخدتك منُّه أول مرة... إنتِ طالق يا راحيل.
ثم أضاف بنبرة ثقيلة متقطعة:
- ورقتك هتوصل لك في أقرب وقت.
استدار بسرعة قبل أن يرى نظراتها التي مزقت قلبه، محاولًا أن يكبح دموعه التي غدرت به، ومع كل خطوة يبتعدها، كان يقسم في داخله أن يحرق كل من تجرأ على إسقاط دموعها، أن يحول ظلمهم إلى رماد، مهما كان الثمن.
باليوم التالي، سيارة توقفت أمام المنزل وألقت إيمان جسدًا شاحبًا وكأن روحه سُلبت منه.
مرت عدة أيام وعاد أرسلان من الخارج.
بمنزله كانت تغط بنوم عميق وكأنها غائبة عن الوعي، تسلل إلى الغرفة مستغربًا ظلام المنزل، بحث عنها بلهفة ودقات عنيفة، وجدها غارقة بنومها، خطا إليها بهدوء، حتى لا يفزع نومها، جلس على حافة الفراش.
ثم انحنى يطبع قبلة فوق وجنتيها.
رفرفت أهدابها بعدما تسربت رائحته إليها:
- أرسلان.
داعب وجنتيها:
- نايمة يا كسولة، وأنا اللي كنت جاي وشيطاني بيرسم. أستغفر الله العظيم.
اعتدلت بنومها ومازالت تشعر بثقل رأسها فتمتمت:
- وحشتني أوي على فكرة، بقالك ساعة بترغي، حتى ما قولتليش يابت خدي بوسة.
توسعت عيناه بذهول يطالعها بصدمة، ثم تجول بعينيه بالمكان يردف:
- مراتي كانت هنا، إنتي مين يا بنتي؟
لكمته بصدره وهي تقهقه على حركاته.
فجذبها لأحضانه بضحكاته قائلاً:
- غرام انحرفت يا بشر، بتقولي لي هات بوسة.
لكزته تدفن وجهها بحضنه:
- بس بقى والله هزعل منك، معرفش مالي أصلًا بقيت أخبط كتير.
قهقه وهو يدفعها على الفراش، ثم انحنى يحاوطها بذراعيه:
- اخبطي يا روحي، أهم حاجة في التخبيط، التخطيط كيف تعشقين زوجك في خطوة واحدة.
انكمشت ملامحها باستفهام، لم يدعها لحظة للتفكير ليخطفها إلى عالمه الذي لا يقترب منه سواها وحدها.
بعد عدة ساعات اتجه إلى قصر الجارحي، بعد اتصال صفية به وطلبت منه الحضور، ولج للداخل ليجد فاروق بانتظاره، اقترب منه وانحنى يطبع قبلة فوق كفيه بحنان:
- حبيبي وحشتني.
رفع كفيه يربت على كتفه:
- وإنتَ كمان يا حبيبي.
رفع عينيه إلى والده بفرحة، أبيه عاد يتحدث مرة أخرى، جثا على ركبتيه أمامه وعيناه تشع بالسعادة والحبور:
- بابا حبيبي، حضرتك رجعت تتكلم تاني؟
نهض فاروق من مكانه يتحرك، رغم خطواته الثقيلة إلا أنَّه حرَّك قدمه، نظرات فقط، نظرات تعني الكثير والكثير من عشق هذا الرجل لابنه، وعشق الولد لأبيه.
من قال أن الأبوة بارتباط الاسم، الأبوة إحساس وحنان ومسؤولية.
ضمَّة شاهقة من فاروق إليه، يضمه بقوة لأحضانه وهو يردد:
- كنت عارف إنك ابن حلال يا حبيبي، ربنا يخليك لي يا رب.
خرج من حضن والده يزيل دموعه بحنان قائلاً:
- أنا فداك يا بابا، أينعم أنا مش ابنك من دمك، بس عمرك ما حسستني بكده، دائمًا كنت ليَّ درع الأمان، أيوه منكرش ليا أب تاني، بس أنا معرفوش ومأخدتش منه غير ذكراه وبس، وأكيد مش هيزعل مني، لأنك أب وتستاهل كل حاجة حلوة، أنا فعلًا ربنا بيحبني.
