الفصل 15 | من 37 فصل

رواية سطور عانقها القلب الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
44
كلمة
4,395
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 41%
حجم الخط: 18

وقفت أمامه وقد ظهر النعاس فوق ملامحها. بسبب قيامها بترجمة بعض الأوراق وإرسال الإيميلات، انتظرت إشارة منه حتى تنصرف. ولكنه ظل يُدقق في الأوراق التي أمامه، وهي لا تستوعب كيف يعمل هذا الرجل هذه الساعات دون أن يشعر بالتعب. فقد أصبحت تشعر بانهاك قواها منذ أن عملت معه في ترجمة الإيميلات المرسلة والتواصل مع الشركة الألمانية، حتى إنها لمرات عدة قررت أن تترك هذه الوظيفة. ولكنها كانت مجبرة حتى توفر احتياجات عائلة عمته.

رفع عينيه أخيراً عن الأوراق، يرمقها بنظرات ثاقبة. "أتمنى مالقيتش غلطة تاني." حدقت به "صفا" بجمود، وقد احتقنت ملامحها من أسلوبه الفظ. "ما دام حضرتك عندك خبرة في اللغة، مبتجرمهاش ليه يا فندم؟ احتدمت عيناه وهو يسمعها، وارتجف جسدها وهي تراه يرطم سطح مكتبه بقوة. "وأنا مش شغلاك وبديك مرتب كبير ليه يا أستاذة؟ أهانته عبارته، ولكنها قد اعتادت على أسلوبه. بل واصبحت ترد له الصاع صاعين. ولا تعلم لماذا حقاً ما زال يصبر عليها.

"ليه بحس إنك بتحبي تستفزيني يا صفا؟ وبابتسامة سمجة كان يهتف عبارته، فارتفع حاجبيها في ذهول. فكيف تحول هذا الرجل بتلك السرعة. "عارفة يا صفا، أنا ليه صابر عليكي." وأخيراً قرر أن يمنحها أن يعطيها الإجابة عن تساؤلها، لعلها تفهم غموض هذا الرجل. "لأنك مجتهدة.. لكن مش دي أهم نقطة. النقطة اللي بتعلي الناس عندي هي الثقة." وبنظرة جامدة كان يخبر بتلك النقطة. "حفظتي السر، ومتكلمتيش عن السبب الحقيقي ورا طلاقي."

وتابع بتهكم وهو يتذكر ثرثرة الخدم، ورغبة والدته في معرفة الأمر. "أنا بعرف أقدر الناس كويس." ولكن لطفه لم يستمر كثيراً كعادته، فتجهمت ملامحه وعادت النسخة الأخرى ل "عامر السيوفي" التي تكرهها به. "وبعرف أعاقب كويس أوي، ومابسامحش في أي غلطة." امتعضت ملامحه، وهي تستمع لتهديده. "هتعاقب مثلاً عشان غلطة في فاكس، ده حتى عيب في أخلاقك الكريمة يا عامر بيه." "صفا." وبنبرة قوية كان يهتف، لتجاوزها في الحدود معه كعادتها.

تعالت ضحكتها رغماً عنها، فازدادت ملامحه قتامة. "والله ما قصدي أضحك، بس افتكرت صورة لممثل ما، كان نفس التكشيرة سبحان الله." "إظاهر إن طردك هيكون قريب يا صفا." تلاشت ضحكتها، ووقفت بثبات تنظر إليه. "أستأذنك عذراً سيدي، ممكن أطلع أوضتي قبل ما أطرد فعلاً." وغادرت على الفور من أمامه، دون أن يسمح لها بالانصراف. تنهد بأرهاق وهو يطالع الفراغ الذي تركته.

ورغماً عنه كان يبتسم على أفعالها وحديثها الذي أحياناً تقتبسه من بعض الكتب أو الأفلام الوثائقية التي تشاهدها مع والدته. ولكن سرعان ما عاد الجمود يرتسم فوق ملامحه وهو يتذكر تلك التي منحها فرصة أن تصبح زوجة له، ولكنها كانت ماكرة وقد عبثت معه. واقترب وقت نيل حقه. *** دفعتها والدتها فوق الفراش، بعدما أخبرتها بحقيقة كذبها عليها. لا تصدق أن ابنتها تفعل هذا وتستغل ثقتها بها.

