الفصل 10 | من 37 فصل

رواية سطور عانقها القلب الفصل العاشر 10 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
43
كلمة
4,156
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 27%
حجم الخط: 18

فتحت عيناها بصعوبة، وقد أخذ الألم يطرق رأسها. طالعت المكان حولها، فانتابها الخوف وهي تنتفض من فوق الفراش. إنها ليست في منزلها. علقت عيناها بحذائها الملقي جوار الفراش. وعندما التفت بجسدها قليلاً، كانت المرآة قبالتها. فستانها أصبح مجعد، ملامحها ملحوظة بزينتها. ثم اقتربت من المرآة ببطء تفحص حالها بتأكيد بعدما بدأ الذعر يرسم فوق ملامحها. وسؤال واحد يخترق عقلها: فما الذي حدث ليلة أمس؟

عاد ألم رأسها يطرق بقوة، ومعه كانت تتضح لها الصورة المخزية. وشهقة قوية كانت تخرج من شفتيها. تتذكر بعض المقتطفات.. فقد تحرشت برجلاً، بل إنها كادت أن.. وقبل أن تقتحم الحقيقة عقلها.. كانت حدقتاها تتسعان، تضع بيدها فوق شفتيها. "لاااا" هذا الرجل من يكن، وقد بدأت تتضح لها ملامحه شيئاً فشئ. إنه "عامر السيوفي". أغمضت عينيها بقهر، تتذكر وهي تقبله بل وتخبره بألفاظ لم تخرج من شفتيها يوماً، بل لا تخرج إلا من فتيات الليل.

فركت وجهها بقوة، وتراجعت نحو الفراش تتهاوي عليها. فلا لم يعد لديها قدرة لتنظر نحو حالها في المرآة. طرقات خافتة كانت تُخرجها من شرودها، وتلك الذكرى السيئة التي ستظل في ذهنها. دلفت الخادمة بعدما لم تجد رداً. فكما أخبرها سيدها، إذا لم تحصل على الإجابة.. فتدلف وترى الضيفة حتى تطمئن عليها. والضيفة لم تكن مجهولة بالنسبة إليهم. لقد أتت مرتين لهنا من قبل للسيد الصغير. "عامر بيه مستني حضرتك على الفطار يا هانم."

طالعتها فريدة، بعدما رفعت وجهها عن كفيها. "محتاجة مني حاجة ياهانم؟ وعندما لم تحصل إجابة منها، كانت الخادمة تنصرف لأسفل وعقلها يتنقل هنا وهناك.. غير مصدقة أن يكون السيد الكبير.. أنخرط في علاقة معها. صعد "عامر" الدرج بعدما استمع لما تخبره به الخادمة. وقف أمام الغرفة التي وضعها بها ليلة أمس. ولا يعلم لما لا تذهب صورتها عن عقله. يلوم حالها، إنه بالفعل كان سيضعف معها لولا اقتراب تلك السيارة منهم.

نفض ما يقتحم رأسه، وزفر أنفاسه حتى عاد الجمود يرسم فوق ملامحه. وبرفق كان يطرق الباب هاتفاً باسمها. "فريدة." انتفضت "فريدة" من فوق الفراش الذي جلست عليه، وقد أصابتها الصدمة. وعندما علقت عيناها به.. سقطت دموعها. "أنا مش عارفة عملت كده إزاي." أخفت وجهها عنه من شدة خزيها، ثم تعالت شهقاتها وهي لا تصدق إنها فعلت هكذا ومع من. رجلاً شريك والدها.. رجلاً تحترمه وتقدره ولا تراه إلا في صورة الشقيق.. رجلاً شقيق لمن عشقت.

