تحميل رواية سلانديرا بقلم اسماعيل موسى pdf
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
فى بيت جده القديم الذى وصله أمس، وقف خاطر أمام المرآة. إنه اليوم الأول له فى العمل بعد أن قضى شهوراً يلف فى الشوارع حتى تورمت قدماه. يحكم رابطة العنق حول رقبته ويربت على بدلته القديمة. لم يعجبه مظهره، لكن ما باليد حيلة. عندما يقبض أول مرتب سيشترى ملابس جديدة. ألقى بجسده داخل الأتوبيس، كان حريصاً أن لا يتأخر عن موعد العمل. حاول أكثر من شخص أن يترك له مقعده، لكن خاطر رفض. عندما وصل مقر الشركة وقف متردداً على باب الدخول. لاحظ أنه كان يبدو متشردًا فى مظهره. موظفو الشركة الأنيقون يعبرونه والآنسات أيض...
رواية سلانديرا الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم اسماعيل موسى
وقفت زافيرا للحظة أطول مما ينبغي، عيناها معلقتان بخاطر، كأنها تحاول أن تحفظ ملامحه عن ظهر قلب، كأنها تخشى أن يكون هذا اللقاء الأخير. لكن الليل لم يكن كريمًا بما يكفي ليمنحهما المزيد من الوقت.
قالت بصوت هادئ، لكنه مشحون بالكثير من المشاعر:
"يجب أن أعود."
لم يرد خاطر على الفور، أراد أن يمنعها، أن يمسك بيدها، أن يخبرها ألا تعود إلى ذلك المكان، لكنهما كانا يعلمان أن الهروب الآن لم يكن خيارًا.
حين استدارت، لم يتحرك حتى غابت خطواتها وسط الأشجار، ولم تتبق إلا همسات الريح التي تحمل أثر أنفاسها العالقة في الهواء.
عادت زافيرا إلى القصر كما عادت كل ليلة، لكن هذه المرة، لم يكن الظلام فقط من ينتظرها.
ما إن عبرت بوابة القصر حتى أدركت أن هناك شيئًا خاطئًا.
كان الجو مشحونًا، الجنود يقفون في أماكن غير اعتيادية، والخدم يتحركون ببطء، وكأنهم يخشون أن يُسمع أنين خطواتهم.
وحين وصلت إلى جناحها، وجدت الباب مفتوحًا.
دخلت بحذر، لكن قبل أن تتمكن من استيعاب ما يحدث، أغلق الباب خلفها بصوت عنيف.
استدارت بسرعة، ورأت شيفان واقفًا هناك، كتفيه العريضين يسدان الطريق، وعيناه تتقدان بنار صامتة، لم يكن غاضبًا بالصورة التقليدية، لم يكن يصرخ أو يحطم الأشياء. لكنه كان ساكنًا... وسكونه كان أكثر رعبًا من أي عاصفة.
نظر إليها طويلًا، ثم قال بصوت خافت، لكنه مشبع بالسخط المكتوم:
"ظننت أنكِ أكثر ذكاءً من هذا، زافيرا."
لم ترد. لم يكن هناك شيء تقوله.
اقترب منها خطوة، ببطء، كأنه يزن كل حركة، ثم أضاف:
"هل كنتِ تعتقدين أن أحدًا لن يراكِ؟ هل كنتِ تعتقدين أنني لن أعرف؟"
شعرت بدمها يتجمد. لم يكن يحتاج إلى ذكر اسم خاطر. كانت تعرف أنه يعرف.
لكنه لم يكن يبحث عن إجابة.
رفع يده ببطء، ولمس خصلة من شعرها، كأنه يختبر صبره الخاص، ثم همس:
"كنتِ سترحلين، أليس كذلك؟"
هذه المرة، ردت، بصوت هادئ لكنه مليء بالاحتقار:
"أنت تعرف الإجابة."
ابتسم. لكنها لم تكن ابتسامة حقيقية، بل كانت كظل ابتسامة، قناع يخفي تحته عاصفة.
ثم استدار وقال بصوت بارد:
"لن تغادري هذا القصر حتى موعد الزفاف."
زافيرا لم تتوقع أن يسمح لها شيفان بالتحرك بحرية، لكن الحبس بهذه الصورة؟
كانت غرفتها قد تحولت إلى زنزانة، لا يُسمح لها بالخروج، ولا يُسمح لأحد برؤيتها إلا الخدم الذين يحملون الطعام ويغادرون دون كلمة.
حتى النوافذ كانت تحت المراقبة.
أصبحت سجينة في قصرها.
في البداية، حاولت المقاومة، حاولت التحدث إلى الحراس، حاولت حتى أن تجد طريقًا للخروج، لكن كل محاولة كانت تقابل بجدار من الصمت والجليد.
وحين أدركت أنه لا مهرب لها الآن، بدأ شيء آخر في الانكسار داخلها.
مرت الأيام بطيئة، وكأن الزمن نفسه يتعمد تعذيبها.
كل صباح، كانت تستيقظ على نفس الجدران، نفس السكون الثقيل، نفس الحقيقة القاسية: أنها محبوسة هنا، تنتظر يومًا لم تكن تريده أبدًا.
كانت تجلس لساعات طويلة عند النافذة، تنظر إلى السماء البعيدة، تتساءل إن كان خاطر ما زال هناك، إن كان يحاول إيجاد طريقة لإنقاذها، أم إن كان العالم قد قرر أن يخذلهما معًا.
كانت الليالي أسوأ.
في الليل، كان القصر يهدأ تمامًا، ولم يكن هناك شيء سوى صوت أنفاسها المتوترة، والذكريات التي تنبثق من الظلام، ذكريات اللقاءات المسروقة، الهمسات بين الأشجار، اللمسة الخفيفة التي منحتها الأمل للحظات قصيرة.
لكن الأمل، حين يكون محبوسًا، يتحول إلى ألم.
بدأت تشعر أن الجدران تضيق عليها، أن الظلام أصبح أثقل من قدرتها على احتماله.
كانت تقضي ساعاتها بين الغضب واليأس، بين الرغبة في الصراخ والرغبة في الاختفاء.
لكن في كل مرة كانت تصل إلى حافة الانهيار، كانت تتذكر عينيه.
عيني خاطر، حين قال:
"لقد أتيتُ من أجلكِ."
كان هذا ما يبقيها صامدة.
كان هذا ما يمنعها من الانكسار.
حتى لو كانت سجينة الآن، حتى لو كان شيفان يعتقد أنه انتصر، لم يكن يعلم شيئًا واحدًا:
أنها لن تكون ملكته أبدًا.
وأن خاطر… لن يتركها.
عاد خاطر إلى بيته داخل البحر جوار بيت بتروس وهو يعلم أن لقاءه بزافيرا عند البحيرة لم يكن كافيًا، كانا بحاجة إلى خطة، إلى طريق للهروب قبل أن ينجح شيفان في إتمام زواجه منها.
لكنه لم يستطع الوصول إليها بسهولة، منذ عودته، لاحظ أن القصر قد أصبح أكثر إحكامًا، والجنود أكثر يقظة، والخدم أكثر صمتًا… وكأن شيفان قد شعر بأن شيئًا ما يتغير، وكأن الغريزة البدائية للملوك قد حذرته من أن هناك من يحاول اقتلاع ما يراه ملكًا له.
كان عليه أن يجد طريقة لإرسال رسالة إلى زافيرا، رسالة تخبرها أن عليهما أن يلتقيا مرة أخرى، أن يضعا خطة قبل فوات الأوان.
لكنه لم يستطع فعل ذلك بنفسه، لم يستطع المجازفة بالظهور في الأروقة المزدحمة أو بالقرب من جناحها، حيث يعلم أن شيفان قد أحاطها بحراسة لا تغفل عنها لحظة.
وهكذا، لجأ إلى خادمة بشرية.
كانت نيرا فتاة بشرية نحيلة، بالكاد تجاوزت السادسة عشرة، خادمة جديدة لم يمضِ على وجودها في القصر سوى شهور قليلة. كانت من أولئك الذين ينسابون بين الجدران كالأشباح، لا أحد يلاحظ وجودهم إلا عندما يحتاجون إليهم.
كانت نيرا تخشى الجن كما تخشى الليل نفسه، لكنها لم تستطع رفض طلب خاطر. هناك شيء في صوته، في عينيه، جعلها تثق به رغم أنها تعلم أن ذلك قد يكون نهايتها.
أعطاها ورقة صغيرة، مطوية بعناية، داخلها بضع كلمات فقط:
"زافيرا، سنلتقي مجددًا عند البحيرة. لا تخافي، لن أدع شيفان يأخذك."
لم تكن الكلمات كثيرة، لكنها كانت كل ما تحتاجه زافيرا.
نيرا، التي كانت تعتقد أن هذا مجرد عمل بسيط، مجرد إيصال رسالة لن يراها أحد، أخذت الورقة وأخفتها بين طيات ملابسها، ثم سارت بخطوات سريعة عبر الأروقة، متجهة نحو جناح زافيرا.
لكنها لم تصل أبدًا.
كانت العيون في كل مكان، والشبكات التي نشرها شيفان لاصطياد أي حركة مشبوهة أكثر تعقيدًا مما تخيل خاطر.
لم تكن نيرا قد ابتعدت كثيرًا عندما اعترضها اثنان من جنود شيفان.
"إلى أين أنتِ ذاهبة؟" سألها أحدهم بصوت كالصقيع، وعيناه تحدقان فيها كما لو كان يرى ما تخفيه في صدرها.
ارتبكت، حاولت أن تتماسك، لكن يديها المرتجفتين خانتاها.
لم يضطر الجنود إلى البحث كثيرًا.
عندما انتزع أحدهم الورقة من ملابسها، نظرت إليهم برعب، وكأنها قد رأت موتها بأم عينيها.
أخذوا الرسالة إلى شيفان.
وقرأها.
