تحميل رواية سلانديرا بقلم اسماعيل موسى pdf
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
فى بيت جده القديم الذى وصله أمس، وقف خاطر أمام المرآة. إنه اليوم الأول له فى العمل بعد أن قضى شهوراً يلف فى الشوارع حتى تورمت قدماه. يحكم رابطة العنق حول رقبته ويربت على بدلته القديمة. لم يعجبه مظهره، لكن ما باليد حيلة. عندما يقبض أول مرتب سيشترى ملابس جديدة. ألقى بجسده داخل الأتوبيس، كان حريصاً أن لا يتأخر عن موعد العمل. حاول أكثر من شخص أن يترك له مقعده، لكن خاطر رفض. عندما وصل مقر الشركة وقف متردداً على باب الدخول. لاحظ أنه كان يبدو متشردًا فى مظهره. موظفو الشركة الأنيقون يعبرونه والآنسات أيض...
رواية سلانديرا الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اسماعيل موسى
سحق خاطر لفافة التبغ على العشب وسمع ضحكات جنية قزمة فراشة حلقت قرب منه.
إلى جواره غير بعيد كان عفريت وعفريته يتبادلون القبل تحت شجرة رحروح حمراء.
كانت السماء مزينة بكريستالات الجن التي تتراقص داخلها الألوان، بدا كل شيء غريب ومثالي.
ثم فجأة ارتفع بوق القصر يعلن الترحيب بالقادمين.
أميرة بحر الرمال وحراسها الشخصيين، فتيات بجلد أزرق وزعانف سمكية وشعور طويلة منبعجة.
ثم توالى النفخ في البوق مع قدوم الأمراء والأميرات وملوك البقاع البعيدة.
ثم حل صمت رهيب وصرخ مستشار الملك صاحب الصولجان.
"إن الملك هرشان لديه إعلان سيدلي به إلى شعبه وحلفائه."
سمح للعامه من البشريين الوقوف أمام البوابة المفتوحة.
بينما تسلق الجان والعفاريت سور القصر.
تمكن خاطر من التسلل داخل القصر عندما انخرط مع عشيرة جان الأرض الخضراء والتي كان يخدمها بشر كثيرون.
وقف الملك هرشان ووقف إلى جواره أمير جني مفتول العضلات برأس وقرنين طويلين يرتدي معطف أسود وزيله يلعب بين قدميه.
"اليوم يا شعبي العظيم، شعب مملكة بلاتين وملوك البقاع، أعلن لكم عن نبأ خطوبة ابنتي الأميرة زافيرا من الأمير شيفان.
أزف إليكم تلك الأخبار السعيدة، شيفان ابن أخي سيخلفني في حكم مملكة بلاتين."
كان بصر خاطر مصوباً على زافيرا ولم تخف عليه ملامحها المستهترة.
لم تبد سعيدة وكانت التعاسة تطل من عينيها.
حتى عندما أرغمت نفسها على الابتسام، بدت ابتسامة قاحلة بائسة.
وكاد خاطر أن يغادر القصر وأرض المملكة ويعود لعالم البشر.
لولا أن التقت عينيه بعيون زافيرا.
لم تكن نظرة غرور أو نظرة كبرياء، بل نظرة استجداء.
نظرة إنسان يغرق داخل بحر هائج الأمواج عثر عليه بحار في رمقه الأخير.
كانت قليلة الحيلة واختفت من ملامحها كل بوادر الكبرياء والنرجسية التي يعرفها خاطر.
لاحظ الأمير شيفان نظرة زافيرا المطولة تجاه خاطر.
"من هذا البشري؟"
سأل الأمير شيفان حارسه الشخصي.
كان عفريتاً من جن، بشرته زرقاء وله عيون سود مثل الفحم.
"أحضر هذا البشري إلى المقر واستجوبه، ثم البس له أي تهمة وأرسله إلى المناجم."
همس سايكوس: "إنه مجرد بشري حقير يا مولاي."
"قد يكون بشريا حقير، لكن نظرته إلى زافيرا تستحق العقاب."
"كيف تجرأ ونظر إلى زوجتي تلك النظرة؟"
كان خاطر شارداً بين المدعوين عندما جذبته يد بشرية.
"العم حامد؟"
"لقد أتيت إذا يا خاطر؟"
"تعالى، الأميرة ترغب في رؤيتك."
من باب سري خلفي، رافق خاطر حامد إلى داخل القصر.
بينما عاد سايكوس إلى الأمير شيفان.
"يبدو أنك كنت محق يا مولاي، البشري دخل القصر."
همس سايكوس: "راقبه عن قرب واعرف لي قصته قبل أن أقتله."
كانت زافيرا جالسة فوق سريرها عندما وصل خاطر.
تنحى العفريت الذي يحرس باب غرفة الأميرة عندما لمح حامد.
"سيبنا لوحدنا شوية يا عم حامد."
"عم حامد؟" همس خاطر بسخرية. "لقد كنتِ تحتقرين البشر، ماذا حدث؟"
أطلقت زافيرا أنيناً طويلاً.
"وجدت فرصتك أخيراً يا بشري؟"
"تسخر من شيطانة علوية؟"
"أنتِ مش حابة الأمير اللي هتجوزيه يا زافيرا؟ شكلك مرغمة عليه؟"
"محدش يقدر يرغمني على حاجة يا بشري، مصلحة المملكة أهم. والدي مريض، عاش أكثر من عمره، ولابد من أحد يخلفه في حكم بلاتين."
"زافيرا، متكدبيش على نفسك، أنتِ مش طايقة شيفان ابن عمك."
بدت زافيرا قليلة الحيلة لكن كبرياءها منعها من الاعتراف.
"الأمير شيفان أقوى محاربي المملكة وابن عمي ووسيم."
"وو..."
"له ذيل يلعب بين سيقانه." أكمل خاطر بنبرة ساخرة.
"كل الجان يملكون ذيول يا بشري، لا تسخر منا."
"والآن قل لي لماذا أتيت إلى أرضنا؟"
تنهد خاطر بلا مبالاة.
"حضرت لأرى الأميرات اللاتي يجرون البشر من أعناقهم بحبال مثل الكلاب. ووجدتُكِ تكذبين، لم أرى إلا أميرة واحدة وكان البشري لديها مسحوراً، قابعاً تحت تعويذة لعينة."
"حتى لو كنت لا أحبه، لا أملك شيئاً لفعله."
"لا أحد يستطيع الوقوف في وجه شيفان بعدما أعلن والدي خطبتنا."
"في ساحة المعركة سيقتل شيفان كل جني يعلن رغبته في الزواج بي، لطالما فعل ذلك منذ سنين، كل شخص يتقرب مني مصيره الموت ووالدي يساندُه."
"وإذا لم يكن جني، كيف سيكون الحال؟"
"لا يمكن لبشري أن يتزوج شيطانة علوية يا خاطر."
"ما المانع؟ القوانين تمنع ذلك؟"
فكرت زافيرا.
"الأمر لا يتعلق بالقوانين بل بالمراتب."
"البشر أقل منزلة منا، ثم من يستطيع محاربة شيفان من أجلي؟"
"أقول لك، كل الجان والمرده والغيلان يخشون شيفان وسيفه."
"ثم تعالى هنا، لا تقل أنك تفكر الإعلان عن حبك."
"أعرف أن لدي كاريزما وطلة لا تقاوم، لا تقل أنك وقعت في حبي."
"حبك؟"
"طبعاً لا."
"لكن رؤيتك حزينة كسرت قلبي."
أطلقت زافيرا واحدة من ابتسامتها المذهلة.
"للأسف لا يمكنك فعل شيء يا خاطر، أنت مجرد بشري ضعيف."
"ومتدني، إعلانك عن حبي مصيره قطع رقبتك."
"قلت لا أحبك." صرخ خاطر. "لكن رؤيتك مكسورة أمر محبط."
"لا يمكنني الوقوف مكتوف اليد."
دخل العفريت حارس الغرفة وهمس.
"مولاتي، سايكوس خادم شيفان يراقب الغرفة، تتبع البشري إلى هنا."
"أنت في خطر!" صرخت زافيرا. "فارود خذه إلى باتروس، إنه الوحيد الذي يمكنني أن أثق به."
"وأنتِ." أشارت إلى خاطر. "غادر أرض مملكة بلاتين بأقصى سرعة."
رواية سلانديرا الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اسماعيل موسى
أوصل فاردو حارس الأميرة زافيرا خاطر إلى بيت باتروس. ولأن فاردو مجرد حارس، لن يذكر اسمه مرة أخرى في القصة. وهكذا تنتهي قصته بكل بساطة بجرة قلم، مثل تمامًا يومًا ما.
كان باتروس مستلقيًا على فراش من ريش الناترنج، وجهه غاطس في الفراش ومؤخرته الكبيرة تطلق أصواتًا لا داعي لذكرها، وأذنيه التي تشبه أذني الوغل متدلية إلى جواره. وكانت قدمه مسطحة وكبيرة، وأصابع قدمه تشبه النقانق. إلى جواره رصت بفوضوية زجاجات النبيذ الفارغة.
جلس خاطر على طقطوقة من الحجر الأسود. "لماذا حضرت إلى هنا؟"
"إنه شخص كاذب وجبان وأنانٍ. قال إن الفضول هو الذي أتى به لأرض الجان. لكن الحقيقة أنه أحب زافيرا من أول نظرة. ربما أعجبته طلتها وكونها شيطانة أمر مبهر، لكنه أحبها على كل حال. لا يستطيع أن يفهم هذا ولا يستطيع أن ينطق به."
"باتيكا؟"
"نعم خاطر."
"أنتِ هنا؟"
"لا، أمي هي التي ترد عليك."
كتم خاطر صوت ضحكة. "ما فرص نجاحنا في أرض الجان؟"
"عشرين بالمائة يا خاطر."
"وما فرصي في مواجهة الأمير شيفان؟"
"صفر سيد خاطر."
"صفر؟ لتلك الدرجة لا تثقين بي؟"
"أجل سيد خاطر."
"المشكلة في الحقيقة أننا كلنا نطلبها، لكنها موجعة ولا نقبلها."
"تقولين إذاً أنني شخص فاشل منعدم النفع؟"
"أجل سيد خاطر."
"سأحضر أعواد المارين ونرحل من هنا. في أرض البشر ستطلق سراحي، تحررني."
رفع باتروس عودي ماريان من تحت بطنه وألقاهم في حجر خاطر. "ارحل قبل أن أرى وجهك."
"أرسلتني زافيرا!" صرخ ناصر محاولًا جذب انتباه باتروس.
"زافيرا أو هرشين، لقد كرهت العائلة الملكية وكرهتك أنت من قبل أن أراك."
همس خاطر، "أيمكنني أن أعرف السبب؟"
"لأنك شخص سلبي تتخفى خلف غيرك. لو قلت إنك بشري حقير ربما كان أفضل."
"لست حقير!" صرخ خاطر.
"ضعيف وجبان."
"لست ضعيفًا أو جبانًا!" صرخ خاطر بحدة.
"أثبت إذاً أنك لست جبانًا!"
"أنا مستعد."
رفع باتروس رأسه. "خذ تلك القنينة واملأها نبيذًا من كوخ العجوز سافي، ثم بعدها يمكنني أن أقرر."
"لكنني لا أعرف سافي تلك ولا غيرها."
"باتيكا سترشدك!"
"ولماذا أذهب لجلب النبيذ؟ اذهب أنت."
"إذا لمحتني سافي، ستركلني على مؤخرتي، لم أسدد ديوني منذ عام."
"لكن لديك فرصة. قل لها إنك بشري، إنها تحب البشر. ستمتلئ لك القنينة حتى آخرها."
"وبعد ذلك ماذا سيحدث؟"
"املأ القنينة اللعينة، وبعدها أنظر في أمرك."
في الطريق، حذرت باتيكا خاطر. "باتروس جنّي مراوغ وحقير. لن يساعدك، سيبيعك إلى شيفان في أول فرصة."
"لدي أعواد المارين، دعنا نرحل. هذا أفضل لك ولي."
"لا أستطيع." همس خاطر بغباء.
"لماذا؟"
"لأن زافيرا واقعة في ورطة ولابد أن أساعدها."
"غير مقتنعة!" صرخت باتيكا. "هذا جنون! ثم إنه سبب غير منطقي."
"أحبها!" صرخ خاطر. "أحبها! ارتحتِ الآن؟ لا يمكنني تركها لأني أحبها."
"اصمت يا غبي! تحب زوجة رجل آخر؟ أهذه شيم البشر؟"
"زافيرا ليست زوجة شيفان بعد."
"سأحاربه في الباحة، سأتحدّاه وأنتصر عليه."
أطلقت باتيكا ضحكة ساخرة. "انظر لنفسك! أنت لست فقط بشريًا، لكنك ضعيف جدًا وغير شجاع."
"غير شجاع!"
فكر خاطر، ربما يكون ضعيفًا، لكن غير شجاع وجبان أمر لا يمكنه أن يقبله أبدًا.
فتحت العجوز سافي باب كوخها. "إنسان بشري ضعيف يرغب في نبيذ يا سيدتي؟"
أدى خاطر دوره بدقة.
ابتسمت العجوز. "لقد أقنعتني وسأملأ لك قنينة النبيذ. لكنك كاذب."
"كاذب كيف يا سيدتي؟"
"لأنك لا تشرب النبيذ ولم تذقْه طوال حياتك. عندما تخترع كذبة، اجعلها متقنة. من أرسلك؟"
"سينج؟"
"بازيك؟"
"عرفان؟"
"باتروس." همس خاطر أخيرًا.
"باتروس؟ ألم تجد سوى ذلك الملعون الذي سرق قنيناتي أمس؟"
"نصيبي يا سيدتي!!"