احتضن فاروق وجهه وطبع قبلة فوق جبينه:
- ربنا يبارك لي فيك يا حبيبي.
قاطعهم رنين هاتفه.
تراجع يزيل دموعه:
- ينفع كده خليتني أعيط، وأنا مش بعملها كتير.
ربت على كتفه ثم أشار إلى هاتفه:
- شوف مين.
تراجع بعيدًا:
- أيوه يا ميرال.
- إنتَ رجعت إمتى؟
تحرك للخارج بعدما استمع إلى نبرتها الحزينة وأجابها:
- أنا جايلك، عشر دقايق وأكون عندك.
قالها واتجه إلى سيارته، رافعًا هاتفه:
- غرام أنا رايح لميرال، لازم أشوفها ضروري.
عند رانيا:
جلست أمام المرآة تنظر إلى نفسها بسعادة تتذكر الماضي، وما فعلته بفريدة.
جذبت هاتفها وتحدثت:
- أيوه يا باشا، عملت إيه لراجح؟
أجابها قائلاً:
- الموضوع المرة دي تقيل يا رانيا، بس لو عايزة نخرجه نخرجه، بس التمن صعب.
توقفت تتلاعب بخصلاتها، ثم جلست على الفراش وهمست بنبرة ناعمة:
- متنساش إنه جوزي يا باشا، ولازم أقف جنبه، وبعدين هيخلص من اللي واقف في زوركم.
نفث تبغه وتوقف ينظر إلى المساحة الشاسعة قائلاً:
- رانيا راجح كارت محروق مبقاش ينفعنا، إحنا مش قتلناه عشان خاطرك، خلصي بس موضوع بنت العامري، لازم نسيطر على الشركة بأي طريقة.
- والتمن يا باشا.
- عايزة إيه يا رانيا؟
مطت شفتيها بتفكير مصطنع ثم تمددت على ظهرها:
- عايزة فريدة الأسيوطي تكون تحت رجلي يا باشا، شوفوا هتعملوها إزاي، وكمان بنتي وابنها يكونوا عندي بكرة بالكتير، وهي متنازلة عن جوزها، وجوزها لازم يدخل السجن، قدامكم ورق يلف المشنقة حول رقبته مش السجن بس.
- دي طلبات ولا أوامر يا رانيا؟
صمتت لحظات ثم أردفت بنبرة أنثوية ناعمة:
- ده العشم في إخلاصي لحضرتك يا باشا، وإنتَ عارف رانيا دايمًا في الخدمة.
ارتفعت ضحكاته قائلاً:
- منتظرك بالليل يا رانيا، عايز مساج من بتوع ليالي الأنس.
- عيوني يا باشا.
بمكان آخر، ألقى السماعة، يبصق عليها بعدما استمع إلى الحديث، ثم اتجه إلى شريف:
- وصلت لأيه؟
- كل حاجة ممسوحة يا إلياس، ده لعب متقن.
زفر حادة أحرقت جوفه، وذهب ببصره للبعيد وهو يهمس:
- لا فيه طريقة علشان أوصل للخاين، بس المهم اسمعني ونفذ اللي هقوله بالحرف الواحد.
قص له ما يريده.
فتطلع إليه باعتراض:
- بس كده ممكن حياتك تتعرض للخطر.
هز رأسه قائلًا:
- سيبها لله، الموضوع ده محدش يعرفه، حتى بابا يا شريف.
تعلم تلم لسانك مش تفتي عليَّ عشان هقصه قريب.
- هو خايف عليك يا إلياس.
حمحم قائلاً:
- فيه حاجة كمان.
نظر إليه منتظر حديثه، فنطق قائلاً:
- راكان البنداري.
ضيق عيناه منتظر باقي حديثه:
- بعت حد بيت مدام ميرال، بس الصراحة معرفش المدام تعرف ولا لأ.
أومأ له ينقر بأصابعه على باب السيارة قائلاً:
- كنت مستغرب سكوته، أصله ديب كبير ومش هيعدي الموضوع بالساهل.
- أيوه يا إلياس بس متنكرش إنه ما عملش حاجة بكلام مدام ميرال.
