تحميل رواية «شظايا قلوب محترقة» PDF
بقلم سيلا وليد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
روايةإلياس مصطفى السيوفي :يبلغ من العمر اثنين وثلاثين عامًا.. أرسلان فاروق الجارحي :يبلغ من العمر ثلاثين عامًايزن إبراهيم السوهاجي :يبلغ من العمر ثلاثين عامًاآدم زين الرفاعي :يبلغ من العمر ثلاثين عامًاميرال راجح الشافعي :تبلغ من العمر خمسة وعشرين عامًاإيلين محمود الجندي :تبلغ من العمر اثنين وعشرين عامًاغرام محمود الزهيري :تبلغ من العمر اثنين وعشرين عامًارحيل مالك العمري :تبلغ من العمر خمسة وعشرين عامًابأحد أحياء القاهرة الراقية، وخاصة بتلك الفيلا التي يدون على خارجهافيلا اللواء مصطفى السيوفي ..ب...
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم سيلا وليد
اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك.
بكيتُ، وهل بكاء القلب يُجدي؟
فراقُ أحبتي وحنينُ وجدي.
فما معنى الحياة إذا افترقنا؟
وهل يُجدي النحيبُ؟ فلست أدري.
فلا التذكارُ يرحمني فأنسى.
ولا الأشواقُ تتركني لنومي.
وحتى لقائكِ سأظل أبكي.
وحتى لقائكِ سأظل أبكي.
توقف عطوة الذي يدعى بهشام وصاح بنبرة غاضبة:
– راجح اتجننت ولَّا إيه؟ انتَ ناسي مين اللي واقف قدامك؟!!
اقترب راجح منه وهمس بهسيس مرعب:
– انتَ اللي تفوق يابن الدمنهوري، واعرف حدودك معايا. أوعى تفكر اللي واقف قدامك دا ضعيف ولَّا مكسور. ولو سكت زمان، فسكت عشان راجح عايز كدا. وتاني مرة لما تتكلم معايا تتكلم بأدب واحترام. انتَ حتة عيل، لإلا كنت شغال تحت إيدي.
ارتفعت ضحكات عطوة المدعو بهشام، ثم صفق بيديه يحك ذقنه، وخطا خطوة للوراء يغمز إليه مع هزَّة طفيفة من رأسه:
– لا برافو، عجبتني ياحضرة الظابط المطرود قديمًا.
وصل إليه بخطوة واحدة ليطبق على عنقه ويهمس كفحيح أفعى:
– أنا أموتك من غير ما يرفلي جفن يالا. ولا تهمِّني ولا انتَ ولا اللي مشغلينك. دا أنا حاولت أقتل ولادي، هغلب فيك يابن الدمنهوري.
شحب وجه عطوة، ورفع يديه بوهن ليتخلص من قبضته. دفعه راجح ليهوي بجسده على المقعد، يسعل بقوة.
ثم جلس راجح بمقابلته وأخرج سجائره، ينظر إليه بشفاه ملتوية:
– مش كل اللي يتاكل لحمه. أنا مش رانيا، ومتفكرنيش كنت نايم على وداني. لا.. أنا سايبك تلعب براحتك بدل اللعب جاي بمصلحتي.
طالعته بعيون تطلق شزرًا، اقترب بجسده مستندًا على الطاولة، ينظر إلى مقلتيه وبعيون غاضبة:
– صدقني هدفعك غالي ياراجح أوي، فوق ما تتخيل.
قالها ونهض منتفضًا ثم أشار إليه وأردف بنبرة تهديدية:
– حياتك وحياة ابنك قصاد حياة ولاد أخوك. عايز تعيش جوة مصر معزز مكرم تتخلص من ولاد جمال. ودا آخر تحذير. بعد كدا ماتلومش غير نفسك.
نفث راجح غبار دخانه وكأنه لم يستمع لتهديده وتراجع بجسده يفرد ذراعيه على المقعد:
– اتكلم على قدك ياشاطر. مش راجح الشافعي اللي ياخد أوامره من حتة شمام. واسمع آخر كلامي، أنا مش هقتل حد. وأعلى ما في خيلك اركبه انتَ واللي مشغلَّك.
زم شفتيه ثم اقترب منه بخطوات بطيئة منحنيًا إلى مستواه، يحدق به قائلًا:
– فيه فيديو حلو هيوصلك بعد شوية. شوفه الأول وبعد كدا قرر يا… أه حضرة الظابط المتقاعد. نمشي كدا دلوقتي.
قالها واعتدل ناصبًا قامته، ثم رفع هاتفه وأرسل إليه بعض الفيديوهات التي تدل على تورطه بإحدى العمليات الخطيرة التي تؤدي إلى إعدامه. ثم بعث إليه صورة وهو يدفع رانيا بالبحر.
تراجع بجسده يلوح بيده وتمتم:
– إلياس السيوفي!!
توقف واستدار برأسه غامزًا بعينيه:
– مصوَّرك وانتَ بتقتل رانيا ياراجح. يعني لو مش موته هيموتك يا… حضرة المطرود.
قالها واستدار متحركًا، ينظر للأمام وعيناه تنطق بالكثير من الشر. وصل إلى سيارته ورفع هاتفه:
– أيوه ياعمي. قصَّ له ما صار. ثم تحدث:
– هيوافق متخافش. هو لسة مفكر إننا أعداء. خلال يومين هيخلص كل حاجة وهيجيب الورق. رتب نفسك على كدا. صفي كل حاجة قبل ما يشك. وخليه منه للروس الكبيرة. إحنا خلاص هناخد حق أبويا ودا اللي اشتغلنا عليه. زمان جمال مات، ودلوقتي هو قتل رانيا، وهيقتل ولاد أخوه. وبكدا يبقى كتب نهايته ونتخلص من كل اللي أذونا. لازم أريح أبويا، علشان محدش يستجرى يجيب اسمه بكلمة بعد كدا. أبويا اتغدر بيه من حتة صياد ما يساويش مليم.
– خلاص ياهشام، ارجع السويس وشوف هتعمل إيه. وأنا هخلص الكام عملية اللي قدامي، وهكلمك علشان لو راجح ماتصرفش أشوف طريقة تانية.
– انتَ بتقول إيه ياعمي؟ هنفضل ساكتين لحد إمتى؟ لازم ينفذ من غير ولا كلمة. مش هتفضل مداري وهربان. لازم نخرج من البلد بأي طريقة. والحيوان راجح دا هو اللي هيقدر يشطب اسمك من الممنوعين. مش هتفضل منسوب للمجرمين طول الوقت.
عند إلياس.
وصل قبل عدة ساعات، وتم نقل أرسلان إلى غرفة العناية. تحرك للخارج بعد الاطمئنان على حالته، رغم أنه مازال بالغيبوبة.
خرج متراجعًا بجسده على الجدار، أطبق على جفنيه وأحداث تلك الأيام تمر أمام عينيه كشريط سينمائي.
– إلياس. تمتم بها إسلام الذي يتحرك نحوه بلهفة كالطفل الذي وجد والديه. اقترب ملقيًا نفسه بأحضانِه، ليفقد السيطرة على نفسه مع دموعه التي لم تتوقف يتمتم بتقطع:
– كدا تقلقنا عليك. انتَ أخ انت. موتتنا من الرعب والخوف يا أخي.
تجمَّد جسده غير مصدقًا ما فعله إسلام، حتى أنه لم يشعر بخروج إسلام من أحضانه ليفيق على صوته الممتزج بالبكاء:
– انتَ عارف أنا حسيت بإيه واحنا مش عارفين نوصل لك. حسيت إنّي اتيتمت ومبقاش ليا سند. لا، حسيت إنّي تايه. أنا زعلان منك عشان حسستني الإحساس دا. واللي أسمعه يقول إنك مش أخويا هدخل إيدي في زوره وأخلع لسانه.
دقيقة وهو متجمد بمكانه وعيناه تتشابك برد فعل أخيه الغير متوقع. وداخله يحدثه، هل بداخله جبل من الجليد ليفقد ذلك الشعور، أم أن اختفاء أرسلان وخوفه من فقدانه أنساه أخاه الأصغر، أخاه الأصغر. رددها القلب قبل العقل. ليرفع عينيه إليه مع كفيه يمسد على رأسه:
– آسف حبيبي، انشغلت و…
قطع حديثهم دخول مصطفى. توقف ينظر إليه بمشاعر ممزوجة باللهفة والاشتياق الذي يحمله أب فقد طفله، ثم وجده فجأة، عائدًا من أعماق الغياب. اقترب منه وهناك الكثير من النظرات التي امتلأت بالكلمات حتى عجز لسانه عن نطقها. خرج صوته محملاً بكل ما لم يستطع قوله:
– إلياس. حمد الله على سلامتك.
ابتعد إلياس عن إسلام، وقلبه يخفق بين ضلوعه كطائر أخيرًا وجد عشه. اقترب من والده الذي كان يحدق به وكأنه يخشى أن يكون مجرد سراب. نظراته تحكي الكثير من القلق، عن خوف يثور، وعن شوق كاد يقتله.
– بابا. نطقها بعدما رأى حالة والده المتشعبة بالألم.
ابتسم مصطفى بارتجافة، وفتح ذراعيه يريد أن يطمئن قلبه أنه ليس حلمًا. وأردف بصوت جعله ثابتًا:
– أسبوعين يابن مصطفى، منعرفش عنك حاجة.
احتضنه إلياس بقوة، ليشعرَه بحرارة هذا الحضن الدافئ، وحرارة اشتياقه هو الآخر. فأراد أن يخفف عنه الحزن الذي ينهش بصدره، ثم قال بمزاح مختنق:
– عشان أوحشك يا سيادة اللوا، وأشوف أنا غالي قد إيه؟
ضحك مصطفى رغم مرارة شعوره، ثم ربت على كتف ابنه:
– مش لايق عليك الأفيهات يابن السيوفي، على رأي ميرو. آخرك يعينوك على منصة الإعدام.
هنا فاق من تضارب مشاعره، ليشعر بنبض يضرب بقوة داخل صدره لاشتياقه لمعذبة القلب. فراح يتلفت حوله، يبحث عنها بين الوجوه، متمنياً أن تخرج إليه بحنان ذراعيها، أن يجدها كما وجد والده. لكن الأمنيات ليست بالضرورة تتحقق.
أخرجه صوت إسلام من دوامة الاشتياق حينما قال:
– ماما قلقانة عليك، لازم تطمنها ضروري. يمكن لما تسمع صوتك تهدى.
تذكر حالة والدته التي حملته وجعًا آخر، فكم من قلب قد أنهكه غيابه؟
قالها إسلام ليقطع تكملة حديثه صوت صفية المرتعش بالقلق، قاطعًا كل شيء:
– أرسلان! فين أرسلان يا ابني؟
وصل فاروق الذي كان يهرول وكأنه يسابق الزمن، يسابق خوفه على فلذة كبده:
– اهدي حضرتك، هو جوة.
لكنها لم تدعه يكمل حديثه، بل تحركت بسرعة إلى الداخل، وفاروق يهرع خلفها، يدعو بسريرته أن يطمئن قلبه على فلذة كبده الوحيد.
ربت مصطفى على كتفه بحنو صامت، فرفع إلياس رأسه ببطء نحو والده، وعيناه مثقلتان بالإرهاق.
– روح ارتاح. وطمن مراتك هتتجنن عليك.
أومأ إلياس برأسه، ثم تراجع للخلف مستندًا إلى الجدار، كأن جسده لم يعد يقوى على الوقوف. وأطلق تنهيدة عميقة خرجت من صدره بألم ما يشعر به ثم أردف بنبرة مرهقة:
– هطمن على ماما. وأعدي على الجهاز، دلوقتي أكيد عندهم علم بكل حاجة.
تقدم مصطفى خطوة، ونظر إليه نظرة غامضة تحمل مزيجًا من القلق والتحذير:
– مالكش دعوة بالجهاز دلوقتي، أهم حاجة إنك ترتاح.
فتح فاهه للرد، ولكن قاطعهم صوت خطوات فاروق وهو يقترب بسرعة. تطلع إلى إلياس بعينين تضج بالأسئلة:
– إلياس، لقيت أرسلان إزاي؟
مسح إلياس على وجهه بكفه، ثم نظر إلى فاروق بعينين زائغتين وقال:
– إزاي المخابرات عرفوا بمكاني؟
قطب فاروق حاجبيه، وتقدم خطوة للأمام متسائلًا بارتباك:
– مش فاهم…!!
اعتدل إلياس في وقفته، ورفع رأسه كمن تذكر شيئًا مهمًا، وهز رأسه ببطء قائلاً:
– خلاص.. مفيش حاجة، ربِّنا كان معايا، والدنيا عدت على خير، المهم إننا رجعنا.
– أرسلان في غيبوبة، مضروب في صدره، وكمان في رجله. دا اللي قدرت أعرفه، لازم ننقله مستشفى عسكري.
اعترض فاروق بحزم وهو يلوح بيده:
– مينفعش.. هنا كويس، وأنا واخد كل احتياطاتي. وأمرت بنقل إسحاق هنا كمان.
اشتعل الغضب في عيني إلياس، واقترب خطوة وهو يشير بيده بقوة:
– حضرتك غلطان، حضرتك متعرفش إنهم هنا في خطر حقيقي. إسحاق باشا مضروب بالنار من عصابة. أما أرسلان.. دا دخل دولة، واضرب هناك، وانكشف لبعض الجماعات الإرهابية، وخرج بمعجزة!
اقترب حتى لم يفصل بينهما شيئًا وهمس بصوت خافت:
– دا صفى حد مهم ياباشا، وجاي تقول لي مينفعش؟! أنا حاولت أفهمك خطورة اللي بنعمله، بس حضرتك أصررت نجيبه هنا. حضرتك كده بتقدمه للموت بإيدك.
صمت فاروق لحظة، ثم رد بنبرة هادئة تخفي تحتها عنادًا شديدًا:
– أنا شاكر لحضرتك يا حضرة الظابط، بس اللي متعرفوش، إنّي كنت مظبط كل حاجة، ومجهز نزوله على مصر من زمان، واتأخر بسبب وجودك هناك. مكنش ينفع أضحي بيك، عملت كل اللي أقدر عليه علشان أوصلكم لهنا. فياريت تحترم رأيي. أنا شايف إن هنا أفضل، ومش عايز شوشرة بره، ولا ابني ينكشف للجماعات الإرهابية.
ضحك إلياس ضحكة قصيرة خاوية من الروح، ثم نظر إليه نظرة طويلة وقال:
– على أساس إنه ما انكشفش!
أشار محذرًا واستطرد:
– إحنا نزلنا مصر على أساس إنه جثة وأنا كنت مزور جواز سفري ياباشا.
حاول مصطفى إنهاء الحوار بينهما بعدما اشتدت نظرات إلياس بالغضب فأردف بنبرة هادئة:
– خلاص اهدوا انتوا الاتنين، المهم إنه رجع بالسلامة.
التفت إلى إلياس وتحدث:
– متخافش عليه ياحبيبي، فاروق أبوه وعمره ما يعرضه للخطر، وأكيد هو عنده معلومات أكتر مننا.
هز رأسه باعتراض قبل أن يتحرك مغادرًا المكان.
بعد فترة ليست بالقصيرة، وصل إلى منزله.
كانت تجلس في شرفة غرفتها، تتكئ بجسدها على الجدار، تحدق في السماء التي تزينت بالمصابيح الربانية. تلمعت عينيها بالدموع، وشحبت ملامحها من بعد حبيب الروح والجسد.
قطع وصلة انسجامها مع النجوم، صوت توقف السيارة. انتفض قلبها قبل جسدها، ولا تعلم لماذا شعرت بهذا النبض السريع. لاحت بنظرها سريعًا ظنًا أنَّه إسلام. هنا علمت لماذا ارتجف نبض قلبها، حينما رأته يترجل من السيارة يتحدث إلى إسلام ويشير له بيده، فعرفت أنه هو… إلياس.
لحظة واحدة لتهب واقفة كأن الحياة دبَّت فيها من جديد. هرولت إلى الأسفل حافية القدمين، كطفلة تركض صوب حضن والدها بعد فراق موجع. وخصلاتها التي تضرب ظهرها بقوة لهفتها. لم تفكر، لم تخجل، لم تتردد… فقط اشتاقت لحبيبها.
بالخارج صعد بضع درجات من السلم الخارجي لكنه تجمد في مكانه حين رأى باب المنزل يفتح، وهي تندفع نحوه والدموع تتساقط من عينيها فرحًا وحنينًا.
همست باسمه بصوت متهدج:
– إلياس…
نطقتها بتلهف، كأن اسمه أعادها للحياة. ثم اندفعت إلى حضنه تبكي بشهقات مرتفعة، تلف يدها حول عنقه، تمزج بين الفرح والحنين والألم.
عانقها بشوق كاد أن يحرق قلبه، وكأنه يحاول أن يعوضها عن كل لحظة غاب فيها عنها. أشار بيده للحرس أن يغادروا المكان بعدما وجدها بتلك الحالة، ثم تحرك بها ببطء، وهي متعلقة بعنقه، لا تريد أن تفلت منه، وكأن ذراعيه هما موطنها، وسكينتها، وملاذها الأخير.
دخل إلى البيت بصمت، ورائحة عطرها تملأ صدره، فتزيد شوقه واحتراقه.
أغلق الباب بقدمه، وهو يحاول جسدها. توقف خلف الباب ثم أوقفها برفق، وأمسك وجهها بحنان، يرسمها كفنان يذوب بلوحته هامسًا بحنين:
– وحشتيني…
قالها بهمس عميق ليشعرها بأنها أغلى من كل كلمات الدنيا. كلمة وحيدة جمعت معاني الاشتياق بالنسبة لهما. لم تنتظر أكثر، لترفع رأسها إليه، وقبلته بشغف.
غاص معها في تلك اللحظة، ناسيًا كل شيء. ناسيًا ما مر به، فقط يريد أن يروي قلبه المتلهف. ضعفت وخار جسدها بين ذراعيه، لم تعد تقوى على الثبات، فأمسك بكفها، وقادها بصمت إلى أعلى، دون حديث.
بلندن، وخاصة بمنزل رحيل.
دَلفت والدتها إليها، وجدتها تجلس بجوار النافذة تنظر للخارج. تقدمت نحوها تطالع ابنتها بعيون حزينة على ما صار بها. توقفت خلفها وبسطت كفيها تمسد على خصلاتها قائلة:
– قافلة على نفسك ليه من وقت مارجعتي حبيبتي؟
أزالت دموعها سريعًا، ثم اعتدلت تنظر إلى والدتها:
– مفيش حبيبتي، عندي مشروع وبفكر فيه، بحاول أجمع ميزانية كويسة علشان أرجع أقف على رجلي تاني.
سحبت مقعدها وجلست بمقابلتها وتعمقت بالنظر إليها:
– خلاص يارحيل قررتي تسيبي كل تعب أبوكي لابن راجح؟
مسحت على وجهها تزفر بألم كاد يهشمها كالزجاج، ثم تراجعت بجسدها على المقعد تنظر لوالدتها:
– ماما أنا اتنازلت عن كل ما يربطني بمصر، وأنا قلت لك ظروفي وحياتي، والحمد لله عندنا دخل كويس وعملت شراكة كويسة مع شركة محترمة. ادعي لي بس ياماما، وعايزة من حضرتك تنسي كل حاجة مرتبطة بمصر. ولو على خالو يبقى هخليكي تزوريه كل فترة بس مستحيل أرجع مصر تاني ياماما.
– طيب حبيبتي دلوقتي انتي حامل، وأبو الطفل لازم يعرف بيه. مينفعش اللي انتي ناوية تعمليه دا.
– ماما لو سمحتي. مش عايزة من حضرتك تفتحي الموضوع دا تاني، وتأكدي لو مش حرام كنت سقطته. أنا هربي ابني من غير أبوه ما يعرف، ولا عايزة أفتكره أصلًا. أرجوكي لو بتحبيني بلاش تفتحي الموضوع دا تاني.
قالتها ببكاء فتت قلب والدتها، لتقترب منها وتجذبها لأحضانها تمسد على ظهرها بحنان أمومي:
– حاضر حبيبتي، بس خايفة عليكي من المسؤولية الكبيرة دي. انتي لوحدك يابنتي، والدنيا مابترحمش.
ارتفع بكاؤها تدفن نفسها بأحضان والدتها:
– أنا تعبانة ياماما، قلبي مولع نار، نفسي أرتاح من كل دا، نفسي أرجع زي زمان، ليه الدنيا ظلمتني أوي كدا.
أخرجتها والدتها من أحضانها واحتضنت وجهها:
– حبيبتي يابنتي اسمعيني كويس، انتي لسة صغيرة ولسة ياما هتشوفي. أنا معرفش إيه اللي حصل بينك وبين جوزك، بس قلبي بيقولي إنه ابن حلال، بغض النظر على اللي عمله بس هو فيه بذرة كويسة.
ابتعدت عن أحضان والدتها وأزالت دموعها متوقفة:
– ربنا يسهله ياماما، بس أنا خلاص مبقاش ينفع أرجع له أو أتقبله في حياتي. بعد إذنك هدخل آخد شاور عشان عايزة أنام عندي ميتنج الصبح بدري.
توقفت والدتها تهز رأسها وأردفت:
– حاضر حبيبتي، أنا هصلي القيام وأقعد أقرأ شوية في المصحف لو احتجتي حاجة عرفيني.
بمنزل زين الرفاعي.
كانوا يجلسون يتناولون العشاء، رفع زين رأسه إلى إيلين التي تتلاعب بطعامها دون أن يمسُّه فمها:
– إيلين مابتأكليش ليه حبيبتي؟
تطلعت إليه بعدما وضعت شوكتها:
– خالو ليه بابا اتجوز سهام؟ اللي أعرفه إنه كان متجوز ماما بعد قصة حب.
جذب زين محرمته ومسح فمه ثم نهض من مكانه وعيناه على آدم:
– خلص أكل واجهز عشان هنروح نشوف عمتك فريدة. عرفت إن ولادها رجعوا بالسلامة.
أومأ له دون حديث، خطا زين إلى مكتبه تبعته إيلين بعدما أمرت الخادمة بجلب قهوته.
جلس خلف مكتبه وأشار إليها بالجلوس، جلست بمقابلته وانتظرت حديثه. فتح درج مكتبه وارتدى نظارته يقلب بين أوراق خزنته، ليصل إلى ورقة وضعها أمام إيلين:
– اقرأي الورقة دي وإنتي تعرفي ليه باباك اتجوز على مامك.
قرأت ما يدون بالورقة، رفعت عينيها قائلة:
– مش فاهمة حاجة، دا عمو جمال جوز طنط فريدة.
أومأ لها ثم نهض من مكانه وجلس على الأريكة يشير إليها أن تقترب؛ جلست بجواره ليقوم بقص ما صار قديمًا:
– جمال كان بيحب فريدة، وكان له صديق وأمك الله يرحمها كانت شايفة في صديقه فتى أحلامها. جدك حس بنظرات والدتك للراجل دا. في الوقت دا أبوكي كان له مركب صغيرة وقال لجمال إيه رأيك تبيع مركبك وأبيع مركبي ونشتري واحدة كبيرة، والرزق بالنص. جمال رفض الفكرة في الأول، لأنّه كان بيدرس وبيشتغل يصرف على نفسه وعلى كليته. المهم راح حكى لجدك، جدك كان مبسوط من حماس أبوكي أوي، والصراحة أبوكي كان شاطر وبيعرف يجيب القرش كويس. جمال خلص كليته واهتم بمحل أبوه والرزق بقى حلو معاه، بس في ليلة واحدة صحي من النوم لقي المركب بتاعته ولعت.
زعل عليها أوي، جدك وقتها وقف معاه وكمان أبوكي. أنا كنت في آخر سنة وعمال أزن على جدك عشان أسافر أكمل تعليمي بره، وكان جدك له صاحب ابن حلال وفضل يقول له هو فيه حد يبقى عنده ولد في كلية هندسة وشاطر كدا وماتسفروش. المهم أقنع أبويا في الوقت دا، وبدأت أجهز ورقي.
سحب نفسًا وذكرى الماضي ترواده واستأنف:
– أبوكي وقف مع جمال لحد ما اشتروا مركب كبيرة والدنيا مشيت معاهم كويس، بس صاحب جمال دا مكنش عجبه فكرة الشراكة بينهم، وفضل يوقع بينهم. فاكر قبل سفري بيوم. جدك بعت لي وقال لي جمال طالب إيد فريدة إنتَ إيه رأيك؟
– قلت له جمال راجل يابا، والراجل اللي يعرف ربنا ميتخافش منه. سألني يعني أمشي على خيرة الله، قلت له لو هي موافقة وافق، بس وقتها قال لي طيب أختك نورا عينها من صاحبه، وأنا الواد دا مش مرتحله، أنا ضحكت وقولت له نورا إيه دي يابا دي لسة في أولى ثانوي، وسمير كبير عليها الفرق بينهم مش أقل من ثمان سنين، لا دي عيلة ومع الوقت هتنسى. المهم سافرت على طول بعد خطوبة جمال وفريدة، ومرت السنين وجدك مات وأنا نزلت بعد موته، فريدة كانت متجوزة في الوقت دا وحامل، ووقتها مامتك كانت في أولى جامعة، وعرفت إن أبوكي عايز يتقدملها. أنا رفضت في البداية عشان هو كان معاه دبلوم، وأمك تعليمها عالي. المهم سافرنا أنا وهي وخالتك. في الوقت دا كنت عملت قرشين كويسين، واتعرفت على مالك العامري، عرض عليا شراكة وعملنا شركة صغيرة وربنا كرما والشركة كبرت، واتعلقت بأخته، واتقدمت لها، بس هي شرطت عليا نعمل الفرح في مصر. نزل مالك قبلنا بكام شهر واشترى البيت دا، وأمك نزلت كملت تعليمها في القاهرة، ومعرفش قابلت محمود فين تاني، وإيه اللي حصل بينهم، لقيته جاي لي في الشركة وبيطلبها مني تاني، بس المرة دي والدتك وقفت في وشي وقالت لي هتتجوزيه. اضطريت أوافق لما شوفتها متمسكة بيه. عدى سنتين من جوازهم وكانت الدنيا بينهم حلوة، وأنا سافرت كام سنة ولما رجعت شوفت الحياة الوردية اللي كانت بينهم ضاعت، بس أمك ما كانتش بتحكي حاجة، ومرت سنين كتيرة لحد ما رجعت واستقريت هنا وعرفت اللي حصل لجمال وطبعًا الباقي إنتي عرفاه. بس قبل ما والدتك تموت بكام سنة حصل خناقة كبيرة في بداية تعبها، وقتها عرفت إن محمود لقي الورقة دي في كتب أمك، وطبعًا الجواب كله حب وعشق زي ما إنتي قرأتيه كدا. محمود أخدها على رجولته إزاي تتجوزيني عشان تنسي واحد تاني، وأقسم ليدوقها الويل.
– بس ماما إزاي تعمل كدا؟ والجواب دا عمو جمال شافه؟
– الجواب دا فيه حاجة معرفتش أوصلها، ليه هي كتبته لجمال، وإيه اللي حصل بين سمير وجمال؟ أنا معرفش بس اتفاجأت من كلام والدتك وهي بتقول لي اسأل جمال. يعني تفتكر عمو جمال عرف حاجة عن صاحبه دا وهو السبب، أنا مش فاهمة حاجة.
– معرفش لأن جمال مات، ومتقابلناش، ولما نزلت السويس عرفت إن سمير دا بقى غني أوي، بس زي ما جدك قال عليه زمان، مشيته كان غلط، وفعلًا كان هربان من الحكومة. فيه اللي يقول كان بيتاجر في المخدرات، وفيه اللي يقول لا دا كان بيمول سلاح وبيتاجر في الأعضاء، بس اللي متأكد منه بعد اللي حصل دا. إن الراجل دا هو السبب في اللي حصل لجمال.
نظرت إلى الورقة وبدأت تعيد قراءتها، ثم رفعت عينيها إلى زين:
– يعني بابا عرف إنه هو اللي كان مقصود إنها هتتجوزه عشان تنسى سمير دا؟
– للأسف أه، عشان أبوكي كان بيحبها جدًا، ورفض الجواز، بس لما قرب منها واتجوزوا عرف إنها كانت بتحب سمير.
– خالو أنا مبقتش فاهمة حاجة، إيه الحوارات دي كلها!!
هز رأسه ممتعضًا وأردف قائلاً:
– وسهام كانت بنت مرات أبو سمير.
برقت عينيها تطالعه بصدمة:
– يعني إيه؟ أوعى تقول لي كانت بتحب بابا عشان كدا اتجوزته تنتقم منه ومن ماما؟
نهض من مكانه متجهًا نحو مكتبه:
– حبيبتي ماتشغليش نفسك بالماضي، حاولي ماتسأليش، قومي شوفي جوزك عشان لازم نخرج وجهزي نفسك، عايزك تقربي انتي ومريم من عمتك فريدة، هي كويسة جدًا، غير اللي راجح قاله زمان عليها.
– ماما برضو مصدقتش ولا كلمة.
ربت على كتفها وأشار إليها بالخروج.
مرت أسابيع ثقيلة، لم يتغير فيها شيء سوى استعادة إسحاق بعضًا من عافيته، لكنه ما إن علم بما حدث لأرسلان ليشعر بزيادة آلام أقوى من آلام المرض. حاول النهوض رغم تحذير الأطباء ولكنَّه لم يستمع لتحذيراتهم. نهض بصعوبة من سريره رغم آلامه، وكأن أبوته وحدها هي التي تقوده للوصول إلى أرسلان.
ساعدته دينا والممرضات في الوصول إلى غرفة فلذة كبده. دلف إلى الداخل، وقعت عيناه على غرام، التي كانت تغفو على المقعد بجوار السرير. دقق النظر بملامحها الشاحبة، وعيناها المتورمتين من البكاء حتى حاولت الهروب منه بالنوم. نزل ببصره على بطنها التي بدأ يظهر عليها آثار الحمل.
شعرت بدخول أحدهم، فانتفضت متأوهة. رفعت رأسها بسرعة، وحين رأته تجمدت في مكانها، كأن رؤيته أعادت الأمل.
رددت اسمه بدموع تهوي على وجنتيها بلا توقف، خنقت شهقتها وهي تهمس بصوت متهدج:
– عمو إسحاق..!
رفع إسحاق نظره إلى دينا، مشيرًا إليها أن تدفع كرسيه للاقتراب من السرير. ورغم أن الحركة كانت تؤلمه، لكن الوجع الأكبر كان ذاك الذي يتمدد على الفراش كالجثة الهامدة. هنا شعر بقلبه يعصف كنيران متأججة. دنا من أرسلان، ثم التفت إلى غرام وأشار إليها أن تقترب.
خطت نحوه ببطء، تشعر بأن قدميها مقيدتان بثقل الحزن، ودموعها لا تزال تنساب بلا إرادة منها. اقتربت أكثر، حتى باتت قريبة بما يكفي لرؤية الألم المنعكس في عينيه. رغم ما يشعر به إلا أنه رسم ابتسامة واهنة، بعينين تلمعان بالرجاء، ثم همس بصوت مبحوح:
– هيفوق.. متأكد من كده.
شهقت غرام، تضع كفيها المرتجفتين على فمها، وابتعدت قليلًا كأنها تخشى أن تمنحها كلماته أملًا يخونها.
أما إسحاق، فقد أخذ كف أرسلان بين يديه، ضمه بقوة، ثم رفعه إلى شفتيه، يطبع عليه قبلة عميقة، وكأن قبلته رجاء خاص يرجوه أن يعود، ليهمس بخفوت وقلب يئن:
– حبيبي.. ألف سلامة عليك.. يا ريت أنا اللي كنت مكانك.
انفجر بكاؤه كعاصفة اجتاحت حصونه التي ظنها منيعة. لأول مرة أمام دينا، التي رأت تهاوي الرجل الذي لم ينحن يومًا، الرجل الذي لم يعرف للضعف طريقًا، لكنه الآن مجرد أب تخلت عنه قوته، ينهار أمام ابنه المسجى، يراقب حياته تتسرب من بين يديه كحفنة رمل تتسرب من بين أنامله.
شهق شهقة مكتومة، والألم يسحق صدره، يشعر بأن الضلوع تضيق على قلبه في محاولة لكتم نحيبه، لكنه لم يستطع. استند بكفه يتألم، ليصل إلى جبينه، ولكنَّه سقط على ركبتيه بجوار السرير، لترتفع شهقاته. اقتربت دينا وغرام سريعًا منه، ولكنَّه أشار لهما بالابتعاد، ثم بسط يديه وأمسك بيد أرسلان الباردة، ضممها إلى وجنتيه ودموعه تتساقط فوقها كرجاء أخير.
– أرسلان.. حبيبي آسف ياحب عمك، كنت عارف الموضوع صعب، وعارف حياتك هتكون في خطر ورغم كدا بعتك هناك. حبيبي متعملش فيا كدا، يالَّه حبيبي فوق، عمك هيموت من غيرك، لسة فيه حاجات كتير عايز نعملها مع بعض.
دَلفت فريدة يجاورها إلياس، ولكنها توقفت في مكانها، كأن الزمن قد توقف من حولها. ترى ذلك المشهد بقلب مضطرب وعينين غارقتين في الدموع. هل هذا اسحاق الذي كان يهددها، الآن هو جاثيًا على ركبتيه بجوار ابنها، الرجل الذي يهابه الجميع، الرجل الذي لم يُرَ يومًا إلا واقفًا شامخًا، صلبًا كالصخر، يركع الآن بقلب خاضع منكسر بحزن أمام صغيرها.
تسارعت أنفاسها وهي تراقب تلك اللحظة التي لم تكن تحلم برؤيتها، لحظة سقطت فيها الأقنعة وظهر الوجه الآخر للرجل. الذي اعتقدت يومًا أن الرحمة لا تعرف طريقًا إليه. امتلأت عينيها بالدموع، لكنها لم تكن دموع خوف أو صدمة، بل كانت دموع امتنان، دموع أم رأت لطف الله يتجلى أمامها في أبسط صورة وأعمقها في آن واحد.
خطت خطوة بالقرب منهما، وقلبها يعتصر بين الألم والدهشة. رفعت يدها المرتعشة تغطي فمها، كأنها تمنع شهقة كادت تفلت منها، وهي تستمع إلى رجاء وتوسلات إسحاق لابنها، صغيرها الذي لطالما خشيت عليه من بطش الزمن، ها هو اليوم ينال حنانًا من رجل لم تكن تظن أنه يملكه.
تذكرت الليالي التي أمضتها تدعو الله بحماية أولادها، أن يضع في طريقهم من يخشى عليهم كما تفعل هي. واليوم. ترى الإجابة أمامها، في مشهد لم تكن تتخيله حتى في أعمق أحلامها.
بصوت مرتعش، بالكاد استطاعت أن تهمس:
– سبحانك ربي.. كم أنت رحيم بعبادك!
نظر إليها إلياس، كأنه قد وجد نفسه في انعكاس دموعها. لم يقل شيئًا، لكنه كان يعلم أن الله أحن على عبده من الأم. نعم عزيزي القارئ.
فحب الله لعباده ورحمته بهم لا حدود له، وهو أقرب إليهم من أنفسهم، يسمع دعاءهم، ويعلم خفايا قلوبهم، ويغفر زلاتهم إذا تابوا.
قال تعالى: "ونحن أقرب إليه من حبل الوريد". فالله أقرب إلينا بعلمه ورحمته، فلا يحتاج العبد إلى وسيط بينه وبين ربه.
ومن رحمته أنه يفتح أبواب التوبة في كل لحظة، يقول النبي ﷺ: "إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل" (رواه مسلم).
إذا ضاقت بك الدنيا، فاذكر أن الله معك، يسمع أنينك، ويرى دموعك، ويرحم ضعفك، ويفرج كربك. فهو الرحمن الذي لا تتبدل رحمته، وهو الغفور الذي لا ينفد عفوه، وهو الودود الذي يحب عباده أكثر مما يتخيلون.
اللهم اجعلنا من الذين يحبونك ويأنسون بقربك، ولا تحرمنا لذة مناجاتك ورحمتك الواسعة.
اقترب منه إلياس يربت على كتفه، ثم ساعده بالجلوس على مقعده، لم يقل شيئًا سوى:
– رجعوني أوضتي.
قالها ليدفع المقعد إلياس، بينما اقتربت غرام من فريدة تبكي بشهقات مرتفعة. ضمَّتها فريدة تمسد على ظهرها بحنان أمومي قائلة:
– أرسلان هيفوق صدقيني، عمره ربي ماخذلني، أنا واثقة في رحمة ربي حبيبتي، ادعي وقولي يارب عبدك بين رحمتك، فارحمه، ماهو إحنا عايشين برحمة ربنا، ربنا أحن على عبده أكتر من أي حد.
قالتها بشرود ومشاهد الماضي من خطف أبنائها تمر أمام عينيها.
عدة أيام أخرى والوضع كما هو.
ذهب إلياس إلى عمله، وقلبه مثقل بالهموم، وكأنه منشطر نصفين بين ألم أمِّه الساكنة بجوار أرسلان، وغضبه المكبوت تجاه كل ما يجري حوله. ثلاثة شهور وأرسلان لا يزال في غيبوبة، محنة لا يعلم إن كانت ستنتهي أم لا.
زفر بضيق وهو يركن سيارته أمام عمله، نزل منها بخطوات مثقلة، وكأن الأرض تلتصق بقدميه، لا يريد أن يصاب بفراق أخيه.
وصل إلى مكتبه وباشر عمله محاولًا الالتهاء بقضاياه، ورغم انشغاله، لكن عقله ظل معلقًا بحالة أرسلان. قطع شروده رنين هاتفه الحاد، نظر إلى الشاشة بجمود قبل أن يجيب بلهجة مقتضبة:
– خير؟ في حاجة؟
أتاه صوت أحد رجاله مترددًا:
– مدام رانيا مش مبطلة تخبيط على الباب من الصبح، ومن امبارح رافضة الأكل خالص.
أغمض عينيه للحظة، لكن سرعان ما اكتسى وجهه بجمود قاسٍ. فرك جبينه بتوتر قبل أن يتمتم ببرود متصنع:
– خلِّيها تموت، مش ناقص قرف على الصبح.
قالها وهو يغلق الهاتف بعنف، ثم التقط هاتفًا آخر واتصل بأحد رجاله:
– إيه آخر أخبار راجح؟
أتاه الرد سريعًا:
– مفيش يا باشا، بيبني مصنع جديد للمجمدات، من الشغل للبيت، والخدامة بتقول إنه بقى قليل الخروج جدًا، عكس الأول.
قبض إلياس على القلم في يده بقوة حتى كاد ينكسر، أخذ نفسًا عميقًا وأردف بحزم:
– فتح عينيك كويس، أي خبر حتى لو تافه عايز أعرفه.
أنهى المكالمة وألقى الهاتف على المكتب، ثم أسند ظهره للكرسي وحدق في السقف بشرود. همس لنفسه بسخرية مريرة:
– يا ترى بترتب لإيه يا راجح؟ هل هتسمع كلام ابن الدمنهوري وتقتلني، ولَّا أخيرًا هتعمل حاجة صح في حياتك؟
قاطعه طرقات على الباب ليدخل شريف دون انتظار إذن، متوجهًا إلى مكتبه وجلس قبالته وهو يسأل باهتمام:
– أرسلان عامل إيه؟
هز إلياس رأسه، ومسح على وجهه بتعب ورد بصوت خافت:
– زي ما هو، مفيش جديد.
لم يعلق شريف، لكن الحزن في عينيه كان كافيًا، وكأن الكلام صار بلا فائدة. اعتدل في مقعده وحدق فيه بحدَّة وأصدر أمره:
– عايزك تنقل طارق الشافعي في حبس منفرد، وممنوع زيارات، حتى من راجح نفسه.
تجعَّد جبين شريف بقلق وهو يسأل مستنكرًا:
– ليه؟
نظر إليه بجمود وقال بصرامة قاطعة:
– من غير ليه، نفذ وبس.
اكتفى بإيماءة صغيرة ونهض مغادرًا، تاركًا إلياس ليعود إلى عمله وهو يهمس لنفسه:
– لما أشوف أخرتها معاك إيه ياعمي.
بعد عدة ساعات عاد إلياس إلى فيلا السيوفي، بدا عليه الإرهاق رغم محاولاته الصارمة لإخفائه. دلف إلى الداخل وجد ميرال بانتظاره، تطلعت إليه بعينين تنبضان بالقلق، من وقفتها وتوترها الواضح.
رفع حاجبيه متسائلاً بحذر:
– خير.. رايحة فين؟
ردت بعينين مليئتين بالغضب والضيق:
– عايزة أروح لغرام. ماما كلمتني وقالت إنها تعبت، وإسحاق أجبرها على مغادرة المستشفى.
شهقت وهي تحاول تهدئة أنفاسها، وتابعت بصوت مختنق بالاستنكار:
– انهارت طبعًا، مش عايزة تسيب جوزها. إزاي يعمل كده؟!.. إزاي يبعدها عنه وهو في الحالة دي؟!
نظر إليها إلياس بصمت لوهلة، ثم زفر ببطء، يحاول امتصاص ثورة غضبها:
– اطلعي غيَّري هدومك. مفيش خروج.
قالها بصوت منخفض لكنه حازم بجملة لا تحتمل النقاش. واستطرد بوضوح:
– كويس اللي إسحاق عمله. ثم تابع ببرود، متجاهلاً رعشة الغضب التي بدأت بالوضوح على ملامحها:
– لازم يأمن المستشفى كويس. أرسلان دلوقتي مكشوف لناس ما كانش ينفع يظهر قدامهم. فكده أحسن، كفاية عليه خوفه على أرسلان، ميبقاش الاتنين.
فتحت فمها بدهشة، تكاد لا تصدق ما تسمعه، ثم ضاقت عينيها بانفعال وهي تهتف:
– أكيد بتهزر؟!..
حدقها بنظرة قاتلة كانت كافية لصمتها. لكنها رفعت ذقنها بتحد، محاولة أن تكبح رعشة الغضب في صوتها:
– غرام مش بخير. كلمتها عشرين مرة وما بتردش!! ملك قالت لي إنها منهارة، بتعيط ومش قادرة تستوعب اللي بيحصل. إزاي توافق إنه يبعدها عن جوزها بالقوة؟
توقف في منتصف خطواته، واستدار إليها ببطء، يطالعها بنظرات تدل على رفضه القاطع بملامحه الجامدة، ورد بنبرة لا جدال بها:
– ولو قولت لأ؟ هتعارضيني ياميرال؟
همست بارتباك، وصوتها ينخفض رغمًا عنها:
– إلياس.. مش قصة معارضة، دي غرام!! مش هقدر أسيبها لوحدها في اللي هي فيه.
قالتها وهي تستجديه بعينيها للحظة، لكنه لم يكن رجلًا يُقاد بالعاطفة. ظل يتابعها بنظرات صامتة.
تقدمت نحوه خطوة أخرى، أمسكت بكفيه بين يديها، نظرت إليه بتلك بنظرة مشوبة بالرجاء:
– حبيبي، اسمعني.. خدني معاك، لما تروح لأرسلان، عدي بيا على غرام. أطمن عليها، وبعدها نرجع سوا.
شيء ما في ملامحه تغير، لكنه لم يكن ما تمنت. نظر إلى كفيه المحصورين بين راحتيها:
– حبيبك.. طيب ياروح حبيبك أكيد مش هغير كلامي، وبلاش شغل المراهقين دا، إحنا مش في أوضة النوم.
قالها مبتعدًا يسحب كفيه، واستأنف حديثه:
– بكرة هوديكي بس دلوقتي صعب أوي تمام.
قالها وصعد إلى غرفته دون إضافة شيئًا آخر. توقفت تطلع إلى صعوده بقلب مضطرب، شعرت بما يشعر به. نعم هي تعلم أنَّه تحمل فوق طاقته. جلست لبعض الدقائق تسحب أنفاسها عدة مرات حتى تتحكم في موجة غضبها، ثم نهضت متجهة إليه.
دَلفت للداخل بخروجه من الحمام متوجهًا إلى غرفة ثيابه. تقدمت نحوه تفرك كفيها والكثير من الكلمات تتوقف على شفتيها، لا تعلم أهي كلمات عتاب أم رجاء أم غير ذلك. توقفت خلفه مباشرة تهمس اسمه بخفوت متقطع.
جذب كنزه مستديرًا إليها وأشار بسبَّابته:
– ميرال أنا تعبان ومش قادر أجادل، هتسبيني أرتاح شوية ولَّا أروح المستشفى.
تحركت إلى أن التصقت بجسده تلف ذراعيها حول خصره، ووضعت رأسها بأحضانه:
– آسفة عارفة ضغطت عليك بكلامي، بس واللهِ غرام صعبت عليَّا مش أكتر، وإنتَ عارف أختها صغيرة غير إنها عايشة بعيد جدًا عن أهلها، حسيت بوحدتها وحبيت أخفف عنها، بس بدل انتَ شايف مينفعش خلاص مش هروح.
رفع كفيه فوق خصلاتها يمسدها، ثم طبع قبلة فوقها وأردف:
– أنا كمان اتعصبت عليكي، متزعليش مني، حقيقي محتاج أنام ساعتين مش قادر أصلب طولي.
رفعت رأسها وطبعت قبلة على وجنتيه، وابتسمت تنظر إليه بعيون لامعة بعشقه قائلة:
– ارتاح وأنا هنزل أعمل لك الغدا بإيدي، وكمان أجهز حاجة لماما فريدة.
احتضن رأسها مغمض العينين وتحدث:
– مش عايز آكل ولا عايز حاجة غير أنام وبس، وأتمنى مراتي هي اللي تنيمني.
سحبت كفه وتحركت إلى السرير، ثم أشارت إلى المنشفة:
– هتنام بالفوطة، يالَّه البس هدومك، وأنا هغير وأرجع لك.
قالتها وانسحبت متجهة نحو خزانة ثيابها، دقائق معدودة حتى عادت إليه وجدته غارقًا بنومه، اقتربت تجذب الغطاء فوقه بعدما نظرت إلى حرارة المكيف، ثم دثَّرت نفسها بأحضانه تضع رأسها على صدره محتضنة ذراعيه:
– ربنا يخليك ليا يارب.
قالتها ثم قبَّلت وجنتيه. ظلَّت بجواره لبعض الوقت، بعد فترة نهضت متجهةً إلى المطبخ لإعداد وجبة طعامه.
بمنزل يزن.
جلس على طاولة الطعام ينظر إلى أخته التي تتلاعب بالطعام، حمحم وهو يلوك طعامه:
– كريم كلمك النهارده؟
هزت رأسها ثم رفعت عينيها إلى أخيها الأصغر:
– معاذ عايز يقدم في النادي لتدريب الكرة، وقال لي أقول لحضرتك.
مضغ طعامه، ثم تطلع إلى أخيه وتمتم:
– أشوف نتيجتك الأول، لو كويسة هقدم لك في النادي، أما لو ماقفلتش انسى حتى اللعب في الشارع.
اتجه إلى أخته:
– عاملة إيه في الكلية؟
– كويسة الحمد لله.
هز رأسه عدة مرات، وما زال يتابع هروب عينيها ليهتف مرددًا:
– زعلانة ليه من كريم؟
رسمت الذهول ثم جذبت الخبز متصنعة انشغالها بالطعام.
قطب جبينه من صمتها فأردف متسائلًا:
– أنا اللي أجلت الخطوبة السنة دي، أولًا خال كريم اللي اتوفى، ثانيًا حالة أرسلان، ثالثًا والأهم عايزك تاخدي سنتين على الأقل في الكلية، لأنّي متأكد وقت ما كريم يكتب كتابه هيقول عايز يتجوز، ومش هقدر أقول له لأ. فهمتي قصدي؟
فركت كفيها تهز أكتافها باعتراض:
– أنا مش زعلانة عشان كدا، مين اللي قال لك الكلام دا؟
– كريم.
جحظت عيناها تطلعه مصدومة بما فعله كريم، نهض من مكانه:
– اعملي لي شاي وتعالي على أوضتي عايز أتكلم معاكي شوية، وانتَ يامعاذ اطلع العب شوية مع أصحابك. لما أخلص كلامي مع أختك عشان تيجي معايا المستشفى.
مرت أيام أخرى، والحال كما هو.
أرسلان لا يزال غائبًا، معلقًا بين الحياة والغيبوبة.
بـغرفة فريدة.
تجمع أولادها حولها في المستشفى، يحاولون التخفيف عنها، وكلٌّ منهم يخفي وجعه خلف ابتسامة باهتة.
وفي المساء دلف زين برفقة آدم وإيلين، وجوههم مشبعة بالشوق والقلق.
اقترب زين الذي يطالعها بنظرة حزينة، ينطق بصوت دافئ:
– حمد الله على السلامة يافريدة.
ابتسمت له ابتسامة واهنة، وكأنها تجاهد لتظهر قوتها:
– الله يسلمك يابن عمي.
تقدم مصطفى من خلفهم، احتضن كف زين برفق، ثم تنحى جانبًا ليترك المجال لإيلين.
اقتربت إيلين واحتضنت فريدة بحنان، وهمست بقلب مفعم بالحب:
– ألف سلامة عليكي يا عمتو. الحمد لله إنك عدتي الأزمة، إحنا جينا لحضرتك قبل كدا، بس الدكتور كان مانع الزيارة، أنا اتكلمت مع الدكتور، طمني الحمد لله، بس بجد، لازم تاخدي بالك من نفسك، قلبك مش ناقص وجع أكتر من كده.
تكوَّرت الدموع في عيني فريدة، ولم تستطع الرد سوى بهمسة مبحوحة:
– تسلميلي يا حبيبتي.
ثم لاحظت بطن إيلين المنتفخة قليلًا، فذهبت ببصرها نحوها وربتت على كفيها المتشابكتين فوقها، وهمست بدهشة دافئة:
– إنتي… حامل؟
قاطعهم آدم وهو يسحب مقعدًا ليجلس بجانب فريدة:
– عاملة إيه ياعمتو، إنما اللي بيتحجز في المستشفى بيحلو كدا.
شقت شفتيها ابتسامة، لترفع عيناها إلى زين:
– آدم فيه كتير منك يازين.
أومأ زين برأسه قائلاً:
– عشان كدا هيسمي ابنه زين.
نقلت فريدة بصرها إلى إيلين قائلة:
– مبروك ياحبيبتي؟
ابتسمت إيلين ابتسامة خجولة، ودمعة فرَّت من عينيها:
– الله يبارك فيكي عقبال ما تفرحي بابن أرسلان يارب.
هنا لم تقوَ فريدة على كبح دموعها، وبكت بحرقة، قائلة من بين بكائها:
– ربنا يتمملك على خير يا بنتي. وتفرحي بيه، وتعيشي اللي محروم منه قلبي.
اقترب زين، ووضع يده على كتفها:
– إن شاء الله أرسلان هيقوم. ويحضر كل لحظة حلوة جاية، أنا واثق من كدا.
رد مصطفى بيقين:
– وأنا متأكد من كدا.
ساد صمت مليء بالرجاء، قبل أن تهمس فريدة:
– كلمته كتير يامصطفى، وهو مش حاسس بيا، قلت أروح له أشكي له وجع قلبي يمكن يسمعني، يمكن قلبه يرد عليَّ ويفوق لما يعرف أمي هتموت عليه.
قاطعتها إيلين وهي تمسك يدها:
– هو أكيد سامعك. والأمل جواكي هو اللي هيصحيه، إن شاء الله ياعمتو هيفوق.
– تفتكري بعد الوقت دا كله هيفوق. قالتها فريدة توزع نظراتها بينهما.
ساد الصمت في المكان لوهلة بعد كلماتها التي لامست قلوب الجميع، وامتزجت نظراتهم بالحزن، وارتسمت على وجوههم علامات الشجن، حتى قاطعهم دخول إلياس بهدوء مرسوم رغم ثقل تحرك قدميه.
دلف ولكن ليس كطبيعته كأنه يجر ساقيه رغمًا عنه. تجول بنظره بينهم، ثم قال بصوت خافت:
– مساء الخير…؟
لمعت عينا فريدة ببريق لامع، رغم انطفائها منذ سفر أرسلان، تلاقت نظراتها بإلياس، فبادرته بهمسة دافئة اختلط فيها الحب بالحنان الأمومي:
– مساء النور عليك… يا حبيبي.
أوقف آدم وزين حديثهما مع مصطفى ليردا التحية، اقترب إلياس وجلس بينهم.
أما ميرال اتجهت إلى فريدة وانحنت تطبع قبلة حنونة فوق جبينها:
– عاملة إيه النهارده يا ست الكل.
لم ترد على ميرال ولكن عيناها كانت تتأمله كأنها تخشى أن يختفي مثل أخيه. شعر إلياس بثقل تلك النظرات، فابتسم بخفة ونهض يقترب منها، ثم مد يده نحو كفها برفق، وهو يقول مازحًا:
– لحظة ياميرال، عشان مدام فريدة راجعة تاني بنظرات السهوكة دي.
ضحكت ميرال رغم الألم، ونظرت إلى فريدة ممازحة:
– لو ما قالش “مدام فريدة” يبقى ابنك أكيد عيان.
تشابكت أصابعها بكفه، ثم نظرت إليه بعمق، وتمنت أن تضمَّه، علَّها تجد به رائحة أخيه، ولكن خاب تمنيها حينما جلس بجوارها وتحدث بنبرة ثابتة علَّه يخرج حزنها:
– مش لايق عليكي الرقدة دي، إحنا عدينا الليفل دا، يعني دا كان زمان عشان تتأكدي إننا خايفين عليكي، دلوقتي ليه الضعف والبؤس اللي حضرتك بتحاولي تبينيهم!!
– إلياس إيه اللي بتقوله دا؟… نطقتها ميرال بنبرة غاضبة، ولكنَّه لم يهتم ومازالت نظراته صوب فريدة وتابع مستطردًا:
– فريدة السيوفي مش ضعيفة للنوم دا، لازم تقف على رجليها.
قاطعته عندما ألقته بسؤالها الذي جعله عاجزًا عن الرد:
– لما رحت لأخوك… كان زي ما هو، يعني انتَ ما اتكلمتش معاه؟
قالتها بانسياب دموعها. صمت لبعض اللحظات. ودارت نظراته بالغرفة يتهرب من النظر لدموعها التي أضعفته، حتى وقعت عينيه على مصطفى وزين اللذان كانا منشغلان بأحاديثهما الجانبية، لف وجهه بعدما علم بثقل كلماتها عليه، ثم تساءلت مرة أخرى:
– مش بترد على أمك ليه يابن جمال؟ انتَ مفكرني مش حاسة بيك.
انحنى ليطبع قبلة دافئة فوق جبينها، وقال بصوت مكسو بالأسى:
– ماما… أرسلان اتصاب قبل ما أسافر، يعني لا أنا شفته… ولا هو شافني.
هزت رأسها بدموعها قائلة:
– قلت لك قلبي وجعني عليه، بس انت قلت إيه وقتها، بطلي ترسمي الدور، قولي أعمل فيك إيه دلوقتي.
– اللي انتي عايزاه.
لفظها متوقفًا ثم توجه بنظره إلى زوجته:
– عندي شغل مهم، ماتخرجيش من غير حراسة، وخلِّي بالك من يوسف.
قالها واستدار معتذرًا من الجالسين وغادر المكان.
نهض مصطفى بعدما شعر بالأسى بخطواته، واتجه إلى فريدة وميرال:
– إلياس مشي ليه؟
ضغطت ميرال على شفتيها تمنع دموعها، الآن شعرت بكم الألم الذي يحمله فوق طاقته. هزت رأسها قائلة:
– هشوف النانا برة مع يوسف.
قالتها وتحركت سريعًا خلفه علَّها تلحق به.
بالخارج وصل إلى سيارته فتحها ولكنَّه توقف حينما استمع لصيحاتها باسمه:
– إلياس.
تلتفت ظنًا أن بها شيئًا. ولكنَّها هرولت إليه ولم تكترث لوجود بعض الأشخاص وألقت نفسها بأحضانِه تهمس إليه:
– متزعلش من ماما، عارفة أنا ضغطت عليك من شوية وكمان ماما.
تراجع يُخرجها من أحضانه بعدما وجد النظرات مصوبة عليهما ثم تحدث:
– مش زعلان. خلِّي بالك منها، وعدي على أرسلان، رحت أشوفه لقيت طنط صفية هناك، اتحرجت، يبقى ألقي نظرة عليه، وخلِّي بالك من الممرضات متثقيش في أي مخلوق.
أومأت له وتراجعت للخلف.
بفيلا راجح.
دَلفت الخادمة إليه مردفة:
– زين باشا برة عايز يقابلك ياباشا.
لوَّح بيده بالانصراف دون حديث ثم أغلق حاسوبه ينظر بغموض:
– ياترى إيه اللي جابك يازين بعد خناقتك الأخيرة معايا؟
نهض من مكانه وتحرك للخارج وجده يقف ينظر للحديقة، اقترب منه قائلاً بنبرة تشوبها الغرابة:
– زين واقف برة ليه، إيه خلاص بنيت عداوة معايا ومش عايز تدخل؟ ماهو راجح بقى الوحش في العيلة، بعد ما صدقت مرات جمال ومشيت ورا كلامها.
استدار إليه زين يرمقه بنظرة غاضبة:
– راجح ماتستخفش بزين، أنا جاي أسأل سؤال وتجاوب عليه.
اقترب يحدجه بنظرة نارية واستطرد:
– فين رانيا، وإزاي تدفن أختي من غير ما أشوفها. إيه البجاحة اللي انتَ فيها دي؟
قطب جبينه يردد جملته، ثم تراجع يضع كفوفه بجيب بنطاله. ويلتفت بنظراته بجميع الاتجاهات قائلاً:
– إيه، كنت عايزني أسيب الجثة تتعفن، حضرتك مكنتش موجود. وأنا روحت لابنك لحد عنده حتى طلبت إنه يساعدني في الإجراءات، أكيد ابنك قال لك.
– راجح ماتلفش وتدور، ليه ما اتصلتش بيا وأنا كنت أنزلك على أول طيارة؟ إنتَ استغليت سفري لرحيل اللي حضرتك فضلت وراها لحد ما طفشتها من البلد.
– لا.. لا استنى ياراجح أنا مش هسمح لك إنك تتهمني بسفر رحيل، روح اسأل الواد الصايع اللي كانت متجوزاه عمل فيها إيه.
– راجح، قلت لك بلاش تستهبل زين، أنا عرفت كل حاجة، عرفت تهديدك وخطف أخت الواد عشان يطلق رحيل، عارف كل بلاويك.
– أنا معملتش حاجة، لو عندك إثبات قدمه.
– بقى كدا.
أخرج سيجاره ينفثه بالهواء الطلق، ثم رمقه يهز رأسه باستخفاف:
– أه كدا.
وصل إليه زين وحدجه بتعمق:
– بتغلط وهتندم ياراجح.
قالها وتحرك مغادرًا المكان.
لحظات واستمع إلى رنين هاتفه:
– أيوه ياراجح، الدنيا تمام، وجه الأمر من فوق، لازم تصفِّي الواد اللي هبعت لك صورته حالًا، والليلة دون تهاون بالأوامر، يا إمَّا كدا، يا إمَّا تقول على نفسك رحمن يا رحيم.
أغلق الهاتف، يطبقه عليه بقوة، يجز على أسنانه يهتف بفحيح:
– نفسي أخلص عليكم وأنهي من قرفكم بقى، شوية أجناس حقيرة.
استمع إلى رنين بوصول رسالة، فتح الهاتف، ينظر بالصورة لتجحظ عيناه بذهول:
– جمال!!
دقائق واقفًا بجسد مشدود وذكريات الماضي تصفعه بقوة، ذكرى مؤلمة مرت أمام ناظريه كفيلم سينمائي حينما علم سبب موت جمال لأول مرة، وتمر سنوات إلى أن يصل الأمر إلى موت ابنه. دار حول نفسه يحدث نفسه:
– يعني عرفوا إنهم ولاد جمال، طيب هتموته ياراجح، طب المرة اللي فاتت مكنتش تعرف، إيه.. هتعمل إيه، هتسمع كلامهم، هتموت ابن أخوك، لا، لا، فوق ياراجح، إنتَ تهدد أه، بس تموتهم لا.
ظل دقائق يحدث نفسه كالمجنون الذي فقد عقله إلى أن وصلت سيارة لبعض الأشخاص، ترجل منها أحدهم:
– الأوامر اللي عندنا نتحرك بعد دقائق، قدامنا خمسة عشر دقيقة داخل المستشفى، عشان في الوقت دا رجالتنا تعرف تتعامل كويس.
– ولو رفضت العملية؟
نطق بها راجح اقترب الرجل قائلاً:
– اتصل وعرفهم، معنديش أوامر بكدا، أنا هنا تحت أوامر معاليك ياراجح باشا.
ظل يدقق في الرجل بشرود إلى أن رفع هاتفه مرة أخرى يتحدث مع أحدهم:
– طارق خلال يومين يبقى برة السجن، وأكيد إنتَ عارف أنا هموت مين.
ارتفعت ضحكات الآخر ثم قال:
– معلش ياراجح بتحصل في أحسن العائلات، ماهو ياروحك ياروحهم.
عند إلياس.
ظل عدة ساعات منكبًا على عمله إلى أن أُنهك جسده، أمسك هاتفه وتحدث إلى الأمن الخاص به ليطمئن على الجميع، أجابه أحد أفراد الأمن:
– كله تمام ياباشا، مدام ميرال رجعت البيت مع إسلام باشا ويزن باشا كان معاهم، وإسحاق باشا لسة خارج من حوالي دقيقتين بالضبط، قال هيروح يغير هدومه ويرجع تاني، ومصطفى باشا في أوضة فريدة هانم.
سحب نفسًا وزفره بهدوء، ثم نظر بساعة يده قائلاً:
– قدامي ساعة وأكون عندك، فتح عيونك كويس، ماتوقفش تحت وبس، كل عشر دقايق تطلع فوق، خلِّي بالك من أوضة فريدة هانم وأرسلان.
– عُلم ياباشا.
قالها وأغلق الهاتف، ليعود إلياس إلى عمله مرة أخرى، بعض دقائق مرهقة إلى أن عاد بجسده مغلقًا عينيه يتنفس بهدوء، حتى غفا لدقائق معدودة بمكانه.
توقف يستند برأسه على الزجاج الشفاف، ينظر إلى الطبيب الذي يحاول إنعاش جسد أخيه، دقيقة خلف دقيقة، وكأنه يسير فوق فجوة بركانية ينظر إلى الطبيب بقلب ينتفض، إلى أن وضع الطبيب جهاز الصدمات متوجهًا ينظر إليه بأسى:
– البقاء لله.
كلمات ماهي سوى حروف باهتة، لكنها شقت صدره كما لو أنها خنجر في خاصرته. قالها الطبيب ومضى، أما هو… وقف كمن سُلبت روحه، عيناه تبحث في الفراغ عن معنى الكلمة التي أحرقته.
كأن الأرض تبدلت فجأة. وشعر بثقل بصدره، كأن الهواء أثقل من أن يتنفس.
كيف لفقد واحد أن يطفئ كل أضواء الدنيا؟!.. كيف لحياة كانت تمضي بثبات، أن تتهاوى فجأة تحت وطأة الفراق؟!
لم يعد يسمع من حوله، لا بكاء، لا مواساة، كل شيء بدا بعيدًا… إلا صدى من رحل، لا يغيب، لا يهدأ.
توقف بجمود لا يبكي، لا يصرخ، لكنه ينهار بصمت، كمن يحمل جبلاً من الحزن فوق صدره، ولا أحد يشعر به سوى الذي مر بتلك التجربة.
هب من نومه مستغفرًا ربه، بسط كفه الذي ارتعش رغمًا عنه يرتشف بعض قطرات الماء بصعوبة، ثم نهض من مكانه يحمل سلاحه، وتحرك سريعًا للخارج.
وصل إلى المشفى خلال دقائق معدودة، أنفاس سريعة متلاحقة، وعيناه تنبض بالقلق، ترجل من سيارته يتلفت حوله، يراقب كافة الاتجاهات. استقبله رجل الأمن الخاص به، وقال بصوت يحمل مزيجًا من الاحترام:
– حمد الله على السلامة ياباشا.
أومأ برأسه دون حديث، ومضى كالعاصفة، بخطوات واسعة، كطائر فقد عشَّه ويحاول اطمئنان قلبه، وصل إلى غرفة والدته، فتح بابها ببطء، وجدها نائمة، يسكنها الهدوء، فزفر بحرقة، حينما وقعت عيناه على المقعد الذي بجوارها، ليجد والده غارقًا في النوم، رأسه مائل ويداه متشابكتان على صدره، كأنَّه غفا رغمًا عنه.
تراجع بهدوء، وعيناه معلقتان عليهما، ثم اتجه نحو غرفة أرسلان.
دلف بخطوات مرتجفة، وقلب يئن بالألم، استمع إلى صوت الأجهزة الذي يملأ الغرفة. اقترب من السرير، وعيناه تحترق. جسده على ذاك الفراش الأبيض، كأن الموت مر عليه ثم قرر أن يمنحه مهلة. اقترب ثم انحنى لأول مرة، وطبع قبلة فوق جبينه بدموع متحجرة في عينيه:
– أرسلان… طوَّلت أوي. مش متعود منك على كده. فوق بقى.
شهق بخفوت، وكأن صوته كسر شيئًا في داخله:
– إيه!! مش ناوي تقتل راجح؟ طيب، قوم… واللهِ لأخليك تقتله، يلا فوق، أنا ما صدقت اتلمينا.
جذب المقعد بعدما أخرج سلاحه يضعه بجوار الفراش، وجلس يتطلع إليه. ارتجفت أهداب أرسلان، وتحركت شفتيه الجافتين بصوت يكاد يُسمع:
– أشرب.
اتسعت عينا إلياس، وفاضت ضحكة صغيرة من بين دموعه، ضحكة امتزجت بالذهول والفرحة والاشتياق، نهض من مكانه، وضع جبينه فوق جبين أخيه، ونطق بهمس:
– يخرب بيتك… ما تقومش غير لما قلت لك هموت راجح؟! ياريتني قلت لك من زمان.
قالها بابتسامة. فتح أرسلان عينيه، ثم أغمضهما، ثم أعاد فتحهما، يقاوم الإضاءة.
مسح إلياس على رأسه بحنان جارف، كأنه يطبطب على جرحه قائلاً:
– حمد الله على سلامتك. إنتَ كويس؟ هكلم الدكتور حالًا.
تلتفت أرسلان بعينيه بالغرفة:
– أنا فين؟… انتَ جيت إزاي؟
همس بها بصوت خافت متقطع من أثر التعب:
– اسكت دلوقتي، هشوف الدكتور… وراجع لك.
مد يده لفتح الباب، لكن صوت اندفاع الباب قاطعه، اندفع ثلاثة رجال بقوة للداخل، يرتدون زي الأطباء، طالعوه مذهولين من وجوده، لأنهم يعلمون أنه بالمكتب. انتاب إلياس ريبة من أشكالهم، فاقترب يوزع نظراته بينهم:
– انتوا مين.
لكن لم تكن لديهم فرصة للجواب إذ أخرج أحدهم سلاحه، ولكن دفعه إلياس وأسقطه، ونشب صراع بينهما. اقترب أحدهم، بيده إبرة يتجه بها نحو أرسلان؛ ليهتف الآخر الذي يقاتل إلياس بعد دفعه للآخر:
– خلَّص عليه بسرعة لازم نتحرك.
لكن إلياس كان أسرع منهم، ليصدم أحدهم بالجدار، ويركل الآخر ليصل إلى ضرب "الطبيب" برأسه بقوة على الحائط، ثم عاد إلى خصمه الأول في اشتباك دامٍ، عنيف، صراع على الحياة والموت، لإنقاذ أخيه.
حاول أرسلان النهوض، ولكن جسده ثقيل، خانته عضلاته، خانته قوته الضعيفة، كل ما استطاعه هو أن يراقب أخاه يقاتل لأجله. وقعت عيناه على سلاح إلياس الذي وضعه على الكومودينو بجوار الفراش، أراد أن يصل إليه… لكنه لم يستطع. حاول الاعتدال بصعوبة، بسط كفه يزحف بجسده حتى وصل إليه يلتقطه سريعًا، حمله بيد مرتعشة، ورغم شعوره بألم يفتك به، رفعه مع ارتعاش جسده بالكامل، ويطلق رصاصته ولكن لم تصب هدفها، ليصل الرجل الذي أسقطه إلياس أرضًا إليه ويقوم بضربه بقوة على صدره؛ لم يحتاج أرسلان إلى الكثير ليتألم كامل جسده يصرخ، مع اندفاع الدماء من صدره وغمامة تضربهُ بقوة، لتسود عليه صورة إلياس وأحد الرجال يقوم بطعنه. طعنة مباغتة اخترقت جنبه بعدما قام بإلواء عنق أحدهم ليقع صريعًا حتى يصل إلى إنقاذ أخيه، ولكن طعنة الغدر شقت جنبه، يتلوى، يتألم، والدم ينزف بقوة. لم يرحمه الرجل بل رفع سلاحه الأبيض من جديد، عندما حاول إلياس الدفاع عن نفسه، لكن ترنح جسده وفقد السيطرة مع كلمات الرجل:
– جيت أقتل واحد، بس دلوقتي… هقتل الاتنين.
همسها وهو يرفع السلاح بطعنة غادرة أخرى ليهوي بجسده كاملًا؛ يضرب الأرضية مع
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم سيلا وليد
“اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك ”
الأماكنُ لا تساوي شيئًا،
إن خلتْ ممّن نحبُّ،
والحنينُ…
هو ذاكَ الشعورُ الدافئُ بالشوقِ،
لشخصٍ ما،
لمكانٍ ما،
لشعورٍ عابرٍ،
لحُلمٍ مضى،
لأشياءَ تلاشتْ، واندثرتْ،
لكنّ عطرَها
ما زالَ يملأُ ذاكرتَنا ومكانَنا…
نتمنّى أن تعودَ إلينا،
وأن نعودَ إليها،
في محاولةٍ بائسةٍ
لإحياء لحظاتٍ جميلة،
لزمانٍ رائعٍ
أدارَ ظهرَهُ لنا،
ورحلَ كالحُلمِ الهادئ…
فإنْ كانَ النسيانُ
قافلةً تمضي،
فالحنينُ…
قاطعُ طريق.
❈-❈-❈
اتَّسعت حدقتا إسحاق كأنَّهما على وشكِ الانفجار، وارتجَّ جسدهِ مع اندفاعِ فريقِ الأمن إلى الغرفةِ كعاصفةٍ هوجاء، توقَّفت عينيهِ عن الرؤية سوى جسدِ إلياس الداني، تقدَّم بخطوةٍ أثقلُ من أن تحملها قدماه، وقلبهِ يدقُّ كطبولِ القيامة، ولم تتزحزح عينيهِ عن الجسدِ المسجَّى وسطَ بركةٍ من الدماء، هامدًا لا حراكَ فيه، وكأنَّ الحياةَ قد لفظته.
اقتربَ أكثر، وانحنى يرفعُ رأسهِ المرتخي بين يديهِ المرتجفتين، ثمَّ تمتمَ بصوتٍ مخنوقٍ كأنَّ حنجرتهِ تختنقُ بكلِّ حرف:
– إلياس…سامعني؟ إلياس؟! رد عليَّ…
كرَّر النداء، ليفتحَ إلياس عينيهِ بإرهاقٍ يُقاومُ الموت، همسَ بنبرةٍ ضعيفة، ولكنَّها لم تصل اليه، حاول رفعَ كفَّيهِ المرتجفتين، يشيرُ إلى جسدِ أخيه الذي سقطَ مطروحًا كدُميةٍ محطَّمة، وعليها آثارُ عذابٍ لا تُحتمل..
– أرسلان…
همس بها، وكأنَّ اسمهِ آخر ما تبقّى له من الدنيا، ليغمضَ عينيه، وغاص في ظلامٍ عميق
وصل همسهِ إلى إسحاق، لتخترق أذنيهِ اسمَ فلذةِ كبده، كالسيفِ يخترق السكون، تجمَّد واستدارَ برعب، ورفع رأسهِ ببطء، حتى سقطت عينيهِ على دماءٍ متناثرة، وفراشٍ ملطَّخٍ بالدماء، ناهيك عن صوتِ إنذارٍ يملأُ الفراغَ بأزيزِ الجنون، لحظة اثنين ثلاثة ليفيقَ من بشاعةِ المشهد ويهبَّ فزعًا..
يصرخُ بجنون..بصوتٍ خرج من أعماقِ روحه، صوتٌ تمزَّقَ فيه القلب قبل الحنجرة:
– دكتوووور!!
قالها بصرخة زلزلت المكان، ارتجَّت لها الجدران، لو استمعت اليه الطيورُ لتفزع في السماء، وترتعد الأرواحُ النائمة..
ثوانٍ فقط…واقتحم الأطباءُ الغرفةَ كجيشٍ جاء من القيامة، يحملونَ بين أيديهم ما بين الحياةِ والموت، ما بين الرجاءِ والقدر..مع دخولِ مصطفى مفزوعًا يتجوَّلُ بعينيهِ في الغرفةِ التي أصبحت ساحةً لمعركةٍ دامية..
خطا بخطواتٍ ثقيلة..واقترابِ الجميع من الغرفة بعد حدوثِ هرجٍ ومرجٍ مع أصوات الطلقاتِ النارية بالداخلِ والخارج، اباختلاط انذار الأجهزة
اقترب مصطفى ببطء، كأنَّ خطواتهِ تقودهُ إلى جهنم، لا إلى جسدِ أبنه، توسَّعت عيناهُ بفزع، لا تُصدِّقُ ما ترى، وهو ممددًا، لا يتحرَّك، كأنَّ الحياةَ قد انسحبت من جسدهِ وتركتهُ بارداً، خاليًا من النبض.
ارتجفت ركبتيهِ وسقطَ على الأرضِ كمن خارت قواه، بل كمن سقط قلبهِ قبل جسده، وانحنى فوق إلياس، لا بجسده، بل بروحٍ تحترق، وهمس باسمهِ وتمنَّى بتلك الهمسة أن تكون قادرة على إعادته:
إيلي…إلياس…، ابني …
قالها بنبرةٍ مبحوحة، يشعرُ بشروخِ نبرته، وكأنَّ حلقهِ تمزَّق من الداخل.. وفي لحظةٍ كالإعصارِ دخل إسلام كمن انسلخَ عن عقله، يركضُ إلى أخيه، ولكن منعهُ المسعفون، إلَّا أنَّه دفعهم و سقط، يزحفُ حتى وصل اليه، بصراخهِ كالطفلِ وهو يجذب جسدَ أخيهِ إلى حضنه:
لااااا!! مستحيل! مستحيل! إلياس افتح عيونك، إلياس إنتَ قولت لي إيه..قالها بصرخاتٍ كالذي فقد عقلهِ تمامًا، هجم عليه الأطباء مع المسعفون، يحاولونَ منعهِ الوصولَ إلى جسدِ إلياس، لكن إسلام التصقَ به كأنَّهم سيخطفونهُ للأبد..
تأزَّم الوضعُ في حالة ضياعٍ وانهيارٍ بالكاملِ لمصطفى الحاضرِ الغائب، وكأنَّه ليس موجودًا بالمكان، ولكن إذا رأى أحدًا حالته، سيقسمُ أنَّه يعاني من خروجِ الروح من الجسد، عيونهِ التي تبدَّلت وارتعاشةِ جسدهِ بالكامل، حتى سقط يرتجفُ يتمنَّى من الله أن يصيبهُ بالعمى من ذلك المشهدِ الباكي ..
سحبَ المسعفونَ إلياس بصعوبة من بين يديهِ متَّجهينَ به إلى الفراش، مع صرخاتِ إسلام، ولكن أوقفهُ الطبيب محذِّرًا إياه:
-خرَّجوه برة..أنا مقدَّر حالتكم بس لا..
عايزين نشوف شغلنا، لازم نعرف إذا في نبض، لسة عايش ولَّا مات..
اقتربَ إسلام يريد أن يطبقَ على عنقهِ وهو يصرخ:
– لأاااااااااا!! هوَّ عايش، سامعني! إلياس سامعني!!
ومع تلك الكلمات، دوى صوتُ طبيب اخر:
لسه عايش الحمدُ لله لازم ننقله عمليات بسرعة..
وقعت الكلمات على قلبِ مصطفى كالسهمِ المسموم، تحجَّرت عينيه، وانطفأت روحه، وهزَّ رأسهِ مرارًا، هامسًا لنفسه:
عايز ابني، ابني لازم يعيش يادكتور، سامعني، لازم ابني يعيش..
-إن شاء الله سيادةِ اللوا.
نظر إلى إسلام وهو يبكي كطفلٍ فُجع.. كأنَّهُ فقدهُ للأبد، وارتفاع شهقاتهِ كانت شروخًا في قلبِ مصطفى الذي فقد الحركة والشعور ، أغمضَ عينيهِ يهربُ من صوت ابنه، وبكائه، نظر إلى ارتعاشةِ يديهِ الملطَّخة بدماءِ ابنه، ثمَّ صاحَ فجأة بصوتٍ أفزعه:
-باااااس، مش عايز أسمع صوتك، إنتَ إيه يالا، طفل، أخوك لسة عايش..هدأت نبرتهِ واختتقَ صوتهِ وهو يتمتم:
-أيوة لسة عايش، إلياس لسة عايش، مش عايز نفس، ابني عايش سمعتني، امسح دموعك إيَّاك أشوفك بتعيط، أومال سبت إيه لغادة وفر..ارتجفت شفتيهِ وتوقَّف لسانهِ عن تكملةِ اسمها، يستندُ على الجدارِ متوقِّفا:
-لله الأمرُ من قبل ومن بعد..ربِّي لا أسألك ردَّ القضاء ولكن أسألك اللطف فيه..
اقتربَ ينظر لوالدهِ بأسى، وألقى نفسهِ بأحضانهِ يبكي:
-هيقوم يابابا، أنا عارف أنُّه هيقوم..استدار يتَّكئُ على الجدارِ يجرُّ خطواتهِ بصعوبة، إلى أن وقعت عينيهِ على المسعفينَ يركضونَ بجسدِ أرسلان، يحملونه وكأنَّهم يحاولون أن أن يسرقوا من فمهِ الموت، همس اسمهِ بصراخِ قلبه حينما وجد الأطباءَ يحاولونَ إنعاشَ قلبهِ الذي توقَّف، أطبقَ على جفنيه:
-كتير على قلبك يافريدة، إذا إحنا وكدا، اللهمَّ إنِّي أشكو إليكَ ضعفي وقلَّة حيلتي ” قالها وسحب جسدهِ بصعوبة، كمن يُساقُ إلى غرفةِ إعدامه، فكيف سيواجهُ زوجتهِ بعدَ الذي حدث..
دقائقَ معدودة حتى انقلبت المشفى إلى جحيمِ صفَّارات، وصُراخ، أقدام تركض، ضباط يقتحمونَ المكانَ بعد تسرُّبِ الخبر.
أصبحت المشفى سكنة عسكرية، وجوهٌ جامدة، وعيونٌ تفتِّشُ على يدِ الغدر التي فعلت ذلك، وأسئلة لا صوتَ لها: “من فعل هذا؟”، “كيف؟”، “لماذا؟”.
أمَّا الحقيقة، فكانت تصرخُ في أذهانِ الجميع:
“من لا يملك قلبًا، لا ينتمي لدينٍ ولا وطن.”
بمنزلِ يزن..
جلسَ على جهازهِ يُنهي بعض أعماله، استمع إلى رنينِ هاتفه، حملهُ مبتسمًا بعدما وجد اسمها ينيرُ فوق شاشته، فتحدَّث:
-أوعي تقولي وحشتك، أنا لسة سايبك من ساعتين تقريبًا…نهضت ميرال من جوارِ طفلها وتحرَّكت إلى الشرفة، رفعت أناملها تعيدُ خصلاتها التي تطايرت بسبب الهواء وأجابته:
-أكيد وحشتني، بس أنا ماتصلتش علشان كدا..
تراجعَ بجسدهِ يستمعُ إليها باهتمام بعدما أحسَّ بنبرةِ صوتها الحزين، حمحمَ قائلًا:
-سامعك حبيبتي محتاجة حاجة، هوَّ إلياس رجع ولَّا لسة؟..
جذبت المقعدَ وجلست عليهِ تتجوَّلُ بعينيها في الحديقةِ قائلة:
-لا..لسة بس احتمال يبات الليلة هناك، عمُّو مصطفى بقاله فترة طويلة أوي مرجعشِ بيته، قالِّي لازم يقنعه، حتى قالي هلعب على وتر ابنها ولازم أكون جنبها..فبكدا عمُّو مصطفى هيوافق ويرجع يرتاح شوية، المهم مش دا اللي عايزة أقولَّك عليه..
-أنا سامعك خير فيه حاجة؟..
أخرجت تنهيدة شقَّت صدرها، لتقول:
-رؤى يايزن، رؤى لازم نقعد نتكلِّم معاها، بقت صعبة أوي ومبتسمعشِ منِّي أيِّ كلمة، وخايفة إلياس يعرف تغيُّرها يقلب عليها، خلِّي بالك هوَّ سامحها المرَّة اللي فاتت علشان أنا اتحايلت عليه، بس أفعالها تجاوزت كلِّ الحدود، تخيَّل بقت تسهر وترجع بعد الساعة اتناشر، لسة راجعة من شوية، وحمدت ربِّنا إنِّ إلياس مش هنا.
أجابها معترضًا على حديثها:
-أنا طلبت أخدها عندي وإنتي اللي رفضتي ياميرال..قاطعتهُ ممتعضة:
-كنت محتاجة أقرَّب منها، قولت يمكن لمَّا نقرَّب من بعض أعرف أشيل الحقد اللي جوايا منها، بس دلوقتي بقت تتمادى، أنا مش هتحمِّل تماديها دا.
-هيَّ عملت إيه ياميرال مخليكي مضايقة منها كدا؟..
حاولت تغيير الموضوع وسحبهِ إلى حديثٍ آخر فأردفت متسائلة:
-بكرة تيجي نتكلِّم معاها مع بعض، ونشوف هيَّ ناوية على إيه، وكمان لازم تقولِّي إيه اللي حصل بينك وبين رحيل، مجتشِ فرصة تحكي لي بسبب اللي حصل لأرسلان وماما فريدة..
نظر بشاشةِ هاتفهِ بعدما استمع إلى انتظارِ مكالمة فأجابها سريعًا:
-تمام بكرة هجيلك ونتكلِّم معاها، معايا تليفون مهم هكلِّمك تاني..
-أوكيه..قالتها وأغلقت الهاتف تنظرُ للخارجِ بشرود، بينما أجاب يزن سريعًا على هاتفه:
-فيه إيه، عرفت أخبار عن رحيل؟..
-لا ياباشا، المستشفى اللي فيها أرسلان الجارحي مقلوبة، كلِّمني حد من فريقِ الأمن وقال أرسلان الجارحي حدِّ حاول يقتله، رحت علشان أتأكد للأسف الوضع هنا صعب أوي..
هبَّ من مكانهِ يصرخ به:
-إنت بتنقَّطني ماتقول إيه اللي حصل عندك، أنا كنت هناك من ساعتين.