"بتكدبي عليا يا جنه، وتقوليلي كان عندي وردية، وقال إيه أصل يا ماما كان تسليم طلبية أدوية وكان معايا زميلتي.. والصيدلية في مكان آمن." وردفت بتهكم وهي تسرد عليها كذبتها. "والصيدلية جنب مديرية الأمن، وأنا زي الهبلة صدقتك يا بنت بطني." وكادت أن تبرر لها فعلتها، وندمها على قرارها الخاطئ، ولكن "صافيه" كانت أسرع منها، وانتشلت حذاءها أمام نظراتها المصدومة.

تعالى صراخها ووالدتها تهبط بحذائها فوق جسدها كالعادة إذا أخطأت، فالسيدة صافيه لا تتهاون في شئ. "كفاية يا ماما." "معرفتش أربيكي يا بنت بطني، روحتي تتذلي على أهل أبوكي." تعالت شهقات "جنه" بقوة بعدما سقطت تلك الصفعة فوق كفيها المجروحين. انتبهت "صافيه" على صراخها. فحدقت بها مشيرة نحو كفيها. "مالها إيدك؟ سقطت دموعها وهي تفتح لها كفيها، تقص عليها سبب سقوطها عليهما، لعلها تنال شفقتها.

ولكنها لم تنال إلا غضبها الذي أودعته في صفعاتها بحذائها الثقيل. "خلّيتيهم يرموكي قدام المصنع، زي المتسولين.. أه يا بنت بطني." توقفت عن ضربها، بعدما استمعت لسعال زوجها وهتافه باسمها. أسرعت في مغادرة الغرفة واتجهت إليه حتى لا يُشك بشيء. "بتضربي البت ليه يا صافيه؟ بنتك بقت عروسة وبتضربيها." أقتربت منه تعدل له وسادته، بعدما أعتدل في رقدته. "مهما كبرت مش هتكبر علينا يا صابر." "براحة عليها يا أم جنه، وفهميها غلطها براحة."

"أجبلك علاجك يا يا حاج؟ هربت من حوارهم حول أمر ابنتها، والتقطت علاجه وكأس الماء. ابتلع حبة الدواء وعاد الإرهاق يحتل جسده. جلست قبالته لفترة. ثم نهضت من جواره بعدما تأكدت من غفيانه. عادت لتلك التي تكورت فوق فراشها. وفور أن تعلقت عيناها بوالدتها، وجدتها تقترب منها بماء دافئ وقطن. "هاتي إيدك." أسرعت "جنه" في تلبية أمرها، وأعطتها كفيها. "هنبيع البيت وندفع تمن عملية أبوكي." اتسعت عيناها صدمة، ولكنها ابتلعت حديثها.

فوالدتها قد قررت الأمر بحسم. *** حديثاً طويلاً قد دام بينهم، ولكن وسط حديثهم المحفل بالأعمال والصفقات. قاطع أكرم حديثهم: "هي صفا مجتش اجتماع النهارده ليه؟ انتبه "عامر" على سؤاله وقد ترك القلم الذي يوقع به من يده، لينظر نحو صديقه متعجباً من سؤاله عنها. "لا متخافش يا راجل، أنا بحب مراتي، سؤال فضولي مش أكتر." ضحك "أكرم" من هيئته التي تعجبها، ورفع حاجبه متسائلاً بشك.

"أوعي تقولي إن صفا عجباك يا عامر.. مش معقول، أنت لسه خارج من تجربة. أنا واثق إنها لسه معلمة جواك، رغم إني معرفش السبب." ولكنه كان قد حسم قراره. لن يعاقب "فريدة" ووالدها، وخاصة بعد طلاقها منه من زيجة لم تستمر إلا شهرين. ثم ستأتيها الصفعة الأقوى هي ووالدها. زيجته التي لن تكون إلا عقاباً. "أنا قررت أتجوز يا أكرم." لم يتفوه "أكرم" بحرف، بل انتظر سماع باقية حديثه. "هتجوز صفا."

