احتدت نصالك يا شريك الروح، لو أخبرتني لقلعت قلبي وعقرته بيدي، خشية تدنيس يداك بدمي. مر شهر على فراق صديقتها، ذبلت مقلتاها، وتناثرت أهدابها، وجفت نضارتها. أكان ينقصها قهر على قهر؟ وما الحال في فقدان توأم روحها وعود ظهرها؟
تتوآلى الليالي الباردة وكأن الوحدة والسقيع يلتحمان في روح واحدة أقسمت على النيل منها. كان ملاذها كل يوم اتصالات أحمد وعامر، ورغم تجاهلها لهما، إلا أنها كانت قشة تتشبث بها من بحار وحدتها. تجلس على فراشها مطأطأة رأسها للأسفل، تفكر كيف السبيل لوحدتها. رن هاتفها للمرة العاشرة، يتصدر شاشة الهاتف اسم عامر. وضعت يديها على قلبها، تهذب دقاته وأجابت. "الو." صدح صوته المفترش بالهفة قائلًا: "إزيّك يا ميرال، مكنتيش بتردّي ليه؟
جال بعقلها كثير من الأسئلة، منذ متى وهو يهتم بها؟ كيف له بتخيل تجاوزها فقد صديقتها بسببه؟ "عاوز إيه يا عامر؟ أجابها بصوت يأكله الندم: "ليلى وحشتني أوي يا ميرال." صرخت به هاتفة: "ومين كان السبب؟ مين اللي موتها؟ مين اللي قهرها؟ مين يا عامر؟ مبسوط دلوقتي؟ أهي ماتت، ماتت وسابتلك الدنيا كلها. اسهر براحتك، خونها براحتك." هدأت وتيرة صوتها وأكملت: "لأنها خلاص مبقتش موجودة، خلاص يا عامر، خلاص."
أنهت حديثها وتلقت صوت بكائه الحار. فرق قلبها المتهرئ. "كفاية يا عامر، البكا مبيرجعش حد. لو ندمان، ادعيلها وتصدق بنية الرحمة عليها. اعمل كل اللي يفرحها." لمعت عيناه وقال: "هو ده اللي بعمله يا ميرال، وملقتش حاجة أفرح بيها ليلى قد إني أقف جنبك وأساعدك. أرجوكي مترفضيش. سبيني أكفّر عن ذنبي، أرجوكي." طال صمتها دقائق تحت وابل توسلاته.
"موافقة يا عامر، موافقة. لأني بعد ليلى بقيت وحيدة أوي. أوعى تفكر إني سامحتك، أنا بس بتمسك بأي حاجة من ريحة ليلى. كمان إحنا زي بعض من غير ليلى، لوحدنا أوي. لكن هتفضل أخويا يا عامر." ابتسم عامر براحة. "أنتِ أختي يا ميرال، أنا بس بحاول أكفّر عن ذنبي." أُغلقت المهاتفة، وزفرت ميرال بحيرة، لا تدري صواب أم خطأ ما فعلته.
خرجت للمرة الأولى من غرفتها، فتلاقت تهافت أطفالها وكأنهما ينتظران تلك اللحظة. أدمعت عينا ميرال، كم اشتاقت لهم جميعًا. وجدت من يربت على كتفها، ومن تكون غير خالتها؟ فالحنان من مقلتيها يفيض. "حمد الله على سلامتك يا بنتي، كدا تحبسي نفسك طول الفترة دي؟ دا حتى الحمام مكنتيش بتدخلي غير بعد ما ننام." تحدثت ميرال وكأن لسانها شُج. "الحمد لله على كل حال يا خالو." حاولت خالتها تعطير مزاجها.
"شوف البت قاعدة جوا وسيبالي العيال. آكل وأشرب وأذاكر. أنا عارفة إنك طمعانة فيا من الأول يا بنت مريم، أكمني مديرة قد الدنيا."
ابتسمت ميرال مجاملة لخالتها، تعلم بمحاولتها للتخلص من الحزن، غير مدركة عن كونها فتحت جرحًا قديمًا. "بنت مريم" لم تقل شيئًا غير نسبها لأمها المتوفية. كم اشتاقت هي لوالدتها. أحيانًا تكون الأم أُضحية من أجل أطفالها. كذلك كانت أمها. عقرت بيد أبوها ذاك المتعجرف. لطالما شبهته بزوجها. الآن أدركت أنها ما أحبته يومًا، بل شعرت بحبه بعد فقد أبيها.