-للأسف ياباشمهندس، فيه حد هجم على أوضة أرسلان الجارحي وإلياس باشا اتصاب وحالته خطيرة جدًا، عرفت أنُّه بالعمليات…لم ينتظر تكملةَ حديثه، حمل هاتفهِ وتحرَّك للخارجِ مع مهاتفةِ كريم، بخروجِ إيمان التي خرجت على صوتهِ العالي:
-أبيه يزن فيه حاجة؟..نظرَ إلى هاتفهِ الذي أعطاهُ انشغال كريم بمكالمة، ثمَّ أشارَ على يدها:
-اقفلي مع كريم عايزه ضروري، قالها واتَّجه إلى دراجتهِ البخارية ومازال يحاولُ مهاتفةَ كريم:
-أيوة قابلني في المستشفى اللي فيها أرسلان الجارحي، فيه حد حاول يموِّته..
❈-❈-❈
عند ميرال..
نهضت من مكانها ودلفت إلى غرفةِ طفلها، راقبت نومهِ للحظات ثمَّ انحنت تقبِّله، تمرِّرُ أناملها على خصلاتهِ مرَّةً وعلى وجنتيهِ مرَّة، ظلَّت تحدجهُ لفترةٍ وثغرها مبتسمًا ترى فيه صورةَ زوجها المصغَّرة، رفع ذراعيهِ يتثاءب، فشقَّت ابتسامتها على طفولتهِ البريئة..أشارت إلى مربيَّته:
-خلِّيكي جنبه لحدِّ ما يروح في النوم، ولو جاع أكَّليه فواكه، بلاش أكل تقيل علشان ينام براحته، ومتنسيش اللبن، أنا حضَّرته له وجبته جاهزة..
-حاضر يامدام..تحرَّكت للخارج ونظراتها مازالت متعلِّقة عليهِ إلى أن خرجت وأغلقت البابَ خلفها، قابلتها رؤى تحملُ قهوتها، توقَّفت أمامها متسائلة:
-فين الشغالة؟..معقول مفيش حد يعملي فنجان قهوة!..خطت من جوارها قائلة:
-هوَّ جريمة تعملي لنفسك قهوة، أنا مشيتها، والدتها تعبانة، ومش محتاجاها، أنا طول الوقت برَّة من شغلي للمستشفى، وكمان إلياس، ولمَّا بيرجع مابحبِّش حد يعملُّه حاجة..توقَّفت واستدارت إليها تحدجها واستطردت:
-من وقت مااتجوزنا وهو مبقاش ياكل غير من إيدي..قطبت جبينها تشيرُ إليها:
-معقولة ياميرال بتوقفي في المطبخ، علشان تعملي أكل!!..
رفعت ميرال حاحبها مستغربةً ردَّها فأجابتها:
-أنا اللي مستغربة كلامك، يعني المفروض عشتي فترة كبيرة في الملجأ، المفروض الموضوع يكون عادي لمَّا أقوله، مش تكبر زي مابتتكلِّمي، اقتربت خطوةً منها وتابعت حديثها:
-وعلى العموم أنا بكون سعيدة جدًا، وأنا شايفة جوزي مش عجبه أكل غير أكلي..
-والله، ومن إمتى دا، مش شايفة إنِّ إلياس متحكِّم زيادة عن اللزوم؟..
أفلتت ضحكةً صغيرة تهزُّ رأسها ساخرةً من حديثها:
-متحكِّم، ياشيخة مش شايفة الكلمة كبيرة أوي عليكي، مابلاش إنتي يارؤى، إحنا لسة متكلِّمين في الموضوع دا من كام يوم..خطت خطوةً أخرى إلى أن توقَّفت أمامها ولم يفصلها سوى أنفاسهما وتابعت حديثها:
-رؤى لآخر مرَّة هحذَّرك تدخلي بيني وبين جوزي، وعلى فكرة إنتي من بكرة هتنقلي عند يزن، هوَّ عايزك عنده، شايف إنِّك الأولى تقعدي عند أخوكي مش جوز أختك..
-واللهِ ياميرال، بتطرديني من بيت إلياس..وياترى بتطرديني خوف ولَّا..قاطعتها ميرال ترفعُ أناملها بتحذير وارتفعت نبرتها حتى احمرَّ وجهها من الغضب:
– ولا كلمة، وبلاش أحلامك الهبلة الغير منطقية، وبعدين دا مش بيت إلياس دا بيتي أنا، اللي متعرفهوش كتبه باسمي من أوَّل مانقلنا هنا، حتى لو بيته ماهو جوزي وليَّا الحق أقعَّد اللي يريَّحني؛ واللي ميريحنيش زي حضرتك أقولُّه مع السلامة..
-أفهم من كدا إيه ياميرال؟..
استدارت للمغادرة ونطقت:
-أخوكي أولى بيكي، على الأقل لو قعدتي قدَّامه بقميص نوم اسمه أخوكي..توقَّفت وأدارت رأسها ترمقها باحتقارٍ وتمتمت بنبرةٍ مشمئزة:
-بدل ماأقعد في بيت راجل غريب وأظبَّط مواعيده وأخرج له بحجج فارغة، عيب عليكي احترمي حتى الدم اللي بينا، وافتكري إنِّ دا جوز أختك..بس لحدِّ كدا وكفاية، إلياس مبقاش عايزك في البيت..
-كدَّابة..قالتها سريعًا واقتربت منها وهتفت بنبرةٍ خرجت غاضبة اخترقت صدرَ ميرال حينما قالت:
-إنتي اللي ألَّفتي كدا، خايفة..ماهو هتفضلي خايفة منِّي، ماأنا البنت اللي كانت هتخطف جوزك، اقتربت أكثر وبخَّت حديثها كالسمِّ القاتل:
-إيه نسيتي لو إنِّك مانتحرتي كنت زماني مراته وإنتي برَّة حياته، وقتها كان فين الحبِّ اللي بتقولي وتنفخي نفسك بيه، أنا متأكِّدة هوَّ اضطر يكمِّل معاكي بعد تحذير الدكتور له، ماهو ياحرام حاولتي بدل المرة تلاتة تتخلَّصي من حياتك، كان لازم يجاريكي لحدِّ مايطمِّن، بس مكنشِ يعرف أنُّه هيتورَّط بابنك..فوقي وبصي لنفسك؛ لولا الدكتور مكنشِ كمِّل معاكي وإنتي متأكِّدة وكلِّنا عارفين أنُّه انجبر يرجع لك..
لطمة قوية على وجهها ثمَّ أشارت إليها بالخروج:
-اطلعي برَّة بيتي حالًا، مش عايزة أشوفك..لوت شفتيها:
-إيه عرِّيت حقيقتك قدَّام نفسك دا لو كنتي مش عرفاها أصلًا..بلاش تنفخي نفسك ياميرال إنتي مش أقلِّ مني، إحنا بنات راجح ياحبيبتي، راجح اللي شردهم، تخيلي واحد هيحب واحدة ابوها قتل ابوه، واغتص. ب امه، دا لو محاولش ينتقم منك وحاول اللي يعمل اللي ابوكي عمله مع أمه يعمله معاكي، ايه مش إلياس حاول يعملها
سحبتها ميرال بقوَّةٍ تدفعها خارج المنزلِ ثمَّ أشارت إلى الأمنِ الخاصِّ بالفيلا:
-خد البنتِ دي ودِّيها عند يزن، ممنوع تدخل بيتي تاني، التفتَت لها قائلة:
-متستهليش الشفقة يابنتِ راجح..قالتها وأغلقت البابَ خلفها بقوةٍ جعلت جسدَ رؤى ينتفض، سحبها الرجلُ إلى السيارة في محاولةٍ منها لإبعاده، ولكن كان الأقوى في السيطرةِ عليها، بينما جلست ميرال خلف الباب تبكي بشهقاتٍ تضعُ كفَّيها على فمها تمنعُ شهقاتها وحديثُ رؤى يخترقُ آذانها:
-إحنا بنات راجح..ظلَّت الكلمات كصوتِ رعدٍ تتذلَّلُ له الآذان..نهضت من مكانها سريعًا، وصعدت غرفتها، وقامت بتبديلِ ثيابها مع إزالةِ عبراتها التي أغرقت وجهها، حملت حقيبتها تضعُ هاتفها بها، هبطت للأسفل متَّجهةً سريعًا إلى سيارتها، تحرَّكت بخطواتٍ مبعثرةٍ، ولم تشعرُ بأنَّ حارسها الشخصي قد اقترب، ظنًّا أنَّها علمت ماحدثَ لزوجها بسبب حالتها التي كانت بها..
ألف سلامة على الباشا ياهانم، إن شاء الله يقوم بالسلامة.
لم تستمع إلى حديثهِ جيدًا، فنبضُ قلبها كان كبركانٍ يثورُ بداخلها، يشوِّشُ كلَّ شيءٍ من حولها..
فتحت باب السيارة بجسدٍ مرتعش، فتقدَّم هو ووقفَ أمامها مشيرًا إلى المقعدِ الخلفي قائلاً:
-أنا هوصَّل حضرتك للمستشفى، مينفعشِ تسوقي وإنتي في الحالة دي..
تمتمَ بها لتشعرَ بها كطعنةٍ في صدرها، فأشارت له بالابتعاد، وقد عجزَ لسانها عن النطقِ للحظات، تحاول لملمةَ شتاتها، ثمَّ همست بصوتٍ خافتٍ بالكادِ وصل أذنه:
-أنا…عايزة أسوق..تعالَ ورايا..
قالتها وصعدت إلى السيارة دون أن تضيفَ كلمةٍ واحدة..
مرَّت الدقائقُ وهي جالسةً في مقعد القيادة، لا تتحرَّك..
فقط دموعها تنسابُ على وجنتيها، وكأنَّها نارٌ تحرقها من الداخل..
رفعت الهاتفَ بيدٍ مرتجفة، أرادت أن تحادثه..أن تسمعَ صوتهِ فقط، تشتاقُ لاحتضانه، لصوتهِ الحنونِ يربتُ على قلبها الهش، لا تريدهُ أن يبتعدَ الآن، لا تريدُ من هذا العالم سوى شيءٍ واحد…هو فقط …
مرَّ الرنينُ عليها كدهرٍ وهو لم يجب عليها، تحرَّكت بالسيارة بعدما فقدت الأمل في الوصولِ إليه، تمنَّت لو أنَّ لديها أجنحة لتطيرَ اليه، تلقي نفسها بأحضانه.
بعد فترةٍ وصلت إلى المشفى، ولكن توقَّفت تلتفتُ حولها بذهول من كمِّ الأمن الذي يحاصرُ المشفى، ازداد نبضها ظنًّا أنَّ أرسلان أصابهُ مكروه، خطت بعض الخطواتِ للداخل، ولكن أوقفها الأمن يهتفُ بنبرةٍ غاضبة:
-ممنوع الدخول ياأستاذة، قسم الطوارئ بالجهة التانية.
قطبت جبينها باعتراض وأتت للتحدُّث ولكن قاطعها رجلُ الأمن الخاص بها:
-ابعد يابني دي مدام إلياس باشا السيوفي ..
دقَّق بملامحها للحظات ثمَّ رفع نظرهِ للرجلِ قائلا:
“معنديش أوامر أدخَّل أيِّ مخلوق!”
صرخ به الأمني بصرامة، واقترب ليعترضَ طريقها بجسده، لكنَّها لم تتحرَّك، بل نظرت إليه بنظرةٍ ممزوجةٍ بالدهشة، فتحت فاهها للرد ولكن قاطعها صوتُ رجلِ الأمنِ الحادِّ الغاضب:
“مين رئيسك؟ دي مدام إلياس السيوفي، من حقَّها تدخل.”
أخرج بطاقتهِ ببطء،ثمَّ أكمل:
“وأنا رئيس طقمِ الأمن الخاص بالباشا، ولَّا علشان متصاب هتتحكِّموا فينا؟!”
تدخَّل الآخر، يعترضُ بنبرةٍ لا تخلو من الاتهام:
“طيب، بدل حضرتك رجل أمن وعارف خطورة الوضع، مش من حق أيِّ حد يدخل قبل ما نتأكِّد إنِّ المستشفى خالية من الخطر، ولَّا ناوي تضحِّي بيها زي جوزها؟”
تجمَّد الزمن حولها للحظة…
“زي جوزها؟”
الكلمة ضربت داخلها كطلقةٍ باردة.. نظرت لهم بحدَّة، تتساءلُ بعينيها قبل لسانها:
“هوَّ إيه اللي بيحصل؟ إزاي تمنعني أدخل، إنتَ متعرفش أنا مين؟”
التفتت نحو رجلها الخاص، الذي شحُبَ كأنَّ روحهِ انسحبت وهتفت:
“اتِّصل بإلياس، خليه ينزل يشوف ليه مش عايزني أدخل!”
نظر إليها بعينيهِ التي تريدُ أن تخبرها بشيءٍ لا يُقال، ثمَّ التقت نظراتهِ بعينِ رجلِ الأمن، الذي تنحَّى جانبًا وأشارَ لها بالدخول..دون كلمة..
تحرَّك الرجلُ معها بصمت، عيناهُ تراقبُ الأجواء..
المستشفى انقلبت في دقائق لثكنةٍ عسكرية…ظلَّا يتحركانِ إلى أن أوقفهم المسؤولُ صارخًا:
“مين سمح لكم تدخلوا؟ اتفضلوا برَّه بدل ما نعمل مشكلة!”
اقتربَ رجلها منه، همس بنبرةٍ محذِّرة وهو يُخرجُ بطاقتهِ مرَّةً أخرى:
“مدام إلياس…هي متعرفشِ اللي حصل، أرجوك خلِّيها تطلع.”
تحوَّلت نظراتُ المسؤولِ نحو ميرال، التي كانت تتابعهم دون فهم، يدها على هاتفها، تحاولُ الاتصالَ بإلياس… ولكن لا رد..
ضغطت أكثر، قلبها يضربُ صدرها كطبولِ الحرب.
اقتربت، ثمَّ صرخت بنبرةٍ مخنوقة:
“أنا ميرال السيوفي، وماما محجوزة فوق، لازم أطلع لها!! بحاول أوصل لجوزي ومش عارفة هوَّ فين، إحنا مش مجرمين!”
أشارت على نفسها، وعيناها تدمع:
“أكيد شكلي مش شكلِ مجرمة؟!”
تبادلَ الرجالُ نظراتٍ سريعة، ثمَّ أشار أحدهم لرجلِ الأمن:
“معاهم ياابني لحدِّ فوق.”
تحرَّكت بجانبه، بخطواتٍ سريعة، تتساءل:
“هوَّ فيه إيه؟ أرسلان وماما كويسين؟”
التزم الرجلُ الصمت، وصمتهِ كان أفظع من أيِّ جواب، جعل قلبها يصرخُ من الخوف..تحرَّكت حتى وصلت إلى الطابقِ المنشود، خرجت من المصعد تخطو في أوَّلِ الردهة، ولكن توقَّفت حينما وقعت عيناها على مشهدٍ شعرت بخنقِ أنفاسها:
يزن يحتضنُ إسلام، ويحاول السيطرةَ عليه، وجهُ إسلام محمَّر، وعيناهُ دامعتان
خطت نحوهم بخطواتٍ ثقيلة رغم استعجالها، وكلَّ سيناريو مرعب يعصفُ برأسها…
هل أصابَ والدتها مكروه؟ هل أرسلان بخير؟
وقفت أمامهم، ووزَّعت نظراتِ القلق والرجاء عليهما ثمَّ تساءلت بصوتٍ مرتجف:
“ماما…ماما حصلَّها حاجة؟”
تجمَّد جسدُ يزن، وجحظت عيناه…
نسيَ تمامًا أنَّها لم تعرف بعد..
نسيَ أنَّ صدمتها ستصبحُ أكبر ماتتحمَّله..
❈-❈-❈
ميرال ردَّدها مقتربًا منها، جيتي إزاي؟..
تذكَّرت رؤى، فأردفت بصوتٍ مختنقٍ بالكادِ خرج من بين شفتيها، لكنَّه اخترقَ أعماقَ يزن كالسهم، حينما أردفت:
-لسة واصلة، عايزة إلياس، كلَّمته كتير ومبيردش، تنهَّدت بحزنٍ وتابعت:
-أنا روَّحت رؤى بيتك..ولكنَّها توقَّفت بعدما أدركت وجوده:
-إنتَ هنا بتعمل إيه؟..إحنا كنَّا بنكلِّم بعض من نصِّ ساعة تقريبًا، ومقولتش إنَّك جاي، ثمَّ وقعت عيناها على إسلام الذي تراجعَ يزيلُ دموعه، محاولًا السيطرة على بكائهِ أمامها:
-إسلام ماله؟!..اقتربت منهُ وأمسكت ذراعه:
-ماما فريدة كويسة، أوعى يكون حصل لها حاجة، إسلام، ماما فريدة كويسة؟..
هزَّ رأسهِ دون حديث، يبتعدُ بنظراتهِ عن مرمى عينيها، شهقت تتطلَّعُ إليه:
-ياربي أرسلان، أيوة هو، علشان كدا إلياس مابيردش، حسِّيت إنِّ فيه حاجة في المستشفى..دول منعونا من الدخول، بس معرفشِ أحمد قالُّهم إيه..
سحبتهُ من ذراعه:
-إسلام..فين إلياس تلاقيه دلوقتي هيتجنِّن على أخوه، أنا عارفة ومتأكدة مهما يحاول يداري، دقَّقت بملامحهِ بعدما كثُرت دموعهِ بغزارةٍ على وجنتيه..
-هوَّ إنتَ مابتردش عليَّا ليه؟..انتقلت ببصرها إلى يزن الذي يطالعها بألمٍ يشقُّ صدرهِ ثمَّ قالت:
-هوَّ حالته خطيرة أوي كدا يايزن، إيه اللي حصل، هوَّ مش كان كويس؟..
أنتوا مابتردوش عليَّا ليه؟..خطت قائلة:
-أنا لازم ألاقي جوزي دلوقتي، لازم أكون جنبه، قالتها وتحركت بعض الخطوات
تجمَّد يزن مكانه، للحظة شعر بأنَّ قلبهِ سيخرجُ من صدرهِ من حديثها:
-استني ياميرال..مش هتلاقيه.
ضاقت عينيها بتعجُّبٍ وهي تراقبُ ملامحَ إسلام الباكية، ووجههِ الشاحب، نظراتهِ الشاردة بكافَّةِ الاتجاهات، فسألتهُ بقلقٍ خانق:
– في إيه ياإسلام، معقول كنت بتحبِّ أرسلان أوي كدا؟
ولكن توقَّفت عن الحديثِ عندما وصلت الممرضة، وبكلماتٍ قليلة، ألقت قنبلتها:
– أنتو قرايب الظابط اللي انضرب، فين والده أو أيِّ حد قريب من الدرجة الأولى؟..ابتلعَ إسلام ريقهِ بصعوبة، وأجابها بنبرةٍ تصرخُ بالألم:
-أنا أخوه، وبابا جاي أهو، هوَّ فيه إيه؟..
-هوَّ المريض كان بكلية واحدة؟..
شهقت ميرال، والتفتت تنظرُ للممرضة وكأنَّها تتحدَّثُ بلغةٍ أخرى، تطلَّعت إليها بعينينِ مذهولتينِ تجاهدُ لفهمِ ماقيل، بينما إسلام، لم يستطع أن يتنفَّس، وكأنَّ شيئًا ثقيلًا ضربَ صدرهِ حتى أخرج شهقةً كشهقةِ إخراجِ الروح، ليضعَ يدهِ فوق فمه، محاولًا منعَ صرخةٍ حارقةٍ من الانفجار،
ليرتجفَ جسده، ممَّا جعل قدميهِ لم تساعدهُ على الوقوف..فتراجعَ يصطدمُ بالجدارِ بقوةٍ بعدما علمَ بما حدث..
بينما ميرال التي التفتت ببطء تتساءل:
-هوَّ مين اللي بتتكلِّمي عنُّه؟!..
ردت الممرضة سريعًا
-الظابط اللي انضرب من شوية، للأسف محتاجين حدِّ من أقاربه.. الدكتور عايزه ضروري..قالتها بوصولِ مصطفى الذي يتحرَّكُ بتثاقلٍ كأنَّ عمرهِ زاد الضعف متسائلًا بنبرةٍ مكسورةٍ متقطِّعة:
-فيه إيه يابنتي؟..
-حضرتك لازم تنزل الاستعلامات..
-ليه ؟!
-مش حضرتك والد حضرةِ الظابط إلياس السيوفي، قالتها بعدما نظرت بدفترها، ثمَّ أكملت:
-الحالة محتاجة حضرتك ضروري يافندم.
استدارت ميرال بجسدها كلِّه، على كلماتِ الممرضة الذي يتردَّدُ كصفعةٍ قاتلة، وكأنَّها نطقت حكمًا بالإعدام حينما قالت:
– للأسف…الكلية التانية متضرِّرة جدًا، وهنضطَّر نستأصلها…
توقَّفت، ثمَّ ختمت حديثها المُدمي:
– أتمنَّى تلاقوا متبرع في أقرب وقت، الدكتور هيفهم حضرتك اكتر مني
صدمة بل صاعقة ضربتهم حتى شعروا باهتزازِ جسدهم الذي كان يصرخ لهم بكمِّ الوجع:
-إنتي قصدك مين؟!
تساءلت بها ميرال بجهل..
اقترب يزن يحاوطُ جسدها، يضمُّها وأردف:
-هيكون كويس إن شاءالله حبيبتي..
-هوَّ مين؟! قالتها بتيه تنظرُ إلى مصطفى الذي شعرَ وكأنَّ الأرضَ تُسحبُ من تحت قدميه..
وميرال التي كانت على وشكِ الانهيار، طالعتهم بوجه شاحبًا كأنَّ الدم فارق ملامحها..
أمَّا إسلام، فقد انهارَ تمامًا، وخرج صوتهِ مكسورًا، نحيب في هيئة كلمات:
-يعني ممكن يموت …قالها اسلام بتقطع
أيها الجريء لا تخلق اعذارا لظلمك ولا تلقى الملامه على الاخرين لا تغمض عينك وانظر إلى كل مايدور من حولك لأنك تدرى بأن بلاؤك من صنع يديك اصنعت شئ لم ترى له ظلاً اغرست بذرة ولم تحصدها كل ما صنعت من روحك وجسدك وسيأتي اليوم ترى فيه البلاء كطفل
جلال الدين الرومي
تحرك مصطفى يجر ساقيه التي تلتصق بالأرض، متوجهًا نحو غرفة الطبيب، فتح الباب ودلف بنظرات مرتجفة إلى الطبيب، ناهيك عن قلبه الذي ينتفض بزعر داخل قفصه الصدري
-خير يادكتور؟!
تسائل بها بعيونًا ضائعة..تنهد الطبيب متأسفًا..ثم أشار إليه بالجلوس
-اقعد ياسيادة اللواء، مش خير ..
خرَّ مصطفى على المقعدِ حينما خانتهُ ساقيه بعد أن أثقلهما الوجع، وشحُبَ وجههِ وكأنَّ الحياة ذبُلت فيه، ارتفعت عينيهِ إلى الطبيبِ وتمتمَ بصوتٍ مبحوح:
– للهِ الأمرُ من قبل ومن بعد…ربِّي، لا أسألك ردَّ القضاء، ولكن أسألك اللّطف فيه.
تقدَّم يزن إليه مسرعًا، وقد اكتسى صوتهِ بنبرةٍ تُخفي الحزن:
-عمُّو لازم تقوى،
أمَّا ميرال بالخارج، فوقفت ساكنة تحدِّقُ بهم بذهول، بجبينٍ معقود، وكأنَّها لم تستوعب مايُقال، فتبعت خطواتهم بوجهٍ جامدٍ وعينينِ تائهتين، وكلماتُ الممرضة تصدحُ بأذنها..هزَّت رأسها بالرفض:
-لا..أكيد ماتقصدشِ إلياس..قالتها بنبضٍ يضربُ صدرها بقوةٍ كادت أن تخترقَ عظامها..
دلفت إلى غرفةِ الطبيب..
وجدت مصطفى يجلس كالميِّتِ الحي، بوجههِ الشاحب، وعيناهُ الزائغتانِ اللتان لا تُركِّزان، رفع عينيهِ إلى الطبيبِ وتمتم بنبرةٍ خرجت من بين شفتيهِ مثقلةً بوجعٍ لايُحتمل:
-خير يادكتور، طمِّني..
اعتدلَ الطبيب، وعدَّلَ نظارتهِ الطبية، وسحب نفسًا عميقًا كأنَّ صدرهِ قد ضاقَ بالكلمات، ورغم ذلك قال بصوتٍ هادئ:
– سيادةِ اللواء…أنا مش هلفِّ وأدور عليك، حضرة الظابط كان بيعيش بكلية واحدة، ومع الأسف، نتيجة الاعتداء الوحشي اللي اتعرض له، تأذَّت الكلية التانية بأذى بالغ..وحصل نزيف داخلي شديد، علشان كدا لازم نستأصلها، قبل النزيف مايدمَّر أعضاء تانية
سقطت الكلماتُ كالصاعقة على الجميع، ممَّا جعل ميرال تتطلَّعُ إليهم بعينينِ متسعتين، وتراجعت خطوةً كأنَّها صُدمت بالكهرباء..شهقةٌ خرجت منها، ممزوجةٌ بالذعرِ والرفض:
-هوَّ يقصد مين يايزن!! مين اللي عايش بكلية واحدة غير إلياس؟..هزَّت رأسها رافضةً ما تلفَّظ بهِ الطبيب:
-لا، إلياس كويس، هوَّ عند أرسلان، أكيد يقصد حدِّ تاني..
-حبيبتي ممكن تهدي، إنتي مش شايفة عمُّو مصطفى، ضيَّقت عينيها متسائلة بنبرةٍ متقطِّعة:
-هوَّ..إل ياس..سحب بصره يهزُّ رأسهِ بالإيجاب..انحنت على ركبتيها فجأة، حتى اصطدمت بالأرضِ لتصدرَ صوتًا قويًا مع تراخي جسدها، فقد انهارت قواها، وأمسكت برأسها تهزُّهُ بعنف، كأنَّها تطردُ الكابوس:
– لا..لا! مستحيل!..إلياس كلِّمني من شوية،، تعثَّرت كلماتها وسطَ دموعها، وعقلها يرفضُ التصديق..اقتربَ يزن منها، وحاولَ أن يرفعَ جسدها من فوقِ الارض:
– ميرال، اهدي.
لكنَّها صرخت، وراحت تضربهُ بكفَّيها، بقلبٍ انفجرَ من الألم:
-بيقول إلياس يايزن، إلياس هوَّ اللي يقصده، قولِّي لا مش هوَّ..رفعت رأسها تنظرُ لأخيها بدموعها التي تتدفَّقُ كالشلالِ، تهتفُ بنبرةٍ مغموسةٍ بالألم تترجَّاه قائلة:
-وحياة أغلى حاجة عندك، قولِّي مش هوَّ يايزن، هوَّ كلِّمني واللهِ، وقالِّي هيبات مع أرسلان هنا، علشان عمُّو إسحاق يرتاح، هزَّت رأسها ودموعها كالشلال حتى أخفت وجهها قائلةً بصوتٍ باكي:
-أه هو َّخاف إسحاق يتعب، قالِّي كفاية أرسلان، أنا مش حمل حدِّ تاني، لو كنت أعرف أنُّه جاي هنا علشان يحصل له كدا، كنت منعته..واللهِ كنت منعته حتى لو هيطلَّقني، قالتها وكأنَّ الحياة تنهارُ بين يديها، وقلبها يُسحبُ من صدرها قسرًا..
ضمَّ رأسها لأحضانهِ ينظرُ إلى مصطفى الذي لايقلُّ ألمًا عنها ثمَّ قال:
ميرال…إلياس كان ضحية لمحاولة اغتيال..طعنوه في جنبه كذا مرة، إحنا كنَّا شاكين قبل ماالدكتور يقول..
سقطت الكلمات على قلبها كالسيف..
تراجعت مذعورة، تزحفُ بجسدها الذي اهتزَّ كأوراقِ الشجرِ في مهبِّ الريح، وصرخةٌ خرجت من أعماقها:
-لا…لا..أمسكَ بها يزن مرَّةً أخرى، وأردفَ بصوتٍ مرتجف:
– حبيبتي إن شاءَ الله هيكون كويس، ادعيله، اهدي عايزين نشوف الدكتور عايز يقول إيه..مش هوَّ هيكون كويس يادكتور..قالها يزن يطالعُ الطبيب بعيونٍ مترجية..
– أكيد دا كابوس، لا كابوس، دا كدا هيموت، معندوش كلية تانية، كدا هيموت..ظلَّت تتمتم بها مع انتفاضةِ جسدها، إلى أن انهارت بين ذراعي يزن، تتمسَّك بقميصهِ كطفلةٍ اقتُلعَت من حضنِ والديها وأُلقيت في قاعِ الجُبّ..
نهضَ الطبيب بعد إحضارِ إبرةٍ مهدئة ليغرزها بوريدها ممَّا جعلَ يزن يحملها ويخرجُ بها إلى غرفة أخرى..
عدَّةُ ساعاتٍ مرَّت والجميعُ في حالةِ ترقُّب، عيونهم متشبثة ببابِ غرفة العمليات، بوجوهٍ يكسوها الألم والحزن..
وصلَ زين وأولادهِ بعد أن تسرَّب الخبر، فوجد مصطفى جالسًا على المقعد، بجسدٍ منهكٍ وكأنَّ الحياةَ انسحبت منه..
اقتربَ منه زين يواسيه، ثمَّ جلس إلى جواره، وقال بنبرةٍ خافتة:
– إن شاء الله يقوم بالسلامة…أنا لسه عارف من آدم لمَّا الخبر نزل على المواقع..
أومأ له مصطفى بصمت، ولسانـهِ معقود، لا يقوى على الكلام.
ربتَ زين على كتفهِ بلطف وقال:
– استودعناه عند ربِّنا، وإن شاء الله يرجعلك بالسلامة…
همسَ مصطفى بانكسار:
– اللهمَّ لا اعتراض…
فجأة، دوت صفاراتُ الإنذار من داخلِ غرفة العمليات..
هبَّ الجميعُ مذعورين، وخرجت الممرضة مسرعةً دون أن تنطقَ بكلمة، فيما تدافعت الأسئلة من أفواههم، والقلق ينهشُ قلوبهم..
بمنزلِ راجح..
قبل عدَّةِ ساعاتٍ استمعَ إلى رنينِ هاتفه:
-تمام ياباشا، الولاد خلَّصوا المهمة، بس اتنين ماتوا، والتالت اتمسك..
-يعني قتلوا الظابط؟..تساءلَ بها بتقطُّعٍ وقلبهِ الذي يصفعهُ على ما فعله..
أجابهُ الآخر:
-الاتنين ياباشا، آخر المعلومات أخوه الكبير كان هناك، هقفل معاك علشان أخبر الباشا الكبير، علشان إفراج العفو..
هوى راجح على مقعدهِ عندما اختلَّ توازنه، يدورُ بأنظارهِ بالغرفةِ بأكملها، ولم يشعر بتلك الدمعة التي تحرَّرت من مقلتيه..
-آاااااه..صارخة يطيحُ بكلِّ مايُوضعُ على مكتبهِ وصرخَ بصوتٍ مرتفع:
-ليييييه، ليه عملت كدا، آاااه، ردَّدها عدَّة مراتٍ إلى أن توقَّف يدمِّرُ كلَّ ما يقابلهُ حتى أُنهكَ جسده، وهوى على الأرضيةِ يبكي بصرخاتٍ مرَّة، ويضربُ رأسهِ بالجدارِ مرةً أخرى:
-ليه..مبسوط دلوقتي، بدل ماتنضَّف نفسك بتغرق أكتر وأكتر، المرَّة دي إيدك ملوَّثة بدمِ أخوك وعياله ياراجح، حاولت تبعد ومادوَّرشِ عليهم علشان ماتوصلشِ لكدا، وفي الآخر حصل اللي كنت خايف منُّه، إنتَ قذر ياراجح قذر، قذر علشان سمعت كلام واحدة نجسة زي رانيا لحدِّ ماعرفت..
آااه يارانيا لو لسة عايشة كنت زماني دفنتك حية، هوى برأسهِ على ركبتيهِ يبكي لأوَّلِ مرَّة..يضغطُ بقوةٍ على ركبتيه:
-شوفت يابا ابنك اللي كنت بتتفاخر أنُّه ظابط، النهاردة قتل ولاد أخوه ووافق زمان على قتلِ أخوه، أنا بحمد ربنا إنَّك مت قبل ماتشوف ابنك وصل لإيه..
تراجعَ بجسدهِ مستندًا على الجدارِ يحدِّثُ نفسهِ وابتسمَ ساخرًا:
-كنت عايز تتوب، كنت بتحاول تكبر جنبهم علشان توقَّعهم وتاخد تار أخوك، أهم لعبوا عليك ياراجح وسبقوك وورَّطوك بدم ولاد أخوك، إيه كنت عامل عبيط ومفكَّر أنُّهم مش هيقدروا يموُّتوهم..هنا فاقَ من صدمتهِ ونهض من مكانهِ يدورُ بالغرفة:
-إزاي قتلوهم، هوَّ مش إلياس كان في المكتب؟. الواد قالِّي أنُّه في المكتب، أكيد في حاجة غلط..تمتمَ بها ورفع هاتفهِ وقامَ بالاتصالِ برؤى، لحظات وأجابت على الهاتف:
-أيوة مين؟،،
-رؤى، إلياس السيوفي عايش ولَّا مات؟..
ابتعدت عن الجميع وتحدَّثت بنبرةٍ غاضبة:
-إنتَ اللي عملت كدا، إنتَ اللي بعتّ ناس يموِّتوه؟..
-بقولِّك مات ولَّا عايش؟..جاوبي وبس..
-لسة عايش ياباشا، وإن شاءالله يقوم بالسلامة وينتقم من كلِّ اللي عمل فيه كدا…قالتها وأغلقت الهاتف، ليتراجعَ راجح بهدوء ولا يعلم لماذا ابتسم:
-عايش، عايش..طب جمال اسمه إيه الواد التاني بنسى اسمه..تحرَّك إلى المقعدِ مع دلوفِ رجلهِ الأوَّل المسؤولِ عن عملياتهِ المشبوهة:
-راجح باشا، العيال نفذوا المهمة، بس مفيش خبر يؤكِّد موتهم، بس عيونَّا في المستشفى.
رسمَ ابتسامةٍ ونهضَ من مكانهِ قائلًا:
-هيموتوا ياعوض، العيال اللي اتعيِّنوا للمهمَّة على أكمل وجه وعارفين بيعملوا إيه، المهم سيبك من الموضوع دا، وقولِّي إيه أخبار الدمنهوري مع هشام، لسة فيه خلافات بينهم زي مابيقول؟..
-أكيد ياباشا، ومش بس كدا، دا طرده علشان جالك هنا وهدَّدك.
شقَّت ثغرهِ ابتسامةٍ ساخرة، وتحرَّك نحو البار، يسحبُ كاسًا ويتناولُ ماحرَّم الله قائلًا:
-يستاهل…ثمَّ التفتَ إليه وقال بنبرةٍ آمرة:
-خلَّص الشغل، عايزين نحتفل بالعملية الأخيرة، قبل ماالباشا يقولِّنا هنصفِّي مين المرَّة الجاية..قالها وأشار إليهِ بالخروج..غادرَ الرجل، ليُلقي راجح الكوبَ من يدهِ ويسبُّهُ بعدما خرجَ متمتمًا بهسيسٍ مرعب:
-واللهِ لأندِّمك ياخاين ياحقير، اصبر عليَّا أوصل للِّي عايزه..
عند رحيل..
جلست بمقابلةِ يعقوب يتحدَّثون عن العملِ المشتركِ بينهما، قاطعهم دلوفُ كارمن:
-صباح الخير، هعطَّلكم .توقَّف يرفعُ يديهِ ويجذبها لأحضانه:
-زوجتي الجميلة، أنرتي الشركة كما أنرتي حياتي..راقبتهما رحيل بعيونٍ سعيدة، ثمَّ توقَّفت قائلة:
-طيب نكمِّل بعدين..أوقفها بإشارةٍ من يديه:
-انتظري رحيل..لم نكمل بعد، كارمن ستغادر، ابتسمت إليه زوجتهِ وبسطت كفَّيها بصندوقٍ قائلة:
-Happy birthday
قهقهَ بصوتهِ الرجولي:
-كنت أعلم أنَّكِ لن تنسين..جلست بجوارِ رحيل، بعدما ارتفعَ رنينُ هاتفه، فاعتذرَ مبتعدًا:
-عفوًا..جلست بجوارها وتحدَّثت:
-عاملة ايه، زعلانة منك علشان رفضتي دعوتي
-اسفة كنت تعبانة، ومقدرتش أخرج
-يعقوب قالي كدا، وقالي كمان انك حامل، ألف مبروووك
-ميرسي ..تأففت تنظر إليه وهو يتحدث بعصبية بهاتفه، ثم اردفت
– رغم انه نسي عيد ميلاده، فقولت أعدِّي بهدية، وكانت دي النتيجة، بيزعق في التليفون
ابتسمت رحيل بإعجابٍ لحياتهما ثمَّ تساءلت:
-لسة محتفظة باللهجة المصرية..
-طبعا علشان ولادي، مكنشِ ينفع مايعرفوش لغتهم، غير كمان حفَّظتهم بعض سور من القرآن.
-ربِّنا يبارك لك فيهم، ولادكم كبار؟..
-مش أوي، عندنا بنت وولد.
-ماشاء الله ربِّنا يحفظهم، مسميينهم إيه بقى؟..مش تطفُّل بس يمكن الاسم يعجني..
-ربِّنا يكمِّلك على خير..إحنا معانا جواد اتناشر سنة، وغزل سبعة..
قطبت رحيل جبينها مردِّدةً الاسمين:
-جواد وغزل..وااااو حلوين أوي..
طبعًا…قالتها كارمن بابتسامةٍ سعيدة واستطردت:
-جواد دا اسم عمُّو جواد اللي رباني بعد بابا الله يرحمه، وغزل مراته، إن شاء الله لمَّا ننزل مصر يبقى أعملِّك دعوة وأعرَّفك عليهم..رفعت يديها وكأنَّها تذكَّرت شيئًا:
-غزل دي دكتورة وعندها مستشفى..
ارتشفت من قهوتها تهزُّ رأسها بابتسامةٍ سعيدة:
-أيوة إنتي تعرفيها؟..أيوة صح دي مشهورة جدًا في مصر، ودايمًا بتعمل ندوات طبية عن مرض الكانسر، أكيد عرفتيها من شهرتها؟..
هزَّت رأسها بالنفي وأجابتها:
-لا ..الحقيقة بابا اتجحز عندهم شوية، فافتكرت، بس شكلك بتحبِّيها أوي بدليل إنِّك تسمِّي ولادك على أسمائهم..
-طنط غزل وعمُّو جواد دول معنى يعني إيه حب، وعيلة وحنان، كل حاجة …على فكرة من وقت حكيتي لي وأنا بفكَّر ولازم نتكلِّم لو بتعتبريني صديقة، بس مش في وجود يعقوب..
-أوكيه..
-إن شاءالله، سعيدة اني اتعرفت عليكي..قاطعهم وصول يعقوب
-رحيل سأخرج، عليك الاستكمال
-فيه حاجة..تسائلت بها كارمن
-نعم..هيا بنا سنخرج
بعد فترةٍ وصلت إلى منزلها تشعرُ بإرهاقٍ بجسدها، قابلتها والدتها:
-حمدَ الله على السلامة ياحبيبتي.
-الله يسلِّمك ياماما..تناولت الخادمة حقيبتها، ثم ألقت نفسها فوق الأريكة..
-حاسة عايزة أنام، معرفشِ النهاردة راسي تقيلة أوي ياماما.
ربتت والدتها على كتفها وأردفت:
-علشان كدا بقولِّك اللي بتعمليه غلط ياحبيبتي، دي أعراض الحمل..
– ماما..قالتها باعتراض حتى لا تتحدَّث والدتها مرَّةً أخرى..
توقَّفت مبتعدةً عنها ثمَّ قالت:
-إنتي كنتي تعرفي بموضوع فريدة السيوفي؟..
رفعت عينيها بجهل وتساءلت:
-مالها؟..أنا معرفهاش غير إنَّها مرات عم..صمتت ولم تقوَ على تكملةِ حديثها، جلست والدتها ترمقها واستطردت:
-حتى اسمه مش قادرة تقوليه، طيب يارحيل الِّلي يوصَّلك إنِّك تكرهي شخص بالطريقة دي..يبقى أكيد عمل فيكي حاجات تانية غير اللي حكيتها، مش موضوع أنُّه اتجوِّزك علشان ياخد الشركة من راجح ..
تنهَّدت بحرقة، وأحداثُ الماضي تضربُ عقلها لينتفضَ قلبها بنبضاتهِ ولا تعلم هنا، لما هذا النبض؟..هل غضبًا ام اشتياقًا؟.قاطعت شرودها والدتها:
-يزن عمل فيكي إيه يارحيل غير موضوع أنُّه خبَّى عليكي أنُّه ابنِ راجح؟..
-وحضرتك شايفة موضوع أنُّه يخبِّي عليَّا دي بسيطة؟..
دقَّقت والدتها النظرَ بهروبها ثمَّ تساءلت:
-رحيل إنتي حملتي من يزن إزاي وإنتي بتكرهيه كدا؟..أوعي يكون اغتص..هبَّت من مكانها منتفضةً رافضةً حديثَ والدتها..
-إيه اللي حضرتك بتقوليه دا ياماما!! أنا تعبانة ومش قادرة أتكلِّم قالتها..ثم صعدت إلى غرفتها هاربةً من نظراتِ والدتها.
دلفت للداخل بعيون متحجرة، هوت على فراشها تبكي بصمت، رفعت كفيها تضعها فوق احشائها
-ياترى اللي هعمله فيك دا صح ولا غلط، حاولت اسامح باباك بس مش قادرة، الخيانة صعبة اوي، بكرة لما تكبر احكي لك ..ابتسمت حينما تذكرت أنها سترزق بجنين، اعتدلت ونهضت متجهة للمرآة، تنظر بهيئتها، تحرك أناملها على احشائها، ثم اردفت
-ياترى هتكون شبهي، ولا شبه باباك، المهم تعرف اني بحبك ومستحيل اتخلى عنك ..استمعت الى رنين هاتفها، فاتجهت والتقطته
-إيلين ..عاملة ايه
-أنا كويسة حبيبتي، بتصل بخالتو مابتردش، ممكن تديلها التليفون عايزاها ضروري
-حبيبتي صوتك ماله، خالو كويس ..
-أيوة الحمد لله، على فكرة ابن عمتو فريدة مضروب وحالته خطيرة
-ابن عمتو فريدة مين
سحبت ايلين نفسا واردفت:
-إلياس السيوفي، ايه يزن مالقكيش
هنا تذكرت حديث يزن، فتحركت إلى والدتها قائلة
-مااهتمتش اصلا، كل اللي اعرفه انه له ابن عم، بس مين ماسألتش
-طيب عايزة خالتو ضروري ..بسطت كفها لوالدتها
-إيلين عايزة تكلمك ضروري
تناولت الهاتف بلهفة بعد الحاحها
-إيلين حبيبتي خير…استمعت إلى شهقاتها فأردفت بتساؤل
-ماما خانت بابا ياخالتو مع ابن الدمنهوري …هبت من مكانها بعيونا جاحظة ثم تسائلت
-مين قالك كدا…استمعت إلى شهقاتها واستطردت:
-ليه عمو جمال مات ياخالتو، ليه انا عرفت الحقيقة
-مش صح ياحبيبتي، ايه اللي بتقوليه دا، امك مستحيل تعمل كدا
صاحت بغضب قائلة:
-الراجل دا قتل عمو جمال لما منعها تهرب معاه مش كدا
-لا مش كدا يابنت محمود، ومعرفش جمال مات ازاي، وبعدين جمال مركبه غرقت ايه اللي جاب امك في الموضوع…لأنها هي السبب ياخالتو، انا لقيت جواباتها، عمو جمال مات بسبب امي ..هو اتقتل المركب ماغرقتش
-اخرصي يابت واياكي اسمعك تقولي كدا، سمعتيني
بالمشفى عند إلياس..
خرجَ الطبيبُ أخيرًا، والإرهاق خيرُ دليل على صعوبةِ الوقتِ الذي مكثهُ بالداخل..توقَّف مصطفى أمامه:
-خير يادكتور..
-الحمدُ لله النزيف وقف، واستأصلنا الكلية، بس للأسف المريض دخل في غيبوبة..
شهقة أخرجتها ميرال وكأنَّ روحها صعدت إلى بارئها لتتقدَّمَ بخطواتٍ متعثِّرة:
-عايزة أشوفه، مش أشوفه بس عايزة سرير جنبه.
-مينفعشِ يامدام..نطقَ بها الطبيب سريعًا..التفتت إلى مصطفى وعيناها كمجرى لشلالٍ قائلة:
-قولُّه ياعمُّو، قوله خلِّيني جنبه، مش هقدر أتنفس وبينا باب..
جذبَ رأسها لأحضانهِ ينظرُ للطبيب:
-خلِّيها معاه يادكتور، بس عايز أعرف إيه اللي المفروض يتعمل دلوقتي هوَّ من غير كلى؟..
-هنعمل غسيل كلوي كلِّ فترة، نحمد ربنا تأذِّي الكلية ماأثَّرشِ على أعضاء تانية، بس ياريت نشوف متبرِّع بسرعة، الكلية دي كانت مزروعة، مش كدا ..
اومأ مصطفى بعد تذكره بتبرع فريدة له
-ايوة، من هو طفل، جاله فشل كلوي، بسبب دواء غلط، وعملنا زرع كلى،
-لازم نشوف متبرع في اسرع وقت، وإن شاء الله الغيبوبة ماطوِّلش..
-لمَّا أكون جنبه هيصحى، لو سمحت.. قالتها ميرال برجاء
صمتَ الطبيبُ للحظاتٍ ثمَّ هزَّ رأسهِ قائلًا:
-تمام..هخلِّي الممرضة تدخلك كلِّ تلات ساعات عنده شوية، بس مينفعشِ تكوني ملازمة معاه، دا علشانه مش علشان أمنعك..مُعافى إن شاءَ الله..تمتمَ بها الطبيبُ وتحرَّك..لتشهقَ ببكاءٍ مرتفعٍ بأحضانِ مصطفى:
-أنا خايفة أوي عليه، قلبي مش عايز يطمِّني، طفِّي ناري ياعمُّو وقولِّي هيقوم بالسلامة، طمِّني عليه لو سمحت ياعمُّوو..
سحبها يزن من أحضانِ مصطفى بعدما وجدَ حالته، اقتربَ زين يساعدُ مصطفى بالجلوس:
-خير إن شاءَ الله، ربِّنا يحميه ويقوِّمه بالسلامة، بس دلوقتي فريدة إزاي هنقولَّها؟..
-لا لا..فريدة مش لازم تعرف حاجة، دي ممكن تموت فيها.
-خلاص اهدى، إن شاء الله تعدِّي على خير، أنا هنزل أشوف فاروق الجارحي، وأطَّمن على أرسلان، هوَّ خرج من العمليات من ساعتين، والحمدُ لله الدكاترة طمِّنونا، هنزل أبص عليه وأرجع لك..قالها زين وهو يرمقهُ بنظرةٍ متألمة..أومأ مصطفى دون حديث..مما جعل زين ينسحبُ للمغادرة، بينما يزن حاوطَ جسدَ ميرال يجذبها إلى المقعد، أجلسها عليه، وحاوطَ وجهها:
-حبيبتي ممكن تهدي، عايزك أقوى من كدا، مينفعشِ انهيارك دا، لازم تقوي علشان طنط فريدة، وكمان يوسف، ينفع إلياس يفوق وتبقي كدا..
وضعت كفَّها على صدرها تنظرُ لأخيها بعيونها التي تحوَّلت إلى بركةٍ من الدماء:
-دا بيوجعني أوي يايزن، ومش هيبطَّل وجع طول ماهو جوا، أنا ماليش حياة من غيره، قولِّي إزاي أعيش وأتماسك وحياتي مش ملكي، حياتي جوَّا، جوا بين الحيا والموت..
احتضنَ كفَّيها يربت عليهما بحنانٍ أخوي:
-اختبار حبيبتي، ولازم تكوني قدُّه، أنا مكنتش أعرف إن إلياس بكلية واحدة، بس تقبَّلت قدر ربنا، مش يمكن فيه حاجة في علم الغيب إحنا منعرفهاش..
-آاااه..ياقلبي
بمكتبِ وكيل النيابة:
-جلس راكان مع أحدِ الضباط الذي تمَّ تعيينهِ بالقضية:
-إحنا بنحقَّق مع الولد اللي اتمسك، بس ماطلعناش بحاجة، هنحوِّله لحضرتك..
أومأ له ثمَّ نظرَ إلى أوراقِ القضية:
-ابعتهولي، وممنوع عنُّه الزيارات نهائي، والأفضل يكون انفرادي، وحاجة أخيرة مش عايز أيِّ حد يقرَّب منُّه، حتى لو كان عسكري، عيونك ماتفرقوش..
نهض الضابط قائلًا:
-تمام، دا اللي عملته بالفعل، بس حضرتك متنساش إنِّ أمنِ الدولة طلبته، وإحنا مش هنقدر نرفض.
-القضية ماتخصهمش، دا واحد مضروب في مستشفى خاصة، يعني مالوش علاقة بالسياسة..
-بس يافندم الظابط يخصُّهم..سحب راكان سيجارتهِ يشعلها ثمَّ رفع رأسهِ إليه وأردفَ بمغذى:
-دا لو مفيش معايا أدلة إنِّ القضية قضية شخصية، محدش يقدر ياخده،
طالعهُ باعتراضٍ متمتمًا:
-بس النية قتل أخوه، الِّلي محدش كان يعرف أنُّه أخوه أصلًا ولا بيشتغل إيه..
مطَّ راكان شفتيهِ معترضًا على حديثه:
-اعمل اللي قولت لك عليه وبس
– تمام..قالها وتحرَّك للخارج..بينما رفع راكان هاتفهِ وهاتفَ أحدهم:
-إنتَ يابني هتفضل عندك كتير؟..
أجابهُ الآخر ضاحكًا بعدما ابتعدَ عن الجميع:
-أوعى تكون متَّصل بيا علشان وحشتك؟..
-لا يافاشل، علشان محتاجك هنا، توحشني ليه هوَّ إنتَ مراتي.،
قهقه جاسر قائلًا:
-وأنا لو واحدة ستِّ هرفضك..أفلتَ راكان ضحكةً حتى دمعت عيناه؛ ونهض من مكانهِ متَّجهًا إلى النافذةِ واستأنفَ حديثه:
-مغرور يابنِ الألفي.
-طبعًا وأمور كمان والبنات بتقع في حبُّي..
-أيوة عارف ومتأكِّد من كدا، هتقولِّي، احترم شيبتك ياأخويا، ولادك بقوا طولك..قاطعهم صوتُ جنى:
-جاسر بتكلِّم مين؟..
-راكان حبيبتي، شوية وجاي..
هزَّت رأسها وتحرَّكت تنادي على أولادها..أردفَ راكان بجدية:
-إلياس السيوفي حاولوا يقتلوه، هوَّ وأرسلان الجارحي..
-أيوة شوفت الأخبار، وعرفت إنَّك مسكت القضية، فيه حاجة ولَّا إيه؟..
-أه، القضية دي مش متركِّبة طبيعي، مش معقول عمُّه هيحاول يقتلهم في مستشفى وفيهم واحد في غيبوبة..
-بالعكسِ ياراكان، المستشفى أسهلُّه، وخاصةً إنَّها مش عسكري.
-لا ياجاسر، أنا متأكد مش هوَّ، فيه حاجة مش مفهومة، يعني أخوه يختفي تلات شهور، وفجأة يظهر حد طلع عليه وضربه ويدخل غيبوبة، وبعد كدا يحاولوا يقتلوه، فيه حاجة ناقصة..
-أممم…مش إلياس كان جابلك فيديوهات توريط عمُّه في أعمال مشبوهة..يمكن عرفوا بكدا علشان كدا حاولوا يتخلَّصوا منهم، بدأوا بأخوه، وبعدين هوَّ..
-لا دا إنتَ الإجازة ضربت عقلك، يابني هيروحوا يقتلوا إلياس وهوَّ عند أخوه، أنا بقول كانوا قاصدين أخوه، أنا دوَّرت وراهم منكرش، ابنِ الجارحي كان مسافر، بس مش بلد واحدة، دا عدِّة بلاد وتوقيت مختلف..
-إنتَ تقصد إيه مش فاهم؟..
-شغل أرسلان ياجاسر، دا مربط الفرس، الواد جاي من برَّة مضروب، يعني مش مضروب في مصر..
قطبَ جاسر جبينهِ متسائلًا:
-إزاي هيجي مضروب من برَّة؟..إنتَ بتهزر، مش لازم يكون السفارة عندها علم
-اقفل ياجاسر، جنى بتنادي عليك، دا لو بشرح لكنان ابنك العيل كان طلع بمعلومة، مش قولت ظابط فاشل..
-هردهالك على فكرة، أعمل إيه القلب والعقل مشغولين دلوقتي..
قهقهَ راكان يهزُّ رأسه:
-بحقد عليك يابنِ الألفي..
مرَّت الأيام والقلوبُ مشتعلةً كالجمر، بل ثقيلة كأنَّها جبالٌ تنهارُ على صدرها، والساعاتُ تُقطِّع قلبها رويدًا رويدًا، وكأنَّ الزمن توقّفَ عند أنينِ الأجهزة وأزيزِ أنفاسهِ الضعيفة..جلست بجوارهِ كما اعتادت، ولكن كلَّ يومٍ يمرُّ كان يأكلُ من روحها قطعة، ويُطفئُ من عينيها وهجَ الحياة.
بسطت كفَّها الذي ارتجفَ من شدَّةُ حزنها ومرَّرتهُ على وجههِ الباهت، تبحثُ في ملامحهِ عن روحهِ التي فقدتها تلك الأجهزة اللعينة، ظلَّت تمرِّرها حتى توقَّفت على شفتيهِ التي شحُبَ لونها، تاهت ابتسامته، رغمَ أنَّها قليلة ولكنَّها كانت تبعثُ الطمأنينة في قلبها، أمسكت بمحرمةٍ ورقية، بللَّتها دموعها قبل أن تلمسَ بها جبينهِ البارد..
وبدأت تمسحُ وجههِ، كأنَّها تحاولُ إعادةَ الدفءِ إليه بلمستها المرتعشة، وهمست بصوتٍ اختنقَ بالعبرات:
دقنك طولت شوية، ينفع أحلقها، بس عارف شكلك قمر فيها..انحنت تضعُ جبينها فوق جبينه..هنا عجزت دموعها بالاختباء، فانفجرت كالبرك:
-إلياس..أنا وحيدة، ماليش غيرك، أوعى توجعني كدا حبيبي، أنا ماليش أهل غيرك، مش عايزة لا يزن ولا رؤى، عايزاك إنت، أوعى تعملها معايا، لأن مفيش حنان في الدنيا غير حضنك، أنا دلوقتي فهمت كلمتك لمَّا قولت لي يمكن اللي مش لقتيه عندي تلاقيه عند يزن..لا حبيبي أنا لقيت معاك كلِّ حاجة، أوعى تخلِّ بوعدك، هزعل منك، هتسيب مراتك وابنك في الدنيا يتعذِّبوا من غيرك؟.
ارتجفَ صوتها وهي تتذكَّر كلماتهِ القديمة..
وضعت رأسها فوق صدرهِ وحاوطت جسدهِ بذراعيها، تحاولُ سحبه من غيبوبتهِ بعنفِ الحب، وصراخ قلبها..
شهقة عالية خرجت منها لتشعرَ بتمزُّقِ أحشاءها، كأنَّ القلبَ ينهارُ من الداخل، ثمَّ تابعت بصوتٍ تائه:
– أنا بموت…واللهِ بموت، مش قادرة أتنفس…رجَّعلي روحي ياإلياس… رجَّعلي عمري، مراتك بتموت من غيرك، مش إنتَ قولت لي إنَّك بتحبِّني، طيب اثبت لي ياإلياس..اثبت لحبيبتك إنَّك بتحبِّني..قاطعها دخولُ مصطفى، يتحرَّكُ بجسدٍ كالظل، ذابت ملامحهِ من الحزن، من يراهُ لا يصدِّقُ أنَّ الذي يرقدُ على فراشهِ ليس من دمه، اقتربَ منها، وبسطَ كفِّه على رأسها بحنانٍ أبوي موجوع:
– قومي حبيبتي، ارتاحي شوية، شوفي ابنك بيسأل عليكي.
هزَّت رأسها، بعينينِ غارقتين:
– أرتاح إزاي وهو بيتألِّم كدا؟ أرتاح إزاي وقلبي بيتقطَّع؟ أنا مستعدة أتنازل عن حياتي كلَّها عشان يرجع يفتح عيونه بس، قولُّه ياعمُّو، قولُّه يفتح عيونه وأنا أعملُّه اللي عايزه، قولُّه ميرال مش هتقدر تعيش من غيرك.
تنهَّد مصطفى، كأنَّهُ يسحبُ من روحه آخر ما تبقَّى من أمل:
– إن شاء الله هيقوم، وترجعي تتخانقي معاه، وتيجي تشتكي لي منُّه زي زمان…
ابتسمت بمرارةٍ وهي تتهاوى في حضنهِ مع ارتفاعِ شهقاتها:
– مش هشتكي تاني…واللهِ ماهزعَّله، بس يقوم، هتنازل عن كلِّ حاجة، كلِّ حاجة مستعدة أتنازل عليها حتى روحي وحياتي كلَّها، بس مايسبنيش، الفراق وحش وأنا ضعيفة مش قدُّه، ميرال ماينفعشِ تعيش من غير إلياس..واللهِ ماتعرف تعيش من غيره..
انهارَ مصطفى مع دموعهِ التي خانته، تسقطُ بصمت، وهو يهمس:
– مش إنتي بس ياحبيبتي اللي متعرفيش تعيشي من غيره، كلِّنا… وربِّنا مش هيضرِّنا فيه..لازم نفضل متمسِّكين، قولي يارب…
أومأت برأسها، أمسكت دموعها بصعوبة، تمسحُها بقوة، وحاولت أن تتماسك:
-حاضر…عندك حق، لازم أتماسك علشان هوَّ يقوم..
ربتَ على ظهرها بحنان بعدما ضمَّ رأسها لأحضانه:
-برافو عليكي حبيبتى، أهو كدا أقول إنِّي عرفت أربِّي، يالَّه امسحي دموعك وروحي زوري والدتك، بتسأل عليكي مش عايزين نحسِّسها بحاجة، ماصدَّقنا إنَّها اقتنعت بسفر إلياس في شغل..حاضر هعدِّي على ماما بس بعد شوية، لازم أسند نفسي علشان ماضعفش قدَّامها..قاطعهما دلوفُ الطبيب، اقترب، ثمَّ فحصَ إلياس بهدوءٍ يثيرُ الرعب، ثمَّ نظر إلى مصطفى بنبرةٍ مختصرة:
– لقيتوا متبرع؟.الغسيل على حالته تقيل، دلوقتي هوَّ في غيبوبة ومش حاسس، بس لمَّا يفوق هيكون صعب عليه..
ارتجفَ قلبُ ميرال، ثم نظرت إليه بتلهُّف:
-هيَّ الغيبوبة من الكلى يا دكتور؟
– لا، من النزيف اللي حصل…إن شاء الله يفوق قريب، بس لازم نلاقي متبرِّع بشكل نهائي، الغسيل مرهق لحالته جدًا، احنا بنعمله يوم ويوم، يعني بحالته دي هيكون صعب ..قاطعه مصطفى:
-كلِّنا عملنا التحليل ولسة بانتظار النتيجة، إن شاءالله حد مننا يتطابق..
تركتهما وخرجت من الغرفة بعينيها المتعلقتينِ بجسده، حتى أغلقت الباب..وجدت غادة أمامها، ضمَّتها دون كلمة:
-إيه الدكتور مقالشِ فيه جديد، ما تقوليش مفيش جديد؟…
أجابت بنبرةٍ مبحوحة:
– مفيش، فيه رحمة ربِّنا ياغادة…
وقعت عينيها على يزن يحملُ صغيرها..لم تحتمل، ركضت إليه، ثمَّ تلقَّفتهُ بلهفةٍ تحتضنهُ كأنَّها تغرسُ وجهها في حضنهِ الصغير، لتستنشق رائحة الغائب منه:
– حبيبي…وحشتني…
ضربها بكفِّه الصغير، وقال:
– با…با…
كأنَّها سُمِّرت، شهقت، ثمَّ جثت على الأرضِ تحتضنهُ تبكي:
– يا روح بابا…يااارب ما تحرمنا منُّه…
اقتربَ يزن، يأخذ طفلها ثم ضمَّها:
– ينفع كدا يا ميرال؟! طب سبتي لماما فريدة إيه؟ محتاجة تقوي شوية، لازم تروحي لها، بتسأل عليكي كلِّ شوية، جوزك لسه عايش، بلاش ضعفك دا.،
-آااه..قلبي مولَّع نار يايزن، بحاول بس كلِّ اللي بيحصل أقوى منِّي..
حاوطَ جسدها بحنانِ ذراعيهِ يشيرُ إلى غادة
-خدي يوسف ياغادة، ثم التفت اليها -حبيبتي إن شاءالله يفوق، عايزك تقوي، إنتي مرات إلياس السيوفي، لازم تقوي عن كدا، الإعلام كلُّه برَّة..هتخرجي إزاي بشكلك دا، دي مش مرات إلياس، اعرفي إنِّ جوزك يستاهل الدنيا كلَّها تعرف أنُّه اتغدر بيه من ناس لا دين ولا قيم..
رفعت عينيها التي انطفأت وتمتمت:
-زي أبونا يايزن، مش بعيد أنُّه هوَّ اللي عمل كدا…تسمَّر جسدهِ للحظات:
-لا..ماأظنش، وهوّّ يقتله ليه؟.لو عايز كان قتله من زمان..
أشارت إلى غادة وأردفت:
-خدي يوسف وروحي ياغادة، خلِّي بالك منُّه..ثمَّ التفتت إلى يزن:
– عايزة أشوف أرسلان، ودِّيني عنده…
– لأ، ممنوع الزيارات، أنا حتى مشوفتوش، الِّلي عنده إسحاق بس…
هزَّت رأسها، بعينينِ تشتعلان بإصرار:
– اتِّصل بيه، لازم أشوفه…ده مش أيِّ حد، ده ابنِ عمِّنا، وأخو جوزي… محدِّش يقدر يمنعني، قالتها ثمَّ انطلقت إلى الأسفل، وقلبها يسبقُ خطواتها، متَّجهةً للطابقِ الذي يُحتجز فيه أرسلان، وكأنَّ خلف ذلك الباب، جزء من الأجوبة، لما صار ذلك لزوجها؟
مرَّت عدَّة أيامٍ أخرى، لم تخلو من شيئٍ سوى معرفةِ فريدة بما صار لابنها، تقبَّلت الخبر بنفسٍ راضية
-بتخبي عليا يا مصطفى، يعني تلاتين سنة وانا صابرة على بعده، مش هتحمل الخبر دا
-فريدة عيطي، مش عايزك كدا، طلعي اللي جواكي
-مش هتتحمله يامصطفى، انا مش زعلانة، ربنا رحيم، بعد اللي حصل ماليش اختل برحمة ربنا يا مصطفى، متأكدة من عظمة الخالق، اللي يحرمني منهم تلاتين سنة ويرجعوا لحضني تاني وهم بالشكل دا، يبقى لترتيبه حكم ومواعظ يامصطفى، ولادي الاتنين بين ايد اللي احسن مني ومنك، لو ربنا رايد اذيتهم مكنش وقعهم مع ناس كدا تلاتين سنة، دا ربنا رحمهم، ارجع لسورة الكهف يامصطفى وشوف رحمة ربنا في آياته من سفينة غرقت علشان ملك ظالم، وجدار حمى ملك يتامي، اقتربت تنظر بمقلتيه
وطفل وحيد والديه قُتل علشان هيكون سبب لنزع الايمان في قلوبهم، يبقى انا أكون ايه علشان اعترض على حكمه، بعد مااتربوا كدا، وبقوا وسط ناس الكل بيضرب بيهم المثل، بكرة اتفاخر بيهم ويقولوا ولاد فريدة اهم
قالتها بنبرة مبحوحة، تشكر بسكين ينخر جوفها، ثم رفعت عيناها التي يختزن بها حزن العالم قائلة:
-قوم ياابو يوسف، وديني عند ابني، يمكن يحس بامه اللي محستش بيه تلاتين سنة وهي بتربيه، تلاتين سنة بيكبر قدامي ومعرفتش أنه ابني، يبقى ماليش اعترض واقول ليه يارب، لا المفروض اقول .. الحمد لله أن ربنا رضاني بعد سنين عذاب بحضنهم وكلمة ماما، كفاية عليا مكنش طماعة، واعترض على حكمه، أمانة ربنا يامصطفى وهديته، وأنا عندي يقين بيه أنه هيردهم، بس لازم ادفع تمن حب وكرم ربنا ليا ..قوم ياابو يوسف قوم، وارمي حمولك على الخالق
ذهبت إليه وبدأت الزيارة عدَّةَ مرَّاتٍ بمساعدةِ مصطفى، ولكن افزعهم واعجزهم التحاليل بما يناسبه،
كانت تغطُّ بجوارهِ تضعُ رأسها على الوسادة بجواره، وجسدها منسابًا على المقعد، فتحَ عيناهُ لعدَّةِ مرَّاتٍ يهمسُ اسمَ أخيه بخفوت، تململت ظنًّا أنُّه حلمًا ولكن حركة أناملهِ التي تضعها على وجهها جعلها تقفزُ من نومها تتأكَّدُ بما تشعرُ به..
-أرسلان ياميرال..ابتسمت تقبِّلُ جبينه:
-كويس حبيب ميرال إنتَ حاسس بإيه؟..ضغطت على زرِّ المساعدة، حتى وصلت الممرضة:
-فاق..وصلَ الطبيبُ يتفحَّصه، ولكن بنظراتٍ غير راضية أشارَ إلى مصطفى:
-محتاجين متبرِّع ياسيادةِ اللواء..
-بندوَّر، ونزِّلنا إعلان في كلِّ مكان، التحاليل كلَّها سلبية للأسف..
بعد فترة دلف الطبيب وجدها تحتضن كفه، وعيونا دبت بها الحياة مرة اخرى، اقترب منها بدخول مصطفى ويزن، فأردف الطبيب
-مدام ميرال عملت التحاليل بتاعتها، والحمد لله النتيجة ايجابية؟..
-بلاش ميرال لو سمحت..وصلت إليهم ميرال بعدما استمعت إلى حديثهم الجانبي:
-إيه يادكتور فيه حاجة، إلياس كويس؟..
-مدام ميرال تحاليلك الوحيدة المتَّفقة مع المريض، دون تفكيرٍ أجابته:
-أنا جاهزة، حضَّر العمليات..قالتها واتَّجهت إلى إلياس الذي يحاولُ أن يظلَّ بوعيه، توقفت تنظر إليه بحب، تهمس لنفسها:
-مستحيل اسمع كلامهم، اقتربت منه قائلة:
-إلياس حاسس بإيه..أغمضَ عينيه، استندت على جبينهِ تهمسُ له:
-حبيبي سامعني؟..
-تعبان، شوفي الدكتور..قالها بتقطع، مع دخول فريدة
-عامل ايه ياحبيبي
-الحمد لله..قالها واغمض عيناه متألمًا، انزلقت عبرة رغمًا عنها، اقتربت تلثم جبينه
-فداك عمري كله ياحبيبي..فتح عيناه إليها يهمس بخفوت
-ماما عايز اشوف ارسلان
مسحت على وجهه مع انسياب دموعها
-ارسلان كويس، انت شد حيلك، إن شاءالله بكرة تعمل العملية وتشوفه
-عملية ايه…تراجعت تنهر نفسها، ثم استدارت لتخرج سريعا قائلة
-حبيبتي خلي بالك من جوزك..اتجه بنظره إلى ميرال وحاول الحديث، ولكن انهك جسده، ولم يقو، دلفت الممرضة، فحصت اعضائه ثم رفعت نظرها إلى ميرال
-الورقة دي فيها كل حاجة علشان تجهزي للعملية بكرة إن شاءالله، ربنا يقومكم بالسلامة، ياريت تتبعي كل اللي فيها
-اومأت لها وعيناها على إلياس الذي يتطلع إليها بعيونا متسائلة، اقتربت منه بعدما لاحظت آلامه التي تجلت بملامحه
-تعرف انا اتأكدت انك اغلى من روحي، عارف انا مش عايزة غير حاجة واحدة بس، تعرف ايه هي..كان يتابعها بصمت، رفعت كفيه تقبلهما ثم نطقت
-ترجع تستقوى عليا وتطلع كل غلك فيك، وترجع تقول ماشي يابنت مدام فريدة ..انحنت تطبع قبلة بجوار خاصته:
-مستعدة أضحي بعمري كله، ولا اشوفك كدا، انا بحبك اوي، وتأكد أنك احسن حاجة حصلت لي في الدنيا دي، زي ماانا متأكدة أن ربنا بيحبني اوي اوي علشان اتجوزتك
-مير. ال ..مخبية عليا ايه..قالها بثقل لسانه ..طبعت قبلة سريعة، تنظر لعيناه القريبة بعشق ثم غمزت له
-دمك تقيل يابن عمي، ولازم حبيتك تخففه ..
ارتفعت أنفاسه من شدة الامه، مما جعلها تستدعي الطبيب الذي فحصه، قائلا
-جرعة بسيطة قبل العملية، إن شاءالله كله هيكون تمام، وبعدين المفروض تتحمل ياحضرة الظابط، حد يبقى عنده ست بتحبه كدا ويفضل نايم على السرير
-ايه الألم دا يادكتور، فيه ايه
-إلياس بكرة هنعملك زرع كلى، مدام ميرال هي المتبرع
سقطت الكلمات فوقه كصقيع ترتجف له الأبدان
-لا ..لا ..كررها محاولا النهوض، مع ارتفاع صرخاته المتألمة، صوت اذيذ الأجهزة
-إلياس لو سمحت مينفعش، حالتك خطرة جدا، لازم العملية، وضعك مش هيتحمل الغسيل كتير
-مراتي لا..رمقها بنظرة حزينة قائلاً:
-اياكي تعمليها، سمعاني ..تمتم بها مع شحوب وجهها حاول الطبيب إنعاش قلبه بعض شحوب وجهه، اقتربت منه تمسد فوق خصلاته:
-ارتاح دلوقتي، إلياس متعملش كدا
اغمض عيناه بين النوم واليقظة هامسًا
-هطلقك لو عملتيها..
انزلقت دموعها وآلامه الصارخة التي شقت قلبها لنصفين، ليخرجها الطبيب بعدما اغلق عينيه كأنه لم يعد لديه قوة للحياة، ورفع جهاز الصدمات في محاولة أخرى لإنعاش قلبه .. دقائق مرت عصبية تفصل الحياة بالموت، إلى أن استمع الى النبض مرة اخرى، ليتنهد الطبيب بارتياح اخيرًا
ذاتَ ليلة بعدما عجز الجميعُ عن إفاقةِ أرسلان، بعدما استخدمَ معه الأطباءُ كلَّ الطرقِ العلاجية، حتى فُقدَ الأمل إلَّا أنَّ القدرة الإلهية كان لها تدبيرًا آخر..
اخترقت الإضاءةُ عيناهُ بقسوة، كمن انتُزعَ من قبرهِ ليواجهَ شمسًا ساطعةً فوق الرؤوس..
أطبقَ جفنيهِ سريعًا، متأوِّهًا بصوتٍ خافت، ارتسمت أعينُ إسحاق بابتسامةٍ ليكرَّر ندائهِ مرَّةً أخرى:
-أرسلان!.قالها
بصوتٍ مرتجف، ليخترقَ أذنهِ ويقومَ بفتحِ عينيه بعد علمهِ لصاحبِ الصوت..
ظلَّ إسحاق للحظات ، قريبًا، مترقبًا، يكاد يلهثُ تحت وطأةِ الانتظار..ليتأكَّد أنَّه ليس سراب، إلى أن همسَ بصوتٍ بالكادِ خرج من بين شفتيهِ المتشقَّقتين:
إلياس…؟
هنا فقدَ إسحاق السيطرة ليسقطَ على ركبتيهِ بجوارِ السرير حينما لم يستطع مقاومةَ الطوفانِ الجارفِ الذي اجتاحه، فانحنى يسجدُ على الأرض، والدموعُ تسقط بصمتٍ كسره.. شهقاتٌ متقطِّعة، خافتة، لاعترافهِ بالحمد، بالرهبة، بالخوف، وبالنجاةِ التي جاءت بعد ظلامٍ طويل…حينما فقدَ الأمل، نهضَ مرةً أخرى على صوتِ أرسلان المشبعِ بالألم :
إلياس…فين؟!
نهضَ إسحاق مسرعًا، مسحَ دموعهِ بظهرِ كفِّه، قبل أن يميلَ نحوه، ويطبعُ قبلةً طويلةً على جبينه، يحاولُ أن يطبعَ الطمأنينةَ في قلبهِ المضطرب..
حبيبي، حاسس بإيه؟
حاول أرسلان بلعَ ريقه، لكنَّه كان كمن يحاولُ ابتلاع َصخرة، عيناهُ تائهتانِ بين الوعي والذاكرة، بين الحاضرِ والماضي الذي لا يزالُ يصرخ داخله.
ثمَّ، بصوتِ بالكادِ خرج من بين شفتينِ مرتجفتين، همس:
عمُّو… إلياس…؟
تجمَّد إسحاق للحظة وشعر بجسدهِ يبرد، كأنَّ أنفاسه احتُجزت قسرًا في صدره..كيف يخبره؟ كيف يواجهُ تلك العيونِ القلقة بالحقيقة التي قد تقتلهُ قبل أن يتقبَّلها؟
رسمَ ابتسامةٍ مع لمسِ خصلاتهِ المبعثرة بحنان، ثمَّ أردفَ بنبرةٍ جعلها متَّزنة:
إلياس كويس، حبيبي…
لكن عجزت الشفاهُ عن النطق، ولم تعد لديها القدرة على الكلام..
رفع أرسلان عينيهِ إليه لتقابلَ عيناه التي تحملُ الوجع الذي تسللَّ بين حروفهِ رغم ابتسامته، بدأ قلبه يخفقُ بجنون..وارتجفَ جسده، وتثاقلت أنفاسه، وخرج صوتهِ متحشرجًا، ممزَّقًا بين الرجاءِ والرعب:
إلياس فين يا عمُّو؟!..أوعى يكون… قتلوه..!
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم سيلا وليد
"اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك."
رؤية الأم لابنها معلقًا بين الحياة والموت، أشبه بأن تُسحب أنفاسها دون أن تموت، وألا تذوق طعم الحياة ولا تُدرك طعم الموت.
فكيف لأم أن ترى اثنين من أولادها بين الحياة والموت.
يا وجعي… أراكما تتألمان أمامي، ولا أملك سوى أن أضمّ الدعاء إلى صدري، وأخبئ انهياري عن عينيكما.
كل الأجهزة التي تُبقيكما هنا… لا تشبه حضنكما، لا تشبه صوتكما، لا تشبه الحياة التي كنتَا تملؤها ضوءًا.
أمّكما يا صغيراي، باتت نصفها معكما في سريركما الأبيض، ونصفها الآخر يحاول أن يقف على حافة الانهيار دون أن يسقط.
بين كل نبضة وآخرى، أراقبكما… أُحصي أنفاسكما كأنها أنفاسي، وأعيش الموت ألف مرة وأنا أراكما لا تردان.
يا الله… إن كان لي عمرٌ باقٍ، فامنحه لهما، ولا تتركني أعيشه فقدانهما.
في غرفة إلياس، قبل العملية بعدة ساعات.
بعدما استمع إلى حديث الطبيب بأن المتبرع ميرال، وإصراره بالرفض…
حتى ارتفعت أنفاسه وانخفض النبض.
يغلق عينيه، حاول الطبيب إنعاش قلبه مرة أخرى بعدما توقف النبض للحظات.
هدأ الطبيب بعدما نجح في إعادة النبض مرة أخرى.
بعد فترة.
رفرفَ أهدابهِ ببطء، محاولًا العودةَ للحياةِ مرَّةً أخرى.
ظلت تدعو ربها بأن يعود للحياةً مرَّةً أخرى.
ولكن؟!
كيف؟..
وجسدهِ ساكن، وروحهِ تتأرجحُ بين الحياةِ والموت.
انحنت تطبعُ قبلةً على جبينه، قبلةً مرتعشةً تحملُ فيها وجعها، عمرها، دعواتها، وكلَّ ماتبقَّى لها من أمل.
شهقةٌ انفجرت من صدرها كأنَّها خرجت من هوَّةٍ سحيقةٍ من الألم.
شهقةٌ ليست كأيِّ شهقة، بل نزيفًا من جوفها، كسكينٍ صدئة تنخرُ في العظام وتدوي في كلِّ ذرةٍ من جسدها.
"إلياس… حبيبي عامل إيه؟!"
نطقتها بصوتٍ منكسر، وحروفٍ مرتجفة.
بعدما فتح عينيها.
قتربت ميرال منه، تركعُ أمامهِ كمن يركعُ للرحمة.
واحتضنت كفِّه بين راحتيها، تتطلَّعُ إليه بعينينِ تمتلئُ بالخوف.
واحتضنت كفيه تتسائل بدمع عينيها:
"حبيبي حاسس بإيه، اجبلك الدكتور؟.."
فتح عينيه، ولكن عينيهِ لم تكن نفس العيون، لم يكن هو…
كان ظلًّا، طيفًا باهتًا من ماضيه.
همس بصوتٍ خافت، متعب:
"الحمدُ لله…"
"أنا كويس.."
مسَّدت فريدة على رأسه:
"دايمًا كويس حبيبي وحسَّك في الدنيا.."
تعلَّقت عيناهُ بعينيها التي رآها كأنها خلت من الحياة.
شقَّ شفتيهِ الجافتينِ هامسًا:
"أنا آسف.. متزعليش منِّي.."
نطقها بأنفاسٍ مرتفعة، كالذي يصعدُ أعلى قمَّةٍ جبليةٍ في وقتٍ قياسي.
تقطَّعت أنفاسها، وتمزَّق قلبها، فهل هذا صوتُ ابنها؟!
أين ضحكتهِ التي كانت تشقُّ السماء؟!
أين ملامحهِ التي كانت تفيضُ حياة؟!
لقد شقَّ قلبها صوتُ ضعفه، شعرت وكأنَّ سكينًا تُغرسُ في كلِّ شريانٍ من شرايينها.
نظرت إليه، كأنَّها ترى احتضارهِ بأعينها ولا تملكُ أن تصرخ.
"هل هذا فلذةُ كبدي؟! أين الشباب؟ أين الحيوية؟ أين روحكَ الغائبة؟! يا حبَّةَ القلبِ والعين، قلبي يصرخُ بالألم، ينزف، يناديك، ولا يسمعُ سوى صدى وجعي!"
رفعت عينيها للسماء، مبتعدةً عن احتضانهِ لعينيها، عندما شعرت بأنَّه يودِّعها.
هنا لم تتمالك دعاءها ولا دموعها:
"رحماك ربِّي بقلبِ أمٍّ مكلومةٍ على فلذةِ كبدها… رحماك ربي بعبدكَ المستجير، لا طاقةَ لي بهذا الابتلاء…"
أطبقت على جفنيها، والدموعُ تحترقُ على أطرافِ الأهداب، تحاولُ أن تحبسها كأنَّها إن سقطت سيسقطُ ابنها معها.
"ماما…"
كلمة خرجت من بين شفتيهِ وكأنها خرجت من قاعِ الألم، أشعرتها برجاءٍ من طفلٍ يطلبُ صدرَ أمِّه لينجو.
انحنت على جبينه، ويداها ترتجفان، تملِّسُ على وجنتيهِ كأنَّها تحاولُ أن تمحو الألمَ بلمستها، أن تعيدهُ طفلها من جديد.
"قلب أمَّك… يا نور عيني، يا ضيِّ عمري…"
ابتسم، رغم أنفاسهِ التي تعلو وتنهار، رغم الألم الذي ينهشُ جسده.
همس بصعوبة، وكأنَّ الحياةَ كلَّها تلخَّصت في هذه الكلمة:
"أنا بحبِّك…"
"آااااه…"
خرجت من قلبها لا من فمها، صرخة تشبهُ ميلادًا جديدًا، يختلطُ فيه الوجع بالفرحة، الألمُ بالحب، والدمعةُ بالبسمة.
"مش عايز غير حضنك.."
شهقت، وهي تشعرُ وكأنَّ الروح انتفضت فيها، واحتوتهُ بين ذراعيها بحنانٍ يفيضُ عن العالم.
"سامحيني ياماما، مفيش أغلى منِّك.."
دفنت وجهها بصدره، وصرخةٌ مزَّقت صدرها، شعر بأنها ليست مجرَّدُ صرخة بل زلزلةُ شعور، صدى وجعٍ صدحَ في أركان الغرفة.
احتوتهُ بذراعيها كأنَّها تريد أن تُلصقَ روحهِ بروحها، أن تتقاسمَ الحياةَ بينهما.
ورغم تراقصِ قلبها بسعادةٍ حين نطقَ كلماته، ولكنَّه انتفض يرتجفُ تحت ثقلِ الخوف.
أحاسيس متضاربة، رغم مرارةِ اللحظة، كانت كلمتهُ نسمةً رطبة، بردًا وسلامًا على قلبها وسطَ نيرانٍ كادت تهشِّمها.
بينما ميرال التي تراجعت مبتعدةً بذعرٍ من حديثه، هل هذا وداع، لما يقول هذه الكلمات.
انسابت دموعها بكثرة ولم تقوَ على منعها.
نهضت بهدوءٍ حتى لم يشعر بها، وانتفض جسدها بالكامل، وهي ترى زوجها وكأنه يحتضر.
ياالله ماله من شعور قاسٍ.
ابتعدت تريد أن تخرج صرخاتها، تريد أن يقف من أعلى قمة جبلية ليتهشم جسدها ولا تشعر بكم هذا الألم.
خطت خطوتين ودموعها تحجز رؤيتها ورغم ذلك تريد أن تهرب.
ولكنَّه تمتمَ اسمها، تجمَّدَ جسدها وهي تواليهِ ظهرها.
كرَّر ندائها.
فاستدارت إليهِ بوجهٍ اختفى خلف دموعها.
شعرت فريدة بما تشعرُ به، فوقفت وتحرَّكت إلى مكانِ وقوفها:
"حبيبتي، جوزك كويس، سمعتي قالِّي إيه.."
سحبت نفسًا تضغط على شفتيها حتى تمنع دموعها التي لم تتوقف.
ابتسم يمد يده إليها، بينما اردفت فريدة:
"سمعتي ياميرال إلياس بيحبني اكتر منك…"
أومأت بإبتسامة مختلطة بدموعها وتعلَّقت بعينيهِ قائلة:
"أه.. سمعت ياماما وغيرانة.."