ثم ابتسم.
عندما وقف شيفان في قاعة العرش، والجنود يسحبون نيرا أمامه، كانت عينيه تشعان بقسوة لا تُقارن.
"لقد أظهرتِ ولاءكِ، يا بشرية." قال بصوت هادئ، هدوء ما قبل العاصفة.
"لكن ليس لي."
لم تحاول نيرا الدفاع عن نفسها، لم تحاول حتى التوسل. كانت تعرف أن هذا لا يجدي مع ملك الجن.
لكنها كانت ترتجف، ودموعها انسابت بصمت، بينما الجنود يقيدون يديها.
"الخيانة عقابها واحد." تابع شيفان، ثم أشار إلى الجنود.
"شنقها على سور القصر."
ودعوا كل من في هذه المملكة يرون جسدها حتى لا ينسوا ما يحدث لمن يخونني.
لم يكن هناك جدال.
وفي تلك الليلة، حين رفع القمر وجهه البارد في السماء، كان جسد نيرا يتأرجح على أسوار القصر، وشعرها الأسود يتطاير مع الريح، وعيناها مفتوحتان على اتساعهما، كأنها ما زالت ترى الموت قادمًا إليها حتى بعد أن أخذ أنفاسها الأخيرة.
كانت رسالتها قد وصلت… لكن ليس إلى زافيرا.
بل إلى الشيطان الذي حكم مصيرها.
لم تعرف زافيرا بما حدث حتى رأت الجسد المتدلي على الأسوار.
تجمدت في مكانها، عيناها اتسعتا بذهول قبل أن يتحول الذهول إلى إدراك مرعب… ثم إلى ألم ممزق.
لم تكن تعرف نيرا جيدًا، لكنها كانت بشرية مثلها، فتاة صغيرة لم تفعل شيئًا سوى إيصال رسالة.
لكن شيفان لم يكن يهتم بالذنب أو البراءة، بل فقط بالقوة… والسلطة… وبأن يجعل كل من حوله يخشونه أكثر من أي شيء آخر.
وحين أدركت زافيرا أن هذه كانت رسالة لها… رسالة مفادها أنه لن يسمح لها بالهروب، وأنه لن يتردد في سحق أي شخص يحاول مساعدتها…
حينها فقط، شعرت زافيرا بشيء ينكسر داخلها.
شيء لم تعد تستطيع إصلاحه.
رواية سلانديرا الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم اسماعيل موسى
لم يكن هناك وقت للحزن.
لم يكن هناك وقت حتى للغضب.
فبعد يوم واحد فقط من تعليق جسد نيرا على الأسوار، جاء الإعلان الرسمي:
"سيُعقد زواج الملك شيفان من زافيرا خلال ثلاثة أيام."
لم يكن الخبر مفاجئًا—كان الجميع يعلمون أن هذا الزواج آتٍ لا محالة، لكن التوقيت... التوقيت كان ضربة قاسية.
كان شيفان يعلن الحرب بطريقته الخاصة.
كل شيء كان يتحرك بسرعة، وكأن القصر بأكمله قد تحول إلى خلية نحل تعج بالاستعدادات. الخدم يهرولون في الممرات، الأسطح تُلمّع، الزينة تُعلّق، والجنود يتناوبون لحراسة كل باب وكل نافذة.
أما زافيرا؟
فقد أصبحت قطعة أثرية تُزيّن هذا العرس، شيئًا يُجهّز ليتم عرضه أمام الجميع، لكن دون أن يُسمح له بأن يكون أكثر من ذلك.
حصار القصر
أمر شيفان بتشديد الحراسة على القصر، ليس فقط لمنع أي محاولة هروب، بل أيضًا لمنع أي أحد من الخارج من التدخل.
لم يكن يريد أي مفاجآت.
كان يريد أن يتم هذا العرس في موعده، تحت إرادته المطلقة، دون أن يعكر خاطرُه أو غيرُه صفو خطته.
الآن، كان هناك حراس عند كل مدخل، كل شرفة، حتى الأسوار كانت تعج بمحاربي الجن الأكثر ولاءً لشيفان، أولئك الذين أقسموا على حماية سيدهم حتى آخر نفس.
لم يعد القصر مجرد قصر.
بل صار حصنًا.
أجنحة الزفاف
في الداخل، كانت التحضيرات تجري كما لو أن هذا العرس مناسبة سعيدة.
الخدم جُندوا ليجهزوا الجناح الملكي الذي ستُزفّ إليه زافيرا، غرفتها كانت تُعد لتكون "مملكة" العروس، وفستانها...
فستانها الأبيض المطرز بخيوط الفضة كان معلقًا أمامها، في انتظار أن ترتديه.
لكنها لم تكن عروسًا.
كانت أسيرة.
وقفت أمام الفستان، نظرت إليه طويلًا، ثم مدت يدها ببطء ولمسته بأطراف أصابعها.
كانت تظن أن ملمسه سيكون ناعمًا، لكنه بدا كالشوك على جلدها.
أغمضت عينيها للحظة، وأخذت نفسًا عميقًا.
ثم فتحتها مجددًا.
لم تنتهِ القصة بعد.
على الجانب الآخر، خارج القصر...
كان خاطر يراقب.
منذ اختفاء نيرا، وهو يعلم أن الأمور لم تعد كما كانت.
ومنذ رؤية جسدها على الأسوار، أدرك أن الوقت ينفد.
الآن، مع الإعلان عن الزواج، لم يعد هناك خيار سوى التحرك.
كان خاطر يعرف القصر، يعرف كيف يعمل نظامه، لكنه لم يكن أحمق ليظن أن بوسعه اختراق هذا الحصار بمفرده.
كان بحاجة إلى خطة.
كان بحاجة إلى حلفاء.
وكان لديه ثلاثة أيام فقط لإنقاذ زافيرا... قبل أن تُجبر على قول "نعم."
في قاعة العرش، حيث تُصنع القرارات وتُسفك الأرواح، وقف شيفان بجوار زافيرا.
كان المشهد أشبه بمسرحية كُتبت نهايتها مسبقًا.
القاعة امتلأت بالنبلاء، بالسحرة، بالمحاربين، كلهم شهودٌ على هذا الحدث الذي سيُعلن زواج ملك الجان من الأميرة التي ستمنحه الشرعية المطلقة.
لكن وسط كل هذه الفوضى الاحتفالية، كان هناك صمت غريب يخيم على زافيرا.
لم تكن تتحرك، لم تكن تعترض، كانت فقط... واقفة، بجسدها، لكن روحها كانت في مكان آخر.
القاضي، الذي وُكّل بمهمة إتمام الزواج وفقًا لقوانين الجان، وقف أمامهما، وجهه شاحب كأنه هو نفسه لم يكن مقتنعًا بما سيحدث.
تردد للحظة قبل أن يتحدث بصوته العميق:
"زافيرا، بصفتك الأميرة الوريثة لمملكة الجان، يجب أن يكون لكِ وكيلٌ يتم الزواج عنكِ. من تختارين ليكون وكيلكِ؟"
ساد الصمت.
كل العيون التفتت إلى زافيرا، تتوقع أن تنطق باسم أحد نبلاء الجان، أحد مستشاري القصر، أو ربما والدها الراحل الذي كانت روحه تُستدعى كجزءٍ من الطقوس.
لكنها لم تقل شيئًا.
وقفت بثبات، لم تنظر إلى شيفان، لم تنظر إلى القاضي، بل أغلقت عينيها.
في تلك اللحظة، لم تعد في القاعة.
عادت بذاكرتها إلى البحيرة، إلى الليل، إلى تلك النظرة في عينيه حين قال لها:
"لقد أتيتُ من أجلكِ."
عادت إلى لحظة الوعد.
إلى لحظة كانت فيها حرة، حتى لو كانت سجينة.
وفي تلك اللحظة، عرفت الإجابة.
همست بصوت بالكاد سُمع، لكنه شقّ الصمت كأنه صاعقة:
"أريد خاطر."
انفجر المكان.
همسات صاخبة، دهشة في عيون الحاضرين، حتى القاضي نفسه تراجع خطوة، وكأن الكلمات حملت ثقلًا لم يكن يتوقعه.
أما شيفان؟
تجمد.
لم يتحرك.
لم يرمش.
لكن من يعرفه جيدًا، من قرأ تعابيره القاتلة من قبل، كان يعلم أن شيئًا في داخله قد انكسر.
لم يكن الغضب هو ما ملأ عينيه، بل شيء أعمق، شيء أكثر سوادًا.
زافيرا لم تره.
لم تهتم.
كل ما كانت تعرفه، هو أن اسم خاطر قد قيل بصوتها، أمام الجميع، أمام القوانين، أمام العرش.
الآن، سواء جاء أم لا...
صرخ شيفان: "كلب... عشقت بشرى حقير وتريد اسمه أمام نبلاء الجن؟ وأنت أتمم العقد قبل أن أقطع رأسك."
وقف القاضي بخوف ثم رفعه يده ووضعها فوق يد شيفان وزافيرا.
كانت الريح حملت رسالة زافيرا إلى خاطر.
عندما أخبرها أن تنطق اسمه عندما تسوء الأمور، كان يعي ما يفعل فعلاً، راهن على حب زافيرا وربط بها تعويذة لا يمكن أن تُكسر. عندما تنطق اسمه، لابد أن يكون حاضرًا.
رغم الجنود والجيش والجان، كانت عينا زافيرا معلقة على بوابة القصر.
لقد وعدها خاطر أن يظهر عندما تنطق اسمه، وها قد فعلت.
أمام البوابة، سمع صوت صراخ وعويل قبل أن ترتج الأرض وتتحطم البوابة وتطير أجساد جنود الجان في كل مكان.
ثم ظهر خاطر يشق صفوف الجان بسيفه مثل الإعصار.
عندما وصل إلى تعريشة الزواج أمام كل النبلاء والمرده والجان.
