ظلت الأنظار عالقة بين ثلاثتهم، إلي أن هتفت عمتها، بعدما بدأت تستوعب ما تفوهت به ابنة أخيها: -لاء ياصفا، أزاي أوافق تعيشي بعيد عني. وأردفت متحسرة علي الحال الذي اصبحت فيه ابنة شقيقها: -عايزة تبقي مرافقة، مش كفاية بهدلتك في شغل المزرعة.. ده أنتي مكنتيش متعودة علي البهدلة دي يا بنت الغالي. تمتمت بها "صافيه" وذرفت دموعها، فاردف "صابر" بعجز وألم بعد حديث زوجته: -ليه يابنتي عايزة تحسسيني إني خلاص بقيت عاجز؟
فاسرعت صفا نحوه، تقبل كفيه: -أنا شوفت الست دي، وحبيتها.. مش يمكن ربنا بعتني ليها. وبقلة حيلة ونواح كانت تهتف صافيه: -أقول لأخويا الله يرحمه إيه، أقوله إني مقدرتش أتحمل مسئولية بنتك.. أقوله سيبتها للدنيا تلطش فيها.
وصابر لم يكن حاله أقل منها، إنه يفهم سبب اقتناعها بهذا العمل.. العمل الذي عرضت عليه زوجته أن تعمل به منذ أشهر ولكنه رفض.. انتظرت "صفا" جوابهم فليس لديها فرصة إلا في هذا المنزل بذلك الراتب الضخم الذي أخبرها به فتحي. نظرت "صافيه" نحو زوجها القابع مكانه بضعف، تتوسل اليه بنظراتها بأن يقول شيئاً، يجعلها تتراجع عن تلك الوظيفة، طالع "صابر" تلك الواقفة تنظر إليه برجاء، فإذا اقتنع هو ستقتنع عمتها:
-فكري تاني ياصفا يابنتي، وأوعي للحظة تفتكري أنك عبء علينا يا بنتي.. حسن الله يرحمه كانت جمايله كتيرة عليا. ولكنها كانت مُصرة على الذهاب، حتى تحصل على الأموال التي ستساعدهم بها: -يمكن تكون صفحة جديدة من حياتي، ولو مرتحتش أوعدك هرجع علطول. وبوعد أخذوه منها، كان يوافقوا.. فليس بيدهم شيء ما دام هي تريده.
دمعت عينين "صافيه" فاقتربت منها تحتضنها بقوة، تؤكد لها.. إنها إذا لم تجد حالها في هذا العمل.. ستعود للقرية.. كما أن "السيد فتحي" وعدها أن وظيفتها هنا ستظل محفوظة. *** ظلت طيلت ليلتها، تتقلب في فراشها وتسأل نفسها سؤالاً واحد؟ هل ستستطيع تحمل ما هو قادم، فالعمل في قصر كبير لدى هذا الرجل الذي جعلها تخافه، منذ أول لقاء لها معه لن يكون سهلاً عليها.
أغمضت عينيها، وقد بدأت أحلامها تسير أمام عينيها، تتذكر أحلامها الوردية بأن تصبح يوماً ما ذات شأن في شركة كبيرة خاصة بمجالها، وابتسامة حزينة ارتسمت فوق شفتيها وهي تتذكر.. كم كانت تظن أن الحياة تفتح لها ذراعيها وتنتظرها حتى تحقق لها أحلامها، ولكن أحلامها جعلتها تغفل عن الحقيقة.. فالأحلام ليست سهلة المنال. فتحت عينيها وتنهدت بثقل، تنظر لسقف الغرفة كعادتها: -هتقدري تستحملي اللي جاي ياصفا؟
اقتربت منها "جنه" بعدما شعرت بها، وكانت مثلها قد جفاها النوم: -وافقتي على الشغل عشان علاج بابا يا صفا مش كده؟ وسقطت دموع "جنه"، وقد تذكرت أعمامها: -إزاي في ناس قلبهم قاسي كده، عمرهم ما فكروا يسألوا على أخوهم.. عايشين في العز، وأخوهم مش لاقي حق العلاج، وبيشتغل مجرد فلاح في الأرض. اعتدلت "صفا" في رقدتها، واحتضنتها.. وهي أيضاً لا تستوعب كيف لأخوة يفترقون عن شقيقهم لأنه تزوج من امرأة لم يريدوها في عائلتهم لأنها فقيرة ولم
تكن هذه المرأة إلا عمتها: -أنتم مش محتاجينهم يا جنه.. ديما حطي في راسك كده.. الناس اللي تبيعك بعيهم. مسحت "جنه" دموعها.. وقد ابتسمت على حديثها.. ومازحتها حتى تزيل هذا البؤس قليلاً عنهما: -يعني أبيعك يا صفا، مدام هتبعينا وتبعدي؟ يدفعتها "صفا" عنها، وقد فصلتها عبارتها.. تلتمع عينين "جنه" بعدما اعتدلت من وضعيتها: -بتبصيلي كده ليه؟ -أنتِ هتروحي تشتغل في قصر السيوفي، يعني أبو عيون زرق هتشوفي هناك.