"مكنتش في وعي، صدقني مكنتش في وعي." "فريدة ممكن تهدي، أنا متأكد إنك مكنتيش في وعي." بصعوبة كانت تهتف، بعدما طرقت رأسها أرضاً حتى تبتعد عن نظراته. ويتذكر ما فعلته وتسقط من عينيه. "أنا مشربتش غير عصير في الحفلة." وعند هذه العبارة.. كانت تتسع حدقتاها وهي تتذكر إصرار النادل عليها.. ألا ترتشف من هذا العصير. "أيوة العصير." رمقها مستفهماً، وقد ضاقت عيناه ينتظر سماعها. ولكنها وجدها تهوي فوق الفراش وتدفن رأسها بين كفيها.

"مالها العصير يا فريدة، احكيلي اللي فكراه." وبضعف كانت ترفع عيناها إليه. فهي لا تريد إلا أن تمحي تلك الليلة من ذهنها. لقد كانت في أحضانه.. تدفعه ليسقط في شرك الخطيئة. وبصعوبة كانت تسرد عليه.. ما حدث مع النادل وكأس العصير الذي كان من المفترض أن يكون لشخص آخر. "أهدي يا فريدة، أهدي عشان نفكر هنقول إيه لوالدك." عادت تنتفض من مكانها بوهن، فقد تذكرت أمر والدها. "بابا، ارجوك بلاش تقوله حاجة."

انسابت دموعها مجدداً وقد خارت قواها. فقد ضاعت صورتها أيضاً أمام والدها. وعندما تعلقت عيناها بعينين الواقف.. هتفت برجاء. "أرجوك، خليه سر بينا، وعمري ما هنساه ليك الجميل ده أبداً." "مين قالك إن محسن باشا عرف حاجة، أنا بفترض." وتنهد بأرهاق، فلم تغفل جفونه ليلة أمس. بعد ما حدث. "عموماً أنا بلغت كريمة بوجودك في بيتي، لكن من غير أسباب..، وأظن إن كريمة هانم ست متفهمه وحكيمة."

رمقته بقلة حيلة، وقبل أن تتحرك نحو المرحاض.. حتى تمسح زينتها وترتب من ثيابها لترحل. ولكن كان صوت والدها يعلو بالأسفل باسمها. "فريدة." وقد حدث ما كانت تخشاه. احتدت عينين "السيد محسن" وهو يرى ابنته تتبع "عامر" بتلك الهيئة. هيئة لا توحي إلا شيئاً واحداً. "بنتي بتعمل إيه هنا، يا عامر بيه." توترت "فريدة" تنظر نحو "عامر" الذي طمئنها بنظراته. "وده سؤال برضوه يا محسن بيه، سؤالك بيوحي إنك مش مطمن على بنتك في بيتي."

راوغ "عامر" قليلاً. فتنهد "محسن" بضجر. "أنت عارف إن واثق فيك يا عامر، لكن قولي السبب اللي يخليها هنا معاك وأنت راجل عازب." وقبل أن يتخذ "عامر" أي ردة فعل.. ألقى "محسن" نحوه الجريدة. "شايف سمعة بنتي بقت بسببكم إيه؟ واردف متهكماً، وهو يرمق ابنته التي لأول مرة تقف أمامه دون أن تُدافع عن نفسها. "الأخ الصغير، والأخ الكبير.. أيهما سينال وريثة محسن الصواف."

امتقعت ملامح "عامر" وهو يُلقي الجريدة أرضاً، وقد أسرعت "فريدة" في التقاطها حتى ترى ما دون عنها. "اللي نشر الكلام السخيف ده لازم يتعاقب..، مش تيجي تتهمني يا محسن بيه."

طالعت "فريدة" الخبر، تنظر في عينين والدها. أنتابها شعور أن والدها هو الفاعل. والدها يسعى لتزويجها من "عامر السيوفي" منذ أول شراكة بينهم. وها هو يفعل فعلته. وبالتأكيد كان على علم بالصورة التي التقطت لها أمس مع عامر وهو يحيط خصرها حتى تستطيع الوقوف على قدميها بسبب ما وضع في المشروب الذي تناولته. "الإجابة، لسا مأخدتش منك يا عامر..، بنتي هنا بتعمل إيه في بيتك بعد ما كنتوا في الحفلة سوا."