ارتسم الذهول فوق ملامح "أكرم"، فكيف يتخذ صديقه هذا القرار ولم يمر على طلاقه سوى شهر ونصف. *** تلاقت عيناها بابن أخيها، فابتسمت وهي تضع سبحتها في حجرها مشيرة إليه بأن يقترب. تقدم منها يلتقط كفها يقبله وهو يشعر بكفها الآخر يمسح فوق شعره. "ربنا يرضى عنك يا ابني." تمتمت بها السيدة منيرة، هذه المرأة الصعيدية ذات الملامح الطيبة. "أخبار صحتك إيه النهارده يا عمتي؟ ومنيرة كالعادة تخبره بعبارتها.

"هكون بخير لما تفرحني بيك، انت وابن عمك اللي بقى مقاطع الستات." ومن داخله كان يضحك بسخاء، فمن هو الذي هجر النساء؟ "جاسر" ابن عمه، الذي لا يمر بضعة أشهر إلا ويتزوج بأخرى بعيداً عن أنظار العائلة. انتبهت "منيرة" على شروده وتلك الابتسامة الساخرة المرتسمة فوق شفتيه. ولكن سرعان ما انتبه "هاشم" على حاله وجلس جوارها. "في حاجة عايز تقولها ليا، يا ابن أخويا؟ ولم تكن منيرة إلا امرأة ذات نظرة ثاقبة بمن أمامها.

ورغم طيبة قلبها إلا أنها كانت امرأة حكيمة قوية. انتبهت "منيرة" على كل كلمة يخبر بها. لا تصدق أن ابنة شقيقها.. أتت المصنع تبحث عنهم وقد التقت بعمه "عبد الرحمن" وقد طردها دون أن يسمعها ويعرف سبب بحثها عنهم بعد هذه السنوات. وبحزن دفين، ودموع قد علقت في عينيها. "أكيد أخويا في حاجة، ده عمره ما فكر يرجع لينا تاني ورفض سنين طويلة الفلوس اللي كنت ببعتها ليه."

وبكاء كانت تتذكره، وتسرد لابن شقيقها كم كان عمه حنوناً وطيب القلب، ولولا قسوة والدهم، لكان عاش بينهم هو وزوجته وابنته. "أنت عرفت منين يا هاشم؟ وهاشم كان يخبر باستفاضة عن الرجل الذي دسه هو وجاسر في المصنع الذي يديره عمه وابنه. *** كومة من التراب قد أصبح عليها هيئة بيتها بعد أن كان جنة تجمعها بوالديها. فوقف تتأمل بقايا حياتها التي انهدمت يوماً مع هذا التراب. انسابت دموعها وقد أخذتها الذكريات نحو هذا اليوم بتفاصيلها.

يوماً لن تنساه مهما مرت الأيام والسنين. أسرعت بخطواتها هاربة، بعدما التفت بجسدها تُلقي بنظرة أخيرة نحو المكان الذي جمعها بأحبابها. التقطت أنفاسها وقد وقفت لمرة أخيرة قبل أن تغادر المنطقة بأكملها. وبعينين باكيتين وذكريات أصبحت تقتحم فؤادها دون رحمة. قد عادت نيران قلبها التي لم تنطفئ، وكل ذكرى تعود إليها معهم.

ابتسمت بحزن وهي تتذكر عبارات والدها التي كان دوماً يخبرها بها هي ووالدتها عندما تصيبهم أو تصيب غيرهم فاجعات الأقدار. "قطر وماشي يا بنتي ومسيرنا في يوم هننزل في محطتنا.. ويابخت من كان ضيف خفيف عليها وسابها زي ما جه." خزها الحنين بلوعة، ودموعها التي تمالكتها. عادت تهطل فوق خديها. "ربنا يرحمك يا بابا انت وماما ويجعلكم من أهل الجنة."

