فتحت باب السيارة وصعدت بجانبه، ثم وضعت حزام الأمان لينطلق سريعًا وهو يجد الشوارع هادئة بعض الشيء. بينما هي كانت تتأمل الشوارع المُزينة بزينة رمضان من زجاج السيارة بانبهار واضح على ملامحها. لف وجهه لها، ولتوه استوعب أنها معه في السيارة وحدهما، هذا أمر جائز كونه كالسائق، لكن غير مستحب. أخيرًا صف السيارة في المنطقة المخصصة لها، ويحمد الله أنه استطاع تأمين هذا المكان.
هبطا من السيارة ليشير لها على مدخل مصلى السيدات عن بعد، ثم أخبرها دون النظر لها: "هقابلك بره لما تخلصي، لو توهتي مني تعالي اقفي هنا جنب العربية." حركت رأسها بخفوت: "تمام شكرًا." وتحركت بخطوات سريعة لتلحق بالصلاة، وهو كذلك. صلاة التراويح وسماع دعوات الساجدين، بل ورؤية عدد المصلين شرح قلبها.
أنهت صلوات التراويح بعد أن وُزع عليها العصير والتمر والشوكولاتة من إحدى المصليات معها، الجميع هنا يتسابق على الثواب في هذا الشهر المبارك. خرجت من المُصلى لتقترب من السيارة كما أخبرها، منتظرة إياه هناك، لكنه تأخر عليها قليلًا. لعنة غبائها كونها لم تأخذ رقم هاتفه، وهو حتى لم يُكلف نفسه ويهتم بطريقة يصل بها لها إذا حدث شيء.
تنهدت بضيق وقد أفسد مزاجها بتأخره هذا، هي حتى لا تستطيع التحرك من مكانها بجانب السيارة، ماذا تفعل الآن؟ اقترب منها أحد الشباب ليسألها بهدوء: "خير يا آنسة، محتاجة حاجة؟ اعتدلت في وقفتها: "ها، لا شكرًا، أنا بس مستنية حد المفروض كان بيصلي جوه." نظر من بعيد للمسجد الشبه فارغ كون الصلاة انتهت بالفعل: "متأكدة يا آنسة أصل الجامع فاضي خلاص." أومأت له وهي تشير للسيارة: "آه متأكدة إنه جوه ما دي عربيته." بدل
نظره بين السيارة وبينها: "الشيخ عليّ؟ أنتِ مستنية الشيخ عليّ؟ شردت للحظات متذكرة اسمه: "آه عليّ الناجي ابن عمي، ممكن تدخل تناديه لو سمحت؟ أومأ لها الشاب متحركًا للداخل، وبالفعل دقائق معدودة وخرج معه عليّ ليمنع ابتسامته بصعوبة وهو يجد الضيق مرتسمًا على وجهها بوضوح. اقترب منها ليحدثها بأسف غير حقيقي: "معلش شكلي نسيت إن في حد جه معايا." تهكمت على حديثه:
"فعلاً، نفترض إن الشاب ده ما عرضش عليا المساعدة، كنت هفضل واقفة مستنية حضرتك لحد إمتى؟ فتح باب السيارة وهو يُجيبها بسلاسة: "ما أعرفش والله، اتفضلي اركبي." لكنها وقفت دون الركوب بعد أن فعل هو، ليرفع رأسه لها: "إيه؟ ما تركبي." تحمحمت بخفوت: "أنا مش عايزة أروح، عايزة أقعد ألف في الشوارع هنا شوية، وآكل شوية أكل سمعت عنه هنا، وبعدين أصلي الفجر وأروح." كانت تتحدث بحالمية ليمحي كل ذلك بحديثه:
"آه وإيه كمان، ومين اللي هيفضل معاكي وأنتِ بتعملي كل ده؟ أنا؟!!! يلا يا بنتي الله لا يسيئك أنا مش جاي أحققلك أحلامك هنا، وبعدين أنا عندي محاضرة الصبح." رمشت بعدم تصديق: "محاضرة؟ هو أنت لسه طالب؟ قهقه بخفة لتظهر غمازته التي تزين وجنته اليمنى بوضوح: "لا مش للدرجادي، أنا دكتور جامعي." عرضت عليه بلطف: "خلاص بص هديك دولار واديني مكانه مصري، وأنا هفضل هنا لوحدي لو مش عايز تفضل، وبعد كده أبقى أركب أوبر وأروح."