تنهد بمرارة وأردف بنبرة باردة:
- كفاية اللي عرفه، المهم انزل كمل شغلك، وخلي بالك، وزي ما قولت لك اللي يسألك عن حاجة إحنا متخانقين، عايز الجهاز كله يعرف إننا متخانقين وأنا بشك فيك.
- اعتبره حصل يا باشا.
بعد دقائق استمع إلى رنين هاتفه، لمح اسمها ينظر شاشة هاتفه، ولكنه لم يعرها.
رفع الهاتف واتصل بمربية ابنه:
- إيه الأخبار الولد كويس؟
- زي الفل يا باشا، بس المدام ما بتخليش حد يهتم بيه غيرها.
- تمام عينك عليه.
بمنزل ميرال.
بعد فترة كان أرسلان جالسًا بمقابلتها، يستمع إلى ما صار في تلك الفترة.
دفع المقعد بقدمه بغضب وثار هاتفا:
- إحنا اتفقنا ما تجيبش سيرة المكتب دي، ده إهمال يا غبية وفيها سين وجيم، وطبعًا إلياس اتجنن؟
هزت رأسها بالنفي وتمتمت بنبرة منكسرة:
- لا... من يومها ما بيكلمنيش، حتى يوم ما خرجنا يوسف من المستشفى ماما فريدة اللي كانت معايا.
مسح على وجهه بعنف وحاول التفكير، تذكر عدم عودة إسحاق قبل أسبوع.
رفع نظره إليها متسائلًا:
- وراجح فين دلوقتي؟
- محبوس، بس عرفت من مصادري سهل إنه يخرج لو التحليل كان في صالحه.
أومأ لها وهو يضغط على أعصابه، تذكر شيئًا وتساءل:
- ورانيا محاولتش تاني تكلمك؟
هزت رأسها قائلة:
- من وقتها ما عرفش عنها حاجة.
نهض من مكانه وعيناه عليها:
- غبية يا بنت عمي، واحمدي ربنا إن إلياس ما عملش فيكي حاجة لحد دلوقتي، ده ظابط أمن دولة، يعني كل خطوة بحساب، وحضرتك رحتي فضحتيه، قلت لك وأكدت عليكي تقولي اللي اتفقنا عليه. وسكوت رانيا وسجن راجح لحد دلوقتي لخبط الدنيا، ياترى يا إلياس بتخطط لإيه؟
- هو إلياس كان في المستشفى بيعمل إيه يا أرسلان يوم ما بعتوا الفيديو؟
مسح على وجهه كاد أن يقتلع جلده متمتمًا:
- مفيش حاجة مهمة. المهم أنت غلطي غلط كبير أوي.
توقفت بمقابلته:
- أستنى لما يقتلوه، أخوك مصر إنه يموت راجح.
وصل إليها بخطوة يقبض على ذراعها بقوة:
- أنا ما موتوش عشان الموت أرحم له، استني واتفرجي هعمل فيه إيه، أخلص بس من اللي في إيدي.
- يبقى جهز كفنك يا ابن عمي.
دفعها بقوة حتى سقطت على المقعد، وانحنى يحدقها بنظرات نارية:
- مفيش حد بيموت قبل عمره يا أستاذة ميرال، أقدارنا محسوبة، والأسباب متعددة، المهم أي حاجة لو صغيرة عرفيني.
قالها واستدار متحركًا للخارج تأكل خطواته الأرض، كما تأكل النيران سنابل القمح.
باليوم التالي:
ذهبت رؤى إلى فيلا السيوفي بعد محاولات عديدة من فريدة لإقناع إلياس بخروجها من منزلها إلى الفيلا، ولكنه رفض باستماة، فاتجهت إلى مصطفى الذي أمر حارسه بخروجها.
ترجلت من سيارة الأجرة بدخول سيارته إلى الحديقة.
توقفت وانتظرت وصوله، ترجل متجهًا إلى وقوفها يشير إليها:
- واقفة كده ليه، وإزاي خرجتي من غير إذني؟
فركت كفيها تبتعد بنظراتها عنه:
- جاية عشان أتكلم معاك، مش عارفة أوصل لك.
لوى شفتيه بابتسامة ساخرة:
- ولا جاية تخطبيني من أمي؟ يا بنتي لو وقفتي قدامي من غير هدوم مش هتهزي فيا شعرة، ما تفكريش ممكن أفكر فيكي، حتى لو طلقت ميرال، مستحيل ارتبط بواحدة زيك.