تجلس اعتماد على أريكتهم البيضاء في بهو منزلهم الواسع ذي الأثاث الكلاسيكي، وكأنه قصر فاروق. قالت اعتماد في تروٍّ: "بصراحة يا أستاذ قاسم، ميرال بنتك زينة البنات. لقيتني في الطريق، وقفت جنبي ووصلتني. ولما عدينا على بيتكم، أصرت أدخل وأكلم هيثم ابني يشوف العربية." طالعها قاسم بنظرات ثابتة وأردف: "أهو يا ست اعتماد، مش هيبقي من كله." عبثت ملامح اعتماد متسائلة: "مالها، كفالله الشر؟ دي ست البنات." ارتسمت السخرية
على ملامحه القاسية وقال: "قطع البنات وقطعت سيرتهم." استشاطت اعتماد من تفكير ذاك الرجل، كيف له بإهانة ابنته هكذا؟ أثناء الحديث، حضر هيثم ليتفقد أمه. "أيوه، تعالي يا هيثم. آخرت ليه يا ابني؟ تقلنا على الناس." أبتسم قاسم. "جرى إيه يا ست اعتماد؟ هو إحنا زعلناكي؟ لو مش شالتك الأرض، نشيلك فوق دماغنا." ردت اعتماد سريعا: "لا يا أستاذ قاسم، بس فرصة سعيدة جدًا. ممكن تنده ميرال عشان أسلم عليها."
بعدما نادى قاسم على ابنته بصوته القاسي الذي يرعب أواصلها. حضرت مطأطأة الرأس. "نعم يا بابا." "تعالي يا حبيبتي، أسلم عليكِ قبل ما أمشي." قالتها اعتماد بعجالة. ضمتها ميرال بشدة، تشتم بها رائحة فقيدتها. منذ فقدت أمها إثر أزمة قلبية، لم يحنُ أحد عليها سوى خالتها، وكان محظورًا عليها المجيء.
نظر هيثم ليجد فتاة يافعة ممشوقة القوام بملامح مثيرة، عينان كحبتي لؤلؤ تلتمعان بالخجل، وأنف مستقيم ينتفخ أسفله قليلاً، وثغر ذو شفاه منتفخة حمراء كحمرة وجنتيها. جحظت عيناه من الإعجاب بتلك الجميلة ذات العيون البنية والبشرة البيضاء الصافية. أخذه جمالها، فهمس بأذن أمه. حل الليل، وأتى والدها يوميها بخبر زواجها من ذاك الشاب العريض ذي الجمال المتواضع. نهرت الفكرة من رأسها ورفضت عرض والدها، وتلقت صفعة أدمت ثغرها.
صباح اليوم التالي، تأخر والدها عن الحضور، فذهبت توقظه، فوجدته بلا روح. قضت ثلاثة أشهر تبكي على فقدان والديها، تمنت لو عاد للحياة وانصاعت لأوامره. عزمت أمرها ووافقت على زيجتها من هيثم إرضاءً لروح والدها. عادت للواقع تبكي بحسرة، ليتها لم تفعل. ليت الماضي يعود وتصلح ما نتج عنه طفلان يتيمان بحياة أبوهما. نادتها خالتها. "بت يا ميرال، بقالي ساعة بكلمك. روحتِ فين؟ ابتسمت واكتفت بها. صدح صوت هاتفها مجددًا باسم جديد. "الو."
استنشق الهواء فور سماع نبرتها. "إزيّك يا كوتش." تظاهرت بالتفاجؤ من مهاتفته. "كابتن أحمد، حضرتك جبت رقمي منين؟ تحمحم وقال في خجل: "بياناتك كلها في الجيم يا مدام." تعالت دقات قلبها حينما تذكرت آخر موقف جمعهما. استكمل أحمد حديثه والشوق يعصف بقلبه. "البقاء لله. عرفت من الأكونت بتاعك إن صديقتك توفت، وأكيد ده سبب غيابك." اشتعل وقود عيناه وردت: "أيوة، ربنا يرحمها."
ساد الصمت دقيقة أو بضع دقائق، حتى بتره قائلًا: "الدنيا مبتقفش على حد يا مدام ميرال. متفتكريش إني مش حاسس، لا حاسس والله. أنا فقدت ابني ومراتي اللي مفرحتش معاهم غير سنتين بس. تخيلي إني بعد الحادثة بشهرين كملت حياتي." ثم طغت على نبرته سخرية. "الناس فكراني نسيت، أو أصلًا مفرقش معايا، رغم إني كل يوم بليل بتخيل لو كانوا موجودين، كانت حياتنا هتبقى إزاي. ساجد كان هيبقي
عنده تلت سنين ويقول لي: وحشتني يا بابا. وسمر كانت هتستناني كل يوم زي عادتها، تفتح لي الباب مبتسمة وتاخدني في حضنها. ونأكل مع بعض ونضحك. سريري كان هيبقي دافي عشان هما جنبي... كل يوم بتخيل وأعيط زي الطفل اليتيم اللي مش لاقي حد يطبطب عليه ولا يدفيّه." تنهد بصوت يبعث الأمل. "عيشي لنفسك، ولأهلك، ولصاحبتك بردو. ادعيلها دايما عشان تنفعيها." هربت عبرات من عينيها. "عندك حق." سألها في رجاء: "ممكن أطلب طلب منك ومتكسفنيش؟
"طبعًا، اتفضل." تكلم بصوت يفطر القلوب. "ممكن تدعي لسمر وساجد معاكِ، وادعي لي ربنا يجمعني بيهم قريب." أغلق الهاتف فور سماعها رجاءه. شعرت بانهيار يعصف بها، فحديثه لم يكن كأي حديث. يالله، كم ثابر وتحمل، ومازال على ذاك. كان حالها أحوج لسماع مثل هذا الثبات. كفكفت دموعها ووقفت أمام المرآة تتطلع لنفسها. في صبيحة اليوم التالي، ارتدت ثياب مريحة واتجهت قاصدة "الجيم". دخلت تبحث بعينها عنه، ولكن لم تجده.
