إعوجاج الحياة بات جاهزًا، ليت الميزان لم يُطفف. -بحبك ومش عاوز أضيعك تاني يا ميرال. نظرت له وضحكت ضحكة بكاء صاخبة. -بتحبني، ولا بتشفق عليا وعاوز تعمل معايا اللي معرفتش تعمله مع ليلى مراتك اللي قهرتها وماتت بحصرتها بسببك؟ اغرورقت عيناه بعبرات نادمة.
-مكنتش عاوز يحصل كدا، مكنتش عاوز أكسرها ولا أهينها. أنا حبيتها أوووي، بس محبتهاش كزوجة صدقيني. حاولت حاولت ومعرفتش، كل حبي ليها كان حب أخت مش أكتر. بقت أقربلي من نفسي، كل ما أقرب منها تحبني أكتر. كنت بشوف الحسرة في عنيها، لأول مرة أحس إني مش راجل. قررت أحسسها بالنقص، مكنتش بضيع فرصة عشان تكرهني وعمرها ما كرهتني ولا سوّت صورتي قدام حد. كل ما أبعد تقرب. سحب الهواء وزفره بشدة واستأنف.
-ليلى اتجوزتني وهي عارفة إني بحبك. وعدتني إننا هنبقى صحاب وننسى كل حاجة. كنت بسأل نفسي كل يوم، إيه اللي يجبرها تضحي بحياتها عشان واحد حب واحدة ابن خالته الأناني. وعرفت بعد سنتين جواز إنها حبتني من يوم ماشفتني في فرحك. تخلل حديثه بسمة ساخرة. -تخيلي واحد بيحب واحدة ابن خالته اتجوزها وصحبتها حبته وهو أخدها كوبري عشان يفضل قريب وبس. صرخت به هاتفة. -صحبتي مشاعرها كوبري لستك، فاكرها إيه بلاستيك؟ صرخ بإعتراض بالغ.
-صحبتك يوم الفرح قربت مني واتفقنا نكون أصحاب وأخوات. ويوم في يوم عرضت عليا تساعدني ونتجوز. وافقت عشان أفضل جنبك وعلشان فيه حاجة جوايا منجذبة ليها بس مش كزوجة صدقيني. عمري ما شفتها مراتي، بس كانت صحبتي أختي. زمان كنت بعيط في حضنها وأشتكيلها بس مبقاش ينفع. لما قالتلي إنها بتحبني مبقاش ينفع أكون أناني أوي كدا. كان لازم أسيبها قبل ما تدمر، وبغبائي دمرتها فعلاً. نظرت له بدموعها الهاطلة.
-ليلى كانت عارفة إنك بتحبني واتجوزتك؟؟ -أيوه كانت عارفة، والله ما كذبت عليها. أنا مش وحش يا ميرال. نظر حوله ليجد الشمس تتقهقر للوراء. -ميرال أنا جبتك هنا في المكان دا مخصوص، لأن أنا وليلى كنا بنيجي هنا دايما. دققت عيناه بكل ما حوله وكأنه يراه للمرة الأولى. ليجد صفحة النيل في أبهى صور لها عاكسة أشعة الشمس الخافتة. أفاقته ميرال من تأمله. -عاوزة أمشي يا عامر، مشينا من هنا. انصاع لرغبتها في الهروب.
يكاد الفكر يأكل عقلها، كيف تخبره بسرها؟ أيسامحها ويلتمس لها سببًا لكذبتها؟ هل سيراعي اعوجاج الحقائق وأنها لم تدرك إلا لخطئه وخطيئته؟ ربما لو عت للحقيقة كاملة لما كذبت وقطعت قلبه أشلاء مبعثرة. أفاقت من دوامتها على صراخ خالتها تصك صدرها هاتفة. -علي يا علي مالك يا ابني؟ رد عليا، بتعمل إيه؟ كفايا شخبطة على الحيطان. قلبت نظرها لتري فتاها يسرع بحركاته ويخدش الحائط بقلمه الحاد. أسرعت إليه تصرخ به بحدة.
-أنت يامتخلف بتعمل إيه؟ الحيطة باظت. صفعته على وجهه عدة صفعات وكأنه دني للهلاك بيده. عنفتها خالتها قائلة. -دا بدل ما تشوفي ابنك ماله بتضربيه؟ أنتِ جرالك إيه؟ منتِ كنتِ كويسة. صرخت بها. -إيه مش من حقي أبص لنفسي زيكم؟ أنا طول عمري بهتم، خدت إيه غير الذل وشكلي اللي اتغير؟ خدت إيه غير المعايرة؟ نظرت لها خالتها ساخطة. -خدتي إيه؟
والله عيب عليكِ يا شيخة، خدتي إنك بقيتي أم. الظاهر إن أختي الله يرحمها نسيت قبل ما تموت تفهمك دور الست إيه. ياهانم هو أنتِ إيه؟ معندكيش وسط؟ يا تربي وتهملي في نفسك، ياتهملي في عيالك؟ أنا ساكتة ومش عاوز اضغط عليكِ، بس لهنا وبس. شوفي نتيجة أفعالك عملت إيه. قالت كلماتها وهي تشير إلى علي الواضع يداه على أذنيه خافضًا رأسه لأسفل.
