الفصل 14 | من 37 فصل

رواية سطور عانقها القلب الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
47
كلمة
4,242
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 38%
حجم الخط: 18

استطاعت أن تُحرك غريزته، ورغم عدم استجابته في البداية، إلا إنه رجل وبين ذراعيه امرأة جميلة وراغبة به. تعلقت عيناها به بعدما ابتعد عنها، تنظر إليه تستوعب، متى وكيف أصبحوا فوق الفراش يتبادلون جنونهم. جنون يأخذهم لطريق يعرف نهايته. هو وفريدة قطبان مختلفان. طالعته في صدمة وهي تراه يعتدل بجسده، ويطرق رأسه أرضاً، يزفر أنفاسه لعله يتمالك حاله ويستوعب ما كان سيحدث بينهما.

بهتت ملامحها وهي لا تُصدق إنه نفرها بهذه الطريقة، وطعنتان في القلب لامرأة مثلها كان أصعب ما يكون. والعبارة تتردد داخل عقلها: "هتخرجي خسرانة من معاركك". وهذه كانت معركتها، أن تنال "عامر السيوفي"، أن تثبت "لأحمد السيوفي" إنها تخطته كما تخطاها من حياته، بل وأصبحت زوجة فعلية لشقيقه. بل وملكت قلبه وأصبح في قبضتها تديره كما تريد. والأهم أن تثبت لوالدها، إنها وحدها من تقرر الأمر. دائرة مغلقة من الأفكار كانت تدور داخلها.

"المفروض ده ميحصلش بينا يا فريدة." تمتم "عامر" عبارته وهو يزفر أنفاسه بثقل، فسلطت عيناها فوق ظهره وقد أصابتها كلمته. "لكن أنا عايزاه." تجمدت ملامحه، والتف نحوها ينظر إليها متفرساً ملامحها. وبعبارات لم يصدق إنه سيسمعها منها، كانت تُخبرها عن حاجتها للأمر. "دي غريزة يا فريدة، لو الموضوع تم بينا مش هنكون غير بنشبع غريزتنا." وببساطة كانت تتقبل كلمته، تخبره بحقيقة وضعتها عمتها صوب عينيها.

"أنا محستش بالنفور وانت بتلمسني، حسيت إني عايزاك فعلاً يا عامر." تلمعت عيناه، فقد اختارت الكلمات الصحيحة لتُلقيها على رجل كـ "عامر السيوفي". "جوازنا نهايته الطلاق يا فريدة." أومأت له برأسها، واقتربت منه بعدما وجدت الرغبة تعود في عينيه. "مش هنخسر حاجة." جذبتها إليه وهي سعيدة بانتصارها، شعرت بالاكتمال وهي بين ذراعيه، ولكن تجاهلت هذا الشعور، وابتسمت بزهو.

غفا قربها وقد توسدت صدره، تنظر إليه. ابتسمت وهي ترى هيئتهما هكذا. فقد ملكت الأسد وستنال من "أحمد السيوفي". سلطها شيطانها على نفسها، والتقطت هاتفها تلتقط لها صورة وهي في حضنه. وفي رسالة كانت تبعث له الصورة، تُخبره إنها مضت بحياتها مع شقيقه. وبابتسامة واسعة كانت تعود لحضنه مجدداً. *** في الصباح، كان يفتح عينيه وهو يشعر بثقلها فوق صدره، طالعها وهو لا يُصدق إنه أتم زيجته بها. أبعدها عنه برفق. اتكأ فوق ذراعه يُحدق بها.

فتحت عيناها ببطء لتجده يُطالعها بنظراته الثاقبة، فابتسمت وهي تتماطى جواره. "صباح الخير." وقد كانت هناك جولة أخرى، جولة اتخذ فيها قراره. سينسي ما جمعه، يا فريدة، من قبل ويبدأ معها صفحة جديدة. فهو بالفعل أصبح يُريد زوجة وطفلاً يحمل اسمه. وعلى ضحكات عالية، كانت تفر منه هاربة، لا تستوعب هذا الرجل هو "عامر السيوفي". اتجهت نحو المرحاض تهتف بداخله. "عندك اجتماع مهم، بعد ساعة يا عامر باشا." "مش مشكلة نلغيه."