"الك شيء عند باتروس؟"
"حتى الآن لا."
قالت المرأة: "لا تقدم زجاجة النبيذ إلى باتروس حتى تساومه. الجان لا يعترفون إلا بالمساومة، ومهما كانت طلباتك، باتروس سيلبيها لك مقابل هذه الزجاجة. عندما يحتاج باتروس للخمر، يفعل أي شيء في المقابل."
سلمت سافي القنينة إلى خاطر. "لا تنسَ دينك سيد خاطر. عندما تصبح أميرًا، تعالَ هنا وامنحني حقي."
"هات القنينة يا بشري!" قال باتروس وهو يترنح من السكر.
"ليس قبل أن نبرم اتفاق." همس خاطر بشك.
"تعلمت المساومة يا بشري؟"
"اللعنة على الجان، أفسدوا كل شيء. هات القنينة وسأمنحك ما تريد."
"لا!" همست باتيكا في عقل خاطر. "ابرِم الاتفاق أولاً."
قال خاطر: "سأمنحك القنينة قبل أن نبرم اتفاق."
"ما الذي يمنعني من نحر عنقك الآن؟ هات القنينة ولا تغضبني."
همس خاطر: "القانون الحادي عشر في عالم الجان يمنع على الجان أذية بشري أو معاقبته بلا سبب واضح."
صرخ باتروس: "بعد أن أقتلك، قل ذلك للقاضي الذي يشبه مؤخرة البجعة."
قال خاطر: "إذا كنت ستفعلها، لكنت الآن ميتًا. دعنا نبرم الاتفاق ولا تضيع وقتك في المجادلة."
"أريد أن أتدرب على ركوب الخيل."
"تمام."
"والمبارزة بالسيف."
"تمام."
"أن أتعلم تعويذات الجان التي تسحر البشر وأكون معصومًا منها."
"تمام. هات القنينة."
"ليس بعد." همس خاطر. "أريد أن أهزم شيفان."
"شيفان؟ اللعنة على شيفان، حتى في أحلامي لا يتركني. اسمع يا بشري، لا أحد ينتصر على شيفان، لكن يمكنني تعليمك أساليب القتال."
رواية سلانديرا الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اسماعيل موسى
إذا أبرم الاتفاق بين خاطر وسايكوس.
قال سايكوس:
"عندما أفيق من السكر سأعلمك ركوب الخيل والضرب بالسيف وتعاويذ تسخير الجان للبشر."
جلس خاطر في بيت سايكوس، منشرحًا على وجهه ابتسامة نصر صغيرة.
"لماذا أنت منشرح هكذا؟" همست باتيكا.
"لأنني أبرمت اتفاقًا،" رد خاطر. "وأنا وأنت نعرف أنها إجابة منطقية. لقد أبرمت صفقة لا بأس بها."
"غبي! أنت بشري غبي. لن تنال أي شيء. من قال لك أن سايكوس يفيق من سكره؟ قلت لك احذر ألاعيب الجان. الجان لا يمكنهم الكذب، لكن يتلاعبون بالألفاظ بما يخدم مصلحتهم."
قال سايكوس: "عندما أفيق من سكري..."
وسايكوس، منذ فقد حبيبته، لم يفق من سكره أبدًا.
في كل مصيبة، لابد أن تجد امرأة.
أدرك خاطر خطأه الفادح. نهض وصرخ في سايكوس:
"أنت جان ماكر، خدعتني!"
مد سايكوس ذيله وكاد أن يخنق خاطر، ثم ألقاه خارج المنزل.
مثل الحياة، في كل مرة تعتقد فيها أنك اقتربت من تحقيق أحلامك، تصفع بقوة.
لم يكد خاطر يسترد أنفاسه، كانت باتيكا أقنعته بالرحيل من أرض الجان قبل أن يقبض عليه الأمير شيفان ويعمل معه "الجولاشه".
وقف خاطر على شاطئ البحر ينتظر باتيكا التي تسحر أعواد المارين. يراقب أسراب السمك التي كانت تسبح في هدوء وسكينة، حتى فزعت الأسماك فجأة، وتوقع خاطر أن تظهر سمكة قرش أو حوت، مثلما يرى في أفلام ناشيونال جرافيك الخاصة بالطبيعة.
لكن الذي ظهر كان خمسة حوريات يحملن حرابًا طويلة. واحدة منهم مدت الحربة التي التصقت بخاطر وجذبته داخل المياه، قبل أن تضع في فمه عشبة "باسكاريوز" السحرية.
عندما انتهت باتيكا، لم تجد أثرًا لخاطر، لكنها لاحظت التموج على سطح الماء.
في بلاد الجان، يوجد العديد من الفتيات الجميلات اللاتي يشعرن بالملل.
واحدة منهن كانت في حفل خطبة الأميرة زافيرا، ولمحت نظرتها الخطيرة تجاه خاطر.
فقررت أن تختطف خاطر، ربما يكون ذا أهمية بالنسبة لزافيرا، لأنها كانت تكرهها مثلما يكره جان البحر جان الأرض.
وبعد سباحة لا بأس بها وغوص، وصلوا الفتاة التي كانت تركب ظهر حوت. كانت فتاة في السابعة عشر من عمرها، تشعر بالسخط تجاه كل شيء، وتستمتع بتعذيب السمكات وإجراء تجارب جينية عليها.
قيدته من رقبته بحبل، ومشت على قاع البحر تجره خلفها.
لقد كان خاطر في مرحلة يجذب المشكلات مثل المغناطيس.
مسلوب القوة، سار خلف الفتاة اللعينة والصغيرة جدًا.
التي دخلت به القصر من باب سري نحو معمل التجارب الخاص بها.
رأى خاطر جنيات صغيرات، وعفاريت وأقزام وأخطبوط وسلحفاة.
كانت الفتاة الصغيرة تجري تجاربها الجينية بدافع الفضول والسخط على العالم من حولها، متلاعبة بطبيعة الكائنات البحرية والجان على حد سواء.
معملها كان عبارة عن كهف مظلم في أعماق البحر، تضيئه قناديل بحر معدلة جينيًا تصدر أضواء بألوان غريبة.
كانت تحقن بعض الجان المأسورين بخلايا سمكية، فتظهر عليهم تحولات غريبة. أحدهم نمت له زعانف بدلًا من أذرعه، وآخر صار جلده مغطى بالقشور، بينما تحولت إحدى الجنيات إلى نصف إنسانة ونصف سمكة قرش ذات أسنان حادة.
أجرت تجارب على أسماك صغيرة، مستخدمة تعاويذ جان البحر لزيادة ذكائها. بعضها صار قادرًا على حل الألغاز، والبعض الآخر بدأ في التواصل بالإشارات. لكن أخطرها كانت سمكة شفافة بحجم كف اليد، عيناها تلمعان بمكر، وكانت تهمس بكلمات جان البحر، وكأنها تفهم تمامًا ما يجري حولها.
كانت لديها تجربة محظورة، تحاول فيها دمج أرواح الجان بأسماك نافقة، فتنتج كائنات نصفها ميت ونصفها حي، تسبح بتثاقل وأعينها خاوية، تصدر منها همسات مرعبة جعلت حتى العفاريت تخشى الاقتراب منها.
في حوض زجاجي ضخم، كان هناك كائن هائل، مزيج بين أخطبوط وسمكة تنين، بعيون متعددة ومخالب تفرز سمًا أزرق قاتل. هذا الوحش كان نتيجة دمج جينات مخلوقات مختلفة، وقد كانت تراقبه بمتعة وهو يحاول الهرب، لكن الحواجز السحرية كانت تمنعه.
صنعت سمكة بأجنحة شفافة كانت قادرة على الطيران خارج الماء، وأخرى زودتها بجوهرة في رأسها يمكنها تخزين الطاقة السحرية. هذه الأسماك لم تكن مجرد كائنات، بل تحولت إلى أدوات يستخدمها الجان في معاركهم أو طقوسهم.
خاطر، وهو مقيد ومسلوب الإرادة، راقب هذه التجارب بذهول وخوف. الفتاة الصغيرة، التي لم تكن ترى في أفعالها أي خطأ، اقتربت منه وهي تبتسم بمكر، قائلة:
"أظن أنني سأجري تجربتي التالية عليك، أيها البشري المزعج."
وعلى الإنسان دائمًا أن يتعلم من أزماته أكثر من نجاحاته وانتصاراته.
ولأنني أشعر أنه ليس وقتًا للفلسفة، سأخوض في الأحداث دون تراخٍ أو فتور.
ظل خاطر محبوسًا داخل المعمل يسمع صرخات الجان والحيوانات والأسماك على حد سواء.
لكنه شعر بشيء غريب بداخله. لم يكن خوفًا أو فضولًا أو حتى ارتباكًا.
بل وجد عقله يسجل تلك التجارب مثل شريحة ذاكرة.
كان مستمتعًا حتى وهو يتلقى الضرب، حتى وهو يتلقى البصق على وجهه.
ولأنني لا أعرف حتى الآن لماذا قررت الفتاة اللعينة الشيطانية تأخير التجارب على خاطر.
لكن لأني مؤلف القصة، يمكنني أن أقول إنني خلال تواجدي داخل المعمل القذر حيث الجرذان البحرية تأكل بقايا الأجساد، لاحظت شيئًا على الفتاة.
عندما كانت تجري تجربة، كانت تنظر تجاه خاطر، وكانت تشعر بالسعادة عندما ترى ابتسامته وأنه يقدر عملها المجنون.
عندما كان يصفق بيديه المربوطة بالسلاسل، كانت تشعر أنها موهوبة ونادرة وفاخرة.
وجود خاطر المجرد، كان يمنحها شعورًا لم تشعر به من قبل.
لطالما كانت فتاة مستهترة ذات ميول خزعبلية.
في عالم الجان، يمكن لأي طفل صغير أن يسحر حوتًا أو حتى كائنًا أضعف. والتجارب التي تجريها في نظرهم فارغة لا معنى لها، نزوات فتاة تافهة سادية بلاعة مجاري.
وكانت نظرات الخدم لها عندما تخرج من معملها الذي أنشأته بنفسها، بملابس ملطخة بالدم والقذارة، مسار سخرية الجميع. تلك الميول الانفرادية الشاذة لم تجد لها قبولًا في عالم التعاويذ والطلاسم.
في عالم لا يعترف بالمواهب الشخصية ويكن ضغينة تجاه المشاعر، وجدت شخصًا يقدر عملها، بل ويجدها عالمه شيطانيًا بارعًا.
لقد نسيت الفتاة زافيرا وحقدها عليها، ذلك الحقد الذي كانت تحتفظ به لنفسها. وحلت قيود خاطر، قيود يديه فقط.
وسمحت له أن يشاركها جنونها العلمي. ولم يكن غريبًا أن تسمع أصوات انفجارات أو ريح تحمل غازات سامة تخرج من المعمل. وجدت في خاطر الصديق الذي لا يمكنها أن تعترف به. لقد خافت أن تعتبره صديقًا حقيقيًا، أن تتخلى عنها.
فأوجدت مساحة بينه وبينها.
ولأن خاطر غبي وسريع التعلق، أفضى للفتاة عن مهمته في أرض الجان، وأنه يحب زافيرا ويرغب في إنقاذها من تلك الزيجة التي أُجبرت عليها، لكنه لا يملك قوة أو سحرًا أو أي شيء يمكنه من تحقيق حلمه.
وكان خاطر اعتاد جسده العيش تحت الماء بعد أن أنهى الجرعات المطلوبة للعيش داخل البحار.
ذات مرة سألت الفتاة خاطر: "ماذا ستفعل إذا أصبحت قويًا جدًا تستطيع أن تقاتل شيفان؟"
قال خاطر: "سأجعلك أميرة على جان البحار، وأبرم معك معاهدة سلام، ويكون قصري مفتوحًا لك ليل نهار."
وكان يمكنها أن تضحك أو تسخر، فما يهذي به ذلك البشري كلام مجنون. لكنها عوضًا عن ذلك، فاجأت خاطر ذات يوم وأمرته أن يرافقها في رحلة.
رواية سلانديرا الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اسماعيل موسى
غاص خاطر خلف الفتاة داخل أخاديد مظلمة تسكنها الرخويات وأسماك السلطعون والدغرومى والسربين. عندما انتصف الأخدود البحري، عرجت الفتاة تجاه كهف بباب مهشم. كان الكهف ساكنًا مثل قبر. أبعدت الفتاة الأحجار ودخلت الكهف، ودلف خاطر خلفها.
"بتريس."
"بتريس، أظهر."
سمع صوت طقطقة عظام وتمضغ.
"نعم يا والدتي."
ثم ظهر المخلوق المهجن يزحف على يديه كرضيع.
"والدتك هنا."
نهض بتريس، وكان أطول من الفتاة بثلاث مرات.
كان المخلوق الذي صنعته الفتاة أقرب إلى كابوس مستيقظ، تجسدًا مرعبًا يجمع بين عالمين لا ينبغي لهما أن يندمجا.
طوله الهائل جعله يبدو كعمود بحري متحرك، أكثر ضخامة من أي مخلوق بشري أو بحري. النصف العلوي كان لجني كريه الهيئة، جلده بلون الرصاص الأزرق، كأنما تآكل بفعل التيارات البحرية القاسية. وجهه طويل وحاد الزوايا، عيناه بلا بياض، مجرد دوامتين من السواد المظلم، كأنهما ثقوب تبتلع الضوء.
كان شعره طويلًا، فضيًا، لكنه يتحرك كخيوط الطحالب البحرية، كأن شيئًا خفيًا يبث الحياة فيه. أذناه مسنونتان كزعانف، تمتدان للخلف كأنهما شفرات حادة، بينما فمه مليء بأسنان غير متناسقة، بعضها مدبب كإبر البحر، وبعضها مفلطح كأنياب القرش، كلها تتحرك باستمرار كما لو كانت منفصلة عن إرادته.