وبنظرة طويلة، كان يفهم ذلك الواقف أمامه. "محسن الصواف" يلعبها معه. "الأجابة عند فريده..، لكن لو شاكك في بنتك وشاكك فيا..، فببساطة أختار أنت الحلو." هنا لم تتحمل "فريدة" رؤية حالها هكذا. والدها يريد سماع كلمة واحدة.. كلمة تعلم أن إذا نطقها "عامر" سيكون من أجل إنقاذها. ولن تفرض نفسها في حياة رجل مرة أخرى.

وبصعوبة كانت تخبر والدها بما حدث في الحفل. ولكنها لم تخبره بما حاولت فعله. أشفق عليها "عامر" وهو يراها تتهرب بعينيها عن والدها. ولم يكن محسن بالغبي حتى يظن أن الأمر انتهى بجلبها لبيته دون أن يحدث شئ، وتكون حالة ابنته هكذا. "معنديش مشكلة، نتجوز أنا وفريده يا محسن يا باشا." وهنا كانت تلمع عينين "محسن" من فرط السعادة. فهذا ما كان يطمح إليه. تجمدت ملامح "فريدة" تهتف برفض. "لا."

تقدمت من السيد فتحي تعطيه قطعة من الكعك الذي صنعته. طالع العلبة التي تضعها أمامه متسائلاً بعدما أغلق الدفتر الذي أمامه. "عاملة حسابي في كل ده يا صفا." نفت "صفا" برأسها سريعاً، فهي تعرض عليه قطعة واحدة. "مش عارف أقولك إيه يا صفا، إنتِ حقيقي موظفة مخلصة." أسرعت في إبعاد العلبة عندما رأته يصر على أخذ العلبة بأكملها. "يا أستاذ، ما أنا هزيت راسي وجاوبتك، بلا.. يعني العلبه مش كلها ليك."

لم يعبأ السيد فتحي بحديثها، فالتقط العلبة منها. بعدما وقفت مصعوقة من فعلته. "وأنا مش هزعل منك يا صفا، هاخد كل القطع وأسيبلك قطعة واحدة على قدك." وبالفعل، تم ما أراده. وقد عادت لمكتبها الصغير تنظر للقطعة الصغيرة التي أعطاها له، وأخذ باقي القطع يلتهمهم بجوع. "طلعة شاطرة زي عمتك، نفسكم حلو."

تمتم بها، بعدما مسح فوق شفتيه وهو يرمق القطعة الأخيرة التي أمامها ولم تمسها. وعندما رأت نظراتها نحوها.. التهمت القطعة سريعاً، تهتف بخفوت. "أنا عرفت ليه محدش بيكمل معاك في الشغل... وأخذت تندب حظها. "آه يا حظك يا صفا..، حظي اشتغل مع فتحي اللي مش راحم طبق." "بتقولي حاجة يا صفا." "بقول سلامتك يا أستاذ فتحي..، أصلك كنت بتكح." شكلك مش مسامحة في الكيكه يا صفا. رمقها مبتسماً بسماجة قد تعلمتها منه، كما أصبحت تخبرها "جنه".

"أنا أعمل كده يا أستاذ فتحي، ده أنت خيرك عليا." اتسعت ابتسامة "فتحي"، يُداعب شاربه. "يا صفا يا بنتي... وقبل أن يتم عبارته ويخبرها عن مدى كرمه وفضله على الجميع، أسرعت هاتفه. "كله لوجه الله يا أستاذ فتحي." "آه والله، الواحد مش عايز من الدنيا ديه غير الستر والصحة وحب الناس." "والفلوس والأكل والستات، ولا إيه يا أستاذ فتحي." "في إيه يا أستاذة صفا، أنتي جاية تهزري..، ولا عايزاني أخصم منك."