وفتحت حقيبة يدها ونظرت لبعض الأموال التي أصبحت تحصل عليها من عملها في القصر كمرافقة وعملها كمترجمة في شركة ذلك المتعجرف، غريب الأطوار. واقتربت من أحد الرجال الجالسين على الأرض، وقد افترش أمامه.. حزم من الجرجير لعله يرزق منها. "بكام الجرجير؟ فابتسم الرجل لها بطيب خاطر، فأخيراً نظر أحد إلى جرجيره وسيرزق. هتف راضياً وهو ناظراً لجرجيره: "الحزمة بجنيه يا بنتي." فابتسمت صفا وانحنت تلتقط الحزم تتسأل عن سعرها.

"طيب لو أخدت كل الجرير، هتدفعني كام؟ فارتسمت البشاشة فوق ملامح الرجل. "خده ببلاش يا بنتي." ابتسمت على طيبة هذا الرجل رغم فقره، أخبرها الرجل بسعره وقد تهللت أساريره وهو يجدها صادقة القول وقد اشترت منه جميع الحزم، وبدأت تخرج المال أمام عينيه السعيدة بمكسبه وقد ساق الله له الرزق دون أن يمد يده. دفعت صفا ثمنه.. فاندهش الرجل مما أعطته له، فهذا ليس ثمن بيعته.

"بس أنا معيش فكة ال 200 جنيه دي يا بنتي، استنى أما أروح أشوف البقال اللي جنبنا وخليكي واقفة جنب الجرجير." وتابع حديثه ضاحكاً وقد ارتسمت السعادة على ثغره وهو يهرول من أمامها: "ما بقاش بتاعك خلاص." طالعته "صفا" حتى دلف لمحل البقالة القريب منه، وابتسمت وهي تتذكر سعادته تاركة له حزم الجرجير والمال. *** ظلت علامات الصدمة مرتسمة فوق ملامح "أكرم"، وقد ظل على هيئته دون حديث.

وأخيراً بدأ يستوعب ما هتف به صديقه، خاصة وهو يرى تلك النظرة الحاسمة في عينيه. "يعني عايز تتجوز صفا عشان تعاقب بنت محسن الصواف.. يعني الفكرة كلها انتقام يا عامر؟ نهض "عامر" عن مقعده، وقد علم الجواب من صمته. "رد عليا يا عامر، قرارك انتقام مش كده؟ التقط قداحته في صمت، فازدادت ملامح "أكرم" قاتمة وهو يرى هيئته الباردة. "طيب وصفا ذنبها إيه؟ "هتاخد فلوس، محدش بيقول لأ للفلوس يا أكرم."

أتبعه "أكرم" في وقفته، وظهر الامتعاض فوق ملامحه، فلم يعجبه قرار صديقه. إنه يظلم طرفاً آخر مقابل انتقامه من امرأة شوه والدها فيها سمعته. لا ينكر إنه شعر بالضيق وهو يقرأ بعد تصريحات الصحافة، بأن "عامر السيوفي" لم يتزوج إلا مؤخراً ثم انفصل عن زوجته والأمر بالتأكيد وراءه سر. والسر لم يكن إلا في رجولته. "أنا منكرش يا عامر إني نفسي تتجوز، لكن مش بنفس اختيارك الأول.

ما فريدة كان اختيارك ليه عشان الصحافة تسكت عن الكلام.. المرادي برضوه هتعيد نفس الحكاية." "أكرم." هتف بها بحده كعادته، عندما لا يعجبه حديث أحد. "صداقتنا تحتم عليا إني أنصحك يا صاحبي." وببطء كان يلتف "عامر" إليه. "أنا مش باخد رأيك يا أكرم، أنا خلاص أخدت قراري." وبالفعل قد اتخذ قراره، ف "صفا" الوحيدة التي ستكون عقاب لفريدة. يتزوج مجرد فتاة يتيمة مرافقة لوالدته. يا له من أمر سيجعل به محسن الصواف يعض يده في حسرة.