وقبل أن تهتف "جنه" بشيء، اقتربت منها "صفا" تُكمم لها فمها: -الواحد غلطان.. إنه بيحكيلك عن مشاعره. فتملصت "جنه" من قبضتها، واخذت تلتقط أنفاسها: -هتموتيني عشان كنت بضحك معاكي. -لأني عارفاكي هتفضحيني.. لكن عشان أريحك يا جنه وأبطلي جو الأحلام، الناس اللي زي دي مبتحبش غير اللي شبههم يا جنه.
قاطعتها "جنه" ثم قطبت ما بين حاجبيها.. فمن هو الذي يعيش الأحلام غيرها.. فضحكت "صفا" على هيئتها.. فهي تقصد حالها وليست ابنة عمتها التي تعيش دوماً على أرض الواقع. *** انبسطت ملامح "ناهد" بعدما استمعت لما يُخبرها به، فلم تكن تصدق أنه سينفذ لها رغبتها بهذه السرعة.. ويجلب لها هذه الفتاة.. كما أرادت، يعني وافقت تيجي تعيش هنا. وبكبر كان يُجيبها: -ومتوافقش ليه، ديه هتاخد مرتب عمرها ما حلمت بيه.
تعجبت "ناهد" من حديثه، ولكنها لم تهتم بالأمر.. دلفت "فريدة" الغرفة وقد استمعت لعبارته متسائلة: -هي مين دي اللي هتيجي هنا؟ أشاحت "ناهد" وجهها للناحية الأخرى، فتمتم هو قبل أن ينصرف: -المرافقة الجديدة. حركت "فريدة" رأسها، وغادرت الغرفة خلفه.. اتبعته حتى دلف غرفته ووقفت تتسأل ثانية: -هو أنا ممكن أروح النادي يا عامر؟ -اعملي اللي أنتي عايزاه يا فريدة.
وهكذا كان يُعطيها الحرية في كل شيء.. فبدأت تشعر بالضجر من الأمر ولا تعلم السبب. انتبهت إنه وقف يزيل عنه قميصه.. وعندما التقت عيناه.. ظن إنها ستُغادر الغرفة ولكنها اقتربت منه ووقفت امامه تزيل عنه قميصه وتُخبره بما يُعجبها به: -تعرف إنك أكتر راجل شوفته مهتم بجسمه، حقيقي يا عامر اللي يشوفك ميعرفش يحدد سنك. طالعها وهي تتحدث.. لقد تكيفت "فريده" مع المكان بل وبدأت تعتاد عليه وتقترب منه.