ارتجف جسدها من قسوة كلماته:
- ليه...؟!
اقترب منها وقبض على ذراعها بقوة حتى شعرت بانكسارها وهمس بفحيح:
- متخلينيش أكرهك في اليوم اللي احترمتك فيه، كنت بتعامل معاكي على إنك بريئة مش واحدة قذرة.
- إلياس اسمعني.
دفعها بقوة حتى سقطت على الأرضية الصلبة، لتتأوه بخفوت، انحنى بجسده منها واستطرد حديثه وهو يجز على أسنانه:
- لو قربتي من مراتي هحرقك يا رؤى، مجربتيش ناري، إياكي ثم إياكي تقربي منها.
- مش أنتوا هتطلقوا؟
- اخرسي.
صرخ بها مما جعل فريدة تخرج على صوته، ركضت إلى وقوع رؤى تنظر إليها بأسى وأردفت توبخه:
- إنتَ خلاص مبقاش حد قادر عليك، قومي يا حبيبتي تعالي معايا.
- استني عندك.
صاح بها بنبرة غاضبة واقترب وعيناه ترمقها بنيران جحيمية:
- إنتِ مش جيتي عشان تشوفيني، وقولتي الكلمتين، يلا ارجعي على بيتك وإياكي أعرف إنك خرجتي منه، ولا كلمتي حد.
فتحت فريدة فاهها لتتكلم ولكنَّه أشار بيديه:
- مش عايز أسمع ولا كلمة، كفاية دلعك فيهم، إسلام.
صاح بها ليقترب إسلام المتوقف على بعد خطوات يشاهد المشهد بأسى، هو يعلم قسوة أخيه، ولكن لا يعلم ما الذي فعلته لتجني هذه القسوة.
دقيقة واحدة وكانت بسيارة إسلام وعيناها تذرف دموع الكسرة بشهقات.
اقتربت منه فريدة تهز رأسها بالأسى:
- ودي ذنبها إيه يا ابني عشان تعاملها كده؟
استدار إلى سيارته وهو يتمتم:
- ذنبها إنها حاملة دم أبوها الفاسد، والله لأنضفه من شوية أغبية.
ركضت خلفه تتشبث بذراعه:
- إلياس إنتَ وعدتني مش هتعمل حاجة في ميرال مش كده يا حبيبي؟
طالعها باستخفاف ثم استقل السيارة وتحرك متجهًا إليها، عشرون يومًا لم يراها بهما، منذ آخر مقابلة لهم بمكتب راكان.
وصل بعد فترة وترجل من سيارته متحركًا للداخل.
بالأعلى كانت تجلس أمام مهد طفلها، تغني له بلحن خافت يفيض دفئًا، وكأن صوتها يحكي قصة حبها.
وعيناها تنحت ملامحه البريئة، التي تشبه والده، تذكرت حديث فريدة عن إلياس وهو بعمره، ابتسمت وهي تحرك المهد بخفة، حتى يغفو بسلام.
قطع وصلة شغفها بطفلها رائحة زوجها، دارت نحوه سريعًا بعدما استنشقت رائحته، وعيناها تبحثان عنه بنبض قلبها.
نهضت من مكانها ومازالت تحتضنه بعينيها، هنا ضعفت بعدما تعلقت الأعين ببعضها ورغبة سيطرت بكل جوارحها أن تلقي نفسها بين ذراعيه، أن تختبئ في حضنه، تخبره عن كم اشتياقها.
لكن جسدها خان إحساسها وظلت بمكانها، بعدما لمحت جدار الجفاء الذي بدا واضحًا في كل حركة منه.
تقدم ببطء، خطواته ثقيلة، يشعر بعدم قدرته على الحركة نحوها.
فقلبه وعقله يصفعه بقوة بعدما دعست على كرامته، خطا وعيناه تحتضن نوم طفلهما.
ابتسمت بارتباك، محاولة أن تخفف من وطأة الصمت القاتل:
- لسه فاكر تيجي؟
خطا إلى المهد وتجاهل حديثها حتى شعرت بطعنة في كبريائها.
ولم يرحم حزنها ليمر بجوارها وكأنها غير موجودة، واتجه نحو الطفل.