أما النصف السفلي، فقد كان كابوسًا آخر. زعانف ضخمة متداخلة، تغطيه طبقة من القشور السميكة، المتدرجة بين الأزرق الداكن والأسود العميق. وعند مفاصل ساقيه، ظهرت مخالب حادة، طويلة وشفافة، كأنها منحوتة من زجاج البحر السام.
كانت أطرافه طويلة بشكل غير طبيعي، يداه ضخمتان بشكل بشع، بأصابع ذات مفاصل مزدوجة تنتهي بمخالب سوداء متوهجة بتوهج خافت، كأنها تنبض بسم لا يرى.
أما صدره وكتفاه، فقد كانا ممتلئين بعضلات متشابكة، لكن بينها فجوات صغيرة، ظهرت من خلالها عيون سوداء كثيرة، بعضها يختفي تحت جلده، وبعضها يحدق في كل اتجاه، وكأن جسده نفسه كيان حي متعدد الرؤوس.
كلما تحرك، أصدر صوتًا غريبًا، خليطًا بين طقطقة العظام وانسياب الماء داخل تجاويف صدفية، كأن جسده لم يكن كيانًا واحدًا، بل عدة مخلوقات ملتصقة ببعضها بطريقة مستحيلة.
بتريس لم يكن مجرد مخلوق مرعب في هيئته، بل كان آلة قتال مصممة بوحشية، كأن آلاف السنين من معارك الشياطين والكائنات البحرية قد صهرت داخل جسده ليصبح محاربًا لا يقهر.
يمكنه سحق عظام أي خصم بيد واحدة، أصابعه المفصلية المزدوجة تعمل كمخالب هيدروليكية، تحطم اللحم والعظم في لحظة واحدة.
ضربة واحدة منه على الأرض كافية لتصدع الصخور تحت قدميه، وقبضته تستطيع تفتيت درع فولاذي كأنه مصنوع من الخشب الهش.
رغم حجمه الهائل، يتحرك بسرعة خادعة، كأنه درب على القتال في أعماق البحر، حيث السرعة والبديهة هما مفتاح النجاة.
يختفي للحظة عن عين خصمه، ثم يظهر خلفه في رمشة عين، ممسكًا برقبة العدو كأنما انتقل عبر طيات الماء.
جسده المرن يجعله خطيرًا في أي وضع قتالي، يستطيع القتال على أربع كوحش زاحف، أو الوقوف منتصبًا كمقاتل بشري.
زعانفه الخلفية قابلة للتحول إلى أطراف إضافية يستخدمها للاندفاع، أو الركل، أو حتى اختراق أجساد خصومه بأسنانها الحادة.
يستخدم سيفًا طويلًا بلون الدم القاتم، يقال إنه منحوت من عمود فقري لمخلوق أسطوري بحري.
النصل ينبض كأنه قطعة من جسده، يتحرك مع إرادته، ويستطيع تغيير طوله وشكله تبعًا لمزاجه القتالي.
عندما يضرب به، يترك أثرًا أسود على الهواء نفسه، وكأن النصل يشق حتى الواقع.
"ضربة الموجة القاتلة": يهوي بالسيف بسرعة، مولدًا موجة ضغط قوية تستطيع قطع جيش بأكمله في ضربة واحدة.
"شق التيارات": يدور حول خصمه بسرعة، تاركًا خلفه آثارًا سوداء في الهواء، قبل أن ينفذ ضربة واحدة تقسم العدو إلى أشلاء دون أن يشعر.
"انقضاض البحر الهائج": يقفز عاليًا، ثم يهبط بكل ثقله مستخدمًا السيف في ضربة تصدع الأرض تحت قدميه، كأن البحر نفسه انشق وأطبق على خصمه.
قشوره ليست مجرد حماية، بل تشبه دروع الفرسان الأسطوريين، تعكس الضربات وتكسر النصال التي تحاول اختراقه.
حتى السحر نفسه لا يؤثر فيه بسهولة، لأن جسده متكيف مع طاقة البحر المظلمة، مما يجعله مقاومًا لأي تعاويذ ضعيفة.
العيون المنتشرة على جسده ليست للزينة، بل ترصد أدق التحركات، تجعله يرى خصمه من كل زاوية، فلا يمكن مباغتته أبدًا.
إذا أغلقت عيناه الرئيسيتان، تبقى باقي العيون مفتوحة، تراقب، تتحرك، تبتسم بسخرية.
في المعارك البحرية، يصبح كابوسًا لا يمكن مواجهته، حيث يذوب في الماء كأنه جزء منه، ويظهر في أماكن لا يمكن التنبؤ بها.
يستطيع خلق تيارات مائية حادة كسكاكين، تقطع الأعداء إربًا دون أن يرفع سيفه حتى.
"أريدك أن تعلمه طرق القتال يا بتروس. لا يخرج من هنا إلا إذا كان قادرًا على حرب جيش بمفرده."
"إنه ضعيف، ضعيف يا والدتي."
همس المخلوق وهو يدور داخل الكهف.
"ضعيف، بشري ضعيف."
"أجلعُه قويًا يا بتروس."
"البشر ضعفاء يا والدتي، مشاعرهم البشرية تجعلهم يفقدون السيطرة."
"عالجه إذا يا بتروس، لقد كنت ضعيفًا وعالجتك والدتك."
"لا يمكنني أن أعدك يا والدتي، إنه لا يستطيع رفع صخرة."
"كيف سيحمل سيفًا طويلًا وضخمًا؟"
رقص المخلوق داخل الكهف، حرك زعانفه ثم قال:
"قد يموت يا والدتي خلال التدريب."
"بتروس،" قالت الفتاة، "إذا لم يتعلم كل شيء، اقتله بيدك."
قالت الفتاة وخرجت من الكهف وأغلقته بتعويذة خلفها.
اليوم الأول: البداية الهشة
وقف خاطر في منتصف الكهف، جسده الهزيل مقارنة ببتروس كان أشبه بحشرة أمام وحش بحري. لم يكن يملك القوة، ولم يكن يملك التقنية. فقط إرادة ضعيفة تقاوم الخوف الذي بدأ يتسلل إليه.
بتروس لم يقل شيئًا، فقط ألقى بصخرة ضخمة أمامه، وزنها يفوق وزن خاطر بأضعاف، ثم أشار إليها بمخلبه.
"ارفعها."
خاطر حاول، سحب أنفاسه، وضع كل قوته، لكنه لم ينجح في تحريكها ولو شبرًا واحدًا.
"ضعيف... كما توقعت." همس بتروس بازدراء، قبل أن يرفعه من قميصه بيد واحدة، ثم ألقاه بقوة على الأرض. الألم انفجر في ضلوعه، لكن الصدمة لم تنته بعد.
"ستحملها أو ستموت هنا."
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد هناك شيء سوى الألم.
الأسبوع الأول: كسر الجسد، إعادة التشكيل
بتروس لم يكن مدربًا، كان معذبًا يعرف كيف يطحن الجسد حتى يخلق من جديد.
1. زيادة القدرة العضلية:
كل يوم، خاطر يُجبر على رفع الصخور، بعضها مغموس بالماء حتى تثقل أكثر، وبعضها حادة لتمزق جلده إن أخطأ في الإمساك بها.
كان عليه الجري داخل الكهف، والمياه تصل حتى خصره، فيما يقوم بتروس برمي الصخور نحوه، إن لم يتفاداها في الوقت المناسب، فإنها ستسحقه.
في الليل، كان يُعلق رأسًا على عقب، وأطرافه مربوطة بسلاسل بحرية، حتى تعتاد عضلاته على المقاومة في كل وضع ممكن.
2. التدريب على التحمل:
تركه في المياه الباردة حتى يصل جسده إلى مرحلة التجمد، ثم كان يجبره على القتال بعدها مباشرة، حتى يتعلم كيف يقاتل رغم الألم.
وضعه في مناطق ضغط مرتفع داخل الماء، حيث التنفس يكاد يكون مستحيلًا، وكان عليه الصمود هناك بينما بتروس يهاجمه باستمرار.
جعله يجري وسط دوامات الماء القوية، حيث لا توجد أرض ثابتة تحته، فقط تيارات متضاربة تريد سحبه للأسفل.
الشهر الأول: البداية الحقيقية للقتال
بعد أن أصبح جسده قادرًا على التحمل، بدأ بتروس يعلمه القتال الحقيقي.
1. القتال اليدوي والمصارعة:
جعله يواجهه مباشرة، لكن بلا أسلحة، بلا حماية، مجرد قبضته العارية ضد وحش مدمر.
كل مرة يُضرب فيها، عليه أن ينهض فورًا، وإلا سيزيد بتروس من العنف في الضربة التالية.
جعله يتعلم كيف يتحرك بسرعة، كيف يستخدم وزنه ضد خصومه، كيف يتفادى الهجمات بدلًا من تلقيها.
2. السيف الضخم:
ألقى إليه سيفًا يفوق طوله ووزنه، وقال: "إن لم تستطع حمله، فستصبح جزءًا من الأرض تحته."
كان عليه أن يلوح بالسيف مئات المرات يوميًا، رغم أن كل عضلة في جسده كانت تصرخ من الألم.
جعله يتدرب في الماء، حيث المقاومة أقوى، مما يجعل التحكم بالسيف أشبه بالمستحيل، حتى يعتاد على الوزن الحقيقي له.
جعله يقاتل داخل كهف مغمور نصفه بالماء، حيث التوازن أصعب، والسرعة عامل قاتل.
كان على خاطر أن يتعلم كيف يستخدم التيارات البحرية لصالحه، كيف يهاجم ثم يختفي في الظلام قبل أن يُضرب.
كان بتروس يهاجمه من زوايا لا يتوقعها، مستخدمًا مخلبه، زعانفه، وحتى عيونه السوداء التي تطلق موجات تخدع الحواس.
---
الشهر الثالث: اختبار الدم
في هذا اليوم، لم يكن هناك تدريب. فقط مواجهة حتى الموت.
بتروس لم يعطه فرصة، هاجمه فورًا، ومزق جزءًا من كتفه بمخالبه. الدم اختلط بالماء، لكن خاطر لم يسقط. لم يعد هو الإنسان الضعيف الذي دخل هذا المكان.
تحرك بسرعة، أدار السيف، استخدم قوته الجديدة ليصد الضربات، ثم هجم لأول مرة بدلًا من الدفاع.
النصل شق الهواء، بتروس تفاداه بصعوبة، وفي تلك اللحظة، عرف أن التلميذ لم يعد مجرد بشري.
بعد ساعات من القتال، عندما وقف خاطر منتصبًا رغم كل الجراح، رغم كل الألم، ابتسم بتروس وبانت جوفه الناري.
"الآن سأعلمك المراوغة وإلقاء التعاويذ السحرية."
بتروس لم يكن يؤمن بالقوة وحدها، بل كان يعرف أن القتال الحقيقي ليس فقط في الهجوم، بل في البقاء حيًا عندما يكون الموت قاب قوسين أو أدنى.
1. السرعة ورد الفعل:
في البداية، كان يرمي بخناجر مائية تجاه خاطر، بسرعة تفوق قدرة العين على ملاحظتها، وكان على خاطر أن يتفاداها دون استخدام أي سحر.
إن أصابته إحدى الشفرات، كانت تتحول إلى جليد داخل جسده، مما يجبره على تعلم كيف يتفادى قبل أن يتلقى الضرر.
تدريجيًا، زاد عدد الشفرات، ثم أصبح الهجوم يأتي من عدة اتجاهات، مما أجبر خاطر على استخدام جسده بالكامل في المراوغة، لا مجرد تحريك رأسه أو ذراعه.
2. القتال في الظلام والماء:
جعله يقاتل داخل نفق مظلم تمامًا، حيث الصوت وحده هو دليل الحركة.
ألقى به في دوامة ماء سريعة، وجعله يقاتل في بيئة غير مستقرة، ليتعلم كيف يتحرك دون الاعتماد على الأرضية الثابتة.
علمه كيف يستغل اندفاع خصمه ضده، بحيث يجعل ضربات العدو تصطدم بالهواء الفارغ بدلًا من جسده.
3. الاختفاء عبر الطاقة:
علمه كيف يستخدم طاقته الخاصة لتغيير مجاله الطاقي، مما يجعله غير مرئي للحواس السحرية.
كيف يخفي رائحته، صوته، وحتى أثره في الماء، مما يجعله شبحًا قاتلًا يتحرك دون أن يُرصد.
---
تعليم إلقاء التعاويذ السحرية
السحر لم يكن مجرد قوة، بل كان لغة تحتاج إلى فهم عميق. بتروس بدأ بتعليم خاطر الأساسيات، قبل أن ينتقل إلى تعاويذ متقدمة تجعل منه ساحرًا حربيًا قادرًا على قلب المعارك.
أنواع التعاويذ التي تعلمها خاطر:
1. تعاويذ الهجوم:
تعويذة "لظى النيزك" (Aes Rathiel): تسقط كرة نارية مكثفة بحجم صخرة، تنفجر عند ملامستها لأي شيء.
تعويذة "طوفان الظلال" (Maroth Abissum): تنشئ موجة من الظلام الحي، تلتهم كل ما يعترض طريقها.
2. تعاويذ الدفاع والحماية:
تعويذة "درع الإبادة" (Lucis Defensarium): تحيط الجسد بدرع لا يمكن اختراقه إلا بالسحر الأسود.
تعويذة "الانعكاس العكسي" (Primal Reverso): تعكس أي هجوم سحري نحو صاحبه الأصلي.
