تحميل رواية سلانديرا بقلم اسماعيل موسى pdf
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
فى بيت جده القديم الذى وصله أمس، وقف خاطر أمام المرآة. إنه اليوم الأول له فى العمل بعد أن قضى شهوراً يلف فى الشوارع حتى تورمت قدماه. يحكم رابطة العنق حول رقبته ويربت على بدلته القديمة. لم يعجبه مظهره، لكن ما باليد حيلة. عندما يقبض أول مرتب سيشترى ملابس جديدة. ألقى بجسده داخل الأتوبيس، كان حريصاً أن لا يتأخر عن موعد العمل. حاول أكثر من شخص أن يترك له مقعده، لكن خاطر رفض. عندما وصل مقر الشركة وقف متردداً على باب الدخول. لاحظ أنه كان يبدو متشردًا فى مظهره. موظفو الشركة الأنيقون يعبرونه والآنسات أيض...
رواية سلانديرا الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم اسماعيل موسى
عندما مروا على قبر خاطر، سمح لها أحد القتلة أن تودع خاطر قبل أن تلحق به.
زافيرا، بثوبها الممزق ونظراتها الشاردة، وقفت مقيدة اليدين على حافة قبر خاطر. الأرض من تحتها رطبة، والنسيم المحمّل برائحة البحر يلفح وجهها كصفعة باردة تذكرها بما فقدته. لم يكن في الوجود كله آنذاك سوى هي وهو... قبره الهادئ وجسدها المرتجف.
ركعت ببطء رغم القيد، لامست بأطراف أصابعها التراب الذي وُري تحته، وكأنها تنتظر أن يجيبها من بين ذراته، أن يسمعها ويعود، كما وعد.
همست بصوت مبحوح، مكسور:
"قلت لي... حين أنادي باسمك ستأتي...
لكني لا أستطيع أن أناديك وأنت ميت...
ماذا لو ناديت، ولم تأتِ؟
ماذا لو خذلني اسمك؟"
انهارت دموعها، وغاصت يدها في التراب كأنها تحاول الإمساك بطيفه. شدّت على قبضتها حتى انغرزت أظافرها في جلدها، ولم تشعر.
"أردتك حيًا، أردتك سندي، لم أكن مستعدة لوداعك، لا الآن، ولا أبدًا..."
ثم أنشدت زافيرا بلغة الجان:
"Elira nai, Khatar alen,
Sennar va'lae, monira ven.
Thalë rinya, thalë moren,
Shira venil... shira thoren."
"Veleth nai, sira nomae,
Nara ithil, veyan thalae.
Kaelin mori, lae shenvar,
Nae ilen, Khatar anar."
"اسمعني يا خاطر البعيد،
يا من رحلت، وأخذت النور معك.
كل الأغاني بكت، وكل الظلال،
لكني وحدي... من نزفت الصمت."
"أحبك، حتى وإن خنتني الحياة،
حتى وإن انطفأ القمر من السماء.
في الظلام أدعوك، بين الرماد،
ألا تسمعني؟ يا خاطر، عد."
صوت خشخشة خلفها قطع وحدتها، ثم أيدٍ خشنة أمسكت بذراعيها وسحبتها بعنف.
كانت لا تزال غارقة في الحزن، لم تقاوم، فقط التفتت برأسها الأخير نحو القبر وهمست:
"لو كان هناك عودة من الموت... عد."
سُحبت زافيرا من أمام القبر نحو الغابة، حيث تذبل الأشجار وتتعفن الجذور، نحو الأرض الميتة التي لا يدخلها أحد ويعود كما كان.
القتلة، ملثمون بعباءات سوداء، عيونهم لا تحوي شيئًا سوى البرود، لم يخبروها بشيء، لم يكن هناك داعٍ للشرح.
كانت تقاوم فقط حين تذكرت عينيه، خاطر...
ذلك القسم الذي قطعه، ذلك الحنان الذي طوّق قلبها حتى الآن.
لكنها كانت وحيدة، مقيدة، مجروحة...
سُحبت زافيرا إلى عمق الأرض الميتة، يجرّها القتلة بين الصخور الجرداء والأشواك اليابسة. كانت الدماء تسيل من رسغيها، والخوف ينهش قلبها، لكنها لم تصرخ، لم تستجدِ أحدًا. لم يبق لها شيء لتخسره.
ثم... عند حافة وادٍ ميت، توقف القتلة فجأة.
الهواء تغيّر، صار أثقل، كأن الأرواح القديمة عادت للتنفس.
ثم ظهر الضباب. دوامة رمادية كثيفة انبعثت من باطن الأرض، تبعتها رائحة قديمة من زمن النبوءات واللعنات.
ومن قلب الدوامة، خرج طيفها.
أمارديس.
شعرها فضي كسكون الجليد، عيناها مثل ليل بلا نجوم. لم تمشِ بل انزلقت بخفة فوق الأرض وكأنها لا تنتمي للعالم.
رفع أحد القتلة سيفه نحوها، لكنه لم يكمل حركته. التفّت الضبابات حوله وسحبته للعدم دون صوت.
تراجع البقية، ولكنهم لم يهربوا. كانوا مسمّرين، كما لو أن الزمن نفسه جَمَدَ حولهم.
نظرت أمارديس نحو زافيرا، ثم اقتربت منها، تأملتها كما يتأمل المرء شيئًا غريبًا ونادرًا.
"أهذه أنتِ؟" همست أمارديس "التي أحبها خاطر؟"
لم تجب زافيرا. كانت عاجزة عن الفهم.
أشارت الساحرة للقتلة، فانفتح صدع أسود في الأرض وابتلعهم، ثم أغلقت الأرض عليهم كما لو لم يوجدوا.
قالت أمارديس، بنبرة خافتة:
"كنت أريد رؤيتك. لأعرف من هي تلك التي حطّمته. تلك التي أحبها أكثر مني."
اقتربت منها أكثر، ثم لمست خدها الملطخ بالدموع.
"خاطر... كان أغبى من عرفت. لكنه كان نقيًا. مات لأجلك. وأنا، أكره أن يُقتل النبل."
حاولت زافيرا التراجع، لكنها كانت مقيدة ومهزومة.
فقالت أمارديس بهدوء قاتل:
"ستدفعين الثمن. لا بدمك، بل بما هو أمرّ منه...
أنتِ لي الآن، يا أميرة الجان.
ستصبحين خادمة في مملكتي، سترتدين رماد العار، وتخدمين من أخذ نصف قلب حبيبك، وتتعلمين بصمت كيف يُولد الحب... ويموت."
وبحركة من يدها، انحلت القيود، فقط لتُستبدل بسلاسل أخرى، لا تُرى، لكن تُشعر، ثم خُتم عنق زافيرا بفراشة مثلثة الأضلاع رمز العبودية.
غابت الأرض الميتة من تحت قدمي زافيرا.
ثم وجدت نفسها في كوخ مظلم، سقفه من نجوم سوداء، وأرضه من زجاج يعكس الذكرى لا الصورة.
وقفت أمارديس، وقالت بابتسامة ساخرة:
"ابدئي بتنظيف الكوخ. الخادمة لا تنتظر الأوامر مرتين."
همست زافيرا: "أنت تعرفين خاطر؟"
قالت أمارديس: "أنا التي خدعها خاطر من أجلك يا عبده."
كانت جيوش شيفان على مشارف أرض مملكة الصقيع والبراري.
وقبل أن يعلن حفل الزفاف المزمع، اكتشف الدار مستشار الملك اختفاء زافيرا.
وعن طريق السحر عرف أن حريم الملك شاركوا في الجريمة.
الملك المصدوم أمر بشنق كل زوجاته السبع وتعليق جثثهن على سور القلعة.
رواية سلانديرا الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم اسماعيل موسى
كان كوخ أمارديس في ظاهره كوخًا ريفيًا تقليديًا، يقع عند طرف أرض المستنقع، تحيط به الأشجار اليابسة والصخور السوداء.
لكنه من الداخل… شيء آخر.
كل شيء فيه يتنفس بطريقة خافتة: الأرض، الجدران، حتى الأدراج.
الهواء أثقل من المعتاد، كأن الأنفاس لا تُطلق بل تُبتلع.
وهناك… وُضعت زافيرا خادمة لا تُسأل، ولا تُرحم.
في أولى لياليها، قادتها الساحرة إلى غرفة داخلية بلا نوافذ، سقفها منخفض، وجدرانها تحاكي حركة صدرها في الخوف.
قالت لها أمارديس بصوت ناعم مقلق:
"ستعيشين يومًا واحدًا، مرارًا، حتى تنسي لماذا وُلدت."
في كل فجر، كانت تستيقظ على صفعة لا تدري ممن، تُعطى قطعة خبز متعفن، تُؤمر أن تنظف الأرض بالأوراق اليابسة، ثم تُلقى في زاوية كجثة مؤجلة.
ثم يأتي الليل… لكنه لا يمر.
كلما أغمضت عينيها، عادت للبداية.
يوم واحد، عفن، مر، لا يموت ولا ينتهي، كان الزمن يكرر نفسه بلا أي خدوش.
وبعد عشرات التكرارات، دخلت أمارديس في إحدى الليالي، وجلست قبالتها:
"ما اسمك؟"
قالت زافيرا بصوت متشقق:
"... زافيرا."
ضحكت الساحرة، ومدت يدها الباردة إلى جبينها:
"ليس بعد الآن."
همست بتعويذة قديمة، لم تفهمها زافيرا… لكنها أحست بها تُغلق بابًا داخل رأسها.