انحنى ببطء، وطبع قبلة طويلة على جبينه الصغير، ومرر إبهامه على وجهه.
همس له بحنان أبوي وكأن قناع الجمود سقط لينطق بنبرة حانية:
- حبيبي بابي، ريحتك وحشتني، آسف انشغلت عنك، بس أوعدك مش هبعد تاني.
تجمَّدت مكانها، وعيناها تفيض من الألم والحزن معًا.
أرادت أن تصرخ وتلقي نفسها بأحضانِه، فقد ماتت قهرًا ببضعة أيام كيف ستعيش بعيدة عنه.
عيناها لم تفارق جسده الذي ظهر نزوله لبعض الوزن.
أطبقت على جفنيها بقوة آلمتها ليكسر الصمت طرقعات على الباب، تلاها دخول المربية التي انحنت باحترام:
- أفندم يا باشا؟
رفع يده وأشار إلى الطفل دون أن ينظر إليها:
- جهزي يوسف هنمشي.
كانت كلماته كصفعة قوية على وجهها، فتحت عينيها في ذهول وكأنها لم تستوعب ما قال.
رأته يتحرك نحو الباب دون أن يلتفت، وكأن كل ما بينهما لم يكن يومًا موجودًا.
هرعت خلفه، خطواتها متعثرة، وكلماتها تخرج متقطعة من بين شفتيها المرتعشتين:
- ليه؟ رايح فين بالولد؟
توقف عند الشرفة، لكنَّه لم يلتفت إليها.
ظل يوليها ظهره، اقتربت أكثر، وضعت كفَّيها المرتعشتين على كتفيه، محاولة أن تستجمع شجاعتها وسط هذا الانهيار:
- إلياس...
لكنَّها فوجئت برد فعل كالصاعقة، إذ انتفض مبتعدًا عنها كأنَّها أحرقت جلده.
نظر إليها بعينين حادتين، وقال بصوت كالسيف:
- ما تقربيش مني من غير إذني!
ثم أشار بيده نحو المهد بحركة حاسمة، وكأنَّها إعلان حرب:
- هاخده بيت أبوه... ابني هيطلع راجل، مش هسمح إنه يعيش تحت تربيتك الضعيفة.
كانت كلماته أشبه بسكاكين تنهال على قلبها بلا رحمة.
ارتعشت شفتيها، وانحدرت دموعها كالسيل.
لم تحاول كبحها هذه المرة، فقد كانت كلماتها أثقل من أن تحتمل:
- يعني إيه؟! إزاي تقدر تعمل كده؟
نظر إليها نظرة طويلة، مليئة بالبرود والمرارة، ثم نفث دخان سيجارته بهدوء قاتل وقال بابتسامة مُرَّة:
- يعني يوسف مش هيعيش معاكي... إنتِ مش مؤهلة، وأنا أقدر أخده بسهولة جدًا، وإنتِ عارفة ده.
تراجعت خطوة للخلف، وكأن الأرض اهتزت تحت قدميها.
شعرت بأنَّها تغرق في بحر من العجز، والألم يخنق أنفاسها.
همست بصوت مرتجف:
- إلياس... هو محتاجني... أوعى تعمل فيَّا كده.
لكن ردَّه كان أشد قسوة ممَّا توقَّعت، حيثُ قال بجمود كالصخر:
- حنانك؟ يوسف مش هيحتاجه... ابني عايزه راجل، مش يجري على الغرب يحميه عشان أبوه ضعيف.
ظلَّت واقفة مكانها، مكسورة، منهارة، تراقب تحركه وهو يبتعد دون أن يلقي نظرة واحدة إلى الوراء.
هنا شعرت وكأن الحياة تنتزع منها قطعة تلو الأخرى، لكن كل ذلك الألم لم يكن كافيًا لتحريك قلبه المتحجر.
إذ بها تصرخ بكلمات جعلته يستدير إليها، اقتربت منه وعيناها تصدر أنين قلبها:
- ابني حياتي يا إلياس، لو اخدته يبقى بتموتني، مستحيل أسيبك تاخده، مستحيل.
قاطع حديثهم وصول الخادمة:
- فيه واحد تحت يا باشا بيقول عايز حضرتك.