3. تعاويذ التعطيل والشلل:
تعويذة "لعنة القيد الأبدي" (Bindis Omnia): تربط العدو بسلاسل غير مرئية تمنعه من الحركة.
تعويذة "صمت الهاوية" (Silentium Morta): تمنع العدو من استخدام صوته أو أي تعويذات لفظية.
---
همس بتروس وهو يمضغ أخطبوط: "اسمع يا بشرى، لكل تعويذة، هناك تعويذة مضادة تحرر المستخدم أو تبطل تأثيرها."
---
التعويذة | التعويذة المضادة | التأثير
-|---|---
لعنة القيد الأبدي (Bindis Omnia) | تحطيم القيود (Altis Liberatio) | يحرر المستخدم من أي قيد سحري.
طوفان الظلال (Maroth Abissum) | نور التوازن (Lux Equilibrium) | يبدد الظلام ويعيد الضوء إلى المنطقة.
صمت الهاوية (Silentium Morta) | صرخة التحرير (Openam Evocare) | يعيد القدرة على الكلام ويكسر التعويذة.
درع الإبادة (Lucis Defensarium) | كسر الحاجز (Salus Corruptio) | يزيل أي درع حماية عن الخصم.
بعد أشهر من التعذيب والتدريب، وضع بتروس خاطر في مواجهة مخلوق بحري عملاق يسكن الأعماق المظلمة، ليس مجرد قتال قوة، بل اختبار لقدرته على استخدام المراوغة، السحر، والتعاويذ في وقت واحد.
عندما خرج خاطر من القتال منتصرًا، ينزف لكنه واقف، نظر إليه بتروس بعينيه السوداوين ثم قال: "لم تعد بشريًا بعد الآن."
قال خاطر: "الآن يمكنني العودة إلى أرض الجان وإنقاذ زافيرا."
"اصمت يا بشرى، هل تعتقد نفسك جاهز؟ رغم كل ما تعلمته يمكنني هزيمتك بيد وقدم واحدة. أنا لم أعلمك الأساليب المظلمة بعد، أريد والدتي أن تكون فخورة بي."
رواية سلانديرا الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اسماعيل موسى
كتاب تعاليم طقوس الظلام العاتى
1. قيد الحركة (𝕻𝖊𝖓𝖉𝖊𝖗𝖊 𝕮𝖎𝖓𝖊𝖘𝖎𝖘) | فك القيود (𝕿𝖎𝖔𝖓𝖊𝖒) | مما يسمح بالحركة مجدداً.
2. صمت الهاوية (𝕾𝖎𝖑𝖊𝖓𝖙𝖎𝖚𝖒 𝕸𝖔𝖗𝖙𝖆) | نداء الصوت الأزلي (𝕰𝖙𝖊𝖗𝖓𝖆 𝕽𝖊𝖘𝖔𝖓𝖆𝖓𝖙𝖎𝖆) | يعيد الصوت المسلوب، مما يسمح بإلقاء التعويذات اللفظية من جديد.
3. درع الإبادة (𝕷𝖚𝖈𝖎𝖘 𝕯𝖊𝖋𝖊𝖓𝖘𝖆𝖗𝖎𝖚𝖒) | سهم الاختراق (𝕻𝖊𝖓𝖊𝖙𝖗𝖆𝖙𝖎𝖔 𝕸𝖆𝖌𝖎𝖈𝖆) | يخترق الدرع ويكسر طاقته الحامية.
4. طوفان الظلال (𝕸𝖆𝖗𝖔𝖙𝖍 𝕬𝖇𝖎𝖘𝖘𝖚𝖒) | ضوء الطهارة (𝕷𝖚𝖝 𝕾𝖊𝖗𝖆𝖕𝖍𝖎𝖘) | يطرد الظلام المتحرك، ويعيد التوازن النوراني إلى المنطقة.
5. لظى النيزك (𝕬𝖊𝖘 𝕽𝖆𝖙𝖍𝖎𝖊𝖑) | زئير البحر الأزلي (𝕺𝖈𝖊𝖆𝖓𝖚𝖘 𝕱𝖎𝖓𝖎𝖘) | يستدعي موجة بحرية عاتية تطفئ اللهب الناري وتبطل مفعوله.
كان على خاطر أن يسجل تلك التعاويذ والطلاسم بجسد نصف عارٍ تحت القمر على صخرة مسننة بيدين ممدودتين.
1. طلاسم استدعاء قوى الظلام
𝕹𝖔𝖈𝖙𝖆𝖗𝖎𝖚𝖒 𝕬𝖇𝖞𝖘𝖘𝖚𝖒
(ليفتح باب الهاوية، وليصعد الظلام في موجاته العاتية!)
تستخدم لاستدعاء كيان من الظلام السفلي أو تقوية الهالة السحرية المظلمة للمستخدم.
𝕸𝖎𝖗𝖔𝖙𝖍 𝕹𝖎𝖌𝖍𝖙𝖒𝖆𝖗𝖊𝖘
(لتُرسل الكوابيس كخنجر في العقول!)
تستخدم لإغراق الأعداء في كوابيس مرعبة تجعلهم غير قادرين على الحركة أو التفكير بوضوح.
2. طلاسم الهجوم والدمار
𝕰𝖙𝖊𝖗𝖓𝖆𝖑𝖎𝖘 𝕯𝖊𝖘𝖙𝖗𝖚𝖈𝖙𝖎𝖔
(يا نيران الخراب الأبدي، أحرقي العالم بلهبك الأزلي!)
تعويذة تفجر طاقة مظلمة مدمرة حول المستخدم، تحرق كل ما يقترب منه.
𝕾𝖆𝖑𝖆𝖙𝖍 𝕰𝖒𝖔𝖗𝖙𝖎𝖆
(انكسار الأمل، وسقوط النور، فليبدأ عهد العدم!)
موجة طاقة سوداء تبتلع أي كائن حي، تمتص طاقته وتحوله إلى ظل خالد يخدم ملقي التعويذة.
3. طلاسم السيطرة والتحكم
𝕺𝖇𝖘𝖈𝖚𝖗𝖆 𝕰𝖓𝖘𝖑𝖆𝖛𝖆𝖗
(لتُسكت الإرادة، ولتنحني الأرواح لإرادتي!)
تعويذة للسيطرة على عقل الضحية، تجعلها طائعة تماماً دون مقاومة.
𝕹𝖊𝖈𝖗𝖎𝖘 𝕭𝖆𝖓𝖊 𝖔𝖋 𝕸𝖎𝖓𝖉
(فلتُدفن ذكرياتك في ظلام لا رجعة منه!)
تستخدم لمسح ذاكرة الهدف أو زرع أفكار مزيفة داخله.
4. طلاسم الظلال والتخفي
𝕾𝖍𝖆𝖉𝖔𝖜𝖊𝖓 𝕰𝖛𝖆𝖓𝖊𝖘𝖈𝖊
(لتذوب الظلال في الظلال، وليختفي الجسد عن العيون!)
تعويذة تمنح المستخدم القدرة على الاختفاء داخل الظلال تماماً، مما يجعله غير مرئي لأي كائن.
𝕷𝖚𝖈𝖎𝖋𝖊𝖗 𝕺𝖒𝖇𝖗𝖆
(يا لعنة الليل الأبدي، أخفِ خطواتي وطمس أثري!)
تجعل مستخدمها لا يترك أثراً خلفه، لا صوت، لا ظل، لا رائحة، كأنه لم يكن موجوداً.
5. طلاسم اللعنات والدم الأسود
𝕰𝖒𝖇𝖗𝖆𝖘 𝕭𝖑𝖔𝖔𝖉 𝕮𝖚𝖗𝖘𝖊
(دمك لم يعد لك، روحك لم تعد حرة!)
تعويذة تحول دم الهدف إلى سائل سام يحرقه من الداخل ببطء.
𝕿𝖆𝖗𝖎𝖖𝖎𝖘 𝕮𝖚𝖗𝖘𝖆𝖒 𝕬𝖊𝖙𝖍𝖊𝖗𝖎𝖚𝖒
(كل خطوة لك هي خطوة نحو العذاب الأبدي!)
تستخدم لزرع لعنة تجعل الهدف يعاني ألماً دائماً كلما تحرك.
هذه الطلاسم تكتب عادة بحبر الظلام، وتُلقى عبر نطقها بصوت منخفض مع تركيز عميق في الطاقة السحرية. كل تعويذة تتطلب ثمناً، وبعضها قد يُضعف ملقيها إن لم يكن مستعداً. همس بتريس أخيراً وقد شعر بالراحة ليمتد على أرض الكهف ويغرق في النوم.
كان كتاب التعليم في يد خاطر. لقد تغير جسده وأصبح منحوتاً كقطعة من الصخر.
راح خاطر يحفظ الطلاسم ويجرب بعضها، الصغيرة منها.
من خلفه كان بتريس يشخر بصوت مرتفع، كأنه لم ينام منذ أعوام طويلة.
فجأة أضاءت شاشة صغيرة في مؤخرة الكهف وظهر وجه الفتاة.
لوحت لخاطر بيدها: "أنهيت تدريبك إذا؟ عليك الحضور لقصرى يا خاطر. هناك حفلة في قصر زافيرا ولابد أن تكون موجود."
زافيرا.
شعر خاطر بقبضة تعصر.
كم مر على حبسه هنا؟ لم يعد يعد الشهور. خرج خاطر من الكهف وعندما وصل قصر زافيرا، دلف من باب خلفي دون أن يلاحظه أحد.
كانت زافيرا أعدت له ملابس جنية حتى لا يلفت الأنظار، ليعتقد البعض أنه مجرد بديل من أرض البشر.
حملته سمكة قرش سحرها خاطر نحو شاطئ مملكة بلاتين.
كانت المملكة صاخبة كالعادة مع كل احتفال يقيمه الملك.
مر خاطر رفقة فتاة البحر التي كانت تشعر بالفخر لاقتنائها بشرياً نادراً.
داخل القصر كانت حلقة الرقص مفتوحة والموسيقى تعزف بلا توقف.
الجان يرقصون أزواجاً. شعر خاطر أن جسده غير متزن كأنه يتفاعل من الموسيقى رغم أنفه، كأن الموسيقى سحر يجذبه نحوها. حتى أنه ترك الفتاة ودخل حلبة الرقص. كان كل جسده يرقص ويأتي بحركات لا يستطيع عليها الجان.
رقص خاطر بحركات سريعة وحركات أكروباتية مما لفت أنظار الحشد.
لم تكن زافيرا حاضرة لكن صراخ الأميرات والجنيات وصل مسامعها.
كانت المراهنات قد بدأت في الخلفية حول شراء البشري من فتاة البحر، مراهنات سرية. كان عداد الرهان يرتفع باستمرار.
وفتاة البحر ترفض.
تلك التغيرات الذي زرعها بتريس داخل روح خاطر دون معرفته، لقد حولها إلى المخلوق الذي كان يتمنى أن يصبح عليه. حتى أن خاطر أمسك الجيتار وراح يغني بصوت جميل أغاني الجان بلغتهم من كتبهم القديمة.
لم يتعرف الأمير شيفان على خاطر ولا حتى خادمه، لكن خاطر لمح سايكوس يقف جوار شيفان. للمرة الأولى يراه في حالة غير السكر.
كان خاطر يتمنى أن ينتقم منه، لكن الذي حدث بعد ذلك غير كل خططه.
"فليتوقف الرقص والغناء، حان الآن وقت القتل والدم." بدأ الجان ينسحبون من الساحة وتجمع عدد من أقوى مقاتلي الجان. وكان خاطر لا يزال واقفاً في مكانه.
حتى صرخ شيفان: "أيها المغني البشري، انصرف قبل أن تصيبك ضربة أو تعويذة تقضي عليك."
ضحك بعض الجان وهم يتابعون خاطر يترك الساحة برأس منحنية.
وكان شيفان لا يزال يلقي بالتعليمات على من يرغب في القتال أن يسجل اسمه لدى القاضي، بعدها سنبرم القرعة.
تجمعت نساء الجن وفتياته حول حلبة المصارعة حتى العجائز منهن والأطفال.
بينما جلست الأميرات في شرفات قصر زافيرا السبعين.
فقد كان القصر سبعين شرفة تطل على ساحة القصر.
كل أميرة خلفها وصيفاتها وخدمها من الجنيات الأقزام والعفاريت.
كان الممر إلى دفتر تسجيل النزالات ممتلئاً عن آخره، فقد كان الحفل يجمع شباباً ورجالاً من ممالك مختلفة.
وكل مملكة بها رجالها وشبابها البواسل. انتهى الأفطاحنجي من تسجيل الأسماء جميعها، ثم وضع الأسماء في قارورة كريستال ضخمة.
وكان على الملك أو واحدة من الأميرات أن تختار أولى المبارزين.
انطلق أول نزال بين عفريت برأس ماعز ومارد أسود من أرض النغال. انتهى بعد موت العفريت.
وكان الجميع ينتظر ظهور سايكوس حارس شيفان الشخصي.
والأمير سبريسان أمير أرض الغال والذي تسبقه سمعته.
ثم هناك والتس المدمر الذي يشبه المدرعة.
كان الجميع ينتظر من يواجه هؤلاء بالذات من بين المقاتلين.
في الجولة الرابعة ظهر بشري عملاق مصارع فذ. وبالرغم من سخرية الجان واستحقارهم له، إلا أنه وقف بثبات في حلبة المصارعة. كان خصمه شبحاً من بلاد أوزال، هزيل واصفر.
تكاد تشعر أن الريح ستحركه.
وعندما التقيا في منتصف الحلبة انشق جسد البشري نصفين كأنه قُطع بسيف وسط صرخات الجان وسكرهم.