وابتسم وهو يرتخي بجسده فوق الفراش بانتشاء. صدح رنين قصير من الهاتف، ولم تكن إلا رسالة نصية. التقطه وهو يظن إنه هاتفه. ولكن عندما وقعت عيناه على خلفيته أدرك خطأه. وضعه مكانه. ولكن انبعاث رسالة أخرى جعلته يركز في اسم المرسل. إنه شقيقه. وبفضول كان يفتح الرسائل، وشقيقه يُخبرها بفداحة ما فعلته بشقيقه، وأنها لن يتهوان إذا تكرر الأمر ثانية.

كان يُحدق بالكلام، وبذلك الخط الذي يُخبره أن رسائلها قد محتها. فما الذي محته وجعل شقيقه يراسلها ويخبرها بهذه الكلمات؟ عبث في ملفات هاتفها، ومن حسن حظه أنه كان يعلم الرقم السري الخاص بالتطبيقات لديها. استمع لصوت المياه يتوقف وصوتها بالداخل تخبره باقتراح. "إيه رأيك نفطر بره سوا؟ "عامر أنت سامعني؟

ولو كان "عامر" هو ذات الشخص الذي استيقظ في الصباح، يرى العالم والنساء في صورة أخرى، لكان وافق على الفور، لكان منحها ما تُريده، بل جعلها ترى رجلاً آخر. خرجت من المرحاض، تستعجب صمته. ومن هيئته كانت تشعر بوجود خطب ما، فتساءلت بقلق وهي تقترب منه. "في حاجة حصلت؟ الإجابة كانت تحصل عليها وهي تراه يقبض فوق هاتفها. يريها الصورة التي بعثتها لشقيقه. "عامر." وصفعة قوية كانت تلطم وجنتها، بل الصفعة أصبحت صفعات.

"مكنتش فاكرك بالحقارة دي." "عامر ارجوك اسمعني." وهو كان أشبه بالوحش الذي أوقدت نيرانه. "بقى أنا تعملي كده فيا يا بنت محسن." صراخها تعالا، وقد وقفت "صفا" خارج الغرفة، تشعر بالصدمة وهي تستمع إليهم. "أنا الغلطان من الأول، قولت أقف جانبك وأسترك من كلام الصحافة، وفي الآخر تعضي إيدي وتطلعيني مغفل." وكلما تذكر الصورة، كان الغضب يشتعل داخله. "وجوزك في بيتي كان غلط من الأول، انتِ طالق، طالق، طالق."

ألقاها عليها وغادر الغرفة. وتوقف مكانه وهو يرى "صفا" الواقفة. تضع بيدها فوق شفتيها من الصدمة. "عارفة لو كلمك طلعت، هندمك على حياتك.. سامعة؟ ارتجفت "صفا" في وقفتها، وأومأت له برأسها قبل أن تسرع في خطواتها عائدة لغرفتها. تحاول أن تستوعب ما سمعته. ***

وقف الخدم يتهامسون عن الأمر، غير مصدقين ما حدث. فليلة أمس غفت العروس التي كانت تعيش في غرفة منفصلة في غرفة سيدهم، وفي الصباح كانوا يتلامزون بين بعضهم بتأخر السيد عن موعد استيقاظه. "مش معقول تكون مطلعتش بنته؟ تفتت بها "سعاد" وهي تنظر نحو "صباح" رفيقتها و "صفا" التي لم تندمج معهم بحديثهم. "لا بنت يا سعاد، متتهميش البنت في شرفها." "وانتِ عرفتي إزاي؟

وصباح كانت ترمقها بعينيها، لا تُصدق غباءها. استوعبت "سعاد" الأمر، فرفيقتها هي من نظفت الغرفة التي انقلبت رأس على عقب. "كفاية يا جماعة، اللي بنعمله حرام." أومأوا لها برؤوسهم، مقتنعين ما تخبرهم به. "بصراحة أنا فرحانة إنها مشيت." ومثلما تمتمت "سعاد"، كانت "صباح" تهتف مثلها ولكن مشفقة عليها. فلم تكمل شهرين على زواجها ورحلت من المنزل بوجه مكفهر مطلقة. "الأيام الجاية هتكون صعبة على البيه، وهيطلع غضبه علينا."