منذ تلك الليلة، لم تستطع نطق اسمها.
كلما حاولت قول "زافيرا"، تجف حلقها، وتُحبس الكلمة في صدرها.
ضحكت أمارديس: "منذ الآن اسمك الخادمة الرابعة."
ثم، في يوم آخر، جلست زافيرا أمام مرآة.
لم ترَ فيها انعكاسها، بل رأت أكاذيبها المشوهة:
رأت خاطر وهو يبتسم لإيريديون، رأت والدها يسلمها ليد الأعداء،
رأت شيفان وهو يصافح قاتليها،
وكل صورة تُطعن بها ذاكرتها، وكل مشهد يبدد ثقتها في نفسها.
وذات ليلة، قدمت لها الساحرة كوب ماء.
شربته… لكن الماء لم يكن عاديًا.
مع كل رشفة، تسقط في ذكرى… لكنها ليست كما كانت.
خاطر ينادي باسم فتاة غيرها.
شيفان يقول: "لقد خانتنا زافيرا."
صوت في الخلفية يهمس:
"كان يمكن أن تنقذه… لكنها لم تحاول."
وأشد الليالي وطأة… كانت تلك التي يأتي فيها الهمس.
حين تنام على الأرض، في الزاوية، تسمع من الظلال صوتًا كصوت خاطر، لكنه بارد:
"أحببتك… فخذلتني."
"بحثت عني؟ أم أنك ارتحت من عبئي؟"
وفي كل همسة، كانت زافيرا تجر جسدها المرتجف إلى جدار الكوخ، وتحتضن نفسها، وتهمس بشيء لا يخرج…
لأنها لم تعد تعرف إن كانت ما تزال "زافيرا".
ورغم كل شيء، في تلك الزاوية، الصغيرة والمكسورة،
كان هناك شيء صغير لم تنجح أمارديس في انتزاعه…
ظل خاطر،
ذلك الطيف الرقيق الذي لم تره، لكنها شعرت به.
أحيانًا، كانت تسمع صوتًا بعيدًا يقول:
"حين تنادينني باسمي… سأكون أمامك."
لكنها لم تكن تقدر على النطق، كان حلقها جاف ومن تناديه ميت.
مرت الأيام… أو الأشباه المنهكة للأيام، ولم تعد زافيرا تميز الفجر من الغروب، ولا الصمت من الصراخ.
كانت أمارديس قد ابتدعت أساليب لا تُشبه أي عقوبة عرفتها الجان.
لم تكن تؤذيها بالسياط ولا بالنار، بل بالفقد البطيء لكل ما يُبقيها على قيد الذات.
ذات مرة أمرت الساحرة زافيرا أن تعزف على قيثارة قديمة موضوعة في زاوية الكوخ.
لم تكن زافيرا قد عزفت يومًا، لكن أمارديس قالت:
"العزف عندي ليس موسيقى… بل اعتراف.
كل وتر تخطئين فيه، سيمحو ذكرى من ذاكرتك."
عزفت زافيرا، وارتعشت أناملها.
ولكل نغمة مرتعشة، كانت تفقد شيئًا…
ضحكة مع خاطر، رائحة الريح في مملكة الفجر، ملامح أمها.
وعندما أنهت، كانت الموسيقى نشازًا… وكانت روحها أكثر فراغًا.
وفي صباح آخر، قادتها أمارديس إلى مرآة من الضباب.
قالت لها:
"انظري جيدًا.
هذه صورتك لو أنك اخترت شيفان، لو لم تخرجي من القصر،
لو أنك فقط… أطعت."
رأت زافيرا نفسها تلبس تاج الجان، تجلس جوار شيفان، تتلقى التحية من الشعب.
كانت جميلة… كاملة… محبوبة.
ثم همست الساحرة:
"تلك حياتك في عالم لم تدمريه."
ولكي تتخلص من مقاومتها، حبستها أمارديس في غرفة صغيرة بلا ضوء، لثلاثة أيام… أو أكثر.
كل ما فيها كان جدارًا واحدًا ينبض كأنه قلب، وأصوات خطوات تدور من حولها.
كان يُحكى أن هذه الغرفة لا تؤلم الجسد، بل تجعل الوعي يلتهم نفسه.
خرجت زافيرا منها… ترتجف، عيناها زجاجيتان، لكنها لم تصرخ.
وهنا بدأت أمارديس تخاف.
ففي كل مرة تحاول تحطيمها، كانت زافيرا تميل، تتشقق، لكنها لا تسقط.
الكوخ كله شعر بذلك.
وفي ليلة باردة، اقتربت الساحرة منها، وجلست قبالتها، وحدقت في عينيها طويلًا.
"لماذا لا تنكسرين؟"
قالتها بلا سخرية هذه المرة.
همست زافيرا بصوت مبحوح:
"لأن صوتًا لا يتركني… يقول لي إنني لم أنتهِ بعد."
فنهضت أمارديس، وصفعتها بقوة، وقالت:
"سنرى كم سيصمد هذا الصوت حين أمنحك أخيرًا… فرصة الهروب."
لكن الهروب في كوخ الساحرة، لم يكن بابًا.
في ليلة رمادية، ساد فيها الصمت فوق الأرض الميتة، وقفت أمارديس عند باب الكوخ، تفتح ببطء قفله القديم الذي لم يُفتح يومًا منذ سُجنت زافيرا داخله.
نظرت إلى زافيرا التي كانت جاثية في الزاوية، بعينين متعبتين لا تطلبان شيئًا.
قالت لها بنبرة ناعمة تحمل سمًا باردًا:
"هذا هو الباب.
وراءه أرض الغابة…
إن استطعتِ الخروج، فأنتِ حرة."
زافيرا لم تصدق… ولم تفرح.
شعرت بدم بارد يسيل في عروقها.
لكنها نهضت، ببطء، ومشت نحو الضوء الرمادي خارج الكوخ.
الخارج كان هادئًا… أكثر من اللازم.
الهواء ساكن، والأشجار ثابتة كأنها لوحات.
بدأت زافيرا تركض…
ركضت حتى ظنت أن الرعب الذي عاشته صار خلفها.
ركضت حتى امتلأ صدرها بشهيق لم تذقه منذ أيام.
لكن بعد وقت…
بدأت تسمع صوته.
خاطر.
يناديها من بين الأشجار، صوته مألوف… حنون، لكنه متألم.
"زافيرا…"
توقفت. نظرت حولها.
ثم رأته.
كان واقفًا بين ظلين، يبتسم.
"أين كنتِ؟" سألت.
ركضت نحوه. لم تشكك، لم تفكر.
كل ما أرادته أن تعانقه.
أن تعتذر.
لكن قبل أن تلمسه… اختفى.
ظهر من جديد، هذه المرة مقيدًا بالسلاسل، يصرخ.
"أنقذيني… أنت تركتيني…"
ركضت نحوه، وانهارت عند قدميه.
لكنه لم يكن خاطر.
كان هيكل شفاف، خلق من وهج السحر… صنع فقط ليعذبها.
ضحكت أمارديس من أعلى شجرة، وقالت:
"الهرب الحقيقي… لا يكون بالركض.
بل أن تواجهي هذا:
هل تستحقين الغفران؟
هل كانت محبتك له حقيقية… أم وهم نجوت به من خيانة نفسك؟"
ظهرت مئات الصور لخاطر.
في كل صورة، يموت بشكل مختلف…
وفي كل مرة، كانت زافيرا عاجزة عن إنقاذه.
وفي كل مرة، كانت تصرخ:
"أنا آسفة… أنا آسفة…"
لكن لا أحد يسمع.
سقطت زافيرا على الأرض، منهكة، مبللة بالعرق والتراب.
السماء انطفأت.
والغابة اختفت.
ووجدت نفسها… عائدة إلى الكوخ.
وقفت أمارديس عند الباب المفتوح، تنتظرها، وتبتسم.
قالت لها:
"أرأيت؟
حتى عندما أفتح لك الباب…
تحملين سجنك معك."
تخلي عن حب خاطر حينها فقط سوف تتمكنين من الهرب من الكوخ والغابة وكل شيء.
شهقت زافيرا، حبه هو ما يبقيني حية، كيف أتخلى عنه؟
صرخت الساحرة بغضب وانفجر شيطانها.
قيدت زافيرا أمام باب الكوخ وأحضرت سوطًا من جلد البلناغ.
وبكل قوتها راحت تجلد زافيرا، كان سوط البلناغ يتفاعل مع الروح الإنسانية التي يجلدها، وكلما وجد مقاومة أصبح أقوى وأشد.
تمزقت ملابس زافيرا وتقطع جلد ظهرها وهي تبكي وتصرخ، وسالت الدماء من جسدها.
"من سينقذك مني؟"
"تخليك عن حب خاطر هو نجاتك."
صرخت زافيرا: لو كان خاطر هنا، ما استطعتِ أن تفعلي ذلك.
ضحكت أمارديس بسخرية، نادية: "إذا ربما يأتي من قبره وينقذك."
صوبت زافيرا وجهها ناحية القمر وقالت: خاطر.
عد إلي، أنا أحتاجك.
خاطر، أنا أنادي باسمك.
رواية سلانديرا الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم اسماعيل موسى
حين نطقت زافيرا اسمه – لا، حين مزقت به الظلام وصاحت به من أعماق جراحها:
"خاطر! عد إليّ… أنا أحتاجك! خاطر، أنا أنادي باسمك!"
توقف الليل.