توترت وهي تراه يبتعد عنها، بعدما أزاح عنه يديها برفق.. انتبهت على فعلتها ولكن لم تكن تقصد شيئاً.. فهي اعتادت على الصراحة في حديثها: -ممكن يا فريده، تنزلي تطلبي من الخدامة تحضر العشاء. أومأت له برأسها وهي تعلم إنه يصرفها بذوق.. فتنهد براحة بعدما رحلت من أمامه.. يهتف لحاله وغريزته: -أوعي تضعف يا عامر.. ما فيش ست تقدر تضعفك مهما كان جمالها ورقتها. ***
وقفت جنه تعد لها حقيبة ثيابها ببؤس، وقد أصبحت دموعها عالقة بأهدابها تخشي نزولها من أجلها من أجل أن لا تحزنها: -أوعي تعيطي وتقلبيها دراما يا جنه. أومأت لها "جنه" برأسها، ولكن دموعها انسابت رغماً عنها: -بحاول أتقبل إنك هتبعدي عننا يا صفا.. لكن مش قادرة. وبصعوبة، كانت تتحكم "جنه" في دموعها.. وحتى تُخرجها "صفا" من هذه الحالة تسالت وهي تنظر نحو الثياب: -أختارتيلي هدوم تليق بسيدات القصور. ابتسمت "جنه" بعدما مسحت دموعها،
ورمقتها بتذمر: -طبعاً الليدي صفا.. هتعيش في قصر وهتبقي من الهوانم. وهكذا بدأ المزاح كعادتهم.. ولكن كل منهن كانت تفكر فيما سينتظرهم. "صفا" التي سترحل حتى تجني المال.. من أجل مساعدة زوج عمتها في علاجه المكلف. و"جنه" التي بدأت بالفعل تبحث عن عمل، فقد أوشكت دراستها على الانتهاء. *** اتبعت خطوات "السيد فتحي" بعدما ترجلت من السيارة الفخمة التي نقلتها من البلدة إلى قصر السيوفي.
وفي بضعة خطوات قبل الصعود للدرج الرخامي، توقف "فتحي" مبهوراً ككل مرة يأتي فيها إلى هنا. حيث يطلق عينيه للتحديق في ثراء أبناء السيوفي وما وصلوا إليه.
لم يكن حالها مختلفاً عنه.. فقد وقفت تلتف حولها تنظر للمكان برهبة وعدم تصديق إنهم بهذا الثراء الفاحش.. ولا تعلم لما أتتها صورة هذا الرجل.. ليس الشقيق الأكبر.. بل الأصغر الذي رأته منذ بضعة أشهر في المزرعة.. صاحب العينين الزرقاوين الذي لم يترك مخيلتها.. فكلما قرأت كتاباً يصف فيه كاتبه الشخصيات كانت ترسمه في خيالها ثم تذهب لأحلامهم وتحلم به في حلم ليس إلا سراب تصنعه لحالها.. وقد عانت لفترة من أحلامها الحمقاء بهذا الرجل حتى بدأت تتنساه.
فاقت من شرودها، وقد انتبهت على صوت "فتحي". فتحي: طلعتي محظوظة يا صفا، عامر بيه بنفسه يشغلك هنا عنده مرافقة للست كبيرة، والله أعلم إيه تاني ممكن يحصل. تمتم "فتحي" بعبارته الأخيرة، ولم تفهم مقصده.. فهتفت متهكمة وبصوت خافت: -حظ، والله ما في حد عايش في الحظ غيرك يا فتحي. -بتقولي حاجة يا صفا؟ طالعته بعدما حملت حقيبة ملابسها، بعد أن أخرجها السائق لها:
-لا يا أستاذ فتحي، أنا بقول إني هفتقد شغلي معاك.. هو في مدير زي حضرتك بيريح موظفينه. فاندم "فتحي" من جلبابه الفخم، الذي لا يرتديه إلا في المكان التي تناسبه: -أصيلة يا صفا، وعشان كنتي موظفة مجتهدة وبتسمي الكلام.. هوصي عامر بيه عليكي.. ما أنتي عارفة. وقبل أن يتم عبارته، كانت تهتف بدلاً عنه بتلك المعلومة التي أصبحت تحفظها عن ظهر قلب: -عارفه يا أستاذ فتحي، صلة القرابة العظيمة بينك وبين الباشا!