وصفا تجلس مستمعة لا أكثر، فالحقيقة وحدها من تعلمها، ولأول مرة كانت تشفق على هذا الرجل. *** كانت هذه المقابلة هي المقابلة الثالثة لهم، مقابلة قد دعاها هو هذه المرة. بعد تلك الليلة التي قضاها ساهداً. لا يُصدق ما فعلته فريدة. "أنا حقيقي محظوظة إنك دعتني النهارده يا بشمهندس." فابتسم أحمد بلطف مصطنع. "محتاج حد أتكلم معاه يا أميرة، هتقدري تسمعيني؟

اتسعت حدقتاها غير مصدقة ما يطلبه منها، ومن نبرته كانت تشعر بيأسه. أومأت له برأسها. وانتظرت أن يتحدث. وقد فاض لها بما يعتليه وهو لا يعرف لماذا يتحدث معها في أمور هكذا. هل لأنها أكبر سناً منه أم ماذا؟ *** اتكأ برأسه فوق سطح مكتبه، بعدما أطفأ عقب سيجارته العشرون. لقد عاد يدخن بشراهة، بعد أن أقلع عن الأمر منذ سنوات. أغمض عينيه وهو يرى هاتفه يضيء برقم شقيقه. التقطه بصعوبة يفتح الخط وينتظر سماعه. "عامر."

"مت'قولش حاجة يا أحمد، دي كانت غلطتي من البداية.. فريدة هي ناهد هانم." تنهد "أحمد" بثقل وهو يدلك عنقه وقد شعر بالوجع على ما أصاب شقيقه. "عامر، أنا قلقان عليك.. لو كان ينفع أنزل مصر حالياً، كنت نزلت." "بالعكس يا أحمد، بعدك أفضل حالياً ليا." "أنا آسف يا عامر." انتهت المكالمة، وقد أنهها "عامر" بعدما شعر بقدم قدرته على الحديث مع شقيقه. تساءل داخله. ماذا كان سيحدث إذا ظل كالمغفل معها؟ هل كان سيخسر شقيقه؟

طَرقت الخادمة الباب وقبل أن تدلف غرفة مكتبه، كان "محسن" يدفعها من أمامه بقسوة. "تطلق بنتي وتضربها يا ابن السيوفي." وبجمود كان ينهض عن مقعده، يرمقه بنظرات قوية، وسرعان ما كان ينفجر ضاحكاً. "بنتك اللي كنت مخطط تجوزهالي، وأنا بغبائي سعيت أجوزها لأخويا.. وبغباء أكبر اتجوزتها." "هفضحك يا عامر، في كل مكان.. هقول عليك مش راجل." احتدمت ملامح "عامر" وهو يستمع لعبارته. "ما هو اللي بيضرب واحدة ست، ميبقاش راجل."

وبقوة كان يدفعها نحو الحائط، يزمجر به، وعبارته تتردد داخل أذنيه. "الراجل ده، لو فضح بنتك المحترمة، الناس هتصفق ليه.. بنتك المحترمة اللي كنت فاكرها متربية... طلعت أسوأ ما يمكن." أزدرد "محسن" لعابه، يتذكر ابنته وهي تتوسل إليه، ألا يذهب له. ويكفيها ما حدث لها من هذه العائلة. "عايز تعرف بنتك أطلقت ليه؟ في يوم صباحيتها." اتسعت عينا "محسن" وهو يخشى سماع تلك الكلمة، وبصعوبة كان يتساءل. "هو انتوا كنتوا لسا...

