وهل تتوانى المرافقة في عملها، بالطبع لا. السيد الكبير قد جاء هو بذاته، ملامحه كانت قاتمة، وعيناه رصدتها بنظرات سريعة. فتركت "صفا" ذراع السيدة الكبيرة وتراجعت خوفاً من نظراته صوبها. وبعبارات سريعة، وهو يسند والدته، بعدما أعطاها حبة الدواء سريعاً، كانت المرافقة تسرد عليه ما حدث، وإصرار السيدة الكبيرة على اصطحاب هذه الفتاة معهم. توترت صفا، وهي ترى نظرات "عامر" تعود إليها.
وبهمس خافت بسبب ربكتها، كانت تهتف عبارتها وتسرع في خطواتها مغادرة. -الحمدلله إني اطمنت عليكي يا ناهد هانم، مضطرة أمشي لأني اتأخرت. تحركت بضعة خطوات، ولكن تجمدت في خطوتها وهي تستمع لصوته الذي صدح خلفها. وقد اتسعت ابتسامة المرافقة، فالسيد سيصب غضبه أخيراً عليها، وليست هي، بعدما خشيت من صمته. -اسمك إيه؟ شعرت بالحزن لفقدها وظيفتها، ولكن شجعت نفسها والتفت نحوه بقوة. فهل سيطردها لأنها اقتربت من والدته؟
وما دام سيتخذ قراراً ظالماً من رجل متعجرف مثله، فلتنال شرف القوة أمامه. -صفا. -سيبها يا عامر، البنت هتتأخر على أهلها، أنا اللي طلبت منها ترافقني. خرج صوت "السيدة ناهد" بعدما هدأت وتيرة أنفاسها واستطاعت أن تتحدث. لم تدع له "صفا" مجالاً لحديث آخر، وسارت من أمامه. فقد فعلت ما أرادته مع هذه السيدة، وقد فرحت لسعادتها وهي ترافقها. سارت أمامه دون أن تنتظره أن يهتف بشيء آخر. وضع والدته داخل السيارة وجلست جوارها المرافقة.
وانطلق بعدها عائداً لداخل المزرعة. ولكن وقوع عينيه عليها وهي تسير بالطريق بخيلاء، جعل عينيه تحتد. فهو لن يمرر لها تجاهلها، فما دام عاملاً لديه سيعرف كيف يعلمها أن تنتظر سماع حديثه حتى يصرفها هو. وقعت عيناها على عمتها وقد خرجت للتو من باب المنزل تضع فوق خصلاتها حجابها بعجالة، بعدما شعرت بالخوف عليها. أسرعت نحوها "صفا"، فتنفست عمتها براحة تضمها إليها. -إيه اللي آخرك يا صفا، ده أنتي خارجة من المزرعة بدري النهاردة.
عمك صابر خرج يدور عليكي. وبأنفاس متقطعة، وبصوت حزين. -أنتِ أمانة أخويا يا بنتي. تلمعت الدموع في عينين "صافية"، فتمالكت "صفا" دموعها حتى لا تذرف الدموع أمامها وتبكي معها. -أنا كويسة يا عمتي، خلينا بس نكلم عمي صابر ونقوله إني رجعت. دلفِت مع عمتها، فاسرعت "جنه" نحوها بلهفة بعدما خرجت من المطبخ الصغير. -صفا، كنتي فين؟ والسؤال كان يتكرر لها من العم صابر، ولم يكن عليها إلا أن تخبرهم بما حدث على طاولة طعامهم الصغيرة.
-ربنا يستر يا بنتي، والبيه ما ياخدش الموضوع من ناحية تانية. وأردفت "صافية" بقلق. -أنا بسمع إنه راجل صعب قوي، وقلبه قاسي. -أنتِ هتخوفي البنت يا صافيه. وبحنو أبوي، كان يطالعها "العم صابر". -متخافيش يا صفا، أنتِ ساعدتي ست كبيرة، حبيتي تتمشى معاها عشان تفرحيها. وهنا كان يخرج صوت "جنه" التي تركت باقية الحديث ولم تركز إلا في ربط الأمور ببعضها. -على كده حلو زي أخوه يا صفا، أبو عيون زرق، ولا راجل عجوز.