فتحت لهم الخادمة أخيراً، بعدما ضجرت "صفا" من الوقوف وسماع عبارات "فتحي" الفخورة بقرابته مع عائلة السيوفي.. وكيف كان والده صديقاً لوالد السيد عامر. رحبت بهم الخادمة، وقد كانت على علم مسبق بقدومهم: -عامر بيه، مستنيكم في مكتبه. أشارتهم نحو المكتب، الذي يعلم "فتحي" وجهته.. فسار أمامها.. يفرد جسده وكأن صاحب أملاك وليس من مستخدمي هذا الرجل. وبنبرة جامدة، كان يتسأل "عامر" بعدما رفع وجهه عن الأوراق التي أمامه:
-اتأخرت ليه يا فتحي، المفروض كنت توصل هنا من ساعتين. فالتف "فتحي" نحو "صفا" يرمقها حانقاً.. فهي السبب في تأخيره.. بعدما وقفت تودع كل من أحبتهم في البلدة وكأنها ستُهاجر إلى دولة أخرى: -الهانم كانت بتودع أهل القرية. تمتم بها "فتحي" متهكماً، فرمقته بضيق لم يخف عن "عامر"، الذي نهض عن مقعده.. يسألها عن اسمها مرة أخرى: -قولتيلي اسمك إيه؟ -صفا.
بضيق كانت تخبره اسمها، فضيق "عامر" عينيه غير مصدقاً أن هذه الفتاة تُحادثه هكذا.. رمقه "فتحي" بقوة.. ولكنها لم تكن تأبه لنظرات فتحي فلم تعد تحت رحمته وقد تركت العمل في مكتبه ودفاتره: -أكيد عارفة وجودك هنا ليه. -مرافقة، للهانم الكبيرة. -يعني عارفة مهامك، ولا تحبي تسمعيها؟ وبجمود كان يسألها.. وقبل أن تُجيبه.. كان يُخبرها بقواعده في منزله.. وإذا لم تلتزم فالباب مفتوح أمامها:
-طبعاً في التزام، وأي أوامر الهانم الكبيرة تقول عليها تتنفذ. أحتقنت ملامح "صفا" وهي تسمعه.. فطالعها "فتحي" يحثها ألا تتحدث.. فتقدم "عامر" للأمام يهتف باسم إحدى الخادمات: -سعاد، سعاد. وفي ثواني كانت تدلف الخادمة، تطرق عيناها أرضاً هاتفه بخوف قد ظهر في عينيها: -نعم يا عامر بيه. فتعلقت عيناه بالواقفة، وسرعان ما أشاحها عنه متمتماً بجمود: -خدي المرافقة الجديدة... للهانم. ***
هل أصبحت الأيام تمر بهذه السرعة، هكذا كانت تتساءل "صفا" بعدما وقفت أمام المرآة في غرفتها تُهندم ثوبها قبل أن تُغادر غرفتها وتتجه لغرفة السيدة "ناهد". غادرت غرفتها وهي تتمنى ألا ترى فرداً واحداً.. بالطبع زوجة ذلك المتعجرف.. تلك الفتاة التي رأتها في المزرعة من قبل برفقة الشقيق الذي رحل.. الشقيق الذي تمنت أن تراه ثانية. دلفت لغرفة "السيدة ناهد" وابتسامة واسعة تشق ملامحها وقد وجدتها استيقظت من نومها تنتظرها:
-صباح الخير، على سيدة القصر الجميلة. ابتسمت "ناهد" بحب، لتلك الشقية التي أعادت لقلبها السعادة.. بعدما رحلت مرافقتها الحبيبة حنان: -أنتِ بكاشة يا صفا. تعالت ضحكات "صفا" وهي تقترب منها: -طيب أكذب وأدخل النار. واقتربت منها هامسة: -مش كفاية الذنوب اللي باخدها وأنا بتريق على وحش القصر.. والسفيرة عزيزة. صدحت ضحكات "ناهد" هي الأخرى، وقد دمعت عيناها من شدة الضحك:
-لا عامر مش وحش يا صفا.. لكن ما فيش مشكلة إنك تقولي كده عن فريدة. وهتفت بملامح مستاءة تُخبرها: -ما كانش نفسي يتجوز واحدة زي. لطمت "صفا" صدرها بطريقة درامية.. تنظر إليها: -هو يحلم يتجوز زيك، ده أنتِ جميلة الجميلات. وهكذا كانت تأخذها "صفا" من لحظات بؤسها: -أنا كنت نسخة من فريدة يا صفا. وقبل أن تهتف بشيء آخر، كانت "فريدة" تدلف الغرفة.. تنظر نحو "صفا" التي تبادلها نفس الشعور في عدم تقبلها منذ أن رأتها في المزرعة:
-أنتِ قاعدة مكانك.. وما ساعدتيش الهانم تاخد حمامها. وسارت تدق الأرض بحذائها، ولا تُنكر "صفا" إنها انبهرت بما ترتديه، ولكن إلى أين ستذهب بهذه الملابس في هذا الصباح؟ -صباح الخير، يا ناهد هانم. وأخيراً قد تذكرت الجالسة، فتمتمت ناهد وهي تُحاول النهوض من فوق فراشها: -صباح الخير. قالتها ناهد بفتور، وسرعان ما تحولت ملامحها إلى ابتسامة واسعة: -يلا يا صفا ساعديني. شعرت "فريدة" بالحنق من تجاهل ناهد.. واهتمامها بهذه الفتاة
التي أتت من قرية ريفية: -اهتمي ب أدوية الهانم، أنا مش هكون موجودة طول اليوم. هتفت بها "فريدة"، فوقفت "صفا" مكانها تسمعها.. إنها ترى الحقد في عينيها مما يجعلها لا تهتم بحديثها: -صفا بتهتم بكل حاجة تخصني يا فريدة.. متقلقيش أنتِ روحي شوفي النادي أو الشوبينج بتاعك. حاولت أن تُداري "فريدة" حنقها من عبارة ناهد.. فهتفت قبل أن تغادر الغرفة بخطوات غاضبة: -أنا رايحة الشركة يا ناهد هانم.. شكل حضرتك نسيتي إني سيدة أعمال.
وهكذا كان يمضي هذا الصباح مع مغادرة فريدة القصر، وخلاصهم من تسلطها المرضي. *** -انتي بتعيطي ياصفا؟ سألت "السيدة ناهد" بقلق، بعدما توقفت يدي صفا فوق خصلاتها الناعمة التي تمشطها لها. فابتسمت "صفا"، بعدما مسحت دموعها وهي تفيض إليها بشوقها لوالديها: -أصل في ناس وحشوني أوي. ضحكت ضحكة منكسرة، حزينة وأردفت بدعابة تخفي خلفها حزنها: -وكده احنا خلصنا، وعملت أحلى تسريحة لسيدة القصر الجميلة.
فارتسمت ابتسامة سعيدة فوق ملامح "ناهد"، فهذه المشاغبة تُغير لها مزاجها وتجعلها تُحب الحديث معها.. رغم إنها ليست ممن يتقبلون الناس بسهولة. وبحنين كانت تُخبرها "ناهد" عن شوقها لمن تركها وابتعد: -عارفه يا صفا.. بتفكريني بأحمد. خفق قلب "صفا" وهي تستمع لاسمها، فاردفت "ناهد" بشوق: -كان بيحاول ديما يخليني مبسوطة، ويمدح في جمالي.. مع أني عارفة إنه راح مع الزمن خلاص.. لكنكم بتحبوا تفرحوني بأكثر حاجة بحب اسمها.