انفرجت شفتي عامر في ضحكة قوية وهو يبتعد عنه، لا يُصدق ما يسمعه من هذا الرجل. "هسيب السبب، تعرفه من بنتك كويس.. ومش عايز أشوف وشكم تاني." وبحدة أفزعت "محسن" وجعلته يركض هارباً. كان يصرخ. "بره.. بيتي." ***

ابتسمت "ناهد" بسعادة وهي تسير بقدميها إلى حديقة القصر، بعدما غادرت تلك الفتاة منزلها وقد أصبحت تجلس بغرفتها تجنباً لها. ورغم حزنها على حال بكرها الذي عاد لقوقعته وقسوته، إلا إنها سعيدة بما حدث حتى لو لم تعرف السبب وراء طلاقهم الذي حدث فجأة. حاولت تلاشي أفكارها، فهي اليوم لا تريد إلا السير بهدوء برفقة "صفا"، تلك التي أصبحت كابنتها. "احكيلي عن شغلك مع عامر."

وعندما أتى الحديث عنه، تنهدت وهي تتذكر حالة الجمود والغضب الذي أصبح ينال منه الجميع، مشفقة على حالها. "مدير شديد، لا يرفق بأحد." تفتت بها ضحكة، فصدحت ضحكة "ناهد" الجميلة بعدما استمعت لعبارتها بأسلوبها المازح الذي تحبه فيها. "عملت لابني، خليت الوحش اللي جواه يرجع من تاني." هتفت بها "ناهد" بعدما تلاشت سعادتها، وارتسم الحزن فوق محياها. أكملت سيرها بها دون حديث. فما الذي ستخبرها به؟

فتبتسم ناهد إليها بطيبة: "أنتِ بسيطة أوي يا صفا، حتى في تعبيرك.. عارفة لو كنتي عرفتيني من عشر سنين فاتوا، مكنتش حبتيني ولا كنت أنا حبيتك." وبرفق أجلستها فوق على المقاعد المريحة وجلست جوارها وهي تمسك أحد يديها تمسد عليهما بحنان. "الشمس حرارتها هادية، والجو جميل." فابتسمت "ناهد" تومئ لها برأسها. "أهلك وحشينكيش يا صفا، لو عايزة تاخدي إجازة قوليلي يا بنتي."

تنهدت "صفا" بحزن، فقد أصبحت تشتاق لعمتها وزوجها وجنة، ولكنها أصبحت مرتبطة بعمل آخر مع السيد عامر، وهو لا يتهاون في عمله. انتظرت "ناهد" سماعها. ولكن الحديث توقف على طرفي شفتيها وهي تستمع لصوت "عامر" الذي هتف باسمها للتو. "صفا! وازدادت ابتسامة ناهد لسماع صوته، والتفتت بجسدها رغم استحالة رؤيتها له. حاولت النهوض عن مقعدها تهتف بها. "خديني ليه يا صفا."

شعرت "صفا" بالخوف من ملامحه وهو يتقدم منهم، يُلقي عليها أحد الملفات والتي أخطأت في ترجمة بعض بنودها. "مش قادرة تنتبهي على شغلك، يبقى تسيبى الشغل وخليكي في وظيفتك الأساسية." وبتهكم كان يهتف: "مجرد مرافقة." لم يهتم بنظرات والدته الملهوفة، ووقفت تُحرك له رأسها لعله يفهم. ولكنه كان فضل أن يوبخها. وأخيراً كان ينتبه على حركة رأسها له. فزفر أنفاسه متنهداً وهو يقترب من والدته. اقتربت منه وهي تدرك خطورة فعلته هامسة:

"شايف لهفتها عليك.. هي ملهاش ذنب في حاجة." تمالك غضبه منه، ولكنها حينًا طلعت بتلك النظرة التي تشبه القطط في وداعتها. "ارجوك." فاتجه صوبها ينظر لنظرات عينيها المشتاقة وحسرتها، وقد اعتصر قلبه الألم والحقد ليس عليها على تلك التي أعادت الوحش بداخله. بعدما كان بدأ يتقبل حياته. انحنى يلثم رأسها، فدمعت عيناها فرحة، ومدت كلتا يديها نحوه تهتف بسعادة. "تعالي في حضني يا عامر."