ازدادت آلامه، فأطبقَ على جفنيهِ حتى لا تشعرانِ به.
بينما مسحت فريدة دموعَ ميرال وضمَّتها لأحضانها:
"اجمدي حبيبتي، أنا محتاجاكي، لازم نقوِّي بعض…"
قالتها فريدة بهمسٍ خافت حتى لا يصلَ إليه.
ثمَّ ربتت على كتفها قائلة:
"أنا تعبت هروح أرتاح وإنتي كمان ارتاحي، وخلِّي إسلام جنبه، كفاية عليكي كدا.."
أزالت دموعها مقتربةً من فراشه قائلة:
"تعبي بعيد عنُّه ياماما، هنا راحتي.."
ابتسمت فريدة بحنانٍ أمومي ثمَّ خرجت.
اقتربت من فراشهِ بخطواتٍ ترتجفُ كثقلِ نبض قلبها، كان مغمضَ العينين، وهدوءهِ يرعبها.
ظنَّت أنَّه عاد إلى غيبوبتهِ من جديد.
جلست بجوارهِ بصمتٍ يقطرُ وجعًا، ترسمُ ملامحهِ بدموعها وكأنَّها تحفرُ صورتهِ في قلبها قبل ذاكرتها، تخشى أن تُسرقَ منها في أيِّ لحظة.
وضعت رأسها بجوارِ رأسه، تهمسُ بأضعف ما تبقَّى فيها:
"يارب… ماتحرمنيش منه، خد عمري كلُّه، بس ما تخلينيش أعيش لحظة فراقه، ما توجعنيش فيه، يارب…"
صوتها المرتعش، المضمَّخ بالدمع، وصل إليه كأنَّ قلبهِ استشعر انكسارها.
فتح عينيهِ بصعوبة، ودار برأسهِ نحوها.
كانت قريبة، أقربُ من أيِّ وجعٍ يشعرُ به.
امتزجت أنفاسها بأنفاسهِ يريدُ أن يسحبها لأحضانه.
رفع كفَّيه المرتجفين، وأزال دموعها بأطرافِ أصابعهِ الهشة، وهمس بصوتهِ المتهالك من الألم:
"بعد الشر عليكي… ليه بتقولي كده يا ميرال؟ نسيتي يوسف؟ اسمعيني، أنا مستحيل أوافق تعملي العملية… حتى لو هموت.."
هنا تهاوت، وتفجَّرت شهقاتها بقوَّة، بعدما حاولت دفنها داخلها ليحترقَ كلَّ مابها، فانهارت فجأةً بعد عجزها أمامه، تبكي كما لم تبكِ من قبل، بكاءُ امرأةٍ خافت أن تفقدَ قلبها:
"أنا من غيرك ميِّتة، يا إلياس… بعيش وقلبي بينزف، بتمنَّى أكون مكانك، بس ماشوفكش بتتوجع كده."
رفعت كفَّيهِ تقبلهما بانهيار:
"بلاش تموِّتني كدا.."
أشار بعينيهِ المرتعشتينِ أن تقترب.
اقتربت منه أكثر، ثم انحنت عليه.
فرفعَ ذراعيهِ بصعوبة يجاهدُ الألم، واحتضنَ رأسها إلى صدره:
"بلاش إنتي.. أنا خايف عليكي، لو بتحبِّيني بجد… ما تعمليش العملية… أوعديني… لو بتحبِّيني، ما تكمِّليش فيها."
رفعت رأسها لتقابلَ عيناهُ القريبة، تهمسُ بصوتٍ مخنوق، صوتًا يحفرُ في قلبه:
"مش قادرة أشوفك بتتوجع… لو تعرف أنا بحبَّك قدِّ إيه، كنت فهمت أنا مستعدة أقدِّم عمري كلُّه علشانك."
"اشش… اسكتي، وبطَّلي كلامك الأهبل."
"حبي ليك هبل؟!"
نظرَ لها نظرةً طويلة، عميقة، كأنَّ فيها كلَّ التعبِ والحنينِ والخوف.
لمسَ وجهها بأناملَ ضعيفة، وأزالَ عبراتها كمن يطبطبُ على قلبه:
"بتحبِّيني.. بجد؟"
هزَّت رأسها بنعم، ودموعها لا تتوقَّف، كأنَّها تعترفُ بكلِّ حبِّها دون حاجةٍ للكلام.
"يبقى ما تعمليش العملية… لو بتحبِّي إلياس، حافظي عليه بيكي… ما تخليش قلبي خايف عليكي، مش هتحمِّل وجعك حبيبة قلبي.."
انهارت أكثر، ودفنت وجهها في عنقهِ تستمدُّ الأمانَ في صدره الضعيف، تبكي وتهمسُ بكلِّ مافيها:
"أنا بعشقك، وبموت فيك، مش بس بحبَّك… إنتَ روحي، قول لقلبك ميرال بتموت من غيرك."
ضمَّّها بقوَّةٍ تفوقُ ألمه، وهمسَ كأنَّ نفسهِ الأخيرِ مرهونًا بحضنها:
"وأنا… أنا هموت لو حصلك حاجة."
رفعت وجهها، بدموعها ولهفتها، ثم طبعت قبلةً على شفتيه، قبلةً تفيضُ بكلِّ ما عجزت الكلماتُ عن قوله، قبلةً فيها انهيارها، وانكسارها، واشتياقها.
ثمَّ ابتعدت قليلًا، وضعت رأسها بجانبِ رأسه، تحاوطُ جسدهِ بذراعيها، تمنت أن ذراعيها تخلقُ له درعًا من قلبها:
"أدفع عمري… وأنام في حضنك تاني… صدَّقني حبيبي، مستعدة أضحِّي بحياتي"
"مش هتعمليها ياميرال، وزي ماإنتي خايفة عليَّا أنا هموت عليكي.."
"اوعديني، لو بتحبيني.."
قالها وهو يزيل عبراتها بحنو.
ظلت متعلقة بعينيه ثم اومأت تطبق على جفنيها.
"حاضر ياالياس"
"حاضر ايه .."
صمتت ومازالت متعلقة بعينيه لتردف:
"مش هعمل العملية …"
هزَّ رأسه بالنفي قائلًا:
"لا مش كدا، اسمها بحبك وخايفة على زعلك علشان كدا مش هتعمليها، مش انت خايفة على زعله"
هزت راسها دون النطق بحرف.
قاطعهم دخولُ راكان، ملقيًا التحيَّة.
نهضت ميرال من مقعدها بسرعةٍ ما إن رأت راكان يدخلُ الغرفة، ورسمت على وجهها ابتسامةً خفيفة.
"أهلاً بحضرتك…"
أومأ لها دون أن ينبسَّ ببنتِ شفة، توجَّه بعينيهِ نحو إلياس.
ثم تقدَّم نحوهِ بخطواتٍ بطيئة، فيها تروٍّ، ثمَّ حيَّاهُ قائلا:
"حمدَ الله على السلامة، عامل إيه؟"
ردَّ إلياس بصوتٍ متهدِّجٍ وهو يضغطُ على ألمهِ كي لايظهره:
"الحمدُ لله…"
التفتَ إلى المقعدِ الذي يجاورُ فراشه، ثمَّ جلس عليه.
طافت عيناهُ تراقبانِ ملامحَ إلياس المتعبة، ثمَّ نظر إلى ميرال وقالَ بهدوء:
"ممكن تسبينا شوية؟"
تطلَّعت ميرال إلى إلياس الذي أومأ بعينيه.
بصمت، سحبت خطواتها وخرجت ببطءٍ تشعرُ بانتزاعِ قلبها، حينما تركتهُ وحيدًا.
سادَ الصمتُ للحظاتٍ ليحمحمَ راكان قائلاً:
"عارف إنَّك تعبان، ومش جاي كمحقِّق.. ممكن نمشِّيها صداقة، رغم إنَّك صغير عليَّا.."
تحرَّكت شفتا إلياس بصعوبة، وتسلَّلت ابتسامةٌ باهتةٌ إلى وجههِ وهو يتمتم:
"ليَّا الشرف طبعًا."
ابتسم راكان بمحبَّةٍ خافتةٍ وأردفَ بنبرةٍ هادئة:
"والله جيت أطمِّن عليك، مش علشان الشغل…"
توقَّفَ لحظة، يراقبُ ردَّةِ فعلِ إلياس، ثمَّ أكمل:
"عايزك تجاوبني كصديق زي ماقولت من شوية، وتأكَّد دا مالوش علاقة بالشغل، مش إنتَ اللي كنت المقصود، صح؟ أخوك كان الهدف."
أغمضَ إلياس عينيه، وكأن الكلماتَ أثقلت على صدره، حينما تذكَّر أرسلان.
ثم قال بصوتٍ خافت:
"هتفرق مع حضرتك؟"
مال راكان بجسدهِ للأمام، وأردفَ بنبرةٍ حادَّة:
"طبعًا، لو إنتَ المقصود، يبقى في احتمال شغلك، أمَّا لو أخوك، فاحنا بنتعامل مع حد بيحاول يخلص منكم بذكاء…"
صمت لثوانٍ ثمَّ أضاف:
"يعني لو قولنا أرسلان صاحب جيم… ليه حد يحاول يقتله؟"
رفع إلياس نظرهِ إليه، وعلم بلعبتهِ فقال:
"عايز توصل لإيه يا سيادةِ المستشار؟"
"مين اللي كان عايز يقتل أرسلان يا إلياس؟ ومتحاولش تخون ذكائي، أنا متأكِّد إنَّك مش المقصود."
نظر إليه إلياس نظرةً طويلة، ثمَّ قال ببرود:
"لمَّا حضرتك متأكِّد… بتسألني ليه؟"
"زيادة تأكيد… مش أكتر.."
لمعت ابتسامةً خفيفةً على وجهِ إلياس، ثمَّ قال بهدوء:
"لو حصلِّي حاجة، عايز حقِّ أخويا وأبويا، يا سيادةِ المستشار. هسألك يوم مانتقابل.. حقِّ أبويا وأخويا فين؟"
تراجعَ راكان في جلستهِ قليلًا، وارتسمت ابتسامةُ انتصارٍ صغيرةٍ على وجهه، ثمَّ نظرَ إلى إلياس بتمعُّن:
"أفهم من كده إنَّك هتقولِّي اللي حصل؟"
"اللي حصل… إنِّ عمِّي عايز يخلص منِّنا.. شغله في كفَّة، وحياتنا في كفَّة تانية.. هدِّدوه، قالوله حياتنا مقابل حياته."
قطب راكان جبينه واقتربَ أكثر:
"طب ليه بدأوا بأرسلان؟"
"معرفش…"
تنهَّد راكان، وضرب كفًّا بكفٍّ بتأفُّف:
"ما كنَّا ماشين حلو، رجعنا نلبَّخ ليه؟"
رمقهُ إلياس بنظرةٍ مرهقة وقال بسخريةٍ مريرة:
"نلبَّخ؟! حضرتك شايف دا شكل واحد عنده طاقة يلبَّخ؟"
"إلياس.."
قالها راكان بحدَّة دون قصد، ثمَّ استغفرَ بصوتٍ مسموعٍ وهو يهدِّئُ نبرته:
"آسف… بس فيه حاجة ناقصة.. أولاً، إزاي عرفوا إنُّكم إخوات؟ راجح مستحيل يقول، لأن زي ماقولت هوَّ المعرَّض للخطر.. وثانيًا، ليه عايزين يخلصوا من أرسلان بالتحديد؟"
نظر إليه إلياس بثبات وقال:
"وليه حضرتك ماتقولش… إنُّهم كانوا عايزين يموُّتوني أنا؟"
توقَّف راكان لثوانٍ، يطالعُ ملامحه المتعبة، ثمَّ هزَّ رأسهِ نافيًا:
"كنت متأكد إنَّك مش هتفيدني."
تأوَّه إلياس قليلًا، وملامحهِ تتلوَّى من الألم، فأردفَ راكان:
"كده بتضيَّع الحق اللي بتسألني عليه…"
"أنا تعبان… ومش قادر أتكلم."
ساد الصمتُ من جديد، لكن حديث العيونِ يخفي الكثير.
حتى توقَّف راكان معتذرًا:
"ألف سلامة عليك، همشي.. وأعدِّي عليك في وقتِ تاني.."
بعد دقائق، دلفَ يزن إلى الغرفةِ بخطا حذرة.
لم يكن بحاجةٍ إلى كلمات، نظراتُ إلياس وحدها كانت كافيةً لتدعوهُ للجلوس.
جلس يزن قريبًا منه، يترقَّبُ حديثهِ بصمت.
رفع إلياس عينيهِ نحو ميرال، وأردفَ بصوتٍ خافت:
"ارجعي على البيت… وهاتيلي يوسف، عايز أشوفه."
نظرت إليه بقلقٍ شديد، وارتبكت ملامحها:
"البيت دلوقتي ياإلياس؟ الساعة عشرة!.."
هزَّ رأسهِ بإصرار، رغم الإرهاقِ الذي بدا واضحًا في ملامحه:
"أيوه هاتيه، خدي إسلام معاكي… عايز أشوف يوسف."
تردَّدت، ثمَّ اقتربت منه بخطواتٍ بطيئة، وامتلأت عيناها بدموعٍ متحجِّرة:
"بس مينفعش، حبيبي…"
أغمضَ عينيه قليلًا، حينما شعر بالألمِ ينهشُ أنفاسهِ.
فالتفتَ يزن نحوها، واقترب منها أكثر، وقال بصوتٍ يحملُ مزيجًا من الحنان:
"هاتيه يا ميرو، وأنا هبقى معاه.. أنا عارف إنِّك قلقانة وخايفة، بس أنا هنا، مش هسيبه."
دمعت عيناها بقوَّة، بعدما فشلت دموعها بالاختباء ونظرت إليه كأنَّها تراهُ للمرَّةِ الأخيرة.
ثمَّ اقتربت منه، وانحنت لتطوِّقَ جسدهِ بذراعيها:
"حاضر… هجبلك يوسف،"
سحبت نفسًا وعيناها تحتضنُ عيناهُ قائلة:
"عارفة إنَّك عايزني أمشي، بس خليك متأكد إنَّك كده بتكسر قلبي."
أمسك يديها، وقرَّبهما من فمهِ وقبَّلهما برقةٍ مرتعشة، ثمَّ تمتم:
"وإنتي تأكَّدي إنِّي بعشقك."
انسابت دموعها على وجهه، لم تعد تملك أيِّ مقاومة، لتدفن رأسها في عنقه، تجمع رائحتهِ برئتيها، ثم همست بتقطُّع باكٍ:
"مش عايزة أسيبك ياإلياس… خلِّيني جنبك، وهخلِّي إسلام يروح ليوسف."
رفعَ كفَّيه يحاوطُ عنقها، يريد أن يضمَّها لصدره، ولكنَّه عاجزًا عن فعل ذلك، همسَ بخفوتٍ عاشق:
"مينفعشِ حبيبتي… روحي، بيتنا مش وحشك؟"
أجابته بصوتٍ منكسر:
"ويوحشني ليه؟ وإنتَ مش فيه يا إلياس… أنا مش عايزة حاجة إنتَ مش فيها.."
"ميرال.. لو سمحتي!!"
قالها بصوتٍ مجهد، يشعر بإنسحابُ الهواء كما ينسحبُ الضوءُ من النهار.
رفعت عينيها وتعلَّقت بعينيهِ القريبة.
للحظات تمرِّرُ أناملها على وجهه ممَّا جعلهُ يغلقُ عينيه من لمستها الدافئة، أومأت برأسها، ثمَّ همست وهي تستدير:
"حاضر.. همشي."
غادرت، وهو يتابعها بعينيهِ وكأنَّ خطواتها تشبهُ خطواتِ وداع.
أغلقت البابَ خلفها ليغمضَ عيناه.
اقترب يزن من السرير، وهو مغمضُ العينين، يحاولُ السيطرةَ على أنفاسهِ المتسارعة.
انحنى يسأله:
"أنادي الدكتور؟.."
هزَّ رأسهِ بالنفي، ثمَّ فتحَ عينيهِ بصعوبة، وقال بصوتٍ خافتٍ مرهق:
"يزن.. اسمعني كويس… يمكن ما نتقابلشِ تاني."
"أنا مش عايز ميرال تعمل العملية.. هيَّ قالت مش هتعملها… أنا مش مصدَّقها… أنا عارفها.."
أخذ نفسًا عميقًا، لكنَّه كان مثقلاً بالوجع، ثمَّ قال:
"أنا من أوَّل مرَّة شفتك، حتى قبل ما أعرف إنِّنا قرايب، شوفت فيك الرجولة، حاول تقنع ميرال… مينفعش إحنا الاتنين علشان يوسف.. طالعهُ بعينيهِ وكأنَّه يترجَّاه:-العمليات دي نسبة نجاحها قليلة ومش أحسن حاجة، مش عايز ابني يتيتم، أم وأب، فاهمني؟ علشان كدا، أنا واثق فيك، وهتحافظ عليهم.. مراتي وابني… وصيتك."
سقطت كلماتهِ على قلبِ يزن كأنَّها حجارةٌ باردة، حتى انتفضَ جسدهِ من وقعها، لكنَّه تماسَك، وضعَ يدهِ على صدرِ إلياس وهمس:
"إلياس، إنتَ هتقوم بالسلامة.. إنتَ ومراتك، ومحدش هيربِّي ابنك غيرك، صدَّقني."
لكنَّه أغلقَ عينيهِ للحظة، قبل أن يفتحها مجدَّدًا ويهمسَ بتعبٍ أكبر:
"يزن، اسمعني… ميرال لأ… مستحيل أسمح لها تضحِّي بنفسها، هيَّ جسمها ما يستحملش، ضغطها دايمًا مش مظبوط، والدكتور قال في متبرِّع تاني… بلاش ميرال، أرجوك.."
قالها بأنفاسٍ متسارعة، حتى شعر بإنهاكِ صدره من الألم، ناهيكَ عن آلام جسدهِ الأخرى.
أومأ يزن سريعًا، محاولًا تهدئته:
"تمام… اهدى بس، علشان متتعبش."
أغمضَ إلياس عينيهِ بهدوء، وكأنَّ الصمتَ صار ملاذهِ الأخير، ثمَّ ابتلعَ ريقهِ يبسطُ كفَّيه:
"أوعدني الأوَّل، أوعدني تحافظ على مراتي وابني، إسلام لسة صغير، ولو طلبت منُّه كدا هينهار، مفيش قدَّامي غيرك.."
ربتَ على كفَّيهِ محاولًا تهدئته:
"من غير ماتطلب منِّي كدا، أوعدك أحافظ عليهم بروحي.."
أغمضَ عينيه أخيرًا بارتياح، مع دخولِ غادة بجوارِ رؤى.
انحنت على ركبتيها بعد خروج يزن، وضعت رأسها بأحضانه تبكي بصمت.
"وحشتني، وحشتني أوي.."
رفع يده يمسدها على رأسها.
"انت كمان وحشتيني،"
رفع رأسها وأزال عبراتها، قائلًا بابتسامة خافتة.
"بتعيطي ليه، هو أنا مُت.."
شهقت بصوت مرتفع تهز رأسها وارتفع صوتها الباكي.
"بعد الشر عليك ياحبيبي، يارب أنا وأنت لا"
"اشش، مسمعش صوتك، كبرتي يابت وبتدعي على نفسك"
"إلياس أنا خايفة، خايفة عليك اوي"
"ليه ياغادة، هي أول مرة، اخوكي بسبع ارواح متخافيش، وبعدين مش هموت غير لما اجوزك واطلع عين الحيلة إن شاءالله"
ابتسمت من بين دموعها تهز رأسها.
"إن شاءالله ياحبيبي.."
رفع عيناه الى رؤى التي تستمع إليهم بصمت ثم أشار إليها بالقرب، اقتربت بهدوء وعينين مترقرقتين.
"عاملة ايه…"
تسائل بها وعيناه تتفحص ملامحها.
"مش كويسة من غيرك .."
ابتسم واجابها.
"اكيد، انت مش شايفة غادة اهي زيك، مش انت مش كويسة من غيري ياغادة"
دفنت رأسها بحضنه بقوة مما اغمض عينيه محاولا تحمل جسدها عليه.
رفع كفيه وحاوط كتفها.
"احنا قولنا ايه، ليه بتحسسيني اني هموت خلاص وجاين تودعوني"
"بس بقى ياالياس.."
قالتها غادة بحزن تدفعه عيناها من نظرات إليه.
جلست رؤى بجوارها ونظرت إليه.
"انت كويس"
"الحمد لله كويس اوي، يعني لما يبقى عندي أختين حلوين ومش مبطلين عياط، عمالين يفولوا على اخوهم هكون ازاي يعني"
"إلياس بطل هزار .. جاي تهزر في الظروف دي .."
قالتها رؤى بعدما سحبت كفيه تحتضنه.
تعمق بالنظر إليها ثم قال.
"رؤى خلي بالك من مراتي، اياكي تزعليها.."
"وأنا هزعلها ليه ياالياس، بالعكس أنا زعلانة علشانها.."
رفع كفيه إليها.
"كفاية مش قادر،"
قالها واغمض عيناه.
بمنزلِ زين.
كانت تعملُ على جهازها المحمول، دلف آدم ملقيًا السلام، ثمَّ هوى بجسدهِ جوارها قائلًا:
"النهاردة اليوم كان مرهق أوي.."
التفتت إليه تطالعهُ بتفحُّص:
"مالك حبيبي فيه حاجة حصلت؟.."
أغمض عينيهِ ثمَّ سحب نفسًا طويلًا يزفرهُ على مهل:
"كان عندي شغل كتير برَّة الجامعة، وكمان عدِّيت على طنط فريدة.."
أغلقت جهازها واستدارت تجلسُ بجوارهِ تشيرُ إلى ساقيها:
"نام أعمل لك مساج، هترتاح شوية، وشَّك مُجهد أوي.."
تمدَّد يحتضنُ ساقيه، خلَّلت أناملها الناعمة بشعرهِ الغزير، وبدأت تحرِّكها بهدوء، ثمَّ تساءلت:
"آدم.. فاكر عمُّو جمال جوز طنط فريدة؟.."
اعتدلَ على ظهرهِ ينظرُ إليها:
"إيه اللي فكَّرك بيه حبيبتي، وبعدين دا ميِّت قبل ماتولد، سمعت عنُّه.."
"معرفشِ بس لمَّا شوفت إلياس وأرسلان، كنت عايزة أعرف عنُّه أيِّ حاجة، أكيد كان جدع أوي، بيقولوا الابن بيكون أفعال أبوه.."
أغمضَ عينيهِ ثمَّ وضع أناملهِ فوق جبينهِ ومازال متمدِّدًا على ظهره، وساقيها وسادته.
"مش شرط، بس أنا سمعت عنُّه أنُّه كان راجل أوي وكويس.."
"يعني غير عمُّو راجح؟.."
فرك جبينهِ يهزُّ أكتافهِ بجهل:
"معرفش ياإيلين، كلِّ اللي أعرفه أنُّه كان كويس.."
اعتدل متكئًا على مرفقيهِ يتعمَّقُ بعينيها:
"مش هتقوليلي بتسألي ليه؟…"
"طيب تعرف بابا وماما اتجوِّزوا إزاي، كان حب؟.."
اعتدل جالسًا، ومازالت نظراتهِ المستفهمة ترسمها:
"حبيبتي مالك فيه حاجة ليه بتسألي؟!"
نهضت من مكانها بعدما لملمت شتاتَ عقلها وأجابته:
"بفكَّر بس ياآدم، إيه اللي يخلِّي بابا يرمينا بالطريقة دي، ويروح يتجوِّز واحدة زيِّ سهام دي، عايزة أعرف بس."
قطبَ جبينهِ ممتعضًا، وتحدَّث بنبرةٍ ممزوجةٍ بعدمِ الاقتناع:
"بعد السنين دي كلَّها ياإيلين، جاية تسألي عن باباكي؟!.. دا متجوِّز وإنتي عندك عشر سنين، يعني بعد اتناشر سنة جاية بتسألي ليه باباكي اتجوِّز على مامتك؟!.."
انسحبت بهدوءٍ بعدما فشلت في معرفةِ الوصولِ لشيء.
تحرَّك خلفها، حاوطَ جسدها قبل دخولها المطبخ:
"حبيبتي إنتي زعلتي، أنا بس مستغرب حبيبتي.."
استدارت إليه ورسمت ابتسامةً تهزُّ رأسها:
"خلاص انسى، غيَّر هدومك لما أجهَّز السفرة، أنا جعانة أوي، ماأكلتش طول اليوم.."
بعد فترةٍ نزلت إلى منزلِ خالها، قابلتها مريم أختها:
"إيلين إنتي لسة صاحية، تعبانة ولَّا إيه؟"
هزَّت رأسها وتلفَّتت تبحثُ عن زين فتساءلت:
"فين خالو نام؟"
"لا خالو مش هنا، في المستشفى عندك خالتو فريدة.."
استدارت قائلة:
"كنت محتاجاه في حاجة، لمَّا يرجع بالسلامة"
بالمشفى:
خرج إسحاق من غرفة أرسلان وهو يتنهّد بارتياح، وكأن ثقلاً جاثمًا قد انزاح عن صدره.
لم يكد يخطو خطوتين حتى وقعت عيناه على فاروق، الواقف بالقرب من الطبيب، ما إن رآه حتى اندفع نحوه بلهفة:
"أرسلان فاق… صح؟!"
أومأ إسحاق برأسه وابتسامة خفيفة ترتسم على وجهه المتعب، ثم قال بصوتٍ هادئ لكنه يحمل في نبرته شيئًا من الحذر:
"إهدى، لسه تحت تأثير المخدر… ومتنساش، بقاله أكتر من تلات شهور في غيبوبة… المهم، سأل على إلياس… أنا قولتله إنه بخير، بس تعبان شوية. هو شافهم وهما بيضربوه، وماعندوش فكرة خالص عن موضوع الكلية ده…"
اقترب منه أكثر، وأردف بنبرة ممزوجة بشيئًا من الجدية:
"خليك جنبه… ممنوع أي مخلوق يدخل عليه، غير دكتورته، والممرضة اللي من المستشفى العسكري. فاهم؟ ممنوع يا فاروق تسيبه، لحد ما أرجع."
وقبل أن يدير له ظهره، شدّ فاروق على ذراعه بقلق، وسأله بعينين يتراقص فيهما الخوف:
"رايح فين؟!"
تنهد إسحاق، وخرج صوته خافت وكأنه يهمس لنفسه:
"شغل يا فاروق…"
"إنت مجنون! لسه خارج من تعب وموت، متفكرش إنك أقوى من أرسلان!"
ربّت على كتفه في صمت، وابتسم له ابتسامة ثقة ثم همس:
"متخافش… مشوار وراجع."
بعد قليل، دلف إلى مقر جهاز المخابرات بخطى ثابتة، ورغم الإرهاق البادي على ملامحه، كانت عيناه يقظتين كأنهما ترصدان الخطر من بعيد.
وجد بعض القادة في انتظاره، فألقى التحية العسكرية، ثم جلس معهم.
ظلوا يتناقشون في ما علمه من أرسلان، حتى قاطعه أحدهم بنبرة متسائلة، تحمل توترًا:
"الجيش… كتيبة في الجيش؟ طيب، وصلوا للمعلومات إزاي؟"
نقر قائدًا اخر بقلمه على الطاولة بإيقاع سريع، ثم قال:
"أنا تواصلت مع أحد القادة، في ظابط على كفاءة عالية وثقة، هيتولى المهمة… لازم نوصل لباقي المعلومات ونعرف مين دول، و ناويين على إيه… قوات الجيش مسيطرة هناك، واللي يخلي الظابط ده يسيطر على مكان محاصر بالإرهابيين بالشكل ده، أكيد يقدر يعمل المطلوب."
بينما تسود لحظة من الصمت المتوتر، دلف أحدهم إلى القاعة، وألقى التحية بصوت قوي.
أشار إليه أحد القادة:
"تعالَ، ياسين… عرّف عن نفسك."
مرّ بعينيه على الموجودين، وكأنه يزنهم بنظرة عسكرية مدروسة، ثم قال بثبات:
"المقدم ياسين جواد الألفي، قائد كتيبة ". ." في (….)"
أشار إليه إسحاق بالجلوس، وتبادلوا النظرات، ثم انطلقت من جديد نقاشاتهم، تدور حول ما يُراد فعله.
وكانت الخطورة تتسلل من بين كلماتهم، كأنهم يمسكون بجمرٍ لا مجال لتركه.
خرج ياسين بعد فترة ليست بالقليلة، رفع هاتفه وهاتف والده.
"سيادة اللوا، عامل ايه حضرتك…"
أجابه على الجانب الآخر جواد.
"أنا كويس حبيبي، انت هترجع امتى؟!"
حك مؤخرة رأسه ينظر لحركة السيارات السريعة وتحرك وهو يتحدث.
"اسف يابابا، مش هينفع انزل عندي شغل مهم"
"في آمان الله ياحبيبي، خد بالك من نفسك …"
قاطعه خروج اسحاق متجها إلى سيارته، اقترب منه وعيناه تتفحصه بدقة، توقف ومازالت عيناه تخترقه:
"انت ابن اللوا جواد الألفي"
"اومأ قائلًا: أيوة يافندم …"
ابتسامة اطمئنان شفت ثغر اسحاق، فاقترب يربت على كتفه:
"مايعملش كدا غير صقر فعلًا، ربنا معاك"
ابتسم ياسين وتحدث بنبرة ممتنة.
"شكرًا لحضرتك .."
ارتدى اسحاق نظارته ولوح بيده قائلاً:
"شكلنا هنتقابل كتير ياحضرة المقدم .."
بالمنزلِ الذي تُحتجز به رانيا.
وضع الرجلُ الطعامَ أمامها:
"كلي ومش عايز دوشة، معنديش أوامر بحاجة غير إنِّك تاكلي وبس."
نهضت محاولةً الهروب، ولكنَّه دفعها بقوَّةٍ حتى سقطت على الأرض وأشار إليها مردفًا بحدَّة:
"أنا بحاول أتعامل معاكي كبني آدمة، بلاش تخلِّيني أفقد أعصابي، اللي واقف قدَّامك كان شغَّال في عمليات خاصة، ياريت تستوعبي الكلمة، أنا خلقي ضيَّق.."
قالها الرجلُ بعدما رمقها باشمئزازٍ وخرج يغلقُ البابَ خلفه.
ظلَّت تضربُ رأسها بالجدار:
"واللهِ لأندمكم كلُّكم، ماشي اصبروا عليَّا ياكلاب،"
نهضت تدورُ حول نفسها بغضب:
"بعد دا كلُّه وفريدة تنتصر عليَّا، لا مستحيل، أنا معملتش دا كلُّه علشان هي تتهنَّى بحياتها، لازم أفكَّر في حل، فيه اتنين لازم أوصلهم همَّا اللي هيخلَّصوني من هنا، بس إزاي أوصل لعطوة، وميرال.. إزاي.."
آاااه صرخت بها تحطِّمُ كلَّ ما يقابلها.
بمنزلِ راجح.
كان يتابع الأحداثَ عن طريقِ ممرضةٍ قام برشيها بكثيرٍ من الأموال.
تذكَّر ماحدث منذ يومين.
(قبل يومين)
رفع هاتفهِ وتساءلَ بلهفةٍ أخفاها:
"أخبار إلياس السيوفي إيه؟"
أجابتهُ على الطرفِ الآخر وهي تتلفَّتُ حولها:
"هيعمل عملية نقل كلى، مصطفى السيوفي هيجيب له دكتور مشهور أوي من برَّة، وعرفت كمان مراته هي اللي هتتبرَّع له."
ارتفعت أنفاسهِ كالمتصارع، ثمَّ سألها:
"العملية خطيرة، يعني ممكن يموت؟"
أجابتهُ بتمهُّل وحذر:
"جدًّا، وممكن يموت فيها، وكمان عرفت مراته عندها مشكلة، بس هيَّ أصرَّت وطلبت من الدكتور مايعرَّفشِ حدِّ خالص؛ وأه كمان جوزها ميعرفشِ إنَّها هيَّ اللي هتتبرَّع له، أوَّل ماعرف رفض يعمل العملية، بس بعدها هيَّ اتفقت مع الدكتور يقول له فيه متبرع.."
نظر بشرودٍ ثمَّ أردف:
"تمام اقفلي وأيِّ جديد عرَّفيني.."
ظلَّ لفترةٍ جالسًا بمكانه، ثمَّ أخذَ هاتفهِ وقام واتَّجهَ إلى المشفى، دلف بعدما أعلمَ الاستقبال عن هويته:
"انا متبرِّع،"
رفعت السماعة وهاتفت المسؤولين ثمَّ أشارت إليه:
"هتطلع من هنا، ممنوع الدخول من الباب الرئيسي،"
أومأ وتحرَّك صاعدًا للأعلى.
هبَّت ميرال من مكانها فجأة، وعيناها تقدحانِ شررًا، وكأنَّها رأت شبحًا من ماضٍ أسود.
اقتربت من راجح بخطًا سريعة، وصوتها يكاد يخنقُ تنفُّسها:
"إنت بتعمل إيه هنا؟! إزاي سمحوا لك تدخل؟!"
أدار وجههِ إليها بنظرةٍ باردة، وكأنَّ وجودها لايعني له شيئًا وأردفَ بنبرةٍ باردة:
"اسكتي يابت، مش عايز أسمع نفسك، نسيتي إنِّي أبوكي.."
خرج مصطفى من غرفةِ فريدة على صوتِ الشجار، وعيناهُ تحوَّلت لجمرٍ مشتعل، توقَّف للحظة، وكأنَّه لايصدِّقُ ما يرى، ثمَّ زأر بغضبٍ كأسدٍ جريح:
"مين سمحلك تيجي هنا يامجرم؟!"
اقترب منه، وكاد ينقضُّ عليه، لكن تدخلَ يزن وتوقَّف أمامهِ بخطوةٍ وابتسامةٍ لاذعةٍ على وجهه:
"أهلًا راجح باشا… كنت قلتلنا إنَّك جاي، كنا رشِّينا فينيك وخلِّينا البوابين يعلَّقوا فص ثوم.."
راحت عينا راجح تدورُ في وجوههم، حتى استقرَّت على يزن، وأشار له بتحذير:
"ابعد عنِّي ياله، إنتَ مالك؟ لتكون محامي العيلة الجديد؟!"
اقترب منه يزن ورمقهُ بنظرةٍ قاتلة:
"اللي جوَّه ده ابنِ أخويا، وأنا أكتر واحد ليه الحق فيه…"
قهقه يزن يصفِّقُ بيديه، حتى أوقفهُ مصطفى مقتربًا من راجح:
"مش دا اللي تضيَّع نفسك عليه يابني، سيبه لنفسه ربِّنا يتولاه.."
بصقت فريدة بوجهه.
توقَّف راجح، يتلقَّى لعناتهم كأنَّها مطرُ شتاء.
"فريدة، ده أقلِّ من إنِّك تكلِّميه، ماينفعشِ تنزلي لمستوى متدني.."
لكن راجح، رغم الإهانة أردف:
"أنا عايز أشوف ابنِ جمال…"
قبل أن يكمل، ظهر إسحاق كالعاصفة، يشيرُ للأمن:
"ارموه برة… ولو رجع هنا تاني، موِّتوه من غير ما ترجعولي."
اقترب أحدُ الحرَّاس، لكن راجح رفع يده، محاولًا أن يحافظَ على كرامةٍ مهشَّمة:
"إنت عارف بتقول إيه؟!"
لكن إسحاق قاطعهُ واقترب، ونطق بنبرةٍ تقطرُ تهديدًا:
"لمَّا تتكلِّم مع إسحاق الجارحي، تتكلِّم وراسك في الأرض، أنا هسيبك تمشي دلوقتي زي الكلب.. امشي دلوقتي ياراجح، وادعي ربَّك تموت قبل ماأشوفك تاني."
رغم رعشةٍ في أطرافه، رسمَ الجمود وأردف:
"على مهلك يا إسحاق باشا… أنا راجح الشافعي، وإنتَ عارف أنا أقدر أعمل إيه."
اقتربَ إسحاق وربتَ على كتفهِ بقوَّةٍ مؤلمةٍ تهزُّ الجبال:
"وأنا عارفك أكتر من نفسك ياراجح… لكن محبتش ألعب معك، خلِّي بالك من نفسك، لحدِّ ماأطمِّن على ابني، وقتها اللعب هيكون على المكشوف.."
انسحبَ راجح بخطواتٍ ثقيلة، وهو بيلمِّ جاكيته، عيناهُ تبحثُ عن أيِّ تعاطف.
لكن النظرات إليهِ كعدو، كدمار.
توقَّف بلحظةٍ عفوية، ونظرهِ سكنَ على فريدة في أحضانِ مصطفى.
تقابلت الأعين للحظات.
أعين تريدُ تدميره، أمَّا عيناه أرادت الصفحَ والعفو، فأردف:
"أنا جيت أشوف يوسف يافريدة، مكنتش جاي قاصد شر.."
"دا بيقول شر.. حد يمشِّي الراجل دا بدل ماأموِّته.."
هكذا قالها يزن وهو يشيرُ إليه.
اقتربت ميرال منه تتعمَّقُ بالنظرِ إليه:
"إنتَ اللي عملت في إلياس كدا، إنتَ ياراجح؟!"
رمقها بنظرةٍ صامتة، ثمَّ رفع عينيهِ إلى فريدة.
هزَّت رأسها بعنفٍ بعدما تأكَّدت من فعلته، ارتجفَ جسدها وانسابت دموعها بغزارة، حتى استدار وانسحبَ من المكانِ بالكامل.
هنا هوت على الأرضية تبكي بصرخاتٍ مرتفعة، وتحوَّلت إلى حالةٍ من الجنون.
هبط يزن بجوارها يضمُّها بحنان:
"معلش حبيبتي حظِّنا كدا.."
دفنت رأسها بصدرِ أخيها تهتفُ ببكاء:
"آاااه.. ذنبي إيه يكون ليَّا أب كدا، أبويا هوَّ اللي حاول يقتل جوزي يايزن، أبوك هوَّ اللي حاول يقتله.."
"اخرسي.."
هتفَ بها مصطفى وانحنى يرفعها من فوق الأرضِ يمسحُ دموعها بحنانٍ رغم نبرتهِ الحادَّة:
"إياكي أسمعك تقولي على الراجل دا أبوكي.. أنا اللي ربِّيتك، أنا بس اللي ليَّا الحق تقولي له بابا، والستِّ دي أمِّك، أومال جوزك عمل دا كلُّه ليه، علشان واحد كلب زي دا ميقدرشِ يفتح بوقه.."
هربَ سريعًا بعدما استمعَ إلى كلماتِ مصطفى التي أشعرتهُ بأنَّه لا يريدُ سوى الموت.
خرجَ من شرودهِ بعدما دلفت الخادمة إليه:
"فيه ظابط برة عايزك"
"ظابط؟!"
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم سيلا وليد
"اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض"
مَن يُطفِئُ الآنَ نارَ الظنونْ؟
وكنتَ الحياةَ… أجل، كنتَ كلّي،
فمن ذا يُعيدُ إليّ السكونْ؟
تركتَ ارتجافي على ضفّةِ الصمتِ،
كأنّي جدارٌ… تقاومَ دونَ سكونْ.
نسيتَ الذي كانَ بيني وبَينَك،
ونسيتَ نبضي، وخافقَ عُيونْ!
فيا من تملّكتَ عمري وسري،
أما كنتَ تدري؟ أما تسمعونْ؟
مَضيتَ… وخلّفتَ فيَّ الخرابَ،
كأنك كنتَ الزمانَ المصونْ.
فلا أنتَ حيٌّ، لأحضنَ ظلك،
ولا أنتَ ميتٌ… لأبكيك دُونْ.
تُرى: من أُعاتبُ بعدكَ؟ ربي؟
أم اللّيل؟ أم هؤلاء الساكنونْ؟
أنا والحنينُ… من غيرك بيتٌ خريبٌ،
وغيمٌ ثقيلٌ… ونبضٌ يخونْ.
بمكتبِ راكان، يخيِّمُ السكونُ على المكان إلَّا من حركة أناملهِ على جهازهِ الذي يعملُ عليه مرة، وعلى أوراقه مرة.
دلف جاسر بخطواتٍ ثابتة، وعينينِ تنطقُ بالشوقِ لصديقِ الأمس واليومِ والغد.
"هالو..هالو بالليل يا حضرةِ المستشار العبقرينو..."
قالها وهو يقتربُ منه.
رفع راكان عينيه ببطء بعدما كان منكبًّا على أوراقه وجهازه، ثمَّ ابتسم ابتسامةً اتَّسعت معها روحه، ونهض متوقِّفًا يحتضنه.
"أهلين وسهلين، وأنا بقول الشمس غابت ورا الغيوم ليه!"
قهقهَ جاسر بخفَّة، ثمَّ ألقى بجسدهِ على أقربِ كرسي كأنَّه يحملُ تعبَ أيام ماضية.
"لا والله، ليه؟ حد قالَّك إحنا في الشتا؟"
ضحك راكان بصوتٍ عال، وضغط زرًّا خفيًا في مكتبه.
دخل الساعي سريعًا، فلوَّح له راكان بكفِّه بنغمةٍ آمرةٍ محبَّبة.
"قهوة جاسر باشا ياابني..وقهوتي كمان، وخفِّ علينا في السكر كفاية سيادة الظابط"
انصرفَ الساعي مبتسمًا، فيما نهض راكان وجلسَ قبالةَ جاسر، يمدُّ ساقهِ بتراخٍ ويرتخي بظهرهِ إلى الوراء، ثمَّ غمزَ له بمكر.
"أوعى تقولِّي قطعت الإجازة علشان وحشتك؟"
"أنا أقدر أعيش من غيرك، دا أنا بقعد معاك أكتر مابقعد مع مراتي وولادي.."
"لا والله..كلام كبير."
مدَّ جاسر يدهِ إلى علبةِ سجائرِ راكان، يقلِّبها بفضول، ثمَّ نظر إليه بطرفِ عينه بسخريةٍ لاذعة.
"كلِّ شهر ليك نوع سجاير؟ ياعمِّ إهدى علينا، ربِّنا يعطينا زيَّك."
أشعلَ راكان سيجارتهِ بهدوء، ثمَّ همس وهو ينفثُ الدخان.
"الله أكبر في عنيك..."
رفع جاسر حاجبهِ ممتعضًا بتصنع.
"أنا بحسد ولَّا إيه؟ علشان تخمِّس في وشِّي؟ دا إحنا تُقال برضو..بس أبويا، ربِّنا يخلِّيه للشعب، بيقول: إهدار صحة وإهدار مال، بياخد حقِّ الدولة منِّي، بيحسِّسني أنا الشعب."
ضحكَ راكان حتى دمعت عيناه، واهتزَّ جسده، ويدهِ تغطِّي نصفَ وجهه من شدَّةِ الضحك.
ثمَّ اقتربَ من جاسر، محدِّقًا فيه بنظرةٍ ذات مغزى.
"جواد باشا دا كتاب للتدريس يابني... إنَّما إنتَ..."
أمالَ جاسر للأمام، يحدِّقُ بعينيهِ بشراسةٍ ساخرة.
"أنا إيه؟"
انفجرَ بالضحكِ مجدَّدًا وهو يضرب كفيه ببعضهما.
"الأمور المغرور."
ضحكَ الاثنانِ معًا، ضحكةَ صدقٍ ومودَّة، خفتت تدريجيًّا، ثمَّ حلَّ صمتٌ حنون، صمتٌ يربتُ على القلوبِ المتعبة.
تنهَّد راكان، ثمَّ نظر في عينيهِ طويلًا، وسألهُ بهدوء.
"صحيح...قطعت أجازتك ليه؟"
نفث جاسر دخانَ سيجارتهِ بعينٍ شاردة.
"جواد باشا أمر يا سيدي...بيجاد مسافر بعد يومين، وعايزنا كلِّنا حواليه قبل مايمشي."
مال راكان برأسه.
"- بجدِّ أبوك دا أحطُّه أسطورة، كلِّ حاجة بتاخد حقَّها، أنا سمعت عنُّه كتير أوي، وتمنِّيت أشتغل معاه، بس يالَّه النصيب، ملحقتش، فوقَّعني فيك.."
"- بتشتمني خلِّي بالك وأنا قلبي رهيَّف وبزعل.."
هزَّ رأسهِ ضاحكًا.
"- لا طلعت بتحس وعندك blood، دا أنا أوَّل مرَّة شوفتك قولت الواد دا إزاي يكون ابنِ جواد الألفي..واللهِ شكِّيت فيك.."
رفع جاسر حاجبهِ مستخفًّا بكلماته.
"- بتغلط تاني، تصدَّق أنا اللي غلطان إنِّي عبَّرتك وجيت أشرب القهوة معاك، كنت قعدت مع قصص أبويا أحسن."
جذبهُ من ذراعهِ يشيرُ إليه بالجلوس.
"- اقعد يابني ماتبقاش قفوش زيِّ كيان بنتي كدا.."
جحظت أعينُ جاسر يشيرُ إلى نفسهِ بتقطُّع.
"- أنا كيان، واللهِ إنَّك فعلًا صاحب لسانه طويل.."
ارتفعت ضحكاتهِ حتى نهضَ من مكانه.
"- يخربيتك ضيَّعت الهيبة، يابني المفروض كانوا عيَّنوك ظابط أداب.."
"- لا كدا كتير، واللهِ ماقاعد معاك.."
قالها وخطا بتصنُّعٍ للخارجِ فناداه.
"- تعالَ بجدِّ عايزك، قولِّي بس بيجاد هوَّ هنا ولَّا لسه في إسكندرية؟"
"لسه جاي من شوية...قرَّر السفر نهائي، بس أنا زعلان أوي..الولاد قالبين البيت عزا، وبابا بيحاول يسيطر على الوضع."
هزَّ راكان رأسهِ بتفهُّم.
"– أمم...فهمت، ولاد بيجاد كبار على ما أظن؟ سفيان قدِّ أمير؟"
حرَّك جاسر يدهِ على مقبضِ الباب وأجابه.
"– لا، أكبر بسنتين، سفيان في تالتة ثانوي، وعلشان كدا عايزهم يسافروا، يكمِّلوا تعليمهم هناك."
"– بالتوفيق إن شاء الله..."
قالها ثمَّ صمتَ لحظة، وقام بفتحُ درجَ مكتبهِ وأخرجَ ملفًّا سميكًا.
"– كويس إنَّك جيت، قرَّب وامسك ياسيدي."
قطبَ جاسر جبينهِ متسائلًا.
"– إيه دا؟.."
"– عايزك تمسك قضية إلياس السيوفي.. تجيب من تحت البلاط..مش عايز هفوة ياجاسر."
"– فيه جديد؟"
تراجع راكان في مقعده، وعينيهِ تشعَّانِ شكًّا.
"– عايز أوصل للحقيقة...ليه عايزين يقتلوه؟ أنا مش متأكِّد من موضوع راجح دا."
أردفَ جاسر بنبرةٍ مؤكدة، ملوِّحًا بسيجارته.
"– بس دا مجرم يا راكان! وممكن يعمل أيِّ حاجة...إنتَ ناسي شغله؟..أنا مش فاهم ليه ساكت عليه؟!"
حدَّق راكان النافذة، وغرقَ بنظراته.
"– مرتين أطلَّع أمر قبض عليه... ويتـرفض."
شهقَ جاسر بدهشة، يميلُ للأمامِ فجأة.
"– ليه؟ ومين بيرفضه؟!"
استدارَ راكان ببطء، واستطرد.
"– لحدِّ شهر مكنتش أعرف...تخيَّل مين؟"
"– مين؟!"
"– إسحاق الجارحي."
صُدمَ جاسر للحظة، ثمَّ قطبَ جبينه.
"– ليه؟ وبعدين دا مش مخابرات..هو إيه اللخبطة دي؟!"
رفعَ راكان كتفيهِ باستسلام.
"– شكلهم عايزين يوصلوا لحاجة من خلاله."
"– أو يكون راجح شغَّال معاهم..."
قالها جاسر بهدوء، لكن الكلمة وقعت على مسامعِ راكان كالصاعقة.
توقَّف عن الحركة، ليشهقَ بخفَّة، ثمَّ تراجعَ فجأةً بظهرٍ مشدود.
"– لا، مستحيل..إنتَ بتقول إيه؟ معقول؟!"
"..– لا دا إلياس عنده حاجات تعدمه، لا مش دا اللي المخابرات تعتمد عليه.."
"– طيب ليه آخر عمليات للخلايا الإرهابية اللي هنا فشلت، مش يمكن راجح بينقل أخبارهم؟.."
"– مستحيل، أنا قعدت مع الراجل دا، دا واحد عنده غل وحقد، وشكله بيكره أخوه أوي وكلِّ حاجة بتربطه.."
"– تفتكر هيكون هوَّ السبب في خطفِ إلياس وأخوه، وبعدين إزاي مراته تموت غريقة وتندفن بنفسِ اليوم؟.."
"– سيبك إنتَ من دا، ادرس القضية وشوف هتطلع بإيه."
"– تمام يابوص..بس إدِّيني يومين مع أهلي علشان غنى ماتزعلش."
"– براحتك، أنا عندي سفرية للولاد وهرجع بعد أسبوع.."
في غرفةِ أرسلان...
كانت تجلسُ بجواره، تحدِّقُ في ملامحهِ الساكنة، ويدها تمسِّدُ على بطنها المنتفخ قليلًا.
تحدث جنينها كأنها يشعر بها ويفهما.
"– عايزاك تطلع شبه باباك...شُفته؟ أمُّور إزاي؟"
سحبت نفسًا عميقًا، وترقرقت عيونها بالدموع، تهمسُ لنفسها.
"– وحشني أوي...نفسي يفتح عيونه، خايفة تيجي للدنيا وتلاقيه زيِّ ماهو..."
رفعت رأسها للسماء، تتوسَّلُ ربَّها بدموعها.
"– يارب ما تحرمنيش منُّه..."
قطعَ حديثها دخولُ صفية وملك.
خطت صفية بخطواتها المشتاقة، وعيناها تعانقُ جسدَ ابنها بنظرةِ أمٍّ تئنُّ بالشوق.
"– حبيبتي...عامل إيه؟ لسه زيِّ ماهو؟"
أومأت برأسها وهي تمسحُ دموعها سريعًا، ثمَّ نظرت إليهِ مجددًا.
"– نفسي يفتح عيونه ياماما...خايفة يفضل كدا..."
شهقت صفية، وتكلَّمت بنبرةٍ حاولت أن تبثَّ فيها أملًا.
"– بعيد الشر يابنتي...إن شاء الله هيفوق، طول ماقلبه بينبض، يبقى لسه في أمل كبير..المهم، قومي ننزل للدكتورة نطَّمن على البيبي...وملك تفضل مع أرسلان."
هزَّت رأسها رافضة، بعينينِ دامعتين.
"– لا يا ماما...أنا مش هروح للدكتور غير لمَّا أطَّمن على جوزي."
تنهَّد صفية، واقتربت تمسكُ بكفَّيها.
"– لأ، بقالك أكتر من شهرين ما رحتيش للدكتور..لازم نطَّمن على البيبي...أومال لمَّا يفتح عيونه ويسأل عن ابنه، نقول له إيه؟!"
نظرت إليها بتوسُّل، وقلبها يشتعلُ خوفًا.
"– علشان خاطري يا ماما...أنا هتعب أكتر لو رحت والدنيا من غيره، ده أوَّل فرحتنا، إزاي أروح لوحدي؟"
تنهَّدت صفية بحرقة، ثمَّ قالت بصوتٍ شبه يائس.
"– ولو فضِل كدا...مش هتروحي؟"
"– لا طبعًا، هوَّ مستحيل يسبني كدا.."
اقتربت من فراشهِ وبسطت كفَّيها على رأسه تحدِّثه.
"– مش كدا ياأرسلان، إنتَ مستحيل تخلي بوعدك معايا.."
"– إن شاءالله حبيبتي.."
ربتت على ظهرها.
وقعت عيناها على ابنتها الحاضرة الغائبة.
"– ملك..مالك يابنتي، قاعدة كدا ليه؟!..أخوكي كويس، وإن شاءالله هيفوق.."
نزلت دمعةٌ تسيلُ عبر وجنتيها.
"– يارب ياماما، أنا كلِّ ماأفتكر حالة غادة قلبي بيوجعني، إحساس صعب أوي، والدكتور مش مطمِّنهم.."
"– حبيبتي إن شاءالله يقوم بالسلامة، تذكَّرت حالة فريدة فاستدارت الى غرام متسائلة.
"– فريدة مجتش هنا من إمبارح..."
جلست غرام وتعلَّقت عيناها بأناملِ أرسلان التي يحرِّكهما، فصرخت بسعادة.
"– أرسلان فاق، أرسلان فاق.."
قالتها بسعادةِ طفلةٍ عاد والدها من سفرٍ طويلِ الأمد.
صباحَ اليومِ التالي..
نهضت من فوق فراشها المجاورَ لسريرهِ بخفَّة، خطت بخوفٍ كأنَّ الأرضَ تحتها هشَّة، كلَّ خطوةٍ تقطعها تنذرها بانهيار، اقتربت منهُ ببطء، كان ساكنًا..سكونهِ يرعبها، لا تعلم أهوَ نائم؟ أم أنَّ جسدهِ استسلمَ لحالةٍ بين الحياة والموت؟ لم تعد تفرِّق..كلَّ ما تعرفه أنَّ البُعدَ عنهُ يفتكُ بروحها.
ركعت على ركبتيها أمامَ سريره، مدَّت يدها بارتجاف، تمرِّرُ أصابعها على وجههِ الذي لم يعد يشبهُ إلياس الذي تعرفه..التهمَ الشحوبُ ملامحه، كأنَّ الحياةَ انسحبت بهدوءٍ وتركت فقط قشرته.
دفنت وجهها في عنقه، تسحبُ من جلدهِ أنفاسها، بل رائحته، تحاولُ أن تختزنها في رئتيها، كأنَّها تتنفَّسُ آخرَ ماتبقَّى منه.
رفعت رأسها، تتفحَّصُ كلَّ إنشٍ فيه بعينيها المرتجفتين، توثِّقُ تفاصيلهِ بذاكرتها خوفًا من أن تختفي.
اقتربت من وجههِ أكثر..استنشقت أنفاسهِ التي كانت خافتة، حمدت اللهَ أنَّه يتنفَّس وأنَّه موجود، موجود، هذه الكلمة "موجود" ردَّدتها بينها وبين نفسها حتى شعرت بأنَّها عزاءها الوحيد.
تجوَّلت بعينيها فوق ملامحهِ كرسَّامٍ عاشق، يرسمُ تفاصيلَ معشوقهِ من الذاكرة...إلى أن وقعت عيناها على وجهه، نزلت برأسها تحتضنه، تطبعُ قبلةً فوق خاصَّته، قبلةً فيها لهفةً وخوف، كأنَّها قبلةُ الحياة...لكنَّه لم يتحرَّك..لم يشعر بها، كأنَّهُ ذهب من جديد، في غيبوبتهِ المعتادة.
شهقت...شهقة بكلِّ مافيها، ضمَّتهُ كمن يتمسَّكُ بطوقِ نجاة، دفنُت رأسها بصدرهِ تحاولُ أن تهربَ من واقعٍ لا يرحم، وأردفت بصوتٍ باكٍ.
"– "كتير على قلبي...أنا هموت..مش قادرة..مش قادرة أتنفِّس ياإلياس... بخـــتنق..."
دخلت الممرضة، وجهها خالٍ من التعبير، كأنَّها لا ترى مايحدث، فقط تقومُ بعملها.
"– "مدام، جهِّزي نفسك، فاضل وقت قليل."
أشارت لها ميرال بصمتٍ ألَّا تتكلَّم، ثمَّ همست.
"– "روحي، وأنا جاية وراكي."
"– "ما تتأخريش، غرفة العمليات جاهزة."
أومأت ميرال دون أن تنبسَّ بكلمة، ثمَّ التفتت إليه، ظلَّت لثوانٍ تتأمَّله، كأنَّها تودِّعه، كأنَّها تقولُ لعينيه "ابقَ حيًّا من أجلي"، ثمَّ تحرَّكت للخارج.
قابلتها فريدة ومصطفى.
ضمَّتها فريدة بحضنٍ أمومي محاولة فيه من تعزيز صلابتها.
"– "ميرو، ماتنسيش تقرأي آية الكرسي، وتدعي، وقبل أيِّ حاجة خلِّي قلبك عند ربنا."
طبعَت ميرال قبلةً فوق جبينِ فريدة، وهمست.
"– "ابني أمانتك ياماما..لو مارجعتش، ربِّيه زي ماربِّيتيني..ولو إلياس فاق، قولي له ميرال كانت بتحبَّك..فوق ما يتخيَّل."
ضمَّتها فريدة بقوَّة، تبكي وتتمتمُ بدعواتٍ ممزوجةٍ برجفةِ الأمومة.
"– "بعد الشرِّ عليكي يا بنتي..إن شاء الله تقومي بالسلامة، وترجعي لحضنه."
رفعت نظرها لمصطفى.
اتَّسعت ذراعيه، فاتَّجهت له تختبئُ بداخلهِ كطفلةٍ خائفة.
"– "أنا بحبَّك أوي يابابا مصطفى... ادعيلي، ادعيلنا نرجع لبعض."
طبعَ قبلةً حانيةً على جبينها، وأردفَ بصوتٍ مبحوحٍ بالعاطفة.
"– "وبابا مصطفى بيحبِّك أكتر يامرات الغالي."
نادتها الممرضة من جديد.
مسحت دموعها سريعًا، رفعت رأسها، ونظرت للجميع كأنَّها تلتقطُ وجوههم للأبد.
تختزنُ صورهم بداخلها، اقتربَ منها يزن، وطوَّقها بذراعيه.
"– "مش فاهم هما بيعيَّطوا ليه، دي داخلة عملية، مش رايحة تنتحر."
ضحكت بدموعها.
"– "أحسن أخ في الدنيا...ربِّنا يسعدك يا حبيبي..رغم الوقتِ القصير، حاسَّة إنِّي اتربيت معاك...أنا بحبَّك أوي أوي... خلِّي بالك من ابنِ أختك."
ضمَّها إليه أكثر وهمسَ في أذنها.
"– "وأخوكي بيموت فيكي...عارفة إيه الحاجة الوحيدة اللي المفروض أشكر راجح عليها؟ إنُّه دخَّلني حياتك."
نظرت إلى رؤى، التي تقفُ بجوارِ غادة، تبكي في صمت.
تلاقت العيون، وخرجت رؤى بخطواتٍ خجولة.
"– "متزعليش منِّي..."
أمَّا غادة، فكانت تبكي في حضنِ إسلام، شهقاتها تقطعُ القلب، فاقتربت ميرال منها وربتت على كتفها.
"– "بطَّلي عياط يا بت...بتفوِّلي عليَّا؟ جتك ضربة تاخدك"
ضحكَ الجميع، لكنها كانت ضحكةً باهتة، مجرَّدةً من الفرح...مجرَّدةً من الأمل.
تقابلت بأعين غادة التي نزعت نفسها من أحضان اسلام، وضمتها بقوة لأحضانها، تبكي وكأنها لم تبك من قبل.
"– أنا بحبك اوي ياميرال، عايزاكي ترجعيلي بسرعة، علشان نعمل حاجات حلوة مع بعض"
ضمت وجهها بين راحتيها تزيل عبراتها، وهمست لها.
"– وأنا بحبك اوي يااجمل اخت في الدنيا، يوسف الصغير في امانتك، مع يوسف الكبير.."
قالتها وابتعدت عنها.
ثمَّ نظرت إليهم نظرةً طويلة، كأنَّها تطلبُ منهم أن يحملوها في قلوبهم.
ثمَّ دخلت، وأُغلقَ البابَ خلفها.
وبعد وقت...وبعد محاولاتٍ طويلةٍ من الطبيب...بغرفةِ إلياس..
بعد وقت..محاولاتٍ طويلةٍ من الطبيب، لإيقاظ إلياس بسببِ أدويته... لحظة بدت كأنَّها فاصلة بين الحياةِ والموت.
دقائقَ ثقيلة انقضت، ثمَّ بدأت أنفاسهِ ترتجفُ ببطء، واستعادَ وعيهِ شيئًا فشيئًا.
اقتربَ مصطفى إليه بقلبٍ يقطرُ دمًا، والقلقُ يتشبَّثُ بكلِّ خليةٍ من روحه.
"– حبيبي عامل إيه دلوقتي؟.."
أومأ له وردَّ قائلاً.
"– الحمدُ لله.."
أشار الطبيبُ للممرِّضةِ بلهجةٍ حاسمة.
"– "جهِّزيه.."
ثمَّ التفتَ إليه بابتسامةٍ ممزوجةٍ بالرجاء.
"– جاهز يابطل.."
مسَّدَ مصطفى على خصلاتهِ بحنانٍ أبوي يُبكي الحجر.
"– حبيبي عايز إيمانك بربِّنا كبير، ماتفقدشِ الأمل.."
"– ليه بتقول كدا يابابا، أنا كويس حتى لو معملتش العملية، بحمد ربِّنا على كلِّ حال.."
ربتَ مصطفى على أكتافهِ برفق، كأنَّما يحتضنهُ من بعيد.
"– إن شاءالله تقوم بالسلامة وترجع تنوَّر بيتك من جديد.."
"– إن شاءالله.."
تلفَّتَ إلياس بالغرفة بعينينِ تبحثُ عن ميرال، ثمَّ تساءلَ بقلق.
"– فين ميرال..؟"
صمتَ مصطفى للحظاتٍ متوتِّراً، ثمَّ رفع رأسهِ للطبيبِ متصنِّعًا عدم معرفتهِ بشيء.
"– هيَّ مراته راحت فين يادكتور؟.."
"– كانت هنا من شوية..تطلَّع إليهِ قائلاً:يمكن خرجت شوية وراجعة، هتروح فين، أو ممكن راحت تشوف يوسف على السريع، إنتَ عارف وقت ماتخرج من العملية مش هتسيبك..ودِّيني لأرسلان يابابا عايز أشوفه."
مسَّدَ على خصلاتهِ بحنانٍ أبوي قائلاً.
"– حبيبي مينفعش، تقوم بالسلامة إن شاء وبعد كدا تروح له.."
رفع نظرهِ لوالدهِ وتمتمَ بصوتٍ خافت، ولكنَّهُ مثقلًا بما لا يُحتمل.
"– أرسلان فاق يابابا، بس همَّا كانوا جايين علشان يقتلوه.."
استمعَ إليه مصطفى باهتمامٍ مشوبٍ بالذعر، وارتفعت أنفاسهِ بينما إلياس تابع.
"– عرف أسحاق إنِّ أرسلان اتكشف، وهيحاولوا يقتلوه تاني، دخل مقرَّهم ونقل داتا مهمة، ودا بالنسبة للجماعات دي مش هزار، خلِّيه يحميه كويس.."
أومأ له مصطفى وأردفَ بحنانٍ يُخفي رعشةَ قلقه.
"– طيب حبيبي بلاش تتكلِّم علشان ماتتعبش..عايز أشوفه لو سمحت يابابا، دقيقة واحدة قبل ما أدخل العمليات.."
في تلك اللحظة، دلفت فريدة بخطواتٍ ثقيلة، كأنَّها تُساقُ إلى غرفةِ إعدامها، تشعرُ بأنَّ قدماها تحملانها بصعوبة.
توقَّف مصطفى بعدما وصلت إليهما، فجلست بجوارهِ على الفراش، وابتسمت بحنانٍ يفيضُ حزنًا.
"– عارفة إنَّك مش هتخذل أمَّك، وهتدخل العمليات وتطلع بالسلامة، مش كدا ياإلياس؟.."
"– إن شاءالله.."
تمتمَ بها بخفوت، بينما أغمضت عينيها محاولةً ألَّا تبكي، وتابعت بصوتٍ يرتجف.
"– يالَّه حبيبي علشان الدكاترة منتظرينك،قام المسعفونَ بمساعدتهِ على الانتقالِ إلى فراشٍ متحرِّك، ومع كلِّ حركةٍ لهُ كان يشعرُ بأنَّ أوجاعهِ تنخرُ عظامهِ بصمت..همسَ لوالدهِ وهو يتشبَّثُ بكفَّيهِ المرتعشين.
"– أرسلان يابابا.."
توقَّف المسعفُ بعدما خرج من الغرفة، فالتفتَ مصطفى إليه وقال بإصرارٍ لا يقبلُ الرفض.
"– عدِّيه خمس دقايق بس على أوضة 502 يابني، خلِّيه يشوف أخوه."
توسَّعت أعينُ فريدة بذهول، وتمتمت بنبرةٍ تصرخُ حزنًا، كأنَّها تستجدي القدر.
"– بلاش ياحبيبي لمَّا ترجع إن شاءالله.."
لكنَّه لم يستمع...وظلَّت نظراتهِ على مصطفى الذي قام بدفعِ مقعدهِ المتحرِّك بقلبٍ يمزِّقهُ الخوف، واتَّجهَ به نحو الغرفة...كأنَّما يقودهُ إلى مصيرٍ لا يُرجى منه سوى وداعٍ لا يشبههُ وداعُ الموتى.
وصلَ إلى غرفة أرسلان مع خروجِ صفية، التي توقَّفت أمامهِ تبتسمُ ابتسامةً خافتةً أنهكتها الأيام.
"– ألف سلامة عليك ياابني..."
أومأ برأسه، وهمسَ بنبرةٍ خافتةٍ خرجت من بين شفتيهِ بإرهاق.
"– متشكِّر...أرسلان عامل إيه؟"
"– صحي للحظات ورجع نام تاني، الدكتور طمَّنا..قال ده طبيعي بعد ما قضى الفترة دي كلها في الغيبوبة..."
تمتم وهو ينظرُ إلى الأرض، كأنَّ الكلمات ثقيلة لتربط لسانه عن التفوه.
"– الحمدُ لله..ممكن أدخله؟"
"– طبعًا ياابني، إنتَ بتستأذن؟"
قالتها وهي تلمحُ مصطفى الواقفُ بصمتٍ يكتمُ أنفاسه، ثمَّ تابعت بنبرةٍ حنونة.
"– سلامته ياسيادة اللواء..."
أومأ لها مصطفى، وحرَّك كرسيه نحو الغرفة.
دخل في صمتٍ بأنفاسٍ ثقيلةٍ يشعرُ بأنَّ الهواءَ بداخلهِ يئن، اقترب من فراشِ أخيه، تطلَّع إلى جسدهِ الساكن، جسدًا يحملُ آثار معركةٍ لم يُكتب فيها نصرٌ أو هزيمة بجسدهِ الساكن.
مرَّر أناملهِ على رأسهِ بحنان.
انحنى، ورفع كفِّه بين يديه، ضمَّها برفقٍ كما لو كان يخشى تألُّمه، وربتَ عليها بنبرةٍ مبلَّلةٍ بالحزن.
"– حمدَ الله على سلامتك يا حبيبي... كان نفسي تفتح عيونك وتكلِّمني...المهم انك رجعت للدنيا من تاني..الحمدُ لله..."
رفع نظرهِ نحو والدهِ، ثمَّ أشار إلى أرسلان وقال بصوتٍ متهدِّج.
"– لمَّا يصحى...قولُّه إنِّي جيت...إنِّي كنت محتاج حضنه قبل ما..."
قاطعهُ مصطفى وربتَ على كتفهِ محاولًا التماسك.
"– حبيبي...إنتَ اللي هتقولُّه بنفسك... يلا بينا، اتأخرنا...وإن شاء الله تخرج وتلاقيه مستنيك..."
غادر غرفةَ أخيهِ متَّجهًا إلى غرفة العمليات، طافت عيناهُ تبحثُ في الوجوه، بل قلبهِ يفتِّش عنها بلوعةِ الاشتياقِ والخوفِ من يهمس له قلبه، فاردف متسائلا.
"– ميرال فين...؟?"
سألها والقلقُ يسكنُ صوته، فردَّت غادة سريعًا.
"– مقدرتش تشوفك وإنتَ داخل العمليات...اعذرها ياحبيبي..."
التفتَ إلى يزن، الذي أدارَ وجههِ بعيدًا يهربُ من عينيه.
"– ميرال فين يايزن؟"
قالها إلياس بإصرار، وعيناهُ تتفحَّصه.
ردَّ يزن بصوتٍ متردِّد.
"– اعذرها ياإلياس... هيَّ صعب عليها تشوفك كده...!!"
قاطع كلامهِ بنفاذِ صبرٍ ونبرةٍ تحملُ رجاءً.
"– بس أنا عايز أشوفها، كلِّمها..خلِّيها تيجي."
قاطعهم صوتُ الممرضة التي أتتهُ على عجلةٍ من أمرها.
"– يلَّا يافندم، المفروض تكون جوَّه من خمس دقايق..."
"– عايز أشوف مراتي الأوَّل.."
اقتربت فريدة، وضعت يدها على كتفه، وابتسمت بمرارة.
"– حبيبي..ادخل..البنت حالتها صعبة، ومنهارة..بلاش تضغط عليها أكتر...إن شاء الله تقوم بالسلامة وهتلاقيها جنبك..."
تنهَّد إلياس، وسحبَ نفسًا عميقًا كمن يبتلعُ كلَّ مخاوفهِ من عدمِ رؤيتها مرَّةً أخرى، ثمَّ نظرَ إلى الممرضة.
"– عايز أشوف مين المتبرِّع...قبل ما أدخل العمليات."
توسَّعت أعينُ الجميع، والتفتوا ينظرونَ لأنفسهم، إلى أن هتفَ مصطفى بسرعة، يكسرُ الصدمة.
"– عايز تشوفه ليه يابني، أهو واحد وخلاص، و هتلاقيه جوَّه أكيد...الدكتور جهَّزه قبلك، مش كده يابنتي؟"
أومأت الممرضة.
"– فعلاً...اتخدَّر ومستني حضرتك... علشان كده بقولَّك اتأخرنا..."
سحب الممرضُ مقعده، من كفِّ والدهِ الذي شعرَ بانسحابِ أنفاسه، وعيناهُ على فلذةِ كبده وهو ينساقُ للداخل، كمن ينساقُ إلى قبره.
شهقةٌ ملتاعةٌ بداخله، كادت أن تحرقهُ حينما فقد اتزانهِ وفشل في اخفاءِ دموعه.
ظلَّت عيناهُ على ابنهِ حتى غاب طيفه، التفتَ إلى فريدة التي هوت على المقعد تضعُ كفَّيها على صدرها تدعو ربَّها بسكينة.
"اللهمَّ إنِّي استودعتك إيَّاه، فاحفظه..يارب، ياقابضَ الأرواحِ ورازقها، يامن لا يُعجزهُ شيئًا في الأرضِ ولا في السماء...إليك رفعتُ كفِّي، ومالي سواك يا رجاءَ الأملِ الكسير...ياربّ، هذا ابني...قطعةٌ من قلبي، ونبضُ عمري..هاهو الآن يذبلُ كغصنٍ عطشان،يرتجفُ بين الحياةِ والموت،وأنفاسي تُطعنُ كلَّما شهقتُ باسمه...يارب، أنا الأمُّ، وهل في الأرض قلبٌ يضاهي هذا الوجع؟لكنِّي أمتُكَ، وأعلمُ أنَّ الأمرَ كلّهُ بيدك،فصبِّرني، واسندني، وعلِّقني بك حين تسقطُ الدنيا من تحتِ أقدامي..."
اقتربَ منها بخطواتٍ متعثِّرة، وجسدٍ أوشك على السقوط.
جلس بجوارها ودون تردُّدٍ سحبها لأحضانهِ يزيلُ عبراتها الصامتة التي اختلطت بدموعِ دعائها وتوسُّلها لربِّ العالمين.
"– فريدة ابكي، أنا موجود.."
دفنت رأسها بصدرهِ تنسابُ دموعها بصمت.
"– ولادنا بين إيد ربِّنا يامصطفى، مفيش أحنِّ منُّه، عارفة أنُّه اختبار عظيم، ادعيلي ربنا يربط على قلبي لحدِّ ماأشوفهم تاني.."
وصل إليهما إسلام وركعَ بركبتيهِ أمام فريدة، يتحدَّثُ بصوتهِ الباكي.
"– هيقوموا ياماما، أنا متأكِّد أنُّهم هيقوموا.."
"– إن شاءالله ياحبيبي، إن شاءالله.."
عند إلياس..
دلفَ للداخل، كأنَّما يحملُ فوق كتفيهِ ثقلَ الشتاءِ كلِّه، ارتجفَ جسدهِ كلوحِ ثلجٍ تاهَ في عاصفةِ الخوف، فكيف لك ياانسان ألَّا تخافَ من لقاءِ الله، رغم قوَّته، رغم إيمانه، ولكن عند الله أضعفُ من جناحِ بعوضة، دخل يلتفتُ بعينينِ ضائعتينِ يبحثُ عن ذلك الرجل...ذلك الغريب الذي يمنحهُ الحياةَ إن أرادَ ربُّ العالمين.
أسندهُ المسعفُ على سريرِ العمليات، ثمَّ انسحبَ بخفَّةٍ حين ولج الطبيبُ المختصِّ بالتخدير.
خيَّم صمتٌ للحظات، كأنَّ الزمنَ توقَّف في هذه اللحظة، وهو يرى انسحابهِ بإبرةِ التخدير، رفع عينيهِ الذابلةِ وسألهُ بصوتٍ متحشرجٍ وعقلهِ يؤِّلُ إلى زوجته.
"– فين المتبرِّع؟ مش المفروض يكون هنا...؟"
قالها والطبيبُ يسحبُ إبرةَ المخدِّرِ من وريده، لحظاتٌ قصيرةٌ كانت كافيةٌ ليبدأ جسدهِ بالاستسلام، ولسانهِ يثقل، ورؤيتهِ تتشوَّش.
في تلك اللحظة دخلت ميرال، اقتربت كمن يزحفُ على أطرافِ سيفٍ مدبَّب، قلبها يئنُّ بضجيجِ الفقدان، انحنت بطيفها الباهت، تطبعُ قبلةً مرتجفةً بجوارِ شفتيه، وهمست بصوتٍ متقطِّع.
"– إن شاءالله نقوم بالسلامة...ونربِّي ابننا سوا، سامحني..عارفة وعدتك، بس مقدرتش أشوفك بتتألِّم وأفضل أتفرَّج."
دمعةٌ خرساء انسابت من طرفِ عينه، كأنَّها توقيعهِ الأخيرِ على وجعٍ لم يختره، همسَ من بين أنفاسٍ تتخبَّطُ بالمخدِّر.
"– ليه..ليه عملتي كدا..إنتي وعدتيني؟"
انحنت أكثر، واحتوتهُ بذراعيها كأنَّها تحاولُ تخبئتهِ بين ضلوعها، تتمنَّى أن يسحقها كما كان يفعل.
شهقت وهي تقول.
"– علشان بحبَّك...وبموت من غيرك."
تاه وعيهِ شيئًا فشيئًا، وابتلعَ المخدِّرَ صوتهِ وهو يهمس.
"– زعلان منِّك، أشار بضعف للطبيب."
"– مش عايز اعمل العملية، مش عايز.."
قالها بخفوت يكاد أن يصل للاذن، لمست وجنتيه تحفر كل ماله من ملامح.
"– متعملش كدا حبيبي لو سمحت..."
قابلها بنظراته التي تصرخ من الخوف عليها، ليهمس بين الوعي واللاوعي.
"– لو عملتي كدا اعتبري دا آخر مابينا.."
قالها وأغلقَ عينيهِ كأنَّها نهايةُ فصلٍ مؤلمٍ من رواية.
اقتربت الممرضةُ بنبرةٍ عملية.
"– يلَّا يا مدام، لو سمحتي."
قبَّلت جبينهِ قبلةً أخيرة، وهمست بجوار أذنه.
"– لو معملتش كدا هموت، عايز تبعد ابعد بس المهم تكون كويس.."
قالتها ثم اعتدلت وكأنَّها لم تسمع شيئًا، ثمَّ أردفت بعينينِ لا تفارقُ ملامحه.
"– "أنا جاهزة.."
قالتها وخطت إلى فراشه.
تمدَّدت إلى جواره، وعيونها تسكنهُ حتى خطفها المخدِّرَ إلى غيبوبةٍ مماثلة.
جسدان على سريرين، لكن بينهما وطنًا من الألمِ والحبِّ والتضحية.
مرَّت الساعاتُ وكأنَّ الزمنَ قد توقَّف وبدا ثقيلًا خانقًا، لا يتحرَّك، لترتفعَ النبضاتُ داخل الصدور.
جلست فريدة في الركنِ البعيد، بجسدٍ منكفئٍ على المصحف، وعيناها تنزفُ دون صوت، كأنَّها تستجدي من كلماتِ اللهِ معجزةً تُعيدُ لها الصبر على الابتلاء.
أمَّا مصطفى، فكان ظلًا لرجل، غابت ملامحهِ تحت طبقاتٍ من الحزن، ينطقُ بصوتٍ متحشرجٍ لا يردِّدُ سوى: الحمدُ لله...الحمدُّ لله على كلِّ حال.
قل لن يصيبنا إلا ماكتبَ اللهُ لنا، قالها كمن يُعانقُ الألمَ تسليمًا لا ضعفًا.
دقائقَ من السكونِ الذي يخنقهُ الصمتَ سوى من النبضِ الذي لا يحتملُ وجعَ القلب، شهقةُ بكاء، تبعتها صرخةٌ مبلَّلةٌ برجاءٍ من اللهِ أن يربطَ على القلب.
"– طوِّلوا أوي ياإسلام...قولِّي هيكونوا كويسين، قولِّي إلياس هيرجع لنا..."
قالتها غادة بانهيار.
ضمَّها إسلام إلى صدره، وقبَّلَ جبينها المرتجف، يبتعدُ من نظراتها الباكية التي تحرقُ روحه.
"– إن شاء الله، حبيبتي...إن شاء الله."
بينما يزن راحَ يزرعُ المكانَ كالمسعور، خطواتهِ تفضحُ ما يحاولُ كتمه، ووجههِ عبارةً عن لوحةٍ من الألمِ والخوف.
فجأةً دخلت غرام، وطافت بين الوجوهِ واحدًا تلوَ الآخر، حتى استقرَّت على فريدة.
تقدَّمت بخطواتٍ مرتعشة، وقالت بهمسٍ راجف.
"– أرسلان فاق..يا ماما فريدة، فاق!"
قفزت فريدة كأنَّما بُعثت من بين أحزانها، وتمسَّكت بكلماتها كما يتمسَّكُ الغريقُ بطوقِ نجاة.
"– حبيبي يابني!!"
قالتها وهي تحاولُ أن تسنُدَ نفسها حتى لا يخونها جسدها بالسقوط.
وقعت عيناها على مصطفى الساكنِ كأنَّه لا يشعرُ بما حوله.
فاستدارت تتشبَّثُ بكفِّ غرام.
"– اسنديني يابنتي.."
قالتها وجرت أقدامها بصعوبة، وكأنَّها تتحرَّكُ على حممٍ من النيرانِ المشتعلة، وصلت إلى بابِ غرفته، لتقعَ عيناها على ذلك الجسدِ الهزيلِ الذي التهمهُ المرضَ والألم.
تاهت نظراتها وكأنَّه إلياس الذي أمامها.
ياالله اربط على قلبي ولا تجعلني أعيشُ فقدانِ أحدهما، خطت ولم تعد تميِّزُ أهوَ حلمٌ أم حقيقة.
تحرَّك إسلام خلفها، وأسرعَ إليها.
طالت ساعات أخرى حتى غدت دهرًا، إلى أن خرجَ الطبيبُ أخيرًا.
بوجهٍ شاحب، مُنهك، كأنَّه كان بمعركةٍ خسرَ فيها جزءًا من روحه.
هبَّ يزن نحوه، بينما بقيَ مصطفى جالسًا، عيناهُ لا تفارقُ الطبيب، كأنَّما سيسمعُ منه حكمَ الحياةِ أو الموت.
مرَّر الطبيبُ نظراتهِ على الوجوهِ المتعبة، ثمَّ قال بصوتٍ لا يخلو من وجع.
"– عملنا الِّلي نقدر عليه...لسه بدري نقول العملية نجحت، لازم ننتظر ٤٨ ساعة...إن شاء الله خير...سلامتهم"
قالها وتحرَّك للمغادرة.
ساد الصمتُ المكان، بعد جملةِ الطبيب، لكنَّه هذه المرَّة لم يكن هدوءًا...كان رجفةً بالقلوب.
انتظار، وجمرةُ أملٍ معلَّقةً بخيطٍ رفيعٍ بين الأرضِ والسماء.
ولسانًا يرِّددُ الدعاءَ بالنجاح.
بعد يومينِ بمنزلِ رحيل..
كان السكونُ يسودُ المكان، لا يُسمعُ سوى صوتِ الملاعقِ المتهادي على الأطباق، حتَّى قطعت والدتها الصمت بنبرةٍ حاولت أن تُخفي اضطرابها.
"– أنا عايزة أنزل مصر يومين، خالك اتَّصل بيا...قال لازم نتجمَّع قريب..معرفشِ عايز إيه بالظبط."
رفعت رحيل رأسها ببطء، تتطلَّعُ في وجهِ والدتها، تحاولُ أن تفهمَ إن كانت تمزح.
ثمَّ تساءلت بصوتٍ مبحوحٍ من الدهشة.
"– يعني إيه الكلام دا؟ هوَّ خالو فاكرنا في مصر؟! بينَّا ساعتين؟! وبعدين عايزنا ليه؟ أنا اتَّفقت معاه من الأوَّل إنِّنا هنعيش هنا...ليه غيَّر رأيه؟! جزاتي يعني إنِّي عرَّفته مكانَّا؟!"
جزاتي يعني إنِّي عرَّفته مكانَّا؟!
رفعت الأم حاجبيها، تطالعها بدهشةٍ ممزوجةٍ بالغضبِ الذي تجلَّى بعينيها.
واردفت بحدَّةٍ ناعمة.
"– وإنتي كنتي عايزة أخويا الوحيد مايعرفشِ مكانَّا يارحيل؟! إنتي مالك بقيتي كده؟ أنا سكت علشان متكونيش لوحدك، بس ده مش معناه أوافق على كلِّ حاجة بتعمليها.."
انقبضَ قلبُ رحيل، كأنَّ حديثَ والدتها ضغطَ على جرحٍ مفتوح.
ألقت محرمتها بعنفٍ ونهضت، بعينينِ تغليانِ بالدموع.
"– خلاص، انزلي له، محدش غصبك تيجي معايا أصلاً..عايزة أحجزلك دلوقتي؟ ماعنديش مانع.."
قالتها ثمَّ استدارت تتحرَّكُ كمن يفرُّ من عدوِّه، خطت بخطواتٍ تضربُ الأرضَ وكأنَّها تسحقُ وجعها تحت قدميها.
احتضنت والدتها رأسها، تستغفرُ ربَّها في سرِّها، ثمَّ رفعت نظرها نحو الدرج، تراقبُ تحرُّكاتِ ابنتها الغاضبة.
في الأعلى، ألقت رحيل بنفسها على الفراش، وانفجرت دموعها في شهقاتٍ مدوية، كأنَّها تُخرجُ من صدرها بقايا الأملِ المهشَّم.