أومأ لها باقتناع مزيف ليعلق عليها ساخرًا: "أيوه طبعًا ما إحنا عيلة cool جدًا كلنا رافعين قرون، يلا يا بنتي ابقي تعالي يوم تاني مع العيلة ولفي معاهم لغاية الصبح زي ما أنتِ عايزة." تنهدت بضيق وهي تفتح الباب حتى تجلس في المقعد بجانبه، لكنه أوقفها بقوله: "لا اركبي ورا مش جنبي." جعدت حاجبيها بعدم فهم قبل أن تنفذ ما طلبه دون مناقشة الأمر. ما إن صعدت في الخلف حتى خلعت طرحتها فالبندانة التي تَحكم خصلات شعرها أسفله.
وحررته من تلك الربطة لتخلل يدها بين خصلات شعرها، بينما الآخر راقبها من مرآة السيارة ببهوت ولم يتحرك. رفعت رماس رأسها وهي تستوعب أنهم لم يتحركوا بعد، لذلك سألته: "هو في إيه ما اتحركتش ليه ولا تكون غيرت رأيك وهتخرجني؟ ابتلع رمقه وهو يفكر أن يطلب لها تاكسي، فقط يجب أن لا تبقى معه وحدهما، لكنه كالسائق هنا.
لكن سائق لا يستطيع رفع عينيه عنها، هي أخذ شهيقًا وأخرجه ببطء قبل أن يُدير السيارة وتتحرك مخالفًا قوانين السرعة المطلوبة فقط ليصل سريعًا للمنزل ويبتعد عنها. في منزل عائلة الناجي رمق الجد ساعته بقلق: "هو إيه اللي أخرهم كده؟ التراويح خلصانة بقالها أكتر من ساعة." لفت الأنظار حوله كون العائلة ما زالت متجمعة، ليجد الجميع يوافقوه. حتى اقترحت داليا بهدوء: "تلاقي عليّ الوقت خده هناك كالعادة يا جدو." رفع هاتفه بهدف الاتصال به:
"أيوه يا بنتي بس هو مش لوحده معاه بنت المفروض يعمل حسابها." رن على الهاتف مرة في الثانية ولم تصل له إجابة كون الآخر نسى فتح الصوت بعد خروجه من الصلاة. وقفت إحدى بناته وزوجها: "طب يا بابا إحنا هنتحرك بقى علشان اتأخرنا، كان نفسنا نقعد نتعرف على بنت زيد بس متعوضة مرة تانية إن شاء الله." رحل الجميع تباعًا ولم يتبقى سوى ساكني المنزل، تحركت سلوى بقلق: "وبعدين بقى، الله يسوقك يا عليّ."
وأخيرًا دقائق ودخلت رماس كالفراشة تُحلق خلفها خصلات شعرها. تحركت لجدها لتحدثه بأعين مبهورة بما رأته: "رمضان في مصر حاجة تانية فعلاً يا جدو، لو شفت الناس وسمعت دعواتهم وبكائهم في الصلاة، حاجة جميلة أوي." ابتسم لها الآخر بحنو: "طب كويس إن مصر عجبتك يا حبيبتي، بس إيه اللي أخركم كده؟ الصلاة خلصت من بدري." حدثته بعبوس: "أصل أستاذ عليّ نسى إني معاه وفضلت واقفة مستنياه بره شوية حلوين عقبال ما افتكر."