وكأنه كان يحتاج تلك الكلمة منه، تعالت الدهشة فوق ملامح "صفا" وهي تراه يضمها إليه ويلبي رغبتها. ولكن سرعان ما كان ينسحب من بين ذراعيه، ويسير بخطوات جامدة متمتماً لتلك الواقفة. "صالحي الغلطة اللي في الملف يا أستاذة." وغلطة واحدة في إحدى الأوراق، كانت تقع عينا "صفا" عليها. مصدومة من ثورته عليها بسببها. ***

لقد مر الشهر المنتظر، وها هي تخرج من المشفى الحكومي خالية الوفاض، بعدما استمعت للطبيب بأن والدها أمامه شهر آخر. فهناك حالة لأطفال تستحق. لم تصدق ما سمعته. صرخت واعترضت ولكن في النهاية عبارة واحدة تسمعها: "إن حالة والدها على نفقة الدولة ولا حق لها في الاعتراض. وتنتظر مثلما ينتظر غيرها. أو تذهب بوالدها لمشفى خاص وتدفع المال."

عادت للمنزل تجر أذيال الخيبة، وجدت والدتها تخرج من غرفة والدها بعدما أطعمته وأعطته علاجه. تدعو لصفا التي تبعث لهم المال. "ربنا يكرمك يا صفا يا بنتي." واقتربت من ابنتها بحب وتساءلت. "مال وشك أصفر كده ليه، يا جنه؟ ومن ملامح ابنتها كانت تفهم السبب، وضعت صنية الطعام جانباً. وجلست فوق الأريكة المتهالكة بعض الشيء. "قالولك لسا دورك، مش صح يا بنتي؟ جاورتها "جنه" بملامح حزينة، وبقهر كانت تخبرها.

"قالولي، في حالات مينفعش تنتظر." "هما مش قالولنا، الشهر ده هتتعمل العملية يا بنتي." وبتهكم، كانت تخبرها بما سمعته. "نستنى الدور لحد ما هما يقرروا." وانتهضت "صافيه" بثقل واتجهت نحو المطبخ. اتبعتها "جنه" بعينيها فوالدتها ابتعدت حتى لا تراها دموع عجزها. سقطت دمعة سخية فوق وجنتيها، تنظر نحو الجدار المشقوق في منزلهم المتهالك بعض الشيء. "لقيت حل يا بنتي، نبيع البيت." ***

وقفت خلفه تحمل مفكرتها التي دونت بها جميع ملاحظاته ومقترحات الجالسين حول هذا الاجتماع الذي قد انتهى للتو. ورفعت بعينيها قليلاً لتري أي ردة فعل منه إلا إنه كان مازال يعطيها ظهره ووضع بكلتا يديه في جيب بنطاله. ولكن أخيراً قد تنحنح بصوته الخشن الجامد. "عامر: هنفضل في السكوت التام ده لحد امتى، ولا القطة بلعت لسانك؟ ما تقولي ملاحظاتك يا أستاذة." فانصدمت صفا من ردة فعله، وقد أصبح بالفعل غليظاً. فهي تنتظر أمره حتى تتحدث.

وبمقت أخذت تقص له كل شيء قد دونته في مفكرتها. فاقترب منها بتمهل شديد، ولم تشعر به لأندماجها في تسرد إليه. وبأسلوب لم تعتاده منه سألها: "وإنتي إيه رأيك في العروض اللي تم طرحها في الاجتماع؟ طالعته في صدمة، واتجه ناحية مكتبه ينتظر سماعها، وقد جلس مسترخياً فوق مقعده وأغمض عينيه بإرهاق واضح على قسمات ملامحه. ولكن ظلت تلك المسكينة واقفة تحاول أن تستوعب سؤاله عن رأيها.