انحبس الهواء، وانطفأ وهج السوط في يد أمارديس، وارتجفت الأرض تحت الكوخ.
رفعت الساحرة رأسها نحو السماء، نحو القمر الذي بدأ يشحب، ويتحول تدريجياً إلى قرص من لهب أبيض لا يُطاق.
ثم... سمع الصوت.
ليس همساً، بل نبضاً. كأن قلباً عملاقاً بدأ بالخفقان تحت المستنقع، خفقاناً يعلو ويعلو، حتى بدا أن الأرض ستنفجر.
ومن بين الأشجار الميتة، عند الحد الفاصل بين الغابة والمستنقع، انشق الضباب، وانقسمت الظلال، وتقدمت خطوات.
ببطء… بثبات… كما لو أن الموت نفسه يخشى أن يعرقل الطريق.
ظهر خاطر.
بهيئة لم ترها زافيرا من قبل، لكن قلبها عرفه قبل عينيها.
كان واقفاً على ضفة المستنقع، شعره الأسود يتطاير بلا ريح، ودرعه العتيق يعكس نوراً رمادياً، كأن الزمن صهره في قلب المعركة.
عيناه ليستا لميت… بل لحيّ عاد من خلف الستار، بوجه لا يخاف، وصوت لا يُقاوم.
قال:
"أنا هنا، زافيرا."
سقط السوط من يد أمارديس.
صرخت: "هذا... مستحيل! لقد مت!"
لكنه تقدم، وكل خطوة له كانت تُطفئ ناراً زرعتها الساحرة، وتُسقط وهماً من أوهامها.
"لم أمت، أيتها الغبية" قال خاطر بنبرة هادئة ولكنها أشد من السيف، "لقد اختبأت…
في تعويذة قديمة، من ملوك الجان السبعة. كانت تعويذة العبور… تحميني.
لم أكن في القبر… بل في الانتظار."
امتدت يده، وأضاءت راحته بنور خافت يشبه أول فجر بعد ألف ليل، وقال:
"أبعدي يدك عنها، يا أمارديس… قبل أن أحرق ظلك من هذا العالم."
الساحرة صرخت، حاولت استدعاء شيطانها، لكن الأرض لفظته. المستنقع الذي طالما خدمها، جف من حولها، كأنه أعلن خيانتها.
"لا يمكن!" صرخت، "لا يمكنك لمسي! أنا محمية بقوانين—"
"القانون تغير حين نادتني زافيرا."
ولوّح بيده، فانشق الهواء، وظهر نصل السرّ، سيف الجان الذي لا يُستخرج إلا حين ينادي الحب الحقيقي باسمه.
اندفعت نحوه أمارديس وهي تصرخ، لكن خاطر لم يتحرك. بل مرت نصلته في الهواء، وكأنها قرأت روحها لا جسدها.
صرخت، سقطت، تلاشت… لم تترك وراءها سوى وشاح رمادي محترق.
ركضت زافيرا، دموعها مختلطة بالدم، بالوحل، بكل جرح لم يُشف… واحتضنته.
لا بكلمات، ولا باعتذارات، بل بشيء أعمق. كأن عودته، أعاد إليها اسمها، وجسدها، وسببها.
همس لها: "لقد سمعتك، زافيرا… في كل مرة دعوتني.
لكن لم أقدر أن أعود… إلا حين ناديت باسمي.
حين علمت من تكونين، عدت."
وسقط الكوخ خلفهم، كأنه لم يكن.
وفي أول فجر حقيقي… منذ زمن طويل، مشت زافيرا وخاطر معاً نحو الضوء.
وقد عاد لها صوتها.
وعاد لها اسمها.
وعاد لها، هو.
بينما كانت الحرب مشتعلة بين ايريديون وشيفان وجيوشهم،
كان خاطر وزافير يعبران مستنقع الحيات في سلام.
وكانا قد مرا بقرية من الجان طلبوا بها طعام، وعندما عرفوا أن زافيرا ابنة الملك شيخون، ركعوا أمامها وأعلنوا أنها ملكتهم الحقيقية.
وعندما تكرر الأمر في أكثر من قرية، فكر خاطر أنه أمر مثير للاهتمام، بوجود زافيرا إلى جواره، يمكنه جمع جيش يدين له بالولاء، جيش يعتمد عليه في الحرب والتفاوض.
لذلك أجل عودته إلى أرض مملكة الصقيع، وطاف في القرى النائية والبعيدة، ثم تلقى الدعم من مملكة البحر التي تدرب فيها.
رواية سلانديرا الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم اسماعيل موسى
في المساء جلس خاطر على ربوة مخضرة تطل على إحدى القرى. كانت الساعة تشير ناحية المذنب الغافي، والجان ينشطون في الطرقات وترتفع ضحكاتهم. غريب عالم الجان، الليل مملكتهم، وفي النهار يختارون النوم حتى وقت متأخر.
وكان عقله شاردًا بشدة. هناك ما يشغله للحد الذي منعه من ملاحظة حركة زافيرا التي جلست بجواره.
"لو كنت محاربة أو مقاتلة لكان زمانك مت يا سيد خاطر."
"متقلقيش زافيرا، أنا مفعل تعويذة الحماية العدائية."
"مالك مشغول كده جدا؟"
"اشتقت لعالمك ولا إيه؟"
استدار خاطر ببطء. نظر تجاه زافيرا. "عالمي يجلس أمامي يا أميرة الجان."
بعد أن تورّد خد زافيرا، همست: "ما يقلقك؟"
"مش عايز قصتي تنتهي زي كل القصص يا زافيرا."
"مش فاهمة، ممكن توضح؟"
بنبرة ثابتة قال خاطر: "أنا أحبك يا زافيرا."
"ده سؤال ولا تأكيد؟ أنا كمان بحبك يا خاطر."
"طيب ليه يحصل كل ده؟ ليه لازم نحارب وندخل صراعات مش مضمونة وأنا وإنتِ هنا؟"
"تقصد إيه يا خاطر؟"
"قلتلك مش عايز قصتي تبقى زي القصص المكررة. البطل لازم يحارب وينتصر، وفي النهاية يتجوز حبيبته وتنهي القصة."
"أمال عايز إيه يا خاطر؟"
"نتجوز يا زافيرا أنا وإنتِ، وبعد كده نكمل قصتنا. أنا مش شايف أي منطق في المواصلة واحنا بعيد عن بعض."
"وأنا كمان مش عايزة أكون ملكة جان ولا غيره، وموافقة نتجوز من غير شروط يا خاطر. بس ليه أمنية يا ريت تحققهالي."
"حققها يا زافيرا، لكن في الوقت المناسب. أقسم لك بشرفي أن تنالي انتقامك. وحتى لو محققتهاش يا خاطر، أنا كل أملي أعيش جنبك ومعاك."
وكان خاطر يعرف أن عمر الجان بالآلاف السنين، وعمره كبشري لن يتعدى السبعين أو الثمانين، بعدها سيترك زافيرا في عز توهجها ونضارتها. هذا أمر محبط جدا.
لكنه أراد أن يتم الأمر الليلة. جذب زافيرا من يدها ونزلا تجاه القرية حيث كوخ أكبر المعمرات الجنيات. وهناك داخل كوخها ارتبطا بالعقد المقدس، وبني بها داخل كوخ جانبي قرب النهر.
في الصباح كان أنصار زافيرا وخاطر متجمعين أمام الكوخ للاحتفال بزواج ملكتهم. حيث حملت على أعناق الجنيات القزمات من كوخها حتى تم إلقاؤها داخل النهر ليكون زواجها مباركًا وتحل عليها السكينة.
ثم حمل قزم برأس ماعز خاطر وتلقى الضربات على ظهره العاري حتى وصل النهر. وهناك فتحت زافيرا ذراعيها وحمل أربعة غيلان خاطر وطوحوه تجاه زافيرا. عندما التحم جسدهما ساد الهدوء لحظات قبل أن ينطلق الصراخ والصيحات.
في عالم الجان، عندما يتزوج اثنان تظهر نجمة جديدة في السماء وتختفي أخرى بموت آخرين. نجمة خاطر وزافيرا ظهرت فورًا جوار المذنب الغافي، كانت أكثر لمعانًا وبريقًا.
وفي ذلك النهار أخذت العجوز خاطر من يده نحو جبل قريب. وهناك بين الأحجار كشفت له عن ممر سري يقود إلى أرض أخرى بعد الجبل. ممر كان أجدادها يستخدمونه للهرب عندما يهاجمهم عمالقة الجان. كانت المرأة عرافة وورد إليها ما سيحدث لاحقًا من أمور تقشعر لها الأبدان.
مرت أيام من السكينة والهدوء حتى وصلت الأخبار من أرض الحرب أن شيفان انتصر على أريدييون واقتحم قلعته وقتل كل جيشه وسبى نساء المملكة واتخذ أطفالها عبيدًا.
عُلقت رأس أريدييون سبعة أيام على سور قلعته قبل أن ينطلق شيفان بعد أن وحد أرض الجان نحو قصر الملك. وهناك كانت أخبارية تنتظره من جاسوس. زافيرا وخاطر تزوجا على شريعة الطراز القديم.
حدد شيفان مكان القرية، ثم أمر بمحاصرتها من أربع جوانب وأمر جيشها أن يبيدها كلها ويحضر له زافيرا.
رواية سلانديرا الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم اسماعيل موسى
في الليلة التي تلت زواجه بزافيرا، لم ينم خاطر.
السكينة التي شعر بها بين ذراعيها لم تكن كافية لإطفاء النار المتصاعدة بداخله.