هنا كان دخل عليّ ليسمعها وتَرجم حديثها أنها تَشتكيه لجده: "ما أنا مش متعود آخد حد معايا، أنتِ اللي لزقتي." توسعت عينيها بعدم تصديق على هذا اللقب، كانت على وشك الرد عليه لكنها فقط حركت رأسها بقلة حيلة ولا تعرف كيف يمكنها الرد عليه وعلى لسانه هذا. حدثتها زوجة عمها:
"ما لكيش دعوة بيه، المهم إنك انبسطتي يا حبيبتي، كانت العيلة مستنينك علشان تتعرفي عليهم بس قالوا مرة تانية بقى علشان اتأخرتوا، إيه رأيك تطلعي ترتاحي ساعتين لغاية السحور؟ ابتسمت لها على لطفها هذا الذي تغدقها به، لكن يتضح أنها نست تعليمه لابنها وشرعت في إخبارها بهدوء عن نظامها:
"شكرًا أوي يا طنط بس أنا ما بتسحرش، هدخل المطبخ بس أعملي سلطة فاكهة بالزبادي أكلها دلوقتي وخلاص، هنام لغاية الصبح فلو سمحت محدش يصحيني أنا هصحى على الفجر لوحدي، سلمى ممكن تيجي معايا لو سمحتِ؟ أومأت لها شقيقته وهي تتحرك معها ليجد ثلاثة أزواج من العيون ترمقه بغضب، رمش بأهدابه الكثيفة: "في إيه بتبصولي كده ليه؟ كانت أول من تحدثت والدته التي قالت بقلة صبر:
"أنا مش هقولك غير حاجة واحدة بس يا ابن بطني، الكلمة الطيبة صدقة وأنت مقضيها دبش من ساعة ما شفت البت الله يسامحك." اقترب منها معانقًا كتفها ليحدثها بصبر: "الكلام ده لو حد في الشارع هجبر بخاطره، مش هتجوزيهولي يا ست الكل." في الداخل شرعت رماس في تقطيع الفواكه لتسألها سلمى بفضول: "هو إيه الأسود اللي في الزبادي ده؟ النوع ده أسترالي؟ أومأت لها بخفة وهي تركز على لوح التقطيع:
"آه وده بذور شيا، مفيد جدًا للشعر والجسم والبشرة طبعًا، ليه فوايد غذائية كتير، هنا مخلوط بالزبادي، في ناس بتكون عايزة تفقد وزن بتشربه على الريق مع مياه بليمون، كل واحد بيستخدمه بطريقته بس لازم يكون منقوع قبلها بفترة علشان يكون هلامي مش ناشف." تَذكرت الأخرى أنها قرأت عنه من قبل: "آه فعلاً سمعت عنه كتير بس بردوا فهمت إن ليه أضرار للمعدة." "آه الإفراط منه بيعمل مشاكل فعلاً، علشان كده بمعيار نص معلقة أو معلقة كفاية أوي."
ثم رفعت نظرها لها: "هعملك طبق أنتِ كمان وأهو تجربيه." ابتسمت لها محركة رأسها بحماس، لطالما تمنت وجود شقيقة لها لتفعل معها كل ذلك، لذا لتجرب معها هذا الشعور وتمنت أن تكون رماس حقًا لطيفة للنهاية وتبقى معها لتؤنسها. بالفعل صنعت طبقين يسيل لعابك ما إن تراهم. وخرجوا سويًا من المطبخ ليواجهوا الجد الباقي فقط، ويتضح أن البقية صعدوا لقيلولة ما قبل السحور.
وخرجوا سويًا من المطبخ ليواجهوا الجد الباقي فقط، واتضح أن البقية صعدوا لقيلولة ما قبل السحور. وقف مبتسمًا ما إن وجدهم متآلفين: "واضح إن الكلام أخذكم يا بنات، أنا هطلع أنا كمان أريح شوية. ما تنسيش ميعادنا بكرة يا رَماس." "حاضر يا حبيبي، تصبح على خير." استأذنت من سلمى معتذرة، وهي تعدها أنهم سيتحدثون كثيرًا فيما بعد، لكن ليس اليوم لكونها تحتاج للنوم لضبط مواعيدها بسبب فرق التوقيت.
صباح اليوم التالي، تحديدًا السابعة صباحًا، كان استيقاظ كل من رَماس وعَلي، لكن كلًا منهم كان له سبب مختلف. كانت رَماس تريد التمشية هنا في الحديقة الداخلية للمنزل، أو حوله من الخارج، مع بعض التمارين والتحدث مع شقيقها ووالدها.
لذلك أول ما فعلته هو روتينها الصباحي، ثم رفعت خصلات شعرها في ذيل حصان، وارتدت تلك الملابس الرياضية المكونة من توب رياضي أسود ملتصق بجسدها بفتحة مستطيلة، وسروال من الخامة واللون ذاته، كانت بدلة رياضية متكاملة، وانتعلت حذائها الرياضي قبل أن تتحرك بنشاط للأسفل مستمتعة بالجو الصباحي والشمس الدافئة، خاصة وهما في نهاية شهر فبراير.
بينما في الناحية الأخرى، كانت بداية يوم عَلي بصلاة ركعتي الشروق، وارتداء ملابسه الرسمية المكونة من قميص أسود وسروال قماش كلاسيك من اللون ذاته، يعلوه بليزر من اللون البني الفاتح أو كما يُطلق عليه البيج. انتعل حذائه الكلاسيكي بلون البليزر ذاته قبل أن يسحب حقيبة حاسوبه الشخصي متحركًا للأسفل. في الأسفل، لفت رَماس لفتين قبل أن تقف على قدم واحدة مستعرضة ليونة جسدها، كونها كانت راقصة جمباز ماهرة.