تشعر بأن صدرها لا يتَّسعُ لأنفاسها، وكأنَّ بكاءها يحاولُ اقتلاعَ شيئًا عالقًا في روحها.
"– آآآه..ليه؟ ليه بيحصل معايا كده؟!"
خرجَ صوتها مُوجعًا، بما يتحمَّلهُ قلبها.
استمعت والدتها لبكائها، فنهضت على الفور، بقلبٍ يتفتَّتُ مع كلِّ شهقةٍ تصدرها ابنتها.
دخلت عليها، وجلست بهدوءٍ بجوارها، وخلَّلت أصابعها تسرحُ في خصلاتها كأنَّها طفلةٌ تحتاجُ للحنوّ.
ثمَّ تحدَّثت بنبرةٍ هادئةٍ حنونة.
"– كده؟ هتفضلي كده يا حبيبتي؟ الِّلي بتعمليه في نفسك ده محدش بينضَّر منُّه غيرك، ياقلبي."
صرخت رحيل وهي تتعلَّقُ بيدِ والدتها.
تحاولُ أن تُخرجَ كلَّ آلامها التي تحرقُ روحها.
"– عملت ايه ايه ياماما للغدر دا، انا حبيته، والله حبيته بس هو طلع غدار ومخادع.."
مسدت والدتها على رأسها.
"– طب اهدي حبيبتي، بس لو اعرف ايه اللي حصل بينكم، أنا متأكدة أنه بيحبك برضو"
"– ماما احضنيني...تعبانة...واللهِ تعبانة من كلِّ حاجة...أنا مش قادرة...نفسي أرتاح، نفسي أرتاح…"
ضمَّتها والدتها لصدرها، تقرأُ في سرِّها ما تيسَّر من القرآن، تحاولُ أن تسكبَ السكينةَ في قلبها الموجوع، حتى هدأت أنفاسها شيئًا فشيئًا، ونامت بين ذراعيها كطفلةٍ كسيرة.
مسحت دمعةً انحدرت من عينها، وساعدتها على التمدُّد، ثمَّ دثَّرتها جيدًا، كأنَّها تخشى أن تتسلَّل الأحلامُ المؤلمةُ إلى نومها.
وقفت تنظرُ إليها قليلًا، ثمَّ التقطت هاتفها من على الكومود، تأمَّلته بُرهة، وقالت في نفسها.
"– مش هسيبك تئذي نفسك أكتر من كده يارحيل..."
بدأت تبحثُ عن الرقم.
"– لم تجده. معقول؟! مسحتي رقمه؟! يا ترى عمل فيكي إيه يزن يخلِّيكي توصلي لكده؟!"
قلَّبت بين الأسماء حتى وجدت رقماً محفوظًا باسم.
"المخادع."
لم تتردَّد.
ضغـطـت على زرِّ الاتصال...وقلبها يخفقُ كأنَّها تفتحُ بوابةً الألم من جديد.
عند يزن..
ظلَّ الجميعُ على صفيحٍ من الانتظار، القلوبُ معلَّقة بين دعاءٍ وهمس، ساعاتٍ تمرُّ ببطءٍ قاتل، كأنَّها تعصرُ الروحُ عصرًا.
اخترق رنينُ هاتفِه الصمت والترقب، نظرَ يزن إلى الشاشة، رقم دولي غريب، عقدَ حاجبيه، ثمَّ رفعَ الهاتفَ إلى أذنه.
"– ألو..."
قالها بنبرةٍ هادئةٍ تُخفي اضطرابًا من خلفِ صوته.
"– إزيك ياباشمهندس، يارب تكون بخير..."
تجمَّدت ملامحه، وتسلَّل الشكُ إلى صوته.
"– مين معايا؟.."
قالها ونهضَ مبتعدًا.
في غرفةِ أرسلان..
كان كلُّ شيءٍ ساكنًا، كأنَّ العالمَ توقَّف ليمنحهم لحظةَ حياة.
جلست غرام بجوارهِ مبتسمة، تسلَّلت أصابعها إلى خصلاتِ شعرهِ بلطف، تنظرُ إليه باشتياقٍ وكأنَّها كانت تنتظرُ معجزة.
مدَّ يدهِ ليمسكَ كفَّها، وعيناهُ تبحثُ عن إجابة.
"– مخبِّيين عليَّا إيه يا غرام؟ ليه ماما ما جتشِ من إمبارح؟..معقول تكون تعبت تاني؟"
لمست وجنتيهِ بحنانٍ خافت، أردفت بنبرةٍ كانت كنسمةِ خريفٍ حزينة.
"– ماما تعبت أوي ياأرسلان...بس من فرحتها بيك، قاومت الألم وقالت تيجي تشوفك، حتى لو هتزحف، بس الدكتور منعها من الحركة الكتيرة.."
فجأة، دلفت ملك بشقاوتها المعتادة، لكنَّها هذه المرَّة مختلطةً بدموعٍ وفرحٍ مجنون.
"– أرسووو، حبيب قلبي، فااااق!"
ارتمت على صدره، حتى صرخ بألمٍ حاد.
"– آه..."
ابتعدت فورًا، ولمعت الدموعُ في عينيها.
"– آسفة...آسفة والله، من فرحتي نسيت..."
ربتَ على كتفها وضمَّها بقلبهِ قبل ذراعيه.
"– وحشتيني ياملوكة..."
طبعت قبلةً دافئةً على وجنته، وهمست.
"– إنتَ أكتر، ياحبيب ملوكة..."
رفعت بصرها نحو غرام، وبضحكةٍ باكيةٍ قالت.
"– عارفة إنِّك بتغيري عليه، بس أنا مشتقاله أوي.."
دفنت وجهها في صدره، ودموعها تنسابُ كأنَّها تعتذرُ عن الفرحِ وسط الوجع.
بسطت غرام كفَّها على شعرها بلطف.
"– لا ياحبيبتي، مش بغير..دا أخوكي، ومن حقِّك تدلَّعي عليه."
رفع أرسلان رأسهِ إليها، وابتسامةُ سخريةٍ حنونةٍ مرسومةٍ على شفته.
"– خلاص كده؟ مدام غرام بيعاني؟ تعبي قوَّى قلبك عليَّا وخلاص؟"
ضحكت غرام، وترقرقَ الدمعُ بعينيها، وانحنت تطبعُ قبلةً قرب شفتيهِ وهمست بنبرةٍ مخنوقةٍ بالعشقِ الذي كان سيتسرَّبُ من بين يديها.
"– الحياة من غيرك كانت كابوس، ربِّنا يخلِّيك لقلبي، لحياتي، لنفسي...ربِّنا ما يحرمني منَّك يارب.."
أزاحت ملك خصلاتها الشاردة بخفَّةٍ خلف أذنها، بعد اعتدالها، وقالت بمكرٍ طفولي.
"– ياكناري الحب فيه عصفور صغير بيغنِّي هنا لوحده.."
ابتسم أرسلان، ومدَّ يدهِ يلامسُ خصلاتها، ثمَّ تذكَّر صفية، فارتسمت على وجههِ نظرةُ قلقٍ مفاجئة.
"– ماما صفية..فين؟"
"– متقلقش، تحت...بتطَّمن على إلياس، بتشوفه رجع لوعيه ولَّا لسة، وكمان عرفت بخطورة حالة ميرال، صعبت عليَّا أوي..ولمَّا ماما عرفت بتعب طنط فريدة كمان.."
برقت غرام عينيها، حتى تصمت.
لاحظَ أرسلان، فحاولَ النهوض، لكن قبل أن يتحرَّك، دخل إسحاق بسرعة.
"– أخيرًا شمس الدنيا نوَّرت من تاني.."
لكن أرسلان لم يرد، وبدأ ينتزعُ الإبر من كفِّه بقوَّة.
تطلَّعت إليهِ غرام تهزُّ رأسها بذهول، بينما اقتربَ منه إسحاق بلهفة.
"– إنتَ بتعمل إيه؟!"
"– لو سمحت...ابعد عنِّي."
قالها بنبرةٍ جافَّةٍ كسكينٍ حاد، قطعت قلبَ إسحاق ممَّا جعلَ جسدهِ ينتفضُ ويتراجعُ خطوة.
أزاحَ الغطاء، أنزلَ قدميه، بصعوبة وضغطَ زرَّ النداء.
دخلت الممرضة.
"– أفندم؟"
"– إلياس السيوفي..في المستشفى دي؟"
"– أيوه.."
"– بيعمل إيه؟.."
"– كان بيعمل عملية من كام يوم تقريبًا."
"– عملية!..
تمتمَ بها بجهلٍ ثمَّ تساءل.
"– عملية إيه دي؟!"
"– زرع كلى !!"
رجفةٌ قويةٌ حتى شعر بجسدهِ ينتفضُ برعب، ابتلع غصَّةً أحرقت جوفه.
"– زرع كلى!.. ليه؟.."
قصَّت الممرضة ما تعلمه، في حالةِ صمتٍ مرعبٍ من الجميع، وبكاءِ ملك وفركها بكفّّيها لما وصل إليهِ الأمر بسببها.
ارتجفت أنفاسها، كمن يختنق، فأشار إلى الممرضة.
"– ساعديني أروحله."
وقف إسحاق أمامهِ في محاولةٍ لمنعه، لكن أرسلان صرخَ فجأة، صرخةً قطعت نياطَ قلبه، ورغم شعورهِ بآلامٍ تفتكُ بصدرهِ إلَّا أنَّه دفعَ الأدويةَ والمحاليل أرضًا.
"– مش عايز كلمة، طفل صغير علشان تضحكوا عليَّا؟ أخويا بيصارع الموت بسببي؟ ليه محدش قالِّي؟!ليه خبيتوا عليَّا؟.."
قالها بصوتٍ متقطِّع، وأنفاسهِ تتلاحقُ كعدَّاءٍ فقد طريقه.
جثا إسحاق أمامه، يمدُّ كفِّه برجاء.
"– أرسلان...حبيبي، اسمعني، إلياس كويس..."
غرز أرسلان نظراتهِ في عينيه، بنبرةٍ تصهرُ الحجر.
"– إنتَ كذبت عليَّا ياإسحاق باشا... كذبت، وخبِّيت، وحرمتني من حقِّي إنِّي أعرف..مكنتش عايز غير أعرف..استكترت أحسِّ بأخويا..دا أخويا ياإسحاق باشا، زمان حرمتني منُّه، قولت حقَّك، بس دلوقتي مالكشِ حق تمنعني أكون جنبِ أخويا"
سكتَ إسحاق، وهرب بعينيهِ من نظراتِ أرسلان المشتعلة.
والحقيقة التي أطلقها بوجههِ أقسى من أن تصفَ الشعورُ المؤلمُ الذي يعصفُ بكيانه.
قالها وتوقَّفَ مع اختلالِ جسده، اقتربت منه غرام ولكنَّه أشار إليها.
"– متقربيش منِّي.."
سادَ الصمت، ثقيلًا كالموت، وكأنَّ الغرفةَ اختنقت من ردَّةِ فعله.
بمنزل محمود والد ايلين
استمعت سهام الى طرقات على باب منزلها، نهضت تجذب روبها، وصاحت للطارق.
"– حاضر أنا جاية، ايه مسروع على ايه"
فتحت الباب. رفعت حاجبها بسخرية تضرب كفيها ببعضهما.
"– هو أنتِ..اهلا ياست الدكتورة، ابوكي مش هنا سافر، جاية ليه"
دفعتها ايلين ودلفت للداخل قائلة.
"– عارفة بابا مش هنا، انا جاية لك انت"
انكمشت ملامحها بسخرية، وخطت تتهادى بخطواتها حتى جلست على المقعد تضع ساقًا فوق الأخرى.
"– ليه الدكتور رماكي، ولا الحمل جننه ومش متحمل يصبر"
ألقت ايلين حقيبتها بغضب، وأشارت باصبعها ونطقت بنبرة حادة ممزوجة بالغضب.
"– سهام قلة ادب مش هسكت، خليكي ست محترمة مرة واحدة، انت ايه مفيش غير شغل الرقاصين دا"
مصمصت شفتيها تطلع إليها بامتعاض.
"– عايزة ايه ياست الدكتورة المؤدبة، جاية تكملي العلقة بتاعت اختك"
"– لا .."
قالتها وجلست تتعمق بالنظر إليها وتسائلت.
"– تعرفي واحد اسمه جمال الشافعي.."
هبت من مكانها فزعة، وتمتمت بارتباك واضح.
"– مين الراجل دا، لا معرفوش.."
توقفت ايلين واقتربت منها وعيناها تحاوطها.
"– جمال الشافعي دا كان شريك بابا، ايه بابا مش كلمك عليه"
ابتعدت مستديرة تواليها ظهرها.
"– لا معرفوش، مش دا قريب راجح، اه اكيد اسمه زي اسم راجح جوز خالتك"
اقتربت ايلين وضغطت عليها بحديثها.
"– بس عمو راجح قال انك كنتي تعرفي جمال اخوه، وقالي حاجة تانية، تحبي تعرفيها .."
استدارت إليها سريعا تتسائل بلسان ثقيل.
"– أنا معرفوش"
بفيلا الجارحي
دلفت الخادمة إليها تهمس بنبرة خافتة.
"– اسحاق باشا والست دينا جم تحت ياهانم، ومش بس كدا، كمان الست غرام مرات الباشا الصغير، ومعاها شنط كبيرة"
ارتجف جسدها وارتفعت انفاسها، فأشارت إليها بالخروج.
راحت تتحرك بالغرفة ذهابًا وايابًا.
تهمس لنفسها.
"– دينا..ياترى يادينا كنتي مختفية فين الوقت دا كله..فركت كفيها بقوة، ثم دثرت أناملها بخصلاتها تجذبها بعنف."
"– قالت له حاجة..لا ..لا هي أضعف من كدا..ياريتك مشيتي يااحلام"
قطع حديثها مع نفسها دفع اسحاق للباب، ثم أشار لرجلين.
"– المريضة اهي، اعملوا اللازم"
جحظت عيناها باتساع كاتساع السموات والأرض، وشل جسدها وهي ترى شخصين يرتدون زي ابيض، يبدو أنهم يعملون بمشفى.
جذبها أحدهم بعنف، فدفعته تصرخ.
"– انت بتعمل ايه، ابعد عني ..؟!"
جذبها اسحاق من ذراعيها بقوة كادت أن تسحقها ثم نظر اليها بعينين تتوهجان بنيران جحيمية، وهمس بهسيس مرعب.
"– هخليكي تتمني الموت يااحلام هانم، زمان سكت على أفعالك علشان وصية ابويا، فاكرة ابويا، بس خلاص طاقتي نفذت واستهلكت"
هزت رأسها برعب من شكل الرجلين، وتراجعت بجسدها للخلف.
"– انت هتعمل ايه، اسحاق انا امك، ايه ناوي تموت امك"
"– ياريت..ياريت يااحلام هانم، بس القتل عند ربنا عظيم، فأنا شوفت حاجة تستحقيها .."
أشار للرجلين.
"– خدوها، ولو حد زارها هولع فيكم .."
"– لا ..لا .."
قالتها وهي تهرول صارخة.
"– مين دول، متعملش فيا كدا يااسحاق علشان خاطري"
"– خاطرك..خاطر ايه يامدام احلام، ابني اللي سرقتيه من حضني، ولا مراتي اللي عذبتيها، ولا خطبتي اللي موتيها يوم خطوبتنا، ولا عمايلك مع صفية، وصل إليها بخطوة وكاد أن يطبق على عنقها واستطرد."
"– ولا ارسلان اللي حاولتي تسمميه كذا مرة قبل ماتعرفي أننا كتبنا كل حاجة باسمه..اهدي يااحلام هانم لسة دا اول مسمار-"
"– انت هتعمل فيا ايه"
"– استضافة جميلة لحضرتك في مستشفى امراض عقلية، مخك عايز يتظبط يمكن تموتي وتريحيني وهو موتة ربانية، أو نعقلك هناك"
"– خدوها...."
قالها بصوت صاخب، مع صرخاتها وتوسلها.
"– أنا مش هسكت، والله لاندمك يااسحاق...فااااااروق، انت فين، تعالى شوف اخوك بيعمل في امك ايه"
بعد شهر، وقف أمام المرآة يُغلقُ أزرارَ حلَّتهِ الداكنة بملامحَ جامدة، تكادُ لا تُقرأ، وعيناهُ مطفأتان كأنَّهما تسكنهما حربًا وحزنًا لم تنتهِ بعد.
انحنى ببطء، التقطَ سلاحه.
لقد تغيَّرَ حالهِ كثيرًا ولم يعد ذلك الشخص.
دخلت غرام الغرفة تحملُ صينيةَ الطعام، توقَّفت للحظةٍ تتأمَّله في صمتٍ مذهول، ثمَّ قالت بتوتُّر.
"– إنتَ خارج؟! أنا جهزتلك الأكل."
لم يلتفت، ولكنَّه أجابها بنبرةٍ خافتة.
"– ماليش نفس.."
وضعت الطعامَ على الطاولةِ بتردُّدٍ واقتربت منه بخطواتٍ بطيئة.
"– رايح المستشفى؟ خدني معاك، عايزة أطَّمن على ميرال."
انحنى ليلتقطَ مفاتيحهُ وهاتفه، ثمَّ نظرَ نحوها للحظاتٍ قبل أن يقولَ بنبرةٍ قاسية.
"– لا.."
تقدَّمت إليه وهي تكادُ لا تقوى على الوقوف، وترقرقَ الدمعُ في عينيها وتحدَّثت بنبرةٍ ضعيفةٍ منكسرة.
"– هتفضل مخاصمني لحدِّ إمتى؟ أنا تعبت، أرسلان...واللهِ تعبت..."
قالتها بصوتٍ كالصراخِ مع انسيابِ دموعها.
ظلَّ واقفًا للحظات، ثمَّ أدار وجههِ إليها ببطء، وقال بجمودٍ باردٍ يُخفي غليانِ قلبه.
"– غرام...أنا قلت إيه؟ لمَّا تتكلِّمي معايا..إياكي تعلِّي صوتك تاني، ولمَّا تسأليني زعلان ليه، فزعلان عشان ماكنتش متوقِّع اللي عملتيه."
مدَّت يدها تتشبَّثُ بذراعه، تمسكهُ وكأنَّها تستنجدُ به ألَّا يبتعد.
"– أرسلان، أنا تعبانة، وقلبي وجعني، ما صدَّقت إنَّك ترجع لي..شهور وأنا بدعي ربِّنا، وفي الآخر دا حق انتظاري ودعواتي..."
"– اجهزي، السوَّاق يوصَّلك عند باباكي، اقعدي هناك كام يوم، غيَّري جو.."
"– توسَّعت عيناها بدموعها.."
وقبل أن ترد، انفتحَ البابُ بعنف، ودخل إسحاق كالإعصار، بعينينِ تتوهَّجُ بغضبٍ مكبوت.
"– أنتَ ناوي على إيه؟! ليه مستدعي العيال دي؟!"
لم يتحرَّك أرسلان، وكأنَّه لم يستمع إلى شيء، بل أدارَ جسدهِ ببطءٍ نحوه، ووضع سلاحهِ بحزامهِ دون أن يرفَّ له جفن.
"– أنا بكلِّمك يالا.."
"– حضرتك عمِّي، على عيني وراسي... بس دخولك أوضتي وأنا مع مراتي كدا؟ عيب في حقّ إسحاق الجارحي."
انفجرَ صوتُ إسحاق بالغضب.
"– إنتَ اتجنِّنت ياابني؟! الكام شهر اللي غبت فيهم عن الوعي نسُّوك الأدب؟!"
لم يرد عليه، مرَّ بجانبهِ بهدوءٍ ينذرُ بالعاصفة، لكنَّ إسحاق جذبهُ من ذراعهِ بعنف.
"– أرسلان، جاوبني...إنتَ ناوي على إيه؟ أوعى تفكَّر أسيبك تعمل عمل مجنون، يبقى بتحلم.."
سحبَ أرسلان ذراعهِ بقوَّة، ونظر إليه بعيونٍ تتوهجُ بنيرانٍ كقاعِ جهنَّم، وخرجَ صوتهِ كزمجرةٍ مكتومة.
"– ماتقفشِ قدامي..حقِّي...وحقِّ أخويا...وحقِّ أمِّي، أنا هجيبه ياسيادةِ العقيد..واللي هيقف بيني وبينه...مش هرحمه، حتى لو كنت إنت."
قالها وأدارَ ظهرهِ ببطء، ثمَّ تحرَّكَ للخارج، وخطواتهِ تُحدثُ صوتًا عنيفًا على الأرض، كأنَّها تُعلنُ أنَّ مابعد خروجهِ لن يعودَ كما كان.
بعدَ فترة، دلفَ بسيارتهِ المصفَّحة واقتحمَ فيلا راجح الشافعي، ترجَّلَ من السيارةِ يشيرُ إلى حرسه.
"– مش عايز حدِّ سليم، وفي نفس الوقت مش عايز موت، جمَّعوهم في العربية.."
دقائق وتحوَّل المكان إلى معركةٍ عنيفة، دفعَ أرسلان البابَ بقدمهِ بعدما أطلقَ رصاصةً لينفتحَ البابَ على مصراعيه.
بالأعلى بمكتبِ راجح.
كان يجلسُ يتناولُ قهوتهِ مع إنهاءِ بعض أعمالهِ المشبوهة، استمعَ إلى صراعٍ وكأنَّها حرب.
نهض من مكانهِ مع دخولِ أحدِ حرَّاسه.
"– إلحق ياباشا، أرسلان الجارحي تحت واقتحم البوَّابة.."
هبَّ فزعًا، إنتَ بتقول إيه.
لم يُكمل حديثهِ بسببِ طلقةٍ ناريةٍ أصابت قدمَ الرَّجلِ حتى سقطَ أمام راجح على الأرض.
تقابلت النظراتُ بينهما، إلى أن هتفَ أرسلان بنبرةٍ باردة.
"– أهلًا ياراجح ياشافعي، إيه مكنتش متخيِّل هجيلك؟.."
"– عايز إيه يابنِ جمال، و إزاي تدخل بالهمجية دي!..إنتَ مفكَّر البلد مفيهاش قانون؟.."
دفعَ المقعدَ بقدمه، واقتربَ منه متناسبًا كلَّ شي، ثمَّ انحنى يجذبهُ بقوَّةٍ على المقعد.
"– النهاردة ياراجح أنا قانونك، أنا تنازلت عن كلِّ حاجة، تنازلت عن مستقبلي واسمي وكلِّ حاجة، وجيت لك بصفتي جمال جمال الشافعي.."
قالها وهو يسحبُ من أحدِ رجالهِ سلاحًا أبيض.
بدخولِ إسحاق.
"– أرسلان..إياك، ماتتهورشِ بلاش.."
لم يتهاون حتى غرسَ السكين بطولِ جنبهِ مع صرخاتِ راجح.
واقتربَ من أذنهِ يهمسُ بهسيسٍ مرعب وهو يحرك السكين بجنبه.
"– السنِّ بالسن، والعين بالعين، والبادئ أظلم."
قالها وهو يخرجُ السكينَ لعدَّةِ مرَّ
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم سيلا وليد
"اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك."
في العشق الحقيقي، لا تُحسب الخطى، ولا تُوزن التضحيات بمكيال العقل. بل يُلقى القلب في ساحة الهيام، عارياً من الأنانية، نابضاً بالولاء.
أضحي بنفسي لا ضعفاً، بل لأن حبك يستحق أن أفنى لأجله. لأنني حين أحببتك، لم أر العالم إلا من خلالك، ولم أعد أطلب من الحياة سوى أن تبقى فيها.
فإن كان بقائي يؤلمك، سأرحل وأنا أبتسم. وإن كان رحيلي يبكيك، سأبقى، ولو كان في البقاء فنائي.
فالعشق عندي، أن أكون ظلك إن غبت، ودمعك إن بكيت، وروحك إن وهبتني الرحيل.
أعشقك حد التلاشي، أذوب في تفاصيلك كما تذوب النار في الشمع.
لا أنتظر جزاءً، ولا أرجو مكافأة. فالعشق الذي يُقايض، ليس عشقاً، بل صفقة.
قدمت نفسي لك طوعاً، لا بطلة، بل عاشقة. تدرك أن التضحية ليست موتاً، بل حياة من نوع آخر. حياة تُكتب في ظلال من تحب، ولو لم يُكتب لها أن تُروى.
وإن طُلب مني أن أفنى ليحيا عشقنا، فخذني كلي، وابنِ من رمادي قصيدة يُتلى فيها اسمك، ويُحفر فيها وجعي قرباناً لخلودك.
#ميرال_السيوفي
خرج أرسلان من فيلا راجح، يشير إلى الرجال المقيَّدين بإشارة حاسمة:
"خدوهم، احبسوهم في أي مكان.. مش عايز حاجة تبع راجح تفضل سليمة.. أكيد عارفين إيه المفروض تعملوه."
رد عليه أحد رجاله:
"تحت أمرك يا أرسلان باشا."
دقائق فقط، وكانت سيارة الإسعاف قد وصلت. وضع نظارته الشمسية بهدوء وهو يتأمل رجال الإسعاف يهرعون إلى الداخل. لحظات.. خرجوا وهم يحملون راجح على نقالة الإنقاذ.
ابتسم أرسلان بسخرية وهو يطالع إسحاق، الذي وقف واضعاً يديه على خصره، يرمقه بنظرات مشتعلة.
فتح باب سيارته واستعد للمغادرة. اقترب إسحاق بغضب، ووقف أمام السيارة، يضرب على مقدمتها بقوة:
"انزل يالا، بدل ما أكسر العربية فوق دماغك!"
أطل أرسلان برأسه من النافذة، يشير إليه بابتسامة باردة:
"إلحق راجح ياباشا.. يمكن يحتاجك تتبرعلُه بالدم!"
قالها، ثم تراجع للخلف فجأة، وانطلق بسيارته بسرعة جنونية، غير مكترثاً بإسحاق الذي بقي واقفاً، يحدق في غباره المتصاعد.
بعد فترة من الانتظار المضني، وصل أخيراً إلى المستشفى. بدأ يتحرك بثبات وعيناه تتجول بكل اتجاه، والوقت يُلقي بظلاله، رائحة المطهرات تملأ المكان كأنها تذكره بالألم الذي كان هنا منذ أيام.
دلف للداخل بخطوات واثقة، لكنها كانت ثقيلة، يشعر بأن كل خطوة تحمل ثقل خوفه على من يحب.
بسط كفه ليفتح باب الغرفة، ولكن سبقه إسلام بفتحه. تنهد بارتياح، وتطلع إليه بنظرة مرهقة، بدا وكأنه لم ينم وقتاً كافياً. ورغم ذلك انفرجت ملامحه قليلاً، حينما وجد أرسلان.
"كويس إنك جيت."
وقف قبالته وسأله بصوت ممزوج بارتعاشة خوف، فتساءل سريعاً:
"ليه فيه إيه، إلياس كويس؟"
أومأ له بهدوء ثم حدق في ساعته بعجلة:
"هو كويس، نايم دلوقتي، بس عندي امتحان واتأخرت، يزن كلمني وقال لي جاي، بس معرفش اتأخر ليه.. خليك معاه محبتش أقلق بابا وهو مصر إنه يخرج من المستشفى."
ربت على كتفه برفق، ثم نظر إليه بعينين تفيض بالعطف والحنان، وقال بنبرة ثابتة:
"بالتوفيق إن شاء الله.. هشوف ميرال الأول بدل نايم."
تنهد إسلام، ثم قال بصوت خافت:
"غادة هناك، بتجهزها علشان هتروح، أخيراً هتعمل مغادرة."
قالها بضحكة خافتة. لكزه أرسلان بخفة بصدره ثم أردف مازحاً:
"إنت غيران يابني، الحب بيعمل المعجزات."
تهكم ينظر بساعته، ثم سار بجواره يلوح بكفيه:
"الحب وسنينه وساعاته ومرارته."
ضحك أرسلان بمحبة على كلماته، قائلاً:
"بالتوفيق إن شاء الله."
قالها وتحرك نحو غرفة الطبيب. وقف أمام الباب، طرقه بخفة، وانتظر الإذن، ثم دخل حين سمع صوت الطبيب يأذن بالدخول.
جلس قبالته، بعدما ألقى التحية:
"ميرال السيوفي هتخرج النهاردة، كدا كل حاجة تمام.. طيب ليه حضرتك مصر على وجود إلياس؟"
أومأ الطبيب بابتسامة حاول بها أن يسكن القلق الذي تجلى بملامح أرسلان:
"مدام ميرال حالتها كويسة، وكان المفروض تخرج من أسبوع لكن إلياس اللي رفض، أصر إنها تنزل من هنا تتمرن في النادي."
قالها الطبيب بابتسامة. ثم استأنف:
"فخروجها طبيعي."
"طيب إلياس، حضرتك مخبي حاجة؟"
قالها أرسلان بقلق.
ابتسم الطبيب مجدداً، وفي عينيه شفقة امتزجت بالحرص:
"أبدا... مفيش حاجة حالته مستقرة... لكن دا خارج من غيبوبة، بسبب نزيف حاد، وعملية نقل كلى، وقلبه وقف كذا مرة أثناء الجراحة.. من الطبيعي يفضل تحت المراقبة شوية، وبعدين هو عندي جدا، عارف ومتأكد وقت مايخرج من المستشفى ممكن ينزل شغله عادي، علشان كدا حضرة اللوا أصر إنه يفضل كام يوم كمان، متخافش حيتجاوز، بإذن الله."
هدأ بعد حديثه، ثم توقف يحدثه بنبرة ممتنة وشكره، ثم اتجه متحركاً من غرفة الطبيب، متوجهاً إلى غرفة أخيه.
تنفّس بعمق، وأدار المقبض بهدوء، ودخل ينظر بأرجاء الغرفة. كانت الغرفة غارقة في ضوء خافت، ساكنة.
اقترب من السرير ببطء شديد. وجد إلياس غافياً بنومه، كأنّه لم ينم منذ زمن.
اغرورقت عيناه بالدموع حينما تذكر دخوله عليه بعدما أجرى العملية. لقد تبدل الحال، ذهب بذاكرته منذ عدة أيام.
فلاش بعد العملية بعدة أيام.
كان ممدداً كأنّه جثة لم تُعلن وفاتها بعد، شاحب الوجه، ساكن القسمات.
جلس على الكرسي الذي بجوار فراشه، طأطأ رأسه، وأسند كفيه على ركبتيه، يحدق فيه بصمت، كأنّ النظرة وحدها باتت لغة العجز الأخيرة.
مد يده، وأمسك بكفه. لا يعلم لماذا شعر بأنّه بارد، هل شعور فقدانه الذي سيطر عليه، أم افتقاده لحنان الأخوة.
ورغم ما يشعر به ظل ممسكاً به، يشعر بأنّه لو ترك يده ستنسحب منه دون رحمة.
قبّل يده بدموع لم يقو على منعها.
لأول مرة يشعر بذلك الشعور.
ثم همس، كأنّ قلبه هو الذي ينطق لا لسانه:
"إلياس أوعى توجعني كدا، متوجعش قلوبنا عليك، إنت هنا بسببي بلاش تموتني بالذنب."
سكت قليلاً، ثم أردف بصوت يشبه البكاء المكتوم:
"آسف.. مكنتش أعرف دا هيحصل، عرفت إنك سافرت ورايا، ليه تعرض حياتك للخطر، ليه تعمل كدا، مفكرتش في ماما، طيب ابنك ومراتك ذنبهم إيه؟"
أغمض عينيه، وأسند رأسه إلى حافة السرير، ويده ما زالت مشدودة على يده:
"ما صدقت أعيش إحساس الأخوة، أول مرة أحس بالإحساس البشع دا، متعملش..."
قاطعه دخول فريدة. أطلت عليهما وعيناها تفيض بالألم، وقلبها يخفق كأن كل نبضة فيه تصرخ.
تقدمت نحوه بخطا مترددة، كمن تمشي فوق جراحها، ثم وضعت كفها على رأسه برفق مرتجف:
"أخوك كويس ياحبيبي... متنساش إنك لسه تعبان، كفاية وجعي على واحد."
رفع وجهه إليها. نظر إليها بدموعه التي تنحدر كالسيل، دموعاً تحمل أكثر مما يُحتمل.
نهض من مكانه، وصوته مشروخ، كأنّه يخرج الكلمات من قلبه لا من فمه:
"بسببي ياماما، هو هنا بسببي، أنا اللي كنت مقصود، ياريته ما عرفني، ولا وجعتك عليه بالشكل دا."
احتضنته بقوة وكأنّها تحاول أن تلملم ما تبقى منه، خرجت شهقاتها من عمق جرحها الذي ينزف، وأردفت بصوت مرتجف:
"إنت إيه وهو إيه ياحبيبي، انتوا الاتنين نور عيوني."
ارتفعت شهقاته لأول مرة، لأول مرة يخر ضعيفاً عاجزاً، أين ذلك الشخص الذي يتمتع بالمرح والحيوية.
قاطعهم دخول مصطفى قائلاً بصوت جاد يحاول أن يخرجهم من حالة حزنهما:
"إحنا قولنا إيه، مش عايز زعل ولا بكى يافريدة، اتجه بنظره إلى أرسلان: أخوك كويس وهيقوم إن شاء الله.. الحمد لله الدكتور طمنا، أشار إلى فريدة: روحي شوفي ميرال، مش مبطلة تسأل على جوزها."
مسحت دموعها تهز رأسها:
"أنا رايحة لعندها، جيت لما عرفت إن أرسلان هنا."
أومأ لها وأردف:
"روحي علشان تطمنيها على جوزها."
ربت على كتف أرسلان:
"الحمد لله، لازم نحمد ربنا، والدتك مش حمل تعب، زي ما إنت شايف، مش عايز نضعف قدامها، لما إحنا نعمل كدا، يبقى هي تعمل إيه."
"إزاي إلياس بيزرع كلى ياعمو، لدرجة دي عذبوه، عملوا فيه إيه علشان يوصله لكدا؟"
احتضن مصطفى وجهه، ونظر لمقلتيه يهز وجهه بحنو:
"أرسلان، اللي حصل حصل، مش هنبكي على اللبن المسكوب، أنا دلوقتي اللي يهمني حاجة واحدة بس، ابني يقوم بالسلامة، ووالدتك ترجع تاخدكم في حضنها، هتساعدني على كدا، ولَّا تقعد تبكي زي البنات."
"لما أعرف ليه عملوا فيه كدا، إيه اللي عمله ليوصلوا بيه بالبشاعة دي؟"
"إلياس عايش بكلية واحدة من هو عنده خمستاشر سنة يا أرسلان، وكمان زرع.."
شهقة أخرجها يتطلع إليه بعينين متسعتين. هز مصطفى رأسه واستطرد:
"والدتك اتبرعت له قبل كدا."
"ماما!"
قالها بذهول، ثم أردف:
"يعني ماما عايشة بكلية واحدة؟!"
أومأ مصطفى متنهداً، وذهب ببصره إلى إلياس الحاضر الغائب، ثم أشار إليه:
"خليك جنبه، هروح أطمن على ميرال من الدكتور، هي كمان عندها سيولة في الدم، عملت تجلط دموي أثناء العملية، رغم تحذيرات الدكتور بخطورة وضعها بس هي أصرت.. وزورت التحاليل."
"صعب عليها هي كمان.. بس ليه خليتها تعمل كدا، مكنش فيه متبرع غيرها؟"
هز مصطفى رأسه:
"مكنتش أعرف، رتبت مع الدكتور كل حاجة، صدقني لو عرفت كنت منعتها، بس الحمد لله الدكتور طمني قال قدر يسيطر على الوضع.. وأخدت جرعات لازمة، بس تعبت برضو، علشان كدا."
"إلياس يعرف؟"
تساءل بها أرسلان.
أجابه مصطفى بيقين:
"لا ما أظنش، هو أصلاً معرفش إنها هي المتبرع."
"إن شاء الله تقوم بالسلامة."
"إن شاء الله."
قالها مصطفى واستدار للمغادرة.
نزلت دمعة واحدة، خفيفة، لكنها ثقيلة بما تحمله من وجع. مسحها سريعاً كأنها خيانة لثباته أمامه.
ثم اقترب أكثر، شد على يده، وهمس:
"وحياة رقدتك دي لآخد حقك وحقنا كلنا."
فجأة... تحرك إصبع إلياس. حركة بسيطة، باهتة، لكنها كافية لتزرع رجفة في جسده.
حدق إليه بعينين مذهولتين، كأنّ الزمن توقف عند تلك اللحظة.
زحف بجسده نحوه ببطء، كمن يقترب من حلم يخشى أن يتلاشى، وهمس بصوت مرتعش بالكاد يسمع:
"إلياس؟..."
لم يجبه، لكن صدره ظل يعلو ويهبط بهدوء، وصوت الأجهزة حوله يملأ المكان بثبات.
شق ثغره ابتسامة أمل لشفاء أخيه.
انسابت دموعه بلا مقاومة، لم يدرِ أكانت فرحاً أم حزناً، أو ربما مزيجاً مؤلماً من الاثنين.
مد يده المرتجفة، يحرك أنامل إلياس بحذر، فإذا بها تستجيب بحركة خفيفة.
شهق أرسلان، وتجمد مكانه، ثم انحنى يحيط جسد أخيه المرتخي بين ذراعيه كمن يريد أن يحميه بروحه.
"إلياس.. سامعني؟!"
رفرفت أهداب إلياس ببطء. كأن النور يؤلمه، ثم ردّد اسم زوجته بين شفتيه اليابستين كأنّه دعاء:
"ميرال..."
كررها همساً، كأنّها نبض قلبه.
تهدج صوت أرسلان وضحك ببكاء، يقترب منه أكثر ويطبع جبينه على جبين أخيه:
"حمد لله على سلامتك، ياحبيبي... واللهِ وحشتني."
همس إلياس باسمها مجدداً، فأجابه أرسلان فوراً:
"ميرال كويسة، وماما معاها... مستنياك تقوم."
فتح إلياس فمه بصعوبة، يتمتم:
"ارسلان..."
ابتسم أرسلان، واحتضن وجهه بين يديه، وقال بقلبه قبل لسانه:
"فداك يا حبيبي... أنا هنا، ومش هسيبك."
تابع إلياس، بصوت متقطع:
"وديني عند ميرال..."
قالها وأغمض عينيه ثانية، وكأنّه اطمأن فعاد للنوم.
مرر أرسلان يده على خصلاته بحنان، وقبّله فوق جبينه:
"فوق الأول وهوديك... المهم تقوم بالسلامة."
مسح دموعه بدخول "يزن" قطع لحظته، ينظر بينهما بدهشة:
"أرسلان؟! واقف كده ليه؟"
اعتدل أرسلان، يتأوه وهو يستند إلى حافة السرير، فإصاباته لم تُشف بعد:
"أنا كويس... إلياس فاق."
اقترب يزن بسرعة، وعيونه تلمع بسعادة قائلاً بنبرة سعيدة:
"واللهِ فاق؟! أخيرًا الحمد لله.."
ثم التفت إليه وسأله بسرعة:
"عديت على أختك؟"
"أيوه، طنط فريدة وغادة عندها... هي كويسة، بس عايزة تيجي تشوف إلياس."
هز أرسلان رأسه، وابتسامة هادئة على وجهه:
"هو كمان... أول ما فتح عيونه، سأل عليها."
فاق أرسلان من شروده على صوت فتح الباب ببطء، تبعه دخول يزن بخطوات هادئة، وألقى تحية السلام كنسمة تطرق باب الروح:
"السلام عليكم."
رفع أرسلان رأسه بتثاقل، يشعر بأنّه يحمل فوق كتفيه أثقل من أن يُحتمل، ثم قال بصوت خافت أجوف:
"عليكم السلام."
اقترب بخطواته الهادئة، حتى لا يصدر صوتاً ويرهق جسد النائم، فتساءل:
"جيت إمتى؟"
تراجع أرسلان بجسده إلى الخلف، استند إلى المقعد ممدداً ساقيه للأمام، ثم رفع كفيه إلى شعره يمررهما بين خصلاته بإرهاق بيّن، وزفر زفرة طويلة تحمل وجعاً غير معلن:
"من شوية... إنت هنا من زمان ولَّا إيه، إسلام قالي إنك المفروض تكون هنا من بدري."
اقترب، وعيناه تطوف على جسد إلياس الممدد في صمت، ثم هز رأسه نافياً وقال:
"لسة واصل من عشر دقايق كده."
أومأ متفهماً ثم سأله:
"عديت على ميرال.؟"
توقف لبرهة، وكأنّه تذكر أمرها، فهي هاتفته منذ الصباح، رفع عيناه إليه قائلاً:
"لا... قولت أشوف إسلام الأول، معرفتش إنك هنا."
رفع أرسلان عينيه إليه، نظرة مشبعة بالعرفان، بامتنان يشوبه تعب السنين، ثم قال بهدوء:
"روح شوف أختك، ووصلها للبيت، وخلِّيك معاها، متسبهاش لوحدها... وأنا بالليل هعدي عليها أنا وغرام."
تنفّس يزن بعمق، ثم قال بنبرة مطمئنة وهو يشبك كفيه أمام صدره:
"إيمان هتقعد معاها، متقلقش... وكمان طنط فريدة مستحيل تسبها لوحدها."
أومأ أرسلان ببطء، كمن يُسلِّم بما لا طاقة له، ثم استدار قليلاً ولوّح بيده دون أن ينظر:
"طيب هشوفها... بس معتقدش إنها تسيب إلياس وتمشي."
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة باهتة، وقال بلهجة هادئة لكنها لاذعة:
"لا... أختك عاملة زعلانة، متخافش، هتمشي."
ضحك يزن، ضحكة سريعة لا تحمل بهجة، ثم تحرك خارج الغرفة.
في حين رن هاتف أرسلان فجأة، فامتدت يده إليه:
"نعم يابابا؟"
جاءه الصوت من الجهة الأخرى مشوباً بقلق مكبوت:
"إنت فين يابابا؟"
قطب أرسلان حاجبيه، وانتصب جسده قليلاً، وقال بحدّة مستترة:
"هو أنا طفل يا بابا؟ ولَّا خايف من كلام إسحاق؟ على العموم اطمن.. أنا ماليش مزاج لحاجة وقاعد عند إلياس."
سكت فاروق لحظة، ثم تحدث بنبرة فيها غضب أبوي:
"ينفع اللي عملته ده؟ من إمتى وإنت بلطجي؟"
أطلق أرسلان ضحكة قصيرة، كانت أقرب إلى أنين مكتوم، وقال وهو ينهض واقفاً، وعيناه تحدق في اللاشيء:
"لا والله، بلطجي؟ علشان باخد حقي بقيت بلطجي؟ مش فاروق الجارحي اللي يقول كده."
"أرسلان.. اللي عملته ده غلط، إنت ناسي شغال إيه؟"
نظر أرسلان إلى الأرض، كأنّها تشهد على مالم يُقل، وقال بصوت مكسور الثبات:
"أنا مش شغال حاجة... بدرب الناس في النادي..."
ثم رفع رأسه، ونبرة صوته تزداد صلابة كلما نطق:
"خلصت ياباشا؟ لما آخد عزاي بعد اللي اتعمل فينا... أبقى أشوف هشتغل إيه."
أخفض الهاتف، ثم قال دون انتظار رد:
"بعد إذنك، لازم أقفل دلوقتي."
أنهى المكالمة، وبقي واقفاً للحظة وقد ضاق صدره، ليشعر باختناق تنفسه، كأنّ الهواء أصبح ثقيلاً.
استمع إلى همهمة إلياس، استدار إليه ورسم ابتسامة مقترباً منه:
"صح النوم."
تجوّل بعينيه في الغرفة وتساءل عن إسلام:
"إسلام فين؟!"
جلس بجواره على طرف الفراش:
"عايزه ليه؟"
"عايز أقعد شوية."
انحنى يرفع جسده بعناية، كأنّه شيئ قابل للكسر، وضع خلفه الوسادة:
"مرتاح كدا؟"
هز رأسه يبحث عن هاتفه:
"هات تليفوني."
ابتعد يسحب هاتفه من فوق الكومود، ثم رفعه وهاتف راكان:
"راكان باشا.. إزاي حضرتك؟"
على الجانب الآخر:
"الحمد لله، يارب تكون كويس."
"الحمد لله.. كنت عايز أسأل حضرتك عن رانيا الشافعي، أخبارها إيه؟"
"ماتخافش في المكان المناسب، وزي ما وعدتك."
"خايف تهرب، لو سمحت وجودها مهم جدا."
قاطعه راكان:
"سألت عليها كام مرة وقولت لك اعتبرها في قبر، محدش هيعرف يوصلها، ولا هي هتعرف تهرب."
"آسف على إزعاجك ياباشا، بس أنا خفيت الحمد لله، هبعت لك أرسلان ياخدها."
أجابه راكان ممتعضاً:
"لا، أنا كدا أزعل منك، صدقني كأنّها عندك بالظبط، ومتخافش اللي متولي أمرها شخص مش عادي، وعلشان ترتاح تحت إيد ظابط في الجيش، علشان مايخطرش على بال أي مخلوق، بعدها عن جميع الشبهات لو شكوا في الأمر، أظن كدا ترتاح."
ابتسم إلياس ورغم ذلك:
"معلش خدني على قد تفكيري وترتيبي مش بخونك والله، لو كدا مكنتش كلمت حضرتك عنها."
"ماشي يا إلياس فوق الأول وتعال خدها بنفسك."
صمت للحظة وعيناه على أرسلان، ثم أومأ بالموافقة:
"شكرًا راكان باشا."
قطع حديثهم دخول جاسر على راكان:
"عرفت اللي حصل لراجح الشافعي، حد هجم عليه وضربه في كليته."
استدار راكان وأكمل حديثه مع إلياس:
"أتمنى متكنش إنت اللي ورا اللي حصل لراجح."
"لسة سامع زي حضرتك، وأنا ماليش في شغل الشمال، ماكان قدامي."
"إلياس.."
قالها راكان بغضب.
"راكان باشا، صدقني لو عايز أموته كنت موته من زمان أوي، شوف مين اللي عمل كدا، آسف عطَّلت حضرتك."
قالها وأغلق الهاتف مع جلوس أرسلان على المقعد قائلاً:
"مالقتش غير راكان البنداري تخلي معاه رانيا؟"
"مكنش قدامي غيره، بابا اللي غرقان مع ماما في تعبها، ولَّا إسحاق اللي في غيبوبة، ولَّا إنتَ اللي مكنتش أعرف عنك حاجة.. والصراحة الراجل أمين."
"بس راجل قانون ياحبيبي، ودا مستحيل يسكت على اللي هنعمله."
ضاقت عيناه وتسرّب الشك إلى ملامحه شيئاً فشيئاً، حتى بدا كأنّه يزن الكلمات قبل أن ينطق بها، ثم تمتم متسائلاً:
"بيقول راجح حد ضاربه... أنا سمعت حد بيقول له كدا..."
ارتد بجسده قليلاً إلى الخلف، وهز رأسه كأنّ الأمر لا يعنيه، ثم أردف ببرود مقصود:
"لسه عايش، ماعملتش فيه حاجة... أخدت كليته بس."
انفلتت من إلياس ضحكة مكتومة سرعان ما تحولت إلى أنين، ضغط على جانبه بكفه وهو يتلوى من الألم:
"وكدا ماعملتش؟ أومال لو عملت؟"
لوى الآخر فمه بابتسامة ساخرة، وانحنى قليلاً للأمام، كمن أرهقه حملاً ثقيلاً:
"كنت قتلته طبعاً.. بدل لسه روحه طلعتش لخالقها يبقى ماعملتش حاجة.. وبقول لك إيه، متعملش مثالي علشاني.. أنا اتخنقت، بقالي سنة بضغط على نفسي أكون مؤدب، بس خلاص، طاقتي نفدت.. إيه؟ مش خايف عليا أموت مقهور؟"
ارتفعت ضحكات إلياس من جديد، تتخللها أنفاس متقطعة تعبر عن الألم، وأشار إليه بكفه المرتعش:
"اسكت يابني... ده أنا ماتعبتش بعد العملية كده."
انحنى بجسده حتى صار وجهه في مستوى وجهه، وغمز بعينيه بخفة:
"عارف ليه؟ علشان جواك حتة حلوة... إزاي هتتعب بس؟"
مسح إلياس على وجهه محاولاً أن يستعيد بعضاً من هدوئه، وقال بسخرية ممزوجة بمرارة:
"جوايا حتة حلوة؟ وإيه هي الحتة الحلوة ياباشمهندس بعد اللي حصل لي؟"
صفق بيديه ضاحكاً، كأنّه يكشف سراً عظيماً:
"الله! حتة من مراتك ياناكر الجميل!"
تغيرت ملامح إلياس.. وانطفأ بريق السخرية، وحل محله لمعان شوق، دموع حائرة تحاول التجلد.
رفع عينيه ببطء:
"مشت ولَّا لسه؟"
رفع الآخر حاجبه باستنكار ساخر:
"بتسأل ليه؟ مش انتوا مقاطعين بعض؟ طيب اللي زعلان من الثاني مش المفروض يرجع له اللي أخده؟"
قطب إلياس جبينه، وأجاب بحيرة صادقة:
"إنت بتقول إيه؟ مش فاهم حاجة."
وضع الآخر كفه تحت خده، وغمز من جديد:
"روح ادي لها كليتها، وقول لها مش عايز منك حاجة."
تراجع إلياس بجسده، ونظر إليه في تهكم مكسور:
"ياريت ينفع... غبية، مش عارفة نتيجة اللي عملته إيه."
أجابه الآخر دون تردد، وصوته يزداد دفئاً:
"بتحبك يا إلياس... كنت منتظر منها تعمل إيه وهي شايفة كدا."
هتف إلياس، وصوته يتهدج بالغضب والحنين:
"تقوم تموت نفسها؟ عندها تجلط في الدم، وهي عارفة من يوم ما ولدت كانت ممكن تموت في العملية."
خفض الآخر صوته، وقد بدت في عينيه لمعة تأثر حقيقية:
"غصب عنها... ميرال معتبراك دلوقتي كل حياتها.. أنا شوفتها لما فاقت... كانت صعبة عليا أوي، وهي بتقول خايفة إنك ما تفوقش... بجد، لو شوفتها كانت هتصعب عليك."
"سيبك من ميرال وقول لي ليه عملت كدا في راجح ومين قال لك إنّه اللي ورا دا؟"
"عرفت وخلاص."
"أرسلان قول لي عرفت إزاي؟"
"هو ينفع أقول لك أسرار شغلي يا إلياس.. دا شغلي.. أنا معرفتش أنا اتأكدت وقبل ما تعترض، راجح راح لإسحاق من فترة وقال له على كل حاجة، وقال له مستعد أسلمهم واحد ورا الثاني، بس طبعاً مبقوش يتواصلوا مع راجح إلا من خلال التليفون.. ورانيا؟ رانيا ماتت فكشفوا عطوة علشان كله يبقى بعيد.. إسحاق فهم لعبتهم، وفهم لعبة راجح، راجح عرف نهايته على إيدك، فقال إيه.. لا أنا أسبق من جهة أبقى وطني ومن جهة تانية أعمل لنفسي اسم في عالم كبار الدولة، علشان كدا منحوله مصر والدولة الثانية، يعتبر دول أقوى دولتين في الشرق، وبدأوا يلعبوا معاه على الحتة دي، الطمع.. إسحاق كشفهم وبيلعب عليهم."
أومأ إلياس بتفهم ثم تساءل:
"طيب لما إنت عارف كدا، ليه ضربته؟"
"علشان تاني مرة مايخدش حاجة من حد، وكان لازم يحصل كدا، وأهو ألهي إسحاق عني شوية."
"تلهيه عني.. إزاي؟ أوعى تكون ناوي تعمل حاجة، إنت ظابط مخابرات قالها مستنكراً ما سيفعله."
"لا أنا مش ظابط ولا حاجة، أو بمعنى أصح مكنتش عايز أدخل مخابرات.. خلاص أنا استقلت عايز أرتاح، ابني هيجي على الدنيا بعد أسبوعين.. إلياس أنا مقعدتش مع مراتي أسبوعين على بعض، طيب ابني اللي جاي دا مش عايز حد يربيه؟"
"يعني إيه؟!"
"هتسيب وظيفتك إنت اتجننت، أنا عارف إسحاق ضاغط عليك بس صدقني دا من حبه فيك."
نهض من مكانه كأنّ حديث أخيه لا يعنيه ثم قال:
"ربنا يسهل، بسط إلياس كفه وقال: طيب خدني عند مراتي يمكن نتصالح."
أومأ مبتسماً:
"لو هترجع لها كليتها.. كدا ماشي."
في فيلا السيوفي.
دلف إلى الغرفة بخطا بطيئة، يخشى أن يوقظها. لكنه لم ينجُ من صوت الباب حين أغلقه.
فتحت عينيها، نظرت إليه من بين نومها وإيقاظها.
"مصطفى..!!"
تلعثم للحظة، ثم همس:
"آسف... صحيتك، نامي، أنا بس هغير وأنزل."
اعتدلت في فراشها، وضوء المصباح الخافت يرسم إرهاق وجهها، رفعت رأسها وتطلعت إلى ملامحه المتعبة، ثم سألته بنبرة مبحوحة من آثار النوم:
"رايح فين؟ وليه ما نمتش؟"
أدار وجهه عنها وأخذ يخرج ثيابه من الخزانة:
"ما جانيش نوم... وافتكرت إن إسلام عنده امتحان النهارده، قلت أروح أشوف إلياس... قبل ما يتجنن، ويطلع من المستشفى غصب، وخاصةً إن ميرال هتخرج النهاردة."
رفعت الغطاء عن ساقيها، وتنهدت بصوت مبحوح وهي تلم خصلات شعرها التي اخترقتها خطوط بيضاء، مشت نحوه حتى توقفت، ثم أمسكت بذراعيه برفق.
التفت إليها، نظر إلى كفيها المتشبثتين به، ثم زوى ما بين حاجبيه:
"قومتي ليه؟ روحي نامي، أنا مش هنام."
استدارت إلى أن توقفت أمامه رافضة ما يقوله، نظرت إليه بعينيها الواسعتين، تلك العينين اللتين لم تفقدا بريقهن رغم تعب السنين، وبنبرة تحمل مزيجاً من الحزن والألم قالت:
"للدرجة دي مش قادر تبعد عنه؟ طيب ليه سبته يعيش بعيد عننا؟"
تجمد للحظة... كأنّه لا يستوعب سؤالها، أو كأنّه تلقى طعنة من حيث لا يدري.
رد بهدوء كحال شخصيته:
"وكان مطلوب مني إيه، ودي حياته وماليش أدخل فيها، عايزاني أفرض رأيي على راجل، في أقل حق من حقوقه؟"
اقتربت خطوة أخرى، رفعت كفه المرتعش بين راحتيها، وأردفت بنبرة صوت ناعمة... جعلت قلبه يعزف بالنبض:
"بس من واجبه على أبوه يسمع له، وهو بيحبك، وكان مستحيل يرفض، هو فيه ابن يرفض حب وحنان أب زيك يامصطفى."
دنت منه ثم وضعت رأسها بحضنه:
"ربنا يخليك لينا ومايحرمناش منك يا أبو إلياس."
رفع كفيها ومسد على رأسها بحنان، ثم حاوط جسدها الهزيل:
"ولا منك يا فريدة، لما بتقولي لي يا أبو إلياس بفرح أوي يافريدة، بحس إن تربيتي فيه مضعتش."
رفعت عينيها تتطلع إليه بذهول:
"مين يقدر ينكر إنك مش أبوه، إلياس هيفضل ابنك البكري، مهما يعمل ومهما يبعد."
لثم جبينها وحاوط وجهها:
"إنتي أكبر نعمة ربنا رزقني بيها يافريدة، ربنا يبارك لي فيك."
قبّلت كفه الذي يضعه على وجهها:
"ولا منك يا حبيبي."
ابتسم بحنان وأردف مشاكسًا:
"شوية كمان وهخدك على السرير.. ونصحى نلاقي إلياس بيخبط علينا الباب، قادر ويعملها."
أفلتت ضحكات ناعمة تهز رأسها:
"فعلاً.. بس متنكرش دي طباعك، محدش بيقدر عليك لما تبقى مصر على حاجة."
"أشار على نفسه ببراءة وقال: أنا، والله ظلمتيني، دا أنا قدامك بقف زي التلميذ."
صمتت تطالعه بعينيها العاشقة، ثم قالت بنبرة تحمل مزيجاً من العشق:
"ربنا يخليك ليا ياحبيبي."
قهقه قائلاً:
"أقف قدامك زي التلميذ، ولَّا أقعد أعاكسك وأقول لك عايزك تحبيني؟"
تمسحت بصدره كقطة أليفة تلكزه بابتسامة:
"بس بقى، إحنا كبرنا على الكلام دا."
تراجع يخرج رأسها، وأردف متصنعاً الحزن:
"كبرت إيه!! لا أنا لسة بصحتي، إنتي بس اللي مستهونة بقدرات جوزك."
ارتفعت ضحكاتها تهز رأسها بسعادة، جذبها يضمها إلى صدره وتمتم:
"ربنا مايحرمني من الضحكة دي يارب."
قاطعهم طرقات المربية:
"مدام فريدة يوسف حرارته عالية، وإدَّت له خافض وبرضو مابتنزلش."
تحركت إلى الباب وفتحته تتساءل بلهفة:
"ماله حبيبي."
كانت تحمله وهو يبكي بصوت مرتفع، ألقى نفسه بأحضان فريدة بشهقاته:
"ماما.. ماما."
ضمته بحنان إلى صدرها، ثم رفعت عينيها إلى مصطفى:
"الواد سخن أوي، اتصل بالدكتور خليه يجي يشوفه."
أومأ لها وقال:
"حاضر، اهدي بس، ممكن يكون احتقان ولَّا إيه."
فتحت فاهه تنظر بداخل جوفه:
"ضروسه كاملة، ياترى ياحبيبي إيه اللي بيوجعك."
التفتت للمربية:
"هو أكل إيه؟.. كان كويس بالليل."
"مفيش والله يامدام أكلته فواكه وكوب زبادي بس، المدام ميرال بعد مافطمته قالت لي ممنوع تأكليه أكل دسم بالليل.. كل مايفوق، يالبن يافواكه."
ضمته ودلفت به إلى غرفتها تهدهده وهو مازال يبكي ويتمتم باسم والدته.
خرجت رؤى من غرفتها على صوت بكائه، دلفت إلى غرفة فريدة تتساءل:
"بيعيط ليه؟"
وضعته على الفراش وأشارت إليها بخافض الثلج، لتضعه على رأسه:
"هعمل له كمادات لما الدكتور يوصل."
ركعت رؤى أمامه وأمسكت كفه تقبله:
"حبيبي مالك بتعيط ليه، فين الأوف."
انتبهت إلى بعض البقع الحمراء بعنقه، فأشارت إلى فريدة:
"إيه البقع دي؟"
فحصته فريدة تتحسس جسده بخروج مصطفى:
"الدكتور جاي في الطريق."
في فيلا الجارحي.
جلست تنظر بشرود إلى حمام السباحة، فمنذ خروجه وهي لم تتحرك، رغم موافقته على زيارة والدها، إلا أنها رفضت.
وصلت ملك إليها وجلست بجوارها:
"أم سحلول بتفكر في إيه؟"
"أه."
ضحكت ملك وتمتمت من بين ضحكاتها:
"لا دا انتي مش معايا خالص، إيه يابنتي، اللي واخد عقلك، أوعي يكون أبيه أرسلان."
"هو فيه غيره، أبيكي دا."
قاطعهم صوت الخادمة:
"أستاذة ملك ست صفية بتنادي لك."
نهضت من مكانها وقالت:
"تمام روحي وأنا جاية وراكِ، ثم اتجهت إلى غرام: عندي Exam أخلصه وبعد كدا نخرج نعمل شوبينج للبيبي إيه رأيك؟"
تنهدت بألم قائلة:
"ماليش نفس لأي حاجة، روحي امتحانك ربنا يوفقك، ولما ترجعي بالسلامة نشوف هنعمل إيه."
انحنت وطبعت قبلة على وجنتيها:
"والله بيموت فيكي، معلش استحمليه، صعب اللي مر بيه، يالَّه باي أشوفك بعدين."
أومأت لها بصمت وظلت نظراتها تلاحقها إلى أن اختفت، شعرت بحركة جنينها لتضع كفيها على أحشائها تمررها بحنان:
"أنا زعلانة من بابا أوي، وفي نفس الوقت وحشني أوي."
قالتها بدموع تنساب بصمت.
شعرت بجلوس أحدهم بجوارها أزالت دموعها واستدارت ترمق التي جلست بجوارها:
"عاملة إيه؟"
ابتعدت تحتضن بطنها ولم ترد عليها.
نظرت إلى حمام السباحة وتحدثت:
"متخافيش مش هعمل فيكي حاجة، أنا بس حبيت أتكلم معاكي قبل ما أسافر."
سحبت نفساً وزفرته ثم قالت:
"كان عندي خمستاشر سنة، وهو متخرج من كلية الهندسة، خالو عمل حفلة هنا في الفيلا، ملك عيلة الجارحي اتخرج بقى، وحفلة الكل اتكلم عنها، كنا قريبين أوي من بعض، كان بيوديني مدرستي ويجيبني وخلاص تمارا وأرسلان هيكونوا لبعض، وأسمع ماما تقول لبابا، اعمل حسابك بنتك خلاص هتكون لأرسلان ابن أخويا، واحد حلو ويشد أي بنت، مكنش صعب أحبه وأعشقه كمان، علاقتي بيه تطورت جدا، لدرجة كرهت السفر علشان بيبعدني عنه، أربع سنين الكل كان بيحسدني عليه، مكنش فيه مناسبة بتحصل لما نكون مع بعض، أصرت على ماما نستقر في مصر، مبقتش قادرة أسافر وأكون في مكان وهو في مكان، لدرجة الكل فكرنا متجوزين. لحد ماجه فجأة وبدأ يسافر بالأيام والشهور، ويختفي في ظروف غامضة، كل ما أسأل خالو يقول لي عنده شغل، بيجيب أجهزة للنادي، زهقت من اللامبالاة اللي عنده، وخصوصاً مكنش بيبادلني نفس الشعور، كان بيعاملني على إنّي بنت عمته. نزلت دمعة تسيل عبر وجنتيها واستأنفت بصوت مبحوح باكٍ: لحد ما اتعودت أبعد عنه، اتعرفت على مدرب في النادي بتاعه وقربنا من بعض وعلاقتنا تطورت جدا، هو كان بيضايق، أنا فكرته غيران فقولت ألعب على حتة الغيرة دي، لحد ما في يوم أرسلان دخل علينا فجأة في غرفة التمرين ولقاه بيحاول يبوسني، اتجنن هنا وضرب المدرب علقة لدرجة عظمه اتكسر وفضل في المستشفى تلات شهور، أنا وقتها معرفتش ليه عملت كدا، ليه قربت من شخص وأنا قلبي مع واحد تاني؟"
شهقة أخرجتها مما جعلتها تضع كفيها على فمها:
"وقتها قولت دا بيحبني، أنا لازم أدافع عن حبه، حبيته أوي يا غرام، وكل يوم عن يوم حبه بيزيد، وأنا بوهم نفسي إنّه بيحبني، وماما كمان أقنعت نفسها بكدا، فضلت شهور لحد ما سامحني ورجعنا نقرب من بعض تاني، حتى اشترى لي عربية فوق المليون جنيه، عايزة أقول لك وقتها كنت أسعد بنت على وجه الارض.. حبيبي جاب لي هدية بقى، وبدأت أسرب خبر ارتباطي مع أرسلان، حياتي بقت هو وبس.. رجع اختفى كعادته شهور، وفجأة يظهر ببنت ويقول لي إنها مراته ومش بس كدا، لا دا بيحبها."
تطلعت إليها بعيونها الدامعة وسألتها بنبرة خافتة:
"لو مكاني هتعملي إيه؟"
صمتت للحظات ثم سحبت نفساً قائلة:
"مقدرتش أتحمل الفكرة نفسها، وخصوصاً لما بشوف حبه في عيونه وقت ما تظهري قدامه.. شيطاني سيطر عليا وخصوصاً لما تيتا قالت لي تتخلصي من ابنه هاجوزه لك."
"سامحيني لو سمحتي."
قالتها ونهضت متحركة للخارج دون حديث آخر.
بينما ظلّت غرام بمكانها تتطلع إلى تحركها حتى اختفت من أمامها.
توقفت تنظر إليهم من شرفة غرفتها، حرّكت عينيها بأرجاء الحديقة، ثم أشارت إلى المربية بلطف:
"اهتمي بحمزة."
قالتها وتحركت بهدوء نحو جلوس غرام، انحنت برأسها تنظر إليها بنعومة:
"تسمحي لي أقعد معاكي شوية؟"
أزالت غرام دموعها بأنامل مرتجفة، وأشارت إلى المقعد بجوارها:
"طبعاً حضرتك بتستأذني!"
ابتسمت دينا بحنان وقالت:
"لا حبيبتي، مينفعش أقلق خلوتك، المفروض أستأذن... المهم، إيه "حضرتك" دي؟ آه أنا أكبر منك، بس مش أوي يعني، كله عشر.. خمستاشر سنة."
قالتها بابتسامة.
لمعت أعين غرام بشيء من السعادة، وكأنّها نسيت ما تشعر به، وقالت بهدوء:
"بس المقامات برضو، متنسيش حضرتك مرات عمو إسحاق."
هزت دينا رأسها وهي تهمس:
"لا يا حبيبتي، مفيش بينا مقامات ولا حاجة... أنا من زمان وعايزة أتعرف عليكي، بس الظروف بقى."
قاطعهم صوت دخول سيارة إسحاق من البوابة الرئيسية، هتف بصوت كالرعد وهو يترجل من السيارة موبخاً كل فريق الأمن:
"كلكم هتتحاسبوا، علشان كلامي ما بيتسمعش."
حاول أحدهم التبرير، فأردف بصوت مرتبك:
"والله ياباشا، أرسلان باشا هو اللي أمرنا."
"كله مرفوض.. مش عايز حد قدامي."
نهضت دينا على الفور، والقلق ينهش قلبها من منظره الغاضب:
"خير يا رب... ياترى إيه اللي حصل؟"
نهضت غرام أيضاً، مع خروج فاروق مسرعاً بدخول إسحاق إلى المنزل، يقطع خطوات الأرض كنار التي تلتهم كل شيء.
اقترب فاروق محاولاً تهدئته:
"ممكن تهدى، أنا كلمته، وشوية وهييجي."
دار إسحاق كأنّه أسد جريح، يدفع كل ما يعترض طريقه بانفعال:
"الغبي هيضيع مستقبله! إنت مشوفتوش عمل إيه؟ ده ولَّع في كل مصانع راجح يافاروق! وراح استقال من الجهاز! شوفت مصايبه؟ وفي الآخر واقف قدامي وبيقول لي "خلِّي معاك دوا الضغط"، ده لو لسه ما جبهوش!"
مد فاروق يده في محاولة يائسة للتهدئة:
"اهدأ طيب ولما ييجي هكلمه."
مرر إسحاق أصابعه بعنف في خصلات شعره يريد أن يقتلعها من الجذور:
"تكلم مين؟ ده بيقول لي "لو أنا ابنك، كنت خدت حقي"، وفي الآخر ابنك واقف وبينكر وجودي في حياته!"
اقترب فاروق أكثر، وأردف بنبرة هادئة ورغم ذلك لا تخلو من التوتر:
"طيب اهدأ، وأنا هكلمه."
ضرب إسحاق الطاولة بعنف، حتى تناثر كل ما عليها، وشعر بأنّ قلبه سيخرج من صدره مرة واحدة:
"بعد إيه؟ الحلِّف راح استقال! ضيع مستقبله! عايز يموت راجح! ابنك متخلف ومش واعي نتيجة أفعاله!"
انسحبت غرام بهدوء إلى سيارتها، قلبها مثقل، لكن خطواتها ثابتة.
جلست خلف المقود، أدارت المحرك، وبدأت بالقيادة وهي ترفع هاتفها وتهاتفه.
لحظات وأتاها صوته:
"أيوة يا غرام؟"
"إنت فين يا أرسلان؟"
توقف أرسلان وأشار لإلياس أن يتوقف، وقد لاحظ من صوتها المرتعش ما أقلقه.
"لسة واصل المستشفى، في حاجة؟"
"أنا جاية لك، متخرجش لما أوصل."
"إنتي لوحدك؟ من غير السواق؟"
"لو شايفني غير مؤهلة يا حضرة الظابط للقيادة، خد عربيتك مني!"
قالتها وأغلقت الخط في وجهه.
بقي واقفاً، جامد الجسد، يحدق في هاتفه وكأنّها صفعته بقوة، إلى أن حمحم إلياس:
"روح لها، متنساش إنها حامل.. أنا هشوف ميرال، هتمشى شوية.. تعبت من القعدة."
التفت إليه أرسلان، وما زالت نبرتها الحزينة عالقة بأذنه، هز رأسه نفيًا:
"لا، هي جاية، كانت عايزة تشوف ميرال، بس أنا رفضت."
اقترب منه إلياس ببطء، وضع يده على كتفه وربت عليه:
"ليه مجبتهاش معاك؟"
"كنت بخلص تاري من راجح... بس شكلي اتأخرت، وإسحاق قلب الدنيا عليَّا.. والله لو قال لها حاجة زعلتها لـ..."
أشار له إلياس بالصمت:
"اسكت... متكملش."
"اعذره قبل ما تتهور، ده شغله، ومن حقه يخاف عليه.. أول واحد هينضر هو... روح شوف مراتك."
خطا إلياس إلى باب غرفتها كمن يمشي فوق أشواك الذنب، على ما قاله لها بعد إفاقته، كل خطوة منه كانت اعترافاً صامتاً بقسوة حديثه.
تذكر ذلك اليوم الذي أرهق نفسه وأرهقها معه.
بعدما استعاد جزءاً من وعيه بعد أيام من الغيبوبة.
فتح عينيه ببطء، يشعر بثقل جفونه، تجول بنظره المرهق بين الوجوه من حوله، ثم همس بصوت خافت:
"ميرال..."
التفت أرسلان الذي كان جالساً إلى جواره، وتبادل النظرات مع مصطفى الذي اقترب فوراً، وجلس على حافة السرير.
أردف مصطفى بنبرة دافئة، وهو يربت على يده:
"كويسة، حبيبي... فاقت من يومين، متقلقش، ومامتك عندها دلوقتي."
أغمض عينيه للحظة، محاولاً أن يلتقط أنفاسه، ثم قال بصوت مخنوق:
"بابا..."
قالها بصوت مرتجف، كأنّ الحروف تخرج من صدره المتألم.
اقترب أرسلان أكثر من وجهه، وأردف بصوت ممزوج بالحنان بقدر ما فيه من التحذير:
"إلياس، إنت عامل عملية كبيرة... ماينفعش تتحرك دلوقتي، فوق الأول، وبعد كده تروح لها."
لكنه تجاهل كل النصائح، تجاهل ألمه، تجاهل حتى صوته الداخلي الذي يصرخ من الوجع، وقال بإصرار ضعيف، لكنه واضح:
"عايز أشوف مراتي."
مد مصطفى يده، ومسح بها على رأسه بلطف، محاولاً أن يحتويه:
"والله هي كويسة، بس استنى يومين نطمن عليك، وبعدها تروح لها بنفسك، وهي كمان عايزة تشوفك."
لكنه لم يقتنع. رفع يديه المرتجفتين نحو الوريد، محاولاً انتزاع الإبر التي تغذي جسده المنهك، غير عابئ بالألم أو الدم أو الأجهزة الموصولة بجسده.
"هي مش كويسة.. أنا حاسس."
قفز أرسلان فوراً، يحتضن جسده بذراعه، ويمنعه من الحركة:
"إلياس، اهدى، بالله عليك... إنت كده بتضيع كل اللي اتعمل، جسمك مش مستحمل."
ومع ذلك، حاول الاعتدال. حاول الجلوس، رغم الطعنات التي تشق جسده بالألم في صدره، كأنّ كل ضلع يحتج على حركته.
أطبق جفنيه بدخول الطبيب بعد استدعائه من زر الاستغاثة:
"إيه يا إلياس؟ رايح فين؟"
قالها الطبيب بحدة، وهو يقترب منه ويفحص الأجهزة بسرعة.
همس إلياس من بين أنفاسه المتقطعة:
"عايز أشوف مراتي."
رد الطبيب بحزم:
"مراتك كويسة، لازم ترتاح، هي كمان كانت عايزة تيجي، بس إحنا منعناها، عشان تستقر حالتها وحالتك الأول."
كررها إلياس، بنفس الألم، بنفس الإصرار:
"عايز أشوف مراتي."
صاح مصطفى بغضب مفاجئ، انكسر فيه خوفه وقلقه:
"إلياس! إنت مش طفل! لازم تهدى! إنت لسه فايق من كام ساعة من عملية كبيرة... إزاي عايز تتحرك؟ قولت لك مامتك عندها، خلاص؟!"
ساد الصمت لوهلة... فقط صوت الأجهزة يرن برتابة في الغرفة، مع ارتفاع صوت أنفاسه ليشعر بالحزن. كأنّ روحه ترفض أن تبقى قبل أن يطمئن عليها.
وصلت الممرضة إليهم بعد استدعاء الطبيب:
"علاجه.. وممنوع يتحرك من مكانه."
مرت عدة ساعات، دلفت غادة إليه تحمل هاتفها وجلست بجواره:
"شوف جبت لك مين."
فتحت الهاتف ليقع بصره على صورة ميرال تحتضن يوسف. بوجهها الشاحب.
لاحت ابتسامة وهو يراها تداعب يوسف، وجلوس يزن ورؤى بجوارها.
استمع إلى ضحكات ابنه. تراجعت بجسدها بصعوبة، نهض يزن يساعدها بالتمدد ودثرها منحنيًا يطبع قبلة فوق جبينها.
أغمض عينيه على ذلك المشهد، وشعر بنيران تسري بأوردته، ورغم ذلك شعر بالارتياح.
رفع نظره إلى غادة:
"تعبت أوي بعد العملية؟"
صمتت لبعض اللحظات ثم قالت:
"العملية وقفت، قلبها وقف للأسف، وحاجات الدكتور كان بيقولها لبابا مفهمتش منها حاجة؛ غير إن فيه تحليل هي غيرت نتيجته علشان تدخل العملية."
"تحليل إيه؟"
هزت كتفها بجهل وأردفت:
"مفهمتش غير تجلط دموي، ونزيف وحاجات من دي."
أومأ بعدما تيقن من شكه، ابتسمت غادة وتحدثت:
"المهم بابا كلم الدكتور، والممرضة هتيجي تجهزك علشان تروح لها، هي جت لك على فكرة بس كنت نايم."
شرد بحديثها وعقله يصفعه، ثم تحدث:
"خلاص المهم اطمنت عليها."
"يعني مش هتروح لها، اتفقت مع الممرضة."
صمت ولم يرد عليها.
بعد عدة ساعات.
دلف إسلام ينظر إليه بتفحص. أشار بيده:
"هات الكرسي دا وساعدني عايز أشوف ميرال."
"ميرال نايمة، غادة لسة رايحة."
"طيب وديني عايز اروح لها وهي نايمة."
"طيب ليه، خليها لما تفوق، بتاخد دوا وتروح في النوم مابتحسش زيك."
"إسلام... اسمع اللي بقوله وبس، واياك حد يعرف اني رحت لها."
"ياختاي.. يعني هنرجع نبدأ مرحلة العقاب، والله انت قاسي."
دقائق كان أمام فراشها يتطلع إليها باشتياق كاد أن ينخر عظامه، رفع كفيها إلى فمه وطبع قبلة مطولة عليه ولم يشعر بدمعته الغادرة التي شقت على وجنتيه ضعفاً لما يشعر به.
"اعمل فيكي إيه، مش قادر أعاقبك وفي نفس الوقت مش قادر أسامحك على وجع قلبي عليكي."
دقائق وهو يرسمها بلهفة عاشق إلى أن تحرك وغادر الغرفة وكأن لم يأتي.
اليوم التالي.
جلست غادة تقص له ما يفعله يوسف مع المربية. لكن قطع قاطع حديثهم دخول ميرال بمساعدة يزن.
رفع عينيه إليها، كانت بين ذراعي يزن تتحرك ببطء، ورغم بطئها شعر بأنّها تتحرك فوق قلبه.
اقتربت مبتسمة. توقفت غادة وهرولت إليها:
"ميرال..!!"
استندت عليها تجر ساقيها بصعوبة، وكل خطوة لها يشعر بنيران تحرق روحه من ضعفها وشحوبها.
ساعدتها غادة بالجلوس بحذر، شهقة مؤلمة شقت صدره وهو يراها بذلك الوجع.
ارتفعت وتيرة أنفاسها تنظر إليه:
"عامل إيه.. حمد الله على سلامتك."
"أنا كويس.."
قالها ثم رفع عينيه لغادة:
"عايز الدكتور."
قطبت جبينها ونطقت بلهفة:
"ليه حاسس بإيه، لسة تعبان؟.. الدكتور قالي إنك كويس."
لحظات ودلف الطبيب. أشار إليها:
"إزاي المدام تخرج وهي بالشكل ده، من فضلك مش عايزها تتحرك من أوضتها."
ثم التفت إليها:
"روحي أوضتك، وممنوع تيجي هنا تاني."
قالها وأغمض عينيه بعد عناء مع الضغط على آلامه التي تفتك به.
"أنا جاية أشوفك وأطمن عليك."
"وأنا جاوبتك قبل العملية، روحي أوضتك."
خرج من شروده حينما وصل إلى غرفتها.
لامس مقبض الباب بأنامل مرتجفة، وفتحه. ليجد غادة تعينها على ارتداء الحجاب. تفحص ملامحها التي وجدها مازالت شاحبة تشبه زهرة ذبلت من طول الانتظار. هنا شعر بذبُول قلبه معها.
التفتت غادة بعدما شعرت بدخول أحدهما. فاستدارت سريعاً:
"أبيه إلياس!"
هتفت بها بقلب ينتفض بالفرحة، وأسرعت ترمي في حضنه.
ضمها إليه رغم تألمه، سبحت عيناه على تلك الواقفة كتمثال من وجع. ميرال... توقفت اللحظة... بل تجمد الزمن بين أنفاسهما.
أكثر من أسبوعين لم تراه ولم تسمع صوته، حرمها وحرم نفسه من لذة القرب.
"ميرال.."
همس بها فارتجف جسدها وسقط ما بيديها، ورغم ذلك ظلت كما هي كأنّها تناضل ضد نفسها، ضد رغبتها لاحتضانه، ووجعاً لا يُغتفر منه.
ربت إلياس على رأس غادة برفق الأب الحاني، بعدما وجدها بتلك الحالة، فهمس يسأل:
"فين يزن؟... أرسلان قالي إنه هنا."
تطلعت غادة إلى عينيه الممتلئتين شوقاً وندماً لزوجته فتنحنحت بخفة:
"هشوفه، يمكن اتأخر عند الدكتور..."
قالتها وانسحبت، حتى يغفر الاشتياق لما حدث بينهما.
اقترب إلياس منها، بخطوات بطيئة، إلى وصل إلى ظهرها، وضع ذقنه على كتفها وهمس بصوت مبحوح والحنين يخنق:
"فيه حد مخاصمني... ومش قادر حتى يقول لي حمد الله على السلامة؟"
ارتجف جسدها من أول نسمة دافئة خرجت من أنفاسه تلامس عنقها.
بعدما أزاح حجابها برفق. ثم احتواها بذراعيه، كأنّها وطن غاب عنه طويلاً.
لفّها بحنانه، وأدارها إليه، لتسقط عيناها في بئر عينيه، رفع ذقنها بإصبعه، وهمس بنبرة تخصها وحدها:
"وحشتيني."
كلمة واحدة، جعلت الأسوار تنهار، والصمود يتبعثر، والدمع يخون كبرياءها.
ورغم ما تشعر به انسلت من بين ذراعيه، تحاول أن تتمسك بما تبقى منها، وهمست:
"وإنت كمان وحشتني... بس... محبتش أقلل من نفسي."
لم يسمح لها بإتمام كلماتها التي شقت صدره، فوضع إصبعه على شفتيها، يوقف الكلمات قبل أن تجرحه أكثر، أو تجرح نفسها:
"باااس... ولا حرف."
فتحت فاهها للتحدث ولكنّه مال عليها، وطبع على شفتيها قبلة. قبلة كأنّها صلاة الرجوع، وقبلة عاشق يُقرّ بندمه. قبلة يروي روحه الغائبة بروحها المتعبة.
ابتعد عنها قليلاً، لكن عينيه مازالتا تطوقانها، وهمس بصوته الذي يقطر ندماً:
"آسف... عارف إنّي قسيت، بس كنت خايف عليكي... أنا كنت هموت لو كان حصل لك حاجة."
انهارت بكل ما فيها. انسابت الدموع كالنهر، شهقت، ووضعت كفيها على فمها، تحاول أن تحبس نحيباً انفجر من عمق قلبها. عمق آلامه حينما كان الاشتياق يخونها.
ضمها إليه، بكل ما فيه من قوة، من ضعف، من احتياج وهمس بندم وأسف:
"سامحيني... متزعليش مني، عارف إنك زعلانة."
لكنها لم تصمت. فقالت بصوت مخنوق:
"إنت طردتني يا إلياس... قولت لي مش عايز أشوفك."
لم يعد يتحمل أن يسمع تألمها أكثر. فقطع كلماتها بقبلة أخرى، قبلة أعادت إليها أنوثتها، واحتاج فيها أن يغفر لنفسه قبل أن تغفر هي له.
بعد لحظات سحبها بلطف إلى فراشها، وجلس محاوطاً جسدها، يضعها بين ذراعيه ككنز استرده بعد أن أضاعه بيديه.
"عاملة إيه؟... تعبانة من حاجة؟ في وجع؟"
نظرت إليه، بعينين ذابت من دمع وشوق، وهمست بصوت يذبحه:
"حاسة إنك وحشتني.. أوي، أوي، أوي.. مش حاسة غير إنّي كنت ميتة ببعدك."
ضمها إليه بعنف المحب، رغم ألمه، رغم جراحه، ولكن حضنها له قبل أن يكون لها كأنّه البلسم الوحيد. كأنّه الحياة التي تريح أرواحهما.
شعرت بتألمه فتراجعت:
"أنا كويسة خلاص، إنت اللي عامل إيه؟"
"كويس، جوايا حتة منك هكون عامل إيه.. عملتي اللي في دماغك."
"أه علشان لو مت تفتكرني بكليتي."
"بعد الشر."
نطقها سريعاً وهو يحاوط وجهها ويسبح فوق ملامحها:
"وحشتيني أوي."
أغمضت عينيها محاولة ألّا تنساق خلف مشاعر الاشتياق.
قطع وصلة غرامهما دخول أرسلان بجوار غرام.
رفع حجابها فوق رأسها وحمحم متراجعاً.
اقترب أرسلان يغمز إليه:
"رجعت لها الكلية ولَّا خلاص نقول مبروووك."
قطبت جبينها متسائلة:
"يرجع لي إيه؟!"
اقتربت غرام التي جلست بجوارها بثقل جسدها:
"أخيرًا هتغادري المستشفى."