انتصر سايكوس والأمير الأنيق سبريسان. وتأخر ظهور والتس المدمر إلى الجولة قبل الأخيرة عندما سحبت زافيرا أوراق القرعة ونطقت الأسماء: "خاطر ضد والتس."
تحولت العيون نحو الركن البعيد لتعرف من يكون خاطر.
وعندما ظهر خاطر عاري الصدر، شعره الطويل يرفرف خلف ظهره، ارتفعت الضحكات والصرخات: "المغني، المغني، الراقص البشري."
رواية سلانديرا الفصل السادس عشر 16 - بقلم اسماعيل موسى
المغني المغني ارتفع صياح الجن الساخر المحتقر لكل بشرى في أرضه.
رغم ذلك كان هناك البعض يشجع خاطر ويصفق له بحماس.
راقصة الحفلة ومساعدتها، فتاة كانت تحمل ناي، وأخرى بجديلة طويلة سوداء فاتنة.
بينما وقفت زافيرا مذهولة، لشهور ظنت أن خاطر رحل إلى أرض البشر، ثم ظهر فجأة وأمام والتس المدمر، أقوى مدرعة في أرض الجان، الذي يستخدم لنقض جدران ممالك الأعداء دون مطرقة.
بدا القلق على وجه زافيرا. لماذا لا يهرب؟
ما الذي يريد أن يثبته؟
الجميع كان ينتظر ضربة من يد والتس تدفنه داخل الأرض.
وقف والتس في منتصف الحلبة، جسده الضخم يشبه جدارًا من الفولاذ، عيناه تقدحان شررًا وهو يحدق بخاطر، الذي اقترب بخطوات هادئة. نظراته ثابتة، جسده متوتر كالوتر المشدود.
لم يكن أحد يتوقع أن يدخل هذا "المغني البشري" في مواجهة ضد وحش مثل والتس. حتى الجنيات في الشرفات السبعين بدأن في الهمس والضحك، بينما راقب الأمراء والمقاتلون الآخرون الموقف بفضول ممزوج بالازدراء.
"هاهاها! أتعتقد أنك في حفلة راقصة، بشري؟" قهقه والتس، بينما دوت الضحكات في الساحة.
الرهانات خلف الحلبة كانت 100% لصالح والتس.
لم يوجد ولا جني ولا بشري اختار المجازفة.
رفع القاضي يده، ثم هوت نحو الأسفل معلنًا بدء القتال.
بسرعة تفوق التوقعات، انقض والتس على خاطر، قبضته الضخمة تهوي كالمطرقة، لكن خاطر تحرك بسلاسة. خطوة جانبية خاطفة جعلت قبضة والتس تصطدم بالأرض، فتصدعت الحلبة من قوة الضربة.
لم يمنح والتس خصمه فرصة أخرى، استدار بلكمة أخرى، لكنها لم تصب سوى الهواء!
خاطر لم يكن مجرد بشري، كان جسده يتحرك بانسيابية غير طبيعية، وكأنه ينساب مع إيقاع غير مسموع. في كل مرة يحاول والتس الإمساك به، يراوغه بحركة سلسة، قفزة خفيفة، دوران مفاجئ، حتى بدأ الجان يصمتون وهم يشاهدون المشهد بعيون متسعة.
"ما هذا؟" تمتم أحد الحضور، بينما تساءلت إحدى الأميرات بدهشة: "كيف يتحرك بهذه السرعة؟"
فجأة، توقف خاطر عن المراوغة. تقدم خطوة واحدة نحو والتس، الذي اندفع نحوه بقوة ساحقة. لكن في اللحظة الحاسمة، انحنى خاطر بمرونة مذهلة، ثم دفع نفسه للأعلى في قفزة دوران خاطفة، و—
ركلة مستحيلة!
تردد صوت كسر واضح في الساحة.
وجد والتس نفسه يطير في الهواء، جسده الضخم ينقلب قبل أن يصطدم بالأرض بعنف، مخلفًا سحابة من الغبار. وقف الجميع مصدومين، عيونهم تتأرجح بين خاطر ووالتس الملقى أرضًا.
حاول المقاتل المدرع النهوض، لكن جسده كان يرفض الاستجابة. تأوه بصوت مرتفع، ثم سقط على ركبتيه.
وقف القاضي للحظة مترددًا، ثم رفع يده وأعلن بصوت مدوٍ:
"الفائز—خاطر!"
ساد الصمت للحظات، بينما ضرب خاطر كلتا يديه ببعضهم.
ثم سار بجسده العاري، شعره يرفرف خلف ظهره، وجلس جوار الفتاة التي همست: "أحسنت، نجحت في لفت الأنظار. سعيد أنت الآن؟"
"كان يمكنك أن تكسب وقتًا أطول."
نظر خاطر تجاه زافيرا، لكنها لا تملك الوقت!
في الشرفة العلوية، كانت زافيرا تحدق في المقاتل البشري نظرة طويلة، بدا الأمر كما لو أنها تراه لأول مرة.
أما سايكوس، فقد التقى نظره بنظر خاطر للحظات، قبل أن تنحني شفتاه بابتسامة خافتة تحمل معاني كثيرة.
"لا يمكن أن يكون بشريًا عاديًا،" همس باردو حارس شيفان،
الذي كان يتابع نظرات خطيبته زافيرا تجاه البشري.
"نفس اللهفة التي رآها قبل شهور."
"أنت متأكد أن ذلك البشري غادر أرض الجان؟"
قال الحارس سايكوس: "أكد لي ذلك."
"أرسل عيونك يا باردو، أريد أن أعرف حكايته. يبدو أن قصص زافيرا مع البشر لن تنتهي أبدًا."
"عندما يعلن والدي زواجنا، سأقتله في نفس الليلة، وأنصب ملكًا لأرض الجان، وأعذب زافيرا اللعينة."
دارت النزالات بسرعة، المقاتلين الأقوى انتهوا من الأضعف.
وترشح ستة مصارعين.
بينهم خاطر وسايكوس والأمير سبريسان، وانتهت الجولات بانتصار خاطر وسايكوس وسبريسان.
الآن سيختار الملك مصارعًا جديدًا يكمل المربع النهائي.
قفز شيفان دون أن ينتظر أمر الملك.
سحب سايكوس لحلبة النزال، اختار خصمه دون إرادة القاضي.
ثم بعد نزال طويل انتصر شيفان.
ثم جلس جوار الملك بانتظار خصمه في المباراة النهائية.
نزال خاطر والأمير سبريسان.
لم يكن أحد يتوقع أن يصل البشري إلى هذه المرحلة، لكن بعد انتصاره المفاجئ على والتس المدمر، لم يعد بالإمكان الاستهزاء به.
احتشد الجان حول الساحة، عيونهم تتابع بشريًا تحدى قوانينهم غير المكتوبة، ووقف في مواجهة واحد من أبرع مقاتليهم.
في الركن الآخر، كان الأمير سبريسان، أمير أرض الغال، يقف بوقار مهيب. طويل القامة، جسده منحوت مثل تماثيل محاربي العصور القديمة، وشعره الفضي الطويل يتماوج مع كل حركة. لم يكن فقط مبارزًا ماهرًا، بل كان ساحرًا بارعًا في فنون الظلام، يجيد المزج بين القوة البدنية والتعويذات السحرية القاتلة.
تقدما نحو مركز الحلبة، عيونهما متشابكة، كل منهما يحاول قراءة الآخر قبل أن تبدأ المعركة. ساد الصمت لثوان، قبل أن ترفع زافيرا يدها معلنة بداية القتال.
انطلق سبريسان أولًا، بسرعة لم تكن متوقعة، سيفه ينقض على خاطر كنيزك فضي. بالكاد تمكن البشري من صد الضربة، لكن قوة الهجوم جعلته يتراجع ثلاث خطوات للخلف. لم يمنح سبريسان خصمه فرصة لالتقاط أنفاسه، فاندفع من جديد، لكن خاطر تفادى الضربة بمرونة، ورد بضربة منخفضة بسيفه كادت تصيب فخذ الأمير.
ضحك سبريسان بصوت عالٍ، وكأن الأمر لم يكن سوى لعبة مسلية بالنسبة له.
بدأ القتال يتحول إلى استعراض مدهش من الحركات السريعة والمراوغات القاتلة. كان سبريسان يعتمد على سرعته وضرباته الدقيقة، بينما استخدم خاطر خفة حركته وقدرته على قراءة هجمات خصمه. كانا يتبادلان الضربات والتفادي، حتى بدا وكأنهما راقصان يؤديان رقصة موت على إيقاع السيوف المتشابكة.
بعد دقائق من القتال البدني، قرر سبريسان تغيير أسلوبه. تراجع خطوة للخلف، همس ببضع كلمات غامضة، وبدأ الهواء حوله يمتلئ بطاقة سحرية سوداء.
فجأة، انطلقت شظايا من الظلام نحوه، كأنها سهام مسمومة.
استدار خاطر بسرعة، مستخدمًا سيفه لصد بعض الشظايا، لكنه لم يستطع تفاديها جميعها.
اخترقت إحداها كتفه الأيسر، شعر بألم حارق، لكن لم يكن لديه وقت للتوقف.
قرر الرد بطريقة غير متوقعة—بالهجوم المباشر. اندفع للأمام رغم الألم، موجهًا سيفه نحو عنق سبريسان. تفاجأ الأمير بسرعة البشري، لكنه بالكاد تفادى الضربة في اللحظة الأخيرة، تاركًا خصمه يمر بجانبه.
في اللحظة نفسها، أطلق خاطر ركلة جانبية قوية أصابت سبريسان في أضلاعه، مما جعله يتراجع لأول مرة.
بدأ الإرهاق يظهر عليهما، كان كل منهما يحمل إصابات متعددة، لكن لم يكن هناك مجال للتراجع.
قرر سبريسان إنهاء القتال، رفع يده عاليًا، وانطلق شعاع من الطاقة السوداء من راحة يده مباشرة نحو خاطر. لم يكن هناك وقت للتفادي، رفع البشري سيفه أمامه، موجهًا كل طاقته لمواجهة الهجوم.
اصطدم الشعاع بالسيف، وانفجر في دوامة من الرياح العاتية والغبار.
غطى الضباب الساحة للحظات، وعندما انقشع، كان كلا المقاتلين راكعين على الأرض، يتنفسان بصعوبة.
نهض سبريسان أولًا، نظر إلى خاطر بعينين متقدتين، ثم ابتسم.
"لم أتوقع أن يكون هناك بشر يمكنه مجاراتي لهذا الوقت." ثم التفت إلى القاضي وقال بصوت ثابت:
"أعلن تعادلًا."
ساد الصمت للحظات، ثم ارتفعت الهمسات والهمهمات بين الحاضرين.
لم يكن مألوفًا أن ينتهي نزال بهذه الطريقة، لكن لم يكن هناك إنكار أن القتال كان متكافئًا إلى حد لا يمكن معه تحديد فائز واضح.
نهض خاطر ببطء، جسده يصرخ من الألم، لكنه حافظ على تماسكه. التفت نحو سبريسان، أومأ له برأسه باحترام، ثم غادر الساحة دون أن ينبس بكلمة.
نهض الأمير شيفان، رفع يده ليوقف صيحات الجان.
"لا يمكن النزال أن ينتهي دون وجود فائز."
"أشكر الأمير سبريسان من أرض الغال على حسن نيته."
"لكن النزال النهائي سيكون بيني وبين البشري."
"لأن الأمير سبريسان أطلق كلمة التعادل."
صرخت زافيرا من الشرفة: "لكنه مصاب؟"
"حتى لو كان ميتًا،" صرخ شيفان في حضرة الملك: "والدك لابد أن يكون هناك فائز."
كان خاطر جالسًا جوار الفتاة عندما تعرض لهجوم من الخلف بأبر مخدرة في جميع جسده.
نظرت الفتاة تجاه حشرات الجان التي لدغت خاطر، ثم بسرعة أخرجت عشبة ووضعتها في فم خاطر: "حاول أن لا تموت حتى ينتهي تأثير المخدر."
رواية سلانديرا الفصل السابع عشر 17 - بقلم اسماعيل موسى
عندما حمل الحراس خاطر إلى الحلبة، كان واهنًا، نصف وعيه يتلاشى في الضباب الثقيل الذي خلفه السم في دمه.
وقف الأمير شيفان في الجهة المقابلة، عيناه تتألقان بالوحشية، ينظر إلى البشرى وكأنه لا يرى سوى دمية محطمة تنتظر ركلة أخيرة لتنهار.
ضجت الساحة بصيحات الجان، هتافات مختلطة بين السخرية والحماس، بينما اعتلت زافيرا شرفة العائلة الملكية، قبضتاها مشدودتان على السور، عيناها تتابعان الموقف بقلق لم تحاول إخفاءه.
"أهذا كل ما لديك أيها المغني؟!" صاح شيفان بازدراء، وهو يدور حول خصمه المتهاوي.
لكن خاطر لم يرد، كان جسده يحاول مقاومة المخدر، عضلاته تتقلص، أنفاسه ثقيلة، كل نبضة في عروقه كانت حربًا بحد ذاتها.
رفع القاضي يده، ثم هوت معلنة بداية القتال.
مرحلة الإذلال
لم ينتظر شيفان لحظة، انقض على خاطر بضربة عنيفة مباشرة إلى وجهه، طرحته أرضًا بقوة. دوت الضربة في أرجاء الساحة، وتعالت ضحكات الجان.
"قف أيها المغني! ألم تكن ترقص قبل قليل؟!" سخر شيفان، وركله في صدره، فاندفع جسد البشرى مترنحًا، كاد يقع خارج حدود الحلبة.
حاول خاطر النهوض، لكن جسده لم يكن يطاوعه، عيناه معتمتان، أطرافه ترتجف. شعر بالدم يتسرب من أنفه، طعمه المعدني يملأ فمه.