كأنه كان يعرف أن هذا السلام هش، لحظي، وأن عيونًا تراقبهم في صمت.
وحين وصلت أخبار شيفان، وأمره الصريح بإبادة القرية... فهم خاطر.
كان لا بد من الاختيار.
إما أن يبقى، ويعرض زافيرا والقرية للفناء،
أو يرحل... ويقطع الخيط الذي ربط قلبه بمملكتها، ولو إلى حين.
***
قبل الفجر.
تسلل من الكوخ، مع زافيرا، التي فتحت عينيها مبتسمة كأنها تحلم بالسلام ذاته الذي يخشاه.
خرجا إلى ضفة النهر، حيث التقيا بالعجوز التي ربطته بزافيرا قبل أيام.
قالت له دون أن يسأل:
"رأيت ذلك في مياهي. كنت ستختار الرحيل."
أومأ خاطر بصمت.
فأشارت إلى مدخل الممر السري بين الصخور، نفس الممر الذي رأوه بعد زواجه، حين ظنه مجرد ذكرى منسية.
"هذا الممر يا بني... يقودك إلى أرضك. لن يتبعك أحد. هو آخر ما تبقى من سحر العصور الأولى."
همس خاطر:
"هل أنتِ مستعدة يا زافيرا لتوديع عالمك إلى الأبد؟"
أومأت زافيرا برأسها.
"هي تعرف. كانت تعرف من البداية. لكنها آمنت بك رغم ذلك."
وقبل أن يدخل، ناولته زجاجة صغيرة من ضوء سائل.
"هذا في حال قررت العودة لأي سبب كان."
***
عالم البشر.
عبر الممر الطويل المظلم، ثم استيقظا في حقل مهجور قرب أطراف بلدة بشرية.
كان جسداهما مثقلين كأنهما تركا قطعة من روحهما خلفهما.
أقاما في القرية الصغيرة، باسم مستعار.
عمل خاطر نجارًا، يعلم الأطفال كيف ينصتون للخشب قبل أن يقطعوه.
واحتفظ بالزجاجة في رقبته.
وكانت تلمع في كل مرة حين يقترب القمر من المذنب الغافي.
***
في كل ليلة.
كان ينظر إلى السماء.
يرى النجمة التي ظهرت يوم زواجهما.
كانت لا تزال هناك...
تلمع، تقاوم، رغم كل شيء.
مرت سنوات.
لم يكن الزمن في عالم البشر يشبه زمن الجان، لكنه كان كافيًا لتزهر السكينة بين جدران كوخ صغير، محاط بكروم الياسمين، وعطر التفاح البري.
في ربيع ناعم، ولدت زافيرا طفلة، كانت تشبهها... لكن عيناها كانتا بلون عيني خاطر.
سمياها ليارا.
كانت تضحك فتزهر الأرض، وتبكي فتهطل أمطار خفيفة من لا مكان.
كبرت ليارا وسط أغاني أمها بلغتها القديمة، وقصص أبيها عن مدن البشر، وذكريات لم تُحك بالكامل.
أحبها الناس، ولم يعرفوا سر العائلة التي جاءت من النهر ذات ليلة.
***
كانت زافيرا ترسم، وتغني، وتزرع النعناع والزعتر.
وكان خاطر يعلم الأطفال كيف يصغون، لا فقط للكلمات، بل لنبض الخشب، ولصمت الأشياء.
كل شيء بدا طبيعيًا، جميلًا، مستقرًا.
***
وفي إحدى الليالي...
اقترب القمر أكثر من المذنب الغافي.
ولأول مرة منذ أعوام...
لم تلمع الزجاجة في عنق خاطر.
ظلت صامتة.
باهتة.
كما لو أن شيئًا ما قد انكسر في السماء.
خرج خاطر إلى التل الصغير حيث كان يتأمل دائمًا.
ووجد زافيرا هناك، تنتظره، وعيناها مضيئتان بقلق لا يشيخ.
قالت له بهدوء:
"الزمن، خاطر... بدأ يلاحقنا."
رد بصوت منخفض:
"كنت عارف إن السلام ده مش أبدي... بس كنت بتمنى يطول."
نظرت إليه، ثم إلى السماء:
"حسيت بحاجة؟"
"حد بينادي... من بعيد... مش بصوت... بحاجة أعمق.
كأن الدم بيتذكر،
وكأن الأرض بتفتكر،
والمذنب بيصحى."
***
في تلك الليلة... حلمت ليارا بأجنحة.
قالت لأبيها في الصباح:
"بابا... كنت بحلق. كنت طايرة، وجوايا نار خضرا...
وفيه حد بيناديني من ورا الجبل."
تبادل خاطر وزافيرا النظرات.
هما فقط...
فهما ما تعنيه تلك الأحلام.
***
مرت سبع سنوات منذ عبر خاطر وزافيرا إلى عالم البشر.
سبع سنوات من السكينة النادرة، من الضحك الخفيف في الصباح، من صوت ليارا وهي تجري بين الحقول بأقدامها العارية، شعرها الفضي يتطاير كأنه بقايا سحر.
كان خاطر قد نسي شكل الخوف.
لكن الخوف... لم ينسه.
في مساء خريفي هادئ، وبينما كانت زافيرا تجمع الحطب من الغابة القريبة، سمع خاطر طرقات خفيفة على باب الكوخ.
فتح...
كانت العجوز.
لم تكن تنحني كما اعتادها. وقفت مستقيمة، بشعرها الرمادي المنسدل ونظرة غائرة، كأنها قطعت الطريق من زمن آخر.
قالت قبل أن يفتح فمه:
"شيفان... عرف."
شهق خاطر. زافيرا، التي عادت في اللحظة نفسها، جمدت خطواتها قبل أن تنطق.
تابعت العجوز بصوت بارد:
"عرف مكانكم. لم يعد في مملكة الجان ما يشغله بعد أن أتم السيطرة. والآن... يريد استعادة ما يعتبره خيانة."
همس خاطر:
"بس الممر السري... قلت محدش يعرفه."
أجابت:
"أعرف ماذا قلت. لكن هناك من خان. هناك من دله... بثمن. وربما كان الثمن دمك، أو دمها."
نظرت نحو ليارا، التي وقفت عند عتبة الغرفة، تحدق بالعجوز بعينين لامعتين.
قالت زافيرا بهمس مرتجف:
"إذن بدأ البحث... بدأ الصيد."
أومأت العجوز:
"هو لا يرسل جيوشًا هذه المرة... بل سيأتي بنفسه."
اقتربت من ليارا، وانحنت ببطء لتحدق في وجهها.
"طفلتكما... ليست كغيرها.
فيها من سحر الجان، ومن دم البشر،
لكن فيها أيضًا ما لم أتوقعه..."
سألت زافيرا بخوف:
"ماذا تعنين؟"
ردت العجوز:
"ستفهمون قريبًا. لكن اعلموا أن النجوم بدأت تتحرك،
وأن نجمًا آخر قد يسقط... لو بقيتم هنا."
سألها خاطر:
"نعمل إيه؟ نهرب تاني؟"
قالت:
"ما عاد هناك مهرب. لكن هناك اختيار.
إما أن تقاتلوا... أو تواجهوا ثمن الحب."
ثم اختفت كما جاءت... كأنها لم تكن.
***
في تلك الليلة، لم ينم أحد في الكوخ.
كان في عيني خاطر بريق لم تره زافيرا منذ سنوات.
وفي يد ليارا...
كان هناك خيط من نار خضراء، ينبض بهدوء.
كأنه يعرف أن الوقت قد اقترب.
رواية سلانديرا الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم اسماعيل موسى
في صباح ربيعي هادئ، كانت ليارا تقف قرب نافذة المطبخ تحدق بدهشة في فراشة بلون رمادي غريب تدور حول الزجاج.
نادت بصوتها الطفولي:
"بابا! في فراشة مش بتطير صح! بتبص عليه كتير!"
اقترب خاطر ببطء، وبمجرد أن وقعت عيناه على الفراشة، انقبض قلبه.
كانت جناحاها غير متناظرين، وكأنها نسجت بسرعة، أو بالأحرى… استدعيت.
انحنى وهمس لزافيرا:
"بدأت."
همست دون أن تنظر إليه:
"بعث أول خادم… شيفان عرف."
لم ترد أن تروع ليارا. ابتسمت لها وربتت على شعرها:
"اذهبي حضري حقيبتك، سنذهب في نزهة طويلة."
في أقل من ساعة، كانوا في السيارة. لا وجهة محددة، فقط الهروب. تركوا وراءهم المنزل، الحدائق، والجار العجوز الذي كان يلوح دومًا في الصباح.
على الطريق السريع، كانت الشمس مشرقة. لا شيء يوحي بالخطر، سوى ذلك الإحساس الثقيل في صدر خاطر، وتلك الزجاجة الصغيرة المعلقة حول رقبته… وقد بدأت تبرد فجأة.
أوقفتهم سيارة شرطة للمرة الأولى، ثم نحلة ظهرت داخل العربة رغم أن النوافذ كانت مغلقة. ثم طائر غريب، وقف لساعات على سقف النزل الذي ناموا فيه.
في كل مرة، كانت زافيرا تعرف:
"ليسوا حشرات. هؤلاء عيون شيفان."
قال خاطر في إحدى المحطات بصوت خافت:
"اعتقد مفيش مكان نروحله… إلا إذا استخدمنا الممر تاني."
لكن زافيرا هزت رأسها:
"الممر أغلق بعد العبور… لن يفتح إلا بثمن."