ابتسمت "صفا" وهي تستمع لعبارتها الأخيرة، فعلى ما يبدو أن "السيدة ناهد" في شبابها كانت تعشق جمالها. وبلطف كانت تُخبرها بأكثر ما اخبرتها للتو إنها تُحب أن تسمعه من الناس: -عندك حق يا جميلة الجميلات، هو فعلاً راح بس عشان يحل مكانه الأجمل والأحلى. فارتسمت ابتسامة "ناهد" وقد فهمت ما فعلته تلك الماكرة الصغيرة، طيبة القلب. بدأت "ناهد" تتثاءب، بعدما شعرت بثقل جفنيها.. فابتسمت وهي تعدل لها وسادتها ثم سطحتها برفق:
-هسيبك ترتاحي شوية. هتفت "ناهد" قبل أن تغفو: -هو ليه عامر مبيجيش يشوفني من ساعة ما أنتِ جيتي يا صفا.. هو عشان أطمن إن معايا حد بحبه خلاص. وقبل أن تُكمل عبارتها، كانت تغفو دون شعور، فحركت صفا رأسها بأسى عند سماع ما تفوهت به.. ودثرتها بالغطاء قبل أن تخرج من الغرفة. ثم هتفت لحالها متهكمة: "كان الله في عون الأستاذ عامر، اللي مش فاضي من شدة مشاغله.. وبتزعل لما أقول عليه الوحش". ***
نظرت جنه لوجه والدتها الباكي وطالعت حجرة والدها الممتلئة ببعض الفلاحين الذين تألف وجوههم. ألقت كتبها أرضاً واتجهت لداخل الغرفة، وقد وقعت عيناها نحو ملامح والدها الشاحبة وقد بدأ يأخذ أنفاسه بصعوبة، فبالتأكيد قد تعب والدها مجدداً. أقتربت منها "صافيه" تضمها لصدرها تُطمئن حالها وتطمئنها: -أبوكي تعبان أوي يا جنه، صمم يروح الأرض النهاردة. وأكملت ببكاء وهي تحتضن غاليتها: -أبوكي بيروح مننا يا بنتي. ***
بدأ صوت ضحكاتها يعلو لأول مرة منذ أن دلفت بقدميها إلى هذا القصر.. وما جعلها أكثر راحة هي والخدم هو عودة تلك المرأة لعملها، وبالطبع ليست إلا "فريدة" ابنة الحسب والنسب كما أصبح تنعتها الخادمات.
أخذت تلتقط أنفاسها بصعوبة من فرط ضحكاتها بسبب دعابة تلك الخادمة التي تُدعى "صباح"، تلك السيدة الطيبة، بشوشة الوجه مع الخادمة الأخرى التي تُدعى "سعاد" والأكثر اهتماماً بأمور السيد عامر، وتعد خادمته المفضلة للوحش.. كما أصبحت صفا تنعتها بهذا اللقب. -بقي تبعتي للراجل صورة ممثلة وتقوليله إنها أنتِ. ثم حدقت "صفا" بعينين متسعتين من شدة ذهولها، وأخذت تُقلب عينها بينهم، وعادت تنفرج شفتيها في ضحكة صاخبة مجدداً:
-الخالق الناطق أنتِ يا صباح، ياسبحان الله! لم تتحمل "سعاد" كتم ضحكاتها، فشاركت "صفا" الضحك.. احتقنت ملامح "صباح"، والتقطت بعدها، هاتفها الغالي على قلبها والذي اشترته من مرتب شهر كامل، وبملامح ممتعضة ووجه عبوس، ثم شرعت في مضغ علكتها: -يعني أعمل إيه ياصفا، آه بتسلي على النت لحد ما ألاقي اللي يستاهلني. وأردفت بعدما حركت لسانها فوق شفتيها بطريقة مضحكة: -بس الواد طلع قمر قمر يكونش عمرو سعد وأنا مش عارفه.
فحاولت "سعاد" كتم ضحكاتها ولكنها كالعادة تضحك بقوة، فعبارات "صباح" كانت تفوق مقدرتها أن تسمعه دون أن تضحك، ولم يكن حال "صباح" مختلفاً عنهم، فتعالت ضحكاته هي الأخرى: -وحبيتي على كده ياصباح؟ تسألت "صفا" وهي تغمز لـ "سعاد" التي تأخذ دور المستمع: -فخرجت زفرات "صباح" ببطء وبحالمية كانت تهتف، بعدما استندت بذقنها فوق كفيها: -متحرجنيش بقي يا صفا.
ضحكوا ثلاثتهم بقوة على تلك السخافات الحمقاء التي يتحدثون عنها ولكنها ترفه عنهم... هدأت وتيرة أنفاسهم من شدة الضحك، واسترخوا على مقاعدهم بالمطبخ.. فتذكرت "صباح" المرة الأولى، التي اجتمعت بها مع "صفا" عندما جاء بها "السيد فتحي": -بس أنا حبيتك أوي ياصفا، صحيح أنا غلست عليكي في الأول، عشان شوفتك بت قمر، وشكلك بنت ناس... والغيرة نهشت قلبي وأنا أقول إزاي القمر دي هتيجاور القرود دول.