أومأ لها ثم أشار:
- قدم له حاجة وأنا نازل.
ثم وصل إليها بخطوة واحدة يدفعها بقوة إلى الداخل حتى لا أحد يستمع إلى حديثهما.
دفعها لتسقط فوق الأريكة:
- اسمعيني عشان مش هعيد كلامي، الولد هيعيش مكان ما أكون موجود، عايزة تيجي براحتك، مش عايزة براحتك، بس أنا مش هسيبه لواحدة زيك.
توقفت مقتربة منه:
- مش هتقدر يا إلياس، القانون معايا، شوف هتاخده إزاي.
قالتها واستدارت للخروج ولكنَّه أوقفها عندما أردف:
- شهادة مرضية وآخد الولد يا ميرال، بلاش تخليني ألجأ لطرق تكرهنا في بعض أكتر من كده.
- نكره بعض.
رددتها بذهول، تشير إلى نفسها:
- كرهتني يا إلياس؟! رميتني خلاص.
استدار هاربًا للخارج وهو يقول:
- دقيقة واحدة وألاقيكي تحت.
توقف واستدار إليها وتابع ما جعل قلبها يبكي:
- مش هتشوفي ابنك تاني ودا وعد من ابن عمك يا بنت عمي.
قالها بابتسامة ساخرة، ركضت إليه وتشبثت بكفيه:
- مش هتاخد الولد مش كده.
نزفت روحه من دموعها ورغم ذلك حاول الثبات أمامها:
- لو تعرفي حبيتك قد إيه ما كنتيش عملتي فيا كده، ده انتي حتى اختلطت انفاسهما.
- عملت كده من خوفي عليك.
تراجع بعيدًا، يشير إلى ثيابها:
- غيري هدومك وانزلي يا ميرال، مابقاش ينفع.
قالها ونزل للأسفل.
وجد يزن واقفًا على باب المنزل، مسح على وجهه بغضب يشير إليه بالدخول:
- لا واللهِ ودا احترام وهبل زي اللي متجوزها.
دلف للداخل وعيناه تتجول بالمكان، حمحم معتذرًا وقال:
- محبتش أدخل من غير إذن.
استمع إلى خطواتها على الدرج.
وصلت إلى وقوفهم تحدق في يزن بجهل.
- أهلًا ميرال.
ضيَّقت عينيها تنظر إليه باستفهام ثم أشارت عليه:
- مين ده يا إلياس؟
جلس على المقعد يسحب نفسًا، وأشار إلى يزن:
- أنا تعبت خلاص، اتكلم إنتَ.
اقترب من وقوفها يدقق النظر بها، تراجعت من نظراته وتوقفت بجوار إلياس الذي جلس يضم رأسه بين راحتيه.
تلكزه:
- أنا عارفة إنك بارد ومستفز، بس توصل إنك تجيب لي حد يجنني، دا كتير عليَّا.
رفع رأسه ينظر إليها بصمت ثم تمتم بنبرة هادئة:
- ما تقولي لها يا ابني إنتَ مين، أنا شوية هتلاقوني بجري في الشارع من العيلة دي.
توقف يجذبها بقوة وبعيون كالثلج:
- أخوكي، وما تتخضيش عشان لسه فيه غيره.
اقترب يزن منها وتوقف أمامها، وعيناه تتأمل ملامحها وكأنَّهما يبحثان عن روح غائبة عنه.
لم يكن الشبه بينهما واضحًا، لكن انجذابه نحوها كان أقوى من أن يفسر.
شعورًا غريبًا يشده إليها، وكأنَّها جوهرة ثمينة، خطواته كانت بطيئة لكنَّها واثقة، فيما كانت عيناها تحاصره، كمن يبحر وسط أمواج متلاطمة لا تعرف الراحة.
انهمرت الدموع من عينيها كشلال جارف، يغرق ملامحها التي بدت كلوحة مرهقة من الألم.
"ميرال..."
نطق اسمها، وصوته اخترق قلبها كالسهم، يهز كيانها بعنف.
جسدها ارتجف، وكأن زلزالًا قد ضرب كل شيء بداخلها، شحب وجهها، وتراجعت بخطوات مرتعشة، وهي تحاول أن تستوعب ما تسمعه.