نظر إلى ليارا وهي نائمة في المقعد الخلفي، بريئة، مطمئنة، لا تدري أن عالماً كامل يبحث عن والدتها.
قالت زافيرا:
"سنواصل الهرب، يومًا بعد يوم. وحتى يمل شيفان… أو يجدنا."
كانت الساعة تقترب من الثانية بعد منتصف الليل.
ليارا نائمة، محاطة بعرائسها، وزافيرا تغلق النوافذ بحذر، بينما خاطر يقلب الزجاجة الصغيرة في يده، يراقب ضوءها الخافت، كأنه ينتظر منها أن تهمس إليه بما يجب أن يفعله.
ثم… جاء الصوت.
طرقة خفيفة، ليست على الباب، بل على الزجاج الخلفي للمطبخ.
تلتها همسات… لا تشبه شيئًا من عالم البشر.
صوت أجنحة، أو ربما مخالب تخدش جدارًا ناعمًا.
ركضت زافيرا نحو الغرفة، أمسكت ليارا ورفعتها بسرعة بين ذراعيها، فيما وقف خاطر قبالة الباب الأمامي، وقلبه يخفق كما لم يفعل منذ عبورهم إلى هذا العالم.
ثم… اقتحموا المكان.
ثلاثة من جنود الجان، أعينهم مغطاة بقشور كالحديد، وجلودهم شفافة تظهر شبكات من الضوء المتقاطع تحتها.
أولهم دخل صامتًا، لكن خاطر لم يمنحه فرصة.
منذ دخوله أرض البشر، تعلم كيف يصنع فأسًا من الخشب لا تكسره مخالب السحر.
ضربه ضربة واحدة، وسقط الجني متفككًا كأنه دمية زجاج.
لكن الآخرين لم يتوقفوا.
أطلقت زافيرا تعويذة قديمة، نادرة، جعلت الجدران تضيق عليهم فجأة كأنها حية.
لكنها عرفت… لا شيء سيوقفهم طويلًا.
ركضوا نحو السيارة، وليارا لا تزال نصف نائمة، تحتضن عنق أمها بخوف.
في الطريق، همس خاطر:
"زافيرا… الممر."
نظرت إليه، وكانت تعرف أنه لا يوجد بديل.
"الممر… لكن هذه المرة قد لا يسمح لنا بالعودة أبدًا."
"مش مهم… المهم نعيش."
قادوا لساعات. كل طريق كان يحمل رائحة مطاردة، وكل محطة باردة وكل ظل على الأسفلت كان يشبه شبحًا من عالمهم القديم.
وأخيرًا، حين بدأت الزجاجة في عنق خاطر تضيء بوضوح، عرف أنه اقترب.
وصلوا إلى أطراف البلدة المهجورة التي ظهروا فيها قبل سبع سنوات.
كل شيء فيها بدا كما هو… وكأنه كان ينتظرهم.
ثم، خلف الحقل، في نفس النقطة التي خرجوا منها أول مرة، انشقت الأرض قليلاً، كأنها تناديهم.
وقفت زافيرا وهي تحتضن ليارا، وخاطر بجانبها، لا يحمل شيئًا سوى فأسه القديم.
قالت زافيرا بهدوء: "لو دخلنا الآن… لن نكون لا بشرًا ولا جانًا. سنكون شيئًا ثالثًا. شيء لا عودة منه."
رد خاطر: "المهم نكون سوا. دائمًا."
ثم عبروا.
إلى الممر.
إلى العتمة.
إلى المصير الذي لم يكتب بعد.
رواية سلانديرا الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم اسماعيل موسى
في صباح ربيعي هادئ، كانت ليارا تقف قرب نافذة المطبخ تحدق بدهشة في فراشة بلون رمادي غريب تدور حول الزجاج.
نادت بصوتها الطفولي:
"بابا! في فراشة مش بتطير صح! بتبص عليه كتير!"
اقترب خاطر ببطء، وبمجرد أن وقعت عيناه على الفراشة، انقبض قلبه.
كانت جناحاها غير متناظرين تمامًا، وكأنها نسجت بسرعة، أو بالأحرى… استدعيت.
انحنى وهمس لزافيرا:
"بدأت."
همست دون أن تنظر إليه:
"بعث أول خادم... شيفان عرف."
لم ترد أن تروع ليارا. ابتسمت لها وربتت على شعرها:
"اذهبي حضري حقيبتك، سنذهب في نزهة طويلة."
في أقل من ساعة، كانوا في السيارة. لا وجهة محددة، فقط الهروب. تركوا وراءهم المنزل، الحدائق، والجار العجوز الذي كان يلوح دومًا في الصباح.
على الطريق السريع، كانت الشمس مشرقة. لا شيء يوحي بالخطر، سوى ذلك الإحساس الثقيل في صدر خاطر، وتلك الزجاجة الصغيرة المعلّقة حول رقبته… وقد بدأت تبرد فجأة.
أوقفتهم سيارة شرطة للمرة الأولى، ثم نحلة ظهرت داخل العربة رغم أن النوافذ كانت مغلقة. ثم طائر غريب، وقف لساعات على سقف النزل الذي ناموا فيه.
في كل مرة، كانت زافيرا تعرف:
"ليسوا حشرات. هؤلاء عيون شيفان."
قال خاطر في إحدى المحطات بصوت خافت:
"اعتقد مفيش مكان نروحله… إلا إذا استخدمنا الممر تاني."
لكن زافيرا هزت رأسها:
"الممر أغلق بعد العبور… لن يفتح إلا بثمن."
نظر إلى ليارا وهي نائمة في المقعد الخلفي، بريئة، مطمئنة، لا تدري أن عالمًا كاملًا يبحث عن والدتها.
قالت زافيرا:
"سنواصل الهرب، يومًا بعد يوم. وحتى يمل شيفان… أو يجدنا."
كانت الساعة تقترب من الثانية بعد منتصف الليل.
ليارا نائمة، محاطة بعرائسها، وزافيرا تغلق النوافذ بحذر، بينما خاطر يقلب الزجاجة الصغيرة في يده، يراقب ضوءها الخافت، كأنه ينتظر منها أن تهمس إليه بما يجب أن يفعله.
ثم… جاء الصوت.
طرقة خفيفة، ليست على الباب، بل على الزجاج الخلفي للمطبخ.
تلتها همسات… لا تشبه شيئًا من عالم البشر.
صوت أجنحة، أو ربما مخالب تخدش جدارًا ناعمًا.
ركضت زافيرا نحو الغرفة، أمسكت ليارا ورفعتها بسرعة بين ذراعيها، فيما وقف خاطر قبالة الباب الأمامي، وقلبه يخفق كما لم يفعل منذ عبورهم إلى هذا العالم.
ثم… اقتحموا المكان.
ثلاثة من جنود الجان، أعينهم مغطاة بقشور كالحديد، وجلودهم شفافة تظهر شبكات من الضوء المتقاطع تحتها.
أولهم دخل صامتًا، لكن خاطر لم يمنحه فرصة.
منذ دخوله أرض البشر، تعلم كيف يصنع فأسًا من الخشب لا تكسره مخالب السحر.
ضربه ضربة واحدة، وسقط الجني متفككًا كأنه دمية زجاج.
لكن الآخرين لم يتوقفوا.
أطلقت زافيرا تعويذة قديمة، نادرة، جعلت الجدران تضيق عليهم فجأة كأنها حية.
لكنها عرفت… لا شيء سيوقفهم طويلًا.
ركضوا نحو السيارة، وليارا لا تزال نصف نائمة، تحتضن عنق أمها بخوف.
في الطريق، همس خاطر:
"زافيرا… الممر."
نظرت إليه، وكانت تعرف أنه لا يوجد بديل.
"الممر… لكن هذه المرة قد لا يسمح لنا بالعودة أبدًا."
"مش مهم… المهم نعيش."
قادوا لساعات. كل طريق كان يحمل رائحة مطاردة، وكل محطة باردة وكل ظل على الأسفلت كان يشبه شبحًا من عالمهم القديم.
وأخيرًا، حين بدأت الزجاجة في عنق خاطر تضيء بوضوح، عرف أنه اقترب.
وصلوا إلى أطراف البلدة المهجورة التي ظهروا فيها قبل سبع سنوات.
كل شيء فيها بدا كما هو… وكأنه كان ينتظرهم.
ثم، خلف الحقل، في نفس النقطة التي خرجوا منها أول مرة، انشقت الأرض قليلًا، كأنها تناديهم.
وقفت زافيرا وهي تحتضن ليارا، وخاطر بجانبها، لا يحمل شيئًا سوى فأسه القديم.
قالت زافيرا بهدوء: "لو دخلنا الآن… لن نكون لا بشرًا ولا جانًا. سنكون شيئًا ثالثًا. شيء لا عودة منه."
رد خاطر: "المهم نكون سوا. دايمًا."
ثم عبروا.
إلى الممر.
إلى العتمة.
إلى المصير الذي لم يكتب بعد.
رواية سلانديرا الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم اسماعيل موسى
الممر لم يكن كما تتذكره.
تغير.
رائحة الرطوبة فيه أعمق والهواء أثقل.
كان الصمت يلفه ككفن قديم، لا يقطعه سوى وقع أقدامهم، وصوت أنفاس ليارا وهي تتشبث بذراع أمها.
ساروا فيه بخطى حذرة.
الضوء الوحيد كان ينبعث من الزجاجة المتدلية حول عنق خاطر، يلمع بلون باهت كأنه يوشك أن ينطفئ.
