الفصل 6 | من 41 فصل

رواية سلانديرا الفصل السادس 6 - بقلم اسماعيل موسى

المشاهدات
21
كلمة
724
وقت القراءة
4 د
التقدم في الرواية 15%
حجم الخط: 18

تجمد خاطر في مكانه. الريح الباردة لامست عنقه كأنها يد خفية، والعطر الذي تسلل إلى أنفه لم يكن عادياً. كان ثقيلاً، مترفاً، لكنه يحمل شيئاً آخر. شيئاً أبعد من مجرد رائحة. لم يلتفت. كان يعلم أن الالتفات سيجلب معه ما لا يفهمه، وربما ما لا يريد أن يراه. مد يده المرتجفة إلى مقبض الباب، ضغط عليه بقوة، لكنه لم يتحرك. وكأن الباب أصبح جزءاً من الجدار، أو كأن يداً غير مرئية تثبته في مكانه. ثم جاء الصوت.

صوت ناعم، أنثوي، لا هو قريب ولا بعيد، كأن الريح هي التي حملته إليه. –خاطر… وقع الاسم في أذنه كما لم يسمعه من قبل، وكأنه ليس اسمه، بل كلمة مسحورة تعني شيئاً آخر، شيئاً أقدم وأعمق. التفت ببطء، كأنه مسير لا مخير. الرواق كان كما تركه، نظيفاً، مترفاً، غير منطقي. لكنه كان خالياً. لا أحد هناك. –من هناك؟ همس، صوته بالكاد خرج من حنجرته الجافة. الصمت. لكن العطر ازداد كثافة، كأنه أصبح جزءاً من الهواء، جزءاً من أنفاسه.

قبض خاطر على مقبض الباب بكل قوته، وجسده يرتجف كأن عظامه تريد الفرار من جلده. حاول أن يفتحه مرة أخرى، وهذه المرة انفتح بسهولة، كأنه لم يكن موصداً منذ لحظة. لم يفكر، لم يتردد، اندفع إلى الخارج، إلى درج البناية المظلم، متعثراً في خطاه، كأن الهواء نفسه يعيق حركته. صوت أنفاسه كان أعلى من أي شيء آخر، إلا من دقات قلبه التي تصاعدت حتى كادت تصم أذنيه. "خاطر…"

كاد يسقط من الرعب، جاء الصوت من خلفه، ناعماً، أنثوياً، لكنه حمل شيئاً زاحفاً تحته، شيئاً جعله يكره الطريقة التي نطق بها اسمه. لم يلتفت، لم يكن بحاجة لذلك، كان يعلم أن الالتفات خطأ، خطأ فادحاً. واصل الهبوط، درجتين، ثلاث، ثم ألقى نظرة خاطفة إلى الأعلى دون إرادة منه. لم يكن هناك أحد. لكنه شعر بها. كأن شيئاً ما، أو شخصاً ما، يقف هناك، في قمة الدرج، يراقبه وهو يفر، مبتسماً ربما، أو ساخراً.

وصل إلى الشارع، الهواء الليلي ضرب وجهه بعنف، لكنه لم يوقفه. واصل الركض. ركض كأن العالم كله يطارده. وحين وجد نفسه أخيراً بعيداً بما يكفي، توقف، يلهث، يتعرق، يحدق أمامه بلا تركيز. كانت أنفاسه متقطعة، لكنه لم يكن متأكداً إن كان من الركض… أم من الرعب. ثم بدأ عقله يعمل، متأخراً، لكنه يعمل. ما هذا؟ ما الذي حدث هناك؟ رفع يده إلى أنفه، لا يزال العطر باقياً، لم يكن يجب أن يكون باقياً. لقد فر، لم يعد هناك، لكنه لا يزال يشمه.

شعر بوخز بارد يزحف على عموده الفقري. هل كان يهرب حقاً؟ أم أن ما هرب منه… جاء معه؟ نفس العطر الذي كان معه في الشركة. إنه الشخص ذاته الذي يختار له عطره وملابسه. أنا مسحور؟ أتُعمل لي عمل؟ إذا ما كان يقوله زملاؤه لم يكن سخرية ولا استهزاء. لقد فكر أكثر من مرة أن يحمل بندقية ويقتل كل موظفي الشركة. ويقتل كل نساء المدينة في الحال. ثم رفع رأسه وانتابه حنق ضخم. هل أبدو الآن كمهرج كما اختارت الهانم؟

تمشى إلى أقرب مرآة محل ملابس وعاين مظهره. الذي كان حقيراً كما يعرفه. لا فائدة. صرخ ولد. أنت؟ توقف طفل كان على ما يبدو يقصد الدكان ليشترى شيئاً لوالدته. تعالى هنا. اقترب الطفل بخوف. تنهد خاطر. كم عمرك؟ ١٢ عاماً. جيد. همس خاطر. صف ملابسي من فضلك. بدلة زرقاء ضيقة. حذاء أزرق. ربطة عنق زرقاء. كله أزرق يا عم. أزرق مثل فستانها. شكراً لك. ودع خاطر الطفل المندهش. ثم جلس على المقهى، وضع ساقاً على ساق وطلب شاياً.

ثم ابتسم فجأة ووضع يده في جيب بنطاله لا إرادياً. كان هناك منديل ونقود. كيف لم ألاحظ ذلك من قبل؟ لقد اختارتني هذه الروح لتشكلني وفق إرادتها. راجع تسلسل المواقف في الأيام الماضية. كل الناس تراه أنيقاً إلا هو!! متى بدأت اللعنة؟ كان خاطر بدأ يعتقد أنها لعنة فعلية لحقت به. منذ دخل منزل جده القديم!! المرآة السحرية؟ لو أمكنه أن يعود إلى المنزل لاكتشف أسراراً أخرى ربما شيء. شيء بسيط يساعده في هذه المصيبة. مصيبة؟

لماذا تسميها مصيبة؟ تساءل خاطر في سره. لقد عشت طوال عمري إنساناً مهمشاً بلا قيمة. الآن الكل يشير لك بالبنان، سواء كانت روح، عفريتة، جنية مرحب بها على كل حال. لقد ابتسم لك الحظ يا خاطر. لا ترفص النعمة بقدميك المتعفنتين. عد الآن إلى المنزل قبل أن تغير رأيها. قبل أن تعتقد أنك شخص جبان. قطع خاطر الطريق في نصف ساعة. رغم قصره كان جسده يشعر بذبذبات غريبة.

عندما دفع باب البيت انفتح بسهولة. كان هناك حضور خفي داخل المنزل. شيء ثقيل غير مرئي. اندفع خاطر تجاه الأريكة وألقى بجسده عليها. أشعل سيجارة. ثم قال بنبرة متعجرفة. يمكنك أن تظهري. لقد سمحت لك بذلك.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...