اقترب شيفان، أمسكه من شعره ورفعه قليلًا، حتى رأى بوضوح الإرهاق في عينيه، ثم همس في أذنه بصوت منخفض لا يسمعه أحد سواه:
"ستموت هنا، وسيكون ذلك أمام الجميع."
ثم سحب رأسه للخلف، ولكمه بقوة كافية لتحطيم فك بشري عادي.
ثم جر الأمير شيفان خاطر من شعره أمام المتفرجين
كأنه يجر دابة وهو يبصق على وجهه والجان يلقون على جسده الفاكهه والقاذورات.
كانت هناك همهمه خفيفة تستنكر أن المحارب الذي قتل والتس المدمر غير قادر على نصب طوله.
رفع شيفان سيفه قرر أن ينهي المعركة.
اهتز جسد خاطر، لكنه لم يسقط هذه المرة، كان هناك شيء مختلف، شيء بدأ يتغير بداخله.
وقف شيفان يراقبه، متوقعًا أن ينهار أخيرًا، لكن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا.
ببطء، رفع خاطر رأسه.
عينيه—اللتين كانتا قبل لحظات مطفأتين—تألقتا ببصيص غريب.
كانت كل خلية في جسده تصرخ، لكن وسط الألم، كان هناك شيء آخر: الغضب.
شعر الجميع بتغير الأجواء. الصمت حل تدريجيًا، وكأن شيئًا غير مرئي بدأ ينهض في الحلبة.
ابتسم شيفان بسخرية. "هل ما زلت واقفًا؟"
لكن في اللحظة التي حاول فيها الاقتراب، كان خاطر قد تحرك.
بسرعة غير متوقعة، التوى جسد البشرى، تفادى قبضة شيفان، ثم—
ضربة مفاجئة!
قبضة خاطر ارتفعت فجأة، صدمت فك شيفان بقوة جعلت رأس الأمير يميل إلى الخلف بعنف.
لم يكد يستوعب ما حدث حتى تلقى ضربة أخرى في معدته، تلتها ركلة خاطفة إلى ساقه جعلته يتراجع خطوتين.
"مستحيل..." تمتم أحد الجان.
لكن خاطر لم يتوقف، كان يتحرك بسرعة، كأنه خرج من سجن جسده المنهك. ضرباته لم تكن مجرد لكمات—كانت ثورة متأخرة ضد كل ما تعرض له، كل إهانة، كل احتقار.
المعركة تنقلب
أدار شيفان رأسه، نظراته تغيرت. لم يكن هذا المغني البشري نفسه الذي سقط عند أول ضربة.
زمجر وهجم مرة أخرى، سيفه يومض في الهواء، لكنه لم يصب سوى الفراغ. خاطر تفادى الضربة بمرونة، ثم رد بلكمة خاطفة إلى صدر الأمير.
تردد صدى الضربة في الساحة.
ترنح شيفان للخلف، أنفاسه مضطربة. لم يعد يضحك. لم يعد أحد في الساحة يضحك.
وقف خاطر أمامه، جسده يقطر دمًا، لكنه لم يظهر أي إشارة على التراجع.
نظر إلى شيفان، ثم بصوت منخفض لكنه قوي، قال:
"انتهى وقت اللعب."
الضربة الأخيرة
كان شيفان غاضبًا. لم يحتمل فكرة أن هذا البشري يقف أمامه هكذا. أطلق صرخة غاضبة، واندفع بكامل قوته.
لكن خاطر كان مستعدًا.
في اللحظة المناسبة، دار حول نفسه، متفاديًا السيف، ثم استغل اندفاعة شيفان، ضربه بقوة في ظهره بمرفقه، ثم—
ركلة ساحقة إلى رأسه.
توقفت الحركة في الحلبة.
طاح جسد شيفان على الأرض، وجهه يرتطم بالتراب. بقي هناك للحظات، بلا حراك.
سار خاطر ليقضي عليه لكنه تلقى سهم مسحور في ظهره أجبره على السقوط على الأرض.
رفع القاضي يده الفائز الأمير شيفان.
صاح الجان وساد الهرج والمرج ورفع حراس شيفان أميرهم
المترنح الفاقد للوعي لحظيًا.
"سيقتلونه" همست زافيرا، "حامد خذ حارسي واحضر خاطر من الحلبة دون أن يراك أحد."
عندما استعاد الأمير شيفان وعيه أمر بإحضار البشرى لقصره.
ذهب الحراس لكن البشرى كان اختفى....
في قصر زافيرا وداخل قبوها تعافى جسد خاطر من تلقاء نفسه، كان بتريس قد أعد جسد خاطر لأي خديعة سحرية أو تعويذة.
كان جسده مضادًا للسموم والتعاويذ، "لابد أن أرحل الآن."
همس خاطر وهو يمسك بيد زافيرا.
"أعدك أن لا تتزوجي شيفان يا أميرة زافيرا إلا بإرادتك.
هذا وعدي وهذه كلماتي التي يشهد عليها الله وملوك الجان السابقين والسبعة الأقطاب في كتبكم.
عندما تقرري أن ترفضي شيفان علانية أمام الناس.
اذكري اسمي، سأحضر فورًا وأنقذك حتى لو كنتِ وسط النار."
راحت زافيرا تهمس عن الجيوش والحراس والجواسيس والسحرة.
لكن خاطر اختفى فجأة في اللحظة التي دخل فيها الأمير شيفان القبو.
رواية سلانديرا الفصل الثامن عشر 18 - بقلم اسماعيل موسى
ظلت زافيرا تحدق في الفراغ الذي تركه خاطر بعد اختفائه، عيناها لم ترفا، وكأن روحها علقت بين الواقع والوهم، بين الحاضر والماضي. كانت أصابعها ما تزال تشعر بحرارة لمسته الأخيرة، لمسة وعد أقسم أن يفي به، لكنه رحل قبل أن تمنحه الكلمات التي كانت تحترق بين شفتيها.
شيفان كان يقترب. خطواته فوق الدرج الحجري للقبو كانت ثابتة، لكنها لم تحمل تلك القوة التي عرفتها فيه من قبل. لقد شعر بأول طعم للهزيمة اليوم، ولأول مرة، لم يكن المنتصر المنتشي، بل كان مجرد أمير جريح يحاول أن يخفي ارتباكه خلف قناع الكبرياء.
لكن زافيرا لم تعد تهتم.
وقفت أمامه، نظراتها باردة، لم تنحن، لم تبتسم، ولم تبادر بأي كلمة ترحيب كما اعتادت. كانت تفكر فقط بخاطر.
"أين هو؟" سأل شيفان، نبرته متوترة رغم محاولته إخفاء ذلك.
رفعت زافيرا حاجبها، وكأنها لم تفهم السؤال. "من؟"
زمجر شيفان وضاقت عيناه، لكنه لم يجد أثرًا للبشرى في القبو. لم يكن يستطيع أن يتهمها مباشرة، لكنه كان متأكدًا من أن خاطر لم يخرج من القصر وحده.
اقترب منها، قبض على ذراعها، لكن لمساته لم تحمل عنفًا، بل شيئًا آخر… شيئًا لم تفهمه تمامًا. هل كان ارتباكًا؟ خوفًا؟ أم غضبًا لأنها لم تعد تبادله الاهتمام؟
"أنت لي، زافيرا." قالها بصوت خافت، وكأنها حقيقة يجب أن تستسلم لها.
لكنها ابتسمت، ابتسامة لم تكن سعيدة، بل كأنها تنظر إلى طفل يكرر كذبة صدقها.
"وهل يؤخذ القلب بالقوة يا أمير الجان؟" همست، قبل أن تتخلص من قبضته بسهولة، متحاشية عينيه وهي تغادر القبو.
لكنه شعر بها تهرب منه، ليس بجسدها فقط، بل بروحها أيضًا.
في مكان آخر، حيث الظلال تخفي الأثر، جلس خاطر داخل غرفة صغيرة لا يعرف لها باب واضح. ضوء القنديل الشاحب كشف عن ملامحه المتعبة، جسده كان يتعافى بسرعة، لكن قلبه… قلبه لم يجد راحته بعد.
أغمض عينيه، فصورة زافيرا لم تفارق ذهنه، نظرتها الأخيرة، نبرتها حين قالت اسمه، رعشة يدها بين يديه. كان يعرف أنها قوية، لكنها محاصرة. يعرف أنها تستطيع أن تواجه شيفان، لكنها وحيدة بين أعدائها.
وعدها، كلماته التي أقسم بها، كانت تطرق قلبه كجرس لا يهدأ.
زافيرا…
فتح عينيه ببطء، وعرف شيئًا واحدًا فقط.
حين يحين الوقت، حين تناديه، لن يتركها وحيدة.
حتى لو كان عليه أن يواجه جيوش الجان كلها.
حين يثور الحب كالعاصفة.
في تلك الليلة، لم تنم زافيرا.
وقفت على شرفتها، حيث تمتد المدينة تحتها كحديقة من الظلال والأضواء، لكن عينيها لم تريا المباني ولا الشوارع، بل صورة خاطر وهو يقف في الحلبة، جسده ينزف لكنه لم يسقط. تذكرت كيف تألقت عيناه بالغضب، كيف كسر قيود جسده الواهن، كيف وقف رغم كل شيء… فقط ليواجه شيفان.
تذكرت صوته.
"أعدك أن لا تتزوجي شيفان إلا بإرادتك."
كيف يمكن لوعد أن يشعل القلب بهذه القوة؟ كيف يمكن لكلمات قليلة أن تزرع الطمأنينة في قلبها، وتجعلها تشعر، لأول مرة، أن هناك من سيقف معها، ليس كأمير أو ساحر أو محارب… بل كرجل لم يخش الجحيم لأجلها؟
رفعت يدها إلى صدرها، حيث كان قلبها ينبض بسرعة غريبة. لم تفهم هذه المشاعر من قبل، لم تُمنح الفرصة لتتعلمها. كانت أميرة الجان، وكانت حياتها دومًا سلسلة من الواجبات، من الاتفاقيات، من الصفقات.
لكن خاطر…
خاطر كان مختلفًا.
شعرت به في روحها، كأنه موسيقى لم تسمعها من قبل، لكنها تعرف أنها خلقت لأجلها.
في الجانب الآخر من المدينة، كان خاطر يتقلب في فراشه، لكنه لم يكن يعاني من الألم، بل من شيء آخر… شيء لم يكن يعرف كيف يسميه.
كانت أنفاسه ثقيلة، وكأن قلبه يركض إلى مكان بعيد عنه، إلى مكان يعرف أنه لا يمكنه الوصول إليه الآن.
زافيرا…
كيف أصبح هذا الاسم جزءًا من كل أفكاره؟ كيف أصبح وجهها يطارد أحلامه، ويختبئ خلف كل نبضة في صدره؟
لقد أقسم لها، أقسم أن يأتيها حين تناديه.
لكن الحقيقة كانت… أنه لم يكن يريد انتظار نداءها.
كان يريدها الآن، كان يريد أن يشعر بوجودها، أن يرى عينيها وهما تعكسان نور القمر، أن يسمع صوتها يتهامس مع الليل، أن يشعر بيدها تلمس كتفه كما فعلت في القبو، ليس طلبًا للحماية، بل كاعتراف بأنها تثق به…
بل تحبه.
لكن… هل تحبه؟
أغمض عينيه، وأطلق زفرة طويلة. لم يكن يعرف، لكنه كان متأكدًا من شيء واحد—إن كان الحب نارًا، فهو الآن يحترق بالكامل.
في اليوم التالي، حين وقفت زافيرا أمام المرآة، نظرت إلى نفسها طويلًا.
رأت في عينيها شيئًا لم يكن موجودًا من قبل.
شوقًا…
شوقًا عميقًا، قاتلًا، لرجل لم يكن عليها أن تفكر فيه، لكنها لم تستطع منعه من احتلال روحها.
ثم همست، همسة بالكاد سمعتها هي نفسها، لكنها حملت في طياتها كل المشاعر التي كانت تحاول إنكارها:
"خاطر…"
وبعيدًا عن القصر، في ذلك المكان المخفي، حيث كان خاطر يجلس في العتمة، انتفض جسده فجأة.
كأن شيئًا ما في روحه قد استجاب لندائها، كأن وعده لم يكن مجرد كلمات، بل صلة تربطهما، لا تحتاج إلى أصوات ولا إلى مسافات.
لقد شعرت به، وشعر بها.
كان شيفان يراقبها.
منذ أيام وزافيرا ليست كما كانت. شرودها أصبح جزءًا منها، عيناها لم تعد تلمع بذلك البريق الملكي الذي اعتاده، بل بات فيهما ظل شيء آخر… شيء لم يفهمه في البداية، لكنه بدأ يخيفه.
الحب.
كان يراه في كل حركة تقوم بها، في النظرة التي تفقد تركيزها وهي تحدق في اللاشيء، في الأصابع التي ترتجف عندما تفكر، في الشحوب الذي بدأ يغزو وجهها، وكأن قلبها لم يعد ملكًا لها، وكأن روحها تحترق في نيران شوق لا تهدأ.
شيفان لم يكن أحمقًا.
لقد ظن أن خاطر مات، وأنه سحقه تمامًا أمام الجميع، لكنه لم يمت. بل الأسوأ من ذلك… لقد اختفى. وزافيرا؟ زافيرا لم تعد الشخص الذي يعرفه.
في كل مرة يتحدث معها، كانت كلماتها قصيرة، نظراتها هاربة، وصمتها… صمتها كان يعذبه.
لم تعد تناقشه، لم تعد تغضب منه، لم تعد حتى تحاول إخفاء ما تشعر به. وكأنها استسلمت أمام تلك النار التي تلتهمها ببطء، وكأنها لم تعد ترى فيه سوى حاجز بينها وبين شيء تريده بشدة.
