مرت الأيام والسنين، وكل يوم روفيدا تبتعد أكثر وأكثر عن صخر. كلما اقترب منها، هي تبتعد. حتى أنها كانت ترفض الجلوس معه على طاولة واحدة إلا في حالات معينة. كان كلما طلبها للحديث لا ترد، تظل صامتة.
بينما على الجانب الآخر، أصبحت تتعامل مع جدتها بكل حب بعد أن عطفت عليها الجدة وأعطتها كل حنانها، هي وزوجة خالها. كانت أيضاً تالين، أخت صخر، صديقتها المقربة، وكانوا لا يفعلون شيئاً إلا مع بعض. كانوا يعيشون بغرفة واحدة، يلبسون نفس اللبس، كل شيء متشابه، حتى شعرهم. كان من يراهم يظنهم توأم غير متماثل، ولكن كل منهم كانت تعشق الأخرى. لم تذهب روفيدا إلى الحارة ثانية ولم ترَ أحداً من وقت ذهابها مع صخر.
وها هو مر اثنا عشر عاماً، وأصبحت الآن روفيدا بعمر العشرين. كانت روفيدا بغرفتها هي وتالين. وقفت تالين تنظر إلى نفسها في المرآة. كانت سمينة إلى حد ما رغم جمالها البريء. تحدثت تالين بحزن: مبقتش عارفة ألبس حاجة، أنا خلاص شكلي بقى وحش، بقيت أتكسف أخرج. روفيدا وهي تقترب منها بحب وتحتضنها:
بصي يا توتو يا حبيبتي، أنتِ جميلة، مش مهم الشكل. أنتِ جوهرة، وصدقيني اللي بيحب بيحب الروح الحلوة مش الشكل. وبعدين أنتِ زي القمر. وبعدين إحنا مش اتفقنا هنروح الجيم سوا ونقلل أكل؟ تالين بحزن وهي تبكي:
كل مرة كده، كل مرة أقول هخس وأجهز نفسي وكل حاجة لحد يوم واحد، ومن تاني يوم بالبخ في الأكل وأتخن أكتر وأكتر. أنا مش عارفة أبطل أكل، وكمان لما نفسيتي بتتعب باكل أكتر. والفترة دي كانت صعبة بسبب الامتحانات وكنت باكل كتير، وادي النتيجة، بقيت تخينة جدار. روفيدا بجدية وتأنيب: ليه الاستسلام ده؟ أنتِ ليه ضعيفة كده؟
لازم يكون عندك شخصية وإرادة من جواكي. لازم تتغيري، مش عشان شكل، عشان صحتك. أنتِ بوزنك ده هتتعبي. لازم توقفي أكل، وأنا هساعدك ونروح لدكتور كمان. تالين بأمل: تفتكري هخس؟ روفيدا: طبعاً، بس خليكي قوية. تالين: طيب انزلي أنتِ على ما أغير وأحصلك. روفيدا: ماشي، بس متتأخريش، أنتِ عارفة مبحبش أقعد مع صخر كتير. تالين: ههههههه، على الله يسمعك. روفيدا بعصبية: شكل نهايته على إيدي.
كان صخر يخرج من غرفة مكتبه حين وجد روفيدا تنزل بكل جمالها الآخاذ، بشعرها الحريري المفرود خلفها وجسدها الممشوق، والذي أوضحه فستانها الأزرق. وآه من جمال عيونها، نفس عيونه، وفمها الوردي الرائع. أصبحت الفتاة المتشرّدة المشاكسة ملكة جمال. روفيدا بقرف: صباح الخير. صخر وهو يبتسم لها: صباح النور. روفيدا كانت تهم أن تخرج للحديقة، حين وجدته يقف أمامها وهو يضع يده في جيبه. صخر: عاوزك في المكتب.
أشارت له بالموافقة، ومشت خلفه حتى المكتب. صخر وهو يشير لها أن تجلس: اقعدي. روفيدا بعناد: لا شكراً، ممكن تقول عاوز إيه؟ صخر: عاوز أعرف إيه حكايتك معايا؟ عاوز أفهم ليه بتعاملي الكل كويس إلا أنا؟ روفيدا بغضب: لأن الكل عاملني بحب إلا أنت. دايماً كنت بتعاقبني، كنت حاسة كأني هم وجالك، وضربتني وأنا طفلة. صخر بجدية: كنت بعلمك، وأنتِ كنتِ عنيدة، كنت بكلمك متسمعيش، مكنش قدامي غير الشدة. صفقت له روفيدا بسخرية: برافو.
صخر بعصبية: بطلي تعصبيني، أنا بحاول أكون كويس معاكي، وأنتِ برضه اللي في دماغك في دماغك. روفيدا: وأنا مطلبتش منك حاجة، وريح نفسك ومتحملش هم.