"جوزها كان عامل لها إقامة جبرية."
هكذا أردف بها أرسلان وهو يسحب المقعد ويجلس بمقابلة إلياس وأكمل:
"جوزك كان جاي وزعلان وعايز يرجع لك كليتك، وقال لي هيطلقك."
برقت عيناها تنظر إليه.
رمقه إلياس بنظرة ساخطة:
"حد بيصدق المجنون، التفت إلى غرام الساكنة وأردف: معرفش المجنون دا هيربي ابنه إزاي؟"
هنا رفعت عينيها إليه:
"عرفت اللي عمله؟"
زوى مابين حاجبيه مع نظرات ميرال المستفهمة بدخول يزن وغادة، صاحت غرام بغضب بعدما فقدت سيطرتها:
"أخوك الظابط المحترم اتحول إلى مجرم، راح ضرب راجح وولع في شركاته، ومش بس كدا، استقال من شغله."
"غرام."
صوت أرسلان بغضب عارم وتحولت نظراته إليها لنيران جحيمية.
"أرسلان."
قالها إلياس ليهدئه، ثم التفت إلى غرام:
"غلطان بس اهدي متنسيش إنك حامل."
"أهدى، أخوك كان عايز يقتل راجح، طيب دا واحد مجرم ليه نعمل زيه."
"أنا قولت إيه، لا وقته ولا مكانه."
اقترب يزن الذي كان يتابع بصمت:
"فعلاً لا مكانه ولا وقته، بس أنا لو مكانه كنت خلصت عليه، برافو عليك والله، معرفش ليه سبت الكلية التانية، والله إنك أهبل."
جحظت أعين إلياس بذهول:
"إنت كمان عاجبك تصرفه؟!!"
ضربت غرام يديها ببعضهما:
"شوف كمان المهندس عاجبه التصرف الإجرامي، إيه ياباشمهندس، حلو جوزي يبقى مجرم، طيب ماهو عمل معاكم الأسوأ، ليه محدش اتحرك؟ إيه يا حضرة الظابط مش إنت أخوه الكبير، مش المفروض كنت تردعه عن عمايل الإجرام دي، ولَّا عجبك اللي عمله؟ بدل ما يكون ظابط محترم يبقى مجرم، من إمتى رجل القانون بياخد حقه بذراعه؟"
"يالَّه خلينا نمشي."
سحبها بقوة قائلاً:
"أنا غلطان أصلاً إني سمعت كلامك."
صاحت ميرال بصوتها المجهد تشير إلى إلياس:
"وقَّفه."
"أرسلان."
ولكنّه جذبها وتحرك بخطوات سريعة.
"أرسلان."
تمتم بها إلياس بصوت خافت، بعدما شعر بتألم جرحه.
توقفت غرام تضع كفيها أسفل بطنها وشعرت بآلام تفتك ببطنها، ولكنّه سحبها إجباراً رغم توقفها، شعرت بانسحاب أنفاسها وشهقت بقوة تصرخ بعدما شعرت بشيء لزج يخرج من بين ساقيها.
"آاااه."
صرخت بها وهي تضم أحشاءها.
ارتجف جسده وهو يرى المياه التي انزلقت من بين ساقيها.
صاح باسم الطبيب وهو يساندها مع زيادة صراخها، خرجت غادة من الغرفة بعدما استمعت إلى صوت أرسلان.
وصل المسعفون سريعاً وقاموا بنقلها إلى غرفة الكشف.
دقائق وخرج الطبيب:
"ولادة، بسرعة لغرفة العمليات."
قالها يشير إلى الممرضة التي هرولت للداخل بعدما تساءلت:
"طبيعي يادكتور؟"
أومأ لها.
أمسك أرسلان ذراعه:
"عايز دكتورة."
لحظة ينظر إليه الطبيب ثم أومأ له وأردف:
"تمام."
قالها وانسحب.
ظل يجوب المكان ذهاباً وإياباً، مع ارتفاع وتيرة أنفاسه:
"اتأخرت ليه؟"
وصلت فريدة تتطلع إليهم بلهفة:
"إيه لسة مخرجتش؟"
نظرت ميرال تهز رأسها مع كلمات أرسلان المتألمة:
"أنا السبب."
اقتربت تربت على ظهره:
"حبيبي معاد ولادتها طبيعي إنها تولد في أي وقت بدل دخلت الشهر الأخير."
هز رأسه بعنف وتجمعت الدموع بعينيه:
"أنا السبب، بقالي فترة بضغط عليها، أنا السبب."
كررها عدة مرات.
وصلت صفية بجوار دينا تتساءل:
"إيه اللي حصل مش الدكتورة قالت قدامها لسة أسبوعين؟!"
أوقفها عن الحديث صراخ الطفل مع خروج الممرضة مبتسمة:
"مبروك المدام ولدت."
هنا شعر وكأن الأرض تزلزل تحت أقدامه، مع ارتجافة لجسده بالكامل.
اقترب يزن يضمه بحنان أخوي:
"مبروك يابابا.. بس ياترى بنت ولَّا ولد؟"
لكنه كان شارداً بصوت طفله. لم يستمع إلى شيء آخر.
دقائق وخرجت الممرضة تحمله:
"هو كويس؟"
تساءلت بها فريدة مع اقتراب صفية، تلقفته بمحبة، وشهقة خافتة تضمّه لأحضانها:
"ياحبيبي أخيرًا نورت الدنيا، أرسلان تعالَ شوف ابنك."
ولكنّه اقترب من النافذة وعيناه تسبح على الغرفة يبحث عنها، استدار إلى الممرضة:
"مراتي عاملة إيه؟"
"كويسة، شوية وهتتنقل لأوضتها."
أخرج يزن نقوداً بعدما وجد حالته ووضعها بيد الممرضة وأردف بنبرة ممتنة:
"شكرًا."
انسحبت بعدما شكرته وتوجهت تحمل الطفل:
"لازم الدكتور يشيك عليه."
بعد فترة كان يجلس بجوارها يحتضن كفيها ينظر إلى طفلهما الذي يضع أنامله بفمه. وارتفع صوت بكائه.
توقفت دينا تحمله وتهدهده بصوت حنون.
رفعت صفية كفيها وأخذته:
"هاتيه لحد مامته ماتقوم."
ربت على خصلاتها وانحنى يهمس إليها:
"غرامي قومي بقى، إيه النوم دا."
بغرفة أخرى.
دثرته بالغطاء وسحبت بأناملها على خصلاته باشتياق، ابتسمت بعدما فتح عيناه متمتماً:
"بتعاكسيني وأنا نايم."
"
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم سيلا وليد
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين"
"أيُّ حياةٍ تُدعى حياةً بعدكِ؟"
أرددها كمن يُنادي في صحراء موحشة، لا صدى، لا رد، سوى رجع أنيني.
أتظنين أنّ الحياة تمضي كما كانت؟
كلا... ما عدتُ أتنفس، بل أختنق بذكراكِ.
ما عدتُ أحيا، بل أذوب في غيابكِ قطرةً قطرة.
أقسم لكِ... لستُ حيًّا منذ ابتعدتِ.
أنا شبحُ رجلٍ سلبه الفقد ملامحه،
أنا قلبٌ هائمٌ بكِ،
يغوص فيكِ من الوريد حتى الوريد،
كغريقٍ يتلذذ بالموت إن كان الغرق في عينيكِ.
يا من امتلكتِ كياني... يا من تقاسمكِ النبض مع شراييني...
كيف أشرح لكِ أن بعدكِ لم يكن غيابًا، بل فناء؟
بالمشفى، عند راجح...
رفرف أجفانهِ ببطء، يفتحُ عينيهِ متأوِّهًا..
استقرَّ نظره، حتى وقعت عيناهُ على إلياس جالسًا على المقعدِ المجاورِ لفراشه، يرمقهُ بنظراتٍ تخترقُ جسدهِ وتفتكُ روحه..
نظراتٌ نارية، مسعورة، تُشعلُ اللهبَ يتمنَّى أن تصلَ إليه وتحرقه..
برقت عيناهُ بدهشةٍ متوجِّسة، وتمتمَ بصوتٍ متقطِّع خرجَ من بين شفتيهِ اليابستين:
"إن...تَ بتعمل إيه؟"
تراجعَ إلياس بجسدهِ قليلًا، وابتسامةً ساخرةً تجلَّت على وجهه، تدلُّ على استخفافٍ مرير، ثمَّ قال:
"جاي أتبرَّع لك.. إيه؟ بلاش أردّ الزيارة؟.. دا حتى ياراجل، إحنا ولاد أصول، ومتربيين..."
ثمَّ انحنى نحوهِ فجأة، غارسًا نظراتهِ الحادَّة في عينيهِ المتَّسعتين، وهمس بنبرةٍ تشبهُ السُّمَّ الزاحف في العروق:
"عارف الحاجة الوحيدة اللي بندم عليها ياراجح من ساعة ماعرفت شخص مقرف زيك؟"
توقَّفَ لحظة، كأنَّما يتلذَّذُ بخوفه البائنِ بملامحه، وتابع:
"إنِّي متربِّي.. متربِّي أوي، واللي زيك مش عايز المتربيين.."
ارتجف جسدُ راجح كمن أصابهُ مس، وعيناهُ ترصدانِ أدقَّ حركةٍ في قسماتِ إلياس، وكأنَّه ينتظر ضربةً مميتةً تخرج في أيِّ لحظة...
ثم قال بصوتٍ منكسر، يحمل نبرةَ ذعرٍ خفي:
"إنتَ عايز منِّي إيه ياابنِ جمال؟"
لوى إلياس شفتيهِ بازدراء، ولا زالت عيناهُ تشتعلان، فبسط كفيه إلى جيبه وهو يهتف:
"الله... مش قولت جاي أردّ لك الزيارة؟"
هلع، وقفز راجح مبتعدًا، يصرخُ كمن رأى الموتَ بعينيه:
"الحقوني! هيقتلني."
قطب إلياس جبينهِ في امتعاض، ثمَّ رفع هاتفهِ مشيرًا به قائلاً:
"اهدى ياراجح.. هقتلك بالموبايل؟ ليه فيه سمّ بالصاعق؟ ياراجل، بقولَّك جاي أتبرَّع لك، تقوم تقولِّي هقتلك؟ طيب والله... يا رب تموت لو كنت بضحك عليك."
"عايز إيه ياابن السيوفي؟! مش مكفِّيك عمايل أخوك؟!"
أطلق إلياس ضحكةً ساخرة، ثمَّ مال برأسهِ قليلًا قائلاً:
"تؤ... تؤ... كده تزعَّلني، وزعلي وحش.. من دقيقة كنت بتقول ياابنِ جمال، ودلوقتي ابنِ السيوفي؟! لا وكمان الأهبل بيقول أخوك..."
ثمَّ اقتربَ أكثر، وكلماتهِ تتسلَّلُ إلى أذنِ راجح كالسياط:
"أنا معاك، يوسف جمال الشافعي، شوفت أنا طيب إزاي، علشان لو قلبت لإلياس هخنق الهوا في زورك."
"عارف إنَّك يوسف ابنِ جمال، بس مش أنا السبب في اللي خلَّاك الياس.."
تهكَّم راجح وطالعهُ بنظرةٍ ساخرة:
"حلو الإحساس إنَّك تعيش باسمِ غير اسمك.. ومتفكَّرش هخاف من تهديدك أنا مش هسيب حقِّي ليك يابنِ جمال، ولا من أخوك.. وفين لمَّا تثبت بقى، هفضحك وأقول كلِّ حاجة.."
هنا تجمَّد الهواء داخلَ رئتيه، حتى شعر بوجعِ محتدمِ في قلبٍ لا يعرفُ الرحمة..
فتقدَّم إلياس بخطواتهِ الهادئة، الواثقة، والتي تُخفي تحتها بركانًا من الغضب، من كلماتِ راجح الناريةِ التي جعلتهُ لا يهدأ، ثمَّ نظر إلى راجح بنظرةٍ لا تخلو من اشمئزازٍ دفين، كأنَّ عينيه تفرضُ عليه مجرَّد تذكيرٍ بحقيقةِ وجوده..
ثمَّ قال بصوتٍ خفيض، لكنَّه يقطرُ تهديدًا:
"وأنا منتظر الفضايح، عايز أعرف هتعمل إيه؟.."
قالها بعيونٍ تنطقُ من الشرِّ مالا يستطع أحد التحكُّم فيه..
تراجعَ راجح قليلًا، بعدما تسلَّل الذعرُ إلى ملامحه، وهمسَ بضعف:
"إلياس.. أنا ماليش دعوة بالِّلي حصل... أنا بقول أيِّ كلام.."
ابتسم إلياس باستخفافٍ فاستدارَ بنصفِ جسده، وهتف بنبرةٍ لا مباليةٍ تخفي خلفها طوفانًا من النيَّة المبيَّتة:
"أُمم.. أيوة صح، إنتَ بريء وبتقول أيِّ كلام.. معذور يعني هتختارني ولَّا تختار نفسك؟ أنا لو مكانك كنت هعمل زيك..."
انقبض وجهُ راجح، وقال مستنكرًا:
"تقصد إيه، لا طبعًا هختارك؟!"
صمت إلياس ولم يرد عليه، فتساءلَ بنبرةٍ جعلها قوية حتى لايبيِّنَ ضعفه:
"إنتَ عايز إيه ياابنِ جمال؟.. مش كفاية أخوك.."
ابتسم إلياس.. ابتسامةَ وجعٍ ممزوجٍ بالشماتة، وقال ببطءٍ يشعرُ بأنَّ الهواءَ داخلهِ كالسكاكين:
"روحك يا راجح... عايز روحك.. ودي هاخدها، بس مش هريَّحك، صدَّقني كلِّ يوم هخطف منَّك جزء من روحك، لحدِّ ما تكره اليوم اللي اتولدت فيه."
اقترب، حتى باتت أنفاسهِ تلفحُ وجهَ راجح، وحاصرهُ بذراعيهِ كأنَّها قيدٌ لا يُكسر..
ورغم الألمِ الظاهرِ في عينيه، بل بجسدهِ لما يشعرُ به، ثمَّ تابع بصوتٍ خفيضٍ ولكنَّه أشدُّ وطأة:
"أوعى تفكَّر إنِّ إلياس بينسى ويعدِّي اللي أذاه بكلمة... تخيَّل بقى اللي مدِّ إيده على أمِّي ومراتي."
اهتزَّ جسدُ راجح، من تلميحاتهِ المبطَّنة، فتراجع للخلفِ يزحفُ بجسده، متهرِّبًا:
"إنتَ بتقول إيه؟ تقصد إيه؟!"
انتصب إلياس، ومدَّ يدهِ يحكُّ ذقنهِ ينظرُ إلى الأسفلِ ثمَّ بدأ يدورُ حول نفسه، كأنَّه يفكِّر بما سينتويه، يهمسُ لنفسه، يعيدُ كلماتهِ بصوتٍ متهكم:
"تقصد إيه ياإلياس... تقصد إيه؟..."
رفع رأسه، وابتسامةٌ ساخرةٌ ترسَّخت على ملامحهٍ كندبةٍ دائمةٍ تشعرهُ بالاشمئزازِ من نفسه ثمَّ قال:
"ولادك اللي رميتهم في كلِّ مكان... حبِّيت آخد تارهم منَّك.. وقلت علشان ما يتفاجأوش بعيِّل بعد كام سنة... ما هو النجس له في كلِّ مكان مصيبة."
قطب راجح حاجبهِ في ذهول:
"تقصد إيه؟!"
اقترب إلياس ينظرُ اليه بعينينِ جامدتينِ لا تشتهي الحياة، وقال بهدوءٍ شيطاني:
"أقصد... إنِّ الدكاترة وهمَّا بيستأصلوا الكلية، اتفاجأوا إنِّ عندك شوية حاجات محتاجة تتظبَّط.. البروستاتا؟ هلكانة، ياقلبي عليك ياراجح.. والمرارة؟ كانت هتنفجر... فكان لازم يتصرَّفوا.. عملوا إيه؟ كلِّموني، ماهو أنا ابنِ أخوك الكبير، وأنا... إدِّيتهم الإذن يظبَّطوك."
"إنتَ... قصدك...!!"
أومأ برأسه، وضحكةً مستفزة، بعيونٍ تنطقُ بالشرِّ يهزُّ رأسه، ثمَّ تقدَّم حتى صار على بُعدِ نفسٍ واحدٍ منه، وهمس بعبارةٍ سلبت ما تبقَّى له من رجولة:
"مفيش بروستاتا ... قالها غامزا وأكمل -ما بقتشِ راجل ياراجح... علشان يبقى تتشطَّر على الستَّات الحلوة.. والِّلي خلقني، لآخد أعضاءك جزء جزء... وعلى الهادي."
صرخ راجح كالمجنون، يهذي باسمِ الممرضة، كأنَّه يتمسَّكُ بقشةٍ وسط بحرِ الهلاك..
لكن إلياس أشار بسبَّابتهِ تجاهه، بصمتٍ مميت، ونظراتٍ تفضحُ نيَّته بقتله:
"لو نطقت بحرف فيه "أرسلان"، أيِّ حرف من اسمه، صدَّقني، أعضاءك كلَّها مش هتشفي غليلي... واحمد ربِّنا إنَّك وقعت في إيد أرسلان، مش في إيدي."
"المهم نستني اوريك فيديو الموسم ياراجل، ياله والله صعبت عليا، هبعتهولك على الموبايل علشان وقت كدا وكدا يعني، تجيب الفيديو تتذكر ايامك الملاح .."
قالها بضحكة صاخبة ورغم أنها ضحكة إلا أنه لم يبتسم بل رمقها شزراو استدار قليلًا، ثمَّ عاد بصوتهِ الحاد:
"وابنك.. اللي خرَّجته وأنا في المستشفى هرجَّعه، وهيتعدم قدَّامك.. الإيد اللي تلمس مراتي؟ أقطعها.. أوعى تفكَّرني نسيت... أنا بس برتِّب الأولويات."
أشار للممرضة، دون أن يرفعَ عينيه عن راجح، كأنَّ روحهِ لم تكتفِ بعد..
"خلِّي بالك منُّه، دا غالي عليَّا، وياريت دواه بانتظام، وغيَّري له على الجرح حلو.."
قالها وتراجع يتحرَّكُ للخارجِ بعدما أغلقَ حلَّته..
توقَّف لدى الباب، واستدارَ برأسه:
"ألف سلامة ياعمِّي.. نسيت أدعي لك بالخلف الصالح دا لو قدرت.."
قهقهَ غامزًا.. شقي يارجوح.
بعد فترةٍ وصل إلى فيلا الجارحي، دلف للداخلِ بهيبتهِ المعتادة، قابلهُ إسحاق مرحبًا به، اقتربَ منه هامسًا:
"كان لازم تعمل نمرة عند راجح؟.."
رفع حاجبهِ وكأنَّه مستخفًّا بحديثِ إسحاق ثمَّ أردف:
"مبحبِّش شغلِ المخبرين دا ياإسحاق باشا، أنا مش أرسلان.."
قالها يهزُّ رأسهِ بابتسامةٍ صفراء ثمَّ خطا لجلوسِ مصطفى وفاروق، وصل إليهم ملقيًا السلامَ يبحثُ بعينيهِ عن أرسلان...
أشار إليهِ مصطفى بمكانِ أرسلان، أومأ وجلس بجوارِ والده، يتجوَّلُ بعينيهِ بالمكانِ إلى أن وقعت على زوجته التي تقفُ بجوارُ إسلام ويزن كطفلةٍ تبلغ من العمرِ عشرَ سنوات، ضحكاتها، نظراتها، حقًّا ستسحقهُ تلك الفتاة..
ماذا قال يزن ليجعلها متناسيةً كلَّ آلامها، وتظهرُ بتلك الحالة؟..
ربت مصطفى على ساقهِ ليخرجَ من مراقبتها، ثمَّ التفت لوالدهِ الذي يشيدُ به:
"إلياس طبعًا.. هوَّ المتحكِّم الأكبر في كلِّ حاجة، وبعده إسلام."
ابتسمَ فاروق بمحبَّة:
"ربِّنا يباركلك فيه، بس أنا لسة عند رأيي، مجال البيزنس حلو، فكَّر ورد عليَّا.."
نظر إلى إلياس وأردف:
"فاروق باشا بيقول إيه رأيك تشارك أرسلان في نادي رياضي، هيكون من أقوى الأندية في مصر.."
هزَّ رأسهِ بالرفض وأردف:
"لا.. ماليش في الشغلِ دا، كفاية شغلي، مبحبش خنقة البيزنس.."
ضحكَ مصطفى وقال وهو ينظرُ إلى فاروق:
"قولت لك مصدَّقتش، مالناش في البيزنس.."
قاطعهم وصولُ أرسلان:
"بابا هطلع أجيب بلال.. اعلن بقى عن حفيدك.."
توقَّف فاروق واقتربَ منه يضمُّه بحنانٍ أبوي:
"ألف مبروك ياحبيبي يتربَّى في عزَّك.."
"ربِّنا يخلِّيك ليا ياحبيبي.."
قالها ارسلان
بمكان اخر ببعد عنهم عدة أمتار كانت تجلسُ على بعدِ مسافةٍ بجوار صفية ودينا، ترقرقَ الدمعُ من عينيها، بعدما استمعت إلى حديثهما، فسحبت بصرها مبتعدةً عنهما، تتذكَّرُ زوجها الراحل..
"ناوي تسمِّيه إيه ياجمال؟.."
قالتها وهي تحاوطُ أحشاءها.
ضمَّ وجهها بين راحتيهِ ثمَّ قبَّل جبينها:
"بينزل باسمه يافريدة، إن شاء الله يجي بالسلامة وبعد كدا نسمِّيه."
وضعت رأسها بأحضانهِ وحاوطت خصره:
"إن شاء الله حبيبي، بس نفسي أسمِّي بلال أوي ياجمال، بحبِّ الاسم دا أوي، من بعد ماعرفت قصِّة مؤذِّن الرسول وأنا صغيرة.."
رفع ذقنها يتجوَّلُ بالنظرِ إلى مقلتيها:
"إن شاء الله ياأمِّ يوسف، يجي بلال بالسلامة، ويبقى عندنا يوسف وبلال.."
ابتسامةٌ أزهرت وجهها مما زاد بريقُ عيناها لتهمسَ إليه:
"أنا بحبَّك أوي ياجمال، ربِّنا يخلِّيك لينا يارب.."
انحنى وقبَّل كفَّيها ثمَّ رفع رأسهِ ينظرُ لجمالِ عينيها:
"وجمال بيحبِّك أوي ياسيِّدةَ الكون كلُّه.."
دمعةٌ تسلَّلت من عينيها وهي تتذكَّرُ حبيبَ الروحِ الغالي، حتى تسرَّبت على وجنتيها، فأزالتها سريعًا قبل أن ينتبهَ أحدًا إليها..
ولكن هناك أعين التقطتها، ليتحرَّك إليها..
اقترب ملقيًا تحيَّةَ المساءِ ثمَّ جلس بجوارها، توقَّفت صفية معتذرة:
"هشوف غرام اتأخَّرت ليه، لحقتها دينا:
"وأنا هشوف حمزة.. بعد إذنك يامدام فريدة.."
أومأت فريدة بصمت، تشعر بغصَّةٍ تمنعُ تنفُّسها..
ولكنَّها التفتت إلى إلياس حينما استمعت إلى حديثه:
"بتخبِّي إيه يامدام فريدة..."
التفتت إليه وعجزت عن كبحِ دموعها..
اقتربَ من رأسها وتابعَ همسه:
"دموعك غالية، بس لو زعل، أمَّا دي لو دموع فرح، فأنا بقولِّك مبروك عليكي أحفادك ياأمِّ يوسف.."
ارتجفت شفتاها وانسابت دموعها بغزارةٍ تهمسُ له بشهقات:
"أوَّل مرَّة تقولِّي ياأمِّ يوسف.. يايوسف،"
قرَّب كفَّيهِ من كفِّها يضمُّه بين راحتيهِ وربتَ عليه:
"الحقيقة مستحيل ننكرها ياماما، مهما حاولنا نبيِّن غير كدا قلوبنا بتوجعنا، بدليل دموعك دي، أنا مش هسألك سببها إيه، بس هقولِّك لولا الِّلي حصل مكناش عرفنا قيمة الِّلي ضاع، وحياة رحمة أبويا اللي مشفتوش، ومعرفشِ ملامحه غير من صورُه، وحياة حرقة قلب ابن اتكوى بظلمِ أبوه وأمُّه لأجبله حقُّه، أه مقدرشِ أرجَّعه، بس حقُّه هيرجع.. وزيِّ ماقولنا زمان اللي خلَّف مامتش.."
أزالَ دموعها واقتربَ من وجهها:
"كفاية وجع وحزن يامدام فريدة، عندك بدل الراجل أربعة، مش دا كلامك لراجح.."
قبَّلت كفِّه الذي وضعهُ على وجنتيها، ليضمَّ رأسها ويطبعُ قبلةً فوقها:
"قومي حفيدك نازل ولازم تستقبليه، وبلاش تنكِّدي على مصطفى لاحظي الراجل بيغير، شوفي عيونه علينا، شكله هيقوم يضربني، مفكَّرني أنا مزعَّلك."
ضحكت مبتعدةً عنه، ثمَّ لكزتهُ بخفَّة:
"هوَّ حرام لو قولت بابا وماما، يابني لسانك مضيَّعك."
جحظت عيناهُ يشيرُ لنفسه:
"أنا ضايع يامدام فريدة، طيب مش هردِّ عليكي.. أنا رايح أنكِّد على مراتي اللي مش مبطَّلة ضحك.."
قالها ونهضَ من مكانهِ واتَّجهَ إلى ميرال..
كانت تواليهِ ظهرها وتتحدَّثُ إلى يزن..
توقَّف بجوارها، ثمَّ لفَّ ذراعيهِ حول خصرها يجذبها إليه قائلًا:
"تعالي عايزك..."
قالها وهو يومئُ برأسهِ إلى يزن..
تحرَّكت معه بعضَ الخطواتِ إلى أن توقَّف بعيدًا عن الأعين:
"واقفة كدا ليه، وفين يوسف؟.."
"النانا اخدته ورجعت على البيت، دوشة الحفلة منكدة عليه وهو عايز يجري، مبقاش عايز يقعد في مكان دقايق، طالع لابوه-"
-رفع حاجبه قائلا:
"ليه أبوه عايز يجري في الحفلة!!"
افلتت ضحكة تلكزه:
"انت فاهم اقصد ايه، ماتستهبلش-"
"لسانك يابنت فريدة طول، وعلشان ايه، معرفش جايبة الثقة دي منين"
اقتربت منهُ ورفعت أناملها تتلاعبُ بزرِّ قميصه، وأردفت بدلال:
"من حبي ياحبيبي، وبعدين انا بكذب يعني، أيوة بقالك اسبوع مبتقعدش في مكان ساعة، اومال لو مش عامل عملية، وبعدين اتأخَّرت ليه، دي النصِّ ساعة؟.. مش كفاية جيت مع إسلام وماما.."
تلفَّت حولهِ ثمَّ اتَّجهَ بنظرهِ نحوها:
"يعني قولتي أدخلُّه من الحتَّة دي علشان ماعقابكيش على ضحكك مع الشحوطة دول.."
"إلياس.."
قالتها بنبرة مثيرة، تجذبه اليها، قبضَ على كفِّها الممسكِ بزرِّ قميصه:
"اعقلي إحنا مش في بيتنا ولا أوضة نومنا، نروح ونشوف الدلع بتاعك دا.."
دنت أكثر ورفعت نفسها، ومازالت تتلاعبُ بقميصه، لتهمسَ إليه بصوتها الناعم:
"ليه هوَّ أنا عملت إيه؟.."
رفع حاجبهِ ساخرًا ..ولوى شفتيه:
"حبيبتي أنا مش مراهق، اعقلي، ولمِّي الدور، ولو عايزة تلعبي سمعًا وطاعة بس مش دلوقتي.."
قالها وهو يسحبُ كفَّها يتحرَّكُ إلى الجمع..
أفلتت ضحكةً ناعمةً حتى توقَّف فجأة، ممَّا جعلها تصطدمُ بصدره، حتى كادت أن تسقطَ لتشهقَ بفزع، ابتسم عليها وحاوطَ خصرها يضغطُ عليه، وتلاعبَ بها حينما ضمَّها بقوَّةٍ وانحنى بأنفاسهِ أمام الجميع:
"مالك ياروحي؟.."
جحظت عيناها تتلفَّتُ حولها:
"إلياس الناس بتبصِّ علينا.. ابعد شوية.."
نظرَ إليها بتهكُّم ثمَّ قال:
"لمَّا تحبِّي تلعبي يبقى العبي على قدِّك، قولت لك أنا مش مراهق.. يالَّه روحي عند ماما، متبعديش عنها، عيوني مرقباكي.."
بالأعلى بغرفةِ أرسلان..
توقَّفت أمام المرآةِ لتنهي زينتها، نظرت برضا على طلَّتها، مع دخولهِ إلى الغرفة، دلف بخطواتهِ الهادئة يطلقُ صفيرًا:
"وااااو.. ماهذا الجمال غرامي؟!"
اقترب منها يخطو بكلِّ ثقة، خطوات تشبهُ شاعرًا يتهادى وسطَ الطبيعة، يكتبُ من وقعِ خطاهِ قصيدةَ حبٍّ لم تكتمل.
كانت تبحثُ بتوتُّرٍ عن شيءٍ داخل درجٍ صغير، لم تلتفت إليه، تحاولُ أن تتجاهلَ وجودهِ لتُبقي شيئًا من تماسكها المُصطنع..
انحنى بجسدهِ خلفها، حتى صار دفءُ أنفاسهِ يلامسُ طرفَ عنقها المغطَّى بالحجاب، دفنَ رأسهِ بعنقها، يتنفَّسُها باشتياقٍ كمن عاد بعد غيابٍ طويل..
نظرت إليه بطرفِ عينها، ثمَّ قالت، بصوتٍ حاولت أن تبقيهِ متماسكًا:
"عايزة أخلص، ابعد عنِّي..."
لم يتحرَّك.. بل رفعَ عينيهِ نحو المرآة، يتأمَّلُ صورتهما المنعكسة..
كانت تمسكُ بأحمرِ الشفاهِ، تمرِّرهُ برفقٍ على شفتيها في صمت.
انتظرَ حتى أنهت، ثمَّ أمسكَ بكتفيها وأدار جسدها نحوه، رفعَ ذقنها بيده، وعيناهُ تغرقُ في تفاصيلِ وجهها كأنَّها المرَّةُ الأولى.
"مش حرام أتحرم من العيونِ الحلوة دي؟ قلبك بقى قاسي أوي ياغرامي.."
تراجعت بخطوة، وألقت أحمرَ الشفاهِ جانبًا، ثمَّ نظرت إليه بحدَّة:
"هنتأخَّر على الناس.!!"
اقتربَ نفسَ الخطوةِ التي ابتعدتها، ثمَّ جذبها من خصرها بقوَّةٍ حتى ارتطمت بصدره، وحدَّقَ في عينيها للحظات، ثمَّ همس بنبرةٍ هادئةٍ لكن صارمة:
"ممكن أعاتبك ونعدِّي الموضوع هزار، بس إنِّك تتجاهلي وجودي؟ لأ، مش هسمح بده.. أنا عدِّيت الأسبوع ده علشان لسه خارجة من الولادة، وده مش معناه إنِّي عاجبني اللي بيحصل، أنا كنت بحاول أكون أرسلان الحبيب.. مش أكتر.. دلوقتي هتنزلي معايا، وبعد الحفلة... لينا كلام، لو عاجبك أسلوبي وحياتي، قلبي تحت رجلك، بس لو هتتمرَّدي، صدَّقيني... ساعتها بيت أبوكي هيكون أولى بيكي.."
وأشار بيده نحو المجوهرات الموضوعة على الطاولةِ الصغيرة:
"البسي الحاجات دي.. مش معقول تنزلي قدَّام الناس كده.. متنسيش إنِّك مرات أرسلان الجارحي.."
عدَّةُ ساعاتٍ وجوٍّ من الألفة والمحبة بحفلةِ الحفيدِ المختلطِ بين العائلتين..
تراجعَ إسحاق بعيدًا بعدما استمع إلى رنينِ هاتفه:
"أيوة... أجابه الرجلـايوة ياإسحاق باشا، رانيا الشافعي ماتت فعلًا، دوَّرنا واتأكَّدنا.."
ذهب بشرودهِ لنقطةٍ وهمية، وأحداثٍ كثيرة تضربُ عقلهِ حتى انتبه لصوتِ الرجل:
"إسحاق باشا معايا؟.."
"أه معاك، طيب خلاص خلِّيك على تليفون.."
قالها وأغلقَ الهاتف، ثمَّ ذهب ببصرهِ إلى إلياس المتوقِّفِ بجوار أرسلان ومصطفى..
ظلَّت نظراتهِ عليه لبعضِ الدقائقِ يحدِّثُ نفسه:
"معرفشِ ليه حاسس فيه حاجة ورا الموضوع دا، إزاي رانيا ماتت وهوَّ هادي مع راجح، ياترى يابنِ السيوفي بتخطَّط لإيه إنتَ والداهية الِّلي معاك.."
اقتربَ منهما ثمَّ توقَّف بجوارهم:
"نوَّرتوا الحفلة يامصطفى باشا.."
رمقهُ أرسلان برفعِ حاجبهِ يغمزُه، ثمَّ اقترب يهمسُ إليه:
"ماتغيَّر الكلمة ياإسحاقو، دا إنتَ قولتها عشروميت مرَّة.."
"اخرس يالا.. طالعهُ متهكِّمًا يشيرُ إلى نفسه:
"يالا.. والحفلة دي ستار على أعمال مشبوهة، عمُّو أنا بقيت أب، وإنتَ جدُّو على فكرة، متفكرشِ نفسك لسة صغير.."
ضغطَ على قدمهِ وعيناهُ على إلياس الذي يتحدَّثُ مع مصطفى بكلِّ أريحية، ثمَّ جذبَ أرسلان من جاكيت بذلته:
"رانيا إزاي ماتت يالا؟.."
"رانيا مين؟!"
قالها بوصولِ ميرال..
"بعد اذنكم، قالتها واقتربت من إلياس، تسحب كفيه قائلة- النانا كلِّمتني علشان يوسف."
أومأ لها ثمَّ التفتَ إلى فاروق وأرسلان :
"بعد إذنكم إحنا لازم نمشي.."
ضيَّقَ إسحاق عينيهِ واقترب بخطوةٍ من ميرال:
"مدام ميرال نسيت أعزِّيكي، البقاء لله."
قطبَ إلياس جبينهِ عن مايشيرُ إليه، فيما نظر الجميعُ الى إسحاق نظراتٍ مشوبةً بالتساؤل..
فهزَّ رأسهِ وهو يتجوّّلُ بعينيهِ على الجميعِ إلى أن سقطت عيناهُ على إلياس وتحدَّث:
"بعزِّيها في مدام رانيا، لسة عارف قريب إنَّها ماتت.."
فتح إلياس فاههِ للتحدُّثِ ولكن قاطعتهُ ميرال قائلة:
"معرفشِ حضرتك بتعزِّيتي فيها ليه؟!.. الستِّ دي مفيش رابط بينا، على العموم شكرًا لحضرتك.."
قالتها واستدارت مغادرةً المكان..
فيما اتَّجهَ الجميعُ يرمقُ إسحاق بنظرةٍ توحي بالكثير، اقترب من إلياس وأردفَ بنبرةٍ توحي بشيءٍ ما:
"آسف مقصدشِ أزعَّلها."
"ولا يهمَّك ياباشا.."
قالها إلياس منسحبًا بعدما تحرَّك يزن خلفها..
بعد عدَّةِ ساعاتٍ في منزلِ يزن،جلس بين إخوتهِ يتناولونَ العشاءِ في جوٍّ يغمرهُ الدفء والمودة.
توقَّفت إيمان فجأة، بعدما انتبهت مسامعها طرقٌ خافتٌ على الباب.
دلفَ كريم إلى الداخلِ وهو يغمزُ بعينيه:
" إزيك يامراتي المستقبلية؟"
تورَّدت وجنتاها وهمست بخفوت:
" بس ياكريم..."
ضحكَ كريم ودخل مُلقيًا السلام:
" عامل إيه ياحمايا العزيز؟"
كان يزن قد رفع قطعةَ خبزٍ إلى فمه، يلوكها بهدوءٍ مستفز، غيرَ مكترثٍ لدخوله، ممَّا جعلَ كريم يجذبُ مقعدًا ويجلسُ مقابله، يحدجهُ بنظرةٍ مشتعلة:
" إيه يابني؟ مش بتردِّ السلام؟ وكمان ما بتعزمنيش؟"
رفع يزن حاجبًا ساخرًا وهو يراقبهُ يسحبُ صحن الجبنِ ويبدأ في التهامهِ بشراهةٍ أثارت حنقه، فقال بتهكُّم:
" وإنتَ عايز حد يعزم عليك؟ دا إحنا المفروض نعزم على نفسنا في بيتنا وإنتَ معانا!"
"لو مش عاجبك قوم، أنا مش غريب."
"لا ياحبيبي ماغريب إلَّا الشيطان، بس الشيطان اتكسف ومشي."
انفجرَ كريم ضاحكًا بصخب، وهو لا يزالُ يلوكُ طعامه، حتى اختنقَ فجأةً وسعلَ بقوَّة...
ضحكَ يزن وأشار إلى إيمان قائلاً:
"الحقي.. هيموت!"
أسرعت إيمان وأمسكت كوبَ الماء، تمدُّهُ إليه بقلق:
" كريم، اشرب..."
دمعت عيناهُ من شدَّةِ السعال، وشعر بالاختناق، فمدَّت إيمان كفَّها تُربتُ على ظهرهِ بلطف.
رمقها يزن بنظرةٍ عابرة، فابتعدت سريعًا واتَّجهت إلى المطبخ:
" هعملكم قهوة..."
بعد فترةٍ خرج إلى شرفةِ المنزل، يتناولون القهوة، صمتًا دام بالمكانِ إلى أن قطعهُ يزن:
"مدام زهرة كلِّمتني من فترة.."
أنصتَ إليه باهتمام..
"بتسألني ليه طلَّقت رحيل، إيه الِّلي حصل خلَّاها تكره حتى اسمي؟."
قالها ثمَّ زفر زفرةً حارقةً كادت تحرقُ صدره..
"يعني إيه مفهمتش؟.."
مسح على وجههِ بعنفٍ كاد أن يقتلعَ جلده، ثمَّ تراجعَ بجسدهِ يتَّكئُ على المقعدِ ونيرانٍ داخليةٍ تغلي بأوردتهِ يهزُّ كتفهِ قائلًا:
"بتكرهني، مش عايزة تسمع عنِّي حاجة.. بعد ماكنت ناوي أقولَّها كلِّ حاجة، لقيتها بتقولِّي لو ظلمت بنتي يابنِ راجح عمرك ماهتتهنَّى في حياتك، بنتي انطفت بسببك.."
ترقرقت عيناهُ بالدموعِ لأوَّلِ مرَّة قائلًا:
"أنا حبِّيتها ياكريم، مش قادر أنساها، عارف ظلمتها معايا، بس واللهِ ماكنت أقصد الِّلي حصل."
"بس إنتَ ماقولتش دا قدَّامها يايزن، إنتَ فهَّمتها إنَّها كوبري لانتقامك، كنت منتظر منها تاخدك في حضنها.."
أشعل سيجارةً وبدأ يحرقُ بها كاحتراقِ صدرهِ المشتعل:
"عارف غلطت.. بس كنت خايف أضعف وماكمِّلشِ في انتقامي من راجح."
سحبَ كريم نفسًا طويلًا وزفرهُ ببطءٍ مبتعدًا بنظراتهِ عنهُ وأردف:
"الغلط مابيتجزَّأش يايزن، وأيِّ واحدة مكانها كانت عملت كدا، إنتَ قهرتها لأنَّها حبِّتك ووثقت فيك، وأنا قولت لك ترضى أعمل مع إيمان كدا.."
صمتَ للحظاتٍ ثمَّ استدار بنظرهِ إليه وتابعَ مستطردًا:
"حاول تنساها وعيش حياتك، وكويس إنُّكم انفصلتوا قبلِ مايحصل بينكم حاجة.. أظن فاهم قصدي.."
تأرجحت عيناهُ بألمٍ انبثقَ منها وتاهت نظراتهِ مع دمعةٍ شقَّت جفنيه، يهمسُ بصوتٍ ممزوجٍ بغصَّةٍ كالشوك:
"أنا تمِّمت جوازي منها."
صاعقة أصابت جسدَ كريم ليهبَّ فزعًا يطالعهُ بشهقةٍ ولم يشعر بما نطقهُ لسانه:
"غصب عنها؟.. اتجنِّنت!.. ا"
"اخرس، اتجنِّنت ليه حيوان؟.."
"مقصدش يايزن، بس إنتَ آخر أيَّامك معاها كنت قاسي، أنا بقول يمكن علشان تضغط عليها تفضل زيِّ ماإنتَ بتقول.."
مسح على وجههِ بعنف، ثمَّ توقَّف متَّجهًا إلى السياجِ الحديدي مستندًا عليه مع تنهيداتٍ بوخزاتٍ كأنَّها مسامير تنخرُ بعظامِ صدره:
"أنا مش مرتاح، كريم حاسس بحاجة بتخنقني، مش عارف أسيطر على غضبي، كلِّ ماأفتكر الِّلي حصل بينا معرفشِ لو شوفتها قدَّامي إيه اللي ممكن يحصل.."
نهض كريم واقتربَ منه، ربتَ على ظهرهِ بحنانٍ أخوي:
"اهدى، وإن شاء الله الوقت ينسِّيكم الِّلي حصل، اعذرها الموضوع كان صعب عليها، وخاصَّةً بعد ماوثقت فيك."
أومأ قائلًا:
"انسى... المهم أنا كلَّمت المأذون، إن شاء الله على الجمعة تكون رتَّبت مع أهلك، علشان عندي سفرية شغل، وممكن أغيب أسبوعين.."
"سفر!.. ليه هتسافر فين؟.."
"إنجلترا، فيه صفقة.. العضو المنتدَب اتَّفق على كلِّ حاجة ولازم نروح نعمل الشراكة دي، هتكون نقلة حلوة جدًا للشركة، أنا كنت أسمع رحيل دايمًا بتشكر في الشركة دي، ومعنى إنَّها توافق على شركتنا يبقى إنجاز للمجموعة."
"وبعد كدا يايزن إيه الِّلي هيحصل، هتفضل مشغَّل الشركات؟.. أنا نفسي أدخل دماغك.."
"كريم كلِّ حاجة في وقتها حلو ... المهم ظبَّط أمورك، علشان أسافر وأنا مطمِّن على أخواتي، لو مش عارف إنَّك هتزعل من وجود إيمان مع ميرال كنت خلِّتها هناك لحدِّ ماأرجع، وإحنا أجِّلنا كتب الكتاب كام مرَّة، جه الوقت ألمَّك ياأخويا، واعرف إنِّي بعمل معاك واجب."
قهقهَ كريم على مشاكستهِ ثمَّ قال:
"هنردَّها لك إن شاء الله.."
بالمشفى عند آدم..
خرج من المشرحة التي تُحجزُ بها جثةً ما، متَّجهًا إلى غرفةِ مكتبه، توقَّف بعدما وجد إسحاق يجلسُ بمكتبهِ يتناولُ قهوته..
ألقى تحيَّةَ المساءِ ودلفَ يحيِّيه:
"أهلًا بحضرتك إسحاق باشا."
"أهلًا يادكتور.. عامل إيه؟.."
"- كويس الحمدُ لله.."
صمتًا دام بالغرفة للحظاتٍ إلى أن قطعهُ إسحاق:
"عدِّيت على زين باشا، عرفت أنُّه سافر من يومين إنجلترا مع أخوك مش كدا؟.."
أومأ له ثمَّ قال:
"أيوة راح لعمِّتو، فيه حاجة ولَّا إيه؟.."
استدارَ بكاملِ جسده بعدما وضعَ فنجانه:
"إنتَ شوفت عمِّتك رانيا لمَّا اندفنت؟.."
قطب جبينهِ وكأنَّه لم يعي معنى حديثه، فتساءل:
"مش فاهم حضرتك؟.."
"لا فاهم يادكتور، عمِّتك ماتت مقتولة يعني لازم تشريح جثَّة، وطبعًا إنتَ الأولى بكدا.."
تراجعَ آدم بعدما فهمَ حديثه، ثمَّ نظر إليه واستطرد:
"لا ياباشا.. عمِّتي ماتت في السويس، واتحوِّلت للمشرحة هناك، وأنا مشفتش جثتها، ومقدرشِ أتجاهل تعب زمايلي."
"يعني عايز تفهِّمني مرحتش هناك ولا حضرت الدفنة كمان؟.. لأنِّنا معرفناش إلَّا بعد ماعمُّو راجح دفنها."
هنا وقف إسحاق يغلقُ حلَّتهِ ثمَّ أشار إليهِ بسبَّباته:
"بكرة هيكون طلب فتح المقبرة عندك، وعايز تشريح الجثَّة يادكتور.."
قالها وتحرَّكَ دون إضافةِ المزيد..
عند إيلين تجلسُ أمامَ التلفاز بذهنٍ شارد، دلفت مريم تحدُّثها ولكنَّها لم تنتبه إليها..
جلست بجوارها تمسِّدُ على خصلاتها حتى انتبهت إليها:
"مالك حبيبتي بقالي ساعة بكلِّمك وإنتي مش هنا، الِّلي واخد عقلك.."
أطبقت على جفنيها وتراجعت على الأريكةِ متمدِّدةً تضعُ نفسها كالجنين:
"مفيش، تعبانة من الحمل والمذاكرة.."
زحفت مريم إلى منامها:
"بقالك فترة متغيَّرة، إنتي متخانقة مع آدم؟.."
هزَّت رأسها بالنفي ثمَّ أردفت:
"مفيش غير إنِّي تعبانة.."
قاطعهم دخولُ آدم ملقيًا السلام ..
توقَّفت مريم بعدما ردَّت عليه، فنظر إلى نومِ إيلين مقتربًا منها:
"حبيبتي نايمة كدا ليه، تعبانة؟.."
"- لا مرهقة بس، ربتت مريم على كتفها وقالت:-هنزل أعملِّك شوربة خضار، وشِّك دبلان خالص، متنسيش إنِّك حامل لازم تتغذِّي.."
"ماليش نفس..."
همست بها إيلين بنبرةٍ واهنة، تتكئُ على الأريكةِ وكأنَّ الأثقالَ تجرُّ قلبها لا جسدها فقط..
أشار آدم نحوها برقَّة:
" لو مش هتتعبي يامريم.. ياريت طبق شوربة سُخن."
أجابت مريم بحنانٍ سريعٍ وهي تهمُّ بالمغادرة:
" عيوني لليلي الحلوة."
وما إن اختفت من أمامهم، حتى اقتربَ آدم وجلسَ بجانبها، يمرِّرُ أصابعهِ على خصلاتِ شعرها المبعثرةِ بحنو، ثمَّ همس:
" حبيبتي.. إنتي كويسة؟"
هزَّت رأسها بخفوت، مغلقةً عينيها وكأنَّها تهربُ من عيونه، تمتمت:
" أيوة حبيبي...الأكل جاهز، أخلِّيهم يحضَّروه.. معلش، الأيام دي بتاكل من إيد الخدم..."
انحنى يقبِّلُ وجنتها، يطبعُ قبلةً رقيقةً تحملُ كلَّ الحنان، ثمَّ همس:
" ولا يهمِّك ياروحي...هقوم آخد شاور، وأخلِّيهم يجهِّزوا السفرة، يمكن نفسك تتفتح تاكلي معايا، لحدِّ مامريم ترجع بالشوربة."
لكنَّها ردَّت وعيناها لا تستطيعُ فتحها:
" ماليش نفس واللهِ ياآدم..."
توقَّف، وحدَّق بها ثمَّ قال بحزم:
" خمس دقايق وراجع."
استمعت إلى صوتِ هاتفها، فجذبتهُ تستمعُ إلى صوتِ رؤى:
" أيوة يارؤى، عملتي إيه؟"
أجابتها :
" محجوز في المستشفى ياإيلين. عرفنا إنُّه عمل استئصال للكلى... أرسلان ضربه بعد الِّلي حصل لإلياس..."
شهقت، ثمَّ سألت بخفوتٍ مخنوق:
" أنهي مستشفى؟"
خرجت رؤى إلى الحديقة، ووقفت أمام المسبحِ تُكملُ بصوتٍ خافت:
" بس لو أعرف... ليه عايزة تعرفي مكانه دلوقتي؟"
" بعدين يارؤى... مش قادرة أشرح، مش قادرة أناهد."
" تمام، هبعتلك اسمِ المستشفى، بس أوعي تجيبي سيرتي.. كفاية قفشة إلياس معايا."
" تمام..."
أغلقت إيلين الهاتف، تترقَّبُ الرسالة، وماإن وصلتها حتى نهضت مسرعة، فتحت خزانتها، ارتدت ملابسها سريعًا..
مع خروجِ آدم من الحمَّامِ ليتجمَّدَ مكانه، ونظراتهِ تتبعُ ارتباكها واستعدادها الواضحِ للمغادرة.
فسألها، بصوتٍ يحملُ قلقًا:
" إنتي خارجة...؟"
كانت تلفُّ حجابها سريعًا، وهزَّت رأسها:
" آه.. افتكرت صاحبتي عملت حادثة الصبح.. البنات كلُّهم راحوا، وأنا لأ... هشوفها وأرجعلك بسرعة."
اقتربت، وطبعت قبلةً خاطفةً على وجنته، وهرولت خارجًا، تجذبُ حقيبتها في يدها وذهولُ آدم جعلهُ يقفُ متصنِّمًا
في منزلِ أرسلان...
بعد انتهاء الحفلدلفَ إلى الداخلِ حاملًا طفلهِ بين ذراعيه، خطواتهِ هادئةً كأنَّها تخشى إيقاظَ قلبهِ الصغير، وضعهُ في مهدهِ برقَّة، قبَّله على جبينه، ومرَّرَ أناملهِ فوق رأسهِ كمن يباركهُ بصمتِ حبٍّ أبوي.
عند خروجهِ من الغرفة، التفتَ فوجد مربيَّةَ الطفلِ تقفُ على الباب، نظرَ إليها مشيرًا:
" شغلك هنا علشانه هوَّ وبس.. مش عايزك تبعدي عينك عنُّه."
أومأت بطاعة، فانصرفَ متَّجهاً نحو شرفةٍ بالطابقِ العلوي، حيث جلست هي، زوجته، شاردةً بعينيها نحو الفراغ، وكأنَّها تسكنُ في مكانٍ لا يُرى.
اقترب منها بصمت، جلسَ خلفها، واحتواها بذراعيه، يجذبُ جسدها النحيلِ إلى صدره، قبَّل وجنتها، وهمس:
" آسف.. عارف إنِّي كنت قاسي معاكي، بس واللهِ مضغوط... إسحاق ضاغطني، وعايزك معايا مش ضدي..."
شهقةٌ مكتومةٌ تمزَّقت من صدرها، ثمَّ تهاوت، تبكي بصوتٍ مرتفعٍ كمن انفجرَ بعد صمتٍ طويل، دفنت رأسها بصدره، ضمَّها بقوَّة، وسحبها إلى الأريكة، أراحها في أحضانه، وقام بفكَّ حجابها ببطء، يمرِّرُ أصابعه على شعرها، يتركها تبكي حتى هدأت.
ثمَّ مال، ورفعَ وجهها، تقابلت عيناها بعينيه، بدأ العتابُ الصامت، الحديثُ الذي لا يحتاج كلمات، فقط نظراتٌ محمَّلةٌ بكلِّ مالم يُقال.
اقترب، وقبَّل دموعها، يعتذرُ بقبلاتٍ هامسة، بنبرتهِ الرجوليةِ الخافتة، همس:
" بحبِّك.. لدرجةِ الموت."
دفنت رأسها بعنقه، تتنشَّقُ رائحتهِ الرجوليةِ بشوقِ العاشقةِ التي عادت لوطنها، دافئة، هادئة، حتى لامست أنفاسها بشرته، فأخرجها من أحضانهِ بقبلةٍ عاشقة، سرقت أنفاسهما وربطت أرواحهما بوثاقِ العشقِ الأبدي...
بمنزلِ إلياس..
خرجت من المرحاض تجفِّفُ خصلاتها، بينما كان يقفُ في شرفة غرفتهما يتحدَّثُ عبر الهاتف:
" تمام، بكرة هكون عند حضرتك.. وشكرًا لحضرتك ياراكان باشا..."
قالها وأغلقَ الهاتف، ثمَّ توقَّف يدخِّنُ بهدوء، وعيناهُ تتجوَّلُ في الحديقةِ بشرود.
وقعت نظراتهِ على رؤى، التي كانت تداعبُ يوسف مع مربيِّتهِ في الأسفل.
ارتسمت ابتسامةٌ دافئةٌ على شفتيهِ وهو يرى صغيرهِ يلطمها بيدهِ الصغيرةِ ويضحكُ ضحكاتهِ الطفولية العذبة، بينما تجاوبهُ بحركاتٍ مرحةٍ زادت من ضحكهما معًا.
ألقى سيجارتهِ واستدارَ للداخل..
وما إن وقعت عيناهُ على ملكةِ قلبهِ حتى توقَّف الزمان..
كانت تقفُ أمام المرآة، تجفِّفُ خصلاتها بالمجفِّفِ الكهربائي، وكتفاها العاريانِ ترتجفُ من أثرِ الماء، ومن حولِ جسدها المنشفة تحاوطُ ضعفًا زادهُ الوجعُ جمالًا.
اقتربَ منها بخطواتٍ هادئة، يرسمها أوَّلًا في قلبهِ ثمَّ يلتقطها ببصره، حتى وقف خلفها تمامًا، ومدَّ يده يسحبُ الجهازَ من كفِّها برقَّة..
ارتجف جسدها حين شعرت بأنفاسهِ تلفحُ عنقها، وعيناهُ مغمضتانِ يدفنُ رأسهِ بين خصلاتها الندية، يهمسُ بصوتهِ الذي يذيبُ الحواس:
" بندم على كلِّ لحظة كنتي فيها بعيد عن حضني..."
استدارت إليه، حتى التقت العيون، فحكت نبضاتها مالا تسعهُ الكلمات:
" أنا أموت من غيرك..."
وضع أناملهِ على شفتيها يمنعها من الكلام، وقال بنبرةٍ تخترقُ القلب:
" بعد الشرِّ عليكي... أنا الِّلي خلاص، حياتي بقت كلمة واحدة: ميرال."
لمست وجنتيهِ بأناملها المرتعشة من فيضِ الشعور:
" أنا ربِّنا بيحبِّني أوي ياإلياس... حياتي عاملة زيِّ السحر، الِّلي يفكَّر فيها يقول دي قصَّة خيالية... من أوِّل لحظة حبيتَك فيها، لمَّا عرفت حياتي وأصلي، الِّلي حتى لو حدِّ قال يتخيَّل، مستحيل يتوقَّع... هقولُّهم حاجات كتير، بس إنِّي أطلع بنت عمَّك... وإن أمِّي مش أمِّي.. دا اللي مستحيل أصدَّقه..."
قاطعها بوضعِ إبهامهِ على شفتيها في حنوٍّ صامت:
" إنتي مش بنتِ عمِّي... إنتي بنتِ قلبي... الِّلي بيوجعني أوي لمَّا أشوف دموعها..."
اقتربَ منها أكثر، ودفنَ رأسهِ في صدرها كطفلٍ وجدَ ملاذه:
" عايز أبعد عن كلِّ حاجة... مكان مفيهوش غير إنتي وبس... عايز أخطفك ونبعد، نسيب الدنيا ورا ضهرنا..."
حاوطت خصرهِ بذراعيها، وقلبهِ ينبضُ تحت أناملها:
" وأنا موافقة تخطفني... حتى لو هنكون تحت الأرض... المهم أكون معاك.. وفي حضنك..."
"- لدرجة دي بتثقي فيا، ومش خايفة مني؟"
تاهت في عينيه تنطق بحروف مغلفة بالعشق ونبض القلب:
" أنا بثق في حبيبي، اللي مهما حاول يبين للناس قساوته، عارفة هنا فيه نبض ضعيف، بيحس، بيفرح، بيزعل، مهما حاول يعمل حروب مع نفسه"
مررت أناملها على وجهه بالكامل:
"لو هتأذي منك بس أكون جوا حضنك أنا موافقة، بس في نفس الوقت متأكدة انك مستحيل تأذيني، لأن عايش ليا وبس.."
رفعت كفيه ووضعت موضع قلبها
"تفتكر حد يأذي قلبه ... هنا..."
هنا، فقد كلَّ مالهُ علاقة بالتوقُّفِ عن نثرِ عشقهِ الطاغي، بكلِّ مكانٍ تمرُّ به شفتيه...
ليسحبها إلى عالمٍ لا تسكنهُ إلَّا سيِّدةَ قلبه، وسيِّدةَ نساءِ الكونِ في عينيه...
مع كلماته التي جعلتها قديسة لعشقه الضاري
بعد أسبوعٍ وخاصَّةً في إنجلترا..
خرج من الشركةِ بعدما تمَّ التوقيع على صفقتهِ الرابحة، خرج معه الرجلِ صاحبَ الشركةِ متَّجهًا إلى أحد المطاعمِ المشهورةِ بتلك البلدة، دلف بكلِّ فخرٍ واعتزازٍ لايتملَّكهُ غرور مثل ما تتملَّكهُ الثقة، جلس لبعضِ الدقائقِ يتحدَّثُ مع الرجل في بعض أعماله، إلى أن توقَّفَ عن الحديثِ وهو يراها كالجنيَّةِ التي خرجت من البحر، تتحرَّكُ بجوارِ أحدهم وابتسامتها تنيرُ وجهها، هبَّ من مكانهِ سريعًا واتَّجهَ إلى المكانِ الذي تتَّجهُ إليه..
بالقاهرة
خرج من عمله متجها إلى المكان الذي يحجز به رانيا، مع تحركات راجح خلفه يراقبه، يهمس لنفسه
"- استحملتك كتير، وجيت على نفسي، علشان ابوك، بس اللي يحاول يموتني افعصه يابن جمال"
وصل إلياس إلى حي الألفي ..كان بانتظاره ياسين على بوابة الحي، ترجل من سيارته وتحرك بجوار الحدائق التي تحاوط منازلهم إلى أن توقف مع حديث ياسين
"-راكان باشا في الطريق.. اسف مقدرش اسلمها لحد مايوصل بالسلامة"
لوى فمه بابتسامة ساخرة فقال:
"-راكان باشا ...اممم ، طيب بانتظاره"
قطب ياسين جبينه من حديثه المبطن
"-مش فاهم دا تنمر ولا .."
قاطعه إلياس رافعا كفيه
"-لا سمح الله.. بس بيعجبني عقله، يعني لسة قافل من دقايق معاه، وبعت اللوكيشن، مستغرب الرد"
قطع حديثهما وصول جواد
"-اهلا يابني ..واقف كدا ليه ياسين ..مش بدخل ضيفك لسه"
حمحم ياسين، قائلا بنبرة ثابتة حتى لا يكشف أمرهم والده
"-لا يابابا، دا صديق حضرة المستشار راكان البنداري، هو جاي هنا علشان .."
قاطعهم وصول راكان ينزل من سيارته متوجها إليهما
بمنزل ارسلان
خرج بسيارته متجهًا إلى النادي الخاص به، إلا أن قاطعه أحدهم بسيارة تعركل طريقه، ترجل من سيارته بحذر، ليجد سلاحًا يوضع برأسه..
ابتسم بتهكم
"-انت عبيط يابني، ايه شغل الافلام الابيض والاسود دي"
قطب الرجل جبينه
"-تقصد ايه امشي من غير ولا كلمة.."
لحظة واحدة امال بجسده ليخطف سلاحًا ابيض صغير الحجم من حذائه، وقام بذبحه دون أن يرف له جفن، مع وصول اسحاق بإطلاق طلقات نارية للآخرين ليهربوا، اتجه إلى ارسلان سريعًا، نفض كفيه يمسحها من الدماء
"-دبحته زي الفرخة، الله يخربيتك"
"-ماهو اللي اهبل، بقاله ساعتين واقف قدام بيتي بيراقبني، عبيط،"
لكمه اسحاق بخفة ضاحكًا
"-وحياة ربنا هتجلطني"
"-انت لسة ماتجلتطش ..توقف مرة واحدة"
"-طبعا لو سألتك عرفت ازاي هتقولي شغل، فأنا مش هسأل-"
"-شاطر.. اركب عربيتك وحصلني-"
"-لا مش ماشي معاك تاني، وانا من طريق وانت من طريق، مش انت عدوي دلوقتي"
"-دماغي وجعاني، اركب عربيتك وحصلني، دا لو عايز تنقذ اخوك اللي مخبي رانيا الميتة في حي الألفي مع راكان البنداري.."
اكمل ولا
"-يعني ايه"
"-يعني تركب ولسانك جوا بوقك، أما التاني صبركوا عليا، تموتوا الست وهي عائشة-"
"-ست ...قالها ارسلان ساخرًا"
"-طب اركب يااسحاق ..انا جاي على بالي اشوف الست ..نظر إلى الجثة"
"-هتسيبه كدا .."
صعد إلى سيارته وقال
"-جايين في الطريق، واركب ولم نفسك وبلاش تعاندني، اسمك دلوقتي اول اسم في كشف المرحومين"
"-طيب ماتنساش تزرني بقرص يااسحاق.."
قالها وهو يصعد سيارته، ثم رفع هاتفه وقام بإرسال رسالة إلى إلياس ..ثم قاد السيارة وتحرك خلف اسحاق
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم سيلا وليد
الفصل السابع والأربعون
"اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك "
"على حافة العشق والهاوية..."
كلّ الحكايات تبدأ بنظرة... ثمّ تنقلب قدرًا لا يُقاوم.
نركض نحو الحب كالعطشى في صحراء الأمنيات، لا نبالي بحدود، ولا نخشى السقوط.
لكن الحقيقة المؤلمة؟
أنّ الحب لا يكون دائمًا خلاصًا... أحيانًا يكون الهاوية التي نُلقى فيها بأيدي من أحببناهم.
نحاول الهروب، فنعود مُنهكين إلى حنينهم... إلى كلمةٍ عالقة، إلى ظلّ عناق لم يكتمل.
نعود ونحن نعلم... أن البقاء معهم قد يُوجع، والبعد عنهم قد يُميت.
وفي هذا الفصل، تتراقص القلوب بين شغفٍ يحتضر، ووجعٍ يشتعل...
فاستعدّوا، لأنّ العشق هنا لا يُشبه القصائد... بل يشبه الحرب...
قبل ساعةٍ من وصول إلياس إلى حي الألفي
غادر مكتبهِ وأجرى اتصالًا براكان البنداري.
– إزيِّ حضرتك يامعالي المستشار؟
جاءهُ صوتُ راكان من الطرفِ الآخر، هادئًا كعادته:
– كويس الحمدُ لله...قدَّامي نصِّ ساعة ونقدر نتقابل.
نظر الياس إلى ساعته، ثمَّ تنهَّدَ قائلاً:
– لازم أكون في السويس بعد ساعتين، آسف جدًا، ممكن تبعتلي عنوان المكان؟ أنا هتصرَّف.
ساد الصمتُ للحظات، ثمَّ قال راكان بنبرةٍ تحملُ شيئًا من الاستنكار:
– ليه مستعجل؟ قولتلك إنَّها في أمان.
– ليَّا شغل معاها، ياباشا.
– أوعى تكون ناوي تموِّتها؟
انعقد حاجباهُ وردَّ بنبرةٍ حاسمة:
– أومال أنقذتها ليه؟ حضرتك معروف عنَّك الذكاء.
– تمام ياإلياس، هبعتلك اللوكيشن، والمسؤول عنها هيكون مستنيك.
– شكرًا ياسيادة المستشار.
قالها وهو يُغلقُ الهاتف.
لم تمر لحظاتٍ حتى وصلهُ العنوان برسالةٍ قصيرة..
صعدَ إلى سيارتهِ وانطلقَ نحو الجهةِ المقصودة، غير مدركٍ أنَّ راجح يُراقبه من بعيد...
وصل بعد مدةٍ إلى مدخلِ حيِّ الألفي، وأجرى اتصالًا بالرقمِ الذي زوَّدهُ به راكان.
لم تمر دقائق حتى بلغ وجهته...ترجَّل من سيارته ومازال يتحدَّثُ عبر الهاتف، متَّجهًا نحو ياسين الذي كان ينتظره...وصل إليهِ ملقيًا السلام وعرَّفَ عن نفسه:
-إلياس السيوفي.
أومأ ياسين بترحاب، وابتسامةٌ هادئةٌ ترتسمُ على زاويةِ شفتيه:
– أهلًا بيك في حيِّ الألفي.
ردَّ الآخر بنبرةٍ مختصرة، وعيناهُ تتفحَّصُ المكانَ بيقظة:
– متشكر...فين المدام الِّلي تحت حمايتك؟
نظر ياسين في ساعتهِ سريعًا، ثمَّ رفع عينيهِ نحوهُ بنبرةِ اعتذارٍ مهذَّبة قائلًا:
- آسف، هأخَّرك..حضرةِ المستشار جاي في الطريق.
ثمَّ أشار له بيدهِ يدعوهُ للتقدُّم:
- اتفضل اشرب حاجة، ماينفعشِ تدخل حيِّ الألفي ومانضيِّفكش.
هزَّ رأسهِ رفضًا، وأجابهُ بنبرةٍ هادئة:
– آسف، مشغول.
جال ببصرهِ في المكان بحذر، وتحرَّك بخطواتٍ بطيئةٍ نحو ياسين يشيرُ على المكان:
– هيَّ بعيد عن هنا؟
لكن قبل أن يُجيبَ ياسين، توقَّفت سيارة بجانبهم، وترجَّل منها جواد بخطا واثقة، وعيناهُ تتنقلُ بينهما :
– ياسين ليه واقف كده؟ ما دخَّلتش ضيفك ليه؟
تغضَّنَ جبينُ إلياس، فبادر ياسين بالإشارةِ إلى جواد قائلاً بهدوءٍ حذر:
– اللواء جواد الألفي..والدي.
بسط إلياس كفِّهِ بأدب، وصوتهِ منخفضًا لكنَّه واثق:
– أهلًا بحضرتك يافندم.
تاهت نظراتُ جواد بينهما للحظة، ثمَّ أومأ برأسه :
– أهلًا يابني.
لاحظ ياسين نظراتِ والدهِ الصامتة، فسارعَ بالشرح:
– المقدَّم إلياس السيوفي يابابا، ضابط في الأمنِ الوطني.
هزَّ جواد رأسهِ باحترامٍ ظاهر، ثمَّ قال بنبرةِ ترحيبٍ دافئةٍ تُخفي حذره:
– أهلًا يابني...نوَّرت حيِّ الألفي.
لكن سرعان مااتَّجهَ بنظرهِ نحو ياسين، نبرةُ استغرابٍ تسلَّلت إلى صوته:
-خير حبيبي فيه حاجة؟!..
-لا يابابا، دا ضيف سيادةِ المستشار راكان البنداري.
– راكان البنداري؟
تمتمَ الاسم بغرابة، ثمَّ تساءل:
– وليه في حيِّ الألفي؟ بينكم شغل يعني؟
وقبل أن يجيبه، توقَّفت سيارةُ راكان أمامهم، ترجَّل منها بخطا واثقة ونظرةٍ مباشرةٍ نحو جواد:
– إزيِّ حضرتك ياسيادة اللواء؟..
ردَّ عليه جواد بابتسامةٍ خفيفة:
– إزيَّك ياراكان؟
– الحمدُ لله...يارب تكون بخير..وآسف لإزعاج معاليك، عندي شغل مع حضرةِ الظابط ياسين، لو مش هنزعج حضرتك.
قطبَ جواد حاجبيهِ قليلًا، ثمَّ أشارَ بيده:
– طيب ماتدخلوا يابني جوَّا، ينفع في الشارع كده؟
هزَّ راكان رأسهِ نافيًا، وأردفَ بنبرةٍ تشي بجديَّةٍ لا تقبلُ الجدال:
– معلش ياباشا، الموضوع مهم...ما ينفعشِ داخل الأبواب.
أومأ جواد بتفهُّمٍ بعد لحظةِ صمتٍ قصيرةٍ وقال:
– هسيبكم تشوفوا شغلكم...لو احتجتوا حاجة، ياسين معاكم.
ثمَّ نظر إلى ابنه، وأردفَ بنبرةٍ تحمل أمرًا مبطَّنًا:
– هبعت لكم قهوة...بس فين؟ أكيد مش في الشارع..
حمحم ياسين يشيرُ إلى مشتلِ الزهور:
-إحنا هنروح الحديقة الغربية يابابا..
لحظةُ صمتٍ ونظراتٍ من جواد تخترقُ ياسين ثمَّ أومأ بتنهيدةٍ قائلًا:
-ماشي يابابا..ثمَّ اتَّجه إلى راكان:
-الحيّ تحتِ أمرك ياراكان، بس متنساش الحيّ لُه باب..كان لازم تلجأ للبابِ الرئيسي، الفرعي ساعات بيتوَّه.
فهم راكان مايشيرُ إليه من تراشقِ الكلمات فأومأ معتذرًا:
-لسة بنتعلِّم منَّك ياجواد باشا..
انسحب جواد بهدوءٍ من المكان ونظراتُ إلياس عليه، حتى اختفى من أمامه، استدار على كلماتِ راكان لياسين:
-فين الأمانة يابني؟..أخدنا كلمتين من أبوك عظمة.
ضحكَ ياسين يشيرُ إليه بالتحرُّك مع رنينِ هاتف إلياس، رفعهُ ليجدَ رسالةً من أرسلان:
-إلياس، إسحاق عرف رانيا عايشة، وجايين لحيِّ الألفي..اتصرَّف، رانيا جزء من المافيا لو وصلَّها قبل ماتخلص مش هتعرف تعمل حاجة..
توقَّف للحظة ثمَّ حمحمَ وقال:
-آسف بس عاوز أفهَّم حضرتك حاجة ويارب تتصرَّف على المنظور دا.
-الستِّ دي في إيدها كتير أوَّلهم دم أبويا، وعصابات مموِّلة للمنظَّمات، ومش عايز مخلوق يوصلَّها..
ضيَّق راكان عينيهِ مستغربًا حديثه..تابع مستطردًا:
-إسحاق الجارحي عرف رانيا الشافعي عايشة؟..
-يعني؟..
-جاي في الطريق، هوَّ عمل تشريح لجثِّة رانيا من كام يوم ، ودوَّر، هوَّ مش متأكِّد، بس طبعًا أكيد ربط الموضوع بالتليفون..
فهمَ راكان مايقوله، ثمَّ أخذَ نفسًا يشيرُ إلى ياسين:
-ياسين هتاخد الستِّ دي عندي في بيت المزرعة، يومين بالظبط وهاخدها، ثمَّ التفتَ إلى إلياس:
-إسحاق الجارحي مخابرات، ودا معناه أنُّه مش هيسكت، الستِّ مطلوبة أكيد عندهم، دلوقتي أنا بينك وبينهم..
-بعد ماآخد حقِّي وأظن حضرتك وعدتني.
أشار لياسين:
-اتحرَّك ياسين، حاول تبعد عن كلِّ حد يقرَّب منكم، متأكِّد الجارحي بدل وصل لهنا فهم اللعبة..
-هوَّ مش متأكد..قالها إلياس:
-وإنتَ بقى هتتاكِّد إزاي، أنا وعدتك وهفضل معاك، بس الِّلي يخلِّ بالوعد صدَّقني ولا كأنِّي شوفتك..
اقترب إلياس وعيناهُ تفترسُ ملامحَ راكان المتردِّدة:
-أوصل لقاتل أبويا، آخد حقِّي من الِّلي عيِّشوني أنا وأخويا في كذبة، حضرتك وعدت، وأنا بوعدك تاني طول ماهوَّ تحت القانون مش هقرَّب منُّه، متخلِّنيش أندم إنِّي لجأت لحضرتك.
رفعَ هاتفه، وصوتهِ ينضحُ قلقًا:
– إنتَ فين؟
– مروَّح، في حاجة؟
– أنا في حيِّ الألفي..عايزك ضروري، في أسرع وقت...
أجابهُ جاسر وهو يدلفُ بسيارتهِ الحي، وردَّ بنبرةٍ ثابتة:
– أنا قدَّامك فعلاً، وفيه حد واقف معاك..بس ضهره ليَّا، مش عارفه.
استدار راكان، ونظرَ إلى الذي دخل بسيارتهِ متَّجهًا نحو البوَّابةِ الرئيسية، ثمَّ أوقفها وترجَّل منها بخطواتٍ واثقة، يقتربُ منهما..ومع اقترابه، انكشفت ملامحُ إلياس السيوفي، الذي بادرَ بالتحيَّة، تزامنًا مع وصولِ إسحاق، يتلفَّتُ حوله، وخلفهِ أرسلان...
قال راكان، وهو يشيرُ بإيماءةٍ إلى جاسر:
– فيه شركة أمن، علشان حضرةِ الظابط يأمِّن بيته بعد اللي حصل...
قطع كلماتهِ وصولُ إسحاق، الذي حيَّا الجميع بنظرةٍ شاملة، ثمَّ ثبَّت عينيهِ على راكان:
– حضرة المستشار...
ابتسمَ راكان، وبسط يدهِ مُصافحًا:
– أهلًا بيك ياباشا، خير إن شاء الله؟
نظر إسحاق إلى إلياس نظرةً تحملُ مابين اللومِ والعتاب، ثمَّ قال:
– مفيش حاجة..أرسلان اتَّصل وقال إنِّ إلياس هنا، وكان قلقان عليه.
قالها مع وصولِ أرسلان، الذي بدا متردِّدًا..لم يعلِّق إلياس، ولكنَّهُ التزم الصمت، فيما تحدَّث راكان بخبرتهِ الثعلبية وتساءل:
– خايف عليه؟ هوَّ قالِّلي أعرَّفه على ظابط شاطر يساعده يلاقي شركة أمن كويسة...ومصبرشِ لبكرة!..حتى أنا استأذنت من شغلي نصِّ ساعة، ومش فاهم ليه أرسلان قال كده!..
تقدَّم أرسلان خطوة، ثمَّ قال بأسفٍ ظاهر:
– آسف ياإلياس...قلقت عليك من ساعة الحادثة، خاصَّةً إنَّك مابتقوليش حاجة...تتبَّعت العربية واتأكدت.
أدار إلياس وجههِ جانبًا، وحدَّق في نقطةٍ بعيدة، ثمَّ قال بنبرةٍ حادَّة:
– أنا مش صغير ولا محتاج راعي، يا إسحاق باشا...وأعرف أدافع عن نفسي كويس.
قاطعهم، وصولُ أحدِ الأفرادِ الذي وقف أمامهم بإجلال:
– جاسر باشا، تحتِ أمرك...شركة الأمن أكِّدت علينا، خلال ساعتين هيكون عندنا أقوى العناصر المدرَّبة.
تفحَّصَ إسحاق الوجوهَ بعينيه، ثمَّ أومأ برأسه، متحدِّثًا بحدَّةٍ خفيفة:
– شركة أمن...وحضرتك بتتوسَّط له... هممم بها..
ارتدى إلياس نظارتهِ الشمسية، وقال بهدوء:
– نتواصل ياجاسر باشا...وشكرًا على تعبك.
ثمَّ التفتَ إلى راكان بابتسامةِ شكر:
– مش عارف أشكر حضرتك إزاي.
ضحكَ راكان، وقال بمرحٍ مشوبٍ بالجدية:
– النهاردة عندي، ياإلياس..وبكرة عندك، خُد بالك من نفسك.
تحرَّكَ إلياس بهدوء، وتوقَّف أمام إسحاق مباشرة، وحدَّقَ فيه قائلًا:
– الموضوع مش مستاهل كلِّ القلق ده معاليك، بلاش تحسِّسني إنِّي أرسلان...قدَّامك إلياس السيوفي.. اتعامل معايا بعقليِّتي، مش بعقلية "المخابراتي"، لأنَّك كده هتتعب معايا.
ثمَّ أضاف بابتسامةٍ خفيفة:
– ونسيت أقولَّك...شكرًا لاهتمامك وخوفك عليَّ.
ارتفعت أنفاسُ إسحاق في صدره، والغضب يتكثَّفُ في ملامحه، وتحوَّلت عيناهُ في المكانِ كأنَّما يبحثُ عن شيء، ثمَّ التفتَ إلى أرسلان، الذي بدا وكأنَّه لم يكن موجودًا من الأصل.
قاطعهم جاسر بلطافةٍ وذكاء :
– اتفضل جوه ياباشا...مينفعشِ حضرتك تكون في حيِّ الألفي وما نعملشِ معاك واجب.
عندي شغل..مرَّة تانية قالها وعيناهُ تتجوَّلُ بالمكان، إلى أن وصل إلى سيارته، استقلَّها وتحرَّك بهدوء، انسحبَ أرسلان معتذرًا وهو يومئُ برأسه، وتحرَّك خلفه، رفع هاتفه:
-إلياس عملت إيه؟..
-راجح ماشي ورايا، بيراقبني، وإسحاق كان هيبوَّظ الدنيا، عرفت من بابا إن رانيا مطلوبة من المخابرات، معرفشِ مهبِّبة ايه، إسحاق طلب من آدم يعمل تحليل للجثَّة المدفونة، هوَّ شك تكون معانا، علشان كدا بيدوَّر، لو متأكد مكنشِ سكت، بقاله فترة بيراقب تليفوني متأكِّد من كدا.
-كويس إنَّك غيَّرت الخط وعرَّفتني، عمُّو وعارفه شغله فوق أيِّ حاجة..المهم رانيا فين؟..
سحب نفسًا ينظرُ من النافذة مرَّة، وإلى الطريقِ مرَّةً أخرى ثمَّ ردَّ عليه:
-راكان وعدني هيحافظ عليها لحدِّ مانمسك راجح، بس أنا عايز أدلة لقتلِ أبوك، ماليش دعوة بشغله المشبوه، لأنُّه كدا كدا وقع، المهم أوصل أبوك مات ليه، ومين اللي قتله؟..
طيب اقفل دلوقتي إسحاق وقف بالعربية وشكله هيتجنِّن..
-تمام حاول ماتخلهوش يوصل لحاجة.
قالها وأغلقَ الهاتفَ يزفرُ بقوَّة...بينما توقَّف أرسلان بعدما وجدهُ واقفًا في منتصفِ الطريق..أخرج رأسه:
-خير ياإسحاقو، نسيت حاجة؟..
اقتربَ منه بخطواتٍ نارية، ثمَّ فتحَ باب السيارةِ بقوَّةٍ يرمقهُ بنظراتٍ جحيمية:
-من إمتى وإنتَ كدا، إمتى قولت لك على حاجة وروحت طلَّعتها برَّة؟!..
زوى مابين حاجبيهِ وردَّ بجهلٍ تصنَّعهُ بخبرة:
-مش فاهم تقصد إيه؟..
-أرسلان...صاحَ بها غاضبًا..
-مالك بس ياإسحاقو؟ خد اشرب ميَّة ساقعة، روَّق دمَّك.
رمقهُ بنظرة، لو كانت النظراتُ تقتل لخرَّ صريعًا، ثمَّ استدارَ متَّجهًا نحو سيارته..لكن الآخر لم يسكت، أخرجَ رأسهِ من النافذة وقال:
– لو مش قادر تسوق، تعالَ أوصَّلك... إحنا أهل.
استدار إليه إسحاق بسرعة، وأشار إليه بسبَّابته، ونطق بنبرةٍ تحملُ تهديدًا صريحًا:
– لو شوفتك قدَّامي هَموِّ...تك، سمعتني؟
رفع زجاجةَ المياهِ وارتشفَ منها، ثمَّ نظر إليه شزَرًا:
– هوَّ مين الِّلي دايمًا بييجي في طريقِ التاني؟ الزهايمر عامل شغله معاك ياإسحاقو...خايف عليك واللهِ على فكرة، سمعت دينا بتقول إنُّكم مسافرين شرم الشيخ...حلو، يمكن تهدِّي أعصابك هناك.
هزَّ إسحاق رأسهِ عدَّةَ مرَّات، وعيناهُ تشتعلُ نارًا:
– طيب ياأرسلان...قول لأخوك، مش هسكت.
رفع حاجبهِ ورسم تهكُّمهِ قائلًا:
-ماتتكلِّم، حد قالَّك اسكت هوَّ الكلام بفلوس..
ثمَّ تابعَ حديثهِ مستطردًا:
ــ ولَّا أقولَّك حاجة...استقيل، آه والله، ريَّحنا واستقيل..
اقتربَ إسحاق ونيرانًا داخلية تلتهمُ كلَّ أعضاءه، فدفع البابَ بكلِّ ماأوتيَ من غضب، حتى كاد بابها أن يُهشَّم، ثمَّ اندفعَ نحو سيارته، قدماهُ تلتهمُ الأرضَ التهامًا، كالنيرانِ حين تحصدُ سنابلَ القمحِ بلا رحمة...وقادَ السيارة بسرعةٍ جنونية...بينما أرسلان الذي تابع تحرُّكاتهِ بعيونٍ حزينةٍ ثمَّ ألقى بجسدهِ داخل السيارة، زفرَ بحرارة، كأنَّ روحهِ نفسها تتآكلُ من فرطِ الألم..
مدَّ يدهِ المرتجفةِ ليمسحَ شعرهِ المشعث، وتنهَّد تنهيدةً طويلة...كانت أثقلُ من أن يحملها صدرهِ قائلًا:
ــ سامحني ياعمو...بس لازم نوصل للكلب الِّلي عمل فينا كده.
استندَ برأسهِ المنهكِ على المقعد، وأغمضَ جفنيهِ بقوَّة، يرجعُ بذاكرتهِ من بئرِ الطفولة، إلى يومه هذا، ذكرياتٍ خُطَّت بالسعادةِ إلى أن وصل ماقضى على كلِّ مابناه، هنا لا يشعرُ سوى بالوجع ..
تسلَّلت دمعةٌ متردِّدةٌ من طرفِ عينه، انجرفت إلى وجنتيهِ مع شهقةٍ خانقة، خرجت من حنجرتهِ كما تخرجُ الروحُ من جسدٍ يُحتضر.
أسند رأسهِ على مقودِ السيارة، وصاحت أنَّاتهِ المكبوتة، شهقاتهِ كانت كالسكاكينِ تنهشُ صدرهِ بلا رحمة..
بقبضتهِ المهتزَّة، لكمَ المقودَ بعنف، وصرخ صرخةً دوت في أرجاءِ السيارةِ المغلقة، شقَّت صدره، أنهكت حنجرته، وكأنَّ الصوتَ نفسهِ كان يستجدي خلاصًا...أو نهاية...
بسيارةِ إلياس..
تحرَّك متَّجهًا إلى منزله، استمعَ الى هاتفه:
-عرفت إنِّ راجح مراقبك؟..
نظر بالمرآةِ ورد:
-عرفت، الحمدُ لله أخدت بالي في ِآخر لحظة..
-بعتلك رسالة..