نظرت ميرال لطفلها، الآن فقط انتبهت لما يحدث لطفلها. كقطعة حريرية علقت بوابل مسامير تمزقها كان قلبها. -من بكرة هوديه لأخصائي نفسي، أنا إزاي سبت ابني كدا. -من غير كلام كتير، أنا همشي وأسيبلك البيت واهتمي بعيالك لوحدك. تركتها تنهر نفسها، تحاربها نفسها من جانب زحف فكرها لأحمد وكأنه منقذها. فوجدت منه رسالة. -سبتك كام يوم ومسألتش، بتيجي الجيم وتمشي على طول. حاسس إنك بتهربي، أنا محتاج أشوفك.
تهلل قلبها وشعرت بحاجتها في البوح. هاتفاته واتفقا على اللقاء صبيحة اليوم التالي. -ها بقي قولتيلي نتقابل؟ حاسك عاوزة تتكلمي. تبسمت بألم وقالت. -أنا محتاجة أحكيلك يا أحمد. رفع يده يحتضن كفيها بحنان. -أنا جنبك ومش هسيبك وهسمعك مهما كان كلامك. أنا... -أحمد أنا...
أبويا كان راجل شديد، كان ظالم. ظلم نفسه وظلم أمي وظلمني معاهم. لما كنت صغيرة كان بيعامل أمي كأنها خدامة، فضل يقهر فيها ويقولها إنها شبه الموميا رفيعة مش زي الستات. كان دايما يحسسها إنها وحشة وكانت بتسكت، حتى لما كان يهينها عشان أنا بنت كانت بتسكت. لحد ما في يوم نامت مصحيتش، ماتت من كتر السكوت والكتمان. ماتت وسابنتي معاه. تعرف لما ماتت فضل شهر حابس نفسه، لا أكل ولا شرب ولا كلام. رغم إني كنت صغيرة بس شفت الندم في عينه.
ضحكت بتهكم. وبعد الشهر خرج أسوأ من الأول. في يوم اتعرفت على ست وساعدتها في الطريق ودخلتها بيتنا. جه ابنها ياخدها شافني. وفي يوميها بليل بابا قالي: "هيثم اتقدملك وهجوزهولك". حتى مسابنيش أقول رأي. اتعصبت ورفضت. صحيت لقيته مات... وأنا بغبائي قولت: "لأ لازم أنفذ كلامه عشان يموت مرتاح". فعلاً اتجوزنا، أول سنة كان كويس، كان بياخدني معاه يفرج الناس على مراته الحلوة الجميلة. وبعدها خلفت علي. بقي يزعق ويتخانق ويتعصب، ساعات
كان بيقولي في الخناق: "أنتِ فاكرة نفسك ليكِ قيمة؟ أنتِ أبوكٍ باعك قبل ما يموت". كان بيتعمد يكسر قلبي لحد ما عدت السنين ومبقاش حتى يرجع البيت. من تسع شهور بالظبط زعقلي وأهاني أوي، قالي إني مش ست ولا أنفع أبقى زوجة واتجوز عليا. طلبت الطلاق ومشيت عند خالتي قعدت عندها. بعدها ليلى صحبتي حصلها مشاكل مع جوزها عامر وماتت مقهورة. وأنا... أنا...
أنااا قررت أنتقم من عامر وأمثل عليه إني نسيت موت ليلى واخليه يحس إني بقيت قريبة منه واحتويه. وبعدها أسيبه وأكسر قلبه زي ما كسر قلب ليلى. فقدت السيطرة على عينيها وباتت تشهق شهقات متتالية. -امبارح بس اكتشفت إن ليلى هي اللي غلطانة، وإنه كان صريح معاها. -إنه بيحبك يا ميرال. عقدت حاجبيها متسائلة. -وعرفت منين؟ ابتسم بخفة وهو يطفئ سيجارته. -أصل الراجل اللي يحب بيحس بنظرات الناس للي بيحبها. ابتسمت بتهكم.
-ويتري مين فيكوا ينطبق عليه الكلام دا؟ انكمشت ملامحه. -مش هتفرق كتير، احنا الاتنين حسينا عشان كدا كل واحد مش طايق التاني. المهم كملي. أكملت ميرال استرسالها. -عرفت إنها عارفة بحبه ليا من زمان ووافقت تتجوزه وهي عارفة. أنا ندمانة يا أحمد، ندمانة عشان أنا جرحت عامر جرحين. الأول إني ضحكت عليه وفهمته إني منجذبة ليه. والتاني... -التاني إني عايشة، وكل دا من تخطيطي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!