"أنت الوحيد اللي هتكون خسران يا صاحبي." والخسارة التي يخبره بها صديقه، هو أصبح معتاد عليها من النساء. بداية من والدته، من تلك المرأة التي أحبها في شبابه ولم تتحمل طباعه. للمرأة التي أخذته عاطفته نحوها وقرر أن يتغاضى عن حبها لشقيقه. ثم ظنها إنها ستقهر شقيقه عندما تصبح في سريره. "هتخسر البنت يا عامر، لأنها مش من النوع ده." ومبرر آخر كان يضعه أمامه صديقه، وتلك المرة كانت تصدح ضحكتها عالياً.

"جوازة سنتين من عمرها، مش هتخسر فيهم حاجة." "ولو بقي في ولادك بينكم؟ وبقرارات لم يعد الواقف يفهم فيها صديقه. "لكل حديث مقام يا أكرم." وعاد لمقعده، ينظر نحو شاشة حاسوبه. زفر "أكرم" أنفاسه، يهز رأسه بيأس وقلة حيلة من صديقه. وكاد أن يهتف بنصيحته الأخيرة. "خلينا نشوف شغلنا." *** ابتسمت ناهد بسعادة وهي تستمع لمزاحهم ودعاباتهم لتضحك من قلبها الذي ظنت إنه قد مات من قسوة الزمن عليه. فهتفت الخادمة

صباح ذات اللسان الفكاهي: "والله يا ناهد هانم الواحد مش مصدق إن حضرتك قاعدة وسطنا في مطبخنا المتواضع وبتحتفلي كمان معانا بعيد ميلادي العشرين." لتبتلع سعاد قطعة الكعك، وقد وقفت في حلقها بعدما حشرت العديد من القطع مستمتعة بمذاقها. اشتد سعالها من حديث صباح عن سنوات عمرها، فمنذ سنوات وهي تخبرهم إنه عامها العشرون. "يا مفترية صغرتي نفسك تسع سنين مرة واحدة."

فتعالت ضحكات ناهد على مزاحهم مجدداً، فرفقتهم قد أعادت لقلبها السعادة. قلبها الذي كان يملئه الكبر قديماً، ولو كانوا التقوا بها في شبابها لمقتوها وكرهوا سماع اسمها كما كان الحال مع فريدة التي سعدوا بطلاق رب عملهم لها. فمن يصدق أن "ناهد" المتعجرفة التي كانت تنظر للناس بطبقية، تجلس وسطهم الآن في المطبخ وتأكل معهم وتضحك. طالعت "صباح" حذاءها الجديد الذي أهدته لها "صفا"، واتسعت ابتسامتها سعادة وهي تراه في قدميها.

بعدما قررت ارتدائه: "مش ناقص غير الفستان وابقى سندريلا." والتفت نحو سعاد ترمقها بملامح ممتعضة متسائلة: "هتجبلي إمتى الفستان يا سعاد؟ الروج والكحل اللي انتي جبتهوملي مش عاجبني، غيري هديتك." ارتفع حاجبي "سعاد" دهشة، فمنذ دقائق كانت سعيدة بهديتها وقد عانقتها ببكاء، والآن تخبرها إنها تريد هدية أخرى. وسرعان ما كانت تدفع قطعة من الكعك داخل فمها ضاحكة على هيئتها. "الهدية لا ترد، مبروك عليكي."

ابتسمت "ناهد" على دعابتهم لبعضهم، وشعرت بالغرابة من صمت صفا التي لم تنطق بحرف منذ جلستهم وهذا ليس من طباعها المشاغبة مثلهم، فهي من جلست القصر يشع فرحاً وبهجة منذ قدومها. "مالك يا صفا من ساعة ما جيتي من مشوارك وانتي ساكتة، انتي مش مبسوطة إني قاعدة معاكم؟ انتبهت "صفا" على حديثها، وقد فاقت من شرودها. فتلاقت عيناها بعينيهم القلقة على حالها.

حاولت أن تبتسم وتخفي عنهم حزنها، والتقطت أحد الأطباق الموضوعة على الطاولة وبدأت في إطعام "ناهد" وهي تشاغبهم كعادتها. "البت صباح بتعرف تعمل كيك حلو صح؟ مضغت "ناهد" قطعة الكعك، وابتسمت إليها مؤكدة على حديثها. "فعلاً يا صفا، وبتعرف تضحكنا كمان." تابعت صفا حديثها مازحة تنظر نحو صباح بمشاغبة، ترفع لها حاجبيها. "وكمان صوتها حلو." فابتعدت ناهد بفمها عن الطعام، والتفت بعينيها بينهم، تهتف بسعادة ورغبة في سماعها.