أسرعت تنكب فوق الدفاتر، فلا تحتاج للخصم آخر من راتبها. مر الوقت وقد ضجر "فتحي" من الصمت. أخذ يسألها عن تفاصيل حياتها، وهل لوالدتها أهل، وأين هم باقية عائلته. "معنديش غير عمتي بس يا أستاذ فتحي." استمرت أسئلته، ولم يلاحظ ذبول عينيها عندما ذكرها بفقدها لهم. كادت أن تبكي ولولا ظهور صاحب العينين الزرقاء في مخيلتها ما كانت تجاوزت حالتها. "هو أنت تقرب لصاحب المزرعة فعلاً يا أستاذ فتحي؟

تمكنت من تجاوز الحديث عن حياتها، وقد تركت "فتحي" يحكي لها عن القرابة العظيمة التي يفتخر بها. ويا لسعادة فتحي وهو يخلق بعض القصص التي لا وجود منها. وصفا تطالعها بانبهار وتصدقه رغماً عنها. أرادت أن تعرف كثير التفاصيل، عن صاحب الأعين الزرقاء ولكنها خشيت أن يُفسر سؤالها بشيء خاطئ. ولكن ها هي لديها معلومتين مؤكدتين عنه: "مهندس، وأعزب".

طالعت السيدة كريمة، شقيقها الذي تعلى صراخه على صغيرته لأول مرة. لم تفهم سبب صراخه في البداية ولكن ما جمدها في وقفتها وادهشها، أن "عامر السيوفي" أراد الزواج من "فريدة". "عقليها يا كريمة، لأنها شكلك اتجننت خلاص." صرخة بها وهو يغادر غرفتها، فاجهشت فريدة في بكاء مرير. "كده يا عمتو تقوليله، إن في بيته وانتي عارفه إنه بيدور على أي فرصة عشان يجوزني ليه."

"والله يا بنتي غصب عنه، وخصوصاً موضوع الجريدة خلاني اضطر أقوله..، غير قلقي عليكي وأنا مش فاهمة سبب وجودك عندك في بيته." دفنت "فريدة" رأسها بين ساقيها. فمدت "السيدة كريمة" يدها نحو خصلاتها تمسح فوقهم برفق. "هو موضوع العصير ده صح يا فريدة؟ رفعت عيناها نحو عمتها، مصدومة من سؤالها. فكيف لها أن تشك بها وهي من ربتها. "أنتِ بتشكي فيا يا عمتو؟ "لا يا حبيبتي، أنا عارفة أنك مبتكذبيش." واردفت بعدما طالعت نظراتها الواهنة.

"الحكاية مش كاملة يا فريدة، أكيد في سبب خلي عامر السيوفي يعرض الجواز بسهولة كده على محسن، ويديكي فرصة تفكري." انتظرت "السيدة كريمة" أن تسمع ردها وعندما طال صمتها.. أصابها الشك أكثر. وهي تنفي برأسها غير مصدقة. "حصل بينكم علاقة؟ لجمت الصدمة لسانها، تنظر لعمتها وقد تعلى الشحوب فوق ملامحه. "كان ممكن يحصل وأضيع..، لو مكنش هو موجود." فتعالت شهقة "كريمة"، وقبل أن تستفهم عن شيء.. كانت تخبرها بما تريده.

"طيب ليه رافضة تتجوزي، يا فريدة..، اللي انتي بتقوليه إن عامر كان ممكن يتجاوب معاك." نفضت رأسها، بعدما نهضت من فوق فراشها. "أي راجل بيحصل معاه كده..، كان ممكن يتجاوب ويستمر كمان." وأخذت تطرق فوق رأسها، مما جعل "كريمة" تنهض من فوق الفراش. تلتقطها نحوها وتضمها إليها. "ارجوكي كفاية يا عمتو، أقف جانبي..، أنا كنت بحب اخوه ومازلت بحبه..، ليه عايزني أكون ضحية."