شوفتها بس بالصدفة، لولا اتصال أرسلان مكنتش أخدت بالي..
-عايز منَّك إيه؟..
-معرفشِ ياشريف، بس شكله عايز ينتقم، سيبك منُّه هعرف أوقَّفه، المهم عايزك تراقب بيت راكان من بعيد، إيَّاك حدّ يشك، متنساش بتتعامل مع وكيل نيابة..
-حاضر، وإنتَ خد بالك من نفسك، اللي طلبوا من راجح يقتلك هيحاولوا مرَّة تانية.
-معتقدش، بعد تدخُّل إسحاق وفرضِ سيطرته معتقدش..المهم نفِّذ اللي بقولَّك عليه..
قالها وأغلقَ الهاتف ينظرُ بالمرآة..
-طيب ياراجح..نلعب مع بعض، بتراقبني..
بمنزلِ المزرعةِ الخاصِّ براكان
دفعها بقوَّةٍ حتى سقطت على الأرض، تصرخُ به:
-هدفَّعكم تمن اللي حصل دا.،
انحنى بجسدهِ ورفعها من خصلاتها يجزُّ على أسنانه:
-لو سمعت نفس، هدفنك مكانك، مبقاش غير الخونة اللي يتكلِّموا، إنتي هنا زيك زيِّ رباط جزمتي، أعوزه لمَّا أحتاجه..لسانك جوَّا بوقِّك ياخاينة..
قالها ودفعها بقوةٍ ينفضُ كفَّيه، يطالعها مشمئزًّا
-مقرفة..تمتم بها وتحرَّك إلى الخارجِ مع رنينِ هاتفه..صمت للحظاتٍ يستعيدُ أنفاسه، ثمَّ رفع هاتفه:
-أيوة ياعاليا..
على الطرفِ الآخر أجابتهُ وهي تقفُ أمام المرآة:
-اتأخَّرت ياياسين، هنمشي إمتى؟..أنا جهزت..تحرَّك إلى سيارتهِ قائلًا:
-دقايق وأكون عندك..
عند يزن..
تحرَّك سريعًا خلف رحيل ولكنَّها كانت قد استقلَّت السيارةَ وتحرَّكت مغادرةً المكان دون أن تشعرَ بوجوده..توقَّف بأنفاسهِ المرتفعة، وصدرهِ الذي يعلو ويهبط، حتى قاطعهُ أحدُ الرجال:
-سيد يزن هل أنتَ بخير؟..
-نعم..قالها ومازالت نظراتهِ خلف السيارةِ التي اختفت بحبيبته..
بعد فترةٍ جلس بغرفتهِ بالفندق:
-حاول ياكريم تعرف هيَّ في إنجلترا ولَّا لأ..شوف الظابط اللي تعرفه..صمتَ للحظةٍ ثمَّ قال:
-أنا هتصرَّف..قاطعهُ كريم قائلًا:
-مايمكن تخيَّلتها يايزن، رحيل في سويسرا، إيه اللي يجبها انجلترا؟..
معرفش..قالها صارخا، بعدما توقَّف يدورُ حول نفسهِ بالغرفةِ وتابعَ كلماته:
-أنا متأكد إنَّها هيَّ، ضحكتها، أنا شوفتها ماشية مع واحد..هنا توقَّف متذكِّرًا هيئتها مع ذلك الرجلِ فتحدَّث سريعًا:
-اقفل ياكريم وأنا هتصرَّف...دقائقَ وهو يحاولُ أن يصلَ إلى إلياس الذي وصل إلى منزلهِ وترجَّل من سيارتهِ تاركًت هاتفهِ بالسيارة، متَّجهًا إلى زوجتهِ وطفلهِ الذي يجري بخطواتهِ الطفولية بالحديقة..رأى الطفلُ والده، فهرولَ إليهِ يصرخ :
"بابا..."
نطقها بصوتهِ الطفولي المتَّقدِ بالضحكات، فانحنى يحملهُ بين ذراعيه، وطبع قبلةً دافئةً على وجنتيه، وهمسَ بابتسامةٍ واسعة:
ــ حبيب بابا، عامل إيه؟
أشار الصغيرُ بيديهِ الصغيرتينِ نحو والدتهِ الجالسةِ وسطَ ألعابه، وقال بحماس:
ــ ماما...ماما العب كتييير.
ابتسمَ الأب، وأنزلهُ برفقٍ على الأرض، ونظراتهِ على زوجته، ثمَّ التفتَ إلى مربيتهِ قائلًا:
ــ جهِّزيه...هنخرج بعد ساعة.
أومأت المربية بخضوع:
ــ تحت أمرك ياباشا.
ثمَّ اقتربت من يوسف تناديه:
ــ يلَّا ياحبيبي ناخد شاور عشان نخرج مع بابي.
تحرَّك يوسف إليها، وقبل أن يغادر، التفتَ بنظرةٍ متعلِّقةٍ إلى والده، وكأنَّه يستأذنه.
ابتسمَ الأب بحنان، وأشار لهُ إلى الأعلى:
ــ يلا..حبيبي، اطلع مع النانا.
ظلَّ يتابعهُ بنظراتهِ المغمورةِ بالحب، حتى اختفى عن ناظريه.
اقترب من زوجتهِ التي كانت منشغلةً بمكالمةٍ هاتفيةٍ وسطَ فوضى الألعاب، انتظرها بصمت، ثمَّ ماإن أنهت حديثها، حتى جذبها إليه، واحتواها بين ذراعيه...هامسًا فوق رأسها برقَّة:
ــ مين مزعَّل ميرا خاصِّتي؟
دفنت رأسها في صدره، علَّها تلتمسُ الأمان، وتمتمت بنبرةٍ مكسورة:
ــ حبيبي الِّلي مزعَّلني... وعايزة أشكيه...أشكيه لمين؟
رفع رأسها بين كفَّيه، ومرَّر نظراتهِ المتفحِّصة فوق ملامحها، قبل أن يطبعَ قبلةً قريبةً من شفتيها، هامسًا ببحَّتهِ الرجولية:
ــ اشكي...أنا سامعك.
ابتسمت بمرارة، وهمست بعتابٍ محبَّب:
ــ هشكي لك منَّك.
ضمَّ رأسها إلى صدره، وطبعَ قبلةً حانيةً فوق جبينها، وقال بصوتٍ خفيض:
ــ اشكي حبيبك لحبيبك...بس مش مسموح تخرَّجي الِّلي بينا لأيِّ حد، حتى ماما.
رفعت رأسها قليلًا، نظراتها تذوبُ في عينيه، وقالت بنبرةٍ خافتة:
ــ طيب...عايزة أرجع شغلي، كفاية كده...يرضيك تعب السنين يضيع؟
حاوطَ وجهها بأناملهِ الدافئة، وكأنَّما يحميها من وجعِ العالم، وعيناهُ تحتضنُ عينيها بشغفٍ لا يخفُت:
ــ ميرال...لازم تاخدي فترة راحة كويسة...مش هتحمِّل أشوفك بتتعبي قدَّامي.
همست بخجل:
ــ بس أنا كويسة...
ضمَّها أكثر إليه، وسند ذقنهِ فوق رأسها، وتمتمَ بإصرار:
ــ وأنا شايف إنِّك محتاجة وقت ترتاحي...شهر، شهرين...لحدِّ ماأحس إنِّك فعلًا بخير، من غير ماتطلبي.
ابتعدت عنهُ قليلًا، تسرقُ نظراتها الحائرةِ صوبه، وهمست بعنادٍ مكسور:
ــ بس إنتَ نزلت شغلك رغم إنَّك كنت تعبان أكتر منِّي...
تعمَّقت بنظراتها إلى عينيه، تضغطُ على ألمها:
ــ بقالي تلات شهور، مسؤولياتي كلَّها بقت في إيد غيري...تعبي بيروح كده؟
زفر بأنفاسٍ ثقيلة، حاول أن يتحكَّمَ بغضبهِ كي لا يجرحها، فقال بصوتٍ أخف:
ــ مفيش تعب ضاع...ولا مكانك ممكن يتاخد.
هزَّت رأسها بمرارة:
ــ وتلات شهور هيستنوني إزاي؟
نهضَ من مجلسه، ينفضُ عن ثيابه بملامحَ مشدودة، وقال بصرامة:
ــ قومي اجهزي...هننزل السويس دلوقتي.
تراجعت خطوة، وعيناها تتَّسعُ بدهشة:
ــ السويس؟ دلوقتي؟ ليه؟
رمقها بنظرةٍ خاطفة، ثمَّ نظرَ إلى ساعته، وأردفَ بحزم:
ــ نصِّ ساعة وتكوني جاهزة...علشان ما نتأخرش.
تحرَّك مبتعدًا، لكنَّه توقَّفَ حين وصل إلى سمعهِ صوتها المنكسر:
ــ مش عايزة...ماليش نفس أخرج... كان نفسي تعرَّفني قبلها.
اقتربت منه، بخطواتِ دقَّاتِ قلبها المرتجف، حتى وقفت أمامه، رفعت كفَّيها المرتعشتينِ إلى صدره، تلامسُ أناملها موضعَ قلبه، كأنَّها تهمسُ له بصمت:
ــ نبضِ قلبك ملكي ياإلياس...حياتي بين إيديَّ، زي ما قلبك ليَّا..ومفيش كلام...بس زى ماقلبك معاك، حياتي بين إيدي..يارب تكون فاهم قصدي...
رفعت جسدها على أطرافِ أصابعها، وطبعَت قبلةً خفيفةً على وجنتهِ تهمسُ بحب:
ــ بحبَّك...قالتها
ثمَّ تحرَّكت مبتعدة، تصعدُ إلى الأعلى، تتركهُ خلفها يشعرُ بشجنهِ ممَّا قالته، وقلبهِ يتبعها دون أن ينطق...
اتَّجهَ ليصعدَ خلفها ولكنَّه تذكَّر هاتفه، أشار إلى رجلِ الأمن:
-هات تليفوني من العربية.
بالنادي الخاص لأرسلان:
ترجَّلَ من سيارته، فأسرعَ إليه أحدُ الرجال:
-أهلًا ياباشا..أشار إليه بالتحرُّك، ثمَّ قال:
عايز كلِّ المدربين قدَّامي في اجتماع..
أومأ برأسهِ وتحرَّك سريعًا..
بعد فترةٍ جلس أرسلان على طاولةِ الاجتماعات، وبدأ حديثهِ بتشجيعِ الجميعِ بالاهتمام وبذل أقصى ما لديهم من جهد، حتى يرتقي ناديهِ بالخبرةِ والشهرة، التفتَ إلى المسؤول عن الإعلام قائلاً:
"عايز إعلانات في كلِّ مكان، أول تلات شهور نعمل خصم 30%، أيِّ أجهزة متطورة تحت أمركم، خلِّيك على تواصل مع المهندس يشيِّك على كلِّ الأجهزة أوَّل بأوَّل."
ثمَّ اتَّجهَ إلى أحد الحاضرين وقال بلهجةٍ صارمة:
"حمَّام السباحة الغربي..اقسمه، الصبيان تحت سنِّ العشرين لوحدهم، مش عايز أيِّ غلطة!"
وقبل أن يُكمل، قطع رنينُ هاتفهِ حديثه، نظر إلى الشاشةِ للحظات ثمَّ أجاب بانفعال:
"أيوة..."
"أنا في الجهاز نصِّ ساعة وتكون عندي."
-"أنا مشغول ياعمُّو، وقُولت لحضرتك إنِّي استقلت..."
توقَّف إسحاق عن صعودِ الدرج، وصاحَ بغضب، غير مكترثٍ بنظراتِ الناس المحيطة:
"أقسم بالله، نصِّ ساعة لو مالقتكش قدَّامي، ليكون النادي دا رماد على دماغك!"
قالها ثمَّ أغلق الهاتفَ بعنف، وأنفاسهِ المتسارعةِ توحي وكأنَّه كان يركضُ بماراثون.
عند أرسلان، شرد بحديثِ إسحاق مذهولًا بنبرتهِ الغاضبة، لأوَّلِ مرَّة من حالتهِ التي لم يرها من قبل.
تساءلَ داخله: هل ضغط عليه فوق طاقته؟ أم أنَّهُ يعلمُ شيئاً وهو لا يعلمه؟ ولماذا يسعى لإنقاذِ راجح رغم معرفتهِ بنيَّتهِ الخبيثة؟
تضاربت الأفكارُ بعقلهِ حتى قاطعهُ أحدُ المدربين قائلاً:
-"أرسلان باشا، إيه رأي حضرتك في الِّلي قلته؟"
أفاق أرسلان من شروده، وهزَّ رأسهِ بصمت، ثمَّ وقف يجمعُ أشيائهِ قائلاً:
"اعملوا اللي اتفقنا عليه، و أنا هعدِّي بالليل وأطمِّن عالدنيا، متنسوش قسمِ الباليه...ده هيضيف للنادي شهرة كبيرة."
ثمَّ نصب قامتهِ وأكملَ بحزم:
"مش عايز النادي يكون مختصر على الرياضة وبس...كلِّ حاجة فيها حركة لازم نضيفها."
تدخَّل أحدهم مقترحاً:
"طيب، ما قولتلناش رأيك ياباشا...كلِّ شهر نعمل حفلة لمطرب مشهور عشان نرفع الترويج."
ابتسمَ أرسلان ابتسامةً خفيفةً وقال:
"هفكّّر في الموضوع...مبدئيًا الاقتراح متوسِّط، مش الحفلات اللي هتجذب الناس، تجدُّد الأفكار والعمل الكويس والنضيف، على العموم المندوب عنِّي موجود معاكم، وهوَّ اللي هيكمِّل تنفيذ الخطة."
قالها ثمَّ لوَّحَ بيدهِ مودِّعًا:
"سلام...عندي شغل دلوقتي، وهرجعلكم بالليل."
بعد نصفِ ساعة، كان أرسلان يدلفُ إلى جهازِ المخابرات، يسير بخطواتٍ واثقة، محيٍّياً بعض من يعرفهم بإيماءةٍ هادئةٍ من رأسه..
عند راجح..
دلف إلى منزلهِ وهو يتحرَّكُ ببطء، تحرَّكت الخادمةُ خلفهِ سريعًا:
-محتاج حاجة ياباشا؟..
التفت برأسهِ إليها وقال:
-طارق هنا ولَّا خرج؟..
-لا البيه نايم فوق..خطا بعدما أمرها:
-اعمليلي حاجة أكلها..
بالأعلى بغرفةِ طارق..
دفع البابَ بقوَّةٍ حتى انتفضَ طارق من نومهِ معتدلًا:
-فيه إيه..؟!
إنتَ لسة نايم!! دا الراجل اللي بعت نفسي علشانه؟!..فوق كدا، قوم خدلك شاور والحقني علشان نشوف هنعمل إيه..
-طيب خلاص بتزعَّق ليه، متنساش إنِّي كنت في السجن، بعوَّض النوم الِّلي حضرتك حرمتني منُّه..
اقترب منهُ وعيناهُ كتلةً ناريةً يريدُ أن يحرقه:
-قوم يالا، قوم شوف هنعمل إيه بعد شركتنا مااتحرقت، واحدة بنتِ العامري إدِّتها لواحد صايع، والتانية ابنِ الجارحي حرقها.
نهض من فوقِ الفراش يجذبُ سجائرهِ وتحرَّك إلى النافذةِ وقام بفتحها وأردفَ بنبرةٍ حادة:
-كلُّه هيرجع متخافش، ومن بكرة كلِّ واحد هياخد حقُّه..
طالعهُ راجح بتهكُّم ثمَّ استدارَ للخارج:
-طيب ياأخويا، لمَّا أشوف أخرتك إيه..
قالها وخرج بينما الآخرُ توقَّف يدخِّنُ سجائرهِ ينفثُ بالهواءِ الطلقِ وردَّ على حديثِ والده:
-هتشوف، والله لأعرَّف كلِّ واحد حدُّه، رفع هاتفهِ وقام بمهاتفةِ أحدهم:
-أيوة ياأسامة..عملت إيه؟!
أجابهُ الآخر:
-اتخطبت ياباشا، وفرحها بعدِ شهر.
-اتخطبت للواد الميكانيكي؟..
-لا..واحد شغَّال معاها.
شردَ للحظاتٍ وعيناهُ تطوفُ بكلِّ مكانٍ ثمَّ قال:
-أنا عايز البنتِ دي ياأسامة، اتصرَّف شوف هتجبها إزاي، تكون عندي قبلِ فرحها، المهمِّ تجبها على نضافة، ممنوع أيِّ حد يشكّ، وعايزها تيجي برجليها يعني مش خطف، البتِّ دي بتحبِّ الفلوس اغريها بأيِّ حاجة..
-تمام ياطارق باشا فهمت..إدِّيني يومين وتكون عندك.
-بانتظارك ياوحش...قالها وأغلقَ الهاتف، ثمَّ اتَّجهَ إلى جهازهِ المحمول وقام بفتحه، بحث به عن كلِّ مايخصُّ يزن..أوقفَ الصورة وعيناهُ تخترقها، كالفنَّانِ الذي يتأمَّلُ شيئًا لرسمه، دقائقَ وهو ينظرُ إليها بصمتٍ ثمَّ أردف:
-ياترى إنتَ حكايتك إيه يالا، ليه تعمل دا كلُّه؟..أكيد وراك حوار، بس شكلك لئيم، الموضوع يبان علشان خطيبتك القديمة، بس العيون دي وراها حكاوي يامزيِّت، خلِّيني وراك لمَّا أشوف أخرتها إيه..
قاطعهُ رنينُ هاتفه:
-أيوة يامتر...على الطرفِ الآخر:
-أيوة ياطارق، دلوقتي أنا شوفت بنود الشركة كلَّها، للأسف إنتَ وراجح مفيش مايثبت إنِّ ليكم حاجة، حقِّ المرحومة بس هوَّ الثغرة اللي تعرف تدخل بيها الشركة..
-وضَّح أكثر..قالها وهو ينثرُ رمادَ تبغهِ بإصبعهِ فأجابهُ الآخر:
-مدام رانيا ليها 20% في الشركة منفصلين، الِّلي حضرتك اتنازلت عنُّه لخطيبتك دا خلاص مينفعشِ يرجع لأنَّها باعته لواحد تاني، وطبعًا راجح باشا اتنازل عن نصيبه لمالك العمري بنسبة مئوية علشان مايبنش، وبنته الوريث الشرعي فبالتالي كلِّ حاجة باسمها ومنهم جزء والدك الِّلي للأسف اتنازل بالنسبة كلَّها أيام قضيِّتك.
-والعمل يامتر؟..
ردَّ عليهِ بنبرةٍ جادَّة:
-تدخل بنسبة والدتك الله يرحمها ومحدش يقدر يمنعك..
بااااس خلاص المهم الحتَّة دي، أدخل بنصيب أمِّي، وبعد كدا نرجَّع اللي ضاع.
بمنزلِ إلياس..
صعدَ للأعلى مع رنينِ هاتفه، نظرَ إليه.. وجدَ عدَّةَ مكالماتٍ من يزن، ردَّ سريعًا:
-يزن خير، آسف التليفون كان في العربية.
تحرَّك يزن إلى شرفةِ غرفتهِ وسحب نفسًا يزفرهُ بهدوءٍ بعدما أجابهُ إلياس فتحدَّث:
-إلياس طالب منَّك خدمة، ومحدش هيقدر يعملها غيرك.
-سامعك..إنتَ مش في لندن؟..
هزَّ رأسهِ وعيناهُ تتجوَّلُ بالمكان:
-شوفت رحيل هنا..عايز أوصلَّها ياإلياس.
-تمام يايزن، أنا هتصرَّف وأرد عليك، بس ليه عايزها بعد ماطلَّقتها، أنا معرفشِ إيه اللي حصل بينكم؟..قاطعهُ يزن:
-عايز مكانها ياإلياس ضروري..
فهمَ إلياس أنَّه لايريدُ التحدُّث،
دلفَ للداخلِ يبحثُ عن زوجته، وجدها تجلسُ بالشرفةِ تنظرُ للخارج، اقتربَ منها إلى أن توقَّف خلفها وتحدَّث:
-أفهم من كدا مش هتنزلي معايا السويس وعاملة زعلانة؟..
رفعت رأسها وتعمَّقت بالنظرِ إليه قائلة:
-عاملة زعلانة، تنهيدة شقَّت صدرها وتراجعت بنظرها للخارجِ مرَّةً أخرى قائلة:
-أنا مش عاملة زعلانة ولا حاجة، بس ماليش نفس، أو تقدر تقول مش عايزة أكون مهمَّشة، أنا ميرال السيوفي لو إنتَ ناسي قولت لي عايزِك قوية، ومن شروط القوَّة دي أختار كلِّ مايناسبني ياحضرةِ الظابط..التفتت وغرزت عينيها بعينيهِ وتابعت:
-ولَّا القوَّة ليها معنى تاني، لو القوَّة أكون تابع لإلياس فأنا مش عايزاها..
أمالَ بجسدهِ وسحبها إلى أن توقَّفت بمقابلتهِ وحاوط جسدها لتصبحَ بين ذراعيه، يسبحُ بعينها:
-لا حبيبتي، القوَّة بشخصيتك زيِّ ماقولتي، وأنا مش زعلان علشان إنتي رفضتي، حقِّك أنا آسف كان المفروض أعرَّفك بس والله نسيت، ومكنتش مرَّتب..
رفعت نظرها واحتضنت عيناهُ بعيونها التي ترقرقت بها سحابةً من الدموع:
-إنتَ مانستش ياالياس إنتَ خلاص اتعوِّدت إنَّك تؤمر والكلِّ ينفِّذ، الأوَّل كنت بخاف أتكلِّم معاك، بحاول أتلاشى، علشان كدا كنت بلجأ لغيرك، بس أنا تعبت مبقاش ينفع أجري على غيرك، إحنا دلوقتي عندنا ابن ومينفعشِ نتخلَّى عن بعض علشان كلِّ واحد عايز يعمل شخصيِّته بنفسه، أنا عن نفسي مش هسمح لك تبعد عنِّي، ولا مسموح ليَّ أبعد لأنِّي خلاص عرفت حياتي فين وهتبقى إزاي لو بعدت، فإحنا لازم نعالج أخطاءنا مع بعض، أنا أتنازل مرَّة الدنيا مش هتتهد، وإنتَ تتنازل مرَّة هتلاقي حياتنا بيرفكت..اقتربت أكثر ورفعت كفَّيها واحتضنت وجههِ وأردفت بدموع:
-أنا بلاقي نفسي معاك، رغم عصبيتك بس مقدرشِ أعيش بعيد عنَّك، أنا بحبَّك أوي، بس في نفس الوقت مش عايزة اكون مهشمة، تعالى نساعد بعض علشان ابننا، لازم ...انحنى يبتر حديثها بخبرته بعدما فاقت كل حدودها معه، نعم فهي الروح والحياة، هي النبض الدائم للشعور بالكمال ..لحظات ربما تكون دقائق وهو ينعم برحيق ثغرها، ينثر فوقه من العشق مااذابه، حتى انهارت الحواجز ليخطفها لعالم ناعم لا يوجد به سوى النبض ...النبض فقط
القسم الثاني من السابع والأربعون اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك عَشِقْتُكِ والحُبُّ يَصرُخُ فيَّويَنبُضُ قلبِي سِوى لَحظَتَيكِ."وأنا إن أحببتُ، أحبُّ كأنّي سأموتُ.وأنا إن أحببتُ، أحبُّ كأنّي سأحيا!"بعد عدَّةِ ساعاتٍ في منزلِ أرسلان،جلست بجوارِ صغيرها تلاطفهُ بعد وصلةٍ طويلةٍ من البكاء.همست وهي ترفعهُ بين ذراعيها وتهدهدهُ بحنو:ــ "إيه ياحبيب مامي، مالك؟ إحنا لازم نتعرَّف على بعض...أنا مش عايزة حد يربِّيك غيري."بدأت تملِّسُ على خصلاتهِ الناعمة برقَّة، وعيناها تلمعُ بالحب:ــ "أكيد عارف إنِّ مامي بتحبَّك أكتر من الدنيا دي كلَّها..وعايزاك تكبر وتبقى راجل أوي زي بابي...تاخد منُّه الجانب الحلو الهادي، وتسيبك من العصبية بتاعته."تأمَّلت ملامحهِ الطفوليةِ البريئة، وانعكست سعادتها في عينيها، تحدِّثهُ وكأنَّه يفهمُ همساتِ قلبها:ــ "كنت متأكدة إنَّك هتطلع شبهه... ماما كانت دايمًا تقول، اللي بتحبِّ جوزها أوي، ولادها بيطلعوا شبهه."احتضنتهُ بشغف، ودفنت رأسها في حضنهِ الصغير تستنشقُ رائحتهِ الطاهرة بجنون، تهمسُ له بعشق:ــ "وباباك مش بس حبيبي...ده روحي وحياتي وكلِّ حاجة."خطت به نحو مهدهِ بحذرٍ وكأنَّها تحملُ كنزًا ثمينًا قابلاً للكسر، وأسندتهُ بين الأغطيةِ برقَّة، ثمَّ بدأت تهزُّهُ بلطفٍ وهي تدندنُ له بأغنيةٍ طفوليةٍ ناعمةٍ من قلبها.يا بلالي ياقمري...نام بعيونِ السهرينام يا بلال...نام ياقمريعيونك الحلوة بدها السهريا ريحة البابا ياريحةِ الورد وياطيِّب الهوىنام بحضني ياأغلى دوايانور عيوني، يازهر الليالينم ونوَّر الدار ياأغلى الغوالييا طير صغير وحلو...بعيوني تحلو الدنيا...إيييييه إييييهنام يابلال، يا حلو الغزالدنيايَ إنتَ، وياأغلى من المالظلَّت تُغرِّدُ كالعندليب، تُهدهدُ صغيرها بلحنٍ صاغتهُ من حنانِ قلبها، لم تشعر أنَّ هناك من يراقبها لدى الباب، وقلبهِ الذي يخفقُ تحت وطأةِ صوتها العذب.اقتربَ منها، تخطو قدماهُ بحذرِ العاشق، حتى بلغَ حيثُ تجلس، انحنى فوقها كغصنٍ ثقيلٍ بثمرِ الهوى، يُطوِّقها بذراعيهِ الدافئتين..وهمسَ في أذنها بنبرةٍ خفيضةٍ مرتجفة:- غيران، أنا غيران حدِّ الجنون غرامي.رفعت رأسها إليهِ ببطء، كزهرةِ عبَّادٍ نحو الشمس، والتقت عيناهما في لحظةٍ سكنت فيها الأنفاس، إلى أن همست وقد ارتسمت ابتسامةٌ طفيفةٌ على شفتيها:- غيران من ابنك؟!..مدَّ يده، يجمعُ خصلاتِ شعرها الناعمةِ جانبًا، ثمَّ انحنى يطبعُ قبلةً وديعةً على عنقها، فتورَّدت وجنتاها، وارتعشت أنفاسها، لتغلقَ عينيها تحت وطأةِ أنفاسهِ اللاهبة، وتحسُّ بفراشاتٍ رقيقةٍ تخفقُ داخل أحشائها...حتى استمعت إلى صوتهِ الخافتِ وهو يقطرُ دفئًا وغيرة:- أغار حدَّ الألم وعليكي غرامي أن تجدي حل..قالها بنبرةٍ شاعريةٍ وعينيهِ تتجوَّلُ على ملامحها بعشقٍ تنطقهُ العيونُ قبل القلوب.. اشتدَّ خفقانُ قلبها حتى كادت تسمعه، وأوشكَ جسدها أن يتلاشى بين ذراعيه، فتمتمت بضعف:- أرسلان..ابعد شوية المربيَّة تدخل وتشوفنا، كدا عيب.ابتعدَ ببطء، وعيناهُ تملأها خيبةٌ حزينة، ثمَّ همسَ بجُرحٍ لم يقوَ على إخفائه:- حضني بقى عيب، خلاص جالك اللي تحضنيه؟ارتجفَ قلبها لحزنه، فنهضت أمامهِ بخفَّة، ترفعُ يديها نحو وجهه، تلمسهُ بحنانِ أمٍّ تخشى أن تكسرَ قلبَ طفلها، همست برقَّة:- إنتَ زعلت، أوعى تكون بتتكلِّم جد؟أطبقَ بكفَّيهِ على وجهها وكأنَّها كنزهِ الثمين، واقترب، يسرقُ قبلةً سريعةً، كمن يرتوي من سرِّ الحياة، ثمَّ همسَ بصوتٍ أشبهُ بأنفاسِ العاشقين:- صوتكِ هوَّ حضني، وعيناكِ دعائي، وأنتِ عمري الذي خُلِق مرَّتين...مرَّة لقلبي، ومرَّة لقلبي الآخر وهو ابني فلذةُ كبدي وأنتي أمُّه عاشقةِ الروحِ والعين..انسابت دمعةٌ غائرةٌ تزحفُ عبرَ وجنتيها:-عملت إيه علشان ربِّنا يرزقني بيك؟.. ابتسمَ بعذوبةٍ وجذبها إليه، يحتضنها بكلِّ ماأوتيَ من شوق.ثمَّ أردفَ بضحكةٍ خفيفةٍ تكسرُ ثقلَ اللحظة:- شوفي بقى إيه الحلو الِّلي عملتيه في حياتك علشان يرزقك بواحد قمر زييِّ..لكمتهُ بخفَّة، وتعلَّقت بعنقه:-مغرور..إنتَ المفروض تحمد ربِّنا علشان رزقك بقمر زييِّ..قهقهَ بصوتهِ الرجولي يرفعها ويدورُ بها مع ضحكاتها: -بااااس خلاص...بلاش تحمد ربِّنا.. -إنتي قدري الحلو غرامي..بحبِّك بجنون عاشق، كعشقِ قيس لليلى ، وعنتر لعبلة، وجواد الألفي لغزالته، وراكان البنداري للولِّته..-مين دول، أنا عارفة اللي فوق.. جذب رأسها يضعُ جبينهِ فوق جبينها يهمسُ لها بغمزة: -دول أبطال كاتبة حكايتنا، اللي إن شاء الله اللي هيجي بعدنا هيذكرنا..تراقصت ضحكاتها على شفتيها، تهزُّ رأسها ثمُّ سحبت كفَّيه معها، تُشير برأسها نحو فراشِ صغيرهما الذي استسلمَ للنومِ في هدوءٍ عذب..-طيب تعالَ يامغرم العاشقين. بمنزلِ يزن وخاصَّةً بحديقةِ المنزل..أعدَّت كوبًا من الشاي وبعض الفطائرَ ووضعتها أمامه: -اتفضل ياسيدي آدي الشاي والقرص..تناولَ إحدى المعجنات، يتفحَّصُها بين أناملهِ ثمَّ غمز إليها: -عملاها بحب يابت ولَّا بزهق؟.. جذبت المقعد وجلست، تضعُ خدَّها فوق كفِّها:-عايز توصل لإيه ياكريم، بتلفِّ وبدور على إيه؟.. -إنتي تعرفي مكان رحيل صح؟..اعتدلت سريعًا وابتلعت ريقها بصعوبة، تتهرَّبُ من نظراته، ولكنَّه وضع المخبوزات وسحبَ كفَّيها يضمُّها بين راحتيه:-عايز أعرف بس إنتي تعرفي مكانها ولَّا لأ؟..ظلَّت تنظرُ إليه بصمتٍ حتى قطع الصمتُ يهزُّ رأسه: -مش هقول ليزن، أنا ضدّ الِّلي بيعمله.تنفَّست بهدوء ثمَّ أردفت:-في انجلترا، هيَّ كلِّ فترة بتكلِّمني وبتطمِّن عليَّا، إحنا قرَّبنا من بعض الفترة اللي قعدتها معايا، هيَّ مالهاش أخوات وأنا كمان ماليش أخت، ميرال أه أختنا هيَّ ورؤى بس مش عارفة أتعامل وأقرَّب منهم، بس رحيل حبِّيتها أوي، لقيت عندها اللي كنت محرومة منُّه..رفع كفَّها ولثمهُ ثمَّ مرَّر أناملهِ عليها بحنان: -أنا أبوكي وأخوكي وحبيبك وكلِّ حاجة، بلاش نظرة الحزنِ دي، بتقهرني.. لمعت عيناها بالسعادةِ قائلة:-بتحبِّني أوي ياكريم؟..ولَّا عايز واحدة تكون مناسبة ومحترمة وخلاص. ذُهلَ من حديثها ممَّا جعلهُ يتراجعُ بجسدهِ وعيناهُ تخترقُ جلوسها ثمَّ سحب نفسًا وطردهُ بهدوءٍ رغم غصَّتهِ ثمَّ قال:-حقيقي مش حاسة بحبُّي؟!..إنتي عارفة، أنا بحبِّك من زمان أوي..بجدِّ ياكريم..يعني مش علشان مناسبة وأختِ صاحبك؟!نهض فجأةً من مكانه، عيناهُ مليئةً بالحزنِ الذي لا يستطيع إخفاءه، مدَّ يدهِ إليها، جذبها برفق، ليوقفها أمامه..توقَّفت، وقلبها ينبضُ سريعًا، وعيونها تغرقُ بالدموعِ التي لم تستطع أن تمنعها..اقتربَ دون أن ينبسَّ بكلمة، واحتوى وجهها بين يديه،وقال بصوتٍ ضعيف، مليء بالعاطفة:ــ وحياة ربِّنا، بحبِّك..ومن زمان أوي. أصابتها رعشةً طفيفةً بجسدها، وتابع بصوتٍ متقطِّع، عميق، تخرجُ من قلبه:ــ إيه اللي يخلِّي الواحد يستنَّى خمس سنين؟! لو كنت عايز واحدة مناسبة، كان عندنا بنات كتير في العيلة، محترمين وحلوين..اقتربَ خطوةً أخرى، حتى اختلطت أنفاسهما، و همسَ بصوتٍ مليءٍ بالهيام:ــ لكن قلبي..قلبي اختارك إنتي، نظرة واحدة من عينيكي قادرة تخلِّيني أسعد راجل في الدنيا. جذبها إلى أحضانهِ وطوَّقها بقوَّةٍ تحت حنانِ ذراعيه...وآه، كيف يمكن للكلمات أن تصفَ مدى الحب في تلك اللحظة؟قال بصوتٍ يكادُ يختنقُ بالعشق:ــ مش مصدَّق...مش مصدَّق إنِّك بقيتي مراتي، في حضني.تراجعت فجأة، وكأنَّ صدمةَ كلماتهِ أصابتها، فهمست بخوف، عيناها ترفرفان:ــ كريم! إنتَ اتجنِّنت؟! بتعمل إيه؟نظر إليها بنظرةٍ حادَّة، لكنَّه كان يختنقُ من الداخل..وقال بحزم، وكأنَّ كلماتهِ تعكسُ نارًا مشتعلةً داخله:ــ نعم، بعمل إيه؟!ثمَّ أضاف بنبرةٍ تشوبها مرارةٌ عميقة:ــ نسيتي إنِّك دلوقتي مراتي؟! من حقِّي أكون معاكي، من حقِّي أعيش معاكي كلِّ لحظة...دا حضن بريء!ضحك بحزن، وقال في نفسه:ــ لكن فصلانك طالعة لأخوكي، ضيَّعتي اللحظة..يخربيتك. قاطعهما صوتُ معاذ وهو ينادي:ــ إيمان، كلِّمي مها، عايزاكي.تقدَّمت إليهم مها، ثمَّ قالت بابتسامةٍ متكلِّفة:ــ عاملين إيه؟ مبروك...آسفة، ماقدرتش أحضر كتب الكتاب...كنت بشتري جهازي، عقبالك ياإيمان.ــ متشكِّرة يامها...أجابت إيمان، أخرجتها من حلقها بصعوبة، وهي تداري الحزنَ الذي يكادُ يخرجُ منها...تتلفَّت مها، وكأنَّها تبحثُ عن شيءٍ مفقود، ثمَّ تساءلت:ــ هوَّ يزن مش هنا؟رفعت إيمان حاجبها بتعجُّبٍ وقالت بنبرةٍ حادَّة:ــ بتسألي ليه؟ الفرح بتاعك الأسبوع الجاي مش كده؟ثمَّ أكملت بنبرةٍ قاسية:ــ على العموم، يزن مش هنا...راح لمراته.تجمَّدت مها، واتَّسعت عيناها في صدمةٍ لم تستطع إخفاءها، ثمَّ همست بهلع:ــ مراته؟!ثمَّ تمتمت بصوتٍ خافت، وكأنَّ الكلماتَ تعجزُ عن الخروج:ــ مش طلَّقها؟غضبَ كريم وانفجرَ فجأة، بعدما فقد السيطرةَ على نفسهِ واتَّقدت عيناه:ــ عايزة إيه يا مها؟!حاولت التماسك، وبكت بحرقة، قائلةً بصوتٍ مكسور:ــ كريم...أنا لسه بحبُّه.ثمَّ أضافت، وكأنَّها تخرجُ من أعماقِ قلبها:ــ واللهِ لو قال لي سيبي كلِّ حاجة وتعالي، هسيبها...حتى لو وافق نتجوِّز، هوافق فورًا.ابتعدت إيمان قليلًا و نظرت إليها بحزم، وسحبت المقعدَ بعنف، ثمَّ جلست عليه بحدَّة..و قالت بصرامة:ــ كفاية..ثمَّ نظرت إلى مها بعينينِ قويتين:ــ كفاية تقلِّلي من نفسك...روحي وكمِّلي حياتك بعيد عن أخويا.. عند يزن، اليوم التالي..وصل إلى العنوانِ الذي أخذهُ من إلياس..وقف أمام البوابةِ الكبيرة، شعورٌ مقيتٌ يلتفُّ حول قلبه، ضغطَ على الجرسِ وكأنَّ يديهِ لا تحملُ أيَّ قوة..دقَّاتٌ فقط، لا يشعرُ سوى بها.. أخيرًا، فُتح الباب بصوتٍ مرتفع، وظهرت الخادمة، نظرت إليه بنظرةٍ متسائلة، وقالت بصوتٍ حذر:ــ من تريد؟دخل يزن بخطواتٍ ثقيلة، وفي كلِّ خطوةٍ قلبهِ يلهثُ داخلَ صدره، وعيناهُ تملؤها مشاعرَ متناقضة: الخوف، التردُّد، الاشتياق، اتَّجه إلى الخادمة التي تساءلت مرَّةً أخرى..ردَّ بصوتٍ منخفضٍ لكنَّه حازم، يشعرُ بأنَّ الكلماتِ تخرجُ بصعوبة:ــ عايز مدام رحيل.قاطعهم صوتُ رحيل:ــ مين ياكاتيا؟قالتها بعدما خرجت من الداخل، ويديها تمسكُ بكوبِ القهوة، لكن حينما وقعت عيناهُ عليها، كأنَّ الزمنَ توقَّف، وانكسرت كلَّ الحواجز بينهما.تحرَّكت بخطواتٍ بطيئة، وعيونها لا تفارقُ يزن، وكأنَّها تريدُ أن تقنعَ نفسها أنَّه ليس بكابوس، اقتربَ خطوةً يحتضنها بعينيهِ يريدُ أن يجذبها لأحضانهِ حتى يذيبَ ضلوعها بين ذراعيه، توقَّفت بعدما تأكَّدت أنَّه حقيقةً وليس حلمًا..في تلك اللحظة توقَّف كلَّ شيءٍ وتلاشى من حولهما..هزَّةٌ عنيفةٌ أصابت جسدها، وشعرت بأنَّ الأرضَ تدورُ بها وفقدت القدرةَ على كبحِ دموعها، وشعرت بدقَّاتِ قلبها تتسارع...حتى تلعثمت في كلماتها، وكأنَّها تكاد تفيقُ من كابوسها:ــ يز...زن؟قالتها بهمسٍ خرج بصعوبة، كأنَّها تقاومُ الحقيقةَ التي كانت تتمنَّى أن لا تكون.وكأنَّ كل شيءٍ حولها يختفي، وتكتشفُ فجأةً أنَّ الشخصَ الذي كان جزءًا من حياتها، قد عاد ليحطِّمُ كلَّ شيءٍ قد حاولت بنائهِ بعده.تسارعت أنفاسها وهو يقتربُ منها، وقلبها أصبحَ مضخَّةً تهدِّدُ بالانفجار، بعدما بدأت تلمحُ خيوطَ الماضي تعودُ في ذهنها..تلك الأيام بل الليلة التي شعرت فيها بأنَّهُ حياتها، لتتحوَّلَ إلى عاصفةٍ اقتلعت حياتها دون جدوى.. تراجعت ورعشةٌ قويةٌ بعدما استمعت إلى صوته: -رحيل.. -ابعد..صرخت بها وهي تحاولُ السيطرةَ على رعشةِ جسدها وكبحِ دموعها.أخذَ نفسًا عميقًا، وعينيهِ مليئةً بالألم، لا يمكنهُ أن يخفي ما يشعرُ به، من نفورها ولا يمكنه أن يظلَّ ساكنًا...ضغط على كبرياءِ رجولتهِ وتقدَّمَ خطوةً نحوها، وكلَّ خطوةٍ كانت كالسهمِ الذي يُطلَقُ في قلبه...من نفورها ونظراتها المشمئزِّة، التي كانت تحرقُ قلبهِ قبل جسده.. همسَ بصوتٍ مرتجف:ــ رحيل... تراجعت خطوةَ للوراء، تحاولُ الهروبَ من مشاعرها التي بدأت تنفجرُ في داخلها..وتضعفُ وكأنَّها ترى شخصًا آخر، شخصًا لم تكن تستطيعُ أن تصدِّقَ أن يعود إليها بهذه الطريقة..تحدَّثت بصوتٍ مكسور، وكأنَّ الكلماتَ تخرجُ من فمها بصعوبةٍ شديدة:ــ عايز إيه، إيه اللي جابك؟!.. قالتها وهي تقاومُ دموعهاولكنَّه اقترب، بقلبٍ ينتفضُ بالألم، يشعرُ أنَّ الأرضَ ستبتلعه، من شدَّةِ ثقلِ خطواته..قال بصوتٍ منخفض، حزين، مليء بالندم:ــ لازم نتكلِّم. لحظةُ صمتٍ طويلة..تئنُّ بما تشعرُ به الصدور، و كأنَّ الجدرانَ نفسها تشعرُ بوجعِ قلوبهم.. -رحيل لازم نتكلِّم لو سمحتي. ولكنَّها لم ترَ سوى ذلك الرجلِ الذي قام بخيانتها والغدرِ بها، فتراجعت خطوةً أخرى، بعدما شعرت بأنَّ مشاعرها تتأرجحُ بين الرغبةِ في الهروبِ والتمسُّكِ بما تبقَّى من شظايا قلبها:ــ كفاية...مش عايزة أسمع منَّك حاجة، أنا بعدت عنَّك، جاي ورايا ليه؟. نظر إليها بعينيهِ المليئةِ بالذنب، وقال بصوتٍ يكادُ يختنق:ــ أنا عارف...عارف إنِّي جرحتك بس .حاولت التماسك، فهزَّت رأسها بحزنٍ عميق:ــ مفيش بينا كلام ..كفاية بقى جاي في خداع جديد، ولَّا الباشمهندس معرفشِ ياخد حقُّه فقال أشوف الحيطة الواطية.. ثمَّ أضافت بنبرةٍ شديدةِ الحزن:ــ روح، يزن، روح وكمِّل حياتك بعيد عنِّي..أنا رسمت حياتي وإنتَ كمان ارسم حياتك. -رحيل لازم نتكلِّم.اقتربت منه وثارت جيوشُ غضبها: -نتكلِّم!..هنتكلِّم في إيه ياباشمهندس؟..إنتَ ضحكت عليَّا ولَّا..خدعتني ولَّا ولَّا..اقتربت تدفعهُ بقوَّة:-أنا بكرهك..بكرهك، مش عايزة أشوفك قدَّامي، امشي اطلع برَّة، برررررة..خرجت والدتها على صرخاتها: -رحيل..هتفت بها بخوفٍ بعدما وجدتهُ واقفًا أمامها، اقتربت منه تتطلَّعُ إليهِ بذهول: -إنتَ!!..بمنزلِ إلياس.. أنهت زينتها وحملت حقيبتها متَّجهةً للخارج، قابلتها المربية: -هنبات في الفيلا يامدام ولَّا هنرجع، علشان أعمل حسابي. انحنت تحملُ طفلها تقبِّله: -يوسف روح نادي خالتو علشان نمشي، ثمَّ رفعت عينيها للمربية:-هنبات هناك علشان إلياس مش هيرجع الليلة. -تمام يامدام..قالتها وانسحبت إلى داخلِ الغرفة تحملُ هاتفها وقامت الاتصالَ على شخصٍ ما.وصلت إلى سيارتها، وضعت ابنها بمكانهِ وأشارت إلى السائق:-خلِّي منال المربية ورؤى معاك، وأنا هتحرَّك بعربيتي. -بس أستاذة رؤى مش موجودة يامدام خرجت من ساعة تقريبًا.-خرجت!..تمتمت بها بذهول، ثمَّ نظرت إليه:-إزاي تخرج من غير ماأعرف، هوَّ البيه مش منع خروجها؟.. -واللهِ يامدام حاولت أمنعها بس هيَّ رفضت وقالت رايحة للباشمهندس.-الباشمهندس مش هنا ياغبي..قالتها ورفعت هاتفها محاولةً مهاتفها ولكن لايوجد رد.زفرت بغضبٍ تنظرُ حولها بضياع:-رحتي فين ياغبية؟..مرة واثنتان محاولةً الوصولِ إليها ولكنَّ الهاتف مغلق، قامت بمهاتفةِ إيلين وسألت عليها..صعدت إلى سيارتها وأردفت:-خلِّي الأمن يجهز، هنروح عند الباشمهندس..قالتها وقامت بتشغيلِ سيارتها وتحرَّكت متَّجهةً إلى فيلا السيوفي..وصلت بعد قليل، دلفت للداخلِ تبحثُ عن فريدة..-ماما فريدة فين؟..ردَّت الخادمة: -خرجت من نصِّ ساعة، راحت لزين باشا..أشارت إلى المربية: -طلَّعي يوسف أوضته، وخلِّي بالك منُّه.تحرَّكت إلى الخارج ومازالت تحاولُ أن تصلَ اليها، قاطعها رنينُ هاتفها: -وصلتي للفيلا ولَّا لسة؟.-لسة واصلة من شوية، بس الأستاذة رؤى معرفشِ راحت فين، فونها مقفول. -طيب اهدي، أنا هتصرَّف.-إلياس، تليفونها مقفول، والغبية عندها جلسة، أنا خايفة عليها ممكن تعمل في نفسها حاجة. -ميرو، اهدي قولت لك أنا هتصرَّف. -إلياس علشان خاطري حاول توصلَّها، أنا ماصدَّقت إنَّها وافقت على العلاج، هروح اشوفها عند يزن-حبيبي اهدي قولت لك هتصرَّف، خلِّي بالك من نفسك ومن يوسف، ومتخرجيش، أنا عندي اجتماع هغيب ساعة على الأقل..متقلقيش لو معرفتش أرد عليكي، دا اجتماع مهمّ وناس مهمَّة موجودة، ولازم أكون يقظ تمام..أنا هكلِّم أرسلان وهوَّ هيتصرَّف.. -تمام حبيبي، خلِّي بالك من نفسك لا اله الا الله..قالتها وأغلقت الهاتف ثمَّ هوت على المقعدِ تنظر إلى هاتفها علَّها تهاتفها...دقائقَ مرَّت عليها شعرت بأنَّها دهرًا مع اتِّصالِ الطبيبة التي بانتظارهم لعملِ جلسةٍ كيماوية، ولكن اعتذرت ميرال: -آسفة يادكتور، ظرف طارئ ممكن نتأخَّر ساعة؟..قالتها على أملِ تصلُ إليها ..أغلقت معها وإذ يعلو رنينُ هاتفها مرَّةً أخرى: -رؤى معايا..وتعبت ونقلتها المستشفى، اللي بتتعالج فيها-مين معايا؟.. -أخوكي ياأستاذة، المفروض متنسيش صوتي.. هنا ارتفعت أنفاسها وشعرت بأنَّ الأرضَ تُسحبُ من تحتِ أقدامها...لحظات صامتة بأنفاس مرتفعة، وذكريات الماضي تصفعها بجبروت من ذاك عديم الاخلاق تحرَّكت بخطواتٍ مسرعةٍ إلى سيارتها، وأشارت إلى رجلِ الأمنِ قائلةً بحزم: هنخرج.لم تمضِ سوى دقائق، حتى وصلت إلى المشفى حيث تُحتجزُ أختها، هرولت للداخل، تتسابقُ أنفاسها مع دقَّاتِ قلبها اللاهثة...دخلت الغرفة، وقعت عيناها عليها وجدتها نائمة فوق الفراشِ الأبيض، بينما يجلسُ هو بجوارها، يراقبها بصمتٍ ثقيل.اشتعلَ الغضبُ في عروقها، واقتربت منه تصرخُ بجنون:ــ إنتَ بتعمل إيه هنا؟! إزاي تقرَّب منها؟! عملت فيها إيه ياحيوان؟!اعتدلَ في جلسته، وعيناهُ تلتهمُ ملامحها بشغفٍ غريب؛ تشبهُ "رانيا"، كأنَّ الزمنَ يعيد نفسهِ أمامهُ بطريقةٍ مؤلمة، وكأنَّ تلك المرأة التي ربَّته أمامه..ظلَّ صامتًا، يحاوطها بنظراته، حتى فاضَ بها الغضبُ ودفعتهُ بيديها الغاضبتين:ــ إحنا مالناش إخوات، سمعتني؟! ابعد عنِّنا ياحيوان.اقتربت منهُ أكثر، أسنانها تصطكُّ من شدَّةِ الغيظ، وعيناها تقذفُ شررًا قائلةً بنبرةٍ غاضبة:ــ إحنا مش معترفين بدمِّ أبوك الفاسد...الخاين...وإنتَ زيُّه.أشارت إلى الباب بأمرٍ قاطع:ــ اطلع برَّه، ولو قرَّبت منها تاني، مش هاتردَّد إنِّي أموِّتك.صرخت في وجههِ بعنفٍ: برررررررة.هزَّ رأسهِ ببطء، وخرج صوتهِ مبحوحًا: ــ همشي ياميرال...بس صدَّقيني، إحنا هنتقابل تاني...مكنتشِ نيِّتي وحشة، كنت بس...بحاول أقرَّب منكم.قاطعتهُ بصراخٍ مكتومٍ بالمرارة: - براااااا ياحيوان..اندفع رجلُ الأمنِ إلى الداخل، بعدما استمعَ إلى صراخها، وجذبَ طارق من ذراعهِ بقسوة، يستعدُّ لطرده.تقدَّمت إليه ميرال وأشارت بحدَّة: ــ خده، ارميه عند راجح..وقولُّه ميرال السيوفي بتحذَّرك..لو قرَّبت من حد من عيلتها، محدش هيقتله غيريظلَّ طارق مأخوذًا بقوَّةِ شخصيتها ينظرُ إليها بدهشة؛ هل هذه هي الفتاة الضعيفة التي اختطفها قبل عام؟ من أين استمدَّت هذه الشراسة؟استسلمَ ليدِ الأمنِ تسحبهُ بعيدًا، بينما عيناهُ لم تفارقها حتى ابتعدَ عن الغرفة.تحرَّكت ميرال صوبَ أختها الغارقة في غيبوبتها، وجثت على ركبتيها بجوارها، رفعت أناملها المرتجفة، وأعادت خصلاتها المتمرِّدة عن وجهها الشاحب..فلقد اكتشفت مرضها حينما أجرت تحليلًا لتتبرَّع بكليتها إلى إلياس وأخبرها الطبيب أنَّ دماءها تحملُ المرض، تولَّى يزن علاجها عن طريقِ تغييرِ دمائها إلى أن تتم عمليةِ النخاعِ الشوكي، قامت باستدعاءِ الطبيبة على الفور.وصلت الطبيبةُ وقامت بفحصها بعناية، ثمَّ نطقت بصوتٍ مطمئن: ــ شوية وهتفوق إن شاء الله...بس لازم تلتزم بكورس العلاج قبل عملية النخاع الشوكي. استمعت ميرال إلى كلماتِ الطبيبة بتركيز، لكن عينيها ظلّّت متشبثتينِ بوجهِ أختها النائم.عند إلياس.. ارتفعَ رنينُ هاتفهِ الخاص، وقام رجلُ الأمن بقصِّ له ماصار، لا يعلم كيف خرج من القاعةِ التي يوجدُ بها المؤتمر وقاد سيارتهِ بسرعةٍ جنونية، حتى وصل إلى القاهرة في غضونِ ساعةٍ ونصف...-أرسلان قابلني عند فيلا راجح، لازم نوجِّب معاه. -إيه الِّلي حصل؟ -عشر دقايق وتكون قدَّام الفيلا، أنا داخل على القاهرة..قالها وأغلقَ الهاتف.بأنجلترا خرج يزن يتخبط بخطواته كمن أصابته لعنة، وصرخاتها تمزق سمعه كطعنات خنجر صدئ، حتى وضع كفيه على أذنيه يحاول أن يحجب ذلك العويل الذي تحول في أذنه إلى نواح الموتى لا صوت حبيبة...متذكر كلمتها الدامية:"بكرهك..."كلمة واحدة، لكنها سقطت فوق قلبه بأوزان الدهر كله، سحقته تحت ثقلها حتى عجز عن الوقوف.مضى يهيم بين الطرقات، بوجه شاحب، وعيناه زائغتان كمن فقد خارطة الحياة، يترنح كجسدٍ مخمور. سار حتى أضناه التعب، فوقع على ركبتيه كطفل تاه عن أمه في صحراء موحشة، لا يسمع إلا صدى أنفاسه المتهالكة.لم يشعر بالدموع التي انسابت على وجنتيه دون إذنٍ منه، كان يبكي كما لم يبكِ رجلٌ من قبل، جلس يعانق ركبتيه بذراعيه المرتجفتين، وأسند ذقنه عليها..يتذكر حديثها:"أكتر إنسان كرهته في حياتي... بكرهك... وبكره نفسي... وبحتقر قلبي اللي فكر فيك حتى لو دقيقة وحدة..."أحكم ذراعيه حول جسدها واردف:"أنا مضحكتش عليكي... أنا حبيتك... ورب الكعبة حبيتك..."لكنها، ردت ببرود كالجلاد، وغرست عيناها كالسهام المسمومة في قلبه:"بس أنا بكرهك! وبكره كل حاجة تفكرني بيك!"اقتربت وحدقت فيه بعينين تغليان غضبًا واحتقارًا، ونطقت:"أنا مش شايفاك راجل... الراجل اللي ياخد ست كوبري لانتقامه مش راجل..."هنا لم يشعر بنفسه، لم يدرك، لم يع إلا حينما سمع صدى اللطمة ترتد على جدران قلبه قبل أن ترتد على وجهها المسكين.صرخت زهرة باسم ابنتها، ودفعته بجنون أم تحمي فلذة كبدها:"اطلع برة يا واطي! يا حقير!"هنا تلاقت عيناه المصدومتان بما فعله بعينيها الباكيتين، تضع كفيها المرتجفين، ودموعها خانت كبريائها أمامه، ورغم ضعفها، اقتربت كالإعصار، وأمسكت بتلابيبه، وغرست عينيها الملتهبتين في عينيه، ومزقته بكلمات اخترقت روحه كسكين مسموم:-"كنت حامل منك، يا يزن... وسقطت البيبي... تعرف ليه؟!عشان ميجيش طفل يديني وشه، ويفكرني بأقذر ليلة عشتها في حياتي!" هوت الكلمات على رأسه كالصاعقة، فارتد عنها مذعورًا كمن لسعته نيران جهنم، أشارت إلى الباب بصوت كالرعد:"اطلع برة بيتي... اطلع برة حياتي!روح دورلك على لعبة جديدة تفرغ فيها قذارتك!"خرج من غياهب ذكرياته المدمرة، يضغط على كفيه حتى انغرزت أظافره بلحمه، ثم أطلق صرخة مروعة، خرجت من قاع روحه، هزت الأرض تحت قدميه...صرخة رجل خسر كل شيء... نفسه، حبه، وحتى صورته في عيون من أحب...عند ايلين دلف ادم يتطلع إلى شرودها بقلب يدمى، اقترب منها وجلس بجوارها يجذبها لأحضانه-وبعد هالك ياايلين، هتفضلي كدا التفتت إليه وعيناها تذرف دموعها كزخات المطر -تفتكر ياادم كلام راجح حقيقي، يعني أنا بنت حرام...وضع كفيه على فمها -اشش، بطلي جنان، كلنا عرفنا حقيقة الراجل دا، مستحيل كلامه يكون صح ارتفعت شهقاتها تهز رأسها بعنف -وهو هيكذب ليه، في حد هيكذب في حياة اتنين ميتين -اه ياايلين لما يبقى واحد زي الراجل دا يبقى اه..كلنا عارفين اخلاق خالتو كانت ازاي، وكمان عمو جمال، لا بابا كان دايما بيحكي لنا أنه كان عارف ربنا، وبعدين دا كان بيعشق طنط فريدة هيروح يخونها مع بنت عمها انا مش مصدق -اااااه بكت بحرقة وقلبها فجوة بركانية، علشان كدا بابا مكنش بيحبني، لكمت صدرها بقبضتها، وشهقات خلف شهقات، ليضمها إلى صدره وعقله الذي تلاعب به الشيطان يحدث حاله -هل حقا ما قاله ذلك الشيطان، يعني كدا ايلين ممكن تكون اخت إلياس وارسلان تنهيدة حارقة كادت أن تلتهم ضلوع صدره، بسط كفيه يمسد على خصلاتها -حبيبتي لازم تنسي كلام الراجل دا، ايلين متنسيش انك حامل لم ترد عليها، علم أنها غفت بأحضانه فقام بوضعها بهدوء على الفراش..ثم سحب هاتفه وتوجه للخارج ..رفع هاتفه وقام بمهاتفة أحدهم -عايز اقابلك ضروري بفيلا راجحوصل إلياس بسيارته المصفحة، اخترق البوابة ومرّ عبر حديقة الفيلا. ترجل بسرعة، مشهّرًا سلاحه في وجه الأمن المحيط بالفيلا:"ممكن أموتكم كلكم، أنا ماليش حساب معاكم... جاي للي مشغلكم."قالها مع وصول أرسلان برفقة اثنين من رجاله. ترجّلوا جميعًا، وأشار أرسلان للأمن:"جمّعوا العيال. ابعد يا إنت وهو!"تحرك إلياس بخطواته الواسعة التي تلتهم الأرض، وأطلق رصاصة على باب الفيلا الداخلي، ففتح الباب بخروج راجح من مكتبه:"إيه في إيه؟!"أشار إلياس لرجل من الأمن:"جرّوه ع العربية، وشوفوا الواد الصايع التاني فين."صرخ راجح:"إنت اتجننت يالا؟!"رد عليه إلياس بصرامة:"اخرس! متنساش إنك واقف قدام ضابط في مهمة رسمية! خدوه."قال راجح بتحذير: "إلياس، متعملش كده... هتفتح على نفسك أبواب جهنم."صرخ إلياس مرة أخرى:"خدوه من وشي!"صعد إلى الغرف يبحث عن طارق.وصل رجال الأمن:"مفيش حد يا فندم."سأل أرسلان:"ممكن أعرف إيه اللي حصل لكل ده؟"رد إلياس:"عياره فلت وخلاص... جبت آخري، يتحاكم بقى. عمك هيوصل لرانيا، متأكد من ده، فلازم نتحرك. إنت دور على الخزنة بتاعة الراجل ده، عايز أعرف كل بلاويه، قبل ما إسحاق يشم خبر. طول ما إنت هنا، محدش يقرب، فهمتني؟""تمام... بس ليه متأكد إننا هنلاقي حاجة هنا؟"التفت إليه إلياس مؤكدًا:"لإن الفيلا دي الوحيدة اللي بيلجأ لها بعد بلاويه. وبعدين، متزعلش لما حرقتله فيلته التانية. هنا كان عطوة بيقابل رانيا، وراجح كان عارف... يعني هتلاقي ديسكات كمان، فهمت؟""ده أنا متأكد منه... زي ما أنا متأكد إنك بتلعب بيا، صح؟"ابتسم إلياس بحدة:"برافو عليك... إنت نقطة ضعف إسحاق. أنا مش بلومه، بالعكس... ده شغله وأنا بحترمه."بعد فترة، وصل إلياس إلى منزل والده يبحث عن زوجته بعدما علم بعودتها مع رؤى.سأل الخادمة:"مدام ميرال فين؟"أشارت الخادمة للأعلى:"في أوضتها يا باشا."صعد الدرج مسرعًا، ودقات قلبه تقرع بصدره كالمطرقة كلما تذكر أنها كانت بين يدي ذلك المختل، دفع الباب بقوة، يبحث عنها بكل أركان المكان كطفل فقد والدته.دلف لغرفة مكتبه، وجدها تجلس بغرفة المكتب، منحنية على جهازها، غارقة في عملها.توقف، يلتقط أنفاسه الهائجة، واقترب منها بخطوات بطيئة رغم الغليان الذي يعصف بضلوعه.رفعت عينيها نحوه، وتصادمت نظراتهما بحوار صامت، طويل، أفقدها صلابتها، فنهضت متجهة إليه، وعيناها تنطق مالم يستطع لسانها عن نطقه، اقتربت أكثر، طوقت عنقه بذراعيها، ودفنت رأسها بصدره المرتجف.همست بصوت مبحوح مرتعش:ـ خوفت عليها يا إلياس... خوفت يعمل فيها زي ما عمل فيا...ارتجف جسده لهول كلماتها، وشبت النيران بدواخله، ورغم ذلك ظل جامدًا، عاجزًا عن الحراك.رفعت رأسها، وضمت وجهه بين راحتيها، تقبله بعينين تملؤهما الدموع.ـ عارفة إني غلطت لما خرجت برغم تحذيرك... بس هي مريضة ومقدرتش أتحمل يحصل لها مكروه... سامحني...قالتها بنبرة شجن يشوبها الوجع، وانسابت دموعها تبلل وجنتيها وتعتصر قلبه...فلم يجد سوى أن يحتضنها، يذيب ضلوعها بين ذراعيه، بينما هي تمسحت به كقطة تائهة تبحث عن أمانها...ثم همست بخفوت مرتجف علها تصهر غضبه، تعلم أنه لن يغفر لها:ـ رفعت عيناها الباكية، وهمست بخفوت-حبيبي... وحشتني... وحشتني أوي أوي... خدني في حضنك ياالياس، حاسة اني عريانة وبردانة وقت مابتبعد عني هنا انهار كل شيء... ليسحقها بدفء أحضانه الممتلئة بحبها، بل عشقها، يمرر أناملها على ظهرها وكأنه يعد فقراتها، واااه خافتة حارقة كبركان يغلي بداخله من كلماته، ود لو حطم كل ما يحزنها...همست اسمه بصوتها الباكي -متزعلش مني، وتعاقبني ببعدك، هموت ..هنا فاق احتمال صموده واحتمال كل شيئ، ولم يتبق سوى صوت قلبين ينبضان معًا، لا يسمع سواهما في هذا العالم.بعد عدة ساعاتضربت الشمس عينيه فاستفاق، يبحث عنها، وما تزال جفونه مثقلة بالنعاس، شعر بثقل فوق صدره، فاستيقظ قلبه حين أحس بأنها وردته وزهرة حياته نائمة إلى جواره، تدفن رأسها بعنقه، وكفيها الرقيقان فوق صدره، نظر إليها كأنها حلم لا يريد أن يوقظهابتسم، وامتدت يده بتثاقل نحو جهاز التحكم ليغلق الستائر، علّه يسرق مزيدًا من الوقت معها، في هذا العالم الصغير الذي لا يسكنه سواهما...ثم عاد ينظر إليها...كأنها المرة الأولى..كأنها المرة الألف التي يقع في غرامها من جديد...تذكر حديثها قبل معركة عشقهما ليشعر بقبضة تعتصر صدره، فأقسم بداخله أن يذيق كل من يقترب منها نيران غضبهرفع خصلات شعرها التي انسدلت فوق وجهها بأنامل كريشة مبدع، ومررها خلف أذنها برقة، ثم اقترب...وداعب طرف شفتيها بأنامله، كأنه يوقظ وردة من سباتها، وهمس بصوت ناعم، صوت عاشق لم يشبع بعد:"بس بقى...ايه ناوية تفضلي نايمة لحد إمتى؟"اقترب أكثر، حتى لامست أنفاسه بشرتها، وهمس عند أذنها همسًا لم يكن بالكلمات، بل بنبضات قلبه:"صباح العشق... صباحك سمو الملكة."رفّت جفونها ببطء، وكأنها تحاول أن تُميّز بين الحلم والحقيقة، حتى فُتحت عيناها أخيرًا، ورمشت ببطء، وهمست بصوت ناعس:-"ملكة؟"ضحك، ضحكة عاشق يعرف تمامًا مكانته في قلبها، ثم أمسك وجهها بين كفيه يحتضنه ككنزًا لا يُقدّر، وقال بنبرة تفيض بالحب:"أحسن ملكة كمان... ملكة ومالكة قلبي."اقتربت منه ورفعت نفسها إليه، حتى لامس أنفُه أنفَها، وهمست وهي تمرر أصابعها على صدره، كأنها تتأمل دقّات قلبه بأطرافها:"إنت بقى... مش ملك، ولا حتى سلطان."توقّف الزمن في عينيه لحظة، قبل أن تسحب رأسه نحوها وتهمس بشوق لا يحتمل:"إنت النبض اللي بيخلي الجسد فيه روح... إنت الحياة اللي من غيرك تنطفي."قالتها و دفنت رأسها في عنقه، تستنشق رائحته، لتملأ رئتيها، ثم . همست بصوت ممزوج بالبكاء:"إنت عشقي المستحيل... وتاعب قلبي ..."فهم ما تعنيه ..انحنى يقتطف زهرة من رحيق شفتيها، بل ينثر عشقه الطاغي المغلف بالكبرياء، رفعت ذراعيها وطوقت عنقه-آسفة متزعلش مني، مشيت ورا عقلي، وقولت قلبي هيفهمني، رفعت رأسها ولثمت وجنتيه تمرر أناملها عليها -لسة زعلان ..مقدرش على زعلك أغمض عينيه، فيكفي ماشعر به في تلك الساعات، يكفي انها بين يديه، ارتفعت أنفاسها من صمته، ظنا أنه لم يسامحها، ولكنه اقترب واستنشقها كما لو كانت هواءه الوحيد...كأن هذه اللحظة كُتبت لهما وحدهما، خارج الزمن، خارج العالم، حيث لا شيء إلاهما، وقلبان ينبضان بنداءٍ واحد:"أحبك... حدّ المعجزة."دفنت وجهها بصدره ليطوقها متنهدا، ماذا فعلت به لتكون نقطة ضعفه قاطعهم طرقات على باب غرفتهم -في ايه ..صاح بها مع ضحكاتها وهي تدفن رأسها بصدرها..ردت الخادمة -مصطفى باشا عايزك حالا يابيه -تمام ..انزلي وانا جاي اعتدلت تطالعه بريبة -ليه عمو عايزك، فيه حاجة حصلت نهض من فوق السرير متجهًا إلى الحمام وهو يقول -البسي هدومك وشوفي يوسف، نزليه على الفطار، بعد كدا لازم ياكل معانا، لازم يتعلم يكون معانا دايما جذبت روبها وارتدته متحركة خلفه:-إلياس ماجاوبتش عليا، ايه اللي حصل استدار يشير إليها -ميرال انا مبحبش اعيد كلامي، ياله حبيبتي، شوفي الولد، واجهزي علشان تنزلي ..ايه مش عايزة ترجعي شغلك -بجد ..!! قالتها وهرولت إليه كالطفلة تعانقه اومأ مبتسمًا يشير إليها -كدا مصطفى السيوفي هيهجم علينا في الاوضة..بعد فترة هبط للأسفل مع اقتراب والده، و صدى صوته وهو يصرخ:"إيه اللي انت عملته ده؟! انت عايز تقرّب موتك يا ابني؟!"رد عليه إلياس بثقة:"بابا، واحد بيدعم خلايا إرهابية، ولقينا في بيته ما يدل على كده. إيه حضرتك نسيت إني ضابط وبشوف شغلي؟"صرخ مصطفى:"انت كده بتكتب شهادة وفاتك يا غبي!" "وأنا راضي... بدل ما أعمل الصح!"تدخلت فريدة، بقلب ينتفض ألمًا:"إحنا مش بنصعب عليك... هو أنا حرام عليا أتهنى بيكم شوية؟! ليه الوجع والألم مكتوبين على فريدة بس!"استدار إليها إلياس بعينين دامعتين:"وحقك، وحق أبويا، وحق أخويا، وحق الكذبة اللي عشناها... مستقبلنا اللي بقى على الريح... حياة مراتي، ابني لما يكبر ويعرف إن جده كان إرهابي... إيه يا ماما؟ نسيتي حياتنا مع بعض كانت ازاي؟! نسيتي الراجل ده عمل فيكي إيه؟! وأنا بتعامل معاه بالقانون... بس بهدوء يا مدام فريدة.لازم كل واحد ياخد حقه... وقبل ده كله، لازم أعرف الراجل ده ليه عمل فينا كده... وهل ليه يد في موت بابا ولا لأ.بس هعرف بطريقتي... بطريقة إلياس السيوفي."قاطع صوت إيلين من الخلف، بعينين مغرورقتين:"وأنا كمان عايزة أعرف... أنا بنت مين؟"-
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم سيلا وليد
في كل حياة، لحظة تشبه السقوط بلا هاوية...
ونبضة لا تُشبه سواها، تشطر القلب نصفين؛ نصف ينجو، ونصف يظل عالقًا فيه.
هناك كلمة… لم تُقال، لكنها تظل تصرخ في الصدر كل ليلة.
وهناك نظرة… لم تستأذننا، لكنها سكنت الذاكرة كأنها بيتها الأول.
وهناك وجع... لا نُفصح عنه، لأن اسمه وحده يُبكينا!
لم يكن مجيئك صدفة…
كنتَ قادمًا من سطر مكتوب في الغيب، كأنك الجزء الناقص من دعائي القديم…
جئتني كأنك الردّ المتأخر، الذي لم يفقد أثره رغم تأخره.
أحببتك كما لم أفعل من قبل…
أحببتك بصوتي الذي خَفت، بدمعي الذي لم يره أحد، بحرفي الذي ارتجف كلما كتبتك…
أخبروا ذاك الذي تنفّسني: أنه حين حضر، زُرعت في صدري زهرة، وحين غاب… ماتت كل حدائقي!
أخبروه… أنني كنت أبحث عن طمأنينة، فجاء كعاصفة تحملني ثم تذريني شظايا.
أنه كان هدنةَ قلبي، ثم صار الجبهة التي لا تهدأ!
واسألوه… أي قلبٍ ذاك الذي لا يرحم؟
كيف يأتيني وأنا أحتاجه كالماء، ثم يتركني أختنق في غيابه كالغريق؟!
أنا تلك التي… دخلت عينيه بريئة كطفلة، وخرجت منه مُحطّمة كأنثى عبرت كل الحروب…
فهل سمعتم يومًا عن قلبٍ... ضاع وهو ينبض؟!
اقتربت إيلين منهما، توِّزع نظراتها بين الوجوهِ المرتبكة، قبل أن تهتفَ بصوتٍ متقطِّعٍ مشوبٍ بالبكاء:
- أنا بنتِ مين ياخالتو؟ فعلاً بابا محمود مش أبويا؟!
صاعقة اجتاحت جسدَ فريدة، فارتجفت نظراتها وهي تحدِّقُ بها بذهول، تهمسُ بانكسار:
- إنتي بتقولي إيه يابنتي؟!
قالتها واقتربت منها تحتضنُ وجهها المرتجف، بدموعها وجسدها الذي انتفض بقوة، أجفلت إيلين بخطوةٍ إلى الخلف، وهي تهمسُ بانكسار:
- أمِّي..خانَت أبويا؟! الكلام دا حقيقي؟! صحيح أنا...أنا بنتِ حرام؟!
قالتها مع انهيارِ جسدها الذي خانها، وسقطت بين ذراعيّ فريدة التي مازالت عاجزةً عن استيعابِ ماسمعته.
في تلك اللحظة، وصلت ميرال مسرعة، تنظرُ بذعرٍ بين الوجوه، حتى استقرَّ بصرها على إيلين التي كانت تبكي بشهقات، تهتفُ من بين أنينها:
- أنا بنت مين ياخالتو؟ مين أبويا؟! راجح قالِّي أسألك إنتي...إنتي الِّلي تعرفي.
اهتزَّت ملامحُ فريدة، تحرك رأسها بالنفي، وعيناها تسبحانِ على مصطفى والياس، ثمَّ همست بخفوت:
- أنا مش فاهمة حاجة، يعني إيه "هيَّ بنتِ مين"؟..ثمَّ نزلت ببصرها إلى إيلين: إنتي بتقولي إيه؟!
صرخت إيلين بألمٍ ممَّزق:
- مش عارفة! إنتو المفروض تقولولي.
نهضت فريدة، بجسدٍ مترنِّحٍ وردَّت:
- أقولك؟...أقولِّك إيه يابنتي؟!
خطا إلياس إلى جلوسها وأشار إلى ميرال:
- ساعديها يا ميرال، عايز أفهم هي بتقول إيه.
لكن قاطعهم وصول آدم، وهو يهتف بفزع:
- إيلين!
أسرع نحوها، جاثيًا ، يحيط جسدها بين ذراعيه، يساعدها على النهوض:
- كده تقلقيني عليكي...
رفعت إليه عينيها الباكيتين، وهمست برجاء مهزوز:
- قولهم الحقيقة يا آدم، قولهم... أنا مش بنت...
ضمها لصدره بحنان، يربّت على ظهرها، يحاول تهدئة نوبة بكائها:
- اشش اهدي حبيبتي، مش صح اللي سمعتيه، مش...
تراجعت مبتعدة عن أحضانه، وهمست بانكسار:
- برضو يا آدم؟!
تدخّل إلياس بنفاد صبر:
- ممكن أفهم فيه إيه؟ وليه الدكتورة جاية هنا وبتسأل "هي بنت مين"؟ إيه يا آدم؟ عايزين نفهم!
هز آدم رأسه وهو يقول بنبرة متوترة:
- مفيش حاجة يا إلياس... إيلين بس تعبانة من الحمل... لازم نمشي دلوقتي.
طالعتهُ إيلين بذهول، ثمَّ التفتت إلى إلياس:
- راجح بيقول إنِّي مش بنتِ محمود!!
- يعني إيه؟ وامي مالها، مش فاهم... تساءلَ بها إلياس.
اقتربت من فريدة التي ظلَّت صامتة، تنظر في نقطةٍ بعيدةٍ وأردفت:
- إيه ياخالتو؟ مش عايزة تتكلِّمي؟
استدارت إليها فريدة، تنطقُ أخيرًا:
- راجح؟ يعني قالِّك إنِّك مش بنتِ محمود؟ أنا أعرف إنِّ راجح كان قريب أوي من والدتك... بس معرفشِ يقصد إيه.. وبعدين إنتي اتولدتي بعد ماجمال مات بسنين، والوقت ده ماكنتش أعرف عنُّكم حاجة... ثمَّ التفتت إلى مصطفى: وقتها طلبت من مصطفى يدوَّر على زين، فاكرة وقتها زين كان مسافر مع زهرة ونورا، يعني معرفشِ حاجة من الِّلي بتقوليه.
تراجعت إيلين للخلف، وكأنَّ كلمات فريدة أعادت لها وعيها المسلوب.
أطلقت ضحكةً قصيرة، وهزَّت رأسها، ثمَّ نظرت إلى آدم:
- يعني عمو جمال، مات قبل مااتولد بسنين، أيوه... صح! افتكرت، لمَّا خالو كان بيقول لماما إنُّه دوَّر عليكو كتير... يعني كده ماما ماخانتش بابا مع عمُّو جمال.
شهقت فريدة بذهول، ثمَّ اقتربت منها وعيناها تتفجَّرُ بالصدمة:
- إنتي بتقولي إيه؟! مين؟! جمال ونورا؟! يعني راجح قالِّك إنِّك بنتِ جمال؟!
قاطعهم ضحكُ إلياس الصاخب؛ ظلَّ يضحكُ بطريقةٍ هستيريةٍ حتى أدمعت عيناه، اتَّجهت ميرال تنظرُ إليه بحزنٍ ممزوجٍ بالوجع...
- معرفشِ بتضحك على إيه ياحضرةِ الظابط؟... قالتها إيلين.
تراجع يهزُّ رأسه، ومازالت ملامحهِ تنطقُ بالتهكُّم، حتى هوى على المقعدِ مشيرًا إلى مصطفى:
- شوفت فُجر أكتر من كدا ياحضرة اللوا؟ دا حتى الموتى ما سلموا منُّه، وحضرتك زعلان على اللي عملته! لا، والدكتورة العبقرية صدَّقته! طيب واحد متخلِّف، إنَّما عقل الدكتور كان في فسحة!
- إلياس، لو سمحت، مينفعشِ أسلوبك دا. هكذا نطقها آدم، بينما خطت إليه إيلين وقالت:
- أنا معرفشِ إيه الِّلي في الموضوع مضحك ياحضرة الظابط... بس اتفضل، علشان تبقى تضحك كويس.
قالتها وهي تُخرجُ ورقةً مطوية من جيبها...
- اتفضل اقرأ دي وقولِّي رأيك.
ألقى الورقة دون أن يفتحها ثمَّ نصبَ عودهِ وتوقَّف أمامها:
- واحد ميت بقاله تلاتين سنة، وإنتي عندك اتنين وعشرين سنة، إيه جابك من تحت القبر؟.
هزَّت رأسها ولمعت عيناها بالدموع:
- أيوة أنا مكنتش اعرف أو ماأخدتش بالي، بس أفهم الكلام دا..
قرأ مابين السطورِ سريعًا ثمَّ استدار لوالدته:
- أروح أقتل الراجل دا، قولي لي أروح أقتله دلوقتي ولَّا أعمل إيه دلوقتي؟.
ثمَّ استدار إلى إيلين:
- وإنتي يادكتورة إزاي تصدَّقي كلام معتوه زيِّ دا؟!.
صاحت ببكاء:
- لأن الورقة مش راجح الِّلي إدهالي، خالو لقيها في حاجات تانية لماما.
هرولت فريدة تختطفُ تقرأُ سطورها بدموعها، رفعت رأسها إلى إلياس:
- أنا مش فاهمة حاجة، إيه علاقة جمال باللي بيحصل؟..
جلسَ مصطفى متمتمًا:
- الراجل المذكور في الورقة يافريدة، ابنِ أخوه هوَّ اللي خطف ولادك..
التفتت إليهِ سريعًا عاقدةً جبينها بجهلٍ من حديثه، توجَّه إليه إلياس متسائلًا:
- وحضرتك عرفت منين يابابا؟!
- زين.. جالي من فترة وكان عايز يربط الأحداث برضو، وأنا عرفت بطريقتي.
ارتجف قلبهِ وهو يردِّدُ السؤال، فتساءلَ بلسانٍ ثقيل:
- يعني... موت بابا كان بسبب طنط نورا؟
- معرفش ياابني.. بس الأهمِّ من ده، ليه راجح اتَّهم جمال بكده؟ هوَّ مش عيل، وعارف إنِّ لعبته باينة.
- أنا هاعرف.. قالها بنبرةٍ صارمة، وخطا خطوتين ولكنَّه توقَّف على صوتِ آدم المتردِّد:
- أنا قابلته امبارح، ياإلياس، وسألته.
التفتَ إلى إيلين، وتجلَّت عيناهُ بالحزن:
- للأسف... هوَّ مصرّ إنِّ عمُّو جمال اتقتل بسبب عمِّتو، وقالِّي: "اسأل طنط فريدة".
تاهت نظراتُ فريدة في الفراغ، وتغوصُ في ماضٍ رفضَ أن يُدفن.
- أنا... معرفشِ حاجة، الِّلي أعرفه إنِّ نورا كانت بتحبِّ واحد اسمه سمير الدمنهوري... وكان له أخ، اسمه عزت.. ده كان عايز يتجوَّزني، بس عمِّي رفض، واتجوِّزت جمال... الموضوع ماأخدشِ حاجة، تذكَّرت شيئًا فاسترسلت:
- عزت كان بيحبِّ نورا، حاول مع عمِّي كذا مرَّة، بس عمِّي ماكانشِ بيحبُّه وسمعته كانت وحشة أوي.
شهقت إيلين، وارتجفَ صوتها كمن اكتشفَ جرحًا قديمًا لم يندمل.
- يعني.. أمِّي كانت بتحبِّ حدِّ تاني؟
- حبيبتي.. إيه الِّلي بتقوليه ده؟ أمِّك دلوقتي بين إيدين ربِّنا...
- خالتو فريدة.. أنا تعبت.. من وأنا صغيرة، وبابا بيعاملني كأنِّ ماليش وجود في حياته، وكنت بسأل نفسي ليه بيعاملني كدا، لوحت بيديها تتراجع بجسدها ودارت عيناها بالمكان بتيه:
- كان بيبصلي كإنِّي غلطة!
هزَّت فريدة رأسها، وارتجفَ صوتها تدافع عن نورا:
- اسكتي يابت، أنا عمِّي ربَّاني على الدين، وعلى الأخلاق.. معرفشِ ليه أبوكي كان بيعمل كده، بس الِّلي واثقة منه... والدتك ما كانتشِ هتخون ربِّنا مهما حصل.
ارتسمت السخرية على وجهِ إلياس، لكنَّها لم تخفِ انكساره..
- ورانيا؟ ماكانشِ عمِّك مربِّيها برضه؟ أنا عايز أفهم... أبويا كان له أية علاقة بعزت وسمير؟
- سمير... تمتمت بها بشرودٍ قائلة: كان عايز يشارك أبوك في شغل.. رفض، بس سمعته كانت وحشة...
هنا، ربط إلياس الأحداث وما فعلهُ عطوة، كأنَّ الماضي القاتم فردَ ذراعيهِ أمامه..
اقتربَ من والدته، وأردف بصوتٍ جاد:
- سمير ده... لو ورِّيتك صورته، هتعرفيه؟
لكن مصطفى قاطعهُ بحدَّة:
- إلياس، ابعد عن الِّلي في دماغك ما تدخَّلشِ والدتك في صراعات.
- صراعات؟! صاح بها إلياس، عيناهُ تشتعلانِ بالغضب.
- حضرتك مش شايف الِّلي حوالينا؟ مش شايف إنِّنا بنغرق؟
ولم يُكمل... إذ قطع صوتُ آدم وهو ينادي باسمِ زوجته، وجسدها يترنَّحُ كأنَّ الحياةَ انسحبت منه فجأة، لتسقط بين ذراعيهِ كدميةٍ فقدت خيطها.
في مكانٍ آخر، وتحت سقفٍ مظلم:
دفع أرسلان الباب بقوَّة، دخل كأنَّه عاصفة، لا هدوءَ فيها ولا رحمة..
جلس على المقعدِ بالمقلوب، وعينيهِ تراقب راجح كصقرٍ ينقضُّ على فريسته.
- إزيك يارجوحة؟ عامل إيه؟
- يارب تكون مستريَّح في ضيافتنا...