زافيرا، التي كانت دائمًا واثقة في خطواتها، بدأت تتلفت حولها.
"الممر دا أطول من قبل يا خاطر... أنا مش مرتاحة."
"يمكن لأننا معانا ليارا، أو لأننا راجعين مش خارجين."
هزت رأسها دون رد.
لم يكن لديها إجابة.
بعد قرابة نصف ساعة من السير، بدأوا يسمعون شيئًا.
خطوات خلفهم. بعيدة... لكنها حقيقية.
توقف خاطر.
نظر إلى الوراء، ولم ير شيئًا.
لكن ليارا، التي نادراً ما تتكلم في وجود توتر، همست فجأة:
"بابا... في حد بيقرب. سامعه بيشم."
تجمدت زافيرا.
"هو بيشم؟ إزاي عرفت؟"
ردت الطفلة، وعيناها لا ترمش: "هو قاللي... في دمهم ريحة مختلفة."
خاطر لم يجب.
ضم الطفلة، وسرّع الخطى، وزافيرا خلفه.
لم يكن هناك وقت لتحليل ما سمعوه، ولا ما إذا كانت ليارا تتخيل.
الشيء الوحيد المؤكد: هم ليسوا وحدهم في هذا الممر.
بعد دقائق، ظهر ضوء خافت في نهاية النفق.
تنفّس خاطر بعمق: المخرج.
كان نفس الفتح الصخري، يؤدي إلى التل الحجري حيث التقوا بالعجوز سابقًا.
لكن لا أثر للعجوز، ولا لأي حياة.
صعدوا إلى الخارج، والهواء البارد لفهم فجأة.
كانت السماء رمادية، والنجوم محجوبة، والمكان مهجور تمامًا.
زافيرا وضعت ليارا على الأرض وقالت: "هنا هنرتاح شوية، ونعرف هنعمل إيه."
خاطر كان يراقب النفق خلفهم.
"مش هنقدر نرجع هناك تاني. لازم نلاقي مكان نختفي فيه... نكمل الطريق."
"لفين؟ ده عالم الجان يا خاطر، ولو شيفان بعت وراهم يبقى لازم يعرف نقطة الخروج."
في اليوم التالي، كانوا يسيرون على أطراف أرض لا يعرفونها.
لا قلاع، لا قرى مأهولة. فقط أراض مهجورة وكأنها منسية عن عمد، الأرض التى كانت ترتع بالحياه أصبحت قاحبه
كان شيفان انتقم من كل القرى التى ادت الولاء لزافيرا
الجان الذين تخلى عنهم خاطر وهرب مع حبيبته
وبين الحين والآخر كان يجد علامة متروكة، ملح منثور على الأرض كأن الملح يدلهم على طريق معين
لا يستطيع الجان التخلص من الملح ولا يطيقون ملمسه او رائحته
تابع خاطر الأثر، اكوام الملح المنتشره على طول الحريق
بين القلاع المهجورة والحقول اليابسه
قادهم الأثر نحو مجموعه من الجبال الخضراء وبعد سير وتفقد لم يجد خاطر أي أثر لحياه
لكن العلامات اختفت وصلت بهم لهذه المنطقه ثم انمحت
لم تترك هذة العلامات عبثا فكر خاطر ورغم الحاح زافيرا بالتحرك الا انه أصر على التخييم حتى صباح اليوم التالى
نصبو الخيمه فوق رقعه مسطحه بين الصخور
وقام بأكل أرنب برى اصطاده خاطر بالنبله
نامت ليارا داخل الخيمه بينما جلست زافيرا خاطر يفكرون فى طريقة تخلصهم من ورطتهم
جمع فلول الجان الهاربه، البحارة الصيادين
وبقايا جيش الملك اريديون الذين هربو فى الجبال
بعدها دخلت زافيرا تنام وانطلقت صرخة داخل الخيمه
ركض خاطر بسرعه، ليارا اختفت
كيف حدث ذلك؟
لم يدخل احد الخيمه
والخيمه محصنه ضد السحر؟
وقف خاطر وسط الخيمه مصدوم رأسه بين يديه ثم شعر بنعومة الأرض تحت حذائة
نزل على الأرض ومرر يده لم تكن أرض صخريه بدل تربه مفتته
قشط خاطر التراب بيده ظهر باب ضيق فتحه بسرعه
كان الباب مدخل نفق تحت الأرض
تنهد خاطر أحدهم اختطف ليارا وقبل ان يضع قدمه داخل النفق، ارتفع صوت لا مكان للجان هنا
كان صوت بشرى
أنا لست جان أنا بشرى
ومن معك جنيه ملعونة
أنتم اختطفتم ابنتى اعيدو لى ليارا وسوف نرحل من هنا
زواج بشرى من جنيه جريمه ولعنه
ثم ظهرت فتاه بشريه قصيره ونحيله
كيف وصلتم هنا؟
تتبعنا الأثر
انت بشرى؟
نعم بشرى
معك جنيه؟
رد خاطر، جنيه مطروده من عالم الجان
عدو عدوي صديقي، ثم ظهر بشر آخرون واضيء النفق
كانت مجموعه من البشر البدلاء الهاربين من ظلم الجان
يقيمون داخل النفق
يمكننا الاقامه هنا؟
نظرت الفتاه نحو مجموعة من الفتيات فى مثل عمرها بقلق
قبل أن تجيب
نعم
رواية سلانديرا الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم اسماعيل موسى
في ظلال الأرض المنسية، وبين الأنفاق المهجورة التي حفرتها أياد بشرية هاربة من بطش الجان، بدأ خاطر ينسج خطته.
كان أول من التف حوله هم الأطفال البدلاء — أولئك الذين وُضعوا مكانهم صغار الجان في المهد، ونُزعوا من عائلاتهم في سن مبكرة. عانوا من العزلة والغرابة حتى بين بني جنسهم. بعضهم كبر في العتمة، وبعضهم علّم نفسه القتال لينجو.
علّمهم خاطر الصمت، ثم الخطو بخفة، ثم فنون البقاء.
ثم جاء مصاصو الدماء من الجان، أولئك الذين رفضهم المجتمع الجني، لا لأنهم أشرار، بل لأن طبيعتهم أرعبت الساسة والملوك. لم يكونوا قتلة، بل محرومين من دفء الولاء والانتماء. وجدوا في خاطر قناعة لا يسكنها الخوف، فرأوه زعيمًا مختلفًا.
استدعاهم واحدًا تلو الآخر، وعرض عليهم خيارًا: لا قتل، بل حماية. لا عبث، بل مقاومة منظمة.
أخطر إضافة كانت فرقة "الظل المكسور" — قطاع طرق من الجان عاشوا في حواف العوالم، بلا ولاء لشيفان أو لخصومه. أغراهم خاطر ليس بالذهب، بل بوعد الانتقام ممن خذلهم ونفاهم. كان يعرف كيف يخاطب الحقد في صدورهم دون أن يحرّض على فوضى.
كوّن منهم وحدة خاصة: فرق اقتحام، تخترق بلا أثر، وتضرب بلا رحمة، وتنسحب قبل أن يُدرك أحد من أين جاءت.
في عمق النفق، تحت الأرض، رُسمت خرائط على جدران الحجر، ورُسمت معها خطة. كانوا قليلين، لكن كل واحد منهم كان يحمل جرحًا، أو سرًا، أو قدرة لا يعرفها أحد.
وخاطر، لم يكن ملكًا، ولا نبيًا، لكنه كان شيئًا آخر:
رجل لم يعد يهرب.
٤٠.
كانت المهمة الأولى بسيطة في ظاهرها… لكنها مصيرية.
الهدف: استعادة "مفتاح الضباب" — قطعة أثرية من العصور الأولى، أخفاها أحد حكماء الجان في برج مغمور قرب "وادي الظلال"، وهو الوادي الذي يستخدمه شيفان الآن كمركز مراقبة وتحكم في حدود مملكته.
من يمتلك المفتاح، يستطيع أن يعبر بين أراضي الجان دون أن ترصده عيون السحر، ولا حتى كاشفات العرش.
قسم خاطر رجاله إلى ثلاث فرق:
الظل المكسور: مهمتهم التسلل إلى البرج عبر الجبال، كسر الحراس، وتعطيل نظام التنبيه.
مصاصو الدماء: سيهاجمون من الجهة الشرقية للوادي، كتمويه. سريعون، يهاجمون ويختفون قبل أن يُفهم ما حدث.
الأطفال البدلاء: يقودهم خاطر بنفسه. كانوا يعرفون الممرات السرية بين الجذور، بين الريح والحجر، وكانوا الأقدر على التسلل دون أن يُشعر بهم.
في الليلة الموعودة، انطلقت المجموعات.
الهواء كان مشبعًا بالقلق.
البرج بدا هادئًا من بعيد، لكن خاطر كان يعرف أن هدوءه كاذب، مثل ابتسامة خائن.
بدأ مصاصو الدماء الهجوم: سريع، فوضوي، صاخب. ظهرت ألسنة النيران في الجانب الشرقي.
تحرك "الظل المكسور" في اللحظة ذاتها من الغرب، يزحفون كالدخان. وبينما العيون كلها على الطرفين… زحف خاطر وأطفاله من تحت الأرض.
كان نفقًا ضيقًا، لا يدخل إليه إلا من تربّى على الزحف. كل خطوة محسوبة.
وفجأة… توقف خاطر.
أشار بيده. الهواء تغيّر. سحر.