صرخ خاطر: "أظن أن اسمي ذُكر هنا."
رواية سلانديرا الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم اسماعيل موسى
الريح حملت صوته، كما حملت اسمه.
كان يعرف.
كان يعرف أنه بمجرد أن يُنطق اسمه، لا يمكن للقدر أن يبقى على حاله.
خاطر وصل.
شق طريقه بين صفوف الجان مثل الطوفان، مثل الإعصار، مثل كارثة لا يمكن إيقافها.
وفي لحظة واحدة... لم يعد هذا زفافًا.
بل صار حربًا.
التحطيم.
الدمار.
الانفجار.
البوابة العظيمة التي كان من المفترض أن تحمي القصر تحولت إلى كومة من الحطام، جنود الجان طاروا كأنهم دمي خشبية هشة، والساحة بأكملها اهتزت تحت وقع خطوات القادم من الجحيم.
خاطر.
وقف هناك، عند مدخل القصر، سيفه يقطر بدماء الحراس، وجهه لا يعكس أي أثر للرحمة، عينيه مثبتتين على شيء واحد فقط...
زافيرا.
لكن قبل أن يتحرك، قبل أن يخطو خطوة أخرى، اهتزت الأرض مجددًا.
لم يكن وحده.
بتروس قد وصل.
***
الأسطورة التي ابتلعت أساطير الجان نفسها.
الضباب الكثيف اندفع إلى القصر كالأمواج، ومعه ظهر الوحش.
كان كابوسًا متجسدًا.
جسد أسود، كأنه مصنوع من ظلال متشابكة، أجنحة ضخمة تخفق في الهواء، وعينان تحترقان بضوء جهنمي لا يرحم.
بتروس.
الوحش الذي لا تمسه سيوف الجان، ولا تؤثر فيه تعاويذهم.
وها هو الآن يبتلعهم.
الجنود، أولئك الذين كانوا أشداء لا يخشون شيئًا، رأوه ينقض عليهم، يبتلعهم بين أنيابه دون أن يترك أثرًا، يضرب بذيله ليحطم الجدران، ويطلق زئيره ليزلزل الهواء نفسه.
كانوا يهاجمونه...
وكان يضحك.
حرابهم، لا شيء.
سيوفهم، لا شيء.
تعويذاتهم، مجرد همسات تافهة.
بتروس... كان أكثر من مجرد مخلوق.
كان لعنة.
والآن، كانت اللعنة تسحق مملكة الجان.
***
لكن شيفان لم يكن ينظر إلى بتروس.
كان ينظر إلى شيء آخر.
إلى خاطر.
الرجل الذي وقف الآن أمامه، أمام عرشه، أمام زفافه، أمام قوته، وكأنه لا شيء.
كأنه لم يكن ملكًا.
كأنه مجرد عقبة...
عقبة يجب إزالتها.
وفي اللحظة التي فتح فيها خاطر فمه وقال بصوته القاتل:
"أظن أن اسمي قد ذُكر هنا."
كان شيفان قد تحرك بالفعل.
***
الضوء الأسود اشتعل.
السيف السحري، المحصن بالتعويذة السوداء، ارتفع في الهواء.
ثم، في غمضة عين...
شيفان قفز.
كان مثل رمح مظلم انطلق من قلب الجحيم، عيناه مشتعلة بالغضب، بالسواد، بالقوة التي لم يعرف الجان مثلها من قبل.
كان يعرف من هو خاطر.
كان يعرف قوته.
لكنه لم يهتم.
لأنه كان، ببساطة...
أقوى.
وانطلق السيف في الهواء، مباشرة نحو عنق خاطر.
حين ينفجر السماء والجحيم معًا.
السيف المشحون بالسحر الأسود انقض بسرعة لم تمنح خاطر فرصة للمراوغة بالكامل.
كان يعرف أن لمسة واحدة من هذا السيف يمكن أن تكون قاتلة، لكنه لم يكن بحاجة إلا للحظة، لحظة واحدة فقط ليرى مدى قوة خصمه.
انفجر الشرر بينهما.
حين التقت الحواف المعدنية، انطلق وميض أسود أعمى كل من كان حولهما، ومع ذلك... شعر خاطر بالجرح.
جرح بسيط... شق كتفه اليمنى، ترك خطًا أحمر على جلده، لكنه كان أكثر من مجرد جرح.
شيفان ابتسم.
ابتسامة بطيئة، واثقة، ابتسامة رجل أدرك أن الدم قد سال، وأن القتل قد بدأ.
لكنه لم يكن يعلم أن الوقت قد نفد.
***
راجمات السماء.
كان الصوت أشبه بطوفان قادم من الأعالي، صوت جعل الجميع يرفعون رؤوسهم إلى السماء.
هناك، بين السحب الداكنة، تجمعت دوائر سحرية ضخمة، كل واحدة منها تشتعل بوميض أزرق متفجر، كل واحدة منها مشحونة بالقوة البدائية للبرق والنار.
ثم سقطت النيران.
سقط الجحيم.
السماء أمطرت الموت.
كانت القذائف تنفجر فوق رؤوس الجميع، تحطم الجدران، تحرق الساحات، تدمر التماثيل والأعمدة والجنود دون تمييز.
كان شيفان قد وضع في حسبانه كل شيء...
كل شيء عدا هذا.
"زافيرا!"
صوت خاطر اخترق الفوضى.
التفتت نحوه، رأت الجرح على كتفه، الدم الذي سال، لكنه كان واقفًا، كان ينظر إليها بحدة، كأنه كان ينتظر هذه اللحظة بالذات.
"تعالي معي."
لم تسأل. لم تتردد.
ركضت.
***
الهروب عبر الممر المحرم.
في ظل الدمار، وسط اللهب، وسط الجثث المتناثرة وصراخ الجان الذين تحولوا إلى رماد تحت ضربات السماء، كان هناك طريق واحد فقط للخروج.
طريق لم يكن ليُفتح إلا بفضل شخص واحد.
الدارون مستشار ملك الصقيع.
في زاوية معزولة من القصر، عند حافة الممرات السفلية حيث لم تصل النيران بعد، كان الباب الحجري العملاق قد فُتح.
كان ممرًا قديمًا، طريقًا لا يعرفه سوى القلة، يؤدي مباشرة إلى أعماق الجبال، ومن هناك... إلى مملكة البراري والصقيع.
وحين وصلا إلى العتبة، حين شعرت زافيرا بالهواء البارد القادم من أعماق الأرض، التفتت إلى خاطر وسألته:
"إلى أين؟"
فنظر إليها، نظرة كانت نصفها وعد... والنصف الآخر لعنة.
"إلى المكان الوحيد الذي لا يستطيع شيفان لمسك فيه."
وسط العاصفة الثلجية التي اجتاحت السهول البيضاء، كان خاطر يقود زافيرا عبر الممر السري الذي فتحه لهم الدارون. الرياح كانت تعصف بشعورهم، والصقيع يلتهم أنفاسهم، لكنهما لم يتوقفا. كان هدفهما واضحًا—الوصول إلى قصر الريح، حيث يقيم ملك الصقيع، إيريديون.
عند بوابة القصر، وقفت حراسة من العمالقة الجليديين، دروعهم كانت تلمع تحت وهج المشاعل الباردة، وعيونهم بلون السماء في يوم مثلج. لكن بمجرد أن رأوا خاطر وزافيرا برفقة الدارون، انحنوا دون كلمة، وفتحوا البوابة الضخمة التي أطلقت زئير الرياح وهي تفسح الطريق للوافدين.
داخل القصر، كان كل شيء يبدو وكأنه نُحت من الجليد نفسه. الأعمدة العملاقة ارتفعت كأنها امتداد للسماء، وأضواء زرقاء خافتة تنبعث من البلورات المتجمدة التي زينت الجدران. عند العرش، جلس إيريديون—ملك الصقيع—رجل ذو حضور لا يشبه أي مخلوق آخر.
كان طويلًا، ذو بشرة شاحبة كالرخام، وعينين تتوهجان كنجمتين في ليلة قطبية. معطفه المصنوع من فرو الذئاب الجليدية انسدل على كتفيه، وسيفه المصنوع من نصل الجليد الأبدي استند إلى العرش بجانبه.
حين اقترب خاطر وزافيرا، نظر إليهما مليًا، ثم تحدث بصوت هادئ، لكنه حمل في طياته قوة العواصف:
"جئت إلى أرضي تحمل معك حربًا، يا ابن البشر."
رفع خاطر رأسه، رغم الإرهاق، رغم الجراح، ثم أجاب بثقة:
"جئت طلبًا للحماية، لا الحرب. لكنني لن أهرب إذا لحقتني الحرب."
سكنت القاعة للحظة، ثم التفت إيريديون إلى زافيرا، التي كانت تحمل في عينيها تعبًا وألمًا، لكنه لم يستطع أن يطمس القوة التي لا تزال تحترق بداخلها.
"وأنتِ، أميرة الجان، هل اخترتِ طريقك؟"
نظرت إليه، ثم إلى خاطر، وشدت على يده ببطء.
"اخترتُ قدري."
ساد الصمت للحظات، ثم ارتسمت ابتسامة بالكاد تُرى على شفتي ملك الصقيع. أشار بيده إلى أحد الخدم:
"جهزوا لهم جناح الرياح الشمالية. سيكونان ضيفيَّ حتى يحين الوقت."
ثم نظر إلى خاطر نظرة غامضة، وكأنه يزن شيئًا في عقله، قبل أن يضيف:
"مملكة الصقيع تفِي بعهودها للبشر والجان سواء، لن يمسك مكروه من خارج أرض مملكة الصقيع ما دمت حيًا."
رواية سلانديرا الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم اسماعيل موسى
داخل جناح الرياح الشمالية كانت الجدران تتوهج بضياء أزرق خافت ينبعث من البلورات الجليدية المتناثرة في أرجائه، كأن القصر ينبض بهدوء، لا يكسره إلا صوت العواصف البعيدة وهي تصطدم بجدرانه الهائلة.