"أهلا أهلا كابتن ميرال، البقية في حياتك. كابتن أحمد قالي." قالتها أمل تحاول مواساتها. ابتسمت ميرال قليلاً، ثم سألت عن أحمد. أجابتها أمل في تساؤل: "كابتن أحمد أول مرة ميجيش. استني أتصل عليه." رفعت أمل الهاتف المحمول لتتصل بأحمد تسأله عن سبب غيابه المفاجئ، إلا أنه أجابها بعدم حضوره اليوم، متعللًا باحتياجه لأخذ راحة. التقطت ميرال الهاتف من أمل بحركة سريعة، وأخذت تحدثه. "الكابتن باعث الأمل جاله اكتئاب. مش ممكن!
وأنا اللي جيت عشان تطلعني وتتعلم من يا كوتش." غزت الفرحة قلبه. "مدام ميرال، أنتِ جيتِ بجد؟ ميرال محمحة: "أيوه جيت يا كابتن، ومستنياك. متتأخرش عليا." أغلقت الهاتف، وبعد فترة وجيزة حضر، وبدأوا تدريب اليوم تحت نظرات أحمد الأملة. انتهت ميرال من التدريب وشرعت في الذهاب، فاستوقفها رنين هاتفها. "إزيّك يا عامر." عامر والود يفترش نبرته. "الحمد لله يا ميرال. أنا كنت نازل، لو حابة ممكن نتقابل في أي كافيه."
انتابها الشعور باحتياجها للتزه، متذكرة صديقتها. "أنا كمان في الشارع، هقابلك في كافيه ****." بعد دقائق، كانت تجلس بصحبة زوج صديقتها. "ها، تحبي تشربي إيه؟ ابتسمت بهدوء. "شاي أخضر بليمون." رُفع حاجبه تلقائيًا وقال مستنكراً: "هو أنتِ بتعملي دايت ولا إيه؟ أجابته بثقة تميل إلى الغرور: "أكيد مش هسيب نفسي أكتر من كدا، لأن الست لما بتتخن بتفقد أنوثتها وجمالها."
وكأنه ضرب الجلاد بسوطه الخاص. نظر لها مفسرًا موقفه، إلا أنها أوقفته. "متتكلمش يا عامر، أنا سمعت واقتنعت بكلامك. أنا فعلًا لازم أخس، مش عشان حد، عشان نفسي أنا وبس." أراد انحراف مجرى الحديث، فسألها في حيرة: "هترجعي لهيثم تاني؟ استنشقت الهواء، بل سحبته كله وزفرته من فمها. "هيثم ده أكبر غلطة غلطتها. كنت فاكرة إني لما أبويا مات وهو عاوزني أتزوجه، يبقى لازم أتزوجه عشان ما يغضبش عليا.....
تخيل كل موقف كان بيفكرني بأبويا فيه، كنت بكرهه زيادة. لو كنت متطلقتش، كان زماني زي أمي، ميتة من وجع قلبي عشان راجل مستاهلش." جرحته كلماتها كما لو أنها تتحدث عنه. أمسك يدها برفق. "عمري ما كنت أعرف إن هيحصل كل ده بسببي. كنت بحبها أوي يا ميرال. نفسي ترجع واعتذر لها أوي. سامحيني عشان هي تسامحني، أرجوكِ." سحبت يدها وتحدثت: "أرجوك أنت تلزم حدودك شوية." كاد يبرر أفعاله
لولا صوت رجولي يقول: "فخور بيكي جدًا إنك معكتيش وبتشربي شاي أخضر. هتبقى إنجاز حياتي كلها." ضغطت الدماء في عروق عامر، وتأكلته الغيرة، ونظر لميرال وسألها: "مين الأستاذ ده يا ميرال؟ رفع أحمد يده في كبرياء: "كابتن أحمد، مدرب ميرال. وهبقى حاجات أكتر بعد كده." ثم ابتسم له ابتسامة غاضبة مختلطة بالتشفي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!