وخاطر…
ذلك البشرى الحقير…
هل يعقل أنه لم يكتف بالنجاة؟ هل امتلك قلبها أيضًا؟
الجنون دب في شيفان. لأول مرة في حياته، شعر بالخطر، لكنه لم يكن خطرًا عسكريًا، لم يكن خطر انقلاب أو تمرد… بل كان خطرًا من نوع آخر، خطرًا يمس شيئًا لم يكن يعتقد أنه يمكن أن ينتزع منه.
زافيرا كانت له.
كان يجب أن تكون له.
وسيضمن ذلك، بأي ثمن.
الطريق إلى العرش… والدماء التي ستُسفك.
لكن قبل أي شيء، هناك خطوة يجب أن تُنفذ أولًا.
لابد أن يصبح الملك.
لم يكن الأمر مجرد رغبة، بل أصبح ضرورة. عمه، الملك الحالي، لم يكن سوى عقبة في طريقه، رجل عجوز يقف في وجه مستقبله، يمنعه من فرض سلطته، من كسر أي مقاومة، من امتلاك زافيرا دون أن يكون لأحد رأي في ذلك.
لابد أن يختفي.
كان المرض قد بدأ ينهش جسد الملك، لكنه لم يكن كافيًا. كان بطيئًا، وكان شيفان رجلًا لا يؤمن بالانتظار.
في تلك الليلة، جلس مع مستشاريه الأكثر ولاء، أولئك الذين لا يخافون الدم، والذين يعرفون جيدًا كيف تُصنع الممالك.
"لابد أن يموت الملك خلال الأيام القادمة،" قالها بصوت بارد، لم يرتجف، لم يرمش حتى.
تبادل الرجال النظرات. ثم تحدث أحدهم بصوت خافت، كأنه لا يريد حتى للجدران أن تسمعه.
"أخبرنا كيف تريد أن يحدث الأمر، يا سمو الأمير."
ابتسم شيفان. ابتسامة لم تحمل أي أثر للرحمة.
"اجعلوه يبدو طبيعيًا."
رواية سلانديرا الفصل التاسع عشر 19 - بقلم اسماعيل موسى
في فجر اليوم الثالث بعد اجتماع شيفان برجاله، انتشرت في القصر رائحة خانقة… رائحة الموت.
كان الحراس أول من لاحظ السكون الغريب الذي خيّم على جناح الملك. لم يطلب طعامه صباحًا، ولم يستدعِ خدمه، ولم يخرج من غرفته كما اعتاد. وعندما اقترب أحد الحراس من الباب، شعر بقشعريرة غريبة تسري في جسده.
فتحوا الباب…
كان الملك ممددًا على سريره، جسده ساكن كحجر بارد، وعيناه نصف مفتوحتين كأن الموت باغته في غفوة. لكن على الرغم من أن الموت بدا طبيعيًا، فإن من يعرفون الحقيقة كانوا يدركون أن هذه لم تكن سوى مسرحية أتقن شيفان حبكتها.
الأطباء الملكيون فحصوا الجثة، وأعلنوا أن الملك قد وافته المنية أثناء نومه، نتيجة تدهور صحته المفاجئ. لم يكن هناك جروح، لم يكن هناك سم واضح، فقط جسد أنهكه المرض… أو هكذا ظن الجميع.
لكن القصر كله اهتز.
لم يكن الملك محبوبًا بقدر ما كان يُخشى. لكنه كان رمزًا، وكان موته يعني شيئًا واحدًا: الفراغ. ومن يملأ الفراغ، يسيطر.
إعلان الحداد وانتشار الخبر
في أقل من ساعة، عمّ الخبر جميع أرجاء المملكة.
"الملك مات."
انتشرت الكلمة كالنار في الهشيم. في الأسواق، في الساحات، في القلاع، في القرى البعيدة، حتى في الغابات المظلمة حيث يختبئ المنفيون… سمع الجميع.
أُعلن الحداد الرسمي لمدة سبعة أيام. أُمرت الأجراس في كل أرجاء المملكة أن تُقرع بنغمة الموت. أُغلقت الحانات، أُلغيت الاحتفالات، وانخفضت الأصوات، وكأن المملكة كلها دخلت في حالة خضوع صامتة أمام الحدث العظيم.
في العاصمة، تجمع الجن من كل مكان. الشوارع امتلأت بالجنازة الملكية التي ستجوب أرجاء المدينة قبل دفن الملك في القبو المقدس، حيث يرقد أسلافه.
وفود الجان… والعيون التي تراقب
مع انتشار الخبر، بدأ وفود الجان في الوصول.
جاء كبار العائلات النبيلة، والسحرة العظماء، والجنود القدامى الذين خدموا في حروب الملك، وحتى القبائل التي كانت على خلاف معه… جميعهم حضروا، لا بدافع الحب، بل لأن السياسة تقتضي ذلك.
لكن الحضور الأهم كان للأمراء المتنازعين، أولئك الذين كانوا يرون في موت الملك فرصة… أو تهديدًا.
كان بينهم من ينظر إلى شيفان نظرات حذرة، كان بينهم من يتمنى أن لا يرى التاج على رأسه، وكان بينهم من يبتسم ابتسامة مريبة، وكأنه يدرك ما حدث حقًا.
لكن شيفان لم يكن يهتم.
لقد كان واقفًا بثبات عند رأس الجنازة، يرتدي عباءة سوداء تليق بالمناسبة، لكنه لم يكن حزينًا. بل كان يراقب… ينتظر اللحظة التي سينتهي فيها الحداد، اللحظة التي سيعلن فيها ملكًا.
في تلك اللحظة، كان بإمكانه أن يشعر بالعرش يقترب منه.
لقد فاز… أليس كذلك؟
لكن بينما وقف هناك، وسط الحشود التي جاءت لتقديم الاحترام للملك الراحل، التقت عيناه بعينين كانتا تراقبانه عن بعد.
زافيرا.
كانت ترتدي وشاحًا أسود، ملامحها هادئة، لكن عينيها كانتا باردتين. كانت تنظر إليه كأنها تراه لأول مرة… كأنها تفهمه الآن أكثر من أي وقت مضى.
وكأنها تعرف…
أن شيفان قد فعلها.
في قاعة العرش الكبرى، حيث ينعكس ضوء المشاعل على الجدران المنحوتة، اصطفّ وفود الممالك والقبائل أمام العرش الفارغ، ينتظرون اللحظة التي سيعلن فيها شيفان ملكًا على مملكة الجان العظمى.
كان الطقس مشحونًا، ليس بالحزن، بل بالتوتر.
في نهاية الحداد، لابد أن يُملأ الفراغ.
جلس شيفان على كرسي مرتفع عند منصة العرش، لم يكن العرش نفسه، لكنه كان أقرب نقطة إليه. عيناه كانتا تراقبان الجميع، كل خطوة، كل إيماءة، كل نظرة مريبة.
بدا وكأنه يختبر ولاء الحاضرين قبل أن ينطقوا به.
تقديم الوفود وأداء اليمين
ملك الجبال السوداء كان أول من تقدّم. كان ضخم الجثة، جلده يشبه الصخور في قسوته، وعلى جبينه وشم قديم يدل على انتمائه لسلالة من المحاربين الذين خدموا المملكة منذ قرون.
انحنى قليلًا، ثم قال بصوت جهوري:
"باسم أسلافنا، وباسم الدم الذي يربط عروشنا، أقسم بالولاء لك، يا ملك الجان."
رفع رأسه، نظر إلى شيفان مباشرة، ثم استدار ليعود إلى مكانه.
أمراء الغابات الشرقية جاءوا بعده، رجال بأعين تشبه الظلال، يرتدون عباءات خضراء ينساب عليها ضوء المشاعل كالأمواج. لم يكونوا يتحدثون كثيرًا، لكنهم وضعوا أياديهم على صدورهم، وأحنوا رؤوسهم بصمت، إشارةً إلى قبولهم بالحاكم الجديد.
زعيم قبائل اللهب الصحراوي تقدّم بخطوات ثقيلة، وشموس الصحراء تلمع في بشرته البرونزية، عيونه الحادة لم تكن خاضعة، لكنها لم تكن متحدية أيضًا.
"شيفان ابن مملكة الجان، أقسم لك بالولاء، ما دمت تحمي الأرض، وتحافظ على إرث الملوك."
لكن نبرته كانت تحمل تحذيرًا أكثر من كونها يمين ولاء.
ثم جاء الدور على الآخرين، ملوك وأمراء وزعماء من كل بقاع المملكة. واحدًا تلو الآخر، انحنوا، نطقوا بكلماتهم، وأقسموا يمين الولاء.
حتى جاء دور ملك أراضي البراري والصقيع.
كان أطول من الجميع، رجلٌ يشبه العواصف التي تعصف بأرضه، شعره الفضي يتدلى على كتفيه، وعيناه الباردتان لم تعكسا أي مشاعر وهو يقترب.
توقف أمام شيفان، لكنه لم ينحنِ.
لم يتكلم.
كل العيون التفتت إليه. كان الصمت خانقًا، والجميع يعرف أن هذه اللحظة حاسمة.
كان شيفان يراقبه، أصابعه قبضت على مسند الكرسي، لكنه لم يتحرك. انتظر.
انتظر أن ينطق الملك يمين الولاء، كما فعل الآخرون.
لكنه لم يفعل.
بدلًا من ذلك، استدار فجأة… ومشى مبتعدًا عن المجلس.
خرج من القاعة، بخطوات ثابتة، دون أن يلتفت، دون أن ينطق بكلمة واحدة.
مرّ الحراس بجانبه، لكن أحدًا لم يوقفه.
وعندما أُغلق الباب خلفه، عادت الهمسات إلى القاعة، كأنها زوبعة خافتة تهدد بالانفجار.
شيفان ظل جالسًا في مكانه، لكن شيئًا في الهواء تغيّر.
لم يكن يحتاج إلى كلمات ليعرف الحقيقة.
ملك البراري والصقيع لم يعترف به ملكًا.
في زوايا القاعة، حيث تمتد الظلال عميقة تحت الأقواس العالية، كان خاطر هناك.
لم يكن سوى خيال عابر، رجل بلا وجه وسط الحشد، يتبع خطوات ملك البراري والصقيع كما لو كان جزءًا من ظله.
حضر ليرى.
حضر ليسمع.
حضر ليعرف كيف سترسم خريطة القوة الجديدة.
وحين انسحب الملك من المجلس دون أن ينطق بكلمة، عرف خاطر أن هذه كانت لحظته أيضًا للمغادرة.
تحرّك في صمت، قدماه تعرفان طريق الخروج كما لو كان جزءًا من القصر. لم يكن هذا المكان غريبًا عليه، لكنه هذه المرة لم يكن الضيف أو السجين أو المحارب… بل كان مجرد شبح.
رأى كل شيء.
سمع كل شيء.
رأى كيف انحنى الجميع لشيفان، كيف نطقوا بأيمان الولاء، بعضهم بحماس، وبعضهم بحذر، والبعض الآخر كما لو كانوا يقايضون بقاءهم بالركوع.
لكنه لم يكن مهتمًا بهم.
كان مهتمًا فقط بزافيرا.
رآها جالسة على الجانب، في ثوب الحداد الأسود، عيناها لم تنظر إلى شيفان كما فعل الآخرون. كانت تحدّق في الفراغ، كما لو أنها لا تنتمي لهذا المكان، كما لو أن قلبها عالق في عالم آخر.
لم تنطق.
لم تتحرك.
لكن خاطر شعر بها.
عرف أنها ما زالت تقاوم، رغم القيود غير المرئية التي تحيط بها.
عرف أن روحها ما زالت ملكًا لها… وملكًا له.
وهذا كان كافيًا الآن.
وحين اجتاز ملك البراري والصقيع بوابة القاعة، كان خاطر خلفه.
وفي اللحظة التي أغلق فيها الحراس الأبواب، كان قد أصبح خارج القصر.
كأنه لم يكن هناك أبدًا.
كأنه لم يرَ ما رأى.
لكنه رآه.
وسيعود عندما يحين الوقت.
رواية سلانديرا الفصل العشرون 20 - بقلم اسماعيل موسى
كان خاطر يقف على قمة تل جليدي يشرف على مملكة البراري والصقيع، حيث ترتفع القلاع الجليدية وسط العواصف الثلجية، والرياح تصرخ بين الأبراج المتجمدة.
لم يكن وحده، بل كان هناك من يراقبه، عيون تتابع حركاته بصمت، حذر، وجنود يمسكون بأسلحتهم كما لو أن الأرض ذاتها قد همست لهم بالخطر القادم.
سبق خاطر الملك إيريديون إلى أرضه، لم يكن ذلك أمراً طبيعياً، فمنذ قرون، لم يسبق أحد بنات الريح، الجياد الشفافة التي تحمل ملك البراري والصقيع كالعاصفة.
لكن خاطر فعلها.
حين عبر بوابة المدينة، لم يعترضه أحد، لكنه شعر بالعيون تحيط به من كل اتجاه.
لا أحد يقتحم مملكة الجليد بهذه السهولة، إلا إن كان مدعواً... أو كان ظلاً.
مستشار الملك... الساحر الأكبر
حين وصل الملك إيريديون إلى القصر، لم يستقبله خاطر، بل وقف بعيداً، يراقب من الظلال. لم يكن يتوقع أن يلتقي الملك مباشرة، فإيريديون لم يكن يستقبل الغرباء بسهولة.
عوضاً عن ذلك، وقف في قاعة العرش الجليدية رادامير، الساحر الأكبر ومستشار الملك.