"طب خليها تغني لينا." فانتفضت "صباح" عن مقعدها مذعورة من الأمر، فكيف ستغني أمام السيدة الكبيرة. "لا لا اتكسف يا جماعة الله." انفجروا جميعهم ضاحكين على عبارتها الفكاهية. صباح: "هغني بشرط صفا ترقص، وسعاد تطبل.. أومال هغني لفنانة العظيمة ليلي نظمي إزاي." وتابعت حديثها الفكاهي: "صاحبة الأغنية العريقة خليها مفاجأة بقي الأغنية." وتلك المرة كانت "ناهد" تقنع "صفا" أن تلبي الأمر من أجله.

ناهد: "متخافيش يا صفا أنا مش هشوفك ما انتي عارفة، بس عشان خاطري ارقصي وافرحي معاهم وكمان أنا عايزة أفرح وسطكم.. بقالي سنين مفرحتش." وبعد محاولات ناهد، أرضخت "صفا" حتى تراضيها. وبدأوا ثلاثهم في عرض دورهم بسعادة، وقد تناست صفا أحزانها قليلاً بمغامرتهم البسيطة بينهم، وأخذت تتمايل وسط غناء صباح وحتى سعاد شاركتها في الرقص بفرح وفكاهة والسيدة ناهد تصفق لهم. ***

دخل عامر القصر وهو يستمع إلى أصوات الغناء الذي لا يدل سوى إنه جالس بالشارع وليس قصر. فامتقع وجهه من الغضب وسار بخطى غاضبة يصرخ بأسماء الخدم، ولكن لا أحد كان منتبهاً على ندائه. مما جعله يزداد توعداً لهم. تقدمت نحوه الخادمة "مارجريت" كالأفعى، وقد كانت هذه فرصتها حتى يطردهم جميعهم ويعود الهدوء للقصر كما كان، قبل أن تأتي هذه الفتاة وتقلق راحتهم.

"شايف مستر عامر، البنت اللي اسمها صفا قلبت قوانين القصر إزاي.. دي بتاخد ناهد هانم تقعدها مع الخدم في المطبخ، دي مش بتحترم قوانينك خالص مستر عامر، سامع الأغنية البلدي دي يا مستر عامر... "إيه، ادلع يا عريس وام فاروق ده." هتفت "مارجريت" عبارتها، دون انقطاع مما زاد حنقه وقد تعالا صوت الغناء. بل وصعدت زغرودة في القصر. وكأنه في فرح شعبي. "بس خلاص، اسكتي شوية." وسار بخطى سريعة نحو المطبخ متوعداً لهم.

هبط عدة درجات لأسفل نحو المطبخ وقد ارتسم التجهم فوق ملامحه الحادة. وعلى مقربة منهم، كان يقف وقد تيبثت قدماه يشاهدها وهي تتمايل بجسدها وشعرها يتطاير من خلفها بخفة. وقف لبرهة يضحك بها وبملامحها السعيدة. وبخطوات سريعة كان يصعد إلى حجرته، يلقي بسترته على أحد الأرائك الوثيرة متسطحاً فوق فراشه وهو يفكر في خطوته القادمة معها. ***

ورغم ظهور علامات الشيب على ملامح السيدة منيرة، إلا أنها ما زالت تحتفظ بجمالها وبشاشة وجهها وطيبتها. اقتربت من فراش شقيقها. وحديث ابنة أخيها ما زال يدور بعقلها، ولم تتحمل الصمت خاصة بعدما تأكدت من احتياج شقيقهم لهم. التقطت كفه، وانحنت تلثم جبينها. ففتح عيناه لها مبتسماً وحاول الاعتدال من رقدته. "خليك يا حسن نايم، يا أخويا." طالع ملامحها، وقد تأكد من وجود شيء ما في عائلته. "مالك يا منيرة؟ "صابر يا حسن."

