تقرأ سنام مذكرات نسرين وتعرف أن جاسم هو نفسه جابر، وأنها نفس الفتاة الغنية التي تتحدث عنها نسرين. فتقول لنفسها: "غير معقول، أنا تلك الفتاة المدللة التي سرقت من نسرين زوجها. أنا أكاد أجن، كيف يعاملني جاسم بهذا الحب وفي نفس الوقت لا يحبني؟ فقد كان يقول ذلك لنسرين طوال الوقت. سأكمل القصة لأرى ماذا يحدث بالضبط. وأعرف ماذا يريد جاسم أن أبقى معه مدام يحب واحدة غيري".
وقبل أن تكمل، تسمع طرقات على الباب ويدخل جاسم الغرفة قائلاً: "أهلاً حبيبتي". تضع سنام الدفتر تحت الوسادة بسرعة. قال جاسم: "لقد أحضرت لك كل الأطعمة التي تحبينها. سأضعها هنا لتكون بالقرب منك". ثم يضع الأكياس البلاستيكية بالقرب من سرير سنام على الطاولة التي بجوارها قائلاً: "كيف حالك الآن حياتي؟
قالت سنام: "أنا بخير، ولكن أرجو أن أخرج من هنا بسرعة. فبقائي طوال الوقت ويدي مقيدة بالسرير شيء مؤلم. حتى أنهم ركبوا لي قسطرة بالرغم أنني لا أحتاجها حتى لا أطلب منهم الذهاب للحمام".
قال جاسم: "نحن نبقيك هنا حتى لا تدخلي الحجز، فهناك لن تجدي سريراً مريحاً مثل هذا. فقد حجزت لك في القسم الاقتصادي بالمشفى حتى تكوني مرتاحة، فالمكان هنا نظيف ومكيف، بينما مكان الاحتجاز ملئ بالحشرات مثل البراغيث والبعوض التي تملئ المكان، والمساجين هناك يشتكون من الزواحف مثل الثعابين أو الجرذان التي قد تظهر في الغرفة فجأة. وطبعاً لا توجد أجهزة تبريد هناك، ولن تتحملي حرارة الجو العالية في غرفة الاحتجاز. أما هنا فيوجد مروحة ومكيف في الغرفة، وحتى دخول الحمام بموعد هناك في الحجز، بالإضافة فإن الطعام رديء جداً ولن تستطيعي أكله، ولا يسمحون دائماً بدخول الطعام للمتهم. أما هنا فأنا أحضر لك طعاماً جيداً كل يوم".
قالت سنام: "ومع كل هذه المميزات التي هنا، فالقيد يجعلني أكاد أختنق". قال جاسم: "حياتي اصبري قليلاً، فالمحامي يعمل كل جهده لإخراجك ولو بكفالة حتى نستطيع أن نثبت برأتك". قالت سنام: "حسناً، سأصبر وأتمنى أن تحل القضية بسرعة حتى أخرج من هنا، فلم أعد أحتمل". يقضي جاسم مع سنام وقتاً يتحدثان ويأكلان سوياً، حيث يطعمها جاسم بيديه، حتى تأتي الممرضة وتخبره بانتهاء موعد الزيارة كالعادة. فيقبلها في جبينها وينصرف. بينما
تخرج سنام الدفتر ثم تقرأ: "كان اليوم الذي أعلن فيه والدي زواجي بزوجي جابر أو جاسم كما سمى نفسه هو أصعب شيء على نفسي. يومها أخذت إذناً من مديري المباشر لأني مريضة، فأذن لي لأن جاسم أوصاه عليّ بصفتي قريبة، لذا سمح لي بالذهاب دون أن يناقشني. ثم قلت لسمر أنني سأسبقها للمنزل. حاولت هي الأخرى أن تأخذ إذناً لتصطحبني للبيت، فقد كانت تعرف ما أعانيه لأنها سمعت مثلي كل شيء، ولكن رئيس الطهاره رفض ذهابها لأن ضغط العمل كبير بسبب
الحفل. وأخذت سيارة أجرة وعدت لبيت سمر ككل يوم حتى أنام عندهم. ودخلت المنزل ودموعي على خدي، وعندما رأيت الجدة تجلس في صالة البيت تشاهد التلفاز مع آلاء، مسحت دموعي بسرعة واتجهت نحو غرفتي، ولكنها لاحظت أنني لست بخير، فنادت عليّ لتتكلم معي، ولكني تهربت منها بحجة أن عندي صداع شديد وأنني استأذنت من المدير وجئت قبل سمر لأني أريد النوم. ودخلت غرفتي التي أنام فيها أنا وسمر وأغلقت الباب وأخذت أبكي بحرقة وأنا أضع الوسادة على
فمي حتى لا تسمعني.