اتسعت حدقتا "صفا" من غباء ابنة عمتها، ولكن سرعان ما كانت تتلاشى صدمتها، تنظر لها بشماتة، بعدما لطمتها عمتها بحذائها هاتفة. -بنت قليلة الأدب. ذهبت "صفا" لعملها بملامح سعيدة، وقد تناست ما حدث ليلة أمس. فقد رأت والديها في حلم جميل، يبتسموا لها يخبروها أنهم معها ولم يتركوها. صحيح استيقظت في الصباح تبحث عنهم وقد سقطت دموعها، ولكن عمتها أخبرتها إنهم مرتاحون في قبرهم ولا يريدون إلا سعادتها. -كل ده تأخير يا صفا.
طالع "السيد فتحي" الذي وقف في الغرفة يدور بها يُحادث نفسه، فعن أي تأخير يتحدث وهي لم تتأخر سوى خمس دقائق. -معلش يا أستاذ فتحي، دول خمس دقايق بس. -انتِ هتفضلي ترغي معايا، نضفي بسرعة المكتب، البيه بيمر في المزرعة. دفع إليها قطعة القماش والمكنسة، وانصرف بعدها. وقفت تنظر لما دفعه إليها، وقد ضاقت عيناها، ولكن سرعان ما كانت تُخبر حالها بالصبر، فلن تجد وظيفة في البلدة إذا أضاعت وظيفته.
بدأت في تنظيف المكتب ولكن بلكاعة عناداً لهذا الرجل، ولكن توقفت مكانها مفزوعة وهي تستمع لصوت "فتحي" يُرحب بالسيد الكبير. -اتفضل يا عامر بيه. وعامر لم يكن هدفه إلا ليرى هذه الفتاة. وجدها واقفة جوار مكتب "فتحي" تنظفه. -ابعدي كده يا صفا، خلي البيه يقعد في مكانه. واندفع نحو المقعد، ينظفه له. فاقترب عامر من المقعد بعدما رمق الواقفة، ومن نظرته لها فهمت ما أراد إيصاله لها، ولكنها لم تعبأ بنظراته. -اعملي قهوة للبيه يا صفا.
-مبعرفش أعمل قهوة يا أستاذ فتحي. فاتسعت عينا "فتحي" ذعراً، بعدما سمع عبارتها. -قهوة سادة يا فتحي، أكيد عارف قهوتي. التف "فتحي" نحو "عامر" بعدما رمق صفا بنظرة قوية وصرفها برأسه. -يلا يا صفا، اعملي قهوة للبيه. كرر "فتحي" عبارته، متجاهلاً ردها، وأقسم داخله، إذا تحدثت بشيء آخر سيطردها. ابتعدت تعد القهوة، ومن نظرات "عامر" إليه، توتر فتحي واقترب منه يُخبره عنها.
أعطاه "فتحي" تفاصيل حياتها، وقد كانت تستمع لحديثه دون أن تهتم، ولكن عندما ذكر حادثة والديها وأنها فتاة يتيمة، أشفق عليها. كانت معالم الحزن ترتسم فوق ملامحها، فالتفت بجسدها نحوهم، لتتعلق عيناها بعيني هذا الرجل الذي جلس يترصدها. توقف "محسن" جوار غرفة ابنته، يستمع إليها مع شقيقته، وهي تعد حقيبتها من أجل الذهاب لفرع شركة الآخر بمدينة الإسكندرية. -كده يا فريدة، عايزة تبعدي. -يا عمتو، ديه إسكندرية، يعني مش مكان بعيد.
واقتربت منها تمازحها. -ما أنا كنت بدرس بره، واتعودتوا على عدم وجودي. -بس بقيت متعلقة بيكي يا حبيبتي، ومبقتش أقدر أتخيل البيت من غيرك. تأثر "محسن" من الحديث الذي يسمعه، فقد أضاق الدائرة حول ابنته، بعدما رفضت أن تتزوج "عامر السيوفي"، ولم يكن الحل أمامها إلا أن تبتعد عنه. أراد أن يتراجع ويترك لها الحرية، فليس لديه إلا هي. -متزعليش من محسن يا حبيبتي، هو يمكن تفكيره غلط، ومش قادر يفهم إنك كنتي بتحبي أحمد.
-هو اللي أجبرني يا عمتو. تحدثت بها "فريدة" بعدما أغلقت حقيبتها ووضعتها جانباً، وأردفت بملامح حزينة. -أتزوج إزاي واحد كنت بحب أخوه. -صحيح عامر كبير عنك يا فريدة، وشكله من بره يوحي إنه راجل صعب، بس حقيقي يا بنتي أنا احترمته، بعد اللي عمله معاكي. انتبهت حواس "محسن" بعدما تحرك من مكانه، ولكنه توقف يستمع لباقية الحديث. طالعت عمتها، ولم يكن شعورها هي الأخرى مختلف نحو هذا الرجل.