النوافذ لم تكن مجرد فتحات تطل على الخارج، بل كانت بوابات إلى السحب المتراكمة فوق الجبال، حيث يمكن رؤية الثلوج تتساقط بلا نهاية على المدى البعيد.
خاطر كان يجلس عند الموقد، ليس لأنه كان يشعر بالبرد، بل لأنه ببساطة لم يعرف الراحة منذ زمن طويل. منذ أن وُلد، كان رجل هروب ومطاردة، لم يعرف يومًا كيف يشعر بالأمان. لكن هنا، داخل قصر الريح، وسط هدوء لم يعتده، وجد نفسه أمام إحساس مختلف… إحساس لم يكن يعرفه جيدًا، لكنه لم يقاومه.
زافيرا كانت تجلس على الأرض، قريبة منه، ظهرها مستند إلى حافة السرير الفاخر، عيناها مثبتتان على الشعلة الزرقاء المتراقصة أمامهما.
بدا أن النار في هذا المكان تحترق بقوانين مختلفة، فهي لم تكن تصدر الدفء الذي اعتاده، بل نوعًا من السكينة الغريبة، كأنها نار وثلج في آن واحد.
نظرت إليه أخيرًا، وكأنها شعرت أنه يفكر بها.
"لماذا تنظر إلي هكذا؟"
لم يجب فورًا، كان يحدق في وجهها، يدرس ملامحها كما لو أنه يراها للمرة الأولى.
الجروح التي تركتها الحرب عليها كانت لا تزال واضحة، خدش صغير على وجنتها، أثر ضربة قديمة عند عنقها، لكنه كان يرى أكثر من ذلك، كان يرى المرأة التي تحدت مملكتها، التي تحدت قوانين الجان، التي اختارته من بين كل مخلوقات العالم.
"أحاول أن أفهم."
"تفهم ماذا؟"
"لماذا وافقت أن تهربي معي"
ابتسمت، تلك الابتسامة التي كانت مثل خنجر مغروس في قلبه.
"لأني أحببتك وسأظل أحبك إلى آخر عمري"
كان يعلم أنها صادقة، وهذا ما جعله غير قادر على النظر بعيدًا. لم يعتد أن يراه أحد مثلما تراه.
تحركت زافيرا، اقتربت منه أكثر، حتى أصبح بإمكانها أن ترى الانعكاس الباهت للنار في عينيه القاتمتين.
مدت يدها ببطء، لمسة بالكاد محسوسة، ومررت أصابعها على الجرح الذي شق كتفه أثناء المعركة مع شيفان.
شعر بقشعريرة باردة تسري في جسده، لكنها لم تكن من البرد.
"يؤلمك؟" سألت بهمس.
نظر إليها… ولم يقل شيئًا.
لم يكن الألم ما يشعر به الآن.
لكنها كانت تفهمه، كما كانت تفعل دائمًا.
في تلك الليلة، حين كانت العاصفة تزأر خارج القصر، وحين كانت مملكة الجان تنهار خلفهم، وحين لم يعد للعالم كله معنى، جلسا معًا تحت ضوء البلورات الباردة، صامتين… لكن الصمت لم يكن خاليًا.
كان مليئًا بشيء آخر.
شيء كان ينمو بينهما، شيئًا أقوى من الحرب، أقوى من اللعنات، وأقوى من ممالك الجان والبشر مجتمعة.
الحب.
كان يتضخم كعاصفة أخرى، عاصفة لا تهب على مملكة الصقيع… بل على قلبيهما.
خارج الشرفة تدلت جنية قزمة ترفرف بجناحيها وهمست: "أهلاً بالحبيبين، اسمي ناهيندا وأريد أن أقدم لكم شيء."
ثم أخرجت باقة ورد من التوليب بينهما قبل أن تضحك وتختفي بين الضباب.
في صباح هادئ داخل قصر الريح، حين كان الثلج يسقط ببطء على أبراج الجليد العالية، دوى صوت البوق في أرجاء المملكة، معلنًا وصول الغرباء.
على أبواب القصر، وقف الوفد القادم من مملكة الجان، يرتجفون رغم عباءاتهم السميكة، ليس فقط بسبب البرد، بل بسبب الضغط الذي فرضه وجودهم في أرض لم تكن ترحب بهم.
في المقدمة، كان يقف قائد الوفد—جان طويل القامة، عيناه بلون الذهب المحترق، ويرتدي درعًا مغطى بنقوش سوداء كرمز لولائه للملك شيفان. اسمه كان "إيلدار"، وكان معروفًا بولائه المطلق لعرش الجان.
حين فُتحت أبواب القصر العملاقة، لم يجدوا أمامهم حشدًا من المستقبلين، لم يكن هناك سوى شيء واحد—صمت جليدي، وقوة لم تنطق بعد.
في قاعة العرش، حيث يقرر ملك الصقيع مصير العواصف، وقف إيريديون ينتظر.
"لقد قطعتم طريقًا طويلًا عبر الجليد، يا أبناء الجان." قالها ملك الصقيع بصوت هادئ، لكنه كان يحمل في طياته جبروت الريح الباردة التي يمكن أن تسحق الجبال إن غضبت.
تقدم إيلدار، وانحنى انحناءة قصيرة، لم تكن خضوعًا بقدر ما كانت اعترافًا بالقوة التي يواجهها، ثم قال بنبرة رسمية:
"جئنا بأمر من ملكنا، الملك شيفان، ملك الجان بلا منازع، وسيد العرش الأسمى."
ثم أخرج لفافة مختومة، ومدها إلى الدارون، الذي أخذها بخبرة رجل يعرف تمامًا ما سيُكتب فيها قبل أن يفتحها.
"ملك الجان يطلب إعلان الولاء." أكمل إيلدار، صوته لم يكن خاليًا من التحذير. "كما أنه يطالب بإعادة الأميرة زافيرا إلى مملكتها، حيث تنتمي."
كان الصمت هو الرد الأول.
صمت ثقيل، مثل طبقة الجليد التي تسبق انهيار الجرف الجليدي.
رفع إيريديون عينيه الباردتين، كأنه لم يكن يسمع مجرد كلمات، بل تهديدًا مستترًا.
"إعلان الولاء؟" كرر بصوت بطيء، كما لو أنه يتذوق الكلمات قبل أن يبصقها.
ثم نهض من عرشه.
كل من في القاعة أحس بتغير في الجو، الهواء صار أثقل، البرودة ازدادت حتى بدت الجدران وكأنها تتصدع بصمت.
"هل أتى ملكك ليطلب مني الركوع؟"
لم يكن سؤالًا.
كان اختبارًا.
إيلدار لم يبتلع ريقه، لكنه شعر للمرة الأولى بأن هذا اللقاء لن يكون كما خطط له شيفان.
"ملك الجان لا يطلب الركوع، لكنه يذكرك بأن الحرب ليست في مصلحة أحد."
ابتسم إيريديون، لكنها لم تكن ابتسامة دافئة، بل كانت ابتسامة ملك يرى أمامه طفلًا يتحدث عن أشياء لا يفهمها.
"وأنتم، أبناء الجان، متى كانت الحرب خارج حساباتكم؟"
ألقى الدارون نظرة سريعة على خاطر، الذي كان يقف عند الجدار، عينيه مظلمتين، صامتًا لكنه ليس غائبًا عن المشهد.
زافيرا كانت خلف العرش، لم تكن خائفة، لكنها كانت تعرف أن هذه اللحظة هي بداية شيء خطير.
إيريديون استدار نحو الوفد، وعيناه تضيئان كالثلج العاكس لنور القمر.
"أما عن طلبك الآخر…" قالها ببطء، ثم استدار نحو زافيرا مباشرة.
"الأميرة زافيرا ليست أسيرة هنا، ولم تُجبر على البقاء. إذا كانت تريد العودة، فلتقل ذلك بنفسها."
كل الأنظار تحولت إليها.
كانت هذه لحظة قرارها أمام الجميع.
رفعت زافيرا رأسها، نظرت مباشرة إلى إيلدار وقالت دون تردد:
"لن أعود."
كانت الكلمات مثل سهم أصاب قلب الوفد.
إيلدار تراجع خطوة، كأنه لم يتوقع منها إجابة واضحة بحسم. لكنه استجمع نفسه سريعًا وقال:
"إذن فأنت تختارين العيش كخائنة؟"
لكن زافيرا لم تتراجع، بل رفعت ذقنها وقالت:
"أنا لا أختار الخيانة. أنا أختار حريتي."
هذه المرة، كان الصمت مختلفًا.
إيريديون استدار نحو إيلدار مجددًا، وقبل أن يتكلم، كانت الرياح قد تحركت في القاعة، كأنها تتهيأ للعاصفة القادمة.
"أبلغ ملكك يا إيلدار أن مملكة الصقيع لا تعلن الولاء إلا لمن يثبت قوته."
ثم اقترب، حتى صار ظله يطغى على إيلدار، وصوته صار همسًا باردًا كالصقيع القاتل:
"وأما عن زافيرا… فأخبر ملكك أن يرسل من هو قادر على استعادتها بنفسه، إن كان يظن أنه يستطيع."
انحنى إيلدار وتراجع بخطوات إلى الخلف مع مرافقيه وهو يهز يديه المكسوة بشعر الماعز.
عندما انغلقت البوابة قال مساعد إيلدار: "فشلت مهمتنا. شيفان لن يتقبل ذلك."
همس إيلدار: "ربما كانت رحلتنا فاشلة منذ البداية، لكنها تحمل في طياتها أملًا."
قال إيريديون: "إذا كان يريد زافيرا، فليرسل من هو قادر على استعادتها بنفسه، ونحن لدينا من هو قادر على استعادتها. من أرض إيريديون، شيفان سيجد الحل، وملك الصقيع لا يمكنه أن يتراجع عن كلامه."