قالت الجدة: 'في هذه اللحظة بالذات عرفت معنى اليتم الحقيقي، وعرفت كيف يستغلك من حولك حين تكون وحيداً، حتى من ظننت أنهم كل شيء بالنسبة لك، وعرفت أن أمثالي سيظلمون ولن يجدوا من يدافع عنهم لأنه ليس لهم أحد أساساً'". تنزل دمعتين من
سنام على الدفتر وهي تقول: "غريبة هذه الدنيا، أنا أشفق الآن على حبيبة زوجي وأتهم نفسي لأنني كنت سبب ألمها. ولكن يبدو أنك لست وحدك من تشعرين بالوحدة يا نسرين، فأنا أشعر بالوحدة أيضاً. لأنني لا أملك أسرة تخاف عليّ، فعائلتي الوحيدة كانت أبي وقد توفى قبل الحادث بشهور كما أخبرني جاسم. ولا أتذكر شيئاً من الماضي حتى أستأنس به، وهذا يجعلني في وحدة أصعب من وحدتك يا حبيبة زوجي، فلا حبيب ولا أهل ولا أصدقاء ولا ذكريات".
ثم تسمع صوتاً أمام الباب، فتضع الدفتر تحت الوسادة بسرعة وتمسح عيونها. بينما يفتح الباب ويدخل أنجاد: "أهلاً سنام، كيف حالك؟ قالت سنام: "بخير، تفضل. ولكن كيف أدخلوك وقد انتهى موعد الزيارة؟ لقد أخرجوا جاسم منذ قليل ولم يستطع أن يظل". قال أنجاد: "لقد جئت بصفتي طبيباً وليس زائراً". يجلس أنجاد على أريكة في الغرفة ثم ينظر لسنام قائلاً: "يبدو أنك لست بخير، فعينيك حمراء، هل كنت تبكين؟
قالت سنام: "لا أبداً، لقد نمت قليلاً واستيقظت للتو، لذا عيوني حمراء". قال أنجاد: "لا تحاولي الكذب عليّ، فأنا طبيب نفسي ولست طفلاً. قولي ما بك". قالت سنام: "قبل أن أتكلم، أريد أن أعرف من أكون. أنت طبيبي النفسي وتعرف عني أشياء لا أعرفها عن نفسي بسبب فقداني ذاكرتي، فلو سمحت حدثني عن بعض المعلومات عن حياتي السابقة، ربما أستريح قليلاً". قال أنجاد: "ماذا تودين أن تعرفي؟
قالت سنام: "هل كنت أعرف بوجود نسرين في حياة زوجي جاسم؟ قال أنجاد: "ومن أخبرك بأمر نسرين؟ قالت سنام: "لا تجب عن سؤالي بسؤال آخر، وهيا أخبرني ما تعرفه". قال أنجاد: "نعم، كنت تعرفين، فقد أخبرتني بذلك أثناء إحدى الجلسات، ولكني لم أخبر جاسم بما قلته، فأسرار المريض لا يمكن التحدث عنها". قالت سنام: "وماذا فعلت وقتها؟ قال أنجاد: "لقد خيرت جاسم بينك وبينه أكثر من مرة".