لوى راجح شفتيهِ ساخرًا، ثمَّ مال إلى الأمام، مستندًا على الطاولة:
- تعرف؟ أنا بكرهك.. عارف ليه؟ عشان شبه أبوك... شبههُ بالضبط.
لم يحتمل أرسلان تلك الكلمات، فجذبهُ من ياقةِ قميصه، عينيهِ تقدحانِ شررًا:
- صدَّقني... مش هرحمك.
تراجعَ راجح، يحاولُ الحفاظَ على توازنه، وابتسامةً متعجرفةً ترتسمُ على وجهه:
- ولا هتقدر.
- بالعكس... بالعكس ياراجح، جيت تحت إيدي، وأوعدك هدفنك قريب..
- اتكلِّم على قدَّك يابنِ جمال، لأن الِّلي قدَّامك مش أهبل.. وبكرة ولَّا بعده بالكتير هتلاقيني برَّة زنزانتك دي، ومش بس كدا، هطلَّع عليكم القديم والجديد.
توقَّف أرسلان يرمقهُ بتهكُّمٍ قاسٍ، واردف بصوتٍ يقطرُ سخريةً وغطرسة:
- خليك واثق ياراجح… يمكن الوهم دا ينفعك..
تراجعَ راجح خطوة، وعيناهُ تتَّقدُ بتحدٍّ عنيد، كأنَّ الشررَ يتطايرُ منها:
- هات أخرك ياابنِ الجارحي… لحدِّ دلوقتي إنتَ قدَّام الكلّ ابنِ الجارحي، وده اللي مخلِّيك واقف قدَّامي، ماسك نفسك.. إنَّما لو قرَّرت تبقى ابنِ الصيَّاد.. ساعتها هتبوس التراب الِّلي بمشي عليه، ويمكن… يمكن تطلب الرحمة برجلي...
بينا تار
انحنى ارسلان للأمام، يستندُ بمرفقيهِ على الطاولة، وهتف بصوتٍ ينزفُ نارًا مكتومة:
- زي ماقولت بالظبط بينَّا تار… مش جاي أطلَّع منَّك كلام لأنَّك خلاص اتحرقت، ثمَّ أومأ بخفَّة، يتراجعُ ببطء، وصوتهِ ينخفضُ كنذيرِ موت:
- أيوه…بتار. والتار لازم يتصفَّى...
- هنشوف مين الِّلي هيقضي على التاني.. قالها راجح باستخفاف.
قهقه أرسلان وهو يضربُ كفَّيهِ ببعضهما:
- البجح بيهدِّد..
انحنى وغرز عينيهِ بمقلتيه:
- إنتَ بجح ياراجح، وبجاحتك عدِّت الليفيل.
- فريدة عاملة إيه؟.. قالها راجح بعيونٍ متهكِّمة، وفمٍ مزمومٍ ثمَّ تراجعَ بعدما تغيَّر وجهُ أرسلان، وقبل أن يبتعد، كان أرسلان قد وصل إليه في رمشة عين، وكفاه تطبقان على عنقه، وعيناه تشتعلان بجحيمٍ لا يُحتمل، يهتف من بين أسنانه بفحيح شيطان:
- هقتلك… ورحمة أبويا لأقتلك!
اندفع الباب بعنف، ودخل إلياس كعاصفة هوجاء، دافعًا أرسلان بعيد عنه بكل ما أوتي من قوة، وصرخ بانفعال:
- أرسلاااان!! إيه اتجننت؟ ابعِد إيدك!
تهاوى راجح على الأرض يتلمّس عنقه، يسحب الهواء بأنفاسٍ مقطّعة، بينما رمقه إلياس بنظرة باردة كالموت:
- لسه روحك معلّقة يا راجح؟! ربنا لسه ما أذنش… بس قريب، قريب جدًا.
ثم التفت بعنف نحو أرسلان، وقال بنبرة مرتفعة كالسياط:
- اطلع برّة… إنت دخلت من غير إذني، مين سمحلك أصلاً؟!
ركل أرسلان المقعد برجلهِ في نوبةِ غضبٍ مكبوت، وخرج دون كلمة، بينما أطلقَ راجح ضحكةً ساخرةً تخترقُ الصمت:
- إيه؟ ماتتخانقوش عليَّا ياولاد جمال… اهدوا بس.
اقترب إلياس، ودفعَ الكرسي بعيدًا بحدَّة، وأشار نحوهِ بازدراء:
- قوم… مين سمحلك تقعد؟!
ثمَّ صرخ على العسكري:
- خد الكرسي والترابيزة دي برَّة… مش عايز في الأوضة دي ولا مسمار، نزِّلوا درجة الحرارة تحت الصفر، وغرَّق الأوضة ميَّة ساقعة… عايز القرف ده يتحبس في تلج وجحيم.
انحنى إليه بعينينِ تقدحانِ نارًا:
- بقى ياأهبل… تقوّل للدكتورة إنَّها بنتِ جمال؟! دي محتاجة عيِّل مجنون علشان يصدَّقك، مش عاقل.
نهض راجح دفعةً واحدة، واشتعلت عيناهُ بنيرانِ الانتقام:
- أيوه قلت… ليه؟ مش مصدَّقين؟
قهقهَ إلياس كالمجنون، حتى ارتطمَ صدى ضحكتهِ بجدرانِ الغرفة وتزلزلت، ثمَّ دفعهُ فجأةً ليصطدمَ بالحائط، شهقةُ ألمٍ حادَّة انفلتت منه، ليقتربَ إلياس أكثر، وصوتهِ صار كأداةِ تعذيب:
- أبويا الِّلي ميت من تلاتين سنة يخلِّف؟!
سكن راجح لحظة، ثمَّ انفجرَ ضاحكًا بصوتٍ أجش:
- أبوك بقى… وقوّته الخارقة.
دارَ إلياس حول نفسهِ كمجنونٍ فقد عقله، وأناملهِ تحت ذقنه، يهزُّ رأسهِ وهو يقول:
- قوَّة خارقة؟ أيوه عندك حق، ماهو أبويا، يعني لازم يكون كامل متكامل، قالها وتوقَّف يتطلَّعُ إليهِ قائلًا:
- واحد ميِّت، يخرج من القبر يخون مراته اللي هوَّ بيحبَّها، وأخدها منَّك، يخونها مع بنتِ عمَّها… ويخلِّف كمان؟ والأدهى إنَّها متجوزة؟ أصدَّقك؟ طبعًا… عشان خيالك المريض عايش في حفرة عقلك، مفكَّر الرجالة كلَّها زيك، حرام ماهو الِّلي اتعمل فيك بقيت، بترتِّب سينورهات خيالية، إنَّما أخبار جرحك إيه؟.. بتغيَّر عليه؟.
تجهَّم وجهُ راجح، وأردفَ بنبرةٍ وحشية:
- وحياة أمَّك ياابنِ جمال… ماهعدِّيها، لازم أعمل فيك زيِّ الِّلي عملته.
أطبق على عنقه وتحولت عيناه لجمرة نارية:
- اقطع لسانك، اقسم بالله اقطعه من غير مايرف لي جفن، امي دي ملكة متوجة الحقراء اللي زيك ممنوع حتى خيالهم المريض يذكروها..
دفعه بغضب بعدما شحب وجهه، ثم نفض كفيه مع سعال راجح..
توقف يرمقه:
- عم .. انت عم انت، الحيوان ارحم منك.. اللي يعمل في اخوه كدا يبقى الحياة حرام عليه.
- هندمك يابن جمال، والله لأخد حقي، وهعرفك ازاي تمد ايدك علي، حاوط جسده ورمقه مستهزئا، وهعمل فيك زي اللي عملته واكتر كمان، ودا وعد مني.
يضحكَ إلياس باستهزاء، واقتربَ منه، يسجنهُ بينهِ وبين الجدار:
- ومستنِّي إيه؟ أنا قدَّامك… وريني.
شعر ببرودةِ الغرفة، الضبابُ يتكاثف، أشـار إلياس لملابسهِ قائلًا:
- اخلع.
تراجعَ راجح، بعدما تغيرت ملامح إلياس إلى جبروت، ونطق بصوتٍ مبحوح:
- أخلع إيه يامجنون؟!
لطمهُ إلياس بقوَّةٍ أسقطته، وهتافٍ مرعب:
- اخلع هدومك، هعيِّشك كلِّ ليلة في جحيم… علشان تفهم إنِّ جمال خلَّف رجّالة، همسَ بجوارِ أذنه:
- ولسة هعمل فيك أسوأ ماتتخيَّل، كلِّ دمعة نزلت من عين أمِّي، هنزلَّها من جسمك دم..
مرَّر كفَّيهِ على جنبه:
- الكلية شغَّالة حلو صح؟..
تراجعَ راجح ينظرُ إليه بذعرٍ من حديثهِ المبطَّن..
مطَّ إلياس شفتيه:
- متخافش، هسبها شغَّالة شوية، فيه حاجة تانية بفكَّر فيها بس مش هقولَّك.. خلِّيها مفاجأة، قالها بغمزة، ثمَّ صرخ للسجَّان:
- عايزه من غير هدوم.. ونفِّذ الِّلي قولته بالحرف.
تحرَّك بضعَ خطواتٍ ثمَّ عاد، وانحنى نحوه، يحرقهُ بعينينِ تشتعلانِ بالدم:
- سمير الدمنهوري هوَّ الِّلي قتل أبويا علشان طنط نورا.. صح؟! زي ما قالَّك تضحك على البنتِ وتفهَّمها إنَّها بنتِ حرام؟ بس إنتَ وهوَّ أغبى من إنُّكم تحسبوها صح.
ارتجفَ راجح، وتمتمَ بصوتٍ مبحوحٍ برجاءٍ يائس:
- إلياس… طلَّعني من هنا، صدَّقني… هتموت لو فضلت حابسني!
نظر إليه إلياس، يضغطُ بإصبعهِ على صدره:
- أموت؟! علشان حابسك؟
اعتدل، يرمقهُ بنظرةٍ ساخرةٍ ثمَّ خرجَ تاركًا خلفهِ جحيمًا يتوسَّدُ الألم..
بمنزلِ زين..
دثَّرها جيدًا يمسِّدُ على خصلاتها بحنان، استمع إلى طرقاتٍ على بابِ الغرفة:
- ادخل...
دلفت مريم تتطلَّعُ إلى أختها بقلبٍ ينتفضُ رعبًا:
- مالها إيلين ياآدم، ليه جايبها بالشكل دا؟!..
تنهَّد محاولًا السيطرة على آلامِ قلبه التي تنزفُ بسبب ماتعرَّضت له، أشار إلى مريم:
- مريم خلِّيكي جنبها، أوعي تسبيها لوحدها لحدِّ ماأرجع.
أطبقت على ذراعيهِ ورفعت عيناها إليه تتساءل:
- إنتَ مخبِّي عليَّا إيه يابنِ خالي؟.
هزَّ رأسهِ وتحرَّك دون أن ينطقَ بحرف..
بعد فترةٍ وصل إلى منزلِ محمود والدها، فتحت سهام وتوقَّفت تعقدُ ذراعيها على صدرها:
- خير يادكتور، جوز عمِّتك مش موجود ومينفعشِ أفتح لك الباب.
دفعها بغضب حتى هوت على الأرضيةِ أمامه، ثمَّ سحبها من خصلاتها مع صرخاتها:
- أنا اتحمَّلتك كتير، وحاولت أتغاضى وأقول ست، بس إنتي طلعتي بنتِ ستين ك..لب ياحيوانة، فضلتي تملِّي دماغها بالسم، إنتي الِّلي قولتي لها إنَّها مش بنتِ محمود صح؟..
- ااه ..قولتها، ومش بس كدا، الغبية عملت تحليل وانا زورتها، لازم احرق قلبها زي ماامها حرقت قلبي، بسببها اتجوزت ابوها.
- إنت شيطانة..!! قالها بصوتٍ صاخبٍ حتى فزعت تتراجعُ بجسدها وأشارت بسبَّباتها:
- هودِّيك في داهية، إزاي تهجم عليَّا، إنتَ مفكَّر البلد مفيهاش قانون والله..
لم تُكمل حديثها حينما اقترب منها وتناسى أنَّها امرأة وبدأ يلكمها بكلِّ ألمٍ شعرت به زوجته، ارتفعت أنفاسهِ يطالعها بنظرةٍ مشمئزةٍ ثمَّ بصقَ عليها:
- اتحمَّلي اللي جاي يانكرةِ الستَّات، قولتها لك زمان الِّلي يقرَّب من مراتي هدفنه..
قالها وخرج كالماردِ متَّجهًا إلى سيارتهِ وقام برفعِ هاتفه:
- مراتك لو قرَّبت من مراتي هنسى إنَّها ست، أنا عذرتك زمان وقولت حقُّه يعمل اللي بيعمله، بس دلوقتي مابقتشِ بنتِ مراتك، دي مرات آدم الرفاعي..
قالها وأغلقَ الهاتف ودقَّاتُ قلبهِ في تسارعٍ كدقَّاتِ طبولِ حرب.. وبدأ يطرقُ بقوَّةٍ على المقود، قاطعهُ رنينُ هاتفه:
- أيوة ياإلياس؟
- مراتك عاملة إيه دلوقتي؟
- كويسة الحمدُ لله..
سحبَ إلياس نفسًا وزفرهُ ببطئٍ وتساءل:
- إنتَ كنت تعرف الحوار دا؟.. يعني هيَّ قالت أبوها كان بيعاملها وحش و..
قاطعهُ قائلًا:
- سمعت حوارات بس بابا مصدَّقشِ حاجة، بس حقيقي أنا ضايع.. معقول تكون مش بنتِ عمُّو محمود؟..
رد إلياس بهدوء رغم غليان صدره:
- نتيحة التحليل تظهر وكلِّ حاجة هتبان، أنا دلوقتي بربط الخيوط وربِّنا يسهِّل، بدل راجح مش هيتكلِّم يبقى رانيا هتتكلِّم..
عند أرسلان..
وصل إلى مكتبِ إسحاق، دلف إلى الداخلِ وألقى التحيةَ على الحاضرين أمام شاشةِ العرض الضوئية..
أشار إليه إسحاق بالجلوس، ثمَّ واصل حديثهِ بنبرةٍ صارمة:
- دلوقتي فيه كذا شخص مشكوك فيهم، والقبض على راجح هيعمل بلبلة وتخبُّط.. هيحاولوا يقتلوه، خصوصًا إنُّه مأمِّن نفسه كويس، وزي ما قالُّهم: "أنا مابوقعش لنفسي".
تساءلَ أرسلان، وقد بدت الحيرة في عينيه:
- عذرًا ياباشا.. ليه الدول دي بتموِّل الناس دي؟ يعني هيستفيدوا إيه؟
سحبَ إسحاق أحدَ المقاعد وأشار لأحدهم أن يعرضَ شيئًا على الشاشة:
- شوف الخريطة دي وإنتَ هتعرف.. إنَّما المهمِّ دلوقتي مفيش خيط واحد يطلع من المكتب ده.. لازم نعرف الشخص المدَّاري بينهم.. وأنا متأكد إنُّه مش مصري.
ردَّ أرسلان وهو يومئُ برأسه:
- وأنا كمان.
أشار إسحاق إلى الأوراقِ الموزَّعةِ أمامهم:
- كلِّ واحد مهمَّته قدَّامه ياشباب، ناخد بالنا... الحذر، ثمَّ الحذر.
- تمام يافندم.
خرجَ الجميع، إلَّا أرسلان بقيَ جالسًا، يحدِّقُ في الورقة أمامه، ثمَّ زفر بحرارةٍ مشتعلة، رفع رأسهِ وقال بامتعاض:
- وبعدين ياعمُّو؟ حضرتك وعدتني الشغل هيكون جوَّه مصر... ليه غيَّرت كلامك؟
نهضَ إسحاق وربتَ على كتفه:
- علشان ماعنديش غير صقر واحد أقدر أراهن عليه، وأنا دايمًا مطمِّن وواثق فيك.
هزَّ رأسهِ باعتراض:
- عمُّو إسحاق، أنا قولت لحضرتك عايز أعيش في هدوء، أربِّي ابني وإنتَ وافقت، أنا مش مسافر تاني.
ناظرهُ إسحاق بثقل:
- أرسلان، راجح هيهرب، ومفيش غيرك يعرف يلاحقه وده آخر كلام، ومش عايز معارضة... فهمت ولَّا لأ؟
قهقهَ أرسلان حتى اهتزَّ جسده، ثمَّ هدأ فجأةً ونظر إليه بعينينِ تضجَّانِ بالمرارة، ولكن أردفَ إسحاق:
- عارف هتقول إيه... إزاي هيهرب؟ أنا الِّلي ههرَّبه، وساعتها روح قول لأخوك علشان أسجنك مكانه، أنا لازم أحمي بلدي، وعارف ومتأكد إنُّه هيحاول يوصلهم في اللحظة اللي بيخطَّطوا يقتلوه فيها.
- طيب، لمَّا يموت... هستفيد إيه من مراقبته؟
ردَّ إسحاق وهو يشيرُ إليه بالانصراف:
- بعدين هقولَّك... قوم دلوقتي، عندي شغل مش فاضي للرغي.
نهضَ أرسلان وقال بمرارة:
- واللهِ؟! طيب شوف شغلك.
تحرَّك حتى وصل لدى الباب.. ناداهُ إسحاق بصرامةٍ لم تخفَ فيها شفقةً خفيَّة:
- أرسلان، لو إلياس عرف حاجة... وقتها أنا مش هسامحك.
توقَّف أرسلان لحظة، ثمَّ التفتَ إليه وقال بهدوء:
- أنا مش هقولُّه حاجة.. بس هوَّ مش هيسيب حد يقرَّب منُّه.. عمُّو، الراجل اللي بنقول عليه "عمِّنا"... إيده ملطَّخة بدمِّ أبويا، اللي لحدِّ دلوقتي منعرفشِ اتقتل ليه.
ثمَّ أردفَ بهدوءٍ قاتل:
- بعد إذنك ياعمُّو.. قالها وانصرف.
بعد قليل، وصل إلى منزله.. وجد غرام تحملُ طفلهما كالعادة، دلف للداخلِ ملقيًا مفاتيحه، ثمَّ هوى بجسدهِ المُثقل على الأريكة..
وضعت طفلها في مهده، ثمَّ اقتربت منه، عيناها تحتضنُ ملامحهِ المتألِّمة، إذ بدا عليها أنَّه يحملُ ثقلَ الدنيا فوق كتفيه.
جلست مقابلتهِ على الطاولة، تناديهِ برفق:
- أرسلان...!
لم يرد... انحنت ترفعُ رأسهِ التي كان يطمرها بين راحتيه..
عانقتهُ بعينيها:
- حبيبي مالك؟.
تمتمَ بمرارة:
- بابا مات مقتول يا غرام... يعني مش قضاء وقدر.
شهقت، ولمعت عيناها بطبقةٍ كرستاليةٍ أوجعتها، ثمَّ اقتربت منه أكثر وجلست إلى جواره:
- طيب ياحبيبي... إنتَ كنت شاكك، يعني كان وارد ده، ليه الصدمة دي؟
مسح وجههِ بكفَّيه، وزفرَ بقوَّة، ثمَّ هزَّ رأسه نافيًا:
- الشكّ حاجة... والحقيقة حاجة تانية خالص، منكرشِ كنَّا متوقِّعين، بس لمَّا تتأكَّدي.. ولمَّا تكتشفي إنِّ عمِّك شريك في ده... ده وجع ملوش حدود.
سحبتهُ إلى صدرها، تضمُّ رأسهِ إلى قلبها، تتحسَّسُ نبرةَ صوتهِ التي تشي بكسرٍ داخليٍّ حاد.
- طيب حبيبي، ممكن تهدى؟ وإن شاء الله كلُّه هيعدِّي.
لكن دمعة غائرة سالت على خدِّهِ رغمًا عنه.
- أنا تعبان... وواقف في النص، لا قادر أساند شغلي، ولا قادر أجيب حقِّ أبويا الِّلي اتغدر بيه.. الموضوع طلع أكبر من كلِّ توقعاتنا..
عند يزن..
استيقظَ من نومهِ يعتصرهُ صداعًا يكادُ يفتكُ برأسه...
مدَّ يدهِ إلى هاتفِ الغرفة وطلب دواءً وقهوتهِ المعتادة، ثمَّ عاد واستلقى على الفراش، عيناهُ على الساعة، وكفَّاهُ فوق جبينه، محاولًا التماسك..
عاد بذاكرتهِ إلى ماحدث ليلةِ البارحة... فأطبق على عينيهِ بقوَّة، حتى كاد أن يُدمي شعيراتها الدموية..
ظلَّ للحظاتٍ على حاله، أنفاسهِ تتسارعُ كلَّما تذكَّر كلماتها التي ألهبت كيانه، وجعلت من جسدهِ فوهةُ بركانٍ على وشكِ الانفجار..
انتفضَ من مكانهِ فجأة، عندما فقدَ السيطرةَ على غضبه، قاطعهُ طرقًا خفيفًا على بابِ الغرفة..
أمر بالدخول.. دلفت العاملةُ وهي تجرُّ عربةً تحوي طعامهِ وماطلبه...
دقائقَ قليلة ومضت مغادرة، اتَّجه يزن مباشرةً نحو علبةِ الدواء، ابتلع قرصًا سريعًا، ثمَّ حمل كوبَ قهوته، وأشعلَ سيجارته..
خرج إلى شرفةِ الغرفة، جلس على المقعد، وأطلقَ بصرهِ تائهًا في أرجاء المكان..
إلى أن وقعت عيناهُ على فتاةٍ تُشبهها.. تشبهُ معذِّبته، لكن هناك فرقٌ شاسعٌ بين الاثنتين؛ تلك تقفزُ كطفلةٍ اجتازت الامتحان بتفوُّق، بينما تلك.. قد سكن الألمُ ملامحها حتى باتت كتمثالٍ شاحبَ الروح.
تنهَّد وتراجعَ في جلسته، رفع ساقيهِ على المقعد، ونفث دخانَ سيجارتهِ مرَّة، وارتشفَ من قهوتهِ مرَّةً أخرى..
عاد بذاكرتهِ إلى تلك الليلة... ليلةٌ كُتبت بمدادِ النبض، وتوشَّحت باعترافٍ مجنون، حين همست له بحبُّها، وارتمت بين ذراعيهِ عاشقةً حتى النخاع.
يعلم أنَّها لم تكن تمثِّل... لقد أحبَّتهُ حقًّا.. لكن السؤال الذي لا يفارقه: هل يمكن للحب أن يتحوَّل إلى دمارِ قلب؟!.
دقائقَ مرَّت ولم يشعر بنفسه، إلى أن استمعَ إلى رنينِ هاتفهِ ليتناوله:
- أيوه عملت إيه؟
- بص ياسيدي اشتغلت في شركة لرجل أعمال مشهور أوي، ومش بس كدا.. العلاقة بينهم توطَّدت جدًا، لدرجة إنَّها دايمًا معاه وبتروح عنده، الراجل دا أصله مصري بس عايش برَّة ومتجوِّز بنتِ عمُّه ودكتورة، عرفت كمان أنُّه كان صاحب مالك العمري، يعني هيَّ راحت له بعد اتِّفاق من مصر قبل ماتسافر.
- تمام شكرًا لحضرتك.
ظلَّ جالسًا بمكانهِ لفترة، يحدِّقُ بشرودٍ في مشاهدهما معًا، قبضةٌ قاسيةٌ اعتصرت صدرهِ فجأة، التقطَ هاتفهِ دون تردَّد.
- "إلياس..."
كان إلياس يقودُ سيارتهِ عائدًا إلى منزله، قاطعهُ رنينُ هاتفه، رفعهُ وأجابه:
- "أيوة يايزن..."
فرك جبينهِ وسحبَ نفسًا عميقًا زفرهُ بهدوء:
- "عاملين إيه؟ وميرال.. عاملة إيه؟"
قصَّ عليهِ ما جرى، فهبَّ من مقعدهِ مفزوعًا:
- "عمل فيها حاجة؟! ميرال كويسة؟"
- "لأ... أه، هيَّ كويسة، المهم هترجع إمتى؟ لازم تكون هنا قبل محاكمة راجح... جه الوقت الِّلي تظهر فيه إنَّك يزن راجح الشافعي."
تلك الكلماتُ التي يتمنَّى كلُّ ابنٍ سماعها من والده، لم تكن له سوى أصفادٍ من لهبٍ تكبُّله...
أفاقَ من شرودهِ على صوتِ إلياس:
- يزن رحت فين؟!
"معاك ياإلياس... قدَّامي يومين تلاتة.. بس اسمعني كويس.. أنا عايز رحيل ترجع، وترجع نهائي، مغادرة من غير رجعة."
- نعم.. مغادرة، وليه؟!
- مش مرتاح قعدتها هنا.
"إنتَ اتجنِّنت يايزن؟! لا طبعًا، الِّلي بتقوله ده مستحيل.. دي طليقتك، وكلِّ واحد فيكم شاف طريقه."
- أنا عايزها ترجع القاهرة، وبشكل نهائي، دا اللي طالبه منَّك.
"يعني ناوي ترجَّعلها شركتها؟ علشان كده عايزها ترجع، طيب قولَّها؟"
- إلياس، هتساعدني ولَّا لأ؟
صمتَ إلياس وأردفَ بامتعاض:
- يزن، إنتَ رجَّعتها لعصمتك؟!
صاحَ يزن بنفادِ صبر:
- هتساعدني ولَّا لأ؟
توقَّف إلياس بسيارتهِ فجأة، ضرب المقودَ بعصبية:
- يا بني، بصفتك إيه؟ إنتَ ليه عايز تئذيها؟ كلِّمها واتّفقوا... بس مش كده.. بلاش يايزن!
"هتساعدني ولَّا لأ؟"
- لأ! قالها إلياس بنبرةٍ غاضبة، ثمَّ أغلقَ الهاتفَ بعنف.
هوى على مقعده، ثمَّ كوَّر يدهِ بغضب، وما إن رنّ هاتفهِ حتى أجابَ بنفور:
- فيه إيه تاني ..؟
"المدام الِّلي طلبت أعرف كلِّ حاجة عنها... خارجة دلوقتي مع شخص، ياباشا."
أرسلَ له الصورة.. كانت تتحرَّكُ بجوارِ رجل.. نعم، هو ذاتهِ الذي رآهُ معها من قبل.
هبَّ من مكانهِ كالأسدِ الحبيس، ودار حول نفسهِ كالمجنون.. حطَّم كلَّ ما أمامه، يصرخ، يشتعلُ داخله، ثمَّ سقطَ على الأرض، يلهثُ كعدَّاءٍ أنهكهُ السباق..
دقائقَ من الجنونِ الكامل، حتى هدأ أخيرًا.
تناولَ هاتفه، وضغطَ على اسمٍ واحد:
- "أرسلان... طالب منَّك خدمة.. وللأسف لازم تنفِّذها.. من غير أعذار."
بعد يومين.. في فيلا السيوفي، وتحديدًا في غرفةِ إلياس..
استفاقَ على رنينِ هاتفهِ الصاخب، فمدَّ يدهِ بتثاقلٍ وأجاب:
- "إلياس، راجح اتحوَّل للجنايات والمحاكمة بكرة!"
هبَّ واقفًا، كأنَّ صاعقةً أصابته.
- "يعني إيه؟!"
- "معرفش، اتفاجئت زيك."
- "طيب اقفل."
أغلقَ الهاتف ودقَّاتهِ تضربُ صدرهِ بقسوة، تنذرُ بعاصفةٍ قادمة...
تململت ميرال في نومها، وقد أقلقتها حركتهِ المفاجئة:
- "إلياس.. الساعة كام؟"
انحنى إليها، وطبعَ قبلةً دافئةً على جبينها:
- "لسه بدري ياحبيبتي.. نامي، عندي شغل مهم."
دلفَ إلى الحمَّام، وبعد دقائقَ معدودة خرج وأدَّى صلاةَ الضحى بخشوعٍ مرتبك..
ارتدى ثيابهِ سريعًا، وخرج يطلبُ أرسلان من هاتفهِ المحمول:
- "فينك؟"
- "رايح الشغل."
- "هموِّتك، سمعتني؟ وقول لإسحاق مش هعدِّيها على خير!"
بمنطقة راقية
دلف الرجل يشير إليها بالدخول:
- البيت هيعجبك يااستاذة، والباشمهندس يعقوب موصيني عليكي، وسيادة المهندس مش أي حد، علشان كدا البيت دا ميغلاش عليكي.
- شكرا ياعم.. قاطعها الرجل:
- خدامك حسن ياهانم.
- اشكرك ياعم حسن، البيت فعلا شكله حلو ومريح، وعجبني الفيو بتاعه.
- طبعا ياهانم لازم يعجبك، كفاية الجيران اللي جنب سيادتك، تعرفي الجهة الغربية من حديقة المنزل دي تبع مين؟
ضيقت عيناها وتسائلت:
- مين ..؟! شكلهم ناس مهم.
- اومال ياهانم، دول عيلة الألفي، والمكان المحاوط بالحدايق دي كلها والبيوت دي تبعهم، هما ماشاء الله ناس ليهم قيمة وعز، بكرة تتعرفي عليهم هتحبيهم اوي.
- خلاص خلاص ياعم حسن شكرا، ولو احتجت حاجة هكلمك.
- تحت امرك ياهانم .. قالها وتحرك .. بينما ذهبت هي لوالدتها التي جلست بالحديقة تطلع إليها بشرود:
- ماما البيت شكله حلو.
- احنا ليه نزلنا مصر بالشكل دا ياراحيل، ليه اتعاملنا كأننا مجرمين.
استدارت واتجهت تحمل حقيبتها:
- هعرف ياماما، صدقيني هعرف، ويارب ميكونش اللي في بالي ...
باليوم التالي
خرج من مكتبه بعدما هاتفه شريف:
- راجح خرج من السجن تحت قيادة مشددة، متخافش راكان البنداري بنفسه متابع كل حاجة، واحسن ظباط في القضية، وعلى قدر عالى من الشرف والمهنية ...
خطى إلى سيارته وفتحها وهو يتحدث بهاتفه:
- اتمنى مفيش حاجة تبوظ الدنيا، زي ماقولت لك .. كلم ياسين الألفي وعرفه بالوقت، مش عايز لا قبل دقيقة ولا بعد دقيقة، الضربة الحقيقة للكل من هنا.
- ولا يهمك ياالياسو، كله تحت السيطرة، حتى ارسلان معرفتوش حاجة.
- شكرا ياصاحبي... قالها إلياس واغلق مع رنين هاتفه:
-الياس النهاردة محاكمة راجح، ازاي معرفتنيش.
- ميرال ممكن تهدي، مش عايزك تخرجي من البيت سمعتني.
صاحت غاضبة ولم تشعر بدموعها:
- تعرف إن ماما فريدة كانت عنده امبارح، طلبها وراحت مع عمو مصطفى ، ومن وقت ما رجعت وهي قافلة على نفسها، معرفش الراجل دا قالها ايه.. بس اللي متأكدة منه أنه هددها بحاجة علشان سمعتها بتقول لعمو مصطفى، لازم يطلع من السجن، انا مش مستعدة اضحي بولادي.
- اقفلي ".. قالها وقام بقيادة السيارة
وقادهُ الغضبُ إلى المحكمةِ كقنبلةٍ موقوتة..
بعد دقائق ترجَّل من سيارتهِ والنارُ تشتعلُ في صدره، تكادُ الأرضُ تحترقُ تحت خطواته..
لمح راجح ينزلُ من سيارةِ الترحيلات، محاطًا بحشدٍ من الصحفيين، يبتسمُ بثقةٍ زائفة.
ارتدى إلياس نظارتهِ الشمسية، وخطا نحوهِ بخطًا سريعةً غاضبة، لكن راجح سبقهُ بكلماتهِ المتوجِّهة للصحفيين:
- "أيوة، أنا راجح الشافعي، عمِّ الظابط إلياس السيوفي... الِّلي هوَّ في الحقيقة يوسف جمال الشافعي!"
صُعقَ الصحفيون، وتبادلوا النظراتِ المشدوهة، قبل أن يهرعوا لالتقاطِ الصور، كمن وجدوا كنزًا إعلاميًّا.
في تلك اللحظة، وصل إسحاق بسيارته، يرافقهُ أرسلان..
أشار إلى أحدِ الضباط:
- "ابعد الصحفيين فورًا عن إلياس، ودخَّل المتَّهم."
تحرَّك راجح نحو القاعة، لكنَّهُ توقَّف أمام إلياس، وحدجهُ بنظرةٍ ناريةٍ وتحدِّي:
- "وأهو بقولها قدَّام الكل.. حضرةِ الظابط المزوَّر، حبّ يتخلَّص منِّي هوَّ والِّلي عامل أبوه مصطفى السيوفي، الوقور، علشان يضمن مكانة ابنهِ المزوَّر.. زوَّر ولفَّق بلاغات علشان ينتقم لمَّا حاولت أظهر حقيقته."
اندفع جاسر وهو يصرخُ بالعسكري:
- "مين سمحلك توقف؟! يلَّا المتَّهم في مكانه"
ثمَّ اتَّجهَ ناحيةِ إلياس وقد بدأت العدساتُ تتَّجهُ نحوه:
- "حضرةِ المقدَّم، إيه ردَّك على كلام المدعو راجح الشافعي؟"
توقَّف أرسلان في مكانه، مذهولًا من تطوُّرِ الأمور، بينما صعدَ يزن وكريم درجات المحكمة في صمت ثقيل..
دخل الجميعُ قاعةَ المحكمة، وساد السكونُ حين دخلَ القاضي وهيئةِ النيابة..
توقَّف راجح في قفصِ الاتهام، متَّكئًا على حافةِ القضبانِ بابتسامةٍ ساخرة.
بدأت الجلسةُ بعرضِ الأدلَّةِ والشهود الذين استعان بهم راجح... حتى وقفت النيابة لتُقدِّمَ مرافعتها.
نهضُ وكيلُ النيابة، المستشارُ راكان البنداري، ثبَّتَ نظارته، وتقدَّمَ بخطواتٍ واثقة... نظر إلى القاضي والجميع، ثمَّ قال بصوتٍ عالٍ، عميق النبرات:
- "سيَّدي القاضي، حضرات المستشارين، السادة الحضور..."
- "نحنُ اليوم لا نواجهُ جريمةً فرديةً عابرة، بل نواجهُ منظومةَ فسادٍ متكاملة، متجسِّدةٌ في شخصٍ واحد، هو المتَّهم راجح الشافعي."
- "هذا الرجلُ لم يكتفِ بخيانة الدم، بل امتدت يدهِ لتغتالَ شقيقه، وتجعلُ من جسدهِ الطاهرِ جسرًا تعبرُ عليهِ أطماعهِ القذرة.. لقد خانَ الأمانة، خانَ الأخوَّة، خانَ الوطن!"
- "أدلَّة النيابة العامَّة تؤكِّدُ بما لا يدعُ مجالًا للشك، تورُّطهِ في قتلِ المرحومِ جمال الشافعي، عبر تحريضٍ مباشرٍ وتهديداتٍ موثَّقة، وشهاداتٍ تؤكدُ عزمهِ المسبق على التخلُّصِ من شقيقهِ بعدما أثبتَ شقيقهِ تورُّطهِ مع بعض العناصرِ الإجرامية وتواطئهِ ضدَّ الوطن"
- "أمَّا الأعظم، فهو ارتباطهِ بعصاباتٍ دوليةٍ مشبوهة، تعملُ تحت ستارِ التجارة، لكنَّها في حقيقتها خلايا سياسية مموَّلة، تخترقُ الحدودَ وتغذِّي الفوضى، ولقد ثبتَ بالأدلة البنكيَّة والاتصالات تواصلهُ معهم، وتحويلاتٍ ماليةٍ مشبوهةٍ وصلت إليه من الخارج."
- "لقد قادَ هذا الرجل شبكةً كاملةً للإتجارِ غيرِ المشروع، بدءًا من الأموالِ المشبوهة، وصولًا إلى التلاعبِ في السلطة، والتستُّرِ خلف نفوذٍ مزيَّف."
- "إنَّ هذه المحكمة تقفُ اليوم على مفترقِ عدالة، فإمَّا أن ننتصرَ للحق، وإمَّا أن نغرقَ في مستنقعِ الفساد"
- "بناءً على كلِّ ماسبق، تطلبُ النيابة العامة من عدالتكم توقيع أقصى العقوبةِ على المتَّهم، ليكونَ عبرة، وليُطهَّرَ هذا الوطن من دنسِ الخيانة."
- "فالعدل... لا يُستأذن، بل يُنتزع، والقصاص... هو لغةُ الذين أُهدرت دمائهم بغيرِ حق!"
.. قالها راكان وجلسَ بمكانهِ ينتظرُ حكمَ القاضي، وهو يومئُ برأسهِ إلى إلياس الذي ينظرُ بساعتهِ باستمرار..
التفتَ القاضي إلى راجح بعدما صاحَ قبل مرافعةِ محاميهِ الخاص:
- كذب، كلُّه كذب، وأنا هثبت لحضراتكم سيِّدي القاضي إنَّها اتهامات ملفَّقة، لكي يتخلَّصونَ منِّي بعدما ظهرت حقيقتكم الشنعاء.
ساد الصمتُ القاعة... حتى راجح، الذي لطالما تباهى بجرأته، شحبَ وجههِ للحظة، وبدت نظراتهِ كأنَّها تستجدي مخرجًا وهميًّا..
وما إن همَّ القاضي لإسكاته، حتى فُتحَ بابُ القاعةِ على اتِّساعه، ودخلت رانيا الرفاعي تسيرُ بخطًا ثابتة، وإلى جانبها ياسين الألفي..
علت الهمهماتُ في القاعة، وتوقَّف القاضي.
رفعَ المحامي الخاص بإلياس صوته:
- "سيِّدي القاضي، تلتمسُ هيئةُ الدفاعِ من عدالتكم سماعَ الشاهدةِ الأهم... السيدة رانيا الرفاعي، أو تقدر تقول سيادتكم المقتولة."
اتَّجهت الأنظارُ إلى راجح، الذي بدت على وجههِ ملامحَ كمن انسكبَ عليه دلوَ ماءٍ مثلَّج..
بدأ يلهثُ بهلع، وعيناهُ تتابعُ اقترابها.
توقَّف راكان من مقعده، حاملاً ملفاتٍ ثقيلة، وأشارَ إلى الحاجب:
- "قدِّمَ كلِّ الأدلة فورًا.. أوراق وتسجيلات وشهادات خطية.. كلَّها تدينُ راجح الشافعي بلا مواربة"
دي حصل عليها المحامي الموكَّل من قبل إلياس الشافعي، وأرسلان الجارحي، واللي بيأكِّد كلام راجح الشافعي إنِّ الاثنين بالتأكيد لم يُنسبوا إلى عائلتهم الحالية، فلقد تمَّ اختطافهم من قبل تلك السيدة.
رمقَ إسحاق أرسلان بنظرةٍ مملوءةٍ بالغضب، كأنَّ كلَّ شيءٍ خرج عن السيطرة...
- تعالي يارانيا.. قالها القاضي مع دفعِ راجح لبابِ القفص:
- دول خونة سيدي القاضي.
- اخرس يامتَّهم.. نطقَ بها القاضي مع تحرُّكِ رانيا إلى مكانها المخصَّص، مع دخولِ فريدة بجوارِ مصطفى كالطفلِ التائهِ بغيباتِ الجبّ.
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم سيلا وليد
في مواطنِ الظلمِ تنشأ الظلمات... لا ظلامَ الليلِ، بل ظلامُ القلوبِ حين تُطفأ أنوارُ الرحمةِ فيها.
هناك، حيث الحقدُ يُزرعُ في صدورٍ أرهقها الوجع، تنبتُ الشظايا وتتمدد، تخترقُ النبضَ وتفتكُ بما تبقّى من إنسانية.
العشقُ؟!
ذاك الطيفُ الذي تسلّل ذات ضعف، تشبّثَ بروحٍ مكسورة، وظنَّ أن بوسعهِ أن يُرمّم ما انكسر...
لكنه احترق.
لم يصمدْ أمام وهجِ الخيانة، ولا أمام سكاكينِ الغدرِ التي غُرِزتْ بابتسامةٍ خادعة.
تلطّخ الحبُّ بالدم، وارتدى الغلُّ ثوبَ العشق، فصارَ المشهدُ جريمةً مكتملةَ الأركان.
فمن يربحُ هذه الحرب؟
هل تُجدي مشاعرُ القلبِ في معركةٍ تقودها الخيانات؟
أم أنّ الحبَّ حين يُطعَن، يُدفَن دون شواهد؟
توقَّفت رانيا أمام القاضي في قاعةِ المحكمة، وتعالت الهمهماتُ بين الحضور، فاضطرَ القاضي إلى الطرقِ على منصةِ المحكمةِ بقوة:
- هدوء.. ممنوع الكلام.
ثمَّ اتَّجهَ بنظرهِ الحازمِ نحو رانيا متسائلًا:
- اسمِك وسنِّك، وعلاقتك بالجاني؟
صاح راجح فجأةً من مكانه:
- دي شريكتهم ياسيدي القاضي.. اشتراها ابنِ السيوفي.
قاطعهُ القاضي بنبرةٍ صارمة:
- لو اتكلِّمت تاني ياراجح، هزوِّد عقوبتك.
استعادت رانيا بعضًا من تماسكها، ثمَّ همست بصوتٍ مرتجف:
- سيدي القاضي...
ثم دارت بعينيها في قاعةِ المحكمة، فتوقَّفت نظراتها عند فريدة الجالسة بين إلياس ومصطفى، ويجاورهم إسحاق وأرسلان..
ارتجفَ جسدها حين التقت عيناها بنظراتِ إلياس، أمَّا ياسين فقد آثرَ الابتعاد، جالسًا في الطرفِ الآخرِ من القاعة.
- اسمك وسنِّك؟
- أعاد القاضي سؤاله..
- رانيا حسن الرفاعي، 59 سنة، سيدة أعمال.
- علاقتك بالجاني والمجني عليه؟
- مرات راجح الشافعي.
- قولي: "والله العظيم هقول الحق".
صمتت للحظات ومقابلةِ ميرال ويزن إليها بالأمس يشعرها بأنَّها لا تريدُ سوى الموت...
ظلَّت لحظات وكأنَّها لا تشعرُ بما يدورُ حولها..
ليردِّد القاضي مجدَّدًا:
- قولي يارانيا: "والله العظيم هقول الحق".
ردَّت وهي تجهشُ بالبكاء، محاولةً حبسَ دموعها:
"واللهِ العظيم، أقول الحقّ..."
ساد الصمت فجأة، كأنّ أنفاس الحضور قد احتُجزت، وتعلّقت العيون بتلك المرأة التي وقفت كأنها تُخرِج الحقيقة.
بدأت رانيا تسرد، وعيونها تغلي بالدموع، ويداها ترتجفان بين الحروف.
حكت كل شيء... بلا مواربة، بلا اخفاء، فتعالت الهمسات في أرجاء القاعة، توقف راكان عن التدوين، يرمقها بنظرات صارمة، ثم فاجأها بعدة أسئلة سريعة.
أجابته... أجابت كما لو كانت تتطهّر من خطيئة مافعلته.
لكن فجأة، ارتفع صوت فريدة كعاصفة شتوية، وصاحت:
- الست اللي قدامكم دي هي السبب في خطف ولادي!.. على أساس ايه تشهد؟
- إنت مين وبتتكلمي ازاي من غير إذن؟
- فريدة السيوفي، أو الرفاعي بنت عم المتهمة.. انا ام مقهورة.. بنت عمي اللي يعتبر من لحمي ودمي اللي واقفة قدام عدالتكم دي خطفت ولادي.
أشارت بحدة إلى القفص الذي يقف فيه راجح، ورشقته بكلمات انفجرت من فمها كأنها رصاصة:
- والنص راجل دا هو اللي قتل أخوه! هو اللي حرمني من ولادي تلاتين سنة! تلاتين سنة وانا عايشة ومش عايشة! تلاتين سنة وانا بدوّر في وشوش الناس على ملامحهم! تلاتين سنة محرومة من حضنهم... من كلمة "ماما"! جوزي اتقتل غدر من واحد لا يعرف لا أخوّة ولا رجولة، غير في الإسم بس!
ارتفعت شهقتها كطعنة، وواصلت، والصوت من حولها بدأ يضيع وسط دموعها:
- تلاتين سنة يا ناس! تلاتين سنة مانمتش ليلة مرتاحة وانا بدعي ربنا اشوفهم في الحلم. تلاتين سنة وأنا بنده ربنا يرجّعلي ضنايا، وهم بيعيشوا ويتبسطوا على وجعي!
مدّ مصطفى يده ليمسك كفّها المرتجف، وحاول تهدئتها، لكنها انتفضت، وصرخت:
- وفي الاخر عذاب وتهديد، لا والست السبب جاية تشهد دي... تشهد على ايه هي المتهمة الأولى يا حضرة القاضي! بأي حق واقفة هنا تتكلم؟! دي مكانها جوّه القفص، جنب اللي شاركته في الجريمة! دي لازم تتحاكم معاه!
تعالت الأصوات الجانبية، وبدأ الهرج، فنهض إلياس سريعًا، واتّجه إليها محاولًا تهدئتها:
- ماما... اهدّي لو سمحتي!
نظرت إليه، ودموعها تقطر بغزارة، ثم قالت بصوت متهدّج:
- قاللي ماما... سمعتوه؟ قال ماما اللي اتحرمت منها تلاتين سنة! محدش حاسس بالي بحسه لما بسمع حد فيهم بيقولي ماما.. ليه؟ علشان ناس قلبها حجر! ناس بتخطف، وتهدّد، وتقتل، ولسه مش شبعانين وجع! ناس عايش للأذية. ابني... ذنبه إيه يعيش بين الحياة والموت؟ مراته... ذنبها إيه يخطفوها ويشقّوا بطنها وهي حامل؟ علشان ينتقموا مني؟ علشان يفرّغوا حقدهم؟!
صرخت فجأة كأن صبرها انكسر مرة واحدة:
- فين العدل؟! كام سنة سجن تشفي اللي حصل؟! أنا اتسرق عمري... اتدفنت وأنا حيّة... وسنين حياتهم ما تسواش لحظة من وجعي! فين حقهم بهوية غير هويتهم، فين حقهم وابني الكبير عايش معايا تلاتين سنة وانا معرفوش.. فين حق وجعي وانا بين اتنين اموات بين الحيا والموت واقول يارب نجي لي واحد منهم مش عايزة الاتنين.. انا وقفت ادعي ربنا واحد يفضل في حضني ولا لاني افقدهم الاتنين بعد تلاتين سنة وجع فراق.. قولي سيدي القاضي احنا فين.. وزمن ايه اللي الاخ يقتل اخوه ويشرد ولاده، احنا فين لما نكون في بلد قانون والمفروض الراجل اللي كان رجل قانون يعمل في اخوه ومراته كدا. ليه.. كل دا ليه.. حقد.. حسد.. مرض.. طيب الناس اللي بتتأذي دي ذنبها ايه.
صمت القاضي، وصمتت القاعة بأكملها، ولم يبقَ سوى صوت شهقاتها المكتومة.
اقترب منها إلياس من جهة، وارسَلان من جهة أخرى، يحيطانها بذراعيهما كأنهما يحاولان أن يُعيدوا إليها شيئًا من تماسكها المنهار.
- كدا ياماما.. ينفع انهيارك دا.
طافت بنظراتها بين وجوههم ثم التفتت نحو راجح، ونظراتها نار مشتعلة:
- ولادي اهمّ دول يا راجح، شفتهم؟ شفت بيحبوني ازاي؟ عشتوا يومين مبسوطين فوق دمار سنيني! شوفوا فريدة فين... وانتوا فين!
ثم التفتت إلى إلياس، وصوتها خفض، لكنه مغروس كخنجر:
- الست دي برا السجن بتعمل إيه؟ مش قولتلي إنك هتسجنها؟
أخفض إلياس عينيه، وقال بحزن:
- ماما كفاية اقعدي لو سمحتي.
بينما ارتفع صوت القاضي:
- خلاص يا فريدة... مش قولتي كل حاجة؟! وعارفة إن العدل أساس الملك... يبقى استني الحكم اللي خلاكي تستني تلاتين سنة هيخليكي تستني كام يوم.
- مستعدة استنى الباقي من عمري، بس يبعد عن ولادي.
- وانت يارانيا ايه ردك على كلام فريدة؟
صمتت رانيا ولم ترد.
ولكن المحامي الموكَّل من قِبل إلياس وأرسلان قاطعَ القاضي بلطف:
- عفوًا، سيدي القاضي...
اقتربَ المحامي بخطا واثقة، ووضع مجموعةً من الملفاتِ أمام هيئةِ المحكمة قائلاً بنبرةٍ حاسمة:
- بين أيدي عدالتكم مستندات وأدلة تثبت تورُّط المدعوة رانيا الشافعي في جرائم متعدَّدة، أخطرها.. خطفُ طفلين قبل أكثر من ثلاثين عاماً.
ثمَّ تراجع بهدوءٍ إلى مكانه، لتعمَّ القاعة لحظةُ صمتٍ ثقيل، بينما راح القاضي يقلِّبُ الأوراقَ بعناية، قبل أن يرفعَ عينيهِ قائلاً بصرامة:
- إذًا، لسنا أمام شاهدة فقط... بل أمام متَّهمة بالخطف والمشاركة في القتل؟
ردَّ المحامي دون تردُّد:
- أجل، سيدي القاضي.. وبناءً على الشكوى المقدَّمة من السيدين إلياس مصطفى السيوفي وأرسلان فاروق الجارحي، واللذينِ تبيَّن بعد تحرِّياتٍ دقيقة أنَّهما الطفلانِ المخطوفانِ اللذان تم تبنِّيهما ونسبهما إلى عائلتينِ مختلفتين، يتَّضحُ أنَّ المدعوة رانيا كانت على علمٍ تامٍّ بجريمتي الخطف والقتل، بل وشاركت بهما.. وقد ثبت بالدلائلِ القاطعة أنَّهما ابنا المجني عليه جمال الشافعي، وأنَّ ما تمَّ طمسهِ لسنواتٍ بدأ يتكشَّفُ أمام عدالتكم الآن.
أعاد النظرُ إلى الأوراق كأنَّه يبحثُ بين السطورِ عن ذرَّة شك.. لكن الحقيقة كانت صارخة.
طرق بمطرقتهِ بقوَّة على المنصة:
- المحكمة تأمر فورًا بالتحفُّظ على المدعوة رانيا الشافعي لحين استكمال التحقيقات، ويُحال ملفُّ القضية إلى النيابةِ العامة بتهمةِ الخطف، المشاركة في القتل..
ثمَّ التفت إلى راكان:
- وكيل النيابة راكان البنداري... أطالبكم بفتحِ تحقيقٍ موسَّعٍ في كلِّ الأطراف المرتبطة بهذه القضية، خاصَّةً كلَّ من ساعد أو تستَّرَ أو شارك في خطفِ الطفلين وقتل المجني عليه.
تصاعد الهمسُ في أرجاءِ القاعة، بينما علت وجوهُ الحاضرينَ علاماتِ الصدمة، وبعضها دموعًا خرساء لم تجد لسانًا ينطقُ بها.. فالعدالة بدأت تحرِّكُ مياهًا راكدة منذ ثلاثةِ عقود.
خرج الجميعُ من قاعةِ المحكمة بعد قرارِ التأجيلِ لكشفِ بقيَّةِ أركانِ القضية.
تحرّّك إلياس بخطا حثيثة، وعيناهُ لا تفارقُ إسحاق الذي وقف بجوارِ سيارته، يحاول التخلُّصَ من الصحفيين الذين أحاطوا به كالسيل.
اقترب منه بعدما تحرَّر منهم هو الآخر، وتوقّّف خلفه.
استدار إسحاق نحوهِ ببطء، وعيناهُ تخفيانِ خليطًا من الألمِ والخذلان.
تحدَّث إلياس بنبرةٍ ثابتة، لكنَّها تشي بما يثقلُ في صدره:
- سيادةِ العقيد... عارف إنِّ حضرتك زعلان منِّي، وحقَّك.. بس حطِّ نفسك مكاني. كنت هثبت إزاي إن أبويا مات مقتول؟ أوَّل سؤال اتسألته وأنا بقدِّم القضية: "إنتَ صفتك إيه تفتح قضية اتقفلت من سنين؟" كان لازم آخد حقُّه.. وزي ما قلت لحضرتك قبلِ كده.. إحنا هنفضل زي ماإحنا. ووعد منِّي، أرسلان هيفضل زي ماهوَّ عندكم... مش طفل، وأكيد عارف وفاهم.
رفع إسحاق نظرهِ إليه، وعيناهُ امتلأت بظلالِ الماضي:
- أنا كنت عارف ومتأكِّد إنِّ اليوم ده جاي، وعشان كده عملت حاجات ماكنتش راضي عنها ياإلياس، بس قولِّي.. تفتكر هتفضل إلياس السيوفي؟ وهوَّ هيفضل أرسلان الجارحي؟ مينفعشِ نكمِّل كأن الِّلي حصل ما حصلش.
صمت إلياس، ولم يجد ردًا.
في تلك اللحظة، اقترب أرسلان منهما بخطا متردِّدة، بينما تابعَ إسحاق حديثه:
- دلوقتي... هتُنسبوا لجمال الشافعي قبل أيِّ حاجة. وبعد كده، حاجات كتير هتتغيَّر... أوَّلها شغلكم.. يلا، الله المستعان..
اقتربَ خطوة، وربتَ على كتفِ إلياس:
- أنا آسف، بجد.. بس كنت بأدِّي شغلي، والنهاردة بأكِّدلك.. حقَّك وحقِّ أخوك لازم يرجع، وأنا معاكم.. حتى لو ده هيخلِّيني أسيب منصبي. بس أهمِّ حاجة دلوقتي... لازم نعرف مين كان بيصرف على راجح؟ علشان نوقف تسريب مخطَّطاتنا ليهم... فهمت قصدي؟
وصل إسحاق بعد قليلِ إلى فيلا الجارحي، ترجَّل من سيارتهِ بخطا مثقلة، كأنَّ الأرضَ تسحبهُ لا قدميه، وصدرهِ يعلو ويهبطُ كمن يختنقُ بالهواء لا يستنشقه.
دلف إلى الداخل، فوجد طفلهِ يلهو مع مربيَّته، وماإن وقعت عيناهُ عليه حتى هرولَ إليه:
- بابي...
قالها الصغيرُ وهو يرفع ذراعيهِ نحوهِ برجاءٍ طفولي، فانحنى إسحاق يحمله، يغرسُ قبلةً فوق جبينه، وضمَّهُ بقوَّةٍ كأنَّ بين ذراعيهِ طوقَ نجاة.
حضنهِ كان دواءً لروحه، بلسماً لوجعٍ لا يُقال.
اقتربت منه دينا بخطًا هادئة، كانت تعلمُ جيداً ما يعتملُ بداخله.
لم تتكلَّم كثيراً، فقط أشارت للمربية:
- خدي حمزة، جهِّزيه، عنده تدريب سباحة بعد نصِّ ساعة.
- حاضر يامدام، قالتها ومدَّت كفَّيها إلى حمزة.
- يلَّا يابطل علشان نستعدّ للِّيسون.
قبَّل حمزة وجنةِ والدهِ وقال بصوتهِ الطفولي البريء:
- هتلعب مع حمزة بعد الليسون؟
ابتسمَ إسحاق، مداعبًا عنقه، حتى ارتفعت ضحكاتُ الصغير وردَّ عليه:
- هلعب مع حمزة كتييييير أوي.
وأشار بذراعيهِ الصغيرتينِ كأنَّه يرسمُ عدد ألعابهِ في الهواء، ثمَّ هرول إلى المربيةِ مردِّدًا بحماسة:
- أوكييييه... بابي.
جلس إسحاق على المقعد، وهوى بجسدهِ كأنَّ ساقيهِ لم تعد تحملانه.
دنت دينا منه، جلست بجواره، ومدَّت يدها تمسحُ على صدرهِ بحنان، فتحت أوَّل زرٍّ من قميصهِ وهمست:
- خُد نفس، وسيب كلِّ حاجة على ربِّنا... إن شاء الله هيكرمك من عنده.
مسح على وجههِ بقسوةٍ كأنَّما يحاولُ طردَ ما تراكم عليهِ من ألم، وزفر بشدَّة، ثمَّ تمتمَ بصوتٍ مختنق:
- لو قلت لك عايز أقوم أكسَّر كلِّ اللي حواليا علشان أحسِّ إنِّي مرتاح، مش هرتاح.. في حاجة بتخنقني، ورغم كده... كنت متأكِّد إنِّنا هنوصل للنقطة دي.
أخذت كفَّيهِ بين يديها، تملِّس عليها كما لو كانت تداوي ندبة، وهمست كنسمةِ ربيعٍ هاربةٍ من حرِّ القيظ:
- حبيبي.. الحقوق لازم ترجع لأصحابها.. عارفة قدِّ إيه هوَّ غالي عليك... بس افتكر ابننا.. يعني لو ابنك مكان أرسلان، وحصل له كده، هترضى يعيش بهوية مش هوِّيته؟
شهق، كأنَّ جرحًا انفتحَ في صدره، ودمعت عيناه، مسحها بعنفٍ وقال من بين أنفاسٍ محروقة:
- ما هو ابني يادينا!
وأشار إلى يديهِ المرتجفتينِ وأضاف:
- كان صغير أوي أوَّل ماشلته.. حضنه كان حلو، فرَّحني، حسَّسني إنِّي أب... رغم إنِّي عمري ما جرَّبت الشعور ده، ولا حتى حلمت بيه... أنا عشت معاه أكتر ما عشت مع فاروق.. ومعاكي.. دا ابني... ومش قادر أصدَّق إنِّ مفيش حاجة دلوقتي بتربطني بيه.
خرج فاروق بعدما علمَ بوصوله، توقَّف أمامهِ ولسانِ حالهِ يهمسُ بعجز:
- إيه الِّلي بيحصل؟ وإيه كمِّ الصحفيين اللي برَّه دول؟
تساءلَ بها لحظةِ دخولِ أرسلان، يجرُّ قدميهِ بصعوبة، مختنقًا من مواجهةٍ كادت أن تزهقَ روحه.
رفع إسحاق عينيه، والتقت النظراتُ في ألمٍ لا يوصف، شعورًا ممزَّقًا بينهم، وحدهما يدركانه.
ابتلع ريقهِ بصعوبة، وكأنَّ شوكًا مدبَّبًا يغصُّ به، ثمَّ همسَ بصوتٍ متهدِّج:
- آسف يابابا... سامحني، حاولت بس مقدرتش. حقِّ أبويا لازم يرجع... بس مش معناه إنِّي هبعد عنكم، واللهِ دي مجرَّد أوراق روتينية بس.
استدار فاروق ببطء، يتطلَّعُ إليه بعينينِ تائهتين، غير مستوعبٍ ما يقوله.
- أنا مش فاهم حاجة.. ورق إيه وحقِّ إيه؟
نهض إسحاق من مكانه، اقتربَ منه وربتَ على كتفهِ بحنان:
- ولا يهمَّك ياعمُّو، أنا كنت عامل حسابي لليوم ده. حقَّك ياحبيبي، منقدرش نقف قدَّامه، وزي ما قولت لإلياس.. أنا هفضل معاكم. هوَّ أنا عندي أغلى منكم؟
ولأوَّل مرَّة، لم يقوَ على كبحِ عبراته... لتنهمرَ على وجنتيه، كأنَّه طفلٌ فقد مأمنه.
رغم أنَّه يعلم بأنَّ اسحاق يتصنَّعُ التفهُّم، إلَّا أنَّه أكثرُ من يشعرُ به.
طاف فاروق بنظراتهِ بينهما، مرتبكًا:
- أنا مش فاهم حاجة...
حاوطهُ إسحاق بذراعه، وأشار إلى أرسلان بابتسامةٍ هزيلة:
- أرسلان كسب قضية النسب.. وبقى دلوقتي في الدولة: أرسلان جمال الشافعي.
هل شعر أحدكم بذبحٍ بسكينٍ بارد؟
كأنَّ سهمًا مسمومًا اخترقَ صدره.
تمتمَ فاروق بتقطُّع:
- إنتَ بتقول إيه؟!
اقترب ارسلان يتطلَّعُ إليه بوجههِ يظهرُ به مزيجًا من الاعتذارِ والتمزُّق، والأسى.
يصرخُ خلف كلِّ دمعةٍ تسيل.
- آسف يابابا، لو سمحت سامحني.
انتقلت عيناهُ إلى اسحاق الذي تكوَّرت الدموعُ بعينيهِ يطبقُ جفنيهِ ويهزُّ رأسهِ بالأسى، ليدركَ فاروق حديثَ أرسلان.
هنا... سُحِبت الحياةُ من وجهِ فاروق.. وتراجع بجسدهِ منتفضًا، غير معترفٍ بما لفظهُ أرسلان، كأنَّ سهمًا غُرزَ في قلبهِ دون رحمة، ونطقَ بصوتٍ مبحوح، ممزَّق، مكسورَ النبرة:
- يعني إيه؟!
تساءلَ بها في اللحظةِ التي وصلت فيها صفية، تتطلَّعُ إليه بعينينِ كزخَّاتِ المطرِ لاتحتاجُ لكلمات، كانت عيناها وحدهما تتكلَّم.
تطلَّعت إليه بعينينِ طافحةً بالخذلان، والألمِ المتراكم، والرجاءِ المُهدَر، وتمتمت:
ـ يعني كده خلاص؟!.. سنين عمري كلَّها ضاعت!!
ابتسم إسحاق ومازال محاوطًا أرسلان يمسحُ على ظهره:
- إيه الِّلي بتقوليه دا ياصفية، مالواد بيقولِّك مجرَّد روتين، ولسة زي ماهوَّ، مش كدا يالا، أوعى تفكَّر إنَّك كدا خلاص، لا دا أنا إسحاق الجارحي، عمَّك وغصب عنَّك وعن أيِّ حد.. سمعتني ولَّا لأ.
قالها ودفعهُ بعيدًا متراجعًا بجسدهِ يشيرُ إلى دينا بعدما خطا بخطواتهِ التي تشبهُ النيرانَ التي تأكلُ كلَّ مايقابلها:
- دينا أنا فوق لحدِّ ماحمزة يخلَّص تدريبه، هنرجع بيتنا النهاردة.
بمنزلِ يزن..
دلفَ يزن إلى الداخلِ بخطواتٍ متثاقلة، بينما توقَّف كريم عند عتبةِ الباب، مستندًا إلى الجدار، ثمَّ سأل بصوتٍ خفيضٍ مشوبٍ بالحيرة:
- إيه الِّلي المفروض يحصل دلوقتي؟
هوى يزن بجسدهِ المُرهق فوق المقعد، متجاهلًا سؤاله.
في تلك اللحظة، خرجت إيمان من المطبخ، وعيناها تتفحَّصُ الملامحَ المشدودة:
- فيه إيه؟ إيه اللي حصل؟ وفين معاذ؟
أزاح يزن جسدهِ للخلفِ قليلًا، ثمَّ تمتمَ دون أن يرفعَ نظره:
- اعمليلي قهوة ياإيمي، بس في كوباية.
رفعت عينيها إلى كريم الذي اقترب، وأشار إليها بعينيهِ أن تمضي دون أسئلة.
أومأت بخفَّة، وتراجعت إلى الداخل، تحاولُ كبحَ قلقها المتصاعد.
أمَّا كريم، فاقتربَ وجلس إلى جوارِ يزن، يربتُ على ساقيهِ بمحبَّة:
- وبعدهالك يايزن، لازم تفوق شوية، هتفضل كده لحدِّ إمتى؟
اعتدلَ يزن قليلًا، أخرج علبةَ سجائره، أشعل واحدة، ونفثَ دخانها في الهواءِ بصمتٍ ثقيل، وكأنَّ التبغَ وحدهِ يحملُ عنهُ عبءَ التفكير.
نهضَ كريم بهدوء، وتوجَّهَ إلى الداخل، يبحث عنها... عن قلبهِ المتأرجحِ خلف نظراتها.
وجدها تقفُ بالمطبخ، شاردةً أمام إناءِ القهوة، كأنَّ عقلها يحترقُ مع الغليان.
اقتربَ منها بهدوء، ثمَّ طوَّقَ جسدها بذراعيه، لتجدَ نفسها فجأةً بين أحضانه.
انتفضت بذعر، ولامست يدها إناءَ القهوة، فسقطَ فوق الغاز.
وضعت كفَّيها على صدرها، تنهج:
- بسم الله الرحمن الرحيم! ينفع كده؟ خضِّتني، طيب قول "إحم" على الأقل!
اقتربَ منها أكثر، وانحنى يهمسُ بجوارِ أذنها بصوتٍ دافئ:
- ألف سلامة عليكي من الخضَّة.. ياقلب كريم.
تورَّدت وجنتاها بخجل، وابتعدت عن مرمى نظرهِ الذي يخترقُ أعماقها، وهمست بتلعثم:
- كريم... عيب كده، اطلع بره، أبيه يزن يقول إيه دلوقتي لو شافنا؟
لكنَّهُ لم يبال، بل حاصرها بينهِ وبين طاولةِ المطبخ، يحتضنها بعينِ عاشق، وهمسَ بثبات:
- هيقول إيه؟ غير إنِّي بموت في أخته وعايز أخطفها على بيتي دلوقتي.
ضحكت بخفَّةٍ ممزوجةٍ بالخجل، ثمَّ دفعتهُ بعنفٍ حين سمعت صوتَ يزن يعلو من الخارج، فابتلعت ريقها، وبدأت تتحدَّثُ بتلعثم:
- أنا كنت بعمل... أصل هوَّ يعني...
لكن يزن قاطعها، صوتهِ جاف:
- جهِّزي الغدا، خلاص... مش عايز قهوة.
رمقَ كريم بنظرةٍ ذاتَ مغزى، ثمَّ أضافَ بجدية:
- تعالَ ياحبيب، قولِّي عملت إيه في الِّلي طلبته منك؟
خطا للتحرُّكِ للخارجِ إلَّا أنَّه توقَّفَ فجأةً ليسرقَ قبلةً سريعةً فوق وجنتيها:
- أخوكي دا مفتري وهيروح النار.
انتفضَ قلبها بدقَّاتهِ على مافعله، شعرت بتوهُّجِ خدَّيها ليشعَّ بالحرارةِ والاحمرار، ممَّا جعلها تضعُ كفَّيها فوقهِ مرَّةً وتلوِّحُ بكفَّيها فوقهِ لما شعرت بحرارته.
جلست على المقعدِ تحاولُ أخذَ أنفاسها بعدما شعرت بانسحابها تردِّدُ لنفسها:
- يالهوي عليك ياكريم، قليل أدب.
بالخارج..
جلسَ بجوارهِ وعيونِ التحدِّي سيدةُ الموقف، سادَ صمتٌ سوى من نظراتهما إلى أن قطعهُ يزن:
- تدخل لأختي وانا قاعد يالا، مفيش احترام خالص..
جذبَ سجائرهِ ونفثها مثلهِ ثمَّ رفع حاجبهِ وردَّ ممتعضًا:
- أختك ومراتي.
تهكَّمَ يزن وتراجعَ يضعُ ساقًا فوق الأخرى يضربُ عليها ثمَّ رفعَ نظرهِ إليه:
- لا ياأمور، أنا ممكن أطلَّقها فاتلم بدل مانفِّذ تهديدي.
- ولا تقدر تعمل حاجة.
هكذا نطقها كريم.
بطَّل هزار واسمعني كويس:
- عايزك تروح تزور رحيل، وتدِّيها كلِّ أوراق الشركة، خلِّيها ترجع بيتها، وتمسك أملاكها، أنا خلاص أخدت الِّلي عايزه.
- تمام بس هيَّ هتوافق؟.. يعني حتى مرجعتشِ بيتها.
تنهَّدَ متالِّمًا وأردف:
- حاول معاها ياكريم..
بفيلا السيوفي...
دلت فريدة بجسدٍ منهكٍ وقلبٍ يئنُّ بالألم.
ساندها مصطفى إلى أن صعدت غرفتها، وماإن تمدَّدت على فراشها حتى بدت كمن يهربُ من واقعه.
لم تمضِ دقائق حتى وصلت ميرال إلى الفيلا، صعدت مسرعةً تلهث، ودقَّاتُ قلبها تعلو وهي تتلفَّتُ حولها بذعر:
- عمُّو مصطفى.. فين إلياس؟!
توقَّف مصطفى، مستديرًا إليها بعينٍ متسائلة:
- مالك ياحبيبتي بتنهجي كده ليه؟
اقتربت، محاولةً كبحَ دموعها:
- إلياس فين؟ ليه مارجعشِ معاكم؟!
اقتربَ مصطفى من ميرال يطمئنها:
- تلاقيه شوية وييجي، كان واقف مع إسحاق.. زمانه على وصول.
هزَّت رأسها، وأبت عيناها أن تخذلها.. فانهمرت دموعها:
- الأخبار انتشرت في كلِّ مكان، وسائل الإعلام مارحمتناش، وكلام كتير بيتقال علينا... كلِّمه، شوفه فين، مش عايزاه يشوف حاجة من اللي بيتقال.. ده صحابي اتَّصلوا بيّّا وبيسألوني عن الِّلي حصل... وأنا معرفتش أرد!
احتضنَ مصطفى وجهها بين يديه، بنبرةٍ حازمةٍ ومليئةٍ بالحنان:
- ميرال، ممكن تهدي وتبطَّلي عياط؟ عارف إنِّ الوقت ده صعب علينا كلِّنا... بس محتاجك قوية، لازم تواجهي بشجاعة.. أوعي حد يقلِّل من ميرال مرات الياس... سمعاني؟
ضيَّقت عينيها، وتراجعت خطوةً للوراء، تسألهُ بنظراتٍ مرتجفة:
- حضرتك تقصد إيه بكلامك ده؟
التفتَ مصطفى إلى فريدة الساكنة كأنَّها تمثال، ثمَّ أعادَ بصرهِ إليها وقال بهدوء:
- الجلسة الجاية... هتكوني موجودة باسمِ ميرال راجح الشافعي. يعني الكل.. لازم يرجع لأصله.
هزَّةٌ عنيفةٌ اجتاحت كيانها، كأنَّ قبضةً من حديد اعتصرت قلبها، وانحبست أنفاسها حتى شعرت كأنَّ الروحَ تُسحبُ منها ببطء.
ناظرتهُ بنظراتٍ تحملُ ذهولًا صامتًا، كأنَّما ارتطمَ جسدها بصاعقة، فخرج صوتها مبحوحًا، متردِّدًا، يحملُ ما تبقى من عقلها المصدوم:
- حضرتك تقصد إيه؟ مش.. مش فاهمة.
قالتها والصدمةُ تنخرُ في كيانها، وشعرت بشيءٍ ثقيلٍ يجثمُ على صدرها، تلفَّتت بعينينِ مرتجفتين، وتمتمت بشفاهٍ مرتعشة:
- يعني أنا دلوقتي.. هتنسب لراجح؟!
أومأ مصطفى بصمت، دون أن ينبسَّ ببنتِ شفة.
اتَّسعت عيناها في ذهول، ثمَّ هزَّت رأسها ببطء، ترفضُ قدرًا فُرضَ عليها عنوة.
تراجعت خطوةً إلى الخلف، كمن يشعرُ بضيقِ المكان، اتَّجهت بنظراتها تستنجدُ بفريدة، وكأنَّها نجدتها الوحيدة وأردفت بتقطُّع:
- إنتي هتسبيهم يعملوا فيَّا كدا؟!
قالتها بصوتٍ مخنوق، وكأنَّه نصلًا جارحًا:
- أتنسب لمجرم؟! بعد السنين دي كلَّها أكون بنتِ الراجل والستِّ المجرمين دول؟!
شهقت بقهرٍ تهزُّ رأسها:
- لااا... لأ... لأاااااا!
اندفعت كالمجنونة، ودموعها تسبقُ خطواتها، وهي تفرُّ من المكانِ كما لو كانت تفرُّ من عدوٍّ متربِّص.
اعتدلت فريدة فجأة، وقد تجلَّت على وجهها ملامحَ الذعر، شهقاتها تتعالى، وهي تشيرُ لمصطفى باستغاثةٍ دامعة:
- الحقها يامصطفى! البنت ممكن تعمل في نفسها حاجة! آه يابنتي..
دخلت رؤى في تلك اللحظة، بجسدٍ منهكٍ يترنَّح، وملامحها شاحبةً تتساءلُ بخفوتٍ مرهق:
- ماما فريدة، في إيه؟! ومالها ميرال بتجري كدا ليه؟!
أجابتها فريدة بصوتٍ متهدِّج:
- كلِّمي إلياس بسرعة يارؤى، خلِّيه يسيب كلِّ حاجة وييجي حالًا.
في الخارج، اندفعت ميرال إلى سيارتها، قادتها بجنون، لا ترى أمامها.
كأنَّها بنفقٍ مظلمٍ من الألم، رغم صياحِ مصطفى خلفها ومحاولاتهِ المتكرِّرة للاتصالِ بها، لكنَّها لم ترد.
ضغطَ مصطفى على هاتفهِ مجددًا، يحاولُ الوصولَ لإلياس، ولكنَّ الهاتفَ كان مشغولًا.
زفر بقهر، وصرخ في رجالهِ وهو يشيرُ إلى البوابة:
- ورا مدام ميرال بسرعة.
في سيارتها، كانت تنتحبُ بحرقة، شهقاتها تعلو حتى شعرت بأنَّها تختنقُ من شدَّةِ البكاء.
كيف تُسلبُ هوِّيتها بهذه القسوة؟
هل ستظلُّ طوال حياتها تحملُ اسمَ رجلٍ لم تكره أحدًا كما كرهته؟
هل كُتبَ عليها أن تُمحى لتُكتبَ من جديدٍ تحت سطرٍ ملطَّخٍ بالدمِ والخطيئة؟
كانت تقاومُ الحقيقةَ بأسنانِ قلبها، ودموعها لا تنضب، حتى غامت الرؤيةُ أمام عينيها، ففقدت طريقها.
توقَّفت السيارةُ فجأةً بعنفٍ كاد يقلبها على جانبها، وارتجّّ جسدها كلُّه.
صرخت... صرخت بكلِّ الألمِ المكبوتِ في أعماقها، وضربت بكفَّيها على عجلةِ القيادةِ كمن ينهارُ تحت وطأةِ الألم:
- مستحيييييييل!!
قالتها بصوتٍ تزلزلت له السيارة، ممَّا جعلها تشعرُ بمرارةِ القهر.
على الجانبِ الآخر..
جلس بمكتبهِ وسحبَ قلمًا وقام بكتابةِ استقالتهِ مع كلمةِ اعتذارٍ لم توحي سوى بمعنى المرارِ والقهرِ والظلمِ الذي تعرَّض له، دلف إليه شريف وجلس بمقابلتهِ بصمت، ساد صمتٌ ثقيلٌ مشحونًا بغبارِ سجائرهِ الذي اختفى خلفها:
- ناوي على إيه؟.. إحنا مش مرتِّبين للخطوة دي دلوقتي.
رفع عينيهِ إليه وأجابهُ بنبرةٍ مثقلةٍ بكمِّ الألمِ الذي يحرقهُ داخليًا:
- أنا كنت مرتِّب لدا كلُّه ياشريف، أومال ليه القضية اتقبلت، وليه سعيت إنِّ راكان البنداري هوَّ اللي يمسكها.
تفاجأ شريف بحديثهِ ثم تساءل:
- طيب ليه ماكشفتش ورقك قبل المحكمة بدل ماراجح يفضح كدا؟!
تراجعَ بجسدهِ للخلفِ ونفث تبغهِ بهدوءْ مميت ثمَّ قال:
- مين قالَّك مش أنا اللي وصَّلته لكدا، أنا كنت عايزه هوَّ اللي يقول قدَّام العالم كلُّه، يعني هقدِّم قضية زي دي ومعرفشِ أبعادها!! فيه إيه ياشريف.
- معقول ياإلياس!..
قاطعهُ رنينُ هاتفه.
- أيوه يارؤى...
استمعَ إلى أنينها، كأنَّها تبكي، ثمَّ أردفت بتقطُّعٍ مرتجف:
- ميرال... إلحق ميرال...
هبَّ من مكانه، وقد نسيَ تمامًا حالتها بعد أن علمَ بما سيؤولُ إليه الأمر.
جمع أشيائهِ على عجل، وهتف:
- طيب، أنا جاي.. دقايق وأكون عندك.
- ميرال خرجت من البيت، ومش عارفة مالها... وماما فريدة قالت أبلَّغك.
خطا نحو الباب، وصوتُ شريف يلحقهُ بتساؤلٍ حائر:
- إلياس، فيه إيه؟ استنى...
لكنَّه لم يرد، فتح البابَ على عجل، ليجد أحدَ قادتهِ أمامه.
- إلياس.. كويس إنِّي لحقتك، لازم نتكلِّم.
هنا تجمَّد جسدهِ للحظة، مصعوقًا بما قد يُقال، لكنَّهُ تمالكَ نفسه، وهتفَ بثباتٍ متكلِّف:
- أنا كنت جاي لحضرتك أصلاً، بس لازم أمشي حالًا... مسألة شخصية، وإن شاء الله أرجع لحضرتك.
رفع عينيهِ نحوَ مكتبه، وأشار إلى شريف:
- الورقة الِّلي عندك قدِّمها لسيادةِ العقيد ياشريف... آسف يافندم، لازم أتحرَّك دلوقتي.
قالها، وخطا إلى الخارجِ بخطواتٍ تبدو قويَّة، لكنَّها كانت تخونُ حقيقتها.
كان يترنَّحُ في داخله.. يترنَّحُ من الألم، من القدر، من حياةٍ أُجبرَ أن يحياها... والآن، يُجبرُ أن يتخلَّى عنها.
هل هذا عدل؟
مرَّرَ كفِّهِ على وجههِ المُثقل، وتمتمَ في وجوم:
- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم... اللهمَّ كن لي، ولا تكن علي.
أُنهكَ جسدها وتورَّمت عيناها بالبكاء، نزلت برأسها التي آلمتها بشدَّة على المقود وبدأت تبكي بصمت، تذكَّرت زيارتها بالأمسِ لرانيا.
قبل يومٍ واحد... بعد أن علمت بما حدث لإيلين، أصرَّت ميرال على مقابلةِ رانيا.
كانت متيقِّنة أنَّ جميعَ الأجوبة تقبعُ خلف صمتِ تلك المرأة.
دلت إلى مكتبهِ عقب خروجِ أرسلان، واتَّجهت إليه بخطا حاسمة:
- إلياس، هطلب منَّك طلب... وحياة أيِّ حاجة حلوة بينا، مترفضش.
ضيَّق عينيهِ متسائلًا، لم يفهم مقصدها من البداية، لكنَّها اقتربت أكثر، دفعت المكتبَ بهدوء، واستندت عليهِ بظهرها، تُحاصرهُ بنظراتٍ دامعة:
- عايزة أقابل رانيا.. دا طلب من مراتك، مش من صحفية، واللهِ ماهكتب عنها حرف، ومستحيل أعرَّض شُغلك للخطر، بس في أسئلة كتيرة، لازم أسمع جوابها منها.
- إنتي كنتي بتتصنَّتي عليَّا ياميرال؟ عرفتي منين موضوع رانيا؟
انحنت تحتضنُ وجههِ براحةِ يدها، وعيناها تلمعُ بطبقةٍ كريستاليةٍ مرهقة:
- إنتَ تصدَّق إنِّ ممكن أعمل كده؟ أنا سمعتك صدفة.. من يوم مافوقت من العملية، كنت قلقانة عليك، ولمَّا رجعت واتكلِّمت مع الراجل دا، فهمت.. فهمت كنت فين وليه.
سحب كفَّيها برفق، أجلسها فوق ساقيه، وضمَّها إلى صدرهِ قائلاً:
- مش عايز أوجع قلبك على حاجة متستاهلش، قوليلي.. هتستفادي إيه لمَّا تقابليها؟
طبعت قبلةً سريعةً قرب خاصرته، وهمست بنبرةٍ مترجفة:
- لازم أقابلها.. يمكن متفرقشِ معاك، بس تفرق معايا... أرجوك ياحبيبي.
ضمَّها بحنان، وربتَ على ظهرها برقَّة:
- تمام، هخلِّيكي تقابليها... هتِّصل بيزن يروح معاكي.
- وليه ماتروحشِ إنت؟ ليه يزن؟
رفع خصلاتِ شعرها وهو يبتسم:
- علشان إسحاق بيراقبني، وأخوكي الأهبل طليقته قريبة منها، فعادي يروح هناك بحكم إنُّه أخوكي، أمَّا أنا... هثير الشك، ولسَّه محتاج أخلِّيها في الصورة.
- أوعى تكون ناوي تقتلها؟
- خايفة عليها؟
هزَّت رأسها بدموعٍ تنسابُ على وجنتيها:
- أنا مااعرفهاش علشان أخاف عليها، أنا خايفة عليك... خايفة الشيطان يضحك عليك، وتبقى مجرم في نظر ربِّنا.
مرَّر أناملهِ على وجهها، وابتسامتهِ الحنونة لم تفارق ملامحه:
- ماتخافيش، حبيبتي... الحمدُ لله، عندي من الصبر والإيمان مايكفيني للتعامل مع رانيا وراجح.. المهم إنتي... ما تضعفيش.
وضعت رأسها على صدره، ولفَّت ذراعيها حول خصره، هامسةً بخوف:
- أنا مش عايزة غيرك... إنتَ، وماما، ويوسف.. عايزة ميرال جمال الدين اللي الكلِّ بيفتخر بيها، مش عايزة الناس دي في حياتنا، كفاية حرب...وربِّنا ينتقم منهم بكرة.
نهضَ من مكانه، يحملها بين ذراعيهِ ضاحكًا:
- هوَّ أنا قلتلك قدِّ إيه وحشتيني؟
دفنت رأسها بعنقه، وضربتهُ بخفَّةٍ على صدرهِ وهي تضحك.
ثمَّ خرجت من شرودها على رنينِ هاتفها، لتجدَ اسمهِ يضيءُ شاشةَ هاتفها.
ترجَّلت من السيارة، تاركةً هاتفها خلفها، تمضي بخطا متعثِّرة ودموعها تسبقها.
وصلت إلى مكانٍ مرتفعٍ بالمقطَّم، وجلست على حافته.
دموعها تنهمرُ بغزارة، أطبقت على جفنيها، تتمنَّى لو تحرقُ عينيها، تصمُّ أذنيها.
لم تعد ترغب بشيء... سوى الموت.
لوت ثغرها بابتسامةٍ مؤلمةٍ وهي تتذكَّرُ لقاءها برانيا، قبل يومٍ واحدٍ فقط.
وصل يزن إلى منزلِ ميرال بعد أن هاتفهُ إلياس:
"هتاخد ميرال لرانيا، رجعت من يومين حي الألفي.. ياسين موجود وهيطلَّع كلِّ حاجة صوت وصورة."
"مابلاش المواجهة دي ياإلياس.. ممكن ميرال تتعب، ومش لازم تدخَّلها في شغلك."
"لأ، إلياس مالوش دعوة.. أنا الِّلي عايزة أتكلِّم معاها، يمكن أطلع منها بحاجة."