كان ثبات وقفتها وتنفسها العميق باسترخاء يخالف حركتها ووقفتها. في الوقت ذاته، خرج عَلي من المنزل ليواجهه هذا المظهر الذي أغضبه وبشدة. تحرك بخطوات غاضبة ليقف أمامها، وليته لم يفعل، مظهرها المسالم بعينيها المنغلقتين باسترخاء وخصلات شعرها المتطايرة. لكنه تفقده تركيزه، بل على وشك أن يفسد صيامه بسببها، لف بجسده عنها ليصرخ باسمها جاعلًا جسدها ينتفض. وقد خرجت من ملكوتها الخاص على صراخه لتعتدل في وقفتها متسائلة بفزع:
"إيه في إيه؟ "أنتِ بتعملي إيه هنا وبلبسك ده؟ رمقت ملابسها بعدم فهم، هي لا يظهر منها سوى رقبتها وخصلات شعرها، ما بها ملابسها؟ أطالت في التفكير في إجابتها. حتى شعرت به يسحبها خلفه من إحدى أكمام ملابسها، وقد دخل بها المنزل ليفتح أمامها إحدى الغرف، وقبل أن تتساءل واجهها صالة رياضية متكاملة وصوته الغاضب: "لو عايزة تعملي أي حاجة يا ريت تعمليها هنا، ما أحبش أشوف المنظر اللي شوفته بره ده تاني."
ورحل، فقط تلك الكلمات المقتضبة ورحل. تحرك بسيارته بمزاج عكر عكس صباحه الذي كان جيدًا على الأقل، ليضرب على عجلة القيادة بغضب: "٢٤ ساعة ومش قادر أستحملها، ٢٤ ساعة إيه ده حتى دول ما كملتهمش." وصل لجامعة القاهرة كلية الحقوق الذي كان طالبًا بها في يوم من الأيام، لأن الآن هو دكتور جامعي والجميع هنا يحترمه. لكن هذا هو اليوم الأول التي يصل بها لهنا عابسًا، لا تزين وجهه ابتسامته البشوشة.
انتهى الربع الأول من يومه بعد ساعتين لينطلق إلى شركة الناجي، العمل الذي يعمل بها مع والده وجده. وهو يفكر في مكان يبقى به حتى ترحل تلك الفتاة من منزله، بل من مصر بأكملها. رفع هاتفه ليحدث هيثم ابن خاله: "ولا شكلي كده هاجي أقعد معاك شهرين ولا حاجة، ولا يمكن أكتر." أبعد هيثم هاتفه عن أذنه ليتأكد من الرقم، أجل هو رقم عَلي الناجي: "مين بيتكلم؟ وده من امتى يا عمنا؟ حد لعب في إعداداتك ولا إيه؟
تنهد بضيق وهو يصف السيارة في جراج الشركة ليخبره بسخرية لاذعة: "العروسة شرفت." أعاد كلمته بعدم فهم ولم يصل له الأمر بعد: "عروسة؟ عروسة مين؟ نزل من سيارته ليسحب حقيبة حاسوبه: "عروسة أستراليا." شهق هيثم بعدم تصديق: "إيه بتهزر صح يا ابن اللعيبة يا جدو؟ قلت لك الراجل ده مش سهل أنا عارفه، مبروك عليك يا علو." أعاد حديثه بسخرية: "مبروك عليك يا علو، أتريق يا أخويا أتريق، يلا سلام هدخل مكتبي وأكلمك."
ما إن دخل للداخل حتى كتم شهقة كادت أن تخرج منه وهو يراها أمامه، لكن تلك المرة معها جده، واتضح أنه يُعرفها على جميع الشركة وأركانها. لا هذا لا يُحتمل، حرك رأسه نافيًا رافضًا وجودها في أي مكان يجمعها به، لكن يتضح أن الرفض لن ولم يكن اختيارًا بالنسبة له. خاصة مع تحالف عائلته بأكملها معها، لمعت عينيه بتحدٍ وهو يقترب منهم بخطوات واثقة، لن تتواجد معه في مكان واحد، وإذا تواجدت سيندلع من هذا المكان حرائق كبيرة.
هذا كان قسمه لنفسه، لكن لم يحدد نوع تلك الحرائق أو سببها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!