همس: "كمين…"
تقدّمت فتاة صغيرة من الأطفال. اسمها ماريا، عمرها لا يتجاوز العشر سنوات. وضعت أذنها على الجدار، ثم قالت:
"فيه فخ فوقنا… صخرة معقودة بسحر نوم. لو اتحركنا غلط، هننام للأبد."
ابتسم خاطر رغم التوتر. "حسنًا، ماريا. دلّينا."
بقيادة ماريا، عبروا من ثغرة ضيقة بين جذوع حجرية ملتوية، وخرجوا مباشرة أسفل البرج.
كان الحراس منشغلين بالفوضى. تسلل خاطر وحده إلى الداخل، قلبه ينبض كما لم ينبض من قبل.
كانت الغرفة الأخيرة محروسة بسحر قديم. لكنه ما إن لمس الجدار… حتى أضاءت الزجاجة المعلقة في عنقه.
ضوءها اخترق الظلام، والجدار ارتجف كأنه يعرفه.
فتح ببطء… وفي الداخل، وسط دائرة من الرماد، كان المفتاح.
.
وفي اللحظة نفسها، انسحب مصاصو الدماء، وتراجع "الظل المكسور"، وكلهم سالمون، أو في أسوأ الأحوال… مجروحون فقط.
ليلًا، حين عادوا للنفق تحت الأرض، استقبلتهم زافيرا. لم تسأل كيف، ولا كم من الوقت استغرقوا.
فقط نظرت في عيني خاطر.
"خطوت أول خطوة؟"
ردّ، وعيناه على المفتاح:
"وأشعلت أول شرارة."
*
شيفان لم يكن بحاجة إلى عيون سحرية ليعرف ما حدث.
حين سرق خاطر مفتاح الضباب، ارتج قلب الأرض تحت عرشه، وتصدّعت إحدى الدوائر السبعة التي تحمي سلطانه.
جلس على عرشه العظمي، عيناه نصف مغمضتين، يستمع إلى الصمت.
لكن في رأسه، كان الطنين لا يتوقف.
خاطر…
الاسم لم يختفِ، رغم أنه محاه من سجلات الجان، وجعل من يلفظه يُعاقب بالنفي.
لكن هذا الاسم عاد. ورفقة الاسم، رائحة الخيانة.
**
في غرفة المرايا، وقف أمامه الدارون، مستشاره الرمادي.
"أمرني يا سيدي. هل نرسل الكواسر؟ أم تُفعل لعنة الإهلاك؟"
هزّ شيفان رأسه.
"خاطر ليس مجرد عدو. هو ظل قديم… ويعرفنا أكثر مما نعرفه."
ثم نهض من عرشه، وبحركة واحدة، انطفأت كل المرايا ما عدا واحدة.
في المرآة الباقية، ظهرت صورة ليارا…
جالسة بين مجموعة من الأطفال، تضحك بخجل وهي تمسك دمية خشبية.
زمّ شيفان شفتيه.
"أرسلوا أوراس. لا نريد قتلهم… ليس بعد. نريدهم أن يخافوا."
**
أوراس، هو خادم العرش الصامت.
كائن غريب، لا يُرى إلا من زاوية العين، ولا يُسمع إلا حين يغادر.
يتنكر في هيئة ظل، أو ريح، أو حتى لعبة مكسورة في ركن غرفة.
أوراس لا يهاجم.
بل يُربك. يهمس. يزرع الخوف.
**
في نفس الليلة، استيقظت زافيرا مذعورة.
ليارا لم تكن في فراشها.
نهض خاطر كالصاعقة. ركض في أرجاء الكهف، ينادي باسمها، لكن ليارا ظهرت فجأة من بين الصخور… تمشي ببطء، وفي يدها دمية خشبية غريبة الملامح.
"كيف وصلت لك اللعبه؟" سألها خاطر، وعيناه تحدقان في الدمية.
ردت ليارا، بصوت خافت غير صوتها المعتاد:
"هو أعطاني إياها… قال لي إنو هو صاحبي، وإنو بابا لازم يوقف لعب."
تبادلت زافيرا وخاطر نظرة مرعبة.
كان اسم "أوراس" لا يُنطق، لكنهم عرفوا أنه بدأ يلعب لعبته.
**
في اليوم التالي، بدأ الأطفال يعانون من كوابيس.
البعض رأى جدران النفق تنهار عليهم.
البعض استيقظوا ودماؤهم تنزف من أنوفهم.
مصاصو الدماء أصبحوا يتشاجرون فيما بينهم بلا سبب واضح.
حتى الصخور في سقف النفق، بدأت تُصدر طنينًا يشبه الهمس.
خاطر فهم الرسالة جيدًا:
"أنا أراكم. وأنا قادم."
**
قال خاطر، وهو يرسم دوائر الحماية بدمه:
"شيفان لن يرسل جيشًا. سيرسل الخوف أولًا."
عندما عاد أوراس إلى غرفة العظام، لم ينحنِ.
فهو لا يتحدث، ولا يركع.
لكنه ترك أثرًا: الدمية الخشبية، وقد انقسمت من الداخل، وانسكب منها رمل أسود لا يشبه شيئًا في عالم الجان.
وقف شيفان أمامها، يحدق فيها طويلًا.
"خائف… لكنه لم ينكسر."
قالها ببرود، ثم التفت نحو الدارون.
"خاطر أقام تحت الأرض، أليس كذلك؟ مع الأطفال والبشر ومصاصي الدماء؟"
أومأ الدارون.
"ومكانهم… بعيد عن سيطرة عيوننا؟"
"نعم، يا مولاي. النفق في منطقة مطرودة، سُحرت قديمًا لتكون مأوى للمنفيين."
ابتسم شيفان.
"ممتاز… سنحوله إلى قبر."
**
أصدر شيفان ثلاثة أوامر متزامنة:
1. نشر ضباب النوم الأسود عبر أودية الريح — ضباب لا تراه العيون، يسرق الإرادة بهدوء، ويجعل من يستنشقه غير قادر على التمييز بين الخيال والحقيقة. لا يقتل… لكنه يفتح الباب.
2. تحريك وحدات "الظلال المعكوسة" — مقاتلين جن لا يعكسون على الماء، لا أسماء لهم، لا يُشتم لهم أثر.
يتسللون داخل الجحور ويفتتون الحماية من الداخل. هؤلاء لا يحاربون بوضوح، بل يوسوسون، يغوون، ويكسرون الثقة.
إرسال رسالة إلى قائد مجموعة "المرفوضين" — جان منفي يدعى نيرسول، كان في السابق من قادة جيش الملك إيريديون، وأقسم أن ينتقم من كل من خانه.
قالت الرسالة:
"خاطر لم يحارب وحده… لكنه سيدفن وحده. خذ سيفك، وخذ ثأرك. وسنغفر ما سبق."
في نفس الوقت، جلس شيفان في مجلسه، وأمر المرايا أن تغلق.
قال شيفان:
"لن أقتل خاطر… سأجعله يطلب الموت. وسأجعله يقتل من أجل النجاة."
ثم أضاف، ببطء:
"أما زافيرا… فستكون لي."
رواية سلانديرا الفصل الأربعون 40 - بقلم اسماعيل موسى
شيفان لم ينس الأنفاق.
تلك الأنفاق التي حفرتها أيد بشرية هاربة، والتي تحولت بمرور الزمن إلى أوكار مقاومة، وخطر متزايد لا يمكن تجاهله. كان يعرف أن البشر وإن خافوا، فإنهم حين يختبئون يصبحون أكثر عنادًا. والآن، مع خاطر وجيشه الصغير يتحركون في الخفاء، باتت تلك الأنفاق تهديدًا مباشرًا لا بد من استئصاله من الجذور.
***
في فجر رمادي، وقفت فرقة "النواة الحارقة" على مشارف الأنفاق. لم تكن جيشًا عدديًا، بل كتيبة من نخبة الجان، يحملون قنابل نارية صنعت في أفران محرّمة، تحتوي على لهب لا يطفئه ماء ولا تخمده تعاويذ.
بإشارة من القائد، أُلقيت القنابل في مداخل الأنفاق. لا صوت انفجار، بل تنهيدة نار طويلة، تشق الأرض قبل أن تتصاعد ألسنة اللهب في الداخل كأنها تستفيق من سبات.
***
داخل الأنفاق، كان البشر يصرخون.
الجدران احترقت، والخوف امتزج بالدخان. الحجر تفتت، والهواء امتلأ بروائح الجلد المحترق والخشب المشتعل. الأنفاق التي كانت ملاذًا، تحولت إلى مصيدة من جمر.
خرجوا، واحدًا تلو الآخر. رجال، نساء، أطفال، يسعلون، يجرون أجسادهم من بين اللهب، فقط ليجدوا أنفسهم محاصرين.
***
كان جنود شيفان بانتظارهم في حلقات متناسقة، سيوفهم تلمع، أعينهم لا ترمش. لم يرفعوا سلاحهم فورًا، بل تركوهم يشهدون نهاية الملجأ، ليتشربوا الخوف في أكمل صوره.
حين سقط آخر مدخل، وابتلعته النيران، دوّى صوت القائد:
"اركعوا، أو موتوا."
***
لم يكن أمام البشر سوى خيارين: الخضوع، أو أن يموتوا واقفين، بلا نار تحرق، لكن بسيوف لا تعرف الرحمة.
وفي مكان بعيد، في الظلال، راقب شيفان المشهد من مرآة معتمة.
قال بهدوء:
"عندما تُغلق الأرض، لا يبقى سوى أن ينظروا إلى السماء. ولا أحد هناك ليسمعهم."