-أنا كمان احترمته، كفاية إنه مشوهش صورتي ولا استغل اللي حصل وفضحني قدام بابا، بعد كلامه السخيف. وأردفت بملامح مستاءة، كارهة لما فعلته. -أنا مش قادرة أتخيل إني كان مهم يحصل علاقة بينا، لولا إنه كان متأكد إني في حالة غريبة. اتسعت عينا "محسن" لا يستوعب ما يسمعه. هل كانت ستحدث علاقة بين ابنته وعامر السيوفي؟ -أنتِ بتقولي إيه؟ تجمدت ملامح "فريدة" و "كريمة" التي تجمدت عيناها هي الأخرى نحو شقيقها الذي دلف الغرفة.
وعلى ما يبدو إنه استمع لحديثهم. -بابا، أنت مش فاهم حاجة. وهنا كان يصرخ بها محسن. -جوازك من عامر السيوفي هيتم يا فريدة. انتفضت "صفا" من مكانها بخوف، بعدما جاء أحد العمال يُخبرها عن سقوط زوج عمتها بالأرض وعمتها منهارة لا تقوى على الحركة. تركت كل شيء واندفعت مع العامل في إحدى السيارات الخاصة بنقل صناديق الفاكهة. هرولت راكضة بعدما هبطت من السيارة ودموعها تغرق خديها، فلم تعد تتحمل فكرة الفقد والفراق ثانية.
وجدت الجميع متجمع حول جسد زوج عمتها الواهن، وعمتها تجلس جواره باكية. وقعت عينا الواقف بشموخه عليها، وهي تجثو فوق ركبتيها تخبر زوج عمتها. -هتكون كويس، متسبنيش أنت كمان. ابتسم نحوها صابر يُحاول التقاط أنفاسه. -متخافيش يا بنتي. -فين عربية الإسعاف يا فتحي؟ ويفتحى يقترب منه خائفًا. -على وصول يا عامر بيه. كان يوم عصيب عليهم، يوم أنهكهم من شدة البكاء والخوف.
تركت "السيدة صافية" زوجها يرتاح فوق فراشه، وخرجت من الغرفة متجهة نحو غرفة الفتيات. فوجدتهم يجلسون بملامح باهتة حزينة. -محضرتوش لينا العشا يا بنات. انتبهت "جنه" على صوت والدتها، واطرقت رأسها حزناً. -مين ليه نفس يا ماما. فطافت من عيني "صافية" دمعة حاولت إخفاءها، ولكن دموعها أخذت تنساب فوق خديها. أجهشوا ثلاثتهم في بكاء مرير. -خوفت على أبوكي النهاردة، كنا هنعمل إيه لو راح مننا يا بنتي.
تعالت شهقات "جنه"، أما صفا ابتعدت عنهم، تختلي بنفسها، فقد اقتحم ذلك اليوم عقلها رغم اقترب عام على وفاتهم. -الدكتور بيقول، لو الموضوع اتكرر تاني... بابا هيحتاج عملية ضروري. طالعتها "صافيه" وقد علمت معنى العجز اليوم، تفرد يديها فوق فخذيها. -كنا هنجيب فلوس منين يا بنتي، ربك رحيم بينا. قد عاد الأسد لعرينه ثانية، هكذا كان يتحدث موظفوه وهو يدلف من باب الشركة، يسير بخيلاء وبقوة تحت نظرات كل من يراه.
دلف سكرتيرته خلفه، تهتف بترحيب، واقتربت منه تضع الملفات فوق سطح مكتبه. -محتاجين توقيعك يا فندم. وقبل أن ينظر بهم، كان "محسن" يدلف لغرفته. ومن نظرة عينيه، كان يفهم سبب حضوره اليوم. أصرف سكرتيرته بنظرة من عينيه، فغادرت على الفور وأغلقت الباب خلفها. -تليفوناتك مقفولة، الظاهر مكنتش عايز حاجة تزعجك في إجازتك. تمتم "محسن" حديثه وعلى وجهه علامات الضيق، فنهض عامر عن مقعده، واقترب منه يرمقه بجمود. -خير يا محسن بيه.