هل يعقل؟! أخ آخر؟ لكن هذه المرة ليس كالأخ الذي أنكرته؟
شعرت وكأن الهواء يختنق في صدرها، وماضي والدها يعاقبها على أفعاله.
شردت بعينيها في الفراغ، كأنَّها تهرب من واقع لا يحتمل، واقع لا يفعل سوى نزيف روحها المجروحة.
فجأة عانقت نفسها بقوة، كمن تستجدي الحماية من عالم لم يرحمها أبدًا.
تعمقت عيناها المتحجرة بالدموع بأعين إلياس وبصوت مختنق بالبكاء يحمل من الألم والحزن ما حمل انفجرت قائلة:
- ليه بتعمل فيَّا كده؟! أكيد دا مش أخويا... لا! مستحيل... إنتَ بتعاقبني، مش كده؟! أنا تعبت، واللهِ تعبت! لو عايزني أختفي، هختفي! بس كفاية وجع... أنا مش البنت اللي بتقولوا عليها!
استدارت بعنف، وكأنَّها تريد أن تبتلعها الأرض لما يحدث لها، ولكنَّها وقفت فجأة ونظرت إليه بعينيها الغارقتين بالدموع، ونطقت وكأنَّ كلماتها حروفًا من الألم الذي تشعر به:
- خلاص يا إلياس! أنا مش بنت حد... أنا بنت خلقت من معاناة، من وجع، من كسر... كفاية، لو سمحت... كفاية!
حاول أن يقاطعها، لكنَّها ابتعدت تضع يدها أمامه، فأصبحت على شفا جرف من الانهيار.
اقترب منها ونظرة حانية:
- ميرال... اسمعيني لو سمحت.
لكنَّها لم تسمعه، وكأنَّ صوتها يعلو فوق كل شيء:
- إنتوا عايزين مني إيه؟! أنا بعدت... روح اتجوز، عيش حياتك، أقسم بالله ما هقف في طريقك... لكن كفاية تفضلوا توجعوا فيا! أنا تعبت... واللهِ تعبت!
انفجرت بالبكاء حتى سقطت على الأرض، تهز رأسها بعنف، تتمتم بكلمات تخرج من فمها كأنَّها صرخات روح مكسورة:
- إيه اللي بيحصل ده؟! أنا عملت إيه عشان أستاهل كل ده؟
رفعت عينيها المكسورتين إليه، وقالت بألم يخترق القلوب:
- ليه؟! عشان حبيتك؟! عشان صدقتك؟! تبعت لي واحدة تساومني على ابني وتقول لي آسفة متزعليش؟! ودلوقتي... دلوقتي بتجيب لي راجل غريب وتقول لي ده أخوكي!
صفقت بيديها، وابتسمت بسخرية مشوبة بالدموع، لكن تلك الابتسامة تحولت فجأة إلى ضحكات هستيرية كمن أصابه مس من الجنون.
"كتير عليَّا... كتير أوي، أب مجرم... أم مجرمة... وراجل قاسي، كبرياؤه فوق كل حاجة... ودلوقتي جاي يقول لي أخوكي... أخوكي؟!"
هبَّت من مكانها فجأة، واندفعت نحوه، تمسك بملابسه بجنون تهزه بعنف:
- إنتَ عايز مني إيه؟! ابني مش هتاخده لو جبت الدنيا كلها مش هتاخده... ناقص تعمل إيه؟! عايز تطلع شهادة بجنوني؟! ناقص إيه يا إلياس؟
حاوط جسدها وعيناه كانت مليئة بالثقل والحزن، بصوت صار أشبه بالهمس القاتل:
- ناقص حاجة واحدة يا ميرال... لازم تعرفيها... البنت اللي قولتي عايز أتزوجها... بتكون أختك من راجح.
كانت كلماته كطعنة أخيرة في صدرها.
توقفت عن الحركة وصمتت، وكأنَّ الزمن توقف للحظة.
ثم ارتعدت شفتيها، وعيناها اتسعتا، بجملته التي ترددت على أذنيها كالرعد الذي يدوي مفجِّرًا شظايا بالمكان ليصم الأذن وتعمى الأعين، وتشعر بالانهيار مجددًا بين يديه تهمس بخفوت:
- يارب أكون بحلم، يارب يكون حلم.