كان رجلاً طويلاً نحيلاً، بشرته شاحبة كالجليد، وعيناه تشعان بلون أزرق متوهج، كأنهما شعلتان من نار باردة.
وقف أمام خاطر دون أن ينطق في البداية، ثم ابتسم ابتسامة بطيئة وقال:
"تطلب الحديث مع ملكنا، رجل الظل؟"
صوته كان كهمس الريح بين الجبال، خافتاً لكنه يملأ القاعة.
"جئت لأتحدث معه." قال خاطر بهدوء، لم يكن يخشى الساحر، لكنه لم يكن يستخف به أيضاً.
رادامير أمال رأسه قليلاً، كأنه يدرسه، ثم قال:
"في أرض البراري والصقيع، لا يتحدث إلى الملك سوى من يستحق الحديث."
ثم التفت إلى الجمع المحيط وقال بصوت عال:
"إن أراد هذا الغريب لقاء إيريديون، فعليه أن يثبت قوته."
وأشار إلى الساحة الثلجية أمام القصر.
"يجب أن يهزم محاربينا. لا واحداً... بل أربعة."
المحاربون الأربعة
وقف خاطر في ساحة القتال، الثلوج تحت قدميه صلبة كالحجر، والهواء محمل بصقيع كاد أن يجمد الأنفاس.
أول من تقدم نحوه كان غاريوس، المحارب الحديدي.
رجل ضخم الجثة، بشرته رمادية كالصخور، يحمل فأساً عملاقاً يكاد يكون بحجم خاطر نفسه. كان صامتاً، لكن عيناه تتحدثان بلغة القوة، لا يعترف إلا بالسلاح، ولا يرى إلا القتال.
لم ينتظر طويلاً، هجم بفأسه بحركة خاطفة، قوة الضربة شطرت الأرض تحتها، لكن خاطر لم يكن هناك.
ظهر خلفه فجأة، حركة خفيفة، لمسة واحدة على معصمه، وسقط الفأس من يد غاريوس كما لو أن أصابعه تجمدت. قبل أن يستوعب المحارب ما حدث، وجه خاطر ضربة حادة إلى جانب عنقه، ليس بقوة جسدية، بل بضغط دقيق على نقطة حيوية.
سقط غاريوس على ركبتيه.
حاول النهوض، لكنه لم يستطع. لم يكن ميتاً، لكنه لم يعد قادراً على القتال.
"أول واحد،" قال رادامير بصوت بارد.
"التالي."
تقدمت المحاربة الثانية، أنيارا، ابنة العواصف.
كانت سريعة كالبرق، تحمل سيفين منحنيين، شعرها الأبيض الطويل يتطاير حولها السحب، لم تمنحه فرصة للتحرك، هاجمته بعاصفة من الضربات، كل واحدة منها كانت تكفي لقتل رجل عادي.
لكن خاطر لم يكن عادياً.
تحرك كما لو كان يعرف مسار سيوفها قبل أن تتحرك، تفادى كل ضربة بانسيابية، حتى بدت حركته كرقصة وسط العاصفة.
أنيارا استدارت بسرعة، سيوفها تقطع الهواء، لكنه كان قد اختفى.
ظهر خلفها... لم يفعل شيئاً سوى أن همس:
"لقد خسرتِ."
شعرت بشيء بارد يضغط على رقبتها، لم يكن سيفاً، كان مجرد إصبعه، لكنها عرفت أنها لو تحركت، ستنتهي المعركة بلمسة واحدة.
أنزلت سيوفها.
"الثاني،" قال رادامير.
"التالي."
هذه المرة، كان القادم فيجور، سيد الرماة.
لم يكن بحاجة للاقتراب، رفع يده، وانطلقت خمسة سهام في وقت واحد نحو خاطر.
لكن قبل أن تصل... لم يكن هناك.
وقف فيجور مذهولاً، وهو يرى السهام تخترق الفراغ. قبل أن يتمكن من إطلاق سهم آخر، شعر بشيء بارد يضغط على معصمه.
كانت يد خاطر، والإبرة الصغيرة التي غرزها في جلده بالكاد مرئية.
توقف ذراعه عن الحركة. لم يعد قادرًا على إمساك قوسه.
ترك القوس يسقط.
"الثالث."
الجموع كانت تهمس الآن.
"من يكون هذا الرجل؟"
"كيف يفعل هذا؟"
لكن رادامير لم يكن مندهشاً، بل ابتسم ابتسامة صغيرة، وهو يلتفت إلى آخر شخص.
"دوركِ، أستيريا."
خرجت آخر محاربة إلى الساحة، لم تكن تحمل سلاحاً، لم تكن ترتدي درعاً، فقط عباءة زرقاء داكنة، وعينان باردتان كالجليد.
لكن حين مشت، شعرت الأرض كلها بها.
لم تكن تحتاج إلى السلاح.
كانت هي السلاح.
أستيريا لم تهاجم، فقط رفعت يدها، والهواء من حولها بدأ يتغير، الحرارة انخفضت، الصقيع تجمد في الهواء، وكأنها تسحب القوة من كل شيء حولها.
لكن خاطر لم يتحرك.
ظل واقفاً، يراقبها.
وفي اللحظة التي اقتربت منه، فعل شيئاً لم يتوقعه أحد.
أغلق عينيه.
تركت أستيريا العاصفة تنفجر حوله... لكنه لم يسقط.
وحين فتحت عينيها لترى النتيجة... وجدته أمامها، أقرب مما تخيلت، يحدق في عينيها مباشرة.
ولأول مرة في حياتها، شعرت بالخوف.
تراجعت خطوة.
ثم همست:
"أستسلم."
رادامير ضحك.
"انتهى الأمر."
التفت إلى خاطر، عيناه تلمعان بالدهشة للمرة الأولى.
"لقد كسبت حق الحديث مع الملك."
---
وقف خاطر في قاعة العرش، حيث تدلت أعمدة الجليد العملاقة من السقف كأنها أسنان وحش متجمد. كان الهواء بارداً، لكن التوتر الذي يملأ المكان أشد برودة.
لم يكن الملك نفسه من استقبله، بل مستشاره العظيم، الساحر الكبير إلدارون، الذي بدا وكأنه جزء من القصر نفسه، بلحيته الطويلة البيضاء، وردائه الداكن المطرز برموز قديمة، وعينين لا تشبهان أعين البشر ولا الجن، بل كأنهما انعكاس للغيب نفسه.
"لقد أثبت قوتك،" قال إلدارون بصوت هادئ، لكنه يحمل رهبة لا تخفى. "لكن القوة وحدها لا تمنحك حق الحديث مع الملك."
خاطر لم يتحرك. كان قد أرهقته المبارزات المتتالية، الدماء التي تلطخت بها سيفه لم تجف بعد، لكنه لم يكن هنا ليطالب بشيء لنفسه.
"لا أطلب أكثر مما هو ضروري،" قال بصوت ثابت، "أنا هنا من أجل زافيرا."
سكنت القاعة للحظات، ثم ظهر الملك إيريديون أخيراً.
كان رجلاً طويلاً، جسده أشبه بجبل جليدي، ووجهه حاد الملامح كأنه منحوت من صخر. شعره الفضي الطويل ينساب على كتفيه، وعيناه بلون السماء الملبدة بالثلوج لم تكن تحمل أي دفء. لكنه لم يكن متوحشاً، بل رجلاً اعتاد أن يطاع.
وقف عند العرش، ينظر إلى خاطر كما لو كان شبحاً غريباً، ثم قال بصوت هادئ، لكنه لا يقبل الجدل:
"أنت لست من أبناء أرضي."
فلماذا أمنحك حمايتي؟
خاطر التقى نظرة الملك دون خوف.
"لأنني سأقف بين زافيرا وبين شيفان إن لزم الأمر، حتى لو كان الثمن حياتي."
كلماته لم تكن مجرد تصريح، بل وعد، تعهد غير مشروط.
لم يتغير وجه الملك، لكنه نظر إلى إلدارون للحظة قبل أن يقول:
"شيفان يريد أن يجعلها ملكته، وهذا يعني أنها ستمنحه الشرعية."
"إن تزوجها، ستُسحق روحها بالكامل،" قال خاطر بصوت منخفض، لكنه مشحون بالغضب.
"وما الذي يجعلك تعتقد أنها تحتاج إليك؟"
"لأنها ما زالت تقاوم."
كانت هذه الكلمات الوحيدة التي قالها، لكنها كانت كافية.
لم يكن إيريديون رجلاً يعترف بالحب، لكنه فهم الشجاعة، وفهم الولاء الذي يتجاوز المنفعة الشخصية وكان يعرف أن شيفان خصمه وأن عدو شيفان صديقه.
بعد لحظة صمت طويلة، قال أخيراً:
"لكني لن أقاتل من أجلها."
شعر خاطر بأن قلبه يسقط، لكن إيريديون لم يكن قد انتهى بعد.
"لكنني لن أقف في طريقك، سأمنحك ممراً آمناً إلى مملكتي إن احتجت إليه، لن يكون لشيفان سلطة هنا."
لم يكن هذا التحالف الذي تمناه خاطر، لكنه كان كافياً.
إن ساءت الأمور، إن وجد نفسه عاجزاً، إن اضطر لأخذ زافيرا والهرب... فسيكون لديه ملجأ.
"هذا يكفي."
هز الملك رأسه مرة واحدة، ثم استدار ليغادر، لكنه توقف للحظة، دون أن ينظر إلى خاطر، وقال:
"إن كنت تنوي مواجهة شيفان، فلا تفعلها بمفردك."
ثم خرج، تاركاً خاطر واقفاً وسط العاصفة الباردة التي لم تكن تأتي من الجدران الجليدية، بل من المستقبل الذي ينتظره.
لكنه لم يكن يهتم.
لأنه، مهما كلفه الأمر...
لن يدع شيفان يأخذ زافيرا.
في طريقه إلى جناحه همس الملك ايريديون لساحره الأكبر إلدارون: "راقبه ويسر له الأمور بطريقتك، إذا استطاع أن يخلصنا من شيفان بأي طريقة وبعد أن ينتهي اقتله وإذا أحضر زافيرا إلى هنا فإنه قد أحضر لي ملك الجان بأكملها على طبق من ذهب. دعه يعتقد أنه انتصر على أقوى محاربينا كما يظن لا تمنحه سبب للشك."
عودة خاطر إلى زافيرا
عاد خاطر إلى أرض مملكة بلاتين بروح معنوية مرتفعة، قلبه يخفق بشيء لم يشعر به منذ زمن... الأمل.
لأول مرة منذ وقت طويل، لم يكن وحيداً في معركته. لقد حصل على ما يكفي من الحماية ليضمن أنه، إن ساءت الأمور، لن تُترك زافيرا تحت رحمة شيفان.
وكان ذلك كافياً ليشعر بأنه أقوى مما كان عليه قبل أن يغادر.
حين وصل إلى تخوم القصر، كان الليل قد بدأ يزحف ببطء، مغطياً الأرض بعباءته المخملية الداكنة.
لم يدخل مباشرة، بل أرسل مرسالاً صغيراً برسالة مقتضبة إلى زافيرا، يعلمها أنه سيقابلها عند البحيرة.
لم يكن قد رآها منذ أيام، منذ لحظة تتويج شيفان ويمين الولاء الذي قدمه الجميع... باستثناء ملك البراري والصقيع.
كان يدرك أنها كانت هناك، تجلس في صمت، تحيطها القيود غير المرئية التي صنعها شيفان حولها، كان يدرك أنها كانت ترى كل شيء... وتفهم كل شيء.
والآن، حان الوقت لتراها عيناها الحقيقة الوحيدة التي لم تتغير في حياتها.
حان الوقت لتراه.
عند البحيرة
كان القمر يعكس ضوءه الفضي على سطح المياه، فتبدت البحيرة كمرآة تمتد بلا نهاية، تحيطها الأشجار التي ترقص أغصانها مع نسيم الليل البارد.
وقف خاطر هناك، ينتظر.
لم يكن صبوراً بطبيعته، لكنه هذه الليلة لم يكن مستعجلاً. كان يعلم أنها ستأتي، كان يشعر بذلك.
وعندما خطت قدماها فوق العشب الرطب، شعر بها قبل أن يراها.
التفت ببطء، وقلبه يخفق بطريقة لم يعتدها.
كانت زافيرا واقفة عند حافة البحيرة، ترتدي ثوباً قاتماً، لكنه لم يكن بلون الحداد، بل كان لوناً يعكس الليل نفسه. شعرها منسدل، وعيناها...
عيناها لم تفارقه.
كانت تحدق به وكأنها تحاول التأكد أنه ليس وهماً، أنه ليس خيالاً نسجه قلبها المتعب.
لكن عندما اقتربت، عندما أصبح بينهما خطوات قليلة فقط، همست بصوت بالكاد سُمع وسط هدير المياه الهادئ:
"أنت عدت."
لم يقل خاطر شيئاً. لم يكن هناك شيء ليقال.
بدلاً من ذلك، رفع يده ببطء، ولمس بأصابعه أطراف شعرها، كما لو كان يريد أن يتأكد أنها حقيقية كما تريد أن تتأكد هي.
شعرت زافيرا بأنفاسه قريبة، بحرارته التي تناقض البرودة التي أحاطت بها منذ وقت طويل.
"لقد أتيت من أجلك."
قالها كأنها وعد، كأنها تعويذة ستمنع أي شيء من المساس بها.
كانت تعلم أنه لا يكذب.
لكنها كانت تعلم أيضاً أن الأمور لم تنته بعد.
ومع ذلك، في هذه اللحظة، عند هذه البحيرة، تحت هذا القمر، لم يكن هناك سوى خاطر وزافيرا... والحب الذي كان يتراقص في قلبه. وعين جن متواريه بين الأشجار تجلس بينهم.