ومحسن يهتف بغضب، وقد اقترب منه هو الآخر. -مش عيب يا باشا، أعرف الحقيقة كاملة من دردشة ستات. هل ستأتي عروس السيد الكبير اليوم؟ الكل كان يتحدث أمامها، ولكن "ناهد" لم تكن تهتم بالأمر، فزواج عامر خاصة بتلك الطريقة، وراءه شيء خفي. ولكنها كانت تشعر بالحزن أن تسمع الأمر من الخدم. وأخيراً دلف غرفة والدته، بعدما صرف المرافقة لها، مشيراً لها أن تُغادر الغرفة.
أسرعت في تلبية أمره، بعد أن نالت الجالسة فوق فراشها كأس الماء، وارتشفت منه. -أكيد سمعتي إني هتجوز النهارده. الجواز من غير حفلة ومقتصر على بعض المعارف في بيت والدها، لكن قريب هنعمل حفلة هنا. ألقى عبارته، والتف بجسده مغادراً. -هتتجوز جوازة مش مقتنع بيها. تمتمت بها "ناهد"، ودون أن تترك له مجالاً للجواب عليها، أردفت متهكمة. -مش هي دي البنت اللي خليت الخدامة تعرفها عليا، وكنت بتسعى إنك تجوزها لأحمد. -ناهد هانم.
هتف بحدة، ومسح فوق وجهه، فهو بالكاد يتحمل أمر هذه الزيجة التي ظن إنه تخلص منها، ولكن "محسن الصواف" كان مصراً عليها وهو يعلم هدفه الذي لن يحققه. تأكدت "ناهد" أن هذه الزيجة وراءها شيء، شيء أجبر ولدها البكر، بأن يتخذ قرار الزواج بعد هذا العمر. -مبروك يا بني. قالتها بهدوء، ولم تكن تنتظر أن يجيبها. استمعت لصوت الباب وهو يُغلق، فتنهدت بأسى.
-كان نفسي تتجوز واحدة، تاخد قلبك يا عامر وتكون فرحان بيها، يمكن قلبك يلين عليا يا بني. طالعته "أميرة" بابتسامة واسعة، وهي تدير مفتاح سيارتها التي دارت على الفور. -أنا مش عارفة أشكرك حقيقي إزاي. وخرجت من سيارتها، تهتف بكلمات شاكرة. فوقفت عيناها على قميصه الذي اتسخ. -من حظي إن السيارة بتاعتك بتمر من هنا، ومن سوء حظك إن وقفت بعربيتك عشان تساعدني.
يضحك "أحمد" على عبارتها، ورفع كفه نحو وجهه يمسحه، ولكنها أسرعت تمسح عنه عرقه. -ايدك مليانة شحم. حركت أناملها بخفة فوق جبينه، واقتربت منه حتى لم يعد يفصلها إلا أنفاسهم. ابتعد عنها مبتسماً. -زي ما قولتلك العربية محتاجة تروح لميكانيكي. أومأت له برأسها متفهمة، وعادت تشكره مجدداً. -خلاص كفاية شكر يا بشمهندسة. وانصرف بعدها، بعدما أخبرته إنها ستكون في المطعم الذي يزوره. -هستناك.
تمتمت بها، بعدما لوحت له بيدها، فانطلق بسيارته ولا شيء يشغل باله إلا نجاحه هنا. وهكذا كانت تسير "أميرة" في خطتها، ببطء وذكاء، وهذه هي الخطوة الثانية لها، وقد اختارت بذكائها الموقع الممتاز. توقفت خلفها عمتها بعدما خرجت مصففة الشعر. ابتسمت لها ببهوت، فهتفت فريدة وهي تطالع نظراتها لها عبر المرآة. -مكنش نفسك أكون زيك. وأردفت بحزن، وهي تقاوم دموعها وتعود قوية كما كانت. -أظاهر إن نصيبي نفس نصيبك يا عمتي.
ضمته "كريمة" نحوها بقوة، تخبرها إنها أفضل وأقوى منها. -أنتِ أقوى مني يا فريدة، كان نفسي تكوني فرحانة بجوازك يا بنتي. وأردفت بأسى بعدما ابتعدت عنها فريدة. -كان نفسي أفرح بيكي، وأشوف السعادة في عنيكي. ولكن أين هذه السعادة، وأين هي فرحتها. ووالدها يقترب منها يمدّ لها ذراعها غير عابئ بما فعله بها ودفعها نحو هذه الزيجة التي تمناها. -كفاية كلام يا كريمة، المأذون وصل.