وأشارت بيدها نحو سعاد التي قد انشغلت في إعداد إحدى الوجبات... وتابعت حديثها بمضغ علكتها تهتف، بعدما قذفتها سعاد بأحد المعالق: -مالك ياسعاد الكلمة زعلت ليه؟ .. مش أحنا قرود برضوه.. ده حتى الإنسان أصله قرد. فتفادت "صباح" تلك الهجمة التي كادت أن ترتطم بها. فتعالت ضحكاتهم ثانية، فلم تعد تتحمل "صفا" ألم معدتها من شدة الضحك.. فوضعت بيدها فوق بطنها ومالت بجسدها قليلاً حتى تهدأ.
وسرعان ما كان الصمت يحتل المطبخ، بعدما دلفت تلك الخادمة المخلصة للسيدة الجديدة، صاحبة اللغات، ذو أصول تركية.. وأيضاً فرنسية لا يعلمون كيف هذا ولكن هذا ما تقصه عليهم كل ليلة من أمجاد أجدادها العظماء. فريدة بصرامة وهي تتحدث بعربية غير متقنة: -ضحك ممنوع، أكل يجهز بسرعة... فريدة هانم على وصول. وأشارت نحو صفا بحدة: -وأنتِ السيد عامر ينتظرك في غرفة مكتبه.. ذات اللسان الطويل. وهكذا كان اللقب الذي تنعته بها "مارجريت". ***
كانت هذه هي المرة الثالثة التي تدلف فيها مكتبه الضخم.. ذو الأثاث الكلاسيكي الذي تفضله، ولكنها لا تُفضل صاحب المكان، ذلك الرجل الذي تشبه بالوحش. "عامر السيوفي". رفع "عامر" وجهه عن أوراقه، فوجدها تقف تُطالع الغرفة بنظرات مبهورة كحال المرات السابقة، حدق بها للحظات وهو يتذكر حديث "فريدة" معه هذا الصباح.. فوالدته تكرهها بسبب تلك الفتاة التي تملأ أذنيها منها. تلاقت عيناه.. فتنحنحت "صفا" حرجاً من نظراته، فرمقها "عامر"
بجمود: -حضرتك كنت عايزني يا أستاذ عامر؟ فامتقع وجه "عامر" من ذلك اللقب الذي أضافته إلى اسمه لتشعره وكأنه معلماً أمام تلميذته الحمقاء.. فرفع أحد حاجبيه متمتماً بضيق: -كلمة أستاذ دي مش عجباني، غيريها. فطالعتها "صفا" لثواني، لا تستوعب ما يطلبه منها، وبتمرد كانت تهتف بعدما شعرت بالحنق من عبارته: -بس ميس مارجريت بتقولك مستر عادي، ومستر من أستاذ متفرقش.
امتقعت ملامح "عامر"، فمن هي لتقف وتتحدث معه هكذا دون حساب وتحاوره، قذف الأوراق التي أمامه بقوة، ونهض عن مقعده، يرمقها بجمود وقد ظهر جسده العريض وطوله الفارع.. يهتف بصرامة أخافتها: -مارجريت أستثناء، دي رئيسة الخدم.. مفهوم! وبهمس خافت كانت تتمتم لحالها، ولكنها سمعته: -ولا عشان قريبة من الهانم مراتك، الليدي فريدة. ورغماً عنه كان يبتسم، ولكنه أخفى ابتسامته سريعاً، فلم تنتبه عليها. ابتلعت "صفا" حديثه الجامد،
الذي أشعرها بدنو مكانتها: -تحب حضرتك أندهلك بإيه؟ وببساطة كانت تسألها عن أي لقب يُريد أن تضعه جوار أسمه، فلا بأس لديها، فتقدم "عامر" منها، يرمقها بنظرات جامدة: -عامر بيه! هتف عبارته، فتعلقت عيناها به باستخفاف، قد انتبه إليه.. مما زاده حنقاً منها: -تمام ياعامر بيه، أي أوامر تانية؟ وبجمود كان يلقي عليها ما أراد إخبارها به: -فريدة هانم بتشتكي منك، متنسيش هي مين هنا في القصر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!