في اللحظة التي بدأ فيها الضباب الأسود يزحف عبر جدران النفق، ممزوجًا برائحة الرماد والسحر، عرف خاطر أن البقاء لم يعد خيارًا.
كان الأطفال يصرخون في نومهم، وزافيرا تقاتل كي لا تنهار أمام نظرات ليارا المرتبكة. الصخور كانت تهتز، والهواء يغلي من التعاويذ.
مد خاطر يده إلى عنقه، حيث تتعلق مفتاح الضباب، القطعة الوحيدة التي لم يلمسها شيفان، رغم أنها كانت يومًا في قصره.
***
صرخ خاطر بصوت سمعه الجميع:
"نحو الحافة الغربية! بسرعة! هناك فقط يمكننا العبور!"
***
في الممر الأخير، وبينما ارتجت الأرض وبدأ الضباب يخترق الدوائر السحرية، رسم خاطر علامة غريبة على جدار صخري متشقق، ثم غرس المفتاح داخله.
لم يحدث شيء لثانية. ثم، وببطء، انفتح الشق، كأن الجدار يتنفس للمرة الأولى.
من الداخل، اندفع ضوء كثيف، أبيض مائل للزرقة، وابتلعتهم دوامة من الرياح والهمس.
***
كانوا ثلاثة فقط من عبروا: خاطر، زافيرا، وليارا.
أما الآخرون، فقد تولى الظلال المعكوسة أمرهم. تاه بعضهم، ووقع بعضهم في شرك أوهامهم، وهناك من قاتل حتى الرمق الأخير ليؤخر الجان ولو للحظة.
***
حين خرجوا من الدوامة، وجدوا أنفسهم في غابة لا تشبه شيئًا في عالم الجان.
السماء بلون النحاس، والأشجار مقلوبة جذورها في الأعلى، والهواء ينبض كأنه كائن حي.
ركعت زافيرا، تمسك بليارا، تلهث.
قال خاطر، وهو ينظر إلى الأفق:
"هذه الأرض لا تعرف شيفان، لكنها تعرفنا. علينا أن نبدأ من هنا."
نظر خلفه، حيث ما زال المفتاح يتوهج، ثم غرسه في الأرض حتى اختفى.
"لن يتبعنا أحد، ليس بعد الآن."
***
لكن في الظل، وعلى قمة التل، كان هناك شيء يراقبهم.
ليس من الجان، ولا من البشر.
بل شيء آخر، قديم، وينتظر.
هبت ريح باردة عبر الغابة النابضة، تحمل معها صدى خطوات لا تُرى.
وقفت زافيرا ببطء، وقد زال شحوب وجهها قليلًا، بينما ليارا تشبثت بذراع والدها، تنظر حولها بعينيها الواسعتين.
قالت بصوت خافت: "بابا... في شي بيبص علينا."
لم يرد خاطر. كان قد رآه منذ لحظة.
على قمة التل، بين جذور شجرة مقلوبة، وقف كائن طويل القامة، نحيل للغاية، وجهه مغطى بقناع حجري لا ملامح له، وعيناه ثقبان يلمعان بلون العقيق الداكن.
لم يتحرك. ولم يبد حيًا تمامًا.
لكن خاطر عرفه.
"حارس الممرات."
همست زافيرا كأنها تتذكر من كتب السحر القديمة، من قصص الأمهات التي لم تُروَ كاملة.
"ظننا أنهم ماتوا جميعًا."
"لا." قال خاطر، يمد ذراعه أمام ابنته. "الحراس لا يموتون. فقط... ينامون."
***
اقترب الكائن، لا بخطوات، بل كأنه ينساب في الهواء. ووقف على بعد أمتار منهم. ثم تكلم بصوت معدني، كأن صخورًا تُفرك ببعضها:
"من عبر بدون إذن؟"
رد خاطر بثبات:
"أنا من سرق المفتاح من قصر شيفان. وأنا من استيقظ الممر. إن كنا تعدينا عرف الأرض، فخذني واتركهما."
نظر الكائن إلى ليارا، ثم إلى زافيرا، ثم عاد ينظر إلى خاطر، طويلًا.
ثم قال:
"لا أحد يعبر بلا ثمن. لا أحد يخرج بلا أثر."
وفي لحظة، غاص الكائن في الأرض، تاركًا خلفه حفرة صغيرة ينبعث منها ضوء رمادي خافت، يتصاعد منه همس يشبه البكاء.
أمسكت زافيرا بذراع خاطر بقوة:
"هو ما قالش الثمن."
رد خاطر، وصوته مليء بالقلق:
"ما قالوش... لأنه لسه بيختار."
***
في السماء، فوقهم، بدأت نجمة واحدة تتحرك.
ضوءها كان بنفسجيًا... وكان يتجه نحوهم.
وكان هناك اسم يُهمس في الريح:
"ليارا..."
وكل شيء بعدها، تغير.
ثبّت خاطر قدميه على الأرض، واحتضن ليارا بذراعه اليمنى، بينما امتدت ذراعه الأخرى أمامه كدرع يحميها.
"ليارا مش للثمن، ولا هتكون."
قالها ببطء، وكل حرف كأنه طعنة في قلب الظلام الذي كان يحيط بهم.
زافيرا سحبت خنجرًا صغيرًا من بين طيات عباءتها، خنجرًا نحاسيًا محفورًا عليه تعاويذ قديمة بلغة لا تُقرأ إلا عند الحدود. عيناها كانتا دامعتين، لكنها وقفت بجانبه، كأنها تعي أن ما سيحدث بعد لحظات سيغير كل شيء.
الضوء البنفسجي اقترب أكثر. النجمة تحولت إلى كرة لهب، ثم إلى طيف من الدخان المتوهج، ومنه خرج كائن، لم يكن بشرًا، ولا جانًا.
كان طويلًا، يلبس عباءة نسجت من الضباب، ووجهه لا شكل له، يتغير كل لحظة، مرة يشبه وجه خاطر، ثم زافيرا، ثم... ليارا.
صاح خاطر:
"كفى! لن تأخذوها! المفتاح سرقته، والممر فتحته، والثمن أدفعه أنا. أنا وحدي!"
ضحك الكائن، ضحكة خافتة ملتوية، ثم قال:
"أنت تظن أنك اخترقت قصر شيفان وسرقت مفتاح الضباب هكذا؟ أنت فتحت الباب... لكن الثمن لم يكن مفتوحًا لك."
تقدم خطوة.
تصلبت الأرض تحتهم، كأن العالم يحبس أنفاسه.
همست زافيرا:
"خاطر، ده مش حارس. ده من ورا الحراس. ده صدى قديم، من اللي كان قبل الممرات نفسها."
التفت إليها خاطر، وقال بنبرة هادئة رغم كل شيء:
"ساعتها لازم نذكره إننا مش بشر عاديين. وإنه نسي مين اللي بيتحدى شيفان في قلب مملكته."
ثم نظر لابنته، انحنى نحوها، وهمس:
"خلي عينك عليا، ليارا. هتشوفي بابا بيحارب علشانك."
ثم نهض، ورفع المفتاح، قطعة صغيرة من العظم الرمادي، محفور في قلبها شكل متاهة.
وهمس:
"بمفتاح الضباب، بفتح قيد الزمان."
وفتح الممر مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يكن للهرب. كان للقتال.
الغابة اهتزت، والريح صرخت، والدخان البنفسجي التف حولهم كجدار حي.
المواجهة بدأت.
اشتعلت الأرض تحت أقدام خاطر، والضباب البنفسجي من حوله انقلب نارًا راقصة، تلتف وتصفر كأنها تحتفل بالحرب القادمة.
ظهر الحراس من بين الجدران الممزقة للممر، أجسادهم مغطاة بدرع من عظام رمادية، وعيونهم مشتعلة بلون الليل.
لم يكونوا فقط حراس الممرات، بل هم من بقايا عهد قديم، من زمن كانت فيه أبواب العوالم تُغلق بالدم وتُفتح بالدم.
أطلق خاطر صيحة لم يُسمع مثلها في تلك الأرض منذ قرون، صيحة لم تكن مجرد صوت، بل وعدًا.
"كل من يقترب منها… لن يعود!"
وانقض.
كانت ضرباته نصلًا ينهال على العدم، ثم يخلق المعنى.
كل ضربة من رمحه، كل لفة من جسده، كانت ترسم نارًا في الهواء. طعن أول حارس فاشتعل جسده من الداخل، وارتد الآخرون، قبل أن يهجموا دفعة واحدة.
لكن الحرب لم تكن لصالحه.
في لحظة خاطفة، انفجرت الأرض خلفه، وتسللت أذرع من الضباب، طوقت زافيرا التي كانت تحاول الهرب مع ليارا. التفتت زافيرا، صرخت باسمه، لكنها لم تكمل.
كان الوقت أبطأ من المعتاد.
رأى كيف شد أحد الجنود ذراعها بقوة، وسحبها نحو الظل.
رأى ليارا، تُنتزع من بين ذراعيها، ووجهها الصغير يتلوى من الرعب.
سمعها تصرخ: "باباااا!!"
لكنه لم يستطع الوصول.
الضباب صده.
والجنود التفوا حوله كأطواق من لعنة.
هوى على ركبتيه، رمحه سقط من يده، والدم يقطر من كتفه وفخذه.
وقف الحارس الأكبر أمامه، بصوت كالصخر قال:
"خسرت. المفتاح ليس لك. والباب لم يُفتح لك… بل فُتح علينا."