حينها اقترب منها صخر، فرجعت إلى الخلف حتى استندت على الحائط. كان يرى نظرات التحدي بعيونها، ولكن يشوبها بغضب الخوف الذي يصيبها منه من طفولته. رفع صخر يده ليضعها إلى جانب رأسها، ولكن وجدها تحمي وجهها بيديها. شعر بالألم في صدره. حبيبته، من عشقها منذ أن كانت بالثامنة، من كبرت أمامه، يعرف عنها كل شيء، ما تحبه وما تكرهه، تخاف منه هكذا، ولكن هو السبب فيما حدث. صخر وهمس بجانب أذنها:
متخافيش مني، أنا عمري ما همد إيدي عليكي. أنا بس كنت عاوز أقولك إن كل حاجة فيكي تخصني أنا وبس. ومتنسيش إن جدتي اتنازلت لي عن الوصاية قبل ما تسافر، وإنتي في أمانتي لحد ما ترجع. روفيدا وهي تنزل يدها وتنظر بعيونه التي هي نسخة من عيونه: بعصبية، أنا مش عاوزة منك حاجة. صخر وهو يبتعد عنها بحزن ولكن يداريه: براحتك، بس لما تحتاجيني أنا موجود. في تلك اللحظة، طرق الباب. صخر: ادخل. دخلت تالين وهي تبتسم. صخر وهو يبتسم لها:
أهلاً أهلاً بست البنات. تالين بسخرية: لأ لأ، أنت المفروض تقول أهلاً أهلاً بقلظة البنات. صخر بابتسامة: أحلى قلظة في الدنيا. روفيدا بتعجل: مش يلا؟ تالين: أوكي، بس قلتي لصخر؟ صخر بتساؤل: على إيه؟ تالين: على الرحلة. روفيدا: لأ مقلتش، نسيت. صخر: رحلة إيه دي وفين ومع مين؟ تالين: رحلة تبع الجمعية، أسبوع الأقصر وأسوان. صخر بعصبية: آه، وإنتوا بقى فاكرين إني هوافق على بيات بره البيت أسبوع؟ روفيدا بعناد: إحنا كبرنا، مش أطفال.
صخر: إنتوا بنات، والبنت ميصحش تعمل كده. البنت متبتش بره، البنت متحطش نفسها في شبهه. البنت تخرج مع أهلها وبس. روفيدا: انت على طول كده، مش شايف حد صح غيرك. صخر بهدوء وهو يجلس على الكرسي: مفيش رحلات وكلامي نهائي، فاهمين؟ لم ترد تالين وخرجت من الغرفة بعد أن استأذنت منه. بينما اقتربت منه روفيدا وانحنت على المكتب وهي تنظر له بتحدير. روفيدا: أنا مش هسمع كلامك، والرحلة هروحها، واللي أنت عاوزه اعمله.
التفت لتخرج حين سمعته يصرخ باسمها. صخر: روفيدا! التفت له روفيدا ونظرت له. شعرت بالخوف من صوته العالي، تخشى غضبه، ولكن لن تجعله يتحكم بها كالسابق. روفيدا: نعم. صخر وهو يقف ويلتف خلف المكتب وينظر لها بقوة ويتحدث بلهجة لا تقبل النقاش ولا العناد: اقسم برب العزة لو عرفت إنك خالفتي كلامي، ساعتها هتندمي. نظرت له روفيدا بغضب وخرجت. صخر: لحد إمتى يا روفيدا؟ لحد إمتى؟
لكن أنا خلاص فاض بيا ومعنتش هتحمل أكتر من كده. أنتِ ليا وبس. أنا بحبك يا روفيدا، بحبك. يا رب نفسي تحبني وتشوفني صح. أنا مش زي ما هي فاكرة. أنا عاشق وبغير، والغيرة جزء من الحب. وبخاف عليها أكتر من نفسي. لما كانت بتتعب كنت بسهر بالساعات أداويها، لما كانت تزعل كنت بحزن عليها، لو طلبت حاجة في ثواني بلبيها. أنا تعبت من الجفا، وهي كبرت. خايف تروح مني. يا رب قدرني وخليها تحبني.
لم يكن يعلم صخر أنه هناك من سيدخل حياتهم ويحاول خطفها منه. في أحد كافيهاته. هو: مش قادر أصدق إني خلاص وصلتلها. الآخر: وهتعمل إيه؟ هو: هي بتاعتي، وأنت عارف أنا مسبش حاجة تروح مني مهما حصل. وعارف تعبت إزاي عشانها. الآخر: أنا خايف من اللي أنت هتعمله. هو: هو ده الصح، بس ادعيلي تكمل للآخر صح. الآخر: أتمنى يا صاحبي، بس خد بالك، مش صخر العراقي اللي يتلعب معاه. هو: هنشوف، أنا ولا صخر العراقي، والايام بينا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!