تجمدت ملامح "حسن" وهو يستمع لاسم شقيقه. وقد أخذه الشوق إليه. ولكن القلب ما زال يحمل ما مضى مع الزمن. "أخوك مريض يا حسن، أخوك حياته بتضيع." وأخذت تسرد عليه ما عرفته من "هاشم" ابن شقيقهم الراحل رحيم، وما فعله شقيقهم "عبد الرحمن" بابنته بعدما جاءت إليهم تستنجد بهم. "يرضيك يا حسن، يرضيك يا أخويا.. بنتنا تمشي مكسورة الخاطر." واردفت متحسرة، عندما وجدت جمود شقيقها.

"اللي حصل زمان.. فات أوان العتاب فيه، وانتهى يا حسن، وأنت راجل تعرف ربنا، اديله ورثه، وساعد أخوك في عمليته. أخوك بيموت واحنا بأيدينا نساعده." حاول الاعتدال في رقدته، وقد ساعدته "منيرة" بعدما شعرت برغبته. فقد أنهكه المرض شقيقها وأصبح ملازماً الفراش. "صابر مالهوش ورث يا منيرة، انتي نسيتي إن أبوكي رفض يكتب له ورثه وحلف إنه مش هيطول منه ولا حاجة." وتابع بقهر وهو يتذكر ما فعله به.

"صابر قهرني زمان، عيشني طول عمري بصلح غلطته." وتذكر ابنه البكر، متسائلاً. "هاشم مبلغش ليه جاسر؟ فامتقع وجه منيرة من حديث أخيها لتخبره بنفاد صبر: "انت عارف إن جاسر ابنك بيكره سيرة عمه، خصوصاً لما عرف سبب طرده من العيلة، والحمد لله إنه مقبلهاش يا أخويا." وابتسمت بحزن وهي تتذكر الوصف الذي أخبرها به الرجل عن ابن شقيقها. "البت حلوة أوي يا حسن لولا إنك كنت في المستشفى كنت زمانك شوفتها.

يا حسن إحنا كبرنا خلاص يا أخويا والعمر مبقاش فاضل فيه كتير، ليه لسه قلبكم قاسي على أخوكم." "نسيتي عمل إيه في بنت عمك، ودفعت أنا التمن.. اتجوزتها واتخليت عن حبي الوحيد لسميرة بنت خالتك عشان أرضي أبوكي وعمي.. نسيتي يا منيرة." وتابع بقهر حزناً على حال شقيقه وعلى حاله بعد هذه السنوات الطويلة. "أنا مظلمتش صابر يا منيرة، صابر هو اللي ظلمني." "أم جاسر بقت في ذمة الله دلوقتي."

حسن: "فضلت تحبه طول حياتها يا منيرة، أخوكي كسر قلبها وقلبي." دمعت عينين "منيرة" وهي تتذكر تفاصيل الحكاية. "ما انت لحد دلوقتي لسه بتحب سميرة." فارتسمت السخرية فوق ملامحه على حديث شقيقته. "حب إيه بقى خلاص.. أنا خلاص بقيت بودع من الدنيا ومنكم. ابقى خلي بالك من حنين يا منيرة دي لسه صغيرة، وكمان جاسر ربنا يسامحها اللي كانت السبب في عقدته." "بعيد الشر عنك يا أخويا، ربنا يعطيك الصحة وطول العمر وتفرح بيهم."

ارتسم الحزن فوق ملامحه، متمنياً أن يرى على الأقل أولاد بكرة الغالي، الذي كره النساء بسبب امرأة طعنت رجولته وخانته. ولا تعرف "منيرة" كيف ومتى أصبحت الفكرة في عقلها، لم تنتظر التفكير في الأمر واندفعت تخبره. "إيه رأيك نجوز بنت صابر.. لجاسر." انصدمت ملامح "حسن" من عبارة شقيقته، وقبل أن يفوق من صدمته.. ويعترض على ما تفوهت به وكيف فكرت بالأمر.. كانت تخبره منيرة بما يدور بخلدها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...