ورمقها خلسة فوجدها واقفة كالبلهاء تحتضن مفكرتها وكأنها تحتضن طفلاً. "إنتي مسمعتيش سؤالي يا صفا؟ حركت رأسها نافية، إلا إنها سرعان ما عدلت عن خطأها وحركت رأسها بالإيجاب. وفاتت من دهشتها. وهتفت بصوت خافت: "شايفه أنه عرض هايل، و…" وقبل أن تكمل عبارتها وتخبره عن رأيها بالتفصيل، كان يقطع حديثها. "تقدري تتفضلي يا صفا." وبوقاحة كان يصرفها بفظاظته، وداخلها تهتف حانقة. فلما سألها من البداية. ***

قضت طيلة ليلتها تفكر في قرارها، فما عساها أن تفعل إلا أن تذهب إليهم، تستجدي عاطفتهم. قررت أن تغادر في الصباح بعدما تخبر والدتها إنها وجدت عملاً في صيدلية بعيدة عنهم وستضطر لقضاء فترتين. لأنها تحت التدريب. فكرت بكل ما ستفعله، ولكن لم يبقى إلا شيئاً واحداً، أن تبحث عن عنوان عائلة أهلها. وببساطة كانت تحصل على العنوان. ليس المنزل بل مكان أحد المصانع هناك. فعائلة والدها منتشرين في معظم أنحاء الجمهورية بتجارتهم الواسعة.

*** وقفت أمام بوابة المصنع، تنظر نحو المكان برهبة وقد أحرقته حرارة الشمس الساطعة. حمدت الله إنها غادرت قريته مبكراً قبل طلوع الشمس. اقتربت من البوابة. فوقف الحارس مستغرباً وجودها هنا. فالمصنع خاص بالرجال ولا نساء هنا. "خير يا أستاذة." توترت "جنه" ومو تنظر إليه. "ممكن أقابل أصحاب المكان." تجلجلت ضحكات الواقف، يفحصها بعينيه ومن اختلاف لهجتها عنهم. علم أنها غريبة عن بلدتهم.

"أصحاب المكان، مرة واحدة.. اتفضلي يا أستاذة شوفي طريقك." أصرفها بذراعه. ف تراجعت للخلف. "أقولهم بس على اسمي وهما هيعرفوا أنا." "يا أستاذة متجبليش الكلام، اتفضلي من هنا."

وأسرع في نهوضه من فوق مقعده، وقد تجاهل ما تخبره به عن هويتها واسمها كاملاً. التفت خلفها وهي تسمع بوق سيارة. وقد وقف صاحبها منتظراً البوابة أن تفتح حتى يتمكن من الدلوف للداخل. فحصت بعينيها الجالس في السيارة. فلم يكن إلا عمها "عبد الرحمن" الذي يشبه والدها في الملامح. وقد عرفته من تلك الصورة التي ما زال يحتفظ بها والدها رغم مرور السنين واحتلال الشيب ملامحه. أسرعت نحوه قبل أن يتحرك بسيارته. تهتف اسمه.

"عمي عبدالرحمن، أنا جنه بنت صابر أخوك." استمع إليها، ولكنه تجاهلها وكأنه لم يسمعها. دلف بسيارته، وهي وقفت مكانها تنظر نحو السيارة وقد علقت الدموع بأهدابها ولكنها أبت الهطول. وها هي ساعة أخرى تمضي، وهي تقف تنتظر على أمل. ورغم حنق الحارس منها إلا إنه قرر تجاهلها، ما دام ابتعدت عن مكان عمله.

أخرجت زجاجة المياه التي أصبحت ساخنة من حقيبتها، ترتشف منها بضعة قطرات، ثم أخذت تطالع الوقت. فلم يتبقى على قطارها إلا ساعة ونصف وقد ظنت إنها ستتلقى أحضان عائلتها. ارتسم التهكم فوق ملامحها ولكن سرعان ما كان الأمل يعود لقلبها. وهي تجد سيارة أخرى تقترب من بوابة المصنع. أسرعت تمر الطريق الخالي. ولكن تلك المرة لم تعرف بهوية هذا الشاب. ولكنه انتبه إليها وتسأل وهو يزيل عن عينيه نظارته. "بنت جميلة هنا في مصنعنا مش معقول."