ولم تكن تستوعب أين أخذتها قدماها، حتى سمعت والديها يُخبرها أن توقع اسمها. التقطت عيناها بذلك الذي جلس يطالعها بجمود يعرف كيف بظهره أمام الناس. وفي خطوات هادئة، كانت تدلف برفقته منزلها. سار أمامها صاعداً الدرج دون أن يعبأ بوقوفه، ولكنه كان يشعر بالاختناق. لا يعلم ما هو السبب ولكنه كان يختنق من الداخل. "عامر السيوفي" بكل ما يملكه لم يكن سعيداً. وقف أعلى درج ينظر إليها بهدوء. -اطلعي يا فريدة.
صعدت خلفه ببطء، تنظر حولها في المكان الخالي. وقد أصرف هو العاملين من المنزل عدا مرافقة والدته لأنه لم يكن يريد أحداً بالمنزل هذه الليلة. اقترب من إحدى الغرف يُشير إليها. -ديه أوضتك. ابتسمت بتوتر وهي تتقدم من الغرفة، ولا تعرف ما ستقوله له، ففضلت الصمت. -تصبحي على خير. وببساطة كان يُكمل حديثه، متجهاً نحو غرفته. تنفست براحة، ودلفت الغرفة. فلم يحدث ما أراده والدها، والسيد محسن كان لا يريد إلا إتمام الزيجة فعلياً.
-لا يا صابر مش هتنزل الشغل، أنت مش شايف نفسك تعبان إزاي. -ولما أقعد من الشغل، مين هيصرف يا صافيه. هتف بها صابر بعدما نهض من فوق فراشه بصعوبة ولكنه تظاهر إنه بخير. -أنا بشتغل، وجنه كلها شهر وتتخرج وتساعدني. احتدمت معالم صابر، ولأول مرة كان يصرخ بها. -شايفاني مش راجل قدامك يا صافيه. خشيت "صفا" الاقتراب منهم، بعدما سمعت صوتهم المحتد. توقفت عن تناول فطورها. -انت سيد الرجالة يا صابر، بس أنت لسه تعبان يا أخويا.
ابتسمت "صفا" وقد أعجبها هدوء عمتها وامتصاصها لغضب زوجها. -عارف يا أم جنه إنك خايفة عليا. واقترب منها يمسح دموعها التي علقت بعينيها، يضمها إليه، ويلثم رأسها. -لو تعبت يا صافيه، هروح، لكن لو فضلت قاعد هخسر مصدر رزقنا يا صافيه. وفي النهاية كانت ترضخ لعناده. دلفِت "فريدة" لغرفة "السيدة ناهد"، تنظر إليها والمرافقة تطعمها وجبة غدائها. يومان مرا على تلك الزيجة، وقد غادر اليوم عامر لعمله.
فتذكرت حنقه من والدها الذي تسأل لما لم يذهبوا لعطلة زواج يريحوا بها أعصابهم. فتتركتها هي الجواب له، حتى يجيب والدها، والإجابة إنها ليس متفرغ لهذا الهراء. ضحكت داخلها وهي تتذكر ملامح والدها، ولكنها كانت سعيدة مما يفعله عامر، أمامه وقد اتفقوا على هذا الأمر حتى يشعر والدها بذنبها وما اقترفه. -صباح الخير. -قصدك مساء الخير. ارتفع حاجب "فريدة" في دهشة وهي تستمع لردها عليه، ولكنها تجاوزته. فمهما كانت هي سيدة عجوزها ضريرة.
-أخبار حضرتك إيه النهاردة. التفت "ناهد" نحو الصوت، وتمتمت بهدوء. -بخير. -قولت أجي أسأل عن حضرتك. والعروس أخيراً، قد تذكرت حماتها، هكذا حادثت "ناهد" حالها. ارتبكت "فريدة" من نظرتها وعباراتها المقتضبة، فلم تجد إلا ما هو بارعة فيه، وهو النقد ولقاء الأوامر على الخادمة. كانت "ناهد" تستمع إليها، ولم تكن ترى فيها إلا شبابها، وإذا استطاعت أن تملك قلب ابنها، ستكون هي القوي المسيطرة وسترهقه من دلالها.
وقفت "صفا" جوار فراش العم صابر، الذي عاد مبكراً من العمل واستطاعت العودة معه بعدما أذن لها "السيد فتحي" لترافقه. -أنا بشتغل وعمتي بتشتغل، ليه عايز تتعب نفسك يا عمي. ابتسم "صابر" بوهن، يرمقها بحنان. -وأكون عبء ليكم يا بنتي، بدل ما أريحكم. فالتقطت "صفا" كفه تمسح فوقه. -وجودك وسطنا ده أهم حاجة. وفي تلك اللحظة كانت تندفع جنه لحضن والدها بعدما أتت من الجامعة، تخبره بحبها لها وإنها لا تتخيل العيش دونه.