رواية سلانديرا الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم اسماعيل موسى
بعد عودة إيلدار إلى مملكة الجان، كان القصر الملكي في حالة غليان. الحراس يتهامسون في الممرات، والمستشارون يتجنبون مقابلة الملك مباشرة، حتى لا يكونوا أول من يتلقى غضبه.
كان شيفان جالسًا على عرشه، يداه مشدودتان إلى مساند الكرسي الحجري، وأصابعه تنقر ببطء على سطحه. عيناه تضيقان بينما يستمع إلى تقرير إيلدار.
"رفضوا الولاء… وزافيرا اختارت البقاء."
قالها قائد الوفد بحذر، لكن الكلمات كانت مثل شرارة في بركة من الزيت.
في اللحظة التالية، انطلق صوت ارتطام قوي، حين تحطمت كأس كريستالية بين أصابع الملك، واندفعت شظاياها إلى الأرض المغطاة بالسجاد القرمزي.
"إيريديون يعتقد أنه يستطيع أن يتحداني؟"
كان الغضب يفيض من صوته، لكنه لم يكن غضبًا أعمى. كان غضبًا يحمل معه التخطيط والانتقام.
نهض من عرشه، وبدأ يتحرك في القاعة، خطواته ثقيلة لكنها محسوبة، كأنها ضربات طبول حرب لم تبدأ بعد.
"إذا كان ملك الصقيع يظن أنني سأقبل بهذا الرفض، فهو لم يعرفني بعد."
ثم توقف، استدار إلى أحد مستشاريه، "أحضروا لي السحرة."
كانت تلك الجملة وحدها كافية لجعل القاعة ترتجف.
في قصر الجان السفلي.
لم تكن زنزانات القصر الملكي مجرد أقفاص للضعفاء، بل كانت شراكا للمحاربين، أماكن يضيع فيها الوقت والعقل معًا.
في إحدى هذه الزنزانات، كان بتروس محتجزًا.
سلاسل من الفضة السوداء قيدت معصميه وكاحليه، والطلاسم المرسومة على الجدران منعت أي محاولة له لاستخدام قواه.
لقد قاتل، قاوم، لكنه كان يواجه شيئًا لم يكن مستعدًا له—سحرًا قديمًا، مظلمًا، لا يعتمد فقط على القوة، بل على كسر الروح نفسها.
على الجانب الآخر من القضبان، وقف شيفان يراقبه، وإلى جانبه أحد سحرته المخلصين.
"بتروس…" قال الملك بصوت هادئ، لكنه كان يحمل في طياته قوة لا تقاوم. "سحقت معظم جيشي بقوتك، لكن القوة الحقيقية لا تعني شيئًا إن لم تخضع لصاحبها الصحيح."
ستخضع لي مثلما خضعت لوالدتك.
ثم رفع يده فأنهال سوط على جسد فتاة البحر التي ساعدت خاطر من قبل.
صرخت الفتاة وارتعش جسد بتروس وراح يصرخ: أمي، اتركو أمي.
ثم رفع بتروس رأسه ببطء، عيناه متوهجتان بالغضب والتحدي، سأقاتلكم جميعًا.
ابتسم شيفان، ثم أشار إلى الساحر بجانبه.
"لن أطلب منك الولاء، يا بتروس. بل سأنتزعه منك."
حين رفع الساحر يده، بدأت الطلاسم على الجدران تتوهج بضوء أخضر مخيف، وشعر بتروس بطاقة غريبة تتغلغل في جسده، كأنها يد خفية تلتف حول عقله، تحاول كسره ببطء.
"زافيرا لا تنتمي لهم."
كانت كلمات شيفان الأخيرة قبل أن تتحول الغرفة إلى بحر من الظلال، يبتلع كل شيء بداخله.
وكان ذلك بداية سقوط بتروس في قبضة الظلام.
إذا لم تطعني سأقتل والدتك ثم أمزق جسدك يا بتروس.
في قاعة العرش المظلمة داخل قصر الجان، كان شيفان يجلس على عرشه، أنامله تتكئ على مساند الكرسي المصنوع من خشب الليل، بينما عيناه تراقبان ألسنة اللهب الخضراء المتراقصة أمامه.
أمامه وقف إيلدار، عيناه ما زالتا تعكس الصدمة من كلمات ملك الصقيع.
"من يستطيع أن يأخذ زافيرا، فليفعلها بالقوة."
كان هذا التحدي أكثر من مجرد إعلان للحرب، كان استدعاء للمبارزة، للطريقة القديمة التي تحكمت في مصائر الممالك قبل أن تغمرها الدماء.
شيفان لم يكن يريد أن يجعلها مجرد معركة، بل أرادها نزالًا رسميًا، نزالًا يثبت فيه أن زافيرا ملك له، ليس فقط لأنها كانت أميرة الجان، بل لأنها كانت تنتمي إليه.
رفع رأسه أخيرًا وقال بصوت بارد:
"إذا أراد إيريديون أن يجعلها لعبة قوة، فسنلعب بشروطه… وسنهزمه فيها."
بتروس، مقاتل شيفان الأول:
قرر شيفان إرسال بتروس ليكون قائد بعثته. لم يكن بتروس مجرد محارب، كان قوة مختلطة بين السحر والتوحش والهمجية. بعد أن أسره شيفان وسيطر عليه بالسحر، لم يعد الرجل الذي يخضع لفتاة البحر، بل أصبح أداة لعرش الجان، بلا إرادة، بلا شك، وبلا رحمة. رغم ذلك أمر شيفان أن تجر الفتاة والدة بتروس مقيدة بالسلاسل المسحورة خلف الفرقة التي سترحل إلى أرض الملك إيريديون وسيلة ضغط أخرى.
إذا لم ينفذ بتروس أوامر شيفان.
لم يرسل شيفان جيشًا، بل أرسل ستة من أقوى محاربيه، كل واحد منهم كان مقاتلًا لا يقهر، يجيد استخدام أساليب مختلفة من القتال. هؤلاء لم يكونوا جنودًا عاديين، بل قتلة، مبارزون، وحوش في هيئة رجال.
لم يكن شيفان ينوي غزو مملكة الصقيع، بل أراد أن يجعل الأمر قانونيًا لا يمكن لإيريديون رفضه.
لهذا، أرسل رسالة رسمية عبر إيلدار، مختومة بختم الجان الأسود، تنص على التالي:
"باسم ملك الجان، شيفان، نطالب بنزالات عادلة بين محاربينا ومحاربيكم، وفقًا لقوانين القتال القديم.
من ينتصر، تكون زافيرا من حقه. فإن خسرنا، فسيكون لنا شرف الهزيمة."
رغم أن النزالات ستكون عادلة في ظاهرها، لم يكن شيفان ينوي أن تكون كذلك في الواقع. فقد أرسل سحرة متمرسين ليحضروا معه تعاويذ خفية، تعزز قوة محاربيه، وتضعف خصومهم دون أن يدرك أحد.
عند شروق الشمس، وقف بتروس ومحاربو الجان في الساحة الجليدية أمام قصر الرياح. حولهم كانت أعمدة الجليد تمتد نحو السماء، شاهدة على هذه اللحظة التاريخية.
من الجهة الأخرى، وقف محاربو إيريديون، بعيون جليدية لا تهاب الموت. بينهم، وقف ملك الصقيع نفسه، معتمًا عباءته الرمادية، عيناه تلمعان ببريق لا ينبئ بالرحمة.
رفع الدارون الوثيقة، وقرأها بصوت هادئ لكنه جليد قاطع:
"هذه النزالات ستقرر من يستحق الأميرة زافيرا. وفقًا لقوانين القتال القديم، لا تراجع بعد قبول التحدي، ولا رحمة بعد بدء المبارزة."
ألقى إيريديون نظرة على زافيرا التي وقفت خلفه، عينها تراقب بتروس بصمت مشوب بالخوف.
وحين دوى صوت البوق، ليعلن بدء أول نزال، كانت تعرف أن اليوم سينتهي إما بانتصار ملك الصقيع… أو بانتصار شيفان.
وخاطر لم يكن هنا.
كان ملك الصقيع والبرارى أرسل خاطر في مهمة سرية عند مستنقع الحيات ليحضر ساحرة تعيش هناك اسمها أمارديس. كانت مهمة مستحيلة وخاطر وحده من يستطيع تنفيذها أو ربما ظن خاطر ذلك.
فتلك الأرض، مستنقع الحيات، لم يرجع منه أحد من قبل لا جان ولا بشرى ولا حتى ملك جان.
رواية سلانديرا الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم اسماعيل موسى
انطلقت النزالات، قتال حتى الموت. ستة مقاتلين من مملكة بلاتين أمام ستة مقاتلين من مملكة الصقيع والبراري.
كانت النزالات تتم تحت عين الملك إيريديون، وعندما قُتل أول مقاتليه شعر باستياء بالغ. ثم قُتل الثاني والثالث، كل ذلك وبتروس لم يشترك في القتال، كان مسخرًا بتعويذة قوية تجعله يشاهد وهو منزوع القوة.
النزال الرابع استمر أكثر من يومين وقُتل كلا المتحاربين فيه.
ولم يتبق للملك إيريديون سوى اثنين من المقاتلين، وكان واضحًا أن الهزيمة على الأبواب.
وفي اليوم الخامس مات المقاتل الخامس من مملكة الصقيع والبراري، ولم يتبق سوى محارب واحد اسمه شحنين. كان من مرتزقة جان بوغاد، ووعده إيريديون بذهب ومنصب كبير في عرشه. وكانت النزالات تنص على موت كل المقاتلين من طرف قبل أن يعلن الانتصار.
وصل خاطر مستنقع الحيات مع فرقته الصغيرة لإحضار الساحرة أمارديس، وكان عليه عبور المستنقع الذي بدا ساكنًا وهادئًا.