ابتسمت "جنه" بخجل، من مدحه الذي أشعرها بالأمل. "إنتي مين؟ "أنا جنه صابر... لم تكن تكمل اسمها إليه، حتى صدح رنين هاتفه بصوته الصاخب، ثم آتاه صوت والده. "إنت فين يا وليد؟ وعندما علم بوجود ولده أمام بوابة المصنع، تساءل وهو ينهض من فوق مقعده. "هي لسه البنت دي موجودة قدام المصنع؟ وقبل أن يهتف بشيء. "لو قدامك، خلي محروس يبعدها من هنا."

تنهد حانقاً بعدما أغلق والده الهاتف بوجهه كعادته. طالع الواقفة. وظنت أنه سيكمل حديثه معها. ولكن الصدمة احتلت ملامحها وهي تراه يتحرك بسيارته دون أن يعبأ لأمرها هو الآخر. وقفت لثواني تنظر لطيف السيارة، وقد انغلقت البوابة ثانية وتلك المرة كان الحارس يقترب منها حانقاً. "إنتِ هتفضلي واقفة لكل واحد.. بت إنتِ.. أنا بقيت شاكك في وقوفك هنا." "إنت ليه مش مصدق إني بنت أخوهم؟ طالعها الرجل متهكماً.

"أنا معرفش غير إن حسن باشا، وعبد الرحمن بيه ملوش غير اخت واحدة بس. لكن أخ.. لا جديدة دي." "طيب فين عمي حسن؟ تجهمت ملامح الواقف، وقبل أن تستوعب ردة فعله. كان يدفعها بقسوة من أمامه. أسقطتها أرضاً. "لو ممشيتيش من هنا، هبلغ الشرطة.. أو وضع يده فوق سلاحه.. أو هطخك بالنار." ***

تعالت أصوات ضحكاتهم، في ذلك المطعم الذي أتوا إليه بعدما استمعوا من البعض عنه. أتوا كرفقاء. رفقاء كلمة يضعها هو في علاقتهما ولكنها ليست مثله. بل أصبحت مشاعرها تتحرك نحوه. حدقت أميرة بالطبق الذي قُدم إليهم كضيافة لهم من المطعم لقدومهم إليه لأول مرة. "شُربة ضفادع، هي دي هدية المطعم النهارده." فضحك أحمد ملء شدقيه وهو ينظر للطبق وباقي الأطباق التي قُدمت لهم، يهتف بمرح أصبح في علاقتهما.

"هدية جميلة يا أميرة، يلا خلصي طبقك وطبقي.. أصل أنا مليش غير في شُربة السمك." فتعالت ضحكاتهم وقد أخذ بعض الجالسين يحدقون بهم متعجبين من ضحكاتهم. خفق قلب "أميرة"، وقد لمعت عيناها وهي تتأمله، غير مصدقة إنها أحبت هذا الرجل. أحبت الرجل الذي اقتربت منه من أجل مهمة طلب منها لتنفيذها. أحبت رجلاً شقيق للرجل الذي أحبته يوماً، وها هو قلبها لا يرحمها بل يخبر حقيقة مشاعرها "إنها أحبت هذا الرجل." ***

جلست شارده، محبطة على متن ذلك القطار العائدة بها إلى بلدتها. لم تجني شيئاً من هذه الزيارة إلا الحسرة وإهدار الكرامة. بضعة ساعات علمت فيها أن والدها لديه كل الحق ليبتعد عن هؤلاء المتحجرين القلب. حدقت بكفيها. فلمعت الدموع بعينيها وهي ترى جرحهما بعدما دفعها هذا الحارس بكل قسوة. هطلت دموعها بسخاء، تنظر لظلمة الطريق من خلف زجاج القطار بعينين تائهتين، تتنهد بحسرة وقلة حيلة. "طيب أعمل إيه أنا دلوقتي؟

وتذكرت ما فعله بها عمها وتجاهله لها كأنه لم يراها أو استمع إليها. وقد عاد الألم يخترق فؤادها من شدة القسوة. تقسم داخلها إنها ستنال منهم حقها يوماً.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...