قالتها ميرال بإصرار.
"ولو أذيتك؟" سأله يزن بقلق.
تطلَّع إليهِ إلياس ورد:
"ما تخافش، مش هتعمل حاجة.. وبعدين ياسين هناك، ولو ملقتوش، جاسر موجود.. أكيد عاملين حسابهم.. وانتَ متبعدشِ عنها."
"حاضر... يا رب المشوار يجيب فايدة."
بعد فترة، وصلت ميرال إلى حيِّ الألفي، بعد اتِّصالِ إلياس بياسين.
دلت إلى الداخل... ووجدت رانيا مقيَّدةً بالأصفادِ الحديدية.
رفعت رانيا عينيها، متوقعةً أنَّ الداخلَ هو ياسين، لكنَّها اتَّسعت عيناها بدهشة:
"مروة!" قالتها بابتسامةٍ مشوَّشةٍ ودموعها تسيل.
جلست ميرال على مقعدٍ دون أن تُظهرَ أيِّ اهتمامٍ بردِّ الفعل، ثمَّ قالت بحزم:
"أنا هنا... ميرال السيوفي. هتتكلِّمي معايا، غير كده همشي."
"ماشي ياحبيبتي... إنتي ميرال السيوفي.. عاملة إيه ياقلبي؟ وحشتيني.. أنا طلبت من ابنِ فريدة أشوفك، بس الحيوان رفض!"
هبَّت ميرال من مكانها، وأشارت إليها بتحذير:
"لسانك هيطول على جوزي؟ صدَّقيني، ممكن أموِّتك عادي.. فبلاش أسلوبك القذر دا.. اللي بتتكلِّمي عنُّه دا جوزي... وميش بس جوزي، ده حياتي كلَّها."
ازدادت دموعُ رانيا، وهزَّت رأسها موافقة، ثمَّ همست:
"ربِّنا يسعدك يابنتي... واللهِ من وقت ما عرفت إنِّك بتحبيه، وأنا حاولت أبعدك عن أبوكي."
صرخت ميرال، والقهرُ ينهشُ صوتها:
"أنا ماليش أبهات عندك ياستِّ إنتي!"
اقتربت منها، وانحنت تحدِّقُ في عينيها، وصاحت بهمسةٍ غاضبة:
"نفسي تحترمي نفسك مرَّة واحدة... اعملي حاجة صح في حياتك.. أنا عرفت كلِّ بلاويكي... وكلِّ يوم بكتشف إنِّك أنيل وأنيل.. انتي إيه؟ شيطانة؟!"
شهقت رانيا وأغمضت عينيها:
"مكنتش أقصد... والله ماكنت أقصد كلِّ اللي حصل، بس جريمة جرِّت جرايم."
تنهَّدت ميرال وجلست من جديد.
لحظاتُ صمت، نظرت خلالها إليها باشمئزاز، ثمَّ سألتها:
"هوّّ أنا... بنتك فعلًا؟"
هزَّت رانيا رأسها وقالت:
"وحياة ربِّنا، إنتي بنتي."
"طيب... لو أنا بنتك زي مابتقولي، خلِّيني أحس إنِّك أم فعلًا."
"قولي، وأنا مستعدة أموِّت نفسي علشانك.. نفسي أحضنك يامروة... كفاية هيثم، بلاش تحرميني."
"سؤال واحد، يا مدام رانيا، وعايزة إجابته وبس..."
نظرت إليها مباشرةً وسألت:
"نورا الرفاعي خلَّفت بنت اسمها إيلين... جوزك بيقول إنَّها بنت حرام.. مرَّة قال إنَّها بنتِ عمُّو جمال، ومرَّة تانية قال إنِّ أمَّها غلطت.. ده صح؟ ولو مش صح... ليه بيقول كده؟"
تجمَّدت رانيا، وشحبَ وجهها.
ثوانٍ مرَّت كأنَّها دهر.
ثمَّ همست:
"هتسامحيني لو قلتلك؟"
"احكيلي كلِّ حاجة... من وقتِ ما مامافريدة ولدت إلياس، لحدِّ ماراجح رماكي في البحر."
"طيب... لو قلتلك، هتخلِّيني أحضنك؟"
"قولي الأوَّل، وبعد كده أقرَّر."
"طيب، ماتيجي أحضنك؟ نفسي أشمِّ ريحتك.. حرام."
"آه، حرام.. واتكلِّمي وأنا أقرَّر، مش يمكن تكوني مظلومة وأسامحكم."
انهمرت دموعها كأنَّها تغسلُ بها سنينَ الغدرِ والخيانة.
نظرت إلى ميرال تلوكُ الكلمات، التي تخترقُ قلبها بحدَّةٍ وهي تقصُّ لها كلَّ ماسبقَ ثمَّقالت بصوتٍ متهدِّج:
"أنا حكيتلك كلِّ حاجة...
- أنا ماليش دعوة بجرايم راجح وتعاونه مع الجماعات الإرهابية، ومشاركته في قتلِ عمُّو مصطفى أو غيره، أنا عايزة أعرف ليه عملتوا كدا؟. إيه الِّلي حصل من عمِّو جمال وماما فريدة?.
أزالت دموعها وطالعتها:
- أنا هقولِّك كلِّ حاجة مش علشان إنتي طلبتي دا، لا علشان راجح غدر بيَّا وكان هيموِّتني.
- وليه غدر بيكي وكان عايز يموِّتك؟
صمتت للحظاتٍ ثمَّ ألقت كلماتها:
- علشان خونته، زي ماهوَّ خانِّي..
شهقت ميرال تضعُ كفَّيها على فمها، فلم ترحمها رانيا التي هزَّت رأسها وضحكت بهسترية:
- وجوزك مصوَّرني، وكان بيهدِّدني بصوري.
هنا تذكَّرت ميرال تلك الصور.. فأغمضت عينيها بقهر.
فتحتها على حديثِ رانيا:
- من ساعة مافريدة اتخطبت لجمال، وأنا قلبي بيتقطَّع.. حاولت أفتنه، أغريه، لكن مااتحرَّكش، ولا حتى بصِّلي.. يوم ماطلبت منُّه أتجوِّزه، بوست إيده، وقولت له كلِّ الِّلي في قلبي... لكنُّه ضربني بالقلم، وقال لي: مستحيل أكسر قلب فريدة... دي مراتي، دمعتها عندي بالدنيا، أدبحك وأرميكي في البحر ولا أقهرها علشانك! من بعدها... كلِّ حاجة جوايا ماتت.
"بلعت غصةً في حلقها، ومسحت دموعها بكمِّ قميصها، ثمَّ تابعت: "اضَّطريت أتجوز راجح لمَّا أبويا أصرّ إنِّي أتجوَّز حد من برَّة البلد، وراجح وقتها كان بيمثِّل الحبِّ على نورا علشان أبويا مادياً كويس.. وأنا؟ أنا استغلَّيت النقطة دي.. ضحكت عليه، خلِّيته يصدَّق إنِّي بحبُّه، واتجوزته.. سنتين وأنا شايفة حبِّ جمال لفريدة بيقطَّع فيَّا... غيرتي كانت نار في صدري بتزيد كلِّ يوم.. وفي يوم... جمال رجع مضروب بالنار.. دخل بيتنا ورفض يطلع لفريدة علشان ما يزعلهاش، طلب من راجح يقولَّها إنُّه كان بيدَّرب على السلاح والطلقة جت بالغلط... بس الحقيقة؟ الحقيقة إنُّه لقى شحنة مخدرات في عربيته هوَّ وراجع من البحر، كانوا عارفين إنِّ سمعته كويسة واختاروا عربيته الِّلي بتنقل سمك.. حكى كلِّ حاجة لمحمود.. ووقتها... الفلوس لعبت في عين محمود، وقال له: نساومهم ونكسب، وفي نفسِ الوقت نساعد الحكومة.. جمال رفض، بس محمود جرِّ راجح وراه، وسرقوا المخدرات من عربية جمال... راجح كان ساكت، مابلغش... خلَّى محمود يكلِّم التجَّار بنفسه.. فعلاً، اتَّفقوا معاهم وسلَّموهم الشحنة بعد ماخدوا منهم فلوس.. بس جمال عرف وبلَّغ الشرطة، والشرطة قبضت على الكل... واحد منهم مات في السجن وهوَّ بيحاول يهرب، وأخوه... اتجنِّن، وبعت ناس قتلوا جمال وغرَّقوا مركبه علشان يبان إنُّه مات في حادث."
تغيَّرت نبرةُ صوتها، وصارت أكثرُ قتامة: "بعد فترة عرفوا إنِّ راجح ومحمود همَّا السبب.. خطفوا مرات محمود، الِّلي كانت نورا، والبنتِ دي كانت بتحبِّ سمير دا من زمان.. بس هوَّ انتقم منها... قال إنَّه اغتصبها، ونورا لمَّا عرفت إنَّها حامل، كانت في حالة يُرثى لها."
شهقت ميرال، وقالت بصوتٍ مرتجف: "يعني إيه؟ تقصدي إنِّ أيلين مش بنتِ محمود؟!"
رفعت رانيا عينيها المليئتين بالذنب وقالت: "بنت محمود... آه، بس..."
تردَّدت، ثمَّ أكملت وهي تتهرَّبُ من عيني ميرال: "أنا اللي فهِّمت محمود إنِّ ايلين مش بنته... رغم إنِّي عرفت إنُّه ما لمسهاش.. هوَّ طلب منِّي أخلِّيه يكرهها... خدَّرت نورا، وجبت سمير في سريرها، واتَّصلت بمحمود... وقلت له: مراتك بتخونك.. وهيَّ فرحانة بيه... وهتطلَّقك."
صمتت لحظة، ثمَّ تابعت بصوتٍ مكسور: "محمود طلَّقها، بس رجعها لما عرف بحملها ودا كان وصية ابويا له، ورجعها فعلا بس اتجوز عليها بنت عم الراجل اللي كان بيحبها علشان يقهرها، وأبويا مات ساعتها... بس أنا ماندمتش، لأنِّ كلُّهم قهروني."
رفعت ميرال يدها المرتجفة إلى فمها، وهمست بضياع: "إنتي ورا كلِّ دا؟!"
صرخت رانيا وهي تضربُ الأرض: "علشان تستاهل.. كانت دايمًا شايفة نفسها عليَّا، كلِّ شوية: فريدة ملاك... فريدة أنضف منِّك... ياريتك زيِّ فريدة... جمال بيحبِّ فريدة... بيحميها... حتى نورا خانتني، وهي عارفة أنا بحبُّه! بس فريدة؟ فريدة كانت السبب في كلِّ حاجة..."
زحفت ميرال للخلف، تنظرُ إلى رانيا وكأنَّها ترى كابوسًا لا تريدُ تصديقه، فتابعت رانيا بصوتٍ أكثرُ وحشية: "آه، خطفت يوسف، وقولت لعطوة يقتله أو يبيعه برَّه... بس رماه قدَّام دار، والتاني؟ والتاني عذِّبني كلِّ لمَّا أبص في وشُّه، لأنُّه شبه جمال.. كان لازم أرميه، لازم أنتقم منها..."
صمتت لحظة، ثمَّ قالت بمرارة: "مش أنا السبب... جمال هوَّ السبب، لو كان إدَّاني فرصة، ماكنشِ دا حصل.. بس هوَّ فضَّل فريدة... وأنا قهرتها بعمره الِّلي ضاع... ضيَّعت شرفها الِّلي كانوا بيضربوا بيه المثل، خلِّيت راجح يغتص. بها كلِّ ليلة ومش بس كدا كنت بصوَّرها علشان أذلَّها.. وأضحك كل ما أفتكر كلام جمال أنُّه خايف على دموعها، أنا قهرتها خمس سنين، بعد ماحرمتها من ولادها،
صرخت مقهورةً تشيرُ على جسدها:
- بسببه بقيت ستِّ كلِّ راجل بيحلم يلمس فيها أنوثة مش موجودة عند مراته، كنت بنتقم من نفسي علشان ما فكرش في جمال، علشان أكره الرجالة كلَّها.. علشان أنتقم من راجح الِّلي كلِّ ليلة راجع من حضنِ ست يدوَّر فيه على فريدة، حوَّلته لمسخ ينفِّذ كلامي..
- إنتي مجرمة قذرة.
قهقهت رانيا بدموع:
- أنا فعلًا مجرمة، علشان أنا السبب في إنِّك عايشة في حضنِ ابنِ فريدة، المفروض تشكريني ياستِّ الأستاذة.. لولايَ مكنتيش موجودة دلوقتي.
أنا... أنا أمِّك، سمعتيني؟ ومتفكريش إنِّ اسمِ فريدة هينفعك. هجيبك يابنتِ راجح... هجيبك غصبِ عنِّك.. وهتعترفي إنِّي أمُّك، بالقوَّة لو لزم الأمر!
هربت من أمامها مع صرخاتها:
- إنتي بنتِ راجح الِّلي شارك في قتلِ أخوه، تاجر المخدرات بتاع الكيف يابنتِ رانيا..
خرجت من شرودها تصرخ.
لا، لم تكن صرخة بل كانت نزيفُ روح، كانت، موجوعة، مكسورة، ممزَّقة.
انهمرت الدموعُ بلا توقُّف، تختلطُ بأنفاسها المختنقةِ وكأنَّ كل ذرَّةٍ في جسدها تريدُ موتها.
جرَّت خطواتها بصعوبة وكأنَّها تتَّجهُ نحو حافَّةِ الموت، لا تمشي، بل تائهة بين الحياةِ والموت.
نظرت إلى قاعِ الجبل، كأنَّ الأرضَ تناديها أن تعودَ إليها، أن تتحرَّر من هذا القيدِ المسمَّى "حياة".
وفي خضمِّ عتمتها، تردَّد صوتُ رانيا في أذنها... صوتًا أشبهُ بطعنة:
- "إنتي بنتِ راجح يابنتِ رانيا..."
ثمَّ جاءَ صوتُ مصطفى، بصوتٍ يشبهُ صوتُ القاضي وهو ينطقُ بالحكم:
- "حبيبتي... بعد القضية، كلِّ واحد لازم يرجع لأصله."
هنا، سقطت روحها من قبلِ أن يسقطَ جسدها.
اختنقَ نبضها، وشعرت وكأنَّها تُدفنُ وهي على قيدِ الحياة.
الحياة؟ أيُّ حياةٍ تلك التي تُجبرها أن تنتمي لهؤلاء؟! فلتحترق، وليحترق كلَّ شيء.
صوتُ الفرامل شقَّ الصمت.
لتتوقَّف سيارةُ إلياس.
نزلَ منها كالمجنون، لا يرى شيئًا سوى ظلَّها المتهاوي على شفيرِ الموت.
صرخَ باسمها، صرخةً لم تخرج من حلقهِ فقط، بل من قلبه، من أعمقِ نقطةٍ فيه:
- "مييييرااااال!!!"
لكنَّها لا تستمعُ إليه.
صوتًا واحدًا فقط يتردَّدُ بأذنها.. إنتي بنتِ راجح.
صرخت... وصرخت كأنَّما يُنتزعُ قلبها:
- "لأااااا... مستحيييييل!!!"
قالتها متوقِّفةً تريدُ أن تسلبَ حياتها بيدها.
في لحظةٍ جرَّت قدميها نحو الهاوية، جذبها بقوَّة، وسحبها من على الحافةِ كمن ينقذُ قلبهِ من الانتحار.
سقطت فوقه، لم يشعر بالألم، رغم ارتطامِ رأسهِ بالأرض والدمِ الذي سال، لكنَّه لا يهتم، لم يكن يسمع سوى شهقاتها، وبكاءها المرّ، الكاسرِ لقلبه، ليتحوَّلَ إلى شظايا.
- "سيبني أموت! إنتَ كذاب ياإلياس.. كذبت عليَّا.. وعدتني... وبعتني، ليه ياإلياس؟ ليه رميتني في النار؟!"
ضمها وكأنَّها قطعةً من روحهِ تتلاشى:
- "حبيبتي.. بلاش، بالله عليكي اهدي، ميرال، وجعك بيقتلني، صوتك كدا بيخنقني..."
دفنت وجهها في صدره، لا تبكي فقط، بل تنزفُ عمرًا وأمانًا وخيبة:
همست بتقطُّع:
- "كنت مصدَّقاك... ليه عملت كدا؟ ليه خونتني؟!"
أبعدها برفق، قابضًا على وجهها بين كفَّيهِ المرتجفتين:
- "ميرال.. كدا؟ أنا خونتك؟"
هزَّت رأسها، وتراجعت تمسحُ دموعها بعنف، وكأنَّها تريدُ محوَ كلَّ شيء:
- "رجَّعني البيت... ابني مستنيني.. على الأقل هوَّ الحاجة الوحيدة الحقيقة."
نهضَ يتألَّم، ينزفُ من رأسه، لكنَّهُ قاومَ كلَّ شيء، واقتربَ منها بخطواتٍ ثقيلة:
- "يلَّا نرجع بيتنا... بس أرجوكي متعمليش كدا إنتي مش لوحدك."
تحرَّكت أمامه، صامتة، منهارة من الداخل.
رفع يدهِ ليتحسَّسَ رأسهِ التي بلغت أصابعهُ منها الدم، فاتَّصل بوالدته:
- "ماما، أنا لقيت ميرال... هنبات في بيتنا، ابعتي يوسف مع النانا."
قالها ثمَّ أغلقَ الهاتف، وأسرعَ نحوها، ضمَّها تحتَ ذراعه، كأنَّهُ يريدُ أن يثبِّتها بجانبهِ إلى الأبد.
أشار للرجال:
- "ارجعوا على الفيلا."
فتح بابَ السيارة، جلست بصمت، نظراتها تائهة، كأنَّها ترى العالمَ لأوَّلِ مرَّة.
ركب بجانبها، شغَّل السيارة، لكن قبل أن تتحرَّكَ العجلات، جذبَ وجهها، وقبَّلها.
قبلةً طويلة، عميقة، كأنَّها محاولةً يائسة لتضميدِ الجراح، لإعادةِ الروح.
وهمسَ بصوتٍ مخنوقٍ بالعشق:
- "لمَّا نرجع، هنعاقب بعض... عشان موِّتيني وأنا حي وأنا وجعت قلبك..
رفعت نظرها إليه، بصوتٍ ممزوجٍ بالانكسار:
- "هيكتبوا في البطاقة.. ميرال راجح؟ وهيقولوا ليوسف لمَّا يكبر إنِّ جدُّه إرهابي، وجدته... كانت بتبيع جسمها للرجال؟ وأنتَ؟ هتيجي في يوم وتعايرني؟"
وضعَ إصبعهِ على شفتيها المرتجفتين:
- "أنا عاذرك... ياوجعي، و نار قلبي دلوقتي، يا حبيبةِ إلياس."
اقترب، لامسَ ثغرها بنظراتهِ قبل أن يلمسهُ بشفتيه، وتنهيدةٌ موجعةٌ خرجت منهُ كأنَّها آخر زفير:
- "حبيبتي بترميني بالباطل؟ دا حكم إعدام، ومش مسموحلك... وعقابي؟ لا، مش زي كلِّ مرة.. المرَّة دي... هنسِّيكي حتى اسمك إيه."
وأنا قدَّامك عاقبيني براحتك، اعملي فيَّا مابدالك أهمِّ حاجة جوَّا حضني.
قالها ثم انطلقَ يقودُ السيارة بيد، ويضمَّها باليدِ الثانية.
وقلبهِ كان بركانًا، يشتعلُ في صمت، ينتظرُ لحظةَ الانفجار.
وصل بعد فترة استدار يحملها، وجد ارسلان وغرام بانتظارهما، صعد بها دون النطق بحرف، دثرها بالفراش وطبع قبلة حنونة فوق جبينها.
- ممكن تنامي وتنسي اي حاجة.
أغمضت عيناها دون حديث.
قام بفك حجابها الذي انزلق من فوق خصلاتها، وظل لدقائق إلى أن ذهبت بنومها، جلس على ركبتيه أمام فراشها يمسد على وجهها.
- سامحيني.. بس وعد محدش هيقرب منك وهتفضلي زي ماانت حتى لو كلفني كل حاجة.
قبل وجنتها ونهض متجها إلى الاسفل.
اقتربت منه غرام متسائلة:
- هي عاملة ايه دلوقتي.
هوى على المقعد يمسح على وجهه بعنف ورفع نظره الى ارسلان.
- كانت هتموت نفسها.
شهقت غرام وانسابت دموعها قائلة:
- حبيبتي كتير عليها اوي، لازم تشوف دكتور، المرحلة دي صعبة اوي.
جلس ارسلان بجواره يربت على ساقيه.
- الياس عارف الدنيا ملخبطة، بس مش قدامنا غير أننا ندعم بعض، هخلي غرام معاها.
هز رأسه بالرفض ورد:
- لا.. لا.. مينفعش ابعد عنها خالص، انا اصلا قدمت استقالتي، كدا كدا الدنيا مابقتش زي الاول.. ومتأكد من راكان هيسرع المحاكمة.
- ربنا يسهل.. طيب احنا هنمشي علشان نطمن ماما، كانت قلقانة عليها، علشان كدا كلمتني.
اومأ له ثم قال:
- ابعت غادة واسلام، انا عارف الاتنين دول هيخرجوها، وانا هشوف دكتور بكرة إن شاءالله.
بعد فترة صعد اليها وجدها مازالت غافية كالذي يتهرب من الحياة بنومه، جلس لبعض الوقت.
قاطع صمته رنين هاتفه.
- أيوه ياادم.
- الياس التحاليل ظهرت.. ايلين بنت عمو محمود يعني التحاليل بتاعة زمان كانت مزوة.
- عرفت ياادم.. المهم دلوقتي عرف الدكتورة.
- ربنا يسهل انا دلوقتي رايح اشوف بنت عمتي وهي هناك هكلمك بعدين.
تمدد جوارها بثايبه ثم جذبها إلى أحضانه ليغمض عيناه ذاهبا بنوم عميق.
صباح اليوم التالي.
استيقظ على صوت ضحكات ابنه بالخارج.
هب من نومه يبحث عنها كالمجنون.
هبط سريعا الى الاسفل يبحث عنها وجدها تجلس بأحضان فريدة يجوارها غادة واسلام.
اقترب منهما بهدوء بعدما تنهد براحة.
توقف اسلام يجيب على هاتفه.
فجلس مكانه ملقيا تحية الصباح وعيناه عليها.
ردت فريدة التحية تهز رأسها بعدما شعرت به.
نظر إلى ما تحمله فرفعه ينظر إليه.
- ايه دا.
ابتسمت غادة وتمتمت:
- هدية لميرو، عيد ميلادها الاسبوع الجاي، فقولت اجبلها هدية علشان اكون سباقة.
رفع حاجبه ساخرًا:
- هو ليه بتحسسيني انك جايبة لخطيبك، دبدب احمر، هو فيه حد لسة بيعمل الهبل دا.
رمق تلك الصامتة واستطرد:
- دي تجبلها بدلة رقص، اصلها بتموت في الهز.
شهقت فريدة تلكمه بخفة:
- ايه اللي بتقوله دا يابني.
صفقت غادة وارتفعت ضحكاتها.
- "اوووه اوووه .. أبيه إلياس بيقول بدلة رقص وهز، بركاتك ياميرو".
انحنى يهمس لها:
- مش صح ولا بتبلى عليكي.. طب بذمتك مش نفسك في بدلة رقص.
اقترب اكثر وهمس بخفوت مما لمست شفتيه أذنها.
- والله لاجبها واقعد للصبح.
احتضنها بعينيه ليرى ردة فعلها، اعتدلت تحتضن ذراعه.
- الياس عايزة اروح اعمل عمرة، تفتكر ربنا غضبان عليا علشان كنت بلبس وحش وبخرج بشعري.
رفع نظره لوالدته التي ربتت على ظهرها:
- حبيبة ماما مش انتي دلوقتي غيرتي كل حاجة، ربنا غفور رحيم، ليه بتقولي كدا.
لم ترد ولكن ظلت عيناها متعلقة به.
توقف مستئذنّا من والدته.
- بعد اذنك ياماما.. هخرج مع ميرال مشوار ساعة، خلي بالك من يوسف.
بعد عدة أيام، وفي الموعد المقرر لمحاكمة راجح ورانيا، توافد الحضور إلى قاعة المحكمة التي اكتظت عن آخرها، وتوجه المتهمان إلى قفص الاتهام تحت حراسة مشددة.
ارتفعت الهمسات بين المقاعد، قبل أن يسود الصمت التام مع دخول هيئة المحكمة.
وقف الجميع احترامًا، ودلف القضاة بزيّهم المهيب، وعلى وج
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل الخمسون 50 - بقلم سيلا وليد
توقَّفت لثوانٍ تستجمعُ أنفاسها وتابعت:
في الوقت دا بابا تعب، واضَّطريت أدخَّله المستشفى.
وقتها جوز خالتو بدأ يضغط عليَّا علشان أتجوِّز ابنه غصب عنِّي.
وكان اتَّفق مع دكاترة وممرِّضين يسمِّموا دوا والدي.
لحدِّ مافقد الحركة خالص وهوَّ بدأ يستولي على كلِّ حاجة.
ولمَّا عرف بابا نيِّتهم، كتب كلِّ حاجة باسمي قبل مايموت.
في الوقت ده، طلب من الشخص الِّلي أنقذه يساعدني ويوقف جنبي.
وقتها بابا شافه راجل ويُعتمد عليه.
قرَّب منِّي، واستغلِّ خوفي وضعفي، ومدّ إيده وقالِّي: نتجوِّز علشان أقدر أحميكي.
لمَّا خلاص جوز خالتي اتحكَّم في كلِّ حاجة، حتى أنا خوفت منُّه ونقلت بابا مستشفى خاصة متأمِّنة حفاظًا عليه.
ولمَّا الشخص دا ظهرلي شوفت فيه الرجولة والحنيَّة، للأسف صدَّقته واتجوِّزته.
ولمَّا بابا مات، واكتشفت إنِّ جوز خالتو حاول يقتلني كمان، فنقلت كلِّ أملاكي باسمِ جوزي.
عمل إيه؟.. راح خطف أخته وهدَّده يايطلَّقني وأتنازل ياأمَّا يقتلها.
وفعلًا هوَّ طلَّقني وقتها.
لكن معرفتش أرجَّع مالي ومال أبويا، رغم إنِّ جوزي رجَّعني لعصمته تاني.
أطبقت جفنيها والماضي يتدفَّقُ إلى عقلها كشريطٍ سينمائي لا يعرفُ التوقُّف.
مشاهدَ متلاحقة تنهشُ قلبها.
حاولت أن تصمدَ أمام العاصفة، لكنَّها كانت أضعفُ من أن تقاوم، فتسلَّلَ صوتها واهنًا، غاضبًا:
وقتها اكتشفت إنِّ الراجل اللي إدِّتله ثقتي الكاملة، كان واخدني كوبري علشان ينتقم من راجح نفسه.
يعني راجح أذاني وموِّت بابا في الأوَّل وطلَّيقي، دمَّرني بسببِ الانتقام.
اتجهت إلى يزن ووقفت أمامه تشير إليه.
الباشمهندس يزن السوهاجي، اللي كلنا عارفينُه كدا، مش كدا ياباشمهندس.
قالتها وعيناها ترمقها بنظرات كالسهام المسمومة.
تمتم بخفوت وهو ينظر إليها:
ايه اللي بتقوليه دا.
تراجعت بنظراتها للقاضي واستطردت:
عايزة أعرف ليه كلِّ الغلِّ والحقدِ دا.
بابا ذنبه إيه يموت بالغدر.
أنا ذنبي إيه أكون صراع بين راجل عديم الأخلاق وراجل عايز يجيب حقُّه على وجعي.
صمتت تسحبُ نفسًا ثمَّ أشارت على المستندات:
الإثباتات اللي بين عدالتكم تثبت إنِّ راجح الشافعي هوَّ المتَّهم الأوَّل في قتلِ والدي وكمان فيه شاهد بيشهد بكدا.
اتَّجهت بنظرها إلى طارق تشيرُ إليه.
قصَّ طارق كلَّ مافعلهُ والدهِ منذ أن شبَّ على الدنيا.
اتَّجه القاضي بنظراتهِ إلى النيابة:
هل لديكم شيئًا تريدونَ إضافته؟
نهضَ راكان من مكانهِ ونظراتهِ مشتعلة، وهتفَ بصوتٍ جلجلَ القاعةِ كالسيفِ حين يُشهرُ للقصاص:
وهل هناك مايضافُ أبشعُ ممَّا قيل سيَّدي القاضي؟!
هل هناك ما يُقالُ بعد هذا السردِ المؤلم؟!
هل هناك ما يُضافُ أوجعُ من أن تُغتالُ البراءةِ على يدِ أقربِ الناس؟
أن تُسلَب فتاة أمانها، وأبيها، وحتى كرامتها، تحت سطوةِ الطمع والخيانة؟!
هذه الفتاة..لم تُولد لتُحاصر بالخوف، ولا لتُجبَر على زواجٍ مفروض، ولا لتُشاهد والدها يُسقى السمَّ قطرةً قطرة، حتى يسقطَ صامتًا، مُقعدًا، ثمَّ ميتًا!
صمتَ للحظات وبأنفاسٍ مرتفعة أكمل بصوتهِ الغاضب، من يستمعُ إليه يشعرُ بأنَّهُ يريدُ أن يحرقَ راجح:
هذه الفتاة لم تُخلق لتقفَ في مهبِّ العاصفة، يُهدِّدها ذوو القربى، ويستغلَّها مَن ظنَّت فيه الحماية.
أشار بيدهِ وقال:
لمن تلجأ إذن بعدما خانها المقربون؟!
وغدرَ بها من كانت تظنُّهم أمانها.
لمن تلجأ إذن بعدما أصبحت وحيدة في دنيا لم يظهر منها سوى الطمع والحقد؟!
سيِّدي القاضي، السادة المستشارين:
إنَّنا لا نقفُ أمام جريمةٍ واحدة ياسيِّدي، بل أمام سلسلةٍ من الجرائمِ الممتدَّة:
ابتزاز، وتسميم، واستغلال، وخيانة وصاية، وقتلٍ مع سبقِ الإصرار والترصُّد.
لا نتحدَّث عن مجرمٍ عابر، بل عن ذئبٍ في ثوبِ قريب، عرف متى يغرسُ أنيابه، ومتى يَسحبُ يدَهِ مدَّعيًا البراءة.
سيِّدي القاضي...
هذه القضيةُ الأخرى ليست فقط عن مَن قتلَ الأب، بل عن مَن أرادَ اغتيالِ الابنةِ نفسيًا وجسديًا، مَن حوَّلها لرهينة، وجعلَ منها سلعةً تُساوَم، وزوجةٌ تُباعُ وتُطلَّقُ تحت فوهةِ التهديد.
وبناءً على ذلك فأنا هنا لكي أطالبكم باسمِ العدالة، وباسمِ كلِّ فتاةٍ وجدت نفسها في موضعِ هذه الضحية، أن يكون الحكمُ صرخةً في وجهِ كلِّ من تجرَّأ على أن يُراهنَ على صمتنا في القصاص، ولا شيء غير القصاص.
أولًا: قتلُ أخيه.
ثانيًا: خطفُ أبناءِ أخيهِ وتعذيبِ زوجةِ أخيه.
ثالثا: الشروعُ في القتلِ أو محاولةِ القتلِ المتعمَّدِ وهذا مانتأكَّدُ منه فيما بعد.
وأخيرًا، ليس آخرًا سيدي القاضي، فالمتَّهم له من كلِّ جريمةٍ نكراء توعية تهديدُ وإرهابُ الأمنِ القومي والوطني للبلد وهذا ماسيحاسبهُ عليهِ المختصُّون.
شكرًا سيِّدي القاضي على سعةِ صدوركم.
هنا توقَّف القاضي لحكمِ المداولةِ لدقائقَ معدودة.
وبدأ الحضورُ في ترقُّبٍ تام، وأصبحت العيونُ مشدودةً نحو منصَّةِ القضاء، حتى دوى صوتُ الحاجبِ في أرجاءِ القاعةِ بصوتهِ الجهوري:
محكمة.
نهضَ الجميعُ ودخل القاضي بخطواتٍ ثابتة، يرافقهُ مستشاراه، يجلسونَ خلف منصَّةِ العدالة، ونطقَ القاضي بصوتٍ خرجَ هادئًا، في بادئِ الأمر، ورغم ذلك إلَّا أنَّه يحملُ رهبةَ القانون:
بعد الاطِّلاعِ على أوراقِ الدعوى، وسماعِ أقوالِ الشهود، ومرافعةِ النيابةِ والدفاع، واستنادًا إلى المادة (...) من قانون العقوبات، وبرقمِ القضية (...)، حكمت المحكمة حضورياً بما يلي:
عمَّ الصمت، وأنفاسُ المذنبين تكادُ تُسمع.
ليواصلَ القاضي بصوتٍ حازم، وعينا راكان على إلياس وإسحاق، فنطقَ القاضي أخيرًا قائلًا:
أولًا: بالنسبة لقضيةِ المجني عليه جمال علي الشافعي، فلقد حكمت المحكمة على المتَّهم راجح علي الشافعي بتحويل أوراقهِ للمفتي.
أي بإجماع الآراء بمعاقبتهِ بالإعدامِ شنقًا حتى الموت عمَّا أُسندَ إليه من جرائم.
ثانيًا: الحكمُ على المتَّهمة رانيا إسماعيل الشافعي بالسجنِ المؤبد لمدَّةِ خمسٍ وعشرينَ عامًا.
ثالثًا: إلزامُ المتَّهمين بدفعِ كافَّةِ مصاريفِ الدعوى.
صمتًا ثقيلًا ثمَّ همهماتُ اعتراضٍ على الحكمِ إلى أن طرقَ القاضي بمطرقته:
وقال رُفعت الجلسة.
دوى صوت الطرق كالرعدِ في القاعة.
تهاوت رانيا على المقعد، شهقتها تعلو، بينما تجمَّدت ملامحُ راجح في صدمةٍ لا يملكُ لها تفسيرًا.
وحدهِ صوتُ الحاجب يعلنُ النهاية.
اتَّجه بنظرهِ الى فريدة التي حاوطها مصطفى بين ذراعيهِ بعدما ارتجفَ جسدها.
أجلسها بهدوءٍ وأزال عبراتها:
فريدة ممكن تهدي.
لكنَّها لم تستمع إليه، كلَّ ما تراهُ وتسمعهُ صوتُ زوجها الراحل الحنون بوداعها.
انسابت دموعها رغمًا عنها تهمهم:
حقِّي رجع، وحقِّ ولادي وجمال رجع يامصطفى، أحمدك يارب.
وصلَ إليها أرسلان يتطلَّعُ إليها بألمٍ ثمَّ انحنى يساعدها على الوقوف:
ماما حبيبتي قومي يالَّه الكلِّ خرج، هتفضلي قاعدة كدا.
رفعت عينيها الباكية تهمسُ إليه:
حقِّنا رجع ياأرسلان، حق دموعي ووجعي عليكم وعلى والدك رجع، حقِّ قهرتي وأنا مش عارفة أزور قبر أبوك رجع، حقِّي رجع.
لازم أفرح بس كأنِّ الدنيا مستكترة فيَّا الفرحة علشان ميرال، قولِّي هنعمل إيه، هسبها تضيع من إيدي.
يعني مكتوب عليَّا دايمًا أختار بين وجعي وبين ولادي، بنتي بضيع في الوقت الِّلي حقِّي رجع.
أفرح إزاي؟!
ساعدها مصطفى على الوقوف وحاوطَ جسدها يشيرُ إلى أرسلان بعينيه:
مش عايزين صحافة ودوشة، شوفلنا طريق نمشي منُّه.
التفتَ يبحثُ عن إلياس وتساءل:
فين إلياس؟
أشار إلى الداخلِ وأردف:
دخل مع عمُّو وراكان للقاضي علشان موضوع النسب وهوية ميرال.
هنا توقَّفت فريدة تنظرُ إليه بتساؤل:
مالها ميرال، إلياس ناوي على إيه؟
سحبها وتحرَّكَ متَّجهًا للخارجِ وقلبهِ ينتفضُ من الألمِ على مايحيطُ به ثمَّ قال:
مفيش يافريدة، إنتي ناسية إنَّها دلوقتي مينفعشِ تتنسب باسمك وكمان إلياس باسمك.
توقَّفت ترمقهُ بجهلٍ قائلة:
مصطفى، ميرال مثبَّتة باسمِ جمال الدين، وفريدة نور الدين.
إيه المشكلة وكمان إلياس واخد اعترافات كاملة من راجح بالتنازل عنها.
تنهيدةٌ مؤلمةٌ حتى شعر بأنَّها تخترقُ داخله، فردَّ بنبرةٍ تحملُ مايكفي من آلامِ مايشعرُ به:
دا كان في الأوَّل وهوَّ بيهدِّده بجرايمه، معرفشِ إيه الِّلي ناوي عليه.
بالخارج توقَّف أمامها، يشعرُ بانهيارِ حياتهِ وهويَّته.
تقابلت النظراتُ بصمتٍ ممزوجٍ بعتابٍ مؤلمٍ إلى أن قطعهُ يزن:
ارتحتي، أخدتي حقِّك منِّي؟
عقدت ذراعيها فوق صدرها وهربت بأنظارها عن مرمى عينيهِ وتحدَّثت:
حقِّي عندك كبير أوي ياباشمهندس.
عادت تنظرُ إلى مقلتيه:
لو بتتكلِّم عن حقِّي النفسي فدا للأسف مش هتقدر ترجَّعه، هتقدر ترجَّع قلبي الِّلي كسرته، هتقدر ترجَّع ثقتي في الناس.
هتقدر ترجَّع رحيل الِّلي إنتَ دفنتها بالحيا؟
اقتربَ خطوةً منها وحدجها بنظرةٍ لا تعلمُ ماهيتها:
جت لك ومدِّيت إيدي وقولت نمسح الماضي علشان بحبِّك، بس إنتي النهاردة طعنتيني قدام الناس كلَّها.
اقتربت هي الأخرى خطوةً ورفعت عينيها تغرزها بمقلتيه:
صدَّقني مش حاسة إنِّي أخدت حقِّي منَّك يايزن، لمَّا تحس بكسرةِ القلب والغدر وقتها بس هاخد حقِّي.
اقتربت خطوةً أخرى ولم يفصل بينهما سوى أنفاسهما:
وعد من رحيل العامري يابنِ راجح الشافعي إنِّي لأقهرك وأغدر بيك.
قالتها ودفعتهُ بعيدًا وتحرَّكت دون حديثٍ آخر.
ظلَّت عيناهُ عليها إلى أن اختفت من أمامه.
اقتربَ كريم وعيناهُ على ذهابِ رحيل.
إيه الِّلي حصل بينكم، قالت لك إيه وإنتَ قولت لها إيه؟
ممكن نمشي من هنا.
مش عايز أتكلِّم في حاجة.
بفيلا الجارحي.
جلست صفية على مُصلَّاها بعد أن أنهت فرضَ ربَّها، وبدأت تُسبِّحُ والدموعُ تنسابُ من عينيها.
لم تكن ترى أو تسمعُ شيئًا سوى طيفِ فلذةِ كبدها، منذ أن حملتهُ رضيعًا وحتى هذا اليوم.
دلت غرام إلى الغرفة برفقةِ ملك، تحملُ كوبًا من العصير، وضعتهُ بجوارِ والدتها، ثمَّ جلست تشيرُ إلى ملك قائلة:
ملوكة، ممكن تقولي لمامي إنِّ بلال زعلان منها علشان ماسألتشِ عنُّه؟
توقَّفت صفية عن أذكارها، ومسحت دموعها قائلة:
هوَّ فين؟
إنتوا جيتوا إمتى؟
استدارت غرام وجلست أمامها، وقالت بنبرةٍ عاتبة:
ما هو لو حضرتك خرجتي من أوضتك، كنتي زمانك سمعتي صوت عياطه برَّه.
ابتسمت صفية من بين دموعها وقالت:
استنِّيتكوا إمبارح ومجيتوش، فقلت خلاص مش هتيجوا النهاردة.
زمَّت غرام شفتيها بتدلُّل وقالت:
لأ، أنا كده أزعل.
أفهم من كده إنِّ حضرتك بتطرديني؟
ارتفعَ نبضُ قلبِ صفية بالحزن، فردَّت بنبرةٍ متقطِّعة:
بس أنا مش لاقياكم زي الأوَّل يابنتي.
احتضنت غرام كفَّيها بين راحتيها وقالت:
ماما، حبيبتي، ستِّ الكل.
واللهِ ماعرفناش نيجي إمبارح علشان ميرال كانت تعبانة أوي.
قافلة على نفسها ومقاطعة الكل، حتى ابنها مابقتشِ تهتمِّ بيه.
إلياس كلَّم أرسلان علشان يخرَّجها من حالتها دي، خصوصًا بعد ما رفضت تشوف الدكاترة.
شعرت صفية بالحزن، فتمتمت:
الله يكون في عونها.
الموضوع مش سهل.
كلِّ واحد فينا شال وجع فوق طاقته.
قاطعتهم ملك التي تشعرُ بالحزنِ والألمِ معًا على ماصار قائلة:
ماما حبيبتي، هوَّ ليه حضرتك بتحسِّسيني إنِّ أبيه أرسلان اتبرأ منِّنا خلاص ومبقاش يجي؟
تاهت بنظراتها وعيناها تدفعُ الدمعَ بالدمعِ كلَّما تذكَّرت ماصار، ارتجفت شفتيها كحالِ جسدها من شهقاتها:
مبقاش ابني ياملك.
ضمَّتها ملك وبكت على بكائها:
حضرتك غلطانة ياماما، علشان متأكدة إنِّ أبيه أرسلان مستحيل يتخلَّى عنِّنا، أه هوَّ ليه أهل تانيين بس إحنا الأصل.
شهقةٌ موجوعةٌ أخرجتها ملك واستأنفت حديثها:
قوليلها ياغرام، هوَّ مش إحنا عرفنا من زمان أنُّه مش ابننا، فيه حاجة اتغيَّرت، يفرق إيه الجارحي من الشافعي، المهمِّ الشخص هيكون فين وبيحبِّ إيه.
ربتت غرام على ظهرها وردَّت بنبرةٍ توحي بصدقِ حديثها:
أيوة حبيبتي والله مستحيل أرسلان يبعد، بدليل رفض يغيَّر اسمه لجمال وقال مش هغيَّر الاسمِ الِّلي من خلاله عرفت يعني إيه حب وحنان وعيلة، هوَّ بس اضطَّر يعمل نسب علشان يعرف يرجَّع حقُّهم.
ينفع ياماما يعرف الحق فين وماياخدوش، حضرتك ربِّيتيه على كدا، ولَّا بابا فاروق ربَّاه على كدا؟
ترضيها حضرتك لشخصية زيِّ أرسلان يعيش مقسوم بين ماضي وحاضر، أمَّا كدا خلاص كلِّ واحد أخد حقُّه، من فضلك متزعليش منُّه، هوَّ مضايق علشان حضرتك أوي.
استمعوا إلى طرقاتِ الخادمة:
إسحاق باشا وفاروق باشا رجعوا ياهانم.
تساءلت بلهفة:
أرسلان رجع معاهم؟
هزَّت الخادمة رأسها بالنفي، اتَّجهت بنظرها إلى غرام متسائلة:
فين جوزك؟
اتِّصلي بيه شوفيه فين.
ماما ممكن تهدي، ممكن يكون يعني.
طالعتها بغضبٍ وأردفت بنبرةٍ متحشرجة:
شوفتي أهو مجاش، هوَّ كدا خلاص.
قاطعهم رنينُ هاتفِ غرام التي تطلَّعت إليهِ مرَّةً وإلى صفية مرَّة.
هزَّت صفية رأسها تشيرُ إلى الهاتف:
ردِّي عليه، شوفيه هيقولِّك هاتي بلال وتعالي ولَّا ميعرفشِ أصلًا إنِّك هنا.
ماما إيه الِّلي بتقوليه دا!
قالتها ملك بامتعاضٍ على كلماتِ والدتها.
ردَّت غرام وأعينِ صفية معلَّقةً بها:
ألو.
أجابها على الطرفِ الآخر:
غرام ماترجعيش لمَّا آجي، هتأخَّر نصِّ ساعة كدا، فيه حاجة بعملها.
إنتَ فين ياأرسلان؟
ابتعدَ عن إلياس ورد:
مع المحامي، لسة في المحكمة نصِّ ساعة وراجع.
قالها وأغلقَ الهاتف، رفعت عينيها إلى صفية:
في المحكمة، قالِّي نصِّ ساعة وراجع.
بالأسفلِ عند إسحاق وفاروق:
يعني كدا أرسلان غيَّر أوراقه كلَّها؟
تساءلَ بها فاروق.
تراجعَ إسحاق بجسدهِ متَّكئًا برأسهِ على المقعدِ وأومأ بعينيه:
أيوة، كان ناقص حكم النسب، ودا كان مضمون ميَّة في الميَّة.
زفرةٌ مختنقةٌ من جوفهِ قائلًا:
طيب إنتَ عملت إيه؟
اعتدلَ ينظرُ إليه:
مفيش حاجات روتينية هتتعمل، من مساءلات، أنا قدَّمت استقالتي واترفضت، وأرسلان كمان.
بس هيوقف حاليًا عن العمل لمَّا يخلَّصوا التحقيقات الروتينية، بس طبعًا سيادةِ العميد قالِّي كلِّ حاجة تمام ومفيش حاجة هتختلف، ودا من خلال كفائتنا وأمانتنا.
بس لازم طبعًا التحريَّات بدقَّة، دي مراكز حسَّاسة.
الله المستعان حبيبي، كلِّ حاجة ترجع لأصلها ونقدر نوقَّف الزوبعة اللي حصلت.
ربتَ على ساقيهِ وأومأ برأسه:
إن شاء الله مفيش حاجة هتتغيَّر، الولاد دول ولاد حلال يافاروق علشان كدا ربِّنا وقَّعهم في ناس زيِّنا، وصدَّقني كنت مستعد أتنازل عن وظيفتي علشان أقف معاهم، بعد كلام أمُّهم في المحكمة ماهزِّني، عيشت إحساس فقدِ الضنا قد إيه صعب ومؤلم أوي، أبوهم راجل طيب وطيبته قعدت لولاده، وزيِّ ماأرسلان قال، من حقِّ أبويا اسمه يفضل موجود.
هزَّ رأسهِ موافقًا على حديثه:
ربِّنا يحلَّها من عنده، المشكلة في صفية الِّلي مش قادرة تستوعب الِّلي حصل.
بتر حديثهم حملِ المربية طفلُ أرسلان الذي ارتفعَ بكائه، فأشار أسحاق إليها:
هاتيه.
ثمَّ تلفَّت حولهِ متسائلًا:
فين مامته؟
عند صفية هانم.
حملهُ إسحاق يحتضنهُ ويداعبه:
زعلان ليه حبيب جدُّو، مين مزعَّلك.
رفع نظره للمربية:
لو له أكل هاتيه أنا ههتمِّ بيه.
لكزهُ فاروق وهو يجذبهُ من بينِ ذراعيه:
أنا الِّلي جدُّو يالا، نسيت نفسك ولَّا إيه؟
قوم روح لابنك ياخويا، سيب حبيب جدُّو لجدُّو.
قهقهَ إسحاق عليه، ثمَّ غمزَ بطرفِ عينه:
قول إنَّك خايف لأخطفه زي ماخطفت أبوه.
اقتربَ يحدجهُ بنظرةٍ مرحة:
تنكر إنِّي خطفت منَّك أبوه؟
ضربهُ فاروق بخفَّة على رأسه:
قوم روح لمراتك، إنتَ مالكش بيت؟!
توقفوا عن الضحك مرة واحدة، وتطلع الإخوان لبعضهما ثم أردف فاروق:
تفتكر هتفضل علاقته بينا زي الاول، هيفضل يقولي يابابا، ولا خلاص كدا مبقتش موجود ولا هيعمل اعتبار الراجل اللي رباه.
رغم تكور الدموع في أعين اسحاق إلا أنه رد بيقين:
لسة قايلك أنه ابن حلال، احنا مكنش قصدنا الاذى وانت عارف انا كنت بتابع الاقسام في الوقت دا لو حد بلغ عن طفل.
بعد فترة بفيلا السيوفي.
جلسَ مصطفى بجوارها وحاوطَ أكتافها:
مبروك ياأم يوسف.
رفعت عيناها الدامعة إليه وسحبت كفيه بين راحتيها:
لا يامصطفى، إلياس هيفضل إلياس زي ماهو، وهيفضل ابنك، هو بس الورق اللي اتغير، بس انت ابوه، الاب اللي ربى، بس كان لازم اخد حقي وحق ولادي من راجح، وزي ماقولت ماكنش ينفع غير كدا.
ضمها لصدره يربط على ظهرها:
فريدة وانت فريدة فعلًا، انا اسعد راجل في الدنيا إن ربنا رزقني بست زيك.
ابتسمت بحنان ورفعت كفيه تقبله وتمتمت:
ربنا يخليك ليا ياابو إلياس.
تذكرت شيئا ثم تسائلت:
بعد اللي حصل دا الولاد كدا هينفصلوا من وظايفهم ولا ايه.
اعتدل مستندًا على المقعد وقال:
أنا سألت كذا حد، وقدمنا ورق للمحامي العام، وهنشوف هيقولوا ايه.
يعني ايه.
تسائلت بها فريدة.
ربت على ظهرها:
سبيها لله.
المهم دلوقتي افرحي بالولاد وانسي اي حاجة.
افرح.
قالتها بصوت مختنق، ثم قالت:
ميرال.
دي قطعة من قلبي، اكيد راجح مش هيسكت ولا رانيا، انا شوفت في عيونه نار ودمار، مستحيل يسيبها.
تفتكري أنا ممكن أنسى حاجة زي دي يافريدة، أنا اتَّفقت مع إلياس هنقل هوية ميرال باسمي.
توسَّعت عيونها بذهولٍ وتمتمت بتساؤل:
يعني إيه مش فاهمة؟
وصل إلياس يبحثُ بعينيهِ عن زوجتهِ ثمَّ قال:
ماما فين ميرال؟
فوق في أوضتها، حاولت أنزِّلها رفضت.
إيه الِّلي ابوك بيقوله دا؟
نظرَ إليهما متسائلًا:
قال إيه بابا؟
هتنقل اسمِ مراتك على اسمِ مصطفى؟
صعدَ إلى الأعلى وهو يهتف:
أطَّمن على ميرال الأوَّل.
يبحث عنها ولكنها غير موجودة بالغرفة، هرول للخارج ونبضات قلبه تنهش صدره حتى شعر بآلامها، صاح باسم غادة:
غااادة.
خرجت سريعًا وهو يبحث من غرفة للغرفة وتسائل بلهفة وخوفًا نطقته عيناه قبل لسانه:
فين ميرال؟
هزت كتفها بجهل، ثم تذكرت شيئاً، فتحدثت:
اه من شوية قالت هتروح اوضتها القديمة تجيب حاجة.
ركض إلى غرفتها وقلبه كاد أن يتوقف من الخوف عليها:
دلف للداخلِ، توقف بجسدٍ متنصت وهو يراها متكوِّرة بوضعِ الجنين، مغلقة الجفنين ولكن دموعها تنساب بصمت.
خطا إلى الفراش بخطواتٍ ثقيلة، وقلبهِ يبكي دمًا على حالتها.
جلسَ على ركبتيه أمام السريرِ وملَّسَ على خصلاتها يرفعها من فوقِ وجهها.
فتحت عينيها الذابلة وسطَ غشاوة البكاء، وهمست بإرهاقٍ كأنَّ الكلماتَ تنزفُ من بين شفتيها:
رجعت إمتى؟
وحكموا عليه بإيه؟
جلس إلى جوارها على حافَّةِ السرير، ثمَّ رفعها برفقٍ إلى صدره، وضمَّها بحنانٍ كأنَّها ستهربُ من بين ذراعيه، وطبعَ قبلةً دافئةً فوق رأسها، ثمَّ جمعَ خصلاتها المبعثرة على جانبِ وجهها وهمس:
وحشتيني.
تمسَّحت بصدرهِ كما لو كانت تحتمي من بردِ العالم، واحتوت خصرهِ بذراعيها الهزيلتين، وهمهمت بصوتٍ خرج بصعوبة:
لازم تتعوَّد على بعدي عنَّك.
أنا مش هعيشلك العمر كلُّه.
سقط قلبهِ بين ضلوعهِ من وقعِ كلماتها الدامية، وعجزَ عن الرد، وعيناهُ تراقبُ تدهورها يومًا بعد يوم، وكأنَّها تذوبُ بين يديهِ ولا يملكُ لها خلاصًا.
نزعَ سترتهِ وتمدَّد إلى جوارها وجذبها إلى أحضانه، يحتوى جسدها المتعب، وضعَ رأسها فوق صدره، بينما أناملهِ بدأت تتسلَّل إلى خصلاتها بحنانٍ موجوع، ثمَّ قال:
ليه كده ياميرال؟
هتفضلي كده لحدِّ إمتى؟
حالك ده بيموِّتني.
شوفي عايزة إيه، وأنا مستعد أعمله، بس ترجعي تضحكي تاني، تفرحي، تحسِّي إنِّك عايشة.
رفع وجهها بين راحتيه، واحتضنَ عينيها الحزينة وهمسَ بتقطُّعٍ صادق:
قلبي بيوجعني عليكي، واللهِ بموت من الزعل.
ينفع الاستسلام دا؟
أنا عارف إنِّك بتمرُّي بأصعب مرحلة، بس أنا وعدتك، وعدتك أكون سندك، ضهرك.
استمرَّ يحرِّكُ أصابعهِ بين خصلاتها بعشوائية، ونبرتهِ تزدادُ رجاءً:
ميرال.
بصِّي لي ياقلبي.
رفعت عينيها المنطفئةِ نحو عينيهِ الممتلئتينِ بالحزن، فابتلعَ ريقهِ وقال بتصميم:
من بكرة.
اسمك هيتغيَّر من ميرال جمال الدين، لميرال السيوفي.
وإنتي أصلاً ميرال السيوفي من زمان، بس دا روتين، وأنا مايهمِّنيش الورق، بس علشانك.
تنهَّد بمرارةٍ وأكمل:
خلاص.
راجح مبقاش موجود، اتحكم عليه بالإعدام.
وإسحاق جابلنا الموافقة الرسمية إنِّ اسمك يتغيَّر لبابا مصطفى، ودا بسبب الضرر اللي كان ممكن يحصل لك.
أنا مش ساكت، ومستحيل أسيبك تتئذي.
لو ينفع تفضلي باسمِ جمال، بس المشكلة إنِّ ماما اسمها هيتغيَّر كمان.
إنتي ناسية؟
بابا كان مزوَّر اسم باباكي الحقيقي علشان راجح مايلاقيكيش.
ضمَّ وجهها بين كفَّيه، وطبع قبلةً بجوارِ ثغرها، يغرقُ بملامحها التي انطفأت بعينيهِ المُحبَّة:
إنتي روحي.
عارفة يعني إيه روحي؟
لو أقدر أخبِّيكي جوَّا قلبي، وأمسح كلِّ الوجع، وأخده عنك، واللهِ ماهتأخَّر.
إنتي عمرك ما كنتي بنتِ الراجل دا.
ولا اسمك هيرتبط بيه.
وهتفضلي ميرال جمال الدين في عيونِ الكل، بس على الورق بينا هيتغيَّر.
علشان نرتاح من اللخبطة، ماهو ماينفعشِ نكون إخوات ومتجوِّزين.
ومتوخافيش راجح مش هيطلب حاجة ولا هيذكر اسمك.
تعرفي أنا اتفقت مع مين يكلِّم رانيا، علشان دي الوحيدة اللي هتقدر تساعدنا.
ظلَّ يمسحُ على خصلاتها مرَّةً وعلى وجهها مرَّة، وهي تتابعه بصمت ثمَّ أكمل:
طارق.
إيه؟
قالتها بذهول ضعيف، هزَّ رأسهِ بابتسامة، واستطردَ قائلًا:
من كام يوم رحيل مرات يزن كلِّمتني وقالت عايزة تقابلني في مسألة ضرورية.
أنا فكَّرت إنَّها عايزاني علشان يزن، بس اتضحلي إنَّها عايزة أقابل طارق ويحاول يصلَّح العلاقة بينا.
مخبيش عليكي أنا كنت بدوَّر عليه علشان أموِّته، بس هو حكى لي كام حاجة حسيت بالشفقة عليه، ودا ضحية زيِّنا كلِّنا، مشيت وراه وقولت أشوف آخره إيه.
واتَّفق معايا أنُّه هيشهد بكلِّ الِّلي يعرفه، وكمان قال لرحيل حاجات إحنا مكناش نعرفها، والنهاردة جه مع رحيل وشهد بكلِّ حاجة.
ودا ياحبيبي يخلِّيكي تتأكِّدي إنِّ الراجل دا مستحيل أربطك بيه، وطلبت من طارق يعمل محاولة مع رانيا، وزي ماتيجي.
همست بتشتُّت، وعيناها تبحثُ عن معنى حديثه:
يعني إيه؟
سحبها إلى صدرهِ من جديد، بعدما شعر بضياعها، وهو يمسِّدُ على ظهرها كأنَّه يواسي طفلًا ضائعًا:
يعني تنسي إنِّك في يوم قابلتي الراجل دا، سمعاني، أنا معرفشِ غير ميرال.
بنتِ قلبي.
البنت الشقية الِّلي وقَّعت إلياس السيوفي على رقبته.
البنت الِّلي خلِّتني أعيش بجد.
أخرجها من أحضانهِ وابتسم، رغم أن عيناهُ تدمعان:
فهمتي ولَّا مفهمتيش.
يا بنتِ مدام فريدة؟
أنا قدامك اهو إلياس السيوفي، بحبه علشان حب ميرال، يوسف مش موجود، ولا عمري اغير إلياس، لأن ميرال حبت إلياس، مش كدا.
لمست وجنتيهِ المرتجفتين، وانسابت دموعها بحرارة:
رغم إنِّي بكره راجح.
بس إنتَ أحسن ابنِ عم في الدنيا.
لمعت عيناهُ بالسعادةِ الممزوجةِ بالحزن، واقتربَ منها يهمسُ بشوق:
أنا مش ابنِ عمِّك يابنتِ مدام فريدة.
أنا جوزك، وحبيبك، وكلِّ دنيتك.
ومش هتنازل عن حرف من الِّلي قولته.
رفع ذقنها بيده، وتعلَّقت العيونُ ببعضها.
عيونًا تتألَّمُ بصمت، وأخرى تمزِّقها الدموع.
ثمَّ تساءلَ بصوتٍ مبحوح:
أنا بكون إيه لميرال؟
لفَّت ذراعيها حول عنقه، وارتفعت شهقاتها ببكاءٍ حارق، وهي تهمسُ بين دموعها:
يارب أموت ياإلياس.
يارب أموت وماكونشِ عالة على حد.
أنا تعبانة.
مش عايزة اسمي يتغيَّر، لا لعمُّو مصطفى ولا لأيِّ حد.
أنا ميرال وبس.
قولِّم عايزة أكون كده.
ضمَّها بقوَّةٍ حتى شعرت بتحطيمِ ضلوعها بين قبضته، وهمسَ بنبرةٍ متألمةٍ كانت تخرجُ من قلبهِ قبل لسانه:
بعد الشرِّ عليكي، حرام الِّلي بتعمليه فيَّا دا ياميرال، وكتير على قلبي.
أبعدتهُ تنظرُ بمقلتيه:
هتعبك معايا ياالياس وإنتَ متستهلش، إحنا ليه من زمان ماأخدناش بالنا إنِّ ربِّنا مش عايز قربنا، ودليل الِّلي كان بيحصل معانا.
جذبها من عنقها بعدما فاضَ به، ووضعَ جبينهِ فوق جبينها وأخرج زفرةً حارقةً وقال:
لو سمعتك بتقولي كدا تاني هزعَّلك، صدَّقيني هزعَّلك، لو إنتي عايزة تموتي علشان ترتاحي؛ فأنا بقولِّك حالتك دي بتقتلني من جوَّا لدرجة بقول ربِّنا يريَّحني أنا ولا أتعذَّب بعذاب آلامك كدا.
وضعت أناملها على شفتيهِ تهمسُ بخفوت:
اسكت ياإلياس، اسكت أنا مش ناقصة، كفاية وجع فيَّا.
اعتدلَ وابتعدَ عنها بعدما خطر بذهنهِ شيئًا ما:
لا ياميرال، حالتك دي ممكن تخلَّص عليَّا، إنتي عارفة وأنا راجع العربية كانت هتتقلب بيَّا، لولا ستر ربنا، ماهو أنا مبقتشِ مركِّز في حاجة غير إنِّي أخرَّجك من حالتك دي، بحاول أعمل كلِّ حاجة علشان ماترتبطيش بالمجرم دا، استخدمت كلِّ نفوذي وعلاقاتي.
وفي الآخر جاية تقولي يارب أموت!!
استدارَ ينظرُ إليها وقد ثار غضبهِ ولم يعد يستطيعُ التحكُّمَ به:
مفكرتيش فيَّا أنا وابنك، إيه اليأس الِّلي إنتي فيه دا، عارف مرحلة صعبة بس الضعف دا بيخلَّص علييكي، فين وعودك ليا إنِّك هتحاولي علشان ابننا.
وصل إليها وانحنى بجسدهِ يحاوطُ جسدها وغرزَ عينيهِ الغاضبة بمقلتيها الدامعة:
أنا لو جبل كنت انهرت، ورغم كدا لسة واقف وبحارب، إنتي أكيد فاهمة يعني إيه ظابط أمن دولة يكون عمُّه مجرم وبيعاون الجماعات المتطرِّفة.
رفع كفَّيهِ وعينيهِ امتلئت بالدموع ثمَّ استطرد:
بإيدي دي كتبت استقالتي، ومش مجرَّد استقالة عمل.
كأني بسحب حياتي وروحي وكلِّ ماأملك.
شوفتي الأب الِّلي بيدفن ابنه وهوَّ حي، أنا حسِّيت الإحساس دا، ورغم كدا لسة واقف قدَّامك وبحاول أكون إلياس وبس، لا علاقة بالسيوفي ولا الشافعي، أنا عايز حياة لإلياس الِّلي فجأة طلع وهم وسراب.
اعتدل وبدأت أنفاسهِ بالارتفاعِ حتى ارتفعت نبضاتهِ بشكلٍ مبالغ وشعر بألمٍ بضلوعه، اتَّجه بعينيهِ إليها بعدما استمعَ إلى شهقاتها:
عارف إنِّك أكتر واحدة متضرِّرة، بس دا يقوِّيكي ويخلِّيكي تبني نفسك لوحدك ومتربطيش نفسك بأيِّ حد مهما كان، ابني ميرال وبس، وزي ماقولتي من شوية، كوني ميرال وبس.
مش صعب، هتخبَّطي شوية بس النتيجة هطلَّعي شخصية قوية.
ارتفعت أنفاسهِ أكثر وأكثر حتى لاحظتها ميرال، أشارَ إليها:
إنَّما إنتي كدا بتموِّتيني بالبطيء، حالتك دي بتوجع قلبي.
هبَّت من مكانها، وألقت نفسها بأحضانه، تتمسَّحُ به كقطةٍ أليفةٍ تهمسُ بصوتٍ خافتٍ خرج من بين شفتيها كخروجِ الروح من الجسد:
آسفة.
خلاص آسفة متزعلشِ منِّي، عارفة بقيت حمل تقيل عليك، بس واللهِ غصب عنِّي.
رفع جسدها واتَّجه للخارجِ قائلًا:
لمَّا أموت يبقى ارجعي الأوضة دي، الِّلي أعرفه والِّلي اتعلمناه من ديننا الستِّ بتكون مع جوزها في أوضة واحدة.
إلَّا إذا.
توقَّف يتعمَّقُ بالنظرِ إليها:
حضرتك زهقتي منِّي وعايزة حجَّة علشان تخلصي.
شقَّت شفتيها ابتسامةً لأنَّها علمت أنُّه يتلاعبُ بمشاعرها فردَّت قائلة:
زهقت أوي كمان عندك مانع؟
أومأ برأسهِ ودلفَ لداخلِ جناحهِ يغلقُ الباب بقدمهِ ومازالت بين ذراعيه:
هنعرف دلوقتي مين زهق من التاني يامدام.
بعد عدة أسابيع والوضع أصبح هادئًا إلى حد ما، ومحاولة الجميع بجانب ميرال وإخراجها.
بمنزل السيوفي وخاصة بغرفة مكتبه، كان يحاول أن يشغل نفسه بشيئا، حتى لا يشعر بألمًا على شيئا لم يتعوض عليه.
جلس يشعر بالاختناق وكأن أحدهم يجلده بسياط من نيران.
دفع ارسلان الباب ملقيا السلام:
عامل ايه ياابو يوسف.
طالعه بصمت لبعض اللحظات ثم أردف:
قاعد زي المريض اللي منتظر الدوا.
جلس بمقابلته ثم أخرج ورقة ووضعها أمامه:
طيب يامريض خد العلاج دا.
سحب الورقة ينظر إليها، ثم رفع عيناه إليه:
من المحامي العام.
اومأ ارسلان بابتسامة وقال:
وجاية مختومة، علشان تعرف أننا مش اي حد برضو.
بدأ يقرأ ما تحتويه الورقة:
لم يثبت تعمدهم التزوير أو العلم بهويتهم المزيفة أثناء التقديم للوظائف.
2. تم تصحيح هويتهم رسميًا بعد اكتشاف الحقيقة، من خلال النيابة والأحوال المدنية.
3. أثبتوا كفاءتهم المهنية والسلوكية، والجميع يعلم بتفوقهم الوظيفي.
القانون هنا ينظر للآتي:
أصل الإنسان لا يُحاسَب عليه، بل سلوكه.
الأسر المتبنية الشريفة تشفع لهم اجتماعيًا وأخلاقيًا، وتدعم موقفهم أمام المؤسسات.
ولكن يحدث الآتي إداريًا:
يُفتح تحقيق إداري داخلي لتوثيق الوضع الجديد.
يتم رفع تقرير أمني لإثبات أنهم ليسوا خطرًا على الأمن القومي.
يتم تثبيتهم في وظائفهم بعد تعديل أوراقهم، خصوصًا لو كانت هناك توجيهات عليا بإنصافهم.
وإلى أن يتم التحقق منه، فبناء على ذلك عودة كلًا من.
إلياس جمال الشافعي، وارسلان جمال الشافعي إلى وظائفهم بعد التأكد من كافة ماطلب التحقق منه من الجهات الإدارية المحققة.
تنهيدة حااارة أخرجها من جوفه، وكأنه كان يحتجز هوائه ليدفعه مرة واحدة:
الحمد لله.
انا كنت وصلت لمرحلة ميؤسة، رغم بحاول اقوي ميرال بس الوضع صعب وموجع اوي.
هنا تذكر ارسلان حالة ميرال فتسائل:
اه صحيح عملت ايه في موضوع رانيا، طارق قابلها.
قبل أن يرد عليه استمع الى رنين هاتفه:
أيوة يايزن.
راجح هرب من السجن ياالياس.
هب من مكانه وصرخ بالهاتف:
يعني ايه؟
توقف يزن بانفاسًا مرتفعة:
أنا رحت أزوره من كام يوم، وقالي بالنص هيحرق قلوبنا كلنا واولهم ميرال، بس اللي رحمه مني العسكري اخده ومشي.
يزن انت قولت له انك ابنه!
ابتسم بألم ينظر حوله بتيه، وتذكر مقابلته.
وصل راجح إلى جلوسه يدقق النظر فيه ثم لوى فمه بابتسامة ساخرة:
لما قالولي ابني، فكرته طارق، بس طلعت انت ياجوز المدام.
انحنى يزن وجذبه من ياقته بقوة يقبض عليها بعنف:
إنت أقذر شخص في الدنيا.
حاول التملص منه حتى وصل إليه الشرطي وأبعده عنه.
أخرج يزن ورقة مطوية من جيبه وأشار إليه بنظرات مشمئزة:
اتفضل ياراجح، عد ضحياك.
اقترب وهو يبتعد عنه، رفع الورقة أمام عينيه.
بعدما قال الشرطي:
متخافش مش هموته، بس هجاوبه على اسئلته.
اقرأ كدا.
شوف الاسم دا يمكن يفكرك بحقارتك.
رفرفت اهدابه يهمس اسم:
عزة عبد العليم.
اصابه رجفة قوية فرفع نظره إليه:
يعني كان احساسي صح.
انت ابني.
وصل يزن إليه يجز على أسنانه ويهتف بغضب:
أنا يزن السوهاجي ابن عزة وإبراهيم السوهاجي، مستحيل اربط نفسي بدم قذر زيك، بس جيت اقهرك ياراجح، واقولك إن اللي عمل فيك كدا ولادك.
جحظت عيناه بغضب، فأشار إليه:
صدقني ياابن السوهاجي هندمك، وقول لابن فريدة هخنقه وهو عايش، هو خلف الوعد، وكدا فتح النار عليكوا، واولهم بنت رانيا.
خرج من شروده على صوت إلياس:
مش بترد ليه، راجح عرف انك ابنه.
كان عارف ياالياس، ورغم كدا كان عايز يقتلني.
أنا رايح له النيابة، مش هو استخدم اللي شغال معاهم وابعدوا راكان.
قالها واغلق الهاتف.
جمع إلياس اشياؤه، وأشار إلى أرسلان:
راجح هرب.
تحرك الياس إلى النيابة، وقام بمهاتفة راكان، الذي أجابه بسرعة وقلق بادٍ في صوته:
أنا لسه عارف دلوقتي، وكلمت جاسر وهو هيعمل المطلوب.
كنت في إسكندرية، وجاي على الطريق.
كلمت جاسر الألفي، وهو دلوقتي هناك بيتابع سير التحقيقات.
هرب من المستشفى بعد عميلة غسيل معدة في مستشفى السجن.
أغلق إلياس الهاتف، وصدره يعلو ويهبط كأنه يشتعل من الداخل.
لم يكن الغضب فقط ما يأكله.
بل العجز، والخوف.
اتجه بنظره الى أرسلان:
راجح هرب.
توسعت عيناه بذهول:
ازاي.
معرفش.
المهم، مش عايز حد يعرف نهائي وخصوصا ماما وميرال.
عدة أيام أخرى واستنفار أمني بكل مكان بحثًا عن راجح.
يوما اخر ثقيل يشعر به الجميع، كانت فريدة حزينة على نجليها، ظنا أنهما يعانان من ترك وظائفهما.
ولجت رؤى تحمل قهوته وجدته يحتضن رأسه، توقفت إلى أن رفع رأسه متسائلًا:
فيه حاجة؟
راجح هرب من السجن.
تراجع بجسده وتابعها بعينيه:
ميرال تعرفه.
هزت رأسها بالنفي، ثم اقتربت تضع قهوته وقالت:
كنت بكلم يزن علشان ميعاد عملية نقل النخاع، طارق رد عليا وقالي أنه هرب بقاله اكتر من اسبوع.
اومأ وقال:
مش عايز حد يعرف.
تمام.
بس ميرال اتأخرت اوي هي وغادة، راحوا يشتروا فستان مع ايمان ولسة مرجعوش، رايحين من الساعة ستة، و بتصل بيهم مابيردوش.
نظر بساعة يده ثم قال:
الساعة عشرة دلوقتي، ايه اللي آخرهم كدا، دا كله بيشتروا فستان.
معرفش والله ياالياس، هي اصلًا مكنتش عايزة تخرج، بس ماما فريدة قالت تخرج تغير جو، انا كنت هخرج معاهم بس دوخت ومقدرتش.
امسك هاتفه وحاول مهاتفتهما ولكن الهاتف مغلق.
نهض من مكانه يهز رأسه واردف:
لا كدا الموضوع ميطمنش، حتى الأمن مابيردش.
قالها وهمّ بالمغادرة، ولكنه توقف مستديرًا إليها:
مش عايز ماما فريدة تعرف حاجة عن هروب راجح.
اتجه إلى سيارته واستقلها مع رنين هاتفه:
حبيبتي انت فين.
حبيبتك معايا يابن فريدة، عايزها ولا ابعتهالك جثة.
اسمعني علشان شغل الثعلب مش مع راجح.
هتروح النيابة وتطعن في القضية بأي وسيلة، معرفش ازاي، المهم تبرأني دا لو عايز مراتك وأخوتك الحلوة.
ارتجف جسده لعدة لحظات وشعر بانسحاب الهواء من رئتيه.
نظر للهاتف بتشوش بعد إغلاقه، بعد فترة وهو جالس بالسيارة ينظر أمامه بتيه وعجز، شق السكون رنين هاتفه، نظر إليه وجد اسم راكان على شاشة الهاتف:
ايوة.
قالها بتقطع ولسان ثقيل:
متقلقش، تليفونك كان متراقب علشان كنت متأكد هيوصلك، وجاسر قبض عليه.
مراتي واختي ياسيادة المستشار.
مكنوش موجودين ياالياس بس هو اتقبض عليه، وانا رايح النيابة.
وصل إلى مقر النيابة العامة، يرافقه أرسلان.
صعدا معًا إلى مكتب وكيل النيابة، وهناك وجد جاسر الألفي واقفًا، متحفظًا على الوضع.
دخل إلياس.
فتسمرت عيناه على المقعد حيث جلس راجح كالمنتصر.
كان متكئًا في استعلاء، بعينين تمتلئان وقاحة، وابتسامة تحمل من السخرية ما يكفي لتحطيم الأعصاب.
وما إن التقت نظراته بنظرة إلياس، تكلم بصوت متعمد الثبات والتهكم:
أهلاً يا ابن فريدة.
الأخبار الحلوة بتنتشر بسرعة.
اتجه بنظره إلى يزن الذي دلف للتو، وقال:
بس يا ترى، إنت اللي عرفت ابن عزة؟
ولا هو اللي عرفك؟
صمت لبرهة، قبل أن يتابع بنفس النبرة:
وفين ابن سمية الخاين؟
منضمش ليكم ليه؟
أووه، كلكم هنا علشان بنت رانيا.
ضحك بصوتٍ مقيتٍ، ثم تابع:
الصراحة، البت دي.
معرفش جابت الحلاوة دي منين؟
من رانيا؟
ولا من فريدة؟
بس حاسس إنها من فريدة.
أصل فريدة كانت حلوة قوي.
ضرب بكفيه على ركبتيه وضحك ضحكة جوفاء، قبل أن ينهض قليلًا ويشير بإصبعه نحو إلياس:
البت دي.
لو كانت اشتغلت معايا، كان زمانها دلوقتي حمامة دهب، مش بيضة بس!
حلوة.
وجميلة.
والرجالة بتموت في النوعية الشرسة اللي زيها.
بس متخافش يا ابن فريدة.
وعد من راجح الشافعي، لأخليها تحت رجلي!
واللي ماقدرتش أعمله في أمها.
هعمله فيها!
اهتزت الأرض تحت قدمي إلياس، وتقلصت عضلات وجهه في لحظة، كأن ما سمعه طعنة لا تقتل.
لكنها تبقيه حيًّا يتلوى.
ود لو هجم عليه الآن، وكسر أسنانه واحدة تلو الأخرى، لكنه تراجع خطوة.
محاولا الحفاظ على ثباته.
أشار إليه جاسر بسرعة وحزم:
إلياس، خليك بره، مينفعش تكون هنا.
راكان خلاص قرب يوصل، أرجوك.
هنا شعر بأن قلبه يغلي.
وعينيه تحترقان.
استدار في صمت، ولكن راجح لم يفوّت الفرصة ليسمّمه بكلماته القذرة:
أيوه، اطلع بره.
مش عايز أشوف وشك!
روح اسأل فريدة.
خليها تحكي لك راجح كان بيعمل فيكي ايه.
ثم اتجه بنظره إلى يزن:
وبنت عزة فرسة حلوة نار، تلات بنات يخلوني ملك.
بدأ يهذي بكلمات ليست فقط مقززة.
بل تمزق العقل قبل القلب.
اصبح صوته كالنار، يتطاير منها الشرر، وكل شرارة تصيب جرحًا جديدًا في روح إلياس ويزن.
أما ارسلان الذي خرج على رنين هاتفه:
أيوة ياماما.
بتصل بإلياس ياارسلان، انتوا فين، صحيح راجح هرب من السجن.
قالتها فريدة بصوت مرتفع.
بينما راجح الذي توقف واقترب من إلياس يحدجه بنظرات شماتة:
كانت بتصرخ باسمك، غبية متعرفش انك السبب في اللي هعمله فيها، أخرج من هنا، مراتك وأختك يكونوا عندك.
بدل مااخليك عبرة لمن لا يعتبر، وهثبت انك اللي هربتني من المستشفى، عامل شغل حلو مع الدكاترة هناك.
ياعيني ياميرال بتفكرني بفريدة لما كانت بتصرخ كدا، اهي دلوقتي بتصرخ زي فريدة.
انهار جسده ككل شيء بداخله، وتفكك ببطء مؤلم، بعدما استمع الى ماابكى قلبه نيران ودمًا، ليهز رأسه بعنف وبلحظة أخرج سلاحه.
يشعر بأن يده ثقيلة، كأنها تحمل وزن كل الألم الذي تعرضت له والدته وزوجته، ناهيك عن معاناة يزن، كل الجبروت الذي فعله ذاك الشخص الذي وصفه بالشيطان لم يكن له ذرة من المسامحة.
رفع السلاح يغرزه بصدره بأنفاس متقطعة، ليس من الجري أو التعب، بل من ثقل الهواء، من الاحتراق الداخلي وهو يتخيل معاناة والدته وكلماتها التي شقته لنصفين.
"كان بيغت صبني، انا مابعتكمش، هو كان جبروت، وصفعات القدر من بكاء زوجته وصراخها.
يارب اموت ولا يكون ليا اب زيه، انا مستحيل أكون بنت الراجل دا.
لوح جاسر بكفيه محاولا تهدئته والسيطرة على أفعاله رغم معاناته مما استمع إليه قائلًا:
إلياس اسمعني، هتضيع نفسك علشان شخص ما يستهلش؟
ضحك راجح مستخفًا به ثم أردف:
ودا اللي انا عايزه، ماهو جمال مات وولاده لسة بيرفعوا من شأنه.
انحنى بجسده يتعمق بالنظر إلى إلياس:
ماكنش راجح الشافعي لو مخلتكش تسيب وظيفتك، زي ماابوك كان السبب في اني ابقى مجر. م.
انا سعيد يابن جمال، علشان الكل هيشاور عليك ويقولوا الخاين اهو اللي ساعد عمه في الهروب.
ضرب بكفيه:
ايه ياجاسر باشا، مش الخاين بيعدموه، انا بقى بقولك دا اللي هربني، ثم أشار إلى يزن:
والواد دا شريكه.
انت خاين يابن فريدة، وهتتقدم لمحاكمة عسكرية ودا وعد مني.
مجرد كلمات، ولكنها حبالًا التفت حول رقبته، تشدّه إلى الوراء، تراجع خطوة، يشعر بأنه داخل ظلمات من القهر، كيف ينسب هذا الرجل ويكون عمه.
رفع رأسه إليه، بعينين متوهجتين كالجمرتين، ليس غضبًا فقط.
بل الفقد، العجز، الإحساس بأن الحياة سلبت منه عنوة.
صرخ، بصوت كاد يهز الجدران، وهو يشعر بإهتزاز روحه:
انا فعلا هكون خاين لو سبتك تعيش لحظة واحدة بعد كدا.
تصنم جسد جاسر، وهو يراه يضغط على الزناد، فصاح قائلًا:
لو موته مش هنعرف مكان مراتك، هو عايز يوصل لكدا، ارجوك اهدى، قالها وهو يشير بيده أن ينزل سلاحه.
إلياس علشان خاطري، امسك اعصابك، راكان على وصول وهيحقق معاه، عارف أنه غصب عنك، بس هو بيعمل كدا علشان يوصلك لكدا.
"عايزني أعمل إيه بعد اللي عرفته؟!"
قالها ووجه عبارة عن لوحة الألم.
اقترب جاسر أكثر محاولًا الضغط عليه:
هات المسدس لو سمحت ووعد مني حقك هيرجع لك.
حقي!!
قالها مستنكرًا بأنفاس مشحونة بالكراهية والأسى، حتى صار صوته خنجرًا يريد أن يطعنه.
"إزاي قدرت تعمل فينا كدا، ازاي قدرت تعيش وإيدك ملوثة بدم أخوك ومراته، ودلوقتي بتخطف بنات مالهمش ذنب؟!"
ارتعشت أنفاسه، كأن روحه نفسها ترتجف من أثر ما يشعر به، فاردف بنبرة موجعة كحدّ السكين.
"عملت لك ايه ميرال، علشان تعمل فيها كدا، انا بسأل مين اصلا هو انت مفكر نفسك أب، طيب ازاي وأنت عارف إن بنتك بتتربى في ملجأ، وابنك.
راجل تاني بيربيه؟!"
حاصره جاسر اخيرا بخطف سلاحه، يجذبه بعيدًا عن راجح:
اهدى كل حاجة انت عايزها هتحصل، بس مضيعش نفسك.
وصل راجح إلى يزن:
بقى انت يامعفن عايز تنتقم مني.
جذبه من تلابيبه أمام جاسر الذي حاول السيطرة على الوضع:
ابعد عنه ياراجح.
ولكن راجح تحول إلى شيطان ليقبض على عنقه:
إنت السبب في دا كله، بقى انت مفكر نفسك ذكي.
اقترب يهمس بجوار أذنه رغم محاولة جاسر بأبعاده بالسلاح ولكنه قال:
أنا كدا كدا ميت ياباشا، ولازم اعاقبهم كلهم، طلقة من سلاح جاسر بقدمه ليبتعد عن يزن الذي سحب وجهه.
إنت مفكر نفسك ايه، انت متهم.
صاح على العسكري:
خدو الزبالة دا ارموه في السجن لما يوصل وكيل النيابة.
وصل العسكري يسحبه من تلابيبه بقسوة ولم يكترث باصابته، فسحب السلاح من خصر العسكري ولكن بسرعة لم يستوعبها أحد، وبقرار لم يكن قرارًا بل كان غريزة، لحظة طيش، لحظة استسلام للظلام الذي ظل يهمس في أذنه لسنوات.
اختطف السلاح من فوق مكتب جاسر، بعد إلقائه بعيدا عن إلياس.
لتدوي الطلقة لتخترق ظهر راجح الممسك بسلاح العسكري ليصوبه باتجاه إلياس، ولكن كان يزن الاسرع لتصيبه الرصاصة.
لم يسقط على الفور، بل ظل واقفًا للحظة، كأنه لم يصدق أن نهايته على يد ابنه وهو ينظر بتشوش إلى يد يزن المتطلع إليه بألمًا كان حقيقًا.
بدأت روحه تنسحب منه كما ينسحب المدّ من على الشاطئ؛ ليهوى على ركبتيه بدخول راكان وصراخه:
اسعاف بسرعة.
اقترب يزن منه ينحني بجسده قائًلا:
كان المفروض اعمل كدا من وقت ماطنط فريدة قالت حقيقتك القذرة، ومتخافش هدعيلك بجهنم وبئس المصير.
دفعه راكان الذي أصابه الجنون من فعلته:
الواد دا مجنون خدوه من قدامي.