وقبل الوصول إلى الجهة الأخرى، ظهرت حية ضخمة تخترق المياه الراكده، لكنها لم تهاجم خاطر، بل سمحت له بالوصول إلى الجهة الأخرى.
ثم ظهرت حية أخرى وأخرى حتى امتلأ المستنقع بالحيات.
أخيرًا فهم خاطر ما يعنيه ذلك.
الحيات لم تكن تمنعه من الوصول إلى الساحرة، بل تمنعه من العودة مرة أخرى والبقاء في مكانه إلى الأبد.
سيكون ممنوعًا عليه العودة إلى قصر الريح، إلى حبيبته زافيرا.
لكن خاطر لم يسرف في التشاؤم، فقد كان لديه السحر وتعويذة الانتقال، فكل ما عليه هو أن يصل إلى الساحرة أمارديس.
وكان كهف الساحرة وسط الغابة يعلوه خيط من الدخان لا ينقطع ليلًا أو نهارًا. عندما وصل خاطر، طلبت منه أن يدخل بمفرده. حول الكوخ كانت هناك أكوام هياكل عظمية وجماجم وحيوانات غريبة.
داخل الكوخ الذي بدا متسعًا أكثر من اللازم، تربعت الساحرة الجميلة على عرش من ورق الأشجار، تحفه الزهور والورود.
بدت الساحرة أصغر من شهرتها ولها جمال أخاذ يسرق العين والفؤاد.
"عرف عن نفسك."
همست الساحرة بنبرة ضاحكة ودودة.
"اسمي خاطر."
"وما الذي أحضر السيد خاطر إلى أرض منفية لا عودة منها ولا حياة فيها؟"
"يرغب الملك إيريديون في مقابلتك لأمر طارئ."
"إيريديون؟" همست الساحرة وهي تنهض من على عرشها بوجه متمرد وقسمات أقيونسية.
"الملك طلب منك ذلك؟" أجل، قال خاطر بثبات.
"لابد أن لديك مكانة مميزة عند الملك حتى يرسلك أنت دون عن كل أتباعه؟"
"لا أعرف، إنها مجرد مهمة سأنجزها وأعود إلى قصري."
"تعود إلى زافيرا؟"
اتسعت عينا خاطر، "تعرفين زافيرا؟"
"أعرفها،" همسات الجان يوصلها الريح إلي، أجد تسليتي في ثرثرة الجان ومكائدهم.
"عندما تمضي بك الأيام في هذه الأرض بمفردك ستشتاق إلى صوت تسمعه."
"لا أنوي البقاء هنا أكثر من اللازم، سأعود إلى حبيبتي."
ابتسمت أمارديس، مشت على الأرض بقدمين بيضاوين كالحليب.
وقفت أمام الكوخ على العشب.
"هل تعرف لماذا أرسلك الملك لهنا يا خاطر؟"
"أعرف، أرسلني لأحضرك إلى قصره."
حدقت أمارديس في وجه خاطر، "كنت أظنك أذكى من ذلك يا خاطر.
لقد أرسلك إيريديون لتسليتي.
يحرص إيريديون على إرسال بشر وجان إلي في صفقة أبرمتها والدتي معه.
في مقابل أن ترفع والدتي يدها عن أرضه، يرسل إيريديون أضحيات إلى هنا تقضي بقية حياتها في خدمتها حتى موتها."
لم يتحمل خاطر المفاجأة، "أنت كاذبة!" صرخ بصوت متحدي.
"سأرحل من هنا بك أو دونك."
همست أمارديس، "حاول."
وقف خاطر على ضفة مستنقع الحيات، أغمض عينيه وأطلق تعويذة الانتقال، لكن لم يحدث شيء.
جرب مرة وعشرة بلا فائدة، قبل أن يعود غاضبًا إلى كوخ أمارديس ويصرخ بغضب، "أوقفي سحرك حتى أتمكن من العودة إلى أرضي."
قالت أمارديس، "لا يوجد سحر يمكنه أن يخرجك من هنا يا بشري.
مستنقع الحيات المكان الوحيد الذي لا تسري عليه قوانين السحر، منطقة حيادية معزولة لا يفلح فيها أي سحر مهما كانت قوته."
رواية سلانديرا الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم اسماعيل موسى
وقف خاطر أمام أمارديس، أنفاسه تتسارع وذهنه يبحث عن أي مخرج من هذا الكابوس. لم يكن مستعدًا لهذا، لم يكن يتوقع أن ينجر في لعبة أخرى من ألاعيب الجان.
"أنت تكذبين!" قال بصوت خشن، لكن الساحرة لم تبد منزعجة. بل ضحكت، ضحكة ناعمة ولكنها محملة بالسخرية.
"أوه، يا خاطر… البشر دومًا يظنون أنهم أذكى مما هم عليه، لكنك عالق هنا معي الآن، شئت أم أبيت."
نظر حوله، إلى الظلام الذي يلف المستنقع، إلى الحيات التي كانت تراقبه بصمت مخيف، وكأنها تفهم ما يحدث. لو كانت أمارديس محقة، فهذا يعني أنه لا يوجد طريق للعودة… لا يمكنه العودة إلى زافيرا.
لكن… لا، لا يمكن أن ينتهي الأمر هكذا.
قال ببطء، وهو يحاول أن يستعيد توازنه: "هناك دائمًا طريقة."
اقتربت أمارديس، نظراتها تتوهج بلون غريب، وقالت بصوت خافت: "ربما… لكن سيتطلب الأمر أكثر مما تملكه الآن."
"ما الذي تريدينه؟" سألها بحذر.
"أريد أن أرى ما أنت مستعد لخسارته من أجل العودة."
***
في ساحة النزالات
كان الثلج يتساقط ببطء، يكسو الأرض البيضاء التي لطختها الدماء. لم يتبق سوى اثنان… بتروس لم يتحرك بعد، وسيفان، المرتزق الأخير، كان يواجه خصمه وحده.
عيون الملك إيريديون كانت محايدة، لكن في أعماقه، كان يعرف الحقيقة. كان يدرك أن الهزيمة قريبة.
التفت إلى مستشاره الدارون، وقال بصوت منخفض: "هل حان الوقت؟"
هز الدارون رأسه بإيماءة طفيفة، ثم رفع يده اليمنى بحركة خفية، لم يلاحظها أحد وسط المعركة.
وفجأة…
اهتزت الأرض تحت أقدام الجميع.
***
في مستنقع الحيوانات
تقدمت أمارديس خطوة نحو خاطر، عباءة الظلام التي تحيط بها بدت وكأنها تتموج مع الريح الخفية التي لا يشعر بها إلا هو. كانت عيناها تلمعان بلون لم يره من قبل، مزيج بين الذهبي والزمردي، وكأنهما عيون وحش كامن في أعماق الغابة.
"ما الذي تريدينه مني؟" سألها بنبرة حادة، محاولًا إخفاء قلقه.
ابتسمت، تلك الابتسامة التي لم تكن مريحة أبدًا، وقالت: "أريد شيئًا بسيطًا يا خاطر… أريد أن تقطع عهدًا معي."
"عهد؟"
"نعم، عهد الدم."
عبس، لم يكن يحب هذه الطقوس، لم يكن يثق بالسحرة، خاصة من هم مثل أمارديس، لكن إن كان هذا سيعيده إلى زافيرا… فهل لديه خيار آخر؟
"وماذا سأعطيك في المقابل؟"
اقتربت أكثر حتى كاد يشعر بنسيم أنفاسها الباردة، وهمست: "أريد جزءًا من روحك."
تجمد خاطر في مكانه، شفتاه انفصلتا عن بعضهما في صدمة، لكنه لم يجد الكلمات. روحه؟ لا شيء يعطى كهذا ببساطة… الروح ليست شيئًا يجزأ!
لكن أمارديس كانت جادة، بل كانت عيناها تشعان بالجوع…
"إذا قبلت، ستخرج من هنا، لكنك لن تكون كما كنت أبدًا."
"وإذا رفضت؟"
لوحت بيدها ببطء نحو المستنقع، حيث الحيوانات بدأت بالتحرك في نمط دائري غريب… ثم قالت بهدوء: "حينها، ستمضي بقية أيامك هنا، إلى أن تلتهمك هذه المخلوقات."
خاطر ابتلع ريقه… كان عليه أن يختار.
***
أرض ملك الصقيع – لحظة الحسم
في ساحة القتال، كان المحارب الأخير لمملكة الصقيع، شحنين، يقف محدقًا في خصمه. كان جسده الضخم مليئًا بالجروح، لكنه لم يكن مهزوزًا. على العكس، بدا وكأنه ما زال متعطشًا للمزيد من القتال.
كان خصمه محاربًا من بلاتين، قويًا، لكنه بدا مترددًا للحظة.
"الملك إيريديون لا يزال يراقبنا،" قال شحنين بصوت أجش، وهو يرفع سيفه. "وأنا لا أزال واقفًا."
لكن قبل أن تبدأ المواجهة، وقبل أن تتحقق الهزيمة المطلقة…
اهتزت الأرض.
لم يكن ارتجافًا بسيطًا، بل كان شيئًا أكبر… شيئًا أشبه بالزلزال، لكنه لم يكن مصدره الأرض فقط، بل الهواء نفسه.
بتروس، الذي كان مسجونًا بسحر إيريديون، شعر بشيء يتغير.
"ما الذي يحدث؟!"
اهتزت الأرض، فسكنت مرة أخرى.
صرخ بتروس: "النزالات انتهت، زافيرا ستعود معنا!"
رفع إيريديون يده بسخرية، لكن محارب الأخير لم يقتل. ولم يمُت. إنه هنا.
صرخ وفد الملك شيفان: "هذا غش! شيخون مات!"
بعدها دوى صوت شيخون في الساحة: "أنا هنا! لن يكون هناك انتصار كما تنص قوانين الجان دون جسد للميت!"