شعرت "كريمة" بالندم من حالها، وتجمدت ملامحها وهي تستمع لعبارة صغيرتها عن فعلة والدها. "محسن بيه هو اللي ورا الصورة والمكتوب في الجريدة..، شوفتي عايز يوصلني لأيه." ضمتها "كريمة" إليها، وقد بدأت الصورة تتضح أمامها. "تجاوزي اللي حصل يا فريدة، ومن كلامك عن شهامة عامر السيوفي..، هيقف معاكي في أي قرار." جلست "فريدة" قبالته في المطعم الذي اتفقت معه.. أن تقابله فيه. أطرقت رأسها هاربة من نظراته.

"فريدة لازم تنسى الحكاية، زي ما أنا نسيتها." "مش قادرة، مش قادرة افتكر إني.." قطع حديثها، فلن تتجاوز هذه الليلة إذا ظلت هكذا. "خلينا نتكلم في الموضوع اللي متقابلين عشانه يا فريدة." استطاع أن يجذبها نحو الحديث الذي التقوا من أجله، فرفعت عيناها نحوه. "أنا مش موافقة على فكرة الجواز." وبهدوء كان يسترخي فوق مقعده، يسألها عن السبب. "ممكن أعرف السبب؟ تسأل ببرود، مما أعاد إليها شخصيتها مجدداً.

"سبب إيه، هو إحنا بينا قصة حب..، ما حضرتك عارف السبب." فرجت شفتيه في ابتسامة واسعة. فقد عادت فريدة التي يعرفها. وعندما رأت ابتسامته وفهمت هدفه من إثارة حنقها. "شكراً على اللي عملته معايا، لو واحد غيرك "فريدة، قولنا ننسى خلاص." أومأت له برأسها، فيجب أن تنسى وتتجاوز هذه الليلة. وبهدوء كان يتسأل ثانية. "رفضك بسبب أحمد مش كده؟ عادت تُحرك له رأسها، وبنبرة خافتة كانت تُجيبه.

"أنا حبيبت أحمد، قولي ازاي أكون مراتك وأنا كنت برسم أحلامي معاه." ابتسم "عامر" وقد ازداد تقديره لها. لقد خسرها شقيقه بالفعل. "أحمد كان هيكون محظوظ لو اتجوزتوا يا فريدة..، لكن للأسف هو عايز يعيش في الماضي." طالعته متفهمة، فلن تركض خلف سراب الحب مجدداً. "أنت عارف إن بابا، ليه يد في نشر المقال في الجريدة." فاجأه من معرفته بالأمر، وما زاده دهشة وهو يخبرها عن معرفته بنية والدها منذ البداية. "أنت كنت عارف."

ابتسم وهو يري صدمتها في معرفته لكل شيء يدور حوله. "محسن بيه للأسف نسي، إني عامر السيوفي يا فريدة." واردف وهو يطالعها باهتمام. "رأيك الأخير يا فريدة." والجواب كان يحصل عليه مرة أخرى، وهو الرفض الذي أراحه. دارت بعينيها في المكان، تبحث عنه في المطعم الذي اعتاد المجيء إليه منذ أن أتى لأمريكا. لقد أصبحت جميع معلوماته لديها. وما عليها إلا التقرب منه حتى تنال هدفها.

وجدته يدلف للمطعم يتجه نحو طاولته التي اعتاد الجلوس عليها، بعدما خلع معطفه الصوفي. ليلتقطه منه الشخص المخصص لهذا العمل. طلب وجبة إفطاره الخفيفة من كعكة وقهوة برائحة البندق، وجلس مرتخي الجسد يُطالع المعالم الخارجية للمكان. طالعته بنظرات طويلة، ولو لمح نظراته نحوها لأعتقد إنها معجبة به، لكنه كان لا يهتم بمطالعة أحد. جلب له النادل فطوره، ومعه الجريدة كما اعتاد. فقد أصبح زبون هنا.