قالت سنام: "وماذا حدث، وهل فعل جاسم شيئاً عندما واجهته بخيانته لي، ومن اختار منا أنا أم نسرين؟ قال أنجاد: "لقد اختارك، بل وطلق نسرين من أجلك. هذا ما قاله لي منذ وقت قريب بعد نجاتك من الحادث". قالت سنام: "وماذا فعلت نسرين وقتها؟ قال أنجاد: "الحقيقة، لقد انهارت وقتها وغادرت المكان دون كلمة واحدة". قالت سنام: "لا أدري أأفرح لأنه اختارني أم أحزن لأنني تسببت في كسر قلب فتاة أخرى".
قال أنجاد: "غريبة، لقد تغيرت بالفعل يا سنام. فما فعلته معها كان شيئاً غير إنساني بالمرة، فقد أخبرتني أنك كنت تطاردينها في كل مكان تعمل فيه حتى يطردوها، حتى تصعبين عليها حياتها وتبتعد تماماً من طريق جاسم للأبد". قالت سنام: "هل كنت سيئة لهذه الدرجة؟ لو أن هذه هي حقيقتي، فأنا لا أريد أن أتذكر الماضي".
قال أنجاد: "سيأتي يوم وتتذكرين كل شيء، وعليك أن تكوني مستعدة نفسياً وتتقبلي ما كنت عليه. فكلنا لدينا حياة لا نرضى عنها بالكامل، ولكن مع ذلك فنحن علينا أن نعتاد على العيش مع الذكريات المؤلمة والسعيدة معاً". قالت سنام: "أتمنى ذلك". قال أنجاد: "هيا، سأتركك الآن. هل تريدين أن أحضر لك شيئاً قبل ذهابي؟ قالت سنام: "شكراً لك أنجاد، فجاسم قد ملأ الغرفة بالأغراض كما ترين ولا يجعلني أحتاج لشيء". يغادر أنجاد ويغلق الباب.
وبعدها بعدة دقائق، تدخل فتاة في زي ممرضة وتضع كمامة تخفي معظم ملامحها، ثم تغلق الباب خلفها وتتجه نحو سنام. وتخرج حقنة من جيبها وتعطيها لها في الكلونة قائلة: "هل تتذكرين من أكون؟ قالت سنام: "الحقيقة لا، فأنا فاقدة للذاكرة، من أنت؟ قالت الفتاة: "أنا نفس الفتاة التي دبرت لي حادثة سير حتى تتخلصي مني بعدما علمت بعلاقتي بزوجك. لقد أعطيتك للتو حقنة ستسبب لك شللاً مؤقتاً في النطق والحركة. أتعرفين لماذا أفعل ذلك؟
لأنني أيضاً سأتخلص منك. وبينما الجميع سيظن أنه حادث مؤلم والمريضة المسكينة توفيت بسبب النار، سأكون أنا سعيدة لأنك سوف تشعرين بالنار وهي تشتعل في جسدك كما سببت لي عاهة مستديمة". تحاول سنام أن تتحدث ولكنها لا تستطيع. تحاول أن تمد أصبعها لتدوس على جرس الإنذار، ولكن يدها لا تتحرك.
قالت الفتاة: "لا تحاولي، لن تستطيعي تحريك جسدك، وحتى أقطع عليك المحاولة، فقد فصلت جهاز الإنذار. بالإضافة أن حارسك الوسيم قدمت له كوباً من الشاي وخدرته، وسوف تشتعل الغرفة ولن يشعر أحد بك يا مسكينة". ثم تنظر سنام فتشاهد الممرضة المجهولة وهي تشعل النار في المكان، وتنتظر حتى تتأجج النار في الغرفة، ثم تبتسم وهي ترفع الكمامة وتخرج. فتحة سنام أن تتحرك أو تنادي على أحد فلا تستطيع.
بينما يشتعل المكان بسرعة وينتشر الدخان في كل مكان.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!