نظر بتروس تجاه سحرة شيفان، ثم صرخ: "اخرجوا جثة الوغد بأي طريقة!"
***
في مستنقع الحيات والأراضي المتأخمة لها
قالت أمارديس: "دائمًا هناك ثمن يا خاطر، لكنني سأتركك. وعندما تفشل، ستجدني فوق التلة خلف كوخي."
صرخ خاطر: "أنا لا أمتلك الوقت، زافيرا في خطر!"
"سأمنحك الوقت الذي تحتاجه يا خاطر، أنا أحكم عليك أن تعود كل مرة مثلما كنت ومثلما كان الوقت والزمن والمكان."
ثم نفست تعويذتها في وجه خاطر.
رواية سلانديرا الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم اسماعيل موسى
خاطر مع فرقته جرب كل أنواع السحر وكان في كل مرة يرتد عليه ويعود بالفشل.
كان مستنقع الحيات منطقته محايدة، لا ينفع فيها أي سحر.
اتفق ملوك الجان السبعة منذ الأزل وأبرموا العقود والمواثيق بالدم والنار.
وكان خاطر في كل مرة ينتابه الأمل في نجاحه، لأن طرقه السحرية كانت مبتكرة، ولأن بتروس علمه السحر الأسود وكيف يخلطه مع سحر الظلام.
لكن دائماً كان هناك شيء ناقص، شيء يمنعه من الكمال والاكتمال، لكن خاطر لم ييأس، واصل المحاولة دون أن يغمض له جفن حتى انغلقت جفونه ونام مكانه.
كانت الساحة ممتلئة بالجند والمقاتلين، زافيرا ترتدي فستاناً أبيض لكنها لا تبدو حية.
معروضة داخل فترينا لعرض الملابس والمزاد، مزاد الجان مبرم عليها، قادة وملوك.
كل واحد منهم يضع عرضه، وخاطر كان بينهم لكنه غير قادر على الكلام أو التصرف، مشاهد فقط.
فتح خاطر عينيه على صرخة أحد حراسه، حاول عبور المستنقع فابتلعته إحدى الحيات.
"أمارديس كانت محقة، في بعض الأوقات لابد أن نختار، حتى لو كانت الاختيارات صعبة. سأذهب إلى أمارديس، إذا كان لديها طريقة سأمنحها ما تريد."
كانت أمارديس خلف الكوخ فوق التلة كما أخبرت خاطر.
تضحك مع أرنب بري جميل المظهر وتربت فوق ظهره.
"ها، حضرت أخيراً. سأنفذ طلباتك يا ساحرة. قولي ما ترغبين به."
"أرغب في الحب، الحب يا خاطر. أعيش هنا محبوسة منذ سنين طويلة وأريد أن أجرب الحب."
"لكن أنا أحب زافيرا، مستحيل أن أخونها."
"هذا شرطي الوحيد يا خاطر، إما أن تحبني مثلما تحب زافيرا، أو أن تموت هنا مثل غيرك." ثم اختفت أمارديس من مكانها.
"زافيرا؟ لا، لم أفعل. كيف للقلب أن يحب مرتين؟"
"إذا لن يكون حب ولا غرام، بل أمر فارغ. سأموت وأنا أحاول."
ثم قصد المستنقع من فوره، سحب سيفه وحراسه من خلفه.
"إذا كان علينا أن نموت سنموت، لكن ليس دون مقاومة."
تحركت الحيات في شكل لولبي وأحاطت بخاطر وحراسه.
حيات ضخمة، تبتلع الشخص مرة واحدة.
حارب خاطر ورجاله، لكن المستنقع مستنقعهم والسحر سحرهم والأرض أرضهم.
لم تكن حيات عادية، تشعر أنها تفكر مثل البشر، لديها عقول.
حارب خاطر أكبر الحيات حتى ابتلعته، صرخ حراس خاطر وعادوا إلى الضفة.
وبعد دقائق ظهرت الحية الضخمة وقذفت خاطر من معدتها إلى الغابة، كان بخير ولم يصاب بجرح واحد.
"إنها ليست حيات، بل أرواح!" صرخ خاطر، "أرواح تم سحرها. أرواح مظلومة اختارت الانتقام."
عندما عرض خاطر على الحية الضخمة، الحية القائد، أن تسمح لهم بعبور المستنقع، رفضت وأشارت إلى الغابة حيث كوخ أمارديس.
"إنهم يخدمون الساحرة،" فكر خاطر، "لم يسمحوا لأحد بالعبور ما لم تسمح أمارديس."
عاد خاطر إلى الساحرة أمارديس، توسلها وخضع لها، ترجاها أن تسمح له بالعودة.
"نهضت أمارديس، قلت لك شرطي يا خاطر، لابد أن تحبني مثلما تحب زافيرا حتى تتمكن من عبور المستنقع والعودة إلى أرض الصقيع."
"لكني لا أملك قلبي،" صرخ خاطر، "زافيرا متربعة داخله. الأمر ليس بيدي."
"حاول،" همست أمارديس وهي تمشي على العشب، "حاول يا خاطر."
"إذا أحببتني يمكنك العودة لزافيرا، لكن ليس أي حب أو كلام فارغ. حب من داخل قلبك، حب يجعلني أشعر أنك تحبني."
فكر خاطر أن ينسلخ عن روحه، حيلة علمه إياها بتروس في آخر أيام تدريبه.
قال بتروس: "عندما يسوء بك الحال يمكنك أن تنسلخ عن نفسك يا خاطر. أن تصبح جسدين بروح واحدة. يمكنك أن تستخدم ذلك في ساحة المعركة، عندما تواجه جيشاً كبيراً أو تتعرض لضرب قد يدفعك للاستسلام. حينها يمكنك أن تنسلخ عن نفسك ولن تشعر بأي ألم. لكن ذلك لن يدوم طويلاً يا خاطر، فقط بعض الوقت. ثم إنك لا يمكنك تكرار ذلك أكثر من ثلاثة مرات."
"انتظر قرارك يا خاطر."
"أريد كهفاً مظلماً ساكناً،" همس خاطر، "بعيداً عن هنا."
ابتسمت أمارديس: "وماذا سنفعل هناك؟"
"تقصدين ماذا سأفعل هناك؟ سأذهب بمفردي، وعندما أعود سأحبك يا أمارديس مثلما أحب زافيرا."
توجه خاطر تجاه الكهف الذي حددته أمارديس.
كان كهفاً بعيداً عن الغابة مثلما طلب خاطر.
واصل خاطر سيره، وكما خطط بعد أن تعدى حدود الغابة عادت إليه قواه السحرية، لكن سحره رفض أن يخرجه خارج المستنقع.
كانت تعويذة المستنقع تعويذة ميتة لا يمكن كسرها.
وصل خاطر الكهف الشاسع المظلم والهادئ، أطلق أكثر من تعويذة رتبها بالتتالي لتطيل أمد انسلاخه.
ثم جلس في سكون وانسلخ عن روحه.
عاد إلى أرض الجان ثم قصر الشمال.
وشاهد القتال هناك، شيخون المختفي آخر مقاتلي إيريديون.
علم بالاتفاق بينهم حول زافيرا.
ثم مضطر عاد بالزمن إلى الخلف قبل وصوله إلى أرض الجان وقبل ظهور زافيرا.
ثم جلس في صمت يتابع حياته قبل زافيرا بحذافيرها.
أيام لم يكن في عقله ولا قلبه أي حب.
رواية سلانديرا الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم اسماعيل موسى
جلس خاطر في ظلمة الكهف، يراقب المشاهد تتوالى أمامه كما لو أنه خارج الزمن. لم يكن مجرد انسلاخ عن روحه، بل كان غوصاً في ماضٍ لم يكن يتخيله بهذه القسوة. شاهد نفسه قبل زافيرا، حين كان مجرد شاب يبحث عن المجد، حين لم يكن يعرف شيئاً عن الحب، حين كان قلبه حجراً لا ينبض إلا بإيقاع الحياة الممل.
لكنه الآن يدرك الحقيقة..
لم يكن خالي القلب، بل كان مجرد رجل لم يجد من يحركه.
كانت زافيرا من حرّكت روحه، جعلته يعرف المعنى الحقيقي للحب، لكنه لم يعد قادرًا على العودة إليها كما كان. لم يكن مجرد خاطر القديم، ولم يكن الشخص الذي يمكنه أن يخونها.. لكنه كان مضطراً لإيجاد مخرج.
"إن لم أستطع أن أحب أمارديس.. فهل يمكنني أن أجعلها تعتقد ذلك؟"
كانت الفكرة خطيرة، أمارديس ليست ساحرة عادية، إنها تعرف كيف تقرأ القلوب، لكن خاطر لم يكن مجرد محارب الآن، كان رجلاً تعلم على يد بتروس، رجلاً يستطيع أن ينسلخ عن نفسه.. وإن استطاع أن يخلق وهماً في روحه، فهل يمكن أن يخدع الساحرة؟
تنهد، عاد إلى جسده داخل الكهف، شعر بجسده يبرد للحظات.
ينتفض، يرتعش، يتشنج كأنه عاد للحياة مرة أخرى ثم استعاد وعيه بالكامل. كانت التعويذات التي وضعها تعمل كما يجب، لكن عليه أن يتحرك بسرعة قبل أن ينهار كل شيء.
عاد إلى كوخ أمارديس، وجدها بانتظاره كما لو أنها كانت تعلم بقدومه.
"وهل نجحت؟" سألته بصوت هادئ لكنه ممتلئ بالسخرية.
نظر إليها خاطر، عيناه محايدة، لكنها لم تكن كما كانت من قبل. كان هناك شيء مختلف، شيء جعل أمارديس تتراجع قليلاً وكأنها تشعر بشيء لم يكن موجوداً من قبل.
"نعم، أمارديس إن حبك بدأ ينبض في قلبي. الحقيقة قارنت بينك وبين زافيرا. لا أكذب عليك، هي أميرة وأنتِ ساحرة، لكنكِ أجمل منها بكثير والعين تعشق قبل القلب."