الدقائق كانت تمر، وهي كانت تجلس تُطالعه لا أكثر. وقد اقترب موعد انصرافه ولم تتقرب منه بعد. التقطت أنفاسها ببطء. تُخبر حالها إنها في مهمة ويجب عليها تنفيذها. استجمعت شجاعته ونهضت عن مقعدها، بعدما طالعت هيئتها في مرآتها خاصة. جذبت تنورتها القصيرة بعض الشيء، وبخطى هادئة. أخذت تقترب منه بثقة. فمن يقاوم أمرأة مثلها.

وقفت قبالته بقوامها المتناسق الممشوق، تبتسم إليه. وقد كان يرتشف من فنجان قهوته ويقرأ أحداث العالم من خلال الجريدة. وبخطوة مدروسة أتقنتها كانت تمد له يدها هاتفة. "ازيك يابشمهندس." رمقها "أحمد" بتمهل شديد، بعدما ترك فنجان قهوته. ترقبت ردة فعله من نظرته ولكنها لم تحصل على أي ترحيب منه. تجاوزت الأمر، وجلست فوق المقعد، تسب أهدابها تنظر إليه بخجل ونعومة.

"اكيد حضرتك مش عارفني، انا أميرة مهندسة منتدبة من شركة الامارات العربية للشركة المعمارية الامريكية هنا، اللي حضرتك مساهم فيها بأسهم وتصميمات." وسمحت لعينيها هذه المرة تتعلق به بثقة. "بجد أهنيك على علي نجاحك وبارعتك يا بشمهندس." لانت ملامحه عندما علم بهويتها، فابتسم بدوره. "أهلاً يابشمهندسة." رحب بها برسمية لم تخفِ عنها. فادركت أن مهمتها لن تكون سهلة مع رجل مثله. وبجرأة أصبحت من صفاتها، وعدم صدمة طلبها.

"ممكن آخد فطاري معاك..، حبة أدردش معاك شوية ولا هاخد من وقتك." وقبل أن تستمع لحديثه، أعقبت حديثها بدعابة. "جلسة عملية بحتة متقلقش يا بشمهندس." ورغم عنه كان يضحك على حديثها، أومأ له برأسه. فلن يستطيع إحراجها. "قدامي عشر دقايق بس، أنتي عارفة المواعيد هنا بالدقة." "أكيد يا بشمهندس." وقد بدأت أول خطواتها مع رجلاً مثل "أحمد السيوفي" صيدها القادم وشقيق "عامر السيوفي". ذلك الرجل الذي دهسها أسفل قدميه.

لقد صار العمل على قدم وساق، فالسيد الكبير في عطلة هنا لبضعة أيام. تنهدت بارهاق بعدما وقت الراحة خاصتها. دلكت جبينها ثم فركت عيونها ونهضت تتمطأ بذراعيها قليلاً فالغرفة خالية بها. "فالسيد فتحي" أصبح ملازم للسيد الكبير حتى يريه إخلاصه وتفانيه في العمل. ارتسمت السخرية فرق محياها، فهذا ما يحدث له عندما تتذكر "السيد فتحي". جاء وقت انصرافها أخيراً. وكان اليوم أبكر بساعتين. فهذا الشهر يتم فيه الجرد وليس به أعمال كثيرة.

قررت أن تسير داخل المزرعة وتخرج من البوابة الأخرى. ورغم إنها اتخذت الطريق الطويل إليها حتى تعود للمنزل.. إلا إنها أرادت السير قليلاً وتأمل الأشجار التي تُحيط المزرعة. استمعت لصهيل فرس يمر جوارها، وقد انكمشت على حالها حتى تجاوزته. ولكن سرعان ما انتبهت أن الذي مر من جوارها ما هو إلا مالك المكان، السيد عامر الذي سمعت عنه.