تناولت طعامها بهدوء، تنظر إليه من حين لآخر، حتى زفرت أنفاسها ضجراً. فرفع وجهه عن طبقه يسألها. -في حاجة عايزه تتكلمي فيها يا فريدة. تركت شوكتها، ونظرت إليه بحماس. -عايزة أرجع شغلي من تاني. -مش شايفه إن نزولك للشغل مينفعش حالياً. أومأت برأسها له متفهمة. -يعني مش معترض على الفكرة، وتقولي لما ننفصل الأول. ابتسم إليه، رغم إنه قليل التبسم، إلا إنه لم يكن يريد ظلمها كما فعل والدها.
-طبعاً مش معترض يا فريدة، جوازنا مصيره معروف، فمش هقف قدام مستقبلك. وبفضول كانت تسأله. -يعني سؤال مستقبلي شوية. فانتظر سماعها، فتعلقت عيناها به. -لو لقيت شريكة حياتك اللي بتدور عليها صح، هتخليها تشتغل وتدور على مستقبلها. وبتملك عجيب كان يُجيبها، بعدما مسح شفتيه ونهض عن طاولة الطعام. -الست اللي هتجوزها هتكون ليا أنا وأولادنا وبس، مستقبلها هيكون إحنا. ألقاها وانصرف، فقطبت حاجبيها، تتذكر حديث "أحمد" المختلف عنه.
دلف لغرفة والدته، بعدما أخبرته المرافقة لها إنها تريته. شعرت بوجوده فاخبرته بصراحة. -اتجوزت نسخة مني يا عامر. تجاهل عبارتها، وتسأل. -المرافقة الجديدة، قالتلي إنك عايزاني. ابتسمت وهي تراه يتجاوز حديثها، وقد علمت إن الأمر لا يعنيه من صفات فريدة، فبالتأكيد لن تظل هذه الفتاة طويلاً معهم. -مش عايزة المرافقة الجديدة. -ليه؟ انتظر أن تخبره بعدما حبها للمرافقة الثانية التي أتى بها بعد حنان، ولكنها لم تعطيه الجواب.
-هات لي البنت اللي شفتها في المزرعة. قطب جبينه يُحاول أن يتذكر من هذه الفتاة التي تقصدها، ولكنه كيف ينسى تلك الفتاة صاحبة النظرات القوية التي لا تهتم بأحد. دفنت وجهها بين الدفاتر، ذلك العمل المميت الروتيني، الذي أصبح يغمسها في حياة لم تكن تحلم بها يوماً. دلكت جبينها وعنقها من شدة إرهاقها. إرهاق أصبح مصاحب لها من تفكيرها الشديد، في المال الذي يحتاجه زوج عمتها من أجل دوائه الباهظ.
دلف "السيد فتحي" المكتب وعندما وجد بضعة سندوتشات أمامها ولم تمس شيئاً منهما، اقترب يلتقط منها أحدهم يقضمه. -عندي ليكي خبر حلو يا صفا. اتسعت عيناها فرحاً، ووقفت من مكانها تسأله. -هتسمح لعمي صابر يشتغل نص يوم، وتديله يوميته كاملة. -هو أنا فاتحة جمعية خيرية، لعيلة صابر. تدلت كتفيها بخيبة من هذا الرجل، الذي لا يشعر بسلاطة لسانه، فقدت حماسها وعادت لمكانها، تزفر أنفاسها بقلة حيلة. -مسألتش يعني إيه الخبر السعيد يا صفا.
-هو في حاجة تفرح يا أستاذ فتحي. وهتفت داخلها حتى لا يسمعها. -مافيش خبر بيجي منك يفرح. -الهانم الكبيرة، عايزاكي تشتغلي عندك. اتسعت حدقتاها، بعدما رفعت عيناها نحوه، بل تستوعب ما تفوه به. -البيه طلب مني، أعرض عليكي شغل في القصر عنده. مرافقة للهانم الكبيرة. انتظر "فتحي" سماع موافقتها، ولكنها ظلت واقفة تحدق به لا تستوعب ما يتحدث عنه. -ديه فرصة متتعوضش يا صفا. فرصة تساعدي بيها جوز عمتك الغلبان.
واقترب منها يُخبرها عن الراتب الضخم الذي تحصل عليه، وعن العيشة التي ستعيشها في هذا القصر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!