"تقولين أنك تحبينني؟"
"أقول أن قلبي انفتح لحبك، إنه ليس أمراً ميكانيكياً يا أمارديس لكنه يحتاج إلى الوقت."
اتسعت عينا الساحرة، كانت تنتظر أن ترى كذبة في قلبه، لكنها لم ترَ شيئاً.. أو بالأحرى، رأت حباً حقيقياً، أو ما بدا كأنه حب.
"أشعر به.. لكنه غريب،" همست وهي تقترب منه، تضع يدها على صدره، حيث ينبض قلبه. "لكنه حقيقي.. أليس كذلك؟"
ابتسم خاطر ابتسامة هادئة، لم يكن يعلم إلى متى سيستمر خداعه، لكن هذه كانت فرصته الوحيدة للنجاة.
كان منسلخاً بالكامل حتى أنه صدق نفسه.
لقد كان يعيش قصة حب حقيقية بالتوازي، يعيشها بكل مشاعره وروحه وجسده وظل أياماً مع أمارديس لا يعود إلى روحه إلا أوقات النوم التي كان يحرص أن تكون في أماكن بعيدة عن كوخ أمارديس.
بعد أيام سألها خاطر: "هل أستطيع العبور الآن؟" سألها بنبرة ثابتة.
"لقد أحببتك وأنتِ ساحرة لا يمكنني خداعك، لكنك أعطيتني كلمتك."
حدقت به أمارديس طويلاً، ثم ابتسمت بدورها.
"نعم، يمكنك العبور، يا خاطر. لكن تذكر.. الحب ليس شيئاً يمكنك التلاعب به."
تحركت يدها ببطء، رسمت في الهواء دائرة متوهجة، ثم همست بكلمات لم يفهمها. فجأة، اهتز المستنقع، توقفت الحيات عن الدوران، وانفتح ممر وسط المياه السوداء، طريق لا يمكن إلا لمن وافقت عليه أمارديس أن يعبره.
"اذهب إلى زافيرا، لكنني سأنتظر.. لأرى إلى أين سيأخذك هذا الحب الجديد."
كان هناك شيء في صوتها جعله يتجمد للحظة، لكنه لم يتوقف. سار عبر الممر، محاولاً ألا يفكر في ما تعنيه كلماتها.
في منتصف الممر.
اهتز الممر مرة أخرى وعادت الحيات للدوران.
لكنها لم تهاجم خاطر، لكن الحية الضخمة ظهرت فجأة ووقفت أمام خاطر.
همست الحية: "أنت مخادع، الحب الذي في قلبك ليس حقيقياً."
أدرك خاطر غباءه، كان عليه أن يواصل انسلاخه حتى خروجه من الممر.
أغمض خاطر عينيه وصرخ: "أنت مخطئة يا قائدة الحيات وحارسة المستنقع. انظري مرة أخرى داخل روحي."
توقف كل شيء، ثم بعد دقيقة خرج صوت الحية: "أرى حباً حقيقياً داخل قلبك. لكن هناك أمر خاطئ لا أستطيع أن أفهمه داخلك.. أنت.. أنت لا أعرف."
صرخ خاطر: "أنتِ مأمورة مثلي. وما عليك إلا أن تطيعي الأوامر، افتحي الممر أيتها الروح المعذبة."
وجد خاطر نفسه خارج حدود المستنقع، وحينما عاد إلى روحه سمع صراخ الحيات الغاضب قبل أن تتفجر مرة واحدة.
وصل خاطر أرض الصقيع والبراري، وكان القاضي يستعد لإعلان هزيمة محاربي إيريديون وتسليم زافيرا إلى بتروس قائد وفود شيفان.
ظهر خاطر وتقدم لوسط الباحة، "من يريد أن يأخذ زافيرا فعليه أن يتعداني."
صرخ بتروس: "هذا هراء، النزالات انتهت بأمر إيريديون."
صرخ خاطر: "زافيرا ليست ملك إيريديون ولا غيره. زافيرا ملكي أنا، من يريدها يتقدم لأخذ روحي."
لوحت زافيرا بوجهها الشاحب تجاه خاطر، ابتسم خاطر غير مبالٍ بالمقاتل الصنديد الذي ظهر أمامه.
كان يشتاق لزافيرا أكثر من أي شيء ولم يتحكم في مشاعره.
ولم يقدر على الوقوف بعيداً عنها.
انسلخ خاطر عن نفسه، ترك نصفه يحارب في الباحة.
وذهب إلى زافيرا.
"زافيرا اشتقت لك!!"
ارتعشت زافيرا: "أنت من؟!"
"أنا خاطر يا روحي."
"خاطر؟ كيف تفعل ذلك؟ أنت تقاتل هناك؟ أراك بعيني."
همس خاطر: "افسح لي مجالاً أجلس جوارك."
وكان خلف مجلس الملك مقعد زافيرا وأريكتها، جلس خاطر جوار زافيرا ولمس يدها.
"الاشتياق قتلني لك."
"وأنا كنت سأصبح عبده لشيفان بسببك!!"
"لا تقولي ذلك زافيرا، أريد قبلة."
صرخت زافيرا: "خذ حذرك، لقد ضربك الفارس بسيفه، ألا تتألم؟"
"أتألم في بعدك، إذا لم آخذ قبلة سيقتلني ذلك المحارب القوي."
"أنت مخادع يا خاطر، لن أمنحك قبلة."
ترك خاطر المقاتل يضربه حتى كاد قلب زافيرا أن ينقلع خوفاً عليه.
"خلاص سأمنحك قبلة لا تجعله يهزمك."
أغمضت زافيرا عينيها.
"تفضل خذ قبلتك."
قال خاطر: "لن آخذ قلبه دون أن أنظر إلى عينيك."
"أنت مزعج جدا."
"أهو تفضل؟"
نظر خاطر إلى عيني زافيرا العميقة، ابتسامتها وخجلها.
ثم همس: "سأؤجل القبلة لوقت آخر، لدي حرب على الانتصار فيها."
"أحسن،" همست زافيرا بارتياح.
رواية سلانديرا الفصل الثلاثون 30 - بقلم اسماعيل موسى
بعد أن أُغلقت الساحة من كل اتجاه وأطلق الرماة سهامهم من كل صوب، سقط كل من كان في الباحة على الأرض.
صرخت زافيرا صرخة الفجع والفقد. كان كل شيء يسير بطريقة جيدة، لكن حدث ما لم تخطط له.
الوصيفات، وصيفات زوجة الملك إيريديون، أحطن بزافيرا بعد أن فقدت وعيها، ثم قمن بنقلها إلى جناح الريح الشمالي. وحضرت من أجلها طبيبة القصر، وكانت تدعى ماهي.
ماهي، التي وضعت عشبة بقريس المنعشة فوق أنف زافيرا، جعلتها تستعيد وعيها على الفور.
أفاقت مصدومة شارده، ثم كأنها تذكرت، وكان قد مر أكثر من ساعة.
"خاطر مات؟"
"مات." همست الوصيفة الملكية.
"حرام!" صرخت زافيرا، "خاطر لم يفعل شيئًا سوى أنه أحبني!"
"ألا تعتبر تلك حماقة أصلاً يا أميرة الجان؟" أجابتها الطبيبة ماهي وهي تدفع أعشابها داخل حقيبتها.
"أريد أن أراه!" صرخت زافيرا.
حاول الوصيفات منعها بالقوة، لكن الطبيبة ماهي صرخت بهم: "اتركوها! اسمحوا لها أن تراقب اللحظة التي ستجعلها حزينة بقية عمرها."
من الشرفة، تابعت زافيرا حراس إيريديون ينقلون الجثث. كانت تتمنى ألا ترى جثة خاطر بينهم، لكن بعض الأماني لا تتحقق في أرض الجان.
عندما وجد الحراس جثة خاطر، كان بها من السهام أكثر من عشرين سهم.
وجهه، قلبه، عينه، صدره، كتفه، وأقدامه. صرخت زافيرا لرؤية خاطر بتلك الهيئة المزرية.
بينما ابتسم الملك إيريديون بسخرية وأمر الدار مستشاره أن يجهز لحفل عرسه بزافيرا وأن يدعو كل ملوك الجان لحفل تنصيبه.
قال إيريديون: "لكن الملوك بايعوا شيفان يا ملكي؟"
"لا تقلق." قال إيريديون، "بعضهم بايعه مضطر، والبعض الآخر أبلغني ولائه لي سراً."
دفن خاطر خارج القصر بالقرب من البحر حتى لا تنتشر رائحة العفونة والأمراض بالقرب من القصر.
انتشرت رسل إيريديون في كل مكان تدعو الملوك والأمراء لمبايعة إيريديون وحضور حفل زفافه.
عندما وصل الخبر، جمع شيفان مستشاريه وأعلن الحرب على مملكة الصقيع والبراري، وطلب من ملوك المقاطعات الذين أقسموا بالولاء إرسال جيوشهم.
وكان الجواسيس تنتقل بين أرض المملكتين، ولا حديث إلا عن أمر الحرب الوشيك.
مما دفع إيريديون لتبكير أمر زواجه من زافيرا سراً دون أن يعلم أي شخص.
"عندما يحضر الملوك وشيفان، ستكون زافيرا زوجتي، وعندها سنحتكم للقانون القديم."
اشتعلت النار في جناح الملكات عندما بلغهن نية إيريديون الزواج من زافيرا.
وقررن التخلص منها بقتلها. قمن برشوة الحراس قبل الزفاف.
الذين تخلو عن حراسة غرفة زافيرا، ثم أرسلن لها مجموعة من القتلة المحترفين. كانت الخطة تقتضي قتل زافيرا داخل القصر. لكن نظراً لظروف طارئة، جروها خارج القصر نحو الأراضي الميتة.