التفت خلفها. ولكنها لم تر إلا الغبار الذي خلفه خلفها. أكملت خطواتها مستمتعة برائحة الفواكه وقد انعشتها نسمات الهواء التي أخذت تداعب خديها. توقفت في مكانها وهي سيدتين يتحركان نحو الطريق الذي ستغادر منه. ومن هيئة إحداهن كانت تعلم إنها السيدة الكبيرة التي يتحدثون عنها. غرزت قدم المرافقة في الطين ولم تكن منتبهة، فوقفت السيدة العجوز بعصاها. "قولتلك يا هانم خلينا نمشي من الطريق التاني."

تمتمت المرافقة حانقة، وقد اختفى الارتياح من فوق ملامح "ناهد". تقدمت "صفا" منها وقد كانت تشاهد الأمر من بعيد. تمد للمرافقة كفها تُصافحها. "أنا شغالة هنا في المزرعة، خليني أساعدكم..، زي ما إنتِ شايفة في طين المكان." طالعت السيدة الجميلة، تنظر لعينيها بانبهار حقيقي. "حضرتك أكيد كنتي ملكة جمال في شبابك." وأسرعت في تكملة عبارتها، بعدما رأت تلك الابتسامة التي ارتسمت فوق شفتيها. "ومازلتي، جميلة."

أطرب "ناهد" حديثها، وشعرت بالأرتياح لتلك الغريبة التي تستمع لصوتها متسائلة. "اسمك إيه." "صفا." "نرجع يا هانم." هتفت بها المرافقة بعدما شعرت بالضيق من وقفتها في الطين هكذا، وقد اتسخت ملابسها. "ارجعي إنتِ، صفا هتاخدني تفرجني على المكان." اتسعت حدقتي "صفا" ذهولاً من طلبها. ولكن سرعان ما حركت رأسها بحماقة. وكأن السيدة الكبيرة تراها. "مش كده يا صفا، ولا عندك شغل." "عامر بيه، مفهمني مسيبش حضرتك يا هانم."

ولكن "ناهد" انتظرت سماع عبارة الواقفة. "من عنيا." وببساطة كانت تجيبها، ابتعدت المرافقة. بعدما احتلت "صفا" مكانها وقد ابتسمت "ناهد" وهي تستمع لصوت المرافقة المتذمر. أتبعتهم المرافقة غاضبة، ولو غصب السيد عامر، لكانت عادت لبيت المزرعة. طالت الجولة، وقد ضجرت التي تسير خلفهم. ولكن "ناهد" كانت مستمتعة رغم تعب ساقيها. ولكن فجأة توقفت عن السير تلتقط أنفاسها. فأسرعت المرافقة إليه تدفع "صفا" عنها.

"مش قولتلك يا هانم نرجع، آه ميعاد الدوا جه وإحنا لسا برة المزرعة." "طيب فين علاجها، بدل ما بتتكلمي اديهولها." حدقت بها المرافقة بملامح ممتعضة، وتجاهلتها تبحث في هاتفها عن حتى تهاتف رب عملها لتخبره عما حدث. رمقتها "صفا" بغضب ولكن سرعان ما كان يتملكها الخوف وهي ترى وتيرة أنفاسها ترتفع وتلتقط أنفاسها بصعوبة. انتبهت على صوت المرافقة وهي تُحادث الطرف الآخر بخوف وتعلم ما ينتظرها حين العودة.

"حاولي تاخدي نفسك براحتك يا هانم." وعندما انتبهت على وجود "صفا" هتفت بضيق. "إنتِ لسا واقفة هنا، البيه لو جه وشافك فيها طردك." امتقعت ملامح "صفا" وتجاهلتها، فقلقها كان منصب نحو السيدة الجميلة التي ذكرتها بوالدتها. "هطمن عليها وأمشي." "يبقى خليكي واقفة، لأن البيه لازم يعرف إنك السبب."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...